######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0009261 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي (المتوفى: 505هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 505 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: كيمياء السعادة #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الرقاق والآداب والأذكار #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0009261 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-9261 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/9261 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي أصعد قوالب الأصفياء بالمجاهدة، وأسعد قلوب الأولياء ~~بالمشاهدة، وحلى ألسنة المؤمنين بالذكر، وجلى خواطر العارفين بالفكر، وحرس ~~سواد العباد عن الفساد، وحبس مراد الزهاد على السداد، وخلص أشباح المتقين ~~من ظلم الشهوات، وصفى أرواح الموقنين عن ظلم الشبهات، وقبل أعمال الأخيار ~~بأداء الصلوات، وأيد خصال الأحرار بإسداء الصلات. # أحمده حمد من رأى آيات قدرته وقوته، وشاهد الشواهد من فردانيته ~~ووحدانيته، وطرق طوارق سره وبره، وقطف ثمار معرفته من شجر مجده وجوده، ~~وأشكره شكر من اخترق واغترف من نهر فضله وإفضاله، وأومن به إيمان من آمن ~~بكتابه وخطابه، وأنبيائه وأصفيائه، ووعده ووعيده، وثوابه وعقابه.. وأشهد أن ~~لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله: بعثه لأصلاب ~~الفسقة والفجرة قاسما، ولعرى الجاحدين والمارقين فاصما، ولباغي الشك والشرك ~~قاهرا، ولأتباع الحق والإحسان ناصرا؛ فصلوات الله عليه، وعلى آله، وأصحابه ~~أجمعين. # PageV01P121 ### | فصل في معرفة النفس # اعلم أن مفتاح معرفة الله تعالى هو معرفة النفس، كما قال سبحانه وتعالى: ~~(سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق) . # وقال النبي صلى الله عليه وسلم:) من عرف نفسه فقد عرف ربه (. وليس شيء ~~أقرب إليك من نفسك، فإذا لم تعرف نفسك، فكيف تعرف ربك؟ فإن قلت: إني أعرف ~~نفسي! فإنما تعرف الجسم الظاهر، الذي هو اليد والرجل والرأس والجثة، ولا ~~تعرف ما في باطنك من الأمر الذي به إذا غضبت طلبت الخصومة، وإذا اشتهيت ~~طلبت النكاح، وإذا جعت طلبت الأكل، وإذا عطشت طلبت الشرب. # والدواب تشاركك في هذه الأمور. # فالواجب عليك أن تعرف نفسك بالحقيقة؛ حتى تدرك أي شيء أنت، ومن أين جئت ~~إلى هذا المكان، ولأي شيء خلقت، وبأي شيء سعادتك، وبأي شيء شقاؤك. # وقد جمعت في باطنك صفات: منها صفات البهائم، ومنها صفات السباع، ومنها ~~صفات الشياطين، ومنها صفات الملائكة، فالروح حقيقة جوهرك وغيرها غريب منك، ~~وعارية عندك. # فالواجب عليك أن تعرف هذا، وتعرف أن لكل واحد من هؤلاء غذاء ms01 وسعادة. # فإن سعادة البهائم في الأكل، والشرب، والنوم، والنكاح، فإن كنت منهم ~~فاجتهد في أعمال الجوف والفرج. # وسعادة السباع في الضرب، والفتك. # وسعادة الشياطين في المكر، والشر، والحيل. فإن كنت منهم فاشتغل ~~باشتغالهم. # وسعادة # PageV01P124 # الملائكة في مشاهدة جمال الحضرة الربوبية، وليس للغضب والشهوة إليهم ~~طريق. فإن كنت من جوهر الملائكة، فاجتهد في معرفة أصلك؛ حتى تعرف الطريق ~~إلى الحضرة الإلهية، وتبلغ إلى مشاهدة الجلال والجمال، وتخلص نفسك من قيد ~~الشهوة والغضب، وتعلم أن هذه الصفات لأي شيء ركبت فيك؛ فما خلقها الله ~~تعالى لتكون أسيرها، ولكن خلقها حتى تكون أسرك، وتسخرها للسفر الذي قدامك، ~~وتجعل إحداها مركبك، والأخرى سلاحك؛ حتى تصيد بها سعادتك. فإذا بلغت غرضك ~~فقاوم بها تحت قدميك، وارجع إلى مكان سعادتك. وذلك المكان قرار خواص الحضرة ~~الإلهية، وقرار العوام درجات الجنة. # فتحتاج إلى معرفة هذه المعاني؛ حتى تعرف من نفسك شيئا قليلا؛ فكل من لم ~~يعرف هذه المعاني فنصيبه من القشور؛ لأن الحق يكون عنه محجوبا. ### | فصل كيف تعرف نفسك # إذا شئت أن تعرف نفسك، فاعلم أنك من شيئين: الأول: هذا القلب، والثاني: ~~يسمى النفس والروح. # والنفس هو القلب الذي تعرفه بعين الباطن، وحقيقتك الباطن؛ لأن الجسد أول ~~وهو الآخر، والنفس آخر وهو الأول. ويسمى قلبا. # وليس القلب هذه القطعة اللحمية التي في الصدر من الجانب الأيسر؛ لأنه ~~يكون في الدواب والموتى. وكل شيء تبصره بعين الظاهر فهو من هذا العالم الذي ~~يسمى عالم الشهادة. # وأ ### | ما حقيقة القلب # ، فليس من هذا العالم، لكنه من عالم الغيب؛ فهو في هذا العالم غريب، وتلك ~~القطعة اللحمية مركبة، وكل أعضاء الجسد عساكره وهو الملك، ومعرفة الله ~~ومشاهدة جمال الحضرة صفاته، والتكليف عليه، والخطاب معه، وله الثواب، وعليه ~~العقاب، والسعادة والشقاء تلحقانه، والروح الحيواني في كل شيء تبعه ومعه. # ومعرفة حقيقته، ومعرفة صفاته، مفتاح معرفة الله سبحانه وتعال؛ فعليك ~~بالمجاهدة حتى تعرفه؛ لأنه جوهر عزيز من جنس جوهر الملائكة، وأصل معدنه من ~~الحضرة الإلهية، من ذلك المكان جاء، وإلى ذلك ms02 المكان يعود. # PageV01P125 ### | ما حقيقة القلب # أما سؤالك: ما حقيقة القلب؟ فلم يجئ في الشريعة أكثر من قول الله تعالى: ~~(ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي) .. لأن الروح من جملة القدرة ~~الإلهية، وهو من عالم الأمر، قال الله عز وجل: (ألا له الخلق والأمر) . # فالإنسان من عالم الخلق من جانب، ومن عالم الأمر من جانب؛ فكل شيء يجوز ~~عليه المساحة والمقدار والكيفية فهو من عالم الخلق. وليس للقلب مساحة ولا ~~مقدار؛ ولهذا لا يقبل القسمة، ولو قبل القسمة لكان من عالم الخلق، وكان من ~~جانب الجهل جاهلا ومن جانب العلم عالما، وكل شيء يكون فيه علم وجهل فهو ~~محال. وفي معنى آخر هو من عالم الأمر؛ لأن عالم الأمر عبارة عن شيء من ~~الأشياء لا يكون للمساحة والتقدير طريق إليه. # وقد ظن بعضهم:) أن الروح قديم (فغلطوا. # وقال قوم:) إنه عرض (، فغلطوا؛ لأن العرض لا يقوم بنفسه، ويكون تابعا ~~لغيره. فالروح هو أصل ابن آدم، وقالب ابن آدم تبع له؛ فكيف يكون عرضا؟! ~~وقال قوم:) إنه جسم (، فغلطوا؛ لأن الجسم يقبل القسمة. فالروح الذي سميناه ~~قلبا، وهو محل معرفة الله تعالى، ليس بجسم، ولا عرض، بل هو من جنس ~~الملائكة. # ومعرفة الروح صعبة جدا؛ لأنه يرد في الدين طريق إلى معرفته؛ لأنه لا # PageV01P126 # حاجة في الدين إلى معرفته؛ لأن الدين هو المجاهدة، والمعرفة علامة ~~الهداية كما قال سبحانه وتعال: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) . ومن ~~لم يجتهد حق اجتهاده لم يجز أن يتحدث معه في معرفة حقيقة الروح. وأول أس ~~المجاهدة أن تعرف عسكر القلب؛ لأن الإنسان إذا لم يعرف العسكر لم يصح له ~~الجهاد. ### | فصل لماذا خلق القلب؟ # اعلم أن النفس مركب قلب، وللقلب عساكر، كما قال سبحانه وتعالى: (وما يعلم ~~جنود ربك إلا هو) . # والقلب مخلوق لعمل الآخرة طلبا لسعادته، وسعادته معرفة ربه عز وجل، ~~ومعرفة ربه تعالى تحصل له من صنع الله، وهو من جملة عالمه، ولا تحصل له ~~معرفة عجائب العالم إلا من طريق الحواس، ms03 والحواس من القلب، والقالب مركبه. ~~ثم معرفة صيده، ومعرفة شبكته، والقالب لا يقوم إلا بالطعام، والشراب، ~~والحرارة، والرطوبة. وهو ضعيف على خطر من الجوع والعطش في الباطن، وعلى خطر ~~من الماء والنار في الظاهر، وهو مقابل أعداء كثيرة. # PageV01P127 ### | فصل معرفة عساكر القلب # وتحتاج أن تعرف العسكرين: وذلك أن العسكر الظاهر هو: الشهوة والغضب؛ ~~ومنازلهم في اليدين، والرجلين، والعينين، والأذنين، وجميع الأعضاء. # وأما العسكر الباطن، فمنازله في الدماغ، وهو قوي الخيال، والتفكر، ~~والحفظ، والتذكر، والوهم. ولكل قوة من هذه القوى عمل خاص. فإن ضعف واحد ~~منهم ضعف حال ابن آدم في الدارين. # وجملة هذين العسكرين في القلب، وهو أميرهما؛ فإن أمر اللسان أن يذكر ذكر، ~~وإن أمر اليد أن تبطش بطشت، وإن أمر الرجل أن تسعى سعت، وكذلك الحواس الخمس ~~حتى يحفظ نفسه؛ كيما يدخر الزاد للدار الآخرة، ويحصل الصيد، وتتم التجارة، ~~ويجمع بذر السعادة. # وهؤلاء طائعون للقلب، كما أن الملائكة طائعون للرب سبحانه وتعالى لا ~~يخالفون أمره. # PageV01P128 ### | فصل في معرفة القلب وعسكره # اعلم أنه قيل في المثل المشهور: إن النفس كالمدينة، واليدين والقدمين ~~وجميع الأعضاء ضياعها، والقوة الشهوانية واليها، والقوة الغضبية شحنتها، ~~والقلب ملكها، والعقل وزيرها. والملك يدبرهم حتى تستقر مملكته وأحواله؛ لأن ~~الوالي وهو الشهوة كذاب فضولي مخلط، والشحنة - وهو الغضب - شرير قتال خراب. ~~فإن تركهم الملك على ما هم عليه، هلكت المدينة وخربت؛ فيجب أن يشاور الملك ~~الوزير، ويجعل الوالي والشحنة تحت يد الوزير. فإذا فعل ذلك استقرت أحوال ~~المملكة وتعمرت المدينة. وكذلك القلب يشاور العقل، ويجعل الشهوة والغضب تحت ~~حكمه، حتى تستقر أحوال النفس، ويصل إلى سبب السعادة من معرفة الحضرة ~~الإلهية. # ولو جعل العقل تحت يد الغضب والشهوة، هلكت نفسه، وكان قلبه شقيا في ~~الآخرة. ### | فصل وظيفة القلب # اعلم أن الشهوة والغضب خادمان للنفس جاذبان يحفظان أمر الطعام والشراب ~~والنكاح لعمل الحواس. # ثم النفس خادم الحواس شبكة العقل وجواسيسه يبصر بها صنائع البارئ جلت ~~قدرته. # ثم الحواس خادم العقل، وهو للقلب سراج وشمعة يبصر بنوره الحضرة ms04 الإلهية؛ ~~لأن الجنة وهي نصيب الجوف أو الفرج محتقرة في جنب تلك الجنة. # ثم العقل خادم القلب، والقلب مخلوق لنظر جمال الحضرة الإلهية. # فمن اجتهد في هذه الصنعة، فهو عبد حق، من غلمان الحضرة، كما قال سبحانه ~~وتعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) . # معناه: إنا خلقنا القلب، وأعطيناه الملك والعسكر، وجعلنا # PageV01P129 # النفس مركبة؛ حتى يسافر عليه من عالم التراب إلى أعلى عليين. # فإذا أراد أن يؤدي حق هذه النعمة، جلس مثل السلطان في صدر مملكته، وجعل ~~الحضرة الإلهية قبلته ومقصده، وجعل الآخرة وطنه وقراره، والنفس مركبه، ~~والدنيا منزله، واليدين والقدمين خدامه، والعقل وزيره، والشهوة عامله، ~~والغضب شحنته، والحواس جواسيسه. وكل واحد موكل بعالم من العوالم يجمع له ~~أحوال العوالم. وقوة الخيال في مقدم الدماغ كالنقيب يجمع عنده أخبار ~~الجواسيس، وقوة الحفظ في وسط الدماغ مثل صاحب الخريطة يجمع الرقاع من يد ~~النقيب ويحتفظها إلى أن يعرضها على العقل. فإذا بلغت هذه الأخبار إلى ~~الوزير يرى أحوال المملكة على مقتضاها. # فإذا رأيت واحدا منهم قد عصى عليك، مثل الشهوة والغضب، فعليك بالمجاهدة، ~~ولا تقصد قتلهما؛ لأن المملكة لا تستقر إلا بهما. # فإذا فعلت ذلك كنت سعيدا، وأديت حق النعمة، ووجبت لك الخلعة في وقتها، ~~وإلا كنت شقيا، ووجب عليك النكال والعقوبة. ### | فصل ثلاثة أشياء تبنى عليها السعادة # تمام السعادة مبني على ثلاثة أشياء: قوة الغضب، قوة الشهوة، قوة العلم. # فيحتاج أن يكون أمرها متوسطا؛ لئلا تزيد قوة الشهوة فتخرجه إلى الرخص # PageV01P130 # فيهلك، أو تزيد قوة الغضب فتخرجه إلى الجموح فيهلك. # فإذا توسطت القوتان بإشارة قوة العلم دل على طريق الهداية، وكذلك الغضب ~~إذا زاد سهل عليه الضرب والقتل، وإذا نقص ذهبت الغيرة والحمية في الدين ~~والدينا، وإذا توسط كان الصبر والشجاعة والحكمة. وكذا الشهوة إذا زادت كان ~~الفسق والفجور، وإن نقصت كان العجز والفتور، إن توسطت كان العفة والقناعة ~~وأمثال ذلك. ### | فصل أحوال القلب مع عسكره # اعلم أن للقلب مع عسكره أحوالا وصفات، بعضها يسمى أخلاق السوء، وبعضها ~~أخلاق الحسن ms05 فبالأخلاق الحسنة يبلغ درجة السعادة، وبالأخلاق السيئة هلاكه ~~وخروجه للشقاء. # وهذه كلها تبلغ أربعة أجناس: أخلاق الشياطين، أخلاق البهائم، أخلاق ~~السباع، أخلاق الملائكة. # فأعمال السوء: من الأكل والشرب، والنوم، والنكاح؛ هي أخلاق البهائم. # وكذلك أعمال الغضب: من الضرب، والقتل، والخصومة هي أخلاق السباع. # وكذلك أعمال النفس: وهي المكر، والحيلة، والغش، وغير ذلك؛ هي أخلاق ~~الشياطين. # وكذلك أعمال العقل؛ التي هي الرحمة، والعلم، والخير؛ هي أخلاق الملائكة. # PageV01P131 ### | فصل الأخلاق الحسنة والأخلاق القبيحة # واعلم أن في جلد ابن آدم أربعة أشياء: الكلب، الخنزير، الشيطان، الملك. # والكلب مذموم في صفاته، وليس بمذموم في صورته. وكذلك الشيطان والملائكة، ~~ذمهم ومدحهم في صفاتهم، وليس ذلك في صورهم وخلقهم. وكذلك الخنزير مذموم في ~~صفاته، وليس بمذموم في خلقته. # وقد أمر ابن آدم بأن يكشف ظلم الجهل بنور العقل؛ خوفا من الفتنة، كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم:) ما من أحد إلا وله شيطان، ولي شيطان، وأن الله ~~قد أعانني على شيطاني حتى أسلم (. وكذلك الشهوة والغضب، ينبغي أن يكونا تحت ~~يد العقل، فلا يفعل شيئا إلا بأمره، فإن فعل ذلك صح له حسن الأخلاق، وهي ~~صفات الملائكة، وهي بذر السعادة. وإن عمل بخلاف ذلك، فخدم الشهوة والغضب، ~~صح له الأخلاق القبيحة، وهي صفات الشياطين، وهي بذر الشقاء. فيتبين له في ~~نومه كأنه قائم مشدود الوسط يخدم الكلب والخنزير، وكان مثله كمثل رجل مسلم ~~يأخذ رجالا مسلمين يحبسهم عند كافرين. فكيف يكون حالك يوم القيامة إذا حبست ~~الملك - وهو العقل - تحت يد الشهوة والغضب، وهما الكلب والخنزير؟ # PageV01P132 ### | فصل هل الصور تابعة للمعاني # واعلم أن الإنسان في صورة ابن آدم اليوم، وغدا تنكشف له المعاني، فتكون ~~الصور في معنى المعاني. # فأما الذي غلب عليه الغضب، فيقوم في صورة الكلب. وأما الذي غلب عليه ~~الشهوة، فيقوم في صورة الخنزير؛ لأن الصور تابعة للمعاني. وإنما يبصر ~~النائم في نومه ما صح في باطنه. وإنما عرفت أن الإنسان في باطنه هذه ~~الأربعة، فيجب أن يراقب حركاته وسكناته، ويعرف من أي ms06 الأربعة هو؛ فإن صفاته ~~تحصل في قلبه وتبقى معه إلى يوم القيامة. وإن بقي من جملة الباقيات ~~الصالحات شيء فهو بذر السعادة، وإن بقي معه غير ذلك فهو بذر الشقاء. # وابن آدم لا ينفك ولا ينفصل عن حركة أو سكون، وقلبه مثل الزجاج، وأخلاق ~~السوء كالدخان والظلمة، فإذا وصل إليه ذلك أظلم عليه طريق السعادة. وأخلاق ~~الحسن كالنور والضوء، فإذا وصل إلى القلب طهره من ظلم المعاصي، كما قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم:) أتبع السيئة الحسنة تمحها (. والقلب إما ~~مضيء أو مظلم، ولا ينجو إلا من أتى الله بقلب سليم. # PageV01P133 ### | فصل في عجائب القلب # اعلم أن للقلب بابين للعلوم: واحد للأحلام، والثاني لعالم اليقظة. # وهو الباب الظاهر إلى الخارج، فإن نام غلق باب الحواس، فيفتح له باب ~~الباطن ويكشف له غيب من عالم الملكوت، ومن اللوح المحفوظ؛ فيكون مثل الضوء، ~~وربما احتاج كشفه إلى شيء من تعبير الأحلام. وأما ما كان من الظاهر، فيظن ~~الناس. أن به اليقظة، وأن اليقظة أولى بالمعرفة، مع أنه لا يبصر في اليقظة ~~شيء من عالم الغيب، وما يبصر بين النوم واليقظة أولى بالمعرفة مما يبصر من ~~طريق الحواس. ### | فصل القلب مثل المرآة # وتحتاج أن تعرف في ضمن ذلك أن القلب مثل المرآة، واللوح المحفوظ مثل ~~المرآة أيضا؛ لأن فيه صورة كل موجود، وإذا قابلت المرآة بمرآة أخرى حلت صور ~~ما في إحداهما في الأخرى، وكذلك تظهر صور ما في اللوح المحفوظ إلى القلب ~~إذا كان فارغا من شهوات الدنيا، فإن كان مشغولا بها كان عالم الملكوت ~~محجوبا عنه، وإن كان في حال النوم فارغا من علائق الحواس طالع جواهر عالم ~~الملكوت؛ فظهر فيه بعض الصور التي في اللوح المحفوظ. # وإذا أغلق باب الحواس كان بعده الخيال؛ لذلك يكون الذي يبصره تحت ستر ~~القشر، وليس كالحق الصريح مكشوفا فإذا مات - أي القلب - بموت صاحبه لم يبق ~~خيال ولا حواس. وفي ذلك الوقت يبصر بغير وهم وغير خيال، ويقال له: (فكشفنا ~~عنك غطاءك فبصرك ms07 اليوم حديد) . # PageV01P135 ### | فصل متى يحجب القلب عن مطالعة عالم الملكوت # واعلم أنه ما من أحد إلا ويدخل في قلبه الخاطر المستقيم، وبيان الحق على ~~سبيل الإلهام. # وذلك لا يدخل من طريق الحواس، بل يدخل في القلب، لا يعرف من أين جاء؛ لأن ~~القلب من عالم الملكوت، والحواس مخلوقة لهذا العالم) عالم الملك (. فلذلك ~~يكون حجابه عن مطالعة ذلك العالم إذا لم يكن فارغا من شغل الحواس. ### | فصل متى يطالع القلب عالم الملكوت # ولا تظنن أن هذه الطاقة تنفتح بالنوم والموت فقط، بل تنفتح باليقظة لمن ~~أخلص الجهاد والرياضة، وتخلص من يد الشهوة والغضب والأخلاق القبيحة ~~والأعمال الرديئة. # فإذا جلس في مكان خال، وعطل طريق الحواس، وفتح عين الباطن وسمعه، وجعل ~~القلب في مناسبة عالم الملكوت، وقال دائما:) الله - الله - الله (بقلبه، ~~دون لسانه، إلى أن يصير لا خير معه من نفسه، ولا من العالم، ويبقى لا يرى ~~شيئا إلا الله سبحانه وتعالى انفتحت تلك الطاقة، وأبصر في اليقظة # PageV01P136 # الذي يبصره في النوم؛ فتظهر له أرواح الملائكة، والأنبياء، والصور الحسنة ~~الجملية، وانكشف له ملكوت السماوات والأرض، ورأى ما لا يمكن شرحه ولا وصفه، ~~كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:) زويت لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغربها ~~(وقال الله عز وجل: (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض) . لأن علوم ~~الأنبياء عليهم السلام كلها كانت من هذا الطريق، لا من طريق الحواس، كما ~~قال سبحانه وتعالى: (واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا) ، معناه: الانقطاع ~~عن كل شيء، وتطهير القلب من كل شيء، والابتهال إليه سبحانه وتعالى بالكلية. # وهو طريق الصوفية في هذا الزمان. وأما طريق التعليم، فهو طريق العلماء. ~~وهذه الدرجة الكبيرة مختصرة من طريق النبوة، وكذلك علم الأولياء؛ لأنه وقع ~~في قلوبهم بلا واسطة من حضرة الحق، كما قال سبحانه وتعالى: (آتيناه رحمة من ~~عندنا وعلمناه من لدنا علما) . # وهذه الطريق لا تفهم إلا بالتجربة، وإن لم تحصل # PageV01P137 # بالذوق لم تحصل بالتعليم. والواجب التصديق بها حتى لا تحرم شعاع سعادتهم، ~~وهو من ms08 عجائب القلب. ومن لم يبصر لم يصدق، كما قال سبحانه وتعالى: (بل ~~كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله) ، وقوله: (وإذ لم يهتدوا به ~~فسيقولون هذا إفك قديم) . ### | فصل من طلب وجد # ولا تحسب أن هذا خاص بالأنبياء والأولياء؛ لأن جوهر ابن آدم في أصل ~~الخلقة موضوع لهذا كالحديد لأن يعمل منه مرآة ينظر فيها صورة العالم، إلا ~~الذي صدأ فيحتاج إلى إجلاء، أو جدب فيحتاج إلى صقل أو سبك لأنه قد تلف. # وكذلك كل قلب إذا غلب عليه الشهوات والمعاصي لم يبلغ هذه الدرجة وإن لم ~~تغلب عليه تلك الدرجة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من مولود إلا ~~يولد على الفطرة) ، وقال الله تعالى: (وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا ~~بلى) . وكذلك بنو آدم في فطرتهم التصديق بالربوبية كما قال سبحانه وتعالى: ~~(فطرت الله التي فطر الناس عليها) ، والأنبياء والأولياء هم بنو آدم، قال ~~سبحانه وتعالى: (قل إنما أنا بشر مثلكم) . # فكل من زرع حصد، ومن مشى وصل، ومن طلب وجد، والطلب لا يحصل إلا ~~بالمجاهدة: طلب شيخ بالغ عارف قد مشى في هذا الطريق وإذا حصل هذان الشيئان ~~لأحد، فقد أراد الله له التوفيق والسعادة بحكم أزلي حتى يبلغ إلى هذه ~~الدرجة. # PageV01P138 ### | فصل ما هي أعظم اللذات # إن اللذة والسعادة لابن آدم معرفة الله سبحانه وتعالى. # اعلم أن سعادة كل شيء ولذته وراحته تكون بمقتضى طبعه، وطبع كل شيء ما خلق ~~له؛ فلذة العين في الصور الحسنة، ولذة الأذن في الأصوات الطيبة، وكذلك سائر ~~الجوارح بهذه الصفة. ولذة القلب خاصة بمعرفة الجوارح بهذه الصفة. ولذة ~~القلب خاصة بمعرفة الله سبحانه وتعالى لأنه مخلوق لها. # وكل ما لم يعرفه ابن آدم إذا عرفه فرح به، مثل لعبة الشطرنج، إذا عرفها ~~فرح بها، ولو نهى عنها لم يتركها ولا يبقى له عنها صبر. وكذلك إذا وقع في ~~معرفة الله # PageV01P139 # سبحانه وتعالى، وفرح بها، ولم يصبر عن المشاهدة؛ لأن لذة القلب المعرفة. # وكلما كانت المعرفة أكبر كانت ms09 اللذة أكبر. ولذلك فإن الإنسان إذا عرف ~~الوزير فرح، ولو عرف الملك لكان أعظم فرحا. # وليس موجودا أشرف من الله سبحانه وتعالى؛ لأن شرف كل موجود به ومنه، وكل ~~عجائب العالم آثار صنعته؛ فلا معرفة أعز من معرفته، ولا لذة أعظم من لذة ~~معرفته، وليس منظر أحسن من منظر حضرته. # وكل لذات شهوات الدنيا متعلقة بالنفس، وهي تبطل بالموت. # ولذة معرفة الربوبية متعلقة بالقلب، فلا تبطل بالموت؛ لأن القلب لا يهلك ~~بالموت، بل تكون لذته أكثر، وضوؤه أكبر؛ لأنه خرج من الظلمة إلى الضوء. ### | فصل النفس مختصرة من العالم # واعلم أن نفس ابن آدم مختصرة من العالم، وفيها من كل صورة في العالم أثر ~~منه؛ لأن هذه العظام كالجبال، ولحمه كالتراب، وشعره كالنبات، ورأسه # PageV01P140 # كالسماء، وحواسه مثل الكواكب. وتفصيل ذلك طويل. # وأيضا فإن في باطنه صناع العالم؛ لأن القوة في المعدة كالطباخ، والتي في ~~الكبد كالخباز، والتي في الأمعاء كالقصار، والتي تبيض اللبن وتحمر الدم ~~كالصباغ. وشرح ذلك يطول. # والمقصود أن تعلم كم في باطنك من عوالم مختلفة كلهم مشغولون بخدمتك، وأنت ~~في غفلة عنهم، وهم لا يستريحون، ولا تعرفهم أنت، ولا تشكر من أنعم عليك ~~بهم!! ### | فصل في معرفة تركيب الجسد ### | ومنافع الأعضاء التي يقال عنها في علم التشريح # وهو علم عظيم، والخلق غافلون عنه، وكذلك علم الطب. فكل من أراد أن ينظر ~~في نفسه وعجائب صنع الله تعالى فيها يحتاج إلى معرفة ثلاثة أشياء من الصفات ~~الإلهية: # الأولى: أن يعرف أن خالق الشخص قادر على الكمال، وليس بعاجز، وهو الله ~~سبحانه وتعالى. وليس عمل في العالم بأعجب من خلق الإنسان من ماء مهين، ~~وتصوير هذا الشخص بهذه الصورة العجيبة، كما قال سبحانه وتعالى: (إنا خلقنا ~~الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه) ؛ فإعادته بعد الموت أهون عليه؛ لأن الإعادة ~~أسهل من الابتداء. # الثانية: معرفة علمه سبحانه وتعالى، وأنه محيط بالأشياء كلها؛ لأن هذه ~~العجائب والغرائب لا تمكن إلا بكمال العلم. # الثالثة: أن تعلم أن لطفه ورحمته وعنايته متعلقة بالأشياء كلها، ms10 وأنها لا ~~نهاية لها؛ لما ترى في النبات والحيوان والمعادن من سعة القدرة وحسن الصور ~~والألوان. # PageV01P141 ### | فصل في تفصيل خلقة بني آدم # لأنها مفتاح معرفة الصفات الإلهية، وهو علم شريف. وذلك معرفة عجائب ~~الصنائع الإلهية، ومعرفة عظم الله - سبحانه وتعالى - وقدرته. # وهو مختصر معرفة القلب، وهو علم شريف؛ إذ هو معرفة الصنائع الإلهية؛ لأن ~~النفس كالفرس، والعقل كالراكب، وجماعهما الفارس. ومن لم يعرف نفسه، وهو ~~يدعي معرفة غيره، فهو كالرجل المفلس الذي ليس له طعام لنفسه وهو يدعي أنه ~~يقوت فقراء المدينة، فهذا محال. ### | فصل متى تفضل البهائم ابن آدم # إذا عرفت هذا العز، والشرف، والكمال، والجمال، والجلال، بعد أن عرفت جوهر ~~القلب أنه جوهر عزيز، قد وهب لك، وبعد ذلك خفي عنك.. فإن لم تطلبه، وغفلت ~~عنه، وضيعته، كان ذلك حسرة عظيمة عليك يوم القيامة؛ فاجتهد في طلبه، واترك ~~أشغال الدنيا كلها وكل شرف لم يظهر في الدنيا، فهو في الآخرة فرح بلا غم، ~~وبقاء بلا فناء، وقدرة بلا عجز، ومعرفة بلا جهل وجمال وجلال عظيمان. # وأما اليوم، فليس شيء أعجز منه؛ لأنه مسكين ناقص. وإنما الشرف غدا، إذا ~~طرح من هذه الكيمياء على جوهر قلبه، حتى يخلص منه شبه البهائم، ويبلغ درجة ~~الملائكة. فإن رجع إلى شهوات الدنيا، فضلت عليه البهائم يوم القيامة؛ لأنها ~~تصير إلى التراب، ويبقى هو في العذاب.. نعوذ بالله من ذلك، ونستجير به، وهو ~~نعم المولى ونعم النصير. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد ~~وعلى آله وصحبه أجمعين. PageV01P142 ms11