######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0009217 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي (المتوفى: 505هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 505 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الاقتصاد في الاعتقاد #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: العقيدة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0009217 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-9217 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/9217 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1424 هـ - 2004 م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي اجتبى من صفوة عباده عصابة الحق وأهل السنة، وخصهم من بين ~~سائر الفرق بمزايا اللطف والمنة، وأفاض عليهم من نور هدايته ما كشف به عن ~~حقائق الدين، وأنطق ألسنتهم بحجته التي قمع بها ضلال الملحدين، وصفى ~~سرائرهم من وساوس الشياطين، وطهر ضمائرهم عن نزغات الزائغين، وعمر أفئدتهم ~~بأنوار اليقين حتى اهتدوا بها إلى أسرار ما أنزله على لسان نبيه وصفيه محمد ~~صلى الله عليه وسلم سيد المرسلين، واطلعوا على طريق التلفيق بين مقتضيات ~~الشرائع وموجبات العقول؛ وتحققوا أن لا معاندة بين الشرع المنقول والحق ~~المعقول. وعرفوا أن من ظن من الحشوية وجوب الجمود على التقليد، واتباع ~~الظواهر ما أتوا به إلا من ضعف العقول وقلة البصائر. وإن من تغلغل من ~~الفلاسفة وغلاة المعتزلة في تصرف العقل حتى صادموا به قواطع الشرع، ما أتوا ~~به إلا من خبث الضمائر. فميل أولئك إلى التفريط وميل هؤلاء إلى الافراط، ~~وكلاهما بعيد عن الحزم والاحتياط. بل الواجب المحتوم في قواعد الاعتقاد ~~ملازمة الاقتصاد والاعتماد على الصراط المستقيم؛ فكلا طرفي قصد الأمور ~~ذميم. وأنى يستتب الرشاد لمن يقنع بتقليد # PageV01P009 # الأثر والخبر، وينكر مناهج البحث والنظر، أو لا يعلم انه لا مستند للشرع ~~إلا قول سيد البشر صلى الله عليه وسلم، وبرهان العقل هو الذي عرف به صدقه ~~فيما أخبر، وكيف يهتدي للصواب من اقتفى محض العقل واقتصر، وما استضاء بنور ~~الشرع ولا استبصر؟ فليت شعري كيف يفزع إلى العقل من حيث يعتريه العي ~~والحصر؟ أو لا يعلم ان العقل قاصر وأن مجاله ضيق منحصر؟ هيهات قد خاب على ~~القطع والبتات وتعثر بأذيال الضلالات من لم يجمع بتأليف الشرع والعقل هذا ~~الشتات. فمثال العقل البصر السليم عن الآفات والاذاء. ومثال القرآن الشمس ~~المنتشرة الضياء. فاخلق بأن يكون طالب الاهتداء. المستغني إذا استغني ~~بأحدهما عن الآخر في غمار الأغبياء، فالمعرض عن العقل مكتفيا بنور القرآن، ~~مثاله المتعرض لنور الشمس مغمضا للأجفان، فلا فرق بينه وبين العميان. ~~فالعقل مع الشرع نور ms001 على نور، والملاحظ بالعين العور لأحدهما على الخصوص ~~متدل بحبل غرور. وسيتضح لك أيها المشوق إلى الاطلاع على قواعد عقائد أهل ~~السنة، المقترح تحقيقها بقواطع الأدلة، أنه لم يستأثر بالتوفيق للجمع بين ~~الشرع والتحقيق فريق سوى هذا الفريق. فاشكر الله تعالى على إقتفائك لآثارهم ~~وانخراطك في سلك نظامهم وعيارهم واختلاطك بفرقتهم؛ فعساك أن تحشر يوم ~~القيامة في زمرتهم. نسأل الله تعالى أن يصفي أسرارنا عن كدورات الضلال، ~~ويغمرها بنور الحقيقة، وأن يخرس ألسنتنا عن النطق بالباطل، وينطقها بالحق ~~والحكمة إنه الكريم الفائض المنة الواسع الرحمة. ### | باب # ولنفتح الكلام ببيان اسم الكتاب، وتقسيم المقدمات والفصول والأبواب. أما ~~اسم الكتاب فهو الاقتصاد في الاعتقاد. وأما ترتيبه فهو مشتمل على أربع ~~تمهيدات تجري مجرى التوطئة والمقدمات، وعلى أربع أقطاب تجري مجرى المقاصد ~~والغايات. ### | التمهيد الأول: في بيان أن # هذا العلم من المهمات في الدين. # التمهيد الثاني: في بيان أنه ليس مهما لجميع المسلمين بل لطائفة منهم ~~مخصوصين. # التمهيد الثالث: في بيان أنه من فروض الكفايات لا من فروض الأعيان. # التمهيد الرابع: في تفصيل مناهج الأدلة التي أوردتها في هذا الكتاب. # وأما الأقطاب المقصودة فأربعة وجملتها مقصورة على النظر في الله تعالى. ~~فإنا إذا نظرنا في العالم لم ننظر فيه من حيث أنه عالم وجسم وسماء وأرض، بل ~~من حيث # PageV01P010 # أنه صنع الله سبحانه. وإن نظرنا في النبي عليه السلام لم ننظر فيه من حيث ~~أنه انسان وشريف وعالم وفاضل؛ بل من حيث أنه رسول الله. وان نظرنا في ~~أقواله لم ننظر من حيث أنها أقوال ومخاطبات وتفهيمات؛ بل من حيث أنها ~~تعريفات بواسطته من الله تعالى، فلا نظر إلا في الله ولا مطلوب سوى الله ~~وجميع أطراف هذا العلم يحصرها النظر في ذات الله تعالى وفي صفاته سبحانه ~~وفي أفعاله عز وجل وفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما جاءنا على لسانه ~~من تعريف الله تعالى. فهي إذن أربعة أقطاب: # القطب الأول: النظر في ذات الله تعالى. فنبين فيه وجوده وانه قديم ms002 وأنه ~~باق وأنه ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا محدود بحد ولا هو مخصوص بجهة، وأنه ~~مرئي كما أنه معلوم وأنه واحد؛ فهذه عشرة دعاوى نبينها في هذا القطب. # القطب الثاني: في صفات الله تعالى. ونبين فيه أنه حي عالم قادر مريد سميع ~~بصير متكلم وأن له حياة وعلما وقدرة وإرادة وسمعا وبصرا وكلاما، ونذكر ~~أحكام هذه الصفات ولوازمها وما يفترق فيها وما يجتمع فيها من الأحكام، وأن ~~هذه الصفات زائدة على الذات وقديمة وقائمة بالذات ولا يجوز أن يكون شيء من ~~الصفات حادثا. # القطب الثالث: في أفعال الله تعالى. وفيه سبعة دعاوى وهو انه لا يجب على ~~الله تعالى التكليف ولا الخلق ولا الثواب على التكليف ولا رعاية صلاح ~~العباد ولا يستحيل منه تكليف ما لا يطاق ولا يجب عليه العقاب على المعاصي ~~ولا يستحيل منه بعثه الأنبياء عليهم السلام؛ بل يجوز ذلك. وفي مقدمة هذا ~~القطب بيان معنى الواجب والحسن والقبيح. # القطب الرابع: في رسل الله، وما جاء على لسان رسولنا محمد صلى الله عليه ~~وسلم من الحشر والنشر والجنة والنار والشفاعة وعذاب القبر والميزان ~~والصراط، وفيه أربعة أبواب: الباب الأول: في إثبات نبوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم. # الباب الثاني: فيما ورد على لسانه من أمور الآخرة. # الباب الثالث: في الإمامة وشروطها. # الباب الرابع: في بيان القانون في تكفير الفرق المبتدعة. # PageV01P011 ### | التمهيد الأول في بيان أن ### | الخوض في هذا العلم مهم في الدين # اعلم أن صرف الهمة إلى ما ليس بمهم، وتضييع الزمان بما عنه بد هو غاية ~~الضلال ونهاية الخسران سواء كان المنصرف إليه بالهمة من العلوم أو من ~~الأعمال، فنعوذ بالله من علم لا ينفع. وأهم الأمور لكافة الخلق نيل السعادة ~~الأبدية واجتناب الشقاوة الدائمة، وقد ورد الأنبياء وأخبروا الخلق بأن لله ~~تعالى على عباده حقوقا ووظائف في أفعالهم وأقوالهم وعقائدهم. وأن من لم ~~ينطق بالصدق لسانه ولم ينطو على الحق ضميره ولم تتزين بالعدل جوارحه فمصيره ~~إلى النار وعاقبته للبوار. ثم لم يقتصروا ms003 على مجرد الإخبار بل استشهدوا على ~~صدقهم بأمور غريبة وأفعال عجيبة خارقة للعادات خارجة عن مقدورات البشر، فمن ~~شاهدها أو سمع أحوالها بالأخبار المتواترة سبق إلى عقله إمكان صدقهم، بل ~~غلب على ظنه ذلك بأول السماع قبل أن يمعن النظر في تمييز المعجزات عن عجائب ~~الصناعات. وهذا الظن البديهي أو التجويز الضروري ينزع الطمأنينة عن القلب ~~ويحشوه بالاستشعار والخوف ويهيجه للبحث والافتكار ويسلب عنه الدعة والقرار ~~ويحذره مغبة التساهل والإهمال ويقرر عنده أن الموت آت لا محالة وأن ما بعد ~~الموت منطو عن أبصار الخلق وأن ما أخبر به هؤلاء غير خارج عن حيز الإمكان. ~~فالحزم ترك التواني في الكشف عن حقيقة هذا الأمر. فما هؤلاء مع العجائب ~~التي أظهروها في إمكان صدقهم قبل البحث عن تحقيق قولهم بأقل من شخص واحد ~~يخبرنا عن خروجنا من دارنا ومحل استقرارنا بأن سبعا من السباع قد دخل الدار ~~فخذ حذرك واحترز منه لنفسك جهدك، فإنا بمجرد السماع إذا رأينا ما أخبرنا ~~عنه في محل الامكان والجواز لم نقدم على الدخول وبالغنا في الاحتراز فالموت ~~هو المستقر والوطن قطعا، فكيف لا يكون الاحتراز لما بعده مهما؟ فإذن أهم ~~الممات أن نبحث عن قوله الذي قضى الذهن في بادئ الرأي وسابق النظر بامكانه ~~أهو محال في نفسه على التحقيق أو هو حق لا شك فيه؟ فمن # PageV01P012 # قوله ان لكم ربا كلفكم حقوقا وهو يعاقبكم على تركها ويثيبكم على فعلها ~~وقد بعثني رسولا إليكم لأبين ذلك لكم، فيلزمنا لا محالة أن نعرف أن لنا ربا ~~أم لا. وإن كان فهل يمكن أن يكون حيا متكلما حتى يأمر وينهى ويكلف ويبعث ~~الرسل، وإن كان متكلما فهل هو قادر على أن يعاقب ويثيب إذا عصيناه أو ~~أطعناه، وإن كان قادرا فهل هذا الشخص بعينه صادق في قوله أنا الرسول إليكم. ~~فإن اتضح لنا ذلك لزمنا لا محالة، إن كنا عقلاء، أن نأخذ حذرنا وننظر ~~لأنفسنا ونستحقر هذه الدنيا المنقرضة بالاضافة إلى الآخرة الباقية فالعاقل ~~من ينظر لعاقبته ms004 ولا يغتر بعاجلته. ومقصود هذا العلم إقامة البرهان على ~~وجود الرب تعالى وصفاته وأفعاله وصدق الرسل كما فصلناه في الفهرست. وكل ذلك ~~مهم لا محيص عنه لعاقل. # فإن قلت اني لست منكرا هذا الانبعاث للطلب من نفسي ولكني لست أدري أنه ~~ثمرة الجبلة والطبع وهو مقتضى العقل أو هو موجب الشرع إذ للناس كلام في ~~مدارك الوجوب؛ فهذا انما تعرفه في آخر الكتاب عند تعرضنا لمدارك الوجوب. ~~والاشتغال به الآن فضول بل لا سبيل بعد وقوع الانبعاث إلى الانتهاض لطلب ~~الخلاص. فمثال الملتفت إلى ذلك مثال رجل لدغته حية أو عقرب وهي معاودة ~~اللدغ والرجل قادر على الفرار ولكنه متوقف ليعرف ان الحية جاءته من جانب ~~اليمين أو من جانب اليسار، وذلك من أفعال الأغبياء الجهال نعوذ بالله من ~~الاشتغال بالفضول مع تضييع المهمات والأصول. # PageV01P013 ### | التمهيد الثاني ### | في بيان الخوض في هذا العلم ### | وإن كان مهما فهو في حق بعض الخلق ليس بمهم بل المهم لهم تركه # إعلم أن الأدلة التي نحررها في هذا العلم تجري مجرى الأدوية التي يعالج ~~بها مرض القلوب. والطبيب المستعمل لها إن لم يكن حاذقا ثاقب العقل رصين ~~الرأي كان ما يفسده بدوائه أكثر مما يصلحه. فليعلم المحصل لمضمون هذا ~~الكتاب والمستفيد لهذه العلوم أن الناس أربع فرق: الفرقة الأولى: آمنت ~~بالله وصدقت رسوله واعتقدت الحق وأضمرته واشتغلت إما بعبادة وإما بصناعة؛ ~~فهؤلاء ينبغي أن يتركوا وما هم عليه ولا تحرك عقائدهم بالاستحثاث على تعلم ~~هذا العلم، فإن صاحب الشرع صلوات الله عليه لم يطالب العرب في مخاطبته ~~إياهم بأكثر من التصديق ولم يفرق بين أن يكون ذلك بإيمان وعقد تقليدي أو ~~بيقين برهاني. وهذا مما علم ضرورة من مجاري أحواله في تزكيته إيمان من سبق ~~من أجلاف العرب إلى تصديقه ببحث وبرهان؛ بل بمجرد قرينة ومخيلة سبقت إلى ~~قلوبهم فقادتها إلى الإذعان للحق والانقياد للصدق فهؤلاء مؤمنون حقا فلا ~~ينبغي أن تشوش عليهم عقائدهم، فإنه إذا تليت عليهم هذه البراهين وما عليها ~~من الاشكالات ms005 وحلها لم يؤمن أن تعلق بأفهامهم مشكلة من المشكلات وتستولي ~~عليها ولا تمحى عنها بما يذكر من طرق الحل. ولهذا لم ينقل عن الصحابة الخوض ~~في هذا الفن لا بمباحثة ولا بتدريس ولا تصنيف، بل كان شغلهم بالعبادة ~~والدعوة إليها وحمل الخلق على مراشدهم ومصالحهم في أحوالهم وأعمالهم ~~ومعاشهم فقط. # الفرقة الثانية: طائفة مالت عن اعتقاد الحق كالكفرة والمبتدعة. فالجافي ~~الغليظ منهم الضعيف العقل الجامد على التقليد الممتري على الباطل من مبتدأ ~~النشوء إلى كبر السن لا ينفع معه إلا السوط والسيف. فأكثر الكفرة أسلموا ~~تحت ظلال السيوف إذ يفعل الله بالسيف والسنان ما لا يفعل بالبرهان واللسان. ~~وعن هذا إذا استقرأت تواريخ الأخبار لم تصادف ملحمة بين المسلمين والكفار ~~إلا انكشفت عن جماعة من أهل الضلال مالوا إلى الانقياد، ولم تصادف مجمع ~~مناظرة ومجادلة انكشفت إلا عن زيادة إصرار وعناد. ولا تظنن أن هذا الذي ~~ذكرناه غض من منصب العقل وبرهانه # PageV01P014 # ولكن نور العقل كرامة لا يخص الله بها إلا الآحاد من أوليائه، والغالب ~~على الخلق القصور والاهمال، فهم لقصورهم لا يدركون براهين العقول كما لا ~~تدرك نور الشمس أبصار الخفافيش. فهؤلاء تضر بهم العلوم كما تضر رياح الورد ~~بالجعل. وفي مثل هؤلاء قال الامام الشافعي رحمه الله: # فمن منح الجهال علما أضاعه ... ومن منع المستوجبين فقد ظلم # الفرقة الثالثة: طائفة اعتقدوا الحق تقليدا وسماعا ولكن خصوا في الفطرة ~~بذكاء وفطنة فتنبهوا من أنفسهم لإشكالات تشككهم في عقائدهم وزلزلت عليهم ~~طمأنينتهم، أو قرع سمعهم شبهة من الشبهات وحاكت في صدورهم. فهؤلاء يجب ~~التلطف بهم في معالجتهم باعادة طمأنينتهم وإماطة شكوكهم بما أمكن من الكلام ~~المقنع المقبول عندهم ولو بمجرد إستبعاد وتقبيح أو تلاوة آية أو رواية حديث ~~أو نقل كلام من شخص مشهور عندهم بالفضل. فإذا زال شكه بذلك القدر فلا ينبغي ~~أن يشافه بالأدلة المحررة على مراسم الجدال، فإن ذلك ربما يفتح عليه أبوابا ~~أخر من الإشكالات. فإن كان ذكيا فطنا لم يقنعه إلا كلام يسير على محك ms006 ~~التحقيق. فعند ذلك يجوز أن يشافه بالدليل الحقيقي وذلك على حسب الحاجة وفي ~~موضع الاشكال على الخصوص. # الفرقة الرابعة: طائفة من أهل الضلال يتفرس فيهم مخائل الذكاء والفطنة ~~ويتوقع منهم قبول الحق بما اعتراهم في عقائدهم من الريبة أو بما يلين ~~قلوبهم لقبول التشكيك بالجبلة والفطرة. فهؤلاء يجب التلطف بهم في استمالتهم ~~إلى الحق وإرشادهم إلى الاعتقاد الصحيح لا في معرض المحاجة والتعصب، فإن ~~ذلك يزيد في دواعي الضلال ويهيج بواعث التمادي والإصرار. وأكثر الجهالات ~~إنما رسخت في قلوب العوام بتعصب جماعة من جهال أهل الحق أظهروا الحق في ~~معرض التحري والادلاء، ونظروا إلى ضعفاء الخصوم بعين التحقير والإزراء. ~~فثارت من بواطنهم دواعي المعاندة والمخالفة ورسخت في نفوسهم الاعتقادات ~~الباطلة وعسر على العلماء المتلطفين محوها مع ظهور فسادها، حتى انتهى ~~التعصب بطائفة إلى أن اعتقدوا أن الحروف التي نظروا بها في الحال بعد ~~السكوت عنها طول العمر قديمة. ولولا استيلاء الشيطان بواسطة العناد والتعصب ~~للأهواء لما وجد مثل هذا الاعتقاد مستقرا في قلب مجنون فضلا عمن له قلب ~~عاقل. والمجادلة والمعاندة داء محض لا دواء له، فليتحرز المتدين منه جهده ~~وليترك الحقد والضغينة وينظر إلى كافة خلق الله بعين الرحمة، وليستعن ~~بالرفق واللطف في ارشاد من ضل من هذه الأمة، وليتحفظ من النكد الذي يحرك ~~داعية الضلال، وليتحقق أن مهيج داعية الاصرار بالعناد والتعصب معين على ~~الاصرار على البدعة ومطالب بعهده اعانته في القيامة. # PageV01P015 ### | التمهيد الثالث في بيان ### | الاشتغال بهذا العلم من فروض الكفايات # إعلم أن التبحر في هذا العلم والاشتغال بمجامعه ليس من فروض الأعيان وهو ~~من فروض الكفايات. فأما أنه ليس من فروض الأعيان فقد إتضح لك برهانه في ~~التمهيد الثاني. إذ تبين أنه ليس يجب على كافة الخلق إلا التصديق الجزم ~~وتطهير القلب عن الريب والشك في الإيمان. وإنما تصير إزالة الشك فرض عين في ~~حق من اعتراه الشك. # فإن قلت فلم صار من فروض الكفايات وقد ذكرت أن أكثر الفرق يضرهم ذلك ولا ~~ينفعهم؟ فاعلم أنه ms007 قد سبق أن ازالة الشكوك في أصول العقائد واجبة، واعتوار ~~الشك غير مستحيل وإن كان لا يقع إلا في الأقل، ثم الدعوة إلى الحق بالبرهان ~~مهمة في الدين. ثم لا يبعد أن يثور مبتدع ويتصدى لإغواء أهل الحق بإفاضة ~~الشبهة فيهم فلا بد ممن يقاوم شبهته بالكشف ويعارض إغواءه بالتقبيح، ولا ~~يمكن ذلك إلا بهذا العلم. ولا تنفك البلاد عن أمثال هذه الوقائع، فوجب أن ~~يكون في كل قطر من الأقطار وصقع من الأصقاع قائم بالحق مشتغل بهذا العلم ~~يقاوم دعاة المبتدعة ويستميل المائلين عن الحق ويصفي قلوب أهل السنة عن ~~عوارض الشبهة. فلو خلا عنه القطر خرج به أهل القطر كافة، كما لو خلا عن ~~الطبيب والفقيه. نعم من أنس من نفسه تعلم الفقه أو الكلام وخلا الصقع عن ~~القائم بهما ولم يتسع زمانه للجمع بينهما واستفتي # PageV01P016 # في تعيين ما يشتغل به منهما؛ أوجبنا عليه الاشتغال بالفقه فإن الحاجة ~~إليه أعم والوقائع فيه أكثر فلا يستغني أحد في ليله ونهاره عن الاستعانة ~~بالفقه. واعتوار الشكوك المحوجة إلى علم الكلام باد بالإضافة إليه كما أنه ~~لو خلا البلد عن الطبيب والفقيه كان التشاغل بالفقه أهم؛ لأنه يشترك في ~~الحاجة إليه الجماهير والدهماء. فأما الطب فلا يحتاج إليه الأصحاء، والمرضى ~~أقل عددا بالإضافة إليهم. ثم المريض لا يستغني عن الفقه كما لا يستغني عن ~~الطب وحاجته إلى الطب لحياته الفانية وإلى الفقه لحياته الباقية وشتان بين ~~الحالتين. فإذا نسبت ثمرة الطب إلى ثمرة الفقه علمت ما بين الثمرتين. ويدلك ~~على أن الفقه أهم العلوم اشتغال الصحابة رضي الله عنهم بالبحث عنه في ~~مشاورتهم ومفاوضاتهم. ولا يغرنك ما يهول به من يعظم صناعة الكلام من أنه ~~الأصل والفقه فرع له فإنها كلمة حق ولكنها غير نافعة في هذا المقام، فإن ~~الأصل هو الاعتقاد الصحيح والتصديق الجزم وذلك حاصل بالتقليد والحاجة إلى ~~البرهان ودقائق الجدل نادرة. والطبيب أيضا قد يلبس فيقول وجودك ثم وجودك ثم ~~وجود بدنك موقوف على صناعتي وحياتك منوطة بي ms008 فالحياة والصحة أولا ثم ~~الاشتغال بالدين ثانيا. ولكن لا يخفى ما تحت هذا الكلام من التمويه وقد ~~نبهنا عليه. # PageV01P017 ### | التمهيد الرابع ### | في بيان مناهج الأدلة ### | التي انتهجناها في هذا الكتاب # إعلم أن مناهج الأدلة متشعبة وقد أوردنا بعضها في كتاب محك النظر وأشبعنا ~~القول فيها في كتاب معيار العلم. ولكنا في هذا الكتاب نحترز عن الطرق ~~المتغلقة والمسالك الغامضة قصدا للايضاح وميلا إلى الإيجاز واجتنابا ~~للتطويل. ونقتصر على ثلاثة مناهج: المنهج الأول: السبر والتقسيم وهو ان ~~نحصر الأمر في قسمين ثم يبطل أحدهما فيلزم منه ثبوت الثاني. كقولنا: العالم ~~إما حادث وإما قديم، ومحال أن يكون قديما فيلزم منه لا محالة أن يكون حادثا ~~أنه حادث وهذا اللازم هو مطلوبنا وهو علم مقصود إستفدناه من علمين آخرين ~~أحدهما قولنا: العالم إما قديم أو حادث فإن الحكم بهذا الانحصار علم. # والثاني: قولنا ومحال أن يكون قديما فإن هذا علم آخر. # والثالث: هو اللازم منهما وهو المطلوب بأنه حادث. وكل علم مطلوب، فلا ~~يمكن أن يستفاد الا من علمين هما أصلان ولا كل أصلين، بل إذا وقع بينهما ~~إزدواج على وجه مخصوص وشرط مخصوص، فإذا وقع الازدواج على شرطه أفاد علما ~~ثالثا وهو المطلوب، وهذا الثالث قد نسميه دعوى إذا كان لنا خصم، ونسميه ~~مطلوبا إذا كان لم يكن لنا خصم، لأنه مطلب الناظر ونسميه فائدة وفرعا ~~بالاضافة إلى # PageV01P018 # الأصلين فإنه مستفاد منهما. ومهما أقر الخصم بالأصلين يلزمه لا محالة ~~الاقرار بالفرع المستفاد منهما وهو صحة الدعوى. # المنهج الثاني: أن نرتب أصلين على وجه آخر مثل قولنا: كل ما لا يخلو عن ~~الحوادث فهو حادث وهو أصل، والعالم لا يخلو عن الحوادث فهو أصل آخر، فيلزم ~~منهما صحة دعوانا وهو أن العالم حادث وهو المطلوب فتأمل. هل يتصور أن يقر ~~الخصم بالأصلين ثم يمكنه إنكار صحة الدعوى فتعلم قطعا أن ذلك محال. # المنهج الثالث: أن لا نتعرض لثبوت دعوانا، بل ندعي إستحالة دعوى الخصم ~~بأن نبين أنه مفض إلى المحال وما يفضي ms009 إلى المحال فهو محال لا محالة. ~~مثاله: قولنا إن صح قول الخصم أن دورات الفلك لا نهاية لها لزم منه صحة قول ~~القائل أن ما لا نهاية له قد انقضى وفرغ منه، ومعلوم أن هذا اللازم محال ~~فيعلم منه لا محالة أن المفضي إليه محال وهو مذهب الخصم. فههنا أصلان: ~~أحدهما قولنا إن كانت دورات الفلك لا نهاية لها فقد انقضى ما لا نهاية له، ~~فإن الحكم بلزوم إنقضاء ما لا نهاية له - على القول بنفي النهاية عن دورات ~~الفلك - علم ندعيه ونحكم به. ولكن يتصور فيه من الخصم إقرارا وإنكار بأن ~~يقول: لا أسلم أنه يلزم ذلك. والثاني قولنا إن هذا اللازم محال فإنه أيضا ~~أصل يتصور فيه إنكار بأن يقول: سلمت الأصل الأول ولكن لا أسلم هذا الثاني ~~وهو إستحالة إنقضاء ما لا نهاية له، ولكن لو أقر بالأصلين كان الاقرار ~~بالمعلوم الثالث اللازم منهما واجبا بالضرورة؛ وهو الاقرار باستحالة مذهبه ~~المفضي إلى هذا المحال. # فهذه ثلاث مناهج في الاستدلال جلية لا يتصور إنكار حصول العلم منها، ~~والعلم الحاصل هو المطلوب والمدلول، وازدواج الأصلين الملتزمين لهذا العلم ~~هو الدليل. والعلم بوجه لزوم هذا المطلوب من ازدواج الأصلين علم بوجه دلالة ~~الدليل، وفكرك الذي هو عبارة عن إحضارك الأصلين في الذهن وطلبك التفطن لوجه ~~لزوم العلم الثالث من العلمين الأصلين هو النظر؛ فإذن عليك في درك العلم ~~المطلوب وظيفتان؛ إحداهما: إحضار الأصلين في الذهن وهذا يسمى فكرا، والآخر: ~~تشوقك إلى التفطن لوجه لزوم المطلوب من ازدواج الأصلين وهذا يسمى طلبا. ~~فلذلك قال من جرد التفاته إلى الوظيفة الأولى حيث أراد حد النظر أنه الفكر. ~~وقال من جرد التفاته إلى الوظيفة الثانية في حد النظر أنه طلب علم أو غلبة ~~ظن. وقال من التفت إلى الأمرين جميعا أنه الفكر الذي يطلب به من قام به ~~علما أو غلبة ظن. # PageV01P019 # فهكذا ينبغي أن تفهم الدليل والمدلول ووجه الدلالة وحقيقة النظر ودع عنك ~~ما سودت به أوراق كثيرة من تطويلات وترديد عبارات ms010 لا تشفي غليل طالب ولا ~~تسكن نهمة متعطش ولن يعرف قدر هذه الكلمات الوجيزة إلا من انصرف خائبا عن ~~مقصده بعد مطالعة تصانيف كثيرة. فإن رجعت الآن في طلب الصحيح إلى ما قيل في ~~حد النظر دل ذلك على انك تخص من هذا الكلام بطائل ولن ترجع منه إلى حاصل، ~~فإنك إذا عرفت أنه ليس ههنا إلا علوم ثلاثة: علمان هما أصلان يترتبان ترتبا ~~مخصوصا، وعلم ثالث يلزم منهما وليس عليك فيه الا وظيفتان: إحداهما إحضار ~~العلمين في ذهنك، والثانية التفطن لوجه العلم الثالث منهما. والخيرة بعد ~~ذلك اليك في اطلاق لفظ النظر في ان تعبر به عن الفكر الذي هو احضار ~~العلمين، أو عن التشوف الذي هو طلب التفطن لوجه لزوم العلم الثالث، أو عن ~~الأمرين جميعا، فإن العبارات مباحة والاصطلاحات لا مشاحة فيها. # فان قلت غرضي أن أعرف اصطلاح المتكلمين وأنهم عبروا بالنظر عماذا، فاعلم ~~أنك إذا سمعت واحدا يجد النظر بالفكر، وآخر بالطلب، وآخر بالفكر الذي هو ~~يطلب به، لم تسترب في اختلاف اصطلاحاتهم على ثلاثة أوجه. والعجب ممن لا ~~يتفطن هذا ويفرض الكلام في حد النظر. # مسألة خلافية: ويستدل بصحة واحد من الحدود وليس يدري أن حظ المعنى ~~المعقول من هذه الأمور لا خلاف فيه وأن الأصطلاح لا معنى للخلاف فيه. وإذا ~~أنت امعنت النظر واهتديت السبيل عرفت قطعا أن أكثر الأغاليط نشأت من ضلال ~~من طلب المعاني من الألفاظ، ولقد كان من حقه أن يقدر المعاني أولا ثم ينظر ~~في الألفاظ ثانيا، ويعلم أنها اصطلاحات لا تتغير بها المعقولات. ولكن من ~~حرم التوفيق استدبر الطريق، ونكل عن التحقيق. # فإن قلت: إني لا استريب في لزوم صحة الدعوى من هذين الأصلين إذا أقر ~~الخصم بهما على هذا الوجه، ولكن من أين يجب على الخصم الاقرار بهما ومن أين ~~تقتضي هذه الأحوال المسلمة الواجبة التسليم؟ فاعلم أن لها مدارك شتى ولكن ~~الذي نستعمله في هذا الكتاب نجتهد أن لا يعد ستة: الأول منها: الحسيات، ~~أعني المدرك بالمشاهدة ms011 الظاهرة والباطنة، مثاله أنا إذا قلنا مثلا كل حادث ~~فله سبب، وفي العالم حوادث فلا بد لها من سبب. فقولنا: في العالم حوادث، ~~أصل واحد يجب الإقرار به، فإنه يدرك بالمشاهدة الظاهرة حدوث أشخاص ~~الحيوانات والنباتات والغيوم والامطار ومن الأعراض والأصوات # PageV01P020 # والألوان. وان تخيل أنها منتقلة، فالانتقال حادث ونحن لم ندع إلا حادثا ~~ولم نعين أن ذلك الحادث جوهر أو عرض أو انتقال أو غيره. وكذلك يعلم ~~بالمشاهدة الباطنة حدوث الآلام والافراح والغموم في قلبه فلا يمكنه انكاره. # الثاني: العقل المحض، فإنا إذا قلنا: العالم أما قديم مؤخر، وإما حادث ~~مقدم، وليس وراء القسمين قسم ثالث، وجب الاعتراف به على كل عاقل. مثاله أن # PageV01P021 # تقول: كل ما لا يسبق الحوادث فهو حادث، والعالم لا يسبق الحوادث فهو ~~حادث، فأحد الأصلين قولنا أن ما لا يسبق الحوادث فهو حادث. # ويجب على الخصم الإقرار به، لأن ما لا يسبق الحادث إما أن يكون مع الحادث ~~أو بعده ولا يمكن قسم ثالث، فإن ادعى قسما ثالثا كان منكرا لما هو بديهي في ~~العقل، وإن انكر أن ما هو مع الحادث أو بعده ليس بحادث فهو أيضا منكر ~~للبديهة. # الثالث: التواتر، مثاله أنا نقول محمد صلوات الله وسلامه عليه صادق لأن ~~كل من جاء بالمعجزة فهو صادق، وقد جاء هو بالمعجزة فهو إذا صادق، فإن قيل ~~أنا لا نسلم أنه جاء بالمعجزة فنقول: قد جاءنا بالقرآن والقرآن معجزة، فإذا ~~قد جاء بالمعجزة. فإن سلم الخصم أحد الأصلين وهو أن القرآن معجزة، أما ~~بالطوع أو بالدليل، وأراد إنكار الأصل الثاني وهو أنه قد جاء بالقرآن، وقال ~~لا أسلم أن القرآن مما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم تسليما، لم يمكنه ~~ذلك لأن التواتر يحصل العلم به كما حصل لنا العلم بوجوده وبدعواه النبوة ~~وبوجود مكة ووجود موسى وعيسى وسائر الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين. # الرابع: أن يكون الأصل مثبتا بقياس آخر يستند بدرجة واحدة أو درجات كثيرة ~~إما إلى الحسيات أو العقليات أو المتواترات، ms012 فإن ما هو فرع الأصلين يمكن أن ~~يجعل أصلا في قياس آخر. مثاله أنا بعد أن نفرغ من الدليل على حدوث العالم ~~يمكننا أن نجعل حدوث العالم أصلا في نظم قياس، مثلا أن نقول كل حادث فله ~~سبب والعالم حادث فإذا له سبب، فلا يمكنهم انكار كون العالم حادثا بعد أن ~~اثبتنا بالدليل حدوثه. # الخامس: السمعيات، مثاله انا ندعي مثلا ان المعاصي بمشيئة الله تعالى، ~~ونقول كل كائن فهو بمشيئة الله تعالى والمعاصي كائنة فهي إذا بمشيئة الله ~~تعالى؛ فأما قولنا هي كائنة فمعلوم وجودها بالحس، وكونها معصية بالشرع، ~~وأما قولنا كل كائن بمشيئة الله تعالى فإذا أنكر الخصم ذلك منعه الشرع مهما ~~كان مقرا بالشرع # PageV01P022 # أو كان قد أثبت عليه بالدليل فإنا نثبت هذا الأصل بإجماع الأمة على صدق ~~قول القائل ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فيكون السمع مانعا من ~~الانكار. # السادس: أن يكون الأصل مأخوذا من معتقدات الخصم ومسلماته. فإنه وإن لم ~~يقم لنا عليه دليل أو لم يكن حسيا ولا عقليا، انتفعنا باتخاذه إياه أصلا في ~~قياسنا وامتنع عليه الإنكار الهادم لمذهبه. وأمثلة هذا مما تكثر فلا حاجة ~~إلى تعيينه. فإن قلت: فهل من فرق بين هذه المدارك في الانتفاع بها في ~~المقاييس النظرية؟ فاعلم أنها متفاوتة في عموم الفائدة، فإن المدارك ~~العقلية والحسية عامة مع كافة الخلق إلا من لا عقل له ولا حس له وكان الأصل ~~معلوما فالحس الذي فقده كالأصل المعلوم بحاسة البصر إذا استعمل مع الأكمه ~~فإنه لا ينفع، والأكمه إذا كان هو الناظر لم يمكنه أن يتخذ ذلك أصلا، وكذلك ~~المسموع في حق الأصم. وأما المتواتر فإنه نافع ولكن في حق من تواتر إليه، ~~فأما من لم يتواتر إليه ممن وصل إلينا في الحال من مان بعيد لم تبلغه ~~الدعوة فأردنا أن نبين له بالتواتر أن نبينا وسيدنا محمدا صلى الله عليه ~~وسلم تسليما وعلى آله وصحبه تحدى بالقرآن، لم يقدر عليه ما لم يمهله مدة من ~~يتواتر ms013 عنده، ورب شيء يتواتر عند قوم دون قوم، فقول الشافعي رحمه الله ~~تعالى في مسألة قتل المسلم بالذمي متواتر عند الفقهاء من أصحابه دون العوام ~~من المقلدين وكم من مذهب له في أحاد المسائل لم يتواتر عند أكثر الفقهاء ~~وأما الأصل المستفاد من قياس آخر فلا ينفع إلا مع من قدر معه ذلك القياس. # وأما مسلمات المذاهب فلا تنفع الناظر وإنما تنفع المناظر مع من يعتقد ذلك ~~المذهب. وأما السمعيات فلا تنفع إلا من يثبت السمع عنه، فهذه مدارك علوم ~~هذه الأصول المفيدة بترتيبها ونظمها العلم بالأمور المجهولة المطلوبة وقد ~~فرغنا من التمهيدات فلنشتغل بالأقطاب التي هي مقاصد الكتاب. # PageV01P023 ### | القطب الأول ### | في النظر في ذات الله تعالى # وفيه عشر دعاوى # الدعوى الأولى: وجوده تعالى وتقدس، برهانه أنا نقول كل حادث فلحدوثه سبب، ~~والعالم حادث فيلزم منه إن له سببا، ونعني بالعالم كل موجود سوى الله ~~تعالى. ونعني بكل موجود سوى الله تعالى الأجسام كلها وأعراضها، وشرح ذلك ~~بالتفصيل أنا لا نشك في أصل الوجود، ثم نعلم أن كل موجود اما متحيزا أو غير ~~متحيز، وأن كل متحيز إن لم يكن فيه ائتلاف فنسميه جوهرا فردا، وإن ائتلف ~~إلى غيره سميناه جسما، وإن غير المتحيز أما أن يستدعي وجوده جسما يقوم به ~~ونسميه الأعراض، أو لا يستدعيه وهو الله سبحانه وتعالى، فأما ثبوت الأجسام ~~وأعراضها، فمعلوم بالمشاهدة، ولا يلتفت إلى من ينازع في الأعراض وإن طال ~~فيها صياحه وأخذ يلتمس منك دليلا عليه، فإن شغبه ونزاعه والتماسه وصياحه، ~~وإن لم يكن موجودا فكيف نشتغل بالجواب عنه والإصغاء إليه، وإن كان موجودا ~~فهو لا محالة غير جسم المنازع إذ كان جسما موجودا من قبل، ولم يكن التنازع ~~موجودا فقد عرفت أن الجسم والعرض مدركان بالمشاهدة. فإما موجود ليس # PageV01P024 # بجسم ولا جوهر متحيز ولا عرض فيه فلا يدرك بالحس ونحن ندعي وجوده وندعي ~~أن العالم موجود به، وبقدرته، وهذا يدرك بالدليل لا بالحس، والدليل ما ~~ذكرناه، فلنرجع إلى تحقيقه. فقد جمعنا فيه أصلين ms014 فلعل الخصم ينكرهما، فنقول ~~له: في أي الأصلين تنازع؟ فإن قال إنما أنازع في قولك إن كل حادث فله سبب ~~فمن أين عرفت هذا، فنقول: إن هذا الأصل يجب الاقرار به، فإنه أولي ضروري في ~~العقل، ومن يتوقف فيه فإنما يتوقف لأنه ربما لا ينكشف له ما نريده بلفظ ~~الحادث، ولفظ السبب، وإذا فهمهما صدق عقله بالضرورة بأن لكل حادث سببا، ~~فانا نعني بالحادث ما كان معدوما ثم صار موجودا فنقول وجوده قبل أن وجد كان ~~محالا أو ممكنا، وباطل أن يكون محالا لأن المحال لا يوجد قط، وإن كان ممكنا ~~فلسنا نعني بالممكن إلا ما يجوز أن يوجد ويجوز أن لا يوجد ولكن لم يكن ~~موجودا لأنه ليس يجب وجوده لذاته إذ لو وجد وجوده لذاته لكان واجبا لا ~~ممكنا، بل قد افتقر وجوده إلى مرجح لوجوده على العدم حتى يتبدل العدم ~~بالوجود. فإذا كان استمرار عدمه من حيث أنه لا مرجح للوجود على العدم، فمن ~~لم يوجد المرجح لا يوجد الوجود، ونحن لا نريد بالسبب إلا المرجح: والحاصل ~~أن المعدوم المستمر العدم لا يتبدل عدمه بالوجود ما لم يتحقق أمر من الأمور ~~يرجح جانب الوجود على استمرار العدم، وهذا إذا حصل في الذهن معنى لفظه كان ~~العقل مضطرا إلى التصديق به. فهذا بيان اثبات هذا الأصل وهو على التحقيق ~~شرح للفظ الحادث والسبب لاقامة دليل عليه. # فإن قيل لم تنكرون على من ينازع في الأصل الثاني، وهو قولكم أن العالم ~~حادث، فنقول: إن هذا الأصل ليس بأولي في العقل، بل نثبته ببرهان منظوم من ~~أصلين آخرين هو أنا نقول إذ قلنا أن العالم حادث أردنا بالعالم الآن، ~~الأجسام والجواهر فقط، فنقول كل جسم فلا يخلو عن الحوادث وكل ما لا يخلو عن ~~الحوادث فهو حادث، فيلزم منه أن كل جسم فهو حادث ففي أي الأصلين النزاع؟ # فإن قيل لم قيل أن كل جسم أو متحيز فلا يخلو عن الحوادث؟ قلنا: لأنه لا ~~يخلو عن الحركة والسكون وهما حادثان، ms015 فإن قيل: ادعيتم وجودهما ثم حدوثهما، ~~فلا نسلم الوجود ولا الحدوث، # PageV01P025 # قلنا هذا سؤال قد طال الجواب عنه في تصانيف الكلام، وليس يستحق هذا ~~التطويل فإنه لا يصدر قط من مسترشد إذ لا يستريب عاقل قط في ثبوت الأعراض ~~في ذاته من الآلام والأسقام والجوع والعطش وسائر الأحوال، ولا في حدوثها. ~~وكذلك إذا نظرنا إلى أجسام العالم لم نسترب في تبدل الأحوال عليها، وإن تلك ~~التبديلات حادثة، وإن صدر من خصم معاند فلا معنى للاشتغال به، وإن فرض فيه ~~خصم معتقد لما نقوله فهو فرض محال إن كان الخصم عاقلا، بل الخصم في حدوث ~~العالم الفلاسفة وهم مصرحون بأن أجسام العالم تنقسم إلى السموات، وهي ~~متحركة على الدوام، وآحاد حركاتها حادثة ولكنها دائمة متلاحقة على الاتصال ~~أزلا وأبدا وإلى العناصر الأربعة التي يحويها مقعر فلك القمر، وهي مشتركة ~~في مادة حاملة لصورها وأعراضها وتلك المادة قديمة والصور والأعراض حادثة ~~متعاقبة عليها أزلا وأبدا وإن الماء ينقلب بالحرارة هواء، والهواء يستحيل ~~بالحرارة نارا، وهكذا بقية العناصر، وإنها تمتزج امتزاجات حادثة فتتكون ~~منهما المعادن والنبات والحيوان، فلا تنفك العناصر عن هذه الصور الحادثة ~~ولا تنفك السموات عن الحركات الحادثة أبدا، وإنما ينازعون في قولنا أن ما ~~لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، فلا معنى للإطناب في هذا الأصل، ولكنا لإقامة ~~الرسم نقول: الجوهر بالضرورة لا يخلو عن الحركة والسكون، وهما حادثان. أما ~~الحركة فحدوثها محسوس وإن فرض جوهر ساكن كالأرض، ففرض حركته ليس بمحال بل ~~نعلم جوازه بالضرورة، وإذا وقع ذلك الجائز كان حادثا وكان معدما للسكون، ~~فيكون السكون أيضا قبله حادثا لأن القديم لا ينعدم كما سنذكره في إقامة ~~الدليل على بقاء الله تعالى، وإن أردنا سياق دليل على وجود الحركة زائدة ~~على الجسم، قلنا: إنا إذا قلنا هذا الجوهر متحرك أثبتنا شيئا سوى الجوهر ~~متحرك أثبتنا شيئا سوى الجوهر بدليل أنا إذا قلنا هذا الجوهر ليس بمتحرك، ~~صدق قولنا وإن كان الجوهر باقيا ساكنا، فلو كان المفهوم من الحركة عين ms016 ~~الجوهر لكان نفيها نفي عين الجوهر. وهكذا يطرد الدليل في إثبات السكون ~~ونفيه، وعلى الجملة. فتكلف الدليل على الواضحات يزيدها غموضا ولا يفيدها ~~وضوحا. # فإن قيل: فبم عرفتم أنها حادثة فلعلها كانت كامنة فظهرت، قلنا: لو كنا ~~نشتغل في هذا الكتاب بالفضول الخارج عن المقصود لأبطلنا القول بالكمون ~~والظهور في الأعراض رأسا، ولكن ما لا يبطل مقصودنا فلا نشتغل به، بل نقول: ~~الجوهر لا يخلو عن كمون الحركة فيه أو ظهورها، وهما حادثان فقد ثبت أنه لا ~~يخلو عن الحوادث. # PageV01P026 # فإن قيل: فلعلها انتقلت إليه من موضع آخر، فبم يعرف بطلان القول، بانتقال ~~الأعراض؟ قلنا: قد ذكر في إبطال ذلك أدلة ضعيفة لا نطول الكتاب بنقلها ~~ونقضها، ولكن الصحيح في الكشف عن بطلانه أن نبين أن تجويز ذلك لا يتسع له ~~عقل من لم يذهل عن فهم حقيقة العرض وحقيقة الانتقال، ومن فهم حقيقة العرض ~~تحقق استحالة الانتقال فيه. وبيانه أن الانتقال عبارة أخذت من انتقال ~~الجوهر من حيز إلى حيز، وذلك يثبت في العقل بأن فهم الجوهر وفهم الحيز وفهم ~~اختصاص الجوهر بالحيز زائد على ذات الجوهر، ثم علم أن العرض لا بد له من ~~محل كما لا بد للجوهر من حيز، فتتخيل أن إضافة العرض إلى المحل كإضافة ~~الجوهر إلى الحيز فيسبق منه إلى الوهم إمكان الانتقال عنه، كما في الجوهر، ~~ولو كانت هذه المقايسة صحيحة لكان اختصاص العرض بالمحل كونا زائدا على ذات ~~العرض والمحل كما كان اختصاص الجوهر بالحيز كونا زائدا على ذات الجوهر ~~والحيز، ولصار يقوم بالعرض عرض، ثم يفتقر قيام العرض بالعرض إلى إختصاص آخر ~~يزيد على القائم والمقوم به، وهكذا يتسلل ويؤدي إلى أن لا يوجد عرض واحد ما ~~لم توجد أعراض لا نهاية لها، فلنبحث عن السبب الذي لأجله فرق بين اختصاص ~~العرض بالمحل وبين اختصاص الجوهر بالحيز في كون أحد الاختصاصيين زائدا على ~~ذات المختص ودون الآخر، فمنه يتبين الغلط في توهم الانتقال. # والسر فيه، أن المحل وإن كان لازما للعرض ms017 كما أن الحيز لازم للجوهر، ولكن ~~بين اللازمين فرق: إذ رب لازم ذاتي للشيء، ورب لازم ليس بذاتي للشيء، وأعني ~~بالذاتي ما يجب ببطلانه بطلان الشيء، فإن بطل الوجود بطل به وجود الشيء، ~~وإن بطل في العقل بطل وجود العلم به في العقل، والحيز ليس ذاتيا للجوهر ~~فإنا نعلم الجسم والجوهر أولا ثم ننظر بعد ذلك في الحيز، أهو أمر ثابت أم ~~هو أمر موهوم ونتوصل إلى تحقيق ذلك بدليل وندرك الجسم بالحس في المشاهدة من ~~غير دليل. فلذلك لم يكن الحيز المعين مثلا لجسم زيد ذاتيا لزيد، ولم يلزم ~~من فقد ذلك الحيز وتبدله بطلان جسم زيد، وليس كذلك طول زيد مثلا لأنه عرض ~~في زيد لا نعقله في # PageV01P027 # نفسه دون زيد بل نعقل زيدا الطويل، فطول زيد يعلم تابعا لوجود زيد ويلزم ~~من تقدير عدم زيد بطلان طول زيد، فليس لطول زيد قوام في الوجود وفي العقل ~~دون زيد. فاختصاصه بزيد ذاتي له، أي هو لذاته لا لمعنى زائد عليه هو ~~اختصاص، فإن بطل ذلك الاختصاص بطلت ذاته والانتقال يبطل الاختصاص فتبطل ~~ذاته، إذ ليس اختصاصه بزيد زائدا على ذاته، أعني ذات العرض، بخلاف اختصاص ~~الجوهر بالحيز فإنه زائد عليه فليس في بطلانه، بالانتقال ما يبطل ذاته، ~~ورجع الكلام إلى أن الانتقال يبطل الاختصاص بالمحل، فإن كان الاختصاص زائدا ~~على الذات لم تبطل به الذات، وإن لم يكن معنى زائدا بطلت ببطلانه الذات، ~~فقد انكشف هذا وآل النظر إلى أن اختصاص العرض بمحله لم يكن زائدا على ذات ~~العرض كاختصاص الجوهر بحيزه، وأما العرض فإنه عقل بالجوهر لا بنفسه فذات ~~العرض وكونه للجوهر المعين وليس له ذات سواه. فإذا قدرنا مفارقته لذلك ~~الجوهر المعين فقد قدرنا عدم ذاته، وإنما فرضنا الكلام في الطول لتفهيم ~~المقصود فإنه وإن لم يكن عرضا ولكنه، عبارة عن كثرة الأجسام في جهة واحدة، ~~ولكنه مقرب لغرضنا إلى الفهم، فإذا فهم فلننقل البيان إلى الأعراض. وهذا ~~التوفيق والتحقيق وإن لم يكن لائقا بهذا الإيجاز ms018 ولكن افتقر إليه لأن ما ~~ذكر فيه غير مقنع ولا شاف. فقد فرغنا من إثبات أحد الأصلين، وهو أن العالم ~~لا يخلو عن الحوادث، فإنه لا يخلو عن الحركة والسكون وهما حادثات وليسا ~~بمنتقلين، مع أن الإطناب ليس في مقابلة خصم معتقد، إذ أجمع الفلاسفة على أن ~~أجسام العالم لا تخلو عن الحوادث، وهم المنكرون لحدوث العالم، فإن قيل: فقد ~~بقي الأصل الثاني وهو قولكم إن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث فما الدليل ~~عليه؟ قلنا: لأن العالم لو كان قديما مع أنه لا يخلو عن الحوادث، لثبتت ~~حوادث لا أول لها وللزم أن تكون دورات الفلك غير متناهية الاعداد، وذلك ~~محال لأن كل ما يفضي إلى المحال فهو محال، ونحن نبين أنه يلزم عيه ثلاثة ~~محالات: الأول - أن ذلك لو ثبت لكان قد انقضى ما لا نهاية له، ووقع الفراغ ~~منه وانتهى، ولا فرق بين قولنا انقضى ولا بين قولنا انتهى ولا بين قولنا ~~تناهى، فيلزم أن يقال قد تناهى ما لا يتناهى، ومن المحال البين أن يتناهى ~~ما لا يتناهى وأن ينتهي وينقضي ما لا يتناهى. # الثاني - أن دورات الفلك إن لم تكن متناهية فهي إما شفع وإما وتر، وإما ~~لا شفع ولا وتر، وإما شفع ووتر معا. وهذه الأقسام الأربعة محال؛ فالمفضي ~~إليها # PageV01P028 # محال إذ يستحيل عدد لا شفع ولا وتر، أو شفع ووتر، فإن الشفع هو الذي ~~ينقسم إلى متساويين كالعشرة مثلا، والوتر هو أحد الذي لا ينقسم إلى ~~متساويين كالتسعة، وكل عدد مركب من آحاد إما أن ينقسم بمتساويين، أو لا ~~ينقسم بمتساويين، وأما أن يتصف بالانقسام وعدم الانقسام، أو ينفك عنهما ~~جميعا فهو محال، وباطل أن يكون شفعا لأن الشفع إنما لا يكون وترا لأنه ~~يعوزه واحد، فإذا انضاف إليه واحد صار وترا، فكيف أعوز الذي لا يتناهى ~~واحد؟ ومحال أن يكون وترا. لأن الوتر يصير شفعا بواحد، فيبقى وترا لأنه ~~يعوزه ذلك الواحد، فكيف أعوز الذي لا يتناهى واحد؟ # الثالث - أنه يلزم ms019 عليه أن يكون عددان، كل واحد منهما لا يتناهى، ثم أن ~~أحدهما أقل من الآخر، ومحال أن يكون ما لا يتناهى أقل مما لا يتناهى لأن ~~الأقل هو الذي يعوزه شيء لو أضيف إليه لصار متساويا، وما لا يتناهى كيف ~~يعوزه شيء؟ وبيانه أن زحل عندهم يدور في كل ثلاثين سنة دورة واحدة، والشمس ~~في كل سنة دورة واحدة، فيكون عدد دورات زحل مثل ثلث عشر دورات الشمس، إذ ~~الشمس تدور في ثلاثين سنة ثلاثين دورة، وزحل يدور دورة واحدة، والواحد من ~~الثلاثين ثلث عشر. ثم دورات زحل لا نهاية لها وهي أقل من دورات الشمس، إذ ~~يعلم ضرورة أن ثلث عشر الشيء أقل من الشيء، والقمر يدور في السنة اثنتي ~~عشرة مرة، فيكون عدد دورات الشمس مثلا نصف سدس دورات القمر، وكل واحد لا ~~نهاية له وبعضه أقل من بعض، فذلك من المحال البين. فإن قيل: مقدورات الباري ~~تعالى عندكم لا نهاية لها وكذا معلوماته، والمعلومات أكثر من المقدورات إذ ~~ذات القديم تعالى وصفاته معلومة له وكذا الموجود المستمر الوجود، وليس شيء ~~من ذلك مقدورا. قلنا نحن: إذا قلنا لا نهاية لمقدوراته، لم نرد به ما نريد ~~بقولنا لا نهاية لمعلوماته بل نريد به أن لله تعالى صفة يعبر عنها بالقدرة، ~~يتأتى بها الايجاد، وهذا الثاني لا ينعدم قط. # وليس تحت قولنا - هذا الثأني لا ينعدم - إثبات أشياء فضلا من أن توصف ~~بأنها متناهية أو غير متناهية، وإنما يقع هذا الغلط لمن ينظر في المعاني من ~~الألفاظ فيرى توازن لفظ المعلومات والمقدورات من حيث التصريف في اللغة، ~~فيظن أن المراد بهما واحد. هيهات لا مناسبة بينهما البتة. ثم تحت قولنا ~~المعلومات لا نهاية لها أيضا سر يخالف السابق منه إلى الفهم، إذ السابق منه ~~إلى الفهم إثبات أشياء تسمى معلومات لا نهاية لها، وهو محال، بل الأشياء هي ~~الموجودات، وهي متناهية، ولكن بيان ذلك يستدعي تطويلا. # PageV01P029 # وقد اندفع الإشكال بالكشف عن معنى نفي النهاية عن المقدورات، فالنظر في ~~الطرف ms020 الثاني وهو المعلومات مستغنى عنه في دفع الالزام، فقد بانت صحة هذا ~~الأصل بالمنهج الثالث من مناهج الأدلة المذكورة في التمهيد الرابع من ~~الكتاب وعند هذا يعلم وجود الصانع إذ بان القياس الذي ذكرناه، وهو قولنا أن ~~العالم حادث وكل حادث فله سبب فالعالم له سبب. فقد ثبتت هذه الدعوى بهذا ~~المنهج، ولكن بعد لم يظهر لنا إلا موجود السبب، فأما كونه حادثا أو قديما ~~وصفا له فلم يظهر بعد فلنشتغل به. # الدعوى الثانية: ندعي أن السبب الذي أثبتناه لوجود العالم قديم فإنه لو ~~كان حادثا لافتقر إلى سبب آخر، وكذلك السبب الآخر ويتسلسل إما إلى غير ~~نهاية وهو محال، وإما أن ينتهي إلى قديم لا محالة يقف عنده وهو الذي نطلبه ~~ونسميه صانع العالم. ولا بد من الاعتراف به بالضرورة ولا نعني بقولنا قديم ~~إلا أن وجوده غير مسبوق بعدم، فليس تحت لفظ القديم إلا إثبات موجود ونفي ~~عدم سابق. فلا تظنن أن القدم معنى زائد على ذات القديم، فيلزمك أن تقول ذلك ~~المعنى أيضا قديم بقدم زائد عليه، ويتسلسل القوم إلى غير نهاية. # الدعوى الثالثة: ندعي أن صانع العالم مع كونه موجودا لم يزل فهو باق لا ~~يزال لأن ما ثبت قدمه استحال عدمه. وإنما قلنا ذلك لأنه لو العدم لافتقر ~~عدمه إلى # PageV01P030 # سبب فإنه طارئ بعد استمرار الوجود في القدم. وقد ذكرنا ان كل طارئ فلا بد ~~له من سبب من حيث انه طارئ لا من حيث أنه موجود، وكما افتقر تبدل العدم ~~بالوجود إلى مرجح للوجود على العدم، فكذلك يفتقر تبدل الوجود بالعدم إلى ~~مرجح للعدم على الوجود، وذلك المرجح إما فاعل بعدم القدرة، أو ضد انقطاع ~~شرط من شروط الوجود. ومحال أن يحال على القدرة؛ إذ لوجود شيء ثابت يجوز أن ~~يصدر عن القدرة، فيكون القادر باستعماله فعل شيئا والعدم ليس بشيء، فيستحيل ~~أن يكون فعلا واقعا بأثر القدرة. فإنا نقول: فاعل العدم هل فعل شيئا؟ فإن ~~قيل نعم، كان محالا، لأن النفي ليس بشيء. ms021 # وإن قال المعتزلي أن المعدوم شيء وذات، فليس ذلك الذات من أثر القدرة، ~~فلا يتصف أن يقول الفعل الواقع بالقدرة فعل ذلك الذات فإنها أزلية، وإنما ~~فعله نفي وجود الذات، ونفي وجود الذات ليس شيئا، فاذا ما فعل شيئا. # وإذا صدق قولنا ما فعل شيئا صدق قولنا أنه لم يستعمل القدرة في أثر ~~البتة، فبقي كما كان ولم يفعل شيئا. # وباطل أن يقال أنه يعدمه ضده لأن الضد إن فرض حادثا اندفع وجوده بمضادة ~~القديم، وكان ذلك أولى من أن ينقطع به وجود القديم. # ومحال أن يكون له ضد قديم كان موجودا معه في القدم ولم يعدمه وقد أعدمه ~~الآن، وباطل أن يقال انعدم لانعدام شرط وجوده، فإن الشرط إن كان حادثا ~~استحال أن يكون وجود القديم مشروطا بحادث، وإن كان قديما فالكلام في ~~استحالة عدم الشرط كالكلام في استحالة عدم المشروط فلا يتصور عدمه. # فإن قيل فبما إذا تفنى عندكم الجواهر والأعراض؟ قلنا: أما الأعراض ~~فبأنفسها، ونعني بقولنا بأنفسها أن ذواتها لا يتصور لها بقاء. ويفهم المذهب ~~فيه بأن يفرض في الحركة، فإن الأكوان المتعاقبة في أحيان متواصلة لا توصف ~~بأنها حركات إلا بتلاحقها على سبيل دوام التجدد ودوام الانعدام، فإنها إن ~~فرض بقاؤها كانت سكونا لا حركة، ولا تعقل ذات الحركة ما لم يعقل معها العدم ~~عقيب الوجود. وهذا يفهم في الحركة بغير برهان. # وأما الألوان وسائر الأعراض، فإنما تفهم بما ذكرناه من أنه لو بقي ~~لاستحال عدمه بالقدرة وبالضد كما سبق في القديم، ومثل هذا العدم محال في حق ~~الله تعالى فإنا بينا قدمه أولا واستمرار وجوده فيما لم يزل، فلم يكن من ~~ضرورة وجوده حقيقة فناؤه عقيبه، كما كان من ضرورة وجود الحركة حقيقة أن ~~تفنى عقيب الوجود. وأما الجواهر فانعدامها بان لا تخلق فيها الحركة والسكون ~~فينقطع شرط وجودها فلا يعقل بقاؤها. # PageV01P031 # الدعوى الرابعة: ندعي أن صانع العالم ليس بجوهر متحيز لأنه قد ثبت قدمه، ~~ولو كان متحيزا لكان لا يخلو عن الحركة في حيزه ms022 أو السكون فيه، وما لا يخلو ~~عن الحوادث، فهو حادث كما سبق. # فإن قيل: بم تنكرون على من يسميه جوهرا، ولا يعتقده متحيزا؟ قلنا العقل ~~عندنا لا يوجب الامتناع من اطلاق الألفاظ وإنما يمنع عنه إما لحق اللغة ~~وإما لحق الشرع. أما حق اللغة فذلك إذا ادعى أنه موافق لوضع اللسان فيبحث ~~عنه، فإن ادعى واضعه له أنه اسمه على الحقيقة، أي واضع اللغة وضعه له، فهو ~~كاذب على اللسان وإن زعم أنه استعاره نظرا إلى المعنى الذي به شارك ~~المستعار منه، فإن صلح للاستعارة لم ينكر عليه بحق اللغة وإن لم يصلح قيل ~~له أخطأت على اللغة ولا يستعظم ذلك إلا بقدر استعظام صنيع من يبعد في ~~الاستعارة، والنظر في ذلك لا يليق بمباحث العقول. # وأما حق الشرع وجواز ذلك وتحريمه، فهو بحث فقهي يجب طلبه على الفقهاء إذ ~~لا فرق بين البحث عن جواز اطلاق الألفاظ من غير إرادة معنى فاسد وبين البحث ~~عن جواز الأفعال. وفيه رأيان: أحدهما، أن يقال: لا يطلق اسم في حق الله ~~تعالى إلا بالاذن، وهذا لم يرد فيه إذن فيحرم. وأما أن يقال لا يحرم إلا ~~بالنهي وهذا لم يرد فيه نهي فينظر: فإن كان يوهم خطأ فيجب الاحتراز منه لأن ~~إيهام الخطأ في صفات الله تعالى حرام. وإن لم يوهم خطأ يحكم بتحريمه، فكلا ~~الطريقين محتمل. ثم الايهام يختلف باللغات وعادات الاستعمال فرب لفظ يوهم ~~عند قوم ولا يوهم عند غيرهم. # الدعوى الخامسة: ندعي أن صانع العالم ليس بجسم، لأن كل جسم فهو متألف من ~~جوهرين متحيزين، وإذا استحال أن يكون جوهرا استحال أن يكون جسما، ونحن لا ~~نعني بالجسم إلا هذا. # فإن سماه جسما ولم يرد هذا المعنى كانت المضايقة معه بحق اللغة أو بحق ~~الشرع لا بحق العقل فإن العقل لا يحكم في اطلاق الألفاظ ونظم الحروف ~~والأصوات التي هي اصطلاحات، ولأنه لو كان جسما لكان مقدارا بمقدار مخصوص ~~ويجوز أن يكون أصغر منه أو أكبر، ولا يترجح أحد ms023 الجائزين عن الآخر إلا ~~بمخصص ومرجح، كما سبق، فيفتقر إلى مخصص يتصرف فيه فيقدره بمقدار مخصوص، ~~فيكون مصنوعا لا صانعا ومخلوقا لا خالقا. # الدعوى السادسة: ندعي أن صانع العالم ليس بعرض، لأنا نعني بالعرض ما # PageV01P032 # يستدعي وجوده ذاتا تقوم به، وذلك الذات جسم أو جوهر، ومهما كان الجسم ~~واجب الحدوث كان الحال فيه أيضا حادثا لا محالة، إذ يبطل انتقال الأعراض، ~~وقد بينا أن صانع العالم قديم فلا يمكن أن يكون عرضا، وإن فهم من العرض ما ~~هو صفة لشيء من غير أن يكون ذلك الشيء متحيزا، فنحن لا ننكر وجود هذا فانا ~~نستدل على صفات الله تعالى نعم يرجع النزاع إلى إطلاق اسم الصانع والفاعل، ~~فإن إطلاقه على الذات الموصوفة بالصفات أولى من إطلاقه على الصفات. # فإذا قلنا الصانع ليس بصفة، عنينا به أن الصنع مضاف إلى الذات التي تقوم ~~بها الصفات لا إلى الصفات، كما أنا إذا قلنا النجار ليس بعرض ولا صفة، ~~عنينا به أن صنعة النجارة غير مضافة إلى الصفات بل إلى الذات الواجب وصفها ~~بجملة من الصفات حتى يكون صانعا. فكذا القول في صانع العالم، وإن أراد ~~المنازع بالعرض أمرا غير الحال في الجسم وغير الصفة القائمة بالذات كان ~~الحق في منعه للغة أو الشرع لا للعقل. # الدعوى السابعة: ندعي أنه ليس في جهة مخصوصة من الجهات الست، ومن عرف ~~معنى لفظ الجهة ومعنى لفظ الاختصاص فهم قطعا استحالة الجهات على غير ~~الجواهر والأعراض، إذ الحيز معقول وهو الذي يختص الجوهر به، ولكن الحيز ~~إنما يصير جهة إذا أضيف إلى شيء آخر متحيز. # فالجهات ست فوق وأسفل وقدام وخلف ويمين وشمال. فمعنى كون الشيء فوقنا هو ~~أنه في حيز يلي جانب الرأس. ومعنى كونه تحتا أنه في حيز يلي جانب # PageV01P033 # الرجل. وكذا سائر الجهات؛ فكل ما قيل قيه أنه في جهة فقد قيل أنه في حيز ~~مع زيادة إضافة. # وقولنا الشيء في حيز، يعقل بوجهين أحدهما: أنه يختص به بحيث يمنع مثله من ~~أن يوجد ms024 بحيث هو، وهذا هو الجوهر، والآخر أن يكون حالا في الجوهر فإنه قد ~~يقال إنه بجهة، ولكن بطريق البتيعة للجوهر، فليس كون العرض في جهة ككون ~~الجوهر، بل الجهة للجوهر أولى، وللعرض بطريق التبعية للجوهر، فهذان وجهان ~~معقولان في الاختصاص بالجهة. فإن أراد الخصم أحدهما دل على بطلانه ما دل ~~على بطلان كونه جوهرا أو عرضا. # وإن أراد أمرا غير هذا فهو غير مفهوم فيكون الحق في إطلاق لفظه لم ينفك ~~عن معنى غير مفهوم للغة والشرع لا العقل، فإن قال الخصم إنما أريد بكونه ~~بجهة معنى سوى هذا فلم ننكره، ونقول له: أما لفظك فإنما ننكره من حيث أنه ~~يوهم المفهوم الظاهر منه وهو ما يعقل الجوهر والعرض وذلك كذب على الله ~~تعالى. وأما مرادك منه فلست أنكره فإن ما لا أفهمه كيف أنكره! وعساك تريد ~~به علمه وقدرته وأنا لا أنكر كونه بجهة على معنى أنه عالم وقادر، فإنك إذا ~~فتحت هذا الباب، وهو أن تريد باللفظ غير ما وضع اللفظ له ويدل عليه في ~~التفاهم لم يكن لما تريد به حصر فلا أنكره ما لم تعرب عن مرادك بما أفهمه ~~من أمر يدل على الحدوث، فإن كان ما يدل على الحدوث فهو في ذاته محال ويدل ~~أيضا على بطلان القول بالجهة، لأن ذلك يطرق الجواز إليه ويحوجه إلى مخصص ~~يخصصه بأحد وجوه الجواز وذلك من وجهين، أحدهما: أن الجهة التي تختص به لا ~~تختص به لذاته، فإن سائر الجهات متساوية بالاضافة إلى المقابل للجهة، ~~فاختصاصه ببعض الجهات المعينة ليس بواجب لذاته بل هو جائز فيحتاج إلى مخصص ~~يخصصه، ويكون الاختصاص فيه معنى زائدا على ذاته وما يتطرق الجواز إليه ~~استحال قدمه بل القديم عبارة عما هو واجب الوجود من جميع الجهات. فإن قيل ~~اختص بجهة فوق لأنه أشرف الجهات، قلنا أي إنما صارت الجهة جهة فوق بخلقه ~~العالم في هذا الحيز الذي خلقه فيه. فقيل خلق العالم لم يكن فوق ولا تحت ~~أصلا. إذ هما مشتقان من ms025 الرأس والرجل ولم يكن إذ ذاك حيوان فتسمى الجهة ~~التي تلي رأسه فوق والمقابل له تحت. # والوجه الثاني أنه لو كان بجهة لكان محاذيا لجسم العالم، وكل محاذ فإما ~~أصغر منه وإما أكبر وإما مساو، وكل ذلك يوجب التقدير بمقدار، وذلك المقدار ~~يجوز في العقل أن يفرض أصغر منه أو أكبر فيحتاج إلى مقدار ومخصص. # PageV01P034 # فإن قيل: لو كان الاختصاص بالجهة يوجب التقدير لكان العرض مقدرا، قلنا: ~~العرض ليس في جهة بنفسه، بل بتبعيته للجوهر فلا جرم هو أيضا مقدر بالتبعية. ~~فإنا نعلم أنه لا توجد عشرة أعراض إلا في عشرة جواهر، ولا يتصور أن يكون في ~~عشرين، فتقدير الأعراض عشرة لازم بطريق التبعية لتقدير الجواهر، كما لزم ~~كونه بجهة بطريق التبعية. # فإن قيل: فإن لم يكن مخصوصا بجهة فوق، فما بال الوجوه والأيدي ترفع إلى ~~السماء في الأدعية شرعا وطبعا، وما باله صلى الله عليه وسلم قال للجارية ~~التي قصد إعتاقها فأراد أن يستيقن إيمانها أين الله فأشارت إلى السماء فقال ~~إنها مؤمنة؟ فالجواب عن الأول أن هذا يضاهي قول القائل: إن لم يكن الله ~~تعالى في الكعبة وهو بيته فما بالنا نحجه ونزوره، وما بالنا نستقبله في ~~الصلاة؟ وإن لم يكن في الأرض، فما بالنا نتذلل بوضع وجوهنا على الأرض في ~~السجود؟ وهذا هذيان. بل يقال: قصد الشرع من تعبد الخلق بالكعبة في الصلاة ~~ملازمة الثبوت في جهة واحدة، فإن ذلك لا محالة أقرب إلى الخشوع وحضور القلب ~~من التردد على الجهات، ثم لما كانت الجهات متساوية من حيث إمكان الاستقبال ~~خصص الله بقعة مخصوصة بالتشريف والتعظيم وشرفها بالإضافة إلى نفسه واستمال ~~القلوب إليها بتشريفه ليثيب على استقبالها، فكذلك السماء قبلة الدعاء، كما ~~أن البيت قبلة الصلاة، والمعبود بالصلاة والمقصود بالدعاء منزه عن الحلول ~~في البيت والسماء ثم في الاشارة بالدعاء إلى السماء سر لطيف يعز من يتنبه ~~لأمثاله، وهو أن نجاة العبد وفوزه في الآخرة، بأن يتواضع لله تعالى ويعتقد ~~التعظيم لربه، والتواضع والتعظيم عمل القلب، وآلته ms026 العقل. والجوارح إنما ~~استعملت لتطهير القلب وتزكيته، فإن القلب خلق خلقه يتأثر بالمواظبة على ~~أعمال الجوارح، كما خلقت الجوارح متأثرة لمعتقدات القلوب، ولما كان المقصود ~~أن يتواضع في نفسه بعقله وقلبه، بأن يعرف قدره ليعرف بخسة رتبته في الوجود ~~لجلال الله تعالى وعلوه، وكان من أعظم الأدلة على خسته الموجبة لتواضعه أنه ~~مخلوق من تراب، كلف أن يضع على التراب، الذي هو أذل الأشياء، وجهه الذي هو ~~أعز الأعضاء، ليستشعر قلبه التواضع بفعل الجبهة في مماستها الأرض، فيكون ~~البدن متواضعا في جسمه وشخصه وصورته بالوجه الممكن فيه وهو معانقة التراب ~~الوضيع الخسيس ويكون العقل متواضعا لربه بما # PageV01P035 # يليق به، وهو معرفة الضعة وسقوط الرتبة وخسة المنزلة عند الالتفات إلى ما ~~خلق منه. # فكذلك التعظيم لله تعالى وضيعة على القلب فيها نجاته، وذلك أيضا ينبغي أن ~~تشترك فيه الجوارح، وبالقدر الذي يمكنه أن تحمل الجوارح، وتعظيم القلب ~~بالإشارة إلى علو الرتبة على طريق المعرفة والاعتقاد وتعظيم الجوارح ~~بالإشارة إلى جهة العلو الذي هو أعلى الجهات وأرفعها في الاعتقادات؛ فإن ~~غاية تعظيم الجارحة استعمالها في الجهات، حتى أن من المعتاد المفهوم في ~~المحاورات أن يفصح الإنسان عن علو رتبة غيره وعظيم ولايته فيقول: أمره في ~~السماء السابعة، وهو إنما ينبه على علو الرتبة ولكن يستعير له علو المكان، ~~وقد يشير برأسه إلى السماء في تعظيم من يريد تعظيم أمره، أي أمره في ~~السماء، أي في العلو وتكون السماء عبارة عن العلو، فانظر كيف تلطف الشرع ~~بقلوب الخلق وجوارحهم في سياقهم إلى تعظيم الله وكيف جهل من قلت بصيرته ولم ~~يلتفت إلا إلى ظواهر الجوارح والأجسام وغفل عن أسرار القلوب واستغنائها في ~~التعظيم عن تقدير الجهات، وظن أن الأصل ما يشار إليه بالجوارح ولم يعرف أن ~~المظنة الأولى لتعظيم القلب وأن تعظيمه باعتقاد علو الرتبة لا باعتقاد علو ~~المكان، وأن الجوارح في ذلك خدم وأتباع يخدمون القلب على الموافقة في ~~التعظيم بقدر الممكن فيها، ولا يمكن في الجوارح إلا الإشارة إلى الجهات، ~~فهذا ms027 هو السر في رفع الوجوه إلى السماء عند قصد التعظيم، ويضاف إليه عند ~~الدعاء أمر آخر وهو أن الدعاء لا ينفك عن سؤال نعمة من نعم الله تعالى، ~~وخزائن نعمه السموات، وخزان أرزاقه الملائكة ومقرهم ملكوت السموات وهم ~~الموكلون بالأرزاق. وقد قال الله تعالى: " وفي السماء رزقكم وما توعدون ". ~~والطبع يتقاضى الإقبال بالوجه على الخزانة التي هي مقر الرزق المطلوب، ~~فطلاب الأرزاق من الملوك إذا أخبروا بتفرقة الأرزاق على باب الخزانة مالت ~~وجوههم وقلوبهم إلى جهة الخزانة، وإن لم يعتقدوا أن الملك في الخزانة فهذا ~~هو محرك وجوه أرباب الدين إلى جهة السماء طبعا وشرعا. # فأما العوام فقد يعتقدون أن معبودهم في السماء، فيكون ذلك أحد أسباب ~~إشاراتهم، تعالى رب الأرباب عما اعتقد الزائغون علوا كبير. # وأما حكمه صلوات الله عليه بالإيمان للجارية لما أشارت إلى السماء، فقد ~~انكشف به أيضا إذ ظهر أن لا سبيل للأخرس إلى تفهم علو المرتبة إلا بالإشارة ~~إلى جهة العلو، فقد كانت خرساء كما حكي، وقد كان يظن بها أنها من عبدة ~~الأوثان، ومن يعتقد اله في بيت الأصنام فاستنطقت عن معتقدها فعرفت بالإشارة ~~إلى السماء أن معبودها ليس في بيوت الأصنام كما يعتقدوه أولئك. # PageV01P036 # فإن قيل فنفي الجهة يؤدي إلى المحال، وهو إثبات موجود تخلو عنه الجهات ~~الست ويكون لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصلا به، ولا منفصلا عنه، وذلك ~~محال، قلنا: مسلم أن كل موجود يقبل الاتصال فوجوده لا متصلا ولا منفصلا ~~محال، وإن كان موجود يقبل الاختصاص بالجهة فوجوده مع خلو الجهات الست عنه ~~محال، فإما موجود لا يقبل الاتصال، ولا الاختصاص بالجهة فخلو عن طرفي ~~النقيض غير محال، وهو كقول القائل يستحيل موجود لا يكون عاجزا ولا قادرا ~~ولا عالما ولا جاهلا فإن أحد المتضادين لا يخلو الشيء عنه، فيقال له إن كان ~~ذلك الشيء قابلا للمتضادين فيستحيل خلوه عنهما وأما الجماد الذي لا يقبل ~~واحدا منهما لأنه فقد شرطهما وهو الحياة، فخلوه عنهما ليس بمحال. فكذلك شرط ~~الاتصال ms028 والاختصاص بالجهات التحيز والقيام بالمتحيز. فإذا فقد هذا لم يستحل ~~الخلق عن متضادته فرجع النظر إذا إلى أن موجودا ليس بمتحيز، ولا هو في ~~متحيز، بل هو فاقد شرط الاتصال، والاختصاص هل هو محال أم لا؟ فإن زعم الخصم ~~أن ذلك محال وجوده فقد دللنا عليه بأنه مهما بان، أن كل متحيز حادث وأن كل ~~حادث يفتقر إلى فاعل ليس بحادث فقد لزم بالضرورة من هاتين المقدمتين ثبوت ~~موجود ليس بمتحيز. أما الأصلان فقد أتبتناهما وأما الدعوى اللازمة منهما ~~فلا سبيل إلى جحدها مع الإقرار بالأصلين. # فإن قال الخصم إن مثل هذا الموجود الذي ساق دليلكم إلى إثباته غير مفهوم، ~~فيقال له ما الذي أردت بقولك غير مفهوم فإن أردت به أنه غير متخيل ولا ~~متصور ولا داخل في الوهم فقد صدقت، فإنه لا يدخل في الوهم والتصور والخيال ~~إلا جسم له لون وقدر، فالمنفك عن اللون والقدر لا يتصوره الخيال، فإن ~~الخيال قد أنس بالمبصرات فلا يتوهم الشيء إلا على وفق مرآه ولا يستطيع أن ~~يتوهم ما لا يوافقه. # وإن أراد الخصم أنه ليس بمعقول، أي ليس بمعلوم بدليل العقل فهو محاذ إذا ~~قدمنا الدليل على ثبوته ولا معنى للمعقول إلا ما اضطر العقل إلى الأذعان ~~للتصديق به بموجب الدليل الذي لا يمكن مخالفته. وقد تحقق هذا، فإن قال ~~الخصم فما لا يتصور في الخيال لا وجود له، فلنحكم بأن الخيال لا وجود له في ~~نفسه، فإن الخيال نفسه لا يدخل في الخيال والرؤية لا تدخل في الخيال وكذلك ~~العلم والقدرة، وكذلك الصوت والرائحة ولو كلف الوهم أن يتحقق ذاتا للصوت ~~لقدر له لونا ومقدارا وتصوره كذلك. وهكذا جميع أحوال النفس، من الخجل ~~والوجل والفسق والغضب والفرح والحزن والعجب، فمن يدرك بالضرورة هذه الأحوال ~~من نفسه ويسوم خياله أن يتحقق # PageV01P037 # ذات هذه الأحوال فنجده يقصر عنه إلا بتقدير خطأ ثم ينكر بعد ذلك وجود ~~موجود لا يدخل في خياله فهذا سبيل كشف الغطاء عن المسألة. وقد جاوزنا حد ~~الاختصار ms029 ولكن المعتقدات المختصرة في هذا الفن أراها مشتملة على الاطناب في ~~الواضحات والشروع في الزيادات الخارجة عن المهمات مع التساهل في مضايق ~~الاشكالات فرأيت نقل الاطناب من مكان الوضوح، إلى مواقع الغموض أهم وأولى. # الدعوى الثامنة: ندعي أن الله تعالى منزه عن أن يوصف بالاستقرار على ~~العرش، فإن كل متمكن على جسم ومستقر عليه مقدر لا محالة فإنه أما أن يكون ~~أكبر منه أو أصغر أو مساويا وكل ذلك لا يخلو عن التقدير، وأنه لو جاز أن ~~يماسه جسم من هذه الجهة لجاز أن يماسه من سائر الجهات فيصير محاطا به ~~والخصم لا يعتقد ذلك بحال وهو لازم على مذهبه بالضرورة، وعلى الجملة يستقر ~~على الجسم إلا جسم ولا يحل فيه إلا عرض وقد بان أنه تعالى ليس بجسم ولا ~~عرض، فلا يحتاج إلى إقران هذه الدعوى بإقامة البرهان. فإن قيل فما معنى ~~قوله تعالى: " الرحمن على العرش استوى "؟ وما معنى قوله عليه السلام: " ~~ينزل الله كل ليلة إلى السماء الدنيا " قلنا الكلام على الظواهر الواردة في ~~هذا الباب طويل ولكن نذكر منهجا في هذين الظاهرين يرشد إلى ما عداه وهو أنا ~~نقول: الناس في هذا فريقان عوام وعلماء، والذي نراه اللائق بعوام الخلق أن ~~لا يخاض بهم في هذه التأويلات بل ننزع عن عقائدهم كل ما يوجب التشبيه ويدل ~~على الحدوث ونحقق عندهم أنه موجود ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، وإذا ~~سألوا عن معاني هذه الآيات زجروا عنها، وقيل ليس هذا بعشكم فادرجوا فلكل ~~علم رجال. ويجاب بما أجاب به مالك بن أنس رضي الله عنه، بعض السلف حيث سئل ~~عن الاستواء، فقال: الاستواء معلوم والكيفية مجهولة، والسؤال عنه بدعة، ~~والايمان به واجب، وهذا لأن عقول العوام لا تتسع لقبول المعقولات ولا ~~إحاطتهم باللغات ولا تتسع لفهم توسيعات العرب في الاستعارات. # وأما العلماء فاللائق بهم تعريف ذلك وتفهمه، ولست أقول أن ذلك فرض عين إذ ~~لم يرد به تكليف بل التكليف التنزيه عن كل ما تشبهه بغيره. فأما ms030 معاني ~~القرآن، فلم يكلف الأعيان فهم جميعها أصلا ولكن لسنا نرتضي قول من يقول، أن ~~ذلك من المتشابهات كحروف أوائل السور، فإن حروف أوائل السور ليست موضوعة ~~باصطلاح # PageV01P038 # سابق للعرب للدلالة على المعاني، ومن نطق بحروف وهن كلمات لم يصطلح ~~عليها، فواجب أن يكون معناه مجهولا إلا أن يعرف ما أردته، فإذا ذكره صارت ~~تلك الحروف كاللغة المخترعة من جهته. # وأما قوله صلى الله عليه وسلم: " ينزل الله تعالى إلى السماء الدنيا "، ~~فلفظ مفهوم ذكر للتفهم وعلم أنه يسبق إلى الإفهام منه المعنى الذي وضع له ~~أو المعنى الذي يستعار، فكيف يقال إنه متشابه بل هو مخيل معنى خطأ عند ~~الجاهل ومفهم معنى صحيحا عند العالم، وهو كقوله تعالى: " وهو معكم أينما ~~كنتم ". فإنه يخيل عند الجاهل اجتماعا مناقصا لكونه على العرش، وعند العالم ~~يفهم أنه مع الكل بالاحاطة والعلم، وكقوله صلى الله عليه وسلم: " قلب ~~المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن "، فإنه عند الجاهل يخيل عضوين مركبين ~~من اللحم والعظم والعصب مشتملين على الأنامل والأظفار، نابتين من الكف، ~~وعند العالم يدل على المعنى المستعار له دون الموضوع له وهو ما كان الاصبع ~~له، وكان سر الاصبع وروحه وحقيقته وهو القدرة على التقليب كما يشاء، كما ~~دلت المعية عليه في قوله وهو معكم على ما تراد المعية له وهو العلم ~~والاحاطة ولكن من شائع عبارات العرب العبارة بالسبب عن المسبب، واستعارة ~~السبب للمستعار منه وكقوله تعالى: " من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ومن ~~أتاني بمشي أتيته بهرولة " فإن الهرولة عند الجاهل تدل على نقل الأقدام ~~وشدة العدو وكذا الاتيان يدل على القرب في المسافة.؟ وعند العاقل يدل على ~~المعنى المطلوب من قرب المسافة بين الناس وهو قرب الكرامة والانعام وإن ~~معناه أن رحمتي ونعمتي أشد انصبابا إلى عبادي من طاعتهم إلي وهو كما قال: " ~~لقد طال شوق الأبرار إلى لقائي وأنا إلى لقائهم لأشد شوقا " تعالى الله عما ~~يفهم من معنى لفظ الشوق بالوضع الذي هو نوع ألم وحاجة ms031 إلى استراحة، وهو عين ~~النقص ولكن الشوق سبب لقبول المشتاق إليه والإقبال عليه وإفاضة النعمة لديه ~~فعبر به عن المسبب، وكما عبر بالغضب والرضى عن إرادة الثواب والعقاب الذين ~~هما ثمرتا الغضب والرضى ومسبباه في العادة. وكذا لما قال في الحجر الأسود ~~إنه يمين الله في الأرض يظن الجاهل انه أراد به اليمين # PageV01P039 # المقابل للشمال التي هي عضو مركب من لحم ودم وعظم منقسم بخمسة أصابع، ثم ~~إنه إن فتح بصيرته علم أنه كان على العرش ولا يكون يمينه في الكعبة ثم لا ~~يكون حجرا أسود فيدرك بأدنى مسكة أنه استعير للمصافحة، فإنه يؤمر باستلام ~~الحجر وتقبيله كما يؤمر بتقبيل يمين الملك، فاستعير اللفظ لذلك. والكامل ~~العقل البصير لا تعظم عنده هذه الأمور، بل يفهم معانيها على البديهة، ~~فلنرجع إلى معنى الاستواء والنزول؛ أما الاستواء فهو نسبه للعرش لا محالة، ~~ولا يمكن أن يكون للعرش إليه نسبة إلا بكونه معلوما، أو مرادا، أو مقدورا ~~عليه، أو محلا مثل محل العرض، أو مكانا مثل مستقر الجسم. ولكن بعض هذه ~~النسبة تستحيل عقلا وبعضها لا يصلح اللفظ للاستعارة به له، فإن كان في جملة ~~هذه النسبة، مع أنه لا نسبة سواها، نسبة لا يخيلها العقل ولا ينبو عنها ~~اللفظ، فليعلم أنها المراد إما كونه مكانا أو محلا، كما كان للجوهر والعرض، ~~إذا اللفظ يصلح له ولكن العقل يخيله كما سبق، وإما كونه معلوما ومرادا ~~فالعقل لا يخيله، ولكن اللفظ لا يصلح له، وإما كونه مقدورا عليه وواقعا في ~~قبضة القدرة ومسخرا له مع أنه أعظم المقدورات ويصلح الاستيلاء عليه لأن ~~يمتدح به وينبه به على غيره الذي هو دونه في العظم، فهذا مما لا يخيله ~~العقل ويصلح له اللفظ، فأخلق بأن يكون هو المراد قطعا، أما صلاح اللفظ له ~~فظاهر عند الخبير بلسان العرب، وإنما ينبو عن فهم مثل هذا أفهام المتطفلين ~~على لغة العرب الناظرين إليها من بعد الملتفتين إليها التفات العرب إلى ~~لسان الترك حيث لم يتعلموا منها إلا أوائلها، ms032 فمن المستحسن في اللغة أن ~~يقال استوى الأمير على مملكته، حتى قال الشاعر: # قد استوى بشير على العراق ... من غير سيف ودم مهراق # ولذلك قال بعض السلف رضي الله عنهم: يفهم من قوله تعالى " الرحمن على ~~العرش استوى " ما فهم من قوله تعالى " ثم استوى إلى السماء وهي دخان ". ~~وأما قوله صلى الله عليه وسلم " ينزل الله تعالى إلى السماء الدنيا " ~~فللتأويل فيه مجال من وجهين: # أحدهما، في اضافة النزول إليه وأنه مجاز، وبالحقيقة هو مضاف إلى ملك من ~~الملائكة كما قال تعالى " واسأل القرية " والمسؤول بالحقيقة أهل القرية. ~~وهذا أيضا من المتداول في الألسنة، أعني إضافة أحوال التابع إلى المتبوع، ~~فيقال: ترك الملك على باب البلد، ويراد عسكره، فإن المخبر بنزول الملك على ~~باب البلد قد يقال له هلا خرجت لزيارته فيقول لا، لأنه عرج في طريقه على ~~الصيد ولم ينزل بعد، فلا يقال له فلم نزل الملك والآن تقول لم ينزل بعد؟ ~~فيكون المفهوم # PageV01P040 # من نزول الملك نزول العسكر، وهذا جلي واضح. # والثاني، أن لفظ النزول قد يستعمل للتلطف والتواضع في حق الخلق كما ~~يستعمل الارتفاع للتكبر، يقال فلان رفع رأسه إلى عنان السماء، أي تكبر، ~~ويقال ارتفع إلى أعلى عليين، أي تعظم؛ وإن علا أمره يقال: أمره في السماء ~~السابعة؛ وفي معارضته إذا سقطت رتبته يقال: قد هوى به إلى أسفل السافلين؛ ~~وإذا تواضع وتلطف له تطامن إلى الأرض ونزل إلى أدنى الدرجات. فإذا فهم هذا ~~وعلم أن النزول عن الرتبة بتركها أو سقوطها وفي النزول عن الرتبة بطريق ~~التلطف وترك العقل الذي يقتضيه علو الرتبة وكمال الاستغناء، فبالنظر إلى ~~هذه المعاني الثلاثة التي يتردد اللفظ بينها ما الذي يجوزه العقل؟ أما ~~النزول بطريق الانتقال فقد أحاله العقل كما سبق، فإن ذلك لا يمكن إلا في ~~متحيز، وأما سقوط الرتبة فهو محال لأنه سبحانه قديم بصفاته وجلاله ولا يمكن ~~زوال علوه، وأما النزول بمعنى اللطف والرحمة وترك الفعل اللائق بالاستغناء ~~وعدم المبالاة فهو ممكن، فيتعين التنزيل عليه، ms033 وقيل إنه لما نزل قوله ~~تعالى: " رفيع الدرجات ذو العرش " استشعر الصحابة رضوان الله عليهم من ~~مهابة عظيمة واستبعدوا الانبساط في السؤال والدعاء مع ذلك الجلال، فأخبروا ~~أن الله سبحانه وتعالى مع عظمة جلاله وعلو شأنه متلطف بعباده رحيم بهم ~~مستجيب لهم مع الاستغناء إذا دعوه، وكانت استجابة الدعوة نزولا بالاضافة ~~إلى ما يقتضيه ذلك الجلال من الاستغناء وعدم المبالاة، فعبر عن ذلك بالنزول ~~تشجيعا لقلوب العباد على المباسطة بالأدعية بل على الركوع والسجود، فإن من ~~يستشعر بقدر طاقته مبادئ جلال الله تعالى استبعد سجوده وركوعه، فإن تقرب ~~العباد كلهم بالاضافة إلى جلال الله سبحانه أحس من تحريك العبد أصبعا من ~~أصابعه على قصد التقرب إلى ملك من ملوك الأرض، ولو عظم به ملكا من الملوك ~~لاستحق به التوبيخ، بل من عادة الملوك زجر الأرزال عن الخدمة والسجود بين ~~أيديهم والتقبيل لعتبة دورهم استحقارا لهم عن الاستخدام وتعاظما عن استخدام ~~غير الأمراء والأكابر، كما جرت به عادة بعض الخلفاء. فلولا النزول عن مقتضى ~~الجلال باللطف والرحمة والاستجابة لاقتضى ذلك الجلال أن يبهت القلوب عن ~~الفكر، ويخرس الألسنة عن الذكر، ويخمد الجوارح عن الحركة، فمن لاحظ ذلك ~~الجلال وهذا اللطف استبان له على القطع أن عبارة النزول مطابقة للجلال ~~ومطلقة في موضوعها لا على ما فهمه الجهال؛ فإن قيل فلم خصص السماء الدنيا؟ ~~قلنا: هو عبارة عن الدرجة الأخيرة التي لا درجة بعدها، كما يقال سقط إلى # PageV01P041 # الثرى وارتفع إلى الثريا، على تقدير أن الثريا أعلى الكواكب والثرى أسفل ~~المواضع. فإن قيل: فلم خصص بالليالي، فقال ينزل كل ليلة؟ قلنا: لأن الخلوات ~~مظنة الدعوات والليالي أعدت لذلك، حيث يسكن الخلق وينمحي عن القلوب ذكرهم، ~~ويصفوا لذكر الله تعالى قلب الداعي، فمثل هذا الدعاء هو المرجو الاستجابة ~~لا ما يصدر عن غفلة القلوب عند تزاحم الاشتغال. # الدعوى التاسعة: ندعي أن الله سبحانه وتعالى مرئي، خلافا للمعتزلة، وإنما ~~أوردنا هذه المسألة في القطب الموسوم بالنظر في ذات الله سبحانه وتعالى ~~لأمرين: أحدهما أن ms034 ننفي الرؤية عما يلزم على نفي الجهة، فأردنا أن نبين كيف ~~يجمع بين نفي الجهة وإثبات الرؤية. والثاني أنه سبحانه وتعالى عندنا مرئي ~~لوجوده ووجود ذاته، فليس ذلك إلا لذاته، فإنه ليس لفعله ولا لصفة من ~~الصفات، بل كل موجود ذات فواجب أن يكون مرئيا، كما أنه واجب أن يكون ~~معلوما، ولست أعني به أنه واجب أن يكون معلوما ومرئيا بالفعل بل بالقوة، أي ~~هو من حيث ذاته له، فإن امتنع وجود الرؤية فلأمر آخر خارج عن ذاته، كما ~~نقول: الماء الذي في النهر مرو، والخمر الذي في الدن مسكر، وليس كذلك لأنه ~~يسكر ويروي عند الشرب ولكن معناه أن ذاته مستعدة لذلك فإذا فهم المراد منه ~~فالنظر في طرفين: أحدهما في الجواز العقلي، والثاني في الوقوع الذي لا سبيل ~~إلى دركه إلا بالشرع، ومهما دل الشرع على وقوعه فقد دل أيضا لا محالة على ~~جوازه ولكنا ندل بمسلكين واقعين عقليين على جوازه. # المسلك الأول، هو أنا نقول أن الباري سبحانه موجود وذات، وله ثبوت ~~وحقيقة، وإنما يخالف سائر الموجودات في استحالة كونه حادثا أو موصوفا بما ~~يدل على الحدوث، أو موصوفا بصفة تناقض صفات الالهية من العلم والقدرة ~~وغيرهما. فكل ما يصح لموجود فهو يصح في حقه تعالى إن لم يدل على الحدوث ولم ~~يناقض صفة من صفاته. والدليل عليه تعلق العلم به؛ فإنه لما لم يؤد إلى تغير ~~في ذاته ولا إلى مناقضة صفاته ولا إلى الدلالة على الحدوث، سوى بينه وبين ~~الأجسام والأعراض في جواز تعلق العلم بذاته وصفاته. والرؤية نوع علم لا ~~يوجب تعلقه بالمرئي تغير صفة ولا يدل على حدوث، فوجب الحكم بها على كل ~~موجود، # PageV01P042 # فإن قيل: فكونه مرئيا يوجب كونه بجهة وكونه بجهة يوجب كونه عرضا أو جوهرا ~~وهو محال، ونظم القياس أنه إن كان مرئيا فهو بجهة من الرأي وهذا اللازم ~~محال فالمفضي إلى الرؤية محال. # قلنا: أحد الأصلين من هذا القياس مسلم لكم، وهو أن هذا اللازم محال، ولكن ~~الأصل الأول ms035 وهو ادعاء هذا اللازم على اعتقاد الرؤية ممنوع. # فنقول لم قلتم إنه إن كان مرئيا فهو بجهة من الرأي، أعلمتم ذلك بضرورة، ~~أم بنظر؟ ولا سبيل إلى دعوى الضرورة، وأما النظر فلا بد من بيانه، ومنتهاهم ~~أنهم لم يروا إلى الآن شيئا إلا وكان بجهة من الرأي مخصوصة، فيقال: وما لم ~~ير فلا يحكم باستحالته، ولو جاز هذا لجاز للمجسم أن يقول إنه تعالى جسم، ~~لأنه فاعل، فإننا لم نر إلى الآن فاعلا إلا جسما. أو يقول إن كان فاعلا ~~وموجودا فهو إما داخل العالم وإما خارجه، وإما متصل وإما منفصل، ولا تخلو ~~عنه الجهات الست، فإنه لم يعلم موجود إلا وهو كذلك فلا فضل بينكم وبين ~~هؤلاء. وحاصله يرجع إلى الحكم بأن ما شوهد وعلم ينبغي أن لا يعلم غيره إلا ~~على وفقه، وهو كمن يعلم الجسم وينكر العرض ويقول: لو كان موجودا لكان يختص ~~بحيز ويمنع غيره من الوجود بحيث هو كالجسم. ومنشأ هذا إحالة موجودات اختلاف ~~الموجودات في حقائق الخواص مع الاشتراك في أمور عامة. وذلك بحكم لا أصل له، ~~على أن هؤلاء لا يغفل عن معارضتهم بأن الله يرى نفسه ويرى العالم وهو ليس ~~بجهة من نفسه ولا من العالم، فإذا جاز ذلك فقد بطل هذا الخيال. وهذا مما ~~يعترف به أكثر المعتزلة ولا نخرج عنه لمن اعترف به ومن أنكر منهم فلا يقدر ~~على انكار رؤية الانسان نفسه في المرآة، ومعلوم أنه ليس في مقابلة نفسه فإن ~~زعموا أنه لا يرى نفسه وإنما يرى صورة محاكية لصورته منطبعة في المرآة ~~انطباع النفس في الحائط، فيقال إن هذا ظاهر الاستحالة: فإن من تباعد عن ~~مرآة منصوبة في حائط بقدر ذراعين يرى صورته بعيدة عن جرم المرآة بذراعين، ~~وإن تباعد بثلاثة أذرع فكذلك. فالبعيد عن المرآة بذراعين كيف يكون منطبعا ~~في المرآة وسمك المرآة ربما لا يزيد على سمك شعيرة؟ فإن كانت الصورة في شيء ~~وراء المرآة فهو محال، إذ ليس وراء المرآة إلا جدار أو هواء ms036 أو شخص آخر هو ~~محجوب عنه، وهو لا يراه. وكذا عن يمين المرآة ويسارها وفوقها وتحتها وجهات ~~المرآة الست، وهو يرى صورة بعيدة عن المرآة بذراعين، فلنطلب هذه الصورة من ~~جوانب المرآة: فحيث وجدت فهو المرئي ولا وجود لمثل هذه الصورة المرئية في ~~الأجسام المحيطة بالمرآة إلا في جسم والناظر، فهو المرئي إذا بالضرورة. وقد ~~تطلب المقابلة والجهة ولا ينبغي # PageV01P043 # أن تستحقر هذا الإلزام فإنه لا مخرج للمعتزلة عنه، ونحن نعلم بالضرورة أن ~~الانسان لو لم يبصر نفسه قط ولا عرف المرآة وقيل له أن يمكن أن تبصر نفسك ~~في مرآة الحكم بأنه محال، وقال لا يخلو إما أن أرى نفسي وأنا في المرآة فهو ~~محال، أو أرى مثل صورتي في جرم المرآة وهو محال، أو في جرم وراء المرآة وهو ~~محال، أو المرآة في نفسها صورة وللأجسام المحيطة بها جسم صور، ولا تجتمع ~~صورتان في جسم واحد إذ محال أن يكون في جسم واحد صورة إنسان وديد وحائط وإن ~~رأيت نفسي حيث أنا فهو محال، إذ لست في مقابلة نفسي فكيف أرى نفسي، ولا بد ~~بين المقابلة بين الرائي والمرئي وهذا التقسيم صحيح عند المعتزلي ومعلوم ~~أنه باطل، وبطلانه عندنا لقوله إني لست في مقابلة نفسي فلا أراها وإلا ~~فسائر أقسام كلامه صحيحة، فبهذا يستبين ضيق حوصلة هؤلاء عن التصديق بما لم ~~يألفوه ولم تأنس به حواسهم. # المسلك الثاني، وهو الكشف البالغ أن تقول إنما أنكر الخصم الرؤية لأنه لم ~~يفهم ما تريده بالرؤية ولم يحصل معناها على التحقيق، وظن أنا نريد بها حالة ~~تساوي الحالة التي يدركها الرأي عند النظر إلى الأجسام والألوان وهيهات! ~~فنحن نعترف باستحالة ذلك في حق الله سبحانه، ولكن ينبغي أن نحصل معنى هذا ~~اللفظ في الموضع المتفق، ونسبكه ثم نحذف منه ما يستحيل في حق الله سبحانه ~~وتعالى، فإن نفي من معانيه معنى لم يستحل في حق الله سبحانه وتعالى وأمكن ~~أن يسمى ذلك المعنى رؤية حقيقة، أثبتناه في حق الله سبحانه وقضينا ms037 بأنه ~~مرئي حقيقة، وإن لم يكى إطلاق اسم الرؤية عليه إلا بالمجاز أطلقنا اللفظ ~~عليه بإذن الشرع واعتقدنا المعنى كما دل عليه العقل. وتحصيله، أن الرؤية ~~تدل على معنى له محل وهو العين، وله متعلق وهو اللون والقدر والجسم وسائر ~~المرئيات، فلننظر إلى حقيقة معناه ومحله، وإلى متعلقه ولنتأمل أن الركن من ~~جملتها في إطلاق هذا الاسم ما هو، فنقول: أما المحل فليس بركن في صحة هذه ~~التسمية، فإن الحالة التي ندركها بالعين من المرئي لو أدركناها بالقلب أو ~~بالجبهة مثلا لكنا نقول قد رأينا الشيء وأبصرناه وصدق كلامنا، فإن العين ~~محل وآلة لا تراد لعينها بل لتحل فيه هذه الحالة، فحيث حلت الحالة تمت ~~الحقيقة وصح الاسم. # ولنا أن نقول علمنا بقلبنا أو بدماغنا إن أدركنا الشيء بالقلب، أو ~~بالدماغ إن أدركنا الشيء بالدماغ، وكذلك إن أبصرنا بالقلب أو بالجبهة أو ~~بالعين. # وأما المتعلق بعينه فليس ركنا في إطلاق هذا الاسم وثبوت هذه الحقيقة. فإن ~~الرؤية لو كانت رؤية لتعلقها بالسواد لما كان المتعلق بالبياض رؤية، ولو ~~كان لتعلقها # PageV01P044 # باللون لما كان المتعلق بالحركة رؤية، ولو كان لتعلقها بالعرض لما كان ~~المتعلق بالجسم رؤية، فدل أن خصوص صفات المتعلق ليس ركنا لوجود هذه ~~الحقيقة، وإطلاق هذا الاسم، بل الركن فيه من حيث أنه صفة متعلقة أن يكون ~~لها متعلق موجود؛ أي موجود كان وأي ذات كان. فإذا الركن الذي الاسم مطلق ~~عليه هو الأمر الثالث وهو حقيقة المعنى من غير التفات إلى محله ومتعلقه، ~~فلنبحث عن الحقيقة ما هي، ولا حقيقة لها إلا أنها نوع إدراك هو كمال ومزيد ~~كشف بالاضافة إلى التخيل، فإنا نرى الصديق مثلا ثم نغمض العين فتكون صورة ~~الصديق حاضرة في دماغنا على سبيل التخيل والتصور، ولكنا لو فتحنا البصر ~~أدركنا تفرقته ولا ترجع تلك التفرقة إلى إدراك صورة أخرى مخالفة لما كانت ~~في الخيال بل الصورة المبصرة مطابقة للمتخيلة من غير فرق وليس بينهما ~~افتراق، إلا أن هذه الحالة الثانية كالاستكمال لحالة التخيل، وكالكشف ms038 لها، ~~فتحدث فيها صورة الصديق عند فتح البصر حدوثا أوضح وأتم وأكمل من الصورة ~~الجارية في الخيال. والحادثة في البصر بعينها تطابق بيان الصورة الحادثة في ~~الخيال، فإذا التخيل نوع إدراك على رتبة، ووراءه رتبة أخرى هي أتم منه في ~~الوضوح والكشف، بل هي كالتكميل له، فنسمي هذا الاستكمال بالاضافة إلى ~~الخيال رؤية وإبصارا، وكذا من الأشياء ما نعلمه ولا نتخيله وهو ذات الله ~~سبحانه وتعالى وصفاته، وكل ما لا صورة له، أي لا لون له ولا قدر مثل القدرة ~~والعلم والعشق والإبصار والخيال؛ فإن هذه أمور نعلمها ولا نتخيلها والعلم ~~بها نوع إدراك فلننظر هل يحيل العقل أن يكون لهذا الادراك مزيد استكمال ~~نسبته إليه نسبة الإبصار إلى التخيل؛ فإن كان ذلك ممكنا سمينا ذلك الكشف ~~والاستكمال بالاضافة إلى العلم رؤية، كما سميناه بالاضافة إلى التخيل رؤية. ~~ومعلوم أن تقدير هذا الاستكمال في الاستيضاح والاستكشاف غير محال في ~~الموجودات المعلومة التي ليست متخيلة كالعلم والقدرة وغيرهما، وكذا في ذات ~~الله سبحانه وصفاته، بل نكاد ندرك ضرورة من الطبع أنه يتقاضى طلب مزيد ~~استيضاح في ذات الله وصفاته وفي ذوات هذه المعاني المعلومة كلها. # فنن نقول إن ذلك غير محال فإنه لا محيل له بل العقل دليل على إمكانه بل ~~على استدعاء الطبع له. إلا أن هذا الكمال في الكشف غير مبذول في هذا ~~العالم، والنفس في شغل البدن وكدورة صفائه، فهو مجوب عنه. وكما لا يبعد أن ~~يكون الجفن أو الستر أو سواد ما في العين سببا بحكم اطراد العادة لامتناع ~~الإبصار للمتخيلات فلا يبعد أن تكون كدورة النفس وتراكم حجب الاشغال بحكم ~~اطراد العادة مانعا من إبصار المعلومات. فإذا بعثر ما في القبور وحصل ما في ~~الصدور، وزكيت القلوب بالشراب الطهور، وصفيت بأنوع التصفية والتنقية، لم ~~يمتنع أن تشتغل بسببها # PageV01P045 # لمزيد استكمال واستيضاح في ذات الله سبحانه أو في سائر المعلومات، يكون ~~ارتفاع درجته عن العلم المعهود كارتفاع درجة الإبصار عن التخيل، يعبر عن ~~ذلك بلقاء الله تعالى ms039 ومشاهدته أو رؤيته أو إبصاره أو ما شئت من العبارات. ~~فلا مشاحة فيها وبعد إيضاح المعاني. وإذا كان ذلك ممكنا بأن خلقت هذه ~~الحالة في العين، كان اسم الرؤية بحكم وضع اللغة عليه أصدق وخلقه في العين ~~غير مستحيل. كما أن خلقها في القلب غير مستحيل فإذا فهم المراد بما أطلقه ~~أهل الحق من الرؤية، علم أن العقل لا يحيله بل يوجبه، وأن الشرع قد شهد له ~~فلا يبقى للمنازعة وجه إلا على سبيل العناد أو المشاحنة في إطلاق عبارة ~~الرؤية أو القصور عن درك هذه المعاني الدقيقة التي ذكرناها. ولنقتصر في هذا ~~الموجز على هذا القدر. # الطرف الثاني في وقوعه شرعا. وقد دل الشرع على وقوعه ومداركه كثيرة، ~~ولكثرتها يمكن دعوى الإجماع على الأولين في ابتهالهم إلى الله سبحانه في ~~طلب لذة النظر إلى وجهه الكريم. ونعلم قطعا من عقائدهم أنهم كانوا ينتظرون ~~ذلك وأنهم كانوا قد فهموا جواز انتظار ذلك وسؤاله من الله سبحانه، بقرائن ~~أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وجملة من ألفاظه الصريحة التي لا تدخل ~~في الحضر، بالاجماع الذي يدل على خروج المدارك عن الحصر. ومن أقوى ما يدل ~~عليه سؤال موسى صلى الله عليه وسلم أرني أنظر إليك فإنه يستحيل أن يخفى عن ~~نبي من أنبياء الله تعالى انتهى منصبه إلى أن يكلمه الله سبحانه شفاها أن ~~يجهل من صفات ذاته تعالى ما عرفه المعتزلة. وهذا معلوم على الضرورة، فإن ~~الجهل بكونه ممتنع الرؤية عند الخصم يوجب التفكير أو التضليل وهو جهل بصفة ~~ذاته لأن استحالتها عندهم لذاته ولأنه ليس بجهة فكيف لم يعرف موسى عليه ~~أفضل الصلاة أنه ليس بجهة، أو كيف عرف أنه ليس بجهة ولم يعرف أن رؤية ما ~~ليس بجهة محال؟ فليت شعري ماذا يضمر الخصم ويقدره من ذهول موسى صلى الله ~~عليه وسلم، أيقدره معتقدا أنه جسم في جهة ذو لون، واتهام الأنبياء صلوات ~~الله سبحانه وتعالى عليهم وسلامه كفر صراح، فإنه تكفير للنبي صلى الله عليه ~~وسلم، ms040 فإن القائل بأن الله سبحانه جسم وعابد الوثن والشمس واحد! أو يقول ~~علم استحالة كونه بجهة، ولكنه لم يعلم أن ما ليس بجهة فلا يرى، وهذا تجهيل ~~للنبي عليه أفضل السلام لأن الخصم يعتقد أن ذلك من الجليات لا من النظريات. ~~فأنت الآن أيها المسترشد مخير من أن تميل إلى تجهيل النبي صلى الله عليه ~~وسلم تسليما، أو إلى تجهيل المعتزلي، فاختر لنفسك ما أليق بك والسلام. # فإن قيل: إن دل هذا لكم فقد دل عليكم، لسؤاله الرؤية في الدنيا ودل عليكم ~~قوله تعالى " لن تراني " ودل قوله سبحانه " لا تدركه الأبصار ". # PageV01P046 # قلنا: أما سؤاله الرؤية في الدنيا فهو دليل على عدم معرفته بوقوع وقت ما ~~هو جائز في نفسه، والأنبياء كلهم عليهم أفضل السلام لا يعرفون من الغيب إلا ~~ما عرفوا، وهو القليل، فمن أين يبعد أن يدعو النبي عليه أفضل السلام كشف ~~غمة وإزالة بلية وهو يرتجي الإجابة في وقت لم تسبق في علم الله تعالى ~~الإجابة فيه. وهذا من ذلك الفن. # وأما قوله سبحانه " لن تراني " فهو دفع لما التمسه، وإنما التمس في ~~الآخرة، فلو قال أرني انظر إليك في الآخرة، فقال لن تراني، لكان ذلك دليلا ~~على نفي الرؤية، ولكن في حق موسى صلوات الله سبحانه وسلامه عليه في الخصوص ~~لا على العموم. وما كان أيضا دليلا على الاستحالة، فكيف وهو جواب عن السؤال ~~في الحال؟ # وأما قوله لا تدركه الأبصار أي لا تحيط به ولا تكتنفه من جوانبه كما تحيط ~~الرؤية بالأجسام، وذلك حق، أو هو عام فأريد بة في الدنيا، وذلك أيضا حق، ~~وهو ما أراده بقوله سبحانه " لن تراني " في الدنيا. ولنقتصر على هذا القدر ~~في مسألة الرؤية، ولينظر المنصف كيف افترقت الفرق وتحزبت إلى مفرط ومفرط. # أما الحشوية فإنهم لم يتمكنوا من فهم موجود إلا في جهة، فأثبتوا الجهة ~~حتى ألزمتهم بالضرورة الجسمية والتقدير والاختصاص بصفات الحدوث. # وأما المعتزلة وفانهم نفوا الجهة ولم يتمكنوا من إثبات الرؤية دونها، ~~وخالفوا به قواطع الشرع، ms041 وظنوا أن في إثباتها إثبات الجهة، فهؤلاء تغلغلوا ~~في التنزيه محترزين من التشبيه، فأفرطوا. والحشوية أثبتوا الجهة احترازا من ~~التعطيل فشبهوا، فوقف الله سبحانه أهل السنة للقيام بالحق، فتفطنوا للمسلك ~~القصد وعرفوا أن الجهة منقية لأنها للجسمية تابعة وتتمة، وأن الرؤية ثابتة ~~لأنها رديف العلم وفريقه، وهي تكملة له؛ فانتفاء الجسمية أوجب انتفاء الجهة ~~التي من لوازمها. وثبوت العلم أوجب ثبوت الرؤية التي هي من روادفه وتكملاته ~~ومشاركة له في خاصيته، وهي أنها لا توجب تغييرا في ذات المرئي، بل تتعلق به ~~على ما هو عليه كالعلم. ولا يخفى عن عاقل أن هذا هو الاقتصاد في الاعتقاد. # الدعوى العاشرة: ندعي أنه سبحانه واحد. فإن كونه واحدا يرجع إلى ثبوت ~~ذاته ونفي غيره، فليس هو نظر في صفة زائدة على الذات، فوجب ذكره في هذا ~~القطب. # فنقول: الواحد قد يطلب ويراد به أنه لا يقبل القسمة، أي لا كمية له ولا ~~جزء # PageV01P047 # ولا مقدار، والباري تعالى واحد بمعنى سلب الكمية المصححة للقسمة عنه؛ ~~فإنه غير قابل للانقسام. إذ الانقسام لما له كمية، والتقسيم تصرف في كمية ~~بالتفريق والتصغير، وما لا كمية له لا بتصور انقسامه. وقد يطلق ويراد أنه ~~لا نظير له في رتبته كما تقول الشمس واحدة، والباري تعالى أيضا بهذا المعنى ~~واحد؛ فإنه لا ند له. فأما انه لا ضد له فظاهرا، إذ المفهوم من الضد هو ~~الذي يتعاقب مع الشيء على محل واحد ولا تجامع وما لا محل له فلا ضد له، ~~والباري سبحانه لا محل له فلا ضد له. # وأما قولنا لا ند له، نعني به أن ما سواه هو خالقه لا غير، وبرهانه أنه ~~لو قدر له شريك لكان مثله في كل الوجوه أو أرفع منه أو كان دونه. وكل ذلك ~~محال. فالمفضي إليه محال، ووجه استحالة كونه مثله من كل وجه أن كل اثنين ~~هما متغايران، فإن لم يكن تغاير لم تكن الإثنينية معقولة، فإنا لا نعقل ~~سوادين إلا في محلين، أو في محل واحد ms042 في وقتين، فيكون أحدهما مفارقا للآخر ~~ومباينا له ومغايرا إما في المحل وإما في الوقت، والشيئان تارة يتغايران ~~بتغاير الحد والحقيقة، كتغاير الحركة واللون فإنهما وإن اجتمعا في محل واحد ~~في وقت واحد فهما اثنان، إذ أحدهما مغاير للآخر بحقيقته، فإن استوى اثنان ~~في الحقيقة والحد كالسوادين، فيكون الفرق بينهما إما في المحل أو في ~~الزمان؛ فإن فرض سوادان مثلا في جوهر واحد في حالة واحدة كان محالا إذ لم ~~تعرف الاثنينية. ولو جاز أن يقال هما اثنان ولا مغايرة، لجاز أن يشار إلى ~~إنسان واحد ويقال أنه انسانان بل عشرة وكلها متساوية متماثلة في الصفة ~~والمكان وجميع العوارض واللوازم، من غير فرقان، وذلك محال بالضرورة، فإن ~~كان ند الله سبحانه متساويا له في الحقيقة والصفات استحال وجوده، إذ ليس ~~مغايره بالمكان إذ لا مكان ولا زمان فإنهما قديمان، فإذا لا فرقان، وإذا ~~ارتفع كل فرق ارتفع العدد بالضرورة، ولزمت الوحدة. ومحال أن يقال يخالفه ~~بكونه أرفع منه. فإن الأرفع هو الإله والإله عبارة عن أجل الموجودات ~~وأرفعها، والآخر المقدر ناقص ليس بالإله. ونحن إنما نمنع العدد في الإله، ~~والإله هو الذي يقال فيه بالقول المطلق أنه أرفع الموجودات وأجلها. وإن كان ~~أدنى منه كان محالا، لأنه ناقص ونحن نعبر بالاله عن أجل الموجودات فلا يكون ~~الأجل إلا واحدا، وهو الإله ولا يتصور اثنان متساويان في صفات الجلال، إذ ~~يرتفع عند ذلك الافتراق ويبطل العدد كما سبق. # فإن قيل: بم تنكرون على من لا ينازعكم في إيجاد من يطلق عليه اسم الإله، ~~مهما كان الإله، عبارة عن أجل الموجودات، ولكنه يقول العالم كله بجملته ليس ~~بمخلوق خالق واحد، بل هو مخلوق خالقين، أحدهما مثلا خالق السماء والآخر ~~خالق الأرض، أو أحدهما خالق الجمادات والآخر خالق الحيوانات وخالق النبات: ~~فما # PageV01P048 # المحيل لهذا؟ فإن لم يكن على استحالة هذا دليل، فمن أين ينفعكم قولكم أن ~~اسم الإله لا يطلق على هؤلاء؟ فإن هذا القائل يعبر بالإله عن الخالق، أو ~~يقول أحدهما خالق ms043 الخير والآخر خالق الشر، أو أحدهما خالق الجواهر والآخر ~~خالق الأعراض، فلا بد من دليل على استحالة ذلك. # فنقول: يدل على استحالة ذلك أن هذه التوزيعات للمخلوقات على الخالقين في ~~تقدير هذا السائل لا تعدو قسمين: إما أن تقتضي تقسيم الجواهر والأعراض ~~جميعا حتى خلق أحدهما بعض الأجسام والأعراض دون البعض، أو يقال كل الأجسام ~~من واحد وكل الأعراض من واحد، وباطل أن يقال إن بعض الأجسام بخلقها واحد ~~كالسماء مثلا دون الأرض؛ فإنا نقول خالق السماء هل هو قادر على خلق الأرض ~~أم لا، فإن كان قادرا كقدرته، لم يتميز أحدهما في القدرة عن الآخر، فلا ~~يتميز في المقدور عن الآخر فيكون المقدور بين قادرين ولا تكون نسبته إلى ~~أحدهما بأولى من الآخر، وترجع الاستحالة إلى ما ذكرناه من تقدير تزاحم ~~متماثلين من غير فرق، وهو محال. وإن لم يكن قادرا عليه فهو محال لأن ~~الجواهر متماثلة وأكوانها التي هي اختصاصات بالأحياز متماثلة، والقادر على ~~الشيء قادر على مثله إذ كانت قدرته قديمة بحيث يجوز أن يتعلق بمقدورين ~~وقدرة كل واحد منهما تتعلق بعدة من الأجسام والجواهر، فلم تتقيد بمقدور ~~واحد. وإذا جاوز المقدور الواحد على خلاف القدرة الحادثة، لم يكن بعض ~~الأعداد بأولى من بعض، بل يجب الحكم بنفي النهاية عن مقدوراته ويدخل كل ~~جوهر ممكن وجوده في قدرته. # والقاسم الثاني أن يقال: أحدهما يقدر على الجوهر والآخر على الأعراض وهما ~~مختلفان، فلا تجب من القدرة على أحدهما القدرة على الآخر، وهذا محال، لأن ~~العرض لا يستغني عن الجوهر، والجوهر لا يستغني عن العرض، فيكون فعل كل واحد ~~منهما موقوفا على الآخر، فكيف يخلقه وربما لا يساعده خالق الجوهر على خلق ~~الجوهر عند إرادته لخلق العرض، فيبقى عاجزا متحيرا والعاجز لا يكون قادرا. ~~وكذلك خالق الجوهر إن أراد خلق الجوهر بما خالفه خالق العرض فيمتنع على ~~الآخر خلق الجوهر فيؤدي ذلك إلى التمانع. # فإن قيل: مهما أراد واحد منهما خلق جوهر ساعده الآخر على العرض وكذا ~~بالعكس. قلنا: ms044 هذه المساعدة هل هي واجبة لا يتصور في العقل خلافها فإن ~~أوجبتموها فهو تحكم، بل هو أيضا مبطل للقدرة، فإن خلق الجوهر من واحد كأنه ~~يضطر الآخر إلى خلق العرض، وكذا بالعكس؛ فلا تكون له قدرة على الترك ولا ~~تتحقق القدرة مع # PageV01P049 # هذا. وعلى الجملة فترك المساعدة إن كان ممكنا فقد تعذر العقل وبطل معنى ~~المقدرة والمساعدة إن كانت واجبة صار الذي لا بد له من مساعدة مضطرا لا ~~قدرة له. # فإن قيل. فيكون أحدهما خالق الشر والآخر خالق الخير، قلنا: هذا هوس، لأن ~~الشر ليس شرا لذاته، بل هو من حيث ذاته مساو للخير ومماثل له، والقدرة على ~~الشيء قدرة على مثله، فإن إحراق بدن المسلم بالنار شر، وإحراق بدن الكافر ~~خير ودفع شر، والشخص الواحد إذا تكلم بكلمة الإسلام انقلب الإحراق في حقه ~~شرا، فالقادر على إحراق لحمه بالنار عند سكوته عن كلمة الإيمان لا بد أن ~~يقدر على إحراقه عند النطق بها، لأن نطقه بها صوت ينقضي لا يغير ذات اللحم، ~~ولا ذات النار، ولا ذات الاحتراق، ولا يغلب جنسا فتكون الاحتراقات متماثلة، ~~فيجب تعلق القدرة بالكل ويقتضي ذلك تمانعا وتزاحما. وعلى الجملة: كيفما فرض ~~الأمر تولد منه اضطراب وفساد وهو الذي أراد الله سبحانه بقوله " لو كان ~~فيهما آلهة إلا الله لفسدتا " فلا مزيد على بيان القرآن. ولنختم هذا القطب ~~بالدعوى العاشرة فلم يبق مما يليق بهذا الفن إلا بيان استحالة كونه سبحانه ~~محلا للحوادث، وسنشير إليه في أثناء الكلام ### | في الصفات # ردا على من قال بحدوث العلم والإرادة وغيرهما. # PageV01P050 ### | القطب الثاني # في الصفات # وفيه سبعة دعاوى # إذ ندعى أنه سبحانه قادر عالم حي مريد سميع بصير متكلم، فهذه سبعة صفات. ~~ويتشعب عنها نظر في أمرين أحدهما ما به تخص آحاد الصفات، والثاني ما تشترك ~~فيه جميع الصفات. فلنفتح البداية ب ### | القسم الأول # وهو اثآت ### | أصل الصفات # وشرح خصوص أحكامها. # القسم الأول # أصل الصفات ### | الصفة الأولى ### | القدرة # ندعي أن محدث العالم قادر، لأن العالم فعل محكم ms045 مرتب متقن منظوم مشتمل ~~على أنواع من العجائب والآيات، وذلك يدل على القدرة. ونرتب القياس فنقول: ~~كل فعل محكم فهو صادر من فاعل قادر، والعالم فعل محكم فهو إذا صادر من فاعل ~~قادر، ففي أي الأصلين النزاع؟ فإن قيل فلم قلتم أن العالم فعل محكم، قلنا: ~~عنينا بكونه محكما ترتبه ونظامه وتناسبه، فمن نظر في أعضاء نفسه الظاهرة ~~والباطنة ظهر له من عجائب الاتقان ما يطول حصره، فهذا أصل تدرك معرفته ~~بالحس والمشاهدة فلا يسع جحده. فإن قيل: فبم عرفتم الأصل الآخر وهو أن كل ~~فعل مرتب محكم ففاعله قادر؟ قلنا: هذا مدركه ضرورة العقل؛ فالعقل يصدق به ~~بغير دليل ولا يقدر العاقل على جحده، ولكنا مع هذا نجرد دليلا يقطع دابر ~~الجحود والعناد، فنقول: نعني بكونه قادرا أن الفعل الصادر منه لا يخلو إما ~~أن يصدر عنه لذاته أو لزائد عليه، وباطل أن يقال صدر عنه لذاته، إذ لو كان ~~كذلك لكان قديما مع الذات فدل أنه صدر لزائد على # PageV01P051 # ذاته، والصفة الزائدة التي بها تهيأ للفعل الموجود نسميها قدرة، إذ ~~القدرة في وضع اللسان عبارة عن الصفة التي يتهيأ الفعل للفاعل وبها يقع ~~الفعل، فإن قيل ينقلب عليكم هذا في القدرة فإنها قديمة والفعل ليس بقديم، ~~قلنا سيأتي جوابه في أحكام الإرادة فيما يقع الفعل به، وهذا الوصف مما دل ~~عليه التقسيم القاطع الذي ذكرناه. ولسنا نعني بالقدرة إلا هذه الصفة، وقد ~~أثبتناها فلنذكر أحكامها. ومن حكمها أنها متعلقة بجميع المقدورات، وأعني ~~بالمقدورات الممكنات كلها التي لا نهاية لها. ولا يخفى أن الممكنات لا ~~نهاية لها فلا نهاية إذا للمقدورات، ونعني بقولنا لا نهاية للممكنات أن خلق ~~الحوادث بعد الحوادث لا ينتهي إلى حد يستحيل في العقل حدوث حادث بعده، ~~فالإمكان مستمر أبدا والقدرة واسعة لجميع ذلك، وبرهان هذه الدعوى وهي عموم ~~تعلق القدرة أنه قد ظهر أن صانع كل العالم واحد، فإما أن يكون له بإزاء كل ~~مقدور قدرة والمقدورات لا نهاية لها فتثبت قدرة متعددة لا ms046 نهاية لها وهو ~~محال كما سبق في إبطال دورات لا نهاية لها، وإما أن تكون القدرة واحدة كما ~~سبق في إبطال دورات لا نهاية لها، وإما أن تكون القدرة واحدة فيكون تعلقها ~~مع اتحادها بما يتعلق به من الجواهر والأعراض مع اختلافها لأمر تشترك فيه ~~ولا يشترك في أمر سوى الامكان، فيلزم منه أن كل ممكن فهو مقدور لا محالة ~~وواقع بالقدرة. # وبالجملة، إذا صدرت منه الجواهر والأعراض استحال أن لا يصدر منه أمثالها، ~~فإن القدرة على الشيء قدرة على مثله إذ لم يمتنع التعدد في المقدور لنسبته ~~إلى الحركات كلها والألوان كلها على وتيرة واحدة فتصلح لخلو حركة بعد حركة ~~على الدوام، وكذا لون بعد لون وجوهر بعد جوهر وهكذا.. وهو الذي عنيناه ~~بقولنا إن قدرته تعالى متعلقة بكل ممكن فإن الإمكان لا ينحصر في عدد. ~~ومناسبة ذات القدرة لا تختص بعدد دون عدد ولا يمكن أن يشار إلى حركة فيقال ~~أنها خارجة عن إمكان تعلق القدرة بها، مع أنها تعلقت بمثلها إذ بالضرورة ~~تعلم أن ما وجب للشيء وجب لمثله ويتشعب عن هذا ثلاثة فروع. # الفرع الأول: إن قال قائل هل تقولون أن خلاف المعلوم مقدور؟ قلنا: هذا ~~مما اختلف فيه، ولا يتصور الخلاف فيه إذا حقق وأزيل تعقيد الألفاظ وبيانه ~~أنه قد ثبت أن كل ممكن مقدور وأن المحال ليس بمقدور. فانظر أن خلاف المعلوم ~~محال أو ممكن ولا تعرف ذلك إلا إذا عرفت معنى المحال والممكن وحصلت ~~حقيقتهما وإلا فإن تساهلت في النظر، ربما صدق على خلاف المعلوم أنه محال ~~وأنه ممكن وأنه ليس بمحال، فإذا صدق أنه محال وأنه ليس بمحال والنقيضان لا ~~يصدفان معا. # PageV01P052 # فاعلم أن تحت اللفظ اجمالا وإنما ينكشف لك ذلك بما أقوله وهو أن العالم ~~مثلا يصدق عليه أنه واجب وأنه محال وأنه ممكن. أما كونه واجبا فمن حيث أنه ~~إذا فرضت إرادة القديم موجودة وجودا واجبا كان المراد أيضا واجبا بالضرورة ~~لا جائزا، إذ يستحيل عدم المراد مع تحقق الإرادة ms047 القديمة وأما كونه محالا ~~فهو أنه لو قدر عدم تعلق الارادة بايجاده فيكون لا محالة حدوثه محالا إذ ~~يؤدي إلى حدوث حادث بلا سبب وقد عرف أنه محال. وأما كونه ممكنا فهو أن تنظر ~~إلى ذاته فقط، ولا تعتبر معه لا وجود الإرادة ولا عدمها، فيكون له وصف ~~الإمكان، فإذا الاعتبارات ثلاثة: الأول أن يشترط فيه وجود الإرادة وتعلقها ~~فهو بهذا الاعتبار واجب. # الثاني أن يعتبر فقد الإرادة فهو بهذا الاعتبار محال. # الثالث أن نقطع الالتفات عن الإرادة والسبب فلا نعتبر وجوده ولا عدمه ~~ونجرد النظر إلى ذات العالم فيبقى له بهذا الاعتبار الأمر الثالث وهو ~~الإمكان. ونعني به أنه ممكن لذاته، أي إذا لم نشترط غير ذاته كان ممكنا ~~فظهر منه أنه يجوز أن يكون الشيء الواحد ممكنا محالا، ولكن ممكنا باعتبار ~~ذاته محالا باعتبار غيره، ولا يجوز أن يكون ممكنا لذاته محالا لذاته، فهما ~~متناقضان فنرجع إلى خلاف المعلوم فنقول: إذا سبق في علم الله تعالى إماتة ~~زيد صبيحة يوم السبت مثلا فنقول: خلق الحياة لزيد صبيحة يوم السبت ممكن أم ~~ليس بممكن؟ فالحق فيه أنه ممكن ومحال؛ أي هو ممكن باعتبار ذاته إن قطع ~~الالتفات إلى غيره، ومحال لغيره لا لذاته وذلك إذا اعتبر معه الالتفات إلى ~~تعلق ذاتها وهو ذات العلم، إذ ينقلب جهلا، ومحال أن ينقلب جهلا فبان أنه ~~ممكن لذاته محال للزوم استحالة في غيره. فإذا قلنا حياة زيد في هذا الوقت ~~مقدورة، لم نرد به إلا أن الحياة من حيث أنها حياة ليس بمحال، كالجمع بين ~~السواد والبياض. وقدرة الله تعالى من حيث أنها قدرة لا تنبو عن التعلق بخلق ~~الحياة ولا تتقاصر عنه لفتور ولا ضعف ولا سبب في ذات القدرة، وهذان أمران ~~يستحيل إنكارهما، أعني نفي القصور عن ذات القدرة وثبوت الإمكان لذات الحياة ~~من حيث أنها حياة فقط من غير التفات إلى غيرها، والخصم إذا قال غير مقدور ~~على معنى أن وجوده يؤدي إلى استحالة فهو صادق في هذا المعنى، ms048 فإنا لسنا ~~ننكره ويبقى النظر في اللفظ هل هو صواب من حيث اللغة إطلاق هذا الاسم عليه ~~أو سلبه، ولا يخفى أن الصواب إطلاق اللفظ فإن الناس يقولون فلان قادر على ~~الحركة والسكون، إن شاء تحرك وإن شاء سكن، ويقولون إن له في كل وقت قدرة ~~على الضدين ويعلمون أن الجاري في علم الله تعالى وقوع أحدهما، فالاطلاقات # PageV01P053 # شاهدة لما ذكرناه وحظ المعنى فيه ضروري لا سبيل إلى جحده. # الفرع الثاني: إن قال قائل إذا ادعيتم عموم القدرة في تعلقها بالممكنات، ~~فما قولكم في مقدورات الحيوان وسائر الأحياء من المخلوقات، أهي مقدورة لله ~~تعالى أم لا؟ فإن قلتم ليست مقدورة، فقد نقضتم قولكم إن تعلق القدرة عام، ~~وإن قلتم إنها مقدورة له لزمكم إثبات مقدور بين قادرين وهو محال، وإنكار ~~كون الإنسان وسائر الحيوان قادرا فهو مناكرة للضرورة ومجاحدة لمطالبات ~~الشريعة، إذ تستحيل المطالبة بما لا قدرة عليه ويستحيل أن يقول الله لعبده ~~ينبغي أن تتعاطى ما هو مقدور لي وأنا مستأثر بالقدرة عليه ولا قدرة لك ~~عليه. # فنقول: في الانفصال قد تحزب الناس في هذا أحزابا؛ فذهبت المجبرة إلى ~~انكار قدرة العبد فلزمها إنكار ضرورة التفرقة بين حركة الرعدة والحركة ~~الاختيارية، ولزمها أيضا استحالة تكاليف الشرع، وذهبت المعتزلة إلى انكار ~~تعلق قدرة الله تعالى بأفعال العباد من الحيوانات والملائكة والجن والإنس ~~والشياطين وزعمت أن جميع ما يصدر منها من خلق العباد واختراعهم لا قدرة لله ~~تعالى عليها بنفي ولا إيجاب فلزمتها شناعتان عظيمتان: # إحداهما انكار ما أطبق عليه السلف رضي الله عنهم من أنه لا خالق إلا الله ~~ولا مخترع سواه، والثانية نسبة الاختراع والخلق إلى قدرة من لا يعلم ما ~~خلقه من الحركات، فإن الحركات التي تصدر من الإنسان وسائر الحيوان لو سئل ~~عن عددها وتفاصيلها ومقاديرها لم يكن عنده خبر منها، بل الصبي كما ينفصل من ~~المهد يدب إلى الثدي باختياره ويمتص، والهرة كما ولدت تدب إلى ثدي أمها وهي ~~مغمضة عينها، والعنكبوت تنسج من البيوت أشكالا ms049 غريبة يتحير المهندس في ~~استدارتها وتوازي أضلاعها وتناسب ترتيبها وبالضرورة تعلم انفكاكها عن العلم ~~بما تعجز المهندسون عن معرفته، والنحل تشكل بيوتها على شكل التسديس فلا ~~يكون فهيا مربع ولا مدور ولا مسبع ولا شكل آخر وذلك لتميز شكل المسدس ~~بخاصية دلت عليها البراهين الهندسية لا توجد في غيرها، وهو مبني على اصول ~~أحدها، أن أحوى الأشكال وأوسعها الشكل المستدير المنفك عن الزوايا الخارجة ~~عن الاستقامة، والثاني، أن الأشكال المستديرة إذا وضعت متراصة بقيت بينها ~~فرج معطلة لا محالة، والثالث، أن أقرب الأشكال القليلة الأضلاع إلى ~~المستديرة في الاحتواء هو شكل المسدس، # PageV01P054 # والرابع أن كل الأشكال القريبة من المستديرة كالمسبع والمثمن والمخمس إذا ~~وضعت جملة متراصة متجاورة بقيت بينها فرج معطلة ولم تكن متلاصقة، وأما ~~المربعة فإنها متلاصقة ولكنها بعيدة عن احتواء الدوائر لتباعد زواياها عن ~~أوساطها، ولما كان النحل محتاجا إلى شكل قريب من الدوائر ليكون حاويا لشخصه ~~فإنه قريب من الاستدارة، وكان محتاجا لضيق مكانه وكثرة عدده إلى أن لا يضيع ~~موضعا بفرج تتخلل بين البيوت ولا تتسع لأشخاصها ولم يكن في الأشكال مع ~~خروجها عن النهاية شكل يقرب من الاستدارة وله هذه الخاصية وهو التراص ~~والخلو عن بقاء الفرج بين أعدادها إلا المسدس، فسخرها الله تعالى لاختيار ~~الشكل المسدس في صناعة بيتها؛ فليت شعري أعرف النحل هذه الدقائق التي يقصر ~~عن دركها أكثر عقلاء الإنس أم سخره لنيل ما هو مضطر إليه الخالق المنفرد ~~بالجبروت وهو في الوسط مجري فتقدير الله تعالى يجري عليه وفيه، وهو لا ~~يدريه ولا قدرة له على الامتناع عنه، وإن في صناعات الحيوانات من هذا الجنس ~~عجائب لو أوردت منها طرفا لامتلأت الصدور من عظمة الله تعالى وجلاله، فتعسا ~~للزائغين عن سبيل الله المغترين بقدرتهم القاصرة ومكنتهم الضعيفة الظانين ~~أنهم مساهمون الله تعالى في الخلق والاختراع وإبداع مثل هذه العجائب ~~والآيات. هيهات هيهات! ذلت المخلوقات وتفرد بالملك والملكوت جبار الأرض ~~والسموات فهذه أنواع الشناعات اللازمة على مذهب المعتزلة فانظر الآن إلى ~~أهل ms050 السنة كيف وفقوا للسداد ورشحوا للاقتصاد في الاعتقاد. فقالوا: القول ~~بالجبر محال باطل، والقول بالاختراع اقتحام هائل، وإنما الحق إثبات ~~القدرتين على فعل واحد. والقول بمقدور منسوب إلى قادرين فلا يبقى إلا ~~استبعاد توارد القدرتين على فعل واحد وهذا إنما يبعد إذا كان تعلق القدرتين ~~على وجه واحد، فإن اختلفت القدرتان واختلف وجه تعلقهما فتوارد التعلقين على ~~شيء واحد غير محال كما سنبينه. # فإن قيل فما الذي حملكم على اثبات مقدور بين قادرين؟ # قلنا: البرهان القاطع على أن الحركة الاختيارية مفارقة للرعدة، وإن فرضت ~~الرعدة مراد للمرتعد ومطلوبة له أيضا ولا مفارقة إلا بالقدرة، ثم البرهان ~~القاطع على أن كل ممكن تتعلق به قدرة الله تعالى وكل حادث ممكن وفعل العبد ~~حادث فهو إذا ممكن فإن لم تتعلق به قدرة الله تعالى فهو محال، فإنا نقول: ~~الحركة الاختيارية من حيث أنها حركة حادثة ممكنة مماثلة لحركة الرعدة ~~فيستحيل أن تتعلق قدرة الله تعالى بإحداهما وتقصر عن الأخرى وهي مثلها، بل ~~يلزم عليه محال آخر وهو أن الله # PageV01P055 # تعالى لو أراد تسكين يد العبد إذا أراد العبد تحريكها فلا يخلو إما أن ~~توجد الحركة والسكون جميعا أو كلاهما لا يوجد فيؤدي إلى اجتماع الحركة ~~والسكون أو إلى الخلو عنهما، والخلو عنهما مع التناقض يوجب بطلان القدرتين، ~~إذ القدرة ما يحصل بها المقدور عند تحقق الإرادة وقبول المحل، فإن ظن الخصم ~~أن مقدور الله تعالى يترجح لأن قدرته أقوى فهو محال، لأن تعلق القدرة بحركة ~~واحدة لا تفضل تعلق القدرة الأخرى بها، إذ كانت فائدة القدرتين الاختراع ~~وإنما قوته باقتداره على غيره واقتداره على غيره غير مرجح في الحركة التي ~~فيها الكلام، إذ حظ الحركة من كل واحدة من القدرتين أن تصير مخترعة بها ~~والاختراع يتساوى فليس فيه أشد ولا أضعف حتى يكون فيه ترجيح، فإذا الدليل ~~القاطع على إثبات القدرتين ساقنا إلى إثبات مقدور بين قادرين. # فإن قيل: الدليل لا يسوق إلى محال لا يفهم وما ذكرتموه غير مفهوم. # قلنا: علينا ms051 تفهيمه وهو أنا نقول اختراع الله سبحانه للحركة في العبد ~~معقول دون أن تكون الحركة مقدورة للعبد، فمهما خلق الحركة وخلق معها قدرة ~~عليها كان هو المستبد بالاختراع للقدرة والمقدور جميعا، فخرج منه أنه منفرد ~~بالاختراع وأن الحركة موجودة وأن المتحرك عليها قادر وبسبب كونه قادرا فارق ~~حاله حال المرتعد فاندفعت الإشكالات كلها. وحاصله أن القادر الواسع القدرة ~~هو قادر على الاختراع للقدرة والمقدور معا، ولما كان اسم الخالق والمخترع ~~مطلقا على من أوجد الشيء بقدرته وكانت القدرة والمقدور جميعا بقدرة الله ~~تعالى، سمي خالقا ومخترعا. ولم يكن المقدور مخترعا بقدرة العبد وإن كان معه ~~فلم يسم خالقا ولا مخترعا ووجب أن يطلب لهذا النمط من النسبة اسم آخر مخالف ~~فطلب له اسم الكسب تيمنا بكتاب الله # PageV01P056 # تعالى، فإنه وجد إطلاق ذلك على أعمال العباد في القرآن وأما اسم الفعل ~~فتردد في إطلاقه ولا مشاحة في الأسامي بعد فهم المعاني. # فإن قيل: الشأن في فهم المعنى وما ذكرتموه غير مفهوم، فإن القدرة ~~المخلوقة الحادثة إن لم يكن لها تعلق بالمقدور لم تفهم؛ إذ قدرة لا مقدور ~~لها محال، كعلم لا معلوم له. وإن تعلقت به فلا يعقل تعلق القدرة بالمقدور ~~إلا من حيث التأثير والايجاد وحصول المقدور به. فالنسبة بين المقدور ~~والقدرة نسبة المسبب إلى السبب وهو كونه به، فإذا لم يكن به لم تكن علاقة ~~فلم تكن قدرة، إذ كل ما لا تعلق له فليس بقدرة إذ القدرة من الصفات ~~المتعلقة. # قلنا: هي متعلقة، وقولكم أن التعلق مقصور على الوقوع به يبطل بتعلق ~~الارادة والعلم، وإن قلتم أن تعلق القدرة مقصور على الوقوع بها فقط فهو ~~أيضا باطل، فإن القدرة عندكم تبقى إذا فرضت قبل الفعل، فهل هي متعلقة أم ~~لا؟ فإن قلتم لا فهو محال، وإن قلتم نعم فليس المعني بها وقوع المقدور بها، ~~إذ المقدور بعد لم يقع فلا بد من إثبات نوع آخر من التعلق سوى الموقوع بها، ~~إذ التعلق عند الحدوث يعبر عنه بالوقوع به ms052 والتعلق قبل ذلك مخالف له فهو ~~نوع آخر من التعلق، فقولكم إن تعلق القدرة به نمط واحد خطأ وكذلك القادرية ~~القديمة عندهم فإنها متعلقة بالعلم في الأزل وقبل خلق العالم، فقولنا أنها ~~متعلقة صادق وقولنا أن العالم واقع بها كاذب، لأنه لم يقع بعد فلو كانا ~~عبارتين عن معنى واحد لصدق أحدهما حيث يصدق الآخر. # فإن قيل: معنى تعلق القدرة قبل وقوع المقدور أن المقدور إذا وقع بها. # قلنا: فليس هذا تعلقا في الحال بل هو انتظار تعلق، فينبغي أن يقال القدرة ~~موجودة وهي صفة لا تعلق لها ولكن ينتظر لها تعلق إذا وقع وقع المقدور بها، ~~وكذا القادرية ويلزم عليه محال، وهو أن الصفة التي لم تكن من المتعلقات ~~صارت من المتعلقات وهو محال. # فإن قيل: معناه أنها متهيئة لوقوع المقدور بها. # قلنا: ولا معنى للتهيؤ إلا انتظار الوقوع بها، وذلك لا يوجب تعلقا في ~~الحال. فكما عقل عندكم قدرة موجودة متعلقة بالمقدور والمقدور غير واقع بها ~~عقل عندنا أيضا قدرة كذلك والمقدور غير واقع بها ولكنه واقع بقدرة الله ~~تعالى، فلم يخالف مذهبنا ههنا مذهبكم إلا في قولنا أنها وقعت بقدرة الله ~~تعالى، فإذا لم يكن من ضرورة وجود القدرة ولا تعلقها بالمقدور وجود المقدور ~~بها؛ فمن أين يستدعي عدم وقوعها بقدرة الله تعالى ووجوده بقدرة الله تعالى ~~لا فضل له على عدمه من حيث انقطاع النسبة عن القدرة الحادثة إذ النسبة، إذا ~~لم تمتنع بعدم المقدور، فكيف تمتنع # PageV01P057 # بوجود المقدور؟ وكيف ما فرض المقدور موجودا أو معدوما فلا بد من قدرة ~~متعلقة لا مقدور لها في الحال. # فإن قيل: فقدرة لا يقع بها مقدور، والعجز، بمثابة واحدة، قلنا: إن عنيتم ~~به أن الحالة التي يدركها الإنسان عند وجودها مثل ما يدركها عند العجز في ~~الرعدة فهو مناكرة للضرورة وإن عنيتم أنها بمثابة العجز في أن المقدور لم ~~يقع بها فهو صدق ولكن تسميته عجزا خطأ وإن كان من حيث القصور إذا نسبت إلى ~~قدرة الله تعالى ظن ms053 أنه مثل العجز، وهذا كما أنه لو قيل القدرة قبل الفعل، ~~على أصلهم، مساوية للعجز من حيث أن المقدور غير واقع بها لكان اللفظ منكرا ~~من حيث أنها حالة مدركة يفارق إدراكها في النفس إدراك العجز، فكذلك هذا، ~~ولا فرق وعلى الجملة فلا بد من إثبات قدرتين متفاوتتين، إحداهما أعلى ~~والأخرى بالعجز أشبه مهما أضيفت إلى الأعلى، وأنت بالخيار بين أن تثبت ~~للعبد قدرة توهم نسبة العجز للعبد من وجه، وبين أن تثبت لله سبحانه ذلك ~~تعالى الله عما يقول الزائغون. ولا تستريب إن كنت منصفا في أن نسبة القصور ~~والعجز بالمخلوقات أولى بل لا يقال أولى لاستحالة ذلك في حق الله تعالى ~~فهذا غاية ما يحتمله هذا المختصر من هذه المسألة. # الفرع الثالث: فإن قال قائل: كيف تدعون عموم تعلق القدرة بجملة الحوادث ~~وأكثر ما في العالم من الحركات وغيرها متولدات يتولد بعضها من بعض # PageV01P058 # بالضرورة، فإن حركة اليد مثلا بالضرورة تولد حركة الخاتم، وحركة اليد في ~~الماء تولد حركة الماء، وهو مشاهد، والعقل أيضا يدل عليه إذ لو كانت حركة ~~الماء والخاتم بخلق الله تعالى لجاز أن يخلق حركة اليد دون الخاتم وحركة ~~اليد دون الماء، وهو محال، وكذا في المتولدات مع انشعابها. # فنقول: ما لا يفهم لا يمكن التصرف فيه بالرد والقبول، فإن كون المذهب ~~مردودا أو مقبولا بعد كونه معقولا. والمعلوم عندنا من عبارة التولد أن يخرج ~~جسم من جوف جسم كما يخرج الجنين من بطن الأم والنبات من بطن الأرض، وهذا ~~محال في الأعراض؛ إذ ليس لحركة اليد جوف حتى تخرج منه حركة الخاتم ولا هو ~~شيء حاو لأشياء حتى يرشح منه بعض ما فيه، فحركة الخاتم إذا لم تكن كامنة في ~~ذات حركة اليد فما معنى تولدها منها؟ فلا بد من تفهيمه، وإذا لم يكن هذا ~~مفهوما فقولكم إنه مشاهد حماقة، إذ كونها حادثة معها مشاهد لا غير، فأما ~~كونها متولد منها فغير مشاهد، وقولكم إنه لو كان بخلق الله تعالى لقدر على ~~أن ms054 يخلق حركة اليد دون الخاتم وحركة اليد دون الماء فهذا هوس يضاهي قول ~~القائل لو لم يكن العلم متولدا من الإرادة لقدر على أن يخلق الارادة دون ~~العلم أو العلم دون الحياة، ولكن نقول: المحال غير مقدور ووجود المشروط دون ~~الشرط غير معقول، والارادة شرطها العلم والعلم شرطه الحياة وكذلك شرط شغل ~~الجوهر لحيز فراغ ذلك الحيز، فإذا حرك الله تعالى اليد فلا بد أن يشغل بها ~~حيزا في جوار الحيز الذي كانت فيه، فما لم يفرغه كيف يشغله به؟ ففراغه شرط ~~اشتغاله باليد، إذ لو تحرك ولم يفرغ الحيز من الماء بعدم الماء أو حركته ~~لاجتمع جسمان في حيز واحد وهو محال، فكان خلو أحدهما شرطا للآخر فتلازما ~~فظن أن أحدهما متولد من الآخر وهو خطأ فأما اللازمات التي ليست شرطا فعندنا ~~يجوز أن تنفك عن الاقتران بما هو لازم لها، بل لزومه بحكم طرد العادة ~~كاحتراق القطن عند مجاورة النار وحصول البرودة في اليد عند مماسة الثلج، ~~فإن كل ذلك مستمر بجريان سنة الله تعالى، وإلا فالقدرة من حيث ذاتها غير ~~قاصرة عن خلق البرودة في الثلج والمماسة في اليد مع خلق الحرارة في اليد ~~بدلا عن البرودة. فإذا ما يراه الخصم متولدا قسمان: # أحدهما شرط فلا يتصور فيه إلا الاقتران، والثاني ليس بشرط فيتصور فيه غير ~~الاقتران إذ خرقت العادات. # فإن قال قائل لم تدلوا على بطلان التولد ولكن أنكرتم فهمه وهو مفهوم، ~~فإنا لا نريد به ترشح الحركة من الحركة بخروجها من جوفها ولا تولد برودة من ~~برودة الثلج بخروج البرودة من الثلج وانتقالها أو بخروجها من ذات البرودة، ~~بل نعني به # PageV01P059 # وجود موجود عقيب موجود وكونه موجودا وحادثا به فالحادث نسميه متولدا ~~والذي به الحدوث نسميه مولدا وهذه التسمية مفهومة فما الذي يدل على بطلانه؟ ~~قلنا: إذا أقررتم بذلك دل على بطلانه ما دل على بطلان كون القدرة الحادثة ~~موجودة فإنا إذا أحلنا أن نقول حصل مقدور بقدرة حادثة فكيف لا يخيل الحصول ~~بما ليس ms055 بقدرة واستحالته راجعة إلى عموم تعلق القدرة، وإن خروجه عن القدرة ~~مبطل لعموم تعلقها وهو محال ثم هو موجب للعجز والتمانع كما سبق. # نعم، وعلى المعتزلة القائلين بالتولد مناقضات في تفصيل التولد لا تحصى، ~~كقولهم إن النظر يولد ### | العلم # ، وتذكره لا يولده إلى غير ذلك مما لا نطول بذكره، فلا معنى للإطناب فيما ~~هو مستغنى عنه، وقد عرفت من جملة هذا أن الحادثات كلها، جواهرها وأعراضها ~~الحادثة منها في ذات الأحياء والجمادات، واقعة بقدرة الله تعالى، وهو ~~المستبد باختراعها، وليس تقع بعض المخلوقات ببعض بل الكل يقع بالقدرة وذلك ~~ما أردنا أن نبين من إثبات صفة القدرة لله تعالى وعموم حكمها وما اتصل بها ~~من الفروع واللوازم. ### | الصفة الثانية # العلم # ندعي أن الله تعالى عالم بجميع المعلومات الموجودات والمعدومات؛ فإن ~~الموجودات منقسمة إلى قديم وحادث، والقديم ذاته وصفاته ومن علم غيره فهو ~~بذاته وصفاته أعلم، فيجب ضرورة أن يكون بذاته عالما وصفاته إن ثبت أنه عالم ~~بغيره. ومعلوم أنه عالم بغيره لأن ما ينطلق عليه اسم الغير فهو صنعه المتقن ~~وفعله المحكم المرتب وذلك يدل على قدرته على ما سبق؛ فإن من رأى خطوطا ~~منظومة تصدر على الاتساق من كاتب ثم استراب في كونه عالما بصنعة الكتابة ~~كان سفيها في استرابته، فإذا قد ثبت أنه عالم بذاته وبغيره. # فإن قيل فهل لمعلوماته نهاية؟ قلنا: لا؛ فإن الموجودات في الحال وإن كانت ~~متناهية فالممكنات في الاستقبال غير متناهية، ونعلم أن الممكنات التي ليست ~~بموجودة أنه سيوجدها أولا يوجدها، فيعلم إذا ما لا نهاية له بل لو أردنا أن ~~نكثر على شيء واحد وجوها من النسب والتقديرات لخرج عن النهاية والله تعالى ~~عالم بجميعها. # فإنا نقول مثلا ضعف الاثنين أربعة، وضعف الأربعة ثمانية، وضعف الثمانية ~~ستة عشر، وهكذا نضعف ضعف الإثنين وضعف ضعف الضعف ولا يتناهى، والإنسان لا ~~يعلم من مراتبها إلا ما يقدره بذهنه، وسينقطع عمره ويبقى من التضعيفات # PageV01P060 # ما لا يتناهى. فإذا معرفة أضعاف أضعاف الإثنين، وهو عدد واحد، يخرج ms056 عن ~~الحصر وكذلك كل عدد، فكيف غير ذلك من النسب والتقديرات، وهذا العلم مع ~~تعلقه بمعلومات لا نهاية لها واحد كما سيأتي بيانه من بعد مع سائر الصفات. ### | الصفة الثالثة ### | الحياة # ندعي أنه تعالى حي وهو معلوم بالضرورة، ولم ينكره أحد ممن اعترف بكونه ~~تعالى عالما قادرا. فإن كون العالم القادر حيا ضروري إذ لا يعني بالحي إلا ~~ما يشعر بنفسه ويعلم ذاته وغيره، والعالم بجميع المعلومات والقادر على جميع ~~المقدورات كيف لا يكون حيا، وهذا واضح والنظر في صفة الحياة لا يطول. ### | الصفة الرابعة ### | الإرادة # ندعي أن الله تعالى مريد لأفعاله وبرهانه أن الفعل الصادر منه مختص بضروب ~~من الجواز لا يتميز بعضها من البعض إلا بمرجح، ولا تكفي ذاته للترجيح، لأن ~~نسبة الذات إلى الضدين واحدة فما الذي خصص أحد الضدين بالوقوع في حال دون ~~حال؟ وكذلك القدرة لا تكفي فيه، إذ نسبة القدرة إلى الضدين واحدة، وكذلك ~~العلم لا يكفي خلافا للكعبي حيث اكتفى بالعلم عن الإرادة لأن العلم يتبع ~~المعلوم ويتعلق به على ما هو عليه ولا يؤثر فيه ولا يغيره. # فإن كان الشيء ممكنا في نفسه مساويا للممكن الآخر الذي في مقابلته فالعلم ~~يتعلق به على ما هو عليه ولا يجعل أحد الممكنين مرجحا على الآخر، بل نعقل ~~الممكنين ويعقل تساويهما، والله سبحانه وتعالى يعلم أن وجود العالم في ~~الوقت الذي وجد فيه كان ممكنا، وأن وجوده بعد ذلك وقبل ذلك كان مساويا له ~~في الإمكان لأن هذه الامكانات متساوية، فحق العلم أن يتعلق بها كما هو عليه ~~فإن اقتضت صفة الإرادة # PageV01P061 # وقوعه في وقت معين تعلق العلم بتعيين وجوده في ذلك الوقت لعلة تعلق ~~الارادة به فتكون الإرادة للتعيين علة ويكون العلم متعلقا به تابعا له غير ~~مؤثر فيه، ولو جاز أن يكتفى بالعلم عن الارادة لاكتفي به عن القدرة، بل كان ~~ذلك يكفي في وجود أفعالنا حتى لا نحتاج إلى الإرادة، إذ يترجح أحد الجانبين ~~بتعلق علم الله تعالى به وكل ذلك محال. ms057 # فإن قيل: وهذا ينقلب عليكم في نفس الارادة، فإن القدرة كما لا تناسب أحد ~~الضدين فالارادة القديمة أيضا لا تتعين لأحد الضدين، فاختصاصها بأحد الضدين ~~ينبغي أن يكون بمخصص ويتسلسل ذلك إلى غير نهاية، إذ يقال الذات لا تكفي ~~للحدوث، إذ لو حدث من الذات لكان مع الذات غير متأخر فلا بد من القدرة ~~والقدرة لا تكفي إذ لو كان للقدرة لما اختص بهذا الوقت وما قبله وما بعده ~~في النسبة إلى جواز تعلق القدرة بها على وتيرة، فما الذي خصص هذا الوقت ~~فيحتاج إلى الارادة؟ فيقال: والارادة لا تكفي، فإن الإرادة القديمة عامة ~~التعلق كالقدرة، فنسبتها إلى الأوقات واحدة ونسبتها إلى الضدين واحدة، فإن ~~وقع الحركة مثلا بدلا عن السكون لأن الارادة تعلقت بالحركة لا بالسكون. # فيقال: وهل كان يمكن أن يتعلق بالسكون؟ فإن قيل: لا، فهو محال؛ وإن قيل: ~~نعم، فهما متساويان؛ أعني الحركة والسكون في مناسبة الإرادة القديمة فما ~~الذي أوجب تخصيص الإرادة القديمة بالحركة دون السكون فيحتاج إلى مخصص ثم ~~يلزم السؤال في مخصص المخصص ويتسلسل إلى غير نهاية.. # قلنا: هذا سؤال غير معقول حير عقول الفرق ولم يوفق للحق إلا أهل السنة ~~فالناس فيه أربع فرق: # PageV01P062 # قائل يقول إن العالم وجد لذات الله سبحانه وتعالى وإنه ليس للذات صفة ~~زائدة البتة، ولما كان الذات قديمة كان العالم قديما وكانت نسبة العالم ~~إليه كنسبة المعلول إلى العلة، ونسبة النور إلى الشمس، والظل إلى الشخص؛ ~~وهؤلاء هم الفلاسفة. # وقائل يقول إن العالم حادث ولكن حدث في الوقت الذي حدث فيه لا قبله ولا ~~بعده لإرادة حادثة حدثت له لا في محل فاقتضت حدوث العالم، وهؤلاء هم ~~المعتزلة. # وقائل يقول حدث بإرادة حادثة حدثت في ذاته، وهؤلاء هم القائلون بكونه ~~محلا للحوادث. وقائل يقول حدث العالم في الوقت الذي تعلقت الارادة القديمة ~~بحدوثه في ذلك الوقت، من غير حدوث إرادة ومن غير تغير صفة القديم، فانظر ~~إلى الفرق وانسب مقام كل واحد إلى الآخر، فإنه لا ينفك فريق ms058 عن إشكال لا ~~يمكن حله إلا إشكال أهل السنة فإنه سريع الانحلال. # أما الفلاسفة فقد قالوا بقدم العالم، وهو محال، لأن الفعل يستحيل أن يكون ~~قديما؛ إذ معنى كونه فعلا أنه لم يكن ثم كان، فإن كان موجودا مع الله أبدا ~~فكيف يكون فعلا؟ بل يلزم من ذلك دورات لا نهاية لها على ما سبق، وهو محال ~~من وجوه، ثم إنهم مع اقتحام هذا الإشكال لم يتخلصوا من أصل السؤال وهو أن ~~الإرادة لم تعلقت بالحدوث في وقت مخصوص لا قبله ولا بعده، مع تساوي نسب ~~الأوقات إلى الإرادة، فإنهم إن تخلصوا عن خصوص الوقت لم يتخلصوا عن خصوص ~~الصفات، إذ العالم مخصوص بمقدار مخصوص ووضع مخصوص، وكانت نقايضها ممكنة في ~~العقل، والذات القديمة لا تناسب بعض الممكنات دون بعض، ومن أعظم ما يلزمهم ~~فيه، ولا عذر لهم عنه أمران أوردناهما في كتاب تهافت الفلاسفة ولا محيص لهم ~~عنهما البتة: أحدهما، أن حركات الأفلاك بعضها مشرقية أي من المشرق إلى ~~المغرب، وبعضها مغربية أي من مغرب الشمس إلى المشرق، وكان عكس ذلك في ~~الإمكان مساويا له، إذ الجهات في الحركات متساوية، فكيف لزم من الذات ~~القديمة أو من دورات الأفلاك وهي قديمة عندهم أن تتعين جهة عن جهة تقابلها ~~وتساويها من كل وجه؟ وهذا لا جواب عنه. # الثاني، أن الفلك الأقصى الذي هو الفلك التاسع عندهم المحرك لجميع ~~السماوات بطريق القهر في اليوم والليلة مرة واحدة يتحرك على قطبين شمالي ~~وجنوبي، والقطب عبارة عن النقطتين المتقابلتين على الكرة الثابتتين عند ~~حركة الكرة # PageV01P063 # على نفسها، والمنطقة عبارة عن دائرة عظيمة على وسط الكرة بعدها من ~~النقطتين واحد. # فنقول: جرم الفلك الأقصى متشابه، وما من نقطة إلا ويتصور أن تكون قطبا. ~~فما الذي أوجب تعيين نقطتين من بين سائر النقط التي لا نهاية لها عندهم، ~~فلا بد من وصف زائد على الذات من شأنه تخصيص الشيء عن مثله وليس ذلك إلا ~~الإرادة. وقد استوفينا تحقيق الالتزامين في كتاب التهافت. وأما المعتزلة ~~فقد ms059 اقتحموا أمرين شنيعين باطلين: أحدهما، كون الباري تعالى مريدا بإرادة ~~حادثة لا في محل، وإذا لم تكن الإرادة قائمة به فقول القائل إنه مريدها هجر ~~من الكلام، كقوله إنه مريد بإرادة قائمة بغيره. # والثاني، أن الإرادة لم حدثت في هذا الوقت على الخصوص، فإن كانت بإرادة ~~أخرى فالسؤال في الإرادة الأخرى لازم، ويتسلسل إلى غير نهاية، وإن كان ليس ~~بإرادة فليحدث العالم في هذا الوقت على الخصوص لا بارادة، فإن افتقار ~~الحادث إلى الارادة لجوازه لا لكونه جسما أو اسما أو إرادة أو علما. ~~والحادثات في هذا متساوية، ثم لم يتخلصوا من الإشكال إذ يقال لهم لم حدثت ~~الإرادة في هذا الوقت على الخصوص ولم حدثت إرادة الحركة دون إرادة السكون، ~~فإن عندهم يحدث لكل حادث إرادة حادثة متعلقة بذلك الحادث فلم لم تحدث إرادة ~~تتعلق بضده؟ وأما الذين ذهبوا إلى حدوث الإرادة في ذاته تعالى لا متعلقة ~~بذلك الحادث فقد دفعوا أحد الإشكالين وهو كونه مريدا بإرادة في غير ذاته ~~ولكن زادوا إشكالا آخر وهو كونه محلا للحوادث، وذلك يوجب حدوثه. ثم قد بقيت ~~عليهم بقية الإشكال ولم يتخلصوا من السؤال. # وأما أهل الحق فإنهم قالوا إن الحادثات تحدث بإرادة قديمة تعلقت بها ~~فميزتها عن أضدادها المماثلة لها، وقول القائل إنه لم تعلقت بها وأضدادها ~~مثلها في الامكان، هذا سؤال خطأ فإن الإرادة ليست إلا عبارة عن صفة شأنها ~~تمييز الشيء على مثله. # فقول القائل لم ميزت الإرادة الشيء عن مثله، كقول القائل لم أوجب العلم ~~انكشاف المعلوم، فيقال: لا معنى للعلم إلا ما أوجب انكشاف المعلوم، فقول ~~القائل لم أوجب الانكشاف كقوله لم كان العلم علما، ولم كان الممكن ممكنا، ~~والواجب واجبا، وهذا محال؛ لأن العلم علم لذاته وكذا الممكن والواجب وسائر ~~الذوات، فكذلك الإرادة وحقيقتها تمييز الشيء عن مثله. # PageV01P064 # فقول القائل لم ميزت الشيء عن مثله كقوله لم كانت الإرادة إرادة والقدرة ~~قدرة، وهو محال، وكل فريق مضطر إلى اثبات صفة شأنها تمييز الشيء عن مثله ~~وليس ms060 ذلك إلا الإرادة، فكان أقوم الفرق قيلا وأهداهم سبيلا من أثبت هذه ~~الصفة ولم يجعلها حادثة، بل قال هي قديمة متعلقة بالأحداث في وقت مخصوص، ~~فكان الحدوث في ذلك الوقت لذلك، وهذا ما لا يستغني عنه فريق من الفرق وبه ~~ينقطع التسلسل في لزوم هذا السؤال. # والآن فكما تمهد القول في أصل الإرادة فاعلم انها متعلقة بجميع الحادثات ~~عندنا من حيث أنه ظهر أن كل حادث فمخترع بقدرته، وكل مخترع بالقدرة محتاج ~~إلى ارادة تصرف القدرة إلى المقدور وتخصصها به، فكل مقدور مراد، وكل حادث ~~مقدور، فكل حادث مراد والشر والكفر والمعصية حوادث، فهي إذا لا محالة ~~مرادة. فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فهذا مذهب السلف الصالحين ~~ومعتقد أهل السنة أجمعين وقد قامت عليه البراهين. # وأما المعتزلة فإنهم يقولون إن المعاصي كلها والشرور حادثة بغير إرادته، ~~بل هو كاره لها. ومعلوم أن أكثر ما يجري في العالم المعاصي فإذا ما يكرهه ~~أكثر مما يريده فهو إلى العجز والقصور أقرب بزعمهم، تعالى رب العالمين عن ~~قول الظالمين. # فإن قيل: فكيف يأمر بما لا يريد؟ وكيف يريد شيئا وينهى عنه؟ وكيف يريد ~~الفجور والمعاصي والظلم والقبيح ومريد القبيح سفيه؟ قلنا: إذا كشفنا عن ~~حقيقة الأمر وبينا أنه مباين للإرادة وكشفنا عن القبيح والحسن وبينا أن ذلك ~~يرجع إلى موافقة الأعراض ومخالفتها، وهو سبحانه منزه عن الأعراض فاندفعت ~~هذه الإشكالات وسيأتي ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى. ### | الصفة الخامسة والسادسة ### | في السمع والبصر # ندعي ان صانع العالم سميع بصير، ويدل عليه الشرع والعقل. أما الشرع فيدل ~~عليه آيات من القرآن كثيرة كقوله " وهو السميع البصير " وكقول إبراهيم عليه ~~السلام لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يعني عنك شيئا ونعلم أن الدليل غير ~~منقلب عليه في معبوده وأنه كان يعبد سميعا بصيرا ولا يشاركه في الإلزام. # فإن قيل: إنما أريد به العلم. # قلنا: إنما تصرف ألفاظ الشارع عن موضوعاتها المفهومة السابقة إلى الأفهام ~~إذا كان يستحيل تقديرها ms061 على الموضوع، ولا استحالة في كونه سميعا بصيرا، بل ~~يجب أن # PageV01P065 # يكون كذلك، فلا معنى للتحكم بإنكار ما فهمه أهل الإجماع من القرآن. # فإن قيل: وجه استالته إنه إن كان سمعه وبصره حادثين كان محلا للحوادث، ~~وهو محال، وإن كانا قديمين فكيف يسمع صوتا معدوما وكيف يرى العالم في الأزل ~~والعالم معدوم والمعدوم لا يرى؟ قلنا: هذا السوال يصدر عن معتزلي أو فلسفي. ~~أما المعتزلي فدفعه هين، فإنه سلم أنه يعلم الحادثات، فنقول: يعلم الله ~~الآن إن العالم كان موجودا قبل هذا فكيف علم في الأزل أنه يكون موجودا وهو ~~بعد لم يكن موجودا؟ فإن جز إثبات صفة تكون عند وجود العالم علما بأنه كائن، ~~وفعله بأنه سيكون وبعده بأنه كان وقبله بأنه سيكون، وهو لا يتغير عبر عنه ~~بالعلم بالعالم والعلمية، جاز ذلك في السمع والسمعية والبصر والبصرية. وإن ~~صدر من فلسفي فهو منكر لكونه عالما بالحادثات المعينة الداخلة في الماضي ~~والحال والمستقبل، فسبيلنا أن ننقل الكلام إلى العلم ونثبت عليه جواز علم ~~قديم متعلق بالحادثات كما سنذكره، ثم إذا ثبت ذلك في العلم قسنا عليه السمع ~~والبصر. # وأما المسلك العقلي، فهو أن نقول: معلوم أن الخالق أكمل من المخلوق، ~~ومعلوم أن البصير أكمل ممن لا يبصر، والسميع أكمل ممن لا يسمع، فيستحيل أن ~~يثبت وصف الكمال للمخلوق ولا نثبته للخالق. وهذان أصلان يوجبان الإقرار ~~بصحة دعوانا ففي أيهما النزاع؟ فإن قيل: النزاع في قولكم واجب أن يكون ~~الخالق أكمل من المخلوق. # قلنا: هذا مما يجب الاعتراف به شرعا وعقلا، والأمة والعقلاء مجمعون عليه، ~~فلا يصدر هذا السؤال من معتقد. ومن اتسع عقله لقبول قادر يقدر على اختراع ~~ما هو أعلى وأشرف منه فقد انخلع عن غريزة البشرية ونطق لسانه بما ينبو عن ~~قبوله قلبه إن كان يفهم ما يقوله، ولهذا لا نرى عاقلا يعتقد هذا الاعتقاد. # فإن قيل: النزاع في الأصل الثاني، وقو قولكم إن البصير أكمل وإن السمع ~~والبصر كمال. # قلنا: هذا أيضا مدرك ببديهة العقل، فإن ms062 العلم كمال والسمع والبصر كمال ~~ثان للعلم، فإنا بينا أنه استكمال للعلم والتخيل، ومن علم شيئا ولم يره ثم ~~رآه استفاد مزيد كشف وكمال فكيف يقال إن ذلك حاصل للمخلوق وليس بحاصل ~~للخالق أو يقال إن ذلك ليس بكمال، فإن لم يكن كمالا فهو نقص أو لا هو نقص ~~ولا هو كمال، وجميع هذه الأقسام محال، فظهر ان الحق ما ذكرناه. # PageV01P066 # فإن قيل: هذا يلزمكم في الإدراك الحاصل بالشم والذوق واللمس لأن فقدها ~~نقصان ووجودها كمال في الإدراك، فليس كمال علم من علم الرائحة ككمال علم من ~~أدرك بالشم، وكذلك بالذوق فأين العلم بالطعوم من إدراكها بالذوق. # والجواب إن المحققين من أهل الحق صرحوا بإثبات أنواع الإدراكات مع السمع ~~والبصر والعلم الذي هو كمال في الإدراك دون الأسباب التي هي مقترنة بها في ~~العادة من المماسة والملاقاة، فإن ذلك محال على الله تعالى. كما جوزوا ~~ادراك البصر من غير مقابلة بينه وبين المبصر، وفي طرد هذا القياس دفع هذا ~~السؤال ولا مانع منه ولكن لما لم يرد الشرع إلا بلفظ العلم والسمع والبصر ~~فلم يمكن لنا إطلاق غيره. # وأما ما هو نقصان في الإدراك فلا يجوز في حقه تعالى البتة، فإن قيل يجر ~~هذا إلى إثبات التلذذ والتألم، فالخدر الذي لا يتألم بالضرب ناقص، والعنين ~~الذي لا يتلذذ بالجماع ناقص، وكذا فساد الشهوة نقصان، فينبغي أن نثبت في ~~حقه شهوة، قلنا هذه الأمور تدل على الحدوث وهي في أنفسها إذا بحث عنها ~~نقصانات، وهي محوجة إلى أمور توجب الحدوث، فالألم نقصان، ثم هو محوج إلى ~~سبب هو ضرب، والضرب مماسة تجري بين الأجسام، واللذة ترجع إلى زوال الألم ~~إذا حققت أو ترجع إلى درك ما هو محتاج إليه ومشتاق إليه، والشوق والحاجة ~~نقصان، فالموقوف على النقصان ناقص، ومعنى الشهوة طلب الشيء الملائم ولا طلب ~~إلا عند فقد المطلوب ولا لذة إلا عند نيل ما ليس بموجود، وكل ما هو ممكن ~~وجوده لله فهو موجود فليس يفوته شيء حتى يكون بطلبه ms063 مشتهيا وبنيله ملتذا، ~~فلم تتصور هذه الأمور في حقه تعالى وإذا قيل إن فقد التألم والإحساس بالضرب ~~نقصان في حق الخدر، وإن إدراكه كمال وإن سقوط الشهوة من معدته نقصان، ~~وثبوتها كمال أريد به أنه كمال بالإضافة إلى ضده الذي هو مهلك في حقه، فصار ~~كمالا بالإضافة إلى الهلاك لأن النقصان خير من الهلاك فهو إذا ليس كمالا في ~~ذاته بخلاف العلم وهذه الادراكات. ### | الصفة السابعة ### | الكلام # ندعي أن صانع العالم متكلم كما أجمع عليه المسلمون، واعلم أن من أراد ~~إثبات الكلام بأن العقل يقضي بجواز كون الخلق مرددين تحت الأمر والنهي وكل ~~صفة جائزة في المخلوقات تستند إلى صفة واجبة في الخالق، فهو في شطط، إذ ~~يقال له: إن أردت جواز كونهم مأمورين من جهة الخلق الذين يتصور منهم ~~الكلام، فمسلم، وإن أردت جوازه على العموم من الخلق والخالق فقد أخذت محل ~~النزاع مسلما في نفس الدليل وهو غير مسلم، ومن أراد إثبات الكلام بالإجماع ~~أو بقول الرسول فقد سام نفسه خطة خسف لأن الإجماع يستند إلى قول الرسول ~~عليه السلام ومن أنكر كون # PageV01P067 # الباري متكلما فبالضرورة ينكر تصور الرسول، إذ معنى الرسول المبلغ لرسالة ~~المرسل، فإن لم يكن للكلام متصور في حق من ادعى أنه مرسل كيف يتصور الرسول؟ ~~ومن قال أنا رسول الأرض أو رسول الجبل إليكم فلا يصغى إليه لاعتقادنا ~~استحالة الكلام والرسالة من الجبل والأرض، ولله المثل الأعلى، ولكن من ~~يعتقد استحالة الكلام في حق الله تعالى استحال منه أن يصدق الرسول إذ ~~المكذب بالكلام لا بد أن يكذب بتبليغ الكلام، والرسالة عبارة عن تبليغ ~~الكلام، والرسول عبارة عن المبلغ، فلعل الأقوم منهج ثالث وهو الذي سلكناه ~~في اثبات السمع والبصر في أن الكلام للحي أما أن يقال هو كمال أو يقال هو ~~نقص، أو يقال لا هو نقص ولا هو كمال، وباطل أن يقال هو نقص أو هو لا نقص ~~ولا كمال فثبت بالضرورة أنه كمال، وكل كمال وجد للمخلوق فهو واجب الوجود ~~للخالق ms064 بطريق الأولى كما سبق. # فإن قيل: الكلام الذي جعلتموه منشأ نظركم هو كلام الخلق، وذلك إما أن ~~يراد به الأصوات والحروف أو يراد به القدرة على ايجاد الأصوات والحروف في ~~نفس القادر أو يراد به معنى ثالث سواهما، فإن أريد به الأصوات والحروف فهي ~~حوادث ومن الحوادث ما هي كمالات في حقنا ولكن لا يتصور قيامها في ذات الله ~~سبحانه وتعالى، وإن قام بغيره لم يكن هو متكلما به بل كان المتكلم به المحل ~~الذي قام به؛ وإن أريد به القدرة على خلق الأصوات فهو كمال ولكن المتكلم ~~ليس متكلما باعتبار قدرته على خلق الأصوات فقط بل باعتبار خلقه للكلام في ~~نفسه، والله تعالى قادر على خلق الأصوات فله كمال القدرة ولكن لا يكون ~~متكلما به إلا إذا خلق الصوت في نفسه، وهو محال إذ يصير به محلا للحوادث ~~فاستحال أن يكون متكلما؛ وإن أريد بالكلام أمر ثالث فليس بمفهوم وإثبات ما ~~لا يفهم محال. # قلنا: هذا التقسيم صحيح والسؤال في جميع أقسامه معترف به إلا في إنكار ~~القسم الثالث، فإنا معترفون باستحالة قيام الأصوات بذاته وباستحالة كونه ~~متكلما بهذا الاعتبار. ولكنا نقول الإنسان يسمى متكلما باعتبارين أحدهما ~~بالصوت والحرف والآخر بكلام النفس الذي ليس بصوت وحرف، وذلك كمال وهو في حق ~~الله تعالى غير محال، ولا هو دال على الحدوث. ونحن لا نثبت في حق الله ~~تعالى إلا كلام النفس، وكلام النفس لا سبيل إلى إنكاره في حق الإنسان زائدا ~~على القدرة والصوت حتى يقول الانسان زورت البارحة في نفسي كلاما ويقال في ~~نفس فلان كلام وهو يريد أن ينطق به ويقول الشاعر: # لا يعجبنك من أثير خطه ... حتى يكون مع الكلام أصيلا # إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا # PageV01P068 # وما ينطق به الشعراء يدل على أنه من الجليات التي يشترك كافة الخلق في ~~دركها فكيف ينكر. # فإن قيل: كلام النفس بهذا التأويل معترف به ولكنه ليس خارجا عن العلوم ~~الإدراكات وليس جنسا برأسه البتة، ولكن ms065 ما يسميه الناس كلام النفس وحديث ~~النفس هو العلم بنظم الألفاظ والعبارات وتأليف المعاني المعلومة على وجه ~~مخصوص فليس في القلب إلا معاني معلومة وهي العلوم وألفاظ مسموعة هي معلومة ~~بالسماع، وهو أيضا علم معلوم اللفظ. وينضاف إليه تأليف المعاني والألفاظ ~~على ترتيب. وذلك فعل يسمى فكرا وتسميه القدرة التي عنها يصدر الفعل قوة ~~مفكرة. فإن أثبتم في النفس شيئا سوى نفس الفكر الذي هو ترتيب الألفاظ ~~والمعاني وتأليفها، وسوى القوة المفكرة التي هي قدرة عليا وسوى العلم ~~بالمعاني مفترقها ومجموعها، وسوى العلم بالألفاظ المرتبة من الحروف مفترقها ~~ومجموعها فقد أثبتم أمرا منكرا لا نعرفه. وإيضاحه أن الكلام إما أمر أو نهي ~~أو خبر أو استخبار. # أما الخبر فلفظ يدل على علم في نفس المخبر، فمن علم الشيء وعلم اللفظ ~~الموضوع للدلالة على ذلك الشيء كالضرب مثلا فإنه معنى معلوم يدرك بالحس، ~~ولفظ الضرب الذي هو مؤلف من الضاد والراء والباء الذي وضعته العرب للدلالة ~~على المعنى المحسوس وهي معرفة أخرى، فكان له قدرة على اكتساب هذه الأصوات ~~بلسانه، وكانت له إرادة للدلالة وإرادة لاكتساب اللفظ ثم منه قوله ضرب ولم ~~يفتقر إلى أمر زائد على هذه الأمور. فكل أمر قدرتموه سوى هذا فنحن نقدر ~~نفيه، ويتم مع ذلك قولك ضرب ويكون خبرا وكلاما، وأما الاستخبار فهو دلالة ~~على أن في النفس طلب معرفة، وأما الأمر فهو دلالة على أن في النفس طلب فعل ~~المأمور وعلى هذا يقاس النهي وسائر الأقسام من الكلام ولا يعقل أمر آخر ~~خارج عن هذا وهذه الجملة، فبعضها محال عليه كالأصوات وبعضها موجود لله ~~كالارادة والعلم والقدرة، وأما ما عدا هذا فغير مفهوم. # والجواب أن الكلام الذي نريده معنى زائد على هذه الجملة ولنذكره في قسم ~~واحد من أقسام الكلام وهو الأمر حتى لا يطول الكلام. # فنقول: قول السيد لغلامه قم، لفظ يدل على معنى، والمعنى المدلول عليه في ~~نفسه هو كلام، وليس ذلك شيئا مما ذكرتموه، ولا حاجة إلى الإطناب في ~~التقسيمات وإنما بتوهم ms066 رده ما أراد إلى الأمر أو إلى إرادة الدلالة ومحال ~~أن يقال إنه إرادة الدلالة، لأن الدلالة تستدعي مدلولا والمدلول غير الدليل ~~وغير إرادة الدلالة، ومحال أن يقال إنه إرادة الآمر.. لأنه قد يأمر وهو لا ~~يريد الامتثال بل يكرهه، كالذي يعتذر # PageV01P069 # عند السلطان الهام بقتله توبيخا له على ضرب غلامه، بأنه إنما ضربه ~~لعصيانه، وآيته أنه يأمره بين يدي الملك فيعصيه، فإذا أراد الاحتجاج به ~~وقال للغلام بين يدي الملك قم فإني عازم عليك بأمر جزم لا عذر لك فيه ولا ~~يريد أن تقوم فهو في هذا الوقت آمر بالقيام قطعا، وهو غير مريد للقيام ~~قطعا، فالطلب الذي قام بنفسه الذي دل لفظ الأمر عليه هو الكلام وهو غير ~~إرادة القيام وهذا واضح عند المصنف. # فإن قيل هذا الشخص ليس بآمر على الحقيقة ولكنه موهم أنه أمر، قلنا: هذا ~~باطل من وجهين: أحدهما، أنه لو لم يكن آمرا لما تمهد عذره عند الملك ولقيل ~~له أنت في هذا الوقت لا يتصور منك الأمر لأن الأمر هو طلب الامتثال ويستحيل ~~أن تريد الآن الامتثال وهو سبب هلاكك، فكيف تطمع في أن تحتج بمعصيتك لأمرك ~~وأنت عاجز عن أمره إذ أنت عاجز عن إرادة ما فيه هلاكك وفي امتثاله هلاكك؟ ~~ولا شك في أنه قادر على الاحتجاج وأن حجته قائمة وممهدة لعذره، وحجته ~~بمعصية الأمر، فلو تصور الأمر مع تحقق كراهة الامتثال لما تصور احتجاج ~~السيد بذلك البتة، وهذا قاطع في نفسه لمن تأمله. والثاني، هو أن هذا الرجل ~~لو حكى الواقعة للمفتيين وحلف بالطلاق الثلاث إني أمرت العبد بالقيام بين ~~يدي الملك بعد جريان عقاب الملك فعصى، لأفتى كل مسلم بأن طلاقه غير واقع ~~وليس للمفتي أن يقول أنا أعلم أن يستحيل أن تريد في مثل هذا الوقت امتثال ~~الغلام وهو سبب هلاكك، والأمر هو إرادة الامتثال فإذا ما أمرت هذا لو قاله ~~المفتي فهو باطل بالاتفاق، فقد انكشف الغطاء ولاح وجود معنى هو مدلول اللفظ ~~زائدا على ما عداه ms067 من المعاني، ونحن نسمي ذلك كلاما وهو جنس مخالف للعلوم ~~والإرادات والاعتقادات، وذلك لا يستحيل ثبوته لله تعالى بل يجب ثبوته فإنه ~~نوع كلام فإذا هو المعني بالكلام القديم. # وأما الحروف فهي حادثة وهي دلالات على الكلام والدليل غير المدلول ولا ~~يتصف بصفة المدلول، وإن كانت دلالته ذاتية كالعالم فإنه حادث ويدل على صانع ~~قديم فمن أين يبعد أن تدل حروف حادثة على صفة قديمة مع أن هذه دلالة ~~بالاصطلاح؟ ولما كان كل كلام النفس دقيقا زل عى ذهن أكثر الضعفاء فلم ~~يثبتوا إلا حروفا وأصواتا ويتوجه لهم على هذا المذهب أسئلة واستبعادات نشير ~~إلى بعضها ليستدل بها على طريق الدفع في غيرها. # الاستبعاد الأول: قول القائل كيف سمع موسى كلام الله تعالى؛ أسمع صوتا ~~وحرفا؟ فإن قلتم ذلك فإذا لم يسمع كلام الله فإن كلام الله ليس بحرف، وإن ~~لم # PageV01P070 # يسمع حرفا ولا صوتا فكيف يسمع ما ليس بحرف ولا صوت؟ # قلنا: سمع كلام الله تعالى وهو صفة قديمة قائمة بذات الله تعالى ليس بحرف ~~ولا صوت، فقولكم كيف سمع كلام الله تعالى كلام من لا يفهم المطلوب من سؤال ~~كيف، وإنه ماذا يطلب به وبماذا يمكن جوابه فلتفهم ذلك حتى تعرف استحالة ~~السؤال. فنقول: السمع نوع إدراك، فقول القائل كيف سمع كقول القائل كيف ~~أدركت بحاسة الذوق حلاوة السكر، وهذا السؤال لا سبيل إلى شفائه إلا بوجهين ~~أحدهما أن نسلم سكرا إلى هذا السائل حتى يذوقه ويدرك طعمه وحلاوته، فنقول ~~أدركت أنا كما أدركته أنت الآن وهذا هو الجواب الشافي والتعريف التام. ~~والثاني أن يتعذر ذلك إما لفقد السكر أو لعدم الذوق في السائل للسكر، ~~فنقول: أدركت طعمه كما أدركت أنت حلاوة العسل فيكون هذا جوابا صوابا من وجه ~~وخطأ من وجه. أما وجه كونه صوابا فإنه تعريف بشيء يشبه المسؤول عنه من وجه، ~~وإن كان لا يشبهه من كل الوجوه وهو أصل الحلاوة، فإن طعم العسل يخالف طعم ~~السكر وإن قاربه من بعض الوجوه وهو أصل الحلاوة، ms068 وهذا غاية الممكن. فإن لم ~~يكن السائل قد ذاق حلاوة شيء أصلا تعذر جوابه وتفهيم ما سأل عنه وكان ~~كالعنين يسأل عن لذه الجماع وقط ما أدركه فيمتنع تفهيمه، إلا أن نشبهه له ~~الحالة التي يدركها المجامع بلذة الأكل فيكون خطأ من وجه إذ لذة الجماع ~~والحالة التي يدركها المجامع لا تساوي الحالة التي يدركها الآكل إلا من حيث ~~أن عموم اللذة قد شملها فإن لم يكن قد التذ بشيء قط تعذر أصل الجواب. وكذلك ~~من قال كيف سمع كلام الله تعالى فلا يمكن شفاؤه في السؤال إلا بأن نسمعه ~~كلام الله تعالى القديم وهو متعذر، فإن ذلك من خصائص الكليم عليه السلام، ~~فنحن لا نقدر على إسماعه أو تشبيه ذلك بشيء من مسموعاته وليس في مسموعاته ~~ما يشبه كلام الله تعالى، فإن كل مسموعاته التي ألفها أصوات والأصوات لا ~~تشبه ما ليس بأصوات فيتعذر تفهيمه، بل الأصم لو سأل وقال كيف تسمعون أنتم ~~الأصوات وهو ما سمع قط صوتا لم نقدر على جوابه، فإنا إن قلنا كما تدرك أنت ~~المبصرات فهو إدراك في الاذن كإدراك البصر في العين كان هذا خطأ، فإن إدراك ~~الأصوات لا يشبه إبصار الألوان، فدل أن هذا السؤال محال بل لو قال القائل ~~كيف يرى رب الأرباب في الآخرة، كان جوابه محالا لا محالة لأنه يسأل عن ~~كيفية ما لا كيفية له، إذ معنى قول القائل كيف هو أي مثل أي شيء هو مما ~~عرفناه، فإن كان ما يسأل عنه غير مماثل لشيء مما عرفه، كان الجواب محالا ~~ولم يدل ذلك على عدم ذات الله تعالى، فكذلك تعذر هذا لا يدل على عدم كلام ~~الله تعالى بل ينبغي أن يعتقد أن كلامه سبحانه # PageV01P071 # صفة قديمة ليس كمثلها شي، كما أن ذاته ذات قديمة ليس كمثلها شيء، وكما ~~ترى ذاته رؤية تخالف رؤية الأجسام والأعراض ولا تشبهها فيسمع كلامه سماعا ~~يخالف الحروف والأصوات ولا يشبهها. # الاستبعاد الثاني: أن يقال كلام الله سبحانه حال في المصاحف أم ms069 لا، فإن ~~كان حالا فكيف حمل القديم في الحادث؟ فإن قلتم لا، فهو خلاف الإجماع، إذ ~~احترام المصحف مجمع عليه حتى حرم على المحدث مسه وليس ذلك إلا لأن فيه كلام ~~الله تعالى. # فنقول: كلام الله تعالى مكتوب في المصاحف محفوظ في القلوب مقروء ~~بالألسنة، وأما الكاغد والحبر والكتابة والحروف والأصوات كلها حادثة لأنها ~~أجسام وأعراض في أجسام فكل ذلك حادث. وإن قلنا إنه مكتوب في المصحف، أعني ~~صفة تعالى القديم، لم يلزم أن تكون ذات القديم في المصحف، كما أنا إذا قلنا ~~النار مكتوبة في الكتاب لم يلزم منه أن تكون ذات النار حالة فيه، إذ لو حلت ~~فيه لاحترق المصحف، ومن تكلم بالنار فلو كانت ذات النار بلسانه لاحترق ~~لسانه، فالنار جسم حار وعليه دلالة هي الأصوات المقطعة تقطيعا يحصل منه ~~النون والألف والراء، فالحار المحرق ذات المدلول عليه لا نفس الدلالة، ~~فكذلك الكلام القديم القائم بذات الله تعالى هو المدلول لا ذات الدليل ~~والحروف أدلة وللأدلة حرمة إذ جعل الشرع لها حرمة فلذلك وجب احترام المصحف ~~لأن فيه دلالة على صفة الله تعالى. # PageV01P072 # الاستبعاد الثالث: إن القرآن كلام الله تعالى أم لا؟ فإن قلتم لا فقد ~~خرقتم الإجماع، وإن قلتم نعم فما هو سوى الحروف والأصوات، ومعلوم أن قراءة ~~القارئ هي الحروف والأصوات. فنقول: ها هنا ثلاثة ألفاظ: قراءة، ومقروء، ~~وقرآن. أما المقروء فهو كلام الله تعالى، أعني صفته القديمة القائمة بذاته، ~~وأما القراءة: فهي في اللسان عبارة عن فعل القارئ الذي كان ابتدأه بعد أن ~~كان تاركا له، ولا معنى للحادث إلا أنه ابتدأ بعد أن لم يكن، فإن كان الخصم ~~لا يفهم هذا من الحادث فلنترك لفظ الحادث والمخلوق، ولكن نقول: القراءة فعل ~~ابتدأه القارئ بعد أن لم يكن يفعله وهو محسوس. وأما القرآن، فقد يطلق ويراد ~~به المقروء فإن أريد به ذلك فهو قديم غير مخلوق وهو الذي أراده السلف رضوان ~~الله عليهم بقولهم القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق، أي المقروء بالألسنة، ~~وإن ms070 أريد به القراءة التي هي فعل القارئ ففعل القارئ لا يسبق وجود القارئ ~~وما لا يسبق وجود الحادث فهو حادث. وعلى الجملة: من يقول ما أحدثته ~~باختياري من الصوت وتقطيعه وكنت ساكتا عنه قبله فهو قديم، فلا ينبغي أن ~~يخاطب ويكلف بل ينبغي أن يعلم المسكين أنه ليس يدري ما يقوله، ولا هو يفهم ~~معنى الحرف، ولا هو يعلم معنى الحادث، ولو علمهما لعلم أنه في نفسه إذا كان ~~مخلوقا كان ما يصدر عنه مخلوقا، وعلم أن القديم لا ينتقل إلى ذات حادثة. ~~فلنترك التطويل في الجليات فإن قول القائل بسم الله إن لم تكن السين فيه ~~بعد الباء لم يكن قرآنا بل كان خطأ، وإذا كان بعد غيره ومتأخرا عنه فكيف ~~يكون قديما ونحن نريد بالقديم ما لا يتأخر عن غيره أصلا. # الاستبعاد الرابع: قولهم: أجمعت الأمة على أن القرآن معجزة للرسول عليه ~~السلام وأنه كلام الله تعالى، فإنه سور وآيات ولها مقاطع ومفاتح؟ وكيف يكون ~~للقديم مقاطع ومفاتح؟ وكيف ينقسم بالسور والآيات؟ وكيف يكون القديم معجزة ~~للرسول عليه السلام والمعجزة هي فعل خارق للعادة؟ وكل فعل فهو مخلوق فكيف ~~يكون كلام الله تعالى قديما؟ قلنا: أتنكرون أن لفظ القرآن مشترك بين ~~القراءة والمقروء أم لا؟ فإن اعترفتم به فكل ما أورده المسلمون من وصف ~~القرآن بما هو قديم، كقولهم القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق، أرادوا به ~~المقروء وكل ما وصفوه به مما لا يحتمله القديم، ككونه سورا وآيات ولها ~~مقاطع ومفاتح، أرادوا به العبارات الدالة على الصفة القديمة التي هي قراءة، ~~وإذا صار الاسم مشتركا امتنع التناقض، فالاجماع منعقد على أن لا قديم إلا ~~الله تعالى، والله تعالى يقول حتى عاد كالعرجون القديم. ولكن نقول: # PageV01P073 # اسم القديم مشترك بين معنيين، فإذا ثبت من وجه لم يستحل نفيه من وجه آخر، ~~فكذا يسمى القرآن وهو جواب عن كل ما يوردونه من الإطلاقات المتناقضة فإن ~~أنكروا كونه مشتركا، فنقول: أما إطلاقه لإرادة المقروء دل عليه كلام السلف ~~رضي الله ms071 عنهم إن القرآن كلام الله سبحانه غير مخلوق، مع علمهم بأنهم ~~وأصواتهم وقراءاتهم وأفعالهم مخلوقة وأما إطلاقه لإرادة القراءة فقد قال ~~الشاعر: # ضحوا بأشمط عنوان السجود به ... يقطع الليل تسبيحا وقرآنا # يعني القراءة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أذن الله لشيء ~~كأذنه لنبي حسن الترنم بالقرآن والترنم يكون بالقراءة. وقال كافة السلف: ~~القرآن كلام الله غير مخلوق. وقالوا: القرآن معجزة، وهي فعل الله تعالى إذ ~~علموا أن القديم لا يكون معجزا فبان أنه اسم مشترك. ومن لم يفهم اشتراك ~~اللفظ ظن تناقضا في هذه الاطلاقات. # الاستبعاد الخامس: أن يقال: معلوم أنه لا مسموع الآن إلا الأصوات، وكلام ~~الله مسموع الآن بالإجماع وبدليل قوله تعالى " وإن أحد من المشركين استجارك ~~فأجره حتى يسمع كلام الله " فنقول: إن كان الصوت المسموع للمشرك عند ~~الإجارة هو كلام الله تعالى القديم القائم بذاته فأي فضل لموسى عليه السلام ~~في اختصاصه بكونه كليما لله على المشركين وهم يسمعون؟ ولا يتصور عن هذا ~~جواب إلا أن نقول: مسموع موسى عليه السلام صفة قديمة قائمة بالله تعالى، ~~ومسموع المشرك أصوات دالة على تلك الصفة. وتبين به على القطع الاشتراك إما ~~في اسم الكلام وهو تسمية الدلالات باسم المدلولات، فإن الكلام هو كلام ~~النفس تحقيقا، ولكن الألفاظ لدلالتها عليه أيضا تسمى كلاما كما تسمى علما؛ ~~إذ يقال سمعت علم فلان وإنما نسمع كلامه الدال على علمه. وأما في اسم ~~المسموع فإن المفهوم المعلوم بسماع غيره قد يسمى مسموعا، كما يقال: سمعت ~~كلام الأمير على لسان رسوله ومعلوم أن كلام الأمير لا يقوم بلسان رسوله بل ~~المسموع كلام الرسول الدال على كلام الأمير. فهذا ما أردنا أن نذكره في ~~إيضاح مذهب أهل السنة في كلام النفس المعدود من الغوامض، وبقية أحكام ~~الكلام نذكرها عند التعرض لأحكام الصفات. # PageV01P074 ### | القسم الثاني من هذا القطب ### | في أحكام الصفات عامة ### | ما يشترك فيها أو يفترق وهي أربعة أحكام ### | الحكم الأول # إن الصفات السبعة التي دللنا عليها ليست هي الذات ms072 بل هي زائدة على الذات، ~~فصانع العالم تعالى عندنا عالم بعلم وحي بحياة وقادر بقدرة، هكذا في جميع ~~الصفات، وذهبت المعتزلة والفلاسفة إلى إنكار ذلك. وقالوا: القديم ذات واحدة ~~قديمة ولا يجوز إثبات ذوات قديمة متعددة، وإنما الدليل يدل على كونه عالما ~~قادرا حيا لا على العلم والقدرة والحياة. ولنعين العلم من الصفات حتى لا ~~نحتاج إلى تكرير جميع الصفات، وزعموا أن العلمية حال للذات وليست بصفة، لكن ~~المعتزلة ناقضوا في صفتين إذ قالوا إنه مريد بإرادة زائدة على الذات ومتكلم ~~بكلام هو زائد على الذات، إلا أن الإرادة يخلقها في غير محل والكلام يخلقه ~~في جسم جماد ويكون هو المتكلم به. والفلاسفة طردوا قياسهم في الإرادة. وأما ~~الكلام فإنهم قالوا إنه متكلم بمعنى أنه يخلق في ذات النبي عليه السلام ~~سماع أصوات منظومة، إما في النوم وإما في اليقظة، ولا يكون لتلك الأصوات ~~وجود من خارج البتة، بل في سمع النبي، كما يرى النائم أشخاصا لا وجود لها، ~~ولكن تحدث صورها في دماغه، وكذلك يسمع أصواتا لا وجود لها حتى أن الحاضر ~~عند النائم لا يسمع، والنائم قد يسمع، ويهوله الصوت الهائل ويزعجه وينتبه ~~خائفا مذعورا. وزعموا أن النبي إذا كان عالي الرتبة في النبوة ينتهي صفاء ~~نفسه إلى أن يرى في اليقظة صورا عجيبة ويسمع منها أصواتا منظومة فيحفظها، ~~ومن حواليه لا يرون ولا يسمعون. وهذا المعني عندهم برؤيه الملائكة وسماع ~~القرآن منهم، ومن ليس في الدرجة العالية في النبوة فلا يرى ذلك إلا في ~~المنام. فهذا تفصيل مذاهب الضلال، والغرض إثبات الصفات والبرهان القاطع هو ~~أن من ساعد على أنه تعالى عالم فقد ساعد على أن له علما، فإن المفهوم من ~~قولنا عالم ومن له علم واحد، فإن العاقل يعقل ذاتا ويعقلها على حالة وصفة ~~بعد ذلك، فيكون قد عقل صفة وموصوفا والصفة علم مثلا. وله عبارتان: إحداهما ~~طويلة وهي أن نقول هذه الذات قد قام بها علم والأخرى وجيزة أوجزت بالتصريف ~~والاشتقاق. وهي أن الذات عالمة ms073 كما نشاهد الانسان شخصا ونشاهد نعلا ونشاهد ~~دخول رجله في النعل، فله عبارة طويلة # PageV01P075 # وهو أن نقول هذا الشخص رجله داخلة في نعله أو نقول هو منتعل ولا معنى ~~لكونه منتعلا إلا أنه ذو نعل وما يظن من أن قيام العلم بالذات يوجب للذات ~~حالة تسمى عالمية، هوس محض، بل العلم هي الحالة، فلا معنى لكونه عالما إلا ~~كون الذات على صفة وحال تلك الصفة الحال وهي العلم فقط، ولكن من يأخذ ~~المعاني من الألفاظ فلا بد أن يغلط. # فإذا تكررت الألفاظ بالاشتقاقات فاشتقاق صفة العالم من لفظ العلم أورث ~~هذا الغلط، فلا ينبغي أن يغتر به. وبهذا يبطل جميع ما قيل وطول من العلة ~~والمعلول وبطلان ذلك جلي بأول العقل لمن لم يتكرر على سمعه ترديد تلك ~~الألفاظ، ومن علق ذلك بفهمه فلا يمكن نزعه منه إلا بكلام طويل لا يحتمله ~~هذا المختصر. والحاصل هو أنا نقول للفلاسفة والمعتزلة: هل المفهوم من قولنا ~~عالم عين المفهوم من قولنا موجودا وفيه إشارة إلى وجود وزيادة. فإن قالوا ~~لا، فإذا كل من قال هو موجود عالم، كأنه قال هو موجود وهذا ظاهر الاستحالة، ~~وإذا كان في مفهومه زيادة فتلك الزيادة هل هي مختصة بذات الموجود أم لا؟ ~~فإن قالوا لا فهو محال إذ يخرج به عن أن يكون وصفا له وإن كان مختصا بذاته ~~فنحن لا نعني بالعلم إلا ذلك وهي الزيادة المختصة بالذات الموجودة الزائدة ~~على الوجود التي يحسن أن يشتق للموجود بسببه منه اسم العالم، فقد ساعدتم ~~على المعنى وعاد النزاع إلى اللفظ، وإن أردت إيراده على الفلاسفة قلت: ~~مفهوم قولنا قادر مفهوم قولنا عالم أم غيره؟ فإن كان هو ذلك بعينه فكأنا ~~قلنا قادر قادر، فإنه تكرار محض، وإن كان غيره فإذا هو المراد فقد أثبتم ~~مفهومين أحدهما يعبر عنه بالقدرة والآخر بالعلم ورجع الإنكار إلى اللفظ. # فإن قيل: قولكم أمر مفهومه عين المفهوم من قولكم آمر وناه ومخبر أو غيره، ~~فإن كان عينه فهو تكرار محض، وإن ms074 كان غيره فليكن له كلام هو أمر وآخر هو ~~نهي وآخر هو خبر. وليكن خطاب كل شيء مفارقا لخطاب غيره. وكذلك مفهوم قولكم ~~إنه عالم بالأعراض أهو عين مفهوم قولكم إنه عالم بالجواهر أو غيره؟ فإن كان ~~عينه فليكن الإنسان العالم بالجوهر عالما بالعرض بعين ذلك العلم، حتى يتعلق ~~علم واحد بمتعلقات مختلفة لا نهاية لها، وإن كان غيره فليكن لله علوم ~~مختلفة لا نهاية لها وكذلك الكلام والقدرة والإرادة وكل صفة لا نهاية ~~لمتعلقاتها ينبغي أن لا يكون لأعداد تلك الصفة نهاية، وهذا محال، فإن جاز ~~أن تكون صفة واحدة تكون هي الأمر وهي النهي وهي الخبر وتنوب عن هذه ~~المختلفات جاز أن تكون صفة واحدة تنوب عن العلم والقدرة والحياة وسائر ~~الصفات. ثم إذا جاز ذلك جاز أن تكون الذات بنفسها # PageV01P076 # كافية ويكون فيها معنى القدرة والعلم وسائر الصفات من غير زيادة وعند ذلك ~~يلزم مذهب المعتزلة والفلاسفة. # والجواب أن نقول: هذا السؤال يحرك قطبا عظيما من اشكالات الصفات ولا يليق ~~حلها بالمختصرات. ولكن إذا سبق القلم إلى إيراده فلنرمز إلى مبدأ الطريق في ~~حله، وقد كع عنه أكثر المحصلين وعدلوا إلى التمسك بالكتاب والإجماع، وقالوا ~~هذه الصفات قد ورد الشرع بها، إذ دل الشرع على العلم وفهم منه الواحد لا ~~محالة والزائد على الواحد لم يرد فلا يعتقده. وهذا لا يكاد يشفي فإنه قد ~~ورد بالأمر والنهي والخبر والتوراة والإنجيل والقرآن فما المانع من أن ~~يقال: الأمر غير النهي والقرآن غير التوراة وقد ورد بأنه تعالى يعلم السر ~~والعلانية والظاهر والباطن والرطب واليابس وهلم جرا إلى ما يشتمل القرآن ~~عليه.. # فلعل الجواب ما نشير إلى مطلع تحقيقه وهو أن كل فريق من العقلاء مضطر إلى ~~أن يعترف بأن الدليل قد دل على أمر زائد على وجود ذات الصانع سبحانه، وهو ~~الذي يعبر عنه بأنه عالم وقادر وغيره. والاحتمالات فيه ثلاثة: طرفان ~~وواسطة، والاقتصاد أقرب إلى السداد. أما الطرفان فأحدهما في التفريط وهو ~~الاقتصار على ذات واحدة تؤدي ms075 جميع هذه المعاني وتنوب عنها كما قالت ~~الفلاسفة. والثاني طرف الإفراط وهو إثبات صفة لا نهاية لآحادها من العلوم ~~والكلام والقدرة، وذلك بحسب عدد متعلقات هذه الصفات؛ وهذا إسراف لا صائر ~~إليه إلا بعض المعتزلة وبعض الكرامية. والرأي الثالث هو القصد والوسط. وهو ~~أن يقال: المختلفات لاختلافها درجات في التقارب والتباعد؛ فرب شيين مختلفين ~~بذاتيهما كاختلاف الحركة والسكون واختلاف القدرة والعلم الجوهر والعرض، ورب ~~شيئين يدخلان تحت حد وحقيقة واحدة ولا يختلفان لذاتيهما وإنما يكون ~~الاختلاف فيهما من جهة تغاير التعلق؛ فليس الاختلاف بين القدرة والعلم ~~كالاختلاف بين العلم بسواد والعلم بسواد آخر أو بياض آخر، ولذلك إذ حددت ~~العلم تجد دخل فيه العلم بالمعلومات كلها، فنقول: الاقتصاد في الاعتقاد أن ~~يقال: كل اختلاف يرجع إلى تباين الذوات بأنفسها فلا يمكن أن يكفي الواحد ~~منها، وينوب عن المختلفات. فوجب أن يكون العلم غير القدرة وكذلك الحياة ~~وكذا الصفات # PageV01P077 # السبعة، وأن تكون الصفات غير الذات من حيث أن المباينة بين الذات ~~الموصوفة وبين الصفة أشد من المباينة بين الصفتين. # وأما العلم بالشيء فلا يخالف العلم بغيره إلا من جهة تعلقه بالمتعلق، فلا ~~يبعد أن تتميز الصفة القديمة بهذه الخاصية وهو أن لا يوجب تباين المتعلقات ~~فيها تباينا وتعددا. فإن قيل فليس في هذا قع دابر الإشكال، لأنك إذ اعترفت ~~باختلاف ما بسبب اختلاف المتعلق، فالإشكال قائم، فما لك وللنظر في سبب ~~الاختلاف بعد وجود الاختلاف.. # فأقول: غاية الناصر لمذهب معين أن يظهر على القطع ترجيح اعتقاده على ~~اعتقاد غيره، وقد حصل هذا على القطع، إذ لا طريق إلا واحد من هذه الثلاث، ~~أو اختراع رابع لا يعقل. وهذا الواحد إذا قوبل بطرفيه المتقابلين له علم ~~على القطع رجحانه، وإذ لم يكن بد من اعتقاد ولا معتقد إلا هذه الثلاث، وهذا ~~أقرب الثلاث، فيجب اعتقاده وإن بقي ما يحبك في الصدر من اشكال يلزم على ~~هذا. واللازم على غيره أعظم منه وتعليل الإشكال ممكن إما قطعه بالكلية ~~والمنظور فيه هي الصفات القديمة ms076 المتعالية عن افهام الخلق فهو أمر ممتنع ~~إلا بتطويل لا يحتمله الكتاب، هذا هو الكلام العام. # وأما المعتزلة فإنا نخصهم بالاستفراق بين القدرة والإرادة. ونقول لو جاز ~~أن يكون قادرا بغير قدرة جاز أن يكون مريدا بغير إرادة ولا فرقان بينهما. # فإن قيل: هو قادر لنفسه فلذلك كان قادرا على جميع المقدورات ولو كان ~~مريدا لنفسه لكان مريدا لجملة المرادات، وهو محال، لأن المتضادات يمكن ~~إرادتها على البدل لا على الجمع، وأما القدرة فيجوز أن تتعلق بالضدين. # والجواب أن نقول: قولوا إنه مريد لنفسه ثم يختص ببعض الحادثات المرادات ~~كما قلتم قادر لنفسه ولا تتعلق قدرته إلا ببعض الحادثات، فإن جملة أفعال ~~الحيوانات والمتولدات خارجة عن قدرته وإرادته جميعا عندكم، فإذا جاز ذلك في ~~القدرة جاز في الإرادة أيضا. # وأما الفلاسفة فإنهم ناقضوا في الكلام وهو باطل من وجهين. أحدهما قولهم ~~إن الله تعالى متكلم مع انهم لا يثبتون كلام النفس ولا يثبتون الأصوات في ~~الوجود، وإنما يثبتون سماع الصوت بالحلق في اذن النبي من غير صوت من خارج. ~~ولو جاز أن يكون ذلك بما يحدث في دماغ غيره موصوفا بأنه متكلم لجاز أن يكون ~~موصوفا بأنه مصوت ومتحرك لوجود الصوت والحركة في غيره، وذلك محال، # PageV01P078 # والثاني أن ما ذكروه رد للشرع كله؛ فإن ما يدركه النائم خيال لا حقيقة ~~له، فإذا رددت معرفة النبي لكلام الله تعالى إلى التخيل الذي يشبه اضغاث ~~أحلام فلا يثق به النبي ولا يكون ذلك علما. وبالجملة هؤلاء لا يعتقدون ~~الدين والاسلام وإنما يتجملون بإطلاق عبارات احتراز من السيف والكلام معهم ~~في أصل الفعل، وحدث العالم والقدرة فلا تشتغل معهم بهذه التفصيلات. # فإن قيل أفتقولون إن صفات الله تعالى غير الله تعالى؟ قلنا: هذا خطأ فإنا ~~إذا قلنا الله تعالى، فقد دللنا به على الذات مع الصفات لا على الذات ~~بمجردها، إذ اسم الله تعالى لا يصدق على ذات قد أخلوها عن صفات الالهية، ~~كما لا يقال الفقه غير الفقيه ويد زيد غير زيد ms077 ويد النجار غير النجار، لأن ~~بعض الداخل في الاسم لا يكون عين الداخل في الاسم، فيد زيد ليس هو زيد ولا ~~هو غير زيد بل كلا اللفظين محال، وهكذا كل بعض فليس غير الكل ولا هو بعينه ~~الكل، فلو قيل الفقه غير الانسان فهو تجوز ولا يجوز أن يقال غير الفقيه، ~~فإن الانسان لا يدل على صفة الفقه، فلا جرم يجوز أن يقال الصفة غير الذات ~~التي تقوم بها الصفة، كما يقال العرض القائم بالجوهر هو غير الجوهر على ~~معنى ان مفهوم اسمه غير مفهوم اسم الآخر، وهذا حصر جائز بشرطين: أحدهما، أن ~~لا يمنع الشرع من اطلاقه، وهذا مختص بالله تعالى، والثاني، أن لا يفهم من ~~الغير ما يجوز وجوده دون الذي هو غيره بالإضافات إليه، فإنه إن فهم ذلك لم ~~يمكن أن يقال سواد زيد غير زيد، لأنه لا يوجد دون زيد، قد انكشف بهذا ما هو ~~حظ المعنى وما هو حظ اللفظ فلا معنى للتطويل في الجليات. ### | الحكم الثاني # في الصفات: ندعي أن هذه الصفات كلها قائمة بذاته لا يجوز أن يقوم شيء ~~منها بغير ذاته، سواء كان في محل أو لم يكن في محل. وأما المعتزلة فإنهم ~~حكموا بأن الإرادة لا تقوم بذاته تعالى، فإنها حادثة وليس هو محلا للحوادث، ~~ولا يقوم بمحل آخر لأنه يؤدي إلى أن يكون ذلك المحل هو المريد به، فهي توجد ~~لا في محل، وزعموا أن الكلام لا يقوم بذاته لأنه حادث ولكن يقوم بجسم هو ~~جماد حتى لا يكون هو المتكلم به، بل المتكلم به هو الله سبحانه، أما ~~البرهان على أن الصفات ينبغي أن تقوم بالذات فهو عند من فهم ما قدمناه ~~مستغنى عنه، فإن الدليل لما دل على وجود الصانع سبحانه دل بعده على أن ~~الصانع # PageV01P079 # تعالى بصفة كذا ولا نعني بأنه تعالى على صفة كذا، إلا أنه تعالى على تلك ~~الصفة، ولا فرق بين كونه على تلك الصفة وبين قيام الصفة بذاته. وقد بينا أن ~~مفهوم قولنا ms078 عالم واحد وبذاته تعالى علم واحد، كمفهوم قولنا مريد، وقامت ~~بذاته تعالى إرادة واحدة، ومفهوم قولنا لم تقم بذاته إرادة وليس بمريد ~~واحد. فتسميته الذات مريدة بإرادة لم تقم به كتسميته متحركا بحركة لم تقم ~~به. وإذا لم تقم الارادة بة فسواء كانت موجودة أو معدومة فقول القائل إنه ~~مريد لفظ خطأ، لا معنى له، وهكذا المتكلم، فإنه متكلم باعتبار كونه محلا ~~للكلام، إذ لا فرق بين قولنا هو متكلم وبين قولنا قام الكلام به، ولا فرق ~~بين قولنا ليس بمتكلم وقولنا لم يقم بذاته كلام، كما في كونه مصوتا ~~ومتحركا. فإن صدق على الله تعالى قولنا لم يقم بذاته كلام صدق قولنا ليس ~~بمتكلم لأنهما عبارتان عن معنى واحد. والعجب من قولهم إن الإرادة توجد لا ~~في محل، فإن جاز وجود صفة من الصفات لا في محل فليجز وجود العلم والقدرة ~~والسواد والحركة، بل الكلام فلم قالوا يخلق الأصوات في محل فلتخلق في غير ~~محل. وإن لم يعقل الصوت إلا في محل لأنه عرض وصفة فكذا الارادة. ولو عكس ~~هذا لقيل إنه خلق كلاما لا في محل وخلق إرادة في محل لكان العكس كالطرد. ~~ولكن لما كان أول المخلوقات يحتاج إلى الإرادة، والمحل مخلوق، لم يمكنهم ~~تقدير محل الارادة موجودا قبل الإرادة؛ فإنه لا محل قبل الإرادة إلا ذات ~~الله تعالى ولم يجعلوه محلا للحوادث. ومن جعله محلا للحوادث أقرب حال منهم ~~فإن استحالة وجود إرادة في غير محل، واستحالة كونه مريدا بإرادة لا تقوم ~~به، واستحالة حدوث إرادة حادثة به بلا إرادة تدرك ببديهة العقل أو نظره ~~الجلي فهذه ثلاثة استحالات جلية. واما استحالة كونه محلا للحوادث فلا يدرك ~~إلا بنظر دقيق كما سنذكر. ### | الحكم الثالث # إن الصفات كلها قديمة، فإنها إن كانت حادثة كان القديم سبحانه محلا ~~للحوادث، وهو محال. أو كان يتصف بصفة لا تقوم به وذلك أظهر استحالة، كما ~~سبق، ولم يذهب أحد إلى حدوث الحياة والقدرة وإنما اعتقدوا ذلك في العلم ~~بالحوادث وفي الإرادة ms079 وفي الكلام ونحن نستدل على استحالة كونه محلا للحوادث ~~من ثلاثة أوجه: # الدليل الأول: إن كل حادث فهو جائز الوجود، والقديم الأزلي واجب الوجود، ~~ولو تطرق الجواز إلى صفاته لكان ذلك مناقضا لوجوب وجوده فإن الجواز والوجوب ~~يتناقضان. فكل ما هو واجب الذات فمن المحال أن يكون جائز # PageV01P080 # الصفات وهذا واضح بنفسه. # الدليل الثاني: وهو الأقوى، أنه لو قدر حلول حادث بذاته لكان لا يخلو إما ~~أن يرتقي الوهم إلى حادث يستحيل قبله حادث، أو لا يرتقي إليه، بل كان حادث، ~~فيجوز أن يكون قبله حادث، فإن لم يرتق الوهم إليه لزم جواز اتصافه بالحوادث ~~أبدا، ولزم منه حوادث لا أول لها. وقد قام الدليل على استحالته. وهذا القسم ~~ما ذهب إليه أحد من العقلاء وإن ارتقى الوهم إلى حادث استحال قبله حدوث ~~حادث فتلك الاستحالة لقبول الحادث في ذاته، لا تخلو إما أن تكون لذاته أو ~~لزائد عليه. وباطل أن يكون لزائد عليه، فإن كل زائد يفرض ممكن تقدير عدمه، ~~فيلزم منه تواصل الحوادث أبدا وهو محال، فلم يبق إلا أن استحالته من حيث أن ~~واجب الوجود يكون على صفة يستحيل معها قبول الحوادث لذاته. فإذا كان ذلك ~~مستحيلا في ذاته أزلا. فإن ذلك يبقى فيما لا يزال لأنه لذاته لا يقبل اللون ~~باتفاق العقلاء. ولم يجز أن تتغير تلك الاستحالة إلى الجواز فكذلك سائر ~~الحوادث. فإن قيل: هذا يبطل يحدث العالم، فإنه كان ممكنا قبل حدوثه ولم يكن ~~الوهم يرتقي إلى وقت يستحيل حدوثه قبله ومع ذلك يستحيل حدوثه أزلا ولم ~~يستحل على الجملة حدوثه. # قلنا هذا الإلزام فاسد؛ فإنا لم نحل إثبات ذات تنبو عن قبول حادث لكونها ~~واجبة الوجود، ثم تتقلب إلى جواز قبول الحوادث. والعالم ليس له ذات قبل ~~الحدوث موصوفة بأنها قابلة للحدوث أو غير قابلة حتى ينقلب إلى قبول جواز ~~الحدوث، فيلزم ذلك على مساق دليلنا، نعم، يلزم ذلك المعتزلة حيث قالوا ~~للعالم ذات في العدم قديمة، قابلة للحدوث، يطرأ عليها الحدوث بعد ms080 أن لم ~~يكن، فأما على أصلنا فغير لازم، وإنما الذي نقوله في العالم أنه فعل وقدم ~~الفعل محال، لأن القديم لا يكون فعلا. # الدليل الثالث: هو أنا نقول: إذا قدرنا قيام حادث بذاته فهو قبل ذلك إما ~~أن يتصف بضد ذلك الحادث أو بالانفكاك عن ذلك الحادث. وذلك الضد أو ذلك ~~الانفكاك إن كان قديما استحال بطلانه وزواله لأن القديم لا يعدم وإن كان ~~حادثا كان قبله حادث لا محالة، وكذا قبل ذلك الحادث حادث يؤدي إلى حوادث لا ~~أول لها وهو محال، ويتضح ذلك بأن تفرض في صفة معينة كالكلام مثلا، فإن ~~الكرامية قالوا إنه في الأزل متكلم، على معنى أنه قادر على خلق الكلام في ~~ذاته. ومهما أحدث شيئا في غير ذاته أحدث في ذاته قوله كن ولا بد أن يكون ~~قبل إحداث هذا # PageV01P081 # القول ساكتا، ويكون سكوته قديما. وإذا قال جهم أنه يحدث في ذاته علما فلا ~~بد أن يكون قبله غافلا وتكون غفلته قديمة. # فنقول: السكوت القديم والغفلة القديمة يستحيل بطلانهما لما سبق من الدليل ~~على استحالة عدم القديم. فإن قيل السكوت ليس بشيء إنما يرجع إلى عدم ~~الكلام، والغفلة ترجع إلى عدم العلم والجهل وأضداده، فإذا وجد الكلام لم ~~يبطل شيء إذ لم يكن شيء إلا الذات القديمة، وهي باقية، ولكن انضاف إليها ~~موجود آخر وهو الكلام والعلم. فأما أن يقال: انعدم شيء فلان ويتنزل ذلك ~~منزلة وجود العالم، فإنه يبطل العدم القديم ولكن العدم ليس بشيء حتى يوصف ~~بالقدم ويقدر بطلانه. والواجب من وجهين أحدهما أن قول القائل السكوت هو عدم ~~الكلام وليس بصفة والغفلة عدم العلم وليست بصفة، كقوله البياض هو عدم ~~السواد وسائر الألوان وليس بلون. والسكون هو عدم الحركة وليس بعرض، وذلك ~~محال. والدليل الذي دل على استحالته بعينه يدل على استحالة هذا، والخصوم في ~~هذه المسألة معترفون بأن السكون وصف زائد على عدم الحركة، فإن كل من يدعي ~~أن السكون هو عدم الحركة لا يقدر على اثبات حدوث العالم. فظهور ms081 الحركة بعد ~~السكون إذا دل على حدوث المتحرك، فكذلك ظهور الكلام بعد السكوت يدل على ~~حدوث المتكلم، من غير فرق. إذ المسلك الذي به يعرف كون السكون معنى هو مضاد ~~للحركة بعينه يعرف به كون السكوت معنى يضاد الكلام، وكون الغفلة معنى يضاد ~~العلم، وهو أنا إذا أدركنا تفرقة بين حالتي الذات الساكنة والمتحركة فإن ~~الذات مدركة على الحالتين. والتفرقة مدركة بين الحالتين ولا نرجع التفرقة ~~إلى زوال أمر وحدوث أمر فإن الشيء لا يفارق نفسه، فدل ذلك على أن كل قابل ~~للشيء فلا يخلو عنه، أو عن ضده وهذا مطرد في الكلام، وفي العلم. ولا يلزم ~~على هذا الفرق بين وجود العلم وعدمه، فإن ذلك لا # PageV01P082 # يوجب ذاتين. فإنه لم تدرك في الحالتين ذات واحدة يطرأ عليها الوجود بل لا ~~ذات للعالم قبل الحدوث، والقديم ذات قبل حدوث الكلام، علم على وجه مخالف ~~للوجه الذي علم عليه بعد حدوث الكلام، يعبر عن ذلك الوجه بالسكوت وعن هذا ~~بالكلام، فهما وجهان مختلفان أدركت عليهما ذات مستمرة الوجود في الحالتين ~~وللذات هيئة وصفة وحالة بكونه ساكتا، كما أن له هيئة بكونه متكلما، وكما له ~~هيئة بكونه ساكتا ومتحركا وأبيض وأسود وهذه الموازنة مطابقة لا مخرج منها. ~~الوجه الثاني في الانفصال هو أن يسلم أيضا أن السكوت ليس بمعنى، وإنما يرجع ~~ذلك إلى ذات منفكة عن الكلام، فالانفكاك عن الكلام حال للمنفك لا محالة ~~ينعدم بطريان الكلام، فحال الانفكاك تسمى عدما أو وجودا أو صفة أو هيئة، ~~فقد انتفى الكلام والمنتفي قديم. وقد ذكرنا أن القديم لا ينتفي سواء كان ~~ذاتا أو حالا أو صفة، وليست الاستحالة لكونه ذاتا فقط بل لكونه قديما، ولا ~~يلزم عدم العالم، فإنه انتفى مع القديم لأن عدم العالم ليس بذات ولا حصل ~~منه حال لذات حتى يقدر تغيرها وتبدلها على الذات والفرق بينهما ظاهر. فإن ~~قيل الأعراض كثيرة والخصم لا يدعي كون الباري محل حدوث شيء منها كالألوان ~~والآلام واللذات وغيرها، وإنما الكلام في الصفات السبعة ms082 التي ذكرتموها ولا ~~نزاع من جملتها في الحياة والقدرة، وإنما النزاع في ثلاثة: في القدرة ~~والإرادة والعلم، وفي معنى العلم السمع والبصر عند من يثبتهما. وهذه الصفات ~~الثلاثة لا بد أن تكون حادثة، ثم يستحيل أن تقوم بغيره، لأنه لا يكون متصفا ~~بها فيجب أن تقوم بذاته فيلزم منه كونه محلا للحوادث. # أما العلم بالحوادث فقد ذهب جهم إلى أنها علوم حادثة وذلك لأن الله تعالى ~~الآن عالم بأن العالم كان قد وجد قبل هذا، وهو في الأزل إن كان عالما بأنه ~~كان قد وجد كان هذا جهلا لا علما، وإذا لم يكن عالما بأنه قد وجد كان جهلا ~~لا علما، وإذا لم يكن عالما وهو الآن عالم فقد ظهر حدوث العلم بأن العالم ~~كان قد وجد قبل هذا. وهكذا القول في كل حادث. وأما الإرادة فلا بد من ~~حدوثها فإنها لو كانت قديمة لكان المراد معها. فإن القدرة والارادة مهما ~~تمتا وارتفعت العوائق منها وجب حصول المراد، فكيف يتأخر المراد عن الإرادة ~~والقدرة من غير عائق؟ فلهذا قالت المعتزلة بحدوث إرادة في غير محل وقالت ~~الكرامية بحدوثها في ذاته وربما عبروا عنه بأنه يخلق ايجادا في ذاته عند ~~وجود كل موجود وهذا راجع إلى الارادة. # PageV01P083 # وأما الكلام فكيف يكون قديما وفيه إخبار عما مضى، فكيف قال في الأزل " ~~إنا أرسلنا نوحا إلى قومه " ولم يكن قد خلق نوحا بعد، وكيف قال في الأزل ~~لموسى " فاخلع نعليك " ولم يخلق بعد موسى، فكيف أمر ونهى من غير مأمور ولا ~~منهي. وإذا كان ذلك محالا ثم علم بالضرورة أنه آمر وناه، واستحال ذلك في ~~القدم، علم قطعا أنه صار آمرا ناهيا بعد أن لم يكن، فلا معنى لكونه محلا ~~للحوادث إلا هذا. والجواب أنا نقول: مهما حللنا الشبهة في هذه الصفات ~~الثلاثة انتهض منه دليل مستقل على إبطال كونه محلا للحوادث، إذ لم يذهب ~~إليه ذاهب إلا بسبب هذه الشبهة، وإذا انكشف كان القول بها باطلا كالقول ~~بأنه محل للألوان وغيرها مما ms083 لا يدل دليل على الاتصاف بها. فنقول: الباري ~~تعالى في الأزل علم بوجود العالم في وقت وجوده وهذا العلم صفة واحدة ~~مقتضاها في الأزل العلم بأن العالم يكون من بعد، وعند الوجود العلم بأنه ~~كائن وبعده العلم بأنه كان، وهذه الأحوال تتعاقب على العالم ويكون مكشوفا ~~لله تعالى تلك الصفة وهي لم تتغير. وإنما المتغير أحوال العالم، وإيضاحه ~~بمثال وهو أنا إذا فرضنا للواحد منا علما بقدوم زيد عند طلوع الشمس وحصل له ~~هذا العلم قبل طلوع الشمس ولم ينعدم بل بقي ولم يخلق له علم آخر عند طلوع ~~الشمس فما حال هذا الشخص عند الطلوع،. أيكون عالما بقدوم زيد أو غير عالم؟ ~~ومحال أن يكون غير عالم لأنه قدر بقاء العلم بالقدوم عند الطلوع، وقد علم ~~الآن الطلوع فيلزمه بالضرورة أن يكون عالما بالقدوم، فلو دام عند انقضاء ~~الطلوع فلا بد أن يكون عالما بأن كان قد قدم والعلم الواحد أفاد الاحاطة ~~بأنه سيكون وإنه كائن وأنه قد كان فهكذا ينبغي أن يفهم علم الله القديم ~~الموجب بالاحاطة بالحوادث، وعلى هذا ينبغي أن يقال السمع والبصر، فإن كل ~~واحد منهما صفة يتصف بها المرئي والمسموع عند الوجود من غير حدوث تلك الصفة ~~ولا حدوث أمر فيها، وإنما الحادث المسموع والمرئي. والدليل القاطع على هذا ~~هو أن الاختلاف بين الأحوال شيء واحد في انقسامه إلى الذي كان ويكون وهو ~~كائن لا يزيد على الاختلاف بين الذوات المختلفة. ومعلوم أن العلم لا يتعدد ~~بتعدد الذوات فكيف يتعدد بتعدد أحوال ذات واحدة. وإذا كان علم واحد يفيد ~~الإحاطة بذوات مختلفة متباينة فمن أين يستحيل أن يكون علم واحد يفيد إحاطة ~~بأحوال ذات واحدة بالاضافة إلى الماضي والمستقبل، ولا شك أن جهما ينفي ~~النهاية عن معلومات الله تعالى ثم لا يثبت علوما لا نهاية لها فيلزمه أن ~~يعترف بعلم واحد يتعلق بمعلومات مختلفة فكيف يستبعد ذلك في أحوال معلوم ~~واحد يحققه أنه لو حدث له علم بكل حادث لكان ذلك العلم لا يخلو ms084 إما أن # PageV01P084 # يكون معلوما أو غير معلوم، فإن لم يكن معلوما فهو محال، لأنه حادث، وإن ~~جاز حادث لا يعلمه مع أنه في ذاته أولى بأن يكون متضحا له فبان يجوز ألا ~~يعلم الحوادث المباينة لذاته أولى، وإن كان معلوما فإما أن يفتقر إلى علم ~~آخر وكذلك العلم يفتقر إلى علوم أخر لا نهاية لها، وذلك محال. وإما أن يعلم ~~الحادث والعلم بالحادث نفس ذلك العلم فتكون ذات العلم واحدة ولها معلومان: ~~أحدهما ذات، والآخر ذات الحادث، فيلزم منه لا محالة تجويز علم واحد يتعلق ~~بمعلومين مختلفين فكيف لا يجوز علم واحد يتعلق بأحوال معلوم واحد مع اتحاد ~~العلم وتنزهه عن التغير، وهذا لا مخرج منه؛ فأما الإرادة فقد ذكرنا أن ~~حدوثها بغير إرادة أخرى محال، وحدوثها بإرادة بتسلسل إلى غير نهاية، وإن ~~تعلق الإرادة القديمة بالأحداث غير محال. ويستحيل أن تتعلق الإرادة بالقديم ~~فلم يكن العالم قديما لأن الإرادة تعلقت باحداثه لا بوجوده في القدم. وقد ~~سبق إيضاح ذلك. وكذلك الكرامي إذا قال يحدث في ذاته إيجادا في حال حدوث ~~العالم بذلك يحصل حدوث العالم في ذلك الوقت، فيحتاج إلى مخصص آخر فيلزمهم ~~في الإيجاد ما لزم المعتزلة في الإرادة الحادثة، ومن قال منهم إن ذلك ~~الإيجاد هو قوله كن، وهو صوت، فهو محال من ثلاثة أوجه، أحدها: استحالة قيام ~~الصوت بذاته، والآخر: أن قوله كن حادث أيضا، فإن حدث من غير أن يقول له كن ~~فليحدث العالم من غير أن يقال له كن، فإن افتقر قوله كن في أن يكون، إلى ~~قول آخر، افتقر القول الآخر إلى ثالث، والثالث إلى رابع، ويتسلسل إلى غير ~~نهاية. ثم لا ينبغي أن يناظر # من انتهى عقله إلى أن يقول يحدث في ذاته بعدد كل حادث في كل وقت، قوله كن ~~فيجتمع آلاف آلاف أصوات في كل لحظة. ومعلوم أن النون والكاف لا يمكن النطق ~~بهما في وقت واحد بل ينبغي أن تكون النون بعد الكاف لأن الجمع بين الحرفين ~~محال وإن ms085 جمع ولم يرتب لم يكن قولا مفهوما ولا كلاما، وكما يستحيل الجمع ~~بين حرفين مختلفين فكذلك بين حرفين متماثلين، ولا يعقل في أوان ألف ألف كاف ~~كما لا يعقل الكاف والنون فهؤلاء حقهم أن يسترزقوا الله عقلا وهو أهم لهم ~~من الاشتغال بالنظر. والثالث: أن قوله كن خطاب مع العالم في حالة العدم أو ~~في حالة الوجود، فإن كان في حالة العدم فالمعدوم لا يفهم الخطاب، فكيف ~~يمتثل بأن يتكون بقوله كن؟ وإن كان في حالة الوجود فالكائن كيف يقال له كن؟ ~~فانظر ماذا يفعل الله تعالى بمن ضل عن سبيله فقد انتهى ركاكة عقله إلى أن ~~لا يفهم المعني بقوله تعالى " إذا أردناه أن نقول له كن فيكون " وأنه كناية ~~عن نفاذ القدرة وكمالها حتى انجر بهم إلى هذه المخازي، نعوذ بالله من الخزي ~~والفضيحة يوم الفزع الأكبر يوم تكشف الضمائر وتبلى السرائر فيكشف إذ ذاك ~~ستر الله عن خبائث الجهال، ويقال للجاهل الذي اعتقد في الله تعالى وفي ~~صفاته غير الرأي السديد لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك ~~اليوم حديد. انتهى عقله إلى أن يقول يحدث في ذاته بعدد كل حادث في كل وقت، ~~قوله كن فيجتمع آلاف آلاف أصوات في كل لحظة. ومعلوم أن النون والكاف لا ~~يمكن النطق بهما في وقت واحد بل ينبغي أن تكون النون بعد الكاف لأن الجمع ~~بين الحرفين محال وإن جمع ولم يرتب لم يكن قولا مفهوما ولا كلاما، وكما ~~يستحيل الجمع بين حرفين مختلفين فكذلك بين حرفين متماثلين، ولا يعقل في ~~أوان ألف ألف كاف كما لا يعقل الكاف والنون فهؤلاء حقهم أن يسترزقوا الله ~~عقلا وهو أهم لهم من الاشتغال بالنظر. والثالث: أن قوله كن خطاب مع العالم ~~في حالة العدم أو في حالة الوجود، فإن كان في حالة العدم فالمعدوم لا يفهم ~~الخطاب، فكيف يمتثل بأن يتكون بقوله كن؟ وإن كان في حالة الوجود فالكائن ~~كيف يقال له كن؟ فانظر ماذا يفعل الله تعالى ms086 # PageV01P085 # بمن ضل عن سبيله فقد انتهى ركاكة عقله إلى أن لا يفهم المعني بقوله تعالى ~~" إذا أردناه أن نقول له كن فيكون " وأنه كناية عن نفاذ القدرة وكمالها حتى ~~انجر بهم إلى هذه المخازي، نعوذ بالله من الخزي والفضيحة يوم الفزع الأكبر ~~يوم تكشف الضمائر وتبلى السرائر فيكشف إذ ذاك ستر الله عن خبائث الجهال، ~~ويقال للجاهل الذي اعتقد في الله تعالى وفي صفاته غير الرأي السديد لقد كنت ~~في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد. # وأما الكلام فهو قديم، وما استبعدوه من قوله تعالى " فاخلع نعليك " ومن ~~قوله تعالى " إنا أرسلنا نوحا " استبعاد مستنده تقديرهم الكلام صوتا وهو ~~محال فيه، وليس بمحال إذ فهم كلام النفس. فإنا نقول يقوم بذات الله تعالى ~~خبر عن إرسال نوح العبارة عنه قبل إرساله: إنا نرسله، وبعد إرساله: إنا ~~أرسلنا، واللفظ يختلف باختلاف الأحوال والمعنى القائم بذاته تعالى لا ~~يختلف، فإن حقيقته أنه خبر متعلق بمخبر ذلك الخبر هو إرسال نوح في الوقت ~~المعلوم وذلك لا يختلف باختلاف الأحوال كما سبق في العلم، وكذلك قوله اخلع ~~نعليك لفظة تدل على الأمر والأمر اقتضاء وطلب يقوم بذات الأمر وليس شرط ~~قيامه به أن يكون المأمور موجودا ولكن يجوز أن يقوم بذاته قبل وجود ~~المأمور، فإذا وجد المأمور كان مأمورا بذلك الاقتضاء بعينه من غير تحدد ~~اقتضاء آخر. وكم من شخص ليس له ولد ويقوم بذاته اقتضاء طلب العلم منه على ~~تقدير وجوده، إذ يقدر في نفسه أن يقول لولده اطلب العلم وهذا الاقتضاء ~~يتنجز في نفسه على تقدير الوجود، فلو وجد الولد وخلق له عقل وخلق له علم ~~بما في نفس الأب من غير تقدير صياغة لفظ مسموع، وقدر بقاء ذلك الاقتضاء على ~~وجوده لعلم الابن أنه مأمور من جهة الأب بطلب العلم في غير استئناف اقتضاء ~~متجدد في النفس، بل يبقى ذلك الاقتضاء نعم العادة جارية بأن الابن لا يحدث ~~له علم إلا بلفظ يدل على الاقتضاء الباطن، فيكون قوله ms087 بلسانه أطلب العلم، ~~دلالة على الاقتضاء الذي في ذاته سواء حدث في الوقت أو كان قديما بذاته قبل ~~وجود ولده. فهكذا ينبغي أن يفهم قيام الأمر بذات الله تعالى فتكون الألفاظ ~~الدالة عليه حادثة والمدلول قديما ووجود ذلك المدلول لا يستدعي وجود ~~المأمور بل تصور وجوده مهما كان المأمور مقدر الوجود، فإن كان مستحيل ~~الوجود ربما لا يتصور وجود الاقتضاء ممن يعلم استحالة وجوده. فلذلك لا نقول ~~إن الله تعالى يقوم بذاته اقتضاء فعل ممن يستحيل وجوده، بل ممن علم وجوده، ~~وذلك غير محال. فإن قيل أفتقولون إن الله تعالى في الأزل آمر وناه، فإن ~~قلتم أنه آمر فكيف يكون آمر لا مأمور له؟ وإن قلتم لا فقد صار آمرا بعد أن ~~لم يكن. # PageV01P086 # قلنا: واختلف الأصحاب في جواب هذا، والمختار أن تقول هذا نظر يتعلق أحد ~~طرفيه بالمعنى والآخر بإطلاق الاسم من حيث اللغة. فأما حظ المعنى فقد انكشف ~~وهو أن الاقتضاء القديم معقول وإن كان سابقا على وجود المأمور كما في حق ~~الولد ينبغي أن يقال اسم الأمر ينطلق عليه بعد فهم المأمور ووجوده أم ينطلق ~~عليه قبله؟ وهذا أمر لفظي لا ينبغي للناظر أن يشتغل بأمثاله، ولكن الحق أنه ~~يجوز اطلاقه عليه كما جوزوا تسمية الله تعالى قادرا قبل وجود المقدور، ولم ~~يستبعدوا قادرا ليس له مقدور موجود بل قالوا القادر يستدعي مقدورا معلوما ~~لا موجودا فكذلك الآمر يستدعي مأمورا معلوما موجودا والمعدوم معلوم الوجود ~~قبل الوجود، بل يستدعي الأمر مأمورا به كما يستدعي مأمورا ويستدعي آمرا ~~أيضا والمأمور به يكون معدوما ولا يقال إنه كيف يكون آمر من غير مأمور به، ~~بل يقال له مأمور به هو معلوم وليس يشترط كونه موجودا، بل يشترط كونه ~~معدوما بل من أمر ولده على سبيل الوصية بأمر ثم توفي فأتى الولد بما أوصي ~~به يقال امتثل أمر والده والأمر معدوم والأمر في نفسه معدوم ونحن مع هذا ~~نطلق اسم امتثال الأمر، فإذا لم يستبعد كون المأمور ممتثلا للأمر ولا ms088 وجود ~~للأمر ولا للآمر ولم يستبعد كون الأمر أمرا قبل وجود المأمور به، فمن أين ~~يستدعي وجود المأمور؟ فقد انكشف من هذا حظ اللفظ والمعنى جميعا ولا نظر إلا ~~فيهما. فهذا ما أردنا أن نذكره في استحالة كونه محلا للحوادث إجمالا ~~وتفصيلا. ### | الحكم الرابع # إن الأسامي المشتقة لله تعالى من هذه الصفات السبعة صادقة عليه أزلا ~~وأبدا، فهو في القدم كان حيا قادرا عالما سميعا بصيرا متكلما، وأما ما يشتق ~~له من الأفعال كالرازق والخالق والمعز والمذل فقد اختلف في أنه يصدق في ~~الأزل أم لا. وهذا إذا كشف الغطاء عنه تبين استحالة الخلاف فيه. # والقول الجامع أن الأسامي التي يسمى بها الله تعالى أربعة: الأول: أن لا ~~يدل إلا على ذاته كالموجود، وهذا صادق أزلا وأبدا. # الثاني: ما يدل على الذات مع زيادة سلب كالقديم، فإنه يدل على وجود غير ~~مسبوق بعدم أزلا، والباقي فإنه يدل على الوجود وسلب العدم عنه آخرا ~~وكالواحد فإنه يدل على الوجود وسلب الشريك، وكالغنى فإنه يدل على الوجود ~~وسلب الحاجة فهذا أيضا يصدق أزلا وأبدا لأن ما يسلب عنه يسلب لذاته فيلازم ~~الذات على الدوام. # PageV01P087 # الثالث: ما يدل على الوجود وصفة زائدة من صفات المعنى كالحي والقادر ~~والمتكلم والمريد والسميع والبصير والعالم وما يرجع إلى هذه الصفات السبعة ~~كالآمر والناهي والخبير ونظائره، فذلك أيضا يصدق عليه أزلا وأبدا عند من ~~يعتقد قدم جميع الصفات. # الرابع: ما يدل على الوجود مع إضافة إلى فعل من أفعاله كالجواد والرزاق ~~والخالق والمعز والمذل وأمثاله، وهذا مختلف فيه، فقال قوم هو صادق أزلا إذ ~~لو لم يصدق لكان اتصافه به موجبا للتغير وقال قوم لا يصدق إذ لا خلق في ~~الأزل فكيف خالقا. والكاشف للغطاء عن هذا أن السيف في الغمد يسمى صارما ~~وعند حصول القطع به وفي تلك الحالة على الاقتران يسمى صارما، وهما بمعنيين ~~مختلفين، فهو في الغمد صارم بالقوة وعند حصول القطع صارم بالفعل وكذلك ~~الماء في الكوز يسمى مرويا وعند الشرب يسمى مرويا ms089 وهما إطلاقان مختلفان ~~فمعنى تسمية السيف في الغمد صارما أن الصفة التي يحصل بها القطع في الحال ~~لقصور في ذات السيف وحدته واستعداده بل لأمر آخر وراء ذاته. فبالمعنى الذي ~~يسمى السيف في الغمد صارما يصدق اسم الخالق على الله تعالى في الأزل فإن ~~الخلق إذ أجري بالفعل لم يكن لتجدد أمر في الذات لم يكن، بل كل ما يشترط ~~لتحقيق الفعل موجود في الأزل. وبالمعنى الذي يطلق حالة مباشرة القطع للسيف ~~اسم الصارم لا يصدق في الأزل فهذا حظ المعنى. فقد ظهر أن من قال إنه لا ~~يصدق في الأزل هذا الاسم فهو محق وأراد به المعنى الثاني، ومن قال يصدق في ~~الأزل فهو محق وأراد به المعنى الأول. وإذا كشف الغطاء على هذا الوجه ارتفع ~~الخلاف. فهذا تمام ما أردنا ذكره في قطب الصفات وقد اشتمل على سبعة دعاو، ~~وتفرع عن صفة القدرة ثلاثة فروع، وعن صفة الكلام خمسة استبعادات، واجتمع من ~~الأحكام المشتركة بين الصفات أربعة أحكام، فكان المجموع قريبا من عشرين ~~دعوى هي أصول الدعاوى وإن كان تنبني كل دعوى على دعاوى بها يتوصل إلى ~~اثباتها فلنشتغل ب ### | القطب الثالث # من الكتاب إن شاء الله تعالى. # PageV01P088 # القطب الثالث ### | في أفعال الله تعالى ### | وجملة أفعال جائزة لا يوصف شيء منها بالوجوب # وندعي في هذا القطب سبعة أمور: ندعي أنه يجوز لله تعالى أن لا يكلف ~~عباده، وأنه يجوز أن يكلفهم ما لا يطاق، وأنه يجوز منه إيلام العباد بغير ~~عوض وجناية؛ وأنه لا يجب رعاية الأصلح لهم، وأنه لا يجب عليه ثواب الطاعة ~~وعقاب المعصية، وأن العبد لا يجب عليه شيء بالعقل بل بالشرع، وأنه لا يجب ~~على الله بعثه الرسل، وأنه لو بعث لم يكن قبيحا ولا محالا بل أمكن اظهار ~~صدقهم بالمعجزة، وجملة هذه الدعاوى تنبني على البحث عن معنى الواجب والحسن ~~والقبيح، ولقد خاض الخائضون فيه وطولوا القول في أن العقل هل يحسن ويقبح ~~وهل يوجب. وإنما كثر الخبط لأنهم لم يحصلوا معنى هذه ms090 الألفاظ واختلافات ~~الاصطلاحات فيها وكيف تخاطب خصمان في أن العقل واجب وهما بعد لم يفهما معنى ~~الواجب، فهما محصلا متفقا عليه بينهما، فلنقدم البحث عن الاصطلاحات ولا بد ~~من الوقوف على معنى ستة ألفاظ وهي: الواجب، والحسن، والقبيح، والعبث، ~~والسفه، والحكمة؛ فإن هذه الألفاظ مشتركة ومثار الأغاليط إجمالها، والوجه ~~في أمثال هذه المباحث أن نطرح الألفاظ ونحصل المعاني في العقل بعبارات أخرى ~~ثم نلتفت إلى الألفاظ المبحوث عنها وننظر إلى تفاوت الاصطلاحات فيها، ~~فنقول: أما الواجب فإنه يطلق على فعل لا محالة، ويطلق على القديم إنه واجب، ~~وعلى الشمس إذا غربت إنها واجبة، وليس من غرضنا. وليس يخفى أن الفعل الذي ~~لا يترجح فعله على تركه ولا يكون صدوره من صاحبه أولى من تركه لا يسمى ~~واجبا وإن ترجح وكان أولا لا يسميه أيضا بكل ترجيح بل لا بد من خصوص ترجيح. ~~ومعلوم أن الفعل قد يكون بحيث يعلم أنه يعلم أنه نستعقب تركه ضررا، أو ~~يتوهم، وذلك الضرر إما عاجل في الدنيا وإما آجل في العاقبة، وهو إما قريب ~~محتمل وإما عظيم لا يطاق مثله. فانقسام الفعل ووجوه ترجحه لهذه الأقسام ~~ثابت في العقل من غير لفظ # PageV01P089 # فلنرجع إلى اللفظ فنقول: معلوم أن ما فيه ضرر قريب محتمل لا يسمى واجبا؛ ~~إذ العطشان إذا لم يبادر إلى شرب الماء تضرر تضررا قريبا ولا يقال إن الشرب ~~عليه واجب. ومعلوم أن ما لا ضرر فيه أصلا ولكن في فعله فائدة لا يسمى ~~واجبا، فإن التجارة واكتساب المال والنوافل فيه فائدة ولا يسمى واجبا، بل ~~المخصوص باسم الواجب ما في تركه ضرر ظاهر فإن كان ذلك في العاقبة أعني ~~الآخرة، وعرف بالشرع فنحن نسميه واجبا، وإن كان ذلك في الدنيا وعرف بالعقل ~~فقد يسمى أيضا ذلك واجبا، فإن من لا يعتقد الشرع قد يقول واجب على الجائع ~~الذي يموت من الجوع أن يأكل إذا وجد الخبز ونعني بوجوب الأكل ترجح فعله على ~~تركه بما يتعلق من الضرر بتركه، ولسنا نحرم هذا ms091 الاصطلاح بالشرع فإن ~~الاصطلاحات مباحة لا حجر فيها للشرع ولا للعقل، وإنما تمنع منه اللغة إذا ~~لم يكن على وفق الموضوع المعروف فقد تحصلنا على معنيين للواجب ورجع كلاهما ~~إلى التعرض للضرر وكان أحدهما أعم لا يختص بالآخرة، والآخر أخص وهو ~~اصطلاحنا، وقد يطلق الواجب بمعنى ثالث وهو الذي يؤدي عدم وقوعه إلى أمر ~~محال، كما يقال: ما علم وقوعه فوقوعه واجب، ومعناه أنه إن لم يقع يؤدي إلى ~~أن ينقلب العلم جهلا وذلك محال، فيكون معنى وجوبه أن ضده محال، فليسم هذا ~~المعنى الثالث الواجب. # وأما الحسن فحظ المعنى منه أن الفعل في حق الفاعل ينقسم إلى ثلاثة أقسام ~~أحدها أن توافقه أي تلائم غرضه، والثاني أن ينافر غرضه، والثالث أن لا يكون ~~له في فعله ولا في تركه غرض. وهذا الانقسام ثابت في العقل؛ فالذي يوافق ~~الفاعل يسمى حسنا في حقه ولا معنى لحسنه إلا موافقته لغرضه، والذي ينافي ~~غرضه يسمى قبيحا ولا معنى لقبحه إلا منافاته لغرضه، والذي لا ينافي ولا ~~يوافق يسمى عبثا أي لا فائدة فيه أصلا، وفاعل العبث يسمى عابثا وربما يسمى ~~سفيها، وفاعل القبيح أعني الفعل الذي ينضر به يسمى سفيها واسم السفيه أصدق ~~منه على العابث، وهذا كله إذا لم يلتفت إلى غير الفاعل أو لم يرتبط الفعل ~~بغرض غير الفاعل، فإن ارتبط بغير الفاعل وكان موافقا لغرضه سمي حسنا في حق ~~من وافقه وإن كان منافيا سمي قبيحا، وإن كان موافقا لشخص دون شخص سمي في حق ~~أحدهما حسنا وفي حق الآخر قبيحا إذ اسم القبيح والحسن بأن الموافقة ~~والمخالفة، وهما أمران إضافيان، مختلفان بالأشخاص ويختلف في حق شخص واحد ~~بالأحوال ويختلف في حال واحد بالأعراض؛ فرب فعل يوافق الشخص من وجه ويخالفه ~~من وجه فيكون حسنا من وجه قبيحا من وجه، فمن لا ديانة له # PageV01P090 # يستحسن الزنا بزوجة الغير ويعد الظفر بها نعمة ويستقبح فعل الذي يكشف ~~عررته ويسميه غمازا قبيح الفعل والمتدين يسميه محتسبا حسن الفعل، وكل بحسب ~~غرضه ms092 يطلق اسم الحسن والقبح بل يقتل ملك من الملوك فيستحسن فعل القاتل جميع ~~أعدائه ويستقبحه جميع أوليائه، بل هذا القاتل في الحسن المخصوص جار، ففي ~~الطباع ما خلق مايلا من الألوان الحسان إلى السمرة، فصاحبه يستحسن الأسمر ~~ويعشقه، والذي خلق مايلا إلى البياض المشرب بالحمرة يستقبحه ويستكرهه ويسفه ~~عقل المستحسن المستهتر به؛ فبهذا يتبين على القطع أن الحسن والقبيح عبارتان ~~عن الخلق كلهم عن أمرين إضافيين يختلفان بالإضافات عن صفات الذوات التي لا ~~تختلف بالإضافة. فلا جرم جاز أن يكون الشيء حسنا في حق زيد قبيحا في حق ~~عمرو ولا يجوز أن يكون الشيء أسود في حق زيد أبيض في حق عمرو لما لم تكن ~~الألوان من الأوصاف الإضافية؛ فإذا فهمت المعنى فافهم أن الاصطلاح في لفظ ~~الحسن أيضا ثلاثة: فقائل يطلقه على كل ما يوافق الغرض عاجلا كان أو آجلا؛ ~~وقائل يخصص بما يوافق الغرض في الآخر وهو الذي حسنه الشرع أي حث عليه ووعد ~~بالثواب عليه وهو اصطلاح أصحابنا، والقبيح عند كل فريق ما يقابل الحسن، ~~فالأول أعم وهذا أخص، وبهذا الاصطلاح قد يسمي بعض من لا يتحاشى فعل الله ~~تعالى قبيحا إذ كان لا يوافق غرضهم، ولذلك تراهم يسبون الفلك والدهر ~~ويقولون خرف الفلك وما أقبح أفعاله ويعلمون إن الفاعل خالق الفلك؛ ولذلك ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر؛ ~~وفيه اصطلاح ثالث إذ قد يقال فعل الله تعالى حسن كيف كان مع إنه لا غرض في ~~حقه؛ ويكون معناه أنه لا تبعة عليه فيه ولا لائمة وأنه فاعل في ملكه الذي ~~لا يساهم فيه ما يشاء. وأما الحكمة فتطلق على معنيين: أحدهما الاحاطة ~~المجردة بنظم الأمور ومعانيها الدقيقة والجليلة والحكم عليها بأنها كيف ~~ينبغي أن تكون حتى تتم منها الغاية المطلوبة بها، والثاني أن تنضاف إليه ~~القدرة على إيجاد الترتيب والنظام واتقانه وإحكامه # PageV01P091 # فيقال حكيم من الحكمة، وهو نوع من العلم، ويقال حكيم من الأحكام وهو نوع ~~من الفعل، ms093 فقد اتضح لك معنى هذه الألفاظ في الأصل ولكن ههنا ثلاث غلطات ~~للوهم يستفاد من الوقوف عليها الخلاص من إشكالات تغتر بها طوائف كثيرة: ~~الغلطة الأولى: أن الإنسان قد يطلق اسم القبيح على ما يخالف غرضه وإن كان ~~يوافق غرض غيره، ولكنه لا يلتفت إلى الغير، فكل طبع مشغوف بنفسه ومستحقر ما ~~عداه ولذلك يحكم على الفعل مطلقا بأنه قبيح وقد يقول أنه قبيح في عينه، ~~وسببه أنه قبيح في حقه بمعنى أنه مخالف لغرضه، ولكن أغراضه كأنه كل العالم ~~في حقه فيتوهم أن المخالف لحقه مخالف في نفسه، فيضيف القبح إلى ذات الشيء ~~ويحكم بالاطلاق؛ فهو مصيب في أصل الاسقباح ولكنه مخطيء في حكمه بالقبح على ~~الاطلاق؛ وفي إضافة القبح إلى ذات الشيء ومنشؤه غفلته عن الالتفات إلى ~~غيره، بل عن الالتفات إلى بعض أحوال نفسه، فإنه قد يستحسن في بعض أحواله ~~غير ما يستقبحه مهما انقلب موافقا لغرضه. # الغلطة الثانية فيه: أن ما هو مخالف للأغراض في جميع الأحوال إلا في حالة ~~نادرة، فقد يحكم الإنسان عليه مطلقا بأنه قبيح لذهوله عن الحالة النادرة ~~ورسوخ غالب الأحوال في نفسه واستيلائه على ذكره، فيقضي مثلا على الكذب بأنه ~~قبيح مطلقا في كل حال وأن قبحه لأنه كذب لذاته فقط لا لمعنى زائد، وسبب ذلك ~~غفلته عن ارتباط مصالح كثيرة بالكذب في بعض الأحوال، ولكن لو وقعت تلك ~~الحالة ربما نفر طبعه عن استحسان الكذب لكثرة إلفه باستقباحه، وذلك لأن ~~الطبع ينفر عنه من أول الصبا بطريق التأديب والاستصلاح، ويلقي إليه أن ~~الكذب قبيح في نفسه وأنه لا ينبغي أن يكذب قط، فهو قبيح ولكن بشرط يلازمه ~~في أكثر الأوقات وإنما يقع نادرا، فلذلك لا ينبه على ذلك الشرط ويغرس في ~~طبعه قبحه والتنفير عنه مطلقا. # الغلطة الثالثة: سبق الوهم إلى العكس، فإن ما رئي مقرونا بالشيء يظن أن ~~الشيء أيضا لا محالة يكون مقرونا به مطلقا ولا يدري أن الأخص أبدا يكون ~~مقرونا بالأعم، وأما الأعم فلا يلزم أن ms094 يكون مقرونا بالأخص. ومثاله ما يقال ~~من أن السليم، أعني الذي نهشته الحية، يخاف من الحبل المبرقش اللون، وهو ~~كما قيل، وسببه أنه أدرك المؤذي وهو متصور بصورة حبل مبرقش، فإذا أدرك ~~الحبل سبق الوهم إلى العكس وحكم بأنه مؤذ فينفر الطبع تابعا للوهم والخيال ~~وإن كان العقل مكذبا به، بل الانسان قد ينفر عن أكل الخبيض الأصفر لشبهه ~~بالعذرة، فيكاد يتقيأ عند قول القائل إنه عذرة، يتعذر عليه تناوله مع كون ~~العقل مكذبا به، وذلك لسبق الوهم إلى العكس فإنه أدرك المستقذر رطبا أضفر ~~فإذا رأى الرطب الأصفر حكم بأنه # PageV01P092 # مستقذر، بل في الطبع ما هو أعظم من هذا فإن الأسامي التي تطلق عليها ~~الهنود والزنوج لما كان يقترن قبح المسمى به يؤثر في الطبع ويبلغ إلى حد لو ~~سمى به أجمل الأتراك والروم لنفر الطبع عنه، لأنه أدرك الوهم القبيح مقرونا ~~بهذا الاسم فيحكم بالعكس، فإذا أدرك الأسم حكم بالقبح على المسمى ونفر ~~الطبع. وهذا مع وضوحه للعقل فلا ينبغي أن يغفل عنه لأن إقدام الخلق ~~وإحجامهم في أقوالهم وعقائدهم وأفعالهم تابع لمثل هذه الأوهام. وأما اتباع ~~العقل الصرف فلا يقوى عليه إلا أولياء الله تعالى الذين أراهم الله الحق ~~حقا وقواهم على اتباعه، وإن أردت أن تجرب هذا في الاعتقادات فأورد على فهم ~~العامي المعتزلي مسألة معقولة جلية فيسارع إلى قبولها، فلو قلت له إنه مذهب ~~الأشعري رضي الله عنه لنفر وامتنع عن القبول وانقلب مكذبا بعين ما صدق به ~~مهما كان سيء الظن بالأشعري، إذ كان قبح ذلك في نفسه منذ الصبا. وكذلك تقرر ~~أمرا معقولا عند العامي الأشعري ثم تقول له إن هذا قول المعتزلي فينفر عن ~~قبوله بعد التصديق ويعود لي التكذيب. ولست أقول هذا طبع العوام بل طبع أكثر ~~من رأيته من المتوسمين باسم العلم؛ فإنهم لم يفارقوا العوام في أصل التقليد ~~بل أضافوا إلى تقليد المذهب تقليد الدليل فهم في نظرهم لا يطلبون الحق بل ~~يطلبون طريق الحيلة في نصرة ما اعتقدوه ms095 حقا بالسماع والتقليد، فإن صادفوا ~~في نظرهم ما يؤكد عقائدهم قالوا قد ظفرنا بالدليل، وإن ظهر لهم ما يضعف ~~مذهبهم قالوا قد عرضت لنا شبهة، فيضعون الاعتقاد المتلقف بالتقليد أصلا ~~وينبزون بالشبهة كل ما يخالفه، وبالدليل كلى ما يوافقه، وإنما الحق ضده؛ ~~وهو أن لا يعتقد شيئا أصلا وينظر إلى الدليل ويسمي مقتضاه حقا ونقيضه باطلا ~~وكل ذلك منشؤه الاستحسان والاستقباح بتقديم الإلفه والتخلق بأخلاق منذ ~~الصبا. فإذا وقفت على هذه المثارات سهل عليك دفع الاشكالات. فإن قيل: فقد ~~رجع كلامكم إلى أن الحسن والقبيح يرجعان إلى الموافقة والمخالفة للأغراض، ~~ونحن نرى العاقل يستحسن ما لا فائدة له فيه ويستقبح ما له فيه فائدة. أما ~~الاستحسان فمن رأى إنسانا أو حيوانا مشرفا على الهلاك استحسن إنقاذه ولو ~~بشربة ماء معأنه ربما لا يعتقد الشرع ولا يتوقع منه غرضا في الدنيا ولا هو ~~بمرآى من الناس حتى ينتظر عليه ثناء بل يمكن أن يقدر انتفاء كل غرض ومع ذلك ~~يرجح جهة الانقاذ على جهة الاهمال بتحسين هذا وتقبيح ذلك. وأما الذي يستقبح ~~مع الأغراض، كالذي يحمل على كلمة الكفر بالسيف والشرع قد رخص له في ~~اطلاقها، فإنه قد يستحسن منه الصبر على السيف وترك النطق به. أو الذي لا ~~يعتقد الشرع وحمل بالسيف على نقض عهد، ولا ضرر عليه في نقضه وفي # PageV01P093 # الوفاء به هلاكه، فإنه يستحسن الوفاء بالعهد والامتناع من النقض. فبان أن ~~الحسن والقبح معنى سوى ما ذكرتموه. والجواب أن في الوقوف على الغلطات ~~المذكورة ما يشفي هذا الغليل. أما ترجيح الانقاذ على الاهمال في حق من لا ~~يعتقد الشرع فهو دفع للأذى الذي يلحق الانسان في رقة الجنسية، وهو طبع ~~يستحيل الانفكاك عنه. ولأن الانسان يقدر نفسه في تلك البلية ويقدر غيره ~~قادرا على انقاذه مع الإعراض عنه، ويجد من نفسه استقباح ذلك فيعود عليه ~~ويقدر ذلك من المشرف على الهلاك في حق نفسه فينفره طبعه عما يعتقده من أن ~~المشرف على الهلاك في حقه، فيندفع ذلك عن ms096 نفسه بالانقاذ، فإن فرض ذلك في ~~بهيمة لا يتوهم استقباحها أو فرض في شخص لا رقة فيه ولا رحمة فهذا # مجال تصوره، إذ الانسان لا ينفك عنه فإن فرض على الاستحالة فيبقى أمر آخر ~~وهو الثناء بحسن الخلق والشفقة على الخلق، فإن فرض حيث لا يعلمه أحد فهو ~~ممكن أن يعلمه، فإن فرض في موضع يستحيل أن يعلم فيبقى أيضا ترجيح في نفسه ~~وميل يضاهي نفرة طبع السليم عن الخبل، وذلك أنه رأى الثناء مقرونا بمثل هذا ~~الفعل على الاطراد، وهو يميل إلى الثناء فيميل إلى المقرون به. وإن علم ~~بعقله عدم الثناء. كما إنه لما رأى الأذى مقرونا بصورة الخبل. وطبعه ينفر ~~عن الأذى فينفر عن المقرون به، وإن علم بعقله عدم الأذى بل الطبع إذا رأى ~~من يعشقه في موضع وطال معه أنسه فيه فإنه يحس من نفسه تفرقة بين ذلك الموضع ~~وحيطانه وبين سائر المواضع ولذلك قال الشاعر: تصوره، إذ الانسان لا ينفك ~~عنه فإن فرض على الاستحالة فيبقى أمر آخر وهو الثناء بحسن الخلق والشفقة ~~على الخلق، فإن فرض حيث لا يعلمه أحد فهو ممكن أن يعلمه، فإن فرض في موضع ~~يستحيل أن يعلم فيبقى أيضا ترجيح في نفسه وميل يضاهي نفرة طبع السليم عن ~~الخبل، وذلك أنه رأى الثناء مقرونا بمثل هذا الفعل على الاطراد، وهو يميل ~~إلى الثناء فيميل إلى المقرون به. وإن علم بعقله عدم الثناء. كما إنه لما ~~رأى الأذى مقرونا بصورة الخبل. وطبعه ينفر عن الأذى فينفر عن المقرون به، ~~وإن علم بعقله عدم الأذى بل الطبع إذا رأى من يعشقه في موضع وطال معه أنسه ~~فيه فإنه يحس من نفسه تفرقة بين ذلك الموضع وحيطانه وبين سائر المواضع ~~ولذلك قال الشاعر: # أمر على جدار ديار ليلى ... أقبل ذا الجدار وذا الجدارا # وما تلك الديار شغفن قلبي ... ولكن حب من سكن الديارا # وقال ابن الرومي منبها على سبب حب الناس الأوطان ونعم ما قال: # وحبب أوطان الرجال إليهم ... مآرب قضاها الشباب ms097 هنالكا # إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم ... عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا # وإذا تتبع الانسان الأخلاق والعادات رأى شواهد هذا خارجة عن الحصر، فهذا ~~هو السبب الذي هو غلط المغترين بظاهر الأمور، الذاهلين عن أسرار أخلاق ~~النفوس، الجاهلين بأن هذا الميل وأمثاله يرجع إلى طاعة النفس بحكم الفطرة ~~والطبع بمجرد الوهم. والخيال الذي هو غلط يحكم العقل ولكن خلقت قوى النفس ~~مطيعة للأوهام والتخيلات بحكم اجراء العادات، حتى إذا تخيل الإنسان طعاما ~~طيبا بالتذكر أو بالرؤية سال في الحال لعابه وتحلبت أشداقه، وذلك بطاعة ~~القوة التي سخرها الله تعالى لإفاضة اللعاب المعين على المضغ للتخيل ~~والوهم، فإن شأنها أن تنبعث بحسب التخيل وإن # PageV01P094 # كان الشخص عالما بأنه ليس يريد الإقدام على الأكل بصوم أو بسبب آخر وكذلك ~~يتخيل الصورة الجميلة التي يشتهي مجامعتها، فكما ثبت ذلك في الخيال انبعثت ~~القوة الناشرة لآلة الفعل وساقت الرياح إلى تجاويف الأعصاب وملأتها، وثارت ~~القوة المأمورة بصب المذي الرطب المعين على الوقاع، وذلك كله مع التحقيق ~~بحكم العقل للامتناع عن الفعل في ذلك الوقت. ولكن الله تعالى خلق هذه القوى ~~بحكم طرد العادة مطيعة مسخرة تحت حكم الخيال، والوهم ساعد العقل الوهم أو ~~لم يساعده، فهذا وأمثاله منشأ الغلط في سبب ترجيح أحد جانبي الفعل على ~~الآخر. وكل ذلك راجع إلى الأغراض، فأما النطق بكلمة الكفر وإن كان كذلك فلا ~~يستقبحه العاقل تحت السيف البتة بل ربما يستقبح الاصرار، فإن استحسن ~~الاصرار فله سببان: أحدهما، اعتقاده أن الثواب على الصبر والاستسلام أكثر، ~~والآخر، ما ينتظر من من الثناء عليه بصلابته في الدين، فكم من شجاع يمتطي ~~متن الخطر ويتهجم على عدد يعلم أنه لا يطيقهم ويستحقر ما يناله بما يعتاضه ~~عنه من لذة الثناء والحمد بعد موته وكذلك الامتناع عن نقض العهد بسببه ثناء ~~الخلق على من يفي بالعهد، وتواصيهم به على مر الأوقات لما فيها من مصالح ~~الناس. فإن قدر حيث لا ينتظر ثناء فسببه حكم الوهم من حيث أنه لم يزل ~~مقرونا بالثناء الذي ms098 هو لذيذ، والمقرون باللذيذ لذيذ، كما أن المقرون ~~بالمكروه مكروه كما سبق في الأمثلة، فهذا ما يحتمله هذا المختصر من بث ~~أسرار هذا الفصل، وإنما يعرف قدره من طال في المعقولات نظره، وقد استفدنا ~~بهذه المقدمة إيجاز الكلام في الدعاوى فلنرجع إليها. ### | الدعوى الأولى: # ندعي أنه يجوز لله تعالى أن لا يخلق الخلق، وإذا خلق فلم يكن ذلك واجبا ~~عليه، وإذا خلقهم فله أن لا يكلفهم، وإذا كلفهم فلم يكن ذلك واجبا عليه. ~~وقالت طائفة من المعتزلة يجب عليه الخلق والتكليف واجب، غير مفهوم؛ فإنا ~~بينا أن المفهوم عندنا من لفظ الواجب ما ينال تاركه ضرر، إما عاجلا وإما ~~آجلا، أو ما يكون نقيضه محال، والضرر محال في حق الله تعالى. وليس في ترك ~~التكليف وترك الخلق لزوم محال، إلا أن يقال كان يؤدي ذلك إلى خلاف ما سبق ~~به العلم في الأزل وما سبقت به المشيئة في الأزل، فهذا حق وهو بهذا التأويل ~~واجب، فإن الإرادة # PageV01P095 # إذا فرضت موجودة، أو العلم إذا فرض متعلقا بالشيء، كان حصول المراد ~~والمعلوم واجبا لا محالة. فإن قيل: إنما يجب عليه ذلك لفائدة الخلق لا ~~لفائدة ترجع إلى الخالق سبحانه وتعالى، قلنا: الكلام في قولكم لفائدة الخلق ~~للتعليل، والحكم المعلل هو الوجوب، ونحن نطالبكم بتفهيم الحكم فلا يعنيكم ~~ذكر العلة؛ فما معنى قولكم إنه يجب لفائدة الخلق وما معنى الوجوب ونحن لا ~~نفهم من الوجوب إلا المعاني الثلاثة، وهي منعدمة، فإن أردتم معنى رابعا ~~ففسروه أولا ثم اذكروا علته، فإنا ربما لا ننكر أن للخلق في الخلق فائدة، ~~وكذا في التكليف، ولكن ما فيه فائدة غيره لم يجب عليه إذا لم يكن له فائدة ~~في فائدة غيره. وهذا لا مخرج عنه أبدا، على أنا نقول إنما يستقيم هذا ~~الكلام في الخلق لا في التكليف، ولا يستقيم في هذا الخلق الموجود بل في أن ~~يخلقهم في الجنة متنعمين، من غير هم وضرر وغم وألم، وأما هذا الخلق الموجود ~~فالعقلاء كلهم قد تمنوا العدم، وقال ms099 بعضهم: ليتني كنت نسيا منسيا، وقال آخر ~~ليتني لم أك شيئا، وقال آخر ليتني كنت تبنة رفعها من الأرض، قال آخر يشير ~~إلى طائر ليتني كنت ذلك الطائر. وهذا قول الأنبياء والأولياء وهم العقلاء، ~~فبعضهم يتمنى عدم الخلق وبعضهم يتمنى عدم التكليف بأن يكون جمادا أو طائرا، ~~فليت شعري كيف يستجيز العاقل في أن يقول: للخلق في التكليف فائدة وإنما ~~معنى الفائدة نفي الكلفة، والتكليف في عينه إلزام كلفة وهو ألم، وإن نظر ~~إلى الثواب فهو الفائدة، وكان قادرا على إيصاله إليهم بغير تكليف، فإن قيل: ~~الثواب إذا كان باستحقاق كان ألذ وأوقع من أن يكون بالامتنان والابتداء، ~~والجواب: أن الاستعاذة بالله تعالى من عقل ينتهي إلى التكبر على الله عز ~~وجل والترفع من احتمال منته وتقدير اللذة في الخروج من نعمته أولى من ~~الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم؛ وليت شعري كيف يعد من العقلاء من يخطر ~~بباله مثل هذه الوساوس، ومن يستثقل المقام أبد الآباد في الجنة من غير تقدم ~~تعب وتكليف أخس من أن يناظر أو يخاطب. هذا لو سلم أن الثواب بعد التكليف ~~يكون مستحقا، وسنبين نقيضه. ثم ليت شعري الطاعة التي بها يستحق الثواب من ~~أين وجدها العبد؟ وهل لها سبب سوى وجوده وقدرته وإرادته وصحة أعضائه وحضور ~~أسبابه؟ وهل لكل ذلك مصدر إلا فضل الله ونعمته؛ فنعوذ بالله من الانخلاع عن ~~غريزة العقل بالكلية، فإن هذا الكلام من هذا النمط، فينبغي أن يسترزق الله ~~تعالى عقلا لصاحبه ولا يشتغل بمناظرته. # PageV01P096 ### | الدعوى الثانية: # إن لله تعالى أن يكلف العباد ما يطيقونه وما لا يطيقونه، وذهب المعتزلة ~~إلى انكار ذلك، ومعتقد أهل السنة أن التكليف له حقيقة في نفسه وهو أنه كلام ~~وله مصدر وهو المكلف، ولا شرط فيه إلا كونه متكلما، وله مورد وهو المكلف ~~وشرطه أن يكون فاهما للكلام فلا يسمى الكلام مع الجماد والمجنون خطابا ولا ~~تكليفا، والتكليف نوع خطاب وله متعلق وهو المكلف به وشرطه أن يكون مفهوما ~~فقط، وأما كونه ممكنا فليس ms100 بشرط لتحقيق الكلام فإن التكليف كلام، فإذا صدر ~~ممن يفهم مع من يفهم فيما يفهم وكان المخاطب دون المخاطب سمي تكليفا، وإن ~~كان مثله سمي التماسا، وإن كان فوقه سمي دعاء وسؤالا، فالاقتضاء في ذاته ~~واحد وهذه الأسامي تختلف عليه باختلاف النسبة، وبرهان جواز ذلك أن استحالته ~~لا تخلو إما أن تكون لامتناع تصور ذاته، كاجتماع السواد والبياض، أو كان ~~لأجل الاستقباح، وباطل أن يكون امتناعه لذاته، فإن السواد والبياض لا يمكن ~~أن يفرض مجتمعا، وفرض هذا ممكن إذ التكليف لا يخلو إما أن يكون لفظا وهو ~~مذهب الخصم وليس بمستحيل أن يقول الرجل لعبده الزمن قم، فهو على مذهبهم ~~أظهر وأما نحن فإنا نعتقد أنه اقتضاء يقوم بالنفس. وكما يتصور أن يقوم ~~اقتضاء القيام بالنفس من قادر فيتصور ذلك من عاجز بل ربما يقوم ذلك بنفسه ~~من قادر ثم يبقى ذلك الاقتضاء ونظر الزمانة والسيد لا يدري. ويكون الاقتضاء ~~قائما بذاته وهو اقتضاء قائم من عاجز في علم الله تعالى، وإن لم يكن معلوما ~~عند المقتضي فإن علمه لا يحيل بقاء الاقتضاء مع العلم بالعجز عن الوفاء ~~وباطل أن يقال بطلان ذلك من جهة الاستحسان، فإن كلامنا في حق الله تعالى، ~~وذلك باطل في حقه لتنزهه عن الأغراض ورجوع ذلك إلى الأغراض. أما الانسان ~~العاقل المضبوط بغالب الأمر فقد يستقبح ذلك وليس ما يستقبح من العبد يستقبح ~~من الله تعالى. فإن قيل: فهو مما لا فائدة فيه وما لا فائدة فيه فهو عبث ~~والعبث على الله تعالى محال. قلنا: هذه ثلاث دعاوى: الأولى: إنه لا فائدة ~~فيه، ولا نسلم، فلعل فيه فائدة لعباد اطلع الله عليها. وليست الفائدة هي ~~الامتثال والثواب عليه بل ربما يكون في إظهار الأمر وما يتبعه من اعتقاد ~~التكليف فائدة، فقد ينسخ الأمر قبل الامتثال كما أمر إبراهيم عليه السلام ~~بذبح ولده ثم نسخه قبل الامتثال، وأمر أبا جهل بالايمان وأخبر أنه لا يؤمن ~~وخلاف خبره محال. # PageV01P097 # الدعوى الثانية: إن ما لا فائدة فيه فهو ms101 عبث، فهذا تكرير عبارة؛ فإنا ~~بينا أنه لا يراد بالعبث إلا ما لا فائدة فيه فإن أريد به غيره فهو غير ~~مفهوم. ### | الدعوى الثالثة: # إن العبث على الله تعالى محال، وهذا فيه تلبيس، لأن لأن العبث عبارة عن ~~فعل لا فائدة فيه ممن يتعرض للفوائد، فمن لا يتعرض لها فتسميته عابثا مجاز ~~محض لا حقيقة له يضاهي قول القائل الريح عابثة بتحيكها الأشجار إذ لا فائدة ~~لها فيه، ويضاهي قول القائل الجدار غافل أي هو خال عن العلم والجهل وهذا ~~باطل لأن الغافل يطلق على القابل للجهل والعلم إذا خلا عنهما، فاطلاقهما ~~على الذي لا يقبل العلم مجاز لا أصل له، وكذلك اطلاق اسم العابث على الله ~~تعالى واطلاق العبث على أفعاله سبحانه وتعالى، والدليل الثاني في المسألة، ~~ولا محيص لأحد عنه، أن الله تعالى كلف أبا جهل أن يؤمن وعلم أنه لا يؤمن، ~~وأخبر عنه بأنه لا يؤمن، فكأنه أمر بأن يؤمن بأنه لا يؤمن، إذ كان من قول ~~الرسول صلى الله عليه وسلم إنه لا يؤمن وكان هو مأمورا بتصديقه، فقد قيل له ~~صدق بأنك لا تصدق، وهذا محال. وتحقيقه أن خلاف المعلوم محال وقوعه ولكن ليس ~~محالا لذاته، بل هو محال لغيره، والمحال لغيره في امتناع الوقوع كالمحال ~~لذاته، ومن قال إن الكفار الذين لم يؤمنوا ما كانوا مأمورين بالايمان فقد ~~جحد الشرع، ومن قال كان الايمان منهم متصورا مع علم الله سبحانه وتعالى ~~بأنه لا يقع، فقد اضطر كل فريق إلى القول بتصور الأمر بما لا يتصور ~~امتثاله، ولا يغني عن هذا قول القائل إنه كان مقدورا عليه وكان للكافر عليه ~~قدرة، أما على مثلنا فلا قدرة قبل الفعل ولم تكن لهم قدرة إلا على الكفر ~~الذي صدر منهم، وأما عند المعتزلة فلا يمتنع وجود القدرة ولكن القدرة غير ~~كافية لوقوع المقدور بل له شرط كالارادة وغيرها، ومن شروطه أن لا ينقلب علم ~~الله تعالى جهلا. والقدرة لا تراد لعينها بل لتيسيير الفعل بها، فكيف يتيسر ms102 ~~فعل يؤدي إلى انقلاب العلم جهلا؟ فاستبان أن هذا واقع في ثبوت التكليف بما ~~هو محال لغيره، فكذا يقاس عليه ما هو محال لذاته إذ لا فرق بينهما في إمكان ~~التلفظ ولا في تصور الاقتضاء ولا في الاستقباح والاستحسان. # الدعوى الثالثة: # ندعي أن الله تعالى قادر على إيلام الحيوان البريء عن الجنايات ولا يلزم ~~عليه ثواب. وقالت المعتزلة إن ذلك محال لأنه قبيح، ولذلك لزمهم المصير إلى ~~أن كل بقة وبرغوث أو ذي بعرة أو صدمة فإن الله عز وجل يجب عليه أن يحشره ~~ويثيبه عليه # PageV01P098 # بثواب، وذهب ذاهبون إلى أن أرواحها تعود بالتناسخ إلى أبدان أخر وينالها ~~من اللذة ما يقابل تعبها؛ وهذا مذهب لا يخفى فساده، ولكنا نقول: أما إيلام ~~البريء عن الجناية من الحيوان والأطفال والمجانين فمقدور بما هو مشاهد ~~محسوس، فيبقى قول الخصم إن ذلك يوجب عليه الحشر والثواب بعد ذلك فيعود إلى ~~معنى الواجب، وقد بان استحالته في حق الله تعالى، وإن فسروه بمعنى رابع فهو ~~غير مفهوم، وإن زعموا أن تركه يناقض كونه حكيما فنقول: إن الحكمة إن اريد ~~بها العلم بنظام الأمور والقدرة على ترتيبها كما سبق فليس في هذا ما ~~يناقضه، وإن أريد بها أمرا آخر فليس يجب له عندنا من الحكم إلا ما ذكرناه، ~~وما وراء ذلك لفظ لا معنى له. # فإن قيل فيؤدي إلى أن يكون ظالما وقد قال: " وما ربك بظلام للعبيد " ~~قلنا: الظلم منفي عنه بطريق السلب المحض كما تسلب الغفلة عن الجدار والعبث ~~عن الريح، فإن الظلم إنما يتصور ممن يمكن أن يصادف فعله ملك غيره، ولا ~~يتصور ذلك في حق الله تعالى أو يمكن أن يكون عليه أمر فيخالف فعله أمر ~~غيره، ولا يتصور من الانسان أن يكون ظالما لما في ملك نفسه بكل ما يفعله ~~إلا إذا خالف أمر الشرع فيكون ظالما بهذا المعنى، فمن لا يتصور منه أن ~~يتصرف في ملك غيره ولا يتصور منه أن يكون تحت أمر غيره كان الظلم مسلوبا ~~عنه ms103 لفقد شرطه المصحح له لا لفقده في نفسه، فلتفهم هذه الدقيقة فإنها مزلة ~~القدم، فإن فسر الظلم بمعنى سوى ذلك فهو غير مفهوم ولا يتكلم فيه بنفي ولا ~~إثبات. ### | الدعوى الرابعة: # ندعي أنه لا يجب عليه رعاية الأصلح لعباده، بل له أن يفعل ما يشاء ويحكم ~~بما يريد، خلافا للمعتزلة فإنهم حجروا على الله تعالى في أفعاله وأوجبوا ~~عليه رعاية الأصلح. ويدل على بطلان ذلك ما دل على نفي الوجوب على الله ~~تعالى كما سبق وتدل عليه المشاهدة والوجود، فإنا نريهم من أفعال الله تعالى ~~ما يلزمهم الاعتراف به بأنه لا صلاح للعبيد فيه، فإنا نفرض ثلاثة أطفال مات ~~أحدهم وهو مسلم في الصبا، وبلغ الآخر وأسلم ومات مسلما بالغا، وبلغ الثالث ~~كافرا ومات على الكفر، فإن العدل عندهم أن يخلد الكافر البالغ في النار، ~~وأن يكون للبالغ المسلم في الجنة رتبة فوق رتبة الصبي المسلم، فإذا قال ~~الصبي المسلم: يا رب لم حططت رتبتي عن رتبته؟ فيقول: لأنه بلغ فأطاعني وأنت ~~لم تطعني بالعبادات بعد البلوغ، فيقول: يا رب لأنك # PageV01P099 # أمتني قبل البلوغ فكان صلاحي في أن تمدني بالحياة حتى أبلغ فأطيع فأنال ~~رتبته فلم حرمتني هذه الرتبة أبد الآبدين وكنت قادرا على أن توصلني لها؟ ~~فلا يكون له جواب إلا أن يقول: علمت أنك لو بلغت لعصيت وما أطعت وتعرضت ~~لعقابي وسخطي فرأيت هذه الرتبة النازلة أولى بك وأصلح لك من العقوبة، ~~فينادي الكافر البالغ من الهاوية ويقول: يا رب أو ما علمت أني إذا بلغت ~~كفرت فلو أمتني في الصبا وأنزلتني في تلك المنزلة النازلة لكان أحب إلي من ~~تخليد النار وأصلح لي، فلم أحييتني وكان الموت خيرا لي؟ فلا يبقى له جواب ~~البتة، ومعلوم أن هذه الأقسام الثلاثة موجودة، وبه يظهر على القطع أن ~~الأصلح للعباد كلهم ليس بواجب ولا هو موجود. ### | الدعوى الخامسة: # ندعي أن الله تعالى إذا كلف العباد فأطاعوه لم يجب عليه الثواب، بل إن ~~شاء أثابهم وإن شاء عاقبهم وإن شاء أعدمهم ms104 ولم يحشرهم، ولا يبالي لو غفر ~~لجميع الكافرين وعاقب جميع المؤمنين، ولا يستحيل ذلك في نفسه ولا يناقض صفة ~~من صفات الإلهية، وهذا لأن التكليف تصرف في عبيده ومماليكه، أما الثواب ~~ففعل آخر على سبيل الابتداء، وكونه واجبا بالمعاني الثلاثة غير مفهوم ولا ~~معنى للحسن والقبيح، وإن أريد له معنى آخر فليس بمفهوم إلا أن يقال إنه ~~يصير وعده كذبا وهو محال، ونحن نعتقد الوجوب بهذا المعنى ولا ننكره. # فإن قيل: التكليف مع القدرة على الثواب وترك الثواب قبيح، قلنا: إن عنيتم ~~بالقبح أنه مخالف غرض المكلف فقد تعالى المكلف وتقدس عن الأغراض، وإن عنيتم ~~به أنه مخالف غرض المكلف مسلم لكن ما هو قبيح عند المكلف لم يمتنع عليه ~~فعله إذا كان القبيح والحسن عنده وفي حقه بمثابة واحدة. على أنا لو نزلنا ~~على فاسد معتقدهم فلا نسلم أن من يستخدم عبده يجب عليه في العادة ثواب، لأن ~~الثواب يكون عوضا عن العمل فتبطل فائدة الرق وحق على العبد أن يخدم مولاه ~~لأنه عبده، فإن كان لأجل عوض فليس ذلك خدمة، ومن العجائب قولهم: إنه يجب ~~الشكر على العباد لأنهم عباد، قضاء لحق نعمته، ثم يجب عليه الثواب على ~~الشكر وهذا محال؛ لأن المستحق إذا وفى لم يلزمه فيه عوض، ولو جاز ذلك للزم ~~على الثواب شكر مجدد وعلى هذا الشكر ثواب مجدد ويتسلسل إلى غير نهاية، ولم ~~يزل العبد والرب كل واحد منهما أبدا مقيدا بحق الآخر، وهو محال. وأفحش من ~~هذا قولهم: إن كل من كفر فيجب على الله تعالى أن يعاقبه أبدا ويخلده في ~~النار، بل كل من قارف كبيرة ومات قبل التوبة يخلد في النار، # PageV01P100 # وهذا جهل بالكرم والمروءة والعقل والعادة والشرع وجميع الأمور، فإنا ~~نقول: العبادة قاضية والعقول مشيرة إلى أن التجاوز والصفح أحسن من العقوبة، ~~والانتقام وثناء الناس على العافي أكثر من ثنائهم للمنتقم، واستحسانهم ~~للعفو أشد، فكيف يستقبح العفو والإنعام ويستحسن طول الانتقام! ثم هذا في حق ~~من أذته الجناية وغضت من ms105 قدره المعصية، والله تعالى يستوي في حقه الكفر ~~والايمان والطاعات والعصيان فهما في حق إلاهيته وجلاله سيان، ثم كيف يستحسن ~~أن سلك طريق المجازاة واستحسن ذلك تأييد العقاب خالدا مخلدا في مقابلته ~~العصيان بكلمة واحدة في لحظة. ومن انتهى عقله في الاستحسان إلى هذا الحد ~~كانت دار المرضى أليق به من مجامع العلماء. على أنا نقول: لو سلك سالك ضد ~~هذا الطريق بعينه كان أقوم قيلا وأجرى على قانون الاستحسان والاستقباح الذي ~~تقضي به الأوهام والخيالات كما سبق، وهو أن نقول: الانسان يقبح منه أن ~~يعاقب على جناية سبقت وجناية تداركها إلا لوجهين: أحدهما، أن يكون في ~~العقوبة زجر ورعاية مصلحة في المستقبل فيحسن ذلك خيفة من فوات غرض في ~~المستقبل، فإن لم يكن فيه مصلحة في المستقبل أصلا فالعقوبة بمجرد المجازاة ~~على ما سبق قبيح لأنه لا فائدة فيه للمعاقب ولا لأحد سواه، والجاني متأذ به ~~ودفع الأذى عنه أحسن، وإنما يحسن الأذى لفائدة ولا فائدة، وما مضى فلا ~~تدارك له فهو في غاية القبح. # والوجه الثاني، أن نقول: إنه إذا تأذى المجني عليه واشتد غيظه فذلك الغيظ ~~مؤلم وشفاء الغيظ مريح من الألم، والألم بالجاني أليق، ومهما عاقب الجاني ~~زال منه ألم الغيظ واختص بالجاني فهو أولى، فهذا أيضا له وجه ما وإن كان ~~دليلا على نقصان العقل وغلبة الغضب عليه. فأما إيجاب العقاب حيث لا يتعلق ~~بمصلحة في المستقبل لأحد في عالم الله تعالى ولا فيه دفع أذى عن المجني ~~عليه ففي غاية القبح، فهذا أقوم من قول من يقول إن ترك العقاب في غاية ~~القبح، والكل باطل واتباع الموجب الأوهام التي وقعت بتوهم الأغراض، والله ~~تعالى متقدس عنها ولكنا أردنا معارضة الفاسد ليتبين به بطلان خيالهم. ### | الدعوى السادسة: # ندعي أنه لو لم يرد الشرع لما كان يجب على العباد معرفة الله تعالى وشكر ~~نعمته، خلافا للمعتزلة، حيث قالوا إن العقل بمجرده موجب، وبرهانه أن نقول: ~~العقل يوجب النظر وطلب المعرفة لفائدة مرتبة عليه أو مع الاعتراف ms106 بأن وجوده ~~وعدمه # PageV01P101 # في حق الفوائد عاجلا وآجلا بمثابة واحدة، فإن قلتم: يقتضي بالوجوب مع ~~الاعتراف بأنه لا فائدة فيه قطعا عاجلا وآجلا فهذا حكم الجهل لا حكم العقل، ~~فإن العقل لا يأمل بالعبث، وكلما هو خال عن الفوائد كلها فهو عبث، وإن كان ~~لفائدة فلا يخلو إما أن ترجع إلى المعبود تعالى وتقدس عن الفوائد، وإن رجعت ~~إلى العبد فلا يخلو أن يكون في الحال أو في المآل، أما في الحال فهو تعب لا ~~فائدة فيه وأما في المآل فالمتوقع الثواب. ومن أين علمتم أنه يثاب على فعله ~~بل ربما يعاقب على فعله، فالحكم عليه بالثواب حماقة لا أصل لها.. # فإن قيل: يخطر بباله أن له ربا إن شكره أثابه وأنعم عليه وإن كفر أنعمه ~~عاقبه عليه، ولا يخطر بباله البتة جواز العقوبة على الشكر والاحتزاز عن ~~الضرر الموهوم في قضية العقل كالاحتراز عن العلوم. # قلنا: نحن لا ننكر أن العاقل يستحثه طبعه عن الاحتراز من الضرر موهوما ~~ومعلوما، فلا يمنع من إطلاق اسم الايجاب على هذا الاستحثاث فإن الاصطلاحات ~~لا مشاحة فيها، ولكن الكلام في ترجيح جهة الفعل على جهة الترك في تقرير ~~الثواب بالعقاب مع العلم بأن الشكر وتركه في حق الله تعالى سيان لا كالواحد ~~منا فإنه يرتاح بالشكر والثناء ويهتز له ويستلذه ويتآلم بالكفران ويتأذى ~~به، فإذا ظهر استواء الأمرين في حق الله تعالى فالترجيح لأحد الجانبين ~~محال، بل ربما يخطر بباله نقيضه وهو أنه يعاقب على الشكر لوجهين: أحدهما، ~~أن اشتغاله به تصرف في فكره وقلبه باتعابه صرفه عن الملاذ والشهوات وهو عبد ~~مربوب خلق له شهوة ومكن من الشهوات، فلعل المقصود أن يشتغل بلذات نفسه ~~واستيفاء نعم الله تعالى وأن لا يتعب نفسه فيما لا فائدة لله فيه فهذا ~~الاحتمال أظهر. الثاني، أن يقيس نفسه على من يشكر ملكا من الملوك بأن يبحث ~~عن صفاته وأخلاقه ومكانه وموضع نومه مع أهله وجميع أسراره الباطنة مجازاة ~~على إنعامه عليه، فيقال له أنت بهذا الشكر ms107 مستحق لحز الرقبة، فما لك ولهذا ~~الفضول ومن أنت حتى تبحث عن أسرار الملوك وصفاتهم وأفعالهم وأخلاقهم، ~~ولماذا لا تشتغل بما يهمك، فالذي يطلب معرفة معرفة الله تعالى كأنه إن تعرف ~~دقائق صفات الله تعالى وأفعاله وحكمته وأسراره في أفعاله وكل ذلك مما لا ~~يؤهل له إلا من له منصب فمن أين عرف العبد أنه مستحق لهذا المنصب؟ فاستبان ~~أن ما أخذهم أنهام رسخت منهم من العادات، تعارضها أمثالها ولا محيص عنها. # فإن قيل: فإن لم يكن مدركا لوجوب مقتضى العقول أدى ذلك إلى إفحام # PageV01P102 # الرسول، فإنه إذا جاء بالمعجزة وقال انظروا فيها، فللمخاطب أن يقول إن لم ~~يكن النظر واجبا فلا اقدم عليه وإن كان واجبا فيستحيل أن يكون مدركه العقل، ~~والعقل لا يوجب، ويستحيل أن يكون مدركه الشرع، والشرع لا يثبت إلا بالنظر ~~في المعجزة ولا يجب النظر قبل ثبوت الشرع فيؤدي إلى أن لا يظهر صحة النبوة ~~أصلا. والجواب أن هذا السؤال مصدره الجهل بحقيقة الوجوب، وقد بينا أن معنى ~~الوجوب ترجيح جانب الفعل على الترك بدفع ضرر موهوم في الترك أو معلوم، وإذا ~~كان هذا هو الوجوب فالموجب هو المرجح وهو الله تعالى، فإنه إذا ناط العقاب ~~بترك النظر ترجح فعله على تركه، ومعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم إنه ~~واجب مرجح بترجح الله تعالى في ربطه العقاب بأحدهما. وأما المدرك فعبارة عن ~~جهة معرفة الوجوب لا عن نفس الوجوب، وليس شرط الواجب أن يكون وجوبه معلوما، ~~بل أن يكون علمه متمكنا لمن أراده. فيقول النبي إن الكفر سم مهلك والإيمان ~~شفاء مسعد بأن جعل الله تعالى أحدهما مسعدا والآخر مهلكا، ولست أوجب عليك ~~شيئا، فزن الايجاب هو الترجيح والمرجح هو الله تعالى وإنما أنا مخبر عن ~~كونه سم ومرشد لك إلى طريق تعرف به صدقي وهو النظر في المعجزة، فإن سلكت ~~الطريق عرفت ونجوت؛ وإن تركت هلكت. ومثاله مثال طبيب انتهى إلى مريض وهو ~~متردد بين دوائين موضوعين بين يديه، فقال له أما هذا ms108 فلا تتناوله فإنه لهلك ~~للحيوان وأنت قادر على معرفته بأن تطعمه هذا السنور فيموت على الفور فيظهر ~~لك ما قلته. وأما هذا ففيه شفاؤك وأنت قادر على معرفته بالتجربات وهو إن ~~تشربه فتشفى فلا فرق في حقي ولا في حق أستاذي بين أن يهلك أو يشفى فإن ~~أستاذي غني عن بقائك وأنا أيضا كذلك، فعند هذا لو قال المريض هذا يجب علي ~~بالعقل أو بقولك وما لم يظهر لي هذا لم أشتغل بالتجربة كان مهلكا نفسه ولم ~~يكن عليه ضرر، فكذلك النبي قد أخبره الله تعالى بأن الطاعة شفاء والمعصية ~~داء وأن الإيمان مسعد والكفر مهلك وأخبره بأنه غني عن العالمين سعدوا أم ~~شقوا فإنما شأن الرسول أن يبلغ ويرشد إلى طريقة المعرفة وينصرف، فمن نظر ~~فلنفسه ومن قصر فعليها، وهذا واضح. فإن قيل: فقد رجع الأمر إلى أن العقل هو ~~الموجب من حيث أنه بسماع كلامه ودعواه يتوقع عقابا فيحمله العقل على الحذر ~~ولا يحصل إلا بالنظر فيوجب عليه النظر، قلنا: الحق الذي يكشف الغطاء في هذا ~~من غير اتباع وهم وتقليد أمر هو أن الوجوب كما بأن عبارة عن نوع رجحان في ~~الفعل، والموجب هو الله تعالى لأنه هو المرجح، والرسول مخبر عن الترجيح، ~~والمعجزة دليل على صدقه في الخبر، والنظر # PageV01P103 # سبب في معرفة الصدق، والعقل آلة النظر # والفهم معنى الخبر، والطبع مستحث على الحذر بعد فهم المحذور بالعقل، فلا ~~بد من طبع يخالفه العقوبة للدعوة ويوافقه الثواب الموعود ليكون مستحثا، ~~ولكن لا يستحث ما لم يفهم المحذور ولم يقدره ظنا أو علما، ولا يفهم إلا ~~بالعقل والعقل لا يفهم الترجيح بنفسه بل بسماعه من الرسول، والرسول لا يرجح ~~الفعل على الترك بنفسه بل الله هو المرجح والرسول مخبر، وصدق الرسول لا ~~يظهر بنفسه بل المعجز، والمعجزة لا تدل ما لم ينظر فيها، والنظر بالعقل، ~~فإذا قد انكشفت المعاني، والصحيح في الألفاظ أن يقال: الوجوب هو الرجحان ~~والموجب هو الله تعالى، والمخبر هو الرسول، المعرف للمحذور وصدق الرسول ms109 هو ~~العقل، والمستحث على سلوك سبب الخلاص وهو الطبع، وكذلك ينبغي أن يفهم الحق ~~في هذه المسألة ولا يلتفت إلى الكلام المعتاد الذي لا يشفي الغليل ولا يزيل ~~الغموض. لفهم معنى الخبر، والطبع مستحث على الحذر بعد فهم المحذور بالعقل، ~~فلا بد من طبع يخالفه العقوبة للدعوة ويوافقه الثواب الموعود ليكون مستحثا، ~~ولكن لا يستحث ما لم يفهم المحذور ولم يقدره ظنا أو علما، ولا يفهم إلا ~~بالعقل والعقل لا يفهم الترجيح بنفسه بل بسماعه من الرسول، والرسول لا يرجح ~~الفعل على الترك بنفسه بل الله هو المرجح والرسول مخبر، وصدق الرسول لا ~~يظهر بنفسه بل المعجز، والمعجزة لا تدل ما لم ينظر فيها، والنظر بالعقل، ~~فإذا قد انكشفت المعاني، والصحيح في الألفاظ أن يقال: الوجوب هو الرجحان ~~والموجب هو الله تعالى، والمخبر هو الرسول، المعرف للمحذور وصدق الرسول هو ~~العقل، والمستحث على سلوك سبب الخلاص وهو الطبع، وكذلك ينبغي أن يفهم الحق ~~في هذه المسألة ولا يلتفت إلى الكلام المعتاد الذي لا يشفي الغليل ولا يزيل ~~الغموض. ### | الدعوى السابعة: # ندعي أن بعثة الأنبياء جائز، وليس بمحال ولا واجب، وقالت المعتزلة إنه ~~واجب، وقد سبق وجه الرد عليهم. وقالت البراهمة إنه محال، وبرهان الجواز أنه ~~مهما قام الدليل على أن الله تعالى متكلم وقام الدليل على أنه قادر لا يعجز ~~على أن يدل على كلام النفس بخلق ألفاظ وأصوات ورقوم أو غيرها من الدلالات، ~~وقد قام دليل على جواز إرسال الرسل، فإنا لسنا نعني به إلا أن يقوم بذات ~~الله تعالى خبر عن الأمر النافع في الآخرة والأمر الضار بحكم إجراء العادة، ~~ويصدر منه فعل هو دلالة الشخص على ذلك الخبر وعلى أمره بتبليغ الخبر، ويصدر ~~منه فعل خارق للعادة مقرونا # PageV01P104 # بدعوى ذلك الشخص الرسالة، فليس شيء من ذلك محالا لذاته، فإنه يرجع إلى ~~كلام النفس وإلى اختراع ما هو دلالة على الكلام وما هو مصدق للرسول وإن حكم ~~باستحالة ذلك من حيث الاستقباح والاستحسان، فقد استأصلنا هذا الأصل في ms110 حق ~~الله تعالى ثم لا يمكن أن يدعي قبح إرسال الرسول على قانون الاستقباح، ~~فالمعتزلة مع المصير إلى ذلك لم يستقبحوا هذا فليس إدراك قبحه ولا إدراك ~~امتناعه في ذاته ضروريا فلا بد من ذكر سببه. وغاية ما هو به ثلاثة شبه: ~~الأولى: قولهم: إنه لو بعث النبي بما تقتضيه العقول ففي العقول غنية عنه ~~وبعثة الرسول عبث، وذلك وعلى الله محال، وإن بعث بما يخالف العقول استحال ~~التصديق والقبول. # الثانية: إنه يستحيل العبث لأنه يستحيل تعريف صدقه، لأن الله تعالى لو ~~شافه الخلق بتصديقه وكلمهم جهارا فلا حاجة إلى رسول، وإن لم يشافه به ~~فغايته الدلالة على صدقه بفعل خارق للعادة، ولا يتميز ذلك عن السحر ~~والطلسمات وعجائب الخواص وهي خارقة للعادات عند من لا يعرفها، وإذا استويا ~~في خرق العادة لم يؤمن ذلك فلا يحصل العلم بالتصديق. # الثالثة: إنه إن عرف تمييزها عن السحر والطلسمات والتخيلات فمن أين يعرف ~~الصدق؟ ولعل الله تعالى أراد إضلالنا وإغواءنا بتصديقه ولعل كل ما قال ~~النبي إنه مسعد فهو مشقي، وكلما قال مشقي فهو مسعد، ولكن الله أراد أن ~~يسوقنا إلى الهلاك ويغوينا بقول الرسول، فإن الإضلال والإغواء غير محال على ~~الله تعالى عندكم، إذ العقل لا يحسن ولا يقبح؛ وهذه أقوى شبهة ينبغي أن ~~يجادل بها المعتزلي عند رومه إلزام القول بتقبيح العقل، إذ يقول: إن لم يكن ~~الاغواء قبيحا فلا يعرف صدق الرسل قط ولا يعلم أنه ليس باضلال. والجواب أن ~~نقول: # أما الشبهة الأولى فضعيفة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم يرد مخبرا بما ~~لا تشتغل العقول بمعرفته، ولكن تستقل بفهمه إذا عرف، فإن العقل لا يرشد إلى ~~النافع والضار من الأعمال والأقوال والأخلاق والعقائد، ولا يفرق بين المشقى ~~والمسعد، كما لا يستقل بدرك خواص الأدوية والعقاقير، ولكنه إذا عرف فهم ~~وصدق وانتفع بالسماع فيجتنب الهلاك ويقصد المسعد، كما ينتفع بقول الطبيب في ~~معرفة الداء والدواء، ثم كما يعرف صدق الطبيب بقرائن الأحوال وأمور أخر، ~~فكذلك يستدل على صدق ms111 الرسول عليه السلام بمعجزات وقرائن وحالات فلا فرق. # فأما الشبهة الثانية، وهو عدم تمييز المعجزة عن السحر والتخيل، فليس ~~كذلك. فإن أحدا من العقلاء لم يجوز انتهاء السحر إلى إحياء الموتى، وقلب ~~العصا ثعبانا، # PageV01P105 # وفلق القمر، وشق البحر، وإبراء الأكمه والأبرص، وأمثال ذلك. والقول ~~الوجيز إن هذا القائل إن ادعى أن كل مقدور لله تعالى فهو ممكن تحصيله ~~بالسحر فهو قول معلوم الاستحالة بالضرورة، وإن فرق بين فعل قوم وفعل قوم ~~فقد تصور تصديق الرسول بما يعلم أنه ليس من السحر ويبقى النظر بعده في ~~أعيان الرسل عليهم السلام وآحاد المعجزات وأن ما أظهروه من جنس ما يمكن ~~تحصيله بالسحر أم لا، ومهما وقع الشك فيه لم يحصل التصديق به ما لم يتحد به ~~النبي على ملأ من أكابر السحرة ولم يمهلهم مدة المعارضة ولم يعجزوا عنه، ~~وليس الآن من غرضنا آحاد المعجزات. # وأما الشبهة الثالثة، وهو تصور الإغواء من الله تعالى والتشكيك لسبب ذلك، ~~فنقول: مهما علم وجه دلالة المعجزة على صدق النبي، علم أن ذلك مأمون عليه، ~~وذلك بأن يعرف الرسالة ومعناها ويعرف وجه الدلالة فنقول: لو تحدى إنسان بين ~~يدي ملك على جنده أنه رسول الملك إليهم وأن الملك أوجب طاعته عليهم في قسمة ~~الأرزاق والاقطاعات، فطالبوه بالبرهان والملك ساكت، فقال: أيها الملك إن ~~كنت صادقا في ما ادعيته فصدقني بأن تقوم على سريرك ثلاث مرات على التوالي ~~وتقعد على خلاف عادتك؛ فقام الملك عقيب التماسه على التوالي ثلاث مرات ثم ~~قعد، حصل للحاضرين على ضروري بأنه رسول الملك قبل أن يخطر ببالهم أن هذا ~~الملك من عادته الإغواء أم يستحيل في حقه ذلك. بل لو قال الملك صدقت وقد ~~جعلت رسولا ووكيلا لعلم أنه وكيل ورسول، فإذا خالف العادة بفعله كان ذلك ~~كقوله أنت رسولي، وهذا ابتداء نصب وتولية وتفويض، ولا يتصور الكذب في ~~التفويض وإنما يتصور في الإخبار، والعلم يكون هذا تصديقا وتفويضا ضروريا، ~~ولذلك لم ينكر أحد صدق الأنبياء من هذه الجهة، بل أنكروا ms112 كون ما جاء به ~~الأنبياء خارقا للعادة وحملوه على السحر والتلبيس أو أنكروا وجود رب متكلم ~~آمر ناه مصدق مرسل، فأما من اعترف بجميع ذلك واعترف بكون المعجزة فعل الله ~~تعالى حصل له العلم الضروري بالتصديق. فإن قيل: فهب أنهم رأوا الله تعالى ~~بأعينهم وسمعوه بآذانهم وهو يقول هذا رسولي ليخبركم بطريق سعادتكم ~~وشقاوتكم، فما الذي يؤمنكم أنه أغوى الرسول والمرسل إليه وأخبر عن المشقى ~~بأنه مسعد وعن المسعد بأنه مشقى فإن ذلك غير محال إذا لم تقولوا بتقبيح ~~العقول؟ بل لو قدر عدم الرسول ولكن قال الله تعالى شفاها وعيانا ومشاهدة: ~~نجاتكم في الصوم والصلاة والزكاة وهلاككم في تركها، فبم نعلم صدقه؟ فلعله ~~يلبس علينا ليغوينا ويهلكنا، فإن الكذب عندكم ليس قبيحا لعينه وإن كان ~~قبيحا فلا يمتنع على الله تعالى ما هو قبيح وظلم، وما فيه فيه هلاك الخلق ~~أجمعين. # PageV01P106 # والجواب: إن الكذب مأمون عليه، فإنه إنما يكون في الكلام وكلام الله ~~تعالى ليس بصوت ولا حرف حتى يتطرق إليه التلبيس بل هو معنى قائم بنفسه ~~سبحانه، فكل ما يعلمه الإنسان يقوم بذاته خبر عن معلومه على وفق علمه ولا ~~يتصور الكذب فيه، وكذلك في حق الله تعالى. وعلى الجملة: الكذب في كلام ~~النفس محال وفي ذلك الأمن عما قالوه. وقد اتضح بهذا أن الفعل مهما علم أنه ~~فعل الله تعالى وأنه خارج عن مقدور البشر واقترن بدعوى النبوة حصل العلم ~~الضروري بالصدق وكان الشك من حيث الشك في أنه مقدور البشر أم لا، فأما بعد ~~معرفته كونه من فعل الله تعالى لا يبقى للشك مجال أصلا البتة. فإن قيل فهل ~~تجوزون الكرامات؟ قلنا: اختلف الناس فيه، والحق ذلك جائز فإنه يرجع إلى خرق ~~الله تعالى العادة بدعاء إنسان أو عند حاجته وذلك مما لا يستحيل في نفسه ~~لأنه ممكن، ولا يؤدي إلى محال آخر، فإنه لا يؤدي إلى بطلان المعجزة لأن ~~الكرامة عبارة عما يظهر من غير اقتران التحدي به، فإن كان مع التحدي فإنا ~~نسميه معجزة ms113 ويدل بالضرورة على صدق المتحدي؛ وإن لم تكن دعوى فقد يجوز ظهور ~~ذلك على يد فاسق لأنه مقدور في نفسه؛ فإن قيل: فهل من المقدور إظهار معجزة ~~على يد كاذب؟ قلنا: المعجزة مقرونة بالتحدي منه سبحانه نازلة منزلة قوله ~~صدقت وأنت رسول، وتصديق الكاذب محال لذاته وكل من قال له أنت رسولي صار ~~رسولا وخرج عن كونه كاذبا، فالجمع بين كونه كاذبا وبين ما ينزل منزلة قوله ~~أنت رسولي محال لأن معنى كونه كاذبا أنه ما قيل له أنت رسولي، ومعنى ~~المعجزة أنه قيل له أنت رسولي؛ فإن فعل الملك على ما ضربنا من المثال كقوله ~~أنت رسولي بالضرورة، فاستبان أن هذا غير مقدور لأنه محال والمحال لا قدرة ~~عليه. فهذا تمام هذا القطب ولنشرع في ### | إثبات نبوة نبينا محمد # صلى الله عليه وسلم وإثبات ما اخبر هو عنه والله أعلم. # PageV01P107 ### | القطب الرابع # إثبات نبوة نبينا محمد ### | صلى الله عليه وسلم وإثبات ما أخبر هو عنه # وفيه أربعة أبواب: ### | الباب الأول # : في اثبات نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم. # الباب الثاني: في بيان إن ما جاء به من الحشر والنشر والصراط والميزان ~~وعذاب القبر حق، وفيه مقدمة وفصلان. # الباب الثالث: فيه نظر في ثلاثة أطراف. # الباب الرابع: في بيان من يجب تكفيره من الفرق ومن لا يجب، والاشارة إلى ~~القوانين التي ينبغي أن يعول عليها في التكفير، وبه اختتام الكتاب. # PageV01P109 ### | الباب الأول ### | في اثبات نبوة نبينا محمد ### | صلى الله عليه وسلم # وإنما نفتقر إلى إثبات نبوته، على الخصوص، وعلى ثلاثة فرق: الفرقة ~~الأولى، العيسوية: حيث ذهبوا إلى أنه رسول إلى العرب فقط لا إلى غيرهم، ~~وهذا ظاهر البطلان فإنهم اعترفوا بكونه رسولا حقا، ومعلوم أن الرسول لا ~~يكذب، وقد ادعى هو أنه رسول مبعوث إلى الثقلين، وبعث رسوله إلى كسرى وقيصر ~~وسائر ملوك العجم وتواتر ذلك منه فما قالوه محال متناقض. # الفرقة الثانية، اليهود: فإنهم انكروا صدقه لا بخصوص نظر فيه وفي ~~معجزاته، بل زعموا أنه لا نبي بعد موسى ms114 عليه السلام، فأنكروا نبوة محمد ~~وعيسى عليهما السلام. فينبغي أن تثبت عليهم نبوة عيسى لأنه ربما يقصر فهمهم ~~عن درك إعجاز القرآن ولا يقصرون عن درك إعجاز إحياء الموتى وإبراء الأكمه ~~والأبرص فيقال لهم ما الذي حملكم على التفريق بين من يستدل على صدقه بإحياء ~~الموتى وبين من يستدل بقلب العصا ثعبانا؟ ولا يجدون إليه سبيلا البتة، إلا ~~أنهم ضلوا بشبهتين: إحداهما، قولهم: النسخ محال في نفسه لأنه يدل على البدء ~~والتغيير وذلك محال على الله تعالى، والثانية لفهم بعض الملحدة أن يقولوا: ~~قد قال موسى عليه السلام: عليكم بديني ما دامت السموات والأرض، وإنه قال ~~إني خاتم الأنبياء. # أما الشبهة الأولى فبطلانها بفهم النسخ، وهو عبارة عن الخطاب الدال على ~~ارتفاع الحكم الثابت المشروط استمراره بعد لحقوق خطاب يرفعه، وليس من ~~المحال أن يقول السيد لعبده قم مطلقا، ولا يبين له مدة القيام، وهو يعلم أن ~~القيام مقتضى منه إلى وقت بقاء مصلحته في القيام، ويعلم مدة مصلحته ولكن لا ~~ينبه عليها، ويفهم العبد أنه مأمور بالقيام مطلقا وأن الواجب الاستمرار ~~عليه أبدا إلا أن يخاطبه السيد بالقعود؛ فإذا خاطبه بالقعود قعد ولم يتوهم ~~بالسيد أنه بدا له أو ظهرت له مصلحة كان لا يعرفها، والآن قد عرفها، بل ~~يجوز أن يكون قد عرف مدة مصلحة القيام وعرف أن الصلاح في أن لا ينبه العبد ~~عليها ويطلق الأمر له إطلاقا حتى يستمر على الامتثال، ثم إذا تغيرت مصلحته ~~أمره بالقعود، فهكذا ينبغي أن يفهم اختلاف # PageV01P111 # أحكام الشرائع. فإن ورود النبي ليس بناسخ لشرع من قبله بمجرد بعثته، ولا ~~في معظم الأحكام، ولكن في بعض الأحكام كتغير قبلة وتحليل محرم وغير ذلك، ~~وهذه المصالح تختلف بالأعصار والأحوال فليس فيه ما يدل على التغير ولا على ~~الاستبانة بعد الجهل ولا على التناقض. ثم هذا إنما يستمر لليهود إذ لو ~~اعتقدوا أنه لم يكن شريعة من لدن آدم إلى زمن موسى لم ينكروا وجود نوح ~~وإبراهيم وشرعهما، ولا يتميزون فيه عمن ينكر ms115 نبوة موسى وشرعه وكل ذلك إنكار ~~ما علم على القطع بالتواتر. # وأما الشبهة الثانية فسخيفة من وجهين. أحدهما، أنه لو صح ما قالوه عن ~~موسى لما ظهرت المعجزات على يد عيسى، فإن ذلك تصديق بالضرورة، فكيف يصدق ~~الله بالمعجزة من يكذب موسى وهو أيضا مصدق له، أفتنكرون معجزة عيسى وجودا ~~أو تنكرون إحياء الموتى دليلا على صدق المتحدي؟ فإن أنكروا شيئا منهم لزمهم ~~في شرع موسى لزوما لا يجدون عنه محيصا، وإذا اعترفوا به لزمهم تكذيب من نقل ~~إليهم من موسى عليه السلام قوله إني خاتم الأنبياء. والثاني: أن هذه الشبهة ~~إنما لقنوها بعد بعثة نبينا محمد عليه السلام وبعد وفاته، ولو كانت صحيحة ~~لاحتج اليهود بها وقد حملوا بالسيف على الاسلام، وكان رسولنا عليه السلام ~~مصدقا بموسى عليه السلام وحاكما على اليهود بالتوراة في حكم الرجم وغيره، ~~فلا عرض عليه من التوارة ذلك، وما الذي صرفهم عنه ومعلوم قطعا أن اليهود لم ~~يحتجوا به لأن ذلك لو كان لكان مفحما لا جواب عنه ولتواتر نقله، ومعلوم ~~أنهم لم يتركوه مع القدرة عليه ولقد كانوا يحرصون على الطعن في شرعه بكل ~~ممكن حماية لدمائهم وأموالهم ونسائهم، فإذا ثبت عليهم نبوة عيسى أثبتنا ~~نبوة نبينا عليه السلام بما نثبتها على النصارى. # الفرقة الثالثة، وهم يجوزون النسخ ولكنهم ينكرون نبوة نبينا من حيث أنهم ~~ينكرون معجزته في القرآن. وفي إثبات نبوته بالمعجزة طريقتان: # الطريقة الأولى، التمسك بالقرآن، فإنا نقول: لا معنى للمعجزة إلا ما ~~يقترن بتحدي النبي عند استشهاده على صدقه على وجه يعجز الخلق عن معارضته، ~~وتحديه على العرب مع شغفهم بالفصاحة وإغراقهم فيها متواتر، وعدم المعارضة ~~معلوم، إذ لو كان لظهر، فإن أرذل الشعراء لما تحدوا بشعرهم وعورضوا ظهرت ~~المعارضات والمناقضات الجارية بينهم، فإذا لا يمكن إنكار تحديه بالقرآن ولا ~~يمكن إنكار اقتدار العرب على طريق الفصاحة ولا يمكن انكار حرصهم على دفع ~~نبوته بكل ممكن حماية لدينهم ودمهم ومالهم وتخلصا من سطوة المسلمين وقهرهم، ~~ولا يمكن إنكار عجزهم # PageV01P112 # لأنهم ms116 لو قدروا لفعلوا، فإن العادة قاضية بالضرورة بأن القادر على دفع ~~الهلاك عن نفسه يشتغل بدفعه، ولو فعلوا لظهر ذلك ونقل. فهذه مقدمات بعضها ~~بالتواتر وبعضها بجاري العادات وكل ذلك مما يورث اليقين فلا حاجة إلى ~~التطويل. وبمثل هذا الطريق تثبت نبوة عيسى ولا يقدر النصراني على إنكار شيء ~~من ذلك؛ فإنه يمكن أن يقابل بعيسى فينكر تحديه بالنبوة أو استشهاده باحياء ~~الموتى أو وجود إحياء الموتى أو عدم المعارضة أو يقال عورض ولم يظهر، وكل ~~ذلك مجاحدات لا يقدر عليها المعترف بأصل النبوات، فإن قيل: ما وجه إعجاز ~~القرآن؟ قلنا الجزالة والفصاحة مع النظم العجيب والمنهاج الخارج عن مناهج ~~كلام العرب في خطبهم وأشعارهم وسائر صنوف كلامهم، والجمع بين هذا النظم ~~وهذه الجزالة معجز خارج عن مقدور البشر، نعم ربما يرى للعرب أشعار وخطب حكم ~~فيها بالجزالة، وربما ينقل عن بعض من قصد المعارضة مراعاة هذا النظم بعد ~~تعلمه من القرآن، ولكن من غير جزالة بل مع ركاكة كما يحكى عن ترهات مسيلمة ~~الكذاب حيث قال: الفيل وما أدراك ما الفيل له ذنب وثيل وخرطوم طويل. فهذا ~~وأمثاله ربما يقدر عليه مع ركاكة يستغثها الفصحاء ويستهزؤون بها، وأما ~~جزالة القرآن فقد قضى كافة العرب منها العجب ولم ينقل عن واحد منهم تشبث ~~بطعن في فصاحته، فهذا إذا معجز وخارج عن مقدور البشر من هذين الوجهين، أعني ~~من اجتماع هذين الوجهين، فإن قيل: لعل العرب اشتغلت بالمحاربة والقتال فلم ~~تعرج على معارضة القرآن ولو قصدت لقدرت عليه، أو منعتها العوائق عن ~~الاشتغال به، والجواب أن ما ذكروه هوس، فإن دفع تحدي المتحدي بنظم كلام ~~أهون من الدفع بالسيف مع ما جرى على العرب من المسلمين بالأسر والقتل ~~والسبي وشن الغارات، ثم ما ذكروه غير دافع غرضنا، فإن انصرافهم عن المعارضة ~~لم يكن إلا بصرف من الله تعالى، والصرف عن المقدور المعتاد من أعظم ~~المعجزات، فلو قال نبي آية صدقي أني في هذا اليوم أحرك أصبعي ولا يقدر أحد ~~من البشر ms117 على معارضتي، فلم يعارضه أحد في ذلك اليوم، ثبت صدقه، وكان فقد ~~قدرتهم على الحركة مع سلامة الأعضاء من أعظم المعجزات. وإن فرض وجود القدرة ~~ففقد داعيتهم وصرفهم عن المعارضة من أعظم المعجزات، مهما كانت حاجتهم ماسة ~~إلى الدفع باستيلاء النبي على رقابهم وأموالهم، وذلك كله معلوم على ~~الضرورة. فهذا طريق تقدير نبوته على النصارى، ومهما تشبثوا بانكار شيء من ~~هذه الأمور الجليلة فلا تشتغل إلا بمعارضتهم بمثله في معجزات عيسى عليه ~~السلام. # PageV01P113 # الطريقة الثانية: أن تثبت نبوته بجملة من الأفعال الخارقة للعادات التي ~~ظهرت عليه، كانشقاق القمر، ونطق العجماء، وتفجر الماء من بين أصابعه، ~~وتسبيح الحصى في كفه، وتكثير الطعام القليل، وغيره من خوارق العادات، وكل ~~ذلك دليل على صدقه. فإن قيل: آحاد هذه الوقائع لم يبلغ نقلها مبلغ التواتر. ~~قلنا: ذلك أيضا إن سلم فلا يقدح في العرض مهما كان المجموع بالغا مبلغ ~~التواتر، وهذا كما أن شجاعة علي رضوان الله عليه وسخاوة حاتم معلومان ~~بالضرورة على القطع تواترا، وآحاد تلك الوقائع لم تثبت تواترا، ولكن يعلم ~~من مجموع الآحاد على القطع ثبوت صفة الشجاعة والسخاوة، فكذلك هذه الأحوال ~~العجيبة بالغة جملتها مبلغ التواتر، لا يستريب فيها مسلم أصلا. فإن قال ~~قائل من النصارى: هذه الأمور لم تتواتر عندي لا جملتها ولا آحادها. فيقال: ~~ولو انحاز يهودي إلى قطر من الأقطار ولم يخالط النصارى وزعم أنه لم تتواتر ~~عنده معجزات عيسى، وإن تواترت فعلى لسان النصارى وهم مهتمون به، فبماذا ~~ينفصلون عنه؟ ولا انفصال عنه إلا أن يقال: ينبغي أن يخالط القوم الذين ~~تواتر ذلك بينهم حتى يتواتر ذلك إليك، فإن الأصم لا تتواتر عنده الأخبار، ~~وكذا المتصامم، فهذا أيضا عذرنا عند إنكار واحد منهم التواتر على هذا ~~الوجه. # PageV01P114 ### | الباب الثاني ### | في بيان وجوب التصديق بأمور ### | ورد بها الشرع وقضى بجوازها العقل # وفيه مقدمة وفصلان، أما المقدمة: فهو أن ما لا يعلم بالضرورة ينقسم إلى ~~ما يعلم بدليل العقل دون الشرع، وإلى ما يعلم بالشرع دون العقل، وإلى ms118 ما ~~يعلم بهما. أما المعلوم بدليل العقل دون الشرع فهو حدث العالم ووجود المحدث ~~وقدرته وعلمه وارادته، فإن كل ذلك ما لم يثبت لم يثبت الشرع، إذ الشرع يبنى ~~على الكلام فإن لم يثبت كلام النفس لم يثبت الشرع. فكل ما يتقدم في الرتبة ~~على كلام النفس يستحيل إثباته بكلام النفس وما يستند إليه ونفس الكلام أيضا ~~فيما اخترناه لا يمكن اثباته بالشرع. ومن المحققين من تكلف ذلك وادعاه كما ~~سبقت الاشارة إليه. # وأما المعلوم بمجرد السمع فتخصيص أحد الجائزين بالوقوع فإن ذلك من موافق ~~العقول، وإنما يعرف من الله تعالى بوحي والهام ونحن نعلم من الوحي إليه ~~بسماع كالحشر والنشر والثواب والعقاب وأمثالهما، وأما المعلوم بهما فكل ما ~~هو واقع في مجال العقل ومتأخر في الرتبة عن إثبات كلام الله تعالى كمسألة ~~الرؤية وانفراد الله تعالى بخلق الحركات والأغراض كلها وما يجري هذا ~~المجرى، ثم كلما ورد السمع به ينظر، فإن كان العقل مجوزا له وجب التصديق به ~~قطعا إن كانت الأدلة السمعية قاطعة في متنها ومستندها لا يتطرق إليها ~~احتمال، وجب التصديق بها ظنا إن كانت ظنية، فإن وجوب التصديق باللسان ~~والقلب عمل يبنى على الأدلة الظنية كسائر الأعمال فنحن نعلم قطعا إنكار ~~الصحابة على من يدعي كون العبد خالقا لشيء من الأشياء وعرض من الأعراض، ~~وكانوا ينكرون ذلك بمجرد قوله تعالى " خالق كل شيء " ومعلوم أنه عام قابل ~~للتخصيص فلا يكون عمومه إلا مظنونا، إنما صارت المسألة قطعية بالبحث على ~~الطرق العقلية التي ذكرناها، ونعلم أنهم كانوا ينكرون ذلك قبل البحث عن ~~الطرق العقلية ولا ينبغي أن يعتقد بهم أنهم لم يلتفتوا إلى المدارك الظنية ~~إلا في الفقهيات بل اعتبروها أيضا في التصديقات الاعتقادية والقولية. # PageV01P115 # وأما ما قضى العقل باستحالته فيجب فيه تأويل ما ورد السمع به ولا يتصور ~~أن يشمل السمع على قاطع مخالف للمعقول، وظواهر أحاديث التشبيه أكثرها غير ~~صحيحة، والصحيح منها ليس بقاطع بل هو قابل للتأويل، فإن توقف العقل في شيء ~~من ذلك ms119 فلم يقض فيه باستحالة ولا جواز وجب التصديق أيضا لأدلة السمع فيكفي ~~في وجوب التصديق انفكاك العقل عن القضاء بالإحالة، وليس يشترط اشتماله على ~~القضاء لتجويز، وبين الرتبتين فرق ربما يزل ذهن البليد حتى لا يدرك الفرق ~~بين قول القائل: اعلم أن الأمر جائز، وبين قوله: لا أدري إنه محال أم جائز، ~~وبينهما ما بين السماء والأرض، إذ الأول جائز على الله تعالى والثاني غير ~~جائز، فإن الأول معرفة بالجواز والثاني عدم معرفة بالاحالة، ووجوب التصديق ~~جائز في القسمين جميعا فهذه هي المقدمة. ### | أما الفصل الأول ففي ### | بيان قضاء العقل بما جاء الشرع به ### | من الحشر والنشر وعذاب القبر والصراط والميزان # أما الحشر فيعنى به إعادة الخلق وقد دلت عليه القواطع الشرعية، وهو ممكن ~~بدليل الابتداء. فإن الاعادة خلق ثان ولا فرق بينه وبين الابتداء وإنما ~~يسمى إعادة بالاضافة إلى الابتداء السابق، والقادر على الانشاء والابتداء ~~قادر على الاعادة وهو المعني بقوله: قل يحييها الذي أنشأها أول مرة فإن قيل ~~فماذا تقولون: أتعدم الجواهر والأعراض ثم يعادان جميعا، أو تعدم الأعراض ~~دون الجواهر وإنما تعاد الأعراض؟ قلنا: كل ذلك ممكن وليس في الشرع دليل ~~قاطع على تعيين أحد هذه الممكنات. وأحد الوجهين أن تنعدم الأعراض ويبقى جسم ~~الانسان متصورا بصورة التراب مثلا، فتكون قد زالت منه الحياة واللون ~~والرطوبة والتركيب والهيئة وجملة من الأعراض، ويكون معنى إعادتها أن تعاد ~~إليها تلك الأعراض بعينها وتعاد إليها أمثالها، فإن العرض عندنا لا يبقى ~~والحياة عرض والموجود عندنا في كل ساعة عرض آخر، والانسان هو ذلك الانسان ~~باعتبار جسمه فإنه واحد لا باعتبار أعراضه، فإن كل عرض يتجدد هو غير الآخر، ~~فليس من شرط الإعادة فرض إعادة الأعراض، وإنما ذكرنا هذا لمصير بعض الأصحاب ~~إلى استحالة إعادة الأعراض، وذلك باطل، ولكن القول في إبطاله يطول ولا حاجة ~~إليه في غرضنا هذا. والوجه الآخر أن تعدم الأجسام أيضا ثم تعاد الأجسام بأن ~~تخترع. مرة ثانية، # PageV01P116 # فإن قيل: فيم يتميز المعاد عن مثل الأول؟ وما ms120 معنى قولكم أن المعاد هو ~~عين الأول ولم يبق للمعدوم عين حتى تعاد؟ قلنا: المعدوم منقسم في علم الله ~~إلى ما سبق له وجود وإلى ما لم يسبق له وجود، كما أن العدم في الأزل ينقسم ~~إلى ما سيكون له وجود وإلى ما علم الله تعالى أنه لا يوجد؛ فهذا الانقسام ~~في علم الله لا سبيل إلى انكاره، والعلم شامل والقدرة واسعة، فمعنى الإعادة ~~أن نبذل بالوجود العدم الذي سبق له الوجود، ومعنى المثل أن يخترع الوجود ~~لعدم لم يسبق له وجود، فهذا معنى الإعادة، ومهما قدر الجسم باقيا ورد الأمر ~~إلى تجديد أعراض تماثل الأول حصل تصديق الشرع ووقع الخلاص عن إشكال الإعادة ~~وتمييز المعاد عن المثل، وقد أطنبنا في هذه المسألة في كتاب التهافت، ~~وسلكنا في إبطال مذهبهم تقرير بقاء النفس التي هي غير متحيز عندهم وتقدير ~~عود تدبيرها إلى البدن سواء كان ذلك البدن هو عين جسم الانسان أو غيره، ~~وذلك إلزام لا يوافق ما نعتقده؛ فإن ذلك الكتاب مصنف لابطال مذهبهم لا ~~لاثبات المذهب الحق، ولكنهم لما قدروا أن الانسان هو ما هو باعتبار نفسه ~~وأن اشتغاله بتدبير كالعارض له والبدن آلة لهم، ألزمناهم بعد اعتقادهم بقاء ~~النفس وجوب التصديق بالاعادة وذلك برجوع النفس إلى تدبير بدن من الأبدان، ~~والنظر الآن في تحقيق هذا الفصل ينجر إلى البحث عن الروح والنفس والحياة ~~وحقائقها، ولا تحتمل المعتقدات التغلغل إلى هذه الغايات في المعقولات، فما ~~ذكرناه كاف في بيان الاقتصاد في الاعتقاد للتصديق بما جاء به الشرع، وأما ~~عذاب القبر فقد دلت عليه قواطع الشرع إذ تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وعن الصحابة رضي الله عنهم بالاستعاذة منه في الأدعية واشتهر قوله عند ~~المرور بقبرين: إنهما ليعذبان ودل عليه قوله تعالى " وحاق بآل فرعون سوء ~~العذاب النار يعرضون عليها غدوا وعشيا " الآية، وهو ممكن، فيجب التصديق به. ~~ووجه إمكانه ظاهر، وإنما تنكره المعتزلة من حيث يقولون إنا نرى شخص الميت ~~مشاهدة وهو غير معذب وإن الميت ms121 ربما تفترسه السباع وتأكله، وهذا هوس؛ أما # PageV01P117 # مشاهدة الشخص فهو مشاهدة لظواهر الجسم والمدرك للعقاب جزء من القلب أو من ~~الباطن كيف كان وليس من ضرورة العذاب ظهور حركة في ظاهر البدن، بل الناظر ~~إلى ظاهر النائم لا يشاهد ما يدركه النائم من اللذة عند الاحتلام ومن الألم ~~عند تخيل الضرب وغيره، ولو انتبه النائم وأخبر عن مشاهداته وآلامه ولذاته ~~من لم يجر له عهد بالنوم لبادر إلى الانكار اغترارا بسكون ظاهر جسمه، ~~كمشاهدة إنكار المعتزلة لعذاب القبر وأما الذي تأكله السباع فغاية ما في ~~الباب أن يكون بطن السبع قبرا، فاعادة الحياة إلى جزء يدرك العذاب ممكن، ~~فما كل متألم يدرك الألم من جميع بدنه، وأما سؤال منكر ونكير فحق، والتصديق ~~به واجب لورود الشرع به وامكانه، فإن ذلك لا يستدعي منهما إلا تفهيما بصوت ~~أو بغير صوت، ولا يستدعي منه إلا فهما، ولا يستدعي الفهم إلا # حياة، والإنسان لا يفهم بجميع بدنه بل بجزء من باطن قلبه، واحياء جزء ~~يفهم السؤال ويجيب ممكن مقدور عليه، فيبقى قول القائل إنا نرى الميت ولا ~~نشاهد منكرا ونكيرا ولا نسمع صوتهما في السؤال ولا صوت الميت في الجواب، ~~فهذا يلزمه منه أن ينكر مشاهدة النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه ~~السلام وسماعه كلامه وسماع جبريل جوابه ولا يستطيع مصدق الشرع أن ينكر ذلك، ~~إذ ليس فيه إلا أن الله تعالى خلق له سماعا لذلك الصوت ومشاهدة لذلك الشخص، ~~ولم يخلق للحاضرين عنده ولا لعائشة رضي الله تعالى عنها وقد كانت تكون عنده ~~حاضرة في وقت ظهور بركات الوحي، فانكار هذا مصدره الإلحاد وإنكار سعة ~~القدرة، وقد فرغنا عن إبطاله ويلزم منه أيضا إنكار ما يشاهده النائم ويسمعه ~~من الأصوات الهائلة المزعجة، ولولا التجربة لبادر إلى الانكار كل من سمع من ~~النائم حكاية أحواله، فتعسا لمن ضاقت حوصلته عن تقدير اتساع القدرة لهذه ~~الأمور المستحقرة بالاضافة إلى خلق السموات والأرض وما بينهما، مع ما فيهما ~~من العجائب. والسبب الذي ينفر طباع ms122 أهل الضلال عن التصديق بهذه الأمور ~~بعينه منفر عن التصديق بخلق الانسان من نطفة قذرة مع ما فيه من العجائب ~~والآيات أولا أن المشاهدة تضطره إلى التصديق فإذا ما لا برهان على إحالته ~~لا ينبغي أن ينكر بمجرد الاستبعاد. والإنسان لا يفهم بجميع بدنه بل بجزء من ~~باطن قلبه، واحياء جزء يفهم السؤال ويجيب ممكن مقدور عليه، فيبقى قول ~~القائل إنا نرى الميت ولا نشاهد منكرا ونكيرا ولا نسمع صوتهما في السؤال ~~ولا صوت الميت في الجواب، فهذا يلزمه منه أن ينكر مشاهدة النبي صلى الله ~~عليه وسلم لجبريل عليه السلام وسماعه كلامه وسماع جبريل جوابه ولا يستطيع ~~مصدق الشرع أن ينكر ذلك، إذ ليس فيه إلا أن الله تعالى خلق له سماعا لذلك ~~الصوت ومشاهدة لذلك الشخص، ولم يخلق للحاضرين عنده ولا لعائشة رضي الله ~~تعالى عنها وقد كانت تكون عنده حاضرة في وقت ظهور بركات الوحي، فانكار هذا ~~مصدره الإلحاد وإنكار سعة القدرة، وقد فرغنا عن إبطاله ويلزم منه أيضا ~~إنكار ما يشاهده النائم ويسمعه من الأصوات الهائلة المزعجة، ولولا التجربة ~~لبادر إلى الانكار كل من سمع من النائم حكاية أحواله، فتعسا لمن ضاقت ~~حوصلته عن تقدير اتساع القدرة لهذه الأمور المستحقرة بالاضافة إلى خلق ~~السموات والأرض وما بينهما، مع ما فيهما من العجائب. والسبب الذي ينفر طباع ~~أهل الضلال عن التصديق بهذه الأمور بعينه منفر عن التصديق بخلق الانسان من ~~نطفة قذرة مع ما فيه من العجائب والآيات أولا أن المشاهدة تضطره إلى ~~التصديق فإذا ما لا برهان على إحالته لا ينبغي أن ينكر بمجرد الاستبعاد. # وأما الميزان فهو أيضا حق وقد دلت عليه قواطع السمع، وهو ممكن فوجب ~~التصديق به. فإن قيل: كيف توزن الأعمال وهي أعراض وقد انعدمت، والمعدوم لا ~~يوزن؟ وإن قدرت إعادتها وخلقها في جسم الميزان كان محالا لاستحالة إعادة ~~الأعراض. ثم كيف تخلق حركة يد الانسان وهي طاعته في جسم الميزان؟ أيتحرك ~~بها الميزان فيكون ذلك حركة الميزان لا حركة يد الانسان ms123 أم لا تتحرك فتكون ~~الحركة قد فاتت بجسم # PageV01P118 # ليس هو متحركا بها، وهو محال؟ ثم إن تحرك فيتفاوت من الميزان بقدر طول ~~الحركات وكثرتها لا بقدر مراتب الأجور، فرب حركة بجرء من البدن يزيد إثمها ~~على حركة جميع البدن فراسخ فهذا محال. فنقول: قد سئل النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن هذا فقال: " توزن صحائف الأعمال فإن الكرام الكاتبين يكتبون ~~الأعمال في صحائف هي أجسام، فإذا وضعت في الميزان خلق الله تعالى في كفتها ~~ميلا بقدر رتبة الطاعات وهو على ما يشاء قدير ". # فإن قيل: فأي فائدة في هذا؟ وما معنى المحاسبة؟ قلنا: لا نطلب لفعل الله ~~تعالى فائدة: " لا يسأل عما يفعل وهو يسألون ". تم قد دللنا على هذا. ثم أي ~~بعد في أن تكون الفائدة فيه أن يشاهد العبد مقدار أعماله ويعلم أنه مجزي ~~بها بالعدل أو يتجاوز عنه باللطف، ومن يعزم على معاقبة وكيله بجنايته في ~~أمواله أو يعزم على الإبراء فمن أين يبعد أن يعرفه مقدار جنايته بأوضح ~~الطرق ليعلم أنه في عقوبته عادل وفي التجاوز عنه متفضل. هذا إن طلبت ~~الفائدة لأفعال الله تعالى، وقد سبق بطلان ذلك. وأما الصراط فهو أيضا حق، ~~والتصديق به واجب، لأنه ممكن. فإنه عبارة عن جسر ممدود على متن جهنم يرده ~~الخلق كافة، فإذا توافوا عليه قيل للملائكة " وقفوهم إنهم مسؤولون " فإن ~~قيل: كيف يمكن ذلك وفيما روى أدق من الشعر وأحد من السيف، فكيف يمكن المرور ~~عليه؟ قلنا هذا إن صدر ممن ينكر قدرة الله تعالى، فالكلام معه في إثبات ~~عموم قدرته وقد فرغنا عنها. وإن صدر من معترف بالقدرة فليس المشي على هذا ~~بأعجب من المشي في الهواء، والرب تعالى قادر على خلق قدرة عليه، ومعناه أن ~~يخلق له قدرة المشي على الهواء ولا يخلق في ذاته هويا إلى أسفل، ولا في ~~الهواء انحراف، فإذا أمكن هذا في الهواء فالصراط أثبت من الهواء بكل حال. ### | الفصل الثاني: ### | في الاعتذار عن الإخلال بفصول ### | شحنت بها المعتقدات فرأيت الإعراض ms124 عن ذكرها أولى لأن المعتقدات المختصرة # حقها أن لا تشتمل إلا على المهم الذي لا بد منه في صحة الاعتقاد. # PageV01P119 # أما الأمور التي لا حاجة إلى إخطارها بالبال، وإن خطرت بالبال فلا معصية ~~في عدم معرفتها وعدم العلم بأحكامها، فالخوض فيها بحث عن حقائق الأمور وهي ~~غير لائقة بما يراد منه تهذيب الاعتقاد، وذلك الفن تحصره ثلاثة فنون: عقلي، ~~ولفظي، وفقهي. أما العقلي، فالبحث عن القدرة الحادثة أنها تتعلق بالضدين أم ~~لا، وتتعلق بالمختلفات أم لا، وهل يجوز قدرة حادثة تتعلق بفعل مباين لمحل ~~القدرة وأمثال له. وأما اللفظي فكالبحث عن المسمى باسم الرزق ما هو، ولفظ ~~التوفيق والخذلان والايمان ما حدودها ومسبباتها. وأما الفقهي فكالبحث عن ~~الأمر بالمعروف متى يجب، وعن التوبة ما حكمها، إلى نظائر ذلك. وكل ذلك ليس ~~بمهم في الدين، بل المهم أن ينفي الانسان الشك عن نفسه في ذات الله تعالى، ~~على القدر الذي حقق في القطب الأول، وفي صفاته وأحكامها كما حقق في القطب ~~الثاني، وفي أفعاله بأن يعتقد فيها الجواز دون الوجوب كما في القطب الثالث، ~~وفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يعرف صدقه ويصدقه في كل ما جاء به ~~كما ذكرناه في القطب الرابع، وما خرج عن هذا فغير مهم. ونحن نورد من كل فن ~~مما أهملناه مسألة ليعرف بها نظائرها ويحقق خروجها عن المهمات المقصودات في ~~المعتقدات. # أما المسألة الأولى العقلية: فكاختلاف الناس في أن من قتل هل يقال إنه ~~مات بأجله؟ ولو قدر عدم قتله هل كان يجب موته أم لا؟ وهذا فن من العلم لا ~~يضر تركه، ولكنا نشير إلى طريق الكشف فيه. فنقول: كل شيئين لا ارتباط ~~لأحدهما بالآخر، ثم اقترنا في الوجود، فليس يلزم من تقدير نفي أحدهما ~~انتفاء الآخر. فلو مات زيد وعمرو معا ثم قدرنا عدم موت زيد لم يلزم منه لا ~~عدم موت عمرو ولا وجود موته، وكذلك إذا مات زيد عند كسوف القمر مثلا، فلو ~~قدرنا عدم الموت لم يلزم عدم ms125 الكسوف بالضرورة، ولو قدرنا عدم الكسوف لم ~~يلزم عدم الموت إذ لا ارتباط لأحدهما بالآخر، فأما الشيئان اللذان بينهما ~~علاقة وارتباط فهما ثلاثة أقسام: أحدها: أن تكون العلاقة متكافئة كالعلاقة ~~بين اليمين والشمال والفوق والتحت، فهذا مما يلزم فقد أحدهما عند تقدير فقد ~~الآخر لأنهما من المتضايفان # PageV01P120 # التي لا يتقوم حقيقة أحدهما إلا مع الآخر. # الثاني: أن لا يكون على التكافؤ، لكن لأحدهما رتبة التقدم كالشرط مع ~~المشروط. ومعلوم أنه يلزم عدم الشرط، فإذا رأينا علم الشخص مع حياته ~~وإرادته مع علمه فيلزم لا محالة من تقدير انتفاء الحياة انتفاء العلم، ومن ~~تقدير انتفاء العلم انتفاء الارادة، ويعبر عن هذا بالشرط وهو الذي لا بد ~~منه لوجود الشيء ولكن ليس وجود الشيء به بل عنه ومعه. # الثالث: العلاقة التي بين العلة والمعلول. ويلزم من تقدير عدم العلة عدم ~~المعلول إن لم يكن للمعلول إلا علة واحدة، وإن تصور أن تكون له علة أخرى ~~فيلزم من تقدير نفي كل العلل نفي المعلول، ولا يلزم من تقدير نفي علة ~~بعينها نفي المعلول مطلقا، بل يلزم نفي معلول تلك العلة على الخصوص. فإذا ~~تمهد هذا المعنى رجعنا إلى القتل والموت؛ فالقتل عبارة عن حز الرقبة وهو ~~راجع إلى أعراض هي حركات في يد الضارب والسيف وأعراض هي افتراقات في أجزاء ~~رقبة المضروب، وقد اقترن بها عرض آخر وهو الموت، فإن لم يكن بين الحز ~~والموت ارتباط لم يلزم من تقدير نفي الحز نفي الموت فإنهما شيئان مخلوقان ~~معا على الاقتران بحكم إجراء العادة لا ارتباط لأحدهما بآخر، فهو ~~كالمقترنين اللذين لم تجر العادة باقترانهما وإن كان الحز علة الموت ~~ومولده، وإن لم تكن علة سواه لزم من انتفائه انتفاء الموت، ولكن لا خلاف في ~~أن للموت عللا من أمراض وأسباب باطنة سوى الحز عند القائلين بالعلل، فلا ~~يلزم من نفي الحز نفي الموت مطلقا ما لم يقدر مع ذلك إنتفاء سائر العلل، ~~فنرجع إلى غرضنا فنقول: من اعتقد من أهل السنة أن الله ms126 مستبد بالاختراع بلا ~~تولد، ولا يكون مخلوق علة مخلوق، فنقول: الموت أمر استبد الرب تعالى ~~باختراعه مع الحز، فلا يجب من تقدير عدم الحز عدم الموت وهو الحق؛ ومن ~~اعتقد كونه علة وانضاف إليه مشاهدته صحة الجسم وعدم مهلك من خارج اعتقد أنه ~~لو انتفى الحز وليس ثم علة أخرى وجب انتفاء المعلول لانتفاء جميع العلل، ~~وهذا الاعتقاد صحيح لو صح اعتقاد التعليل وحصر العلل فيما عرف انتفاؤه فإذا ~~هذه المسألة يطول النزاع فيها، ولم يشعر أكثر الخائضين فيها بمثارها فينبغي ~~أن نطلب هذا من القانون الذي ذكرناه في عموم قدرة الله تعالى وإبطال ~~التولد. ويبنى على هذا أن منق تل ينبغي أن يقال إنه مات بأجله لأن الأجل ~~عبارة عن الوقت الذي خلق الله تعالى فيه موته سواء كان معه حز رقبة أو كسوف ~~قمر أو نزول مطر أو لم يكن، لأن كل هذه عندنا مقترنات وليست مؤثرات ولكن ~~اقتران بعضها # PageV01P121 # يتكرر بالعادة، وبعضها لا يتكرر، فأما من جعل الموت سببا طبيعيا من ~~الفطرة وزعم أن كل مزاج فله رتبة معلومة في القوة إذا خليت ونفسها تمادت ~~إلى منتها مدتها، ولو فسدت على سبيل الاحترام كان ذلك استعجالا، بالإضافة ~~إلى مقتضى طباعها، والأجل عبارة عن المدة الطبيعية، كما يقال الحائط مثلا ~~يبقى مائة سنة بقدر إحكام بنائه، ويمكن أن يهدم بالفأس في الحال، والأجل ~~يعبر به عن مدته التي له بذاته وقوته، فيلزم من ذلك أن يقال إذا هدم بالفأس ~~لم ينهدم بأجله وإن لم يتعرض له من خارج حتى انحطت أجزاؤه فيقال انهدم ~~بأجله، فهذا اللفظ ينبيء على ذلك الأصل. # المسألة الثانية وهي اللفظية: فكاختلافهم في أن الايمان هل يزيد وينقص أم ~~هو على رتبة واحدة. وهذا الاختلاف منشؤه الجهل بكون الاسم مشتركا، أعني اسم ~~الايمان، وإذا فصل مسميات هذا اللفظ ارتفع الخلاف. وهو مشترك بين ثلاثة ~~معان: إذ قد يعبر به عن التصديق اليقين البرهاني، وقد يعبر به عن الاعتقاد ~~التقليدي إذا كان جزما، وقد يعبر به ms127 عن تصديق معه العمل بموجب التصديق ~~ودليل اطلاقه على الأول أن من عرف الله تعالى بالدليل ومات عقيب معرفته ~~فإنا نحكم بأنه مات مؤمنا. ودليل اطلاقه على التصديق التقليدي أن جماهير ~~العرب كانوا يصدقون رسول الله تعالى صلى الله عليه وسلم بمجرد إحسانه إليهم ~~وتلطفه بهم ونظرهم في قوانين أحواله من غير نظر في أدلة الواحدانية ووجه ~~دلالة المعجزة، وكان يحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بإيمانهم وقد قال ~~تعالى " وما أنت بمؤمن لنا " أي بمصدق، ولم يفرق بين تصديق وتصديق، ودليل ~~إطلاقه على الفعل، قوله عليه السلام: لا يزني الزاني وهو مؤمن حين يزني ~~وقوله عليه السلام: الايمان بضعة وسبعون بابا أدناها إماطة الأذى عن الطريق ~~فنرجع إلى المقصود ونقول: إن أطلق الإيمان بمعنى التصديق البرهاني لم يتصور ~~زيادته ولا نقصانه، بل اليقين إن حصل بكماله فلا مزيد عليه. وإن لم يحصل ~~بكماله فليس بيقين، وهي خطة واحدة ولا يتصور فيها زيادة ونقصان إلا أن يراد ~~به زيادة وضوح أي زيادة طمأنينة النفس إليه بأن النفس تطمئن إلى اليقينيات ~~النظرية في الابتداء إلى حل ما، فإذا تواردت الأدلة على شيء واحد أفاد ~~بظاهر الأدلة زيادة طمأنينة. وكل من مارس العلوم أدرك تفاوتا في طمأنينية ~~نفسه إلى العلم الضروري، # PageV01P122 # وهو العلم بأن الاثنين أكثر من الواحد وإلى العلم يحدث العالم وإن محدثه ~~واحد، ثم يدرك أيضا تفرقة بين آحاد المسائل بكثرة أدلتها وقلتها. فالتفاوت ~~في طمأنينية النفس مشاهد لكل ناظر من باطنه، فإذا فسرت الزيادة به لم يمنعه ~~أيضا في هذا التصديق. # أما إذا أطلق بمعنى التصديق التقليدي فذلك لا سبيل إلى جحد التفاوت فيه؛ ~~فإنا ندرك بالمشاهدة من حال اليهودي في تصميمه على عقده ومن حال النصراني ~~والمسلم تفاوتا، حتى أن الواحد منهم لا يؤثر في نفسه وحل عقد لمبه ~~التهويلات والتخويفات ولا التحقيقات العلمية ولا التخيلات الإقناعية، ~~والواحد منهم مع كونه جازما في اعتقاده تكون نفسه أطوع لقبول اليقين، وذلك ~~لأن الاعتقاد على القلب مثل عقدة ليس ms128 فيها انشراح وبرد يقين. والعقدة تختلف ~~في شدتها وضعفها فلا ينكر هذا التفاوت منصف وإنما ينكره الذين سمعوا من ~~العلوم والاعتقادات أساميها ولم يدركوا من أنفسهم ذوقها، ولم يلاحظوا ~~اختلاف أحوالهم وأحوال غيرهم فيها. # وأما إذا أطلق بالمعنى الثالث وهو العمل مع التصديق، فلا يخفى بطرق ~~التفاوت إلى نفس العمل، وهل يتطرق بسبب المواظبة على العمل تفاوت إلى نفس ~~التصديق، هذا فيه نظر، وترك المداهنة في مثل هذا المقام أولى والحق أحق ما ~~قيل. فأقول: إن المواظبة على الطاعات لها تأثير في تأكيد طمأنينة النفس إلى ~~الاعتقاد التقليدي ورسوخه في النفس، وهذا أمر لا يعرفه إلا من سبر أحوال ~~نفسه وراقبها في وقت المواظبة على الطاعة وفي وقت الفترة ولاحظ تفاوت الحال ~~في باطنه، فإنه يزداد بسبب المواظبة على العمل أنسة لمعتقداته، ويتأكد به ~~طمأنينته، حتى أن المعتقد الذي طالت منه المواظبة على العمل بموجب اعتقاده ~~أعصا نفسا على المحاول تغييره وتشكيكه ممن لم تطل مواظبته، بل العادات تقضي ~~بها، فإن من يعتقد الرحمة في قلبه على يتيم فإن أقدم على مسح رأسه وتفقد ~~أمره صادف في قلبه عند ممارسة العمل بموجب الرحمة زيادة تأكيد في الرحمة، ~~ومن يتواضع بقلبه لغيره فإذا عمل بموجبه ساجدا له أو مقبلا يده ازداد ~~التعظيم والتواضع في قلبه ولذلك تعبدنا بالمواظبة على أفعال هي مقتضى تعظيم ~~القلب من الركوع والسجود ليزداد بسببها تعظيم القلوب، فهذه أمور يجحدها ~~المتحذلقون في الكلام الذين أدركوا ترتيب العلم بسماع الألفاظ ولم يدركوها ~~بذوق النظر. فهذه حقيقة المسألة، ومن هذا الخبر اختلافهم في معنى الرزق. ~~وقول المعتزلة: إن ذلك مخصوص بما يملكه الإنسان حتى ألزموا أنه لا رزق لله ~~تعال على البهائم، فربما قالوا هو مما لم يحرم تناوله، فقيل لهم فالظلمة ~~ماتوا وقد عاشوا عمرهم لم يرزقوا، وقد قال أصحابنا إنه # PageV01P123 # عبارة عن المنتفع به كيف كان، ثم هو منقسم إلى حلال وحرام، ثم طولوا في ~~حد الرزق وحد النعمة وتضييع الوقت بهذا وأمثاله دأب من لا يميز ms129 بين المهم ~~وغيره ولا يعرف قدر بقية عمره، وإنه لا قيمة له فينبغي أن يضيع العمر إلا ~~بالمهم وبين يدي الأنظار أمور مشكلة البحث عنها أهم من البحث عن موجب ~~الألفاظ ومقتضى الإطلاقات، فنسأل الله أن يوفقنا للاشتغال لما يعنينا. # المسألة الثالثة الفقهية: فمثل اختلافهم في أن الفاسق هل له أن يحتسب؟ ~~وهذا نظر فقهي، فمن أين يليق بالكلام ثم بالمختصرات. ولكنا نقول الحق أن له ~~أن يحتسب وسبيله التدرج في التصوير؛ وهو أن نقول: هل يشترط في الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر كون الآمر والناهي معصوما عن الصغائر والكبائر ~~جميعا؟ فإن شرط ذلك كان خرقا للاجماع، فإن عصمة الأنبياء عن الكبائر إنما ~~عرفت شرعا، وعن الصغائر مختلف فيها، فمتى يوجد في الدنيا معصوم؟ وإن قلتم ~~إن ذلك لا يشترط حتى يجوز للابس الحرير مثلا وهو عاص به أن يمنع من الزنى ~~وشرب الخمر، فنقول: وهل لشارب الخمر أن يحتسب على الكافر ويمنعه من الكفر ~~ويقاتله عليه؟ فإن قالوا لا، خرقوا الاجماع إذ جنود المسلمين لم تزل مشتملة ~~على العصاة والمطيعين ولم يمنعوا من الغزو لا في عصر النبي صلى الله عليه ~~وسلم ولا في عصر الصحابة رضي الله عنهم والتابعين، فإن قالوا نعم، فنقول: ~~شارب الخمر هل له أن يمنع من القتل أم لا؟ فإن قيل لا، قلنا: فما الفرق بين ~~هذا وبين لابس الحرير إذا منع من الخمر والزاني إذا منع من الكفر؟ وكما أن ~~الكبيرة فوق الصغيرة فالكبائر أيضا متفاوتة، فإن قالوا نعم، وضبطوا ذلك بأن ~~المقدم على شيء لا يمنع من مثله ولا فيما دونه وله أن يمنع مما فوقه، فهذا ~~الحكم لا مستند له إذ الزنى فوق الشرب ولا يبعد أن يزني ويمنع من الشراب ~~ويمنع منه، ربما يشرب ويمنع غلمانه وأصحابه من الشرب، ويقول: ترك ذلك واجب ~~عليكم وعلي والأمر بترك المحرم واجب علي مع الترك فلي أن أتقرب بأحد ~~الواجبين، ولم يلزمني مع ترك أحدهما ترك الآخر، فإذن كما يجوز أن يترك ~~الآمر ms130 بترك الشرب وهو بتركه يجوز أن يشرب ويأمر بالترك فهما واجبان فلا ~~يلزم بترك أحدهما ترك الآخر. # PageV01P124 # فإن قيل: فيلزم على هذا أمور شنيعة وهو أن يزني الرجل بامرأة مكرها إياها ~~على التمكين، فإن قال لها في أثناء الزنى عند كشفها وجهها باختيارها لا ~~تكشفي وجهك فاني لست محرما لك، والكشف لغير المحرم حرام، وأنت مكرهة على ~~الزنى مختارة في كشف الوجه فأمنعك من هذا، فلا شك من أن هذه حسبة باردة ~~شنيعة لا يصير إليها عاقل؛ وكذلك قوله إن الواجب علي شيئان العمل والأمر ~~للغير، وأنا أتعاطى أحدهما وإن تركت الثاني كقوله: إن الواجب علي الوضوء ~~دون الصلاة وأنا أصلي وإن تركت الوضوء، والمسنون في حقي الصوم والتسحر وأنا ~~أتسحر وإن تركت الصوم، وذلك محال، لأن السحور للصوم والوضوء للصلاة، وكل ~~واحد شرط الآخر وهو متقدم في الرتبة على المشروط، فكذلك نفس المرء مقدمة ~~على غيره، فليهذب نفسه أولا ثم غيره أما إذا أهمل نفسه واشتغل بغيره كان ~~ذلك عكس الترتيب الواجب، بخلاف ما إذا هذب نفسه وترك الحسبة وتهذيب غيره، ~~فإن ذلك معصية ولكنه لا تناقض فيه. وكذلك الكافر ليس له ولاية الدعوة إلى ~~الاسلام ما لم يسلم هو بنفسه، فلو قال الواجب علي شيئان ولي أن أترك أحدهما ~~دون الثاني لم يكن منه، والجواب أن حسبة الزاني بالمرأة عليها ومنعها من ~~كشفها وجهها جائزة عندنا، وقولكم إن هذه حسبة باردة شنيعة فليس الكلام في ~~أنها حارة أو باردة مستلذة أو مستبشعة، بل الكلام في أنها حق أو باطل وكم ~~من حق مستبرد مستثقل وكم من باطل مستحلى مستعذب، فالحق غير اللذيذ والباطل ~~غير الشنيع، والبرهان القاطع فيه هو أنا نقول: قوله لها لا تكشفي وجهك فإنه ~~حرام، ومنعه إياها بالعمل قول وفعل، وهذا القول والفعل إما أن يقال هو حرام ~~أو يقال واجب أو يقال هو مباح، فإن قلتم إنه واجب فهو المقصود، وإن قلتم ~~إنه مباح فله أن يفعل ما هو مباح، وإن قلتم إنه حرام ms131 فما مستند تحريمه؟ وقد ~~كان هذا واجبا قبل اشتغاله بالزنى فمن أين يصير الواجب حراما باقتحامه ~~محرما، وليس في قوله الأخير صدق عن الشرع بأنه حرام، وليس في فعله إلا ~~المنع من اتحاد ما هو حرام، والقول بتحريم واحد منهما محال. ولسنا نعني ~~بقولنا للفاسق ولاية الحسبة إلا أن قوله حق وفعله ليس بحرام، وليس هذا ~~كالصلاة والوضوء فإن الصلاة هي المأمور بها وشرطها الوضوء، فهي بغير وضوء ~~معصية وليست بصلاة، بل تخرج عن كونها صلاة وهذا القول لم يخرج عن كونه حقا ~~ولا الفعل خرج عن كونه منعا من الحرام، وكذلك السحور عبارة عن الاستعانة ~~على الصوم بتقديم الطعام ولا تعقل الاستعانة من غير العزم على # ايجاد المستعان عليه. وأما قولكم أن تهذيبه نفسه أيضا شرط لتهذيبه غيره، ~~فهذا محل النزاع. فمن أين عرفتم ذلك؟ ولو قال قائل: تهذيب نفسه عن المعاصي ~~شرط للغير ومنع الكفار، وتهذيبه نفسه عن الصغائر شرط للمنع عن الكبائر كان ~~قوله مثل قولكم، وهو خرق للاجماع. وأما الكافر فإن حمل كافرا آخر بالسيف ~~على الإسلام فلا يمنعه منه، ويقول عليه أن يقول لا إله إلا الله وأن محمدا ~~رسول الله وأن يأمر غيره به ولم يثبت أن قوله شرط لأمره، فله أن يقول وأن ~~يأمر وإن لم ينطق. فهذا غور هذه المسألة، وإنما أردنا إيرادها لتعلم أن ~~أمثال هذه المسائل لا تليق بفن الكلام ولا سيما بالمعتقدات المختصرة والله ~~أعلم بالصواب. يجاد المستعان عليه. وأما قولكم أن تهذيبه نفسه أيضا شرط ~~لتهذيبه غيره، فهذا محل النزاع. فمن أين عرفتم ذلك؟ ولو قال قائل: تهذيب ~~نفسه عن المعاصي شرط للغير ومنع الكفار، وتهذيبه نفسه عن # PageV01P125 # الصغائر شرط للمنع عن الكبائر كان قوله مثل قولكم، وهو خرق للاجماع. وأما ~~الكافر فإن حمل كافرا آخر بالسيف على الإسلام فلا يمنعه منه، ويقول عليه أن ~~يقول لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأن يأمر غيره به ولم يثبت أن ~~قوله شرط لأمره، فله أن يقول وأن ms132 يأمر وإن لم ينطق. فهذا غور هذه المسألة، ~~وإنما أردنا إيرادها لتعلم أن أمثال هذه المسائل لا تليق بفن الكلام ولا ~~سيما بالمعتقدات المختصرة والله أعلم بالصواب. # PageV01P126 ### | الباب الثالث ### | في الامامة # النظر في الإمامة أيضا ليس من المهمات، وليس أيضا من فن المعقولات فيها ~~من الفقهيات، ثم إنها مثار للتعصبات والمعرض عن الخوض فيها أسلم من الخائض ~~بل وإن أصاب، فكيف إذا أخطأ! ولكن إذا جرى الرسم باختتام المعتقدات به ~~أردنا أن نسلك المنهج المعتاد فإن القلوب عن المنهج المخالف للمألوف شديدة ~~النفار، ولكنا نوجز القول فيه ونقول: النظر فيه يدور على ثلاثة أطراف: ~~الطرف الأول: في بيان وجوب نصب الإمام. # ولا ينبغي أن تظن أن وجوب ذلك مأخوذ من العقل، فإنا بينا أن الوجوب يؤخذ ~~من الشرع إلا أن يفسر الواجب بالفعل الذي فيه فائدة وفي تركه أدنى مضرة، ~~وعند ذلك لا ينكر وجوب نصب الإمام لما فيه من الفوائد ودفع المضار في ~~الدنيا، ولكنا نقيم البرهان القطعي الشرعي على وجوبه ولسنا نكتفي بما فيه ~~من إجماع الأمة، بل ننبه على مستند الإجماع ونقول: نظام أمر الدين مقصود ~~لصاحب الشرع عليه السلام قطعا، وهذه مقدمة قطعية لا يتصور النزاع فيها، ~~ونضيف إليها مقدمة أخرى وهو أنه لا يحصل نظام الدين إلا بإمام مطاع فيحصل ~~من المقدمتين صحة الدعوى وهو وجوب نصب الإمام. # فإن قيل: المقدمة الأخيرة غير مسلمة وهو أن نظام الدين لا يحصل إلا بإمام ~~مطاع، فدلوا عليها. # فنقول: البرهان عيه أن نظام الدين لا يحصل إلا بنظام الدنيا، ونظام ~~الدنيا لا يحصل إلا بإمام مطاع، فهاتان مقدمتان ففي أيهما النزاع؟ فإن قيل ~~لم قلتم إن نظام الدين لا يحصل إلا بنظام الدنيا، بل لا يحصل إلا بخراب ~~الدنيا، فإن الدين والدنيا ضدان والاشتغال بعمارة أحدهما خراب الآخر، قلنا: ~~هذا كلام من لا يفهم ما نريده بالدنيا الآن، فإنه لفظ مشترك قد يطلق على ~~فضول التنعم والتلذذ والزيادة على الحاجة والضرورة، وقد يطلق على جميع ما ~~هو محتاج ms133 إليه قبل الموت. وأحدهما ضد الدين والآخر شرطه، وهكذا يغلط من لا ~~يميز # PageV01P127 # بين معاني الألفاظ المشتركة. فنقول: نظام الدين بالمعرفة والعبادة لا ~~يتوصل إليهما إلا بصحة البدن وبقاء الحياة وسلامة قدر الحاجات من الكسوة ~~والمسكن والأقوات، والأمن هو آخر الآفات، ولعمري من أصبح آمنا في سربه ~~معافى في بدنه وله قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها، وليس يأمن ~~الإنسان على روحه وبدنه وماله ومسكنه وقوته في جميع الأحوال بل في بعضها، ~~فلا ينتظم الدين إلا بتحقيق الأمن على هذه المهمات الضرورية، وإلا فمن كان ~~جميع أوقاته مستغرقا بحراسة نفسه من سيوف الظلمة وطلب قوته من وجوه الغلبة، ~~متى يتفرغ للعلم والعمل وهما وسيلتاه إلى سعادة الآخرة، فإذن بان نظام ~~الدنيا، أعني مقادير الحاجة شرط لنظام الدين. # وأما المقدمة الثانية وهو أن الدنيا والأمن على الأنفس والأموال لا ينتظم ~~إلا بسلطان مطاع فتشهد له مشاهدة أوقات الفتن بموت السلاطين والأئمة، وإن ~~ذلك لو دام ولم يتدارك بنصب سلطان آخر مطاع دام الهرج وعم السيف وشمل القحط ~~وهلكت المواشي وبطلت الصناعات، وكان كل غلب سلب ولم يتفرغ أحد للعبادة ~~والعلم إن بقي حيا، والأكثرون يهلكون تحت ظلال السيوف، ولهذا قيل: الدين ~~والسلطان توأمان، ولهذا قيل: الدين أس والسلطان حارس وما لا أس له فمهدوم ~~وما لا حارس له فضائع. وعلى الجملة لا يتمارى العاقل في أن الخلق على ~~اختلاف طبقاتهم وما هم عليه من تشتت الأهواء وتباين الآراء لو خلوا وراءهم ~~ولمي كن رأي مطاع يجمع شتاتهم لهلكوا من عند آخرهم، وهذا داء لا علاج له ~~إلا بسلطان قاهر مطاع يجمع شتات الآراء، فبان أن السلطان ضروري في نظام ~~الدنيا، ونام الدنيا ضروري في نظام الدين، ونظام الدين ضروري في الفوز ~~بسعادة الآخرة وهو مقصود الأنبياء قطعا، فكان وجوب نصب الإمام من ضروريات ~~الشرع الذي لا سبيل إلى تركه فاعلم ذلك. # الطرف الثاني: في بيان من يتعين من سائر الخلق لأن ينصب إماما. # فنقول: ليس يخفى أن التنصيص على واحد ms134 نجعله إماما بالتشهي غير ممكن، فلا ~~بد له من تميز بخاصية يفارق سائر الخلق بهذا، فتلك خاصية في نفسه وخاصية من ~~جهة غيره. أما من نفسه فأن يكون أهلا لتدبير الخلق وحملهم على مراشدهم. ~~وذلك بالكفاية والعلم والورع، وبالجملة خصائص القضاة تشترط فيه مع زيادة ~~نسب قريش؛ وعلم هذا الشرط الرابع بالسمع حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~الأئمة من قريش فهذا تميزه عن أكثر الخلق ولكن ربما يجتمع في قريش جماعة ~~موصوفون بهذه الصفة فلا بد من خاصية أخرى # PageV01P128 # تميزه، وليس ذلك إلا التولية أو التفويض من غيره، فإنما يتعين للإمامة ~~مهما وجدت التولية في حقه على الخصوص من دون غيره، فيبقى الآن النظر في صفة ~~المولى فإن ذلك لا يسلم لكل أحد بل لا بد فيه من خاصية وذلك لا يصدر إلا من ~~أحد ثلاثة: إما التنصيص من جهة النبي صلى الله عليه وسلم، وإما التنصيص من ~~جهة إمام العصر بأن يعين لولاية العهد شخصا معينا من أولاده أو سائر قريش، ~~وإما التفويض من رجل ذي شوكة يقتضي انقياده وتفويضه متابعة الآخرين ~~ومبادرتهم إلى المبايعة، وذلك قد يسلم في بعض الأعصار لشخص واحد مرموق في ~~نفسه مرزوق بالمتابعة مسؤول على الكافة، ففي بيعته وتفويضه كفاية عن تفويض ~~غيره لأن المقصود أن يجتمع شتات الآراء لشخص مطاع وقد صار الإمام بمبايعة ~~هذا المطاع مطاعا، وقد لا يتفق ذلك لشخص واحد بل لشخصين أو ثلاثة أو جماعة ~~فلا بد من اجتماعهم وبيعتهم واتفاقهم على التفويض حتى تتم الطاعة. بل أقول: ~~لو لم يكن بعد وفاة الإمام الاقرشي واحد مطاع متبع فنهض بالإمامة وتولاها ~~بنفسه ونشأ بشوكته وتشاغل بها واستتبع كافة الخلق بشوكته وكفايته وكان ~~موصوفا بصفات الأئمة فقد انعقدت إمامته ووجبت طاعته، فإنه تعين بحكم شوكته ~~وكفايته، وفي منازعته إثارة الفتن إلا أن من هذا حاله فلا يعجز أيضا عن أخذ ~~البيعة من أكابر الزمان وأهل الحل والعقد، وذلك أبعد من الشبهة فلذلك لا ~~يتفق مثل هذا في العادة ms135 إلا عن بيعة وتفويض. فإن قيل: فإن كان المقصود حصول ~~ذي رأي مطاع يجمع شتات الآراء ويمنع الخلق من المحاربة والقتال ويحملهم على ~~مصالح المعاش والمعاد، فلو انتهض لهذا الأمر من فيه الشروط كلها سوى شروط ~~القضاء ولكنه مع ذلك يراجع العلماء ويعمل بقولهم فماذا ترون فيه، أيجب خلعه ~~ومخالفته أم تجب طاعته؟ قلنا: الذي نراه ونقطع أنه يجب خلعه إن قدر على أن ~~يستبدل عنه من هو موصوف بجميع الشروط من غير إثارة فتنة وتهييج قتال، وإن ~~لم يكن ذلك إلا بتحريك قتال وجبت طاعته وحكم بإمامته لأن ما يفوتنا من ~~المصارفة بين كونه عالما بنفسه أو مستفتيا من غيره دون ما يفوتنا بتقليد ~~غيره إذا افتقرنا إلى تهييج فتنة لا ندري عاقبتها. وربما يؤدي ذلك إلى هلاك ~~النفوس والأموال، وزيادة صفة العلم إنما تراعى مزية وتتمة للمصالح فلا يجوز ~~أن يعطل أصل المصالح في التشوق إلى مزاياها وتكملاتها، وهذه مسائل فقهية ~~فيلون المستعبد لمخالفته المشهود على نفسه استبعاده ولينزل من غلوائه ~~فالأمر أهون مما يظنه، وقد استقضينا تحقيق هذا المعنى في الكتاب الملقب ~~بالمستظهري المصنف في الرد على الباطنية، # PageV01P129 # فإن قيل فإن تسامحتم بخصلة العلم لزمكم التسامح بخصلة العدالة وغير ذلك ~~من الخصال، قلنا: ليست هذه مسامحة عن الاختيار ولكن الضرورات تبيح ~~المحظوارت، فنحن نعلم أن تناول الميتة محظور ولكن الموت أشد منه، فليت شعري ~~من لا يساعد على هذا ويقضي ببطلان الإمامة في عصرنا لفوات شروطها وهو عاجز ~~عن الاستبدال بالمتصدي لها بل هو فاقد للمتصف بشروطها، فأي أحواله أحسن: أن ~~يقول القضاة معزولون والولايات باطلة والأنكحة غير منعقدة وجميع تصرفات ~~الولاة في أقطار العالم غير نافذة، وإنما الخلق كلهم مقدمون على الحرام، أو ~~أن يقول الإمامة منعقدة والتصرفات والولايات نافذة بحكم الحال والاضطرار، ~~فهو بين ثلاثة أمور إما أن يمنع الناس من الأنكحة والتصرفات المنوطة ~~بالقضاة وهو مستحيل ومؤدي إلى تعطيل المعايش كلها ويفضي إلى تشتيت الآراء ~~ومهلك للجماهير والدهماء أو يقول إنهم يقدمون على الأنكحة ms136 والتصرفات ولكنهم ~~مقدمون على الحرام، إلا أنه لا يحكم بفسقهم ومعصيتهم لضرورة الحال، وإما أن ~~نقول يحكم بانعقاد الإمامة مع فوات شروطها لضرورة الحال ومعلوم أن البعيد ~~مع # الأبعد قريب، وأهون الشرين خير بالاضافة، ويجب على العاقل اختياره، فهذا ~~تحقيق هذا الفصل وفيه غنية عند البصير عن التطويل ولكن من لم يفهم حقيقة ~~الشيء وعلته وإنما يثبت بطول الألفة في سمعه فلا تزال النفرة عن نقيضه في ~~طبعه إذ فطام الضعفاء عن المألوف شديد عجز عنه الأنبياء فكيف غيرهم. أبعد ~~قريب، وأهون الشرين خير بالاضافة، ويجب على العاقل اختياره، فهذا تحقيق هذا ~~الفصل وفيه غنية عند البصير عن التطويل ولكن من لم يفهم حقيقة الشيء وعلته ~~وإنما يثبت بطول الألفة في سمعه فلا تزال النفرة عن نقيضه في طبعه إذ فطام ~~الضعفاء عن المألوف شديد عجز عنه الأنبياء فكيف غيرهم. # فإن قيل: فهلا قلتم إن التنصيص واجب من النبي والخليفة كي يقطع ذلك دابر ~~الاختلاف كما قالت بعض الإمامية إذ ادعوا أنه واجب، قلنا: لأنه لو كان ~~واجبا لنص عليه الرسول عليه السلام، ولم ينص هو ولم ينص عمر أيضا بل ثبتت ~~إمامة أبو بكر وإمامة عثمان وإمامة علي رضي الله عنهم بالتفويض، فلا تلتفت ~~إلى تجاهل من يدعي أنه صلى الله عليه وسلم نص على علي لقطع النزاع ولكن ~~الصحابة كابروا النص وكتموه، فأمثال ذلك يعارض بمثله ويقال: بم تنكرون على ~~من قال إنه نص على أبي بكر فأجمع الصحابة على موافقته النص ومتابعته، وهو ~~أقرب من تقدير مكابرتهم النص وكتمانه، ثم إنما يتخيل وجوب ذلك لتعذر قطع ~~الاختلاف وليس ذلك بمعتذر، فإن البيعة تقطع مادة الاختلاف والدليل عليه عدم ~~الاختلاف في زمان أبي بكر وعثمان رضي الله عنهم، وقد توليا البيعة، وكثرته ~~في زمان علي رضي الله عنه ومعتقد الإمامية أنه تولى بالنص. # PageV01P130 # الطرف الثالث: في شرح عقيدة أهل السنة في الصحابة والخلفاء الراشدين رضي ~~الله عنهم. # اعلم أن للناس في الصحابة والخلفاء إسراف في أطراف؛ فمن مبالغ ms137 في الثناء ~~حتى يدعي العصمة للأئمة، ومنهم متهجم على الطعن بطلق اللسان بذم الصحابة. ~~فلا تكونن من الفريقين واسلك طريق الاقتصاد في الاعتقاد. واعلم أن كتاب ~~الله مشتمل على الثناء على المهاجرين والأنصار وتواترت الأخبار بتزكية ~~النبي صلى الله عليه وسلم إياهم بألفاظ مختلفة، كقوله أصحابي كالنجوم بأيهم ~~اقتديتم اهتديتم وكقوله: خير الناس قرني ثم الذين يلونهم وما من واحد إلا ~~وورد عليه ثناء خاص في حقه يطول نقله، فينبغي أن تستصحب هذا الاعتقاد في ~~حقهم ولا تسيء الظن بهم كما يحكى عن أحوال تخالف مقتضى حسن الظن، فأكثر ما ~~ينقل مخترع بالتعصب في حقهم ولا أصل له وما ثبت نقله فالتأويل متطرق إليه ~~ولم يجز ما لا يتسع العقل لتجويز الخطأ والسهو فيه، وحمل أفعالهم على قصد ~~الخير وإن لم يصيبوه. والمشهور من قتال معاوية مع علي ومسير عائشه رضي الله ~~عنهم إلى البصرة والظن بعائشة أنها كانت تطلب تطفئة الفتنة ولكن خرج الأمر ~~من الضبط، فأواخر الأمور لا تبقى على وفق طلب أوائلها، بل تنسل عن الضبط، ~~والظن بمعاوية أنه كان على تأويل وظن فيما كان يتعاطاه وما يحكى سوى هذا من ~~روايات الآحاد فالصحيح منه مختلط بالباطل والاختلاف أكثره اختراعات الروافض ~~والخوارج وأرباب الفضول الخائضون في هذه الفنون. فينبغي أن تلازم الإنكار ~~في كل ما لم يثبت، وما ثبت فيستنبط له تأويلا. فما تعذر عليك فقل: لعل له ~~تأويلا وعذرا لم أطلع عليه. واعلم أنك في هذا المقام بين أن تسيء الظن ~~بمسلم وتطعن عليه وتكون كاذبا أو تحسن الظن به وتكف لسانك عن الطعن وأنت ~~مخطئ مثلا، والخطأ في حسن الظن بالمسلم أسلم من الصواب بالطعن فيهم، فلو ~~سكت إنسان مثلا عن لعن ابليس أو لعن أبي جهل أو أبي لهب أو من شئت من ~~الأشرار طول عمره لم يضره السكوت، ولو هفا هفوة بالطعن في مسلم بما هو بريء ~~عند الله تعالى منه فقد تعرض # PageV01P131 # للهلاك، بل أكثر ما يعلم في الناس لا يحل النطق ms138 به لتعظيم الشرع الزجر عن ~~الغيبة، مع أنه إخبار عما هو متحقق في المغتاب. فمن يلاحظ هذه الفصول ولم ~~يكن في طبعه ميل إلى الفضول آثر ملازمته السكوت وحسن الظن بكافة المسلمين ~~وإطلاق اللسان بالثناء على جميع السلف الصالحين. هذا حكم الصحابة عامة. ~~فأما الخلفاء الراشدون فهم أفضل من غيرهم، وترتيبهم في الفضل عند أهل السنة ~~كترتيبهم في الإمامة، وهذا لمكان أن قولنا فلان أفضل من فلان أن معناه إن ~~محله عند الله تعالى في الآخرة أرفع، وهذا غيب لا يطلع عليه إلا الله ~~ورسوله إن أطلعه عليه، ولا يمكن أن يدعي نصوص قاطعة من صاحب الشرع متواترة ~~مقتضية للفضيلة على هذا الترتيب، بل المنقول الثناء على جميعهم. واستنباط ~~حكم الترجيحات في الفضل من دقائق ثنائه عليهم رمي في عماية واقتحام أمر آخر ~~أغنانا الله عنه، ويعرف الفضل عند الله تعالى بالأعمال مشكل أيضا وغايته ~~رجم ظن، فكم من شخص متحرم الظاهر وهو عند الله بمكان ليس في قلبه وخلق خفي ~~في باطنه، وكم من مزين بالعبادات الظاهرة وهو في سخط الله لخبث مستكن في ~~باطنه فلا مطلع على السرائر إلا الله تعالى. ولكن إذا ثبت أنه لا يعرف ~~الفضل إلا بالوحي ولا يعرف من النبي إلا بالسماع وأولى الناس بالسماع ما ~~يدل على تفاوت الفضائل الصحابة الملازمون لأحوال النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وهم قد أجمعوا على تقديم أبي بكر، ثم نص أبو بكر على عمر، ثم أجمعوا بعده ~~على عثمان، ثم على علي رضي الله عنهم. وليس يظن منهم الخيانة في دين الله ~~تعالى لغرض من الأغراض، وكان إجماعهم على ذلك من أحسن ما يستدل به على ~~مراتبهم في الفضل، ومن هذا اعتقد أهل السنة هذا الترتيب في الفضل ثم بحثوا ~~عن الأخبار فوجدوا فيها ما عرف به مستند الصحابة وأهل الإجماع في هذا ~~الترتيب. فهذا ما أردنا أن نقتصر عليه من أحكام الإمامة والله أعلم وأحكم. # PageV01P132 ### | الباب الرابع ### | بيان من يجب تكفيره من الفرق # اعلم أن للفرق ms139 في هذا مبالغات وتعصبات، فربما انتهى بعض الطوائف إلى ~~تكفير كل فرقة سوى الفرقة التي يعزى إليها، فإذا أردت أن تعرف سبيل الحق ~~فيه فاعلم قبل كل شيء أن هذه مسألة فقهية، أعني الحكم بتكفير من قال قولا ~~وتعاطى فعلا، فإنها تارة تكون معلومة بأدلة سمعية وتارة تكون مظنونة ~~بالاجتهاد، ولا مجال لدليل العقل فيها البتة، ولا يمكن تفهيم هذا إلا بعد ~~تفهيم قولنا: إن هذا الشخص كافر والكشف عن معناه، وذلك يرجع إلى الإخبار عن ~~مستقره في الدار الآخرة وأنه في النار على التأبيد، وعن حكمه في الدنيا ~~وأنه لا يجب القصاص بقتله ولا يمكن من نكاح مسلمة ولا عصمة لدمه وماله، إلى ~~غير ذلك من الأحكام، وفيه أيضا إخبار عن قول صادر منه وهو كذب، أو اعتقاد ~~وهو جهل، ويجوز أن يعرف بأدلة العقل كون القول كذبا وكون الاعتقاد جهلا، ~~ولكن كون هذا الكذب والجهل موجبا للتكفير أمر آخر، ومعناه كونه مسلطا على ~~سفك دمه وأخذ أمواله، ومعنى كونه مسلطا على سفك دمه وأخذ أمواله ومبيحا ~~لإطلاق القول بأنه مخلد في النار؛ وهذه الأمور شرعية ويجوز عندنا أن يرد ~~الشرع بأن الكذاب أو الجاهل أو المكذب مخلد في الجنة وغير مكترث بكفره، وإن ~~ماله ودمه معصوم ويجوز أن يرد بالعكس أيضا نعم ليس يجور أن يرد بأن الكذب ~~صدق وأن الجهل علم، وذلك ليس هو المطلوب بهذه المسألة بل المطلوب أن هذا ~~الجهل والكذب هل جعله الشرع سببا لإبطال عصمته والحكم بأنه مخلد في النار؟ ~~وهو كنظرنا في أن الصبي إذا تكلم بكلمتي الشهادة فهو كافر بعد أو مسلم؟ أي ~~هذا اللفظ الذي صدر منه وهو صدق، والاعتقاد الذي وجد في قلبه وهو حق، هل ~~جعله الشرع سببا لعصمة دمه وماله أم لا؟ وهذا إلى الشرع. فأما وصف قوله ~~بأنه كذب أو اعتقاده بأنه جهل، فليس إلى الشرع، فإذا معرفة الكذب والجهل ~~يجوز أن يكون عقليا وأما معرفة كونه كافر أو مسلما فليس إلا شرعيا، بل هو ~~كنظرنا ms140 في الفقه في أن هذا الشخص رقيق أو حر، ومعناه أن السبب الذي جرى هل ~~نصبه الشرع مبطلا # PageV01P133 # لشهادته وولايته ومزيلا لأملاكه ومسقطا للقصاص عن سيده المستولي عليه، ~~إذا قتله، فيكون كل ذلك طلبا لأحكام شرعية لا يطلب دليلها إلا من الشرع. ~~ويجوز الفتوى في ذلك بالقطع مرة وبالظن والاجتهاد أخرى، فإذا تقرر هذا ~~الأصل فقد قررنا في أصول الفقه وفروعه أن كل حكم شرعي يدعيه مدع فإما أن ~~يعرفه بأصل من أصول الشرع من إجماع أو نقل أو بقياس على أصل، وكذلك كون ~~الشخص كافرا إما أن يدرك بأصل أو بقياس على ذلك الأصل، والأصل المقطوع به ~~أن كل من كذب محمدا صلى الله عليه وسلم فهو كافر أي مخلد في النار بعد ~~الموت، ومستباح الدم والمال في الحياة، إلى جملة الأحكام. إلا أن التكذيب ~~على مراتب. # الرتبة الأولى: تكذيب اليهود والنصارى وأهل الملل كلهم من المجوس وعبدة ~~الأوثان وغيرهم، فتكفيرهم منصوص عليه في الكتاب ومجمع عليه بين الأمة، وهو ~~الأصل وما عداه كالملحق به. # الرتبة الثانية: تكذيب البراهمة المنكرين لأصل النبوات، والدهرية ~~المنكرين لصانع العالم. وهذا ملحق بالمنصوص بطريق الأولى، لأن هؤلاء كذبوه ~~وكذبوا غيره من الأنبياء، أعني البراهمة، فكانوا بالتكفير أولى من النصارى ~~واليهود، والدهرية أولى بالتكفير من البراهمة لأنهم أضافوا إلى تكذيب ~~الأنبياء إنكار المرسل ومن ضرورة إنكار النبوة، ويلتحق بهذه الرتبة كل من ~~قال قولا لا تثبت النبوة في أصلها أو نبوة نبينا محمد على الخصوص إلا بعد ~~بطلان قوله. # الرتبة الثالثة: الذين يصدقون بالصانع والنبوة ويصدقون النبي، ولكن ~~يعتقدون أمورا تخالف نصوص الشرع ولكن يقولون أن النبي محق، وما قصد بما ~~ذكره إلا صلاح الخلق ولكن لم يقدر على التصريح بالحق لكلال أفهام الخلق عن ~~دركه، وهؤلاء هم الفلاسفة. ويجب القطع بتكفيرهم في ثلاثة مسائل وهي: ~~إنكارهم لحشر الأجساد والتعذيب بالنار، والتنعيم في الجنة بالحور بالعين ~~والمأكول والمشروب والملبوس. والأخرى: قولهم إن الله لا يعلم الجزئيات ~~وتفصيل الحوادث وإنما يعلم الكليات، وإنما الجزئيات تعلمها ms141 الملائكة ~~السماوية. # PageV01P134 # والثالثة: قولهم إن العالم قديم وإن الله تعالى متقدم على العالم بالرتبة ~~مثل تقدم العلة على المعلول، وإلا فلم تر في الوجود إلا متساويين. وهؤلاء ~~إذا أوردوا عليهم آيات القرآن زعموا أن اللذات العقلية تقصر الأفهام عن ~~دركها، فمثل لهم ذلك باللذات الحسية وهذا كفر صريح، والقول به إبطال لفائدة ~~الشرائع وسد لباب الاهتداء بنور القرآن واستبعاد للرشد من قول الرسل، فإنه ~~إذا جاز عليهم الكذب لأجل المصالح بطلت الثقة بأقوالهم فما من قول يصدر ~~عنهم إلا ويتصور أن يكون كذبا، وإنما قالوا ذلك لمصلحة. فإن قيل: فلم قلتم ~~مع ذلك بأنهم كفرة؟ قلنا لأنه عرف قطعا من الشرع أن من كذب رسول الله فهو ~~كافر وهؤلاء مكذبون ثم معالمون للكذب بمعاذير فاسدة وذلك لا يخرج الكلام عن ~~كونه كذبا. # الرتبة الرابعة: المعتزلة والمشبهة والفرق كلها سوى الفلاسفة، وهم الذين ~~يصدقون ولا يجوزون الكذب لمصلحة وغير مصلحة، ولا يشتغلون بالتعليل لمصلحة ~~الكذب بل بالتأويل ولكنهم مخطئون في التأويل، فهؤلاء أمرهم في محل ~~الاجتهاد. والذي ينبغي أن يميل المحصل إليه الاحتراز من التكفير ما وجد ~~إليه سبيلا. فإن استباحة الدماء والأموال من المصلين إلى القبلة المصرحين ~~بقول لا إله إلا الله محمد رسول الله خطأ، والخطأ في ترك ألف كافر في ~~الحياة أهون من الخطأ في سفك محجمة من دم مسلم. وقد قال صلى الله عليه ~~وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله، ~~فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها. وهذه الفرق منقسمون ~~إلى مسرفين وغلاة، وإلى مقتصدين بالإضافة إليهم، ثم المجتهد يرى تكفيرهم ~~وقد يكون ظنه في بعض المسائل وعلى بعض الفرق أظهر. # PageV01P135 # وتفصيل آحاد تلك المسائل يطول ثم يثير الفتن والأحقاد، فإن أكثر الخائضين ~~في هذا إنما يحركهم التعصب واتباع تكفير المكذب للرسول، وهؤلاء ليسوا ~~مكذبين أصلا ولم يثبت لنا أن الخطأ في التأويل موجب للتكفير، فلا بد من ~~دليل عليه، وثبت أن العصمة مستفادة من قول لا ms142 إله إلا الله قطعا، فلا يدفع ~~ذلك إلا بقاطع. وهذا القدر كاف في التنبيه على أن إسراف من بالغ في التكفير ~~ليس عن برهان فإن البرهان إما أصل أو قياس على أصل، والأصل هو التكذيب ~~الصريح ومن ليس بمكذب فليس في معنى الكذب أصلا فيبقى تحت عموم العصمة بكلمة ~~الشهادة. # الرتبة الخامسة: من ترك التكذيب الصريح ولكن ينكر أصلا من أصول الشرعيات ~~المعلومة بالتواتر من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كقول القائل: الصلوات ~~الخمس غير واجبة، فإذا قرئ عليه القرآن والأخبار قال: لست أعلم صدر هذا من ~~رسول الله، فلعله غلط وتحريف. وكمن يقول: أنا معترف بوجوب الحج ولكن لا ~~أدري أين مكة وأين الكعبة، ولا أدري أن البلد الذي تستقبله الناس ويحجونه ~~هل هي البلد التي حجها النبي عليه السلام ووصفها القرآن. فهذا أيضا ينبغي ~~أن يحكم بكفره لأنه مكذب ولكنه محترز عن التصريح، وإلا فالمتواترات تشترك ~~في دركها العوام والخواص وليس بطلان ما يقوله كبطلان مذهب المعتزلة فإن ذلك ~~يختص لدركه اؤلوا البصائر من النظار إلا أن يكون هذا الشخص قريب العهد ~~بالاسلام ولم يتواتر عنده بعد هذه الأمور فيمهله إلى أن يتواتر عنده، ولسنا ~~نكفره لأنه أنكر أمرا معلوما بالتواتر، وإنه لو أنكر غزوة من غزوات النبي ~~صلى الله عليه وسلم المتواترة أو أنكر نكاحه حفصة بنت عمر، أو أنكر وجود ~~أبي بكر وخلافته لم يلزم تكفيره لأنه ليس تكذيبا في أصل من أصول الدين مما ~~يجب التصديق به بخلاف الحج والصلاة وأركان الإسلام، ولسنا نكفره بمخالفة ~~الاجماع، فإن لنا نظرة في تكفير النظام المنكر لأصل الاجماع، لأن الشبه ~~كثيرة في كون الاجماع حجة قاطعة وإنما الاجماع عبارة عن التطابق على رأي ~~نظري وهذا الذي نحن فيه تطابق على الأخبار غير محسوس، وتطابق العدد الكبير ~~على الأخبار غير محسوس على سبيل التواتر الموجب للعلم الضروري، وتطابق أهل ~~الحق والعقد على رأي واحد نظري لا يوجب العلم إلا من جهة الشرع ولذلك لا ~~يجوز أن يستدل على ms143 حدوث العالم بتواتر الأخبار من النظار الذين حكموا به، ~~بل لا تواتر إلا في المحسوسات. # PageV01P136 # الرتبة السادسة: أن لا يصرح بالتكذيب ولا يكذب أيضا أمرا معلوما على ~~القطع بالتواتر من أصول الدين ولكن منكر ما علم صحته إلا الاجماع، فأما ~~التواتر فلا يشهد له كالنظام مثلا، إذ أنكر كون الاجماع حجة قاطعة في أصله. ~~وقال: ليس يدل على استحالة الخطأ على أهل الاجماع دليل عقلي قطعي ولا شرعي ~~متواتر لا يحتمل التأويل، فكلما تستشهد به من الأخبار والآيات له تأويل ~~بزعمه، وهو في قوله خارق لإجماع التابعين؛ فإنا نعلم إجماعهم على أن ما ~~أجمع عليه الصحابة حق مقطوع به لا يمكن خلافه فقد أنكر الإجماع وخرق ~~الإجماع وهذا في محل الاجتهاد، ولي فيه نظر، إذ الاشكالات كثيرة في وجه كون ~~الاجماع حجة فيكاد يكون ذلك الممهد للعذر ولكن لو فتح هذا الباب انجر إلى ~~أمور شنيعة وهو أن قائلا لو قال: يجوز أن يبعث رسول بعد نبينا محمد صلى ~~الله عليه وسلم، فيبعد التوقف في تكفيره ومستند استحالة ذلك عند البحث ~~تستمد من الاجماع لا محالة فإن العقل لا يحيله وما نقل فيه من قوله: لا نبي ~~بعدي ومن قوله تعالى: خاتم النبيين فلا يعجز هذا القائل عن تأويله فيقول: ~~خاتم النبيين أراد به أولي العزم من الرسل، فإن قالوا النبيين عام، فلا ~~يبعد تخصيص العام. وقوله لا نبي بعدي لم يرد به الرسول، وفرق بين النبي ~~والرسول والنبي أعلى رتبة من الرسول إلى غير ذلك من أنواع الهذيان. فهذا ~~وأمثاله لا يمكن أن ندعي استحالته من حيث مجرد اللفظ فإنا في تأويل ظواهر ~~التشبيه قضينا باحتمالات أبعد من هذه ولم يكن ذلك مبطلا للنصوص، ولكن الرد ~~على هذا القائل أن الأمة فهمت بالإجماع من هذا اللفظ ومن قرائن أحواله أنه ~~أفهم عدم نبي بعده أبدا وعدم رسول الله أبدا وأنه ليس فيه تأويل ولا تخصيص ~~فمنكر هذا لا يكون إلا منكر الإجماع، وعند هذا يتفرع مسائل متقاربة مشتبكة ~~يفتقر ms144 كل واحد منها إلى نظر، والمجتهد في جميع ذلك يحكم بموجب ظنه يقينا ~~وإثباتا والغرض الآن تحرير معاقد الأصول التي ياتي عليها التكفير وقد نرجع ~~إلى هذه المراتب السلتة ولا يعترض فرع إلا ويندرج تحت رتبة من هذه الرتب، ~~فالمقصود التأصيل دون التفصيل. فإن قيل: السجود بين يدي الصنم كفر، وهو فعل ~~مجرد لا يدخل تحت هذه الروابط، فهل هو أصل آخر؟ قلنا: لا، فإن الكفر في ~~اعتقاده تعظيم الصنم، وذلك تكذيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV01P137 # والقرآن ولكن يعرف اعتقاده تعظيم الصنم تارة بتصريح لفظه، وتارة بالإشارة ~~إن كان أخرسا، وتارة بفعل يدل عليه دلالة قاطعة كالسجود حيث لا يحتمل أن ~~يكون السجود لله وإنما الصنم بين يديه كالحائط وهو غافل عنه أو غير معتقد ~~تعظيمه، وذلك يعرف بالقرائن. وهذا كنظرنا أن الكافر إذا صلى بجماعتنا هل ~~يحكم باسلامه، أي هل يستدل على اعتقاد التصديق؟ فليس هذا إذن نظرا خارجا ~~عما ذكرناه. ولنقتصر على هذا القدر في تعريف مدارك التكفير وإنما أوردناه ~~من حيث أن الفقهاء لم يتعرضوا له والمتكلمون لم ينظروا فيه نظرا فقهيا، إذ ~~لم يكن ذلك من فنهم، ولم ينبه بعضهم بها لقرب المسألة من الفقهيات، لأن ~~النظر في الأسباب الموجبة للتكفير من حيث أنها أكاذيب وجهالات نظر عقلي، ~~ولكن النظر من حيث أن تلك الجهالات مقتضية بطلان العصمة وإنما الخلود في ~~النار نظر فقهي وهو المطلوب. # ولنختم الكتاب بهذا، فقد أظهرنا الاقتصاد في الاعتقاد وحذفنا الحشو ~~والفضول المستغنى عنه، الخارج من أمهات العقائد، وقواعدها، واقتصرنا من ~~أدلة ما أوردناه على الجلي الواضح الذي لا تقصر أكثر الأفهام عن دركه، ~~فنسأل الله تعالى ألا يجعله وبالا علينا، وأن يضعه في ميزان الصالحات إذا ~~ردت إلينا أعمالنا، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد خاتم ~~النبيين وعلى آله وسلم تسليما كثيرا آمين. PageV01P138 ms145