######OpenITI# #META# المؤلف: أبو حامد الغزالي #META# الناشر: دار الكتب العلميّة #META# الطبعة: ١ #META# الموضوع : #META# تاريخ النشر : ١٤٠٩ هـ.ق #META# الصفحات: ١٦٦ #META#Header#End# ![](https://books.rafed.net/Books/3312_aliqtisad-fi-alitiqad/images/image001.gif) PageV01P001 ![](https://books.rafed.net/Books/3312_aliqtisad-fi-alitiqad/images/image002.gif) PageV01P002 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي اجتبى من صفوة عباده عصابة الحق واهل السنة ، وخصهم من ~~بين سائر الفرق بمزايا اللطف والمنة ، وافاض عليهم من نور هدايته ما كشف به ~~عن حقائق الدين ، وأنطق ألسنتهم بحجته التي قمع بها ضلال الملحدين ، وصفى ~~سرائرهم من وساوس الشياطين ، وطهر ضمائرهم عن نزغات الزائغين ، وعمر ~~أفئدتهم بأنوار اليقين حتى اهتدوا بها إلى أسرار ما أنزله على لسان نبيه ~~وصفيه محمد صلى الله عليه وسلم سيد المرسلين ، واطلعوا على طريق التلفيق بين ~~مقتضيات الشرائع وموجبات العقول ؛ وتحققوا أن لا معاندة بين الشرع المنقول ~~والحق المعقول. وعرفوا أن من ظن من الحشوية وجوب الجمود على التقليد ، ~~واتباع الظواهر ما أتوا به إلا من ضعف العقول وقلة البصائر. وان من تغلغل ~~من الفلاسفة وغلاة المعتزلة في تصرف العقل حتى صادموا به قواطع الشرع ، ما ~~أتوا به إلا من خبث الضمائر. فميل أولئك إلى التفريط وميل هؤلاء إلى ~~الافراط ، وكلاهما بعيد عن الحزم والاحتياط. بل الواجب المحتوم في قواعد ~~الاعتقاد ملازمة الاقتصاد والاعتماد على الصراط المستقيم ؛ فكلا طرفي قصد ~~الأمور ذميم. وانى يستتب الرشاد لمن يقنع بتقليد الأثر والخبر ، وينكر ~~مناهج البحث والنظر ، أو لا يعلم انه لا مستند للشرع إلا قول سيد البشر PageV01P003 # صلى الله عليه وسلم ، وبرهان العقل هو الذي عرف به صدقه فيما أخبر ، وكيف ~~يهتدي للصواب من اقتفى محض العقل واقتصر ، وما استضاء بنور الشرع ولا ~~استبصر؟ فليت شعري كيف يفزع إلى العقل من حيث يعتريه العي والحصر؟ أو لا ~~يعلم ان العقل قاصر وأن مجاله ضيق منحصر؟ هيهات قد خاب على القطع والبتات ~~وتعثر بأذيال الضلالات من لم يجمع بتأليف الشرع والعقل هذا الشتات. فمثال ~~العقل البصر السليم عن الآفات والاذاء. ومثال القرآن الشمس المنتشرة ~~الضياء. فاخلق بأن يكون طالب الاهتداء. المستغني إذا استغني بأحدهما عن ~~الآخر في غمار الأغبياء. فالمعرض عن العقل مكتفيا بنور القرآن ، مثاله ~~المتعرض لنور الشمس مغمضا للأجفان ، فلا فرق بينه وبين العميان. فالعقل مع ~~الشرع نور ms001 على نور ، والملاحظ بالعين العور لأحدهما على الخصوص متدل بحبل ~~غرور. وسيتضح لك أيها المشوق إلى الاطلاع على قواعد عقائد أهل السنة ، ~~المقترح تحقيقها بقواطع الأدلة ، انه لم يستأثر بالتوفيق للجمع بين الشرع ~~والتحقيق فريق سوى هذا الفريق. فاشكر الله تعالى على اقتفائك لآثارهم ~~وانخراطك في سلك نظامهم وعيارهم واختلاطك بفرقتهم ؛ فعساك أن تحشر يوم ~~القيامة في زمرتهم. نسأل الله تعالى أن يصفي أسرارنا عن كدورات الضلال ، ~~ويغمرها بنور الحقيقة ، وأن يخرس ألسنتنا عن النطق بالباطل ، وينطقها بالحق ~~والحكمة إنه الكريم الفائض المنة الواسع الرحمة. ### ||| * باب # ولنفتح الكلام ببيان اسم الكتاب ، وتقسيم المقدمات والفصول والأبواب. أما ~~اسم الكتاب فهو «الاقتصاد في الاعتقاد». وأما ترتيبه فهو مشتمل على أربع ~~تمهيدات تجري مجرى التوطئة والمقدمات ، وعلى أربع أقطاب تجري مجرى المقاصد ~~والغايات. PageV01P004 ### |||| ** التمهيد الأول : في بيان أن هذا العلم من المهمات في الدين. ### |||| ** التمهيد الثاني : في بيان أنه ليس مهما لجميع المسلمين بل لطائفة منهم مخصوصين. ### |||| ** التمهيد الثالث : في بيان أنه من فروض الكفايات لا من فروض الأعيان. ### |||| ** التمهيد الرابع : في تفصيل مناهج الأدلة التي أوردتها في هذا الكتاب. # وأما الأقطاب المقصودة فأربعة وجملتها مقصورة على النظر في الله تعالى. ~~فإنا إذا نظرنا في العالم لم ننظر فيه من حيث أنه عالم وجسم وسماء وأرض ، ~~بل من حيث أنه صنع الله سبحانه. وان نظرنا في النبي عليه السلام لم ننظر فيه ~~من حيث أنه انسان وشريف وعالم وفاضل ؛ بل من حيث أنه رسول الله. وان نظرنا ~~في أقواله لم ننظر من حيث أنها أقوال ومخاطبات وتفهيمات ؛ بل من حيث أنها ~~تعريفات بواسطته من الله تعالى ، فلا نظر إلا في الله ولا مطلوب سوى الله ~~وجميع أطراف هذا العلم يحصرها النظر في ذات الله تعالى وفي صفاته سبحانه ~~وفي أفعاله عز وجل وفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما جاءنا على لسانه من ~~تعريف الله تعالى. فهي إذن أربعة أقطاب : ### |||| ** القطب الأول : النظر في ذات الله تعالى. فنبين فيه وجوده وانه قديم ms002 وأنه باق وأنه ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا ~~محدود بحد ولا هو مخصوص بجهة ، وأنه مرئي كما أنه معلوم وأنه واحد ؛ فهذه ~~عشرة دعاوى نبينها في هذا القطب. ### |||| ** القطب الثاني : في صفات الله تعالى. ونبين فيه أنه حي عالم قادر مريد سميع بصير متكلم وأن له حياة وعلما وقدرة ~~وإرادة وسمعا وبصرا وكلاما ، ونذكر أحكام هذه الصفات ولوازمها وما يفترق ~~فيها وما يجتمع فيها من الأحكام ، وأن هذه الصفات زائدة على الذات وقديمة ~~وقائمة بالذات ولا يجوز أن يكون شيء من الصفات حادثا. PageV01P005 ### |||| ** القطب الثالث : في أفعال الله تعالى. وفيه سبعة دعاوى وهو انه لا يجب على الله تعالى ~~التكليف ولا الخلق ولا الثواب على التكليف ولا رعاية صلاح العباد ولا ~~يستحيل منه تكليف ما لا يطاق ولا يجب عليه العقاب على المعاصي ولا يستحيل ~~منه بعثه الأنبياء عليهم السلام ؛ بل يجوز ذلك. وفي مقدمة هذا القطب بيان ~~معنى الواجب والحسن والقبيح. ### |||| ** القطب الرابع : في رسل الله ، وما جاء على لسان رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم من الحشر والنشر والجنة ~~والنار والشفاعة وعذاب القبر والميزان والصراط. وفيه أربعة أبواب : # الباب الأول : في إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم . # الباب الثاني : فيما ورد على لسانه من أمور الآخرة. # الباب الثالث : في الإمامة وشروطها. # الباب الرابع : في بيان القانون في تكفير الفرق المبتدعة. ### ||| * التمهيد الأول ### ||| * (في بيان ان الخوض في هذا العلم مهم في الدين) # اعلم أن صرف الهمة إلى ما ليس بمهم ، وتضييع الزمان بما عنه بد هو غاية ~~الضلال ونهاية الخسران سواء كان المنصرف إليه بالهمة من العلوم أو من ~~الأعمال ، فنعوذ بالله من علم لا ينفع. وأهم الأمور لكافة الخلق نيل ~~السعادة الأبدية واجتناب الشقاوة الدائمة ، وقد ورد الأنبياء وأخبروا الخلق ~~بأن لله تعالى على عباده حقوقا ووظائف في أفعالهم وأقوالهم وعقائدهم. وأن ~~من لم ينطق بالصدق لسانه ولم ينطو على الحق ضميره ولم تتزين بالعدل جوارحه ~~فمصيره إلى النار وعاقبته للبوار. ثم لم يقتصروا ms003 على مجرد الإخبار بل ~~استشهدوا على صدقهم بأمور غريبة وأفعال عجيبة خارقة للعادات PageV01P006 # خارجة عن مقدورات البشر ، فمن شاهدها أو سمع أحوالها بالأخبار المتواترة ~~سبق إلى عقله إمكان صدقهم ، بل غلب على ظنه ذلك بأول السماع قبل أن يمعن ~~النظر في تمييز المعجزات عن عجائب الصناعات. وهذا الظن البديهي أو التجويز ~~الضروري ينزع الطمأنينة عن القلب ويحشوه بالاستشعار والخوف ويهيجه للبحث ~~والافتكار ويسلب عنه الدعة والقرار ويحذره مغبة التساهل والإهمال ويقرر ~~عنده أن الموت آت لا محالة وأن ما بعد الموت منطو عن أبصار الخلق وأن ما ~~أخبر به هؤلاء غير خارج عن حيز الإمكان. فالحزم ترك التواني في الكشف عن ~~حقيقة هذا الأمر. فما هؤلاء مع العجائب التي أظهروها في إمكان صدقهم قبل ~~البحث عن تحقيق قولهم بأقل من شخص واحد يخبرنا عن خروجنا من دارنا ومحل ~~استقرارنا بأن سبعا من السباع قد دخل الدار فخذ حذرك واحترز منه لنفسك جهدك ~~، فإنا بمجرد السماع اذا رأينا ما أخبرنا عنه في محل الامكان والجواز لم ~~نقدم على الدخول وبالغنا في الاحتراز فالموت هو المستقر والوطن قطعا ، فكيف ~~لا يكون الاحتراز لما بعده مهما؟ فإذن أهم المهمات أن نبحث عن قوله الذي ~~قضى الذهن في بادئ الرأي وسابق النظر بامكانه أهو محال في نفسه على التحقيق ~~أو هو حق لا شك فيه؟ فمن قوله ان لكم ربا كلفكم حقوقا وهو يعاقبكم على ~~تركها ويثيبكم على فعلها وقد بعثي رسولا إليكم لأبين ذلك لكم ، فيلزمنا لا ~~محالة ان نعرف ان لنا ربا أم لا. وإن كان فهل يمكن أن يكون حيا متكلما حتى ~~يأمر وينهى ويكلف ويبعث الرسل ، وإن كان متكلما فهل هو قادر على أن يعاقب ~~ويثيب إذا عصيناه أو أطعناه ، وإن كان قادرا فهل هذا الشخص بعينه صادق في ~~قوله أنا الرسول إليكم. فإن اتضح لنا ذلك لزمنا لا محالة ، إن كنا عقلاء ، ~~أن نأخذ حذرنا وننظر لأنفسنا ونستحقر هذه الدنيا المنقرضة بالإضافة إلى ~~الآخرة الباقية فالعاقل من ينظر لعاقبته ms004 ولا يغتر بعاجلته. ومقصود هذا ~~العلم إقامة البرهان على وجود الرب تعالى وصفاته وأفعاله وصدق الرسل كما ~~فصلناه في الفهرست. وكل ذلك مهم لا محيص عنه لعاقل. PageV01P007 # فان قلت اني لست منكرا هذا الانبعاث للطلب من نفسي ولكني لست أدري أنه ~~ثمرة الجبلة والطبع وهو مقتضى العقل أو هو موجب الشرع إذ للناس كلام في ~~مدارك الوجوب ؛ فهذا انما تعرفه في آخر الكتاب عند تعرضنا لمدارك الوجوب. ~~والاشتغال به الآن فضول بل لا سبيل بعد وقوع الانبعاث إلى الانتهاض لطلب ~~الخلاص. فمثال الملتفت إلى ذلك مثال رجل لدغته حية أو عقرب وهي معاودة ~~اللدغ والرجل قادر على الفرار ولكنه متوقف ليعرف ان الحية جاءته من جانب ~~اليمين أو من جانب اليسار ، وذلك من أفعال الأغبياء الجهال نعوذ بالله من ~~الاشتغال بالفضول مع تضييع المهمات والأصول. ### ||| * التمهيد الثاني ### ||| * (في بيان الخوض في هذا العلم وإن كان مهما فهو في حق بعض الخلق ليس ### ||| * بمهم بل المهم لهم تركه) # اعلم أن الأدلة التي نحررها في هذا العلم تجري مجرى الأدوية التي يعالج ~~بها مرض القلوب. والطبيب المستعمل لها إن لم يكن حاذقا ثاقب العقل رصين ~~الرأي كان ما يفسده بدوائه أكثر مما يصلحه. فليعلم المحصل لمضمون هذا ~~الكتاب والمستفيد لهذه العلوم أن الناس أربع فرق : ### |||| ** الفرقة الأولى : آمنت بالله وصدقت رسوله واعتقدت الحق وأضمرته واشتغلت إما بعبادة وإما ~~بصناعة ؛ فهؤلاء ينبغي أن يتركوا وما هم عليه ولا تحرك عقائدهم بالاستحثاث ~~على تعلم هذا العلم ، فإن صاحب الشرع صلوات الله عليه لم يطالب العرب في ~~مخاطبته إياهم بأكثر من التصديق ولم يفرق بين أن يكون ذلك بإيمان وعقد ~~تقليدي أو بيقين برهاني. وهذا مما علم ضرورة من مجاري أحواله في تزكيته ~~إيمان من سبق من أجلاف PageV01P008 # العرب إلى تصديقه ببحث وبرهان ؛ بل بمجرد قرينة ومخيلة سبقت إلى قلوبهم ~~فقادتها إلى الإذعان للحق والانقياد للصدق فهؤلاء مؤمنون حقا فلا ينبغي أن ~~تشوش عليهم عقائدهم ، فإنه إذا تليت عليهم هذه البراهين وما عليها من ~~الاشكالات ms005 وحلها لم يؤمن أن تعلق بأفهامهم مشكلة من المشكلات وتستولي عليها ~~ولا تمحى عنها بما يذكر من طرق الحل. ولهذا لم ينقل عن الصحابة الخوض في ~~هذا الفن لا بمباحثة ولا بتدريس ولا تصنيف ، بل كان شغلهم بالعبادة والدعوة ~~إليها وحمل الخلق على مراشدهم ومصالحهم في أحوالهم وأعمالهم ومعاشهم فقط. ### |||| ** الفرقة الثانية : طائفة مالت عن اعتقاد الحق كالكفرة والمبتدعة. فالجافي الغليظ منهم الضعيف ~~العقل الجامد على التقليد الممتري على الباطل من مبتدأ النشوء إلى كبر السن ~~لا ينفع معه إلا السوط والسيف. فأكثر الكفرة أسلموا تحت ظلال السيوف إذ ~~يفعل الله بالسيف والسنان ما لا يفعل بالبرهان واللسان. # وعن هذا إذا استقرأت تواريخ الأخبار لم تصادف ملحمة بين المسلمين والكفار ~~إلا انكشفت عن جماعة من أهل الضلال مالوا إلى الانقياد ، ولم تصادف مجمع ~~مناظرة ومجادلة انكشفت إلا عن زيادة إصرار وعناد. ولا تظنن أن هذا الذي ~~ذكرناه غض من منصب العقل وبرهانه ولكن نور العقل كرامة لا يخص الله بها إلا ~~الآحاد من أوليائه ، والغالب على الخلق القصور والاهمال ، فهم لقصورهم لا ~~يدركون براهين العقول كما لا تدرك نور الشمس أبصار الخفافيش. فهؤلاء تضر ~~بهم العلوم كما تضر رياح الورد بالجعل. وفي مثل هؤلاء قال الامام الشافعي ~~رحمه الله : # فمن منح الجهال علما أضاعه %~% ومن منع المستوجبين فقد ظلم ### |||| ** الفرقة الثالثة : طائفة اعتقدوا الحق تقليدا وسماعا ولكن خصوا في الفطرة بذكاء وفطنة فتنبهوا ~~من أنفسهم لإشكالات تشككهم في عقائدهم وزلزلت عليهم طمأنينتهم ، او قرع ~~سمعهم شبهة من الشبهات PageV01P009 # وحاكت في صدورهم. فهؤلاء يجب التلطف بهم في معالجتهم باعادة طمأنينتهم ~~وإماطة شكوكهم بما أمكن من الكلام المقنع المقبول عندهم ولو بمجرد استبعاد ~~وتقبيح أو تلاوة آية أو رواية حديث أو نقل كلام من شخص مشهور عندهم بالفضل. ~~فإذا زال شكه بذلك القدر فلا ينبغي أن يشافه بالأدلة المحررة على مراسم ~~الجدال ، فإن ذلك ربما يفتح عليه أبوابا أخر من الإشكالات. فإن كان ذكيا ~~فطنا لم يقنعه الا كلام يسبر على محك ms006 التحقيق. فعند ذلك يجوز أن يشافه ~~بالدليل الحقيقي وذلك على حسب الحاجة وفي موضع الاشكال على الخصوص. ### |||| ** الفرقة الرابعة : طائفة من أهل الضلال يتفرس فيهم مخائل الذكاء والفطنة ويتوقع منهم قبول ~~الحق بما اعتراهم في عقائدهم من الريبة أو بما يلين قلوبهم لقبول التشكيك ~~بالحبلة والفطرة. فهؤلاء يجب التلطف بهم في استمالتهم إلى الحق وإرشادهم ~~إلى الاعتقاد الصحيح لا في معرض المحاجة والتعصب ، فإن ذلك يزيد في دواعي ~~الضلال ويهيج بواعث التمادي والإصرار. وأكثر الجهالات إنما رسخت في قلوب ~~العوام بتعصب جماعة من جهال أهل الحق أظهروا الحق في معرض التحري والادلاء ~~، ونظروا إلى ضعفاء الخصوم بعين التحقير والإزراء. فثارت من بواطنهم دواعي ~~المعاندة والمخالفة ورسخت في نفوسهم الاعتقادات الباطلة وعسر على العلماء ~~المتلطفين محوها مع ظهور فسادها ، حتى انتهى التعصب بطائفة إلى أن اعتقدوا ~~أن الحروف التي نظروا بها في الحال بعد السكوت عنها طول العمر قديمة. ولو ~~لا استيلاء الشيطان بواسطة العناد والتعصب للأهواء لما وجد مثل هذا ~~الاعتقاد مستقرا في قلب مجنون فضلا عمن له قلب عاقل. والمجادلة والمعاندة ~~داء محض لا دواء له ، فليتحرز المتدين منه جهده وليترك الحقد والضغينة ~~وينظر إلى كافة خلق الله بعين الرحمة ، وليستعن بالرفق واللطف في ارشاد من ~~ضل من هذه الأمة. وليتحفظ من النكد الذي يحرك داعية الضلال ، وليتحقق أن ~~مهيج داعية الاصرار بالعناد والتعصب معين على الاصرار على البدعة ومطالب ~~بعهده اعانته في القيامة. PageV01P010 ### ||| * التمهيد الثالث ### ||| * (في بيان الاشتغال بهذا العلم من فروض الكفايات) # اعلم أن التبحر في هذا العلم والاشتغال بمجامعه ليس من فروض الأعيان وهو ~~من فروض الكفايات. فأما أنه ليس من فروض الأعيان فقد اتضح لك برهانه في ~~التمهيد الثاني. إذ تبين أنه ليس يجب على كافة الخلق إلا التصديق الجزم ~~وتطهير القلب عن الريب والشك في الإيمان. وإنما تصير إزالة الشك فرض عين في ~~حق من اعتراه الشك. # فإن قلت فلم صار من فروض الكفايات وقد ذكرت أن أكثر الفرق يضرهم ذلك ولا ~~ينفعهم؟ فاعلم ms007 أنه قد سبق أن ازالة الشكوك في أصول العقائد واجبة ، واعتوار ~~الشك غير مستحيل وإن كان لا يقع إلا في الأقل. ثم الدعوة إلى الحق بالبرهان ~~مهمة في الدين. ثم لا يبعد أن يثور مبتدع ويتصدى لإغواء أهل الحق بافاضة ~~الشبهة فيهم فلا بد ممن يقاوم شبهته بالكشف ويعارض إغواءه بالتقبيح ، ولا ~~يمكن ذلك إلا بهذا العلم. ولا تنفك البلاد عن أمثال هذه الوقائع ، فوجب أن ~~يكون في كل قطر من الأقطار وصقع من الأصقاع قائم بالحق مشتغل بهذا العلم ~~يقاوم دعاة المبتدعة ويستميل المائلين عن الحق ويصفي قلوب أهل السنة عن ~~عوارض الشبهة. فلو خلا عنه القطر خرج به أهل القطر كافة ، كما لو خلا عن ~~الطبيب والفقيه. نعم من أنس من نفسه تعلم الفقه أو الكلام وخلا الصقع عن ~~القائم بهما ولم يتسع زمانه للجمع بينهما واستفتي في تعيين ما يشتغل به ~~منهما ؛ أوجبنا عليه الاشتغال بالفقه فإن الحاجة إليه أعم والوقائع فيه ~~أكثر فلا يستغني أحد في ليله ونهاره عن الاستعانة بالفقه. واعتوار الشكوك ~~المحوجة إلى علم الكلام باد بالإضافة إليه كما أنه لو خلا البلد عن الطبيب ~~والفقيه كان التشاغل بالفقه أهم ؛ لأنه يشترك في الحاجة إليه الجماهير ~~والدهماء. فأما الطب فلا PageV01P011 # يحتاج إليه الأصحاء. والمرضى أقل عددا بالإضافة إليهم ، ثم المريض لا ~~يستغني عن الفقه كما لا يستغني عن الطب وحاجته إلى الطب لحياته الفانية ~~وإلى الفقه لحياته الباقية وشتان بين الحالتين. فاذا نسبت ثمرة الطب إلى ~~ثمرة الفقه علمت ما بين الثمرتين. ويدلك على أن الفقه أهم العلوم اشتغال ~~الصحابة رضي الله عنهم بالبحث عنه في مشاورتهم ومفاوضاتهم. ولا يغرنك ما ~~يهول به من يعظم صناعة الكلام من أنه الأصل والفقه فرع له فانها كلمة حق ~~ولكنها غير نافعة في هذا المقام ، فإن الأصل هو الاعتقاد الصحيح والتصديق ~~الجزم وذلك حاصل بالتقليد والحاجة إلى البرهان ودقائق الجدل نادرة. والطبيب ~~أيضا قد يلبس فيقول وجودك ثم وجودك ثم وجود بدنك موقوف على صناعتي وحياتك ~~منوطة ms008 بي فالحياة والصحة أولا ثم الاشتغال بالدين ثانيا. ولكن لا يخفى ما ~~تحت هذا الكلام من التمويه وقد نبهنا عليه. ### ||| * التمهيد الرابع ### ||| * (في بيان مناهج الأدلة التي انتهجناها في هذا الكتاب) # اعلم أن مناهج الأدلة متشعبة وقد أوردنا بعضها في كتاب محك النظر وأشبعنا ~~القول فيها في كتاب معيار العلم. ولكنا في هذا الكتاب نحترز عن الطرق ~~المتغلقة والمسالك الغامضة قصدا للايضاح وميلا إلى الإيجاز واجتنابا ~~للتطويل. ونقتصر على ثلاثة مناهج : ### |||| ** المنهج الأول : السير والتقسيم وهو ان نحصر الأمر في قسمين ثم يبطل أحدهما فيلزم منه ~~ثبوت الثاني ، كقولنا : العالم إما حادث وإما قديم ، ومحال أن يكون قديما ~~فيلزم منه لا محالة أن يكون حادثا أنه حادث وهذا اللازم هو مطلوبنا وهو علم ~~مقصود استفدناه من علمين آخرين أحدهما قولنا : العالم إما قديم أو حادث فإن ~~الحكم بهذا الانحصار علم. PageV01P012 ### |||| ** والثاني : قولنا ومحال أن يكون قديما فإن هذا علم آخر. ### |||| ** والثالث : هو اللازم منهما وهو المطلوب بأنه حادث. وكل علم مطلوب ، فلا يمكن أن ~~يستفاد الا من علمين هما أصلان ولا كل أصلين ، بل إذا وقع بينهما ازدواج ~~على وجه مخصوص وشرط مخصوص ، فإذا وقع الازدواج على شرطه أفاد علما ثالثا ~~وهو المطلوب ، وهذا الثالث قد نسميه دعوى إذا كان لنا خصم ، ونسميه مطلوبا ~~إذا كان لم يكن لنا خصم ، لأنه مطلب الناظر ونسميه فائدة وفرعا بالإضافة ~~إلى الأصلين فإنه مستفاد منهما. ومهما أقر الخصم بالأصلين يلزمه لا محالة ~~الاقرار بالفرع المستفاد منهما وهو صحة الدعوى. ### |||| ** المنهج ### |||| ** الثاني : أن نرتب أصلين على وجه آخر مثل قولنا : كل ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث وهو أصل ، والعالم لا يخلو عن الحوادث فهو أصل آخر ، فيلزم منهما صحة دعوانا وهو أن العالم حادث وهو المطلوب فتأمل. هل يتصور أن يقر الخصم بالأصلين ثم يمكنه إنكار صحة الدعوى فتعلم قطعا أن ذلك محال. ### |||| ** المنهج ### |||| ** الثالث : أن لا نتعرض لثبوت دعوانا ، بل ندعي استحالة دعوى الخصم بأن نبين أنه مفض إلى المحال وما ms009 يفضي إلى المحال فهو محال لا محالة. مثاله : قولنا إن صح قول الخصم أن دورات الفلك لا نهاية لها لزم منه صحة قول القائل أن ما لا نهاية له قد انقضى وفرغ منه ، ومعلوم أن هذا اللازم محال فيعلم منه لا محالة أن المفضي إليه محال وهو مذهب الخصم. فههنا أصلان : أحدهما قولنا إن كانت دورات الفلك لا نهاية لها فقد انقضى ما لا نهاية له ، فإن الحكم بلزوم انقضاء ما لا نهاية له على القول بنفي النهاية عن دورات الفلك علم ندعيه ونحكم به ، ولكن يتصور فيه من الخصم إقرارا وإنكار بأن يقول : لا أسلم أنه يلزم ذلك. والثاني قولنا إن هذا اللازم محال فانه أيضا أصل يتصور فيه إنكار بأن يقول : سلمت الأصل الأول ولكن لا أسلم هذا الثاني وهو استحالة انقضاء ما لا نهاية له ، ولكن PageV01P013 # لو أقر بالأصلين كان الاقرار بالمعلوم الثالث اللازم منهما واجبا ~~بالضرورة ؛ وهو الاقرار باستحالة مذهبه المفضي إلى هذا المحال. # فهذه ثلاث مناهج في الاستدلال جلية لا يتصور إنكار حصول العلم منها ، ~~والعلم الحاصل هو المطلوب والمدلول ، وازدواج الأصلين الملتزمين لهذا العلم ~~هو الدليل. والعلم بوجه لزوم هذا المطلوب من ازدواج الأصلين علم بوجه دلالة ~~الدليل. وفكرك الذي هو عبارة عن إحضارك الأصلين في الذهن وطلبك التفطن لوجه ~~لزوم العلم الثالث من العلمين الأصلين هو النظر ؛ فإذن عليك في درك العلم ~~المطلوب وظيفتان ؛ إحداهما : إحضار الأصلين في الذهن وهذا يسمى فكرا ، ~~والآخر : تشوقك إلى التفطن لوجه لزوم المطلوب من ازدواج الأصلين وهذا يسمى ~~طلبا. فلذلك قال من جرد التفاته إلى الوظيفة الأولى حيث أراد حد النظر أنه ~~الفكر. وقال من جرد التفاته إلى الوظيفة الثانية في حد النظر أنه طلب علم ~~أو غلبة ظن. وقال من التفت إلى الأمرين جميعا أنه الفكر الذي يطلب به من ~~قام به علما أو غلبة ظن. فهكذا ينبغي أن تفهم الدليل والمدلول ووجه الدلالة ~~وحقيقة النظر ودع عنك ما سودت به أوراق كثيرة من تطويلات وترديد ms010 عبارات لا ~~تشفي غليل طالب ولا تسكن لهمة متعطش ولن يعرف قدر هذه الكلمات الوجيزة الا ~~من انصرف خائبا عن مقصده بعد مطالعة تصانيف كثيرة. فان رجعت الآن في طلب ~~الصحيح إلى ما قيل في حد النظر دل ذلك على انك تخص من هذا الكلام بطائل ولن ~~ترجع منه إلى حاصل ، فإنك إذا عرفت أنه ليس هاهنا إلا علوم ثلاثة : علمان ~~هما أصلان يترتبان ترتبا مخصوصا ، وعلم ثالث يلزم منهما وليس عليك فيه الا ~~وظيفتان : إحداهما إحضار العلمين في ذهنك ، والثانية التفطن لوجه العلم ~~الثالث منهما. والخيرة بعد ذلك أليك في اطلاق لفظ النظر في ان تعبر به عن ~~الفكر الذي هو احضار العلمين ، أو عن التشوف الذي هو طلب التفطن لوجه لزوم ~~العلم الثالث ، او عن الامرين جميعا ، فان العبارات مباحة والاصطلاحات لا ~~مشاحة فيها. PageV01P014 # فان قلت غرضي أن أعرف اصطلاح المتكلمين وأنهم عبروا بالنظر عما ذا ، ~~فاعلم أنك اذا سمعت واحدا يجد النظر بالفكر ، وآخر بالطلب ، وآخر بالفكر ~~الذي هو يطلب به ، لم تسترب في اختلاف اصطلاحاتهم على ثلاثة أوجه. والعجب ~~ممن لا يتفطن هذا ويفرض الكلام في حد النظر. ### |||| ** مسألة خلافية : ويستدل بصحة واحد من الحدود وليس يدري أن حظ المعنى المعقول من هذه ~~الأمور لا خلاف فيه وأن الاصطلاح لا معنى للخلاف فيه. وإذا أنت امعنت النظر ~~واهتديت السبيل عرفت قطعا أن اكثر الأغاليط نشأت من ضلال من طلب المعاني من ~~الألفاظ ، ولقد كان من حقه ان يقدر المعاني أولا ثم ينظر في الالفاظ ثانيا ~~، ويعلم أنها اصطلاحات لا تتغير بها المعقولات. ولكن من حرم التوفيق استدبر ~~الطريق ، ونكل عن التحقيق. # فإن قلت : إني لا استريب في لزوم صحة الدعوى من هذين الأصلين إذا أقر ~~الخصم بهما على هذا الوجه ، ولكن من أين يجب على الخصم الاقرار بهما ومن ~~أين تقتضي هذه الأحوال المسلمة الواجبة التسليم؟ فاعلم أن لها مدارك شتى ~~ولكن الذي نستعمله في هذا الكتاب نجتهد أن لا يعلم ستة : ### |||| ** الأول منها : الحسيات ، أعني ms011 المدرك بالمشاهدة الظاهرة والباطنة ، مثاله أنا إذا قلنا ~~مثلا كل حادث فله سبب ، وفي العالم حوادث فلا بدلها من سبب. فقولنا : في ~~العالم حوادث ، أصل واحد يجب الإقرار به ، فإنه يدرك بالمشاهدة الظاهرة ~~حدوث أشخاص الحيوانات والنباتات والغيوم والامطار ومن الأعراض الأصوات ~~والألوان. وان تخيل أنها منتقلة ، فالانتقال حادث ونحن لم ندع إلا حادثا ~~ولم نعين أن ذلك الحادث جوهر أو عرض أو انتقال أو غيره. وكذلك يعلم ~~بالمشاهدة الباطنة حدوث الآلام والافراح والغموم في قلبه فلا يمكنه انكاره. PageV01P015 ### |||| ** الثاني : العقل المحض ، فإنا إذا قلنا : العالم أما قديم مؤخر ، وإما حادث مقدم ، ~~وليس وراء القسمين قسم ثالث ، وجب الاعتراف به على كل عاقل. مثاله أن تقول ~~: كل ما لا يسبق الحوادث فهو حادث ، والعالم لا يسبق الحوادث فهو حادث ، ~~فأحد الأصلين قولنا أن ما لا يسبق الحوادث فهو حادث. # ويجب على الخصم الإقرار به ، لان ما لا يسبق الحادث إما أن يكون مع ~~الحادث أو بعده ولا يمكن قسم ثالث. فإن ادعى قسما ثالثا كان منكرا لما هو ~~بديهي في العقل ، وإن انكر أن ما هو مع الحادث أو بعده ليس بحادث فهو أيضا ~~منكر للبديهة. ### |||| ** الثالث : التواتر ، مثاله أنا نقول محمد صلوات الله وسلامه عليه صادق لأن كل من جاء ~~بالمعجزة فهو صادق ، وقد جاء هو بالمعجزة فهو إذا صادق. فإن قيل أنا لا ~~نسلم أنه جاء بالمعجزة فنقول : قد جاءنا بالقرآن والقرآن معجزة ، فاذا قد ~~جاء بالمعجزة. فإن سلم الخصم أحد الاصلين وهو أن القرآن معجزة ، اما بالطوع ~~او بالدليل ، وأراد إنكار الأصل الثاني وهو أنه قد جاء بالقرآن ، وقال لا ~~أسلم أن القرآن مما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم تسليما ، لم يمكنه ذلك لان ~~التواتر يحصل العلم به كما حصل لنا العلم بوجوده وبدعواه النبوة وبوجود مكة ~~ووجود موسى وعيسى وسائر الأنبياء صلوات الله عليهم اجمعين. ### |||| ** الرابع : أن يكون الأصل مثبتا بقياس آخر يستند بدرجة واحدة أو درجات كثيرة إما الى ~~الحسيات أو العقليات أو ms012 المتواترات ، فإن ما هو فرع الأصلين يمكن أن يجعل ~~اصلا في قياس آخر. مثاله أنا بعد أن نفرغ من الدليل على حدوث العالم يمكننا ~~أن نجعل حدوث العالم أصلا في نظم قياس ، مثلا ان نقول كل حادث فله سبب ~~والعالم حادث فإذا له سبب ، فلا يمكنهم انكار كون العالم حادثا بعد أن ~~أثبتنا بالدليل حدوثه. PageV01P016 ### |||| ** الخامس : السمعيات ، مثاله انا ندعي مثلا ان المعاصي بمشيئة الله تعالى ، ونقول كل ~~كائن فهو بمشيئة الله تعالى والمعاصي كائنة فهي إذا بمشيئة الله تعالى ؛ ~~فأما قولنا هي كائنة فمعلوم وجودها بالحس ، وكونها معصية بالشرع ، واما ~~قولنا كل كائن بمشيئة الله تعالى فاذا انكر الخصم ذلك منعه الشرع مهما كان ~~مقرا بالشرع أو كان قد اثبت عليه بالدليل فإنا نثبت هذا الاصل بإجماع الأمة ~~على صدق قول القائل ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فيكون السمع مانعا ~~من الانكار. ### |||| ** السادس : أن يكون الاصل مأخوذا من معتقدات الخصم ومسلماته. فإنه وإن لم يقم لنا ~~عليه دليل او لم يكن حسيا ولا عقليا ، انتفعنا باتخاذه إياه أصلا في قياسنا ~~وامتنع عليه الإنكار الهادم لمذهبه. وامثلة هذا مما تكثر فلا حاجة الى ~~تعيينه. فإن قلت : فهل من فرق بين هذه المدارك في الانتفاع بها في المقاييس ~~النظرية؟ فاعلم أنها متفاوتة في عموم الفائدة ، فإن المدارك العقلية ~~والحسية عامة مع كافة الخلق إلا من لا عقل له ولا حس له وكان الأصل معلوما ~~فالحس الذي فقده كالأصل المعلوم بحاسة البصر إذا استعمل مع الأكمه فإنه لا ~~ينفع ، والاكمه اذا كان هو الناظر لم يمكنه أن يتخذ ذلك اصلا ، وكذلك ~~المسموع في حق الاصم. وأما المتواتر فإنه نافع ولكن في حق من تواتر إليه ، ~~فاما من لم يتواتر إليه ممن وصل إلينا في الحال من مكان بعيد لم تبلغه ~~الدعوة فأردنا أن نبين له بالتواتر أن نبينا وسيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم ~~تسليما وعلى آله وصحبه تحدى بالقرآن ، لم يقدر عليه ما لم يمهله مدة من ms013 ~~يتواتر عنده ، ورب شيء يتواتر عند قوم دون قوم ، فقول الشافعي رحمه الله ~~تعالى في مسألة قتل المسلم بالذمي متواتر عند الفقهاء من أصحابه دون العوام ~~من المقلدين وكم من مذهب له في أحاد المسائل لم يتواتر عند اكثر الفقهاء ~~وأما الأصل المستفاد من قياس آخر فلا ينفع الا مع من قدر معه ذلك القياس. PageV01P017 # وأما مسلمات المذاهب فلا تنفع الناظر وإنما تنفع المناظر مع من يعتقد ذلك ~~المذهب. وأما السمعيات فلا تنفع إلا من يثبت السمع عنه ، فهذه مدارك علوم ~~هذه الأصول المفيدة بترتيبها ونظمها العلم بالأمور المجهولة المطلوبة وقد ~~فرغنا من التمهيدات فلنشتغل بالاقطاب التي هي مقاصد الكتاب. PageV01P018 ### ||| * القطب الأول ### ||| * (في النظر في ذات الله تعالى وفيه عشر دعاوى) ### |||| ** (الدعوى الأولى) : وجوده تعالى وتقدس ، برهانه أنا نقول كل حادث فلحدوثه سبب ، والعالم حادث ~~فيلزم منه إن له سببا ، ونغني بالعالم كل موجود سوى الله تعالى. ونعني بكل ~~موجود سوى الله تعالى الأجسام كلها وأعراضها ، وشرح ذلك بالتفصيل أنا لا ~~نشك في أصل الوجود ، ثم نعلم أن كل موجود اما متحيزا أو غير متحيز ، وأن كل ~~متحيز إن لم يكن فيه ائتلاف فنسميه جوهرا فردا ، وإن ائتلف إلى غيره سميناه ~~جسما ، وإن غير المتحيز اما أن يستدعي وجوده جسما يقوم به ونسميه الأعراض ، ~~أو لا يستدعيه وهو الله سبحانه وتعالى. فاما ثبوت الأجسام وأعراضها. فمعلوم ~~بالمشاهدة ، ولا يلتفت إلى من ينازع في الأعراض وإن طال فيها صياحه وأخذ ~~يلتمس منك دليلا عليه ، فإن شغبه ونزاعه والتماسه وصياحه ، إن لم يكن ~~موجودا فكيف نشتغل بالجواب عنه والإصغاء إليه ، وإن كان موجودا فهو لا ~~محالة غير جسم المنازع إذ كان جسما موجودا من قبل ، ولم يكن التنازع موجودا ~~فقد عرفت أن الجسم والعرض مدركان بالمشاهدة. فإما موجود ليس بجسم ولا جوهر ~~متحيز ولا عرض فيه فلا يدرك بالحس ونحن ندعي وجوده وندعي أن العالم موجود ~~به ، وبقدرته ، وهذا يدرك بالدليل لا بالحس ، والدليل ما ذكرناه ، فلنرجع ~~إلى تحقيقه. فقد جمعنا فيه ms014 اصلين فلعل الخصم ينكرهما ، فنقول له : في أي ~~الأصلين تنازع؟ فإن قال إنما أنازع في قولك إن كل حادث PageV01P019 # فله سبب فمن اين عرفت هذا ، فنقول : إن هذا الأصل يجب الاقرار به ، فإنه ~~أولي ضروري في العقل ، ومن يتوقف فيه فإنما يتوقف لأنه ربما لا ينكشف له ما ~~نريده بلفظ الحادث ، ولفظ السبب ، وإذا فهمهما صدق عقله بالضرورة بأن لكل ~~حادث سببا. فانا نعني بالحادث ما كان معدوما ثم صار موجودا فنقول وجوده قبل ~~ان وجد كان محالا أو ممكنا. وباطل أن يكون محالا لأن المحال لا يوجد قط ، ~~وإن كان ممكنا فلسنا نعني بالممكن إلا ما يجوز أن يوجد ويجوز أن لا يوجد ~~ولكن لم يكن موجودا لأنه ليس يجب وجوده لذاته إذ لو وجد وجوده لذاته لكان ~~واجبا لا ممكنا. بل قد افتقر وجوده الى مرجح لوجوده على العدم حتى يتبدل ~~العدم بالوجود ، فإذا كان استمرار عدمه من حيث أنه لا مرجح للوجود على ~~العدم ، فمن لم يوجد المرجح لا يوجد الوجود ، ونحن لا نريد بالسبب إلا ~~المرجح : والحاصل أن المعدوم المستمر العدم لا يتبدل عدمه بالوجود ما لم ~~يتحقق أمر من الأمور يرجح جانب الوجود على استمرار العدم ، وهذا إذا حصل في ~~الذهن معنى لفظه كان العقل مضطرا الى التصديق به. فهذا بيان اثبات هذا ~~الأصل وهو على التحقيق شرح للفظ الحادث والسبب لاقامة دليل عليه. # فإن قيل لم تنكرون على من ينازع في الأصل الثاني ، وهو قولكم أن العالم ~~حادث ، فنقول : ان هذا الأصل ليس بأولي في العقل ، بل نثبته ببرهان منظوم ~~من أصلين آخرين هو أنا نقول إذ قلنا أن العالم حادث أردنا بالعالم الآن ، ~~الأجسام والجواهر فقط ، فنقول كل جسم فلا يخلو عن الحوادث وكل ما لا يخلو ~~عن الحوادث فهو حادث ، فيلزم منه أن كل جسم فهو حادث ففي أي الأصلين ~~النزاع؟ # فإن قيل لم قيل أن كل جسم او متحيز فلا يخلو عن الحوادث؟ قلنا : لانه لا ~~يخلو عن الحركة والسكون وهما ms015 حادثان ، فإن قيل : ادعيتم وجودهما ثم حدوثهما ~~، فلا نسلم الوجود ولا الحدوث ، قلنا هذا سؤال PageV01P020 # قد طال الجواب عنه في تصانيف الكلام ، وليس يستحق هذا التطويل فإنه لا ~~يصدر قط من مسترشد إذ لا يستريب عاقل قط في ثبوت الأعراض في ذاته من الآلام ~~والاسقام والجوع والعطش وسائر الأحوال ، ولا في حدوثها ، وكذلك إذا نظرنا ~~الى أجسام العالم لم نسترب في تبدل الأحوال عليها ، وإن تلك التبديلات ~~حادثة ، وإن صدر من خصم معاند فلا معنى للاشتغال به ، وإن فرض فيه خصم ~~معتقد لما نقوله فهو فرض محال إن كان الخصم عاقلا ، بل الخصم في حدوث ~~العالم الفلاسفة وهم مصرحون بأن أجسام العالم تنقسم الى السموات ، وهي ~~متحركة على الدوام ، وآحاد حركاتها حادثة ولكنها دائمة متلاحقة على الاتصال ~~أزلا وأبدا والى العناصر الأربعة التي يحويها مقعر فلك القمر ، وهي مشتركة ~~في مادة حاملة لصورها وأعراضها وتلك المادة قديمة والصور والأعراض حادثة ~~متعاقبة عليها أزلا وأبدا وإن الماء ينقلب بالحرارة هواء ، والهواء يستحيل ~~بالحرارة نارا ، وهكذا بقية العناصر ، وإنها تمتزج امتزاجات حادثة فتتكون ~~منهما المعادن والنبات والحيوان ، فلا تنفك العناصر عن هذه الصور الحادثة ~~ولا تنفك السموات عن الحركات الحادثة أبدا ، وإنما ينازعون في قولنا أن ما ~~لا يخلو عن الحوادث فهو حادث ، فلا معنى للإطناب في هذا الأصل ، ولكنا ~~لإقامة الرسم نقول : # الجوهر بالضرورة لا يخلو عن الحركة والسكون ، وهما حادثان ، أما الحركة ~~فحدوثها محسوس وإن فرض جوهر ساكن كالأرض ، ففرض حركته ليس بمحال بل نعلم ~~جوازه بالضرورة ، وإذا وقع ذلك الجائز كان حادثا وكان معدما للسكون ، فيكون ~~السكون أيضا قبله حادثا لأن القديم لا ينعدم كما سنذكره في إقامة الدليل ~~على بقاء الله تعالى ، وإن أردنا سياق دليل على وجود الحركة زائدة على ~~الجسم ، قلنا : إنا إذا قلنا هذا الجوهر متحرك أثبتنا شيئا سوى الجوهر ~~بدليل أنا إذا قلنا هذا الجوهر ليس بمتحرك ، صدق قولنا وإن كان الجوهر ~~باقيا ساكنا ، فلو كان المفهوم من الحركة عين الجوهر PageV01P021 # لكان نفيها نفي ms016 عين الجوهر. وهكذا يطرد الدليل في إثبات السكون ونفيه ، ~~وعلى الجملة ، فتكلف الدليل على الواضحات يزيدها غموضا ولا يفيدها وضوحا. # فإن قيل : فبم عرفتم أنها حادثة فلعلها كانت كامنة فظهرت ، قلنا : لو كنا ~~نشتغل في هذا الكتاب بالفضول الخارج عن المقصود لأبطلنا القول بالكمون ~~والظهور في الأعراض رأسا ، ولكن ما لا يبطل مقصودنا فلا نشتغل به ، بل نقول ~~: الجوهر لا يخلو عن كمون الحركة فيه أو ظهورها ، وهما حادثان فقد ثبت أنه ~~لا يخلو عن الحوادث. # فإن قيل : فلعلها انتقلت إليه من موضع آخر ، فبم يعرف بطلان القول ، ~~بانتقال الأعراض؟ قلنا : قد ذكر في إبطال ذلك أدلة ضعيفة لا نطول الكتاب ~~بنقلها ونقضها ، ولكن الصحيح في الكشف عن بطلانه أن نبين أن تجويز ذلك لا ~~يتسع له عقل من لم يذهل عن فهم حقيقة العرض وحقيقة الانتقال. ومن فهم حقيقة ~~العرض تحقق استحالة الانتقال فيه. وبيانه أن الانتقال عبارة أخذت من انتقال ~~الجوهر من حيز إلى حيز ، وذلك يثبت في العقل بأن فهم الجوهر وفهم الحيز ~~وفهم اختصاص الجوهر بالحيز زائد على ذات الجوهر ، ثم علم أن العرض لا بد له ~~من محل كما لا بد للجوهر من حيز ، فتتخيل أن إضافة العرض إلى المحل كإضافة ~~الجوهر إلى الحيز فيسبق منه إلى الوهم إمكان الانتقال عنه ، كما في الجوهر ~~، ولو كانت هذه المقايسة صحيحة لكان اختصاص العرض بالمحل كونا زائدا على ~~ذات العرض والمحل كما كان اختصاص الجوهر بالحيز كونا زائدا على ذات الجوهر ~~والحيز ، ولصار يقوم بالعرض عرض ، ثم يفتقر قيام العرض بالعرض إلى اختصاص ~~آخر يزيد على القائم والمقوم به ، وهكذا يتسلل ويؤدي إلى أن لا يوجد عرض ~~واحد ما لم توجد أعراض لا نهاية لها ، فلنبحث عن السبب الذي لأجله فرق بين ~~اختصاص العرض بالمحل وبين اختصاص الجوهر بالحيز في كون أحد الاختصاصيين ~~زائدا على ذات المختص ودون الآخر ، فمنه يتبين الغلط في توهم الانتقال. PageV01P022 # والسر فيه ، أن المحل وإن كان لازما للعرض كما أن الحيز لازم ms017 للجوهر ، ~~ولكن بين اللازمين فرق : إذ رب لازم ذاتي للشيء ، ورب لازم ليس بذاتي للشيء ~~، وأعني بالذاتي ما يجب ببطلانه بطلان الشيء ، فإن بطل الوجود بطل به وجود ~~الشيء ، وإن بطل في العقل بطل وجود العلم به في العقل ، والحيز ليس ذاتيا ~~للجوهر فإنا نعلم الجسم والجوهر أولا ثم ننظر بعد ذلك في الحيز ، أهو أمر ~~ثابت أم هو أمر موهوم ونتوصل إلى تحقيق ذلك بدليل وندرك الجسم بالحس في ~~المشاهدة من غير دليل. فلذلك لم يكن الحيز المعين مثلا لجسم زيد ذاتيا لزيد ~~، ولم يلزم من فقد ذلك الحيز وتبدله بطلان جسم زيد ، وليس كذلك طول زيد ~~مثلا لأنه عرض في زيد لا نعقله في نفسه دون زيد ، بل نعقل زيدا الطويل ، ~~فطول زيد يعلم تابعا لوجود زيد ويلزم من تقدير عدم زيد بطلان طول زيد ، ~~فليس لطول زيد قوام في الوجود وفي العقل دون زيد. فاختصاصه بزيد ذاتي له ، ~~أي هو لذاته لا لمعنى زائد عليه هو اختصاص ، فإن بطل ذلك الاختصاص بطلت ~~ذاته والانتقال يبطل الاختصاص فتبطل ذاته ، إذ ليس اختصاصه بزيد زائدا على ~~ذاته ، أعني ذات العرض ، بخلاف اختصاص الجوهر بالحيز فإنه زائد عليه فليس ~~في بطلانه ، بالانتقال ما يبطل ذاته ، ورجع الكلام إلى أن الانتقال يبطل ~~الاختصاص بالمحل ، فإن كان الاختصاص زائدا على الذات لم تبطل به الذات ، ~~وإن لم يكن معنى زائدا بطلت ببطلانه الذات ، فقد انكشف هذا وآل النظر إلى ~~أن اختصاص العرض بمحله لم يكن زائدا على ذات العرض كاختصاص الجوهر بحيزه ، ~~وأما العرض فإنه عقل بالجوهر لا بنفسه فذات العرض وكونه للجوهر المعين وليس ~~له ذات سواه. فإذا قدرنا مفارقته لذلك الجوهر المعين فقد قدرنا عدم ذاته ، ~~وإنما فرضنا الكلام في الطول لتفهيم المقصود فإنه وإن لم يكن عرضا ولكنه ، ~~عبارة عن كثرة الأجسام في جهة واحدة ، ولكنه مقرب لغرضنا إلى الفهم ، فإذا ~~فهم فلننقل البيان إلى الأعراض. وهذا التوفيق والتحقيق وإن لم يكن PageV01P023 # لائقا بهذا الإيجاز ولكن افتقر إليه لأن ms018 ما ذكر فيه غير مقنع ولا شاف. ~~فقد فرغنا من إثبات أحد الأصلين ، وهو أن العالم لا يخلو عن الحوادث ، فإنه ~~لا يخلو عن الحركة والسكون وهما حادثان وليسا بمنتقلين ، مع أن الإطناب ليس ~~في مقابلة خصم معتقد ، إذ أجمع الفلاسفة على أن أجسام العالم لا تخلو عن ~~الحوادث ، وهم المنكرون لحدوث العالم. فإن قيل : فقد بقي الأصل الثاني وهو ~~قولكم إن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث فما الدليل عليه؟ قلنا : لأن ~~العالم لو كان قديما مع أنه لا يخلو عن الحوادث ، لثبتت حوادث لا أول لها ~~وللزم أن تكون دورات الفلك غير متناهية الاعداد ، وذلك محال لأن كل ما يفضي ~~إلى المحال فهو محال ، ونحن نبين أنه يلزم عليه ثلاثة محالات : # الأول أن ذلك لو ثبت لكان قد انقضى ما لا نهاية له ، ووقع الفراغ منه ~~وانتهى ، ولا فرق بين قولنا انقضى ولا بين قولنا انتهى ولا بين قولنا تناهى ~~، فيلزم أن يقال قد تناهى ما لا يتناهى ، ومن المحال البين أن يتناهى ما لا ~~يتناهى وأن ينتهي وينقضي ما لا يتناهى. # الثاني أن دورات الفلك إن لم تكن متناهية فهي إما شفع وإما وتر ، وإما لا ~~شفع ولا وتر ، وإما شفع ووتر معا. وهذه الأقسام الأربعة محال ؛ فالمفضي ~~إليها محال إذ يستحيل عدد لا شفع ولا وتر ، أو شفع ووتر ، فإن الشفع هو ~~الذي ينقسم إلى متساويين كالعشرة مثلا ، والوتر هو أحد الذي لا ينقسم إلى ~~متساويين كالتسعة ، وكل عدد مركب من آحاد إما أن ينقسم بمتساويين ، أو لا ~~ينقسم بمتساويين ، وأما أن يتصف بالانقسام وعدم الانقسام ، أو ينفك عنهما ~~جميعا فهو محال ، وباطل أن يكون شفعا لأن الشفع إنما لا يكون وترا لأنه ~~يعوزه واحد ، فإذا انضاف إليه واحد صار وترا ، فكيف أعوز الذي لا يتناهى ~~واحد؟ ومحال أن يكون وترا ، لأن الوتر يصير شفعا بواحد ، فيبقى وترا لأنه ~~يعوزه ذلك الواحد ، فكيف أعوز الذي لا يتناهى واحد؟ # الثالث أنه يلزم عليه أن يكون عددان ms019 ، كل واحد منهما لا يتناهى ، ثم PageV01P024 # أن أحدهما أقل من الآخر ، ومحال أن يكون ما لا يتناهى أقل مما لا يتناهى ~~لأن الأقل هو الذي يعوزه شيء لو أضيف إليه لصار متساويا ، وما لا يتناهى ~~كيف يعوزه شيء؟ وبيانه أن زحل عندهم يدور في كل ثلاثين سنة دورة واحدة ، ~~والشمس في كل سنة دورة واحدة ، فيكون عدد دورات زحل مثل ثلث عشر دورات ~~الشمس ، إذ الشمس تدور في ثلاثين سنة ثلاثين دورة ، وزحل يدور دورة واحدة ، ~~والواحد من الثلاثين ثلث عشر. ثم دورات زحل لا نهاية لها وهي أقل من دورات ~~الشمس ، إذ يعلم ضرورة أن ثلث عشر الشيء أقل من الشيء ، والقمر يدور في ~~السنة اثنتي عشرة مرة ، فيكون عدد دورات الشمس مثلا نصف سدس دورات القمر ، ~~وكل واحد لا نهاية له وبعضه أقل من بعض ، فذلك من المحال البين ، فإن قيل : ~~مقدورات الباري تعالى عندكم لا نهاية لها وكذا معلوماته ، والمعلومات أكثر ~~من المقدورات إذ ذات القديم تعالى وصفاته معلومة له وكذا الموجود المستمر ~~الوجود ، وليس شيء من ذلك مقدورا. قلنا نحن : إذا قلنا لا نهاية لمقدوراته ~~، لم نرد به ما نريد بقولنا لا نهاية لمعلوماته بل نريد به أن لله تعالى ~~صفة يعبر عنها بالقدرة ، يتأتى بها الايجاد ، وهذا الثاني لا ينعدم قط. # وليس تحت قولنا هذا الثاني لا ينعدم إثبات أشياء فضلا من أن توصف بأنها ~~متناهية أو غير متناهية ، وإنما يقع هذا الغلط لمن ينظر في المعاني من ~~الألفاظ فيرى توازن لفظ المعلومات والمقدورات من حيث التصريف في اللغة ، ~~فيظن أن المراد بهما واحد. هيهات لا مناسبة بينهما البتة ، ثم تحت قولنا ~~المعلومات لا نهاية لها أيضا سر يخالف السابق منه إلى الفهم ، إذ السابق ~~منه إلى الفهم إثبات أشياء تسمى معلومات لا نهاية لها ، وهو محال ، بل ~~الأشياء هي الموجودات ، وهي متناهية ، ولكن بيان ذلك يستدعي تطويلا. # وقد اندفع الإشكال بالكشف عن معنى نفي النهاية عن المقدورات ، فالنظر في ~~الطرف الثاني وهو المعلومات مستغنى ms020 عنه في دفع الالزام ، فقد بانت صحة هذا ~~الأصل بالمنهج الثالث من مناهج الأدلة المذكورة في التمهيد الرابع PageV01P025 # من الكتاب وعند هذا يعلم وجود الصانع إذ بان القياس الذي ذكرناه ، وهو ~~قولنا أن العالم حادث وكل حادث فله سبب فالعالم له سبب. فقد ثبتت هذه ~~الدعوى بهذا المنهج ، ولكن بعد لم يظهر لنا إلا موجود السبب ، فأما كونه ~~حادثا أو قديما وصفا له فلم يظهر بعد فلنشتغل به. ### |||| ** (الدعوى الثانية) : ندعي أن السبب الذي أثبتناه لوجود العالم قديم فإنه لو كان حادثا لافتقر ~~إلى سبب آخر ، وكذلك السبب الآخر ويتسلسل إما إلى غير نهاية وهو محال ، ~~وإما أن ينتهي إلى قديم لا محالة يقف عنده وهو الذي نطلبه ونسميه صانع ~~العالم. ولا بد من الاعتراف به بالضرورة ولا نعني بقولنا قديم إلا أن وجوده ~~غير مسبوق بعدم ، فليس تحت لفظ القديم إلا إثبات موجود ونفي عدم سابق. فلا ~~تظنن أن القدم معنى زائد على ذات القديم ، فيلزمك أن تقول ذلك المعنى أيضا ~~قديم بقدم زائد عليه ، ويتسلسل القول إلى غير نهاية. ### |||| ** (الدعوى الثالثة): ندعي أن صانع العالم مع كونه موجودا لم يزل فهو باق لا يزال لأن ما ثبت ~~قدمه استحال عدمه. وإنما قلنا ذلك لأنه لو انعدم لافتقر عدمه إلى سبب فانه ~~طارئ بعد استمرار الوجود في القدم. وقد ذكرنا ان كل طارئ فلا بد له من سبب ~~من حيث انه طارئ لا من حيث أنه موجود. وكما افتقر تبدل العدم بالوجود إلى ~~مرجح للوجود على العدم ، فكذلك يفتقر تبدل الوجود بالعدم إلى مرجح للعدم ~~على الوجود. وذلك المرجح إما فاعل بعدم القدرة ، أو ضد انقطاع شرط من شروط ~~الوجود ، ومحال أن يحال على القدرة ؛ إذ لوجود شيء ثابت يجوز أن يصدر عن ~~القدرة ، فيكون القادر باستعماله فعل شيئا والعدم ليس بشيء ، فيستحيل أن ~~يكون فعلا واقعا بأثر القدرة. فإنا نقول : فاعل العدم هل فعل شيئا؟ فان قيل ~~نعم ، كان محالا ، لأن النفي ليس بشيء. # وإن قال المعتزلي أن ms021 المعدوم شيء وذات ، فليس ذلك الذات من أثر PageV01P026 # القدرة ، فلا يتصف أن يقول الفعل الواقع بالقدرة فعل ذلك الذات فانها ~~أزلية ، وإنما فعله نفي وجود الذات ، ونفي وجود الذات ليس شيئا ، فاذا ما ~~فعل شيئا. # وإذا صدق قولنا ما فعل شيئا صدق قولنا أنه لم يستعمل القدرة في أثر البتة ~~، فبقي كما كان ولم يفعل شيئا. # وباطل أن يقال أنه يعدمه ضده لأن الضد ان فرض حادثا اندفع وجوده بمضادة ~~القديم ، وكان ذلك أولى من أن ينقطع به وجود القديم. # ومحال أن يكون له ضد قديم كان موجودا معه في القدم ولم يعدمه وقد أعدمه ~~الآن ، وباطل أن يقال انعدم لانعدام شرط وجوده ، فان الشرط إن كان حادثا ~~استحال أن يكون وجود القديم مشروطا بحادث ، وإن كان قديما فالكلام في ~~استحالة عدم الشرط كالكلام في استحالة عدم المشروط فلا يتصور عدمه. # فإن قيل فبما إذا تفنى عندكم الجواهر والأعراض؟ قلنا : أما الأعراض ~~فبأنفسها ، ونعني بقولنا بأنفسها أن ذواتها لا يتصور لها بقاء. ويفهم ~~المذهب فيه بأن يفرض في الحركة ، فان الأكوان المتعاقبة في أحيان متواصلة ~~لا توصف بأنها حركات إلا بتلاحقها على سبيل دوام التجدد ودوام الانعدام ، ~~فانها إن فرض بقاؤها كانت سكونا لا حركة ، ولا تعقل ذات الحركة ما لم يعقل ~~معها العدم عقيب الوجود. وهذا يفهم في الحركة بغير برهان. # وأما الألوان وسائر الأعراض ، فانما تفهم بما ذكرناه من أنه لو بقي ~~لاستحال عدمه بالقدرة وبالضد كما سبق في القديم ، ومثل هذا العدم محال في ~~حق الله تعالى فإنا بينا قدمه أولا واستمرار وجوده فيما لم يزل ، فلم يكن ~~من ضرورة وجوده حقيقة فناؤه عقيبه. كما كان من ضرورة وجود الحركة حقيقة أن ~~تفنى عقيب الوجود. وأما الجواهر فانعدامها بان لا تخلق PageV01P027 # فيها الحركة والسكون فينقطع شرط وجودها فلا يعقل بقاؤها. ### |||| ** (الدعوى الرابعة): ندعي أن صانع العالم ليس بجوهر متحيز لأنه قد ثبت قدمه ، ولو كان متحيزا ~~لكان لا يخلو عن الحركة في حيزه أو السكون فيه ، وما ms022 لا يخلو عن الحوادث ، ~~فهو حادث كما سبق. # فإن قيل : بم تنكرون على من يسميه جوهرا ، ولا يعتقده متحيزا؟ قلنا العقل ~~عندنا لا يوجب الامتناع من اطلاق الألفاظ وإنما يمنع عنه إما لحق اللغة ~~وإما لحق الشرع. أما حق اللغة فذلك إذا ادعى أنه موافق لوضع اللسان فيبحث ~~عنه ، فان ادعى واضعه له أنه اسمه على الحقيقة ، أي واضع اللغة وضعه له ، ~~فهو كاذب على اللسان وإن زعم أنه استعاره نظرا إلى المعنى الذي به شارك ~~المستعار منه ، فإن صلح للاستعارة لم ينكر عليه بحق اللغة وإن لم يصلح قيل ~~له أخطأت على اللغة ولا يستعظم ذلك إلا بقدر استعظام صنيع من يبعد في ~~الاستعارة ، والنظر في ذلك لا يليق بمباحث العقول. # وأما حق الشرع وجواز ذلك وتحريمه ، فهو بحث فقهي يجب طلبه على الفقهاء إذ ~~لا فرق بين البحث عن جواز اطلاق الألفاظ من غير إرادة معنى فاسد وبين البحث ~~عن جواز الأفعال. وفيه رأيان : # أحدهما ، أن يقال : لا يطلق اسم في حق الله تعالى إلا بالاذن ، وهذا لم ~~يرد فيه إذن فيحرم ، واما أن يقال لا يحرم إلا بالنهي وهذا لم يرد فيه نهي ~~فينظر : فإن كان يوهم خطأ فيجب الاحتراز منه لأن إيهام الخطأ في صفات الله ~~تعالى حرام. وإن لم يوهم خطأ يحكم بتحريمه ، فكلا الطريقين محتمل. ثم ~~الايهام يختلف باللغات وعادات الاستعمال فرب لفظ يوهم عند قوم ولا يوهم عند غيرهم. ### |||| ** (الدعوى الخامسة): ندعي أن صانع العالم ليس بجسم ، لأن كل جسم فهو متألف من جوهرين متحيزين ، ~~وإذا استحال أن يكون جوهرا استحال أن يكون جسما ، ونحن لا نعني بالجسم إلا هذا. PageV01P028 # فإن سماه جسما ولم يرد هذا المعنى كانت المضايقة معه بحق اللغة أو بحق ~~الشرع لا بحق العقل فإن العقل لا يحكم في اطلاق الألفاظ ونظم الحروف ~~والأصوات التي هي اصطلاحات ، ولأنه لو كان جسما لكان مقدرا بمقدار مخصوص ~~ويجوز أن يكون أصغر منه أو أكبر ، ولا يترجح أحد الجائزين عن الآخر إلا ms023 ~~بمخصص ومرجح ، كما سبق ، فيفتقر إلى مخصص يتصرف فيه فيقدره بمقدار مخصوص ، ~~فيكون مصنوعا لا صانعا ومخلوقا لا خالقا. ### |||| ** (الدعوى السادسة): ندعي أن صانع العالم ليس بعرض ، لأنا نعني بالعرض ما يستدعي وجوده ذاتا ~~تقوم به ، وذلك الذات جسم أو جوهر ، ومهما كان الجسم واجب الحدوث كان الحال ~~فيه أيضا حادثا لا محالة ، إذ يبطل انتقال الأعراض. وقد بينا أن صانع ~~العالم قديم فلا يمكن أن يكون عرضا ، وإن فهم من العرض ما هو صفة لشيء من ~~غير أن يكون ذلك الشيء متحيزا ، فنحن لا ننكر وجود هذا فانا نستدل على صفات ~~الله تعالى نعم يرجع النزاع إلى إطلاق اسم الصانع والفاعل ، فإن إطلاقه على ~~الذات الموصوفة بالصفات أولى من إطلاقه على الصفات. # فإذا قلنا الصانع ليس بصفة ، عنينا به أن الصنع مضاف إلى الذات التي تقوم ~~بها الصفات لا إلى الصفات ، كما أنا إذا قلنا النجار ليس بعرض ولا صفة ، ~~عنينا به أن صنعة النجارة غير مضافة إلى الصفات بل إلى الذات الواجب وصفها ~~بجملة من الصفات حتى يكون صانعا. فكذا القول في صانع العالم ، وإن أراد ~~المنازع بالعرض أمرا غير الحال في الجسم وغير الصفة القائمة بالذات كان ~~الحق في منعه للغة أو الشرع لا للعقل. ### |||| ** (الدعوى السابعة): ندعي أنه ليس في جهة مخصوصة من الجهات الست ، ومن عرف معنى لفظ الجهة ومعنى ~~لفظ الاختصاص فهم قطعا استحالة الجهات على غير الجواهر والأعراض ، إذ الحيز ~~معقول وهو الذي يختص الجوهر به ، ولكن الحيز إنما يصير جهة إذا أضيف إلى ~~شيء آخر متحيز. PageV01P029 # فالجهات ست فوق وأسفل وقدام وخلف ويمين وشمال. فمعنى كون الشيء فوقنا هو ~~أنه في حيز يلي جانب الرأس. ومعنى كونه تحتا أنه في حيز يلي جانب الرجل. ~~وكذا سائر الجهات ؛ فكل ما قيل فيه أنه في جهة فقد قيل أنه في حيز مع زيادة إضافة. # وقولنا الشيء في حيز ، يعقل بوجهين أحدهما : أنه يختص به بحيث يمنع مثله ~~من أن يوجد بحيث هو ، وهذا هو ms024 الجوهر ، والآخر أن يكون حالا في الجوهر فإنه ~~قد يقال إنه بجهة ، ولكن بطريق التبعية للجوهر ، فليس كون العرض في جهة ~~ككون الجوهر ، بل الجهة للجوهر أولى ، وللعرض بطريق التبعية للجوهر ، فهذان ~~وجهان معقولان في الاختصاص بالجهة. فإن أراد الخصم أحدهما دل على بطلانه ما ~~دل على بطلان كونه جوهرا أو عرضا. # وإن أراد أمرا غير هذا فهو غير مفهوم فيكون الحق في إطلاق لفظه لم ينفك ~~عن معنى غير مفهوم للغة والشرع لا العقل ، فان قال الخصم إنما أريد بكونه ~~بجهة معنى سوى هذا فلم ننكره ، ونقول له : أما لفظك فانما ننكره من حيث أنه ~~يوهم المفهوم الظاهر منه وهو ما يعقل الجوهر والعرض وذلك كذب على الله ~~تعالى. وأما مرادك منه فلست أنكره فإن ما لا أفهمه كيف أنكره! وعساك تريد ~~به علمه وقدرته وأنا لا أنكر كونه بجهة على معنى أنه عالم وقادر ، فانك إذا ~~فتحت هذا الباب ، وهو أن تريد باللفظ غير ما وضع اللفظ له ويدل عليه في ~~التفاهم لم يكن لما تريد به حصر فلا أنكره ما لم تعرب عن مرادك بما أفهمه ~~من أمر يدل على الحدوث ، فإن كان ما يدل على الحدوث فهو في ذاته محال ويدل ~~أيضا على بطلان القول بالجهة ، لأن ذلك يطرق الجواز إليه ويحوجه إلى مخصص ~~يخصصه بأحد وجوه الجواز وذلك من وجهين ، أحدهما : أن الجهة التي تختص به لا ~~تختص به لذاته ، فإن سائر الجهات متساوية بالإضافة إلى المقابل للجهة ، ~~فاختصاصه ببعض الجهات المعينة ليس بواجب لذاته بل هو جائز فيحتاج إلى مخصص ~~يخصصه ، ويكون الاختصاص فيه معنى زائدا على ذاته وما يتطرق الجواز إليه ~~استحال قدمه PageV01P030 # بل القديم عبارة عما هو واجب الوجود من جميع الجهات. فإن قيل اختص بجهة ~~فوق لأنه أشرف الجهات ، قلنا أي إنما صارت الجهة جهة فوق بخلقه العالم في ~~هذا الحيز الذي خلقه فيه. فقيل خلق العالم لم يكن فوق ولا تحت أصلا ، إذ ~~هما مشتقان من الرأس والرجل ولم يكن ms025 إذ ذاك حيوان فتسمى الجهة التي تلي ~~رأسه فوق والمقابل له تحت. ### |||| ** والوجه الثاني أنه لو كان بجهة لكان محاذيا لجسم العالم ، وكل محاذ فإما أصغر منه وإما ~~أكبر وإما مساو ، وكل ذلك يوجب التقدير بمقدار ، وذلك المقدار يجوز في ~~العقل أن يفرض أصغر منه أو أكبر فيحتاج إلى مقدار ومخصص. # فإن قيل : لو كان الاختصاص بالجهة يوجب التقدير لكان العرض مقدرا. قلنا : ~~العرض ليس في جهة بنفسه ، بل بتبعيته للجوهر فلا جرم هو أيضا مقدر ~~بالتبعية. فإنا نعلم أنه لا توجد عشرة أعراض إلا في عشرة جواهر ، ولا يتصور ~~أن يكون في عشرين ، فتقدير الأعراض عشرة لازم بطريق التبعية لتقدير الجواهر ~~، كما لزم كونه بجهة بطريق التبعية. # فإن قيل : فإن لم يكن مخصوصا بجهة فوق ، فما بال الوجوه والأيدي ترفع إلى ~~السماء في الأدعية شرعا وطبعا ، وما باله صلى الله عليه وسلم قال للجارية التي ~~قصد إعتاقها فأراد أن يستيقن إيمانها أين الله فأشارت إلى السماء فقال إنها ~~مؤمنة؟ (1) فالجواب عن الأول أن هذا يضاهي قول القائل : إن لم يكن الله ~~تعالى في الكعبة وهو بيته فما بالنا نحجه ونزوره ، وما بالنا نستقبله في ~~الصلاة؟ وإن لم يكن في الأرض ، فما بالنا نتذلل بوضع وجوهنا على الأرض في ~~السجود؟ وهذا هذيان. بل يقال : قصد الشرع من تعبد الخلق بالكعبة في الصلاة ~~ملازمة الثبوت في جهة واحدة ، فإن ذلك لا محالة أقرب إلى الخشوع PageV01P031 # وحضور القلب من التردد على الجهات ، ثم لما كانت الجهات متساوية من حيث ~~إمكان الاستقبال خصص الله بقعة مخصوصة بالتشريف والتعظيم وشرفها بالإضافة ~~إلى نفسه واستمال القلوب إليها بتشريفه ليثيب على استقبالها ، فكذلك السماء ~~قبلة الدعاء ، كما أن البيت قبلة الصلاة ، والمعبود بالصلاة والمقصود ~~بالدعاء منزه عن الحلول في البيت والسماء ثم في الاشارة بالدعاء إلى السماء ~~سر لطيف يعز من يتنبه لأمثاله ، وهو أن نجاة العبد وفوزه في الآخرة ، بأن ~~يتواضع لله تعالى ويعتقد التعظيم لربه. والتواضع والتعظيم عمل القلب ، ~~وآلته العقل ، والجوارح إنما استعملت ms026 لتطهير القلب وتزكيته ، فإن القلب خلق ~~خلقه يتأثر بالمواظبة على أعمال الجوارح ، كما خلقت الجوارح متأثرة ~~لمعتقدات القلوب. ولما كان المقصود أن يتواضع في نفسه بعقله وقلبه ، بأن ~~يعرف قدره ليعرف بخسة رتبته في الوجود لجلال الله تعالى وعلوه ، وكان من ~~أعظم الأدلة على خسته الموجبة لتواضعه أنه مخلوق من تراب ، كلف أن يضع على ~~التراب ، الذي هو أذل الأشياء ، وجهه الذي هو أعز الأعضاء ، ليستشعر قلبه ~~التواضع بفعل الجبهة في مماستها الأرض ، فيكون البدن متواضعا في جسمه وشخصه ~~وصورته بالوجه الممكن فيه وهو معانقة التراب الوضيع الخسيس ويكون العقل ~~متواضعا لربه بما يليق به ، وهو معرفة الضعة وسقوط الرتبة وخسة المنزلة عند ~~الالتفات إلى ما خلق منه. # فكذلك التعظيم لله تعالى وضيعة على القلب فيها نجاته ، وذلك أيضا ينبغي ~~أن تشترك فيه الجوارح ، وبالقدر الذي يمكنه أن تحمل الجوارح ، وتعظيم القلب ~~بالإشارة إلى علو الرتبة على طريق المعرفة والاعتقاد وتعظيم الجوارح ~~بالإشارة إلى جهة العلو الذي هو أعلى الجهات وأرفعها في الاعتقادات ؛ فإن ~~غاية تعظيم الجارحة استعمالها في الجهات ، حتى أن من المعتاد المفهوم في ~~المحاورات أن يفصح الإنسان عن علو رتبة غيره وعظيم ولايته فيقول : أمره في ~~السماء السابعة ، وهو إنما ينبه على علو الرتبة ولكن يستعير له علو المكان ~~، وقد يشير برأسه إلى السماء في تعظيم من يريد تعظيم أمره ، أي أمره في ~~السماء ، أي في PageV01P032 # العلو وتكون السماء عبارة عن العلو. فانظر كيف تلطف الشرع بقلوب الخلق ~~وجوارحهم في سياقهم إلى تعظيم الله وكيف جهل من قلت بصيرته ولم يلتفت إلا ~~إلى ظواهر الجوارح والأجسام وغفل عن أسرار القلوب واستغنائها في التعظيم عن ~~تقدير الجهات ، وظن أن الأصل ما يشار إليه بالجوارح ولم يعرف أن المظنة ~~الأولى لتعظيم القلب وأن تعظيمه باعتقاد علو الرتبة لا باعتقاد علو المكان ~~، وأن الجوارح في ذلك خدم وأتباع يخدمون القلب على الموافقة في التعظيم ~~بقدر الممكن فيها ، ولا يمكن في الجوارح إلا الإشارة إلى الجهات ، فهذا هو ~~السر في رفع ms027 الوجوه إلى السماء عند قصد التعظيم ، ويضاف إليه عند الدعاء ~~أمر آخر وهو أن الدعاء لا ينفك عن سؤال نعمة من نعم الله تعالى ، وخزائن ~~نعمه السموات ، وخزان أرزاقه الملائكة ومقرهم ملكوت السموات وهم الموكلون ~~بالأرزاق ، وقد قال الله تعالى : ( @QUR@05 وفي السماء رزقكم وما توعدون ) ~~(1)، والطبع يتقاضى الإقبال بالوجه على الخزانة التي هي مقر الرزق المطلوب ~~، فطلاب الأرزاق من الملوك إذا أخبروا بتفرقة الأرزاق على باب الخزانة مالت ~~وجوههم وقلوبهم إلى جهة الخزانة ، وإن لم يعتقدوا أن الملك في الخزانة فهذا ~~هو محرك وجوه أرباب الدين إلى جهة السماء طبعا وشرعا. # فأما العوام فقد يعتقدون أن معبودهم في السماء ، فيكون ذلك أحد أسباب ~~إشاراتهم ، تعالى رب الأرباب عما اعتقد الزائغون علوا كبير. # وأما حكمه صلوات الله عليه بالإيمان للجارية لما أشارت إلى السماء ، فقد ~~انكشف به أيضا إذ ظهر أن لا سبيل للأخرس إلى تفهم علو المرتبة إلا بالإشارة ~~إلى جهة العلو ، فقد كانت خرساء كما حكي. وقد كان يظن بها أنها من عبدة ~~الأوثان ، ومن يعتقد إله في بيت الأصنام فاستنطقت عن معتقدها فعرفت ~~بالإشارة إلى السماء أن معبودها ليس في بيوت الأصنام كما يعتقدوه أولئك. PageV01P033 # فإن قيل فنفي الجهة يؤدي إلى المحال ، وهو إثبات موجود تخلو عنه الجهات ~~الست ويكون لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصلا به ، ولا منفصلا عنه ، وذلك ~~محال ، قلنا : مسلم أن كل موجود يقبل الاتصال فوجوده لا متصلا ولا منفصلا ~~محال ، وإن كان موجود يقبل الاختصاص بالجهة فوجوده مع خلو الجهات الست عنه ~~محال ، فإما موجود لا يقبل الاتصال ، ولا الاختصاص بالجهة فخلو عن طرفي ~~النقيض غير محال ، وهو كقول القائل يستحيل موجود لا يكون عاجزا ولا قادرا ~~ولا عالما ولا جاهلا فإن أحد المتضادين لا يخلو الشيء عنه ، فيقال له إن ~~كان ذلك الشيء قابلا للمتضادين فيستحيل خلوه عنهما وأما الجماد الذي لا ~~يقبل واحدا منهما لأنه فقد شرطهما وهو الحياة ، فخلوه عنهما ليس بمحال ، ~~فكذلك شرط الاتصال والاختصاص بالجهات التحيز والقيام ms028 بالمتحيز ، فإذا فقد ~~هذا لم يستحل الخلق عن متضادته فرجع النظر إذا إلى أن موجودا ليس بمتحيز ، ~~ولا هو في متحيز ، بل هو فاقد شرط الاتصال ، والاختصاص هل هو محال أم لا؟ # فإن زعم الخضم أن ذلك محال وجوده فقد دللنا عليه بأنه مهما بان ، أن كل ~~متحيز حادث وأن كل حادث يفتقر إلى فاعل ليس بحادث فقد لزم بالضرورة من ~~هاتين المقدمتين ثبوت موجود ليس بمتحيز ، أما الأصلان فقد أثبتناهما وأما ~~الدعوى اللازمة منهما فلا سبيل إلى جحدها مع الإقرار بالأصلين. # فإن قال الخصم إن مثل هذا الموجود الذي ساق دليلكم إلى إثباته غير مفهوم ~~، فيقال له ما الذي أردت بقولك غير مفهوم فإن أردت به أنه غير متخيل ولا ~~متصور ولا داخل في الوهم فقد صدقت ، فانه لا يدخل في الوهم والتصور والخيال ~~إلا جسم له لون وقدر ، فالمنفك عن اللون والقدر لا يتصوره الخيال ، فإن ~~الخيال قد أنس بالمبصرات فلا يتوهم الشيء إلا على وفق مرآه ولا يستطيع أن ~~يتوهم ما لا يوافقه. PageV01P034 # وإن أراد الخصم أنه ليس بمعقول ، أي ليس بمعلوم بدليل العقل فهو محال إذا ~~قدمنا الدليل على ثبوته ولا معنى للمعقول إلا ما اضطر العقل إلى الإذعان ~~للتصديق به بموجب الدليل الذي لا يمكن مخالفته. وقد تحقق هذا ، فإن قال ~~الخصم فما لا يتصور في الخيال لا وجود له ، فلنحكم بأن الخيال لا وجود له ~~في نفسه ، فان الخيال نفسه لا يدخل في الخيال والرؤية لا تدخل في الخيال ~~وكذلك العلم والقدرة ، وكذلك الصوت والرائحة ولو كلف الوهم أن يتحقق ذاتا ~~للصوت لقدر له لونا ومقدارا وتصوره كذلك. وهكذا جميع أحوال النفس ، من ~~الخجل والوجل والفسق والغضب والفرح والحزن والعجب ، فمن يدرك بالضرورة هذه ~~الأحوال من نفسه ويسوم خياله أن يتحقق ذات هذه الأحوال فنجده يقصر عنه إلا ~~بتقدير خطأ ثم ينكر بعد ذلك وجود موجود لا يدخل في خياله فهذا سبيل كشف ~~الغطاء عن المسألة. وقد جاوزنا حد الاختصار ولكن المعتقدات المختصرة في ms029 هذا ~~الفن أراها مشتملة على الاطناب في الواضحات والشروع في الزيادات الخارجة عن ~~المهمات مع التساهل في مضايق الاشكالات فرأيت نقل الاطناب من مكان الوضوح ، ~~إلى مواقع الغموض أهم وأولى. ### |||| ** (الدعوى الثامنة): ندعي أن الله تعالى منزه عن أن يوصف بالاستقرار على العرش ، فإن كل متمكن ~~على جسم ومستقر عليه مقدر لا محالة فانه أما أن يكون أكبر منه أو أصغر أو ~~مساويا وكل ذلك لا يخلو عن التقدير ، وأنه لو جاز أن يماسه جسم من هذه ~~الجهة لجاز أن يماسه من سائر الجهات فيصير محاطا به والخصم لا يعتقد ذلك ~~بحال وهو لازم على مذهبه بالضرورة ، وعلى الجملة لا يستقر على الجسم إلا ~~جسم ولا يحل فيه إلا عرض وقد بان أنه تعالى ليس بجسم ولا عرض ، فلا يحتاج ~~إلى إقران هذه الدعوى بإقامة البرهان. فإن قيل فما معنى قوله تعالى : ( ~~@QUR@04 الرحمن على العرش استوى ) (1)؟ وما معنى PageV01P035 # قوله عليه السلام : (ينزل الله كل ليلة إلى السماء الدنيا) قلنا الكلام ~~على الظواهر الواردة في هذا الباب طويل ولكن نذكر منهجا في هذين الظاهرين ~~يرشد إلى ما عداه وهو أنا نقول : الناس في هذا فريقان عوام وعلماء ، والذي ~~نراه اللائق بعوام الخلق أن لا يخاض بهم في هذه التأويلات بل ننزع عن ~~عقائدهم كل ما يوجب التشبيه ويدل على الحدوث ونحقق عندهم أنه موجود ليس ~~كمثله شيء ، وهو السميع البصير ، وإذا سألوا عن معاني هذه الآيات زجروا ~~عنها ، وقيل ليس هذا بعشكم فادرجوا فلكل علم رجال. ويجاب بما أجاب به مالك ~~بن انس رضي الله عنه ، بعض السلف حيث سئل عن الاستواء ، فقال : الاستواء ~~معلوم والكيفية مجهولة ، والسؤال عنه بدعة ، والايمان به واجب ، وهذا لأن ~~عقول العوام لا تتسع لقبول المعقولات ولا إحاطتهم باللغات ولا تتسع لفهم ~~توسيعات العرب في الاستعارات. # وأما العلماء فاللائق بهم تعريف ذلك وتفهمه ، ولست أقول أن ذلك فرض عين ~~إذ لم يرد به تكليف بل التكليف التنزيه عن كل ما تشبهه بغيره. فأما معاني ~~القرآن ، فلم ms030 يكلف الأعيان فهم جميعها أصلا ولكن لسنا نرتضي قول من يقول ، ~~أن ذلك من المتشابهات كحروف أوائل السور ، فان حروف أوائل السور ليست ~~موضوعة باصطلاح سابق للعرب للدلالة على المعاني ، ومن نطق بحروف وهن كلمات ~~لم يصطلح عليها ، فواجب أن يكون معناه مجهولا إلا أن يعرف ما أردته ، فإذا ~~ذكره صارت تلك الحروف كاللغة المخترعة من جهته. # وأما قوله صلى الله عليه وسلم : (ينزل الله تعالى إلى السماء الدنيا)، فلفظ ~~مفهوم ذكر للتفهم وعلم أنه يسبق إلى الإفهام منه المعنى الذي وضع له أو ~~المعنى الذي يستعار ، فكيف يقال إنه متشابه بل هو مخيل معنى خطأ عند الجاهل PageV01P036 # ومفهم معنى صحيحا عند العالم ، وهو كقوله تعالى : ( @QUR@05 وهو معكم أين ~~ما كنتم ) (1) فإنه يخيل عند الجاهل اجتماعا مناقضا لكونه على العرش ، وعند ~~العالم يفهم أنه مع الكل بالاحاطة والعلم ، وكقوله صلى الله عليه وسلم : (قلب ~~المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن) (2)، فانه عند الجاهل يخيل عضوين ~~مركبين من اللحم والعظم والعصب مشتملين على الأنامل والأظفار ، نابتين من ~~الكف. وعند العالم يدل على المعنى المستعار له دون الموضوع له وهو ما كان ~~الاصبع له ، وكان سر الاصبع وروحه وحقيقته وهو القدرة على التقليب كما يشاء ~~، كما دلت المعية عليه في قوله ( @QUR@02 وهو معكم ) على ما تراد المعية له ~~وهو العلم والاحاطة ولكن من شائع عبارات العرب العبارة بالسبب عن المسبب ، ~~واستعارة السبب للمستعار منه وكقوله تعالى : (من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ~~ذراعا ومن أتاني بمشي أتيته بهرولة (3)) فإن الهرولة عند الجاهل تدل على ~~نقل الأقدام وشدة العدو وكذا الاتيان يدل على القرب في المسافة. وعند ~~العاقل يدل على المعنى المطلوب من قرب المسافة بين الناس وهو قرب الكرامة ~~والانعام وإن معناه أن رحمتي ونعمتي أشد انصبابا إلى عبادي من طاعتهم إلي ~~وهو كما قال : (لقد طال شوق الأبرار إلى لقائي وأنا إلى لقائهم لأشد شوقا ~~(4)) تعالى الله عما يفهم من معنى لفظ الشوق بالوضع الذي هو نوع ألم وحاجة ~~إلى استراحة ms031 ، وهو عين النقص ولكن الشوق سبب لقبول المشتاق إليه والإقبال ~~عليه وإفاضة النعمة لديه فعبر به عن المسبب ، وكما عبر بالغضب والرضى عن ~~إرادة الثواب والعقاب الذين هما ثمرتا الغضب والرضى ومسبباه في العادة ، ~~وكذا لما قال في الحجر الأسود إنه (يمين الله في الأرض) (5) يظن الجاهل انه ~~اراد به اليمين المقابل للشمال التي هي عضو PageV01P037 # مركب من لحم ودم وعظم منقسم بخمسة أصابع ، ثم إنه إن فتح بصيرته علم أنه ~~كان على العرش ولا يكون يمينه في الكعبة ثم لا يكون حجرا أسود فيدرك بأدنى ~~مسكة أنه استعير للمصافحة ، فإنه يؤمر باستلام الحجر وتقبيله كما يؤمر ~~بتقبيل يمين الملك ، فاستعير اللفظ لذلك ، والكامل العقل البصير لا تعظم ~~عنده هذه الامور ، بل يفهم معانيها على البديهة ، فلنرجع إلى معنى الاستواء ~~والنزول ، أما الاستواء فهو نسبه للعرش لا محالة ، ولا يمكن أن يكون للعرش ~~إليه نسبة إلا بكونه معلوما ، أو مرادا ، أو مقدورا عليه ، أو محلا مثل محل ~~العرض ، أو مكانا مثل مستقر الجسم ، ولكن بعض هذه النسبة تستحيل عقلا ~~وبعضها لا يصلح اللفظ للاستعارة به له ، فإن كان في جملة هذه النسبة ، مع ~~أنه لا نسبة سواها ، نسبة لا يخيلها العقل ولا ينبو عنها اللفظ ، فليعلم ~~أنها المراد إما كونه مكانا أو محلا ، كما كان للجوهر والعرض ، اذا اللفظ ~~يصلح له ولكن العقل يخيله كما سبق ، وإما كونه معلوما ومرادا فالعقل لا ~~يخيله ، ولكن اللفظ لا يصلح له ، وإما كونه مقدورا عليه وواقعا في قبضة ~~القدرة ومسخرا له مع أنه أعظم المقدورات ويصلح الاستيلاء عليه لأن يمتدح به ~~وينبه به على غيره الذي هو دونه في العظم ، فهذا مما لا يخيله العقل ويصلح ~~له اللفظ ، فأخلق بأن يكون هو المراد قطعا. أما صلاح اللفظ له فظاهر عند ~~الخبير بلسان العرب ، وإنما ينبو عن فهم مثل هذا أفهام المتطفلين على لغة ~~العرب الناظرين إليها من بعد الملتفتين إليها التفات العرب إلى لسان الترك ~~حيث لم يتعلموا منها إلا أوائلها ، فمن المستحسن ms032 في اللغة أن يقال استوى ~~الأمير على مملكته ، حتى قال الشاعر : # قد استوى بشير على العراق %~% من غير سيف ودم مهراق # ولذلك قال بعض السلف رضي الله عنهم : يفهم من قوله تعالى ( @QUR@04 ~~الرحمن على العرش استوى ) (1) ما فهم من قوله تعالى ( @QUR@05 ثم استوى إلى ~~السماء وهي PageV01P038 # @QUR@01 دخان ) (1). وأما قوله صلى الله عليه وسلم (ينزل الله تعالى إلى ~~السماء الدنيا) (2) فللتأويل فيه مجال من وجهين : # أحدهما ، في اضافة النزول إليه وأنه مجاز ، وبالحقيقة هو مضاف إلى ملك من ~~الملائكة كما قال تعالى ( @QUR@02 وسئل القرية ) (3) والمسئول بالحقيقة أهل ~~القرية ، وهذا أيضا من المتداول في الألسنة ، أعني إضافة أحوال التابع إلى ~~المتبوع ، فيقال : ترك الملك على باب البلد ، ويراد عسكره ، فإن المخبر ~~بنزول الملك على باب البلد قد يقال له هلا خرجت لزيارته فيقول لا. لأنه عرج ~~في طريقه على الصيد ولم ينزل بعد ، فلا يقال له فلم نزل الملك والآن تقول ~~لم ينزل بعد؟ فيكون المفهوم من نزول الملك نزول العسكر. وهذا جلي واضح. # والثاني ، أن لفظ النزول قد يستعمل للتلطف والتواضع في حق الخلق كما ~~يستعمل الارتفاع للتكبر ، يقال فلان رفع رأسه إلى عنان السماء ، أي تكبر ، ~~ويقال ارتفع إلى أعلى عليين ، أي تعظم ؛ وإن علا أمره يقال : أمره في ~~السماء السابعة ؛ وفي معارضته إذا سقطت رتبته يقال : قد هوى به إلى اسفل ~~السافلين ؛ وإذا تواضع وتلطف له تطامن إلى الارض ونزل إلى أدنى الدرجات ، ~~فإذا فهم هذا وعلم أن النزول عن الرتبة بتركها أو سقوطها وفي النزول عن ~~الرتبة بطريق التلطف وترك العقل الذي يقتضيه علو الرتبة وكمال الاستغناء ، ~~فبالنظر إلى هذه المعاني الثلاثة التي يتردد اللفظ بينها ما الذي يجوزه العقل؟ # أما النزول بطريق الانتقال فقد أحاله العقل كما سبق ، فإن ذلك لا يمكن ~~إلا في متحيز ، وأما سقوط الرتبة فهو محال لأنه سبحانه قديم بصفاته PageV01P039 # وجلاله ولا يمكن زوال علوه ، وأما النزول بمعنى اللطف والرحمة وترك الفعل ~~اللائق بالاستغناء وعدم المبالاة فهو ممكن ، فيتعين التنزيل عليه ، وقيل ~~إنه ms033 لما نزل قوله تعالى : ( @QUR@04 رفيع الدرجات ذو العرش ) (1) استشعر ~~الصحابة رضوان الله عليهم من مهابة عظيمة واستبعدوا الانبساط في السؤال ~~والدعاء مع ذلك الجلال ، فأخبروا أن الله سبحانه وتعالى مع عظمة جلاله وعلو ~~شأنه متلطف بعباده رحيم بهم مستجيب لهم مع الاستغناء إذا دعوه ، وكانت ~~استجابة الدعوة نزولا بالإضافة الى ما يقتضيه ذلك الجلال من الاستغناء وعدم ~~المبالاة. فعبر عن ذلك بالنزول تشجيعا لقلوب العباد على المباسطة بالأدعية ~~بل على الركوع والسجود ، فإن من يستشعر بقدر طاقته مبادي جلال الله تعالى ~~استبعد سجوده وركوعه. فإن تقرب العباد كلهم بالإضافة إلى جلال الله سبحانه ~~أحس من تحريك العبد إصبعا من أصابعه على قصد التقرب إلى ملك من ملوك الأرض ~~، ولو عظم به ملكا من الملوك لاستحق به التوبيخ ، بل من عادة الملوك زجر ~~الأرزال عن الخدمة والسجود بين أيديهم والتقبيل لعتبة دورهم استحقارا لهم ~~عن الاستخدام وتعاظما عن استخدام غير الأمراء والاكابر ، كما جرت به عادة ~~بعض الخلفاء. فلولا النزول عن مقتضى الجلال باللطف والرحمة والاستجابة ~~لاقتضى ذلك الجلال أن يبهت القلوب عن الفكر ، ويخرس الألسنة عن الذكر ، ~~ويخمد الجوارح عن الحركة ، فمن لاحظ ذلك الجلال وهذا اللطف استبان له على ~~القطع أن عبارة النزول مطابقة للجلال ومطلقة في موضوعها لا على ما فهمه ~~الجهال ؛ فإن قيل فلم خصص السماء الدنيا؟ قلنا : هو عبارة عن الدرجة ~~الأخيرة التي لا درجة بعدها ، كما يقال سقط إلى الثرى وارتفع إلى الثريا ، ~~على تقدير أن الثريا أعلى الكواكب والثرى أسفل المواضع. فإن قيل : فلم خصص ~~بالليالي ، فقال ينزل كل ليلة؟ قلنا : لأن الخلوات مظنة الدعوات والليالي ~~أعدت لذلك ، PageV01P040 # حيث يسكن الخلق وينمحي عن القلوب ذكرهم ، ويصفوا لذكر الله تعالى قلب ~~الداعي ، فمثل هذا الدعاء هو المرجو الاستجابة لا ما يصدر عن غفلة القلوب ~~عند تزاحم الاشتغال. ### |||| ** (الدعوى التاسعة): ندعي أن الله سبحانه وتعالى مرئي ، خلافا للمعتزلة ، وإنما أوردنا هذه ~~المسألة في القطب الموسوم بالنظر في ذات الله سبحانه وتعالى لأمرين : ~~أحدهما أن ننفي الرؤية ms034 عما يلزم على نفي الجهة ، فأردنا أن نبين كيف يجمع ~~بين نفي الجهة وإثبات الرؤية. والثاني أنه سبحانه وتعالى عندنا مرئي لوجوده ~~ووجود ذاته ، فليس ذلك إلا لذاته ، فإنه ليس لفعله ولا لصفة من الصفات ، بل ~~كل موجود ذات فواجب أن يكون مرئيا ، كما أنه واجب أن يكون معلوما ، ولست ~~أعني به أنه واجب أن يكون معلوما ومرئيا بالفعل بل بالقوة ، أي هو من حيث ~~ذاته مستعد لأن تتعلق الرؤية به ، وإنه لا مانع ولا محيل في ذاته له ، فإن ~~امتنع وجود الرؤية فلأمر آخر خارج عن ذاته ، كما نقول : الماء الذي في ~~النهر مرو ، والخمر الذي في الدن مسكر ، وليس كذلك لأنه يسكر ويروي عند ~~الشرب ولكن معناه أن ذاته مستعدة لذلك فإذا فهم المراد منه فالنظر في طرفين : # أحدهما في الجواز العقلي ، والثاني في الوقوع الذي لا سبيل إلى دركه الا ~~بالشرع ، ومهما دل الشرع على وقوعه فقد دل أيضا لا محالة على جوازه ولكنا ~~ندل بمسلكين واقعين عقليين على جوازه. # المسلك الأول ، هو أنا نقول أن الباري سبحانه موجود وذات ، وله ثبوت ~~وحقيقة ، وإنما يخالف سائر الموجودات في استحالة كونه حادثا أو موصوفا بما ~~يدل على الحدوث ، أو موصوفا بصفة تناقض صفات الالهية من العلم والقدرة وغير ~~هما ، فكل ما يصح لموجود فهو يصح في حقه تعالى إن لم يدل على الحدوث ولم ~~يناقض صفة من صفاته. والدليل عليه تعلق العلم به ؛ فانه لما لم يؤذ إلى ~~تغير في ذاته ولا إلى مناقضة صفاته ولا إلى الدلالة PageV01P041 # على الحدوث ، سوى بينه وبين الأجسام والأعراض في جواز تعلق العلم بذاته ~~وصفاته. والرؤية نوع علم لا يوجب تعلقه بالمرئي تغير صفة ولا يدل على حدوث ~~، فوجب الحكم بها على كل موجود ، فان قيل : فكونه مرئيا يوجب كونه بجهة ~~وكونه بجهة يوجب كونه عرضا أو جوهرا وهو محال ، ونظم القياس أنه إن كان ~~مرئيا فهو بجهة من الرأي وهذا اللازم محال فالمفضي إلى الرؤية محال. # قلنا : أحد الأصلين من هذا ms035 القياس مسلم لكم ، وهو أن هذا اللازم محال ، ~~ولكن الأصل الأول وهو ادعاء هذا اللازم على اعتقاد الرؤية ممنوع. # فنقول لم قلتم انه إن كان مرئيا فهو بجهة من الرأي ، أعلمتم ذلك بضرورة ، ~~أم بنظر؟ ولا سبيل إلى دعوى الضرورة ، وأما النظر فلا بد من بيانه. ~~ومنتهاهم أنهم لم يروا إلى الآن شيئا إلا وكان بجهة من الرأي مخصوصة ، ~~فيقال : وما لم ير فلا يحكم باستحالته ، ولو جاز هذا لجاز للمجسم أن يقول ~~إنه تعالى جسم ، لأنه فاعل ، فإننا لم نر إلى الآن فاعلا إلا جسما. أو يقول ~~إن كان فاعلا وموجودا فهو إما داخل العالم وإما خارجه ، وإما متصل وإما ~~منفصل ، ولا تخلو عنه الجهات الست ، فإنه لم يعلم موجود إلا وهو كذلك فلا ~~فضل بينكم وبين هؤلاء. وحاصله يرجع إلى الحكم بأن ما شوهد وعلم ينبغي أن لا ~~يعلم غيره الا على وفقه ، وهو كمن يعلم الجسم وينكر العرض ويقول : لو كان ~~موجودا لكان يختص بحيز ويمنع غيره من الوجود بحيث هو كالجسم. ومنشأ هذا ~~إحالة موجودات اختلاف الموجودات في حقائق الخواص مع الاشتراك في أمور عامة ~~، وذلك بحكم لا اصل له ، على أن هؤلاء لا يغفل عن معارضتهم بأن الله يرى ~~نفسه ويرى العالم وهو ليس بجهة من نفسه ولا من العالم ، فإذا جاز ذلك فقد ~~بطل هذا الخيال. وهذا مما يعترف به أكثر المعتزلة ولا يخرج عنه لمن اعترف ~~به ومن أنكر منهم فلا يقدر على انكار رؤية الانسان نفسه في المرآة ، ومعلوم ~~أنه ليس في مقابلة نفسه فإن زعموا أنه لا يرى نفسه وإنما يرى صورة محاكية ~~لصورته منطبعة في المرآة PageV01P042 # انطباع النفس في الحائط ، فيقال إن هذا ظاهر الاستحالة : فإن من تباعد عن ~~مرآة منصوبة في حائط بقدر ذراعين يرى صورته بعيدة عن جرم المرآة بذراعين ، ~~وإن تباعد بثلاثة أذرع فكذلك ، فالبعيد عن المرآة بذراعين كيف يكون منطبعا ~~في المرآة وسمك المرآة ربما لا يزيد على سمك شعيرة؟ فإن كانت الصورة في شيء ~~وراء ms036 المرآة فهو محال ، إذ ليس وراء المرآة الا جدار أو هواء أو شخص آخر هو ~~محجوب عنه ، وهو لا يراه. وكذا عن يمين المرآة ويسارها وفوقها وتحتها وجهات ~~المرآة الست ، وهو يرى صورة بعيدة عن المرآة بذراعين ، فلنطلب هذه الصورة ~~من جوانب المرآة : فحيث وجدت فهو المرئي ولا وجود لمثل هذه الصورة المرئية ~~في الأجسام المحيطة بالمرآة إلا في جسم والناظر ، فهو المرئي إذا بالضرورة. ~~وقد تطلب المقابلة والجهة ولا ينبغي أن تستحقر هذا الإلزام فإنه لا مخرج ~~للمعتزلة عنه ، ونحن نعلم بالضرورة أن الانسان لو لم يبصر نفسه قط ولا عرف ~~المرآة وقيل له أن يمكن أن تبصر نفسك في مرآة الحكم بأنه محال ، وقال لا ~~يخلو إما أن أرى نفسي وأنا في المرآة فهو محال ، أو أرى مثل صورتي في جرم ~~المرآة وهو محال ، أو في جرم وراء المرآة وهو محال ، أو المرآة في نفسها ~~صورة وللأجسام المحيطة بها جسم صور ، ولا تجتمع صورتان في جسم واحد إذ محال ~~أن يكون في جسم واحد صورة إنسان وحديد وحائط وإن رأيت نفسي حيث أنا فهو ~~محال ، إذ لست في مقابلة نفسي فكيف أرى نفسي ، ولا بد بين المقابلة بين ~~الرائي والمرئي وهذا التقسيم صحيح عند المعتزلي ومعلوم أنه باطل ، وبطلانه ~~عندنا لقوله إني لست في مقابلة نفسي فلا أراها وإلا فسائر أقسام كلامه ~~صحيحة ، فبهذا يستبين ضيق حوصلة هؤلاء عن التصديق بما لم يألفوه ولم تأنس ~~به حواسهم. # المسلك الثاني ، وهو الكشف البالغ أن تقول إنما أنكر الخصم الرؤية لأنه ~~لم يفهم ما تريده بالرؤية ولم يحصل معناها على التحقيق ، وظن أنا نريد بها ~~حالة تساوي الحالة التي يدركها الرأي عند النظر إلى الأجسام والألوان PageV01P043 # وهيهات! فنحن نعترف باستحالة ذلك في حق الله سبحانه ، ولكن ينبغي أن نحصل ~~معنى هذا اللفظ في الموضع المتفق ، ونسبكه ثم نحذف منه ما يستحيل في حق ~~الله سبحانه وتعالى ، فإن نفي من معانيه معنى لم يستحل في حق الله سبحانه ~~وتعالى وأمكن أن ms037 يسمى ذلك المعنى رؤية حقيقة ، أثبتناه في حق الله سبحانه ~~وقضينا بأنه مرئي حقيقة ، وإن لم يكى إطلاق اسم الرؤية عليه إلا بالمجاز ~~أطلقنا اللفظ عليه بإذن الشرع واعتقدنا المعنى كما دل عليه العقل. وتحصيله ~~، أن الرؤية تدل على معنى له محل وهو العين ، وله متعلق وهو اللون والقدر ~~والجسم وسائر المرئيات ، فلنظر إلى حقيقة معناه ومحله ، وإلى متعلقه ~~ولنتأمل أن الركن من جملتها في إطلاق هذا الاسم ما هو ، فنقول : أما المحل ~~فليس بركن في صحة هذه التسمية ، فإن الحالة التي ندركها بالعين من المرئي ~~لو أدركناها بالقلب أو بالجبهة مثلا لكنا نقول قد رأينا الشيء وأبصرناه ~~وصدق كلامنا ، فإن العين محل وآلة لا تراد لعينها بل لتحل فيه هذه الحالة ، ~~فحيث حلت الحالة تمت الحقيقة وصح الاسم. # ولنا أن نقول علمنا بقلبنا أو بدماغنا إن أدركنا الشيء بالقلب ، أو ~~بالدماغ إن أدركنا الشيء بالدماغ ، وكذلك إن أبصرنا بالقلب أو بالجبهة أو ~~بالعين. # وأما المتعلق بعينه فليس ركنا في إطلاق هذا الاسم وثبوت هذه الحقيقة. فإن ~~الرؤية لو كانت رؤية لتعلقها بالسواد لما كان المتعلق بالبياض رؤية ، ولو ~~كان لتعلقها باللون لما كان المتعلق بالحركة رؤية ، ولو كان لتعلقها بالعرض ~~لما كان المتعلق بالجسم رؤية ، فدل أن خصوص صفات المتعلق ليس ركنا لوجود ~~هذه الحقيقة ، وإطلاق هذا الاسم ، بل الركن فيه من حيث أنه صفة متعلقة أن ~~يكون لها متعلق موجود ؛ أي موجود كان وأي ذات كان. فإذا الركن الذي الاسم ~~مطلق عليه هو الأمر الثالث وهو حقيقة المعنى من غير التفات إلى محله ~~ومتعلقه ، فلنبحث عن الحقيقة ما هي ، ولا حقيقة لها إلا أنها نوع إدراك هو ~~كمال ومزيد كشف بالإضافة إلى التخيل ، فإنا نرى الصديق مثلا ثم نغمض العين ~~فتكون صورة الصديق حاضرة في دماغنا على PageV01P044 # سبيل التخيل والتصور ، ولكنا لو فتحنا البصر أدركنا تفرقته ولا ترجع تلك ~~التفرقة إلى إدراك صورة أخرى مخالفة لما كانت في الخيال بل الصورة المبصرة ~~مطابقة للمتخيلة من غير فرق وليس ms038 بينهما افتراق ، إلا أن هذه الحالة ~~الثانية كالاستكمال لحالة التخيل ، وكالكشف لها ، فتحدث فيها صورة الصديق ~~عند فتح البصر حدوثا أوضح وأتم وأكمل من الصورة الجارية في الخيال. ~~والحادثة في البصر بعينها تطابق بيان الصورة الحادثة في الخيال ، فاذا ~~التخيل نوع إدراك على رتبة ، ووراءه رتبة أخرى هي أتم منه في الوضوح والكشف ~~، بل هي كالتكميل له ، فنسمي هذا الاستكمال بالإضافة إلى الخيال رؤية ~~وإبصارا ، وكذا من الأشياء ما نعلمه ولا نتخيله وهو ذات الله سبحانه وتعالى ~~وصفاته ، وكل ما لا صورة له ، أي لا لون له ولا قدر مثل القدرة والعلم ~~والعشق والإبصار والخيال ؛ فإن هذه أمور نعلمها ولا نتخيلها والعلم بها نوع ~~إدراك فلننظر هل يحيل العقل أن يكون لهذا الادراك مزيد استكمال نسبته إليه ~~نسبة الإبصار إلى التخيل ؛ فإن كان ذلك ممكنا سمينا ذلك الكشف والاستكمال ~~بالإضافة إلى العلم رؤية ، كما سميناه بالإضافة إلى التخيل رؤية ، ومعلوم ~~أن تقدير هذا الاستكمال في الاستيضاح والاستكشاف غير محال في الموجودات ~~المعلومة التي ليست متخيلة كالعلم والقدرة وغير هما ، وكذا في ذات الله ~~سبحانه وصفاته ، بل نكاد ندرك ضرورة من الطبع أنه يتقاضى طلب مزيد استيضاح ~~في ذات الله وصفاته وفي ذوات هذه المعاني المعلومة كلها. # فنحن نقول إن ذلك غير محال فإنه لا محيل له بل العقل دليل على إمكانه بل ~~على استدعاء الطبع له. إلا أن هذا الكمال في الكشف غير مبذول في هذا العالم ~~، والنفس في شغل البدن وكدورة صفائه ، فهو محجوب عنه ، وكما لا يبعد أن ~~يكون الجفن أو الستر أو سواد ما في العين سببا بحكم اطراد العادة لامتناع ~~الإبصار للمتخيلات فلا يبعد أن تكون كدورة النفس وتراكم حجب الاشغال بحكم ~~اطراد العادة مانعا من إبصار المعلومات. فإذا بعثر ما في القبور PageV01P045 # وحصل ما في الصدور ، وزكيت القلوب بالشراب الطهور ، وصفيت بأنواع التصفية ~~والتنقية ، لم يمتنع أن تشتغل بسببها لمزيد استكمال واستيضاح في ذات الله ~~سبحانه أو في سائر المعلومات ، يكون ارتفاع درجته عن العلم ms039 المعهود كارتفاع ~~درجة الإبصار عن التخيل ، فيعبر عن ذلك بلقاء الله تعالى ومشاهدته أو رؤيته ~~أو إبصاره أو ما شئت من العبارات. فلا مشاحة فيها وبعد إيضاح المعاني. وإذا ~~كان ذلك ممكنا بأن خلقت هذه الحالة في العين ، كان اسم الرؤية بحكم وضع ~~اللغة عليه أصدق وخلقه في العين غير مستحيل. كما أن خلقها في القلب غير ~~مستحيل فإذا فهم المراد بما أطلقه أهل الحق من الرؤية. علم أن العقل لا ~~يحيله بل يوجبه ، وأن الشرع قد شهد له فلا يبقى للمنازعة وجه إلا على سبيل ~~العناد أو المشاحنة في إطلاق عبارة الرؤية أو القصور عن درك هذه المعاني ~~الدقيقة التي ذكرناها. ولنقتصر في هذا الموجز على هذا القدر. # الطرف الثاني في وقوعه شرعا ، وقد دل الشرع على وقوعه ومداركه كثيرة ، ~~ولكثرتها يمكن دعوى الإجماع على الأولين في ابتهالهم إلى الله سبحانه في ~~طلب لذة النظر إلى وجهه الكريم. ونعلم قطعا من عقائدهم أنهم كانوا ينتظرون ~~ذلك وأنهم كانوا قد فهموا جواز انتظار ذلك وسؤاله من الله سبحانه ، بقرائن ~~أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وجملة من ألفاظه الصريحة التي لا تدخل في ~~الحصر ، بالاجماع الذي يدل على خروج المدارك عن الحصر. ومن أقوى ما يدل ~~عليه سؤال موسى صلى الله عليه وسلم (أرني أنظر أليك) (1) فإنه يستحيل أن يخفى ~~عن نبي من أنبياء الله تعالى انتهى منصبه إلى أن يكلمه الله سبحانه شفاها ~~أن يجهل من صفات ذاته تعالى ما عرفه المعتزلة. وهذا معلوم على الضرورة ، ~~فإن الجهل بكونه ممتنع الرؤية عند الخصم يوجب التفكير أو التضليل وهو جهل ~~بصفة ذاته لأن استحالتها عندهم لذاته ولأنه PageV01P046 # ليس بجهة فكيف لم يعرف موسى عليه أفضل الصلاة أنه ليس بجهة ، أو كيف عرف ~~أنه ليس بجهة ولم يعرف أن رؤية ما ليس بجهة محال؟ فليت شعري ما ذا يضمر ~~الخصم ويقدره من ذهول موسى صلى الله عليه وسلم ، أيقدره معتقدا أنه جسم في جهة ~~ذو لون ، واتهام الأنبياء صلوات الله ms040 سبحانه وتعالى عليهم وسلامه كفر صراح ~~، فإنه تكفير للنبي صلى الله عليه وسلم ، فإن القائل بأن الله سبحانه جسم ~~وعابد الوثن والشمس واحد! أو يقول علم استحالة كونه بجهة ، ولكنه لم يعلم ~~أن ما ليس بجهة فلا يرى ، وهذا تجهيل للنبي عليه أفضل السلام لأن الخصم ~~يعتقد أن ذلك من الجليات لا من النظريات. فأنت الآن أيها المسترشد مخير من ~~أن تميل إلى تجهيل النبي صلى الله عليه وسلم تسليما ، أو إلى تجهيل المعتزلي ، ~~فاختر لنفسك ما أليق بك والسلام. # فإن قيل : إن دل هذا لكم فقد دل عليكم ، لسؤاله الرؤية في الدنيا ودل ~~عليكم قوله تعالى ( @QUR@02 لن تراني ) (1) ودل قوله سبحانه ( @QUR@03 لا ~~تدركه الأبصار ) (2). # قلنا : أما سؤاله الرؤية في الدنيا فهو دليل على عدم معرفته بوقوع وقت ما ~~هو جائز في نفسه ، والأنبياء كلهم عليهم أفضل السلام لا يعرفون من الغيب ~~إلا ما عرفوا ، وهو القليل ، فمن أين يبعد أن يدعو النبي عليه أفضل السلام ~~كشف غمة وإزالة بلية وهو يرتجي الإجابة في وقت لم تسبق في علم الله تعالى ~~الإجابة فيه ، وهذا من ذلك الفن. # وأما قوله سبحانه ( @QUR@02 لن تراني ) (1) فهو دفع لما التمسه ، وإنما ~~التمس في الآخرة ، فلو قال أرني انظر إليك في الآخرة ، فقال لن تراني ، ~~لكان ذلك دليلا على نفي الرؤية ، ولكن في حق موسى صلوات الله سبحانه وسلامه PageV01P047 # عليه في الخصوص لا على العموم ، وما كان أيضا دليلا على الاستحالة ، فكيف ~~وهو جواب عن السؤال في الحال؟ # وأما قوله ( @QUR@03 لا تدركه الأبصار ) (1) أي لا تحيط به ولا تكتنفه من ~~جوانبه كما تحيط الرؤية بالأجسام ، وذلك حق ، أو هو عام فأريد به في الدنيا ~~، وذلك أيضا حق ، وهو ما أراده بقوله سبحانه ( @QUR@02 لن تراني ) (2) في ~~الدنيا. ولنقتصر على هذا القدر في مسألة الرؤية ، ولينظر المنصف كيف افترقت ~~الفرق وتخربت إلى مفرط ومفرط. # أما الحشوية فإنهم لم يتمكنوا من فهم موجود إلا في جهة ، فأثبتوا الجهة ~~حتى ألزمتهم بالضرورة الجسمية والتقدير والاختصاص بصفات الحدوث. وأما ~~المعتزلة ms041 فانهم نفوا الجهة ولم يتمكنوا من إثبات الرؤية دونها ، وخالفوا به ~~قواطع الشرع ، وظنوا أن في إثباتها اثبات الجهة ، فهؤلاء تغلغلوا في ~~التنزيه محترزين من التشبيه ، فأفرطوا. والحشوية أثبتوا الجهة احترازا من ~~التعطيل فشبهوا ، فوفق الله سبحانه أهل السنة للقيام بالحق ، فتفطنوا ~~للمسلك القصد وعرفوا أن الجهة منفية لأنها للجسمية تابعة وتتمة ، وأن ~~الرؤية ثابتة لأنها رديف العلم وفريقه ، وهي تكملة له ؛ فانتفاء الجسمية ~~أوجب انتفاء الجهة التي من لوازمها ، وثبوت العلم أوجب ثبوت الرؤية التي هي ~~من روادفه وتكملاته ومشاركة له في خاصيته ، وهي أنها لا توجب تغييرا في ذات ~~المرئي ، بل تتعلق به على ما هو عليه كالعلم ، ولا يخفى عن عاقل أن هذا هو ~~الاقتصاد في الاعتقاد. ### |||| ** (الدعوى العاشرة) : ندعي أنه سبحانه واحد. فإن كونه واحدا يرجع إلى ثبوت ذاته ونفي غيره. ~~فليس هو نظر في صفة زائدة على الذات ، فوجب ذكره في هذا القطب. PageV01P048 # فنقول : الواحد قد يطلب ويراد به أنه لا يقبل القسمة ، أي لا كمية له ولا ~~جزء ولا مقدار ، والباري تعالى واحد بمعنى سلب الكمية المصححة للقسمة عنه ؛ ~~فإنه غير قابل للانقسام. إذ الانقسام لما له كمية ، والتقسيم تصرف في كمية ~~بالتفريق والتصغير ، وما لا كمية له لا بتصور انقسامه ، وقد يطلق ويراد أنه ~~لا نظير له في رتبته كما تقول الشمس واحدة ، والباري تعالى أيضا بهذا ~~المعنى واحد ؛ فإنه لا ند له ، فأما انه لا ضد له فظاهرا ، إذ المفهوم من ~~الضد هو الذي يتعاقب مع الشيء على محل واحد ولا تجامع وما لا محل له فلا ضد ~~له ، والباري سبحانه لا محل له فلا ضد له. # وأما قولنا لا ند له ، نعني به أن ما سواه هو خالقه لا غير ، وبرهانه أنه ~~لو قدر له شريك لكان مثله في كل الوجوه أو أرفع منه أو كان دونه. وكل ذلك ~~محال ، فالمفضي إليه محال ، ووجه استحالة كونه مثله من كل وجه أن كل اثنين ~~هما متغايران ، فإن لم يكن تغاير لم تكن ms042 الاثنينية معقولة ، فإنا لا نعقل ~~سوادين إلا في محلين ، أو في محل واحد في وقتين ، فيكون أحدهما مفارقا ~~للآخر ومباينا له ومغايرا إما في المحل وإما في الوقت ، والشيئان تارة ~~يتغايران بتغاير الحد والحقيقة ، كتغاير الحركة واللون فإنهما وإن اجتمعا ~~في محل واحد في وقت واحد فهما اثنان ، إذ أحدهما مغاير للآخر بحقيقته ، فإن ~~استوى اثنان في الحقيقة والحد كالسوادين ، فيكون الفرق بينهما إما في المحل ~~أو في الزمان ؛ فإن فرض سوادان مثلا في جوهر واحد في حالة واحدة كان محالا ~~إذ لم تعرف الاثنينية ، ولو جاز أن يقال هما اثنان ولا مغايرة ، لجاز أن ~~يشار إلى إنسان واحد ويقال أنه انسانان بل عشرة وكلها متساوية متماثلة في ~~الصفة والمكان وجميع العوارض واللوازم ، من غير فرقان ، وذلك محال بالضرورة ~~، فإن كان ند الله سبحانه متساويا له في الحقيقة والصفات استحال وجوده ، إذ ~~ليس مغايره بالمكان إذ لا مكان ولا زمان فإنهما قديمان ، فاذا لا فرقان ، ~~وإذا ارتفع كل فرق ارتفع العدد بالضرورة ، ولزمت الوحدة. ومحال أن يقال ~~يخالفه بكونه أرفع منه. فإن الأرفع هو الإله والإله عبارة عن PageV01P049 # أجل الموجودات وأرفعها ، والآخر المقدر ناقص ليس بالإله ، ونحن إنما نمنع ~~العدد في الإله ، والإله هو الذي يقال فيه بالقول المطلق أنه أرفع ~~الموجودات وأجلها ، وإن كان أدنى منه كان محالا ، لأنه ناقص ونحن نعبر ~~بالإله عن أجل الموجودات فلا يكون الاجل إلا واحدا ، وهو الإله ولا يتصور ~~اثنان متساويان في صفات الجلال ، إذ يرتفع عند ذلك الافتراق ويبطل العدد ~~كما سبق. # فان قيل : بم تنكرون على من لا ينازعكم في إيجاد من يطلق عليه اسم الإله ~~، مهما كان الإله ، عبارة عن أجل الموجودات ، ولكنه يقول العالم كله بجملته ~~ليس بمخلوق خالق واحد ، بل هو مخلوق خالقين ، أحدهما مثلا خالق السماء ~~والآخر خالق الأرض ، أو احدهما خالق الجمادات والآخر خالق الحيوانات وخالق ~~النبات : فما المحيل لهذا؟ فإن لم يكن على استحالة هذا دليل ، فمن أين ~~ينفعكم قولكم أن اسم الإله لا يطلق ms043 على هؤلاء؟ فإن هذا القائل يعبر بالإله ~~عن الخالق ، أو يقول أحدهما خالق الخير والآخر خالق الشر ، أو أحدهما خالق ~~الجواهر والآخر خالق الأعراض ، فلا بد من دليل على استحالة ذلك. # فنقول : يدل على استحالة ذلك أن هذه التوزيعات للمخلوقات على الخالقين في ~~تقدير هذا السائل لا تعدو قسمين : إما أن تقتضي تقسيم الجواهر والأعراض ~~جميعا حتى خلق أحدهما بعض الأجسام والأعراض دون البعض ، أو يقال كل الأجسام ~~من واحد وكل الأعراض من واحد ، وباطل أن يقال إن بعض الأجسام بخلقها واحد ~~كالسماء مثلا دون الأرض ؛ فإنا نقول خالق السماء هل هو قادر على خلق الأرض ~~أم لا ، فإن كان قادرا كقدرته ، لم يتميز أحدهما في القدرة عن الآخر ، فلا ~~يتميز في المقدور عن الآخر فيكون المقدور بين قادرين ولا تكون نسبته إلى ~~أحدهما بأولى من الآخر ، وترجع الاستحالة إلى ما ذكرناه من تقدير تزاحم ~~متماثلين من غير فرق ، وهو محال. وإن لم يكن قادرا عليه فهو محال لأن ~~الجواهر متماثلة وأكوانها التي PageV01P050 # هي اختصاصات بالأحياز متماثلة ، والقادر على الشيء قادر على مثله إذ كانت ~~قدرته قديمة بحيث يجوز أن يتعلق بمقدورين وقدرة كل واحد منهما تتعلق بعدة ~~من الاجسام والجواهر ، فلم تتقيد بمقدور واحد ، وإذا جاوز المقدور الواحد ~~على خلاف القدرة الحادثة ، لم يكن بعض الاعداد بأولى من بعض ، بل يجب الحكم ~~بنفي النهاية عن مقدوراته ويدخل كل جوهر ممكن وجوده في قدرته. # والقسم الثاني أن يقال : أحدهما يقدر على الجوهر والآخر على الأعراض وهما ~~مختلفان ، فلا تجب من القدرة على أحدهما القدرة على الآخر ، وهذا محال ، ~~لأن العرض لا يستغني عن الجوهر ، والجوهر لا يستغني عن العرض ، فيكون فعل ~~كل واحد منهما موقوفا على الآخر ، فكيف يخلقه وربما لا يساعده خالق الجوهر ~~على خلق الجوهر عند إرادته لخلق العرض ، فيبقى عاجزا متحيرا والعاجز لا ~~يكون قادرا. وكذلك خالق الجوهر إن أراد خلق الجوهر بما خالفه خالق العرض ~~فيمتنع على الآخر خلق الجوهر فيؤدي ذلك إلى التمانع. # فإن قيل ms044 : مهما أراد واحد منهما خلق جوهر ساعده الآخر على العرض وكذا ~~بالعكس. قلنا : هذه المساعدة هل هي واجبة لا يتصور في العقل خلافها فإن ~~أوجبتموها فهو تحكم ، بل هو أيضا مبطل للقدرة ، فإن خلق الجوهر من واحد ~~كأنه يضطر الآخر إلى خلق العرض ، وكذا بالعكس ؛ فلا تكون له قدرة على الترك ~~ولا تتحقق القدرة مع هذا. وعلى الجملة فترك المساعدة إن كان ممكنا فقد تعذر ~~العقل وبطل معنى المقدرة والمساعدة إن كانت واجبة صار الذي لا بد له من ~~مساعدة مضطرا لا قدرة له. # فان قيل. فيكون أحدهما خالق الشر والآخر خالق الخير ، # قلنا : هذا هوس ، لأن الشر ليس شرا لذاته ، بل هو من حيث ذاته مساو للخير ~~ومماثل له ، والقدرة على الشيء قدرة على مثله ، فإن إحراق بدن المسلم ~~بالنار شر ، وإحراق بدن الكافر خير ودفع شر ، والشخص الواحد PageV01P051 # إذا تكلم بكلمة الإسلام انقلب الإحراق في حقه شرا ، فالقادر على إحراق ~~لحمه بالنار عند سكوته عن كلمة الإيمان لا بد أن يقدر على إحراقه عند النطق ~~بها ، لأن نطقه بها صوت ينقضي لا يغير ذات اللحم ، ولا ذات النار ، ولا ذات ~~الاحتراق ، ولا يغلب جنسا فتكون الاحتراقات متماثلة ، فيجب تعلق القدرة ~~بالكل ويقتضي ذلك تمانعا وتزاحما ، وعلى الجملة : كيفما فرض الأمر تولد منه ~~اضطراب وفساد وهو الذي أراد الله سبحانه بقوله ( @QUR@07 لو كان فيهما آلهة ~~إلا الله لفسدتا ) (1) فلا مزيد على بيان القرآن. ولنختم هذا القطب بالدعوى ~~العاشرة فلم يبق مما يليق بهذا الفن الا بيان استحالة كونه سبحانه محلا ~~للحوادث ، وسنشير إليه في أثناء الكلام في الصفات ردا على من قال بحدوث ~~العلم والإرادة وغيرهما. PageV01P052 ### ||| * القطب الثاني ### ||| * (في الصفات ، وفيه سبعة دعاوى) # إذ ندعى أنه سبحانه قادر عالم حي مريد سميع بصير متكلم ، فهذه سبعة صفات. ~~ويتشعب عنها نظر في أمرين أحدهما ما به تخص آحاد الصفات ، والثاني ما تشترك ~~فيه جميع الصفات. فلنفتح البداية بالقسم الأول وهو إثبات اصل الصفات وشرح ~~خصوص أحكامها. ### ||| * القسم الأول ### ||| ** الصفة الأولى ms045 ، القدرة : # ندعي أن محدث العالم قادر ، لأن العالم فعل محكم مرتب متقن منظوم مشتمل ~~على أنواع من العجائب والآيات ، وذلك يدل على القدرة ، ونرتب القياس فنقول ~~: كل فعل محكم فهو صادر من فاعل قادر ، والعالم فعل محكم فهو إذا صادر من ~~فاعل قادر ، ففي أي الأصلين النزاع؟ # فإن قيل فلم قلتم أن العالم فعل محكم ، قلنا : عنينا بكونه محكما ترتبه ~~ونظامه وتناسبه ، فمن نظر في أعضاء نفسه الظاهرة والباطنة ظهر له من عجائب ~~الاتقان ما يطول حصره ، فهذا أصل تدرك معرفته بالحس والمشاهدة فلا يسع ~~جحده. فإن قيل : فبم عرفتم الأصل الآخر وهو أن كل فعل مرتب محكم ففاعله ~~قادر؟ قلنا : هذا مدركه ضرورة العقل ؛ PageV01P053 # فالعقل يصدق به بغير دليل ولا يقدر العاقل على جحده ، ولكنا مع هذا نجرد ~~دليلا يقطع دابر الجحود والعناد ، فنقول : نعني بكونه قادرا أن الفعل ~~الصادر منه لا يخلو إما أن يصدر عنه لذاته أو لزائد عليه ، وباطل أن يقال ~~صدر عنه لذاته ، اذ لو كان كذلك لكان قديما مع الذات فدل أنه صدر لزائد على ~~ذاته ، والصفة الزائدة التي بها تهيأ للفعل الموجود نسميها قدرة ، إذ ~~القدرة في وضع اللسان عبارة عن الصفة التي يتهيأ الفعل للفاعل وبها يقع ~~الفعل ، فإن قيل ينقلب عليكم هذا في القدرة فإنها قديمة والفعل ليس بقديم ، ~~قلنا سيأتي جوابه في أحكام الإرادة فيما يقع الفعل به. وهذا الوصف مما دل ~~عليه التقسيم القاطع الذي ذكرناه ، ولسنا نعني بالقدرة إلا هذه الصفة ، وقد ~~أثبتناها فلنذكر احكامها ، ومن حكمها أنها متعلقة بجميع المقدورات ، وأعني ~~بالمقدورات الممكنات كلها التي لا نهاية لها ، ولا يخفى أن الممكنات لا ~~نهاية لها فلا نهاية اذا للمقدورات ، ونعني بقولنا لا نهاية للممكنات أن ~~خلق الحوادث بعد الحوادث لا ينتهي إلى حد يستحيل في العقل حدوث حادث بعده ، ~~فالإمكان مستمر أبدا والقدرة واسعة لجميع ذلك ، وبرهان هذه الدعوى وهي عموم ~~تعلق القدرة أنه قد ظهر أن صانع كل العالم واحد ، فإما أن يكون له بإزاء كل ms046 ~~مقدور قدرة والمقدورات لا نهاية لها فتثبت قدرة متعددة لا نهاية لها وهو ~~محال كما سبق في إبطال دورات لا نهاية لها ، وإما أن تكون القدرة واحدة ~~فيكون تعلقها مع اتحادها بما يتعلق به من الجواهر والأعراض مع اختلافها ~~لأمر تشترك فيه ولا يشترك في أمر سوى الامكان ، فيلزم منه أن كل ممكن فهو ~~مقدور لا محالة وواقع بالقدرة. # وبالجملة ، إذا صدرت منه الجواهر والأعراض استحال أن لا يصدر منه أمثالها ~~، فإن القدرة على الشيء قدرة على مثله إذ لم يمتنع التعدد في المقدور ~~لنسبته إلى الحركات كلها والألوان كلها على وتيرة واحدة فتصلح لخلو حركة ~~بعد حركة على الدوام ، وكذا لون بعد لون وجوهر بعد جوهر PageV01P054 # وهكذا .. وهو الذي عنيناه بقولنا إن قدرته تعالى متعلقة بكل ممكن فان ~~الإمكان لا ينحصر في عدد. ومناسبة ذات القدرة لا تختص بعدد دون عدد ولا ~~يمكن أن يشار إلى حركة فيقال أنها خارجة عن إمكان تعلق القدرة بها ، مع ~~أنها تعلقت بمثلها اذ بالضرورة تعلم أن ما وجب للشيء وجب لمثله ويتشعب عن ~~هذا ثلاثة فروع. ### |||| ** الفرع الأول : إن قال قائل هل تقولون أن خلاف المعلوم مقدور؟ # قلنا : هذا مما اختلف فيه ، ولا يتصور الخلاف فيه إذا حقق وأزيل تعقيد ~~الألفاظ وبيانه أنه قد ثبت أن كل ممكن مقدور وأن المحال ليس بمقدور ، فانظر ~~أن خلاف المعلوم محال أو ممكن ولا تعرف ذلك إلا اذا عرفت معنى المحال ~~والممكن وحصلت حقيقتهما وإلا فإن تساهلت في النظر ، ربما صدق على خلاف ~~المعلوم أنه محال وأنه ممكن وأنه ليس بمحال ، فاذا صدق أنه محال وأنه ليس ~~بمحال والنقيضان لا يصدفان معا. # فاعلم أن تحت اللفظ اجمالا وإنما ينكشف لك ذلك بما اقوله وهو أن العالم ~~مثلا يصدق عليه أنه واجب وأنه محال وأنه ممكن. أما كونه واجبا فمن حيث أنه ~~إذا فرضت إرادة القديم موجودة وجودا واجبا كان المراد أيضا واجبا بالضرورة ~~لا جائزا ، اذ يستحيل عدم المراد مع تحقق الإرادة القديمة وأما كونه ms047 محالا ~~فهو أنه لو قدر عدم تعلق الإرادة بايجاده فيكون لا محالة حدوثه محالا إذ ~~يؤدي إلى حدوث حادث بلا سبب وقد عرف أنه محال. وأما كونه ممكنا فهو أن تنظر ~~إلى ذاته فقط ، ولا تعتبر معه لا وجود الإرادة ولا عدمها ، فيكون له وصف ~~الإمكان ، فاذا الاعتبارات ثلاثة : # الأول أن يشترط فيه وجود الإرادة وتعلقها فهو بهذا الاعتبار واجب. # الثاني أن يعتبر فقد الإرادة فهو بهذا الاعتبار محال. # الثالث أن نقطع الالتفات عن الإرادة والسبب فلا نعتبر وجوده PageV01P055 # ولا عدمه ونجرد النظر إلى ذات العالم فيبقى له بهذا الاعتبار الأمر ~~الثالث وهو الإمكان ، ونعني به أنه ممكن لذاته ، أي إذا لم نشترط غير ذاته ~~كان ممكنا فظهر منه أنه يجوز أن يكون الشيء الواحد ممكنا محالا ، ولكن ~~ممكنا باعتبار ذاته محالا باعتبار غيره ، ولا يجوز أن يكون ممكنا لذاته ~~محالا لذاته ، فهما متناقضان فنرجع إلى خلاف المعلوم فنقول : إذا سبق في ~~علم الله تعالى إماتة زيد صبيحة يوم السبت مثلا فنقول : خلق الحياة لزيد ~~صبيحة يوم السبت ممكن أم ليس بممكن؟ فالحق فيه أنه ممكن ومحال ؛ أي هو ممكن ~~باعتبار ذاته إن قطع الالتفات إلى غيره ، ومحال لغيره لا لذاته وذلك إذا ~~اعتبر معه الالتفات إلى تعلق ذاتها وهو ذات العلم ، إذ ينقلب جهلا ، ومحال ~~أن ينقلب جهلا فبان أنه ممكن لذاته محال للزوم استحالة في غيره. فاذا قلنا ~~حياة زيد في هذا الوقت مقدورة ، لم نرد به إلا أن الحياة من حيث أنها حياة ~~ليس بمحال ، كالجمع بين السواد والبياض. وقدرة الله تعالى من حيث أنها قدرة ~~لا تنبو عن التعلق بخلق الحياة ولا تتقاصر عنه لفتور ولا ضعف ولا سبب في ~~ذات القدرة ، وهذان أمران يستحيل إنكارهما ، أعني نفي القصور عن ذات القدرة ~~وثبوت الإمكان لذت الحياة من حيث أنها حياة فقط من غير التفات الى غيرها ، ~~والخصم إذا قال غير مقدور على معنى أن وجوده يؤدي إلى استحالة فهو صادق في ~~هذا المعنى ، فإنا لسنا ننكره ms048 ويبقى النظر في اللفظ هل هو صواب من حيث ~~اللغة إطلاق هذا الاسم عليه أو سلبه ، ولا يخفى أن الصواب إطلاق اللفظ فإن ~~الناس يقولون فلان قادر على الحركة والسكون ، إن شاء تحرك وإن شاء سكن ، ~~ويقولون إن له في كل وقت قدرة على الضدين ويعلمون أن الجاري في علم الله ~~تعالى وقوع أحدهما ، فالاطلاقات شاهدة لما ذكرناه وحظ المعنى فيه ضروري لا ~~سبيل الى جحده. ### |||| ** الفرع الثاني : إن قال قائل إذا ادعيتم عموم القدرة في تعلقها بالممكنات ، فما قولكم في ~~مقدورات الحيوان وسائر الأحياء من المخلوقات ، أهي PageV01P056 # مقدورة لله تعالى أم لا؟ فإن قلتم ليست مقدورة ، فقد نقضتم قولكم إن تعلق ~~القدرة عام ، وإن قلتم إنها مقدورة له لزمكم إثبات مقدور بين قادرين وهو ~~محال ، وإنكار كون الإنسان وسائر الحيوان قادرا فهو مناكرة للضرورة ومجاحدة ~~لمطالبات الشريعة ، إذ تستحيل المطالبة بما لا قدرة عليه ويستحيل أن يقول ~~الله لعبده ينبغي أن تتعاطى ما هو مقدور لي وأنا مستأثر بالقدرة عليه ولا ~~قدرة لك عليه. # فنقول : في الانفصال قد تحزب الناس في هذا أحزابا ، فذهبت المجبرة إلى ~~انكار قدرة العبد فلزمها إنكار ضرورة التفرقة بين حركة الرعدة والحركة ~~الاختيارية ، ولزمها أيضا استحالة تكاليف الشرع ، وذهبت المعتزلة إلى انكار ~~تعلق قدرة الله تعالى بأفعال العباد من الحيوانات والملائكة والجن والإنس ~~والشياطين وزعمت أن جميع ما يصدر منها من خلق العباد واختراعهم لا قدرة لله ~~تعالى عليها بنفي ولا إيجاب فلزمتها شناعتان عظيمتان : # إحداهما انكار ما أطبق عليه السلف رضي الله عنهم من أنه لا خالق إلا الله ~~ولا مخترع سواه ، والثانية نسبة الاختراع والخلق إلى قدرة من لا يعلم ما ~~خلقه من الحركات ، فإن الحركات التي تصدر من الإنسان وسائر الحيوان لو سئل ~~عن عددها وتفاصيلها ومقاديرها لم يكن عنده خبر منها ، بل الصبي كما ينفصل ~~من المهد يدب إلى الثدي باختياره ويمتص ، والهرة كما ولدت تدب إلى ثدي أمها ~~وهي مغمضة عينها ، والعنكبوت تنسج من البيوت أشكالا غريبة يتحير المهندس ms049 في ~~استدارتها وتوازي أضلاعها وتناسب ترتيبها وبالضرورة تعلم انفكاكها عن العلم ~~بما تعجز المهندسون عن معرفته ، والنحل تشكل بيوتها على شكل التسديس فلا ~~يكون فيها مربع ولا مدور ولا مسبع ولا شكل آخر وذلك لتميز شكل المسدس ~~بخاصية دلت عليها البراهين الهندسية لا توجد في غيرها ، وهو مبني على اصول ~~أحدها ، أن أحوى الأشكال وأوسعها الشكل المستدير PageV01P057 # المنفك عن الزوايا الخارجة عن الاستقامة ، والثاني ، أن الأشكال ~~المستديرة إذا وضعت متراصة بقيت بينها فرج معطلة لا محالة ، والثالث ، أن ~~أقرب الأشكال القليلة الأضلاع إلى المستديرة في الاحتواء هو شكل المسدس ، ~~والرابع أن كل الأشكال القريبة من المستديرة كالمسبع والمثمن والمخمس إذا ~~وضعت جملة متراصة متجاورة بقيت بينها فرج معطلة ولم تكن متلاصقة ، وأما ~~المربعة فإنها متلاصقة ولكنها بعيدة عن احتواء الدوائر لتباعد زواياها عن ~~أوساطها ، ولما كان النحل محتاجا إلى شكل قريب من الدوائر ليكون حاويا ~~لشخصه فإنه قريب من الاستدارة ، وكان محتاجا لضيق مكانه وكثرة عدده إلى أن ~~لا يضيع موضعا بفرج تتخلل بين البيوت ولا تتسع لأشخاصها ولم يكن في الأشكال ~~مع خروجها عن النهاية شكل يقرب من الاستدارة وله هذه الخاصية وهو التراص ~~والخلو عن بقاء الفرج بين أعدادها إلا المسدس ، فسخرها الله تعالى لاختيار ~~الشكل المسدس في صناعة بيتها ؛ فليت شعري أعرف النحل هذه الدقائق التي يقصر ~~عن دركها أكثر عقلاء الإنس أم سخره لنيل ما هو مضطر إليه الخالق المنفرد ~~بالجبروت وهو في الوسط مجري فتقدير الله تعالى يجري عليه وفيه ، وهو لا ~~يدريه ولا قدرة له على الامتناع عنه. وإن في صناعات الحيوانات من هذا الجنس ~~عجائب لو أوردت منها طرفا لامتلأت الصدور من عظمة الله تعالى وجلاله ، ~~فتعسا للزائغين عن سبيل الله المغترين بقدرتهم القاصرة ومكنتهم الضعيفة ~~الظانين أنهم مساهمون الله تعالى في الخلق والاختراع وإبداع مثل هذه ~~العجائب والآيات. هيهات هيهات! ذلت المخلوقات وتفرد بالملك والملكوت جبار ~~الارض والسموات فهذه أنواع الشناعات اللازمة على مذهب المعتزلة فانظر الآن ~~إلى أهل السنة كيف وفقوا ms050 للسداد ورشحوا للاقتصاد في الاعتقاد ، فقالوا : ~~القول بالجبر محال باطل ، والقول بالاختراع اقتحام هائل ، وإنما الحق إثبات ~~القدرتين على فعل واحد ، والقول بمقدور منسوب إلى قادرين فلا يبقى PageV01P058 # إلا استبعاد توارد القدرتين على فعل واحد وهذا إنما يبعد إذا كان تعلق ~~القدرتين على وجه واحد ، فإن اختلفت القدرتان واختلف وجه تعلقهما فتوارد ~~التعلقين على شيء واحد غير محال كما سنبينه. # فإن قيل فما الذي حملكم على اثبات مقدور بين قادرين؟ # قلنا : البرهان القاطع على أن الحركة الاختيارية مفارقة للرعدة ، وإن ~~فرضت الرعدة مرادة للمرتعد ومطلوبة له أيضا ولا مفارقة إلا بالقدرة ، ثم ~~البرهان القاطع على أن كل ممكن تتعلق به قدرة الله تعالى وكل حادث ممكن ~~وفعل العبد حادث فهو إذا ممكن فإن لم تتعلق به قدرة الله تعالى فهو محال ، ~~فإنا نقول : الحركة الاختيارية من حيث أنها حركة حادثة ممكنة مماثلة لحركة ~~الرعدة فيستحيل أن تتعلق قدرة الله تعالى بإحداهما وتقصر عن الأخرى وهي ~~مثلها ، بل يلزم عليه محال آخر وهو أن الله تعالى لو أراد تسكين يد العبد ~~إذا أراد العبد تحريكها فلا يخلو إما أن توجد الحركة والسكون جميعا أو ~~كلاهما لا يوجد فيؤدي إلى اجتماع الحركة والسكون أو الى الخلو عنهما ، ~~والخلو عنهما مع التناقض يوجب بطلان القدرتين ، إذ القدرة ما يحصل بها ~~المقدور عند تحقق الإرادة وقبول المحل ، فإن ظن الخصم أن مقدور الله تعالى ~~يترجح لأن قدرته أقوى فهو محال ، لأن تعلق القدرة بحركة واحدة لا تفضل تعلق ~~القدرة الأخرى بها ، إذ كانت فائدة القدرتين الاختراع وإنما قوته باقتداره ~~على غيره واقتداره على غيره غير مرجح في الحركة التي فيها الكلام ، إذ حظ ~~الحركة من كل واحدة من القدرتين أن تصير مخترعة بها والاختراع يتساوى فليس ~~فيه أشد ولا أضعف حتى يكون فيه ترجيح ، فاذا الدليل القاطع على إثبات ~~القدرتين ساقنا إلى إثبات مقدور بين قادرين. # فإن قيل : الدليل لا يسوق إلى محال لا يفهم وما ذكرتموه غير مفهوم. # قلنا : علينا تفهيمه وهو أنا ms051 نقول اختراع الله سبحانه للحركة في PageV01P059 # العبد معقول دون أن تكون الحركة مقدورة للعبد ، فمهما خلق الحركة وخلق ~~معها قدرة عليها كان هو المستبد بالاختراع للقدرة والمقدور جميعا. فخرج منه ~~أنه منفرد بالاختراع وأن الحركة موجودة وأن المتحرك عليها قادر وبسبب كونه ~~قادرا فارق حاله حال المرتعد فاندفعت الإشكالات كلها ، وحاصله أن القادر ~~الواسع القدرة هو قادر على الاختراع للقدرة والمقدور معا ، ولما كان اسم ~~الخالق والمخترع مطلقا على من أوجد الشيء بقدرته وكانت القدرة والمقدور ~~جميعا بقدرة الله تعالى ، سمي خالقا ومخترعا. ولم يكن المقدور مخترعا بقدرة ~~العبد وإن كان معه فلم يسم خالقا ولا مخترعا ووجب أن يطلب لهذا النمط من ~~النسبة اسم آخر مخالف فطلب له اسم الكسب تيمنا بكتاب الله تعالى ، فإنه وجد ~~إطلاق ذلك على أعمال العباد في القرآن وأما اسم الفعل فتردد في إطلاقه ولا ~~مشاحة في الأسامي بعد فهم المعاني. # فإن قيل : الشأن في فهم المعنى وما ذكرتموه غير مفهوم ، فإن القدرة ~~المخلوقة الحادثة إن لم يكن لها تعلق بالمقدور لم تفهم ؛ إذ قدرة لا مقدور ~~لها محال ، كعلم لا معلوم له. وإن تعلقت به فلا يعقل تعلق القدرة بالمقدور ~~إلا من حيث التأثير والايجاد وحصول المقدور به. فالنسبة بين المقدور ~~والقدرة نسبة المسبب إلى السبب وهو كونه به ، فإذا لم يكن به لم تكن علاقة ~~فلم تكن قدرة ، إذ كل ما لا تعلق له فليس بقدرة إذ القدرة من الصفات ~~المتعلقة. # قلنا : هي متعلقة ، وقولكم أن التعلق مقصور على الوقوع به يبطل بتعلق ~~الإرادة والعلم ، وإن قلتم أن تعلق القدرة مقصور على الوقوع بها فقط فهو ~~أيضا باطل ، فإن القدرة عندكم تبقى إذا فرضت قبل الفعل ، فهل هي متعلقة أم ~~لا؟ فإن قلتم لا فهو محال ، وإن قلتم نعم فليس المعني بها وقوع المقدور بها ~~، إذ المقدور بعد لم يقع فلا بد من إثبات نوع آخر من التعلق سوى الموقوع ~~بها ، إذ التعلق عند الحدوث يعبر عنه بالوقوع PageV01P060 # به والتعلق قبل ذلك ms052 مخالف له فهو نوع آخر من التعلق ، فقولكم إن تعلق ~~القدرة به نمط واحد خطأ وكذلك القادرية القديمة عندهم فإنها متعلقة بالعلم ~~في الأزل وقبل خلق العالم ، فقولنا أنها متعلقة صادق وقولنا أن العالم واقع ~~بها كاذب ، لأنه لم يقع بعد فلو كانا عبارتين عن معنى واحد لصدق أحدهما حيث ~~يصدق الآخر. # فإن قيل : معنى تعلق القدرة قبل وقوع المقدور أن المقدور إذا وقع بها. ~~قلنا : فليس هذا تعلقا في الحال بل هو انتظار تعلق ، فينبغي أن يقال القدرة ~~موجودة وهي صفة لا تعلق لها ولكن ينتظر لها تعلق إذا وقع وقع المقدور بها ، ~~وكذا القادرية ويلزم عليه محال ، وهو أن الصفة التي لم تكن من المتعلقات ~~صارت من المتعلقات وهو محال. # فإن قيل : معناه أنها متهيئة لوقوع المقدور بها. # قلنا : ولا معنى للتهيؤ إلا انتظار الوقوع بها ، وذلك لا يوجب تعلقا في ~~الحال ، فكما عقل عندكم قدرة موجودة متعلقة بالمقدور والمقدور غير واقع بها ~~عقل عندنا أيضا قدرة كذلك والمقدور غير واقع بها ولكنه واقع بقدرة الله ~~تعالى ، فلم يخالف مذهبنا هاهنا مذهبكم إلا في قولنا أنها وقعت بقدرة الله ~~تعالى ، فاذا لم يكن من ضرورة وجود القدرة ولا تعلقها بالمقدور وجود ~~المقدور بها ؛ فمن أين يستدعي عدم وقوعها بقدرة الله تعالى ووجوده بقدرة ~~الله تعالى لا فضل له على عدمه من حيث انقطاع النسبة عن القدرة الحادثة إذ ~~النسبة ، إذا لم تمتنع بعدم المقدور ، فكيف تمتنع بوجود المقدور؟ وكيف ما ~~فرض المقدور موجودا أو معدوما فلا بد من قدرة متعلقة لا مقدور لها في الحال. # فإن قيل : فقدرة لا يقع بها مقدور ، والعجز ، بمثابة واحدة ، # قلنا : إن عنيتم به أن الحالة التي يدركها الإنسان عند وجودها مثل ما ~~يدركها عند العجز في الرعدة فهو مناكرة للضرورة وإن عنيتم أنها بمثابة PageV01P061 # العجز في أن المقدور لم يقع بها فهو صدق ولكن تسميته عجزا خطأ وإن كان من ~~حيث القصور إذا نسبت إلى قدرة الله تعالى ظن أنه مثل العجز. ms053 وهذا كما أنه ~~لو قيل القدرة قبل الفعل ، على أصلهم ، مساوية للعجز من حيث أن المقدور غير ~~واقع بها لكان اللفظ منكرا من حيث أنها حالة مدركة يفارق إدراكها في النفس ~~إدراك العجز ، فكذلك هذا ، ولا فرق وعلى الجملة فلا بد من إثبات قدرتين ~~متفاوتتين ، إحداهما أعلى والأخرى بالعجز أشبه مهما أضيفت إلى الأعلى ، ~~وأنت بالخيار بين أن تثبت للعبد قدرة توهم نسبة العجز للعبد من وجه ، وبين ~~أن تثبت لله سبحانه ذلك تعالى الله عما يقول الزائغون ، ولا تستريب إن كنت ~~منصفا في أن نسبة القصور والعجز بالمخلوقات أولى بل لا يقال أولى لاستحالة ~~ذلك في حق الله تعالى فهذا غاية ما يحتمله هذا المختصر من هذه المسألة. ### |||| ** الفرع الثالث : فإن قال قائل : كيف تدعون عموم تعلق القدرة بجملة الحوادث وأكثر ما في ~~العالم من الحركات وغيرها متولدات يتولد بعضها من بعض بالضرورة ، فإن حركة ~~اليد مثلا بالضرورة تولد حركة الخاتم ، وحركة اليد في الماء تولد حركة ~~الماء ، وهو مشاهد ، والعقل أيضا يدل عليه إذ لو كانت حركة الماء والخاتم ~~بخلق الله تعالى لجاز أن يخلق حركة اليد دون الخاتم وحركة اليد دون الماء ، ~~وهو محال ، وكذا في المتولدات مع انشعابها. # فنقول : ما لا يفهم لا يمكن التصرف فيه بالرد والقبول ، فإن كون المذهب ~~مردودا أو مقبولا بعد كونه معقولا. والمعلوم عندنا من عبارة التولد أن يخرج ~~جسم من جوف جسم كما يخرج الجنين من بطن الأم والنبات من بطن الارض ، وهذا ~~محال في الأعراض ؛ إذ ليس لحركة اليد جوف حتى تخرج منه حركة الخاتم ولا هو ~~شيء حاو لأشياء حتى يرشح منه بعض ما فيه ، فحركة الخاتم إذا لم تكن كامنة ~~في ذات حركة اليد فما معنى تولدها منها؟ فلا بد من تفهيمه ، وإذا لم يكن ~~هذا مفهوما فقولكم PageV01P062 # إنه مشاهد حماقة ، إذ كونها حادثة معها مشاهد لا غير ، فأما كونها متولد ~~منها فغير مشاهد ، وقولكم إنه لو كان بخلق الله تعالى لقدر على أن يخلق ~~حركة اليد ms054 دون الخاتم وحركة اليد دون الماء فهذا هوس يضاهي قول القائل لو ~~لم يكن العلم متولدا من الإرادة لقدر على أن يخلق الإرادة دون العلم او ~~العلم دون الحياة ، ولكن نقول : المحال غير مقدور ووجود المشروط دون الشرط ~~غير معقول ، والإرادة شرطها العلم والعلم شرطه الحياة وكذلك شرط شغل الجوهر ~~لحيز فراغ ذلك الحيز ، فإذا حرك الله تعالى اليد فلا بد أن يشغل بها حيزا ~~في جوار الحيز الذي كانت فيه. فما لم يفرغه كيف يشغله به؟ ففراغه شرط ~~اشتغاله باليد ، إذ لو تحرك ولم يفرغ الحيز من الماء بعدم الماء أو حركته ~~لاجتمع جسمان في حيز واحد وهو محال ، فكان خلو أحدهما شرطا للآخر فتلازما ~~فظن أن أحدهما متولد من الآخر وهو خطأ فاما اللازمات التي ليست شرطا فعندنا ~~يجوز أن تنفك عن الاقتران بما هو لازم لها ، بل لزومه بحكم طرد العادة ~~كاحتراق القطن عند مجاورة النار وحصول البرودة في اليد عند مماسة الثلج ، ~~فإن كل ذلك مستمر بجريان سنة الله تعالى ، وإلا فالقدرة من حيث ذاتها غير ~~قاصرة عن خلق البرودة في الثلج والمماسة في اليد مع خلق الحرارة في اليد ~~بدلا عن البرودة ، فاذا ما يراه الخصم متولدا قسمان : # أحدهما شرط فلا يتصور فيه إلا الاقتران ، والثاني ليس بشرط فيتصور فيه ~~غير الاقتران إذ خرقت العادات. # فإن قال قائل لم تدلوا على بطلان التولد ولكن أنكرتم فهمه وهو مفهوم ، ~~فإنا لا نريد به ترشح الحركة من الحركة بخروجها من جوفها ولا تولد برودة من ~~برودة الثلج بخروج البرودة من الثلج وانتقالها أو بخروجها من ذات البرودة ، ~~بل نعني به وجود موجود عقيب موجود وكونه موجودا وحادثا به فالحادث نسميه ~~متولدا والذي به الحدوث نسميه PageV01P063 # مولدا وهذه التسمية مفهومة فما الذي يدل على بطلانه؟ # قلنا : إذا أقررتم بذلك دل على بطلانه ما دل على بطلان كون القدرة ~~الحادثة موجودة فإنا إذا أحلنا أن نقول حصل مقدور بقدرة حادثة فكيف لا يخيل ~~الحصول بما ليس بقدرة واستحالته راجعة ms055 إلى عموم تعلق القدرة ، وإن خروجه عن ~~القدرة مبطل لعموم تعلقها وهو محال ثم هو موجب للعجز والتمانع كما سبق. # نعم ، وعلى المعتزلة القائلين بالتولد مناقضات في تفصيل التولد لا تحصى ، ~~كقولهم إن النظر يولد العلم ، وتذكره لا يولده إلى غير ذلك مما لا نطول ~~بذكره ، فلا معنى للإطناب فيما هو مستغنى عنه. وقد عرفت من جملة هذا أن ~~الحادثات كلها ، جواهرها وأعراضها الحادثة منها في ذات الأحياء والجمادات ، ~~واقعة بقدرة الله تعالى ، وهو المستبد باختراعها ، وليس تقع بعض المخلوقات ~~ببعض بل الكل يقع بالقدرة وذلك ما أردنا أن نبين من إثبات صفة القدرة لله ~~تعالى وعموم حكمها وما اتصل بها من الفروع واللوازم. ### ||| ** الصفة الثانية ، العلم : # ندعي أن الله تعالى عالم بجميع المعلومات الموجودات والمعدومات ؛ فإن ~~الموجودات منقسمة إلى قديم وحادث ، والقديم ذاته وصفاته ومن علم غيره فهو ~~بذاته وصفاته أعلم ، فيجب ضرورة أن يكون بذاته عالما وصفاته إن ثبت أنه ~~عالم بغيره ، ومعلوم أنه عالم بغيره لأن ما ينطلق عليه اسم الغير فهو صنعه ~~المتقن وفعله المحكم المرتب وذلك يدل على قدرته على ما سبق ، فإن من رأى ~~خطوطا منظومة تصدر على الاتساق من كاتب ثم استراب في كونه عالما بصنعة ~~الكتابة كان سفيها في استرابته ، فاذا قد ثبت أنه عالم بذاته وبغيره. # فإن قيل فهل لمعلوماته نهاية؟ قلنا : لا ؛ فإن الموجودات في الحال PageV01P064 # وإن كانت متناهية فالممكنات في الاستقبال غير متناهية ، ونعلم أن ~~الممكنات التي ليست بموجودة أنه سيوجدها أولا يوجدها ، فيعلم إذا ما لا ~~نهاية له بل لو أردنا أن نكثر على شيء واحد وجوها من النسب والتقديرات لخرج ~~عن النهاية والله تعالى عالم بجميعها. # فإنا نقول مثلا ضعف الاثنين أربعة ، وضعف الأربعة ثمانية ، وضعف الثمانية ~~ستة عشر ، وهكذا نضعف ضعف الاثنين وضعف ضعف الضعف ولا يتناهى ، والإنسان لا ~~يعلم من مراتبها إلا ما يقدره بذهنه ، وسينقطع عمره ويبقى من التضعيفات ما ~~لا يتناهى ، فإذا معرفة أضعاف أضعاف الاثنين ، وهو عدد واحد ، يخرج عن ~~الحصر وكذلك ms056 كل عدد ، فكيف غير ذلك من النسب والتقديرات ، وهذا العلم مع ~~تعلقه بمعلومات لا نهاية لها واحد كما سيأتي بيانه من بعد مع سائر الصفات. ### ||| ** الصفة الثالثة ، الحياة : # ندعي أنه تعالى حي وهو معلوم بالضرورة ، ولم ينكره أحد ممن اعترف بكونه ~~تعالى عالما قادرا ، فإن كون العالم القادر حيا ضروري إذ لا بعني بالحي إلا ~~ما يشعر بنفسه ويعلم ذاته وغيره ، والعالم بجميع المعلومات والقادر على ~~جميع المقدورات كيف لا يكون حيا ، وهذا واضح والنظر في صفة الحياة لا يطول. ### ||| ** الصفة الرابعة ، الإرادة : # ندعي أن الله تعالى مريد لأفعاله وبرهانه أن الفعل الصادر منه مختص بضروب ~~من الجواز لا يتميز بعضها من البعض إلا بمرجح ، ولا تكفي ذاته للترجيح ، ~~لأن نسبة الذات إلى الضدين واحدة فما الذي خصص أحد الضدين بالوقوع في حال ~~دون حال؟ وكذلك القدرة لا تكفي فيه ، إذ نسبة القدرة إلى الضدين واحدة ، ~~وكذلك العلم لا يكفي خلافا للكعبي PageV01P065 # حيث اكتفى بالعلم عن الإرادة لأن العلم يتبع المعلوم ويتعلق به على ما هو ~~عليه ولا يؤثر فيه ولا يغيره. # فإن كان الشيء ممكنا في نفسه مساويا للممكن الآخر الذي في مقابلته فالعلم ~~يتعلق به على ما هو عليه ولا يجعل أحد الممكنين مرجحا على الآخر. بل نعقل ~~الممكنين ويعقل تساويهما ، والله سبحانه وتعالى يعلم أن وجود العالم في ~~الوقت الذي وجد فيه كان ممكنا ، وأن وجوده بعد ذلك وقبل ذلك كان مساويا له ~~في الإمكان لأن هذه الامكانات متساوية ، فحق العلم أن يتعلق بها كما هو ~~عليه فإن اقتضت صفة الإرادة وقوعه في وقت معين تعلق العلم بتعيين وجوده في ~~ذلك الوقت لعلة تعلق الإرادة به فتكون الإرادة للتعيين علة ويكون العلم ~~متعلقا به تابعا له غير مؤثر فيه ، ولو جاز أن يكتفى بالعلم عن الإرادة ~~لاكتفي به عن القدرة ، بل كان ذلك يكفي في وجود أفعالنا حتى لا نحتاج إلى ~~الإرادة ، إذ يترجح أحد الجانبين بتعلق علم الله تعالى به وكل ذلك محال. # فإن قيل : وهذا ms057 ينقلب عليكم في نفس الإرادة ، فإن القدرة كما لا تناسب ~~أحد الضدين فالإرادة القديمة أيضا لا تتعين لأحد الضدين ، فاختصاصها بأحد ~~الضدين ينبغي أن يكون بمخصص ويتسلسل ذلك إلى غير نهاية ، إذ يقال الذات لا ~~تكفي للحدوث ، إذ لو حدث من الذات لكان مع الذات غير متأخر فلا بد من ~~القدرة والقدرة لا تكفي إذ لو كان للقدرة لما اختص بهذا الوقت وما قبله وما ~~بعده في النسبة إلى جواز تعلق القدرة بها على وتيرة ، فما الذي خصص هذا ~~الوقت فيحتاج إلى الإرادة؟ # فيقال : والإرادة لا تكفي ، فإن الإرادة القديمة عامة التعلق كالقدرة ، ~~فنسبتها إلى الأوقات واحدة ونسبتها إلى الضدين واحدة ، فإن وقع الحركة مثلا ~~بدلا عن السكون لأن الإرادة تعلقت بالحركة لا بالسكون. # فيقال : وهل كان يمكن أن يتعلق بالسكون؟ PageV01P066 # فإن قيل : لا ، فهو محال ؛ وإن قيل : نعم ، فهما متساويان ؛ أعني الحركة ~~والسكون في مناسبة الإرادة القديمة فما الذي أوجب تخصيص الإرادة القديمة ~~بالحركة دون السكون فيحتاج إلى مخصص ثم يلزم السؤال في مخصص المخصص ويتسلسل ~~الى غير نهاية .. # قلنا : هذا سؤال غير معقول حير عقول الفرق ولم يوفق للحق إلا أهل السنة ~~فالناس فيه أربع فرق : # قائل يقول إن العالم وجد لذات الله سبحانه وتعالى وإنه ليس للذات صفة ~~زائدة البتة ، ولما كان الذات قديمة كان العالم قديما وكانت نسبة العالم ~~إليه كنسبة المعلول الى العلة ، ونسبة النور الى الشمس ، والظل إلى الشخص ؛ ~~وهؤلاء هم الفلاسفة. # وقائل يقول إن العالم حادث ولكن حدث في الوقت الذي حدث فيه لا قبله ولا ~~بعده لإرادة حادثة حدثت له لا في محل فاقتضت حدوث العالم ، وهؤلاء هم ~~المعتزلة. # وقائل يقول حدث بإرادة حادثة حدثت في ذاته ، وهؤلاء هم القائلون بكونه ~~محلا للحوادث. وقائل يقول حدث العالم في الوقت الذي تعلقت الإرادة القديمة ~~بحدوثه في ذلك الوقت ، من غير حدوث إرادة ومن غير تغير صفة القديم ، فانظر ~~إلى الفرق وانسب مقام كل واحد الى الآخر. فإنه لا ينفك فريق عن إشكال لا ms058 ~~يمكن حله إلا إشكال أهل السنة فإنه سريع الانحلال. # أما الفلاسفة فقد قالوا بقدم العالم ، وهو محال ؛ لأن الفعل يستحيل أن ~~يكون قديما ؛ إذ معنى كونه فعلا أنه لم يكن ثم كان ، فإن كان موجودا مع ~~الله أبدا فكيف يكون فعلا؟ بل يلزم من ذلك دورات لا نهاية لها على ما سبق ، ~~وهو محال من وجوه ، ثم إنهم مع اقتحام هذا الإشكال لم يتخلصوا من أصل ~~السؤال وهو أن الإرادة لم تعلقت بالحدوث PageV01P067 # في وقت مخصوص لا قبله ولا بعده ، مع تساوي نسب الأوقات إلى الإرادة ، ~~فإنهم إن تخلصوا عن خصوص الوقت لم يتخلصوا عن خصوص الصفات ، إذ العالم ~~مخصوص بمقدار مخصوص ووضع مخصوص ، وكانت نقائضها ممكنة في العقل ، والذات ~~القديمة لا تناسب بعض الممكنات دون بعض ، ومن أعظم ما يلزمهم فيه ، ولا عذر ~~لهم عنه أمران أوردناهما في كتاب تهافت الفلاسفة ولا محيص لهم عنهما البتة : # أحدهما ، أن حركات الأفلاك بعضها مشرقية أي من المشرق إلى المغرب ، ~~وبعضها مغربية أي من مغرب الشمس إلى المشرق ، وكان عكس ذلك في الإمكان ~~مساويا له ، إذ الجهات في الحركات متساوية ، فكيف لزم من الذات القديمة أو ~~من دورات الأفلاك وهي قديمة عندهم أن تتعين جهة عن جهة تقابلها وتساويها من ~~كل وجه؟ وهذا لا جواب عنه. # الثاني ، أن الفلك الأقصى الذي هو الفلك التاسع عندهم المحرك لجميع ~~السماوات بطريق القهر في اليوم والليلة مرة واحدة يتحرك على قطبين شمالي ~~وجنوبي ، والقطب عبارة عن النقطتين المتقابلتين على الكرة الثابتتين عند ~~حركة الكرة على نفسها ، والمنطقة عبارة عن دائرة عظيمة على وسط الكرة بعدها ~~من النقطتين واحد. # فنقول : جرم الفلك الأقصى متشابه ، وما من نقطة إلا ويتصور أن تكون قطبا ~~، فما الذي أوجب تعيين نقطتين من بين سائر النقط التي لا نهاية لها عندهم ، ~~فلا بد من وصف زائد على الذات من شأنه تخصيص الشيء عن مثله وليس ذلك إلا ~~الإرادة ، وقد استوفينا تحقيق الالتزامين في كتاب التهافت. وأما المعتزلة ~~فقد اقتحموا أمرين شنيعين ms059 باطلين : ### |||| ** أحدهما ، كون الباري تعالى مريدا بإرادة حادثة لا في محل ، وإذا لم تكن الإرادة ~~قائمة به فقول القائل إنه مريدها هجر من الكلام ، كقوله إنه مريد بإرادة ~~قائمة بغيره. PageV01P068 ### |||| ** والثاني ، أن الإرادة لم حدثت في هذا الوقت على الخصوص ، فإن كانت بإرادة أخرى ~~فالسؤال في الإرادة الأخرى لازم ، ويتسلسل إلى غير نهاية ، وإن كان ليس ~~بإرادة فليحدث العالم في هذا الوقت على الخصوص لا بإرادة ، فإن افتقار ~~الحادث إلى الإرادة لجوازه لا لكونه جسما أو اسما أو إرادة أو علما ، ~~والحادثات في هذا متساوية ، ثم لم يتخلصوا من الإشكال إذ يقال لهم لم حدثت ~~الإرادة في هذا الوقت على الخصوص ولم حدثت إرادة الحركة دون إرادة السكون ، ~~فإن عندهم يحدث لكل حادث إرادة حادثة متعلقة بذلك الحادث فلم لم تحدث إرادة ~~تتعلق بضده؟ # وأما الذين ذهبوا إلى حدوث الإرادة في ذاته تعالى لا متعلقة بذلك الحادث ~~فقد دفعوا أحد الإشكالين وهو كونه مريدا بإرادة في غير ذاته ولكن زادوا ~~إشكالا آخر وهو كونه محلا للحوادث ، وذلك يوجب حدوثه ، ثم قد بقيت عليهم ~~بقية الإشكال ولم يتخلصوا من السؤال. # وأما أهل الحق فإنهم قالوا إن الحادثات تحدث بإرادة قديمة تعلقت بها ~~فميزتها عن أضدادها المماثلة لها ، وقول القائل إنه لم تعلقت بها وأضدادها ~~مثلها في الامكان ، هذا سؤال خطأ فإن الإرادة ليست إلا عبارة عن صفة شأنها ~~تمييز الشيء على مثله. # فقول القائل لم ميزت الإرادة الشيء عن مثله ، كقول القائل لم أوجب العلم ~~انكشاف المعلوم ، فيقال : لا معنى للعلم إلا ما أوجب انكشاف المعلوم ، فقول ~~القائل لم أوجب الانكشاف كقوله لم كان العلم علما ، ولم كان الممكن ممكنا ، ~~والواجب واجبا ، وهذا محال ؛ لأن العلم علم لذاته وكذا الممكن والواجب ~~وسائر الذوات ، فكذلك الإرادة وحقيقتها تمييز الشيء عن مثله. # فقول القائل لم ميزت الشيء عن مثله كقوله لم كانت الإرادة PageV01P069 # إرادة والقدرة قدرة ، وهو محال ، وكل فريق مضطر إلى اثبات صفة شأنها ~~تمييز الشيء عن مثله وليس ذلك إلا الإرادة ms060 ، فكان أقوم الفرق قيلا وأهداهم ~~سبيلا من أثبت هذه الصفة ولم يجعلها حادثة ، بل قال هي قديمة متعلقة ~~بالأحداث في وقت مخصوص ، فكان الحدوث في ذلك الوقت لذلك ، وهذا مما لا ~~يستغني عنه فريق من الفرق وبه ينقطع التسلسل في لزوم هذا السؤال. # والآن فكما تمهد القول في أصل الإرادة فاعلم انها متعلقة بجميع الحادثات ~~عندنا من حيث أنه ظهر أن كل حادث فمخترع بقدرته ، وكل مخترع بالقدرة محتاج ~~إلى إرادة تصرف القدرة إلى المقدور وتخصصها به ، فكل مقدور مراد ، وكل حادث ~~مقدور ، فكل حادث مراد والشر والكفر والمعصية حوادث ، فهي إذا لا محالة ~~مرادة ، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ، فهذا مذهب السلف الصالحين ~~ومعتقد أهل السنة أجمعين وقد قامت عليه البراهين. # وأما المعتزلة فإنهم يقولون إن المعاصي كلها والشرور حادثة بغير إرادته ، ~~بل هو كاره لها ، ومعلوم أن أكثر ما يجري في العالم المعاصي فإذا ما يكرهه ~~أكثر مما يريده فهو إلى العجز والقصور أقرب بزعمهم ، تعالى رب العالمين عن ~~قول الظالمين. # فإن قيل : فكيف يأمر بما لا يريد؟ وكيف يريد شيئا وينهى عنه؟ وكيف يريد ~~الفجور والمعاصي والظلم والقبيح ومريد القبيح سفيه؟ # قلنا : إذا كشفنا عن حقيقة الأمر وبينا أنه مباين للإرادة وكشفنا عن ~~القبيح والحسن وبينا أن ذلك يرجع إلى موافقة الأعراض ومخالفتها ، وهو ~~سبحانه منزه عن الأعراض فاندفعت هذه الإشكالات وسيأتي ذلك في موضعه إن شاء ~~الله تعالى. PageV01P070 ### ||| ** الصفة الخامسة والسادسة في السمع والبصر : # ندعي ان صانع العالم سميع بصير ، ويدل عليه الشرع والعقل ، أما الشرع ~~فيدل عليه آيات من القرآن كثيرة كقوله ( @QUR@03 وهو السميع البصير ) (1) ~~وكقول إبراهيم عليه السلام ( @QUR@011 لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني ~~عنك شيئا ) (2) ونعلم أن الدليل غير منقلب عليه في معبوده وأنه كان يعبد ~~سميعا بصيرا ولا يشاركه في الإلزام. # فإن قيل : إنما أريد به العلم. # قلنا : إنما تصرف ألفاظ الشارع عن موضوعاتها المفهومة السابقة إلى ~~الأفهام إذا كان يستحيل تقديرها على الموضوع ، ولا ms061 استحالة في كونه سميعا ~~بصيرا ، بل يجب أن يكون كذلك ، فلا معنى للتحكم بإنكار ما فهمه أهل الإجماع ~~من القرآن. # فإن قيل : وجه استحالته انه إن كان سمعه وبصره حادثين كان محلا للحوادث ، ~~وهو محال ، وإن كانا قديمين فكيف يسمع صوتا معدوما وكيف يرى العالم في ~~الأزل والعالم معدوم والمعدوم لا يرى؟ # قلنا : هذا السؤال يصدر عن معتزلي أو فلسفي ، أما المعتزلي فدفعه هين ، ~~فإنه سلم أنه يعلم الحادثات ، فنقول : يعلم الله الآن ان العالم كان موجودا ~~قبل هذا فكيف علم في الأزل أنه يكون موجودا وهو بعد لم يكن موجودا؟ فإن جز ~~إثبات صفة تكون عند وجود العالم علما بأنه كائن ، وفعله بأنه سيكون وبعده ~~بأنه كان وقبله بأنه سيكون ، وهو لا يتغير عبر عنه بالعلم بالعالم والعلمية ~~، جاز ذلك في السمع والسمعية والبصر والبصرية ، وإن صدر من فلسفي فهو منكر ~~لكونه عالما بالحادثات المعينة الداخلة في الماضي والحال PageV01P071 # والمستقبل ، فسبيلنا أن ننقل الكلام إلى العلم ونثبت عليه جواز علم قديم ~~متعلق بالحادثات كما سنذكره ، ثم إذا ثبت ذلك في العلم قسنا عليه السمع ~~والبصر. # وأما المسلك العقلي ، فهو أن نقول : معلوم أن الخالق أكمل من المخلوق ، ~~ومعلوم أن البصير أكمل ممن لا يبصر ، والسميع أكمل ممن لا يسمع ، فيستحيل ~~أن يثبت وصف الكمال للمخلوق ولا نثبته للخالق. وهذان أصلان يوجبان الإقرار ~~بصحة دعوانا ففي أيهما النزاع؟ # فإن قيل : النزاع في قولكم واجب أن يكون الخالق أكمل من المخلوق. # قلنا : هذا مما يجب الاعتراف به شرعا وعقلا ، والأمة والعقلاء مجمعون ~~عليه ، فلا يصدر هذا السؤال من معتقد ، ومن اتسع عقله لقبول قادر يقدر على ~~اختراع ما هو أعلى وأشرف منه فقد انخلع عن غريزة البشرية ونطق لسانه بما ~~ينبو عن قبوله قلبه إن كان يفهم ما يقوله ، ولهذا لا نرى عاقلا يعتقد هذا ~~الاعتقاد. # فإن قيل : النزاع في الأصل الثاني ، وقولكم إن البصير أكمل وإن السمع ~~والبصر كمال. # قلنا : هذا أيضا مدرك ببديهة العقل ، فإن العلم كمال والسمع والبصر ms062 كمال ~~ثان للعلم ، فإنا بينا أنه استكمال للعلم والتخيل ، ومن علم شيئا ولم يره ~~ثم رآه استفاد مزيد كشف وكمال فكيف يقال إن ذلك حاصل للمخلوق وليس بحاصل ~~للخالق أو يقال إن ذلك ليس بكمال ، فإن لم يكن كمالا فهو نقص أو لا هو نقص ~~ولا هو كمال ، وجميع هذه الأقسام محال ، فظهر ان الحق ما ذكرناه. # فإن قيل : هذا يلزمكم في الإدراك الحاصل بالشم والذوق واللمس لأن فقدها ~~نقصان ووجودها كمال في الإدراك ، فليس كمال علم من علم الرائحة ككمال علم ~~من أدرك بالشم ، وكذلك بالذوق فأين العلم بالطعوم من إدراكها بالذوق. PageV01P072 # والجواب ان المحققين من أهل الحق صرحوا بإثبات أنواع الإدراكات مع السمع ~~والبصر والعلم الذي هو كمال في الإدراك دون الأسباب التي هي مقترنة بها في ~~العادة من المماسة والملاقاة ، فإن ذلك محال على الله تعالى ، كما جوزوا ~~ادراك البصر من غير مقابلة بينه وبين المبصر ، وفي طرد هذا القياس دفع هذا ~~السؤال ولا مانع منه ولكن لما لم يرد الشرع إلا بلفظ العلم والسمع والبصر ~~فلم يمكن لنا إطلاق غيره. # وأما ما هو نقصان في الإدراك فلا يجوز في حقه تعالى البتة. فإن قيل يجر ~~هذا إلى إثبات التلذذ والتألم ، فالخدر الذي لا يتألم بالضرب ناقص ، ~~والعنين الذي لا يتلذذ بالجماع ناقص ، وكذا فساد الشهوة نقصان ، فينبغي أن ~~نثبت في حقه شهوة ، قلنا هذه الأمور تدل على الحدوث وهي في أنفسها إذا بحث ~~عنها نقصانات ، وهي محوجة إلى أمور توجب الحدوث ، فالألم نقصان ، ثم هو ~~محوج إلى سبب هو ضرب ، والضرب مماسة تجري بين الأجسام ، واللذة ترجع إلى ~~زوال الألم اذا حققت أو ترجع إلى درك ما هو محتاج إليه ومشتاق إليه ، ~~والشوق والحاجة نقصان ، فالموقوف على النقصان ناقص ، ومعنى الشهوة طلب ~~الشيء الملائم ولا طلب إلا عند فقد المطلوب ولا لذة إلا عند نيل ما ليس ~~بموجود ، وكل ما هو ممكن وجوده لله فهو موجود فليس يفوته شيء حتى يكون ~~بطلبه مشتهيا وبنيله ملتذا ، فلم ms063 تتصور هذه الأمور في حقه تعالى وإذا قيل ~~إن فقد التألم والإحساس بالضرب نقصان في حق الخدر ، وإن إدراكه كمال وإن ~~سقوط الشهوة من معدته نقصان ، وثبوتها كمال أريد به أنه كمال بالإضافة إلى ~~ضده الذي هو مهلك في حقه ، فصار كمالا بالإضافة إلى الهلاك لأن النقصان خير ~~من الهلاك فهو إذا ليس كمالا في ذاته بخلاف العلم وهذه الادراكات. ### ||| ** الصفة السابعة ، الكلام : # ندعي أن صانع العالم متكلم كما أجمع عليه المسلمون ، واعلم أن من PageV01P073 # أراد إثبات الكلام بأن العقل يقضي بجواز كون الخلق مرددين تحت الأمر ~~والنهي وكل صفة جائزة في المخلوقات تستند إلى صفة واجبة في الخالق ، فهو في ~~شطط ، إذ يقال له : إن أردت جواز كونهم مأمورين من جهة الخلق الذين يتصور ~~منهم الكلام ، فمسلم ، وإن أردت جوازه على العموم من الخلق والخالق فقد ~~أخذت محل النزاع مسلما في نفس الدليل وهو غير مسلم. ومن أراد إثبات الكلام ~~بالإجماع أو بقول الرسول فقد سام نفسه خطة خسف لأن الإجماع يستند إلى قول ~~الرسول عليه السلام ومن أنكر كون الباري متكلما فبالضرورة ينكر تصور الرسول ~~، إذ معنى الرسول المبلغ لرسالة المرسل ، فإن لم يكن للكلام متصور في حق من ~~ادعى أنه مرسل كيف يتصور الرسول؟ ومن قال أنا رسول الأرض أو رسول الجبل ~~إليكم فلا يصغى إليه لاعتقادنا استحالة الكلام والرسالة من الجبل والأرض ، ~~ولله المثل الأعلى ، ولكن من يعتقد استحالة الكلام في حق الله تعالى استحال ~~منه أن يصدق الرسول إذ المكذب بالكلام لا بد ان يكذب بتبليغ الكلام ، ~~والرسالة عبارة عن تبليغ الكلام ، والرسول عبارة عن المبلغ ، فلعل الأقوم ~~منهج ثالث وهو الذي سلكناه في اثبات السمع والبصر في أن الكلام للحي اما ان ~~يقال هو كمال أو يقال هو نقص ، أو يقال لا هو نقص ولا هو كمال. وباطل ان ~~يقال هو نقص أو هو لا نقص ولا كمال فثبت بالضرورة أنه كمال ، وكل كمال وجد ~~للمخلوق فهو واجب الوجود للخالق بطريق الأولى كما سبق. ms064 # فإن قيل : الكلام الذي جعلتموه منشأ نظركم هو كلام الخلق ، وذلك إما أن ~~يراد به الأصوات والحروف أو يراد به القدرة على ايجاد الأصوات والحروف في ~~نفس القادر أو يراد به معنى ثالث سواهما ، فإن أريد به الأصوات والحروف فهي ~~حوادث ومن الحوادث ما هي كمالات في حقنا ولكن لا يتصور قيامها في ذات الله ~~سبحانه وتعالى ، وإن قام بغيره لم يكن هو متكلما به بل كان المتكلم به ~~المحل الذي قام به ؛ وإن أريد به القدرة على PageV01P074 # خلق الأصوات فهو كمال ولكن المتكلم ليس متكلما باعتبار قدرته على خلق ~~الأصوات فقط بل باعتبار خلقه للكلام فى نفسه ، والله تعالى قادر على خلق ~~الأصوات فله كمال القدرة ولكن لا يكون متكلما به إلا إذا خلق الصوت في نفسه ~~، وهو محال إذ يصير به محلا للحوادث فاستحال أن يكون متكلما ؛ وإن أريد ~~بالكلام أمر ثالث فليس بمفهوم وإثبات ما لا يفهم محال. # قلنا : هذا التقسيم صحيح والسؤال في جميع أقسامه معترف به إلا في إنكار ~~القسم الثالث ، فإنا معترفون باستحالة قيام الأصوات بذاته وباستحالة كونه ~~متكلما بهذا الاعتبار ، ولكنا نقول الإنسان يسمى متكلما باعتبارين أحدهما ~~بالصوت والحرف والآخر بكلام النفس الذي ليس بصوت وحرف ، وذلك كمال وهو في ~~حق الله تعالى غير محال ، ولا هو دال على الحدوث. ونحن لا نثبت في حق الله ~~تعالى إلا كلام النفس ، وكلام النفس لا سبيل إلى إنكاره في حق الإنسان ~~زائدا على القدرة والصوت حتى يقول الانسان زورت البارحة في نفسي كلاما ~~ويقال في نفس فلان كلام وهو يريد أن ينطق به ويقول الشاعر : # لا يعجبنك من أثير خطه %~% حتى يكون مع الكلام أصيلا إن الكلام لفي الفؤاد وإنما %~% جعل اللسان على الفؤاد دليلا # وما ينطق به الشعراء يدل على أنه من الجليات التي يشترك كافة الخلق في ~~دركها فكيف ينكر. # فإن قيل : كلام النفس بهذا التأويل معترف به ولكنه ليس خارجا عن العلوم ~~والإدراكات وليس جنسا برأسه البتة ، ولكن ما يسميه الناس كلام ms065 النفس وحديث ~~النفس هو العلم بنظم الألفاظ والعبارات وتأليف المعاني المعلومة على وجه ~~مخصوص فليس في القلب إلا معاني معلومة وهي العلوم وألفاظ مسموعة هي معلومة ~~بالسماع ، وهو أيضا علم معلوم اللفظ. وينضاف إليه تأليف المعاني والألفاظ ~~على ترتيب. وذلك فعل يسمى فكرا وتسمى PageV01P075 # القدرة التي عنها يصدر الفعل قوة مفكرة ، فإن أثبتم في النفس شيئا سوى ~~نفس الفكر الذي هو ترتيب الألفاظ والمعاني وتأليفها ، وسوى القوة المفكرة ~~التي هي قدرة عليا وسوى العلم بالمعاني مفترقها ومجموعها ، وسوى العلم ~~بالألفاظ المرتبة من الحروف مفترقها ومجموعها فقد أثبتم أمرا منكرا لا ~~نعرفه ، وإيضاحه أن الكلام إما أمر أو نهي أو خبر أو استخبار. # أما الخبر فلفظ يدل على علم في نفس المخبر ، فمن علم الشيء وعلم اللفظ ~~الموضوع للدلالة على ذلك الشيء كالضرب مثلا فإنه معنى معلوم يدرك بالحس ، ~~ولفظ الضرب الذي هو مؤلف من الضاد والراء والباء الذي وضعته العرب للدلالة ~~على المعنى المحسوس وهي معرفة أخرى ، فكان له قدرة على اكتساب هذه الأصوات ~~بلسانه ، وكانت له إرادة للدلالة وإرادة لاكتساب اللفظ ثم منه قوله ضرب ولم ~~يفتقر إلى أمر زائد على هذه الامور. فكل أمر قدرتموه سوى هذا فنحن نقدر ~~نفيه ، ويتم مع ذلك قولك ضرب ويكون خبرا وكلاما ، وأما الاستخبار فهو دلالة ~~على أن في النفس طلب معرفة ، وأما الأمر فهو دلالة على أن في النفس طلب فعل ~~المأمور وعلى هذا يقاس النهي وسائر الأقسام من الكلام ولا يعقل أمر آخر ~~خارج عن هذا وهذه الجملة ، فبعضها محال عليه كالأصوات وبعضها موجود لله ~~كالارادة والعلم والقدرة ، وأما ما عدا هذا نغير مفهوم. # والجواب أن الكلام الذي نريده معنى زائد على هذه الجملة ولنذكره في قسم ~~واحد من أقسام الكلام وهو الأمر حتى لا يطول الكلام. # فنقول : قول السيد لغلامه قم ، لفظ يدل على معنى ، والمعنى المدلول عليه ~~في نفسه هو كلام ، وليس ذلك شيئا مما ذكرتموه ، ولا حاجة إلى الإطناب في ~~التقسيمات وإنما بتوهم رده ما أراد إلى ms066 الأمر أو إلى إرادة الدلالة ومحال ~~أن يقال إنه إرادة الدلالة ، لأن الدلالة تستدعي مدلولا والمدلول غير ~~الدليل وغير إرادة الدلالة ، ومحال أن يقال إنه إرادة الآمر ، لأنه قد PageV01P076 # يأمر وهو لا يريد الامتثال بل يكرهه ، كالذي يعتذر عند السلطان إلهام ~~بقتله توبيخا له على ضرب غلامه ، بأنه إنما ضربه لعصيانه ، وآيته أنه يأمره ~~بين يدي الملك فيعصيه ، فإذا أراد الاحتجاج به وقال للغلام بين يدي الملك ~~قم فإني عازم عليك بأمر جزم لا عذر لك فيه ولا يريد أن تقوم فهو في هذا ~~الوقت آمر بالقيام قطعا ، وهو غير مريد للقيام قطعا ، فالطلب الذي قام ~~بنفسه الذي دل لفظ الأمر عليه هو الكلام وهو غير إرادة القيام وهذا واضح ~~عند المصنف. # فإن قيل هذا الشخص ليس بآمر على الحقيقة ولكنه موهم أنه أمر ، قلنا : هذا ~~باطل من وجهين : أحدهما ، أنه لو لم يكن آمرا لما تمهد عذره عند الملك ~~ولقيل له أنت في هذا الوقت لا يتصور منك الأمر لأن الأمر هو طلب الامتثال ~~ويستحيل أن تريد الآن الامتثال وهو سبب هلاكك ، فكيف تطمع في أن تحتج ~~بمعصيتك لأمرك وأنت عاجز عن أمره إذ أنت عاجز عن إرادة ما فيه هلاكك وفي ~~امتثاله هلاكك؟ ولا شك في أنه قادر على الاحتجاج وأن حجته قائمة وممهدة ~~لعذره ، وحجته بمعصية الأمر ، فلو تصور الأمر مع تحقق كراهة الامتثال لما ~~تصور احتجاج السيد بذلك البتة ، وهذا قاطع في نفسه لمن تأمله ، والثاني ، ~~هو أن هذا الرجل لو حكى الواقعة للمفتيين وحلف بالطلاق الثلاث إني أمرت ~~العبد بالقيام بين يدي الملك بعد جريان عقاب الملك فعصى ، لأفتى كل مسلم ~~بأن طلاقه غير واقع وليس للمفتي أن يقول أنا أعلم أنه يستحيل أن تريد في ~~مثل هذا الوقت امتثال الغلام وهو سبب هلاكك ، والأمر هو إرادة الامتثال ~~فإذا ما أمرت هذا لو قاله المفتي فهو باطل بالاتفاق ، فقد انكشف الغطاء ~~ولاح وجود معنى هو مدلول اللفظ زائدا على ما عداه من المعاني ، ونحن نسمي ms067 ~~ذلك كلاما وهو جنس مخالف للعلوم والإرادات والاعتقادات ، وذلك لا يستحيل ~~ثبوته لله تعالى بل يجب ثبوته فإنه نوع كلام فإذا هو المعني بالكلام ~~القديم. # وأما الحروف فهي حادثة وهي دلالات على الكلام والدليل غير المدلول PageV01P077 # ولا يتصف بصفة المدلول ، وإن كانت دلالته ذاتية كالعالم فإنه حادث ويدل ~~على صانع قديم فمن أين يبعد أن تدل حروف حادثة على صفة قديمة مع أن هذه ~~دلالة بالاصطلاح؟ ولما كان كل كلام النفس دقيقا زل على ذهن أكثر الضعفاء ~~فلم يثبتوا إلا حروفا وأصواتا ويتوجه لهم على هذا المذهب أسئلة واستبعادات ~~نشير إلى بعضها ليستدل بها على طريق الدفع في غيرها. ### |||| ** الاستبعاد الأول : قول القائل كيف سمع موسى كلام الله تعالى ؛ أسمع صوتا وحرفا؟ فإن قلتم ~~ذلك فإذا لم يسمع كلام الله فإن كلام الله ليس بحرف. وإن لم يسمع حرفا ولا ~~صوتا فكيف يسمع ما ليس بحرف ولا صوت؟ # قلنا : سمع كلام الله تعالى وهو صفة قديمة قائمة بذات الله تعالى ليس ~~بحرف ولا صوت ، فقولكم كيف سمع كلام الله تعالى كلام من لا يفهم المطلوب من ~~سؤال كيف ، وإنه ما ذا يطلب به وبما ذا يمكن جوابه فلتفهم ذلك حتى تعرف ~~استحالة السؤال. فنقول : السمع نوع إدراك ، فقول القائل كيف سمع كقول ~~القائل كيف أدركت بحاسة الذوق حلاوة السكر ، وهذا السؤال لا سبيل إلى شفائه ~~إلا بوجهين أحدهما أن نسلم سكرا إلى هذا السائل حتى يذوقه ويدرك طعمه ~~وحلاوته ، فنقول أدركت أنا كما أدركته أنت الآن وهذا هو الجواب الشافي ~~والتعريف التام. والثاني أن يتعذر ذلك إما لفقد السكر أو لعدم الذوق في ~~السائل للسكر ، فنقول : أدركت طعمه كما أدركت أنت حلاوة العسل فيكون هذا ~~جوابا صوابا من وجه وخطأ من وجه. أما وجه كونه صوابا فإنه تعريف بشيء يشبه ~~المسئول عنه من وجه ، وإن كان لا يشبهه من كل الوجوه وهو أصل الحلاوة ، فإن ~~طعم العسل يخالف طعم السكر وإن قاربه من بعض الوجوه وهو أصل الحلاوة ، وهذا ~~غاية ms068 الممكن. فإن لم يكن السائل قد ذاق حلاوة شيء أصلا تعذر جوابه وتفهيم ~~ما سأل عنه وكان كالعنين يسأل عن لذة الجماع وقط ما أدركه فيمتنع تفهيمه ، ~~إلا أن نشبهه له الحالة التي يدركها المجامع بلذة الأكل فيكون خطأ من وجه ~~إذ لذة الجماع والحالة التي يدركها المجامع لا تساوي الحالة التي PageV01P078 # يدركها الآكل إلا من حيث أن عموم اللذة قد شملها فإن لم يكن قد التذ بشيء ~~قط تعذر أصل الجواب ، وكذلك من قال كيف سمع كلام الله تعالى فلا يمكن شفاؤه ~~في السؤال إلا بأن نسمعه كلام الله تعالى القديم وهو متعذر ، فإن ذلك من ~~خصائص الكليم عليه السلام ، فنحن لا نقدر على إسماعه أو تشبيه ذلك بشيء من ~~مسموعاته وليس في مسموعاته ما يشبه كلام الله تعالى ، فإن كل مسموعاته التي ~~ألفها أصوات والأصوات لا تشبه ما ليس بأصوات فيتعذر تفهيمه ، بل الأصم لو ~~سأل وقال كيف تسمعون أنتم الأصوات وهو ما سمع قط صوتا لم نقدر على جوابه ، ~~فإنا إن قلنا كما تدرك أنت المبصرات فهو إدراك في الاذن كإدراك البصر في ~~العين كان هذا خطأ ، فإن إدراك الأصوات لا يشبه إبصار الألوان ، فدل أن هذا ~~السؤال محال بل لو قال القائل كيف يرى رب الأرباب في الآخرة ، كان جوابه ~~محالا لا محالة لأنه يسأل عن كيفية ما لا كيفية له ، إذ معنى قول القائل ~~كيف هو أي مثل أي شيء هو مما عرفناه. فإن كان ما يسأل عنه غير مماثل لشيء ~~مما عرفه ، كان الجواب محالا ولم يدل ذلك على عدم ذات الله تعالى. فكذلك ~~تعذر هذا لا يدل على عدم كلام الله تعالى بل ينبغي أن يعتقد أن كلامه ~~سبحانه صفة قديمة ليس كمثلها شيء ، كما أن ذاته ذات قديمة ليس كمثلها شيء ، ~~وكما ترى ذاته رؤية تخالف رؤية الأجسام والأعراض ولا تشبهها فيسمع كلامه ~~سماعا يخالف الحروف والأصوات ولا يشبهها. ### |||| ** الاستبعاد الثاني : أن يقال كلام الله سبحانه حال في المصاحف أم لا ، فإن ms069 كان حالا فكيف حمل ~~القديم في الحادث؟ فإن قلتم لا ، فهو خلاف الإجماع ، اذ احترام المصحف مجمع ~~عليه حتى حرم على المحدث مسه وليس ذلك إلا لأن فيه كلام الله تعالى. # فنقول : كلام الله تعالى مكتوب في المصاحف محفوظ في القلوب PageV01P079 # مقروء بالألسنة ، وأما الكاغذ والحبر والكتابة والحروف والأصوات كلها ~~حادثة لأنها أجسام وأعراض في أجسام فكل ذلك حادث ، وإن قلنا إنه مكتوب في ~~المصحف ، أعني صفة تعالى القديم ، لم يلزم أن تكون ذات القديم في المصحف ، ~~كما أنا إذا قلنا النار مكتوبة في الكتاب لم يلزم منه ان تكون ذات النار ~~حالة فيه ، إذ لو حلت فيه لاحترق المصحف ، ومن تكلم بالنار فلو كانت ذات ~~النار بلسانه لاحترق لسانه ، فالنار جسم حار وعليه دلالة هي الأصوات ~~المقطعة تقطيعا يحصل منه النون والألف والراء ، فالحار المحرق ذات المدلول ~~عليه لا نفس الدلالة ، فكذلك الكلام القديم القائم بذات الله تعالى هو ~~المدلول لا ذات الدليل والحروف أدلة وللأدلة حرمة إذ جعل الشرع لها حرمة ~~فلذلك وجب احترام المصحف لأن فيه دلالة على صفة الله تعالى. ### |||| ** الاستبعاد الثالث : إن القرآن كلام الله تعالى أم لا؟ فإن قلتم لا فقد خرقتم الإجماع ، وإن ~~قلتم نعم فما هو سوى الحروف والأصوات. ومعلوم أن قراءة القارئ هي الحروف ~~والأصوات ، فنقول : هاهنا ثلاثة ألفاظ : قراءة ، ومقروء ، وقرآن ، أما ~~المقروء فهو كلام الله تعالى ، أعني صفته القديمة القائمة بذاته ، وأما ~~القراءة : فهي في اللسان عبارة عن فعل القارئ الذي كان ابتدأه بعد أن كان ~~تاركا له ، ولا معنى للحادث إلا أنه ابتدأ بعد أن لم يكن ، فإن كان الخصم ~~لا يفهم هذا من الحادث فلنترك لفظ الحادث والمخلوق ، ولكن نقول : القراءة ~~فعل ابتدأه القارئ بعد أن لم يكن يفعله وهو محسوس ، وأما القرآن ، فقد يطلق ~~ويراد به المقروء فان أريد به ذلك فهو قديم غير مخلوق وهو الذي أراده السلف ~~رضوان الله عليهم بقولهم القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق ، أي المقروء ~~بالألسنة ، وإن أريد به القراءة ms070 التي هي فعل القارئ ففعل القارئ لا يسبق ~~وجود القارئ وما لا يسبق وجود الحادث فهو حادث ، وعلى الجملة : من يقول ما ~~أحدثته باختيارى من الصوت وتقطيعه وكنت ساكنا PageV01P080 # عنه قبله فهو قديم ، فلا ينبغي أن يخاطب ويكلف بل ينبغي أن يعلم المسكين ~~أنه ليس يدري ما يقوله ، ولا هو يفهم معنى الحرف ، ولا هو يعلم معنى الحادث ~~، ولو علمهما لعلم أنه في نفسه إذا كان مخلوقا كان ما يصدر عنه مخلوقا ، ~~وعلم أن القديم لا ينتقل إلى ذات حادثة ، فلنترك التطويل في الجليات فإن ~~قول القائل بسم الله إن لم تكن السين فيه بعد الباء لم يكن قرآنا بل كان ~~خطأ ، وإذا كان بعد غيره ومتأخرا عنه فكيف يكون قديما ونحن نريد بالقديم ما ~~لا يتأخر عن غيره أصلا. ### |||| ** الاستبعاد الرابع : قولهم : أجمعت الأمة على أن القرآن معجزة للرسول عليه السلام وأنه كلام ~~الله تعالى ، فإنه سور وآيات ولها مقاطع ومفاتح؟ وكيف يكون للقديم مقاطع ~~ومفاتح؟ وكيف ينقسم بالسور والآيات؟ وكيف يكون القديم معجزة للرسول ~~عليه السلام والمعجزة هي فعل خارق للعادة؟ وكل فعل فهو مخلوق فكيف يكون كلام ~~الله تعالى قديما؟ # قلنا : أتنكرون أن لفظ القرآن مشترك بين القراءة والمقروء أم لا؟ فإن ~~اعترفتم به فكل ما أورده المسلمون من وصف القرآن بما هو قديم ، كقولهم ~~القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق ، أرادوا به المقروء وكل ما وصفوه به مما ~~لا يحتمله القديم ، ككونه سورا وآيات ولها مقاطع ومفاتح ، أرادوا به ~~العبارات الدالة على الصفة القديمة التي هي قراءة ، وإذا صار الاسم مشتركا ~~امتنع التناقض ، فالاجماع منعقد على أن لا قديم إلا الله تعالى ، والله ~~تعالى يقول ( @QUR@04 حتى عاد كالعرجون القديم ) (1). ولكن نقول : اسم ~~القديم مشترك بين معنيين ، فإذا ثبت من وجه لم يستحل نفيه من وجه آخر ، ~~فكذا يسمى القرآن وهو جواب عن كل ما يوردونه من الإطلاقات المتناقضة فإن ~~أنكروا كونه مشتركا ، فنقول : أما إطلاقه PageV01P081 # لإرادة المقروء دل عليه كلام السلف رضي الله عنهم إن القرآن ms071 كلام الله ~~سبحانه غير مخلوق ، مع علمهم بأنهم وأصواتهم وقراءاتهم وأفعالهم مخلوقة ~~وأما إطلاقه لإرادة القراءة فقد قال الشاعر : # ضحوا بأشمط عنوان السجود به %~% يقطع الليل تسبيحا وقرآنا # يعني القراءة ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ما أذن الله لشيء ~~كإذنه لنبي حسن الترنم بالقرآن) (1) والترنم يكون بالقراءة. وقال كافة ~~السلف : القرآن كلام الله غير مخلوق ، وقالوا : القرآن معجزة ، وهي فعل ~~الله تعالى إذ علموا أن القديم لا يكون معجزا فبان أنه اسم مشترك. ومن لم ~~يفهم اشتراك اللفظ ظن تناقضا في هذه الاطلاقات. ### |||| ** الاستبعاد الخامس : أن يقال : معلوم أنه لا مسموع الآن إلا الأصوات ، وكلام الله مسموع الآن ~~بالإجماع وبدليل قوله تعالى ( @QUR@010 وإن أحد من المشركين استجارك فأجره ~~حتى يسمع كلام الله ) (2) فنقول : إن كان الصوت المسموع للمشرك عند الإجارة ~~هو كلام الله تعالى القديم القائم بذاته فأي فضل لموسى عليه السلام في ~~اختصاصه بكونه كليما لله على المشركين وهم يسمعون؟ ولا يتصور عن هذا جواب ~~إلا أن نقول : مسموع موسى عليه السلام صفة قديمة قائمة بالله تعالى ، ومسموع ~~المشرك أصوات دالة على تلك الصفة ، وتبين به على القطع الاشتراك إما في اسم ~~الكلام وهو تسمية الدلالات باسم المدلولات ، فإن الكلام هو كلام النفس PageV01P082 # تحقيقا ، ولكن الألفاظ لدلالتها عليه أيضا تسمى كلاما كما تسمى علما ؛ إذ ~~يقال سمعت علم فلان وإنما نسمع كلامه الدال على علمه. وأما في اسم المسموع ~~فإن المفهوم المعلوم بسماع غيره قد يسمى مسموعا ، كما يقال : سمعت كلام ~~الأمير على لسان رسوله ومعلوم أن كلام الأمير لا يقوم بلسان رسوله بل ~~المسموع كلام الرسول الدال على كلام الأمير ، فهذا ما أردنا أن نذكره في ~~إيضاح مذهب أهل السنة في كلام النفس المعدود من الغوامض ، وبقية أحكام ~~الكلام نذكرها عند التعرض لأحكام الصفات. PageV01P083 ### ||| * القسم الثاني من هذا القطب ### ||| * (في أحكام الصفات عامة ما يشترك فيها أو يفترق وهي أربعة أحكام) ### ||| ** الحكم الأول : # إن الصفات السبعة التي دللنا عليها ليست هي الذات بل هي زائدة ms072 على الذات ~~، فصانع العالم تعالى عندنا عالم بعلم وحي بحياة وقادر بقدرة ، هكذا في ~~جميع الصفات ، وذهبت المعتزلة والفلاسفة إلى إنكار ذلك ، وقالوا : القديم ~~ذات واحدة قديمة ولا يجوز إثبات ذوات قديمة متعددة ، وإنما الدليل يدل على ~~كونه عالما قادرا حيا لا على العلم والقدرة والحياة ، ولنعين العلم من ~~الصفات حتى لا نحتاج إلى تكرير جميع الصفات ، وزعموا أن العلمية حال للذات ~~وليست بصفة ، لكن المعتزلة ناقضوا في صفتين إذ قالوا إنه مريد بإرادة زائدة ~~على الذات ومتكلم بكلام هو زائد على الذات ، إلا أن الإرادة يخلقها في غير ~~محل والكلام يخلقه في جسم جماد ويكون هو المتكلم به ، والفلاسفة طردوا ~~قياسهم في الإرادة ، وأما الكلام فإنهم قالوا إنه متكلم بمعنى أنه يخلق في ~~ذات النبي عليه السلام سماع أصوات منظومة ، إما في النوم وإما في اليقظة ، ~~ولا يكون لتلك الأصوات وجود من خارج البتة ، بل في سمع النبي ، كما يرى ~~النائم أشخاصا لا وجود لها ، ولكن تحدث صورها في دماغه ، وكذلك يسمع أصواتا ~~لا وجود لها حتى أن الحاضر عند النائم لا يسمع ، والنائم قد يسمع ، ويهوله ~~الصوت الهائل ويزعجه وينتبه خائفا مذعورا. وزعموا أن النبي إذا كان عاني ~~الرتبة في النبوة ينتهي صفاء نفسه إلى أن PageV01P084 # يرى في اليقظة صورا عجيبة ويسمع منها أصواتا منظومة فيحفظها ، ومن حواليه ~~لا يرون ولا يسمعون ، وهذا المعني عندهم برؤية الملائكة وسماع القرآن منهم ~~، ومن ليس في الدرجة العالية في النبوة فلا يرى ذلك إلا في المنام ، فهذا ~~تفصيل مذاهب الضلال ، والغرض إثبات الصفات والبرهان القاطع هو أن من ساعد ~~على أنه تعالى عالم فقد ساعد على أن له علما ، فإن المفهوم من قولنا عالم ~~ومن له علم واحد ، فإن العاقل يعقل ذاتا ويعقلها على حالة وصفة بعد ذلك ، ~~فيكون قد عقل صفة وموصوفا والصفة علم مثلا ، وله عبارتان : # إحداهما طويلة وهي أن نقول هذه الذات قد قام بها علم والأخرى وجيزة أو ~~جزت بالتصريف والاشتقاق ، وهي أن الذات عالمة كما نشاهد ms073 الانسان شخصا ~~ونشاهد نعلا ونشاهد دخول رجله في النعل ، فله عبارة طويلة وهو أن نقول هذا ~~الشخص رجله داخلة في نعله أو نقول هو منتعل ولا معنى لكونه منتعلا إلا أنه ~~ذو نعل وما يظن من أن قيام العلم بالذات يوجب للذات حالة تسمى عالمية ، هوس ~~محض ، بل العلم هي الحالة ، فلا معنى لكونه عالما إلا كون الذات على صفة ~~وحال تلك الصفة الحال وهي العلم فقط ، ولكن من يأخذ المعاني من الألفاظ فلا ~~بد أن يغلط. # فإذا تكررت الألفاظ بالاشتقاقات فاشتقاق صفة العالم من لفظ العلم أورث ~~هذا الغلط ، فلا ينبغي أن يغتر به. وبهذا يبطل جميع ما قيل وطول من العلة ~~والمعلول وبطلان ذلك جلي بأول العقل لمن لم يتكرر على سمعه ترديد تلك ~~الألفاظ ، ومن علق ذلك بفهمه فلا يمكن نزعه منه إلا بكلام طويل لا يحتمله ~~هذا المختصر ، والحاصل هو أنا نقول للفلاسفة والمعتزلة : هل المفهوم من ~~قولنا عالم عين المفهوم من قولنا موجودا وفيه إشارة إلى وجود وزيادة ، فإن ~~قالوا لا ، فإذا كل من قال هو موجود عالم ، كأنه قال هو موجود وهذا ظاهر ~~الاستحالة ، وإذا PageV01P085 # كان في مفهومه زيادة فتلك الزيادة هل هي مختصة بذات الموجود أم لا؟ فإن ~~قالوا لا فهو محال إذ يخرج به عن أن يكون وصفا له وإن كان مختصا بذاته فنحن ~~لا نعني بالعلم إلا ذلك وهي الزيادة المختصة بالذات الموجودة الزائدة على ~~الوجود التي يحسن أن يشتق للموجود بسببه منه اسم العالم ، فقد ساعدتم على ~~المعنى وعاد النزاع إلى اللفظ ، وإن اردت إيراده على الفلاسفة قلت : مفهوم ~~قولنا قادر مفهوم قولنا عالم أم غيره؟ فإن كان هو ذلك بعينه فكأنا قلنا ~~قادر قادر ، فإنه تكرار محض ، وإن كان غيره فإذا هو المراد فقد أثبتم ~~مفهومين أحدهما يعبر عنه بالقدرة والآخر بالعلم ورجع الإنكار إلى اللفظ. # فإن قيل : قولكم أمر مفهومه عين المفهوم من قولكم آمر وناه ومخبر أو غيره ~~، فإن كان عينه فهو تكرار محض ، وإن كان غيره ms074 فليكن له كلام هو أمر وآخر هو ~~نهي وآخر هو خبر ، وليكن خطاب كل شيء مفارقا لخطاب غيره ، وكذلك مفهوم ~~قولكم إنه عالم بالأعراض أهو عين مفهوم قولكم إنه عالم بالجواهر أو غيره؟ ~~فإن كان عينه فليكن الإنسان العالم بالجوهر عالما بالعرض بعين ذلك العلم ، ~~حتى يتعلق علم واحد بمتعلقات مختلفة لا نهاية لها ، وإن كان غيره فليكن لله ~~علوم مختلفة لا نهاية لها وكذلك الكلام والقدرة والإرادة وكل صفة لا نهاية ~~لمتعلقاتها ينبغي أن لا يكون لأعداد تلك الصفة نهاية ، وهذا محال ، فإن جاز ~~أن تكون صفة واحدة تكون هي الأمر وهي النهي وهي الخبر وتنوب عن هذه ~~المختلفات جاز ان تكون صفة واحدة تنوب عن العلم والقدرة والحياة وسائر ~~الصفات ، ثم إذا جاز ذلك جاز أن تكون الذات بنفسها كافية ويكون فيها معنى ~~القدرة والعلم وسائر الصفات من غير زيادة وعند ذلك يلزم مذهب المعتزلة ~~والفلاسفة. # والجواب أن نقول : هذا السؤال يحرك قطبا عظيما من اشكالات الصفات ولا ~~يليق حلها بالمختصرات ، ولكن إذا سبق القلم إلى إيراده فلنرمز إلى مبدأ ~~الطريق في حله ، وقد كع عنه أكثر المحصلين وعدلوا إلى التمسك بالكتاب PageV01P086 # والإجماع ، وقالوا هذه الصفات قد ورد الشرع بها ، إذ دل الشرع على العلم ~~وفهم منه الواحد لا محالة والزائد على الواحد لم يرد فلا يعتقده ، وهذا لا ~~يكاد يشفي فإنه قد ورد بالأمر والنهي والخبر والتوراة والإنجيل والقرآن فما ~~المانع من أن يقال : الأمر غير النهي والقرآن غير التوراة وقد ورد بأنه ~~تعالى يعلم السر والعلانية والظاهر والباطن والرطب واليابس وهلم جرا إلى ما ~~يشتمل القرآن عليه .. # فلعل الجواب ما نشير إلى مطلع تحقيقه وهو أن كل فريق من العقلاء مضطر إلى ~~أن يعترف بأن الدليل قد دل على أمر زائد على وجود ذات الصانع سبحانه ، وهو ~~الذي يعبر عنه بأنه عالم وقادر وغيره ، والاحتمالات فيه ثلاثة : طرفان ~~وواسطة ، والاقتصاد أقرب إلى السداد ، أما الطرفان فأحدهما في التفريط وهو ~~الاقتصار على ذات واحدة تؤدي جميع هذه ms075 المعاني وتنوب عنها كما قالت ~~الفلاسفة ، والثاني طرف الإفراط وهو إثبات صفة لا نهاية لآحادها من العلوم ~~والكلام والقدرة ، وذلك بحسب عدد متعلقات هذه الصفات ؛ وهذا إسراف لا صائر ~~إليه إلا بعض المعتزلة وبعض الكرامية ، والرأي الثالث هو القصد والوسط ، ~~وهو أن يقال : المختلفات لاختلافها درجات في التقارب والتباعد ؛ فرب شيئين ~~مختلفين بذاتيهما كاختلاف الحركة والسكون واختلاف القدرة والعلم والجوهر ~~والعرض ، ورب شيئين يدخلان تحت حد وحقيقة واحدة ولا يختلفان لذاتيهما وإنما ~~يكون الاختلاف فيهما من جهة تغاير التعلق ؛ فليس الاختلاف بين القدرة ~~والعلم كالاختلاف بين العلم بسواد والعلم بسواد آخر أو بياض آخر ، ولذلك إذ ~~حددت العلم تجد دخل فيه العلم بالمعلومات كلها ، فنقول : الاقتصاد في ~~الاعتقاد أن يقال : كل اختلاف يرجع إلى تباين الذوات بأنفسها فلا يمكن أن ~~يكفي الواحد منها ، وينوب عن المختلفات ، فوجب أن يكون العلم غير القدرة ~~وكذلك الحياة وكذا الصفات السبعة ، وأن تكون الصفات غير الذات من حيث أن ~~المباينة بين الذات الموصوفة وبين الصفة أشد من المباينة بين الصفتين. PageV01P087 # وأما العلم بالشيء فلا يخالف العلم بغيره إلا من جهة تعلقه بالمتعلق ، ~~فلا يبعد أن تتميز الصفة القديمة بهذه الخاصية وهو أن لا يوجب تباين ~~المتعلقات فيها تباينا وتعددا ، فإن قيل فليس في هذا قطع دابر الإشكال ، ~~لأنك إذ اعترفت بإختلاف ما بسبب اختلاف المتعلق ، فالإشكال قائم ، فما لك ~~وللنظر في سبب الاختلاف بعد وجود الاختلاف .. # فأقول : غاية الناصر لمذهب معين أن يظهر على القطع ترجيح اعتقاده على ~~اعتقاد غيره ، وقد حصل هذا على القطع ، إذ لا طريق إلا واحد من هذه الثلاث ~~، أو اختراع رابع لا يعقل ، وهذا الواحد إذا قوبل بطرفيه المتقابلين له علم ~~على القطع رجحانه ، وإذ لم يكن بد من اعتقاد ولا معتقد إلا هذه الثلاث ، ~~وهذا أقرب الثلاث ، فيجب اعتقاده وإن بقي ما يحبك في الصدر من اشكال يلزم ~~على هذا ، واللازم على غيره أعظم منه وتعليل الإشكال ممكن إما قطعه بالكلية ~~والمنظور فيه هي الصفات القديمة المتعالية عن ms076 افهام الخلق فهو أمر ممتنع ~~إلا بتطويل لا يحتمله الكتاب ، هذا هو الكلام العام. # وأما المعتزلة فإنا نخصهم بالاستفراق بين القدرة والإرادة ، ونقول لو جاز ~~ان يكون قادرا بغير قدرة جاز ان يكون مريدا بغير إرادة ولا فرقان بينهما. # فإن قيل : هو قادر لنفسه فلذلك كان قادرا على جميع المقدورات ولو كان ~~مريدا لنفسه لكان مريدا لجملة المرادات ، وهو محال ، لأن المتضادات يمكن ~~إرادتها على البدل لا على الجمع ، وأما القدرة فيجوز أن تتعلق بالضدين. # والجواب أن نقول : قولوا انه مريد لنفسه ثم يختص ببعض الحادثات المرادات ~~كما قلتم قادر لنفسه ولا تتعلق قدرته إلا ببعض الحادثات ، فإن جملة أفعال ~~الحيوانات والمتولدات خارجة عن قدرته وإرادته جميعا عندكم ، فإذا جاز ذلك ~~في القدرة جاز في الإرادة أيضا. PageV01P088 # وأما الفلاسفة فإنهم ناقضوا في الكلام وهو باطل من وجهين. أحدهما قولهم ~~إن الله تعالى متكلم مع انهم لا يثبتون كلام النفس ولا يثبتون الأصوات في ~~الوجود ، وإنما يثبتون سماع الصوت بالحلق في اذن النبي من غير صوت من خارج ~~، ولو جاز ان يكون ذلك بما يحدث في دماغ غيره موصوفا بأنه متكلم لجاز ان ~~يكون موصوفا بأنه مصوت ومتحرك لوجود الصوت والحركة في غيره ، وذلك محال ، ~~والثاني أن ما ذكروه رد للشرع كله ؛ فإن ما يدركه النائم خيال لا حقيقة له ~~، فإذا رددت معرفة النبي لكلام الله تعالى إلى التخيل الذي يشبه اضغاث ~~أحلام فلا يثق به النبي ولا يكون ذلك علما ، وبالجملة هؤلاء لا يعتقدون ~~الدين والاسلام وانما يتجملون بإطلاق عبارات احتراز من السيف والكلام معهم ~~في أصل الفعل ، وحدث العالم والقدرة فلا تشتغل معهم بهذه التفصيلات. # فإن قيل أفتقولون ان صفات الله تعالى غير الله تعالى؟ قلنا : هذا خطأ ~~فإنا اذا قلنا الله تعالى ، فقد دللنا به على الذات مع الصفات لا على الذات ~~بمجردها ، إذ اسم الله تعالى لا يصدق على ذات قد أخلوها عن صفات الالهية ، ~~كما لا يقال الفقه غير الفقيه ويد زيد غير زيد ويد النجار ms077 غير النجار ، لأن ~~بعض الداخل في الاسم لا يكون عين الداخل في الاسم ، فيد زيد ليس هو زيد ولا ~~هو غير زيد بل كلا اللفظين محال. وهكذا كل بعض فليس غير الكل ولا هو بعينه ~~الكل ، فلو قيل الفقه غير الانسان فهو تجوز ولا يجوز أن يقال غير الفقيه ، ~~فإن الانسان لا يدل على صفة الفقه ، فلا جرم يجوز أن يقال الصفة غير الذات ~~التي تقوم بها الصفة ، كما يقال العرض القائم بالجوهر هو غير الجوهر على ~~معنى ان مفهوم اسمه غير مفهوم اسم الآخر. وهذا حصر جائز بشرطين : # أحدهما ، أن لا يمنع الشرع من اطلاقه ، وهذا مختص بالله تعالى ، والثاني ~~، أن لا يفهم من الغير ما يجوز وجوده دون الذي هو غيره بالإضافات إليه ، PageV01P089 # فانه إن فهم ذلك لم يمكن أن يقال سواد زيد غير زيد ، لأنه لا يوجد دون ~~زيد ، قد انكشف بهذا ما هو حظ المعنى وما هو حظ اللفظ فلا معنى للتطويل في ~~الجليات. ### ||| ** الحكم الثاني : # في الصفات : ندعي أن هذه الصفات كلها قائمة بذاته لا يجوز أن يقوم شيء ~~منها بغير ذاته ، سواء كان في محل أو لم يكن في محل ، وأما المعتزلة فإنهم ~~حكموا بأن الإرادة لا تقوم بذاته تعالى ، فإنها حادثة وليس هو محلا للحوادث ~~، ولا يقوم بمحل آخر لأنه يؤدي إلى أن يكون ذلك المحل هو المريد به ، فهي ~~توجد لا في محل ، وزعموا أن الكلام لا يقوم بذاته لأنه حادث ولكن يقوم بجسم ~~هو جماد حتى لا يكون هو المتكلم به ، بل المتكلم به هو الله سبحانه. أما ~~البرهان على أن الصفات ينبغي أن تقوم بالذات فهو عند من فهم ما قدمناه ~~مستغنى عنه ، فإن الدليل لما دل على وجود الصانع سبحانه دل بعده على أن ~~الصانع تعالى بصفة كذا ولا نعني بأنه تعالى على صفة كذا ، إلا أنه تعالى ~~على تلك الصفة ، ولا فرق بين كونه على تلك الصفة وبين قيام الصفة بذاته. ~~وقد بينا أن مفهوم قولنا عالم واحد ms078 وبذاته تعالى علم واحد ، كمفهوم قولنا ~~مريد ، وقامت بذاته تعالى إرادة واحدة ، ومفهوم قولنا لم تقم بذاته إرادة ~~وليس بمريد واحد. فتسميته الذات مريدة بإرادة لم تقم به كتسميته متحركا ~~بحركة لم تقم به. وإذا لم تقم الإرادة به فسواء كانت موجودة أو معدومة فقول ~~القائل إنه مريد لفظ خطأ ، لا معنى له ، وهكذا المتكلم ، فإنه متكلم ~~باعتبار كونه محلا للكلام ، إذ لا فرق بين قولنا هو متكلم وبين قولنا قام ~~الكلام به ، ولا فرق بين قولنا ليس بمتكلم وقولنا لم يقم بذاته كلام ، كما ~~في كونه مصوتا ومتحركا ، فإن صدق على الله تعالى قولنا لم يقم بذاته كلام ~~صدق قولنا ليس بمتكلم لأنهما عبارتان عن معنى واحد ، والعجب من قولهم إن ~~الإرادة توجد لا في محل ، فإن جاز وجود صفة من الصفات لا في محل PageV01P090 # فليجز وجود العلم والقدرة والسواد والحركة ، بل الكلام فلم قالوا يخلق ~~الأصوات في محل فلتخلق في غير محل ، وإن لم يعقل الصوت إلا في محل لأنه عرض ~~وصفة فكذا الإرادة ، ولو عكس هذا لقيل إنه خلق كلاما لا في محل وخلق إرادة ~~في محل لكان العكس كالطرد. ولكن لما كان أول المخلوقات يحتاج إلى الإرادة ، ~~والمحل مخلوق ، لم يمكنهم تقدير محل الإرادة موجودا قبل الإرادة ؛ فإنه لا ~~محل قبل الإرادة إلا ذات الله تعالى ولم يجعلوه محلا للحوادث. ومن جعله ~~محلا للحوادث أقرب حال منهم فإن استحالة وجود إرادة في غير محل ، واستحالة ~~كونه مريدا بإرادة لا تقوم به ، واستحالة حدوث إرادة حادثة به بلا إرادة ~~تدرك ببديهة العقل أو نظره الجلي فهذه ثلاثة استحالات جلية ، واما استحالة ~~كونه محلا للحوادث فلا يدرك إلا بنظر دقيق كما سنذكر. ### ||| ** الحكم الثالث : # إن الصفات كلها قديمة ، فإنها إن كانت حادثة كان القديم سبحانه محلا ~~للحوادث ، وهو محال ، أو كان يتصف بصفة لا تقوم به وذلك أظهر استحالة ، كما ~~سبق ، ولم يذهب أحد إلى حدوث الحياة والقدرة وإنما اعتقدوا ذلك في العلم ~~بالحوادث وفي الإرادة وفي الكلام ms079 ونحن نستدل على استحالة كونه محلا للحوادث ~~من ثلاثة أوجه : ### |||| ** الدليل الأول : إن كل حادث فهو جائز الوجود ، والقديم الأزلي واجب الوجود ، ولو تطرق ~~الجواز إلى صفاته لكان ذلك مناقضا لوجوب وجوده فإن الجواز والوجوب ~~يتناقضان. فكل ما هو واجب الذات فمن المحال أن يكون جائز الصفات وهذا واضح بنفسه. ### |||| ** الدليل الثاني : وهو الأقوى ، أنه لو قدر حلول حادث بذاته لكان لا يخلو إما أن يرتقي ~~الوهم إلى حادث يستحيل قبله حادث ، أولا يرتقي إليه ، بل كان حادث ، فيجوز ~~أن يكون قبله حادث ، فإن لم يرتق الوهم PageV01P091 # إليه لزم جواز اتصافه بالحوادث أبدا ، ولزم منه حوادث لا أول لها ، وقد ~~قام الدليل على استحالته ، وهذا القسم ما ذهب إليه أحد من العقلاء وإن ~~ارتقى الوهم إلى حادث استحال قبله حدوث حادث فتلك الاستحالة لقبول الحادث ~~في ذاته ، لا تخلو إما أن تكون لذاته أو لزائد عليه. وباطل أن يكون لزائد ~~عليه ، فإن كل زائد يفرض ممكن تقدير عدمه ، فيلزم منه تواصل الحوادث أبدا ~~وهو محال ، فلم يبق إلا أن استحالته من حيث أن واجب الوجود يكون على صفة ~~يستحيل معها قبول الحوادث لذاته ، فإذا كان ذلك مستحيلا في ذاته أزلا ، ~~استحال أن ينقلب المحال جائزا وينزل ذلك منزلة استحالته لقبول اللون أزلا ، ~~فإن ذلك يبقى فيما لا يزال لأنه لذاته لا يقبل اللون باتفاق العقلاء ، ولم ~~يجز أن تتغير تلك الاستحالة إلى الجواز فكذلك سائر الحوادث. فإن قيل : هذا ~~يبطل يحدث العالم ، فإنه كان ممكنا قبل حدوثه ولم يكن الوهم يرتقي إلى وقت ~~يستحيل حدوثه قبله ومع ذلك يستحيل حدوثه أزلا ولم يستحل على الجملة حدوثه. # قلنا هذا الإلزام فاسد ؛ فإنا لم نحل إثبات ذات تنبو عن قبول حادث لكونها ~~واجبة الوجود ، ثم تتقلب إلى جواز قبول الحوادث. والعالم ليس له ذات قبل ~~الحدوث موصوفة بأنها قابلة للحدوث أو غير قابلة حتى ينقلب إلى قبول جواز ~~الحدوث ، فيلزم ذلك على مساق دليلنا ، نعم ، يلزم ذلك المعتزلة حيث قالوا ~~للعالم ذات ms080 في العدم قديمة ، قابلة للحدوث ، يطرأ عليها الحدوث بعد أن لم ~~يكن. فأما على أصلنا فغير لازم ، وإنما الذي نقوله في العالم أنه فعل وقدم ~~الفعل محال ، لأن القديم لا يكون فعلا. # الدليل الثالث : هو أنا نقول : إذا قدرنا قيام حادث بذاته فهو قبل ذلك ~~إما أن يتصف بضد ذلك الحادث أو بالانفكاك عن ذلك الحادث. وذلك الضد أو ذلك ~~الانفكاك إن كان قديما استحال بطلانه وزواله لأن القديم لا يعدم وإن كان ~~حادثا كان قبله حادث لا محالة ، وكذا قبل ذلك الحادث حادث يؤدي إلى حوادث ~~لا أول لها وهو محال ، ويتضح ذلك PageV01P092 # بأن تفرض في صفة معينة كالكلام مثلا ، فإن الكرامية قالوا إنه في الأزل ~~متكلم ، على معنى أنه قادر على خلق الكلام في ذاته ، ومهما أحدث شيئا في ~~غير ذاته أحدث في ذاته قوله كن ولا بد أن يكون قبل إحداث هذا القول ساكتا ، ~~ويكون سكوته قديما ، وإذا قال جهم أنه يحدث في ذاته علما فلا بد أن يكون ~~قبله غافلا وتكون غفلته قديمة. # فنقول : السكوت القديم والغفلة القديمة يستحيل بطلانهما لما سبق من ~~الدليل على استحالة عدم القديم. فإن قيل السكوت ليس بشيء إنما يرجع إلى عدم ~~الكلام ، والغفلة ترجع إلى عدم العلم والجهل وأضداده ، فإذا وجد الكلام لم ~~يبطل شيء إذ لم يكن شيء إلا الذات القديمة ، وهي باقية ، ولكن انضاف إليها ~~موجود آخر وهو الكلام والعلم. فأما أن يقال : انعدم شيء فلان ويتنزل ذلك ~~منزلة وجود العالم ، فإنه يبطل العدم القديم ولكن العدم ليس بشيء حتى يوصف ~~بالقدم ويقدر بطلانه. والواجب من وجهين أحدهما أن قول القائل السكوت هو عدم ~~الكلام وليس بصفة والغفلة عدم العلم وليست بصفة ، كقوله البياض هو عدم ~~السواد وسائر الألوان وليس بلون ، والسكون هو عدم الحركة وليس بعرض ، وذلك ~~محال ، والدليل الذي دل على استحالته بعينه يدل على استحالة هذا ، والخصوم ~~في هذه المسألة معترفون بأن السكون وصف زائد على عدم الحركة ، فإن كل من ~~يدعي أن السكون هو ms081 عدم الحركة لا يقدر على اثبات حدوث العالم ، فظهور ~~الحركة بعد السكون إذا دل على حدوث المتحرك ، فكذلك ظهور الكلام بعد السكوت ~~يدل على حدوث المتكلم ، من غير فرق ، إذ المسلك الذي به يعرف كون السكون ~~معنى هو مضاد للحركة بعينه يعرف به كون السكوت معنى يضاد الكلام ، وكون ~~الغفلة معنى يضاد العلم ، وهو أنا إذا أدركنا تفرقة بين حالتي الذات ~~الساكنة والمتحركة فإن الذات مدركة على الحالتين ، والتفرقة مدركة بين ~~الحالتين ولا نرجع التفرقة إلى زوال أمر وحدوث أمر فإن PageV01P093 # الشيء لا يفارق نفسه ، فدل ذلك على أن كل قابل للشيء فلا يخلو عنه ، أو ~~عن ضده وهذا مطرد في الكلام ، وفي العلم ، ولا يلزم على هذا الفرق بين وجود ~~العلم وعدمه ، فإن ذلك لا يوجب ذاتين ، فإنه لم تدرك في الحالتين ذات واحدة ~~يطرأ عليها الوجود بل لا ذات للعالم قبل الحدوث ، والقديم ذات قبل حدوث ~~الكلام ، علم على وجه مخالف للوجه الذي علم عليه بعد حدوث الكلام ، يعبر عن ~~ذلك الوجه بالسكوت وعن هذا بالكلام ، فهما وجهان مختلفان ادركت عليهما ذات ~~مستمرة الوجود في الحالتين وللذات هيئة وصفة وحالة بكونه ساكتا ، كما أن له ~~هيئة بكونه متكلما ، وكما له هيئة بكونه ساكتا ومتحركا وأبيض وأسود وهذه ~~الموازنة مطابقة لا مخرج منها ، الوجه الثاني في الانفصال هو أن يسلم أيضا ~~أن السكوت ليس بمعنى ، وإنما يرجع ذلك إلى ذات منفكة عن الكلام ، فالانفكاك ~~عن الكلام حال للمنفك لا محالة ينعدم بطريان الكلام ، فحال الانفكاك تسمى ~~عدما أو وجودا أو صفة أو هيئة ، فقد انتفى الكلام والمنتفي قديم ، وقد ~~ذكرنا أن القديم لا ينتفي سواء كان ذاتا أو حالا أو صفة ، وليست الاستحالة ~~لكونه ذاتا فقط بل لكونه قديما ، ولا يلزم عدم العالم ، فإنه انتفى مع ~~القديم لأن عدم العالم ليس بذات ولا حصل منه حال لذات حتى يقدر تغيرها ~~وتبدلها على الذات والفرق بينهما ظاهر ، فإن قيل الأعراض كثيرة والخصم لا ~~يدعي كون الباري محل حدوث شيء منها ms082 كالألوان والآلام واللذات وغيرها ، ~~وإنما الكلام في الصفات السبعة التي ذكرتموها ولا نزاع من جملتها في الحياة ~~والقدرة ، وإنما النزاع في ثلاثة : في القدرة والإرادة والعلم ، وفي معنى ~~العلم السمع والبصر عند من يثبتهما ، وهذه الصفات الثلاثة لا بد أن تكون ~~حادثة ، ثم يستحيل أن تقوم بغيره ، لأنه لا يكون متصفا بها فيجب أن تقوم ~~بذاته فيلزم منه كونه محلا للحوادث. # أما العلم بالحوادث فقد ذهب جهم إلى أنها علوم حادثة وذلك لأن PageV01P094 # الله تعالى الآن عالم بأن العالم كان قد وجد قبل هذا ، وهو في الأزل إن ~~كان عالما بأنه كان قد وجد كان هذا جهلا لا علما ، واذا لم يكن عالما بأنه ~~قد وجد كان جهلا لا علما ، وإذا لم يكن عالما وهو الآن عالم فقد ظهر حدوث ~~العلم بأن العالم كان قد وجد قبل هذا ، وهكذا القول في كل حادث ، وأما ~~الإرادة فلا بد من حدوثها فإنها لو كانت قديمة لكان المراد معها ، فإن ~~القدرة والإرادة مهما تمتا وارتفعت العوائق منها وجب حصول المراد ، فكيف ~~يتأخر المراد عن الإرادة والقدرة من غير عائق؟ فلهذا قالت المعتزلة بحدوث ~~إرادة في غير محل وقالت الكرامية بحدوثها في ذاته وربما عبروا عنه بأنه ~~يخلق ايجادا في ذاته عند وجود كل موجود وهذا راجع إلى الإرادة. # وأما الكلام فكيف يكون قديما وفيه إخبار عما مضى ، فكيف قال في الأزل ( ~~@QUR@05 إنا أرسلنا نوحا إلى قومه ) (1) ولم يكن قد خلق نوحا بعد ، وكيف ~~قال في الأزل لموسى ( @QUR@02 فاخلع نعليك ) (2) ولم يخلق بعد موسى ، فكيف ~~أمر ونهى من غير مأمور ولا منهي ، وإذا كان ذلك محالا ثم علم بالضرورة أنه ~~آمر وناه ، واستحال ذلك في القدم ، علم قطعا أنه صار آمرا ناهيا بعد أن لم ~~يكن ، فلا معنى لكونه محلا للحوادث إلا هذا. والجواب أنا نقول : مهما حللنا ~~الشبهة في هذه الصفات الثلاثة انتهض منه دليل مستقل على إبطال كونه محلا ~~للحوادث ، إذ لم يذهب إليه ذاهب إلا بسبب هذه الشبهة ، وإذا انكشف كان ms083 ~~القول بها باطلا كالقول بأنه محل للألوان وغيرها مما لا يدل دليل على ~~الانصاف بها ، فنقول : الباري تعالى في الأزل علم بوجود العالم في وقت ~~وجوده وهذا العلم صفة واحدة PageV01P095 # مقتضاها في الأزل العلم بأن العالم يكون من بعد ، وعند الوجود العلم بأنه ~~كائن وبعده العلم بأنه كان ، وهذه الأحوال تتعاقب على العالم ويكون مكشوفا ~~لله تعالى تلك الصفة وهي لم تتغير ، وإنما المتغير أحوال العالم ، وإيضاحه ~~بمثال وهو أنا إذا فرضنا للواحد منا علما بقدوم زيد عند طلوع الشمس وحصل له ~~هذا العلم قبل طلوع الشمس ولم ينعدم بل بقي ولم يخلق له علم آخر عند طلوع ~~الشمس فما حال هذا الشخص عند الطلوع ، أيكون عالما بقدوم زيد أو غير عالم؟ ~~ومحال أن يكون غير عالم لأنه قدر بقاء العلم بالقدوم عند الطلوع ، وقد علم ~~الآن الطلوع فيلزمه بالضرورة أن يكون عالما بالقدوم ، فلو دام عند انقضاء ~~الطلوع فلا بد أن يكون عالما بأنه كان قد قدم والعلم الواحد أفاد الاحاطة ~~بأنه سيكون وانه كائن وأنه قد كان ، فهكذا ينبغي أن يفهم علم الله القديم ~~الموجب بالاحاطة بالحوادث ، وعلى هذا ينبغي أن يقاس السمع والبصر ، فإن كل ~~واحد منهما صفة ينصف بها المرئي والمسموع عند الوجود من غير حدوث تلك الصفة ~~ولا حدوث أمر فيها ، وإنما الحادث المسموع والمرئي ، والدليل القاطع على ~~هذا هو أن الاختلاف بين الأحوال شيء واحد في انقسامه إلى الذي كان ويكون ~~وهو كائن لا يزيد على الاختلاف بين الذوات المختلفة ، ومعلوم أن العلم لا ~~يتعدد بتعدد الذوات فكيف يتعدد بتعدد أحوال ذات واحدة ، وإذا كان علم واحد ~~يفيد الإحاطة بذوات مختلفة متباينة فمن أين يستحيل أن يكون علم واحد يفيد ~~إحاطة بأحوال ذات واحدة بالإضافة إلى الماضي والمستقبل ، ولا شك أن جهما ~~ينفي النهاية عن معلومات الله تعالى ثم لا يثبت علوما لا نهاية لها فيلزمه ~~أن يعترف بعلم واحد يتعلق بمعلومات مختلفة فكيف يستبعد ذلك في أحوال معلوم ~~واحد يحققه أنه لو حدث ms084 له علم بكل حادث لكان ذلك العلم لا يخلو إما أن يكون ~~معلوما أو غير معلوم ، فإن لم يكن معلوما فهو محال ، لأنه حادث ، وإن جاز ~~حادث لا يعلمه مع أنه في ذاته أولى بأن يكون متضحا له فبان PageV01P096 # يجوز ألا يعلم الحوادث المباينة لذاته أولى ، وإن كان معلوما فإما أن ~~يفتقر إلى علم آخر وكذلك العلم يفتقر إلى علوم أخر لا نهاية لها ، وذلك ~~محال. وإما ان يعلم الحادث والعلم بالحادث نفس ذلك العلم فتكون ذات العلم ~~واحدة ولها معلومان : أحدهما ذات ، والآخر ذات الحادث ، فيلزم منه لا محالة ~~تجويز علم واحد يتعلق بمعلومين مختلفين فكيف لا يجوز علم واحد يتعلق بأحوال ~~معلوم واحد مع اتحاد العلم وتنزهه عن التغير. وهذا لا مخرج منه ؛ فأما ~~الإرادة فقد ذكرنا أن حدوثها بغير إرادة أخرى محال ، وحدوثها بإرادة بتسلسل ~~إلى غير نهاية ، وإن تعلق الإرادة القديمة بالأحداث غير محال ، ويستحيل أن ~~تتعلق الإرادة بالقديم فلم يكن العالم قديما لأن الإرادة تعلقت باحداثه لا ~~بوجوده في القدم ، وقد سبق إيضاح ذلك ، وكذلك الكرامي اذا قال يحدث في ذاته ~~إيجادا في حال حدوث. العالم فبذلك يحصل حدوث العالم في ذلك الوقت ، فيقال ~~له : وما الذي خصص الايجاد الحادث في ذاته بذلك الوقت ، فيحتاج إلى مخصص ~~آخر فيلزمهم في الإيجاد ما لزم المعتزلة في الإرادة الحادثة ، ومن قال منهم ~~إن ذلك الإيجاد هو قوله كن ، وهو صوت ، فهو محال من ثلاثة أوجه. أحدها : ~~استحالة قيام الصوت بذاته ، والآخر : أن قوله كن حادث أيضا ، فان حدث من ~~غير أن يقول له كن فليحدث العالم من غير أن يقال له كن ، فإن افتقر قوله كن ~~في أن يكون ، إلى قول آخر ، افتقر القول الآخر إلى ثالث ، والثالث إلى رابع ~~، ويتسلسل إلى غير نهاية ، ثم لا ينبغي أن يناظر من انتهى عقله إلى أن يقول ~~يحدث في ذاته بعدد كل حادث في كل وقت ، قوله كن فيجتمع آلاف آلاف أصوات في ~~كل لحظة. ومعلوم أن النون والكاف ms085 لا يمكن النطق بهما في وقت واحد بل ينبغي ~~أن تكون النون بعد الكاف لأن الجمع بين الحرفين محال وإن جمع ولم يرتب لم ~~يكن قولا مفهوما ولا كلاما ، وكما يستحيل الجمع بين حرفين مختلفين فكذلك ~~بين حرفين متماثلين ، ولا يعقل في أوان ألف ألف كاف PageV01P097 # كما لا يعقل الكاف والنون فهؤلاء حقهم أن يسترزقوا الله عقلا وهو أهم لهم ~~من الاشتغال بالنظر ، والثالث : أن قوله كن خطاب مع العالم في حالة العدم ~~أو في حالة الوجود ، فإن كان في حالة العدم فالمعدوم لا يفهم الخطاب ، فكيف ~~يمتثل بأن يتكون بقوله كن؟ وإن كان في حالة الوجود فالكائن كيف يقال له كن؟ ~~فانظر ما ذا يفعل الله تعالى بمن ضل عن سبيله فقد انتهى ركاكة عقله إلى أن ~~لا يفهم المعني بقوله تعالى ( @QUR@07 إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ) ~~(1) وأنه كناية عن نفاذ القدرة وكمالها حتى انجر بهم إلى هذه المخازي ، ~~نعوذ بالله من الخزي والفضيحة يوم الفزع الأكبر يوم تكشف الضمائر وتبلى ~~السرائر فيكشف إذ ذاك ستر الله عن خبائث الجهال ، ويقال للجاهل الذي اعتقد ~~في الله تعالى وفي صفاته غير الرأى السديد ( @QUR@012 لقد كنت في غفلة من ~~هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ) (2). # وأما الكلام فهو قديم ، وما استبعدوه من قوله تعالى ( @QUR@02 فاخلع ~~نعليك ) (3) ومن قوله تعالى ( @QUR@03 إنا أرسلنا نوحا ) (4) استبعاد ~~مستنده تقديرهم الكلام صوتا وهو محال فيه ، وليس بمحال إذ فهم كلام النفس ، ~~فإنا نقول يقوم بذات الله تعالى خبر عن إرسال نوح العبارة عنه قبل إرساله : ~~إنا نرسله ، وبعد إرساله : إنا أرسلنا ، واللفظ يختلف باختلاف الأحوال ~~والمعنى القائم بذاته تعالى لا يختلف ، فإن حقيقته أنه خبر متعلق بمخبر ذلك ~~الخبر هو إرسال نوح في الوقت المعلوم وذلك لا يختلف باختلاف الأحوال كما ~~سبق في العلم ، وكذلك قوله ( @QUR@02 فاخلع نعليك ) لفظة تدل على الأمر ~~والأمر اقتضاء وطلب يقوم بذات الأمر وليس شرط قيامه به أن يكون المأمور ~~موجودا ولكن يجوز PageV01P098 # أن يقوم بذاته قبل وجود ms086 المأمور ، فإذا وجد المأمور كان مأمورا بذلك ~~الاقتضاء بعينه من غير تحدد اقتضاء آخر ، وكم من شخص ليس له ولد ويقوم ~~بذاته اقتضاء طلب العلم منه على تقدير وجوده ، إذ يقدر في نفسه أن يقول ~~لولده اطلب العلم وهذا الاقتضاء يتنجز في نفسه على تقدير الوجود. فلو وجد ~~الولد وخلق له عقل وخلق له علم بما في نفس الأب من غير تقدير صياغة لفظ ~~مسموع ، وقدر بقاء ذلك الاقتضاء على وجوده لعلم الابن أنه مأمور من جهة ~~الأب بطلب العلم في غير استئناف اقتضاء متجدد في النفس ، بل يبقى ذلك ~~الاقتضاء نعم العادة جارية بأن الابن لا يحدث له علم إلا بلفظ يدل على ~~الاقتضاء الباطن ، فيكون قوله بلسانه أطلب العلم ، دلالة على الاقتضاء الذي ~~في ذاته سواء حدث في الوقت أو كان قديما بذاته قبل وجود ولده ، فهكذا ينبغي ~~أن يفهم قيام الأمر بذات الله تعالى فتكون الألفاظ الدالة عليه حادثة ~~والمدلول قديما ووجود ذلك المدلول لا يستدعي وجود المأمور بل تصور وجوده ~~مهما كان المأمور مقدر الوجود ، فإن كان مستحيل الوجود ربما لا يتصور وجود ~~الاقتضاء ممن يعلم استحالة وجوده. فلذلك لا نقول إن الله تعالى يقوم بذاته ~~اقتضاء فعل ممن يستحيل وجوده. بل ممن علم وجوده ، وذلك غير محال ، فإن قيل ~~أفتقولون إن الله تعالى في الأزل آمر وناه ، فإن قلتم أنه آمر فكيف يكون ~~آمر لا مأمور له؟ وإن قلتم لا فقد صار آمرا بعد أن لم يكن. # قلنا : واختلف الأصحاب في جواب هذا ، والمختار أن تقول هذا نظر يتعلق أحد ~~طرفيه بالمعنى والآخر بإطلاق الاسم من حيث اللغة ، فأما حظ المعنى فقد ~~انكشف وهو أن الاقتضاء القديم معقول وإن كان سابقا على وجود المأمور كما في ~~حق الولد ينبغي أن يقال اسم الأمر ينطلق عليه بعد فهم المأمور ووجوده أم ~~ينطلق عليه قبله؟ وهذا أمر لفظي لا ينبغي للناظر أن يشتغل بأمثاله ، ولكن ~~الحق أنه يجوز اطلاقه عليه كما جوزوا تسمية الله تعالى قادرا قبل ms087 وجود ~~المقدور ، ولم يستبعدوا قادرا ليس له مقدور موجود بل قالوا PageV01P099 # القادر يستدعي مقدورا معلوما لا موجودا فكذلك الآمر يستدعي مأمورا معلوما ~~موجودا والمعدوم معلوم الوجود قبل الوجود ، بل يستدعي الأمر مأمورا به كما ~~يستدعي مأمورا ويستدعي آمرا أيضا والمأمور به يكون معدوما ولا يقال إنه كيف ~~يكون آمر من غير مأمور به ، بل يقال له مأمور به هو معلوم وليس يشترط كونه ~~موجودا ، بل يشترط كونه معدوما بل من أمر ولده على سبيل الوصية بأمر ثم ~~توفي فأتى الولد بما أوصي به يقال امتثل أمر والده والأمر معدوم والأمر في ~~نفسه معدوم ونحن مع هذا نطلق اسم امتثال الأمر ، فإذا لم يستبعد كون ~~المأمور ممتثلا للأمر ولا وجود للأمر ولا للآمر ولم يستبعد كون الأمر أمرا ~~قبل وجود المأمور به ، فمن أين يستدعي وجود المأمور؟ فقد انكشف من هذا حظ ~~اللفظ والمعنى جميعا ولا نظر إلا فيهما ، فهذا ما أردنا أن نذكره في ~~استحالة كونه محلا للحوادث إجمالا وتفصيلا. ### ||| ** الحكم الرابع : # إن الأسامي المشتقة لله تعالى من هذه الصفات السبعة صادقة عليه أزلا ~~وأبدا ، فهو في القدم كان حيا قادرا عالما سميعا بصيرا متكلما ، وأما ما ~~يشتق له من الأفعال كالرازق والخالق والمعز والمذل فقد اختلف في أنه يصدق ~~في الأزل أم لا ، وهذا إذا كشف الغطاء عنه تبين استحالة الخلاف فيه. # والقول الجامع أن الأسامي التي يسمى بها الله تعالى أربعة : ### |||| ** الأول : أن لا يدل إلا على ذاته كالموجود ، وهذا صادق أزلا وابدا. ### |||| ** الثاني : ما يدل على الذات مع زيادة سلب كالقديم ، فإنه يدل على وجود غير مسبوق ~~بعدم أزلا ، والباقي فإنه يدل على الوجود وسلب العدم عنه آخرا وكالواحد ~~فإنه يدل على الوجود وسلب الشريك ، وكالغنى فانه يدل على الوجود وسلب ~~الحاجة فهذا أيضا يصدق أزلا وأبدا لأن ما يسلب عنه يسلب لذاته فيلازم الذات ~~على الدوام. PageV01P100 ### |||| ** الثالث : ما يدل على الوجود وصفة زائدة من صفات المعنى كالحي والقادر والمتكلم ~~والمريد والسميع والبصير والعالم وما يرجع إلى ms088 هذه الصفات السبعة كالآمر ~~والناهي والخبير ونظائره ، فذلك أيضا يصدق عليه أزلا وأبدا عند من يعتقد ~~قدم جميع الصفات. ### |||| ** الرابع : ما يدل على الوجود مع إضافة إلى فعل من أفعاله كالجواد والرزاق والخالق ~~والمعز والمذل وأمثاله ، وهذا مختلف فيه ، فقال قوم هو صادق ازلا إذ لو لم ~~يصدق لكان اتصافه به موجبا للتغير وقال قوم لا يصدق إذ لا خلق في الأزل ~~فكيف خالقا ، والكاشف للغطاء عن هذا أن السيف في الغمد يسمى صارما وعند ~~حصول القطع به وفي تلك الحالة على الاقتران يسمى صارما ، وهما بمعنيين ~~مختلفين ، فهو في الغمد صارم بالقوة وعند حصول القطع صارم بالفعل وكذلك ~~الماء في الكوز يسمى مرويا وعند الشرب يسمى مرويا وهما إطلاقان مختلفان ~~فمعنى تسمية السيف في الغمد صارما أن الصفة التي يحصل بها القطع في الحال ~~لقصور في ذات السيف وحدته واستعداده بل لأمر آخر وراء ذاته. فبالمعنى الذي ~~يسمى السيف في الغمد صارما يصدق اسم الخالق على الله تعالى في الازل فإن ~~الخلق إذ أجري بالفعل لم يكن لتجدد أمر في الذات لم يكن ، بل كل ما يشترط ~~لتحقيق الفعل موجود في الازل ، وبالمعنى الذي يطلق حالة مباشرة القطع للسيف ~~اسم الصارم لا يصدق في الازل فهذا حظ المعنى. فقد ظهر أن من قال إنه لا ~~يصدق في الازل هذا الاسم فهو محق وأراد به المعنى الثاني ، ومن قال يصدق في ~~الأزل فهو محق وأراد به المعنى الاول ، واذا كشف الغطاء على هذا الوجه ~~ارتفع الخلاف ، فهذا تمام ما أردنا ذكره في قطب الصفات وقد اشتمل على سبعة ~~دعاو ، وتفرع عن صفة القدرة ثلاثة فروع ، وعن صفة الكلام خمسة استبعادات ، ~~واجتمع من الأحكام المشتركة بين الصفات أربعة أحكام ، فكان المجموع قريبا ~~من عشرين دعوى هي أصول الدعاوى وان كان تنبني كل دعوى على دعاوى بها يتوصل ~~إلى اثباتها فلنشتغل بالقطب الثالث من الكتاب إن شاء الله تعالى. PageV01P101 ### ||| * القطب الثالث ### ||| * (في أفعال الله تعالى وجملة أفعال جائزة لا يوصف شيء منها ms089 بالوجوب) # وندعي في هذا القطب سبعة أمور : ندعي أنه يجوز لله تعالى أن لا يكلف ~~عباده ، وأنه يجوز أن يكلفهم ما لا يطاق ، وأنه يجوز منه إيلام العباد بغير ~~عوض وجناية ، وأنه لا يجب رعاية الاصلح لهم ، وأنه لا يجب عليه ثواب الطاعة ~~وعقاب المعصية ، وأن العبد لا يجب عليه شيء بالعقل بل بالشرع ، وأنه لا يجب ~~على الله بعثه الرسل ، وأنه لو بعث لم يكن قبيحا ولا محالا بل أمكن اظهار ~~صدقهم بالمعجزة ، وجملة هذه الدعاوى تنبني على البحث عن معنى الواجب والحسن ~~والقبيح ، ولقد خاض الخائضون فيه وطولوا القول في أن العقل هل يحسن ويقبح ~~وهل يوجب ، وإنما كثر الخبط لأنهم لم يحصلوا معنى هذه الألفاظ واختلافات ~~الاصطلاحات فيها وكيف تخاطب خصمان في أن العقل واجب وهما بعد لم يفهما معنى ~~الواجب ، فهما محصلا متفقا عليه بينهما ، فلنقدم البحث عن الاصطلاحات ولا ~~بد من الوقوف على معنى ستة الفاظ وهي : الواجب ، والحسن ، والقبيح ، والعبث ~~، والسفه ، والحكمة ؛ فإن هذه الألفاظ مشتركة ومثار الأغاليط إجمالها ، ~~والوجه في أمثال هذه المباحث ان نطرح الألفاظ ونحصل المعاني في العقل ~~بعبارات أخرى ثم نلتفت إلى الألفاظ المبحوث عنها وننظر إلى تفاوت ~~الاصطلاحات فيها ، فنقول : أما الواجب فإنه يطلق على فعل لا محالة ، ويطلق ~~على القديم إنه واجب ، وعلى الشمس إذا غربت إنها واجبة ، وليس من غرضنا ، ~~وليس يخفى ان الفعل الذي لا يترجح فعله على تركه PageV01P102 # ولا يكون صدوره من صاحبه أولى من تركه لا يسمى واجبا وإن ترجح وكان أولا ~~لا يسميه أيضا بكل ترجيح بل لا بد من خصوص ترجيح. ومعلوم أن الفعل قد يكون ~~بحيث يعلم أنه يعلم أنه نستعقب تركه ضررا ، أو يتوهم ، وذلك الضرر إما عاجل ~~في الدنيا وإما آجل في العاقبة ، وهو إما قريب محتمل وإما عظيم لا يطاق ~~مثله ، فانقسام الفعل ووجوه ترجحه لهذه الأقسام ثابت في العقل من غير لفظ ~~فلنرجع إلى اللفظ فنقول : معلوم أن ما فيه ضرر قريب محتمل لا يسمى واجبا ؛ ~~إذ ms090 العطشان إذا لم يبادر الى شرب الماء تضرر تضررا قريبا ولا يقال إن الشرب ~~عليه واجب ، ومعلوم أن ما لا ضرر فيه أصلا ولكن في فعله فائدة لا يسمى ~~واجبا ، فان التجارة واكتساب المال والنوافل فيه فائدة ولا يسمى واجبا ، بل ~~المخصوص باسم الواجب ما في تركه ضرر ظاهر فإن كان ذلك في العاقبة أعني ~~الآخرة ، وعرف بالشرع فنحن نسميه واجبا ، وإن كان ذلك في الدنيا وعرف ~~بالعقل فقد يسمى أيضا ذلك واجبا ، فإن من لا يعتقد الشرع قد يقول واجب على ~~الجائع الذي يموت من الجوع أن يأكل إذا وجد الخبز ونعني بوجوب الأكل ترجح ~~فعله على تركه بما يتعلق من الضرر بتركه ، ولسنا نحرم هذا الاصطلاح بالشرع ~~فإن الاصطلاحات مباحة لا حجر فيها للشرع ولا للعقل ، وإنما تمنع منه اللغة ~~إذا لم يكن على وفق الموضوع المعروف فقد تحصلنا على معنيين للواجب ورجع ~~كلاهما إلى التعرض للضرر وكان أحدهما أعم لا يختص بالآخرة ، والآخر أخص وهو ~~اصطلاحنا ، وقد يطلق الواجب بمعنى ثالث وهو الذي يؤدي عدم وقوعه إلى أمر ~~محال ، كما يقال : ما علم وقوعه فوقوعه واجب ، ومعناه أنه إن لم يقع يؤدي ~~إلى أن ينقلب العلم جهلا وذلك محال ، فيكون معنى وجوبه أن ضده محال ، فليسم ~~هذا المعنى الثالث الواجب. # وأما الحسن فحظ المعنى منه أن الفعل في حق الفاعل ينقسم إلى ثلاثة أقسام ~~أحدها أن توافقه أي تلائم غرضه ، والثاني أن ينافر غرضه ، والثالث PageV01P103 # أن لا يكون له في فعله ولا في تركه غرض ، وهذا الانقسام ثابت في العقل ؛ ~~فالذي يوافق الفاعل يسمى حسنا في حقه ولا معنى لحسنه إلا موافقته لغرضه ، ~~والذي ينافي غرضه يسمى قبيحا ولا معنى لقبحه الا منافاته لغرضه ، والذي لا ~~ينافي ولا يوافق يسمى عبثا أي لا فائدة فيه أصلا ، وفاعل العبث يسمى عابثا ~~وربما يسمى سفيها ، وفاعل القبيح أعني الفعل الذي ينضر به يسمى سفيها واسم ~~السفيه أصدق منه على العابث ، وهذا كله إذا لم يلتفت إلى غير الفاعل أو ms091 لم ~~يرتبط الفعل بغرض غير الفاعل ، فإن ارتبط بغير الفاعل وكان موافقا لغرضه ~~سمي حسنا في حق من وافقه وإن كان منافيا سمي قبيحا ، وإن كان موافقا لشخص ~~دون شخص سمي في حق أحدهما حسنا وفي حق الآخر قبيحا إذ اسم القبيح والحسن ~~بأن الموافقة والمخالفة ، وهما أمران إضافيان ، مختلفان بالأشخاص ويختلف في ~~حق شخص واحد بالأحوال ويختلف في حال واحد بالأعراض ؛ فرب فعل يوافق الشخص ~~من وجه ويخالفه من وجه فيكون حسنا من وجه قبيحا من وجه ، فمن لا ديانة له ~~يستحسن الزنا بزوجة الغير ويعد الظفر بها نعمة ويستقبح فعل الذي يكشف عورته ~~ويسميه غمازا قبيح الفعل والمتدين يسميه محتسبا حسن الفعل ، وكل بحسب غرضه ~~يطلق اسم الحسن والقبح بل يقتل ملك من الملوك فيستحسن فعل القاتل جميع ~~أعدائه ويستقبحه جميع أوليائه ، بل هذا القاتل في الحسن المخصوص جار ، ففي ~~الطباع ما خلق مائلا من الألوان الحسان إلى السمرة ، فصاحبه يستحسن الأسمر ~~ويعشقه ، والذي خلق مائلا إلى البياض المشرب بالحمرة يستقبحه ويستكرهه ~~ويسفه عقل المستحسن المستهتر به ؛ فبهذا يتبين على القطع أن الحسن والقبيح ~~عبارتان عن الخلق كلهم عن أمرين إضافيين يختلفان بالإضافات عن صفات الذوات ~~التي لا تختلف بالإضافة ، فلا جرم جاز أن يكون الشيء حسنا في حق زيد قبيحا ~~في حق عمرو ولا يجوز أن يكون الشيء أسود في حق زيد أبيض في حق عمرو لما لم ~~تكن الألوان من الأوصاف الإضافية ؛ فإذا فهمت المعنى فافهم أن الاصطلاح في لفظ PageV01P104 # الحسن أيضا ثلاثة : فقائل يطلقه على كل ما يوافق الغرض عاجلا كان او آجلا ~~؛ وقائل يخصص بما يوافق الغرض في الآخر وهو الذي حسنه الشرع أي حث عليه ~~ووعد بالثواب عليه وهو اصطلاح أصحابنا ، والقبيح عند كل فريق ما يقابل ~~الحسن ، فالأول أعم وهذا أخص ، وبهذا الاصطلاح قد يسمي بعض من لا يتحاشى ~~فعل الله تعالى قبيحا إذ كان لا يوافق غرضهم ، ولذلك تراهم يسبون الفلك ~~والدهر ويقولون خرف الفلك وما أقبح أفعاله ويعلمون ان الفاعل ms092 خالق الفلك ؛ ~~ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تسبوا الدهر ، فإن الله هو الدهر ~~(1)؛ وفيه اصطلاح ثالث إذ قد يقال فعل الله تعالى حسن كيف كان مع انه لا ~~غرض في حقه ؛ ويكون معناه أنه لا تبعة عليه فيه ولا لائمة وأنه فاعل في ~~ملكه الذي لا يساهم فيه ما يشاء ، وأما الحكمة فتطلق على معنيين : أحدهما ~~الاحاطة المجردة بنظم الأمور ومعانيها الدقيقة والجليلة والحكم عليها بأنها ~~كيف ينبغي أن تكون حتى تتم منها الغاية المطلوبة بها ، والثاني أن تنضاف ~~إليه القدرة على إيجاد الترتيب والنظام واتقانه وإحكامه فيقال حكيم من ~~الحكمة ، وهو نوع من العلم ، ويقال حكيم من الأحكام وهو نوع من الفعل ، فقد ~~اتضح لك معنى هذه الألفاظ في الأصل ولكن هاهنا ثلاث غلطات للوهم يستفاد من ~~الوقوف عليها الخلاص من إشكالات تغتر بها طوائف كثيرة : ### |||| ** الغلطة الأولى : أن الإنسان قد يطلق اسم القبيح على ما يخالف غرضه وإن كان يوافق غرض غيره ، ~~ولكنه لا يلتفت إلى الغير ، فكل طبع مشغوف بنفسه ومستحقر ما عداه ولذلك ~~يحكم على الفعل مطلقا بأنه قبيح وقد يقول أنه قبيح في عينه ، وسببه أنه ~~قبيح في حقه بمعنى أنه مخالف لغرضه ، ولكن أغراضه كأنه كل العالم في حقه ~~فيتوهم أن المخالف لحقه مخالف في نفسه ، فيضيف القبح إلى ذات الشيء ويحكم ~~بالإطلاق ؛ فهو مصيب في أصل PageV01P105 # الاستقباح ولكنه مخطئ في حكمه بالقبح على الاطلاق ؛ وفي إضافة القبح إلى ~~ذات الشيء ومنشؤه غفلته عن الالتفات إلى غيره ، بل عن الالتفات إلى بعض ~~أحوال نفسه ، فإنه قد يستحسن في بعض أحواله غير ما يستقبحه مهما انقلب ~~موافقا لغرضه. ### |||| ** الغلطة الثانية فيه : أن ما هو مخالف للأغراض في جميع الأحوال إلا في حالة نادرة ، فقد يحكم ~~الإنسان عليه مطلقا بأنه قبيح لذهوله عن الحالة النادرة ورسوخ غالب الأحوال ~~في نفسه واستيلائه على ذكره ، فيقضي مثلا على الكذب بأنه قبيح مطلقا في كل ~~حال وأن قبحه لأنه كذب لذاته فقط لا لمعنى زائد ms093 ، وسبب ذلك غفلته عن ارتباط ~~مصالح كثيرة بالكذب في بعض الأحوال ، ولكن لو وقعت تلك الحالة ربما نفر ~~طبعه عن استحسان الكذب لكثرة إلفه باستقباحه ، وذلك لأن الطبع ينفر عنه من ~~أول الصبا بطريق التأديب والاستصلاح ، ويلقي إليه أن الكذب قبيح في نفسه ~~وأنه لا ينبغي أن يكذب قط ، فهو قبيح ولكن بشرط يلازمه في أكثر الأوقات ~~وإنما يقع نادرا ، فلذلك لا ينبه على ذلك الشرط ويغرس في طبعه قبحه ~~والتنفير عنه مطلقا. ### |||| ** الغلطة الثالثة : سبق الوهم إلى العكس ، فإن ما رئي مقرونا بالشيء يظن أن الشيء أيضا لا ~~محالة يكون مقرونا به مطلقا ولا يدري أن الأخص أبدا يكون مقرونا بالأعم ، ~~وأما الأعم فلا يلزم أن يكون مقرونا بالأخص. ومثاله ما يقال من أن السليم ، ~~أعني الذي نهشته الحية ، يخاف من الحبل المبرقش اللون ، وهو كما قيل ، ~~وسببه أنه أدرك المؤذي وهو متصور بصورة حبل مبرقش ، فاذا أدرك الحبل سبق ~~الوهم إلى العكس وحكم بأنه مؤذ فينفر الطبع تابعا للوهم والخيال وإن كان ~~العقل مكذبا به ، بل الانسان قد ينفر عن أكل الخبيص الأصفر لشبهه بالعذرة ، ~~فيكاد يتقيأ عند قول القائل إنه عذرة ، يتعذر عليه تناوله مع كون العقل ~~مكذبا به ، وذلك لسبق الوهم إلى العكس فإنه أدرك المستقذر رطبا أصفر فإذا ~~رأى الرطب الأصفر حكم PageV01P106 # بأنه مستقذر ، بل في الطبع ما هو أعظم من هذا فإن الأسامي التي تطلق ~~عليها الهنود والزنوج لما كان يقترن بها قبح المسمى به يؤثر في الطبع ويبلغ ~~إلى حد لو سمى به أجمل الأتراك والروم لنفر الطبع عنه ، لأنه ادرك الوهم ~~القبيح مقرونا بهذا الاسم فيحكم بالعكس ، فإذا أدرك الاسم حكم بالقبح على ~~المسمى ونفر الطبع. وهذا مع وضوحه للعقل فلا ينبغي أن يغفل عنه لأن إقدام ~~الخلق وإحجامهم في أقوالهم وعقائدهم وأفعالهم تابع لمثل هذه الأوهام. وأما ~~اتباع العقل الصرف فلا يقوى عليه إلا أولياء الله تعالى الذين أراهم الله ~~الحق حقا وقواهم على اتباعه ، وان اردت ان تجرب هذا في ms094 الاعتقادات فأورد ~~على فهم العامي المعتزلي مسألة معقولة جلية فيسارع إلى قبولها ، فلو قلت له ~~إنه مذهب الأشعري رضي الله عنه لنفر وامتنع عن القبول وانقلب مكذبا بعين ما ~~صدق به مهما كان سيئ الظن بالأشعري ، إذ كان قبح ذلك في نفسه منذ الصبا ، ~~وكذلك تقرر أمرا معقولا عند العامي الأشعري ثم تقول له إن هذا قول المعتزلي ~~فينفر عن قبوله بعد التصديق ويعود لى التكذيب ، ولست أقول هذا طبع العوام ~~بل طبع اكثر من رأيته من المتوسمين باسم العلم ؛ فإنهم لم يفارقوا العوام ~~في أصل التقليد بل أضافوا الى تقليد المذهب تقليد الدليل فهم في نظرهم لا ~~يطلبون الحق بل يطلبون طريق الحيلة في نصرة ما اعتقدوه حقا بالسماع ~~والتقليد ، فان صادفوا في نظرهم ما يؤكد عقائدهم قالوا قد ظفرنا بالدليل ، ~~وإن ظهر لهم ما يضعف مذهبهم قالوا قد عرضت لنا شبهة ، فيضعون الاعتقاد ~~المتلقف بالتقليد أصلا وينبزون بالشبهة كل ما يخالفه ، وبالدليل كلى ما ~~يوافقه ، وانما الحق ضده ؛ وهو أن لا يعتقد شيئا أصلا وينظر إلى الدليل ~~ويسمي مقتضاه حقا ونقيضه باطلا وكل ذلك منشؤه الاستحسان والاستقباح بتقديم ~~الإلفة والتخلق بأخلاق منذ الصبا ، فإذا وقفت على هذه المثارات سهل عليك ~~دفع الاشكالات. فان قيل : فقد رجع كلامكم إلى ان الحسن والقبيح يرجعان إلى ~~الموافقة والمخالفة للاغراض ، ونحن نرى العاقل يستحسن ما لا فائدة PageV01P107 # له فيه ويستقبح ما له فيه فائدة ، أما الاستحسان فمن رأى إنسانا أو ~~حيوانا مشرفا على الهلاك استحسن إنقاذه ولو بشربة ماء مع أنه ربما لا يعتقد ~~الشرع ولا يتوقع منه غرضا في الدنيا ولا هو بمرأى من الناس حتى ينتظر عليه ~~ثناء بل يمكن أن يقدر انتفاء كل غرض ومع ذلك يرجح جهة الانقاذ على جهة ~~الاهمال بتحسين هذا وتقبيح ذلك ، وأما الذي يستقبح مع الأغراض ، كالذي يحمل ~~على كلمة الكفر بالسيف والشرع قد رخص له في اطلاقها ، فانه قد يستحسن منه ~~الصبر على السيف وترك النطق به ، أو الذي لا يعتقد الشرع وحمل ms095 بالسيف على ~~نقض عهد ، ولا ضرر عليه في نقضه وفي الوفاء به هلاكه ، فانه يستحسن الوفاء ~~بالعهد والامتناع من النقض ، فبان أن الحسن والقبح معنى سوى ما ذكرتموه. ~~والجواب أن في الوقوف على الغلطات المذكورة ما يشفي هذا الغليل ، أما ترجيح ~~الانقاذ على الاهمال في حق من لا يعتقد الشرع فهو دفع للأذى الذي يلحق ~~الانسان في رقة الجنسية ، وهو طبع يستحيل الانفكاك عنه. ولأن الانسان يقدر ~~نفسه في تلك البلية ويقدر غيره قادرا على انقاذه مع الإعراض عنه ، ويجد من ~~نفسه استقباح ذلك فيعود عليه ويقدر ذلك من المشرف على الهلاك في حق نفسه ~~فينفره طبعه عما يعتقده من أن المشرف على الهلاك في حقه ، فيندفع ذلك عن ~~نفسه بالانقاذ. فان فرض ذلك في بهيمة لا يتوهم استقباحها أو فرض في شخص لا ~~رقة فيه ولا رحمة فهذا مجال تصوره ، اذ الانسان لا ينفك عنه فان فرض على ~~الاستحالة فيبقى أمر آخر وهو الثناء بحسن الخلق والشفقة على الخلق. فإن فرض ~~حيث لا يعلمه أحد فهو ممكن أن يعلمه ، فإن فرض في موضع يستحيل أن يعلم ~~فيبقى أيضا ترجيح في نفسه وميل يضاهي نفرة طبع السليم عن الخبل ، وذلك أنه ~~رأى الثناء مقرونا بمثل هذا الفعل على الاطراد. وهو يميل إلى الثناء فيميل ~~إلى المقرون به. وإن علم بعقله عدم الثناء ، كما انه لما رأى الأذى مقرونا ~~بصورة الحبل ، وطبعه ينفر عن الأذى فينفر عن المقرون به ، وان علم بعقله ~~عدم الأذى بل الطبع إذا رأى من بعشقه في PageV01P108 # موضع وطال معه أنسه فيه فانه يحس من نفسه تفرقة بين ذلك الموضع وحيطانه ~~وبين سائر المواضع ولذلك قال الشاعر : # أمر على جدار ديار ليلى %~% أقبل ذا الجدار وذا الجدارا وما تلك الديار شغفن قلبي %~% ولكن حب من سكن الديارا # وقال ابن الرومي منبها على سبب حب الناس الأوطان ونعم ما قال : # وحبب أوطان الرجال إليهم %~% مآرب قضاها الشباب هنالكا إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم %~% عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا # وإذا ms096 تتبع الانسان الأخلاق والعادات رأى شواهد هذا خارجة عن الحصر ، فهذا ~~هو السبب الذي هو غلط المغترين بظاهر الامور ، الذاهلين عن اسرار أخلاق ~~النفوس ، الجاهلين بأن هذا الميل وأمثاله يرجع إلى طاعة النفس بحكم الفطرة ~~والطبع بمجرد الوهم. والخيال الذي هو غلط يحكم العقل ولكن خلقت قوى النفس ~~مطيعة للأوهام والتخيلات بحكم اجراء العادات ، حتى إذا تخيل الإنسان طعاما ~~طيبا بالتذكر أو بالرؤية سال في الحال لعابه وتحلبت أشداقه ، وذلك بطاعة ~~القوة التي سخرها الله تعالى لإفاضة اللعاب المعين على المضغ للتخيل والوهم ~~، فإن شأنها أن تنبعث بحسب التخيل وإن كان الشخص عالما بأنه ليس يريد ~~الإقدام على الأكل بصوم أو بسبب آخر وكذلك يتخيل الصورة الجميلة التي يشتهي ~~مجامعتها ، فكما ثبت ذلك في الخيال انبعثت القوة الناشرة لآلة الفعل وساقت ~~الرياح إلى تجاويف الأعصاب وملأتها ، وثارت القوة المأمورة بصب المذي الرطب ~~المعين على الوقاع ، وذلك كله مع التحقيق بحكم العقل للامتناع عن الفعل في ~~ذلك الوقت. ولكن الله تعالى خلق هذه القوى بحكم طرد العادة مطيعة مسخرة تحت ~~حكم الخيال ، والوهم ساعد العقل الوهم او لم يساعده ، فهذا وأمثاله منشأ ~~الغلط في سبب ترجيح أحد جانبي الفعل على الآخر ، وكل ذلك راجع إلى الأغراض. ~~فأما النطق بكلمة الكفر وان كان كذلك فلا يستقبحه العاقل تحت السيف البتة PageV01P109 # بل ربما يستقبح الاصرار ، فان استحسن الاصرار فله سببان : أحدهما ، ~~اعتقاده أن الثواب على الصبر والاستسلام اكثر ، والآخر ، ما ينتظر من من ~~الثناء عليه بصلابته في الدين ، فكم من شجاع يمتطي متن الخطر ويتهجم على ~~عدد يعلم أنه لا يطيقهم ويستحقر ما يناله بما يعتاضه عنه من لذة الثناء ~~والحمد بعد موته وكذلك الامتناع عن نقض العهد بسببه ثناء الخلق على من يفي ~~بالعهد ، وتواصيهم به على مر الأوقات لما فيها من مصالح الناس. فإن قدر حيث ~~لا ينتظر ثناء فسببه حكم الوهم من حيث أنه لم يزل مقرونا بالثناء الذي هو ~~لذيذ ، والمقرون باللذيذ لذيذ ، كما أن المقرون بالمكروه مكروه كما ms097 سبق في ~~الأمثلة ، فهذا ما يحتمله هذا المختصر من بث أسرار هذا الفصل ، وإنما يعرف ~~قدره من طال في المعقولات نظره ، وقد استفدنا بهذه المقدمة إيجاز الكلام في ~~الدعاوى فلنرجع إليها. ### ||| ** الدعوى الأولى : # ندعي أنه يجوز لله تعالى أن لا يخلق الخلق ، وإذا خلق فلم يكن ذلك واجبا ~~عليه ، وإذا خلقهم فله أن لا يكلفهم ، وإذا كلفهم فلم يكن ذلك واجبا عليه ، ~~وقالت طائفة من المعتزلة يجب عليه الخلق والتكليف بعد الخلق. وبرهان الحق ~~فيه أن نقول : قول القائل الخلق والتكليف واجب ، غير مفهوم ؛ فإنا بينا أن ~~المفهوم عندنا من لفظ الواجب ما ينال تاركه ضرر ، إما عاجلا وإما آجلا ، أو ~~ما يكون نقيضه محال ، والضرر محال في حق الله تعالى ، وليس في ترك التكليف ~~وترك الخلق لزوم محال ، إلا أن يقال كان يؤدي ذلك إلى خلاف ما سبق به العلم ~~في الأزل وما سبقت به المشيئة في الأزل ، فهذا حق وهو بهذا التأويل واجب ، ~~فإن الإرادة إذا فرضت موجودة ، أو العلم إذا فرض متعلقا بالشيء ، كان حصول ~~المراد والمعلوم واجبا لا محالة ، فان قيل : إنما يجب عليه ذلك لفائدة ~~الخلق لا لفائدة ترجع إلى الخالق سبحانه وتعالى ، قلنا : الكلام في قولكم ~~لفائدة الخلق للتعليل ، PageV01P110 # والحكم المعلل هو الوجوب ، ونحن نطالبكم بتفهيم الحكم فلا يعنيكم ذكر ~~العلة ؛ فما معنى قولكم إنه يجب لفائدة الخلق وما معنى الوجوب ونحن لا نفهم ~~من الوجوب إلا المعاني الثلاثة ، وهي منعدمة ، فإن أردتم معنى رابعا ففسروه ~~أولا ثم اذكروا علته ، فإنا ربما لا ننكر أن للخلق في الخلق فائدة ، وكذا ~~في التكليف ، ولكن ما فيه فائدة غيره لم يجب عليه إذا لم يكن له فائدة في ~~فائدة غيره. وهذا لا مخرج عنه أبدا. على أنا نقول انما يستقيم هذا الكلام ~~في الخلق لا في التكليف ، ولا يستقيم في هذا الخلق الموجود بل في ان يخلقهم ~~في الجنة متنعمين ، من غيرهم وضرر وغم وألم ، وأما هذا الخلق الموجود ~~فالعقلاء كلهم قد تمنوا العدم ، وقال بعضهم ms098 : ليتني كنت نسيا منسيا ، وقال ~~آخر ليتني لم أك شيئا ، وقال آخر ليتني كنت تبنة رفعها من الأرض ، قال آخر ~~يشير إلى طائر ليتني كنت ذلك الطائر ، وهذا قول الأنبياء والأولياء وهم ~~العقلاء ، فبعضهم يتمنى عدم الخلق وبعضهم يتمنى عدم التكليف بأن يكون جمادا ~~أو طائرا ، فليت شعري كيف يستجيز العاقل في أن يقول : للخلق في التكليف ~~فائدة وانما معنى الفائدة نفي الكلفة ، والتكليف في عينه إلزام كلفة وهو ~~ألم ، وإن نظر إلى الثواب فهو الفائدة ، وكان قادرا على ايصاله إليهم بغير ~~تكليف. فإن قيل : الثواب إذا كان باستحقاق كان ألذ وأوقع من أن يكون ~~بالامتنان والابتداء ، والجواب : أن الاستعاذة بالله تعالى من عقل ينتهي ~~إلى التكبر على الله عز وجل والترفع من احتمال منته وتقدير اللذة في الخروج ~~من نعمته أولى من الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم ؛ وليت شعري كيف يعد ~~من العقلاء من يخطر بباله مثل هذه الوساوس ، ومن يستثقل المقام أبد الآباد ~~في الجنة من غير تقدم تعب وتكليف أخس من أن يناظر أو يخاطب ، هذا لو سلم أن ~~الثواب بعد التكليف يكون مستحقا ، وسنبين نقيضه ، ثم ليت شعري الطاعة التي ~~بها يستحق الثواب من أين وجدها العبد؟ وهل لها سبب سوى وجوده وقدرته ~~وإرادته وصحة أعضائه وحضور PageV01P111 # أسبابه؟ وهل لكل ذلك مصدر إلا فضل الله ونعمته ؛ فنعوذ بالله من الانخلاع ~~عن غريزة العقل بالكلية ، فإن هذا الكلام من هذا النمط ، فينبغي ان يسترزق ~~الله تعالى عقلا لصاحبه ولا يشتغل بمناظرته. ### ||| ** الدعوى الثانية : # إن الله تعالى أن يكلف العباد ما يطيقونه وما لا يطيقونه ، وذهب المعتزلة ~~إلى انكار ذلك ، ومعتقد أهل السنة أن التكليف له حقيقة في نفسه وهو أنه ~~كلام وله مصدر وهو المكلف ، ولا شرط فيه إلا كونه متكلما ، وله مورد وهو ~~المكلف وشرطه أن يكون فاهما للكلام فلا يسمى الكلام مع الجماد والمجنون ~~خطابا ولا تكليفا ، والتكليف نوع خطاب وله متعلق وهو المكلف به وشرطه أن ~~يكون مفهوما فقط ، وأما كونه ممكنا فليس بشرط ms099 لتحقيق الكلام فإن التكليف ~~كلام ، فإذا صدر ممن يفهم مع من يفهم فيما يفهم وكان المخاطب دون المخاطب ~~سمي تكليفا ، وإن كان مثله سمي التماسا ، وإن كان فوقه سمي دعاء وسؤالا ، ~~فالاقتضاء في ذاته واحد وهذه الأسامي تختلف عليه باختلاف النسبة ، وبرهان ~~جواز ذلك أن استحالته لا تخلو إما أن تكون لامتناع تصور ذاته ، كاجتماع ~~السواد والبياض ، أو كان لأجل الاستقباح ، وباطل أن يكون امتناعه لذاته ، ~~فإن السواد والبياض لا يمكن أن يفرض مجتمعا ، وفرض هذا ممكن إذ التكليف لا ~~يخلو إما أن يكون لفظا وهو مذهب الخصم وليس بمستحيل أن يقول الرجل لعبده ~~الزمن قم. فهو على مذهبهم أظهر وأما نحن فإنا نعتقد أنه اقتضاء يقوم بالنفس ~~، وكما بتصور أن يقوم اقتضاء القيام بالنفس من قادر فيتصور ذلك من عاجز بل ~~ربما يقوم ذلك بنفسه من قادر ثم يبقى ذلك الاقتضاء ونظر الزمانة والسيد لا ~~يدري ويكون الاقتضاء قائما بذاته وهو اقتضاء قائم من عاجز في علم الله ~~تعالى ، وإن لم يكن معلوما عند المقتضي فإن علمه لا يحيل بقاء الاقتضاء مع ~~العلم بالعجز عن الوفاء وباطل أن يقال بطلان ذلك من جهة الاستحسان ، PageV01P112 # فإن كلامنا في حق الله تعالى ، وذلك باطل في حقه لتنزهه عن الأغراض ورجوع ~~ذلك إلى الأغراض ، أما الانسان العاقل المضبوط بغالب الأمر فقد يستقبح ذلك ~~وليس ما يستقبح من العبد يستقبح من الله تعالى ، فإن قيل : فهو مما لا ~~فائدة فيه وما لا فائدة فيه فهو عبث والعبث على الله تعالى محال. قلنا : ~~هذه ثلاث دعاوى : ### |||| ** الأولى : إنه لا فائدة فيه ، ولا نسلم ، فلعل فيه فائدة لعباد اطلع الله عليها ، ~~وليست الفائدة هي الامتثال والثواب عليه بل ربما يكون في إظهار الأمر وما ~~يتبعه من اعتقاد التكليف فائدة ، فقد ينسخ الأمر قبل الامتثال كما أمر ~~ابراهيم عليه السلام بذبح ولده ثم نسخه قبل الامتثال ، وأمر أبا جهل ~~بالايمان وأخبر أنه لا يؤمن وخلاف خبره محال. ### |||| ** الدعوى الثانية : إن ما لا فائدة فيه فهو عبث ms100 ، فهذا تكرير عبارة ؛ فإنا بينا أنه لا يراد ~~بالعبث إلا ما لا فائدة فيه فإن أريد به غيره فهو غير مفهوم. ### |||| ** الدعوى الثالثة : إن العبث على الله تعالى محال ، وهذا فيه تلبيس ، لأن لأن العبث عبارة عن ~~فعل لا فائدة فيه ممن يتعرض للفوائد ، فمن لا يتعرض لها فتسميته عابثا مجاز ~~محض لا حقيقة له يضاهي قول القائل الريح عابثة بتحريكها الأشجار إذ لا ~~فائدة لها فيه ، ويضاهي قول القائل الجدار غافل أي هو خال عن العلم والجهل ~~وهذا باطل لأن الغافل يطلق على القابل للجهل والعلم إذا خلا عنهما ، ~~فاطلاقهما على الذي لا يقبل العلم مجاز لا أصل له ، وكذلك اطلاق اسم العابث ~~على الله تعالى واطلاق العبث على افعاله سبحانه وتعالى ، والدليل الثاني في ~~المسألة ، ولا محيص لأحد عنه ، أن الله تعالى كلف أبا جهل أن يؤمن وعلم أنه ~~لا يؤمن ، وأخبر عنه بأنه لا يؤمن ، فكأنه أمر بأن يؤمن بأنه لا يؤمن ، إذ ~~كان من قول الرسول صلى الله عليه وسلم إنه لا يؤمن وكان هو مأمورا بتصديقه ، ~~فقد قيل له صدق بأنك لا تصدق ، وهذا محال ، وتحقيقه أن خلاف المعلوم محال ~~وقوعه ولكن ليس محالا لذاته ، PageV01P113 # بل هو محال لغيره ، والمحال لغيره في امتناع الوقوع كالمحال لذاته ، ومن ~~قال إن الكفار الذين لم يؤمنوا ما كانوا مأمورين بالايمان فقد جحد الشرع ، ~~ومن قال كان الايمان منهم متصورا مع علم الله سبحانه وتعالى بأنه لا يقع ، ~~فقد اضطر كل فريق إلى القول بتصور الأمر بما لا يتصور امتثاله ، ولا يغني ~~عن هذا قول القائل إنه كان مقدورا عليه وكان للكافر عليه قدرة ، أما على ~~مثلنا فلا قدرة قبل الفعل ولم تكن لهم قدرة إلا على الكفر الذي صدر منهم ، ~~وأما عند المعتزلة فلا يمتنع وجود القدرة ولكن القدرة غير كافية لوقوع ~~المقدور بل له شرط كالارادة وغيرها ، ومن شروطه أن لا ينقلب علم الله تعالى ~~جهلا ، والقدرة لا تراد لعينها بل لتيسير الفعل بها ، فكيف يتيسر فعل ms101 يؤدي ~~إلى انقلاب العلم جهلا؟ فاستبان أن هذا واقع في ثبوت التكليف بما هو محال ~~لغيره ، فكذا يقاس عليه ما هو محال لذاته إذ لا فرق بينهما في إمكان التلفظ ~~ولا في تصور الاقتضاء ولا في الاستقباح والاستحسان. ### ||| ** الدعوى الثالثة : # ندعي أن الله تعالى قادر على إيلام الحيوان البريء عن الجنايات ولا يلزم ~~عليه ثواب ، وقالت المعتزلة إن ذلك محال لأنه قبيح ، ولذلك لزمهم المصير ~~إلى أن كل بقة وبرغوث أو ذي بعرة أو صدمة فإن الله عز وجل يجب عليه أن يحشره ~~ويثيبه عليه بثواب ، وذهب ذاهبون إلى أن أرواحها تعود بالتناسخ إلى أبدان ~~أخر وينالها من اللذة ما يقابل تعبها ؛ وهذا مذهب لا يخفى فساده ، ولكنا ~~نقول : أما إيلام البريء عن الجناية من الحيوان والأطفال والمجانين فمقدور ~~بما هو مشاهد محسوس ، فيبقى قول الخصم إن ذلك يوجب عليه الحشر والثواب بعد ~~ذلك فيعود إلى معنى الواجب ، وقد بان استحالته في حق الله تعالى ، وإن ~~فسروه بمبنى رابع فهو غير مفهوم ، وإن زعموا أن تركه يناقض كونه حكيما ~~فنقول : إن الحكمة إن أريد بها العلم بنظام الأمور والقدرة PageV01P114 # على ترتيبها كما سبق فليس في هذا ما يناقضه ، وإن أريد بها أمرا آخر فليس ~~يجب له عندنا من الحكم إلا ما ذكرناه ، وما وراء ذلك لفظ لا معنى له. # فإن قيل فيؤدي إلى أن يكون ظالما وقد قال : ( @QUR@04 وما ربك بظلام ~~للعبيد ) (1) قلنا : الظلم منفي عنه بطريق السلب المحض كما تسلب الغفلة عن ~~الجدار والعبث عن الريح ، فإن الظلم إنما يتصور ممن يمكن أن يصادف فعله ملك ~~غيره ، ولا يتصور ذلك في حق الله تعالى أو يمكن أن يكون عليه أمر فيخالف ~~فعله أمر غيره ، ولا يتصور من الانسان أن يكون ظالما لما في ملك نفسه بكل ~~ما يفعله إلا إذا خالف أمر الشرع فيكون ظالما بهذا المعنى ، فمن لا يتصور ~~منه أن يتصرف في ملك غيره ولا يتصور منه أن يكون تحت أمر غيره كان الظلم ~~مسلوبا عنه لفقد ms102 شرطه المصحح له لا لفقده في نفسه ، فلتفهم هذه الدقيقة ~~فانها مزلة القدم ، فإن فسر الظلم بمعنى سوى ذلك فهو غير مفهوم ولا يتكلم ~~فيه بنفي ولا إثبات. ### ||| ** الدعوى الرابعة : # ندعي أنه لا يجب عليه رعاية الأصلح لعباده ، بل له أن يفعل ما يشاء ويحكم ~~بما يريد ، خلافا للمعتزلة فإنهم حجروا على الله تعالى في أفعاله وأوجبوا ~~عليه رعاية الأصلح. ويدل على بطلان ذلك ما دل على نفي الوجوب على الله ~~تعالى كما سبق وتدل عليه المشاهدة والوجود ، فإنا نريهم من أفعال الله ~~تعالى ما يلزمهم الاعتراف به بأنه لا صلاح للعبيد فيه ، فإنا نفرض ثلاثة ~~أطفال مات أحدهم وهو مسلم في الصبا ، وبلغ الآخر وأسلم ومات مسلما بالغا ، ~~وبلغ الثالث كافرا ومات على الكفر ، فإن العدل عندهم أن يخلد الكافر البالغ ~~في النار ، وأن يكون للبالغ المسلم في الجنة رتبة فوق رتبة الصبي المسلم ، ~~فاذا قال الصبي المسلم : يا رب لم حططت رتبتي عن رتبته؟ PageV01P115 # فيقول : لأنه بلغ فأطاعني وأنت لم تطعني بالعبادات بعد البلوغ ، فيقول : ~~يا رب لأنك أمتني قبل البلوغ فكان صلاحي في أن تمدني بالحياة حتى أبلغ ~~فأطيع فأنال رتبته فلم حرمتني هذه الرتبة أبد الآبدين وكنت قادرا على أن ~~توصلني لها؟ فلا يكون له جواب إلا أن يقول : علمت أنك لو بلغت لعصيت وما ~~أطعت وتعرضت لعقابي وسخطي فرأيت هذه الرتبة النازلة أولى بك وأصلح لك من ~~العقوبة ، فينادي الكافر البالغ من الهاوية ويقول : يا رب أو ما علمت أني ~~إذا بلغت كفرت فلو أمتني في الصبا وأنزلتني في تلك المنزلة النازلة لكان ~~أحب إلي من تخليد النار وأصلح لي ، فلم أحييتني وكان الموت خيرا لي؟ فلا ~~يبقى له جواب البتة ، ومعلوم أن هذه الأقسام الثلاثة موجودة ، وبه يظهر على ~~القطع أن الأصلح للعباد كلهم ليس بواجب ولا هو موجود. ### ||| ** الدعوى الخامسة : # ندعي أن الله تعالى إذا كلف العباد فأطاعوه لم يجب عليه الثواب ، بل إن ~~شاء أثابهم وإن شاء عاقبهم وإن شاء أعدمهم ولم ms103 يحشرهم ، ولا يبالي لو غفر ~~لجميع الكافرين وعاقب جميع المؤمنين ، ولا يستحيل ذلك في نفسه ولا يناقض ~~صفة من صفات الإلهية ، وهذا لأن التكليف تصرف في عبيده ومماليكه ، أما ~~الثواب ففعل آخر على سبيل الابتداء ، وكونه واجبا بالمعاني الثلاثة غير ~~مفهوم ولا معنى للحسن والقبيح ، وإن أريد له معنى آخر فليس بمفهوم إلا أن ~~يقال إنه يصير وعده كذبا وهو محال ، ونحن نعتقد الوجوب بهذا المعنى ولا ننكره. # فإن قيل : التكليف مع القدرة على الثواب وترك الثواب قبيح ، قلنا : إن ~~عنيتم بالقبح أنه مخالف غرض المكلف فقد تعالى المكلف وتقدس عن الأغراض ، ~~وإن عنيتم به أنه مخالف غرض المكلف مسلم لكن ما هو قبيح عند المكلف لم ~~يمتنع عليه فعله إذا كان القبيح والحسن عنده وفي حقه بمثابة PageV01P116 # واحدة ، على أنا لو نزلنا على فاسد معتقد هم فلا نسلم أن من يستخدم عبده ~~يجب عليه في العادة ثواب ، لأن الثواب يكون عوضا عن العمل فتبطل فائدة الرق ~~وحق على العبد أن يخدم مولاه لأنه عبده ، فان كان لأجل عوض فليس ذلك خدمة ، ~~ومن العجائب قولهم : إنه يجب الشكر على العباد لأنهم عباد ، قضاء لحق نعمته ~~، ثم يجب عليه الثواب على الشكر وهذا محال ، لأن المستحق إذا وفي لم يلزمه ~~فيه عوض ، ولو جاز ذلك للزم على الثواب شكر مجدد وعلى هذا الشكر ثواب مجدد ~~ويتسلسل إلى غير نهاية ، ولم يزل العبد والرب كل واحد منهما أبدا مقيدا بحق ~~الآخر ، وهو محال ، وأفحش من هذا قولهم : إن كل من كفر فيجب على الله تعالى ~~أن يعاقبه أبدا ويخلده في النار ، بل كل من قارف كبيرة ومات قبل التوبة ~~يخلد في النار ، وهذا جهل بالكرم والمروءة والعقل والعادة والشرع وجميع ~~الامور ، فإنا نقول : العبادة قاضية والعقول مشيرة إلى أن التجاوز والصفح ~~أحسن من العقوبة. والانتقام وثناء الناس على العافي أكثر من ثنائهم للمنتقم ~~، واستحسانهم للعفو أشد ، فكيف يستقبح العفو والإنعام ويستحسن طول ~~الانتقام! ثم هذا في حق من أذته الجناية وغضت من ms104 قدره المعصية ، والله ~~تعالى يستوي في حقه الكفر والايمان والطاعات والعصيان فهما في حق إلاهيته ~~وجلاله سيان ، ثم كيف يستحسن أن سلك طريق المجازاة واستحسن ذلك تأييد ~~العقاب خالدا مخلدا في مقابلته العصيان بكلمة واحدة في لحظة ، ومن انتهى ~~عقله في الاستحسان إلى هذا الحد كانت دار المرضى أليق به من مجامع العلماء. ~~على أنا نقول : لو سلك سالك ضد هذا الطريق بعينه كان أقوم قيلا وأجرى على ~~قانون الاستحسان والاستقباح الذي تقضي به الأوهام والخيالات كما سبق ، وهو ~~أن نقول : الانسان يقبح منه أن يعاقب على جناية سبقت وجناية تداركها إلا ~~لوجهين : # أحدهما ، أن يكون في العقوبة زجر ورعاية مصلحة في المستقبل فيحسن ذلك ~~خيفة من فوات غرض في المستقبل ، فإن لم يكن فيه مصلحة في المستقبل PageV01P117 # أصلا فالعقوبة بمجرد المجازاة على ما سبق قبيح لأنه لا فائدة فيه للمعاقب ~~ولا لأحد سواه ، والجاني متأذ به ودفع الأذى عنه أحسن ، وإنما يحسن الأذى ~~لفائدة ولا فائدة ، وما مضى فلا تدارك له فهو في غاية القبح. # والوجه الثاني ، أن نقول : إنه إذا تأذى المجني عليه واشتد غيظه فذلك ~~الغيظ مؤلم وشفاء الغيظ مريح من الألم ، والألم بالجاني أليق ، ومهما عاقب ~~الجاني زال منه ألم الغيظ واختص بالجاني فهو أولى ، فهذا أيضا له وجه ما ~~وإن كان دليلا على نقصان العقل وغلبة الغضب عليه ، فأما إيجاب العقاب حيث ~~لا يتعلق بمصلحة في المستقبل لأحد في عالم الله تعالى ولا فيه دفع أذى عن ~~المجني عليه ففي غاية القبح ، فهذا أقوم من قول من يقول إن ترك العقاب في ~~غاية القبح ، والكل باطل واتباع الموجب الأوهام التي وقعت بتوهم الأغراض ، ~~والله تعالى متقدس عنها ولكنا اردنا معارضة الفاسد ليتبين به بطلان خيالهم. ### ||| ** الدعوى السادسة : # ندعي أنه لو لم يرد الشرع لما كان يجب على العباد معرفة الله تعالى وشكر ~~نعمته ، خلافا للمعتزلة ، حيث قالوا إن العقل بمجرده موجب ، وبرهانه أن ~~نقول : العقل يوجب النظر وطلب المعرفة لفائدة مرتبة عليه أو مع الاعتراف ms105 ~~بأن وجوده وعدمه في حق الفوائد عاجلا وآجلا بمثابة واحدة ، فإن قلتم : ~~يقتضي بالوجوب مع الاعتراف بأنه لا فائدة فيه قطعا عاجلا وآجلا فهذا حكم ~~الجهل لا حكم العقل ، فإن العقل لا يأمر بالعبث ، وكلما هو خال عن الفوائد ~~كلها فهو عبث ، وإن كان لفائدة فلا يخلو إما أن ترجع إلى المعبود تعالى ~~وتقدس عن الفوائد ، وإن رجعت إلى العبد فلا يخلو أن يكون في الحال أو في ~~المآل ، أما في الحال فهو تعب لا فائدة فيه وأما في المآل فالمتوقع الثواب. ~~ومن أين علمتم أنه يثاب على فعله بل ربما يعاقب على فعله ، فالحكم عليه ~~بالثواب حماقة لا أصل لها .. PageV01P118 # فإن قيل : يخطر بباله أن له ربا إن شكره أثابه وأنعم عليه وإن كفر أنعمه ~~عاقبه عليه ، ولا يخطر بباله البتة جواز العقوبة على الشكر والاحتزاز عن ~~الضرر الموهوم في قضية العقل كالاحتراز عن العلوم. # قلنا : نحن لا ننكر أن العاقل يستحثه طبعه عن الاحتراز من الضرر موهوما ~~ومعلوما ، فلا يمنع من إطلاق اسم الايجاب على هذا الاستحثاث فان الاصطلاحات ~~لا مشاحة فيها ، ولكن الكلام في ترجيح جهة الفعل على جهة الترك في تقرير ~~الثواب بالعقاب مع العلم بأن الشكر وتركه في حق الله تعالى سيان لا كالواحد ~~منا فإنه يرتاح بالشكر والثناء ويهتز له ويستلذه ويتألم بالكفران ويتأذى به ~~، فإذا ظهر استواء الأمرين في حق الله تعالى فالترجيح لأحد الجانبين محال ، ~~بل ربما يخطر بباله نقيضه وهو أنه يعاقب على الشكر لوجهين : أحدهما ، أن ~~اشتغاله به تصرف في فكره وقلبه باتعابه صرفه عن الملاذ والشهوات وهو عبد ~~مربوب خلق له شهوة ومكن من الشهوات ، فلعل المقصود أن يشتغل بلذات نفسه ~~واستيفاء نعم الله تعالى وأن لا يتعب نفسه فيما لا فائدة لله فيه فهذا ~~الاحتمال أظهر ، الثاني ، أن يقيس نفسه على من يشكر ملكا من الملوك بأن ~~يبحث عن صفاته وأخلاقه ومكانه وموضع نومه مع أهله وجميع أسراره الباطنة ~~مجازاة على إنعامه عليه ، فيقال له أنت بهذا الشكر ms106 مستحق لحز الرقبة ، فما ~~لك ولهذا الفضول ومن أنت حتى تبحث عن أسرار الملوك وصفاتهم وأفعالهم ~~وأخلاقهم ، ولما ذا لا تشتغل بما يهمك ، فالذي يطلب معرفة معرفة الله تعالى ~~كأنه إن تعرف دقائق صفات الله تعالى وأفعاله وحكمته وأسراره في أفعاله وكل ~~ذلك مما لا يؤهل له إلا من له منصب فمن أين عرف العبد أنه مستحق لهذا ~~المنصب؟ فاستبان أن ما أخذهم أوهام رسخت منهم من العادات ، تعارضها أمثالها ~~ولا محيص عنها ، فإن قيل : فإن لم يكن مدركا لوجوب مقتضى العقول أدى ذلك ~~إلى إفحام الرسول ، فإنه إذا جاء بالمعجزة وقال انظروا فيها ، فللمخاطب أن ~~يقول إن لم يكن النظر واجبا فلا أقدم عليه وإن كان واجبا فيستحيل أن يكون ~~مدركه العقل ، PageV01P119 # والعقل لا يوجب ، ويستحيل أن يكون مدركه الشرع ، والشرع لا يثبت إلا ~~بالنظر في المعجزة ولا يجب النظر قبل ثبوت الشرع فيؤدي إلى أن لا يظهر صحة ~~النبوة أصلا ، والجواب أن هذا السؤال مصدره الجهل بحقيقة الوجوب ، وقد بينا ~~أن معنى الوجوب ترجيح جانب الفعل على الترك بدفع ضرر موهوم في الترك أو ~~معلوم ، وإذا كان هذا هو الوجوب فالموجب هو المرجح وهو الله تعالى ، فإنه ~~إذا ناط العقاب بترك النظر ترجح فعله على تركه ، ومعنى قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم إنه واجب مرجح يترجح الله تعالى في ربطه العقاب بأحدهما ، ~~وأما المدرك فعبارة عن جهة معرفة الوجوب لا عن نفس الوجوب ، وليس شرط ~~الواجب أن يكون وجوبه معلوما ، بل أن يكون علمه متمكنا لمن أراده ، فيقول ~~النبي إن الكفر سم مهلك والإيمان شفاء مسعد بأن جعل الله تعالى أحدهما ~~مسعدا والآخر مهلكا ، ولست أوجب عليك شيئا ، فزن الايجاب هو الترجيح ~~والمرجح هو الله تعالى وإنما أنا مخبر عن كونه سم ومرشد لك إلى طريق تعرف ~~به صدقي وهو النظر في المعجزة ، فإن سلكت الطريق عرفت ونجوت ؛ وإن تركت ~~هلكت. مثاله مثال طبيب انتهى إلى مريض وهو متردد بين دواءين موضوعين بين ~~يديه ، فقال له أما ms107 هذا فلا تتناوله فإنه لهلك للحيوان وأنت قادر على ~~معرفته بأن تطعمه هذا السنور فيموت على الفور فيظهر لك ما قلته ، وأما هذا ~~ففيه شفاؤك وأنت قادر على معرفته بالتجربات وهو إن تشربه فتشفى فلا فرق في ~~حقي ولا في حق أستاذي بين أن يهلك أو يشفى فإن أستاذي غني عن بقائك وأنا ~~أيضا كذلك ، فعند هذا لو قال المريض هذا يجب علي بالعقل أو بقولك وما لم ~~يظهر لي هذا لم أشتغل بالتجربة كان مهلكا نفسه ولم يكن عليه ضرر ، فكذلك ~~النبي قد أخبره الله تعالى بأن الطاعة شفاء والمعصية داء وأن الإيمان مسعد ~~والكفر مهلك وأخبره بأنه غني عن العالمين سعدوا أم شقوا فإنما شأن الرسول ~~أن يبلغ ويرشد إلى طريقة المعرفة وينصرف ، فمن نظر فلنفسه ومن قصر فعليها ، ~~وهذا واضح ، فان قيل : فقد رجع الأمر إلى PageV01P120 # أن العقل هو الموجب من حيث أنه بسماع كلامه ودعواه يتوقع عقابا فيحمله ~~العقل على الحذر ولا يحصل إلا بالنظر فيوجب عليه النظر. قلنا : الحق الذي ~~يكشف الغطاء في هذا من غير اتباع وهم وتقليد أمر هو أن الوجوب كما بان ~~عبارة عن نوع رجحان في الفعل ، والموجب هو الله تعالى لأنه هو المرجح ، ~~والرسول مخبر عن الترجيح ، والمعجزة دليل على صدقه في الخبر ، والنظر سبب ~~في معرفة الصدق ، والعقل آلة النظر ، والفهم معنى الخبر ، والطبع مستحث على ~~الحذر بعد فهم المحذور بالعقل ، فلا بد من طبع يخالفه العقوبة للدعوة ~~ويوافقه الثواب الموعود ليكون مستحثا ، ولكن لا يستحث ما لم يفهم المحذور ~~ولم يقدره ظنا أو علما ، ولا يفهم إلا بالعقل والعقل لا يفهم الترجيح بنفسه ~~بل بسماعه من الرسول ، والرسول لا يرجح الفعل على الترك بنفسه بل الله هو ~~المرجح والرسول مخبر ، وصدق الرسول لا يظهر بنفسه بل المعجز ، والمعجزة لا ~~تدل ما لم ينظر فيها ، والنظر بالعقل ، فإذا قد انكشفت المعاني ، والصحيح ~~في الألفاظ أن يقال : الوجوب هو الرجحان والموجب هو الله تعالى ، والمخبر ~~هو الرسول ، المعرف للمحذور وصدق ms108 الرسول هو العقل ، والمستحث على سلوك سبب ~~الخلاص وهو الطبع ، وكذلك ينبغي أن يفهم الحق في هذه المسألة ولا يلتفت إلى ~~الكلام المعتاد الذي لا يشفي الغليل ولا يزيل الغموض. ### ||| ** الدعوى السابعة : # ندعي أن بعثة الأنبياء جائز ، وليس بمحال ولا واجب ، وقالت المعتزلة إنه ~~واجب ، وقد سبق وجه الرد عليهم ، وقالت البراهمة إنه محال. وبرهان الجواز ~~أنه مهما قام الدليل على أن الله تعالى متكلم وقام الدليل على أنه قادر لا ~~يعجز على أن يدل على كلام النفس بخلق ألفاظ وأصوات ورقوم أو غيرها من ~~الدلالات ، وقد قام دليل على جواز إرسال الرسل ، فإنا لسنا نعني به إلا أن ~~يقوم بذات الله تعالى خبر عن الأمر النافع في الآخرة والأمر الضار PageV01P121 # بحكم إجراء العادة ، ويصدر منه فعل هو دلالة الشخص على ذلك الخبر وعلى ~~أمره بتبليغ الخبر ، ويصدر منه فعل خارق للعادة مقرونا بدعوى ذلك الشخص ~~الرسالة ، فليس شيء من ذلك محالا لذاته ، فإنه يرجع إلى كلام النفس وإلى ~~اختراع ما هو دلالة على الكلام وما هو مصدق للرسول وإن حكم باستحالة ذلك من ~~حيث الاستقباح والاستحسان ، فقد استأصلنا هذا الأصل في حق الله تعالى ثم لا ~~يمكن أن يدعي قبح إرسال الرسول على قانون الاستقباح ، فالمعتزلة مع المصير ~~إلى ذلك لم يستقبحوا هذا فليس إدراك قبحه ولا إدراك امتناعه في ذاته ضروريا ~~فلا بد من ذكر سببه ، وغاية ما هو به ثلاثة شبه : ### |||| ** الأولى : قولهم : إنه لو بعث النبي بما تقتضيه العقول ففي العقول غنية عنه وبعثة ~~الرسول عبث ، وذلك وعلى الله محال ، وإن بعث بما يخالف العقول استحال ~~التصديق والقبول. ### |||| ** الثانية : إنه يستحيل العبث لأنه يستحيل تعريف صدقه ، لأن الله تعالى لو شافه الخلق ~~بتصديقه وكلمهم جهارا فلا حاجة إلى رسول ، وإن لم يشافه به فغايته الدلالة ~~على صدقه بفعل خارق للعادة ، ولا يتميز ذلك عن السحر والطلسمات وعجائب ~~الخواص وهي خارقة للعادات عند من لا يعرفها ، وإذا استويا في خرق العادة لم ~~يؤمن ذلك فلا يحصل العلم ms109 بالتصديق. ### |||| ** الثالثة : إنه إن عرف تمييزها عن السحر والطلسمات والتخيلات فمن أين يعرف الصدق؟ ~~ولعل الله تعالى أراد إضلالنا وإغواءنا بتصديقه ولعل كل ما قال النبي إنه ~~مسعد فهو مشقي ، وكلما قال مشقي فهو مسعد ، ولكن الله أراد أن يسوقنا إلى ~~الهلاك ويغوينا بقول الرسول ، فإن الإضلال والإغواء غير محال على الله ~~تعالى عندكم ، إذ العقل لا يحسن ولا يقبح ؛ وهذه أقوى شبهة ينبغي أن يجادل ~~بها المعتزلي عند رومه إلزام القول بتقبيح العقل ، إذ يقول : إن لم يكن ~~الاغواء قبيحا فلا يعرف صدق الرسل قط PageV01P122 # ولا يعلم أنه ليس باضلال ، والجواب أن نقول : # أما الشبهة الأولى فضعيفة ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم يرد مخبرا بما لا ~~تشتغل العقول بمعرفته ، ولكن تستقل بفهمه إذا عرف ، فإن العقل لا يرشد إل ~~النافع والضار من الأعمال والأقوال والأخلاق والعقائد ، ولا يفرق بين ~~المشقى والمسعد ، كما لا يستقل بدرك خواص الأدوية والعقاقير ، ولكنه إذا ~~عرف فهم وصدق وانتفع بالسماع فيجتنب الهلاك ويقصد المسعد ، كما ينتفع بقول ~~الطبيب في معرفة الداء والدواء ، ثم كما يعرف صدق الطبيب بقرائن الأحوال ~~وأمور أخر ، فكذلك يستدل على صدق الرسول عليه السلام بمعجزات وقرائن وحالات ~~فلا فرق. # فأما الشبهة الثانية ، وهو عدم تمييز المعجزة عن السحر والتخيل ، فليس ~~كذلك ، فان أحدا من العقلاء لم يجوز انتهاء السحر إلى إحياء الموتى ، وقلب ~~العصا ثعبانا ، وفلق القمر ، وشق البحر ، وإبراء الأكمه والأبرص ، وأمثال ~~ذلك. والقول الوجيز إن هذا القائل إن ادعى أن كل مقدور لله تعالى فهو ممكن ~~تحصيله بالسحر فهو قول معلوم الاستحالة بالضرورة ، وإن فرق بين فعل قوم ~~وفعل قوم فقد تصور تصديق الرسول بما يعلم أنه ليس من السحر ويبقى النظر ~~بعده في أعيان الرسل عليهم السلام وآحاد المعجزات وأن ما أظهروه من جنس ما ~~يمكن تحصيله بالسحر أم لا ، ومهما وقع الشك فيه لم يحصل التصديق به ما لم ~~يتحد به النبي على ملأ من أكابر السحرة ولم يمهلهم مدة المعارضة ولم يعجزوا ~~عنه ، وليس ms110 الآن من غرضنا آحاد المعجزات. # وأما الشبهة الثالثة ، وهو تصور الإغواء من الله تعالى والتشكيك لسبب ذلك ~~، فنقول : مهما علم وجه دلالة المعجزة على صدق النبي ، علم أن ذلك مأمون ~~عليه ، وذلك بأن يعرف الرسالة ومعناها ويعرف وجه الدلالة فنقول : لو تحدى ~~إنسان بين يدي ملك على جنده أنه رسول الملك إليهم وأن الملك أوجب طاعته ~~عليهم في قسمة الأرزاق والاقطاعات ، فطالبوه PageV01P123 # بالبرهان والملك ساكت ، فقال : أيها الملك إن كنت صادقا في ما ادعيته ~~فصدقني بأن تقوم على سريرك ثلاث مرات على التوالي وتقعد على خلاف عادتك ؛ ~~فقام الملك عقيب التماسه على التوالي ثلاث مرات ثم قعد ، حصل للحاضرين علم ~~ضروري بأنه رسول الملك قبل أن يخطر ببالهم أن هذا الملك من عادته الإغواء ~~أم يستحيل في حقه ذلك ، بل لو قال الملك صدقت وقد جعلت رسولا ووكيلا لعلم ~~أنه وكيل ورسول ، فاذا خالف العادة بفعله كان ذلك كقوله أنت رسولي ، وهذا ~~ابتداء نصب وتولية وتفويض ، ولا يتصور الكذب في التفويض وإنما يتصور في ~~الإخبار ، والعلم يكون هذا تصديقا وتفويضا ضروريا ، ولذلك لم ينكر أحد صدق ~~الأنبياء من هذه الجهة ، بل أنكروا كون ما جاء به الأنبياء خارقا للعادة ~~وحملوه على السحر والتلبيس أو أنكروا وجود رب متكلم آمر ناه مصدق مرسل ، ~~فأما من اعترف بجميع ذلك واعترف بكون المعجزة فعل الله تعالى حصل له العلم ~~الضروري بالتصديق ، فإن قيل : فهب أنهم رأوا الله تعالى بأعينهم وسمعوه ~~بآذانهم وهو يقول هذا رسولي ليخبركم بطريق سعادتكم وشقاوتكم ، فما الذي ~~يؤمنكم أنه أغوى الرسول والمرسل إليه وأخبر عن المشقى بأنه مسعد وعن المسعد ~~بأنه مشقى فان ذلك غير محال إذا لم تقولوا بتقبيح العقول؟ بل لو قدر عدم ~~الرسول ولكن قال الله تعالى شفاها وعيانا ومشاهدة : نجاتكم في الصوم ~~والصلاة والزكاة وهلاككم في تركها ، فبم نعلم صدقه؟ فلعله يلبس علينا ~~ليغوينا ويهلكنا ، فإن الكذب عندكم ليس قبيحا لعينه وإن كان قبيحا فلا ~~يمتنع على الله تعالى ما هو قبيح وظلم ، وما فيه ms111 فيه هلاك الخلق أجمعين ، ~~والجواب : إن الكذب مأمون عليه ، فإنه إنما يكون في الكلام وكلام الله ~~تعالى ليس بصوت ولا حرف حتى يتطرق إليه التلبيس بل هو معنى قائم بنفسه ~~سبحانه ، فكل ما يعلمه الإنسان يقوم بذاته خبر عن معلومه على وفق علمه ولا ~~يتصور الكذب فيه ، وكذلك في حق الله تعالى ، وعلى الجملة : الكذب في كلام ~~النفس محال وفي ذلك الأمن عما قالوه ، وقد اتضح PageV01P124 # بهذا أن الفعل مهما علم أنه فعل الله تعالى وأنه خارج عن مقدور البشر ~~واقترن بدعوى النبوة حصل العلم الضروري بالصدق وكان الشك من حيث الشك في ~~أنه مقدور البشر أم لا ، فأما بعد معرفته كونه من فعل الله تعالى لا يبقى ~~للشك مجال أصلا البتة ، فان قيل فهل تجوزون الكرامات؟ قلنا : اختلف الناس ~~فيه ، والحق ذلك جائز فإنه يرجع إلى خرق الله تعالى العادة بدعاء إنسان أو ~~عند حاجته وذلك مما لا يستحيل في نفسه لأنه ممكن ، ولا يؤدي إلى محال آخر ، ~~فإنه لا يؤدي إلى بطلان المعجزة لأن الكرامة عبارة عما يظهر من غير اقتران ~~التحدي به ، فان كان مع التحدي فإنا نسميه معجزة ويدل بالضرورة على صدق ~~المتحدي ؛ وإن لم تكن دعوى فقد يجوز ظهور ذلك على يد فاسق لأنه مقدور في ~~نفسه ؛ فإن قيل : فهل من المقدور إظهار معجزة على يد كاذب؟ قلنا : المعجزة ~~مقرونة بالتحدي منه سبحانه نازلة منزلة قوله صدقت وأنت رسول ، وتصديق ~~الكاذب محال لذاته وكل من قال له أنت رسولي صار رسولا وخرج عن كونه كاذبا ، ~~فالجمع بين كونه كاذبا وبين ما ينزل منزلة قوله أنت رسولي محال لأن معنى ~~كونه كاذبا أنه ما قيل له أنت رسولي ، ومعنى المعجزة أنه قيل له أنت رسولي ~~؛ فإن فعل الملك على ما ضربنا من المثال كقوله أنت رسولي بالضرورة ، ~~فاستبان أن هذا غير مقدور لأنه محال والمحال لا قدرة عليه. فهذا تمام هذا ~~القطب ولنشرع في إثبات نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وإثبات ما اخبر هو ms112 ~~عنه والله أعلم. PageV01P125 ### ||| * القطب الرابع ### ||| ** وفيه أربعة أبواب : ### |||| ** الباب الأول : في اثبات نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم . ### |||| ** الباب الثاني : في بيان ان ما جاء به من الحشر والنشر والصراط والميزان وعذاب القبر حق ، ~~وفيه مقدمة وفصلان. ### |||| ** الباب الثالث : فيه نظر في ثلاثة اطراف. ### |||| ** الباب الرابع : في بيان من يجب تكفيره من الفرق ومن لا يجب ، والاشارة إلى القوانين التي ~~ينبغي ان يعول عليها في التكفير ، وبه اختتام الكتاب. PageV01P126 ### ||| * الباب الأول ### ||| * (في اثبات نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ) # وإنما نفتقر إلى إثبات نبوته ، على الخصوص ، وعلى ثلاثة فرق : ### |||| ** الفرقة الأولى ، العيسوية : حيث ذهبوا إلى أنه رسول إلى العرب فقط لا إلى غيرهم ، وهذا ظاهر البطلان ~~فإنهم اعترفوا بكونه رسولا حقا ، ومعلوم أن الرسول لا يكذب ، وقد ادعى هو ~~أنه رسول مبعوث إلى الثقلين ، وبعث رسوله إلى كسرى وقيصر وسائر ملوك العجم ~~وتواتر ذلك منه فما قالوه محال متناقض. ### |||| ** الفرقة الثانية ، اليهود : فإنهم انكروا صدقه لا بخصوص نظر فيه وفي معجزاته ، بل زعموا أنه لا نبي بعد ~~موسى عليه السلام ، فأنكروا نبوة محمد وعيسى عليهما السلام ، فينبغي أن تثبت ~~عليهم نبوة عيسى لأنه ربما يقصر فهمهم عن درك إعجاز القرآن ولا يقصرون عن ~~درك إعجاز إحياء الموتى وإبراء الاكمه والأبرص فيقال لهم ما الذي حملكم على ~~التفريق بين من يستدل على صدقه بإحياء الموتى وبين من يستدل بقلب العصا ~~ثعبانا؟ ولا يجدون إليه سبيلا البتة ، إلا أنهم ضلوا بشبهتين : إحداهما ، ~~قولهم : النسخ محال في نفسه لأنه يدل على البدء والتغيير وذلك محال على ~~الله تعالى. والثانية لفهم بعض الملحدة أن يقولوا : قد قال موسى عليه السلام ~~: عليكم بديني ما دامت السموات PageV01P127 # والارض ، وإنه قال إني خاتم الأنبياء. # أما الشبهة الاولى فبطلانها بفهم النسخ ، وهو عبارة عن الخطاب الدال على ~~ارتفاع الحكم الثابت المشروط استمراره بعد لحقوق خطاب يرفعه ، وليس من ~~المحال أن يقول السيد لعبده قم مطلقا ، ولا يبين له مدة القيام ، وهو يعلم ~~أن القيام مقتضى منه إلى ms113 وقت بقاء مصلحته في القيام ، ويعلم مدة مصلحته ~~ولكن لا ينبه عليها ، ويفهم العبد أنه مأمور بالقيام مطلقا وأن الواجب ~~الاستمرار عليه أبدا إلا أن يخاطبه السيد بالقعود ؛ فإذا خاطبه بالقعود قعد ~~ولم يتوهم بالسيد أنه بدا له أو ظهرت له مصلحة كان لا يعرفها ، والآن قد ~~عرفها ، بل يجوز أن يكون قد عرف مدة مصلحة القيام وعرف أن الصلاح في أن لا ~~ينبه العبد عليها ويطلق الأمر له إطلاقا حتى يستمر على الامتثال ، ثم إذا ~~تغيرت مصلحته أمره بالقعود ، فهكذا ينبغي أن يفهم اختلاف أحكام الشرائع ، ~~فإن ورود النبي ليس بناسخ لشرع من قبله بمجرد بعثته ، ولا في معظم الأحكام ~~، ولكن في بعض الأحكام كتغير قبلة وتحليل محرم وغير ذلك ، وهذه المصالح ~~تختلف بالأعصار والأحوال فليس فيه ما يدل على التغير ولا على الاستبانة بعد ~~الجهل ولا على التناقض ، ثم هذا إنما يستمر لليهود إذ لو اعتقدوا أنه لم ~~يكن شريعة من لدن آدم إلى زمن موسى لم ينكروا وجود نوح وابراهيم وشرعهما ، ~~ولا يتميزون فيه عمن ينكر نبوة موسى وشرعه وكل ذلك إنكار ما علم على القطع ~~بالتواتر. # وأما الشبهة الثانية فسخيفة من وجهين. أحدهما ، أنه لو صح ما قالوه عن ~~موسى لما ظهرت المعجزات على يد عيسى ، فان ذلك تصديق بالضرورة ، فكيف يصدق ~~الله بالمعجزة من يكذب موسى وهو أيضا مصدق له ، أفتنكرون معجزة عيسى وجودا ~~أو تنكرون إحياء الموتى دليلا على صدق المتحدي؟ فإن أنكروا شيئا منهم لزمهم ~~في شرع موسى لزوما لا يجدون عنه محيصا ، وإذا اعترفوا به لزمهم تكذيب من ~~نقل إليهم من موسى عليه السلام قوله إني خاتم الأنبياء. والثاني : أن هذه ~~الشبهة إنما لقنوها بعد بعثة نبينا محمد عليه السلام وبعد وفاته ، ولو كانت ~~صحيحة لاحتج اليهود بها وقد حملوا بالسيف على الاسلام ، وكان PageV01P128 # رسولنا عليه السلام مصدقا بموسى عليه السلام وحاكما على اليهود بالتوراة في ~~حكم الرجم وغيره ، فلا عرض عليه من التوراة ذلك ، وما الذي صرفهم عنه ~~ومعلوم قطعا أن ms114 اليهود لم يحتجوا به لأن ذلك لو كان لكان مفحما لا جواب عنه ~~ولتواتر نقله ، ومعلوم أنهم لم يتركوه مع القدرة عليه ولقد كانوا يحرصون ~~على الطعن في شرعه بكل ممكن حماية لدمائهم وأموالهم ونسائهم ، فإذا ثبت ~~عليهم نبوة عيسى أثبتنا نبوة نبينا عليه السلام بما نثبتها على النصارى. ### |||| ** الفرقة الثالثة ، وهم يجوزون النسخ ولكنهم ينكرون نبوة نبينا من حيث أنهم ينكرون معجزته في ~~القرآن ، وفي إثبات نبوته بالمعجزة طريقتان : ### |||| ** الطريقة الأولى ، التمسك بالقرآن. فإنا نقول : لا معنى للمعجزة إلا ما يقترن بتحدي النبي ~~عند استشهاده على صدقه على وجه يعجز الخلق عن معارضته ، وتحديه على العرب ~~مع شغفهم بالفصاحة واغراقهم فيها متواتر ، وعدم المعارضة معلوم ، إذ لو كان ~~لظهر ، فإن أرذل الشعراء لما تحدوا بشعرهم وعورضوا ظهرت المعارضات ~~والمناقضات الجارية بينهم ، فاذا لا يمكن إنكار تحديه بالقرآن ولا يمكن ~~إنكار اقتدار العرب على طريق الفصاحة ولا يمكن انكار حرصهم على دفع نبوته ~~بكل ممكن حماية لدينهم ودمهم ومالهم وتخلصا من سطوة المسلمين وقهرهم ، ولا ~~يمكن إنكار عجزهم لأنهم لو قدروا لفعلوا ، فان العادة قاضية بالضرورة بأن ~~القادر على دفع الهلاك عن نفسه يشتغل بدفعه ، ولو فعلوا لظهر ذلك ونقل ، ~~فهذه مقدمات بعضها بالتواتر وبعضها بجاري العادات وكل ذلك مما يورث اليقين ~~فلا حاجة إلى التطويل ، وبمثل هذا الطريق تثبت نبوة عيسى ولا يقدر النصراني ~~على إنكار شيء من ذلك ؛ فانه يمكن أن يقابل بعيسى فينكر تحديه بالنبوة او ~~استشهاده باحياء الموتى أو وجود إحياء الموتى أو عدم المعارضة أو يقال عورض ~~ولم يظهر ، وكل ذلك مجاحدات لا يقدر عليها المعترف بأصل النبوات. فإن قيل : ~~ما وجه إعجاز القرآن؟ قلنا الجزالة والفصاحة مع النظم PageV01P129 # العجيب والمنهاج الخارج عن مناهج كلام العرب في خطبهم وأشعارهم وسائر ~~صنوف كلامهم ، والجمع بين هذا النظم وهذه الجزالة معجز خارج عن مقدور البشر ~~، نعم ربما يرى للعرب أشعار وخطب حكم فيها بالجزالة ، وربما ينقل عن بعض من ~~قصد المعارضة مراعاة هذا النظم بعد تعلمه من ms115 القرآن ، ولكن من غير جزالة بل ~~مع ركاكة كما يحكى عن ترهات مسيلمة الكذاب حيث قال : الفيل وما أدراك ما ~~الفيل له ذنب وثيل وخرطوم طويل. فهذا وأمثاله ربما يقدر عليه مع ركاكة ~~يستغثها الفصحاء ويستهزءون بها ، وأما جزالة القرآن فقد قضى كافة العرب ~~منها العجب ولم ينقل عن واحد منهم تشبث بطعن في فصاحته ، فهذا إذا معجز ~~وخارج عن مقدور البشر من هذين الوجهين ، أعني من اجتماع هذين الوجهين ، فإن ~~قيل : لعل العرب اشتغلت بالمحاربة والقتال فلم تعرج على معارضة القرآن ولو ~~قصدت لقدرت عليه ، أو منعتها العوائق عن الاشتغال به ، والجواب أن ما ذكروه ~~هوس ، فإن دفع تحدي المتحدي بنظم كلام أهون من الدفع بالسيف مع ما جرى على ~~العرب من المسلمين بالأسر والقتل والسبي وشن الغارات ، ثم ما ذكروه غير ~~دافع غرضنا ، فإن انصرافهم عن المعارضة لم يكن إلا بصرف من الله تعالى ، ~~والصرف عن المقدور المعتاد من أعظم المعجزات ، فلو قال نبي آية صدقي أني في ~~هذا اليوم أحرك إصبعي ولا يقدر أحد من البشر على معارضتي ، فلم يعارضه أحد ~~في ذلك اليوم ، ثبت صدقه ، وكان فقد قدرتهم على الحركة مع سلامة الأعضاء من ~~أعظم المعجزات ، وإن فرض وجود القدرة ففقد داعيتهم وصرفهم عن المعارضة من ~~أعظم المعجزات ، مهما كانت حاجتهم ماسة إلى الدفع باستيلاء النبي على ~~رقابهم وأموالهم ، وذلك كله معلوم على الضرورة ، فهذا طريق تقدير نبوته على ~~النصارى ، ومهما تشبثوا بانكار شيء من هذه الأمور الجليلة فلا تشتغل الا ~~بمعارضتهم بمثله في معجزات عيسى عليه السلام . PageV01P130 ### |||| ** الطريقة الثانية : أن تثبت نبوته بجملة من الأفعال الخارقة للعادات التي ظهرت عليه ، ~~كانشقاق القمر ، ونطق العجماء ، وتفجر الماء من بين أصابعه ، وتسبيح الحصى ~~في كفه ، وتكثير الطعام القليل ، وغيره من خوارق العادات ، وكل ذلك دليل ~~على صدقه ، فان قيل : آحاد هذه الوقائع لم يبلغ نقلها مبلغ التواتر ، قلنا ~~: ذلك أيضا إن سلم فلا يقدح في العرض مهما كان المجموع بالغا مبلغ التواتر ~~، وهذا كما أن شجاعة علي ms116 رضوان الله عليه وسخاوة حاتم معلومان بالضرورة على ~~القطع تواترا ، وآحاد تلك الوقائع لم تثبت تواترا ، ولكن يعلم من مجموع ~~الآحاد على القطع ثبوت صفة الشجاعة والسخاوة ، فكذلك هذه الأحوال العجيبة ~~بالغة جملتها مبلغ التواتر ، لا يستريب فيها مسلم أصلا ، فان قال قائل من ~~النصارى : هذه الأمور لم تتواتر عندي لا جملتها ولا آحادها ، فيقال : ولو ~~انحاز يهودي إلى قطر من الأقطار ولم يخالط النصارى وزعم أنه لم تتواتر عنده ~~معجزات عيسى ، وإن تواترت فعلى لسان النصارى وهم مهتمون به ، فبما ذا ~~ينفصلون عنه؟ ولا انفصال عنه إلا أن يقال : ينبغي أن يخالط القوم الذين ~~تواتر ذلك بينهم حتى يتواتر ذلك إليك ، فان الاصم لا تتواتر عنده الاخبار ، ~~وكذا المتصامم ، فهذا أيضا عذرنا عند إنكار واحد منهم التواتر على هذا الوجه. PageV01P131 ### ||| * الباب الثاني ### ||| * (في بيان وجوب التصديق بأمور ورد بها الشرع وقضى بجوازها العقل) ### ||| ** وفيه مقدمة وفصلان ، أما المقدمة : # فهو أن ما لا يعلم بالضرورة ينقسم إلى ما يعلم بدليل العقل دون الشرع ، ~~وإلى ما يعلم بالشرع دون العقل ، وإلى ما يعلم بهما. أما المعلوم بدليل ~~العقل دون الشرع فهو حدث العالم ووجود المحدث وقدرته وعلمه وارادته ، فان ~~كل ذلك ما لم يثبت لم يثبت الشرع ، إذ الشرع يبنى على الكلام فإن لم يثبت ~~كلام النفس لم يثبت الشرع. فكل ما يتقدم في الرتبة على كلام النفس يستحيل ~~إثباته بكلام النفس وما يستند إليه ونفس الكلام أيضا فيما اخترناه لا يمكن ~~اثباته بالشرع ، ومن المحققين من تكلف ذلك وادعاه كما سبقت الاشارة إليه. # وأما المعلوم بمجرد السمع فتخصيص أحد الجائزين بالوقوع فإن ذلك من موافق ~~العقول ، وإنما يعرف من الله تعالى بوحي وإلهام ونحن نعلم من الوحي إليه ~~بسماع كالحشر والنشر والثواب والعقاب وأمثالهما ، وأما المعلوم بهما فكل ما ~~هو واقع في مجال العقل ومتأخر في الرتبة عن إثبات كلام الله تعالى كمسألة ~~الرؤية وانفراد الله تعالى بخلق الحركات والأغراض كلها وما يجري هذا المجرى ~~، ثم كلما ورد السمع به ms117 ينظر ، فإن كان العقل مجوزا له وجب التصديق به قطعا ~~إن كانت الأدلة السمعية قاطعة في متنها ومستندها لا يتطرق إليها احتمال ، ~~وجب التصديق بها ظنا إن كانت ظنية ، فإن وجوب PageV01P132 # التصديق باللسان والقلب عمل يبنى على الأدلة الظنية كسائر الأعمال فنحن ~~نعلم قطعا إنكار الصحابة على من يدعي كون العبد خالقا لشيء من الأشياء وعرض ~~من الاعراض ، وكانوا ينكرون ذلك بمجرد قوله تعالى ( @QUR@03 خالق كل شيء ) ~~(1) ومعلوم أنه عام قابل للتخصيص فلا يكون عمومه إلا مظنونا ، إنما صارت ~~المسألة قطعية بالبحث على الطرق العقلية التى ذكرناها ، ونعلم أنهم كانوا ~~ينكرون ذلك قبل البحث عن الطرق العقلية ولا ينبغي أن يعتقد بهم أنهم لم ~~يلتفتوا إلى المدارك الظنية إلا في الفقهيات بل اعتبروها أيضا في التصديقات ~~الاعتقادية والقولية. # وأما ما قضى العقل باستحالته فيجب فيه تأويل ما ورد السمع به ولا يتصور ~~أن يشمل السمع على قاطع مخالف للمعقول ، وظواهر أحاديث التشبيه أكثرها غير ~~صحيحة ، والصحيح منها ليس بقاطع بل هو قابل للتأويل. فإن توقف العقل في شيء ~~من ذلك فلم يقض فيه باستحالة ولا جواز وجب التصديق أيضا لأدلة السمع فيكفي ~~في وجوب التصديق انفكاك العقل عن القضاء بالإحالة ، وليس يشترط اشتماله على ~~القضاء لتجويز ، وبين الرتبتين فرق ربما يزل ذهن البليد حتى لا يدرك الفرق ~~بين قول القائل : اعلم أن الأمر جائز ، وبين قوله : لا أدري إنه محال أم ~~جائز ، وبينهما ما بين السماء والأرض ، إذ الأول جائز على الله تعالى ~~والثاني غير جائز ، فإن الأول معرفة بالجواز والثاني عدم معرفة بالاحالة ، ~~ووجوب التصديق جائز في القسمين جميعا فهذه هي المقدمة. ### ||| ** أما الفصل الأول : # ففي بيان قضاء العقل بما جاء الشرع به من الحشر والنشر وعذاب القبر ~~والصراط والميزان ، أما الحشر فيعنى به إعادة الخلق وقد دلت عليه القواطع PageV01P133 # الشرعية ، وهو ممكن بدليل الابتداء. فان الاعادة خلق ثان ولا فرق بينه ~~وبين الابتداء وإنما يسمى إعادة بالإضافة إلى الابتداء السابق ، والقادر ~~على الانشاء والابتداء قادر على الاعادة وهو ms118 المعني بقوله : ( @QUR@06 قل ~~يحييها الذي أنشأها أول مرة ) (1) فان قيل فما ذا تقولون : أتعدم الجواهر ~~والاعراض ثم يعادان جميعا ، أو تعدم الأعراض دون الجواهر وانما تعاد ~~الاعراض؟ قلنا : كل ذلك ممكن وليس في الشرع دليل قاطع على تعيين أحد هذه ~~الممكنات. وأحد الوجهين أن تنعدم الأعراض ويبقى جسم الانسان متصورا بصورة ~~التراب مثلا ، فتكون قد زالت منه الحياة واللون والرطوبة والتركيب والهيئة ~~وجملة من الأعراض ، ويكون معنى إعادتها أن تعاد إليها تلك الأعراض بعينها ~~وتعاد إليها أمثالها ، فان العرض عندنا لا يبقى والحياة عرض والموجود عندنا ~~في كل ساعة عرض آخر ، والانسان هو ذلك الانسان باعتبار جسمه فإنه واحد لا ~~باعتبار أعراضه ، فان كل عرض يتجدد هو غير الآخر ، فليس من شرط الإعادة فرض ~~إعادة الأعراض ، وانما ذكرنا هذا لمصير بعض الأصحاب إلى استحالة إعادة ~~الأعراض ، وذلك باطل ، ولكن القول في إبطاله يطول ولا حاجة إليه في غرضنا ~~هذا ، والوجه الآخر أن تعدم الأجسام أيضا ثم تعاد الأجسام بأن تخترع. مرة ~~ثانية ، فإن قيل : فيم يتميز المعاد عن مثل الأول؟ وما معنى قولكم أن ~~المعاد هو عين الأول ولم يبق للمعدوم عين حتى تعاد؟ قلنا : المعدوم منقسم ~~في علم الله إلى ما سبق له وجود وإلى ما لم يسبق له وجود ، كما أن العدم في ~~الأزل ينقسم إلى ما سيكون له وجود وإلى ما علم الله تعالى أنه لا يوجد ؛ ~~فهذا الانقسام في علم الله لا سبيل إلى انكاره ، والعلم شامل والقدرة واسعة ~~، فمعنى الإعادة أن نبذل بالوجود العدم الذي سبق له الوجود ، ومعنى المثل ~~أن يخترع الوجود لعدم لم يسبق له وجود ، فهذا معنى الإعادة ، ومهما قدر ~~الجسم باقيا ورد الأمر إلى تجديد PageV01P134 # أعراض تماثل الأول حصل تصديق الشرع ووقع الخلاص عن إشكال الإعادة وتمييز ~~المعاد عن المثل ، وقد أطنبنا في هذه المسألة في كتاب التهافت ، وسلكنا في ~~إبطال مذهبهم تقرير بقاء النفس التي هي غير متحيز عندهم وتقدير عود تدبيرها ~~إلى البدن سواء كان ذلك البدن هو عين ms119 جسم الانسان أو غيره ، وذلك إلزام لا ~~يوافق ما نعتقده ؛ فإن ذلك الكتاب مصنف لابطال مذهبهم لا لاثبات المذهب ~~الحق ، ولكنهم لما قدروا أن الانسان هو ما هو باعتبار نفسه وأن اشتغاله ~~بتدبير كالعارض له والبدن آلة لهم ، ألزمناهم بعد اعتقادهم بقاء النفس وجوب ~~التصديق بالاعادة وذلك برجوع النفس إلى تدبير بدن من الأبدان ، والنظر الآن ~~في تحقيق هذا الفصل ينجر إلى البحث عن الروح والنفس والحياة وحقائقها ، ولا ~~تحتمل المعتقدات التغلغل إلى هذه الغايات في المعقولات. فما ذكرناه كاف في ~~بيان الاقتصاد في الاعتقاد للتصديق بما جاء به الشرع ، وأما عذاب القبر فقد ~~دلت عليه قواطع الشرع إذ تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة رضي ~~الله عنهم بالاستعاذة منه في الأدعية (1) واشتهر قوله عند المرور بقبرين : ~~إنهما ليعذبان (2) ودل عليه قوله تعالى ( @QUR@010 وحاق بآل فرعون سوء ~~العذاب النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ) (3) الآية ، وهو ممكن ، فيجب ~~التصديق به. ووجه إمكانه ظاهر ، وإنما تنكره المعتزلة من حيث يقولون إنا ~~نرى شخص الميت مشاهدة وهو غير معذب وإن الميت ربما تفترسه السباع وتأكله ، ~~وهذا هوس ؛ أما مشاهدة الشخص فهو مشاهدة لظواهر الجسم والمدرك للعقاب جزء ~~من القلب أو من الباطن كيف كان وليس من ضرورة العذاب ظهور حركة في ظاهر ~~البدن ، بل الناظر إلى ظاهر النائم لا يشاهد ما يدركه PageV01P135 # النائم من اللذة عند الاحتلام ومن الألم عند تخيل الضرب وغيره ، ولو ~~انتبه النائم وأخبر عن مشاهداته وآلامه ولذاته من لم يجر له عهد بالنوم ~~لبادر إلى الانكار اغترارا بسكون ظاهر جسمه ، كمشاهدة إنكار المعتزلة لعذاب ~~القبر وأما الذي تأكله السباع فغاية ما في الباب أن يكون بطن السبع قبرا ، ~~فاعادة الحياة إلى جزء يدرك العذاب ممكن ، فما كل متألم يدرك الألم من جميع ~~بدنه. وأما سؤال منكر ونكير فحق ، والتصديق به واجب لورود الشرع به وامكانه ~~، فان ذلك لا يستدعي منهما إلا تفهيما بصوت أو بغير صوت ، ولا يستدعي منه ~~إلا فهما ، ولا يستدعي الفهم إلا حياة ms120 ، والإنسان لا يفهم بجميع بدنه بل ~~بجزء من باطن قلبه ، واحياء جزء يفهم السؤال ويجيب ممكن مقدور عليه ، فيبقى ~~قول القائل إنا نرى الميت ولا نشاهد منكرا ونكيرا ولا نسمع صوتهما في ~~السؤال ولا صوت الميت في الجواب ، فهذا يلزمه منه أن ينكر مشاهدة النبي ~~صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه السلام وسماعه كلامه وسماع جبريل جوابه ولا ~~يستطيع مصدق الشرع أن ينكر ذلك ، إذ ليس فيه إلا أن الله تعالى خلق له ~~سماعا لذلك الصوت ومشاهدة لذلك الشخص ، ولم يخلق للحاضرين عنده ولا لعائشة ~~رضي الله تعالى عنها وقد كانت تكون عنده حاضرة في وقت ظهور بركات الوحي ، ~~فانكار هذا مصدره الإلحاد وإنكار سعة القدرة ، وقد فرغنا عن إبطاله ويلزم ~~منه أيضا إنكار ما يشاهده النائم ويسمعه من الأصوات الهائلة المزعجة ، ولو ~~لا التجربة لبادر إلى الانكار كل من سمع من النائم حكاية أحواله ، فتعسا ~~لمن ضاقت حوصلته عن تقدير اتساع القدرة لهذه الأمور المستحقرة بالإضافة إلى ~~خلق السموات والأرض وما بينهما ، مع ما فيهما من العجائب. والسبب الذي ينفر ~~طباع أهل الضلال عن التصديق بهذه الأمور بعينه منفر عن التصديق بخلق ~~الانسان من نطفة قذرة مع ما فيه من العجائب والآيات أولا أن المشاهدة تضطره ~~إلى التصديق فإذا ما لا برهان على إحالته لا ينبغي ان ينكر بمجرد ~~الاستبعاد. PageV01P136 # وأما الميزان فهو أيضا حق وقد دلت عليه قواطع السمع ، وهو ممكن فوجب ~~التصديق به. فإن قيل : كيف توزن الأعمال وهي أعراض وقد انعدمت ، والمعدوم ~~لا يوزن؟ وإن قدرت إعادتها وخلقها في جسم الميزان كان محالا لاستحالة إعادة ~~الأعراض ، ثم كيف تخلق حركة يد الانسان وهي طاعته في جسم الميزان؟ أيتحرك ~~بها الميزان فيكون ذلك حركة الميزان لا حركة يد الانسان ، أم لا تتحرك ~~فتكون الحركة قد فاتت بجسم ليس هو متحركا بها ، وهو محال؟ ثم إن تحرك ~~فيتفاوت من الميزان بقدر طول الحركات وكثرتها لا بقدر مراتب الأجور ، فرب ~~حركة بجزء من البدن يزيد إثمها على حركة جميع ms121 البدن فراسخ فهذا محال. فنقول ~~: قد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا فقال : توزن صحائف الأعمال فإن ~~الكرام الكاتبين يكتبون الأعمال في صحائف هي أجسام ، فاذا وضعت في الميزان ~~خلق الله تعالى في كفتها ميلا بقدر رتبة الطاعات وهو على ما يشاء قدير). # فإن قيل : فأي فائدة في هذا؟ وما معنى المحاسبة؟ قلنا : لا نطلب لفعل ~~الله تعالى فائدة : ( @QUR@06 لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون ) (1). تم قد ~~دللنا على هذا. ثم أي بعد في أن تكون الفائدة فيه أن يشاهد العبد مقدار ~~أعماله ويعلم أنه مجزي بها بالعدل أو يتجاوز عنه باللطف ، ومن يعزم على ~~معاقبة وكيله بجنايته في أمواله أو يعزم على الإبراء فمن أين يبعد أن يعرفه ~~مقدار جنايته بأوضح الطرق ليعلم أنه في عقوبته عادل وفي التجاوز عنه متفضل. ~~هذا إن طلبت الفائدة لأفعال الله تعالى ، وقد سبق بطلان ذلك. وأما الصراط ~~فهو أيضا حق ، والتصديق به واجب ، لأنه ممكن ، فإنه عبارة عن جسر ممدود على ~~متن جهنم يرده الخلق كافة ، فإذا توافوا عليه قيل للملائكة PageV01P137 # ( @QUR@03 وقفوهم إنهم مسؤلون ) (1) فإن قيل : كيف يمكن ذلك وفيما روى ~~أدق من الشعر وأحد من السيف ، فكيف يمكن المرور عليه؟ قلنا هذا إن صدر ممن ~~ينكر قدرة الله تعالى ، فالكلام معه في إثبات عموم قدرته وقد فرغنا عنها ، ~~وإن صدر من معترف بالقدرة فليس المشي على هذا بأعجب من المشي في الهواء ، ~~والرب تعالى قادر على خلق قدرة عليه ، ومعناه أن يخلق له قدرة المشي على ~~الهواء ولا يخلق في ذاته هويا إلى أسفل ، ولا في الهواء انحراف ، فإذا أمكن ~~هذا في الهواء فالصراط أثبت من الهواء بكل حال. ### ||| ** الفصل الثاني : # في الاعتذار عن الاخلال بفصول شحنت بها المعتقدات فرأيت الإعراض عن ذكرها ~~أولى لأن المعتقدات المختصرة حقها أن لا تشتمل إلا على المهم الذي لا بد ~~منه في صحة الاعتقاد. # أما الأمور التي لا حاجة إلى إخطارها بالبال ، وإن خطرت بالبال فلا معصية ~~في عدم معرفتها وعدم العلم ms122 بأحكامها ، فالخوض فيها بحث عن حقائق الأمور وهي ~~غير لائقة بما يراد منه تهذيب الاعتقاد ، وذلك الفن تحصره ثلاثة فنون : ~~عقلي ، ولفظي ، وفقهي ، أما العقلي ، فالبحث عن القدرة الحادثة أنها تتعلق ~~بالضدين أم لا ، وتتعلق بالمختلفات أم لا ، وهل يجوز قدرة حادثة تتعلق بفعل ~~مباين لمحل القدرة وأمثال له ، وأما اللفظي فكالبحث عن المسمى باسم الرزق ~~ما هو ، ولفظ التوفيق والخذلان والايمان ما حدودها ومسبباتها ، وأما الفقهي ~~فكالبحث عن الأمر بالمعروف متى يجب ، وعن التوبة ما حكمها ، إلى نظائر ذلك ~~، وكل ذلك ليس بمهم في الدين ، بل المهم أن ينفي الانسان الشك عن نفسه في ~~ذات الله تعالى ، على القدر الذي PageV01P138 # حقق في القطب الأول ، وفي صفاته وأحكامها كما حقق في القطب الثاني. وفي ~~أفعاله بأن يعتقد فيها الجواز دون الوجوب كما في القطب الثالث ، وفي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بأن يعرف صدقه ويصدقه في كل ما جاء به كما ذكرناه في ~~القطب الرابع ، وما خرج عن هذا فغير مهم. ونحن نورد من كل فن مما أهملناه ~~مسألة ليعرف بها نظائرها ويحقق خروجها عن المهمات المقصودات في المعتقدات. ### |||| ** أما المسألة الأولى العقلية : فكاختلاف الناس في أن من قتل هل يقال إنه مات بأجله؟ ولو قدر عدم قتله هل ~~كان يجب موته أم لا؟ وهذا فن من العلم لا يضر تركه ، ولكنا نشير إلى طريق ~~الكشف فيه ، فنقول : كل شيئين لا ارتباط لأحدهما بالآخر ، ثم اقترنا في ~~الوجود ، فليس يلزم من تقدير نفي أحدهما انتفاء الآخر ، فلو مات زيد وعمرو ~~معا ثم قدرنا عدم موت زيد لم يلزم منه لا عدم موت عمرو ولا وجود موته ، ~~وكذلك إذا مات زيد عند كسوف القمر مثلا ، فلو قدرنا عدم الموت لم يلزم عدم ~~الكسوف بالضرورة ، ولو قدرنا عدم الكسوف لم يلزم عدم الموت إذ لا ارتباط ~~لأحدهما بالآخر ، فأما الشيئان اللذان بينهما علاقة وارتباط فهما ثلاثة ~~أقسام : ### |||| ** أحدها : أن تكون العلاقة متكافئة كالعلاقة بين اليمين والشمال والفوق والتحت ، فهذا ~~مما يلزم ms123 فقد أحدهما عند تقدير فقد الآخر لأنهما من المتضايفان التي لا ~~يتقوم حقيقة أحدهما إلا مع الآخر. ### |||| ** الثاني : أن لا يكون على التكافؤ ، لكن لأحدهما رتبة التقدم كالشرط مع المشروط ، ~~ومعلوم أنه يلزم عدم الشرط ، فإذا رأينا علم الشخص مع حياته وإرادته مع ~~علمه فيلزم لا محالة من تقدير. انتفاء الحياة انتفاء العلم ، ومن تقدير ~~انتفاء العلم انتفاء الإرادة ، ويعبر عن هذا بالشرط وهو الذي لا بد منه ~~لوجود الشيء ولكن ليس وجود الشيء به بل عنه ومعه. ### |||| ** الثالث : العلاقة التي بين العلة والمعلول ، ويلزم من تقدير عدم العلة PageV01P139 # عدم المعلول إن لم يكن للمعلول إلا علة واحدة ، وإن تصور أن تكون له علة ~~أخرى فيلزم من تقدير نفي كل العلل نفي المعلول ، ولا يلزم من تقدير نفي علة ~~بعينها نفي المعلول مطلقا ، بل يلزم نفي معلول تلك العلة على الخصوص ، فإذا ~~تمهد هذا المعنى رجعنا إلى القتل والموت ؛ فالقتل عبارة عن حز الرقبة وهو ~~راجع إلى أعراض هي حركات في يد الضارب والسيف وأعراض هي افتراقات في أجزاء ~~رقبة المضروب ، وقد اقترن بها عرض آخر وهو الموت ، فإن لم يكن بين الحز ~~والموت ارتباط لم يلزم من تقدير نفي الحز نفي الموت فإنهما شيئان مخلوقان ~~معا على الاقتران بحكم إجراء العادة لا ارتباط لأحدهما بآخر ، فهو ~~كالمقترنين اللذين لم تجر العادة باقترانهما وإن كان الحز علة الموت ومولده ~~، وإن لم تكن علة سواه لزم من انتفائه انتفاء الموت ، ولكن لا خلاف في أن ~~للموت عللا من أمراض وأسباب باطنة سوى الحز عند القائلين بالعلل ، فلا يلزم ~~من نفي الحز نفي الموت مطلقا ما لم يقدر مع ذلك انتفاء سائر العلل ، فنرجع ~~إلى غرضنا فنقول : من اعتقد من أهل السنة أن الله مستبد بالاختراع بلا تولد ~~، ولا يكون مخلوق علة مخلوق ، فنقول : الموت أمر استبد الرب تعالى باختراعه ~~مع الحز ، فلا يجب من تقدير عدم الحز عدم الموت وهو الحق ؛ ومن اعتقد كونه ~~علة وانضاف إليه مشاهدته صحة الجسم وعدم ms124 مهلك من خارج اعتقد أنه لو انتفى ~~الحز وليس ثم علة أخرى وجب انتفاء المعلول لانتفاء جميع العلل ، وهذا ~~الاعتقاد صحيح لو صح اعتقاد التعليل وحصر العلل فيما عرف انتفاؤه فإذا هذه ~~المسألة يطول النزاع فيها ، ولم يشعر أكثر الخائضين فيها بمثارها فينبغي أن ~~نطلب هذا من القانون الذي ذكرناه في عموم قدرة الله تعالى وإبطال التولد ، ~~ويبنى على هذا أن من قتل ينبغي أن يقال إنه مات بأجله لأن الأجل عبارة عن ~~الوقت الذي خلق الله تعالى فيه موته سواء كان معه حز رقبة أو كسوف قمر أو ~~نزول مطر أو لم يكن ، لأن كل هذه عندنا مقترنات وليست مؤثرات ولكن اقتران ~~بعضها يتكرر بالعادة ، وبعضها لا يتكرر ، فأما من جعل الموت سببا طبيعيا PageV01P140 # من الفطرة وزعم أن كل مزاج فله رتبة معلومة في القوة إذا خليت ونفسها ~~تمادت الى منتها مدتها ، ولو فسدت على سبيل الاحترام كان ذلك استعجالا ، ~~بالإضافة إلى مقتضى طباعها ، والأجل عبارة عن المدة الطبيعية ، كما يقال ~~الحائط مثلا يبقى مائة سنة بقدر إحكام بنائه ، ويمكن أن يهدم بالفأس في ~~الحال ، والأجل يعبر به عن مدته التي له بذاته وقوته ، فيلزم من ذلك أن ~~يقال إذا هدم بالفأس لم ينهدم بأجله وإن لم يتعرض له من خارج حتى انحطت ~~أجزاؤه فيقال انهدم بأجله ، فهذا اللفظ ينبئ على ذلك الأصل. ### |||| ** المسألة الثانية وهي اللفظية : فكاختلافهم في أن الايمان هل يزيد وينقص أم هو على رتبة واحدة ، وهذا ~~الاختلاف منشؤه الجهل بكون الاسم مشتركا ، أعني اسم الايمان ، وإذا فصل ~~مسميات هذا اللفظ ارتفع الخلاف ، وهو مشترك بين ثلاثة معان : إذ قد يعبر به ~~عن التصديق اليقين البرهاني ، وقد يعبر به عن الاعتقاد التقليدي إذا كان ~~جزما ، وقد يعبر به عن تصديق معه العمل بموجب التصديق ودليل اطلاقه على ~~الأول أن من عرف الله تعالى بالدليل ومات عقيب معرفته فإنا نحكم بأنه مات ~~مؤمنا ، ودليل اطلاقه على التصديق التقليدي أن جماهير العرب كانوا يصدقون ~~رسول الله تعالى صلى ms125 الله عليه وسلم بمجرد إحسانه إليهم وتلطفه بهم ونظرهم في ~~قوانين أحواله من غير نظر في أدلة الواحدانية ووجه دلالة المعجزة ، وكان ~~يحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بإيمانهم وقد قال تعالى ( @QUR@04 وما أنت ~~بمؤمن لنا ) (1) أي بمصدق ، ولم يفرق بين تصديق وتصديق ، ودليل إطلاقه على ~~الفعل ، قوله عليه السلام : (لا يزني الزاني وهو مؤمن حين يزني) (2) وقوله ~~عليه السلام : (الايمان بضعة وسبعون بابا أدناها إماطة الأذى عن الطريق) (3) ~~فنرجع إلى المقصود ونقول : إن أطلق الإيمان بمعنى التصديق PageV01P141 # البرهاني لم يتصور زيادته ولا نقصانه ، بل اليقين إن حصل بكماله فلا مزيد ~~عليه. وإن لم يحصل بكماله فليس بيقين ، وهي خطة واحدة ولا يتصور فيها زيادة ~~ونقصان إلا أن يراد به زيادة وضوح أي زيادة طمأنينة النفس إليه بأن النفس ~~تطمئن إلى اليقينيات النظرية في الابتداء إلى حل ما ، فإذا تواردت الأدلة ~~على شيء واحد أفاد بظاهر الأدلة زيادة طمأنينة ، وكل من مارس العلوم أدرك ~~تفاوتا في طمأنينة نفسه إلى العلم الضروري ، وهو العلم بأن الاثنين أكثر من ~~الواحد وإلى العلم يحدث العالم وإن محدثه واحد ، ثم يدرك أيضا تفرقة بين ~~آحاد المسائل بكثرة أدلتها وقلتها ، فالتفاوت في طمأنينة النفس مشاهد لكل ~~ناظر من باطنه ، فإذا فسرت الزيادة به لم يمنعه أيضا في هذا التصديق. # أما إذا أطلق بمعنى التصديق التقليدي فذلك لا سبيل إلى جحد التفاوت فيه ؛ ~~فإنا ندرك بالمشاهدة من حال اليهودي في تصميمه على عقده ومن حال النصراني ~~والمسلم تفاوتا ، حتى أن الواحد منهم لا يؤثر في نفسه وحل عقد لمبه ~~التهويلات والتخويفات ولا التحقيقات العلمية ولا التخيلات الإقناعية ، ~~والواحد منهم مع كونه جازما في اعتقاده تكون نفسه أطوع لقبول اليقين ، وذلك ~~لأن الاعتقاد على القلب مثل عقدة ليس فيها انشراح وبرد يقين. والعقدة تختلف ~~في شدتها وضعفها فلا ينكر هذا التفاوت منصف وإنما ينكره الذين سمعوا من ~~العلوم والاعتقادات أساميها ولم يدركوا من أنفسهم ذوقها ، ولم يلاحظوا ~~اختلاف أحوالهم وأحوال غيرهم فيها. # وأما إذا أطلق بالمعنى ms126 الثالث وهو العمل مع التصديق ، فلا يخفى بطرق ~~التفاوت إلى نفس العمل ، وهل يتطرق بسبب المواظبة على العمل تفاوت PageV01P142 # إلى نفس التصديق ، هذا فيه نظر ، وترك المداهنة في مثل هذا المقام أولى ~~والحق أحق ما قيل ، فأقول : إن المواظبة على الطاعات لها تأثير في تأكيد ~~طمأنينة النفس إلى الاعتقاد التقليدي ورسوخه في النفس ، وهذا أمر لا يعرفه ~~إلا من سبر أحوال نفسه وراقبها في وقت المواظبة على الطاعة وفي وقت الفترة ~~ولاحظ تفاوت الحال في باطنه ، فإنه يزداد بسبب المواظبة على العمل أنسة ~~لمعتقداته ، ويتأكد به طمأنينته ، حتى أن المعتقد الذي طالت منه المواظبة ~~على العمل بموجب اعتقاده أعصى نفسا على المحاول تغييره وتشكيكه ممن لم تطل ~~مواظبته ، بل العادات تقضي بها ، فإن من يعتقد الرحمة في قلبه على يتيم فإن ~~أقدم على مسح رأسه وتفقد أمره صادف في قلبه عند ممارسة العمل بموجب الرحمة ~~زيادة تأكيد في الرحمة ، ومن يتواضع بقلبه لغيره فإذا عمل بموجبه ساجدا له ~~أو مقبلا يده ازداد التعظيم والتواضع في قلبه ولذلك تعبدنا بالمواظبة على ~~أفعال هي مقتضى تعظيم القلب من الركوع والسجود ليزداد بسببها تعظيم القلوب ~~، فهذه أمور يجحدها المتحذلقون في الكلام الذين أدركوا ترتيب العلم بسماع ~~الألفاظ ولم يدركوها بذوق النظر. فهذه حقيقة المسألة ، ومن هذا الخبر ~~اختلافهم في معنى الرزق. وقول المعتزلة : إن ذلك مخصوص بما يملكه الإنسان ~~حتى ألزموا أنه لا رزق لله تعالى على البهائم ، فربما قالوا هو مما لم يحرم ~~تناوله ، فقيل لهم فالظلمة ماتوا وقد عاشوا عمرهم لم يرزقوا ، وقد قال ~~أصحابنا إنه عبارة عن المنتفع به كيف كان ، ثم هو منقسم إلى حلال وحرام ، ~~ثم طولوا في حد الرزق وحد النعمة وتضييع الوقت بهذا وأمثاله دأب من لا يميز ~~بين المهم وغيره ولا يعرف قدر بقية عمره ، وإنه لا قيمة له فينبغي أن يضيع ~~العمر إلا بالمهم وبين يدي الأنظار أمور مشكلة البحث عنها أهم من البحث عن ~~موجب الألفاظ ومقتضى الإطلاقات ، فنسأل الله أن يوفقنا للاشتغال ms127 لما ~~يعنينا. PageV01P143 ### |||| ** المسألة الثالثة الفقهية : فمثل اختلافهم في أن الفاسق هل له أن يحتسب؟ وهذا نظر فقهي ، فمن أين ~~يليق بالكلام ثم بالمختصرات. ولكنا نقول الحق أن له أن يحتسب وسبيله التدرج ~~في التصوير ؛ وهو أن نقول : هل يشترط في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~كون الآمر والناهي معصوما عن الصغائر والكبائر جميعا؟ فإن شرط ذلك كان خرقا ~~للاجماع ، فان عصمة الأنبياء عن الكبائر إنما عرفت شرعا ، وعن الصغائر ~~مختلف فيها ، فمتى يوجد في الدنيا معصوم؟ وإن قلتم إن ذلك لا يشترط حتى ~~يجوز للابس الحرير مثلا وهو عاص به أن يمنع من الزنى وشرب الخمر ، فنقول : ~~وهل لشارب الخمر أن يحتسب على الكافر ويمنعه من الكفر ويقاتله عليه؟ فإن ~~قالوا لا ، خرقوا الاجماع إذ جنود المسلمين لم تزل مشتملة على العصاة ~~والمطيعين ولم يمنعوا من الغزو لا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ولا في عصر ~~الصحابة رضي الله عنهم والتابعين ، فإن قالوا نعم ، فنقول : شارب الخمر هل ~~له أن يمنع من القتل أم لا؟ فإن قيل لا ، قلنا : فما الفرق بين هذا وبين ~~لابس الحرير إذا منع من الخمر والزاني إذا منع من الكفر؟ وكما أن الكبيرة ~~فوق الصغيرة فالكبائر أيضا متفاوتة ، فإن قالوا نعم ، وضبطوا ذلك بأن ~~المقدم على شيء لا يمنع من مثله ولا فيما دونه وله أن يمنع مما فوقه ، فهذا ~~الحكم لا مستند له إذ الزنى فوق الشرب ولا يبعد أن يزني ويمنع من الشراب ~~ويمنع منه ، ربما يشرب ويمنع غلمانه وأصحابه من الشرب ، ويقول : ترك ذلك ~~واجب عليكم وعلي والأمر بترك المحرم واجب علي مع الترك فلي أن أتقرب بأحد ~~الواجبين ، ولم يلزمني مع ترك أحدهما ترك الآخر ، فإذن كما يجوز أن يترك ~~الآمر بترك الشرب وهو بتركه يجوز أن يشرب ويأمر بالترك فهما واجبان فلا ~~يلزم بترك أحدهما ترك الآخر ، فإن قيل : فيلزم على هذا أمور شنيعة وهو أن ~~يزني الرجل بامرأة مكرها إياها على التمكين ، فإن قال لها في أثناء ms128 الزنى ~~عند كشفها وجهها باختيارها لا تكشفي وجهك فاني لست محرما لك ، والكشف لغير ~~المحرم حرام ، وأنت مكرهة على الزنى مختارة في كشف الوجه فأمنعك من هذا ، ~~فلا شك من أن هذه PageV01P144 # حسبة باردة شنيعة لا يصير إليها عاقل ؛ وكذلك قوله إن الواجب علي شيئان ~~العمل والأمر للغير ، وأنا أتعاطى أحدهما وإن تركت الثاني كقوله : إن ~~الواجب علي الوضوء دون الصلاة وأنا أصلي وإن تركت الوضوء ، والمسنون في حقي ~~الصوم والتسحر وأنا أتسحر وإن تركت الصوم ، وذلك محال ، لأن السحور للصوم ~~والوضوء للصلاة ، وكل واحد شرط الآخر وهو متقدم في الرتبة على المشروط ، ~~فكذلك نفس المرء مقدمة على غيره ، فليهذب نفسه أولا ثم غيره أما إذا أهمل ~~نفسه واشتغل بغيره كان ذلك عكس الترتيب الواجب ، بخلاف ما إذا هذب نفسه ~~وترك الحسبة وتهذيب غيره ، فإن ذلك معصية ولكنه لا تناقض فيه. وكذلك الكافر ~~ليس له ولاية الدعوة إلى الاسلام ما لم يسلم هو بنفسه ، فلو قال الواجب علي ~~شيئان ولي أن أترك أحدهما دون الثاني لم يكن منه ، والجواب أن حسبة الزاني ~~بالمرأة عليها ومنعها من كشفها وجهها جائزة عندنا ، وقولكم إن هذه حسبة ~~باردة شنيعة فليس الكلام في أنها حارة أو باردة مستلذة أو مستبشعة ، بل ~~الكلام في أنها حق أو باطل وكم من حق مستبرد مستثقل وكم من باطل مستحلى ~~مستعذب ، فالحق غير اللذيذ والباطل غير الشنيع ، والبرهان القاطع فيه هو ~~أنا نقول : قوله لها لا تكشفي وجهك فإنه حرام ، ومنعه إياها بالعمل قول ~~وفعل ، وهذا القول والفعل إما أن يقال هو حرام أو يقال واجب أو يقال هو ~~مباح ، فإن قلتم إنه واجب فهو المقصود ، وإن قلتم إنه مباح فله أن يفعل ما ~~هو مباح ، وإن قلتم إنه حرام فما مستند تحريمه؟ وقد كان هذا واجبا قبل ~~اشتغاله بالزنى فمن أين يصير الواجب حراما باقتحامه محرما ، وليس في قوله ~~الأخير صدق عن الشرع بأنه حرام ، وليس في فعله إلا المنع من اتحاد ما هو ~~حرام ، والقول بتحريم ms129 واحد منهما محال. ولسنا نعني بقولنا للفاسق ولاية ~~الحسبة إلا أن قوله حق وفعله ليس بحرام ، وليس هذا كالصلاة والوضوء فإن ~~الصلاة هي المأمور بها وشرطها الوضوء ، فهي بغير وضوء معصية وليست بصلاة ، ~~بل تخرج عن كونها صلاة وهذا القول لم يخرج عن كونه حقا ولا الفعل PageV01P145 # خرج عن كونه منعا من الحرام ، وكذلك السحور عبارة عن الاستعانة على الصوم ~~بتقديم الطعام ولا تعقل الاستعانة من غير العزم على ايجاد المستعان عليه ، ~~وأما قولكم ان تهذيبه نفسه أيضا شرط لتهذيبه غيره ، فهذا محل النزاع. فمن ~~أين عرفتم ذلك؟ ولو قال قائل : تهذيب نفسه عن المعاصي شرط للغير ومنع ~~الكفار ، وتهذيبه نفسه عن الصغائر شرط للمنع عن الكبائر كان قوله مثل قولكم ~~، وهو خرق للاجماع ، وأما الكافر فإن حمل كافرا آخر بالسيف على الإسلام فلا ~~يمنعه منه ، ويقول عليه أن يقول لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأن ~~يأمر غيره به ولم يثبت أن قوله شرط لأمره ، فله أن يقول وأن يأمر وإن لم ~~ينطق ، فهذا غور هذه المسألة ، وإنما أردنا إيرادها لتعلم أن أمثال هذه ~~المسائل لا تليق بفن الكلام ولا سيما بالمعتقدات المختصرة والله أعلم ~~بالصواب. PageV01P146 ### ||| * الباب الثالث ### ||| * في الامامة # النظر في الإمامة أيضا ليس من المهمات ، وليس أيضا من فن المعقولات فيها ~~من الفقهيات ، ثم إنها مثار للتعصبات والمعرض عن الخوض فيها أسلم من الخائض ~~بل وإن أصاب ، فكيف إذا أخطأ! ولكن إذا جرى الرسم باختتام المعتقدات به ~~أردنا أن نسلك المنهج المعتاد فإن القلوب عن المنهج المخالف للمألوف شديدة ~~النفار ، ولكنا نوجز القول فيه ونقول : النظر فيه يدور على ثلاثة أطراف : ### |||| ** الطرف الأول : في بيان وجوب نصب الإمام. # ولا ينبغي أن تظن أن وجوب ذلك مأخوذ من العقل ، فإنا بينا أن الوجوب يؤخذ ~~من الشرع إلا أن يفسر الواجب بالفعل الذي فيه فائدة وفي تركه أدنى مضرة ، ~~وعند ذلك لا ينكر وجوب نصب الإمام لما فيه من الفوائد ودفع المضار في ~~الدنيا ، ولكنا نقيم البرهان ms130 القطعي الشرعي على وجوبه ولسنا نكتفي بما فيه ~~من إجماع الأمة ، بل ننبه على مستند الإجماع ونقول : نظام أمر الدين مقصود ~~لصاحب الشرع عليه السلام قطعا ، وهذه مقدمة قطعية لا يتصور النزاع فيها ، ~~ونضيف إليها مقدمة أخرى وهو أنه لا يحصل نظام الدين إلا بإمام مطاع فيحصل ~~من المقدمتين صحة الدعوى وهو وجوب نصب الإمام. PageV01P147 # فإن قيل : المقدمة الأخيرة غير مسلمة وهو أن نظام الدين لا يحصل إلا ~~بإمام مطاع ، فدلوا عليها. # فنقول : البرهان عليه أن نظام الدين لا يحصل إلا بنظام الدنيا ، ونظام ~~الدنيا لا يحصل إلا بإمام مطاع ، فهاتان مقدمتان ففي أيهما النزاع؟ فإن قيل ~~لم قلتم إن نظام الدين لا يحصل إلا بنظام الدنيا ، بل لا يحصل إلا بخراب ~~الدنيا ، فإن الدين والدنيا ضدان والاشتغال بعمارة أحدهما خراب الآخر ، ~~قلنا : هذا كلام من لا يفهم ما نريده بالدنيا الآن ، فإنه لفظ مشترك قد ~~يطلق على فضول التنعم والتلذذ والزيادة على الحاجة والضرورة ، وقد يطلق على ~~جميع ما هو محتاج إليه قبل الموت. وأحدهما ضد الدين والآخر شرطه ، وهكذا ~~يغلط من لا يميز بين معاني الألفاظ المشتركة. فنقول : نظام الدين بالمعرفة ~~والعبادة لا يتوصل إليهما إلا بصحة البدن وبقاء الحياة وسلامة قدر الحاجات ~~من الكسوة والمسكن والأقوات ، والأمن هو آخر الآفات ، ولعمري من أصبح آمنا ~~في سربه معافى في بدنه وله قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها ، ~~وليس يأمن الإنسان على روحه وبدنه وماله ومسكنه وقوته في جميع الأحوال بل ~~في بعضها ، فلا ينتظم الدين إلا بتحقيق الأمن على هذه المهمات الضرورية ، ~~وإلا فمن كان جميع أوقاته مستغرقا بحراسة نفسه من سيوف الظلمة وطلب قوته من ~~وجوه الغلبة ، متى يتفرغ للعلم والعمل وهما وسيلتاه إلى سعادة الآخرة ، ~~فإذن بان نظام الدنيا ، أعني مقادير الحاجة شرط لنظام الدين. # وأما المقدمة الثانية وهو أن الدنيا والأمن على الأنفس والأموال لا ينتظم ~~إلا بسلطان مطاع فتشهد له مشاهدة أوقات الفتن بموت السلاطين والأئمة ، وإن ~~ذلك لو دام ولم يتدارك بنصب ms131 سلطان آخر مطاع دام الهرج وعم السيف وشمل القحط ~~وهلكت المواشي وبطلت الصناعات ، وكان كل غلب سلب ولم يتفرغ أحد للعبادة ~~والعلم إن بقي حيا ، والأكثرون يهلكون تحت ظلال السيوف ، ولهذا قيل : الدين ~~والسلطان توأمان ، ولهذا قيل : الدين أس PageV01P148 # والسلطان حارس وما لا أس له فمهدوم وما لا حارس له فضائع ، وعلى الجملة ~~لا يتمارى العاقل في أن الخلق على اختلاف طبقاتهم وما هم عليه من تشتت ~~الأهواء وتباين الآراء لو خلوا وراءهم ولم يكن رأي مطاع يجمع شتاتهم لهلكوا ~~من عند آخرهم ، وهذا داء لا علاج له إلا بسلطان قاهر مطاع يجمع شتاب الآراء ~~، فبان أن السلطان ضروري في نظام الدنيا ، ونظام الدنيا ضروري في نظام ~~الدين ، ونظام الدين ضروري في الفوز بسعادة الآخرة وهو مقصود الأنبياء قطعا ~~، فكان وجوب نصب الإمام من ضروريات الشرع الذي لا سبيل إلى تركه فاعلم ذلك. ### |||| ** الطرف الثاني : في بيان من يتعين من سائر الخلق لأن ينصب إماما. # فنقول : ليس يخفى أن التنصيص على واحد نجعله إماما بالتشهي غير ممكن ، ~~فلا بد له من تميز بخاصية يفارق سائر الخلق بهذا ، فتلك خاصية في نفسه ~~وخاصية من جهة غيره ، أما من نفسه فأن يكون أهلا لتدبير الخلق وحملهم على ~~مراشدهم ، وذلك بالكفاية والعلم والورع ، وبالجملة خصائص القضاة تشترط فيه ~~مع زيادة نسب قريش ؛ وعلم هذا الشرط الرابع بالسمع حيث قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم : (الأئمة من قريش) (1) فهذا تميزه عن أكثر الخلق ولكن ~~ربما يجتمع في قريش جماعة موصوفون بهذه الصفة فلا بد من خاصية أخرى تميزه ، ~~وليس ذلك إلا التولية أو التفويض من غيره ، فإنما يتعين للإمامة مهما وجدت ~~التولية في حقه على الخصوص من دون غيره ، فيبقى الآن النظر في صفة المولى ~~فإن ذلك لا يسلم لكل أحد بل لا بد فيه من خاصية وذلك لا يصدر إلا من أحد ~~ثلاثة : إما التنصيص من جهة النبي صلى الله عليه وسلم ، وإما التنصيص من جهة ~~إمام العصر بأن يعين لولاية العهد شخصا ms132 معينا من أولاده أو سائر قريش ، ~~وإما التفويض PageV01P149 # من رجل ذي شوكة يقتضي انقياده وتفويضه متابعة الآخرين ومبادرتهم إلى ~~المبايعة ، وذلك قد يسلم في بعض الأعصار لشخص واحد مرموق في نفسه مرزوق ~~بالمتابعة مسئول على الكافة ، ففي بيعته وتفويضه كفاية عن تفويض غيره لأن ~~المقصود أن يجتمع شتاب الآراء لشخص مطاع وقد صار الإمام بمبايعة هذا المطاع ~~مطاعا ، وقد لا يتفق ذلك لشخص واحد بل لشخصين أو ثلاثة أو جماعة فلا بد من ~~اجتماعهم وبيعتهم واتفاقهم على التفويض حتى تتم الطاعة ، بل أقول : لو لم ~~يكن بعد وفاة الإمام إلا قرشي واحد مطاع متبع فنهض بالإمامة وتولاها بنفسه ~~ونشأ بشوكته وتشاغل بها واستتبع كافة الخلق بشوكته وكفايته وكان موصوفا ~~بصفات الأئمة فقد انعقدت إمامته ووجبت طاعته ، فانه تعين بحكم شوكته ~~وكفايته ، وفي منازعته إثارة الفتن إلا أن من هذا حاله فلا يعجز أيضا عن ~~أخذ البيعة من أكابر الزمان وأهل الحل والعقد ، وذلك أبعد من الشبهة فلذلك ~~لا يتفق مثل هذا في العادة إلا عن بيعة وتفويض. فإن قيل : فان كان المقصود ~~حصول ذي رأي مطاع يجمع شتاب الآراء ويمنع الخلق من المحاربة والقتال ~~ويحملهم على مصالح المعاش والمعاد ، فلو انتهض لهذا الامر من فيه الشروط ~~كلها سوى شروط القضاء ولكنه مع ذلك يراجع العلماء ويعمل بقولهم فما ذا ترون ~~فيه ، أيجب خلعه ومخالفته أم تجب طاعته؟ قلنا : الذي نراه ونقطع أنه يجب ~~خلعه إن قدر على أن يستبدل عنه من هو موصوف بجميع الشروط من غير إثارة فتنة ~~وتهييج قتال ، وإن لم يكن ذلك إلا بتحريك قتال وجبت طاعته وحكم بإمامته لأن ~~ما يفوتنا من المصارفة بين كونه عالما بنفسه أو مستفتيا من غيره دون ما ~~يفوتنا بتقليد غيره إذا افتقرنا إلى تهييج فتنة لا ندري عاقبتها. وربما ~~يؤدي ذلك إلى هلاك النفوس والأموال ، وزيادة صفة العلم إنما تراعى مزية ~~وتتمة للمصالح فلا يجوز أن يعطل أصل المصالح في التشوق إلى مزاياها ~~وتكملاتها. وهذه مسائل فقهية فيلون المستعبد لمخالفته ms133 المشهود على نفسه ~~استبعاده ولينزل من غلوائه فالأمر أهون مما يظنه ، وقد استقضينا تحقيق هذا ~~المعنى في الكتاب الملقب بالمستظهري المصنف في الرد على PageV01P150 # الباطنية ، فإن قيل فإن تسامحتم بخصلة العلم لزمكم التسامح بخصلة العدالة ~~وغير ذلك من الخصال ، قلنا : ليست هذه مسامحة عن الاختيار ولكن الضرورات ~~تبيح المحظورات ، فنحن نعلم أن تناول الميتة محظور ولكن الموت أشد منه ، ~~فليت شعري من لا يساعد على هذا ويقضي ببطلان الإمامة في عصرنا لفوات شروطها ~~وهو عاجز عن الاستبدال بالمتصدي لها بل هو فاقد للمتصف بشروطها ، فأي ~~أحواله أحسن : أن يقول القضاة معزولون والولايات باطلة والأنكحة غير متعقدة ~~وجميع تصرفات الولاة في أقطار العالم غير نافذة ، وإنما الخلق كلهم مقدمون ~~على الحرام ، أو أن يقول الإمامة منعقدة والتصرفات والولايات نافذة بحكم ~~الحال والاضطرار ، فهو بين ثلاثة أمور إما أن يمنع الناس من الأنكحة ~~والتصرفات المنوطة بالقضاة وهو مستحيل ومؤدي إلى تعطيل المعايش كلها ويفضي ~~إلى تشتيت الآراء ومهلك للجماهير والدهماء أو يقول إنهم يقدمون على الأنكحة ~~والتصرفات ولكنهم مقدمون على الحرام ، إلا أنه لا يحكم بفسقهم ومعصيتهم ~~لضرورة الحال ، وإما أن نقول يحكم بانعقاد الإمامة مع فوات شروطها لضرورة ~~الحال ومعلوم أن البعيد مع الأبعد قريب ، وأهون الشرين خير بالإضافة ، ويجب ~~على العاقل اختياره ، فهذا تحقيق هذا الفصل وفيه غنية عند البصير عن ~~التطويل ولكن من لم يفهم حقيقة الشيء وعلته وإنما يثبت بطول الألفة في سمعه ~~فلا تزال النفرة عن نقيضه في طبعه إذ فطام الضعفاء عن المألوف شديد عجز عنه ~~الأنبياء فكيف غيرهم. # فإن قيل : فهلا قلتم إن التنصيص واجب من النبي والخليفة كي يقطع ذلك دابر ~~الاختلاف كما قالت بعض الإمامية إذ ادعوا أنه واجب ، قلنا : لأنه لو كان ~~واجبا لنص عليه الرسول عليه السلام ، ولم ينص هو ولم ينص عمر أيضا بل ثبتت ~~إمامة أبو بكر وإمامة عثمان وإمامة علي رضي الله عنهم بالتفويض ، فلا تلتفت ~~إلى تجاهل من يدعي أنه صلى الله عليه وسلم نص على علي ms134 لقطع النزاع ولكن ~~الصحابة كابروا النص وكتموه ، فأمثال ذلك يعارض بمثله ويقال : بم تنكرون ~~على من قال إنه نص على أبي بكر فأجمع الصحابة على موافقته النص # الاقتصاد في الاعتقاد (15) PageV01P151 # ومتابعته ، وهو أقرب من تقدير مكابرتهم النص وكتمانه ، ثم إنما يتخيل ~~وجوب ذلك لتعذر قطع الاختلاف وليس ذلك بمعتذر ، فإن البيعة تقطع مادة ~~الاختلاف والدليل عليه عدم الاختلاف في زمان أبي بكر وعثمان رضي الله عنهم ~~، وقد توليا البيعة ، وكثرته في زمان علي رضي الله عنه ومعتقد الإمامية أنه ~~تولى بالنص. ### |||| ** الطرف الثالث : في شرح عقيدة أهل السنة في الصحابة والخلفاء الراشدين رضي الله عنهم. # اعلم أن للناس في الصحابة والخلفاء إسراف في أطراف ؛ فمن مبالغ في الثناء ~~حتى يدعي العصمة للائمة ، ومنهم متهجم على الطعن بطلق اللسان بذم الصحابة ، ~~فلا تكونن من الفريقين واسلك طريق الاقتصاد في الاعتقاد ، واعلم أن كتاب ~~الله مشتمل على الثناء على المهاجرين والأنصار وتواترت الأخبار بتزكية ~~النبي صلى الله عليه وسلم إياهم بألفاظ مختلفة ، كقوله (اصحابي كالنجوم بأيهم ~~اقتديتم اهتديتم) (1) وكقوله : (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم) (2) وما ~~من واحد إلا وورد عليه ثناء خاص في حقه يطول نقله ، فينبغي أن تستصحب هذا ~~الاعتقاد في حقهم ولا تسيء الظن بهم كما يحكى عن أحوال تخالف مقتضى حسن ~~الظن ، فأكثر ما ينقل مخترع بالتعصب في حقهم ولا أصل له وما ثبت نقله ~~فالتأويل متطرق إليه ولم يجز ما لا يتسع العقل لتجويز الخطأ والسهو فيه ، ~~وحمل أفعالهم على قصد الخير وإن لم يصيبوه. والمشهور من قتال معاوية مع علي ~~ومسير عائشة رضي الله عنهم إلى البصرة والظن بعائشة أنها كانت تطلب تطفئة ~~الفتنة ولكن خرج الأمر من الضبط ، فأواخر الأمور لا تبقى على وفق طلب ~~أوائلها ، PageV01P152 # بل تنسل عن الضبط ، والظن بمعاوية أنه كان على تأويل وظن فيما كان ~~يتعاطاه وما يحكى سوى هذا من روايات الآحاد فالصحيح منه مختلط بالباطل ~~والاختلاف أكثره اختراعات الروافض والخوارج وارباب الفضول الخائضون في هذه ~~الفنون ، فينبغي أن تلازم ms135 الإنكار في كل ما لم يثبت ، وما ثبت فيستنبط له ~~تأويلا ، فما تعذر عليك فقل : لعل له تأويلا وعذرا لم أطلع عليه. واعلم أنك ~~في هذا المقام بين أن تسيء الظن بمسلم وتطعن عليه وتكون كاذبا أو تحسن الظن ~~به وتكلف لسانك عن الطعن وأنت مخطئ مثلا ، والخطأ في حسن الظن بالمسلم أسلم ~~من الصواب بالطعن فيهم ، فلو سكت إنسان مثلا عن لعن ابليس أو لعن أبي جهل ~~أو أبي لهب أو من شئت من الأشرار طول عمره لم يضره السكوت ، ولو هفا هفوة ~~بالطعن في مسلم بما هو بريء عند الله تعالى منه فقد تعرض للهلاك ، بل أكثر ~~ما يعلم في الناس لا يحل النطق به لتعظيم الشرع الزجر عن الغيبة ، مع أنه ~~إخبار عما هو متحقق في المغتاب. فمن يلاحظ هذه الفصول ولم يكن في طبعه ميل ~~إلى الفضول آثر ملازمته السكوت وحسن الظن بكافة المسلمين وإطلاق اللسان ~~بالثناء على جميع السلف الصالحين ، هذا حكم الصحابة عامة ، فأما الخلفاء ~~الراشدون فهم أفضل من غيرهم ، وترتيبهم في الفضل عند أهل السنة كترتيبهم في ~~الإمامة ، وهذا لمكان أن قولنا فلان أفضل من فلان أن معناه إن محله عند ~~الله تعالى في الآخرة أرفع ، وهذا غيب لا يطلع عليه إلا الله ورسوله إن ~~أطلعه عليه ، ولا يمكن أن يدعي نصوص قاطعة من صاحب الشرع متواترة مقتضية ~~للفضيلة على هذا الترتيب ، بل المنقول الثناء على جميعهم ، واستنباط حكم ~~الترجيحات في الفضل من دقائق ثنائه عليهم رمي في عماية واقتحام أمر آخر ~~أغنانا الله عنه ، ويعرف الفضل عند الله تعالى بالأعمال مشكل أيضا وغايته ~~رجم ظن ، فكم من شخص متحرم الظاهر وهو عند الله بمكان ليس في قلبه وخلق خفي ~~في باطنه ، وكم من مزين بالعبادات الظاهرة وهو في سخط الله لخبث مستكن PageV01P153 # في باطنه فلا مطلع على السرائر إلا الله تعالى ، ولكن إذا ثبت أنه لا ~~يعرف الفضل إلا بالوحي ولا يعرف من النبي إلا بالسماع وأولى الناس بالسماع ~~ما يدل على ms136 تفاوت الفضائل الصحابة الملازمون لأحوال النبي صلى الله عليه وسلم ~~، وهم قد أجمعوا على تقديم أبي بكر ، ثم نص أبو بكر على عمر ، ثم أجمعوا ~~بعده على عثمان ، ثم على علي رضي الله عنهم. وليس يظن منهم الخيانة في دين ~~الله تعالى لغرض من الأغراض ، وكان إجماعهم على ذلك من أحسن ما يستدل به ~~على مراتبهم في الفضل ، ومن هذا اعتقد أهل السنة هذا الترتيب في الفضل ثم ~~بحثوا عن الأخبار فوجدوا فيها ما عرف به مستند الصحابة وأهل الإجماع في هذا ~~الترتيب. فهذا ما أردنا أن نقتصر عليه من أحكام الإمامة والله أعلم وأحكم. PageV01P154 ### ||| * الباب الرابع ### ||| * بيان من يجب تكفيره من الفرق # اعلم أن للفرق في هذا مبالغات وتعصبات ، فربما انتهى بعض الطوائف إلى ~~تكفير كل فرقة سوى الفرقة التي يعزى إليها ، فإذا أردت أن تعرف سبيل الحق ~~فيه فاعلم قبل كل شيء أن هذه مسألة فقهية ، أعني الحكم بتكفير من قال قولا ~~وتعاطى فعلا ، فإنها تارة تكون معلومة بأدلة سمعية وتارة تكون مظنونة ~~بالاجتهاد ، ولا مجال لدليل العقل فيها البتة ، ولا يمكن تفهيم هذا إلا بعد ~~تفهيم قولنا : إن هذا الشخص كافر والكشف عن معناه ، وذلك يرجع إلى الإخبار ~~عن مستقره في الدار الآخرة وأنه في النار على التأبيد ، وعن حكمه في الدنيا ~~وأنه لا يجب القصاص بقتله ولا يمكن من نكاح مسلمة ولا عصمة لدمه وماله ، ~~إلى غير ذلك من الأحكام. وفيه أيضا إخبار عن قول صادر منه وهو كذب ، أو ~~اعتقاد وهو جهل ، ويجوز أن يعرف بأدلة العقل كون القول كذبا وكون الاعتقاد ~~جهلا ، ولكن كون هذا الكذب والجهل موجبا للتكفير أمر آخر ، ومعناه كونه ~~مسلطا على سفك دمه وأخذ أمواله ، ومعنى كونه مسلطا على سفك دمه وأخذ أمواله ~~ومبيحا لإطلاق القول بأنه مخلد في النار ؛ وهذه الأمور شرعية ويجوز عندنا ~~أن يرد الشرع بأن الكذاب أو الجاهل أو المكذب مخلد في الجنة وغير مكترث ~~بكفره ، وإن ماله ودمه معصوم ويجوز أن يرد بالعكس أيضا نعم ms137 ليس يجوز أن يرد ~~بأن الكذب صدق وأن الجهل علم ، وذلك ليس هو المطلوب بهذه المسألة بل ~~المطلوب أن هذا الجهل والكذب هل جعله الشرع سببا لإبطال عصمته PageV01P155 # والحكم بأنه مخلد في النار؟ وهو كنظرنا في أن الصبي إذا تكلم بكلمتي ~~الشهادة فهو كافر بعد أو مسلم؟ أي هذا اللفظ الذي صدر منه وهو صدق ، ~~والاعتقاد الذي وجد في قلبه وهو حق ، هل جعله الشرع سببا لعصمة دمه وماله ~~أم لا؟ وهذا إلى الشرع ، فأما وصف قوله بأنه كذب أو اعتقاده بأنه جهل ، ~~فليس إلى الشرع ، فإذا معرفة الكذب والجهل يجوز أن يكون عقليا وأما معرفة ~~كونه كافر أو مسلما فليس إلا شرعيا ، بل هو كنظرنا في الفقه في أن هذا ~~الشخص رقيق أو حر ، ومعناه أن السبب الذي جرى هل نصبه الشرع مبطلا لشهادته ~~وولايته ومزيلا لأملاكه ومسقطا للقصاص عن سيده المستولي عليه ، إذا قتله ، ~~فيكون كل ذلك طلبا لأحكام شرعية لا يطلب دليلها إلا من الشرع ، ويجوز ~~الفتوى في ذلك بالقطع مرة وبالظن والاجتهاد أخرى ، فإذا تقرر هذا الأصل فقد ~~قررنا في أصول الفقه وفروعه أن كل حكم شرعي يدعيه مدع فإما أن يعرفه بأصل ~~من أصول الشرع من إجماع أو نقل أو بقياس على أصل ، وكذلك كون الشخص كافرا ~~إما أن يدرك بأصل أو بقياس على ذلك الأصل ، والأصل المقطوع به أن كل من كذب ~~محمدا صلى الله عليه وسلم فهو كافر أي مخلد في النار بعد الموت ، ومستباح الدم ~~والمال في الحياة ، إلى جملة الأحكام ، إلا أن التكذيب على مراتب. ### |||| ** الرتبة الأولى : تكذيب اليهود والنصارى واهل الملل كلهم من المجوس وعبدة الأوثان وغيرهم ، ~~فتكفيرهم منصوص عليه في الكتاب ومجمع عليه بين الأمة ، وهو الأصل وما عداه ~~كالملحق به. ### |||| ** الرتبة الثانية : تكذيب البراهمة المنكرين لأصل النبوات ، والدهرية المنكرين لصانع العالم ~~، وهذا ملحق بالمنصوص بطريق الأولى ، لأن هؤلاء كذبوه وكذبوا غيره من ~~الأنبياء ، أعني البراهمة ، فكانوا بالتكفير أولى من النصارى واليهود ، ~~والدهرية أولى بالتكفير من البراهمة لأنهم أضافوا ms138 إلى تكذيب الأنبياء إنكار ~~المرسل ومن ضرورة إنكار النبوة ، ويلتحق بهذه الرتبة كل من قال قولا لا ~~تثبت النبوة في أصلها أو نبوة نبينا محمد على الخصوص إلا بعد بطلان قوله. PageV01P156 ### |||| ** الرتبة الثالثة : الذين يصدقون بالصانع والنبوة ويصدقون النبي ، ولكن يعتقدون أمورا تخالف ~~نصوص الشرع ولكن يقولون أن النبي محق ، وما قصد بما ذكره إلا صلاح الخلق ~~ولكن لم يقدر على التصريح بالحق لكلال أفهام الخلق عن دركه ، وهؤلاء هم ~~الفلاسفة ، ويجب القطع بتكفيرهم في ثلاثة مسائل وهي : إنكارهم لحشر الأجساد ~~والتعذيب بالنار ، والتنعيم في الجنة بالحور بالعين والمأكول والمشروب ~~والملبوس ، والأخرى : قولهم إن الله لا يعلم الجزئيات وتفصيل الحوادث وإنما ~~يعلم الكليات ، وإنما الجزئيات تعلمها الملائكة السماوية. والثالثة : قولهم ~~إن العالم قديم وإن الله تعالى متقدم على العالم بالرتبة مثل تقدم العلة ~~على المعلول ، وإلا فلم تر في الوجود إلا متساويين ، وهؤلاء إذا أوردوا ~~عليهم آيات القرآن زعموا أن اللذات العقلية تقصر الأفهام عن دركها ، فمثل ~~لهم ذلك باللذات الحسية وهذا كفر صريح ، والقول به إبطال لفائدة الشرائع ~~وسد لباب الاهتداء بنور القرآن واستبعاد للرشد من قول الرسل ، فإنه إذا جاز ~~عليهم الكذب لأجل المصالح بطلت الثقة بأقوالهم فما من قول يصدر عنهم إلا ~~ويتصور أن يكون كذبا ، وإنما قالوا ذلك لمصلحة. فإن قيل : فلم قلتم مع ذلك ~~بأنهم كفرة؟ قلنا لأنه عرف قطعا من الشرع أن من كذب رسول الله فهو كافر ~~وهؤلاء مكذبون ثم معللون للكذب بمعاذير فاسدة وذلك لا يخرج الكلام عن كونه كذبا. ### |||| ** الرتبة الرابعة : المعتزلة والمشبهة والفرق كلها سوى الفلاسفة ، وهم الذين يصدقون ولا ~~يجوزون الكذب لمصلحة وغير مصلحة ، ولا يشتغلون بالتعليل لمصلحة الكذب بل ~~بالتأويل ولكنهم مخطئون في التأويل ، فهؤلاء أمرهم في محل الاجتهاد ، والذي ~~ينبغي أن يميل المحصل إليه الاحتراز من التكفير ما وجد إليه سبيلا ، فإن ~~استباحة الدماء والأموال من المصلين إلى القبلة المصرحين بقول لا إله إلا ~~الله محمد رسول الله خطأ ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون ms139 من الخطأ ~~في سفك محجمة من دم مسلم ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : (أمرت PageV01P157 # أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله ، فإذا قالوها ~~فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها) (1)، وهذه الفرق منقسمون إلى ~~مسرفين وغلاة ، وإلى مقتصدين بالإضافة إليهم ، ثم المجتهد يرى تكفيرهم وقد ~~يكون ظنه في بعض المسائل وعلى بعض الفرق أظهر. وتفصيل آحاد تلك المسائل ~~يطول ثم يثير الفتن والأحقاد ، فإن أكثر الخائضين في هذا إنما يحركهم ~~التعصب واتباع تكفير المكذب للرسول ، وهؤلاء ليسوا مكذبين أصلا ولم يثبت ~~لنا أن الخطأ في التأويل موجب للتكفير ، فلا بد من دليل عليه ، وثبت أن ~~العصمة مستفادة من قول لا إله إلا الله قطعا ، فلا يدفع ذلك إلا بقاطع ، ~~وهذا القدر كاف في التنبيه على أن إسراف من بالغ في التكفير ليس عن برهان ~~فإن البرهان إما أصل أو قياس على أصل ، والأصل هو التكذيب الصريح ومن ليس ~~بمكذب فليس في معنى الكذب أصلا فيبقى تحت عموم العصمة بكلمة الشهادة. ### |||| ** الرتبة الخامسة : من ترك التكذيب الصريح ولكن ينكر أصلا من أصول الشرعيات المعلومة ~~بالتواتر من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كقول القائل : الصلوات الخمس غير ~~واجبة ، فإذا قرئ عليه القرآن والأخبار قال : لست أعلم صدر هذا من رسول ~~الله ، فلعله غلط وتحريف. وكمن يقول : أنا معترف بوجوب الحج ولكن لا أدري ~~أين مكة وأين الكعبة ، ولا أدري أن البلد الذي تستقبله الناس ويحجونه هل هي ~~البلد التي حجها النبي عليه السلام ووصفها القرآن ، فهذا أيضا ينبغي أن يحكم ~~بكفره لأنه مكذب ولكنه محترز عن التصريح ، وإلا فالمتواترات تشترك في دركها ~~العوام والخواص وليس بطلان ما يقوله كبطلان مذهب المعتزلة فإن ذلك يختص ~~لدركه أولوا البصائر من النظار إلا أن يكون هذا الشخص قريب العهد بالاسلام ~~ولم يتواتر عنده بعد هذه الأمور فيمهله إلى أن يتواتر عنده ، ولسنا نكفره ~~لأنه أنكر أمرا معلوما بالتواتر ، وإنه لو أنكر غزوة من غزوات النبي ~~صلى الله عليه ms140 وسلم المتواترة أو أنكر نكاحه حفصة بنت عمر ، PageV01P158 # أو أنكر وجود أبي بكر وخلافته لم يلزم تكفيره لأنه ليس تكذيبا في أصل من ~~أصول الدين مما يجب التصديق به بخلاف الحج والصلاة وأركان الإسلام ، ولسنا ~~نكفره بمخالفة الاجماع ، فإن لنا نظرة في تكفير (النظام) المنكر لأصل ~~الاجماع ، لأن الشبه كثيرة في كون الاجماع حجة قاطعة وإنما الاجماع عبارة ~~عن التطابق على رأي نظري وهذا الذي نحن فيه تطابق على الاخبار غير محسوس ، ~~وتطابق العدد الكبير على الأخبار غير محسوس على سبيل التواتر الموجب للعلم ~~الضروري ، وتطابق أهل الحل والعقد على رأي واحد نظري لا يوجب العلم الا من ~~جهة الشرع ولذلك لا يجوز أن يستدل على حدوث العالم بتواتر الأخبار من ~~النظار الذين حكموا به ، بل لا تواتر إلا في المحسوسات. ### |||| ** الرتبة السادسة : أن لا يصرح بالتكذيب ولا يكذب أيضا أمرا معلوما على القطع بالتواتر من ~~أصول الدين ولكن منكر ما علم صحته إلا الاجماع ، فأما التواتر فلا يشهد له ~~(كالنظام) مثلا ، إذ أنكر كون الاجماع حجة قاطعة في أصله ، وقال : ليس يدل ~~على استحالة الخطأ على أهل الاجماع دليل عقلي قطعي ولا شرعي متواتر لا ~~يحتمل التأويل ، فكلما تستشهد به من الأخبار والآيات له تأويل بزعمه ، وهو ~~في قوله خارق لإجماع التابعين ؛ فإنا نعلم إجماعهم على أن ما أجمع عليه ~~الصحابة حق مقطوع به لا يمكن خلافه فقد أنكر الإجماع وخرق الإجماع وهذا في ~~محل الاجتهاد ، ولي فيه نظر ، إذ الاشكالات كثيرة في وجه كون الاجماع حجة ~~فيكاد يكون ذلك الممهد للعذر ولكن لو فتح هذا الباب انجر إلى أمور شنيعة ~~وهو أن قائلا لو قال : يجوز أن يبعث رسول بعد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، ~~فيبعد التوقف في تكفيره ومستند استحالة ذلك عند البحث تستمد من الاجماع لا ~~محالة فان العقل لا يحيله وما نقل فيه من قوله : (لا نبي بعدي) (1) ومن ~~قوله تعالى : ( @QUR@02 خاتم النبيين ) (2) فلا يعجز هذا القائل PageV01P159 # عن تأويله فيقول : خاتم النبيين أراد به ms141 أولي العزم من الرسل ، فإن قالوا ~~النبيين عام ، فلا يبعد تخصيص العام ، وقوله لا نبي بعدي لم يرد به الرسول ~~، وفرق بين النبي والرسول والنبي أعلى رتبة من الرسول إلى غير ذلك من أنواع ~~الهذيان. فهذا وأمثاله لا يمكن أن ندعي استحالته من حيث مجرد اللفظ فإنا في ~~تأويل ظواهر التشبيه قضينا باحتمالات أبعد من هذه ولم يكن ذلك مبطلا للنصوص ~~، ولكن الرد على هذا القائل أن الأمة فهمت بالإجماع من هذا اللفظ ومن قرائن ~~أحواله أنه أفهم عدم نبي بعده أبدا وعدم رسول الله أبدا وأنه ليس فيه تأويل ~~ولا تخصيص فمنكر هذا لا يكون إلا منكر الإجماع ، وعند هذا يتفرع مسائل ~~متقاربة مشتبكة يفتقر كل واحد منها إلى نظر ، والمجتهد في جميع ذلك يحكم ~~بموجب ظنه يقينا وإثباتا والغرض الآن تحرير معاقد الأصول التي يأتي عليها ~~التكفير وقد نرجع إلى هذه المراتب الستة ولا يعترض فرع إلا ويندرج تحت رتبة ~~من هذه الرتب ، فالمقصود التأصيل دون التفصيل. فإن قيل : السجود بين يدي ~~الصنم كفر ، وهو فعل مجرد لا يدخل تحت هذه الروابط ، فهل هو أصل آخر؟ قلنا ~~: لا ، فإن الكفر في اعتقاده تعظيم الصنم ، وذلك تكذيب لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم والقرآن ولكن يعرف اعتقاده تعظيم الصنم تارة بتصريح لفظه ، ~~وتارة بالإشارة إن كان أخرسا ، وتارة بفعل يدل عليه دلالة قاطعة كالسجود ~~حيث لا يحتمل أن يكون السجود لله وإنما الصنم بين يديه كالحائط وهو غافل ~~عنه أو غير معتقد تعظيمه ، وذلك يعرف بالقرائن. وهذا كنظرنا أن الكافر إذا ~~صلى بجماعتنا هل يحكم باسلامه ، أي هل يستدل على اعتقاد التصديق؟ فليس هذا ~~إذن نظرا خارجا عما ذكرناه ، ولنقتصر على هذا القدر في تعريف مدارك التكفير ~~وإنما أوردناه من حيث أن الفقهاء لم يتعرضوا له والمتكلمون لم ينظروا فيه ~~نظرا فقيها ، إذ لم يكن ذلك من فنهم ، ولم ينبه بعضهم بها لقرب المسألة من ~~الفقهيات ، لأن النظر في الأسباب الموجبة PageV01P160 # للتكفير من حيث أنها أكاذيب وجهالات نظر عقلي. ms142 ولكن النظر من حيث أن تلك ~~الجهالات مقتضية بطلان العصمة وإنما الخلود في النار نظر فقهي وهو المطلوب. # ولنختم الكتاب بهذا ، فقد أظهرنا الاقتصاد في الاعتقاد وحذفنا الحشو ~~والفضول المستغنى عنه ، الخارج من أمهات العقائد ، وقواعدها ، واقتصرنا من ~~أدلة ما أوردناه على الجلي الواضح الذي لا تقصر أكثر الأفهام عن دركه. ~~فنسأل الله تعالى ألا يجعله وبالا علينا ، وأن يضعه في ميزان الصالحات إذا ~~ردت إلينا أعمالنا ، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد خاتم ~~النبيين وعلى آله وسلم تسليما كثيرا آمين. PageV01P161 ### ||| * الفهرست # التمهيد الأول : في بيان ان الخوض في هذا العلم مهم في ~~الدين...................... 6 # التمهيد الثاني : في بيان أن الخوض في هذا العلم ليس بمهم في حق بعض ~~الخلق........ 8 # التمهيد الثالث : في بيان أن الاشتغال في هذا العلم من فروض ~~الكفايات............ 11 # التمهيد الرابع : في بيان مناهج ~~الأدلة........................................... 12 # القطب الأول : في النظر في ذات الله ~~تعالى................................... 19 52 # الدعوى الأولى : وجوده تعالى ~~وبرهانه........................................ 19 # الدعوى الثانية : في ~~القدم.................................................. 26 # الدعوى الثالثة : في ~~البقاء.................................................. 26 # الدعوى الرابعة : في أن صانع العالم ليس ~~بجوهر............................... 28 # الدعوى الخامسة : في أن صانع العالم ليس ~~بجسم.............................. 28 # الدعوى السادسة : في أن صانع العالم ليس ~~بعرض............................ 29 # الدعوى السابعة : في أنه ليس له جهة ~~مخصوصة.............................. 29 # الدعوى الثامنة : في أنه تعالى منزه عن الاستقرار PageV01P163 # على ~~العرش............................................................... 35 # الدعوى التاسعة : في أنه تعالى ~~مرلي.......................................... 41 # الدعوى العاشرة : في أنه تعالى ~~واحد......................................... 48 # القطب الثاني : في الصفات السبعة وما تختص آحاد الصفات وما تشترك فيه.... 53 101 # القسم الأول : في إثبات أصل الصفات وشرح خصوص أحكمها.................. 53 # الصفة الأولى : القدرة وما يدل على عمومها لسائر ~~الممكنات................... 53 # الصفة الثانية : العلم وما دل على عمومه للموجودات ~~والمعدومات............... 64 # الصفة الثالثة : ~~الحياة...................................................... 65 # الصفة الرابعة : الإرادة وأنها متعلقة لجميع ~~الحادثات............................ 65 # الصفة الخامسة والسادسة : في السمع ~~والبصر................................. 71 # الصفة السابعة : ~~الكلام.................................................... 73 # القسم الثاني : في أحكام ~~الصفات............................................. 84 # الحكم الأول : أن الصفات ليست هي الذات ms143 بل زائدة........................ 84 # الحكم الثاني : أن هذه الصفات كلها قائمة ~~بذاته.............................. 90 # الحكم الثالث : أن هذه الصفات كلها ~~قديمة.................................. 91 # الحكم الرابع : أن الأسامي المشتقة لله تعالى من الصفات صادقة عليه أزلا ~~وأبدا.. 100 PageV01P164 # القطب الثالث : في أفعال الله وأنها ~~جائزة.................................. 104 125 # الدعوى الأولى : أنه يجوز أن لا يكلف عباده وفيها بيان معنى الحسن والقبح ~~العقليين 110 # الدعوى الثانية : أن لله تعالى أن يكلف عباده ما يطيقون وما لا ~~يطيقون........ 112 # الدعوى الثالثة : أن الله تعالى قادر على إيلام الحيوان البريء عن ~~الجنايات....... 114 # الدعوى الرابعة : أن لا يجب عليه رعاية الأصلح ~~لعباده....................... 115 # الدعوى الخامسة : أنه تعالى إذا كلف العباد فأطاعوه لم يجب عليه ~~الثواب....... 116 # الدعوى السادسة : أنه لو لم يرد الشرع لما كان يجب على العباد معرفة الله ~~تعالى. 118 # الدعوى السابعة : أن بعثه الأنبياء ~~جائز.................................... 121 # القطب الرابع.......................................................... ~~126 161 # الباب الأول : في اثبات نبوة نبينا محمد ~~صلى الله عليه وسلم........................ 127 # الباب الثاني : في بيان وجوب التصديق بأمور ورد الشرع ~~بها...................... 132 ~~المقدمة................................................................. 132 # الفصل الأول : في بيان قضاء ~~العقل........................................ 133 # الفصل الثاني : في ~~الاعذار................................................ 138 # المسألة الأولى : ~~العقلية................................................... 139 # المسألة الثانية : ~~اللفظية................................................... 141 # المسألة الثالثة : ~~الفقهية................................................... 144 PageV01P165 # الباب الثالث : في ~~الامامة................................................ 147 # الباب الرابع : في بيان من يجب تكفيره من ~~الفرق............................ 155 PageV01P166 ### |EDITOR| ENDNOTES: (1) رواه الامام مالك. والحديث صحيح PageV01P030 (1) سورة الذاريات الآية : 22. PageV01P032 (1) سورة طه الآية : 5. PageV01P034 (1) سورة الحديد الآية : 5 (2) رواه مسلم. (3) رواه مسلم. (4) لا أصل له. (5) في اسناده ضعف ، والحديث رواه ابن خزيمة. PageV01P036 (1) سورة طه الآية : 5 PageV01P037 (1) سورة فصلت الآية : 11. (2) راجع ص 102. (3) سورة يوسف الآية : 82. PageV01P038 (1) سورة غافر الآية : 15. PageV01P039 (1) سورة الاعراف الآية : 143. PageV01P045 (1) سورة الاعراف الآية : 143. (2) سورة الانعام الآية : 103. PageV01P046 (1) سورة الانعام الآية : 103. (2) سورة الاعراف الآية : 143. PageV01P047 (1) سورة الأنبياء الآية : 2 PageV01P051 (1) سورة الشورى الآية : 11. (2) سورة مريم الآية : 42. PageV01P070 (1) سورة يس الآية : 39 ، والعرجون : العذق اذا يبس واعوج. PageV01P080 (1) في صحيح مسلم : «ما أذن الله لشيء كاذنه لنبي حسن الصوت بالقرآن يترنم به.» (2) سورة التوبة الآية : 6. PageV01P081 (1) سورة نوح الآية : 1. (2) سورة ms144 طه الآية : 12. PageV01P094 (1) سورة النحل الآية : 40. (2) سورة ق الآية : 22. (3) سورة طه الآية : 12. (4) سورة نوح الآية : 1. PageV01P097 (1) منفق عليه PageV01P104 (1) سورة فصلت الآية : 46. PageV01P114 (1) سورة الانعام الآية : 102. PageV01P132 (1) سورة يس الآية : 79. PageV01P133 (1) انظر كتاب الجنائز في صحيح البخاري وما يحتوي من احاديث تثبت عذاب القبر ، وجميع هذه الاحاديث صحيحة. (2) اخرجه البخاري. (3) سورة غافر الآيات : (45 46). وحاق : احاط. PageV01P134 (1) سورة الأنبياء الآية : 23. PageV01P136 (1) سورة الصافات الآية : 24. PageV01P137 (1) سورة يوسف الآية : 17. (2) متفق عليه ولفظ البخاري : «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن». (3) رواه مسلم بلفظ : «الايمان بضع وسبعون او بضع وستون شعبة ، PageV01P140 فأفضلها قول لا إله الا الله ، وادناها إماطة الاذى عن الطريق والحياء شعبة من الايمان» عن ابي هريرة . PageV01P141 (1) رواه الامام احمد بن حنبل في مسنده ، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد : «ورجال احمد ثقات». PageV01P148 (1) حديث موضوع. (2) رواه مسلم. PageV01P151 (1) رواه البخاري ومسلم. PageV01P157 (1) روى مسلم في كتاب الفضائل : «وانا خاتم النبيين». (2) سورة الاحزاب الآية : 40. PageV01P158 ms145