######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0006494 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي (المتوفى: 505هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 505 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: معارج القدس في مدراج معرفة النفس #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: العقيدة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0006494 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-6494 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/6494 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الثانية، 1975 #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الآفاق الجديدة - بيروت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | مقدمة في معاني الالفاظ المترادفة على النفس وهي أربعة النفس والقلب والروح والعقل # أما النفس فتطلق بمعنيين أحدهما أن يطلق ويراد به المعنى الجامع للصفات ~~المذمومة وهي القوى الحيوانية المضادة للقوى العقلية وهو المفهوم عند اطلاق ~~الصوفية فيقال من أفضل الجهاد أن تجاهد نفسك واليه الإشارة بقول نبينا عليه ~~السلام أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك # والثاني أن يطلق ويراد به حقيقة الآدمي وذاته فإن نفس كل شيء حقيقته وهو ~~الجوهر الذي هو محل المعقولات وهو من عالم الملكوت ومن عالم الأمر على ما ~~نبين نعم تختلف أسماؤها باختلاف أحوالها العارضة عليها فإن اتجهت إلى صواب ~~الصواب ونزلت عليها السكينات الآلهية وتواترت عليها نفحات فيض الجود الإلهي ~~فتطمئن إلى ذكر الله عز وجل وتسكن إلى المعارف الإلهية وتطير إلى أعلى أفق ~~الملكية فيقال نفس مطمئنة قال الله تعالى {يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي ~~إلى ربك راضية مرضية} وان كانت مع قواها # PageV01P015 # وجنودها في حراب وقتال وشجار ونزاع وكانت الحرب بينهما سجالا فتارة لها ~~اليد عليها وتارة للقوى عليها اليد فلا تكون حالها مستقيمة فتارة تنزع إلى ~~جانب العقول فتتلقى المعقولات وتثبت على الطاعات وتارة تستولي عليها القوى ~~فتهبط إلى حضيض منازل البهائم فهذه النفس نفس لوامة وهذه النفس هي حالة ~~أكثر الخلق فإن من ارتفع إلى أفق الملائكة حتى تحلى بالعلوم والفضائل ~~النفسية والأعمال الحسنة فهو ملك جسماني لارتفاعه عن الإنسانية وعدم ~~مشاركته للبشر إلا بالصورة التخطيطية ولهذا قال تعالى ماهذا بشرا إن هذا ~~إلا ملك كريم # ومن اتضع حتى صار في حضيض البهائم فلو تصور كلب أو حمار منتصب القامة ~~متكلم لكان هو اياه لانسلاخه عن الفضائل الانسانية وعدم مشاركته للانسان ~~إلا بالصورة التخطيطية وهذه هي النفس الأمارة بالسوء # فجلهم إذا فكرت فيهم ... حمير أو كلاب أو ذئاب # وهو من الأنس المذكورين في قوله تعالى {شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم ~~إلى بعض زخرف القول غرورا} وقال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه يا أشباه ~~الرجال ولا رجال فمثل هذه ms001 النفس تراه أبدا عبدا لحجر أو مدر أو بهيمة أو ~~ضعينة وهذا هو الذي أخبر الله سبحانه عنه فقال {إن النفس لأمارة بالسوء} # أما القلب فيطلق أيضا بمعنيين أحدهما اللحم الصنوبري الشكل المودع في جوف ~~الإنسان من جانب اليسار وقد عرف ذلك بالتشريح وهو مركب الدم الأسود ومنبع ~~البخار الذي هو مركب الروح الطبي الحيواني # PageV01P016 # وهذا يكون لجميع الحيوانات وليس بخاص للانسان وهو الذي يفنى بالموت جميع ~~الحواس بسببه # والثاني هو الذي نحن بصدد بيانه هو الروح الانساني المتحمل لأمانة الله ~~المتحلي بالمعرفة المركوز فيه العلم بالفطرة الناطق بالتوحيد بقوله بلى فهو ~~أصل الآدمي ونهاية الكائنات في عالم المعاد قال الله تعالى {قل الروح من ~~أمر ربي} وقال {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} # وقال نبينا عليه السلام إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن ~~الخ وحيثما ورد في الشرع القلب فيراد به ما نحن بصدد بيانه وان أطلق في ~~موضع على اللحم الصنوبري فلأنه متعلقه الخاص وأول متعلقه كما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم إن جوف ابن آدم لمضغة اذا صلحت صلح بها سائر الجسد وإذا ~~فسدت فسد بها سائر الجسد الا وهي القلب # أما الروح فيطلق ويراد به البخار اللطيف الذي يصعد من منبع القلب ويتصاعد ~~إلى الدماغ بواسطة العروق أيضا إلى جميع البدن فيعمل في كل موضع بحسب مزاجه ~~واستعداده عملا وهو مركب الحياة فهذا البخار كالسراج والحياة التي قامت به ~~كالضوء وكيفية تأثيره في البدن ككيفية تنوير السراج أجزاء البيت ويطلق ~~ويراد به المبدع الصادر من أمر الله تعالى الذي هو محل العلوم والوحي ~~والالهام وهو من جنس الملائكة مفارق للعالم الجسماني قائم بذاته على ما ~~نبين # ويطلق أيضا ويراد به الروح الذي في مقابلة جميع الملائكة وهو المبدع ~~الأول وهو روح القدس # PageV01P017 # ويطلق أيضا ويراد به القرآن وعلى الجملة فهو عبارة عما به حياة ما على ~~الجملة # أما العقل فيطلق ويراد به العقل الاول وهو الذي يعبر عنه بالعقل في قول ~~النبي ms002 صلى الله عليه وسلم أول ما خلق الله العقل فقال له أقبل فأقبل ثم قال ~~له أدبر فأدبر أي أقبل حتى تستكمل بي وأدبر حتى يستكمل بك جميع العالم دونك ~~وهو الذي قال الله تعالى له وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أعز علي ولا أفضل ~~منك بك آخذ وبك أعطي الحديث وهو الذي يعبر عنه بالقلم كما قال عليه السلام ~~ان أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب فقال وما أكتب قال ما هو كائن الى ~~يوم القيامة من عمل وأثر ورزق وأجل فكتب ما يكون وما هو كائن إلى يوم ~~القيامة # والاطلاق الثاني أن يطلق ويراد به النفس الإنسانية والإطلاق الثالث أن ~~يطلق ويراد به صفة النفس وهو بالنسبة إلى النفس كالبصر بالنسبة إلى العين ~~وهي بواسطته مستعدة لادراك المعقولات كما أن العين بواسطة البصر مستعدة ~~لادراك المحسوسات وهو الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه عن ربه ~~عزوجل وعزتي وجلالي لأكمننك فيمن أحببت # ونحن حيث أطلقنا في هذا الكتاب لفظ النفس والروح والقلب والعقل فنريد به ~~النفس الانسانية التي هي محل المعقولات # PageV01P018 ### | بيان اثبات النفس على الجملة # النفس أظهر من أن تحتاج الى دليل في ثبوتها فان جميع خطابات الشرع تتوجه ~~لا على معدوم بل على موجود حي يفهم الخطاب ولكن نحن نستظهر في بيانه فنقول ~~من المعلوم الذي لا يرتاب فيه إن الأشياء مهما اشتركت في شيء وافترقت في ~~شيء آخر فإن المشترك فيه غير المفترق فيه ونصادف كافة الأجسام مشتركة في ~~أنها أجسام يمكن أن يفرض فيها أبعاد ثلاثة متقاطعة ثم نصادفها بعد ذلك ~~مفترقة بالتحرك والادراك فإن كان تحركها لأجل جسميتها فينبغي أن يكون كل ~~جسم متحركا لأن الحقائق لا تختلف وما يجب لنوع يجب لجميع ما يشاركه في ذلك ~~النوع وتلك الحقيقة وان كان لمعنى وراء الجسمية فقد ثبت على الجملة مبدأ ~~للفعل فذلك المبدأ هو النفس إلى أن يتبين انه جوهر أو عرض مثال ذلك أنا نرى ~~الأجسام النباتية تغتذي ms003 وتنمو وتولد المثل وتتحرك حركات مختلفة من التشعيب ~~والتعريق فهذه المعاني ان كانت للجسمية فينبغي أن تكون جميع الأجسام كذلك ~~وان كانت لغير الجسمية بل لمعنى زائد فذلك المعنى يسمى نفسا نباتية ثم ~~الحيوان فيه ما في النبات ويحس ويتحرك بالإرادة ويهتدي إلى مصالح نفسه وله ~~طلب لما ينفع وهرب عما يضر فنعلم قطعا أن فيه معنى زائدا على الأجسام ~~النباتية ثم نجد الانسان # PageV01P019 # فيه جميع ما في النبات والحيوان من المعاني ويتميز بادراك الأشياء ~~الخارجة عن الحس مثل أن الكل أعظم من الجزء فيدرك الجزئيات بالحواس الخمس ~~ويدرك الكليات بالمشاعر العقلية ويشارك الحيوان في الحواس ويفارقه في ~~المشاعر العقلية فإن الانسان يدرك الكلي من كل جزئي ويجعل ذلك الكلي مقدمة ~~قياس ويستنتج منه نتيجة فلا الادراك الكلي ينكر ولا المدرك لذلك يجحد ولا ~~العرض ولا الجسم القابل لعرض ولا النبات ولا الحيوان غير الانسان يدرك ~~الكلي حتى يقوم به الكلي فينقسم بأقسام الجسم إذ الكلي له وحده خاصة من حيث ~~هو كلي لا ينقسم البتة فلا يكون للانسان المطلق الكلي نصف وثلث وربع فقابل ~~الصورة الكلية جوهر لا جسم ولا عرض في جسم ولا وضع له ولا أين له فيشار ~~إليه بل وجوده وجود عقلي أخفى من كل شيء عند الحس وأظهر من كل شيء للعقل ~~فثبت بهذا وجود النفس وثبت على الجملة أنه جوهر وثبت أنه منزه عن المادة ~~والصور الجسمانية ### | تقسيم يظهر فيه مباديء الأفعال # فنقول كل مبدأ يصدر منه فعل فاما أن يكون له شعور بفعله أو لم يكن فان لم ~~يكن له شعور فأما أن يكون فعله متحدا على نسق واحد وإما أن يكون مختلفا وإن ~~كان له شعور فاما أن يكون تعقل أو لم يكن فان كان له تعقل فاما أن يكون ~~فعله متحدا على نسق واحد وإما أن يكون مختلفا فهذه خمسة أقسام فما كان فعله ~~متحدا وليس له شعور فذلك المبدأ يسمى مبدأ طبيعيا كما في الأجسام الثقيلة ~~من الهبوط وفي الخفيفة ms004 من الصعود وان كان فعله مختلفا وليس له شعور فهو ~~النفس النباتي فان النبات يتحرك حركات مختلفة # PageV01P020 # وان كان له شعور وليس له تعقل فهو النفس الحيواني وان كان له تعقل ومع ~~التعقل اختيار في الفعل والترك فهو النفس الإنساني وان كان له تعقل وفعله ~~على نهج واحد غير مختلف فهو النفس الفلكي ### | رسوم النفوس الثلاثة # فنرسم النفوس الثلاثة بمراسمها فإن شرائط الحد الحقيقي متعذر الوجود ههنا ~~بل وفي كل الموجودات # فنقول أما النفس النباتية فهي الكمال الأول لجسم طبيعي آلي من جهة ما ~~يتغذى وينمو ويولد المثل # وأما النفس الحيوانية فهي الكمال الأول لجسم طبيعي آلي من جهة ما يدرك ~~الجزئيات ويتحرك بالإرادة # وأما النفس الانسانية فهي الكمال الأول لجسم طبيعي آلي من جهة ما يفعل ~~الأفاعيل بالأختيار العقلي والاستنباط بالرأي ومن جهة ما يدرك الأمور ~~الكلية # وقولنا الكمال الأول أي من غير واسطة كمال آخر لأن الكمال قد يكون أولا ~~وقد يكون ثانيا # وقولنا لجسم طبيعي أي غير صناعي لا في الأذهان بل في الأعيان # وقولنا آلي أي ذي آلات يستعين بها ذلك الكمال الأول في تحصيل الكمالات ~~الثانية والثالثة ولفظ الكمال أولى من لفظ القوة لأن القوة تكون بالنسبة ~~إلى ما يصدر عنها من الأفعال أو بالقياس إلى ما تقبله من الصور المحسوسة ~~والمعقولة واطلاق لفظ القوة عليهما يكون باشتراك الاسم فيكون الحد مشتملا ~~على لفظ مشترك وإن عني بالحد أحدهما كان الحد ناقصا # PageV01P021 # ولفظ الكمال يشمل القوتين بالتواطؤ فهو أولى فان قيل إنه صورة كان ذلك ~~بالاضافة إلى المادة التي تحلها فيجتمع منهما جوهر نباتي أو حيواني # ولفظ الكمال بالقياس إلى جملة الجواهر ولاستكمال الجنس به نوع محصل في ~~الأنواع وهو نسبة الخاص إلى الشيء العام الغير البعيد من جوهره فهو أولى من ~~لفظ الصورة ويجب أن يعلم أنه إذا قيل نفس أي اطلق على صورة الفلك وعلى صورة ~~النبات والحيوان والانسان فإنما يقال باشتراك الاسم فان النفوس الفلكية ~~ليست تفعل بآلات ولا الحياة فيها حياة ms005 التغذي والنمو ولا احساسها احساس ~~الحيوان ولا نطقها نطق الانسان # PageV01P022 ### | بيان أن النفس جوهر وذلك ثابت من جهة الشرع والعقل # أما الشرع فجميع خطابات الشرع تدل على أن النفس جوهر وكذلك العقوبات ~~الواردة في الشرع بعد الممات تدل على أن النفس جوهر فان الألم وإن حل ~~بالبدن فلأجل النفس ثم للنفس عذاب آخر يخصه وذلك كالخزي والحسرة وألم ~~الفراق وكذلك ما يدل على بقائه على ما سنبين فيما بعد إن شاء الله تعالى # وأما من حيث العقل فمن وجهين وجه عام يمكن اثباته مع كل أحد ووجه خاص ~~يتفطن له أهل الخصوص والانصاف # أما الأول فهو أن يعلم أن حقيقة الانسان ليس عبارة عن الجسم فحسب فانه ~~انما يكون انسانا إذا كان جوهرا وأن يكون له امتداد في أبعاد تفرض طولا ~~وعرضا وعمقا وأن يكون مع ذلك ذا نفس وأن تكون نفسه نفسا يغتذي بها ويحس ~~ويتحرك بالإرادة ومع ذلك يكون بحيث يصلح لأن يتفهم المعقولات ويتعلم ~~الصناعات ويعملها إن لم يكن عائق من خارج لا من جهة الانسانية فإذا التأم ~~جميع هذا حصل من جملتها ذات واحدة هي ذات الانسان فاذا ثبت بهذا أن حقيقة ~~الانسان لا تكون عرضا لأن الأعراض يجوز أن # PageV01P023 # تتبدل والحقيقة بعينها باقية فان الحقائق لا تتبدل فإذا ما هو ثابت فيك ~~مذ كنت فهو نفسك ومايطرأ عليك ويزول فهو الأعراض # وأما الوجه الثاني وهو البيان الخاص فهو الذي يصلح لأهل الفطانة ومن فيه ~~لطف الفهم والاصابة فهو انك إذا كنت صحيحا مطرحا عنك الآفات مجنبا عنك ~~صدمات الهوى وغيرها من الطوارق والآفات فلا تتلامس أعضاؤك ولا تتماس أجزاؤك ~~وكنت في هواء طلق أي معتدل ففي هذه الحالة أنت لا تغفل عن إنيتك وحقيقتك بل ~~وفي النوم أيضا فكل من له فطانة ولطف وكياسة يعلم أنه جوهر وانه مجرد عن ~~المادة وعلائقها وانه لا تعزب ذاته عن ذاته لأن معنى التعقل حصول ماهية ~~مجردة للعاقل وذاته مجردة لذاته فلا يحتاج إلى تجريد وتقشير وليس ههنا ms006 ~~ماهية ثم معقولية بل ماهيته معقوليته ومعقوليته ماهيته وهذه نكتة نفيسة ~~عظيمة وستقف عليها ان شاء الله اشرح من هذا # ثم الدليل على صحة هذا البيان الخاص أنه لو لم يكن المدرك والمشعور به هو ~~حقيقتك أي نفسك بل يكون هو البدن وعوارضه لكان لا يخلو إما ان يكون الشعور ~~به جملة بدنك أو بعضه وبطل أن تكون الجملة لأن الانسان في الفرض المذكور قد ~~يكون غلا عن جملة البدن وهو مدرك نفسه وان كان بعضا منه فلا يخلو إما أن ~~يكون ظاهرا أو باطنا فان كان ظاهرا فهو مدرك بالحس والنفس غير مدركة بالحس ~~كيف ونحن في الفرض المذكور قد أغفلنا الحواس عن أفعالها وفرضنا أن الاعضاء ~~لا تتماس وان كان النفس والذات عضوا باطنا من قلب أو دماغ فلا يجوز أيضا ~~لأن الأعضاء الباطنة انما يوصل اليها بالتشريح فثبت أن مدركك ليس شيئا من ~~هذه الأشياء فانك قد لا تدركها وتدرك ذاتك ضرورة فما ألجئت إلى ادراكه ~~ضرورة لا يكون قطعا ما لا يدرك إلا بالنظر فاذا ثبت بهذا أن ذاتك ليس من ~~عداد ماتدركه بالحس أو مما يشبه الحس بوجه من الوجوه # PageV01P024 ### | زيادة ايضاح من جهة الادراك # فنقول إنك تدرك في جميع الأحوال ذاتك فماذا تدرك فإنه لا بد من مدرك فلا ~~يخلو إما أن يكون أحد مشاعرك ظاهرا أو عقلك أو قوة غير مشاعرك فإن كان عقلك ~~فلا يخلو إما أن يكون ذلك الادراك بوسط أو بقياس أو بقوة متوسطة بين ~~الادراك والنفس أو بغير وسط وما أظنك تفتقر في ذلك الى وسط فإنه لو كان ثم ~~وسط لما أدركت ذاتك 4 فانه لا وسط بين ذاتك وشعورك بذاتك فبقي أن تدرك بغير ~~وسط واذا كان كذلك فلا يخلو إما أن يكون ذلك الادراك بمشاعرك أو بذاتك ولا ~~يتصور أن يكون بمشاعرك فإن الحواس لا تدرك إلا الأجسام وما يتعلق بالأجسام ~~من الألوان والنغمات وغير ذلك فبقي أنك تدرك ذاتك بذاتك فمن هذا ثبت أنك ~~جوهر ms007 مفارق # وهذا البيان الخاص إما ضائع وإما قاطع ضائع للمغفلين الذين لم يلحظوا إلا ~~بعين السخط فإن من يلحظ مقدمة بعين السخط كان الشك أسرع اليه من الماء الى ~~الحدور أما للمستبصرين فهو قاطع # فإن قال قائل إنما أثبت ذاتي بوسط وذلك الوسط هو فعل من أفعالي فأستدل ~~بأفعالي على وجود النفس فالجواب عن هذا من وجهين أحدهما ان هذا لا يتمشى في ~~الفرض المذكور فانا جعلناك بمعزل عن الأفعال ومع هذا تثبت ذاتك وانيتك ~~والثاني ان هذا الفعل إما ان تثبته فعلا مطلقا فيجب ان تثبت به فاعلا مطلقا ~~لا نفسك وان أثبته فعلا مطلقا فيجب ان تثبت به فاعلا مطلقا لا نفسك وإن ~~اثبته فعلك وخصصته بالاضافة فقد اثبت اولا نفسك وادركت اولا ذاتك فإنك اخذت ~~ذاتك جزءا من فعلك والشعور بالجزء قبل الشعور بالكل اولا اقل من ان يكون ~~معه فذاتك إذا مثبتة معه او قبله لا به وهذا فصل لطيف يبتنى عليه باب من ~~المعرفة شريف كما سنذكر ان شاء الله تعالى # PageV01P025 ### | بيان أن النفس ليس لها مقدار ومساحة ولا تدرك حسا ولا يدركها جسم وأن إدراكها لا يكون بآلات جسمانية في حال # وهذا أدق واعصى على الأذهان الزائغة عن الجادة الآلفة بالخيالات ~~والموجودات الحسية ولنا أن نتوسل إلى هذا المقصود ببراهين قاطعة ودلائل ~~واضحة ### | البرهان الأول # أن نقول معلوم إنا نتلقى المعقولات وندرك الأشياء التي لا تدخل في الحس ~~والخيال والمعقول متحد فلوحل في منقسم لانقسم المتحد وهذا محال وتحقيقه هو ~~أنه لو كان النفس ذا مقدار وحل فيه معقول فأما أن يحل في شيء منقسم أو في ~~شيء غير منقسم ومعلوم أن غير المنقسم انما هو طرف الخط وهو نهاية مالا تميز ~~لها في الوضع عن الخط والمقدار الذي هي متصلة به حتى يستقر فيها شيء من غير ~~أن يكون في شيء من ذلك الخط بل كما أن النقطة لا تنفرد بذاتها وانما هي طرف ~~ذاتي لما هو بالذات مقدار كذلك انما يجوز أن ms008 يقال بوجه ما أنه يحل فيها طرف ~~شيء حال في المقدار الذي هي طرفه متقدر بالعرض فكما أنه يتقدر به بالعرض ~~كذلك يتناهى بالعرض مع النقطة ولو كانت النقطة منفردة تقبل شيئا من الأشياء ~~لكان يتميز لها ذات # PageV01P027 # وكانت النقطة حينئذ ذات جهتين جهة منها تلي الخط وجهة منها مخالفة له ~~مقابلة فتكون تلك النقطة نهاية الخط لا هذه # والكلام فيها وفي هذه النقطة واحد ويؤدي هذا إلى أن تكون النقطة متشافعة ~~في الخط إما متناهية وإما غير متناهية وهذا أمر قد بان في موضعه استحالته ~~ونشير إلى رمز منه فنقول إن النقطتين حينئذ اللتين تطبقان بنقطة واحدة من ~~جنبتيها إما أن تكون هذه النقطة المتوسطة تحجز بينهما فلا تتماسان فيلزم ~~حينئذ في البديهة العقلية الأولية أن يكون كل واحدة منهما يختص بشيء من ~~الوسطى يماسه فتنقسم حينئذ الوسطى وهذا محال وإما أن تكون الوسطى لا تحجز ~~المكتنفتين عن التماس فحينئذ تكون الصورة المعقولة حالة في جميع النقط ~~وجميع النقط كنقطة واحدة وقد وضعنا هذه النقطة الواحدة المنفصلة عن الخط ~~فللخط من جهة ما ينفصل عنها طرف ونهاية بها ينفصل عنها فتلك النقطة تكون ~~مباينة لهذه في الوضع # وقد وضعت النقط كلها مشتركة في الوضع هذا خلف فقد بطل إذا أن يكون محل ~~المعقولات من الجسم شيئا غير منقسم فبقي أن يكون من الجسم شيئا منقسما ~~فلنفرض صورة معقولة في شيء منقسم فإذا فرضنا في الشيء المنقسم انقساما عرض ~~للصورة أن تنقسم فحينئذ لايخلو إما ان يكون الجزءان متشابهين أو غير ~~متشابهين فاذا كانا متشابهين فكيف يجتمع منهما ما ليس بهما إلا أن يكون ذلك ~~الشيء شيئا يحصل فيهما من جهة المقدار والزيادة في العدد لا من جهة الصورة ~~فتكون حينئذ الصورة المعقولة شكلا ما أو عددا ما وليس كل صورة معقولة شكلا ~~وتصير حينئذ الصورة خيالية لا عقلية # وأظهر من ذلك أنه ليس يمكن أن يقال إن كل واحد من الجزأين هو بعينه الكل ~~في المعنى لأن الثاني إذا ms009 كان غير داخل في معنى الكل فيجب أن نضع في ~~الابتداء لمعنى الكل هذا الواحد لا كليهما وان كان داخلا في معناه فمن ~~البين # PageV01P028 # الواضح أن الواحد منهما وحده ليس يدل على نفس معنى التمام وان كانا غير ~~متشابهين فلينظر كيف يمكن أن تكون الصورة المعقولة أجزاء غير متشابهة فإنه ~~ليس يمكن أن تكون الاجزاء الغير المتشابهة إلا أجزاء الحد التي هي الأجناس ~~والفصول ويلزم من هذا محالات منها أن كل جزء من الجسم يقبل القسمة أيضا ~~فيجب أن تكون الأجناس والفصول بالقوة غير متناهية # وقد صح أن الأجناس والفصول الذاتية للشيء الواحد ليست في القوة غير ~~متناهية ولأنه ليس يمكن أن يكون توهم القسمة يفرز الجنس والفصل بل مما لا ~~نشك فيه أنه إذا كان هناك جنس وفصل يستحقان تميزا في المحل أن ذلك التميز ~~لا يتوقف على توهم القسمة فيجب أن تكون الأجناس والفصول بالفعل ايضا غير ~~متناهية وقد صح أن الأجناس والفصول أو أجزاء الحد للشيء الواحد متناهية من ~~كل وجه ولو كانت غير متناهية بالفعل ههنا لكانت توجب أن يكون الجسم الواحد ~~انفصل بأجزاء غير متناهية بالفعل وأيضا لتكن القسمة وقعت من جهة فأفرزت من ~~جانب جنسا ومن جانب فصلا فلو غيرنا القسمة كان يقع منها في جانب نصف جنس ~~ونصف فصل أو كان ينقلب وكان فرضنا الوهمي يدور مقام الجنس والفصل فيه على ~~أن ذلك أيضا لا يغني فانه يمكننا أن نوقع قسما في قسم وأيضا كل معقول يمكن ~~أن يقسم إلى معقولات أبسط فإن ههنا معقولات هي أبسط المعقولات ومبادىء ~~التركيب في سائر المعقولات فليس لها لا أجناس ولا فصول ولا هي منقسمة في ~~الكم ولا هي منقسمة في المعنى كالوحدة والعلة وغير ذلك فاذا ليس يمكن أن ~~تكون الأجزاء المفروضة فيه أجزاء متشابهة كل واحد منها هو في معنى الكل ~~وإنما يحصل الكل بالاجتماع فقط ولا أيضا يمكن أن تكون غير متشابهة فليس ~~يمكن أن تنقسم الصورة المعقولة ولا أن تحل طرفا من ms010 المقادير غير منقسم تبين ~~أن محل المعقولات جوهر ليس بجسم ولا أيضا قوة في جسم فيلحقه ما يلحق الجسم ~~من الانقسام ثم يتبعه سائر المحالات ### | البرهان الثاني # أن نقول القوة العقلية هو ذات تجرد المعقولات عن الكم # PageV01P029 # المحدود والأين والوضع وسائر عوارض الجسم فيجب أن ننظر في ذات هذه الصورة ~~المجردة عن الوضع كيف هي مجردة عنه أبالقياس إلى الشيء المأخوذ منه أو ~~بالقياس إلى الشيء الآخذ أعني هذه الذات المعقولة تتجرد عن الوضع في الوجود ~~الخارجي أو في الوجود المتصور في الجوهر العاقل ومحال أن يكون كذلك في ~~الوجود الخارجي فبقي أن يكون انما هو مفارق للوضع والأين عند وجوده في ~~العقل فإذا إذا وجدت في العقل لم تكن ذات وضع وبحيث يقع اليها إشارة تجزؤ ~~وانقسام أو شيء مما أشبه هذا المعنى فلا يمكن أن يكون في جسم ### | البرهان الثالث # إذا انطبعت الصورة الأحدية الغير المنقسمة التي لأشياء غير منقسمة في ~~المعنى في مادة منقسمة ذات جهات فلا يخلو إما أن لا تكون لها ولا لشيء من ~~أجزائها التي تفرض فيها بحسب جهاتها نسبة إلى الشيء المعقول الواحد الذات ~~الغير المنقسم المتجرد عن المادة أو تكون تلك النسبة لكل واحد من أجزائها ~~التي تفرض أو تكون لبعضها دون بعض فان لم يكن لشيء منها نسبة فليست لبعضها ~~ولا لكلها لا محالة نسبة فينبغي أن لاتدرك وأن لا يكون بين هذا المعقول ~~ومعقول آخر فرق وليس كذلك فانا نجد تفرقه ضرورية وان كان لبعضها دون بعض ~~نسبة فالبعض الذي لا نسبة له ليس هو من معناه في شيء ويلزم أن يكون الشيء ~~الواحد مجهولا ومعقولا بالقياس إلى البعضين وهذا محال وإن كان لكل جزء يفرض ~~نسبة فإما أن تكون لكل جزء يفرض نسبة إلى الذات المعقول بأسرها أو إلى جزء ~~من الذات المعقول فإن كان لكل جزء يفرض إلى الذات بأسرها نسبة فليست ~~الأجزاء إذا أجزاء معنى المعقول بل كل واحد منها معقول في نفسه مفرد وان ~~كان كل ms011 جزء له نسبة غير نسبة الآخر إلى الذات فمعلوم أن الذات منقسمة في ~~المعقول وقد وضعناها غير منقسمة هذا خلف ومن هذا تبين أن الصورة المنطبعة ~~في # PageV01P030 # المادة لا تكون إلا اشباحا لأمور جزئية منقسمة لكل جزء منها نسبة بالفعل ~~أو بالقوة أو بالقوة إلى جزء منها # فان قيل منشأ التلبيس في هذا البرهان قولكم إن المعنى المعقول ان كان له ~~نسبة إلى بعض الذات فيكون البعض الآخر ليس من معنى المعقول في شيء ونحن ~~هكذا نقول فإن المدرك منا هو جزء وذلك الجزء لا ينقسم وهو المسمى بالجوهر ~~الفرد # قلنا أنتم بين أمرين إما ان تقولوا نسبة المعقول إلى بعض منقسم أو إلى ~~بعض غير منقسم فإن كاننسبته إلى بعض منقسم فاذا قسمنا يلزم انقسام المعقول ~~ويعود البرهان الأول بعينه وان قلتم ينتسب إلى جزء لا ينقسم فكل جزء من ~~الجسم منقسم وقد برهنا على ذلك وله براهين هندسية ليس ههنا موضع ذكرها ### | البرهان الرابع # أن نقول إن القوة العقلية لو كانت تعقل بالآلة الجسدانية حتى يكون فعلها ~~انما يستتم باستعمال تلك الآلة الجسدانية لكان يجب أن لا تعقل ذاتها وان لا ~~تعقل الآلة وان لا تعقل انها عقلت فإنه ليس بينها وبين ذاتها آلة وليس ~~بينها وبين آلتها آلة ولا بينها وبين أنها عقلت آلة لكنها تعقل ذاتها ~~وآلتها والتي تدعى آلتها وأنها عقلت فإذا تعقل بذاتها لا بالآلة وأيضا لا ~~يخلو إما أن يكون تعقلها آلتها إما لوجود ذات صورة آلتها وإما أخرى مخالفة ~~لها وهي صورة أيضا فيها وفي آلتها أو لوجود صورة آلتها فصورة آلتها في ~~آلتها بالشركة دائما فيجب أن تعقل آلتها دائما التي كانت تعقل لوجود صورة ~~آلتها وان كان لوجود صورة غير تلك الصورة فإن المغايرة بين أشياء تدخل في ~~حد واحد إما لاختلاف المواد والأعراض وإما لاختلاف ما بين الكلي والجزئي ~~والمجرد عن المادة والوجود في المادة وليس ههنا اختلاف مواد وأعراض فإن ~~المادة واحدة والاعراض واحدة وليس ههنا # PageV01P031 # اختلاف بالتجريد ms012 والوجود في المادة فإن كليهما في المادة وليس ههنا ~~اختلاف الخصوص والعموم لأن أحدهما انما يستفيد الجزئية بسبب المادة الجزئية ~~واللواحق التي تلحقها من جهة المادة التي فيها وهذا المعنى لا يختص بأحدهما ~~دون الآخر وأما ذات النفس فانها تدرك دائما وجودها لا شيئا من الأجسام التي ~~معها وفيها ولا يجوز أن يكون لوجود صورة أخرى معقولة غير صورة آلتها فان ~~هذا أشد استحالة لأن الصورة المعقولة إذا حلت الجوهر العاقل جعلته عاقلا ~~لما تلك الصورة صورته أو لما تلك الصورة مضافة اليه فتكون صورة المضاف ~~داخلة في هذه الصورة وهذه الصورة المعقولة ليست صورة هذه الآلة ولا أيضا ~~صورة شيء مضاف اليها بالذات لأن ذات هذه الآلة جوهر ونحن انما نأخذ ونعتبر ~~صورة ذاته والجوهر في ذاته غير مضاف البتة فهذا برهان عظيم على أنه لا يجوز ~~أن يدرك المدرك للآلة التي هي آلته في الإدراك ولهذا فان الحس انما يحس ~~شيئا خارجيا ولا يحس ذاته ولا فعله ولا آلته بل إن تخيل آلته تخيلها لا على ~~نحو يخصه بأنه لا محالة له دون غيره إلا أن يكون الحس يورد عليه صورة آلته ~~لو أمكن فيكون حينئذ إنما يحكي خيالا مأخوذا عن الحس غير مضاف عنده إلى شيء ~~حتى لو لم تكن آلته كذلك لم يتخيله ### | البرهان الخامس # مركب من مجموع دلائل واضحة وشواهد لائحة من أحاط علما يقينيا تيقن قطعا ~~أن النفس ليست بجسم ولا تحل الأجسام # وطريقه أن نقول إن النفس لو كانت جسما فلا يخلو إما أن تكون حالة في ~~البدن أو خارجة البدن فإن كانت خارجة البدن فكيف تؤثر وتصرف في هذا الجسم ~~وكيف يكون قوام البدن بها وكيف تتصرف في المعارف العقلية في الملك والملكوت ~~فتعرف الأول الحق وتسافر في العرفان العقلي وتستوفي المعقولات في ذاتها وإن ~~كانت حالة في البدن فلا يخلو إما أن تكون حالة بجميع البدن أو ببعضه فإن ~~كانت حالة بجميع البدن فكان ينبغي إذا قطع # PageV01P032 # منه طرف أن تنتقص ms013 أو تنزوي وتنتقل من عضو إلى عضو فتارة تمتد بامتداد ~~الأعضاء وتارة تتقلص بذبول الأعضاء وهذا كله محال عند من له غريزة صحيحة ~~وفطنة مستقيمة طاهرة عن شوائب الخيال وان كانت حالة في بعض البدن فذلك ~~البعض منقسم إما بالفعل أو بالفرض فينبغي أن تنقسم النفس إلى أن تنتهي ~~بالأقسام إلى أقل شيء وأحقره وهذا معلوم إحالته على البديهة فكيف يكون كذلك ~~حال النفس التي هي محل المعارف وبه شرف الانسان على جميع الحيوانات وهو ~~المستعد للقاء الله تعالى وهو المخاطب وهو المثاب وهو المعاقب وهو الذي إذا ~~زكاه الانسان أفلح وإذا دساه خاب وخسر وهو خلاصة الموجودات وزبدة الكائنات ~~في عالم العود وهو الذي يبقى بعد موت البدن وهو الذي كان متحليا بالمعارف ~~وصل إلى السعادة الأبدية فرحا مستبشرا بلقاء الله تعالى {أحياء عند ربهم ~~يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله} فمن كان له أدنى مسكة من العقل يعلم ~~أن الجوهر الذي هذا محله ومنزلته لا يكون حالا في البدن ولا يكون جزءا من ~~البدن لا دم ولا بخار ولا مزاج ولا غيره وأيضا فإنك تعلم أن نفسك مذ كنت لم ~~تتبدل ومعلوم أن البدن وصفات البدن كلها تتبدل إذ لو لم تتبدل لكان لا ~~يغتذي لأن التغذي أن يحل بالبدن بدل ما تحلل فاذا نفسك ليس من البدن وصفاته ~~في شيء # وأيضا لو كانت النفس الانسانية منطبعة في البدن لكان ضعف فعلها مع ضعف ~~البدن لكنها لا تضعف مع ضعف البدن فثبت أنها غير منطبعة فيه ودليل عدم ~~الضعف المشاهدة فإن بعد الأربعين تكون القوة البدنية في انحطاط والقوة ~~العقلية في الزيادة والارتفاع # PageV01P033 # وأما الذي يتوهم من أن النفس تنسى ولاتفعل فعلها مع مرض البدن وعند ~~الشيخوخة وان ذلك بسبب أن فعلها لا يتم إلا بالبدن فظن غير ضروري ولا حق ~~وذلك أنه بعد ما صح لنا أن النفس تفعل بذاتها يجب أن يطلب السبب في هذا فان ~~كان قد يمكن أن يجتمع أن للنفس فعلا بذاتها ms014 وانها أيضا تترك فعلها مع مرض ~~البدن ولا تفعل من غير تناقض فليس لهذا الاعتراض اعتبار # فنقول إن النفس له فعلان فعل له بالقياس إلى البدن وهو السياسة وفعل ~~بالقياس إلى ذاته وإلى مبادئه وهو التعقل وهما متعاندان متمانعان فإنه إذا ~~اشتغل باحدهما انصرف عن الآخر ويصعب عليه الجمع بين الأمرين وشواغله من جهة ~~البدن الاحساس والتخيل والشهوات والغضب والخوف والغم والوجع وأنت تعلم هذا ~~بأنك إذا أخذت تفكر في معقول تعطل عليك كل شيء من هذه إلا أن تغلب وتقسر ~~النفس بالرجوع الى جهاتها # وأنت تعلم أن الحس يمانع النفس عن التعقل إذا أكبت على المحسوس من غير أن ~~يكون أصاب آلة التعقل أو ذاتها آفة بوجه وتعلم أن السبب في ذلك هو اشتغال ~~النفس بفعل دون فعل فلهذا السبب ما يتعطل أفعال العقل عند المرض ولو كانت ~~الصورة المعقولة قد بطلت وفسدت لأجل الآلة لكان رجوع الآلة إلى حالها يحوج ~~إلى اكتساب من الرأس وليس الأمر كذلك فإنه قد تعود النفس إلى ملكتها ~~وهيأتها عاقلة بجميع ما عقلته بحاله فقد كانت إذا كلها معها إلا أنها كانت ~~مشغولة عنه وليس اختلاف جهتي فعل النفس فقط يوجب في أفعاله التمانع بل تكثر ~~أفعال جهة واحدة قد يوجب هذا بعينه فان الخوف يغفل عن الوجع والشهوة تصد عن ~~الغضب والغضب يصرف عن الخوف والسبب في جميع ذلك واحد وهو انصراف النفس ~~بالكلية إلى أمر واحد وكلها قوى النفس الواحدة وهي ملكها والقوى رعيتها ~~وجنودها فاذا ليس يجب اذا لم يفعل شيء فعله عند اشتغاله بحالة لشيء أن لا ~~يكون فاعلا فعله إلا عند وجود ذلك الشيء # PageV01P034 # ولنا أن نتوسع في بيان هذا الباب لأن هذا الباب من أصعب أبواب النفس إلا ~~أنه بعد بلوغ الكفاية ننسب الازدياد إلى تكلف ما لا نحتاج اليه فقد ظهر من ~~أصولنا التي قررنا أن النفس ليست منطبعة في البدن ولا قائمة به فيجب أن ~~تكون علاقتها مع البدن علاقة التدبير والتصرف والله تعالى ولي ms015 الهداية ~~والتوفيق # PageV01P035 ### | القوى الحيوانية # والقوى الحيوانية تنقسم محركة ومدركة والمحركة إما أن تكون محركة على ~~أنها باعثة على الفعل أو على أنها فاعلة والباعثة إما أن تكون على جذب ~~النفع أو على دفع الضر والباعثة على جذب النفع هو الذي يعبر عنه بالشهوة ~~وهو الذي اذا ارتسم في الخيال معنى يعلم أنه خبر عنده أو يظن يبعث القوة ~~الفاعلة على جذب ذلك النفع # وأما الباعثة على دفع الضر فهي التي يعبر عنها بالغضب وهي القوة التي اذا ~~ارتسم في الخيال ما يعلم أو يظن أنه يضر تبعث على تحريك يدفع به ذلك الضرر ~~أو المؤذي طلبا للانتقام والغلبة # وأما القوة المحركة على أنها فاعلة فهي قوة تنبعث في الأعصاب والعضلات من ~~شأنها أن تشنج العضلات فتجذب الأوطار والرباطات المتصلة بالأعضاء الى نحو ~~جهة المبدأ أو ترخيها فتصير الأوطار والرباطات الى خلاف جهة المبدأ وهذه ~~القوة هي التي يعبر عنها بالقدرة والباعثة هي الإرادة # وتحرير هذا هو أن كل فعل اختياري يدخل في الوجود فلا يدخل ما لم يأت إليه ~~رسول القدرة وهو ذلك المعنى المودع في العضلات والقدرة لا تنبعث من وطنها ~~ومكامنها بل كأنها في دعة ورفاهية ما لم يأت اليها رسول الإرادة # PageV01P037 # أما إرادة جذب النفع أو ازالة الأذى والدفع والارادة لا تنتهض من مكانها ~~ولا تخرج من مكامنها ما لم يأت اليها رسول العلم فاذا أتى وجزم الحكم ~~انبعثت الإرادة ولا تجد بدا من الانقياد والاذعان وإذا جزمت الارادة الحكم ~~انبعثت القدرة لتحريك الأعضاء فلا تجد محيصا وخلاصا من الامتثال والارتسام ~~بموجب رسمها واذا جزمت القدرة الحكم تحركت الأعضاء بحيث لا تجد محيصا من ~~الحركة فما دام رسول العلم مترددا تكون الإرادة مترددة وما دامت الإرادة ~~مترددة تكون القدرة مترددة وما دامت القدرة مترددة فالأفعال لا تدخل في ~~الوجود ولا تظهر على الأعضاء فاذا اتصل الحكم الجزم وجدت الأفعال زيادة ~~تحقيق # اعلم أن الحركة الاختيارية التي هي خاصية الحيوان لها مبدأ ووسط وكمال # أما المبدأ فحاجة الناقص ms016 الى الكمال واشتياق الطالب # وأما الكمال فنيل المطلوب وبينهما وسط وهو السلوك الطلبي فالحركات ~~الاختيارية التي للحيوان هي حركات مكانية فعلية الى جهات مختلفة عن علم ~~وشعور وطلب بخلاف حركات النبات فإنها لما كانت غير اختيارية توجهت الى جهات ~~مختلفة من غير علم وشعور وطلب للخير وحركاتها تكون حركة النمو والذبول ~~والحركات الاختيارية للانسان حركات فكرية وحركات قولية وحركات فعلية وإنما ~~جهات اختلافها بخلاف حركات الحيوان فإنها عدمت قسمين منها وهي الفكرية ~~والقولية والحركة النباتية احتاجت الى حسن تعهد وتشذيب حتى تصل الى كمالها ~~المطلوب وهو الثمرة وتوليد المثل # أما الثمرة فللانتفاع بشخصه وأما توليد المثل فللانتفاع بنوعه فلا يخلو ~~وجوده في الكون عن نفع جزئي بشخصه وعن نفع كلي بنوعه # والحركة الحيوانية احتاجت أيضا إلى حسن رعاية وتسخير حتى تصل الى # PageV01P038 # كمالها المطلوب وهو الانتفاع بشخصه حملا وركوبا وأكلا وحراثة والانتفاع ~~بنوعه سوما وتوليدا وانتاجا فلا يخلو وجوده في الكون عن نفع جزئي بشخصه وعن ~~نفع كلي بنوعه # وأما الحركة الانسانية فاحتاجت الى حسن عناية وتكليف بتأييد وتسديد ~~وتعريف فان الحركة الفكرية يدخلها حق وباطل فيجب أن يختار الحق دون الباطل ~~والحركات القولية يدخلها صدق وكذب فيجب أن يختار الصدق دون الكذب والحركات ~~الفعلية يدخلها خير وشر ويجب أن يختار الخير دون الشر ولن يتحقق هذا ~~الاختيار إلا من تأييد وتسديد وتعريف # فأما التأييد فيظهر أثره في الأفعال حتى يختار من الحركات الفعلية الخير ~~ويترك الشر وأما التسديد فيظهر أثره في الأقوال حتى يختار من الحركات ~~القولية الصدق ويترك الكذب واما التعريف فيظهر اثره في الأفكار حتى يختار ~~من الحركات الفكرية الحق ويترك الباطل # وإنما هذه المراتب الثلاثة مقدرة على المراتب الثلاثة العلوية التي يعبر ~~عنها تارة بالملائكة المؤيدين وتارة بالجدود الروحانيين وتارة بالحروف ~~والكلمات في عليين وكما أن الحركات النباتية احتاجت إلى تشذيب والحركات ~~الحيوانية إلى تهذيب كذلك احتاجت الحركات الانسانية إلى تأديب # ومن صفت اختياراته في حركاته الثلاث عن شائبة الباطل والكذب والشر من كل ~~وجه فهو ms017 الذي يحق له أن يقول أدبني ربي فأحسن تأديبي وهو الذي يستحق أن ~~يؤدب غيره ويهذب ويزكي ويطهر ويعلم ويذكر لقوله تعالى {كما أرسلنا فيكم ~~رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما ~~لم تكونوا تعلمون} # PageV01P039 ### | القوى المدركة # وهي منقسمة بالقسمة الأولى قسمين مدركة من ظاهر ومدركة من باطن والمدركة ~~من الظاهر تنقسم خمسة أقسام وهي الحواس الخمس فنذكرها ونذكر كيفية تأديتها ~~الى الحس المشترك # اعلم أن أول الحواس اتصالا بالحيوان وأعمها لجميع الحيوانات وأسراها في ~~بدن الحيوان هي حاسة اللمس وهي قوة مبثوثة في جميع بشرات الحيوان ولحمه ~~وعرقه وعصبه يدرك بها الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة والصلابة ~~والرخاوة واللين والخشونة والخفة والثقل والحامل لها جسم لطيف في شباك ~~العصب يسمى روحا ويستمد من القلب والدماغ وشرط ادراكه أن يستحيل كيفية ~~البشرة إلى ضد المدرك من الحرارة والبرودة وغيرهما حتى يصير مدركا ولذلك لا ~~يدرك إلا ماهو أبرد منه أو أسخن أو أخشن أو ألين والمثل قلما يدرك ~~والمدركات مختلفة وهي مع اختلافها تستند الى مدرك واحد وعند قوم قوة اللمس ~~جنس لأربعة أنواع من القوى إحداها حاكمة في التضاد بين الحار والبارد ~~والثانية حاكمة في التضاد بين الرطب واليابس والثالثة حاكمة في التضاد بين ~~الصلب واللين والرابعة حاكمة في التضاد بين الخشن والأملس وربما يزيدون على ~~ذلك وهي الطليعة الأولى للنفس ولا يخلو جزء # PageV01P041 # من البشرة عن قوة اللمس ولا يوجد حيوان إلا وفيه قوة اللمس # والحكمة في القوة اللمسية هي أن الحكمة الإلهية لما اقتضت أن يكون حيوان ~~يتحرك بالارادة مركبا من العناصر وكان لا يؤمن عليه اضرار الأمكنة ~~المتعاقبة عليه عند الحركة أيد بالقوة اللمسية حتى يهرب بها من المكان ~~الغير الملائم ويقصد بها المكان الملائم # ثم يليها من الحواس حاسة الشم ولما كان مثله من الحيوانات لا تستغني ~~جبلته عن التغذي وكان اكتسابه للغذاء بتصرف ارادي وكان من الأطعمة ما لا ~~يوافقه ومنها ما يوافقه أيد بالقوة الشمية اذا كانت الروائح تدل الحيوان ms018 ~~على الأغذية الملائمة دلالة قوية # وحاسة الشم قوة مبثوثة في زائدتي الدماغ كحلمتي الثدي ويدرك بها الروائح ~~المختلفة الطيبة منها والكريهة والحامل لها أيضا جسم لطيف في الحلمتين ~~والممد لها الهواء اللطيف لا على أنه ينقل الرائحة من المتروح إلى الحاسة ~~فقط بل على أنه يستحيل إليه بالمجاورة كما يستحيل بمجاورة النار والمبرد ~~والهواء بلطافته أسرع قبولا للروائح منه للحرارة والبرودة وهذه القوة في ~~الحيوانات أشد وأكثر وأول ما يتصل بالجنين بعد قوة اللمس هو قوة الشم ولهذا ~~تحفظ الأم عن الروائح الكريهة وأن لاتشم شيئا من المطعومات إلا أكلته حتى ~~لا يظهر خلل في الجنين وقد يظن أن النملة تحس بحس الشم حبا من الحبوب فتخرج ~~من البيت فتطلبه وتصل اليه وان كان من وراء جدار وليس ذلك شما مجردا بل هو ~~حس وقوة في حس وكيف لا والمطلوب ربما لا تكون له رائحة وقد يعبر كثيرا عن ~~الحس بالشم وفي الخبر الأرواح جنود مجندة تشام كما تشام الخيل فما تعارف ~~منها ائتلف وما تناكر منها اختلف وإنما المراد بالتشام الاحساس # اما حاسة الذوق فهي أيضا طليعة تعرف الطعوم الموافقة والمنافية وهي قوة # PageV01P042 # مرتبة في العصب المفروش على جرم اللسان تدرك الطعوم المتحللة من الاجرام ~~المماسة لها المخالطة للرطوبة العذبة التي فيه مخالطة محيلة فانها تأخذ طعم ~~ذي الطعم وتستحيل اليه وربما تحيله اليها وكلما اتصل الطعم بذلك العصب ~~ادركه العصب وهي التي تتلو الشم وتتصل هذه القوة بالجنين بعد قوة الشم ~~فتظهر فيه عند الولادة فيتحرك الجنين ويحرك لسانه ويلعق نفسه بنفسه # اما حاسة البصر ووجه منفعتها فان الحيوان المتحرك بالارادة لما كان تحركه ~~إلى بعض المواضع كمواقد النيران وعن بعض المواضع كقلل الجبال وشطوط البحار ~~ربما يؤدي الى الاضرار به اوجبت العناية الإلهية اعطاء القوة المبصرة في ~~اكثر الحيوان وهي قوة مرتبة في العصبة المجوفة تدرك صورة ما ينطبع في ~~الرطوبة الجليدية من اشباح الأجسام ذوات اللون المتأدية في الأجسام الشفافة ~~بالفعل الى سطوح الأجسام الصقيلة # ولا ms019 تظن أنه ينفصل من المتلون شيء ويصل الى العين ولا أن ينفصل من العين ~~شعاع فيمتد الى المتلون لكن يحدث صورة في الصقيل المستعد لقبول الصورة بشرط ~~المقابلة المخصوصية وتوسط الشفاف فإذا حصلت الصورة في الجليدية أفضت إلى ~~العصبة المجوفة التي فيها روح هو جسم لطيف مثل ما تقع الصورة على الماء ~~الراكد فيفضي الى ملتقى الأنبوبتين المتصلتين بالعينين في مقدمة الدماغ ~~فيدرك الحس المشترك من الصورتين المتحدتين صورة واحدة وإلا كان يجب أن يرى ~~شيئين إذ الصورة في الجليدية صورتان ولما كانت الرطوبة الجليدية كروية ~~والذي يقابل من سطح الكرة انما يقابلها بالمركز على خطوط موهومة خارجة من ~~السطح الى المركز فحيثما قربت المسافة بين الرائي والمرئي كانت الخطوط أكثر ~~والشكل المخروط منها الى المركز أقصر والزاوية أكبر وحيثما بعدت المسافة ~~كانت الخطوط أقل والشكل المخروط منها الى المركز أطول والزاوية اصغر وذلك ~~بسبب رؤية البعيد صغيرا والقريب على هيئته # PageV01P043 # وأما حاسة السمع فهي قوة مرتبة في العصب المتفرق في سطح الصماخ تدرك صورة ~~ما يتأدى اليه بتموج الهواء المنضغط من قرع أو قلع انضغاطا بعنف يحدث منه ~~صوت يتأدى الى الهواء المحصور الراكد في تجويف الصماخ ويحركه بشكل حركته ~~فتماس الأمواج المختلفة تلك العصبة فتتأدى بها الى الحس المشترك # وقيل إن تلك العصبة مفروشة في أقصى الصماخ ممدودة مد الجلد على الطبل إلا ~~أنها على دقة نسج العنكبوت وصلابة الجلد المدبوغ # وقيل إنها أعصاب كأوتار العود ممدودة في جوانب الصماخ وتتحرك تلك الأوتار ~~بتحرك الهواء الراكد فيه فيحصل منه طنين وانما يتحرك على ترتيب تعاقب ~~الحروف والأصوات واختلافها في الرفع والخفض والخفة والثقل والدقة والغلظ ~~وكما أن الضياء شرط في الأبصار كذلك الهواء في السمع # والسمع انما يسمع من محيط الدائرة والبصر انما يبصر على خط مستقيم على أن ~~تلك الخطوط المستقيمة تخرج من المحيط وتصل الى المركز من الكرة المدورة حتى ~~ظن ظانون أن تلك الخطوط أشعة منبعثة من البصر الى القاعدة أو صور مقبوضة من ~~القاعدة ms020 الى البصر وكلا الوجهين خطأ كما ذكرناه # والقوة السامعة تلي المبصرة في النفع ووجه منفعتها أن الأشياء الضارة ~~والنافعة قد يستدل عليها بخاص أصواتها فأوجبت العناية الإلهية وضع القوة ~~السامعة في أكثر الحيوان على أن منفعة هذه القوة في النوع الناطق من ~~الحيوان تكاد تفوق الثلاث # وأما القوى المدركة من باطن فتنقسم بالقسمة الأولى ثلاثة أقسام منها ما ~~يدرك ولا يحفظ ومنها ما يحفظ ولا يعقل ومنها ما يدرك ويتصرف ثم المدرك إما ~~أن يدرك الصورة أو المعنى والحافظ إما أن يحفظ الصورة أو المعنى والمتصرف ~~تارة يتصرف في الصورة وتارة في المعنى والمدرك تارة # PageV01P044 # يكون له ادراك أولي من غير واسطة وقد يكون له ادراك ولكن بواسطة مدرك آخر # والفرق بين الصورة والمعنى أن الصورة نعني بها في هذا المقام ما يدركه ~~الحس الظاهر ثم يدركه الحس الباطن من غير أن يكون للحس الظاهر فيه مدخل ~~فهذه تقاسيم المدركات على الجملة # أما تفصيلها وبيان اثباتها ومحالها فالمدرك للصورة هو الحس المشترك ويسمى ~~بنطاسيا وخازنة الخيال والمدرك للمعنى القوة الوهمية وخازنها الحافظة ~~والذاكرة والذي يدرك ويعقل هو القوة المتخيلة وما لا يعقل ما ذكرناه من ~~الوهم والحس # أما بيان اثباتها فهو بحسب الوجدان أما اثبات الحس المشترك فهو أنك تبصر ~~القطر النازل خطا مستقيما والنقطة الدائرة بسرعة خطا مستديرا كله على سبيل ~~المشاهدة لا على سبيل التخيل ولو كان المدرك هو البصر الظاهر لكان يرى ~~القطر كما هو عليه والنقطة كما هي عليها فانه لا يدرك إلا المقابل النازل ~~وذلك ليس بخط فعلمنا أن ثم قوة أخرى ارتسم فيها هيئة ما رأى أولا وقبل ان ~~تمحي تلك الهيئة لحقتها أخرى واخرى فرآها خطا مستقيما او خطا مستديرا ~~والدليل عليه أنه لو اديرت النقطة لا بسرعة لترى نقطا متفرقة فعندك إذا قوة ~~قبل البصر إليها يؤدي البصر ما يشاهده وعندها تجتمع المحسوسات فتدركها ~~وكذلك الانسان يحس من نفسه انه اذا أبصر شخصا او سمع كلاما ادرك المبصر ~~شخصا واحدا وادرك المسموع ms021 كلاما واحدا وما في العين عنده شخصان أعني شبحين ~~في العينين وكلامين في الأذنين فعلم يقينا أن محل الادراك أمر وراء العينين ~~والأذنين فالقوة المدركة لهما قوة واحدة اجتمعت عندها الصورتان أعني ~~الشبحين في العينين على اتفاقهما والمدركان أعني المبصر والمسموع على ~~اختلافهما فتلك القوة مجمع المتماثلات والمختلفات فسميناها الحس المشترك إذ ~~لا # PageV01P045 # تكون النفس مدركة إلا بهذه القوة وسميناها اللوح إذ لا تجتمع المحسوسات ~~إلا في هذه القوة وليس لها إلا الادراك فقط وانما يكون الارتسام والحفظ ~~لقوة اخرى ومن خواص هذه القوة استحضار المحسوسات في الحواس أولا ثم إدراكها ~~ثانيا ومن خواصها انها تدرك الجزئيات الشخصية دون الكليات العقلية ومن ~~خواصها انها تحس باللذة والألم من المتخيلات كما تحس بالألم واللذة من ~~المحسوسات الظاهرة # وأما بيان القوة الخيالية فانا نعلم أنا اذا رأينا شيئا وغبنا عنه أو غاب ~~عنا بقيت صورته فينا كأنا نشاهدها ونراها فهي تحفظ مثل المحسوسات بعد ~~الغيبوبة وبهاتين القوتين يمكنك ان تحكم أن هذا الطعم لغير صاحب هذا الكون ~~وان لصاحب هذا الكون هذا الطعم فان القاضي بهذين الحكمين لا يمكنه القضاء ~~مالم يحضره المقضي عليهما # وأما بيان القوة الوهمية فان الحيوانات ناطقها وغير ناطقها تدرك من ~~الاشخاص الجزئية المحسوسة معاني جزئية غير محسوسة كما تدرك الشاة أن هذا ~~الذئب عدوها والعداوة والمحبة غير محسوستين وتحكم عليهما كما تحكم على ~~المحسوس فعلمنا ان هذه لقوة اخرى وللقوة الوهمية في الانسان أحكام خاصة ~~منها حملها النفس ان تمنع وجود أشياء لا تتخيل ولا ترتسم في الخيال مثل ~~الجواهر العقلية التي لا تكون في حيز ومكان ومنها اثبات الخلاء محيطا ~~بالعالم ومنها موافقة المبرهن على تسليم المقدمات ثم مخالفته في النتيجة # وقد قيل إن القوة الوهمية هي الرئيسة الحاكمة في الحيوان حكما ليس فصلا ~~كالحكم العقلي ولكن حكما تخيليا مقرونا بالأشياء الجزئية والصور الحسية # PageV01P046 # وعنها يصدر أكثر الأفعال الحيوانية # وأما بيان القوة الحافظة فانا نعلم انا إذا أدركنا المعاني الجزئية لا ~~تغيب عنا بالكلية فانا نتذكرها ms022 ونستحضرها بأدنى تأمل فعلمنا أن لهذه ~~المعاني خازنا يحفظها فتلك هي الحافظة ما دامت باقية فيها فإذا غابت ~~واستعادت فهي الذاكرة ونسبة الحافظة الى المعاني كنسبة المصورة الى ~~المحسوسات المتصورة في الحس المشترك # وأما بيان قوة التخيل فانا نعلم انا يمكننا أن ندرك صورة ثم نفصل ونركب ~~ونزيد وننقص وندرك معنى فنلحقه بالصورة فهذا التصرف لغير ما ذكر من القوى ~~ومن شأن هذه القوة ان تعمل بالطبع عملا منتظما أو غير منتظم وانما ذلك ~~لتستعملها النفس على أي نظام تريده ولو لم يكن كذلك لكان أمرا طبيعيا غير ~~مفتن ولما كان للانسان أن يتعلم الصناعات المختلفة والنقوش العجيبة والخطوط ~~المنظومة ليكون مطبوعا على فعل واحد كسائر الحيوانات فهذه القوة تستعملها ~~النفس في التركيب والتفصيل تارة بحسب العقل العملي وتارة بحسب العقل النظري ~~وهي في ذاتها تركب وتفصل ولا تدرك وإذا استعملتها النفس في أمر عقلي سميت ~~مفكرة وإذا أكبت على فعلها الطبيعي سميت متخيلة والنفس تدرك ما تركبه ~~وتفصله من الصور بواسطة الحس المشترك وما تركبه وتفصله من الصور بواسطة ~~القوة الوهمية # واما محال هذه القوى فاعلم أن هذه قوى جسمانية فلا بد لها من محال ~~جسمانية خاصة واسم خاص فالحس المشترك آلتها ومحلها الروح المصبوب في مبادىء ~~عصب الحس لا سيما في مقدم الدماغ # وأما القوة المصورة وتسمى الخيال فآلتها الروح المصبوب في البطن الأول من ~~الدماغ ولكن في جانبه الأخير # PageV01P047 # وأما القوة الوهمية فمحلها وآلتها الدماغ كله ولكن الأخص بها التجويف ~~الأوسط لا سيما في جانبه الأخير # وأما القوة المتخيلة فسلطانها في الجزء الأول من التجويف الأوسط وكأنها ~~قوة ما للوهم وبتوسط الوهم للعقل # وأما البواقي من القوى وهي الذاكرة والحافظة فسلطانها في حيز الروح الذي ~~في التجويف الأخير وهو آلتها وإنما هدي الناس الى القضاء بأن هذه هي الآلات ~~وانها مختلفة المحال بحسب اختلاف القوى وأن الفساد إذا اختص بتجويف أورث ~~الآفة فيه ثم اعتبار الواجب في حكمة الصانع الحكيم تعالى أن يقدم الأقنص ~~للجرماني ويؤخر الأقنص ms023 للروحاني ويقعد المتصرف فيهما حكما واسترجاعا للمثل ~~المنمحية عن الجانبين في الوسط جلت قدرته # PageV01P048 ### | القوى الخاصة بالنفس الانسانية # أما النفس الانسانية الناطقة قتقسم قواها أيضا إلى قوة عاملة وإلى قوة ~~عالمة وكل واحدة من القوتين تسمى عقلا باشتراك الأسم فالعاملة قوة هي مبدأ ~~تحريك لبدن الانسان إلى الأفاعيل الجزئية الخاصة بالروية على مقتضى آراء ~~تخصها اصطلاحية ولها اعتبار بالقياس إلى القوة الحيوانية النزوعية واعتبار ~~بالقياس إلى القوة الحيوانية المتخيلة والمتوهمة واعتبار بالقياس إلى نفسها ~~وقياسها إلى القوة الحيوانية النزوعية أن يحدث منها فيها هيئات تخص الانسان ~~يهيأ بها لسرعة فعل وانفعال مثل الخجل والحياء والضحك والبكاء وما أشبه ذلك # وقياسها إلى القوة الحيوانية المتخيلة والمتوهمة هو أن تستعملها في ~~استنباط التدابير في الأمور الكائنة والفاسدة واستنباط الصنائع الانسانية ~~وقياسها إلى نفسها أن فيما بينها وبين العقل النظري تتولد الآراء الذائعة ~~المشهورة مثل إن الكذب قبيح والظلم قبيح والصدق حسن والعدل جميل وعلى ~~الجملة جميع تفاصيل الشريعة فهو تفصيل هذه المشهورات المتولدة بين العقل ~~النظري والعملي وهذه القوة هي التي يجب أن تتسلط على سائر قوى البدن على ~~حسب ما توجبه أحكام القوة التي نذكرها حتى لا تنفعل عنها البتة بل تنفعل هي ~~عنها وتكون # PageV01P049 # مقموعة دونها لئلا يحدث فيها عن البدن هيئات انقيادية مستفادة من الأمور ~~الطبيعية وهي التي تسمى رذائل الأخلاق بل يجب أن تكون غير منفعلة البتة ~~وغير منقادة بل متسلطة مستولية فتكون لها فضائل الأخلاق # وقد يجوز أن تنسب الأخلاق إلى القوى البدنية أيضا ولكن إن كانت هي ~~الغالبة يكون لها هيئة فعلية ولهذه هيئة انفعالية فيكون شيء واحد يحدث منه ~~خلق في هذا وخلق في ذلك وان كانت هي المغلوبة تكون لها هيئة انفعالية ولهذا ~~هيئة فعلية غير غريبة ويكون الخلق واحدا وله نسبتان وانما كانت الأخلاق عند ~~التحقيق لهذه القوة لأن النفس الإنسانية كما ظهر جوهر واحد وله نسبة وقياس ~~إلى جنبتين جنبة هي تحته وجنبة هي فوقه وله بحسب كل جنبة قوة تنظم بها ms024 ~~العلاقة بينه وبين تلك الجنبة # فهذه القوة العملية هي القوة التي لها بالقياس إلى الجنبة التي دونها هي ~~البدن وسياسته # وأما القوة النظرية فهي القوة التي بالقياس إلى الجنبة التي فوقها لتنفعل ~~وتستفيد منها وتقبل عنها فكأن للنفس منا وجهين وجه إلى البدن ويجب أن يكون ~~هذا الوجه غير قابل البتة أثرا من جنس مقتضى طبيعة البدن ووجه إ لى ~~المباديء العالية والعقول بالفعل ويجب أن يكون هذا دائم القبول عما هنالك ~~والتأثر منه وبه كمال النفس فإذا القوة النظرية لتكميل جوهر النفس والقوة ~~العملية لسياسة البدن وتدبيره على وجه يفضي به إلى الكمال النظري {إليه ~~يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} # وأما القوة النظرية فهي قوة من شأنها أن تنطبع بالصور الكلية المجردة عن ~~المادة فان كانت مجردة بذاتها فذاك وان لم تكن فانها تصيرها مجردة بتجريدها ~~إياها حتى لا يبقى فيها من علائق المادة شيء وسنوضح هذا بعد # PageV01P050 # وهذه القوة النظرية لها إلى هذه الصور نسب وذلك أن الشيء الذي من شأنه أن ~~يقبل شيئا قد يكون بالقوة قابلا له وقد يكون بالفعل والقوة تقال على ثلاثة ~~معان بالتقديم والتأخير # فيقال قوة للاستعداد المطلق الذي لا يكون خرج منه شيء بالفعل ولا أيضا ~~حصل مابه يخرج وهذا كقوة الطفل على الكتابة # ويقال قوة لهذا الاستعداد إذا كان لم يحصل إلا ما يمكن به أن يتوصل إلى ~~اكتساب الفعل بلا واسطة كقوة الصبي الذي ترعرع عرف الدواة والقلم وبسائط ~~الحروف على الكتابة # ويقال قوة لهذا الاستعداد إذا تم بالآلة وحدث معه أيضا كمال الاستعداد ~~بأن يكون له أن يفعل متى شاء بلا حاجة إلى الاكتساب بل يكفيه أن يقصد فقط ~~كقوة الكاتب المستكمل للصناعة إذا كان لا يكتب # والقوة الأولى تسمى قوة مطلقة هيولانية والقوة الثانية تسمى قوة ممكنة ~~وملكة والقوة الثالثة كمال القوة فالقوة النظرية إذا تارة تكون نسبتها إلى ~~الصور المجردة التي ذكرناها نسبة ما بالقوة المطلقة وذلك متى تكون هذه ~~القوة للنفس لم تقبل بعد شيئا ms025 من الكمال الذي بحسبها وحينئذ تسمى عقلا ~~هيولانيا وهذه القوة التي تسمى عقلا هيولانيا موجودة لكل شخص من النوع ولكن ~~على السواء وفيها ترتب وتفاضل فيه خلاف بين الحكماء # وانما سميت هيولانية تشبيها بالهيولى الأولى التي ليست بذاتها ذات صورة ~~من الصور وهي موضوعة لكل صورة وتارة نسبة ما بالقوة الممكنة وهي أن تكون ~~الهيولانية قد حصل فيها من المعقولات الأولى التي يتوصل منها إلى المعقولات ~~الثانية أعني بالمعقولات الأولى المقدمات التي بها يقع التصديق لا ~~بالاكتساب ولا أن يشعر بها المصدق أنه كان يجوز له أن يخلو عن التصديق # PageV01P051 # بها وقتا البتة مثل اعتقادنا أن الكل أعظم منالجزء أو أن الأشياء ~~المساوية لشيء واحد متساوية وهذه هي التي تسمى العلوم الضرورية فما دام ~~انما حصل فيه من العقل هذا القدر فقط يسمى عقلا ممكنا أو عقلا بالملكة ~~ويجوز أن تسمى عقلا بالفعل بالنسبة إلى الأولى وقد تكون أقوى من ذلك بان ~~يكون قد حصل له من المعقولات النظرية بحيث يمكنه أن يتوصل بها إلى ~~المعقولات الثانية ويجوز أن تكون نسبة ما بالقوة الكمالية وهو أن يكون قد ~~حصل فيها أيضا الصور المعقولة المكتسبة بعد المعقولة الأولية إلا أنه ليس ~~يطالعها ويرجع اليها بالفعل بل كأنها عنده مخزونة فمتى شاء طالع تلك الصورة ~~بالفعل وعقلها وعقل أنه عقلها وتسمى عقلا بالفعل لأنه يعقل متى شاء بلا ~~اكتساب تكلف وتجشم وإن كان يجوز أن تسمى عقلا بالقوة بالقياس إلى ما بعده # وتارة تكون نسبته نسبة ما بالفعل المطلق وهو أن تكون الصورة المعقولة ~~حاضرة فيه وهو يطالعها بالفعل ويعقلها بالفعل ويعقل أنه يعقلها بالفعل ~~فيكون حينئذ عقلا مستفادا وهذا هو العقل القدسي وانما سمي مستفادا لأنه ~~سيتضح أن العقل بالقوة انما يخرج إلى الفعل بسبب عقل هو دائم الفعل وانه ~~إذا اتصل به العقل بالقوة نوعا من الاتصال انطبع فيه بالفعل نوع من الصورة ~~تكون مستفادة من خارج فهذه أيضا مراتب القوى التي تسمى عقلا نظرية وعند ~~العقل المستفاد يتم الجنس ms026 الحيواني والنوع الانساني وهناك تكون القوة ~~الانسانية تشبهت بالمبادىء الأولية للوجود كله وسيأتي زيادة شرح للعقل ~~المستفاد القدسي في النبوة ### | بيان اختلاف الناس في العقل الهيولاني الذي هو الاستعداد المطلق # إعلم أن الحكماء اختلفوا في هذا الاستعداد هل هو متشابه في جميع أشخاص ~~النوع أم مختلف فقالت جماعة إنها متشابهة في هذا الاستعداد وانما # PageV01P052 # الاختلاف راجع الى استعمال ذلك الأمر المستعد في نوع من العلم دون نوع ~~فيخرج إلى الفعل فيظهر الاختلاف # وقالت جماعة إنها مختلفة الاستعداد على حسب اختلاف الأمزجة وما يخرج منها ~~إلى الفعل فانما يخرج ذلك على حسب ذلك الاستعداد وليس حكمها حكم الهيولى في ~~أنها قابلة لكل صورة فإن الهيولى الأولى قابلة للصورة الأولى وهي الجسمية ~~وهي متشابهة في جميع الأجسام ثم تقبل بواسطتها صورة صورة على حسب تركبها من ~~الصورة الثانية والهيولى الثانية ولهذا لم يكن للهيولى الأولى وجود في ~~ذاتها دون الصورة الأولى ولا للجسم المطلق وجود دون أن يكون إما نارا أو ~~هواء أو غير ذلك والأمر ههنا بخلاف ذلك فان النفس لها وجود محقق واستعداد ~~لذلك الوجود فيجب أن يكون مختلفا بحسب اختلاف الموضوع # وإن قيل إن النفس الانسانية متشابهة في النوع وسلم ذلك فلا شك أنها ~~مختلفة في الشخص والعين بحسب اختلاف العوارض المشخصة فيختلف الاستعداد في ~~العقل الهيولاني على حسب ذلك فان النفس انما تفيض من المباديء على قدر ~~الاستعداد فكلما كان المزاج أعدل كانت النفس أشرف وينضاف اليه طوالع ~~الكواكب واجرام السماوات فاذا كما أن النفس وان كانت متحدة في النوع فبينها ~~تفاضل وترتب فكذلك الاستعداد مترتب على شرف النفس فرب نفس نبي يستغني عن ~~الفكرة يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار ورب نفس غبي لا يعود عليه الفكر ~~برادة وهذا الرأي أقوى وأقرب إلى مناهج الشرع # PageV01P053 ### | مراتب العقل من الكتاب الالهي # اعلم أن الله تعالى ذكر هذه المراتب في آية واحدة فقال الله نور السموات ~~والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب ms027 ~~دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم ~~تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس ~~والله بكل شيء عليم # فالمشكاة مثل للعقل الهيولاني فكما أن المشكاة مستعدة لان يوضع فيها ~~النور فكذلك النفس بالفطرة مستعدة لأن يفيض عليها نور العقل ثم إذا قويت ~~أدنى قوة وحصلت لها مباديء المعقولات فهي الزجاجة فإن بلغت درجة تتمكن من ~~تحصيل المعقولات بالفكرة الصائبة فهي الشجرة لأن الشجرة ذات أفنان فكذلك ~~الفكرة ذات فنون فإن كانت أقوى وبلغت درجة الملكة فان حصل لها المعقولات ~~بالحدس فهي كالزيت فإن كانت أقوى من ذلك فيكاد زيتها يضيء فإن حصل له ~~المعقولات كأنه يشاهدها ويطالعها فهو المصباح ثم إذا حصلت له المعقولات فهو ~~نور على نور نور العقل المستفاد على نور العقل الفطري ثم هذه الأنوار ~~مستفادة من سبب هذه الأنوار بالنسبة اليه كالسراج # PageV01P055 # بالنسبة إلى نار عظيمة طبقت الأرض فتلك النار هي العقل الفعال المفيض ~~لأنوار المعقولات على الأنفس البشرية وان جعلت الآية مثالا للعقل النبوي ~~فيجوز لأنه مصباح يوقد من شجرة أمرية مباركة نبوية زيتونة أمية لا شرقية ~~طبيعية ولا غربية بشرية يكاد زيتها يضيء ضوء الفطرة وان لم تمسه نار الفكرة ~~نور من الأمر الربوبي على نور من العقل النبوي يهدي الله لنوره من يشاء # PageV01P056 ### | تظاهر العقل والشرع وافتقار أحدهما الى الآخر # اعلم أن العقل لن يهتدي إلا بالشرع والشرع لم يتبين إلا بالعقل فالعقل ~~كالأس والشرع كالبناء ولن يغني أس ما لم يكن بناء ولن يثبت بناء ما لم يكن ~~أس # وأيضا فالعقل كالبصر والشرع كالشعاع ولن يغني البصر ما لم يكن شعاع من ~~خارج ولن يغني الشعاع ما لم يكن بصر فلهذا قال تعالى {قد جاءكم من الله نور ~~وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى ~~النور بإذنه} # وأيضا فالعقل كالسراج والشرع كالزيت الذي يمده فما لم يكن زيت لم يحصل ms028 ~~السراج وما لم يكن سراج لم يضىء الزيت وعلى هذا نبه الله سبحانه بقوله ~~تعالى الله نور السموات والأرض إلى قوله {نور على نور} فالشرع عقل من خارج ~~والعقل شرع من داخل وهما متعاضدان بل متحدان ولكون الشرع عقلا من خارج سلب ~~الله تعالى اسم العقل من الكافر في غير موضع من # PageV01P057 # القرآن نحو قوله تعالى {صم بكم عمي فهم لا يعقلون} ولكون العقل شرعا من ~~داخل قال تعالى في صفة العقل {فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل ~~لخلق الله ذلك الدين القيم} فسمى العقل دينا ولكونهما متحدين قال {نور على ~~نور} أي نور العقل ونور الشرع # ثم قال {يهدي الله لنوره من يشاء} فجعلها نورا واحدا فالشرع إذا فقد ~~العقل لم يظهر به شيء وصار ضائعا ضياع الشعاع عند فقد نور البصر والعقل إذا ~~فقد الشرع عجز عن أكثر الأمور عجز العين عند فقد النور # واعلم أن العقل بنفسه قليل الغناء لا يكاد يتوصل إلى معرفة كليات الشيء ~~دون جزئياته نحو أن يعلم جملة حسن اعتقاد الحق وقول الصدق وتعاطي الجميل ~~وحسن استعمال المعدلة وملازمة العفة ونحو ذلك من غير أن يعرف ذلك في شيء ~~والشرع يعرف كليات الشيء وجزئياته ويبين ما الذي يجب أن يعتقد في شيء شيء # وعلى الجملة فالعقل لا يهدي إلى تفاصيل الشرعيات والشرع تارة يأتي بتقرير ~~ما استقر عليه العقل وتارة بتنبيه الغافل واظهار الدليل حتى يتنبه لحقائق ~~المعرفة وتارة بتذكير العاقل حتى يتذكر ما فقده وتارة بالتعليم وذلك في ~~الشرعيات وتفصيل أحوال المعاد فالشرع نظام الاعتقادات الصحيحة # PageV01P058 # والأفعال المستقيمة والدال على مصالح الدنيا والآخرة ومن عدل عنه فقد ضل ~~سواء السبيل وإلى العقل والشرع أشار بالفضل والرحمة بقوله تعالى {ولولا فضل ~~الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا} وعنى بالقليل المصطفين ~~الاخيار # PageV01P059 ### | حقيقة الادراك ومراتبه في التجريد # إعلم أن الادراك أخذ صورة المدرك وبعبارة أخرى الادراك أخذ مثال حقيقة ~~الشيء لا الحقيقة الخارجية فان الصورة الخارجية لا تحل المدرك بل مثال ms029 منها ~~فان المحسوس بالحقيقة ليس هو الخارج بل ما تمثل في الحاس فالخارج هو الذي ~~المحسوس انتزع منه والمحسوس هو الذي وقع في الحال فشعر به ولا معنى لشعوره ~~إلا وقوعه فيه وانطباعه به وكذلك المعقول هو مثال الحقيقة المرتسم في النفس ~~لأن العقل يجرده عن جميع العوارض واللواحق الغريبة ان كان يحتاج إلى ~~التجريد # وأما مراتب الادراكات في التجريد فاعلم أولا أن المدرك الذي يفتقر إلى ~~تجريد لا يخلو في الوجود الخارجي عن لواحق غريبة وأعراض غاشية من قدر وكيف ~~وأين ووضع فإن الانسان مثلا له حقيقة وهو الحي الناطق وتلك الحقيقة عامة ~~لأشخاص النوع ولا تكون في الوجود تلك الحقيقة لا خاصة ولا عامة إلا مع ~~لواحق غريبة فان الانسان لو كان عاما لما كان زيد الخاص انسانا ولو كان ~~خاصا بأن يكون زيد هو الانسان لكونه زيدا لما كان عمرو انسانا لأن الشيء ~~إذا كان لذاته ما وجد لغيره # فإذا فهمت هذا فاعلم أن مراتب المدركات مختلفة في التجريد عن هذه الغواشي ~~واللواحق وهو على أربع مراتب # PageV01P061 # الأولى انما هي الحس فانه يجرد نوعا من التجريد إذ لا تحل في الحاس تلك ~~للصورة بل مثال منها إلا أن ذلك المثال انما يكون إذا كان الخارج على قدر ~~مخصوص وبعد مخصوص ويناله مع تلك الهيئة والوضع فلو غاب عنه أو وقع له حجاب ~~لا يدركه # المرتبة الثانية ادراك الخيال وتجريده أتم قليلا وأبلغ تحصيلا فإنه لا ~~يحتاج إلى المشاهدة بل يدرك مع الغيبوبة إلا أنه يدرك مع تلك اللواحق ~~والغواشي من الكم والكيف وغير ذلك # المرتبة الثالثة إدراك الوهم وتجريده أتم وأكمل مما سبق فإنه يدرك المعنى ~~عن اللواحق وغواشي الأجسام كالعداوة والمحبة والمخالفة والموافقة إلا أنه ~~لا يدرك عداوة كلية ومحبة كلية بل يدرك عداوة جزئية بأن يعلم أن هذا الذئب ~~عدو ومهروب عنه وإن هذا الولد صديق معطوف عليه # المرتبة الرابعة إدراك العقل وذلك هو التجريد الكامل عن كل غاشية وجميع ~~لواحق الأجسام بل جناب ادراكه ms030 منزه عن أن يحوم به لواحق الاجسام من القدر ~~والكيف وجميع الاعراض الجسمية ويدرك معنى كليا لا يختلف بالاشخاص فسواء ~~عنده وجود الاشخاص وعدمها وسواسية لديه القرب والبعد بل ينفذ في أجزاء ~~الملك والملكوت وينزع الحقائق منها ويجردها عما ليس منها هذا ان كان يحتاج ~~المدرك الى تجريد فإن كان منزها عن لواحق الاجسام مبرا عن صفاتها فقد كفى ~~المؤنة فلا يحتاج إلى أن يفعل به فعلا بل يدركه كما هو # PageV01P062 ### | سؤالات وانفصالات تحتها نفائس من العلوم # السؤال الأول فان قيل قد قلتم فيما سبق إن النفس قد يكون له استعداد محض ~~بالنسبة إلى المعقول وقد قلتم إن كل مجرد عن لواحق المواد فهو عقل بالفعل ~~فما أرى هذا إلا تناقضا فان كان النفس مجردا فهو عقل بالفعل وان لم يكن ~~مجردا فليس بعقل # فان قلتم إنه عقل بالفعل وانما لا يدرك المعقول لاشتغاله بالبدن فكيف كان ~~يكون البدن تابعا له خادما في كثير من الأشياء وكيف يكون معينا له على ~~التردد في ترتيب المقدمات واستنتاج النتائج من الفكر الخالية وكيف يكون ~~تابعا عائقا # قلنا ليس كل مجرد كيفما كان هو عقل بالفعل أي تكون المعقولات حاصلة له ~~دفعة بل المجرد التام هو الذي لا تكون المادة سببا لحدوثه بوجه من الوجوه ~~ولا سببا لهيئة من هيئاته ولا لتشخصه وقولك كيف يكون تابعا وعائقا هذا غير ~~مستبعد فقد يكون الشيء ممكنا من شيء وعائقا عنه فالبدن قد يعين النفس في ~~كثير من الأشياء على ما سيتلى عليك وقد يكون عائقا عن # PageV01P063 # كثير من الأشياء على ما سيتلى عليك وقد يكون عائقا عن كثير من الاشياء ~~وذلك إذا أكبت على الشهوات ومقتضى صفات البدن واشتغلت بالحواس الظاهرة ~~والباطنة السؤال الثاني # فان قيل قد قيل إن النفس إذا حصلت فيها الصورة المعقولة لا يبطل ~~استعدادها ومعلوم أن الاستعداد مع حصول الصورة بالفعل لا يجتمعان # قلنا هذا نوع مغالطة وعماية فان الاستعداد انما يكون بالنسبة إلى ما لم ~~يحصل لا بالنسبة إلى ما ms031 حصل وما يحصل لنا من المعقولات غير متناه ولا يحصل ~~دفعة ما دامت النفس مشغولة بالبدن أو بما صحبها من عوارض البدن بل انما ~~يحصل بقدر ما يكتسب وبقدر ما يفيض عليها من هداية الله وأنوار رحمته # نعم قد تكون النفس في الاستفاضة والاستعداد مختلفة فنفس كأنه زيت يضيء ~~ولو لم تمسسه نار فتطلع على جلايا من المعقولات غير محصورة دفعة واحدة ~~فيكون الفيض به متواصلا متواليا متواترا غير مفقود وأخرى له تفكر كثيرا لا ~~يرجع الفكر عليه برادة واخرى متوسطة بينهما وفي تلك الأوساط تفاوت وأعداد ~~ومراتب لا تحصى وفيها يتفاوت الناس رفعة ودرجة وعزا وذكرا وقربا من الله ~~تعالى السؤال الثالث # فإن قيل معلوم إن النفس انما تطلع على المعقولات بواسطة ملك يسمى عقلا ~~يفيض منه المعقولات على النفس البشرية وهي انما تتصل به بواسطة مطالعة ~~الصور في الخيال أعني الفكر والنظر وترتيب المقدمات بعضها على بعض وهذا ~~انما يكون إذا كان الجسم والخيال باقيا فإذا تعطل الخيال بالموت فكيف تتصل # PageV01P064 # به حتى يفيض عليه حقائق المعقولات وقد قلتم إن البدن عائق فإذا فارق ~~البدن يطلع على المعقولات ويتصل به دوام الفيض فكيف يكون هذا # قلنا اعلم أن النفوس مختلفة فنفس مشرق صاف عن الكدورات يتلألأ فيه أنوار ~~العلوم مؤيد من عند الله ثاقب الحدس ذكي الذهن لا يحتاج إلى الفكر والنظر ~~بل يفيض عليه من أنوار العلوم بواسطة الملأ الأعلى ما يشاء من المعقولات مع ~~براهينها بل ولو لم يشأ حتى كأنه من كثرة ما يستولي عليه من المعقولات يشرق ~~على خياله وحسه فهذا النقش من المعقول يأتي المحسوس والمخيل فيحاكيه بما ~~يناسبه من الأمثلة فيخبر عنه فهذا في جلابيب البدن كأنه قد نضاها واتصل ~~بعالم القدس فسواء عنده مفارقة البدن وملابسته فإنه يستعمل البدن لا البدن ~~يستعمله وينتفع به البدن لا هو ينتفع بالبدن ويخرج العقول إلى الفعل لا انه ~~يخرج إلى الفعل فهذا هو العقل القدسي النبوي ونفس أخرى انما تصل إلى العلوم ~~وحقائق المعقولات ms032 بواسطة البدن وقواه واكتسابه العلوم بواسطة المقدمات ~~الخيالية ولكن هذا انما يكون ما دام ملابسا للبدن فإذا فارق البدن وكان ~~مستقلا مستوسقا وكان قد حصل له استعداد بالغ وزيته قد صفي ونفسه قد هذب ~~فإذا فارق اتصل ولا يحتاج إلى الخيال والفكر بل يكون عائقا وكثيرا ما يصير ~~المعين عائقا إذا استغنى عنه وتفاوت هذا الصنف الوسط من النفوس كثير وفيه ~~تتفاوت السعادة والرفعة والقربة من الله تعالى ونفس تكون متشبثة بالاقناعات ~~الواهية والخيالات المتداعية فإذا فارقت البدن تكون الخيالات متشبثة بها ~~فأما أن يبقى فيها أو يتخلص بعد حين السؤال الرابع # فإن قيل قد قيل إن النفس قد تطالع الصور الخيالية وهي في أجسام والنفس ~~مفارقة لا تحاذي الأجسام ولا توازيها فكيف يكون هذا # PageV01P065 # قلنا هذا انما يشكل أن لو كان يأخذها خيالية جسمانية أما إذا كان يأخذها ~~مجردة فليس فيه إشكال وقولك بأنها مفارقة والصور جسمانية هذا صحيح ولكن ~~معلوم ان بين النفس والبدن علاقة معقولة يتأثر أحدهما عن الآخر ولهذا إذا ~~تذكر النفس جانب القدس اقشعر البدن ويقف شعره وكذلك النفس تتأثر عن مقتضيات ~~البدن من الغضب والشهوة والحس وغير ذلك فالنفس مهما طالعت الصور الخيالية ~~على الوجه الذي يليق بها فانه يتأثر عنها وإذا تأثر عنها استعد لأن يفيض ~~عليه المطلوب رحمة من الله ولطفا به ولهذا قال عليه الصلاة والسلام ان ~~لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها فينبغي أن تكون النفس متعرضة ~~لنفحات فضل الله حتى يفيض عليها إذ ليس في جود الجواد الحق بخل وليس بيدنا ~~تحصيل المعقولات بل التعرض لتلك النفحات ثم استعداد التعرض أيضا موهبة ~~إلهية لا تنال بيد الاكتساب السؤال الخامس # فإن قيل معلوم إن النفس تعقل المعقولات مترتبة مفصلة وقد قيل إن ما يعقل ~~المعقولات المترتبة المفصلة فليس ببسيط واحد من كل وجه وقد ثبت أن ما يدرك ~~المعقولات كيفما كان يكون مجردا لا تقدير للانقسام فيه فالنفس إما أن تكون ~~صورة مادية فتكون جسمانية فينبغي أن لا ms033 تدرك المعقولات أو تكون مجردا ~~مفارقا فيكون إدراكها لا على الترتيب والتفصيل وليس بين الحالتين مرتبة ~~أخرى # قلنا صدقت فيما قلت النفس تدرك المعقولات مفصلة ومرتبة وما يدرك ~~المعقولات مفصلة مرتبة فليس له وحدة صرفة وتجريد محض إذ هو بالنسبة إلى بعض ~~المعقولات بالقوة ففيه ما بالقوة وفيه ما بالفعل فالواحد الحق هوالله ~~سبحانه فلا جرم ليس له شيء منتظر لا ذاته ولا صفاته ويكون التركيب منفيا ~~عنه من كل وجه قولا وعقلا وقدرا ما سواه فلا يخلو عن تركيب ما وان كان من ~~حيث # PageV01P066 # العقل لا تركيبا جسمانيا أو متوهما حتى أن العقل الذي هو المبدع الأول لا ~~يكون واحدا صرفا بل فيه اعتباران ولهذا صدر منه أكثر من الواحد السؤال ~~السادس # فان قيل إذا حصلت الصورة المعقولة للنفس استحضرت النفس تلك الصورة فهل ~~تحتاج إلى إدراك آخر انها أدركت أو حصلت لها الصورة المعقولة المجردة # قلنا لا بل نفس الادراك وإنما هو حصول الصورة مجردة للنفس فإن حصلت فقد ~~أدركتها وإلا فيعد غير مدرك ولا واسطة بينهما ولا يحتاج إلى إدراك آخر فإنه ~~يتسلسل السؤال السابع # فان قيل النفس في تحصيل المعقولات تفزع إلى القوة المفكرة فتستعملها في ~~ترتيب المقدمات واستنتاج المطالب وهذا انما يكون في اليقضة إذا أقبلت عليها ~~وفي النوم تتعطل المخيلة وكذا بعد الموت فكيف يحصل بعد ذلك المعقول # قلنا أولا غير مسلم إن القوة المفكرة تبطل في النوم وان النفس تتعطل عن ~~ذلك بل كثيرا ما تستولي النفس على المتخيلة إذا كانت خالية عن شواغل الحواس ~~فتغصبها وتستعملها في مطالبها ولهذا ينكشف كثير من المعقولات في النوم # نعم الغالب أن المتخيلة تستولي في النوم ولا تطيع النفس وتجد الحس ~~المشترك خاليا فتنقش فيه الصورة ولهذا يحتاج أكثر الرؤيا إلى التعبير ثم ~~النفس قد تحتاج في المعقول إلى المفكرة بل يكون قوي الحدس زاكي النفس # PageV01P067 # فيحصل له المعقولات ابتداء فإن لم تحصل ابتداء فعقب شوق إلى تحصيل معقول ~~فيفيض عليه المعقولات فان عجز عن ذلك ms034 ولا يكون له القوة الحدسية القدسية ~~فحينئذ تفزع إلى الفكر واستعمال التخيل في استنباط المعقول السؤال الثامن # فإن قيل قد سلف إن النفس تدرك المعاني الكلية المجردة وتدرك نفسها وهي ~~جزئية فكيف يكون هذا # قلنا تدرك المجردات عن لواحق الأجسام وعوارض المواد سواء كان كليا أو ~~جزئيا ونفسك وان كان جزئيا ولكن هو مجرد عن صفات الأجسام فتشعر بنفسك إنما ~~لا تدرك نفسك الأجسام إلا بآلة جسمانية أما نفسك فليست بجسمانية وادراك ~~نفسك لنفسك ليس إلا حصول حقيقتها لها فإن حقيقتها المجردة حاصلة لها وليس ~~ذلك مرتين فإن حقيقتها واحدة ليست مرتين وقد بينا أنه لا معنى للمعقول إلا ~~حصول مجرد للعاقل وليس كل معقول يحصل لشيء كيف كان يكون معقولا بل مع شرط ~~زائد وهو أن يكون مجردا ولا نعني بقولنا حقيقتنا حاصلة لنا بالوجود فان ~~الوجود يكون لكل شيء # ومن هذا تتنبه لسر عظيم وهو أن الحقيقة التي لنا لا يشاركنا فيها غيرنا ~~من الحيوانات فإن حقيقتنا المجردة غير حاصلة لها ولا نعني أيضا ان أصل ~~حقيقتنا بالقياس إلى نفسه أنه موجود الوجود الذي له ثم بالقياس إلى نفسه ~~أنه معقول بزيادة أمر فإن حقيقة النفس لا يعرض لها مرة شيء ومرة ليس ذلك ~~الشيء وهي واحدة في وقت واحد فليس لكونها معقولة زيادة شرط على كونها ~~موجودة الوجود الذي لها بل زيادة شرط على الوجود مطلقا وهو أن وجودها ~~وماهيتها أنها معقولة حاصلة لها في نفسها ليس لغيرها # وهذا أجل ما أعرفه في هذه الفصول والبيانات ويحتاج إلى تصور ورسوخ في # PageV01P068 # النفس فإن الأمور التصديقية لا يمكن أن يخبر عنها ما لم تصور في النفس ~~ولم تترسخ فإذا تمكنت النفس من التصور سارعت إلى التصديق # وينبغي على هذا الفصل معرفة جميع الصفات الآلهية لأن صفاته كلها اعتبارات ~~واضافات وسلوب وليست زائدة على الذات ولا توجب كثرة في الذات السؤال التاسع # فإن قيل إن كان التعقل هو أن يحصل للعاقل حقيقة المعقول فإذا يحصل لنا ~~إذا عقلنا الإله ms035 والعقول بصور حقائقها فلكل إذا منها حقيقتان فلم لا يجوز ~~أن يحصل لذواتنا أيضا حقيقتان وهناك يجوز # قلنا إذا أمكننا أن نعقل المفارقات بصور حقائقها في نفوسنا فيكون لها ~~حقيقتان حقائق في أنفسها لأنفسها وهي بها مفارقة وحقائق متصورة فينا فهي ~~لنا وهي أعراض وأمثلة لتلك الحقائق فإن العلوم بالجواهر لا يكون جواهر بل ~~تكون في الأذهان عوارض وفي أنفسها جواهر ثم إنا نشعر بذواتنا وليس شعورنا ~~بها إلا حصول حقيقتنا لنا من غير واسطة وإلا فيحصل دور وذلك أنا إذا قلنا ~~تعقلنا ذاتنا وأردنا بها إدراكا ومثالا غير حصول الحقيقة فانما يكون تعقلا ~~ان لو حصل حقيقته لنا وانما تحصل الحقيقة ان لو تعقلنا وليس يتعلق الكلام ~~بالتعقل أو الشعور بل بكل إدراك كان فانه ملاحظة لحقيقة الشيء لا من حيث هي ~~خارجة ولو كانت المدركات هي الخارجة لم تكن الأمور المعدومة معقولة بل هي ~~فينا وليست الملاحظة وجودا لها ثانيا بل نفس انتقاشها فينا وإلا لتسلسل إلى ~~غير النهاية إلا أنا على سبيل التوسع نقول نلاحظ حقائقها تشبها بالمحسوسات ~~على مجرى العادة وعند التحقيق المحسوسات أيضا # PageV01P069 # ملاحظتها حصول حقائقها التي هي بها محسوسة لنا حتى تصير الخارجة بها ~~ملاحظة السؤال العاشر # فان قال قائل إحسب أنا نعقل ذواتنا ولكن لم يتبين بعد أنه هل يجوز أن ~~نعقل بآلة جسمانية أم لا وهل القوة العقلية في جسم أم لا فلم لا يجوز أن ~~نحصل القوة العقلية في الجسم فتشعر بها القوة الوهمية كما أن القوة العاقلة ~~تشعر بالقوة الوهمية فلا تكون ذات القوة العقلية حاصلة لذاتها بل لغيرها ~~كما أن القوة الوهمية ليست حاصلة لذاتها بل مثلا للقوة العقلية # قلنا فينا أولا قوة ندرك بها المعاني الكلية وأخرى بها ندرك الجزئيات ~~والقوة التي ندرك بها الكلي تدرك بما يدرك به الكلي وذلك سمه ما شئت لكنا ~~نسميه القوة العقلية ولا يخلو إما أن يعتبر الشعور أو الادراك العقلي أما ~~الادراك العقلي فقد عرف ما يوجبه واما الشعور فأنت انما ms036 تشعر بهويتك بذاتك ~~لا ببعض قواك إذ لو شعرت ذاتك ببعض قواك كحس أو تخيل أو توهم لم يكن ~~المشعور هو الشاعر وأنت مع شعورك بذاتك تشعر أنك إنما تشعر بنفسك فأنت ~~الشاعر وأنت المشعور # ثم ان كان الشاعر بنفسك قوة غير ذاتك فلا يخلو إما أن تكون قائمة في نفسك ~~أو في جسم فان كانت قائمة في نفسك فيكون وجود نفسك لقوة نفسك فيرجع على ~~نفسها مع القوة ولا يكون لغيرها وان كانت تلك القوة قائمة في جسم ونفسك غير ~~قائمة في ذلك الجسم فيكون الشاعر ذلك الجسم بتلك القوة لشيء مفارق ولا يكون ~~هناك شعور بذاتك بوجه ولا إدراك لذاتك بخصوصيتها بل يكون جسم ما يحس بشيء ~~غيره كما تحس ببدنك على أن إدراك القوة الجسمانية الجوهر المفارق محال وإن ~~كانت نفسك بتلك القوة قائمة في ذلك الجسم فقد بينا استحالة ذلك فإنه يلزم ~~أن تكون النفس # PageV01P070 # وقوتها وجودهما لغيرهما فلا تكون النفس بتلك القوة تدرك ذاتها ولا ذلك ~~الجسم لأن ماهية القوة والنفس معا لغيرهما وهو ذلك الجسم وان كان جوهر ~~النفس هو القوة التي بها يدرك فليسا يفترقان السؤال الحادي عشر # فإن قيل وما يدرينا أن شعورنا بذاتنا هو تعقلنا له فعسى هو ادراك آخر لا ~~يقتضي ذلك الادراك أن تكون حقيقة ذاتنا حاصلة لنا بل هو أثر على وجه ما حصل ~~لنا من ذاتنا فلا يكون ذلك الأثر هو بعينه حقيقة الذات فلا يمتنع أن يكون ~~لنا حقيقة وجود يحصل منها لنا أثر فنشعر بذلك فلا يكون الأثر هو الحقيقة ~~فلا يكون قد حصل لنا ذاتنا لذاتنا # قلنا من لا يتصور حقيقة ماهيته فليس يعقل ماهيته وليس الإدراك إلا تحقق ~~حقيقة الشيء من حيث يدرك وهو معنى الشيء بالقياس إلى لفظه # وقوله يحصل لنا أثر فنشعر بذلك الأثر فلا يخلو إما أن يجعل الشعور نفس ~~حصول الأثر أو شيئا يتبع حصول الأثر فان كان نفس حصول الأثر فقوله فنشعر ~~بذلك الأثر لا معنى له بل ms037 هو اسم آخر وقول آخر مرادف له فإن كان الشعور ~~شيئا يتبعه فاما أن يكون حصول معنى ماهية الشيء أو غيره فإن كان غيره فيكون ~~الشعور هو تحصيل ما ليس ماهية الشيء ومعناه وان كان هو هو فتكون ماهية ~~الذات تحتاج في أن يحصل لها ماهية الذات إلى أثر آخر به تحصل ماهية الذات ~~يحصلها أثر فليست متأثرة بل متكونة وان كانت ماهية الذات تحصل ثانيا بحال ~~آخر من التجريد أو نزع بعض ما يقارنها من العوارض أو زيادة تضاف اليها ~~فيكون المعقول هو الذي بحال أخرى وكلامنا في نفس الماهية وجوهرها الثابت في ~~الحالين # PageV01P071 # السؤال الثاني عشر # فإن قال قائل قد ذكرتم إن المانع عن التعقل هو المادة والاشتغال بالبدن ~~فما الدليل على أن المانع هو المادة وأنه محصور فيها # قلنا من علم الذات العاقلة حقيقة علم أن المانع هو المادة وذلك لأن الذات ~~التي تتجلى فيها حقائق الأشياء هي الجوهر المجرد عن غواشي الأجسام وليس فيه ~~ما يكون بالقوة وكل جوهر هذا حقيقته فانه يتأثر ولا ينفعل عن الغواشي ~~الغريبة فان تأثر عن غاش غريب فيكون بسبب المادة لأن المادة هي التي تغشى ~~لها غرائب وعوارض فاذا كل ما يكون عقلا فانه متحقق الذات مجرد عن المواد ~~ولا ينفعل ولا يتأثر ولا يكون ما فيه بالقوة وكل ما يكون له يكون دفعة ~~واحدة السؤال الثالث عشر # فان قيل ما ذكرتموه هدم لقاعدة عظيمة فان مساق هذا الكلام يقتضي أن يكون ~~نفسنا جوهرا ماديا فانه معلوم أنه يقبل المعقولات شيئا فشيئا ويتأثر وينفعل ~~عن الغواشي الغريبة فلو لم يكن جوهرا ماديا فينبغي أن لا يتأثر ويحصل له ~~المعقولات دفعة ومعلوم أن الأمر بخلاف ذلك # قلنا غفلت عن دقيقة فإنا قلنا كل ما يكون عقلا يكون متحقق الذات ولا ~~ينفعل وهذا موجبة كلية فعكسها يكون موجبة جزئية وهو أن بعض ما يكون متحقق ~~الذات ولا ينفعل يكون عقلا ولا يلزم ان نفسنا تكون جوهرا متحقق الذات بريا ~~عن لواحق المادة ms038 وعن صفات الأجسام # نعم إنما يقبل المعقولات شيئا فشيئا بسبب انه يحتاج في كثير من المعقولات ~~في أكثر النفوس إلى الاستعانة بالبدن ولا يطاوعه البدن ولا يشايعه # PageV01P072 # في مقصوده فتنبتر عليه مقاصده ومطالبه وان طاوعه في لمحة فيكون كبرق خاطف ~~فيعقبه ما يشوش عليه فكره وينغص وقته فنسأل الله التأييد والتسديد والرشاد ~~إلى سواء السبيل السؤال الرابع عشر # فإن قيل قد قلتم إن ذاتك إذا كانت حاصلة لك فهي معقولة لك ودليله ان ~~الذات إما ان تكون حاصلة لغيرك أو ليس لغيرك فان لم تكن حاصلة لغيرك فتكون ~~حاصلة لك وما يدرينا فلعلها حاصلة لا لغيره ولا لذاته # قلنا هذا روم درجة بين النفي والاثبات ولا واسطة ثم لو لم تكن ذاتك لك ~~لما قلت ذاتي ونفسي لأنه لو كان لغيرك لما قبل هذه الاضافة ثم التحقيق فيه ~~وهو سر عظيم وفتح باب من خزائن العلوم هو أن كل شيء حقيقته الصرفة لا توجد ~~متعينة بلا لوازم تتعين بها فهو من حيث حقيقته شيء ومن حيث أنه ملزوم لوازم ~~شيء وبالجملة إذا أخذت الحقيقة مع اللوازم شيء وهو إنما يتعين لا بأنه ~~حقيقة بل من حيث أنه ملزوم لوازم فبتلك اللوازم يتعين فإذا تكون حقيقة ~~الذات في نفسها لا بشرط آخر شيء ومن حيث هو متعين شيء فتكون هناك غيرية ~~تقبل الاضافة والنسبة والله المرشد السؤال الخامس عشر # فإن قيل قد ذكرتم إن للنفس ملكة بها تتمكن من تحصيل المعقولات فهذه ~~الملكة التي بها تستحصل الصور المعقولة ان كانت قوة طارئة على النفس فالنفس ~~مركبة وقد أقمتم البرهان على أنه واحد ليس بمركب ثم لا يصح البرهان بعد ذلك ~~على أنها لا تفسد بالموت وان لم تكن قوة طارئة عليها بل استكمالا فتكون من ~~حيث تؤثر تتأثرو من حيث تفعل تنفعل ثم ما البرهان على انها ليست قوة طارئة ~~وانها استكمال وكيف حل هذا السؤال ان كان استكمالا # PageV01P073 # قلنا إعلم ان النفس في ذاتها جوهر ليس بمركب الذات إذا أخذ ms039 مع تلك الملكة ~~الحاصلة والاستكمال انما يكون من خارج فليس هو من حيث يؤثر يتأثر ولا من ~~حيث يفعل ينفعل وكأن هذا الاستكمال يفعل في جوهر النفس صورا فهو من حيث أنه ~~يتصور بها النفس استكمال ومن حيث انه يتمكن بها من الاطلاع على صور أخرى ~~معقولة قوة ومن حيث هي لازمة لا مقومة ولا طارئة السؤال السادس عشر # فان قيل قد أثبتم بالبرهان أن النفس من المفارقات فكيف تنتفع بالبدن وما ~~فيه من الحس والخيال وكيف تكتسب العلوم بواسطة قوة التخيل وتحصل الفضائل ~~وتكتسب الرذائل بواسطة القوى البدنية وكيف تؤثر الطاعات والمواظبة على ~~العبادة في التنوير والتصفية وكيف تؤثر المعاصي والانهماك في الشهوات حتى ~~يرتقي منها ظلمات إلى النفس فيبطل بها الاستعداد الفطري # قلنا هذا سؤال شريف والانفصال عنه أشرف منه وإعطاء البرهان في ذلك مشكل ~~وإنما الطريق فيه الوجدان والعرفان يقينا والنفس خلقت بالفطرة مستعدة ~~للعلوم والعلوم تحصل فيها بالتدريج فلا بد من استعمال الفكر والخيال كما ~~قدمنا وكما نذكر بعد ذلك من انتفاع النفس بالقوى # اما تأثير الطاعات والمعاصي في التنوير والاظلام فذلك لأن سعادة النفس ~~وكمال جوهرها ان تكون مولية وجهها شطر الحق معرضة عن الحواس منخرطة في سلك ~~القدس مستديمة لشروق نور الحق في سرها فكل ما يكون مانعا من ذلك يكون حاطا ~~لها عن درجتها وتقدر بقدر ما تعرض عن حضرة الجلال والالتفات إلى جانب القدس ~~باتباع الشهوات تعرض عنها الأنوار الآلهية # PageV01P074 # وكلما كانت ادرب بالمعقولات كانت إلى السعادة أقرب فالنفس لها قرب وبعد ~~فقربها بقدر العلوم وتحصيل الفضائل وبعدها بالجهل وتحصيل الرذائل # وبهذا يتبين سر أنوار إتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حركاته ~~وسكناته وأقواله وأفعاله فان له خاصية عظيمة في تنوير القلب فان القلب إنما ~~يتجلى فيه جلايا الحقائق بأن يكون معدلا مصقلا منورا وتصقيله بالتوجه إلى ~~جناب القدس وبالأعراض عن مقتضى الشهوات وتعديله بالأخلاق الحسنة الموافقة ~~للسنة وتنويره بالذكر ووظائف العبادات ولا دليل أقوى في هذا من التجربة ~~والوجدان ms040 فكل من ليس له سبيل اليه بالعرفان ولا بالوجدان فينبغي ان يصدق به ~~فانه درجة الإيمان والله الموفق # PageV01P075 ### | منشأ الفضائل والرذائل # اعلم أن أكثر الفضائل والرذائل انما تنشأ من ثلاث قوى في الانسان قوة ~~التخيل وقوة الشهوة وقوة الغضب فهذه الثلاثة معينات للنفس ومثبطات زيادة ~~تبصرة # أما القوة المتخيلة فهي ذات وجهين أحدهما يلي جانب الحس ويقبل منه الصور ~~المحسوسة كما يؤدي اليها الحس حقيقة أو مجازا # أما الحقيقة فالصورة التي هي في نفسها كذلك وأما المجاز فكالصورة التي ~~ليست في نفسها كذلك لكنها ترى كذلك مثل السراب والصدى والمتحرك الذي هو ~~ساكن وكالساكن الذي هو متحرك والخيال يتخيلها كذلك # والوجه الثاني يلي جانب العقل ويقبل به الصورة المعقولة كما يؤدي اليه ~~الفكر العقلي حقا وباطلا # أما الحق فكالصورة التي هي في نفسها كذلك وأما الباطل فكالصورة التي ليست ~~في نفسها كذلك لكنها ترى كذلك كالشبهات والضلالات والسحر والكهانة فان ~~الأذهان كثيرا ما تزيغ عن الجادة فترى الخطأ صوابا والصواب # PageV01P077 # خطأ ولهذا قيل أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه والتدبير أن لا يعتمد عليها ~~ما لم يزنها بالقوانين المنطقية والبراهين اللائحة ثم قد تقع الصور في ~~التخيل دفعة واحدة كالمرآة المقابلة للمرآة تقع الصورة في أحديهما كما تقع ~~في الثانية دفعة وذلك إذا كانت الصورة وقعت في البصر الحاس أولا # أما المسموعات بالسمع فتقع فيه على ترتيب وتدريج على حسب تعاقب الحروف ~~والكلمات وأما من جانب العقل فالمعقولات قد تقع فيه دفعة واحدة كالمرايا ~~المتقابلة وذلك لأن العلوم منتقشة في ذوات النفوس السماوية فاذا اتصلت به ~~النفس الانسانية تقع منها فيها الصور بقدر جلائها واستعدادها وسيأتي شرح ~~هذا بعد ذلك في النبوة والرسالة ثم ان كان ذلك حقا فهو وحي والهام وحدس ~~والوحي هو أن يرى صورة الملك وفي الإلهام والحدس لا يرى وان كان باطلا فهو ~~سحر وكهانة وعرافة وقد يقع فيه أي في النفس على ترتيب وتدريج بحسب المقدمات ~~القياسية وذلك إن كانت يقينية فهو برهان وحجة وان كانت ms041 مشهورة محمودة عند ~~قوم فهو خطابي وإن كانت إلزامات على خصم فهو جدلي وان كانت كاذبة ظاهرة ~~الكذب فهو سوفسطائي وان كانت مخيلة فهو شعري # ثم إن غلب على الخيال جانب الحس شبه كل معقول بمحسوس وإن غلب عليه العقل ~~شبه كل محسوس بمعقول فخيال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يرى من المحسوس ~~المعنى المعقول وهو ما كان صدوره منه أو وروده عليه ومرجعه اليه فيرى شخصا ~~في هذا العالم ويحكم عليه أنه تفاحة من الجنة وشخصا قطعت يده في سبيل الله ~~نبت له جناحان يطير بهما في الجنة وشخصا قتل في سبيل الله حيا قائما يرزق ~~فرحا مستبشرا بما آتاه الله من فضائله وعلى العكس من ذلك يرى من المعقول ~~محسوسا ومن الروحاني جسمانيا هذا جبريل جاءكم يعلمكم أمر دينكم فتمثل لها ~~بشرا سويا ثم من قوة اشراق نور خياله # PageV01P078 # ونور روحه يشرق أيضا على من يناسبه في تلك القوة والاستعداد فيراه كما ~~رأى النبي صلى الله عليه وسلم فالتخيل إذا فيصل بين العالمين وحاجز بين ~~البحرين ومفصل بين الحكمين ولولاه لما بقي محسوس ومعقول للانسان ولا كانت ~~الصورة والمعنى مدركين بمدرك الحس والبرهان # وقوة التخيل ليست متشابهة في أصناف الناس بل هي مترتبة متفاضلة وربما ~~تكون متضادة فمن ذلك ما يناسب الروحانيين من الملائكة ويكون مهبطهم اليه ~~ونزولهم عليه وظهورهم له وتأثيرهم فيه وتمثلهم به حتى تكلم الشخص بكلامهم ~~وتكلموا بلسانه ورأى الشخص بأبصارهم وأبصروا بعينيه وسمع بأسماعهم وسمعوا ~~بآذانه وهم ملائكة يمشون في الأرض مطمئنين {إن الذين قالوا ربنا الله ثم ~~استقاموا تتنزل عليهم الملائكة} # ومن ذلك ما يناسب الشياطين من الأبالسة ويكون مهبطهم اليه وظهورهم له ~~وتأثيرهم فيه وتمثلهم به حتى إذا ظهروا عليه تكلم الشخص بكلامهم وتكلموا ~~بلسانه ورأى الشخص بأبصارهم وابصروا بعينيه وسمع بآذانهم وسمعوا بأذنيه وهم ~~شياطين الانس يمشون في الأرض متوهجين {هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل ~~على كل أفاك أثيم يلقون السمع وأكثرهم كاذبون} وحيثما كانت استقامة في حال ~~الخيال كان ms042 منزل الملائكة وحيثما كان اعوجاج في حال الخيال كان منزل ~~الشياطين # أما القوة الشهوية ففيها أيضا مضرة ومنفعة وهي أصعب إصلاحا من سائر القوى ~~لأنها أقدم القوى وجودا في الانسان وأشدها به تشبثا وأكثرها منه تمكنا ~~فانها تولد معه وتو جد فيه وفي الحيوان الذي هو جنسه بل فى # PageV01P079 # النبات الذي هو كجنس جنسه ثم توجد فيه قوة الحمية ثم آخرا توجد فيه قوة ~~الفكر والنطق والتمييز ولا يصير الانسان خارجا من جملة البهائم وأسر الهوى ~~إلا باماتة الشهوات أو بقهرها وقمعها إن لم يمكنه إماتته إياها فهي التي ~~تضره وتعزه وتعوقه وتصرفه عن طريق الآخرة وتثبطه ومتى قمعها أو أماتها صار ~~الإنسان حرا نقيا بل إلهيا ربانيا فتقل حاجاته ويصير غنيا عما في يدي غيره ~~وسخيا بما في يده ومحسنا في معاملاته # وأما منفعتها فهي أن هذه الشهوة مهما أدبت فهي المبلغة للسعادة وجوار رب ~~العزة حتى لو تصورت مرتفعة لما أمكن الوصول إلى الآخرة وذلك أن الوصول إلى ~~الآخرة بالعبادة ولا سبيل إلى العبادة إلا بالحياة الدنيوية ولا سبيل إلى ~~الحياة الدنيوية إلا بحفظ البدن ولا سبيل لحفظه إلا باعادة ما يتحلل منه ~~ولا سبيل إلى اعادة ما يتحلل منه إلا بتناول الأغذية ولا يمكن تناول ~~الأغذية إلا بالشهوة # وأيضا فان الدنيا مزرعة الآخرة وقوام عمارة الأرض وتزجيه المعاش بهذه ~~الشهوة فلو تصورت مرتفعة لاختل نظام الدين والدنيا وارتفعت المعاملات من ~~بين الناس وارتفعت الشريعة والسياسة فاذا هذه القوة الشهوية مثل عدو يخشى ~~مضرته من وجه ويرجى منفعته من وجه ومع عداوته لا يستغنى عن الاستعانة به ~~فحق العاقل أن يأخذ نفعه ولا يركن اليه ولا يعتمد عليه الا بقدر ما ينتفع ~~به وما أصدق في ذلك قول المتنبي # ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... عدوا له ما من صداقته بد # ومن نوافذ الحيل في قمع هذه الشهوة أن يتسلط بقوة الحمية على قوة # PageV01P080 # الشهوة حتى تنقمع ولا تميل إلى مذام الأخلاق وسفسافها كما أن الطريق في ms043 ~~قمع الغضب وسورته أن يتسلط بخلابة الشهوة على القوة الغضبية حتى تكسر ~~استشاطتها أو غلواؤها فانها تنقاد للمطامع وعوارض الحاجات ومن الطريق في ~~معالجة أفراط الشهوة حتى يكسرها كسرا ويزبرها زبرا مطالعة فضائل قلة الأكل ~~من الأخبار والآثار والوقوف على فوائد قلة الأكل من صفاء القلب واتقاد ~~القريحة ونفاذ البصيرة ومواتاة الفكر الموصل إلى المعرفة والاستبصار بحقائق ~~الحق ورقة القلب وصفائه الذي به يتهيأ لأدراك لذة المناجاة والتأثر بالذكر ~~ومن الانكسار والذل وزوال البطر والمرح والفرح والأشر الذي هو مبدأ الطغيان ~~والغفلة عن الله تعالى وأن لا ينسى بلاء الله وعذابه ولا ينسى أهل البلاد # ومن فوائد قلة الأكل كسر الشهوة الداعية إلى المعاصي والاستيلاء على ~~النفس الأمارة بالسوء ومن فوائد قلة الأكل دفع النوم ودوام السهر وتيسر ~~المواظبة على العبادة ومن فوائدها صحة البدن ودفع الأمراض المنغصة للعيش ~~المانعة من العبادات المشوشة لقوة الفكر ومن فوائدها خفة المؤنة والتحلي ~~بعز القناعة والاستغناء عن الناس الذي هو مظنة الاخلاص والعز ومن فوائدها ~~أن يتمكن من الايثار والبذل والسماحة والتصدق على اليتامى والمساكين # وعلى الجملة مفتاح الزهد والعفة والورع قلة الأكل وقمع الشهوة ومفتاح ~~الدنيا وباب الرغبة فيها استرسال الشهوة بموجب الطبع وهذه القوة الشهوية ~~لها شعبتان احداهما شهوة البطن والثانية شهوة الفرج فشهوة البطن ليبقى ~~الشخص بعينه وشهوة الفرج ليبقى بنسله وأعقابه ونوعه ولكن فيها من # PageV01P081 # الآفات ما يهلك الدين والدنيا إن لم تضبط ولم تقهر ولم تزم بزمام التقوى ~~ولم ترد إلى حد الاعتدال ولو لم تكن هذه الشهوة لما كان للنساء سلطنة على ~~الرجال ولما كانت النساء حبائل الشيطان وجميع الفواحش من هذه الشهوة إذا ~~كانت مفرطة وجميع الفضائح منها إذا كانت خامدة مفرطة كالعنة والخنوثة # والمحمود أن تكون معتدلة ومطيعة للعقل والشرع في انبساطها وانقباضها ~~ومهما أفرطت فكسرها بالجوع وبالنكاح وغض البصر وقلة الاهتمام بها وشغل ~~النفس بالعلوم واكتساب الفضائل فبهذا تندفع # أما القوة الغضبية فانها شعلة نار اقتبست من نار الله الموقدة التي تطلع ~~إلا أنها ms044 لا تطلع إلا على الأفئدة وانها المستكنة في ضمن الفؤاد استكنان ~~النار تحت الرماد ويستخرجها الكبر الدفين من قلب كل جبار عنيد كما يستخرج ~~النار من الحديد وقد انكشف لأولي الأبصار بنور اليقين أن الانسان ينزع منه ~~عرق إلى الشيطان الرجيم اللعين فمن استفزته نار الغضب فقد قويت فيه قرابة ~~الشيطان حيث قال خلقتين من نار وخلقته من طين فإن شأن الطين السكون والرقاد ~~وقبول الآثار وشأن النار التلظي والاشتعال والحركة والاضطراب والصعود وعدم ~~قبول الآثار ومن نتائج الغضب الحقد والحسد وكثير من أخلاق السوء ومقيضها ~~ومنشؤها مضغة إذا صلحت صلح بها سائر الجسد # وفي هذه القوة إفراط واستيلاء يجذب إلى المهالك والمعاطب وفيها تفريط ~~وخمود يقصر عن المحامد من الصبر والحلم والحمية والشجاعة ومن الاعتدال يحصل ~~أكثر محامد الأخلاق من الكرم والنجدة وكبر النفس والاحتمال والحلم # PageV01P082 # والثبات والشهامة والوقار والأسباب المهيجة للغضب هي الزهو والعجب والمرح ~~والهزل والتعيير والمماراة والمضادة والغدر وشدة الحرص على فضول المال ~~والجاه وهي بأجمعها أخلاق ردية مذمومة شرعا وعقلا ولا خلاص عن الغضب مع ~~بقاء هذه الأسباب فلا بد من ازالة أسبابها بأضدادها حتى يقهر الغضب ويرد ~~إلى حال الاعتدال وهذا شأن المداواة حسا وعقلا # PageV01P083 ### | أمهات الفضائل # الفضائل وان كانت كثيرة فيجمعها أربع تشمل شعبها وأنواعها وهي الحكمة ~~والشجاعة والعفة والعدالة # فالحكمة فضيلة القوة العقلية والشجاعة فضيلة القوة الغضبية والعفة فضيلة ~~القوة الشهوية والعدالة عبارة عن وقوع هذه القوى على الترتيب الواجب فيها ~~فبها تتم جميع الأمور ولذلك قيل بالعدل قامت السماوات والأرض فلنشرح هذه ~~الأمهات وما يتولد منها وينطوي من الأنواع تحتها # أما الحكمة فنعني بها ما عظمها الله تعالى في قوله {ومن يؤت الحكمة فقد ~~أوتي خيرا كثيرا} وما أراده رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال الحكمة ~~ضالة المؤمن وهي منسوبة إلى القوة العقلية وقد عرفت فيما سبق ان للنفس ~~قوتين إحداهما تلي جهة فوق وهي التي بها تتلقى حقائق العلوم الكلية ~~الضرورية والنظرية من الملأ الأعلى وهي العلوم اليقينية ms045 الصادقة أزلا وأبدا ~~لا تختلف باختلاف الأعصار والأمم كالعلم بالله تعالى وصفاته وملائكته وكتبه ~~ورسله وأصناف خلقه وتدبيره لملكه وملكوته وأحوال الإبداء والإعادة خلقا ~~وأمرا وأحوال المعاد من السعادة والشقاوة وعلى الجملة جميع حقائق العلوم # PageV01P085 # والقوة الثانية هي التي تلي جهة تحت أعني جهة البدن وتدبيره وسياسته وبها ~~تدرك النفس الخيرات في الأعمال وتسمى العقل العملي وبها يسوس قوى نفسه ~~ويسوس أهل منزله وأهل بلده # واسم الحكمة لها من وجه كالمجاز لأن معلوماتها كالزيبق تنقلب ولا تثبت ~~وتختلف باختلاف الأحوال والأشخاص ومن معلوماتها أن بذل المال فضيلة وقد ~~يصير رذيلة في بعض الأوقات وفي حق بعض الاشخاص فلذلك كان اسم الحكمة بالأول ~~أحق وان كان بالثاني أشهر وهذا الثاني كالكمال والتتمة للأول وهذه هي ~~الحكمة الخلقية والأولى هي الحكمة العلمية النظرية ونعني بالحكمة الخلقية ~~حالة وفضيلة للنفس العاقلة بها تسوس القوة الغضبية والشهوية وتقدر حركاتهما ~~على الحد الواجب في الانقباض والانبساط وهي العلم بصواب الأفعال وتدبير ~~أحوال هذا العالم مستمد من العقل النظري فالعقل النظري يستمد من الملائكة ~~الكليات والعقل العملي يستمد من العقل النظري الجزئيات ويسوس البدن بواجب ~~الشرع وهذا على مثال العقل والنفس وأجرام السماء فان العقل يدرك الكليات ~~وليس فيه ما في القوة وتدرك النفس منها الكليات وبواسطة الكليات تدرك ~~الجزئيات فيحرك السماوات فيتحرك من تحريكها العناصر فيتولد منها المركبات ~~وكذلك عقلنا يستمد من الملائكة الكليات ويفيض الكليات على العقل العملي ~~والعقل العملي بواسطة البدن وقوة التخيل يدرك جزئيات عالم البدن فيحركها ~~بواجب الشرع فيتولد منها الاخلاق الجميلة # وهذه الفضيلة الخلقية يكتنفها رذيلتان الخب والبله # أما الخب فهو طرف إفراطها وزيادتها وهو حالة يكون الإنسان بها ذا مكر ~~وحيلة بإطلاق الغضبية والشهوية لتتحركا إلى المطلوب حركة زائدة على قدر ~~الواجب # PageV01P086 # وأما البله فهو طرف تفريطها ونقصانها عن الاعتدال وهو حالة للنفس تقصر ~~بالغضبية والشهوية عن القدر الواجب ومنشؤه بطء الفهم وقلة الاحاطة بصواب ~~الأفعال ويندرج تحت فضيلة الحكمة حسن التدبير وجودة الذهن وثقابة الرأي ~~وصواب الظن # أما ms046 رذيلة الخب فيندرج تحتها الدهاء والجربزة وأما رذيلة البله فيندرج ~~تحتها الغمارة والحمق والجنون # أما الشجاعة فهي فضيلة القوة الغضبية بكونها قوية الحمية ومع قوة الحمية ~~منقادة للعقل المتأدب بالشرع في إقدامها وإحجامها وهي وسط بين رذيلتين ~~مطيفتين بها وهما التهور والجبن # فالتهور لطرف الزيادة على الاعتدال وهي الحالة التي بها يقدم الإنسان على ~~الأمور المخطرة التي يجب في العقل الاحجام عنها # وأما الجبن فطرف النقصان وهي الحالة التي بها تنقبض حركة القوة الغضبية ~~عن القدر الواجب فتصرف عن الإقدام حيث يجب الإقدام ومهما حصلت هذه الأخلاق ~~صدرت منها هذه الأفعال أي يصدر من خلق الجبن الاحجام لا في محله ومن التهور ~~الإقدام لا في محله وهما خلقان مذمومان # ومن الشجاعة يصدر الاقدام والاحجام حيث يجب وكما يجب وهو الخلق الحسن ~~المحمود واياه أراد بقوله تعالى {أشداء على الكفار رحماء بينهم} فلا الشدة ~~في كل مقام محمودة ولا الرحمة بل المحمود ما يوافق معيار العقل والشرع فمتى ~~حصل له ذلك فلينتظر فان كان طبعه مائلا إلى النقصان الذي هو الجبن فليتعاطى ~~أفعال الشجعان تكلفا ومواظبة عليها حتى يصير له بالاعتياد # PageV01P087 # طبعا وخلقا فيفيض منه أفعال الشجعان بعد ذلك طبعا وإن كان مائلا إلى طرف ~~الزيادة وهو التهور فليشعر نفسه بعواقب الأمور وبعظم أخطارها وليتكلف ~~الاحجام إلى أن يعود إلى الاعتدال أو ما يقرب منه فإن الوقوف على حقيقة حد ~~الاعتدال شديد ولو تصور ذلك لارتحلت النفس عن البدن وليس معها علاقة منها ~~فكانت لا تتعذب أصلا بالتأسف على ما يفوته منها وكان لا يتكدر عليه ابتهاجه ~~بما يتجلى له من جمال الحق وجلاله ولكن لما عسر ذلك جاء في قوله تعالى {وإن ~~منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا} # وقال عليه السلام شيبتني سورة هود وأخواتها وأراد به قوله تعالى {فاستقم ~~كما أمرت} فان الامتداد على الصراط المستقيم في طلب الوسط بين هذه الأطراف ~~شديد وهو أدق من الشعر وأحد من السيف كما وصف من حال الصراط في الدار ms047 ~~الآخرة ومن استقام على الصراط في الدنيا استقام عليه في الآخرة بل يكون في ~~الآخرة مستقيما إذ يموت المرء على ما عاش عليه ويحشر على ما مات عليه ولذلك ~~يجب في كل ركعة من الصلاة سورة الفاتحة المشتملة على قوله تعالى {اهدنا ~~الصراط المستقيم} فانه أعز الأمور وأعصاها على الطالب ولو كلف ذلك في خلق ~~واحد لطال العناء فيه فكيف وقد كلفنا ذلك في جميع الأخلاق مع خروجها عن ~~الحصر كما سيأتي ولا مخلص عن هذه المخاطرات إلا بتوفيق الله ورحمته ولذلك ~~قال عليه الصلاة والسلام الناس كلهم هلكى إلا العالمون والعالمون كلهم هلكى ~~إلا العاملون والعاملون كلهم هلكى إلا المخلصون والمخلصون على خطر عظيم # فنسأل الله العظيم أن يمدنا بتوفيقه لنتجاوز الأخطار في هذه الدار ولا ~~نخدع بدواعي الاغترار فهذا هذا ثم ما يندرج تحت فضيلة الشجاعة فهو الكرم ~~والنجدة وكبر النفس والاحتمال والحلم والثبات والنبل والشهامة والوقار # PageV01P088 # أما رذيلة التهور فيندرج تحتها البذخ والجسارة والتقبح والاستشاطة ~~والتكبر والعجب # وأما رذيلة الجبن فيندرج تحتها النذالة والنكول وصغر النفس والهلع ~~والانفراط والتخاسس والمهانة # أما العفة فهي فضيلة القوة الشهوية وهي انقيادها على يسر وسهولة للقوة ~~العقلية حتى يكون انقباضها وانبساطها بحسب إشارتها ويكتنفها رذيلتان الشره ~~وخمود الشهوة والشره هو افراط الشهوة إلى المبالغة في اللذات التي تستقبحها ~~القوة العقلية وتنهي عنها والخمود هو قصور الشهوة عن الانبعاث إلى ما يقتضي ~~العقل تحصيله وهما مذمومان كما أن العفة التي هي الوسط محمودة وعلى الانسان ~~ان يراقب شهوته فالغالب عليها الافراط لا سيما إلى الفرج والبطن وإلى المال ~~والرياسة وحب الثناء والافراط في ذلك نقصان وانما الكمال في الاعتدال ~~ومعيار الاعتدال العقل والشرع وذلك بأن يعلم الغاية المطلوبة من خلق الشهوة ~~والغضب مثلا بأن يعلم ان شهوة الطعام انما خلقت لتبعث على تناول الغذاء ~~الذي يسد بدل ما يتحلل من أجزاء بدنه بالحرارة الغريزية حتى يبقى البدن حيا ~~والحواس سليمة فيتوصل بالبدن إلى نيل العلوم ودرك حقائق الامور ويتشبه ~~بالطبقة العالية بالاضافة ms048 اليه وهي الملائكة وبها كمالها وسعادتها ومن عرف ~~هذا كان قصده من الطعام التقوى على العبادة دون التلذذ به فيقتصر ويقتصد به ~~لا محالة ولا يشتد اليه شرهه # ويعلم أن شهوة الجماع خلقت فيه لتكون باعثة له على الجماع الذي هو سبب ~~بقاء النوع الإنساني فيطلب النكاح للولد والتحصن لا للعب والتمتع وإن تمتع ~~ولعب كان باعثا عليه التآلف والاستمالة الباعثة على حسن الصحبة وإدامة ~~النكاح ويقتصر من الأنكحة على القدر الذي لا يعجز عن القيام بحقوقه ومن عرف ~~ذلك سهل عليه الاقتصار وعند ذلك لا يقيس نفسه بصاحب الشرع صلى الله عليه ~~وسلم إذ كان لا يشغله كثرة الأنكحة عن ذكر الله تعالى وكان لا يلزمه طلب ~~الدنيا # PageV01P089 # لأجل الزواج ومن ظن أن ما لا يضر صاحب الشرع لا يضره كان كمن يظن أن ما ~~لا يغير البحر الخضم من النجاسات لا يغير كوزا مغترفا من البحر وكم أحمق ~~يتكايس فيقايس نفسه به مقايسة الملائكة بالحدادين فيهلك من حيث لا يدري ~~نعوذ بالله من عمى البصيرة هذا كله حكم العفة # وأما ما يندرج تحت فضيلة العفة ورذيلتها ففضائل العفة الحياء والمسامحة ~~والتصبر والسخاء وحسن التقدير والانبساط والدماثة والانتظام والقناعة ~~والهدوء والورع والطلاقة والمساعدة وحسن الهيئة أعني الزينة الواجبة التي ~~لا رعونة فيها # وأما الرذائل المندرجة تحت رذيلتي العفة وهما الشره وكلال الشهوة فهي ~~الوقاحة والخبث والتبذير والتقتير والرياء والهتيكة والكزارة والمجانة ~~والعبث والتحاشي والشكاسة والملق والحسد والشماتة # وأما العدالة فهي حالة للقوى الثلاثة في انتظامها على التناسب تحت ~~الترتيب الواجب في الاستعلاء مع الانقياد فليس هو جزءا من الفضائل بل هو ~~عبارة عن جملة الفضائل فانه مهما كان بين الملك وجنوده ورعيته ترتيب محمود ~~بكون الملك بصيرا قاهرا وكون الجنود ذوي قوة وطاعة وكون الرعية ضعفاء سلسي ~~القياد قيل إن العدل قائم في البلد ولن ينتظم العدل بأن يكون بعضهم بهذه ~~الصفات دون كلهم كذلك العدل في مملكة البدن بين هذه الصفات والعدل في أخلاق ~~النفس يتبعه لا محالة ms049 العدل في المعاملة والسياسة ويكون كالمتفرع منه ومعنى ~~العدل الترتيب المستحسن إما في الأخلاق وإما في حقوق المعاملات وإما في ~~أجزاء ما به قوام البلد والعدل في المعاملة وسط بين رذيلتي الغبن والتغابن ~~وهو أن يأخذ ماله أخذه ويعطي ماله إعطاؤه والغبن أن يأخذ ما ليس له ~~والتغابن أن يعطي في المعاملة ما ليس عليه حمد ولا أجر والعدل في السياسة ~~أن يرتب أجزاء المدينة الترتيب المشاكل لترتيب أجزاء النفس حتى تكون ~~المدينة في ائتلافها وتناسب أجزائها وتعاون أركانها على الغرض المطلوب # PageV01P090 # من الاجتماع كالشخص الواحد فيوضع كل شيء موضعه وينقسم سكانه إلى مخدوم لا ~~يخدم وإلى خادم ليس بمخدوم وإلى طبقة يخدمون من وجه ويخدمون من وجه كما ~~يكون في قوى النفس فان بعضها مخدوم لا يخدم كالعقل المستفاد وبعضها خادم لا ~~يخدم كالقوة الدافعة للفضلات وبعضها خادم من وجه ومخدوم من وجه كالمشاعر ~~الباطنة ولا يكتنف العدل رذيلتان بل رذيلة الجور المقابل له إذ ليس بين ~~الترتيب وعدم الترتيب وسط وبمثل هذا الترتيب والعدل قامت السموات والأرض ~~حتى صار العالم كله كالشخص الواحد متعاون القوى والأجزاء مترتب التقدم ~~والتأخر بتقديم المقدم الحق وتأخير المؤخر الحق جلت عظمته وعظمت قدرته # وشرح ذلك الترتيب من الروحاني المطلق والجسماني المطلق وما بين الروحاني ~~والجسماني وتقسيم العالم إلى مؤثر لا يتأثر كالعقول وإلى متأثر لا يؤثر ~~كالأجسام وإلى متأثر مؤثر كالنفوس فإنها تقبل من العقول وتوصل إلى السماوات ~~وكل ذلك بتقدير العزيز العليم جل جلاله وعظم برهانه وتم سلطانه فالعدالة ~~جامعة لجميع الفضائل والجور المقابل لها جامع لجميع الرذائل والله ولي ~~التوفيق إلى الصراط المستقيم الذي هو الوسط بين طرفي الافراط والتفريط حتى ~~إذا حصل ذلك كله كمل كمالا يقربه إلى الله تعالى تقريبا بالرتبة بحسب قرب ~~الملائكة المقربين من الله فلله البهاء الأعظم والكمال الأتم وكل موجود ~~فمشتاق إلى الكمال الممكن له وهو غايته المطلوبة فان ناله التحق بأفق ~~العالم الذي هو فوقه وإن حرم عنه اطرح إلى الحضيض الذي تحته ms050 فالإنسان بين ~~أن ينال الكمال فليلتحق في القرب من الله بأفق الملائكة وذلك سعادته أو ~~يقبل على ما هو مشترك بينه وبين البهائم من رذائل الشهوة والغضب فينحط إلى ~~درجة البهائم ويهلك هلاكا مؤبدا وهو شقاوته أعاذنا الله منها بفضله # PageV01P091 ### | مثال القلب بالاضافة الى العلوم # اعلم أن مثال القلب الذي هو عبارة عن الروح المدبر لجميع الجوارح المخدوم ~~من جميع القوى والأعضاء بالاضافة إلى حقائق المعلومات كالمرآة بالاضافة إلى ~~صور المتلونات فكما أن للمتلون صورة ومثالا لتلك الصورة ينطبع في المرآة ~~ويحصل فيها فكذلك لكل معلوم حقيقة وتلك الحقيقة صورته فتنطبع في المرآة ~~أعني مرآة القلب فتتضح فيه وكما أن المرآة غير وصورة الأشخاص غير وحصول ~~مثالها في المرآة غير فهي ثلاثة أمور ويحتاج إلى أمر رابع وهو نور بواسطته ~~تنكشف الصورة في المرآة وتظهر فكذلك ههنا أربعة أمور القلب وحقائق الأشياء ~~وحصول نقش الحقائق في القلب وحضوره فيه ونور به تنكشف الحقائق في القلب وهو ~~في الشرع عبارة عن جبريل عليه السلام وفي عبارة الحكماء عبارة عن العقل ~~بواسطته تفيض العلوم على الأرواح البشرية فالعالم عبارة عن القلب الذي يحل ~~فيه مثال حقائق الأشياء والعلم عبارة عن حصول المثال في المرآة والنار ~~والشعاع عبارة عن الملك الموكل بافاضة العلوم على القلوب البشرية وكما أن ~~المرآة لا تنكشف فيها الصور لخمسة أمور أحدها لنقصان صورته كجوهر الحديد ~~قبل أن يدور ويشكل ويصقل والثاني لخبثه وصدئه وكدورته وان كان تام الشكل ~~والثالث لكونه معدولا به عن جهة الصورة إلى غيرها كما إذا كانت الصورة وراء ~~المرآة والرابع لحجاب مرسل بين المرآة والصورة والخامس # PageV01P093 # الجهل بالجهة التي فيها الصورة المطلوبة حتى يتعذر بسببه أن يحاذي بها ~~شطر الصورة وجهتها فكذلك القلب مرآة مستعدة لأن يتجلى فيه حقيقة الأمور ~~كلها وانما خلت القلوب عنها لهذه الأسباب الخمسة # أولها نقصان في ذاته كقلب الصبي فانه لا يتجلى فيه حقائق المعلومات ~~لنقصانه أو كروح ناقص في أصل الفطرة فان النفوس وان كانت نوعا واحدا ولكن ms051 ~~في هذا النوع تفاوت عظيم وعرض واسع # والثاني لكدورة المعاصي والخبث الذي تراكم على وجه القلب من كثرة الشهوات ~~فان ذلك يمنع صفاء القلب وجلاءه فيمنع ظهور الحق فيه كالشمس التي ينكسف ~~بعضها أوكلها فيذهب نورها وبهاؤها بقدر ظلمتها واليه الاشارة بقوله عليه ~~السلام من قارب ذنبا فارقه عقل لا يعود اليه أبدا أي حصل في قلبه كدورة لا ~~يزول أثرها أبدا إذ غايته أن يتبعها بحسنة تمحوها فلو جاء بالحسنة ولم ~~تتقدم السيئة سقطت فائدة الحسنة لكن عاد القلب بها إلى ما كان قبل السيئة ~~ولم يزدد بها فالاقبال على طاعة الله تعالى والاعراض عن مقتضى الشهوات هو ~~الذي يجلو القلب ويصفيه ولهذا قال تعالى {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم ~~سبلنا} وقال عليه الصلاة والسلام من عمل بما ورثه الله علم ما لا يعلم # الثالث أن يكون معدولا به عن جهة الحقيقة المطلوبة فان قلب المطيع الصالح ~~وان كان صافيا فانه ليس يتضح فيه جلية الحق لأنه ليس يطلب الحق وليس يحاذي ~~بمرآته شطر المطلوب بل ربما يكون مستوعب الهم بتفصيل الطاعات البدنية أو ~~تهيئة أسباب المعيشة ولا يصرف فكره إلى التأمل في الحضرة الربوبية والحقائق ~~الخفية ولا ينكشف له إلا ما هو متفكر فيه من دقائق آفات الأعمال وخفايا ~~عيوب النفس إن كان متفكرا فيها أو مصالح المعيشة ان كان متفكرا فيها وإذا ~~كان تقيد الهم بالطاعات وتفصيلها مانعا عن انكشاف # PageV01P094 # جلية الحق فما ظنك في صرف الهم إلى الشهوات واللذات الدنيوية وعلائقها ~~وزخارفها فكيف لا يمنع عن الكشف الخفي # الرابع الحجاب فان المطيع القاهر لشهواته المتجرد للفكر في حقيقة من ~~الحقائق قد لا ينكشف له ذلك لكونها محجوبة عليه باعتقاد سبق اليه في ضد ~~الحق منذ الصبا على سبيل التقليد والقبول بحسن الظن يحول ذلك بينه وبين ~~حقيقة الحق ويمنع من أن ينكشف في قلبه خلاف ما تلقفه من ظاهر التقليد # وهذا أيضا حجاب عظيم به حجب أكثر المتكلمين والمتعصبين للمذاهب بل أكثر ~~الصالحين المتفكرين في ملكوت السماوات ms052 والأرض لأنهم محجوبون باعتقادات ~~تقليدية جمدت في نفوسهم ورسخت في قلوبهم وصارت حجابا بينهم وبين درك ~~الحقائق # الخامس الجهل بالجهة التي منها يقع العثور على المطلوب فان طالب العلم ~~ليس يمكنه أن يحصل العلم بالمجهول إلا بتذكر العلوم التي تناسب مطلوبه حتى ~~إذا تذكرها ورتبها في نفسه ترتيبا مخصوصا يعرفه العلماء استخرج مطلوبه ~~بطريق الاعتبار وتحصيل المجهول من المعلوم الذي سبق وهذا هو القانون ~~المنطقي # فان المنطق آلة قانونية تعصمه مراعاتها من أن يضل في فكره فإذا حكم ~~القوانين وطرق التفكر فعند ذلك يعثر على جهة المطلوب فتتجلى حقيقة المطلوب ~~لقلبه فان العلوم المطلوبة ليست فطرية لا تحتاج إلى تجشم الاستدلال والنظر ~~والاعتبار بل لا تقنص إلا بشبكة العلوم الحاصلة فكل علم نظري لا يحصل إلا ~~عن علمين سابقين يأتلفان ويزدوجان على وجه مخصوص وشكل معلوم من الاشكال ~~القياسية حمليا أو شرطيا متصلا أو منفصلا فيحصل من ازدواجهما علم ثالث يسمى ~~النتيجة عند حصولها والمطلوب قبل حصولها فالجهل بتلك الأمور # PageV01P095 # وبتلك المقدمات وبكيفية الازدواج والترتيب المفضي إلى المطلوب تصورا أو ~~تصديقا هو مانع من العلم # وهكذا كالمرآة إذا لم تحاذها شطر الصورة فلا تقع فيها الصورة وكذلك إذا ~~حرف عن جهة الصور ففي اقتناص العلوم طرق عجيبة وازورارات وتحريفات خفية ~~أعجب مما ذكرنا في المرآة ويعز على بسيط الأرض من يهتدي إلى كيفية الحيلة ~~في تلك الازورارات فهذه هي الأسباب المانعة للقلوب من معرفة حقائق الأمور ~~وإلا فكل قلب هو بالفطرة صالح لمعرفة الحقائق وان كان بينها تفاوت كثير ~~لأنه أمر رباني شريف كما ذكرناه فارق سائر جواهر العالم بهذه الخاصية ~~والشرف واليه الأشارة بقوله تعالى {إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان} إشارة إلى أن له ~~خاصية تميز بها عن السماوات والأرضين والجبال بها صار مطيقا لحمل أمانة ~~الله تعالى وتلك الأمانة هي المعرفة والتوحيد وقلب كل آدمي مستعد للأمانة ~~ومطيق لها في الأصل ولكن يثبطها عن النهوض بأعبائها والوصول إلى تحقيقها ms053 ~~الأسباب التي ذكرنا ولذلك قال عليه الصلاة والسلام كل مولود يولد على ~~الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه وقول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لولا الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماء اشارة ~~إلى بعض هذه الأسباب التي هي الحجاب بين القلب وبين الملكوت # وفي الخبر قال الله تعالى لم يسعني أرضي وسمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن ~~اللين الوديع وفي الخبر أنه قيل من خير الناس فقال كل مؤمن محموم القلب ~~فقيل وما محموم القلب فقال هو التقي النقي الذي لا غش فيه ولا بغي ولا غل ~~ولا حسد ولذلك قال عمر رضي الله عنه رأى قلبي ربي إذا كان قد رفع الحجاب ~~بالتقوى ومن ارتفع الحجاب بينه وبين قلبه تجلت صورة الملك والملكوت في قلبه ~~فيرى جنة عرضها السموات والأرض # PageV01P096 # بل أكثر سعة من السماوات والأرض فان الجنة وان كانت واسعة الأطراف ~~متباعدة الاكناف فهي متناهية وأما عالم الملكوت وهي معرفة الحقائق والاسرار ~~الغائبة عن مشاهدة الأبصار المخصوصة بادراك البصر فلا نهاية لها # نعم الذي يلوح للقلب منه أيضا مقدار متناه ولكنه في نفسه بالإضافة إلى ~~علم الله تعالى لا نهاية له وجملة عالم الملك والملكوت إذا أخذت دفعة واحدة ~~يسمى الحضرة الربوبية لأن الحضرة محيطة بكل الموجودات إذ ليس في الوجود شيء ~~سوى الله وافعاله ومملكته وعبيده من أفعاله فما يتجلى من ذلك للقلب هو ~~الجنة بعينه عند قوم وهو سبب استحقاق الجنة عند أهل الحق وتكون سعة ملكه في ~~الجنة بحسب سعة معرفته وبمقدار ما تجلى له من الله تعالى وصفاته وأفعاله ~~وانما مراد الطاعات وأعمال الجوارح كلها تصفية القلب وتزكيته وجلاؤه ومراد ~~تزكيته حصول أنوار المعارف فيه وهو المراد بقوله تعالى {فمن يرد الله أن ~~يهديه يشرح صدره للإسلام} وبقوله تعالى {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو ~~على نور من ربه} # نعم هذا له مراتب فيها تتفاوت العلماء والحكماء وكل واحد له مقدار معلوم ~~وغايته درجة الأنبياء الذين تتلألأ أنوار الحقائق في قلوبهم ms054 وينكشف لهم ~~اسرار الملك والملكوت في صفائح أرواحهم على أتم ظهور واجلى بيان وفقنا الله ~~لاتباعهم في جميع أفعالهم وأحوالهم وأخلاقهم أمثلة القلب مع جنوده وله ~~ثلاثة أمثلة # الأول نقول مثل نفس الانسان في بدنه كمثل وال في مدينته ومملكته فان ~~البدن مملكة النفس وعالمه ومستقرة ومدينته وقواه وجوارحه بمنزلة الصناع ~~والعملة والقوة العقلية المفكرة له كالمشير الناصح والوزير العاقل والشهوة ~~له كعبد سوء يجلب الطعام والميرة إلى المدينة والغضب والحمية له # PageV01P097 # كصاحب شرطة والعبد الجالب للميرة كذاب مكار مخادع خبيث يتمثل بصورة ~~الناصح وتحت نصحه الشر الهائل والسم القاتل وديدنه وعادته منازعة الوزير ~~الناصح في كل تدبير يدبره حتى لا يخلو من منازعته ومعارضته في آرائه ساعة ~~فكما أن الوالي في مملكته متى استشار في تدبيراته لوزيره معرضا عن اشارة ~~العبد الخبيث بل يستدل باشاراته على أن الصواب في نقيض رأيه وادب صاحب ~~شرطته وأسلسه لوزيره وجعله مؤتمرا له مسلطا من جهته على هذا العبد الخبيث ~~وأتباعه وأنصاره حتى يكون العبد مسوسا لا سايسا ومأمورا مدبرا لا آمرا ~~مدبرا استقام أمر بلده وانتظم العدل بسببه فكذلك النفس متى استعانت بالعقل ~~وأدبت القوة الغضبية وسلطتها على الشهوة واستعانت باحديهما على الاخرى ~~فتارة بأن تقلل من تيه الغضب وغلوائه بخلابة الشهوة واستدراجها وتارة بقمع ~~الشهوة وبقهرها بتسليط القوة الغضبية عليها وتقبيح مقتضياتها اعتدلت قواه ~~وحسنت أخلاقه ومن عدل عن هذا الطريق كان كمن قال الله سبحانه فيه {أفرأيت ~~من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم} وقال تعالى {واتبع هواه فمثله كمثل ~~الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث} وقد ذكرنا كيفية تهذيب هذه الجنود ~~في الفصل المتقدم # المثال الثاني ان البدن كالمدينة والعقل اعني القوة المدركة كملك مدبر ~~لها وقواه المدركة من الحواس الظاهرة والمشاعر الباطنة كجنوده وأعوانه ~~وأعضاؤه كرعية والنفس الأمارة بالسوء التي هي الشهوة والغضب كعدو ينازعه في ~~مملكته ويسعى في إهلاك رعيته فصار بدنه كرباط وثغر ونفسه كمقيم فيه مرابط ~~فان جاهد عدوه فهزمه وقهره على ms055 ما يجب حمد أثره إذا عاد إلى الحضرة كما قال ~~تعالى {فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة} وإن ضيع ~~ثغره وأهمل رعيته ذم أثره وانتقم منه عند لقاء الله تعالى فيقال له يوم ~~القيامة يا راعي السوء أكلت اللحم وشربت اللبن # PageV01P098 # ولم تؤو الضالة ولم تجبر الكسير اليوم أنتقم منك كما ورد في الخبر وإلى ~~هذه المجاهدة أشاروا بقولهم رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر # المثال الثالث مثل العقل مثل فارس متصيد وشهوته كفرسه وغضبه ككلبه فمتى ~~كان الفارس حاذقا وفرسه مروضا وكلبه مؤدبا معلما كان جديرا بالنجح ومتى كان ~~هو في نفسه أخرق وكان الفرس جموحا والكلب عقورا فلا فرسه ينبعث تحته منقادا ~~ولا كلبه يسترسل باشارته مطيعا فهو خليق بأن يعطب فضلا من أن لا ينال ما ~~طلب وانما خرق الفارس مثل جهل الانسان وقلة حكمته وكلال بصيرته وجماح الفرس ~~مثل لغلبة شهوته خصوصا شهوة البطن والفرج وعقر الكلب مثل لغلبة الغضب ~~واستيلائه وغلوائه وزعارته # PageV01P099 # ئ # PageV01P100 ### | النفس وحاجتها الى البدن # اعلم أن القوى الحيوانية قد تعين النفس الناطقة في أشياء منها أن يورد ~~الحس عليها الجزئيات فيحدث لها من الجزئيات أمور أربعة # أحدها انتزاع النفس الكليات المفردة عن الجزئيات على سبيل تجريد لمعانيها ~~عن المادة وعن علائق المادة ولواحقها ومراعاة المشترك فيه والمتباين به ~~والذاتي وجوده والعرضي وجوده فيحدث للنفس عن ذلك مباديء التصور عن ~~استعمالها الخيال والوهم مثل الجنس والفصل والعرض العام والعرض الخاص # والثاني ايقاع النفس مناسبات بين هذه الكليات المفردة على مثال سلب ~~وايجاب فما كان التأليف فيه ذاتيا بينا بنفسه أخذه وما كان ليس كذلك تركه ~~إلى مصادفة الواسطة # الثالث تحصيل المقدمات التجريبية وهو أن يوجد بالحس محمول لازم الحكم ~~لموضوع ما كان حكمه بالايجاب والسلب أو تال موجب الاتصال أو مسلوبه أو موجب ~~العناد أو مسلوبه وليس ذلك في بعض الأحايين دون بعض على المساواة بل دائما ~~حتى تسكن النفس على أن طبيعة هذا المحمول أن يكون فيه هذه النسبة ms056 إلى هذا ~~الموضوع والتالي أن يلزم هذا المقدم أو ينافيه لذاته لا بالاتفاق فيكون ذلك ~~اعتقادا حاصلا من حس وقياس أما الحس فلأجل # PageV01P101 # مشاهدة ذلك وأما القياس فلأنه لو كان اتفاقا لما وجد دائما أو في الأكثر ~~وهذا كالحكم بان السقمونيا مسهل للصفراء بطبعه لاحساسنا ذلك كثيرا وبقياسنا ~~انه لو كان لا على الطبع بل بالاتفاق لوجد في بعض الأحايين # الرابع الأخبار التي يقع بها التصديق لشدة التواتر فالنفس الانسانية ~~تستعين بالبدن لتحصيل هذه المباديء للتصور والتصديق ثم إذا حصلتها رجعت إلى ~~ذاتها فان تعرض لها من القوى التي دونها بأن يشغلها شغلته عن فعله وأضرت ~~بفعله إلا في أمور تحتاج فيها إليها النفس خاصة بأن تعود إلى القوى ~~الخيالية مرة أخرى لاقتناص مبدأ غير الذي حصل أو معاونة باحضار خيال وهذا ~~يقع في الابتداء كثيرا ولا يقع بعده إلا قليلا # وأما إذا استكملت النفس وقويت فانها تنفرد بأفاعيلها على الاطلاق وتكون ~~القوى الخيالية والحسية وسائر القوة البدنية غير صارفة لها عن فعلها بل ~~شاغلة لها # ومثال ذلك إن الانسان قد يحتاج إلى دابة وآلات ليتوصل بها إلى المقصد ~~فإذا وصل اليه ثم عرض من الاسباب ما يحول عن مقارنته صار السبب الموصل ~~بعينه عائقا ### | بيان أن هذه القوى كيف يرأس بعضها بعضا وكيف يخدم بعضها بعضا # فانك تجد العقل المستفاد رئيسا مطلقا ويخدمه الكل وهو الغاية القصوى ثم ~~العقل بالفعل يخدمه العقل بالملكة والعقل الهيولاني لما فيه من الاستعداد ~~يخدم العقل بالملكة ثم العقل العملي يخدم جميع هذا لأن العلاقة البدنية ~~لأجل تكميل العقل النظري والعقل العملي هو مدبر تلك العلاقة ثم العقل ~~العملي يخدمه الوهم والوهم يخدمه قوتان قوة بعده وقوة قبله # PageV01P102 # فالقوة التي بعده هي القوة التي تحفظ ما أداه الوهم والقوة التي قبله هي ~~جميع القوى الحيوانية ثم المتخيلة يخدمها قوتان مختلفتا المأخذ فالقوة ~~النزوعية تخدمها بالائتمار لأنها تبعثها على التحريك والقوة الخيالية ~~تخدمها بقبول التركيب والتفصيل فيما فيها من صورها ثم هذان رئيسان لطائفتين ~~أما ms057 القوة الخيالية فيخدمها بنطاسيا وبنطاسيايخدمها الحواس الخمس وأما ~~القوة النزوعية فتخدمها الشهوة والغضب والشهوة والغضب تخدمها القوة المحركة ~~بالفعل وإلى ههنا تنتهي القوى الحيوانية ثم القوى الحيوانية بالجملة تخدمها ~~النباتية وأولها وأرأسها المولدة ثم المربية تخدم المولدة ثم الغاذية ~~تخدمها جميعا ثم القوى الطبيعية الأربع تخدم هذه وهي الهاضمة وتخدمها من ~~جهة الماسكة ومن جهة الجاذبة وتخدمها جميعها الدافعة وتخدم جميعها الكيفيات ~~الأربع لكن الحرارة تخدمها البرودة وتخدم كليهما الرطوبة واليبوسة وهناك ~~آخر درجات القوى # PageV01P103 ### | الأرواح البشرية حادثة # حدثت عند استعداد النقطة لقبول النفس من واهبها كما قال الله تعالى {فإذا ~~سويته ونفخت فيه من روحي} كما حدثت الصورة في المرآة لحدوث الصقالة وان كان ~~ذو الصورة سابق الوجود على الصقالة وتلخيص البرهان أن الأرواح لو كانت ~~موجودة قبل الأبدان لكانت إما كثيرة وإما واحدة وباطل وحدتها وكثرتها فباطل ~~وجودها وانما استحال وحدتها لأنها بعد التعلق بالأبدان إما أن تبقى على ~~وحدتها أو تكثرها ومحال وحدتها وكثرتها فمحال وجودها وانما استحال وحدتها ~~بعد التعلق بالأبدان لعلمنا ضرورة بأن ما يعلمه زيد يجوز أن يجهله عمرو ولو ~~كان الجوهر العاقل منهما واحد لاستحال اجتماع المتضادين فيه كما يستحيل في ~~زيد وحده ونحن نعني بالروح العاقل كما ذكرنا ومحال كثرتها لأن الواحد انما ~~لا يستحيل أن يتثنى وأن ينقسم إذا كان ذا مقدار كالأجسام فالجسم الواحد ~~ينقسم فانه ذو مقدار فله بعض فيتبعض أما ما لا بعض له ولا مقدار فكيف ينقسم ~~أما تقدير كثرتها قبل التعلق بالأبدان فمحال لأنها إما أن تكون متماثلة أو ~~مختلفة وكل ذلك محال وانما استحال التماثل لأن وجود المثلين محال في الاصل ~~ولهذا يستحيل وجود سوادين في محل واحد وجسمين في مكان واحد لأن الاثنينية ~~تستدعي مغايرة ولا مغايرة ههنا وسوادان في محلين جائز لأن هذا يفارق ذلك في ~~المحل إذا اختص هذا بمحل لا يختص به # PageV01P105 # الآخر وكذلك يجوز سوادان في محل واحد في زمانين إذ لهذا وصف ليس للآخر ~~وهو الافتراق بهذا الزمان الخاص ms058 فليس في الوجود مثلا مطلقا بل بالاضافة ~~كقولنا زيد وعمرو مثلان في الانسانية والجسمية وسواد الحبر والغراب مثلان ~~في السوادية ومحال تغايرها لأن التغاير نوعان # أحدهما باختلاف النوع والماهية كتغاير النار والماء وتغاير السواد والعلم # الثاني بالعوارض التي لا تدخل في الماهية كتغاير الماء الحار للماء ~~البارد فان كان تغاير الأرواح البشرية بالنوع والماهية فمحال لأن الأرواح ~~البشرية متفقة بالحد والحقيقة وهي نوع واحد لأن الحد وهو الحيوان الناطق ~~يشملها وان كانت متغايرة بالعوارض فمحال لأن الحقيقة الواحدة انما تتغاير ~~عوارضها إذا كانت متعلقة بالأجساد منسوبة اليها بنوع ما ولا تعلق لها ~~بالاجسام قبل وجود الأبدان فكان الاختلاف محالا إذ الاختلاف في أجزاء الجسم ~~ضرورة ولو كان في القرب من السماء والبعد منه مثلا أما إذا لم يكن كذلك كان ~~الأختلاف والتغاير محالا وهذا ربما يحتاج تحقيقه إلى مزيد بيان ولكن في هذا ~~القدر تنبيه عليه # فان قيل فكيف تكون حال الأرواح بعد مفارقة الأجسام ولا تعلق لها بالاجسام ~~فكيف تكثرث وتغايرت # فالجواب أن نقول لأنها اكتسبت بعد التعلق بالأبدان أوصافا مختلفة من ~~العلم والجهل والصفاء والكدرة وحسن الأخلاق وقبحها فبقيت بسببها متغايرة ~~فعقلت كثرتها بخلاف ما قبل الاجساد فانه لا سبب لتغايرها فقد اتضح أن النفس ~~تحدث كما تحدث مادة بدنية صالحة لاستعمالها إياها ويكون البدن آلة ومملكة ~~لها ويكون للنفس الحادثة في جوهرها هيئة نزاع طبيعي إلى الاشتغال بذلك ~~البدن خاصة والاهتمام بأحواله والانجذاب اليه وتلك الهيئة تكون # PageV01P106 # مقتضية لاختصاصها بذلك البدن ولا بد أن تكون مناسبة له مناسبة خاصة لصلوح ~~سياسة بدن خاص دون آخر وان خفيت علينا تلك المناسبة بعينها فان تلك ~~المناسبات غير محصورة ولا ظاهرة والله سبحانه وتعالى يتولى أسرارها ~~وسرائرها # فان قيل لا نسلم بأن النفوس الإنسانية متفقة في النوع والمعنى ولسنا نسلم ~~أن الأنواع انما تتكثر من جهة النسبة إلى المادة والمكان والزمان فحسب بل ~~الماديات انما تتكثر بالمقادير والكائنات الزمانية والنفوس الإنسانية ليست ~~بمادية في ذاتها وانما نسبتها إلى المادة بوجه ms059 التدبير والتصرف لا بوجه ~~الانطباع في المادة حتى يستدعي مكانا مميزا وزمانا مميزا والتدبير والتصرف ~~لا يوجب تعددا ذاتيا فان الواحد يجوز أن يكون متصرفا في أشياء والعدد ~~الكثير يجوز أن يكون متصرفا في شيء واحد فهذه النسبة لذاتها لا توجب الكثرة ~~في الذات # قلنا الدليل على أن النفوس الإنسانية متفقة النوع ما ذكرناه وهو أن حد ~~الانسان يشملها وهو الحي الناطق وما شمله حد النوع فهو متفق في النوع ~~والدليل على أن أسباب التكثر ما ذكرته أن الأشياء التي ذواتها حقائق فقط ~~انما تكثرها بالحوامل والقوابل والمنفعلات عنها أو بنسبة ما اليها وإلى ~~أزمنتها فقط فاذا كانت مجردة لم تقترن بذلك فمحال أن يكون بينهما مغايرة ~~وتكثر # وأما قولهم إن النفس الإنسانية ليست بمادية فتتمايز بالمادة فمسلم لكنها ~~ذات نسبة إلى المادة أي نسبة كانت وان لم تكن نسبة الانطباع فنسبة التدبير ~~والتصرف وهذه النسبة مؤثرة في التمييز كافية فيقال إن النفس الإنسانية ملك ~~تلك المدينة الفاضلة # فان قيل لا نسلم إن الأسباب المكثرة محصورة فيما ذكرتم من أقسام الحوامل ~~والقوابل والمنفعلات عنها أو النسبة اليها فماالدليل على الحصر أليست # PageV01P107 # المفارقات متغايرة الذوات والحقائق ولا حوامل لها ولا قوابل ولا مكان ولا ~~زمان وانما تتمايز وتتغاير بحقائقها الذاتية وانما نوعها في شخصها أعني في ~~ذاتها فهلا قلتم في النفوس الانسانية انها تتغاير بخواصها أو بأمر آخر سوى ~~الحوامل أليست النفوس بعد المفارقة تتغاير بالعدد وتقولون انها تتغاير بما ~~اكتسبت من الأبدان من الأخلاق والعلوم وقلتم يكفيها في التمييز هيئة انها ~~كانت نفس البدن الفلاني ولئن كان هذا القدر كافيا في التمييز فهلا كان ~~كافيا في التمييز هيئة انها ستكون نفس البدن الفلاني فان الانطباع في البدن ~~ليس بشرط # قلنا في المفارقات قد قام الدليل على انها متغايرة الحقائق أما النفوس ~~البشرية فيشملها حد واحد كما ذكرنا وانما يمكن وجودها وتعددها بعد المفارقة ~~بهيئات وأخلاق اكتسبت من الأبدان وقبل الاتصال بالبدن لا يمكن أن تكتسب من ~~الأبدان شيئا إذ لا ms060 أبدان وما لا يكون ليس له تأثير فانا نعلم قطعا انها ~~بعد الاتصال بالبدن انما تكمل بمعاونة البدن وتكتسب فضائل ورذائل من ~~العلاقة البدنية فقبل البدن لا علاقة فلا اكتساب فلا تغاير فثبت انها تحدث ~~مع البدن # فان قيل أحلتم وجود النفوس البشرية قبل الأبدان ببيان ما ذكرتم من انها ~~لا تتصور قبل الأبدان ونحن نورد اشكالين واقعين على نحو وجودها متصلة ~~بالأبدان وحادثة مع حدوث الأبدان وذلك لأنه من المسلم بيننا أن النفوس ~~الإنسانية ليست مادية ولا منطبعة في مادة وما هذا سبيله فليس حدوثه على ~~تدريج شيء بعد شيء أو زمان بعد زمان بل يكون وجوده ابداعيا محضا ووجود ~~البدن ليس بابداعي محض بل على تدريج شيء بعد شيء واستحالة جزء بعد جزء فأي ~~جزء بعينه انتهت النوبة اليه في الاستحالة حتى يحدث عنده النفس ويتصل به ~~وليس جزءا بعينه إلا ويمكن حدوث النفس قبله بلحظة أو بعده بلحظة ولو قلتم ~~انها تحدث عند كمال الاستعداد فيقال وكمال الاستعداد ليس يحصل بغتة ودفعة ~~بل على تدريج كمال بعد كمال وقد # PageV01P108 # بان انها كمال واحد يحصل ابداعا لا تدريج فيه ثم ان الاستعداد وكمال ~~الاستعداد انما يشترط فيما هو صورة مادية أعني منطبعة في المادة فيكون ~~الاستعداد سببا ما بوجه ما لحصول الصورة فيه من واهب الصور ولا يشترط ذلك ~~في النفوس التي ليست منطبعة في مادة اصلا ولا علاقة بينها وبين القوى ~~المادية إلا علاقة التدبير والتصرف في المملكة فالتصرف فيه كيف يكون سببا ~~لوجوب المتصرف المدبر فيه والمدبر اولى بان يكون متقدما في الوجود على ~~المملكة واشتراط الاستعداد لقبول الصورة حتى توجد الصورة في المستعد غير ~~واشتراط الاستعداد لقبول تصرف النفس غير فان الاستعداد الأول يصلح سببا ~~لوجود النفس بوجه ما بل هو سبب لقبول تصرفه فيه إما ليفيده كمالا أو ~~ليستفيد منه فائدة وهذا إشكال عظيم # فالجواب عنه كلمة واحدة فان العلم نكتة واحدة كثرها الجهل فنقول لا ~~ارتياب في ان النفوس إبداعية وانها ليست منطبعة ms061 في المادة وانما تحدث من ~~مبدعها عند كمال الاستعداد الذي عبر عنه في التنزيل بقوله {فإذا سويته} ~~ومبدعها أعلم بكمال الاستعداد وليس في طاقة القوى البشرية الاحاطة بتفاصيل ~~الاستعدادات ولكن على الجملة نعلم أن الصور تفيض من مبدعها وواهبها كما ~~يقتضيها جود الجواد المحض عن كمال العلم المحيط بتفاصيل المعلومات فيعطي كل ~~مستحق ما يستحقه وكل قاصر ما يكمله بل ماهيات الأشياء واستعداداتها من جوده ~~الفياض بواسطة الأسباب المعطية للاستعدادات الخاصة من الأجرام العنصرية ~~وامتزاجاتها وحركات السماوات واجرامها وأشكالها وخواصها وفيض العقول على ~~النفوس وافاضة النفوس طلبا للاستكمال تحريكا للسماوات فالكل من جود الجواد ~~الحق الذي يعطي كل حقيقة وجودها وهو أعلم بكمال الاستعداد وأي استعداد ~~يستحق أي صورة وعلوم البشر قاصر عن ادراك ذلك وإذا بلغ الكلام إلى الله ~~سبحانه فينقطع سؤال لم كما ينقطع مطلب ما لا يسأل عما يفعل وهم يسئلون # PageV01P109 # الاشكال الثاني إن النفوس إذا كانت متشابهة في النوع فائضة من واهب الصور ~~وليس في فيضانه اختلاف فمن أين يجب أن يكون كل نفس حادثة ذات هيئة نزاعية ~~طبيعية إلى الاشتغال ببدن مخصوص والاهتما باحواله ومن أين يلزم أن يكون لها ~~مناسبة خاصة تصلح لسياسة بدن خاص دون بدن فان كانت هذه الهيئة لازمة لذاتها ~~فهي متخصصة بهذه الهيئة قبل وجود البدن وإن كانت هذه الهيئة تكتسب هذه ~~الهيئة من البدن فكيف يسبق الموجب على الموجب وكيف تكون تلك الهيئة نزاعية ~~طبيعية # وجملة القول ان لم تكن هيئة مختصة فلم اختصت ببدن دون بدن وان كانت ~~الهيئة طبيعية على حالتها فهي المخصصة لذاتها بعد الاتفاق في النوع وإن ~~كانت مكتسبة من خارج وهو إما هذا البدن أو غيره فليتحقق لها وجود حتى تكتسب ~~الهيئة المخصصة وكل ذلك محال ثم اختلاف المناسبات والهيئات تستدعي اختلاف ~~الأسباب وواهب الصور واحد في ذاته أحدي الافاضة فلا اختلاف هناك ولا تأثير ~~لاختلاف الأمزجة في اختلاف هيئات النفوس إذ لا انطباع ولا حلول ولااتصال ~~بين المجردات وبين الامزجة بخلاف النفوس النباتية ms062 والنفوس الحيوانية والصور ~~الجسمانية والصور الطبيعية فان اختلاف النفوس والصور لاختلاف موادها وصورها ~~مقدرة على استعداداتها # وحل هذا الاشكال أن تقول نعم أن المناسبات والهيئات المختلفة تستدعي ~~أسبابا مختلفة واسباب الاستعدادات وأسباب الامتزاجات وجميع ما يحدث في ~~العالم العنصري منوطة بالحركات السماوية وحتى الاختيارات والارادات فانها ~~لا محالة أمور تحدث بعد ما لم تكن ولكل حادث بعد ما لم يكن علة وسبب حادث ~~وينتهي ذلك الى الحركة ومن الحركات إلى المستديرة فجميع الاستعدادات تابعة ~~للحركات السماوية ثم الحركات المستديرة مستندة إلى اختيارات النفوس الفلكية ~~والكل يستند إلى العقل الآلهي المستعلي على الكل الذي منه ينشعب المقدورات ~~فالجود الإلهي بواسطة العقول # PageV01P110 # والنفوس والحركات السماوية يعطي كل مادة استعدادها لصورة خاصة والنفوس لا ~~تحدث بالاستعداد الخاص بل عند الاستعداد الخاص وفرق بين ان تحصل عنده أو به # ثم الهيئة النزاعية في النفس انما تكون بعد الاتصال بها فاذا حدوث النفس ~~له صفة في الفاعل وصفة في القابل أما صفة الفاعل فالجود الإلهي الذي هو ~~ينبوع الوجود وهو فياض بذاته على كل ماله قبول الوجود حقيقة وجوده ويعبر عن ~~تلك الصفة بالقدرة وان أضفت هذا الفيض إلى الوسائط فواهب الصور # ومثاله فيضان نور الشمس على كل قابل للاستنارة عند ارتفاع الحجاب بينهما ~~والقابل للاستنارة هي المتلونات دون الهواء الذي لا لون له # وأما صفة القابل فالاستواء والاعتدال الحاصل بالتسوية كما قال سويته ~~ومثال صفة القابل صقالة الحديد فان المرآة التي ستر الصدأ وجهها لا تقبل ~~الصورة وان كانت محاذية للصورة وإذا اشتغل المصقل بتصقيلها فكلما حصلت ~~الصقالة حدثت فيها الصورة من ذي الصورة المحاذية لها فكذلك إذا حصل ~~الاستواء والاستعداد في النطفة حدثت فيها النفس من واهبها وخالقها من غير ~~تغير في الواهب بل إنما حدث الروح الآن لا قبله لتغير المحل بحصول الإستواء ~~الآن لا قبله كما أن الصورة فاضت من ذي الصورة على المرآة في حكم الوهم من ~~غير تغير في الصورة ولكن كان لا تحصيل من قبل لأن الصورة ليست ms063 مهيئة لأن ~~تنطبع في المرآة لكن لأن المرآة لم تكن صقيلة # فان قيل فاذا كانت الأرواح حادثة مع الأجساد فما معنى قوله صلى الله عليه ~~وسلم خلق الله الأرواح قبل الاجساد بألفي عام وقوله عليه السلام أنا أول ~~الأنبياء خلقا وآخرهم بعثا وقوله عليه السلام كنت نبيا وآدم لمنجدل بين ~~الماء والطين # PageV01P111 # قلنا شيء من هذا لا يدل على قدم الروح بل على حدوثه وكونه مخلوقا نعم ~~ربما دل بظاهره على تقديم وجوده على الجسد كما ظن جماعة من الحكماء وأمر ~~الظواهر هين فان تأويلها ممكن والبرهان القاطع لا يدرأ بالظواهر بل يسلط ~~على تأويل الظواهر كما في ظواهر الآيات المتشابهات في حق الله تعالى # أما قوله عليه السلام خلق الله الأرواح قبل الأجساد أراد بالأرواح أرواح ~~الملائكة وبالاجساد العالم من العرش والكرسي والسموات والكواكب والهواء ~~والماء والأرض وكما أن أجساد الآدميين بجملتهم صغيرة بالاضافة إلى جرم ~~الأرض وجرم الأرض أصغر من الشمس بكثير ثم لا نسبة لجرم الشمس إلى فلكه ولا ~~لفلكه إلى السموات التي فوقه ثم كل ذلك اتسع له الكرسي إذ وسع كرسيه ~~السموات والأرض والكرسي صغير بالاضافة إلى العرش فاذا تفكرت في جميع ذلك ~~استحقرت أجساد الآدميين ولم تفهمها من مطلق لفظ الاجساد فكذلك فاعلم وتحقق ~~أن أرواح البشر بالاضافة الى أرواح الملائكة كأجسادهم بالاضافة إلى أجساد ~~العالم ولو انفتح لك باب معرفة الملكية لرأيت الأرواح البشرية كسراج اقتبس ~~من نار عظيمة طبقت العالم وتلك النار العظيمة هي الروح الأخير من أرواح ~~الملائكة ولأرواح الملائكة ترتيب وكل واحد منفرد برتبته ولا يجتمع في مرتبة ~~واحدة اثنان بخلاف الأرواح البشرية المتكثرة مع اتحاد النوع أما الملائكة ~~فكل واحد نوع برأسه وهو كل ذلك النوع واليه الإشارة بقوله تعالى {وما منا ~~إلا له مقام معلوم} وبقوله عليه السلام إن الراكع منهم لا يسجد والقائم لا ~~يركع وانه ما من واحد إلا وله مقام معلوم فلا تفهمن إذا من الأرواح ~~والأجساد المطلقة إلا أرواح الملائكة وأجساد العالم # وأما قوله ms064 عليه الصلاة والسلام أنا أول الأنبياء خلقا وآخرهم بعثا وقوله ~~عليه السلام نحن الآخرون والسابقون وقد قال عليه السلام أول ما خلق الله ~~القلم وقال أول ما خلق الله العرش وقال أول # PageV01P112 # ما خلق الله جوهر محمد صلى الله عليه وسلم وغير ذلك فكشف الغطاء عن هذا ~~من وجوه تحت كل وجه فوائد لطيفة ولطائف من الحكمة قلما تسطر في الكتب # الوجه الأول انا شاهدنا الموجودات كلها بشهادة الحس والعقل على ترتب ~~وتفاضل في النوع والشخص # أما في المركبات التي هي أقرب إلى حواسنا فالمعادن والنباتات والحيوان ~~والإنسان على تفاضل وانتهى ذلك بالانسان وانتهى الانسان بالشخص الواحد ~~الأفضل من الكل كالنبي في زمانه والولي في كل زمان # وأما في البسائط الجسمانية أعني المتشابهة الاجزاء فهي أيضا على تفاضل في ~~الجوهر والحيز والعظم والحركة والأفضل من الكل الجرم الأقصى وهو الذي عبر ~~عنه التنزيل بالعرش والكرسي الذي وسع السماوات والأرض # وأما في البسائط الروحانية أعني المجردة عن المواد المنزهة عن المكان ~~والزمان ففيها ترتب وتفاضل فما كان أشد قوة وأوسع علما وإحاطة وأبلغ في ~~الوحدة وأشبه بكمال الربوبية كان في المقام الأعلى والمرتبة الأقصى ولا بد ~~أن ينتهي بواحد فان المترتبات المتفاضلات إن لم تنته بواحد أوجب ذلك الحكم ~~بالتسلسل وذلك محال فالمترتبات في كل قسم انتهت بواحد هو مبدؤها # وربما يعبر لسان النبوة عن ذلك الواحد بانه أول ما خلق الله تعالى ~~فالروحانيات انتهت بروح القدس أو العقل الفعال أو شديد القوى ذو مرة فاستوى ~~وهو أول المبدعات ثم ينزل بالترتب والتفاضل كما قيل أول ما خلق الله عزو جل ~~العقل ثم النفس ثم الهيولي أو ما روي في الخبر ان أول ما خلق الله عز وجل ~~القلم ثم اللوح ثم الظلمة الخارجة # وأما الجسمانيات فقد انتهت بالجرم الأقصى وهو ما روي أن أول ما # PageV01P113 # خلق الله العرش ثم الكرسي وأما في المركبات فقد انتهت بجوهر النبوة ~~وأكملها وأفضلها جوهر محمد صلى الله عليه وسلم وذلك ما روي إن أول ms065 ما خلق ~~الله تعالى جوهر محمد صلى الله عليه وسلم فقد وجدت لكل مقال مجالا ولكل ~~مذهب محملا ومساغا ثم الأولية في كل صنف منها هل هي أولية بالزمان أو أولية ~~بالمكان أو أولية بالذات أعني العلة الفاعلية أو الكمالية فذلك مطلب آخر ~~سهل التناول قريب المأخذ والمجتنى # الوجه الثاني إن المبادىء تساق إلى الكمالات حتى لو لم يكن كمال لم يكن ~~مبدأ كما لو لم يكن مبدأ لم يكن كمال وان المعقولات تظهر بالمحسوسات وكما ~~أن كمال جلال الحق انما يظهر بأفعاله وصنائعه وكذلك الأمر الحق انما يظهر ~~بخلقه وكذلك العقل انما يظهر بالنفس والنفس انما تظهر بالطبيعة والطبيعة ~~إنما تظهر بالجسم الكلي وكذلك جميع الموجودات إنما يظهر بالانسان حتى يكون ~~جسمه وطبيعته مظهر الجسم والطبيعة ونفسه وعقله مظهر النفس والعقل وتسليمه ~~مظهر الأمر الحق فيظهر به جلال الباري تعالى وإكرامه # ويصح ان يقال لولاك ما خلقت الافلاك فهو الخلاصة من الخليقة والصفوة من ~~البرية وهو الكمال والغاية والسدرة المنتهى وهو أول ماخلق وآخر ما بعث كما ~~ذكره عليه السلام # الوجه الثالث ان الطبيعة المسخرة تؤثر في إعداد المادة لقبول فيض الأمر ~~والعقل والنفس حتى يحصل في المركبات باستصفاء العناصر واستخلاص اللباب من ~~المواد وابتلاء الامشاج من المزاج طبقة بعد طبقة واستصفاء بعد استصفاء حتى ~~يحصل في المركبات الجزئية شخص في مقابلة العقل الكلي بل هو شخص العقل أو ~~عقل الشخص وذلك هو نبى زمانه فيكون العود به كما كان البدء اليه فيضاهي ~~صاحب المبدأ صاحب الكمال وتكون النهاية هي الرجوع إلى # PageV01P114 # البداية ويكون أول الفكر آخر العمل ويظهر معنى قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم نحن الآخرون السابقون # الوجه الرابع كما ابتدأ الدين والشريعة من آدم عليه السلام واستكمل نوع ~~كمال بنوح عليه السلام ونوع كمال بموسى عليه السلام ونوع كمال بعيسى عليه ~~السلام ونوع كمال بالمصطفى عليه السلام وابتدأ العود من المصطفى صلى الله ~~عليه وسلم في دار الجزاء ولذلك قال أنا أول من ينشق عنه الأرض ms066 وأنا العاقب ~~وانا الحاشر يحشر الناس على قدمي # PageV01P115 ### | بقاء النفس # ونذكر أنها لا تموت بموت البدن ثم نذكر انها لا تفنى مطلقا ونذكر برهانه ~~من المنقول والمعقول # أما المنقول فقوله تعالى {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل ~~أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله} ومعلوم أن من كان حيا ~~مرزوقا فرحا مستبشرا به لا يكون ميتا معدوما وكذلك قوله تعالى {ولا تقولوا ~~لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء} وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في رياض الجنة وقد ترسخ في جميع عقائد ~~أهل الإسلام هذا فان رسول المغفرة والرحمة لمن يكون باقيا لا لمن يكون ~~فانيا وكذلك اهداء الصدقة فاعتقادهم انها تصل اليه وكذلك المنامات فكل ذلك ~~دليل على أنها باقية # وقد ذكرنا ان النفس ليست منطبعة في البدن بل لها العلاقة مع البدن ~~بالتصرف والتدبير والموت انقطاع تلك العلاقة أعنى تصرفاتها وتدبيراتها عن ~~البدن وانما يموت الروح الحيواني وهوبخار لطيف ينشأ من القلب ويتصاعد إلى ~~الدماغ ومن الدماغ بواسطة العروق إلى جميع البدن وفي كل موضع ينتهي اليه ~~يفيد فائدة من الحواس الظاهرة والمشاعر الباطنة فذلك الروح لا ينقى وإذا ~~بطل ذلك الروح بطل مايتبعه من الحواس الظاهرة والباطنة والقوى المحركة # PageV01P117 # أما البرهان العقلي فلأن كل شيء يفسد بفاسد شيء آخر فهو متعلق به نوعا من ~~التعلق وكل متعلق بشيء آخر نوعا من التعلق فإما أن يكون تعلقه به تعلق ~~المكافئ في الوجود أو تعلق المتأخر عنه في الوجود أو تعلق المتقدم عليه في ~~الوجود الذي هو قبله في الذات لا في الزمان فان كان تعلق النفس بالبدن تعلق ~~المكافيء في الوجود وذلك أمر ذاتي له لا عرضي فكل واحد منهما مضاف الذات ~~إلى صاحبه فليس لا النفس ولا البدن بجوهر ولكنهما جوهران # وإن كان ذلك أمرا عرضيا لا ذاتيا فان فسد أحدهما بطل العارض الآخر من ~~الاضافة ولم يفسد الذات بفساده وإن ms067 كان تعلقه به تعلق المتأخر عنه في ~~الوجود فالبدن علة للنفس في الوجود والعلل أربع فاما أن يكون البدن علة ~~فاعلية للنفس معطية لها الوجود وإما أن يكون علة قابلية لها بسبيل التركيب ~~كالعناصر للأبدان أو بسبيل البساطة كالنحاس للصنم وإما أن يكون علة صورية ~~وإما ان يكون علة كمالية ومحال أن يكون علة فاعلية فان الجسم بما هو جسم لا ~~يفعل شيئا وانما يفعل بقواه ولو كان بذاته يفعل لا بقواه لكان كل جسم يفعل ~~ذلك الفعل # ثم القوى الجسمانية كلها إما أعراض وإما صور مادية ومحال أن يفيد الأعراض ~~أو الصور القائمة بالمواد وجود ذات قائمة بنفسها لا في مادة ووجود جوهر ~~مطلق ومحال أيضا أن يكون علة قابلية فقد برهنا وبينا أن النفس ليست منطبقة ~~في البدن بوجه من الوجوه فلا يكون إذا البدن متصورا بصورة النفس لا بحسب ~~البساطة ولا على سبيل التركيب بأن يكون جزءا من أجزاء البدن يتركب فتحدث ~~النفس ومحال أن تكون علة صورية للنفس او كمالية فان الأولى ان يكون الأمر ~~بالعكس فاذا ليس تعلق النفس بالبدن تعلق معلول بعلة ذاتية # نعم البدن والمزاج علة بالعرض للنفس فانه إذا حدث بدن يصلح ان يكون # PageV01P118 # آلة لنفس ومملكة له أحدثت العلل المفارقة النفس الجزئية او حدث عنها ذلك ~~فان احداثها بلا سبب يخصص إحداث واحد دون واحد محال ومع ذلك فانه يمنع عن ~~وقوع الكثرة فيها بالعدد لما بيناه ولأنه لا بد لكل كائن بعد ما لم يكن من ~~ان يتقدمه مادة فيكون فيها تهيؤ قبوله أو تهيؤ نسبة اليه كما تبين في ~~العلوم الأخر ولأنه لو كان يجوز أن تكون نفس جزئية تحدث ولم يحدث لها آلة ~~بها تستكمل وتفعل لكانت معطلة الوجود ولا شيء معطل في الطبيعة المسخرة ~~المبلغة كل شيء من العنصريات إلى كمالها وغايتها ولكن اذا حدث التهيؤ ~~للنسبة والاستعداد للآلة فيلزم حينئذ أن يحدث من الجود الآلهي الفياض ~~بواسطة العلل المفارقة شيء هو النفس وليس إذا وجب حدوث ms068 شيء مع حدوث شيء وجب ~~ان يبطل مع بطلانه وانما يكون ذلك إذا كان ذات الشيء قائما بذلك الشيء وفيه # وقد تحدث أمور عن أمور وتبطل تلك الأمور وتبقى هي إذا كانت ذاتها غير ~~قائمة فيها وخصوصا إذا كان مفيد الوجود لها شيئا آخر غير الذي انما هو تهيأ ~~افادة وجوده مع وجوده ومفيد وجود النفس شيء غير الجسم كما بينا وإلا هو قوة ~~في جسم بل هو لا محالة أيضا جوهر غير جسم فاذا كان وجوده من ذلك الشيء ومن ~~البدن يحصل وقت استحقاقه الوجود فقط فليس له تعلق في نفس الوجود بالبدن ولا ~~البدن علة له إلا بالعرض فلا يجوز إذا ان يقال إن التعلق بينهما على نحو ~~يوجب أن يكون الجسم متقدم الذات على النفس # وأما القسم الثالث مما كنا ذكرنا في الابتداء وهو ان يكون تعلق النفس ~~بالجسم تعلق المتقدم في الوجود فاما ان يكون التقدم مع ذلك زمانا فيستحيل ~~ان يتعلق به وجوده وقد تقدمه في الزمان وإما ان يكون التقدم في الذات لا في ~~الزمان لأنه في الزمان لا يفارقه وهذا النحو من التقدم هو أن يكون الذات ~~المتقدمة كلما توجد يلزم أن يستفاد عنها ذات المتأخر في الوجود وحينئذ لا ~~يوجد # PageV01P119 # أيضا هذا المتقدم في الوجود إذا فرض المتأخر قد عدم لا لأن فرض عدم ~~المتأخر أوجب عدم المتقدم ولكن لأن المتأخر لا يجوز ان يكون عدم إلا وقد ~~عرض أولا بالطبع للمتقدم ما اعدمه فحينئذ عدم المتأخر فليس فرض عدم المتأخر ~~يوجب عدم المتقدم ولكن فرض عدم المتقدم نفسه لأنه إنما افترض المتأخر ~~معدوما بعد أن عرض للمتقدم إن عدم في نفسه وإذا كان كذلك فيجب ان يكون ~~السبب المعدم يعرض في جوهر النفس فيفسد معه البدن وان لا يكون البتة يفسد ~~بسبب يخصه لكن فساد البدن بسبب يخصه من تغير المزاج او التركيب فباطل ان ~~تكون النفس تتعلق بالبدن تعلق المتقدم بالذات ثم تفسد بالبدن البتة فليس ~~إذا بينهما هذا التعلق ms069 وإذا كان الأمر على هذا فقد بطل انحاء التعلق كلها ~~وبقي ان لا تعلق للنفس في الوجود بالبدن بل تعلقه في الوجود بالجود الإلهي ~~بواسطة المبادىء الأخر التي لا تستحيل ولا تبطل ### | النفس لا تفنى مطلقا # نقول إن النفس لا يتطرق اليها الفناء والعدم والفساد والهلاك وذلك ان كل ~~شيء من شأنه ان يفسد بسبب ما ففيه قوة ان يفسد وقبل الفساد فيه فعل ان يبقى ~~ومحال ان يكون من جهة واحدة وفي شيء واحد قوة ان يفسد وفعل ان يبقى بل ~~تهيؤه للفساد ليس لفعل ان يبقى فان معنى القوة مغاير لمعنى الفعل واضافة ~~هذه القوة مغايرة لأضافة هذا الفعل لأن اضافة ذلك إلى الفساد واضافة هذا ~~إلى البقاء فاذا لأمرين مختلفين في الشيء يوجد هذان المعنيان وهذا انما ~~يكون في الأشياء المركبة أو الأشياء البسيطة في المركبة وأما في الاشياء ~~البسيطة المفارقة الذات فلا يجوز فيها هذان الامران # ونقول بوجه مطلق أنه لا يجوز ان يجتمع في شيء احدي الذات هذان المعنيان ~~وذلك لان كل شيء يبقى وله قوة ان يفسد فله قوة ان يبقى لأن # PageV01P120 # بقاءه ليس بواجب ضروري وإذا لم يكن واجبا كان ممكنا والامكان طبيعة القوة ~~فإذا يكون له في جوهره قوة ان يبقى وفعل ان يبقى وفعل ان يبقى منه لا محالة ~~ليس هو قوة ان يبقى منه وهذا بين فيكون إذا فعل ان يبقى منه امرا يعرض ~~للشيء الذي له قوة ان يبقى منه فتلك القوة لا تكون لذات ما بالفعل بل للشيء ~~الذي يعرض له ان يبقى بالفعل لا بوجود ذاته # فلزم من هذا ان تكون ذاته مركبة من شيء كان به ذاته موجودا بالفعل وهو ~~الصورة في كل شيء ومن شيء حصل له هذا الفعل وفي طباعه قوته وهو مادته فان ~~كانت النفس بسيطة مطلقة لم ينقسم إلى مادة وصورة وان كانت مركبة فلنترك ~~المركب ولننظر في الجوهر الذي هو مادته ولنصرف القول إلى نفس مادته ولنتكلم ~~فيها # ونقول إن تلك ms070 المادة إما ان تنقسم هكذا دائما ونثبت الكلام دائما وهذا ~~محال وإما ان لا يبطل الشيء الذي هو الجوهر والسنخ وكلامنا في هذا الشيء ~~الذي هو السنخ والاصل لا في شيء يجتمع منه ومن شيء آخر فبين أن كل شيء هو ~~بسيط غير مركب أو هو أصل مركب وسنخه فهو غير مجتمع فيه فعل ان يبقى وقوة ان ~~يعدم بالقياس إلى ذاته فاذا كانت فيه قوة أن يعدم فمحال أن يكون فيه فعل أن ~~يبقى وإن كان فيه فعل ان يبقى وان يوجد فليس فيه قوة ان يعدم فبين إذا ان ~~جوهر النفس ليس فيه قوة ان يفسد # وأما الكائنات التي تفسد فان الفاسد منها هو المركب المجتمع وقوة ان تفسد ~~وان تبقى ليس في المعنى الذي به المركب واحد بل في المادة التي هي بالقوة ~~قابلة كلا الضدين فليس إذا في الفاسد المركب لا قوة ان يبقى ولا قوة ان ~~يفسد فلم يجتمعا فيه # وأما المادة فاما ان تكون باقية لا بقوة تستعد بها للبقاء كما يظن قوم ~~وإما ان تكون باقية بقوة بها تبقى وليس لها قوة ان تفسد بل قوة ان تفسد شيء # PageV01P121 # آخر فيها يحدث والبسائط التي في المادة فان قوة فسادها هو في المادة لا ~~في جوهرها والبرهان الذي يوجب ان كل كائن فاسد من جهة تناهي قوة النفي ~~والبطلان انما يوجب فيما كونه من مادة وصورة ويكون في مادته قوة ان يبقى ~~فيه هذه الصورة وقوة ان تفسد هي فيهما معا فقد بان إذا ان النفس لا تفسد ~~البتة وإلى هذا سقنا كلامنا والله ولي التوفيق # PageV01P122 ### | اثبات العقل المفارق الفعال والعقل المنفعل في النفوس الانسانية ومراتب العقول # واثبات العقل الفعال من حيث الشرع أظهر من ان يثبت لوروده جليا في النصوص # كقوله تعالى {علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى} وكقوله تعالى {إنه لقول ~~رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين} وكقوله {وما كان لبشر أن يكلمه الله ~~إلا وحيا أو من وراء حجاب ms071 أو يرسل رسولا} # وأما من حيث العقل فمن وجوه الأول ما ذكرناه قبل ذلك من ترتب الموجودات ~~وتفاضلها وانها في أجسام البسائط تنتهي إلى العرش وفي الروحانيات إلى العقل ~~والنفس وفي المركبات إلى جوهر محمد صلى الله عليه وسلم وقد بسطنا ذلك الفصل ~~فلا نعيده # الوجه الثاني قد بان لك ان المرتسم بالصورة العقلية غير جسم ولا في جسم ~~لأن الجسم ينقسم وما في الجسم ايضا والصور العقلية كلية متحدة لا تنقسم فلو ~~حلت جسما لانقسمت وانقسامها محال فحلولها في الجسم وما في الجسم محال # وانت تعلم ان المرتسم بالصورة التي قبلها اعني الوهم والخيال والحس # PageV01P123 # قوى مركوزة في الأجسام وان الصورة إذا كانت حاصلة في القوى ولم تغب عنها ~~وان الانسان يدرك صورا عقلية ثم تغيب عنه وان أراد ان يعود اليها يعود على ~~قرب من غير تكلف اكتساب بل يحتاج إلى الاقبال عليها فهذه الصور العقلية ~~التي غابت إما أن تكون قد انعدمت فينبغي ان يحتاج إلى الاكتساب كما كان ~~أولا يحتاج إليه وان لم تنعدم فاما ان تكون في النفس أو في البدن او خارجا ~~فان كانت في النفس فينبغي ان تكون شاعرة بها عاقلة لأنه لا معنى للتعقل إلا ~~حصول تلك الصورة في النفس ولا يجوز ان تكون في البدن لما ذكرنا ان ~~المعقولات لا تحل الأجسام وما في الاجسام وان كانت خارجة فاما ان تكون ~~قائمة بنفسها أو تكون في جوهر آخر شأنه إفاضة المعقولات على الأنفس البشرية ~~ولا يجوز ان تكون قائمة بنفسها لأن المعاني قيامها بالجوهر فلا تقوم بنفسها ~~فبقي أن تكون في الجوهر المفيض للمعقولات فثبت بهذا وجود ملك شأنه ما ~~ذكرناه وذلك هو العقل الفعال وهو روح القدس # ثم الدليل على ان التعقل لا يكون غير التمثل فانها لو غابت عنها ثم ~~عاودتها لا يحصل غير التمثيل فلو كان هذا التمثيل ثابتا للنفس كانت شاعرة ~~بها عاقلة لها فيجب ان تكون الصورة قد زالت عن النفس زوالا ما وهذا بخلاف ~~ما ms072 يدركه الوهم ثم يغيب عنها فان للقوة الوهمية خازنا يحفظ مدركاتها فمتى ~~غابت عن الوهم والتفت اليها اخذ منه المعاني التي استفادت من الصور # نعم لاننكر ان الزوال يكون على قسمين فتارة يزول عن القوة الدراكة ويتحفظ ~~في قوة اخرى كالخازن لها وتارة يزول عن القوة وعن الخازن ففي الوجه الثاني ~~يحتاج إلى تجشم كسب جديد وعلى الأول لا يحتاج الى كسب بل إلى التفاوت ~~ومطالعة للخزانة من غير تجشم كسب وفي المعقولات يحتمل القسمين ولكن قد بينا ~~انه لا خازن لها لا في النفس ولا في البدن فبقي ان يكون شيئا خارجا إذا وقع ~~بين نفوسنا وبينه اتصال ما ارتسم منه فيها الصور العقلية الخاصة بذلك ~~الاستعداد لأحكام خاصة # PageV01P124 # وإذا اعرضت النفس عنه إلى ما يلي العالم الجسداني او الى صورة اخرى انمحى ~~ما تمثل اولا كأن المرآة التي تحاذي بها جانب القدس قد اعرض بها عنه إلى ~~جانب الحس او الى شيء آخر من امور القدس وهذا انما يكون ايضا اذا اكتسبت ~~ملكة الاتصال بالعقل الفعال # الوجه الثالث ان النفس الانسانية قد تكون عاقلة بالقوة ثم تصير عاقلة ~~بالفعل وكل ما خرج من القوة إلى الفعل فانما يخرج بسبب هو بالفعل يخرجه ~~فههنا سبب هو الذي يخرج نفوسنا في المعقولات من القوة إلى الفعل وإذ هو ~~السبب في اعطاء الصور العقلية فيكون عقلا بالفعل عنده مبادىء الصور العقلية ~~مجردة فهذا الشيء سمي بالقياس إلى العقول التي تخرج منه الى الفعل عقلا ~~فعالا كما يسمى العقل الهيولاني بالقياس اليه عقلا منفعلا ويسمى العقل ~~الكائن بينهما عقلا منفعلا ويسمى العقل الكائن بينهما عقلا مستفادا # ونسبة العقل الفعال إلى نفوسنا نسبة الشمس الى ابصارنا فكما ان الشمس ~~تبصر بذاتها بالفعل ويبصر بنورها ما ليس مبصرا بالفعل كذلك حال هذا العقل ~~عند نفوسنا فإن القوة العقلية إذا اطلعت على الجزئيات في الخيال وأشرق ~~عليها نور العقل الفعال استحالت مجردة عن المادة وعلائقها وانطبعت في النفس ~~الناطقة لا على أن نفسها تنتقل من ms073 التخيل إلى العقل منا ولا على ان المعنى ~~المغمور في العلائق وهو في نفسه واعتباره مجرد يعقل مثل نفسه بل على معنى ~~ان مطالعتها تعد النفس لأن يفيض عليها المجرد من العقل الفعال فان الافكار ~~والتأملات حركات معدة المنفس نحو قبول الفيض كما أن الحدود الوسطى معدة ~~بنحو أشد تأكيدا لقبول النتيجة وان كان الأول على سبيل والثاني على سبيل ~~فتكون النفس الناطقة إذا وقعت لها نسبة ما إلى هذه الصورة بتوسط اشراق ~~العقل الفعال حدث فيها شيء من جنسها من وجه وليس من جنسها من وجه كما انه ~~إذا وقع الضوء على الملونات فعل في البصر منها اثرا ليس على جملتها من كل ~~وجه # PageV01P125 # فالخيالات التي هي معقولات بالقوة تصير معقولات بالفعل لا أنفسها بل ما ~~يلتقط عنها كما ان الأثر المتأدي بواسطة الضوء من الصور المحسوسة ليس هو ~~نفس تلك الصور بل شيئا آخر مناسبا لها يتولد بتوسط الضوء في القابل المقابل ~~كذلك النفس الناطقة إذا طالعت تلك الصور الخيالية واتصل بها نور العقل ~~الفعال ضربا من الاتصال استعدت لأن يحدث فيها من ضوء العقل مجردات تلك ~~الصور من الشوائب فأول ما يتميز عند العقل الإنساني أمر الذاتي منها ~~والعرضي وما به يتشابه به وما به يختلف فتصير المعاني معنى واحدا في ذات ~~العقل بالقياس إلى التشابه لكنه بالقياس إلى ما تختلف به تصير معاني كثيرة ~~فيكون للعقل قوة على تكثير الواحد من المعاني وعلى توحيد الكثير أما توحيد ~~الكثير فمن وجهين # أحدهما أن تصير المعاني الكثيرة المختلفة في التخيلات بالعدد إذا كانت لا ~~تختلف في الحد معنى واحدا # والثاني أن تركب من معاني الأجناس والفصول معنى واحدا بالحد ويكون وجه ~~التكثير بعكس هذين الوجهين فهذا من خواص العقل الانساني وليس ذلك لغيره من ~~القوى فانها تدرك الكثير كثيرا كما هو والواحد واحدا كما هو ولا يمكنها أن ~~تدرك الواحد البسيط بل الواحد من حيث هو جملة مركبة من أمور واعراضها ولا ~~يمكنها ان تفصل العرضيات وتنزعها عن ms074 الذاتيات فاذا عرض الحس على الخيال ~~صورة وعرض الخيال على العقل تلك الصورة يأخذ العقل معنى فان عرض عليه صورة ~~أخرى من ذلك النوع وانما هو آخر بالعدد لم يأخذ منه العقل صورة ما غير ما ~~أخذه أولا إلا من جهة العرض الذي يخص هذا من حيث ذلك العرض بأن يأخذه مرة ~~مجردا ومرة مع ذلك العرض ولأجل هذا يقال إن زيدا وعمرا لهما معنى واحد في ~~الانسانية اعني ان السابق منهما إذا أفاد النفس صورة الانسانية فان الثاني ~~لا يفيد البتة شيئا من ذلك المعنى بل يكون المعنى المنطبع منهما في النفس ~~واحدا هو عن # PageV01P126 # الخيال الأول ولا تأثير للخيال الثاني وللعقل إذا أدرك أشياء فيها تقدم ~~وتأخر أن يعقل معها الزمان ضرورة ويكون ذلك لا في زمان بل في آن والعقل ~~يعقل الزمان في آن # وأما تركيبه للحد والقياس فهو لا محالة يكون في زمان إلا ان تصور النتيجة ~~والمحدود يكون دفعة والعقل ليس قصوره عن تصور الأشياء التي هي في غاية ~~المعقولية والتجريد عن المادة لأمر في ذات تلك الاشياء ولا لامر في غريزة ~~العقل بل لأجل أن العقل مشغول بالبدن ويحتاج في كثير من الأمور إلى البدن ~~فيبعده البدن عن أفضل كمالاته فإذا زال عنه هذا الغمور كان تعقل النفس ~~للمجردات أفضل التعقلات وأوضحها وألذها # وأما مراتب العقل من الهيولاني والملكة والعقل بالفعل والعقل المستفاد ~~فقد ذكرناها وأما العقل القدسي فسنذكره ان شاء الله تعالى في خصائص النبوة # PageV01P127 ### | قاعدة في النبوة والرسالة # تشتمل على بيانات بيان أن الرسالة هل تقتنص بالحد أم لا وبيان أن الرسالة ~~مكتسبة أم أثره ربانية وبيان اثبات الرسالة بالبرهان وبيان خواص الرسالة ~~وهي المعجزات وبيان كيفية الدعوة وما يؤخذ من السمع ومالا يؤخذ ### | بيان أن الرسالة لا تقتنص بالحد والحقيقة بذكر جنسها وفصلها # وذلك لأن معرفة الأشياء لا تتوقف على الظفر بحدودها ووجدان جنسها وفصلها ~~فكم من موجود لا جنس له ولا فصل ولا حد ولا رسم وماله جنس وفصل فربما ms075 لا ~~يظفر بجنسه وفصله وأكثر الأمور كذلك فان اعطاء الحدود صعب عسر على الأذهان # نعم يستدل على وجوده وحقيقته بآثاره فان العقل والنفس وكثيرا من ~~المفارقات تتصور ولا حد لها ولا رسم وانما يدل عليها برهان # ولو سأل سائل نبيا من الانبياء عن خواص الرسالة وماهيتها وابراز حدها ~~بجنسها وفصلها ترى كيف كان جوابه عنها أو كان يشرع في تحقيق ذلك وذكر حده ~~ورسمه وتعديد خواصه حتى تتوقف رسالته على معرفة ذلك كله وان لم يعرف ~~المستجيب ذلك لا يمكنه تصديقه أم كان يجب عليه التصديق في الحال سواء عرف ~~حد الرسالة أو لم يعرف واذا كانت الرسالة # PageV01P129 # مرتبة فوق مرتبة الأنسانية كما كانت الانسانية مرتبة فوق مرتبة الحيوانية ~~لم يتوقف أتباع الرسول على معرفة الرسالة كما لم يتوقف استسخار الحيوان على ~~معرفة الانسانية بل الانسان لو أراد تعريف الحيوان خواص الانسانية كان ذلك ~~سفها منه وتكليف ما لا يطاق كذلك لو أراد الرسول تعريف الانسان خواص ~~الرسالة كان ذلك تكليفا منه ما لا يطاق فلا المطالبة متوجبة عليه ولا ~~الجواب عنه لازم وهذا كما طالب فرعون موسى عليه السلام بذكر ماهية رب ~~العالمين قال {وما رب العالمين قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم ~~موقنين} وطالبه ثانيا وثالثا فلم يأت بحد ولا رسم ولم يذكر جنسا ولا فصلا ~~في تعريف ما سأله الا بالربوبية المحضة والتعريف بالحقائق مكانياتها ~~وزمانياتها والمواليد التي بين المكان والزمان ### | الرسالة هل هي حظوة مكتسبة أم أثرة ربانية # اعلم أن الرسالة أثرة علوية وخطوة ربانية وعطية آلهية لا تكتسب بجهد ولا ~~تنال بكسب {الله أعلم حيث يجعل رسالته} {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ~~ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان} لكن الجهد والكسب في إعداد النفس لقبول ~~آثار الوحي بالعبادات المشفوعة بالفكر والمعاملات الخالصة عن الرؤيا ~~والسمعة من لوازمها فليس الأمر فيها اتفاقيا جغرافيا حتى ينالها كل من دب ~~ودرج أو مرتبا على جهد وكسب حتى يصيبها كل من فكر وأدلج وكما ان ms076 الانسانية ~~لنوع الانسان والملكية لنوع الملائكة ليست مكتسبة لأشخاص النوع وان العمل ~~بموجب النوعية ليس يخلو عن اكتساب واختيار لاعداد واستعداد كذلك النبوة ~~لنوع الانبياء ليست مكتسبة لأشخاص النوع وان العمل بموجب النبوة ليس يخلو ~~عن اكتساب واختيار لاعداد واستعداد فيوحى اليه {طه ما أنزلنا عليك القرآن ~~لتشقى} حين تورمت قدماه من العبادة حتى قال عليه السلام أفلا أكون عبدا ~~شكورا وكان صلى الله عليه وسلم يتحنث بحراء # PageV01P130 # قبل الوحي وحبب اليه الخلوة وكان يرى الرؤيا فتأتي مثل فلق الصبح على ~~انها أحوال عرضية وأعراض طارئة على النوعية بنوع استيجاب واستحقاق من كمال ~~تركيب المزاج وحسن الصورة وتمام الاعتدال وطهارة النشوة والتربة وطيب ~~الأعراق ومكارم الأخلاق والسمت الصالح والأناة والوقار ولين الجانب وخفض ~~الجناح والرحمة والرأفة بالأولياء والشدة والبأس على الأعداء وصدق الحديث ~~وأداء الأمانة والصون عن جميع الرذائل والتحلي بانواع الفضائل وزكاء العرض ~~عن جميع الدنيات والعفو عمن ظلمه والاحسان الى من أساء اليه وصلة الرحم ~~وحفظ الغيب وحسن الجوار واعانة المظلوم واغاثة الملهوف وحب المعروف وبغض ~~المنكر وغير ذلك {ما ضل صاحبكم وما غوى} في هذا العالم مازاغ البصر وما طغى ~~في ذلك العالم تعنو لنفسه نفوس العالمين طوعا وكرها وهو غير متكبر ولا جبار ~~ولا فظ ولا غليظ يهاب اذا سكت ولا يعاب إذا نطق لطيف الشمائل اذا تحرك وسكن ~~قد نهض باحتمال أعباء ماحمل من الرسالة فأداها وأفاض رحمته على العالمين ~~فوفاها صلى الله عليه وسلم وعلى آله الطيبين الطاهرين ### | إثبات الرسالة بالبرهان # بيان اثباتها بطريقين أحدهما جملي والآخر تفصيلي أما الجملي فهو كما أن ~~نوع الانسان تميز عن سائر الحيوانات بنفس ناطقة هي فوقها بالفضيلة العقلية ~~والمسخرة لها والمالكة عليها والمتصرفة فيها كذلك نفوس الانبياء عليهم ~~السلام تميزت عن نفوس الناس بعقل هاد مهدي هو فوق العقول كلها بالفضيلة ~~الربانية المدبرة لها والمالكة عليها والمتصرفة فيها وكما أن حركات الانسان ~~معجزات الحيوان فليس حيوان يتحرك مثل حركته الفكرية والقولية والفعلية كذلك ~~جميع حركات النبي معجزات ms077 للانسان فليس انسان يتحرك مثل حركته الفكرية ~~والقولية والفعلية # وكما تميز النبي عن الناس بعقله المناسب للعقول المفارقة والعقل الأول ~~كذلك تميز بنفسه المشاكلة لنفوس السماوات والنفس الفلكية وكذلك تميز # PageV01P131 # بطبعه ومزاجه المستعد لقبول مثل هذا العقل والنفس بالفعل وكما لا يتصور ~~في سنة الفطرة الإلهية أن يكون من نطفة كل حيوان انسان كذلك لا يتصور في ~~سنة الفطرة أن يكون من نطفة كل انسان نبي الله يخلق ما يشاء ويجتبي {الله ~~يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس} فهو المختار في طبعه ومزاجه المصطفى ~~بنفسه وعقله لا يشاركه فيها أحد من الناس # ومن وجه آخر النبي إذا شارك الناس في البشرية والانسانية من حيث الصورة ~~فقد باينتهم من حيث المعنى اذ بشريته فوق بشرية الناس لاستعداد بشريته ~~لقبول الوحي {قل إنما أنا بشر مثلكم} أشار الى طرف المشابهة من حيث الصورة ~~{يوحى إلي} أشار الى طرف المباينة من حيث المعنى أما من حيث التفصيل فمن ~~طرق # الطريق الأول برهان أنشىء من الحركات الاختيارية وهي أقسام ثلاثة فكرية ~~وقولية وعملية والحركة الفكرية يدخلها الحق والباطل والقولية يدخلها الصدق ~~والكذب والعملية يدخلها الخير والشر وهذه العبارات اصطلاحية والمعنى مستقيم ~~فيها مفهوم عنها ولا يشك في انها على تضادها واختلافها ليست واجبة الفعل ~~بجملتها واجبة التحصيل فان من أفتى بهذه الفتوى يكون مستحق القتل بفتواه ~~لأن قتله من جملة الحركات وهو واجب الفعل وليس كلها واجب الترك فإن من أفتى ~~بهذا ينبغي أن لا يتنفس لأن التنفس منه حركة وهي واجبة الترك فظهر من هذا ~~أن بعضها واجب الترك وبعضها واجب الفعل وإذا ثبت هذا فقد ثبت حدود في ~~الحركات حتى كان بعضها خيرا واجب الفعل وبعضها شرا واجب الترك فالتمييز بين ~~حركة وحركة بالحدود ولا يخلو إما ان يعرفه كل أحد أو لا يعرفه أحد أو يعرفه ~~بعض دون # PageV01P132 # بعض وظاهر انه لا يعرفه كل أحد وباطل انه يعرفه كل أحد فظهر أنه يعرفه ~~أحد دون أحد فثبت بالتقسيم الأول حدود في ms078 الحركات وثبت بالتقسيم الثاني ~~أصحاب حدود يعرفونها وهم الأنبياء وأصحاب الشرائع عليهم الصلاة والسلام ~~والانسان اذا راجع نفسه علم أنه اذا لم يكن عارفا بالحدود يجب أن يكون في ~~حكم أصحاب الحدود فثبت وجود النبوة بضرورة الحركات # الطريق الثاني أن نقول إن نوع الانسان محتاج الى اجتماع على صلاح في ~~حركاته الاختيارية ومعاملاته المصلحية ولولا ذلك الاجتماع ما بقي شخصه ولا ~~انحفظ نوعه ولا احترس ماله وحريمه وكيفية ذلك الاجتماع تسمى ملة وشريعة # وبيان ذلك أنه في استبقاء حياته واستحفاظ نوعه وحراسة ماله وحريمه يحتاج ~~الى تعاون وتمانع أما التعاون فلتحصيل ما ليس له مما يحتاج اليه في مطعمه ~~وملبسه ومسكنه وأما التمانع فلحفظ ما له من نفسه وولده وحريمه وما له وكذلك ~~في استحفاط نوعه يحتاج الى تعاون في الازدواج والمشاركة وتمانع يحفظ ذلك ~~على نفسه وهذا التمانع والتعاون يجب ان يكونا على حد محدود وقضية عادلة ~~وسنة جامعة مانعة ومن المعلوم أن كل عقل لا يفي بتمهيد هذه السنة على قانون ~~يشمل مصالح النوع جملة ويخص حال كل شخص تفصيلا الا أن يكون عقل مؤيد بالوحي ~~مقيض للرسالة مستمد من الروحانيات التي قيضت لحفظ نظام العالم وهم بأمره ~~يعملون وعلى سنته في الخلق سائرون وبحكمه حاكمون فيكون الفيض متصلا بها من ~~المقادير في الأحكام ثم منها فائضا على الشخص المتحمل لتلك الأمانة القابل ~~لأسرار الديانة يتبع الحق في جميع الأمور ويتبعه الخلق في جميع الحركات ~~يكلم الناس على مقادير عقولهم بعقله الواقف على تلك المقادير ويكلف العباد ~~على قدر استطاعتهم بقدرته المحيطة بتلك الأقذار # وهذه الدلائل فروع لأصل واحد وهو إثبات الأمر لله عز وجل وهو الطريق ~~الثالث لأثبات النبوة ومن لم يعترف بأمره لم يعترف بالنبوة قط فان النبي # PageV01P133 # متوسط الأمر كما أن الملك متوسط الخلق والأمر وكما وجب الايمان بالله من ~~حيث الخلق والأمر وجب الايمان بالله وبمتوسط الخلق والأمر {كل آمن بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله} # والطريق في إثبات الأمر على نوعين أحدهما أن الممكنات كما ms079 احتاجت الى ~~مرجح لجانب الوجود على العدم وأن الحركات كما احتاجت بتجددها الى محرك ~~يديمها بالتعاقب ثم المائلة من الحركات الى غير ما مالت عنه والمختلفات ~~منها الى غير جهاتها الطبيعية احتاجت بتجددها الى كون المحرك مريدا مختارا ~~ثم المتوجهة منها الى نظام الخير دون الفساد والشر احتاجت الى كون المحرك ~~آمرا أمر التدبير وذلك قوله تعالى {وأوحى في كل سماء أمرها} ثم الحركات ~~الانسانية كما احتاجت الى إرادة عقلية في جهاتها المتباينة كذلك احتاجت الى ~~مكلف آمر ناه في حدودها المختلفة حتى يختار المكلف الحق دون الباطل في ~~الحركات الفكرية والصدق دون الكذب في الحركات القولية والخير دون الشر في ~~الحركات العملية وكما أن أمر التدبير جار على عموم الخلق لنظام وجود العالم ~~الكبير كله وذلك قوله تعالى {والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له ~~الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين} كذلك أمر التكليف جار على خصوص الخلق ~~لنظام وجود العالم الصغير وذلك قوله تعالى {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي ~~خلقكم} وكذلك جميع الأوامر والنواهي المتوجهة على الناس وكما أوحى في كل ~~سماء أمرها بواسطة ملك كذلك أوحى في كل زمان أمره بواسطة نبي فذلك هو ~~التقدير وهذا هو التكليف # الطريق الثاني في إثبات الأمر الاول أن نقول قد ثبت وتحقق بالبراهين أن ~~الأول المبدع ملك مطاع فله الخلق كله ملكا وملكا ولكل ملك في سلطانه أمر ~~ونهي وترغيب وترهيب ووعد ووعيد ولا يجوز أن يكون أمره محدثا مخلوقا فان ~~المخلوق من حيث هو مخلوق لا يدل الا على خالق فليس له دلالة على الأمر ~~بمعنى الاقتضاء والطلب والتكليف والتعريف والحث والزجر والترغيب والترهيب # PageV01P134 # ومن لم يثبت لله عز وجل أمرا يطاع فقد أحال كل هذه الأوامر والنواهي ~~والتذكيرات والتنبيهات على من ادعى النبوة مقصورة عليه متعدية عنه وما ~~يضيفه الى الله تعالى من قال الله وذكر الله وأمر الله ونهى الله ووعد الله ~~وأوعد الله يكون مجازا لا حقيقة وترويجا للكلام على العامة لا تحقيقا {ومن ~~أظلم ms080 ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء} فقد نسبوا ~~النبي الذي في أعلى درجات الانسان الى أشد الظلم الذي هو أسفل الدرجات ~~والخيانة التي هي أخبث السيئات جل منصب النبوة عن ذلك ### | خواص النبوة # للنبوة خواص ثلاث # احداهما تابعة لقوة التخيل والعقل العملي والثانية تابعة لقوة العقل ~~النظري والثالثة تابعة لقوة النفس # الخاصية الأولى اعلم أولا أنه ليس يمكن أن يبرهن على مبادىء العلوم ~~ومقدماتها من العلوم نفسها فيسلم لنا ههنا أن كل معلول معلول فيجب أن يلزم ~~عن علته حتى يوجد وأن الحركة السماوية اختيارية وأن الحركة الاختيارية لا ~~تلزم الا عن اختيار بالغ موجب للفعل وأن الاختيار للأمر الكلي لا يوجب أمرا ~~جزئيا فانه انما يلزم الأمر الجزئي بعينه عن اختيار جزئي يخصه بعينه وأن ~~الحركات التي بالفعل كلها جزئية فيجب إن كانت اختيارية أن تكون عن اختيار ~~جزئي فيجب أن يكون المحرك لها مدركا للجزئيات ولا يكون البتة عقلا صرفا بل ~~يكون نفسا تستعمل آله جسمانية تدرك بها أمورا جزئية ادراكا إما أن يكون ~~تخيلا أو تعقلا عمليا هو أرفع من التخيل وله أيضا عقل كلي يستمد من العقل ~~المفارق الذي يدرك العلوم الكلية وهذا كله مبين في العلوم الإلهية فيظهر من ~~تسليم هذه أن الحركات السماوية يحرك كل واحد منها جوهر نفساني يتعقل ~~الجزئيات بالنحو من التعقل الذي يخصها ويرتسم فيه صورها وصور الحركات التي ~~يختارها كل واحد منها ويجاوزه حتى تكون هيئات الحركات تتجدد فيها دائما حتى # PageV01P135 # تتجدد الحركات ويكون يتصور لا محالة حينئذ الغايات التي يؤدي اليها ~~الحركات في هذا العالم ويتصور هذا العالم أيضا بتفصيله وتلخيصه والأجزاء ~~التي فيه لا يغرب عنها شيء ويلزم ذلك أن يتصور الأمور التي تحدث في ~~المستقبل وذلك أنها أمور ويلزم وجودها عن النسبة التي بين الحركات المتعلقة ~~عنها بالشخصية والنسب التي بين الأمور التي ههنا والنسب التي بين هذه ~~الأمور وتلك الحركات فلا يخرج شيء البتة من أن يكون حدوثه في ms081 المستقبل ~~لازما لوجود هذه على ما هي عليه في الحال فإن الأمور إما أن تكون بالطبع ~~وإما أن تكون بالاختيار وإما أن تكون بالاتفاق والتي تكون عن الطبع انما ~~تكون باللزوم عن الطبع إما طبع حاصل ههنا أوليا أو طبع حادث ههنا عن طبع ~~ههنا أو طبع حادث ههنا عن طبع سماوي # وأما الاختيارات فانها تلزم الاختيار والاختيار حادث وكل حادث بعد ما لم ~~يكن فله علة وحدوثه بلزومه وعلته إما شيء كائن ههنا على احدى الجهات أو شيء ~~سماوي أو شيء مشترك بينهما وأما الاتفاقيات فهي احتكاكات ومصادمات بين هذه ~~الأمور الطبيعية والاختيارية بعضها مع بعض في مجاريها فيكون إذا الأشياء ~~الممكنة ما لم تجب لم توجد وانما تجب لا بذاتها بل بالقياس الى عللها والى ~~الاجتماعات التي لعلل شتى فاذا يكون كل شيء متكون متصورا بجميع الأحوال ~~الموجودة في الحال من الطبيعة والارادة الأرضية والسماوية ولمأخذ كل ~~واحدمنها ومجراه في الحال فانه يتصور ما يجب عن استمرار هذه على مأخذها من ~~الكائنات ولا كائنات إلا ما يجب عنها كما قلنا فالكائنات إذا قد تدرك قبل ~~الكون لا من جهة ما هي ممكنة بل من جهة ما يجب وانما لا ندرك نحن لأنه إما ~~أن يخفى علينا جميع أسبابها الآخذة نحوها أو يظهر لنا بعضها ويخفى علينا ~~بعضها فبمقدار ما تظهر لنا منها يقع لنا حدس وظن بوجودها وبمقدار ما يخفى ~~علينا منها يتداخلنا الشك في وجودها # وأما المحركات للأجرام السماوية فيحضرها جميع الأحوال المتقدمة معا # PageV01P136 # فيلزم جميع الأحوال المتأخرة معا فتكون الهيئة للعالم بما يريد أن يكون ~~فيه يرتسم هناك ثم تلك الصور لا وحدها بل الصور العقلية التي في الجواهر ~~المفارقة غير محتجبة عن أنفسنا بحجاب البتة من جهتها انما الحجاب هو في ~~قبولنا إما لضعفنا أو لاشتغالنا بغير الجهة التي عندها يكون الوصول اليها ~~والاتصال بها وأما إذا لم يكن أحد المعنيين فان الاتصال بها مبذول وليست ~~مما تحتاج أنفسنا في إدراكها إلى شيء غير الاتصال ms082 بها ومطالعتها فأما الصور ~~العقلية فان الاتصال بها بالعقل النظري # فأما هذه الصور التي الكلام فيها فإن النفس إنما يتصورها بقوة أخرى وهو ~~العقل العملي ويخدمه في هذا الباب التخيل فتكون الأمور الجزئية تنالها ~~النفس بقوتها التي تسمى عقلا عمليا من الجواهر العالية النفسانية وتكون ~~الأمور الكلية تنالها النفس بقوتها التي تسمى عقلا نظريا من الجواهر ~~العالية العقلية التي لا يجوز أن يكون فيها شيء من الصور الجزئية البتة ~~وتختلف الاستعدادات للنفوس جميعا في الأنفس خصوصا الاستعداد لقبول الجزئيات ~~بالاتصال بهذه الجواهر النفسانية فبعض الأنفس يضعف فيها ويقل هذا الاستعداد ~~لضعف القوة المتخيلة وبعضها لا يكون فيه هذا الإستعداد أصلا لضعف القوة ~~المتخيلة أيضا وبعضها يكون هذا فيه أقوى حتى ان الحس إذا ترك استعماله ~~القوة المتخيلة وترك شغله بما يورد عليها جذبتها القوة العملية إلى تلك ~~الجهة حتى انطبعت فيها تلك الصور إلا أن القوة المتخيلة لما فيها من ~~الغريزة المحاكية والمنتقلة من شيء إلى غيره تترك ما أخذت وتورد شبيهه أو ~~ضده او مناسبه كما يعرض لليقظان من أنه يشاهد شيئا فينعطف عليه التخيل إلى ~~أشياء أخرى يحضرها مما يتصل به بوجه حتى ينسيه الشيء الأول فيعود على سبيل ~~التحليل والتخمين ويرجع إلى الشيء الأول بأن يأخذ الحاضر مما قد تأدى اليه ~~الخيال فيفطن أنه خطر في الخيال تابعا لأي صورة تقدمته وتلك لأي صورة أخرى ~~وكذلك حتى ينتهي إلى البدء ويتذكر ما نسيه كذلك التعبير هو تحليل # PageV01P137 # بالعكس لفعل التخيل حتى ينتهي إلى الشيء الذي تكون النفس شاهدته حين ~~اتصالها بذلك العالم وأخذت المتخيلة تنتقل عنه إلى أشياء أخرى فهذه طبقة # وطبقة أخرى يقوي استعداد نفسها حتى تستثبت ما نالته هناك ويستقر عليه ~~الخيال من غير أن يغلبه الخيال وينتقل إلى غيره فتكون الرؤيا التي لا تحتاج ~~إلى تعبير # وطبقة أخرى أشد تهيئا من تلك الطبقة وهم القوم الذين بلغ من كمال قوتهم ~~المتخيلة وشدتها أنها لا تستغرقها القوى الحسية في إيراد ما يورد عليها حتى ~~يمنعها ms083 ذلك عن خدمة النفس الناطقة في اتصالها بتلك المبادىء الموحية اليها ~~بالأمور الجزئية فيتصل لذلك في حال اليقظة ويقبل تلك الصور # ثم إن المتخيلة تفعل مثل ما تفعل في حال الرؤيا المحتاجة إلى التعبير بأن ~~تأخذ تلك الأحوال وتحاكيها وتستولي على الحسية حتى يؤثر ما يتخيل فيها من ~~تلك في قوة بنطاسيا بأن تنطبع الصور الحاصلة فيها في البنطاسيا المشاركة ~~فيشاهد صورا إلهية عجيبة مرئية وأقاويل إلهية مسموعة هي مثل تلك المدركات ~~الوحيية وهذه أدون درجات المعنى المسمى بالنبوة وأقوى من هذا أن يستشبت تلك ~~الأحوال والصور على هيئتها مانعة للقوة المتخيلة على الانصراف إلى محاكاتها ~~بأشياء أخرى # وأقوى من هذا أن تكون المتخيلة مستمرة في محاكاتها والعقل العملي والوهم ~~لا يتخليان عما استثبتاه فثبت في الذاكرة صورة ما أخذت وتقبل المتخيلة على ~~بنطاسيا وتحاكي فيه ما قبلت بصور عجيبة مسموعة ومبصرة ويؤدي كل واحد منهما ~~على وجهه # وهذه طبقات النبوة المتعلقة بالقوى العقلية العملية والخيالية وانظر قصص ~~القرآن كيف أتت على جزئياتها كأنه شاهدها وحضرها وكأنها كانت بمرأى من # PageV01P138 # النبي ومسمع وكيف صدقت بحيث لم ينكرها أحد من منكري النبوة ولا يتعجبن ~~متعجب من قولنا إن المتخيل قد يرتسم في بنطاسيا فيشاهد فان المجانين قد ~~يشاهدون ما يتخيلون ولذلك علة تتصل بابانة السبب الذي لأجله يعرض للممرورين ~~أن يخبروا بالأمور الكائنة فيصدقون في الكثير ولذلك مقدمة وهي أن القوة ~~المتخيلة كالموضوعة بين قوتين مستعملتين لها سافلة وعالية # أما السافلة فالحس فانها تورد عليها صورا محسوسة تشغلها وأما العالية ~~فالعقل فانه بقوته يصرفها عن التخيل للكاذبات التي لا توردها الحواس عليها ~~ولا يستعملها العقل فيها واجتماع هاتين القوتين على استعمالها يحول بينها ~~وبين التمكن من إصدار أفعالها الخاصة على التمام حتى تكون الصورة التي ~~تحضرها بحيث تنطبع في بنطاسيا انطباعا تاما فيحس فاذا أعرض عنها إحدى ~~القوتين لم يبعد أن تقام الأخرى في كثير من الأحوال فلم يمتنع عن فعلها ~~فتمنعها فتارة تتخلص عن مجاذبة الحس فتقوى على مقاومة العقل ms084 وتمعن فيما هو ~~فعلها الخاص غير ملتفت إلى معاندة العقل وهذا في حال النوم وعند احضارها ~~الصورة كالمشاهدة وتارة تتخلص عن سياسة العقل عند فساد الآلة التي يستعملها ~~العقل في تدبير البدن فيستعصي على الحس ولا يمكنها من شغلها بل يمعن إيراد ~~أفاعيلها حتى يصير ما ينطبع فيها من الصور كالمشاهدة لانطباعه في الحواس ~~وهذا في حال الجنون # وقد يعرض مثل ذلك عند الخوف لما يعرض من ضعف النفس وانخذالها واستيلاء ~~الوهم والظن المعينين للتخيل على العقل فيشاهد أمورا موحشة فالممرورون ~~والمجانين يعرض لهم أن يتخيلوا ما ليس موجودا بهذا السبب # وأما اخبارهم بالغيب فانما يتفق أكثر ذلك لهم عند أحوال كالصرع والغشي ~~الذي يفسد حركات قواهم الحسية وقد يعرض أن تكل قوتهم المخيلة لكثرة حركاتهم ~~المضطربة لأنها قوة بدنية وتكون هممهم عن المحسوسات # PageV01P139 # مصروفة فيكثر رفضهم للحس وإذا كان كذلك فقد يتفق أن لا تشتغل هذه القوة ~~بالحواس اشتغالا مستغرقا ويعرض لها أدنى سكون عن حركاتها المضطربة ويسهل ~~أيضا انجذابها مع النفس الناطقة فيعرض للعقل العملي إطلاع إلى أفق عالم ~~النفس المذكور فيشاهد ما هناك ويتأدى ما يشاهده إلى الخيال فيظهر فيه ~~كالمشاهد المسموع فحينئذ إذا أخبر به الممرور وخرج وفق مقاله يكون قد تكهن ~~بالكائنات المستقبلة والآن فيجب أن نختم هذا البيان فقد أدينا فيه نكت ~~الأسرار المكتومة والله الموفق # فان قال قائل إذا كان أصحاب الجن والكهنة والعرافون وبعض المجانين ربما ~~يخبرون عن الغيب ويصدق خبرهم وينذرون بالآيات ويتحقق أثرها فبطلت الخاصية ~~النبوية # فالجواب أن نقول قد بينا قبل ذلك في البيانات المتقدمة أن التخيل في ~~الحيوانات على تفاوت وتفاضل وتضاد وترتب حتى قال بعض الحكماء إن أعلى ~~درجاته أن تصل النفس إلى النفس التي هي مدبر فلك القمر الذي هو واهب الصور ~~ولولا أن الجزئيات من الموجودات الكائنة الفاسدة متصورة متخيلة في ذات ~~النفس الفلكي لما أفاض على كل مادة ما تستحقه من الصور ولا مانع لها من ~~تصور اللوازم الجزئية لحركاتها الجزئية من الكائنات عنها ms085 في العالم العنصري ~~وكأنه بهذا المعنى صار للأجسام السماوية زيادة معنى على العقل المفارق ~~لتظاهر رأي جزئي وآخر كلي وإن كان الرأي الكلي مستمدا من العقول فاذا فهمت ~~هذا فللنفوس البشرية أن تنتقش من ذلك العالم بحسب الاستعداد وزوال المانع ~~وتكون كالمرآة المقابلة للنفس الفلكي حتى يقع فيها جميع ما في النفس الفلكي ~~فالى هذا الحد عظموا امر الخيال # واما في جانب السفل فالى حيوان عديم التخيل او ضعيف التخيل سريع النسيان ~~لا يمكنه ان يستثبت الصورة ساعة او لحظة بل يتجدد له الخيالات # PageV01P140 # بحسب تجدد الحركات وهذا على نمط التفاوت بالتفاضل واما ما هو على نمط ~~التفاوت بالتضاد فكخيال وتخيل كله حق نشأ عن نفس خيرة وكخيال وتخيل كله ~~باطل نشأ عن نفس شريرة وكخيال وتخيل بين الطرفين إن التفتت إلى الخير التحق ~~به وإن التفتت إلى الشر التحق به وههنا نمط آخر من الكلام وهو إثبات عقل ~~تجرد عن كل خيال وإثبات خيال تجرد عن كل عقل وإثبات عقل كله خيال وإثبات ~~خيال كله عقل وههنا حس عمل من خيال وخيال عمل من حس وعقل عمل من خيال وخيال ~~عمل من عقل وههنا علم على مزاج الظن وظن على مزاج العلم وأنهم ظنوا كما ~~ظننتم ان لن يعبث الله احدا اشارة إلى الظن الأول {وأنا ظننا أن لن نعجز ~~الله في الأرض ولن نعجزه هربا} إشارة إلى الظن الثاني واختصاص الظن بالجن ~~في في القرآن لسر في خصائص الجن وهو ان وجودهم خيالي وتصوراتهم خيالية ~~وصورهم لا تتراءى إلا للخيال وكما ان الخيال على وسط بين الحس والعقل فكل ~~ما هو خيالي على وسط بين الجسماني والروحاني كالجن والشياطين والأوساط أبدا ~~تكون ممزوجة من الطرفين او تكون خالية عن الطرفين # اما الخاصية الثانية للنبوة وهي تابعة للقوة النظرية فنقول # من المعلوم الظاهر ان الأمور المعقولة التي يتوصل إلى اكتسابها بحصول ~~الحد الأوسط بعد الجهل انما يتوصل إلى اكتسابها في القياس وهذا الحد الاوسط ~~قد يحصل على ضربين من ms086 الحصول فتارة يحصل بالحدس والحدس هو فعل الذهن يستنبط ~~بذاته الحد الأوسط والذكاء قوة الحدس وتارة يحصل بالتعلم ويتأدى التعليم ~~إلى الحدس فان الابتداء ينتهي لا محالة إلى حدوس استنبطها أرباب تلك الحدوس ~~ثم أدوها إلى المتعلمين فجائز أن يقع للانسان بنفسه # PageV01P141 # الحدس وأن ينعقد في ذهنه القياس بلا معلم بشري وهذا يتفاوت بالكم والكيف ~~أما في الكم فلأن بعض الناس يكون أكثر حدسا للحدود الوسطى # أما بالكيف فلأن بعض الناس يكون أسرع زمان حدس ولأن هذا التفاوت ليس ~~منحصرا في حد بل يقبل الزيادة والنقصان فمنهم غبي لا يعود عليه الفكر برادة ~~ومنهم له فطانة إلى حد ما ويستمتع بفكره ومنهم من هو أثقب من ذلك وله إصابة ~~في المعقولات وتلك الثقابة غير متشابهة في الجميع بل ربما قلت وربما كثرت ~~فكما أنك تجد جانب النقصان ينتهي إلى حد يكون منعدم الحدس فأيقن أن جانب ~~الزيادة يمكن أن ينتهي إلى حد يستغني في أكثر أحواله عن التعلم والتفكر ~~فيحصل له العلوم دفعة ويحصل معه الوسائط والدلائل فيمكن إذا أن يكون شخص من ~~الناس مؤيد النفس لشدة الصفاء وكمال الاتصال بالمبادىء العقلية إلى أن ~~يشتعل حدسا في كل شيء فيرتسم فيه الصورة التي في العقل الفعال اما دفعة ~~وإما قريبا من دفعة ارتساما لا تقليديا بل يقينيا مع الحدود الوسطى ~~والبراهين اللائحة والدلائل الواضحة # والفرق بين الحدس والفكر أن الفكرة هي حركة للنفس في المعاني مستعينا ~~بالتخيل في أكثر الأمور يطلب بها الحد الأوسط وما يجري مجراه مما يقاربه ~~إلى علم بالمجهول في حالة الفقد استعراضا للمخزون في الباطن وما يجري مجراه ~~فربما تأدت إلى المطلوب وربما انبتت وأما الحدس فهو أن يتمثل الحد الأوسط ~~في الذهن دفعة بأن يعلم العلة فيعلم المعلول أو يعلم الدليل فيحصل له العلم ~~بالمدلول دفعة أو قريبا من دفعة وهذا الحصول تارة يكون عقيب طلب وشوق وقد ~~يكون من غير طلب واشتياق بأن يكون نفسا شريفة قوية مستضيئة في نفسها فيحصل ~~له العلوم ابتداء ms087 كأنه ماتخلى إلى اختياره يكاد زيتها يضيء ضوء الفطرة ولو ~~لم تمسه نار الفكرة ولا يفارق طريق الإلهام والحدس طريق الاكتساب والفكر في ~~نفس العلم ولا في محله ولا في سببه لأن محل العلم النفس # PageV01P142 # وسبب العلم العقل الفعال أو الملك المقرب ولكن يفارقه في وجهه زوال ~~الحجاب فإن ذلك ليس باختيار العبد ولم يفارق الوحي الإلهام في شيء من ذلك ~~بل في مشاهدة الملك المفيد للعلم # فان قال قائل إذا كانت هذه القوة الحدسية موجودة في غير النبي فان ~~الانسان يجد في نفسه هذا التحدس في مسائل كثيرة ولكل أحد في صناعته حدوس ~~فان شرط في النبي أن يكون في جميع المعقولات فهو شرط غير موجود فانه ربما ~~يمتنع عليه الحدس في مسألة أو مسائل وأيضا فان عقله حينئذ يكون غير مشتبه ~~عليه شيء ما من الغيب والشهادة فيكون بعينه عقلا بالفعل فلا يحتاج إلى وسط ~~فلا يكون له حدس وقد أثبتم له الحدس فهذا خلف وان كان الحدس في بعض المسائل ~~فقد شاركه فيه غيره وليس بخاصية له # وأيضا ليس بعض المسائل أولى من بعض وليس له حد محدود يختص بالنبوة فلم ~~تتعين الخاصية النبوية وأيضا قد رتبتم العقل أربع مراتب الهيولاني والملكة ~~والعقل بالفعل والعقل المستفاد ففي أي مرتبة توجد للنبي خاصية يتميز بها عن ~~سائر الناس # الجواب أن نقول من لم يثبت في العقول الانسانية تضادا وترتبا لم يستقم له ~~إثبات هذه الخاصية أما التضاد فعقل النبي وعقل الكاهن وأما الترتب فكعقل ~~النبي وعقل الصديق والمتضادان خصمان يحتاجان إلى حاكم ليس فوقه حاكم ~~والمترتبان ينتهيان بعقل ليس فوقه عقل وعلى الوجهين جميعا عقل النبي فوق ~~العقول كلها وحاكم عليها ومتصرف فيها ومخرجها من القوة إلى الفعل ومكملها ~~بالتكلف إلى أقصى غايات الكمال اللائق بكل واحد منها فلا يمكن التنصيص على ~~حد محدود أما إذا كان يمكن أن يقال إن هذه القوة قابلة للزيادة والنقصان ~~فعقل النبي فوق العقول كلها # أما الخاصية الثالثة التابعة للنفس فنقول قد ms088 ظهر لنا في العلوم الإلهية ~~أن # PageV01P143 # الصورة التي هي في الأجسام العالمية تابعة في الوجود للصور التي في ~~النفوس والعقول الكلية وأن هذه المادة طوع لقبول ما هو متصور في عالم العقل ~~فان تلك الصور العقلية مبادىء لهذه الصور الحسية يجب عنها لذاتها وجود هذه ~~الأنواع في العوالم الجسمانية والأنفس الانسانية قريبة من تلك الجواهر وقد ~~نجد لها فعلا طبيعيا في البدن الذي لكل نفس فان الصورة الارادية التي ترتسم ~~في النفس يتبعها ضرورة شكل قسري للأعضاء وتحريك غير طبيعي وميل غير غريزي ~~يذعن لها الطبيعة والصورة الخوفية التي ترتسم في الخيال يحدث عنها في البدن ~~مزاج من غير استحالة عن محيل طبيعي شبيه بنفسه والصورة الغضبية التي ترتسم ~~في الخيال يحدث عنها في البدن مزاج آخر من غير محيل شبيه والصورة المعشوقية ~~عند القوة الشهوانية إذا لمحت في الخيال حدث عنها مزاج يحدث ريحا من المادة ~~الرطبة في البدن ويحدره إلى العضو الموضوع آلة للفعل الشهواني حتى تستعد ~~لذلك الشأن وليست طبيعة البدن الا من عنصر العالم ولولا أن هذه الطبائع ~~موجودة في جوهر العنصر لما وجد في هذا البدن ولا ننكر أن يكون من القوى ~~النفسانية ما هو أقوى فعلا وتأثيرا من أنفسنا نحن حتى لا يقتصر فعلها في ~~المادة التي رسم لها وهو بدنها بل إذا شاءت أحدثت في مادة مالم ما تتصوره ~~في نفسها وليس يكون مبدأ تلك الاحداث تحريك وتسكين وتبريد وتسخين وتكثيف ~~وتليين كما تفعل في بدنها فيتبع ذلك أن يحدث سحب هاطلة ورياح وصواعق وزلازل ~~وصياح مثير ويتبعه مياه وعيون جارية وما أشبه ذلك في العالم بإرادة هذا ~~الانسان والذي يقع له هذا الكمال في جبلة النفس ثم يكون خيرا متحليا ~~بالسيرة الفاضلة ومحامد الأخلاق وسير الروحانيين مجتنبا عن الرذائل ودنيات ~~الامور فهو ذو معجزة من الأنبياء أي من يدعي النبوة ويتحدى بها وتكون هذه ~~الأمور مقرونة بدعوى النبوة أو كرامة من الأولياء ويزيده تزكية لنفسه وضبطه ~~القوى واسلاسها من هذا المعنى زيادة ms089 على مقتضى جبلته ثم من يكون شريرا ~~ويستعمله في الشر فهو الساحر الخبيث # PageV01P144 # واعلم أن هذه الاشياء ليس القول بها والشهادة لها هي ظنون امكانية سير ~~اليها من أمور عقلية فقط وإن كان ذلك أمرا معتمدا لو كان ولكنها تجارب لما ~~ثبتت طلب اسبابها ومن حسن الاتفاق لمحبي الاستبصار أن يعرض لهم هذه الأحوال ~~في انفسهم أو يشاهدوها مرارا متوالية في غيرهم حتى يصير ذلك ذوقا في اثبات ~~امور عجيبة لها وجود وصحة وداعيا له إلى طلب سببها فانه إذا اقترن الذوق ~~بالعلم كان ذلك من أحسن الفوائد وأعظم العوائد والله ولي التوفيق ### | خاتمة ما أفضل النوع البشري # فأفضل النوع البشري من أوتي الكمال في حدس القوى النظرية حتى استغنى عن ~~المعلم البشري اصلا وأوتي للقوة المتخيلة استقامة وهمة لا يلتفت إلى العالم ~~المحسوس بما فيه حتى يشاهد العالم النفساني بما فيه من احوال العالم ~~ويستثبتها في اليقظة فيصير العالم وما يجري فيه متمثلا لها ومنتقشا بها ~~ويكون لقوته النفسانية أن تؤثر في عالم الطبيعة حتى ينتهي إلى درجة النفوس ~~السماوية # ثم الذي له الأمران الأولان وليس له الأمر الثالث ثم الذي له هذا التهيؤ ~~الطبيعي في القوة النظرية دون العلمية ثم الذي يكتسب هذا الاستكمال في ~~القوة النظرية ولا حصة له في أمر القوة العلمية من الحكماء المذكورين ثم ~~الذي ليس له في القوة النظرية لا تهيؤ طبيعي ولا اكتساب تكلفي ولكن له ~~التهيؤ في القوة العلمية فالرئيس المطلق والملك الحقيقي الذي يستحق بذاته ~~أن يملك هو الأول من العدة المذكورين الذي إن نسب نفسه إلى عالم العقل وجد ~~كأنه يتصل به دفعة واحدة وإن نسب إلى عالم النفس وجد كأنه من سكان ذلك ~~العالم وإن نسب نفسه إلى عالم الطبيعة كان فعالا فيه ما يشاء والذي يتلوه ~~أيضا رئيس كبير بعده في المرتبة والباقون هم اشراف النوع الانساني وكرامه # واما الذين ليس لهم استكمال شيء من القوى إلا انهم يصلحون الأخلاق ~~ويقتنون الملكات الفضيلة فهم الاذكياء من النوع ms090 الانساني ليسوا من ذوي ~~المراتب العالية إلا انهم متميزون من سائر اصناف الانسان # PageV01P145 ### | السعادة والشقاوة بعد المفارقة # اعلم ان الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين شرحوا أحوال الآخرة اتم ~~شرح وبيان وإنما بعثوا لسوق الناس اليها ترغيبا وترهيبا وتشويقا وتخويفا ~~مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل لا سيما ما في ~~الشريعة الأخيرة من تقرير احوال المعاد بالروحاني والجسداني والعاجل والآجل ~~وضرب الأمثال فيها واقامة البراهين عليها وانما يتعرف حال ما بعد الموت من ~~الانبياء عليهم السلام لأنهم الذين اطلعوا على أحواله وحيا واخبارا والعقل ~~المجرد كيف يهتدي إلى مقادير العلوم والأخلاق حتى يرتب على كل علم وعمل ~~جزاء في الآخرة مقدرا عليها مناسبا لها ومن المعلوم أن مترتبة متفاضلة ~~وانما شرفها بشرف معلوماتها ومقادير الشرف فيها مترتبة على مقادير شرف ~~المعلومات ومقادير السعادة بها والجزاء عليها مرتب على مقادير الشرف فيها ~~وكذلك الأخلاق والأعمال متفاوتة متفاضلة ومتمايزة بالخير والشر والمقادير ~~فيها عملا وجزاء مما لا يهتدي اليه عقل كل عاقل إلا ان يكون مؤيدا من عند ~~الله عز وجل بالوحي والانباء مطلعا على ما في ذلك العالم من انواع الجزاء ~~فاذا السعادة البدنية قد شرحها الشرع اتم شرح وبيان فلا يحتاج الى مزيد بسط # اما السعادة او الشقاوة التي بحسب الروح والقلب فقد اشار اليها ونبه ~~عليها في مواضع ونحن نشرح ذلك بقدر ماتهتدي اليه العقول القاصرة في دار ~~الغربة # PageV01P147 # فنقول يجب أن يعلم أن لكل قوة نفسانية لذة وخيرا يخصها وأذى وشرا يخصها ~~مثاله أن لذة الشهوات أن يتأدى اليها من محسوساتها كيفية ملائمة من الحس ~~وكذلك لذة الغضب الظفر ولذة الوهم الرجاء ولذة الحفظ تذكر الأمور الماضية ~~الموفقة وأذى كل واحد منها ما يضاده وتشترك كلها نوعا من الشركة في أن ~~الشعور بموافقها وملائمها هو الخير واللذة الحاصلة بها وموافق كل واحد منها ~~بالذات والحقيقة هو حصول الكمال الذي هو بالقياس اليه كمال بالفعل فهذا أصل ~~وأيضا فإن هذه القوى وان اشتركت في هذه ms091 المعاني فإن مراتبها في الحقيقة ~~مختلفة فالذي كماله أفضل وأتم وأدوم وأوصل اليه وأحصل له والذي هو في نفسه ~~أشد إدراكا كانت اللذة التي له أبلغ وأوفر وهذا أصل وقد يكون الخروج إلى ~~الفعل في كمال بحيث يعلم أنه كائن لزيد ولا يشعر باللذة مالم يحصل له ومالم ~~يشعر به لم ينزع نحوه مثل العنين فانه متحقق أن الجماع لذيذ ولكن لا يشتهيه ~~ولا يحن اليه الاشتهاء والحنين اللذين يكونان مخصوصين به بل شهوة أخرى كما ~~يشتهي من يجرب شهوة من حيث يحصل بها إدراك وإن كان مؤذيا وكذلك حال الأكمه ~~عند الصور الجمالية والأصم عند الألحان المنتظمة الرخيمة ولهذا يجب أن لا ~~يتوهم العاقل أن كل لذة فهو كما للحمار في بطنه وفرجه وأن المباديء الأول ~~المقربة عند رب العالمين عادمة للذة والغبطة # وان رب العالمين ليس في سلطانه وخاصيته البهاء الذي له وقوته الغير ~~المتناهية أمر في غاية الفضيلة والشرف والطيب نجله عن أن نسميه لذة فأي ~~نسبة يكون لذلك مع هذه الحسية ونحن نعرف ذلك يقينا ولكن لا نشعر به ~~لفقداننا تلك الحالة فيكون حالنا حال الأصم والأكمه وهذا أصل وأيضا فإن ~~الكمال والأمر الملائم قد يتيسر للقوة الدراكة وهناك مانع أو شاغل للنفس ~~فيكرهه ويؤثر ضده عليه مثل كراهية المريض للعسل وشهوته للطعوم الردية ~~الكريهة بالذات وربما لم يكن كراهية ولكن عدم الاستلذاذ به # PageV01P148 # كالخائف يجد اللذة ولا يشعر بها وهذا أصل وأيضا قد تكون القوة الداركة ~~ممنوة بضد ما هو كمالها ولا يحس به ولا ينفر عنه حتى اذا زال العائق رجع ~~الى غريزته فتأذت به مثل الممرور فربما لا يحس بمرارة فمه الى ان يصلح ~~مزاجه وينقي أعضاءه فحينئذ ينفر عن الحال العارضة له وكذلك قد يكون الحيوان ~~غير مشته للغذاء البتة وهو أوفق شيء له وكارها له ويبقى عليه مدة طويلة ~~فاذا زال العائق عاد الى واجبه في طبعه فاشتد جوعه وشهوته للغذاء حتى لا ~~يصبر عنه ويهلك عند فقدانه وكذلك قد يحصل ms092 سبب الألم العظيم مثل حرق النار ~~وتبريد الزمهرير إلا أن الحس قد أصابته آفة فلا يتأذى البدن به حتى تزول ~~الآفة فيحس به حينئذ # فاذا تقررت هذه الأصول فنقول إن النفس الناطقة كمالها الخاص بها أن يصير ~~عالما عقليا مرتسما فيه صورة الكل والنظام المعقول في الكل والخير الفائض ~~في الكل مبتدأ من مبدأ الكل وسالكا إلى الجواهر الشريفة الروحانية المطلقة ~~ثم الروحانيات المعلقة نوعا ما من التعلق بالأبدان ثم الأجسام العلوية ~~بهيئاتها وقواها ثم كذلك حتى تستوفي في نفسها هيئة الوجود كله فينقلب عالما ~~معقولا موازيا للعالم الموجود كله مشاهدا لما هو الحسن المطلق والجمال ~~المطلق ومتحدا به ومنتقشا بمثاله وهيئته ومنخرطا في سلكه وصايرا من جوهره # فاذا قيس هذا بالكمالات المعشوقة التي للقوى الأخرى توجد في المرتبة التي ~~بحيث يقبح معها أن يقال إنه أفضل وأتم منها بل لانسبة لها البتة بوجه من ~~الوجوه فضيلة وتماما وكثرة ودواما وكيف يقاس الدوام الأبدي بدوام المتغير ~~الفاسد وكذلك شدة الوصول فكيف يكون ما وصوله بملاقاة السطوح والأجسام ~~بالقياس الى ما وصوله بالسريان في جوهر الشيء كأنه هو بلا انفصال اذا العقل ~~والمعقول واحد أو قريب من الواحد وأما أن المدرك في نفسه أكمل فهو أمر لا ~~يخفى وأما انه أشد إدراكا فأمر أيضا يكشف عنه أدنى بحث فإنه أكثر عددا ~~للمدركات وأشد تقصيا للمدرك وتجريدا له عن الزوائد الغير الداخلة في # PageV01P149 # معناه الا بالعرض والخوض في باطنه وظاهره بل كيف يعاير هذا الادراك بذلك ~~الادراك أو كيف يمكننا أن ننسب اللذة الحسية والبهيمية والغضبية الى هذه ~~السعادات واللذات ولكنا في عالمنا هذا وأبداننا هذه وانغمارنا في الرذائل ~~لا نحس بتلك اللذة اذا حصل شيء من أسبابها عندنا كما أومأنا اليه في بعض ما ~~قدمناه من الأصول ولذلك لا نطلبها ولا نحن إليها اللهم الا أن نكون قد ~~خلعنا ربقة الشهوة والغضب وأخواتهما عن أعناقنا وطالعنا شيئا من تلك اللذة ~~فحينئذ ربما نتخيل منها خيالا طفيفا ضعيفا وخصوصا عند انحلال المشكلات ms093 ~~واستيضاح المطلوبات اليقينية والتذاذنا بذلك شبيه بالتذاذ الحس عن المذاقات ~~اللذيذة بروائحها من بعيد # وأما اذا انفصلنا عن البدن وكانت النفس تنبهت وهي في البدن لكمالها الذي ~~هو معشوقها ولم تحصله وهي بالطبع نازعة اليه اذا عقلت بالفعل أنه موجود إلا ~~أن اشتغالها بالبدن كما قلنا أنساه ذاته ومعشوقه كما ينسي المرض الحاجة إلى ~~بدل ما يتحلل وكما ينسى الممرور الالتذاذ بالحلو واشتهاءه وتميل بالشهوة ~~منه الى المكروهات في الحقيقة عرض لها حينئذ من الألم لفقدانه كفاء ما يعرض ~~من اللذة التي أوجبنا وجودها ودللنا على عظم منزلتها فيكون ذلك هو الشقاوة ~~والعقوبة التي لا يعدلها تفريق النار للاتصال وتبديلها أو تبديل الزمهرير ~~المزاج فيكون مثلنا حينئذ مثل الخدر الذي أومأنا إليه فيما سلف والذي قد ~~عمل فيه نارا وزمهريرا فمنعت المادة الملابسة وجوه الحس عن الشعور فلم يتأذ ~~ثم عرض أن زال العائق فشعر بالبلاء العظيم # وأما اذا كانت القوة العقلية بلغت من النفس حدا من الكمال فيمكنها به اذا ~~فارقت البدن أن تستكمل الكمال الذي لها أن تبلغه كان مثله مثل الخدر الذي ~~أذيق المطعم الألذ وعرض للحالة الأشهى وكان لا يشعر فزال عنه الخدر فطالع ~~اللذة العظيمة دفعة وتكون تلك اللذة لا من جنس تلك اللذة الحسية والحيوانية # PageV01P150 # بوجه بل لذة تتشاكل الحالة الطيبة التي للجواهر الحية المحضة أجل من كل ~~لذة وأشرف فهذه السعادة وتلك الشقاوة ليست تكون لكل واحد من الناقصين بل ~~للذين أكسبوا اللذة العقلية الشوق الى كمالها وذلك عندما يتبرهن لهم أن من ~~شأن النفس إدراك ماهية الكل بكسب المجهول من المعلوم والاستكمال بالفعل فإن ~~ذلك ليس فيها بالطبع الأول أيضا في سائر القوى بل شعور أكثر القوى ~~بكمالاتها إنما يحدث بعد أسباب # وأما النفوس والقوى الساذجة الصرفة فكأنها هيولى موضوعة لم تكتسب البتة ~~هذا الشوق لأن هذا الشوق إنما يحدث حدوثا وينطبع في جوهر النفس اذا تبرهن ~~للقوة النفسانية أن ههنا أمورا يكسبها العلم بالحدود الوسطى وبمباديء ~~معلومة بأنفسها وأما قبل ذلك ms094 فلا يكون لأن هذا الشوق يتبع رأيا وليس رأيا ~~أوليا بل رأيا مكتسبا فهؤلاء اذا اكتسبوا هذا الرأي لزم النفس ضرورة هذا ~~الشوق واذا فارق ولم يحصل معه ما يبلغ به بعد الانفصال التام وقع في هذا ~~النوع من الشقاء الأبدي لأنه إنما كانت تلك السعادة تكتسب بالبدن لا غير ~~وقد فارق وهؤلاء إما مقصرون عن السعي في كسب الكمال الإنسي أو معاندون ~~جاحدون متعصبون لآراء فاسدة متضادة للآراء الحقيقية وحال الجاحدين أشد من ~~حال المقصرين وحال المقصرين أشد من حال النفوس الساذجة الصرفة وأما أنه كم ~~ينبغي أن يحصل عند نفس الانسان من تصور المعقولات حتى يجاوز به الحد الذي ~~في مثله تقع هذه الشقاوة فليس يمكنني أن أنص عليه نصا الا بالتقريب وأظن أن ~~ذلك أن يتصور نفس الانسان المباديء المفارقة تصورا حقيقيا ويصدق بها تصديقا ~~يقينيا لوجودها عنده بالبرهان ويعرف العلل الغائية للأمور الواقعة في ~~الحركات الكلية دون الجزئية التي لا تتناهى ويتقرر عنده هيئة الكل ونسب ~~أجزائه بعضها إلى بعض والنظام الآخذ من المبدأ الأول إلى أقصى الموجودات ~~الواقعة في ترتيبه ويتصور العناية الشاملة للكل وكيفيتها ويتحقق أن الذات ~~الحق الموجد للكل أي وجود يخصها وأي وحدة تخصها وأنها # PageV01P151 # كيف تعرف حتى لا يلحقها تكثر وتغير بوجه من الوجوه وكيف ترتبت نسبة ~~الوجود اليه جل وعلا ثم كلما ازداد الناظر استبصارا ازداد للسعادة استعدادا ~~وكأنه ليس يتبرأ الانسان عن هذا العالم وعلائقه إلا أن يكون أكد العلاقة مع ~~ذلك العالم فصار له شوق الى ماهناك وعشق لما هناك يصده عن الالتفات الى ما ~~خلفه جملة # ونقول أيضا إن هذه السعادة الحقيقية لا تتم إلا بإصلاح الجزء العملي من ~~النفس فاليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ونقدم لذلك مقدمة فنقول ~~إن الخلق هو ملكة يصدر بها عن النفس أفعال ما بسهولة من غير تقدم روية ~~والخلق المحمود هو الوسط بين الطرفين المذمومين فكلا طرفي قصد الأمور ذميم ~~وقد شرحنا ذلك أتم شرح فيما سبق وجملته أن ms095 لا تحكم العلاقة مع القوى ~~البدنية قصدا بل يكون للعقل العملي يد الاستيلاء وللقوة الحيوانية الأنقياد ~~والمطاوعة # فالعقل ينبغي أن يتأثر عن القوى الحيوانية بل يؤثر والقوى الحيوانية ~~ينبغي أن تتأثر ولا تؤثر فاذا كان كذلك فتكون النفس على جبلتها مع إفادة ~~هيئة الاستعلاء والتنزه وذلك غير مضاد لجوهره ولا مائل به إلى جهة البدن ثم ~~النفس إنما كان البدن يغمره ويلهيه ويغفله عن الشوق الذي يخصه وعن طلب ~~الكمال الذي له وعن الشعور بلذة الكمال إن حصل له أو الشعور بألم فقد ~~الكمال إن قصر عنه لا بأن النفس منطبعة فيه أو منغمسة فيه لكن للعلاقة التي ~~بينهما وهو الشوق الجبلي الى تدبيره والاشتغال بآثاره وما يورده عليه من ~~عوارضه فاذا فارق وفيه ملكة الاتصال به وكان قريب الشبه من حاله وهو فيه ~~فبقدر ما ينقص من ذلك يزول عنه غفلته عن حركة الشوق الذي له إلى كماله ~~وبقدر ما يبقى منه يصده عن الاتصال الصرف بمحل سعادته ويحدث هناك من ~~الحركات المشوشة ما يعظم أذاه # ثم تلك الهيئة البدنية مضادة لجوهره مؤذية له وانما كان يلهيه عنه البدن # PageV01P152 # وتمام انغماسه فيه فإذا فارقته أحست بتلك المضادة العظيمة فان الناس نيام ~~فاذا ماتوا انتبهوا وتأذت أذى عظيما لكن هذا الأذى وهذا الألم ليس لأمر ~~ذاتي بل لأمر عارض غريب والأمر العارض الغريب لا يدوم ولا يبقى ويزول ويبطل ~~مع ترك الأفعال التي كانت تثبت تلك الهيئة بتكريرها فيلزم اذا أن تكون ~~العقوبة التي بحسب ذلك غير خالدة بل تزول وتنمحي قليلا قليلا حتى تزكو ~~النفس وتبلغ السعادة التي تخصها ولهذا لم ير أهل السنة تخليد أهل الكبائر ~~من المؤمنين لأن أصل الاعتقاد راسخ والعوارض تزول ويعفى عنها وتغفر # وأما النفوس البله التي لم تكتسب الشوق ولم تحن الى المعارف التي ~~للعارفين فانها اذا فارقت الأبدان وكانت غير مكتسبة للهيئات الردية صارت ~~الى سعة رحمة الله تعالى ونوع من الراحة ولهذا قال عليه السلام أكثر أهل ~~الجنة البله وعليون لذوي ms096 الألباب وأما إن كانت مكتسبة للهيئات البدنية ~~ملطخة بالمعاصي وكدورات الشهوات وليس عندها هيئة غير ذلك ولا معنى يضاده ~~وينافيه فيكون لا محالة شوقها الى مقتضاها فتتعذب عذابا شديدا لفقدان البدن ~~ومقتضيات البدن من غير أن يحصل المشتاق اليه لأن آلة الذكر والفكر قد بطلت ~~وخلق التعلق بالبدن قد بقي وإن اعتقدت اعتقادات باطلة وآراء فاسدة ومع ذلك ~~تعصب لتلك الاعتقادات وجحد الحق فذلك هو حليف ألم ورفيق عذاب أليم مقيم # فخلاصة هذا الفصل أن النفس بعد المفارقة إن كانت قد فارقت قبل أن اكتسبت ~~حقا أو باطلا فهو من أهل النجاة لا مستريح منعم ولا معذب كحال الصبيان ~~والمجانين وإن كانت معتقدة وهمية فاسدة مضادة للحق وأضاف اليها أعمالا على ~~خلاف الشرع فهو في عذاب مقيم وإن اعتقدت اعتقادا حقا لا عن براهين يقينية ~~وأضاف اليها أعمالا صالحة فهو من أهل الجنة وإن اعتقدت اعتقادات حقة ولكن ~~اشتغلت بزخارف الدنيا ولذاتها وشهواتها فهو معذب ملتفت الى ما خلفه غير ~~واصل اليه لأن آلة طلب الدنيا قد بطلت إلا أن هذا العذاب لا # PageV01P153 # يبقى بل يزول إذ أتى عليه مدة من الزمان وان كانت من العلوم في درجة ~~الكمال واعتقدت الحقائق على براهين يقينية ولكن تنتهج مناهج الشرع ولم تسلك ~~سبيل الخيرات ولم يعمل بعلمها فهو معذب مدة ولكن يزول ولا يبقى ويبلغ ~~بالآخرة درجة من السعادة بسبب العلم لأن هذه العوارض بمقتضى الشهوات وتلك ~~تزول وان حصل له العلوم اليقينية إما على سبيل الفكر ونزه أخلاقه وحسنها ~~وعمل بموجب الشرع فله الدرجة العليا في السعادة وله الوصول بلا انفصال وهو ~~النظر الى الجمال الحق والجلال المحض والكمال الصرف كما قال الله تعالى ~~{وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} فحق العاقل أن يسعى لطلب تلك السعادة ~~ويحترز عن مضادها وعوائقها والله ولي التيسير والتوفيق # والنفس الانسانية اذا تجردت عن البدن ولم يبق لها علاقة إلا بعالمها فانه ~~يجوز أن يكون فيها ما يكون بالعقل والرأي وسائر ما يعقل مما يليق ms097 بذلك ~~العالم الذي هو عالم الثبات والكون بالفعل وهو عالم اتصال النفس بالمبادىء ~~التي فيها هيئة الوجود كلها فتنتقش به فلا يكون هناك نقصان وانقطاع من ~~الفيض المتمم حتى تحتاج أن يفعل فعلا ينال به كمالا ويقول قولا ينال به ~~كمالا وذلك هو الفكر والذكر ونحوهما فانها تنتقش بنقش الوجود كله فلا يحتاج ~~إلى طلب نقش آخر فلا يتصرف في شيء مما كان في هذا العالم وفي تحصيلها على ~~هيئاتها الجزئية طالبة لها من حيث كانت جزئية والنفس الزكية تعرض عن هذا ~~العالم وهي متصلة بعد بالبدن ولا تحفظ ما يجري فيه عليها ولا تحب أن تذكر ~~فكيف الفائز بالتجرد المحض مع الاتصال بالحق والجمال المحض والعالم الأعلى ~~الذي في حيز السرمد وهو عالم ثبات ليس عالم التجدد الذي في مثله يتأتى أن ~~يقع الفكر والذكر وانما عالم التجدد عالم الحركة والزمان فالمعاني العقلية ~~الصرفة والمعاني التي تصير جزئية مادية كلها هناك بالفعل وكذلك حال نفوسنا # PageV01P154 # والحجة في ذلك أنه لا يجوز أن تقول إن صور المعقولات حصلت في الجواهر ~~التي في ذلك العالم على سبيل الانتقال من معقول فلا يكون هناك انتقال من ~~حال إلى حال حتى انه لا يقع أيضا للمعنى الكلي تقدم زماني على المعنى ~~الجزئي كما يقع ههنا فانك تحصل الكلي أولا ثم تأتي الحالة الزمانية فتفصل ~~بل العلم بالمجمل من حيث هو مجمل وبالمفصل من حيث هو مفصل مما لا يفصل ~~بينهما الزمان فاذا كان هذا هكذا في الجوهر الذي هوالخاتم فكذلك هو في ~~الجوهر الذي هو كالشمع فان نسبة الجوهر الذي هو كالشمع حين ترتفع العوائق ~~إلى الذي هو كالخاتم نسبة واحدة فلا يتقدم فيها انتقاش ولا يتأخر بل الكل ~~معا وهذا فصل في غاية التحقيق # PageV01P155 ### | حقيقة اللقاء والرؤية # اعلم أن المدركات تنقسم إلى ما يدخل في الخيال كالصور المتخيلة والأجسام ~~المتلونة والمتشكلة من أشخاص الحيوان والنبات وإلى ما لا يدخل كذات الله ~~سبحانه وكل ما ليس بجسم كالعلم والقدرة والارادة وغيرها ومن رأى ms098 إنسانا ثم ~~غمض بصره وجد صورته حاضرة في خياله كأنه ينظر اليها ولكن إذا فتح العين ~~وأبصر أدرك تفرقة بينهما ولا يرجع التفرقة إلى اختلاف بين الصورتين لأن ~~الصورة المرئية تكون موافقة للمتخيلة وإنما الافتراق بمزيد الوضوح والكشف ~~فان صورة المرئي صارت بالرؤية أتم انكشافا ووضوحا وهو كشخص يرى في وقت ~~الإسفار قبل انتشار ضوء النهار ثم يرى عند تمام الضوء فانه لاتفارق إحدى ~~الحالتين الأخرى إلا في مزيد الانكشاف فاذا الخيال أول الادراك والرؤية هو ~~استكمال ادراك الخيال وهو غاية الكشف لا لأنه في العين بل لو خلق الله ~~تعالى هذا الادارك الكامل المكشوف في الجبهة أو الصدر مثلا استحق أن يسمى ~~رؤية # واذا فهمت هذا في المتخيلات فاعلم أن المعلومات التي لا تتشكل في الخيال ~~أيضا لمعرفتها وإدراكها درجتان إحداهما أولى والثانية استكمال لها وبين ~~الثانية والأولى من التفاوت في مزيد الكشف والايضاح ما بين المتخيل والمرئي ~~فتسمى الثانية أيضا بالاضافة إلى الأولى مشاهدة ولقاء ورؤية وهذه التسمية ~~حق لأن الرؤية سميت رؤية لأنها غاية الكشف وكما أن سنة الله جارية بأن ~~تطبيق # PageV01P157 # الأجفان يمنع من تمام الكشف بالرؤية ويكون حجابا بين البصر والمرئي ولا ~~بد من ارتفاع الحجاب لحصول الرؤية وما لم يرتفع كان الادراك الحاصل مجرد ~~التخيل فكذلك مقتضى سنة الله تعالى أن النفس ما دامت محجوبة بعوارض البدن ~~ومقتضى الشهوات وما غلب عليها من الصفات البشرية فانها لا تنتهي إلى ~~المشاهدة واللقاء في المعلومات الخارجية عن الخيال بل هذه الحياة حجاب لها ~~مانع عنها بالضرورة كحجاب الأجفان عن رؤية الأبصار # ولذلك قال الله تعالى لموسى عليه السلام {لن تراني} وقال تعالى {لا تدركه ~~الأبصار} أي في الدنيا فاذا ارتفع الحجاب بالموت بقيت النفس ملوثة بكدورات ~~الدنيا غير منفكة عنها بالكلية وان كانت متفاوتة في ذلك التلوث فمنها ما ~~تراكم عليها الخبث والصدأ فصارت كالمرآة التي قد فسد بطول تراكم الخبث ~~جوهرها ولا تقبل الاصلاح والتصقيل وهؤلاء هم المحجوبون عن ربهم أبدالأباد ~~نعوذ بالله منه # ومنها ms099 ما لم ينته إلى حد الرين والطبع ولم يخرج عن قبول التزكية والتصقيل ~~فيعرض على النار عرضا يقلع منه الخبث الذي هو متدنس به ويكون عرضه على ~~النار بقدر الحاجة إلى التزكية وأقلها لحظة خفيفة وأقصاها في حق المؤمنين ~~كما ورد في الخبر سبعة آلاف سنة ولن يرتحل نفس من هذا العالم إلا ويصحبها ~~غبرة وكدورة ما وإن قلت # ولذلك قال تعالى {وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا} أللهم إلا ~~نفوسا قد انغمست في تأمل الجبروت وانخرطوا في سلك القدس مستديمين لشروق نور ~~الحق في أسرارهم على الدوام فهؤلاء مبدؤهم ومعادهم سواء فان من النفوس ~~الانسانية وعقولها ما هو نفس مفطورة على التجرد والتقدس # PageV01P158 # عن علائق المواد وغواشي هذا العالم من القوة والاستعداد منخرطا في سلك ~~العقول المفارقة متصلا بالعقل الأول مستمدا من الكلمة العليا مؤيدا من أمر ~~الله تعالى أرسل الى عالم الأجساد لا ليستكمل عنها وعن قواها الجسمانية ~~استكمال العقول الهيولانية لتخرج من القوة الى الفعل بل لتخرج العقول ~~بالقوة من القوة الى الفعل ويكمل النفوس الناطقة المنغمسة في أحوال هذا ~~العالم إلى غايات قدرت لها من الكمال فهؤلاء فطر مبدؤهم على طبيعة معادهم ~~فهم الملأ الأعلى وهم المبادىء الأولى يحق لهم أن يقولوا كنا أظلة عن يمين ~~العرش فسبحنا فسبحت الملائكة بتسبيحنا وحقا قال لهم {قل إن كان للرحمن ولد ~~فأنا أول العابدين} وصدقا قال عليه السلام كنت نبيا وآدم لمنجدل بين الماء ~~والطين ومن رأى التضاد والترتب في الموجودات والمفروغ والمستأنف في الأحكام ~~لم يبق عليه إشكال أما أكثر النفوس فمستيقنة للورود بقدر التلطخ بالأوزار ~~منها فاذا أكمل الله تعالى تطهيرها وتزكيتها وبلغ للكتاب أجله ووقع الفراغ ~~عن جملة ما وعد به الشرع من العرض والحساب وغيره ووافى استحقاق الجنة وذلك ~~وقت مبهم لم يطلع الله عليه أحدا من خلقه فإنه واقع بعد القيامة ووقت ~~القيامة مجهول فعند ذلك يستعد بصفائه ونقائه من الكدورات حيث لا يرهق وجهه ~~غبرة ولا قترة لأن يتجلى ms100 فيه الحق جل جلاله فيتجلى له تجليا يكون انكشاف ~~تجليه بالاضافة إلى ماعليه كانكشاف تجلي المرئيات بالاضافة إلى ما تخيله ~~وهذه المشاهدة والتجلي هي التي تسمى رؤية فاذا الرؤية حق بشرط أن لا تفهم ~~من الرؤية استكمال الخيال في متخيل متصور مخصوص بجهة ومكان فان ذلك مما ~~يتعالى عنه رب العالمين علوا كبيرا بل كما عرفته في الدنيا معرفة حقيقية ~~تامة من غير تصور وتخيل وتقدير شكل وصورة فتراه في الآخرة كذلك بل أقول ~~المعرفة الحاصلة في الدنيا بعينها هي التي تستكمل فتبلغ كمال الانكشاف # PageV01P159 # والوضوح وتنقلب مشاهدة فلا يكون بين المشاهدة في الآخرة والمعلوم في ~~الدنيا اختلاف إلا من حيث زيادة الكشف والوضوح فإذا لم يكن في المعرفة ~~إثبات صورة وجهة فلا يكون في استكمال المعرفة بعينها وترقيها في الوضوح إلى ~~غاية الكشف أيضا جهة وصورة لأنها هي بعينها إلا في زيادة الكشف كما أن ~~الصورة المرئية هي المتخيلة بعينها إلا في زيادة الكشف ولهذا لا يفوز بدرجة ~~النظر والرؤية إلا العارفون في الدنيا لأن المعرفة هي البذر الذي ينقلب في ~~الآخرة مشاهدة كما تنقلب النواة شجرة والبذور زرعا ومن لا نواة له فكيف ~~يحصل له نخل فكذلك من لا يعرف الله في الدنيا فكيف يراه في الآخرة # ولما كانت المعرفة على درجات متفاوتة كان التجلي أيضا على درجات متفاوتة ~~فاختلاف التجلي بالإضافة إلى اختلاف المعارف كاختلاف النبات بالاضافة إلى ~~اختلاف البذور إذ تختلف لا محالة بكثرتها وقلتها وحسنها وقوتها وضعفها ~~ولذلك قال عليه السلام إن الله تجلى للناس عامة ولأبي بكر خاصة لأنه فضل ~~الناس بسر وقر في صدره بلا جرم تفرد يالتجلي وكل من لم يعرف الله في الدنيا ~~لا يراه في الآخرة إذ ليس يستأنف لأحد في الآخرة ما لم يصحبه من الدنيا ولا ~~يحصد أحد إلا ما زرع ولا يحشر المرء إلا على ما مات عليه ولا يموت إلا على ~~ما عاش عليه فما صحبه من المعرفة هي التي يتنعم بها بعينها فقط إلا انها ms101 ~~تنقلب مشاهدة بكشف الغطاء عنها فتتضاعف اللذة كمل تتضاعف لذة العاشق إذ ~~استبدل بخيال صورة المعشوق رؤية صورته فان ذلك هو منتهى لذته فاذا نعيم ~~الجنة بقدر حب الله تعالى وحب الله تعالى بقدر المعرفة فأصل السعادات هي ~~المعرفة التي عبر الشرع عنها بالايمان # فإذا قلت فلذة الرؤية إن كان لها نسبة إلى لذة المعرفة فهي قليلة وإن ~~كانت أضعافها لأن لذة المعرفة في الدنيا قليلة ضعيفة فتضاعفها إلى حد قريب ~~لا ينتهي في القوة إلى إن يستحقر سائر لذات الجنة فيها # PageV01P160 # فاعلم أن هذا الاحتقار للذة المعرفة مصدره الخلو عن المعرفة فمن خلا عن ~~المعرفة كيف يدرك لذتها وان انطوى على معرفة ضعيفة وقلب مشحون بعلائق ~~الدنيا فكيف لذتها فللعارفين في معرفتهم وفكرتهم ولطائف مناجاتهم لله تعالى ~~لذات لو عرضت عليهم الجنة في الدنيا بدلا عنها لم يستبدلوا بها الجنة # ثم هذه اللذة مع كمالها لا نسبة لها أصلا إلى لذة اللقاء والمشاهدة كما ~~لا نسبة للذة خيال المعشوق إلى رؤيته واظهار عظم التفاوت بينهما لا يمكن ~~الا بضرب مثال فنقول # لذة النظر إلى وجه المعشوق في الدنيا تتفاوت بأسباب أحدها كمال جمال ~~المعشوق ونقصانه والثاني كمال قوة الحب والثالث كمال الادراك والرابع ~~اندفاع العوائق المشوشة والآلام الشاغلة للقلب فقدر عاشقا ضعيف العشق ينظر ~~إلى وجه معشوقه من وراء ستر رقيق على بعد بحيث يمنع انكشاف كنه صورته في ~~حالة اجتمع عليه عقارب وزنانير تؤذيه وتلدغه وتشغل قلبه فهو في هذه الحالة ~~لا يخلو عن لذة ما من مشاهدة جمال معشوقه فلو طرأت على الفجأة حالة انهتك ~~بها الستر واشرق به الضوء واندفع عنه المؤذيات وبقي سليما فارغا وهجم عليه ~~الشهوة القوية المفرطة والعشق المفرط حتى بلغ أقصى الغايات فانظر كيف ~~تتضاعف اللذة حتى لا يبقى للأولى إليه نسبة يعتد بها فكذلك فافهم نسبة لذة ~~النظر إلى لذة المعرفة فالستر الرقيق مثال للبدن والاشتغال به والعقارب ~~والزنابير مثال للشهوات المتسلطة على الانسان من الجوع والعطش والغضب والغم ~~والحزن وضعف ms102 الشهوة والحب مثال لقصور النفس في الدنيا ونقصانها عن الشوق ~~إلى الملأ الأعلى والتفاته إلى أسفل السافلين وهو مثل قصور الصبي عن ملاحظة ~~لذة الرئاسة والعكوف على اللعب بالعصفور فالعارف وإن قويت في الدنيا معرفته ~~فلا يخلو عن هذه الشهوات ولا يتصور أن يخلو عنها البتة نعم قد تضعف هذه ~~العوائق في بعض الأحوال ولا تدوم فلا # PageV01P161 # جرم يلوح من كمال المعرفة ما يبهت العقل ويعظم لذته بحيث يكاد القلب ~~ينفطر لعظمته ولكن يكون ذلك كالبرق الخاطف وقلما يدوم بل يعرض من الشواغل ~~والأفكار والخواطر ما يشوشه وينغصه وهذه ضرورة دائمة في هذه الحياة الفانية ~~ولا تزال هذه اللذة منغصة إلى الموت وانما الحياة الطيبة بعد الموت وإنما ~~العيش عيش الآخرة وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون # وكل من انتهى إلى هذه الرتبة فانه يحب لقاء الله فيحب الموت ولا يكرهه ~~إلا من حيث ينتظر زيادة استكمال في المعرفة فان بحر المعرفة لا ساحل له ~~والاحاطة بكنه جلال الله محال وكلما كثرت المعرفة بالله وبصفاته وبأفعاله ~~وبأسرار مملكته وقويت كثر الابتهاج باللقاء وعظم # اللهم لا تخرجنا من هذه الدار إلا عارفين مستكملين في المعرفة مستغرقين ~~في الوحدانية منقطعين عن علائق الدنيا وزخارفها برحمتك يا أرحم الراحمين # PageV01P162 ### | معرفة الباري جل جلاله # تنعطف فائدتها على ما سبق من معرفة النفس وقواها وبذلك نتدرج إلى معرفة ~~الحق جل جلاله ومعرفة صفاته وأفعاله لأن المبادىء انما تراد للنهايات ~~والنهايات انما تظهر للمبادىء فكل علم لا يؤدي إلى معرفة الباري جل جلاله ~~فهو عديم الجدوى والفائدة وقليل النفع والعائدة # فنقول إنا أثبتنا النفس على الجملة بمعرفة آثارها وأفعالها فالنفس ~~النباتية عرفناها بآثارها من التغذية والتنمية وتوليد المثل والنفس ~~الحيوانية بآثارها من الحس والحركة الاختيارية والنفس الانسانية بالتحريك ~~وإدراك الكليات وعلمنا أن هذه الأفعال تتعلق بمبدأ يسمى ذلك المبدأ نفسا ~~فيكون قوامها ووجودها وخاصيتها بذلك المبدأ الذي هو النفس فكذلك فاعلم أن ~~الموجود على قسمين إما أن يتعلق وجوده بغيره بحيث يلزم من عدم ms103 ذلك الغير ~~عدمه أو لا يتعلق فان تعلق سميناه ممكنا وإن لم يتعلق سميناه واجبا بذاته ~~فيلزم من هذا في واجب الوجود معرفة أمور # الأمر الأول أنه لا يكون عرضا لأنه يتعلق بالجسم ويلزم عدمه بعدم الجسم # الثاني لا يكون جسما لأن الجسم منقسم بالكمية إلى الأجزاء فتكون الجملة ~~متعلقة بالأجزاء فتكون معلولة وأيضا فان الجسم مركب من المادة والصورة وكل ~~واحد منهما متعلق بالآخر نوع تعلق # PageV01P163 # الثالث أنه لا يكون مثل الصورة لأنها متعلقة بالمادة ولا يكون مثل المادة ~~لأنها محل الصورة ولا توجد إلا معها # الرابع أنه لا يكون وجوده غير ماهيته لأن الماهية غير الآنية والوجود ~~الذي الآنية عبارة عنه عارض للماهية وكل عارض معلول لأنه لو كان موجودا ~~بذاته ما كان عارضا لغيره إذ ما كان عارضا لغيره فله تعلق بغيره وعلته إن ~~كان غير الماهية فلا يكون واجب الوجود الذي يتعلق به كل الموجودات وإن كان ~~علته الماهية فالماهية قبل الوجود لا تكون علة لأن السبب ما له وجود تام ~~فقبل الوجود لا يكون له وجود فثبت أن واجب الوجود آنيته ماهيته وإن وجوب ~~الوجود له كالماهية لغيره ومن هذا يظهر أن واجب الوجود لا يشبه غيره البتة ~~ولا يصل أحد إلى كنه معرفته # الخامس أنه لا يتعلق بغيره على وجه يتعلق ذلك الغير به على معنى أن يكون ~~كل واحد منهما علة للآخر فيتقابلان فإن هذا محال # السادس أنه لا يتعلق بغيره على وجه يتعلق ذلك الغير به على سبيل التضايف ~~لأنه يكون ممكن الوجود # السابع أنه لا يجوز أن يكون شيئان كل واحد منهما واجب الوجود كما لا يكون ~~للبدن الواحد إلا نفس واحدة فلا يكون للعالم إلا رب واحد هو مبدع الكل ~~ويتعلق به الكل تعلق الوجود والبقاء وأيضا فلو كان واجب الوجود اثنين فبم ~~يتميز أحدهما عن الآخر فإن كان بعارض فيكون كل منهما معلولا وإن كان بذاتي ~~فيكون مركبا ولا يكون واجب الوجود # الثامن إن كل ما سوى واجب الوجود ms104 ينبغي أن يكون صادرا من واجب الوجود كما ~~أن النفس كمال جسم طبيعي آلي فكذلك الرب موجد الكل وبه كمال الكل وبقاء ~~الكل وجمال الكل وقد ذكرنا أن واجب الوجود لا يكون # PageV01P164 # إلا واحدا فما عداه لا يكون واجبا بل ممكنا فيفتقر إلى واجب الوجود # فان قيل فما الدليل على أن في الوجود موجدا واجب الوجود يتعلق الكل به ~~ولا يتعلق وجوده بغيره فيكون منتهى الموجودات ومن عنده نيل الطلبات # قلنا لأن الموجود إما أن يكون واجب الوجود أو ممكن الوجود وممكن الوجود ~~لا بد وأن يتعلق بغيره وجودا ودواما والعالم بأسره ممكن الوجود فيتعلق ~~بواجب الوجود أما ما يبتنى على بيان أن النفس جوهر ليس له مقدار وكمية وقد ~~أثبتنا ذلك ببراهين فاعلم أولا أن النفس جوهر والباري ليس بجوهر لأن الجوهر ~~هو الموجود لا في موضوع أي إذا وجد يكون وجوده لا في موضوع وهذا يشعر ~~بالحدوث والجوهر عبارة عن حقيقة وجود وواجب الوجود حقيقته وجوده ووجوده ~~حقيقته فإذا عرفت هذا فاعلم أنا أثبتنا وجود النفس وأنه جوهر ببرهان خاصي ~~وبرهان تقريبي المقدمات والبرهان الخاصي أن النفس لا يعزب ذاته عن ذاته ~~وإذا كان في الوجود من مبدعاته ما يكون بهذه الصفة فما تقول في موجود ينال ~~به كل حق وجوده فإن كل حق من حيث حقيقته الذاتية التي بها هو حق متفق واحد ~~غير مشار اليه فكيف القيوم على الملكوت وإذا كانت النفس لا تعزب ذاته عن ~~ذاته مع أنه ليس بواحد صرف فالواحد الحق الذي لا يحوم حول وحدانيته التكثر ~~والتجزي والتثني أولى بأن لا يعزب ذاته عن ذاته فيكون عالما بنفسه وعالما ~~بجميع ما أبدعه واخترعه وأوجده وكونه لا تأخذه سنة ولا نوم وهذا هو معنى ~~الحي فإن الحي هو الواحد العالم بذاته وقد بينا أن النفس واحد ليس لها كمية ~~ومقدار فكذلك فاعلم أنه ليس للمبدع الحق سبحانه كمية ومقدار # ومن هذا يعرف أن جميع ما يهذي به المشبه من إثبات الجهات والفوقية ~~والصورة ms105 والمكان والانتقال كله باطل وليس الباري تعالى جوهرا يقبل الأضداد ~~فيتغير ولا عرضا فيسبق وجوده الجوهر ولا يوصف بكيف فيشابه # PageV01P165 # ويضاهى ولا بكم فيقدر ويجزأ ولا بمضاف فيوازى في وجوده ويحاذى ولا بأين ~~فيحاط به ويحوى ولا بمتى فينتقل من مدة إلى أخرى ولا بوضع فيختلف عليه ~~الهيئات ويكتنفه الحدود والنهايات ولا بجده فيشمله شامل ولا بانفعال فيغير ~~وجوده فاعل # وإذا ثبت أن واجب الوجود ليس في ذاته كثرة بوجه من الوجوه ولا بد من وصف ~~واجب الوجود بأوصاف فلا بد أن تثبت الأوصاف على وجه لا يؤدي إلى الكثرة ~~فننزهه عن أن يكون له جنس أو فصل فإن من لا إشتراك له مع غيره فلا فصل له ~~يفصله عن سواه ومن هذا يعلم أن جميع أسمائه تعالى حتى الوجود على سبيل ~~الإشتراك لا على سبيل التواطؤ ولا تثبت الصفات على وجه يكون عرضيا كاللون ~~القائم بالمحل وكعلمنا العارض على الذات لأن هذا يؤدي إلى تقدم وتأخر وتكثر ~~بل تثبت الصفات على وجه الإضافة إلى الأفعال أو على سبيل العلل والأسباب ~~والمواد عنه # فيتبين من هذا أنه حي لأنه عالم بذاته ونثبت أنه عالم لأنه مجرد عن ~~المادة ووجوده لذاته وما يكون واحدا بريئا عن المادة تكون ذاته حاصلا له ~~فيكون عالما بذاته لا يعزب عنه ذاته وعلمه بذاته ليس زائدا على ذاته حتى ~~يوجب فيه كثرة وذلك لأن الانسان إذا علم نفسه فمعلومه أهو غيره أو عينه فإن ~~كان غيره فإنه لم يعلم نفسه بل علم غيره وإن كان معلومه هو عينه فالعالم هو ~~نفسه والمعلوم هو نفسه فقد اتحد العالم والمعلوم فكذلك فافهم في الباري جل ~~جلاله وكما أن العالم هو المعلوم فكذلك العلم هو المعلوم كما أن الحس هو ~~المحسوس لأن المحسوس هو الذي انطبع في الحاس لا الخارج فكذلك العلم هو ~~المعلوم وإنما تختلف العبارات بالعلم والعالم والمعلوم وتبين منه أنه عالم ~~بجميع أنواع الموجودات وأجناسها فلا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا ~~في ms106 السماء ولا أصغر من # PageV01P166 # ذلك ولا أكبر لأنه يعلم ذاته فينبغي أن يعلمه على ما هو عليه لأن ذاته ~~مجرد لذاته وذاته مبدأ ومبدع لجميع الموجودات وهو فياض يفيض الوجود على ~~الكل فيعلم ما يوجده ويتبع ذاته وكثرة العلوم المتعددة لا تؤدي إلى كثرة في ~~ذاته لأن علمه لا يبتني على تقديم المقدمات وإجالة الفكر والنظر وذاته ~~فياضة للعلوم على الخلق لا أنه يكتسب من الخلق علما فعلمه سبب الوجود لا ~~الوجود سبب علمه وعنده مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هو وهو كما يعلم الأجناس ~~والأنواع يعلم الممكنات الحادثة وان كنا نحن لا نعلمها لأن الممكن ما دام ~~يعرف ممكنا يستحيل أن يعلم وقوعه أو لا وقوعه لأنه انما يعلم منه وصف ~~الامكان ومعناه أنه يمكن أن يكون ويمكن أن لا يكون ولكن كل ممكن بنفسه فهو ~~واجب بسببه فإن علم وجود سببه كان وجوده واجبا فلو اطلعنا على جميع أسباب ~~شيء واحد وعلمنا وجودها قطعنا بوجود ذلك الشيء # والأول الحق يعلم الحوادث وأسبابها لأن الكل يرتقي اليه في سلسلة الترقي ~~فلما كان عالما بترتيب الأسباب كان عالما بالكل اسبابها ونتائجها فنزه علمه ~~من الحس والخيال والتكثر والتغير ثم بعد ذلك فافهم علمه فاذا فهمت علمه ~~فاعلم أنه مريد وله إرادة وعناية ولكن إرادته وعنايته لا تزيد على ذاته ~~وبيانه أنه مريد لأن الفاعل إما أن يكون بالطبع وتعالى عنه أو بالارادة ~~والطبع هو الفعل الخالي عن العلم بالمفعول بل بدخل الافعال الطبيعية في ~~الوجود على سبيل التسخير والفاعل بالارادة هوالذي له العلم بمفعولاته فاذا ~~هو عالم بمفعولاته ومخلوقاته وهو راض به غير كاره فيجوز أن يعبر عن هذا ~~بالارادة # وعلى الجملة فتخصيص الأفعال وتميزها بعضها عن بعض دليل على وجود الارادة ~~وعنايته هو تصور نظام الكل وكيفية معلولاته على الوجه الأحسن الأبلغ في ~~النظام وليس له ميل وغرض يحمله على ما يريده فليس شيء أولى به ولا يفعل ~~ليخلص عن مذمة أو يطلب محمدة # PageV01P167 # وكذلك كما أنه عالم مريد ms107 فهو قادر لأن القادر عبارة عمن يفعل إن شاء ولا ~~يفعل إن لم يشأ والقادر قادر باعتبار أنه يفعل إن شاء لا باعتبار أنه لا بد ~~وأن يشأ فكل ما هو مريد له فهو كائن وما ليس مريدا له فغير كائن والأول ~~تعالى حكيم لأن الحكمة إما أن تكون عبارة عن العلم بحقائق الأشياء ولا أعلم ~~منه أوتكون عبارة عمن يفعل فعلا مرتبا محكما جامعا لكل ما يحتاج اليه من ~~كمال وزينة وفعله هكذا في غاية الاحكام والكمال ولجمال والزينة أعطى كل شيء ~~خلقه ثم هدى # وهو جواد لأن الجود إفادة الخير والانعام به من غير غرض فالأول تعالى ~~أفاض الجود على الموجودات كلها كما ينبغي وعلى ما ينبغي من غير ادخار ممكن ~~من ضرورة أو حاجة أو زينة وكل ذلك بلا غرض ولا فائدة فهو الجواد الحق ~~والوهاب المطلق واسم الجود على غيره مجاز والأول تعالى مبتهج بذاته على ~~معنى كمال العلم وكمال المعلوم أو كمال الجود والفضل على الموجود لأنه أشد ~~الأشياء إدراكا لأشد الأشياء كمالا الذي هو منزه عن طبيعة الامكان والمادة ~~والكمال في البراءة عن المادة ولوازمها والتقدس عن طبيعة الامكان ولواحقها ### | خاتمة واعتذار # اعلم أنا وان تدرجنا إلى معرفة ذاته وصفاته من معرفة النفس فذلك على سبيل ~~الاستدلال وإلا فالله تعالى منزه عن جميع صفات المخلوقات فلا يوصف جل أن ~~يوصف وجل أن يقال جل وعز أن يقال عز وأكبر أن يقال أكبر وإذا بلغ الكلام ~~إلى الله تعالى فامسكوا لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك وفوق ما ~~يصفه الواصفون فلك العلو الأعلى فوق كل عال # PageV01P168 # والجلال الأمجد فوق كل جلال ضلت فيك الصفات وتقدست دونك النعوت وحارت في ~~كبريائك لطائف الأوهام وهذه كلمات الأبرار المصطفين الأخيار # وهذا دليل على أنه لا يجوز أن يقال في حقه ما يجر نفعا أو يدفع ضرا أو ~~يجلب سرورا أو يوجب لذة وابتهاجا أو يحدث فرحا وضحكا أو يورث عشقا ومحبة ~~تعالى عن ذلك علوا ms108 كبيرا وما ورد من هذه الألفاظ في القرآن والأخبار فتفسر ~~بثمراتها ونهاياتها لا بعوارضها ومباديها # PageV01P169 ### | القول في معرفة ترتيب أفعال الله وتوجيه الاسباب الى المسببات # وهذا أيضا انما يعلم من ترتيب معرفة تأثير النفس في قواها وبدنها # اعلم أن مبدأ فعل الآدمي إرادة يظهر أثرها أولا في القلب فيسري منه أثر ~~بواسطة الروح الحيواني الذي هو بخار لطيف في تجويف القلب إلى الدماغ ثم ~~يسري منه أثر إلى الأعصاب الخارجة من الدماغ ومن الأعصاب إلى الأوتار ~~والرباطات المتعلقة بالعضل فينجذب به الأوتار فيتحرك به الاصبع فيتحرك ~~بالأصابع القلم وبالقلم المداد مثلا ويحدث منه صورة ما يريد كتابته على وجه ~~القرطاس على الوجه المتصور في خزانة التخيل فإنه ما لم يتصور في خياله صورة ~~المكتوب أولا لا يمكن إحداثه على البياض ثانيا # ومن استقرأ أفعال الله تعالى وكيفية إحداثه النبات والحيوان على الأرض ~~بواسطة تحريك السماوات والكواكب وذلك بطاعة الملائكة له بتحريك السماوات ~~علم أن تصرف الآدمي في عالمه أعني بدنه يشبه تصرف الخالق في العالم الأكبر ~~وهو مثله وانكشف له أن نسبة شكل القلب إلى تصرفه نسبة العرش ونسبة القلب ~~إلى الدماغ نسبة العرش إلى الكرسي وأن الحواس له كالملائكة الذين يطيعون ~~طبعا ولا يستطيعون لأمره خلافا والأعصاب # PageV01P171 # كالسماوات والقدرة في الأصبع كالطبيعة المسخرة المركوزة في الأجسام ~~والمواد كالعناصر التي هي أمهات المركبات في قبول الجمع والتفريق والتركيب ~~والتمزيج وخزانة التخيل كاللوح المحفوظ فمهما اطلع بالحقيقة على هذه ~~الموازنة عرف كيفية ترتيب أفعال الله تعالى في الملك والملكوت وذلك يحتاج ~~إلى تطويل وهذه إشارة إلى جملتها ### | أقسام أفعال الله سبحانه وتعالى # قد ذكرنا أن القوى تنقسم إلى محركة ومدركة والمدركة تنقسم إلى ظاهرة ~~كالحواس الخمس وباطنة كالمشاعر الباطنة كالتخيل والوهم وغير ذلك ثم ما يختص ~~بالانسان العقل وهو ينقسم إلى العقل النظري والعملي فكذلك فافهم ان جميع ~~أفعال الله تعالى تنقسم إلى عقول مجردة عن المواد مشاهدة لجلال الله تعالى ~~ولهم رموق الجلال الأعلى ولهم الوصول بلا انفصال وإلى نفوس ms109 محركة للسماوات ~~وإلى أجسام وكما أن الجسم الذي هو البدن يتأثر من القوى المركبة فيه ولا ~~يؤثر والعقل العملي يؤثر في القوى الحيوانية ويتأثر من العقل النظري والقوى ~~الحيوانية تتأثر من العقل العملي وتؤثر في الجسم وأعضاء البدن فكذلك فافهم ~~أن جميع أفعال الله تعالى تنقسم إلى هذه الأقسام متأثر لا يؤثر ومؤثر لا ~~يتأثر فالمتأثر الذي لا يؤثر هو أجسام العالم والمتأثر الذي يؤثر هي النفوس ~~فتتأثر من العقول وتؤثر في اجسام السماوات بالتحريك وبواسطة تحريك السماوات ~~في عالم العناصر والعقول تؤثر ولا تتاثر بل كمالاتها حاضرة معها ليس لها ~~استكمال وان كانت تلك الكمالات من ربها وخالقها ومبدعها تعالى وتقدس ~~فالطبيعة في عالم الأجسام مسخرة للنفس تفعل فعلا سواء علمت ما تفعل أو لم ~~تعلم كما أن النفس مدبرة للعقل تعلما سواء طلبت العلوم أو لم تطلب فانتهجت ~~الطبيعة بالتسخير منهاج ما فوقها بالتدبير وعبر التنزيل عن ذلك بقوله ~~{والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون والأرض فرشناها فنعم الماهدون ومن} # PageV01P172 # {كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون} فالمخلوقات كلها مفطورة على الازدواج ~~لطيفها وكثيفها معقولها ومحسوسها ففي المركبات ازدواج وفي البسائط ازدواج ~~وبين البسائط والمركبات ازدواج والنفوس بواسطة الأفلاك معطية والعناصر ~~قابلة وبين المعطي والقابل نتائج ومواليد من المعادن والنبات والحيوان ~~والإنسان وبين العقل والنفس ازدواج كما بين القلم واللوح ازدواج ومواليدهما ~~للروحانيات من العقول والنفوس ومن له الخلق والأمر متعال على الازدواج أداء ~~وقبولا سبحانه أن يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء فقدره تقديرا ~~تقسيم آخر # وهو أن القوى الحيوانية والإنسانية مع جسم البدن متفاوتة في الفضل ~~والكمال مترتبة في الشرف والتمام # فكذلك فاعلم أن الموجودات باعتبار الكمال والنقصان تنقسم إلى ما هو بحيث ~~لا يحتاج إلى أن يمده غيره ليكتسب منه وصفا بل كل ممكن فهو موجود له حاضر ~~معه ويسمى تاما وإلى ما لا يحضر معه كل ممكن له بل لا بد من أن يحصل له ما ~~ليس حاصلا له وهذا يسمى ناقصا ms110 قبل حصول التمام له ثم الناقص ينقسم إلى ما ~~لا يحتاج إلى أمر خارج عن ذاته حتى يحصل له ما ينبغي أن يحصل فهذا يسمى ~~مكتفيا وإلى مايحتاج ويسمى ناقصا مطلقا فالتام هو العقل والناقص هو الأجسام ~~والناقص من وجه كامل من وجه هو النفس كما أن البدن وكل ماتركب من العناصر ~~ناقص والكامل هو العقل والناقص الكامل هو القوى الروحانية من التخيل والوهم ~~وغير ذلك # PageV01P173 ### | نوع آخر من المعرفة # وكما أن حركة الجسم تدل على المحرك والمتحرك إذا لم يكن طبيعيا فيدل على ~~مدرك يحركه بالارادة والمدرك قد يكون ظاهرا وقد يكون باطنا وقد يكون عقليا ~~نظريا أو عمليا # فكذلك فاعلم أن وجود الأجسام مقعر فلك القمر قابلة للتركيب فإن الطين ~~مثلا مركب من الماء والتراب # فنقول هذا التركيب المشاهد يدل على وجود الحركة المستقيمة وتدل الحركة من ~~حيث مسافتها على ثبوت جهتين محدودتين مختلفتين بالطبع ويدل اختلاف الجهتين ~~على وجود جسم محيط كالسماء وتدل الحركة من حيث حدوثها على أن لها سببا ~~ولسببها سببا إلى غير نهاية ولا يمكن ذلك إلا بحركة السماء حركة دورية ~~والحركة الدورية لاتكون إلا ارادية والارادة الجزئية لا تكون إلا مستمدة من ~~إرادة كلية والإرادة الجزئية تكون للنفس والإرادة الكلية تكون للعقل # فقد ثبت بهذا وجود العناصر القابلة للتركيب ووجود السماوات المتحركة ~~المحركة للعناصر والسماوات المتحركة تدل على محركات هي نفوس سماوية والنفوس ~~مستمدة من العقول والكل مستند إلى الله تعالى إبداعا وانشاء واختراعا وخلقا ~~واحداثا وتكوينا وايجادا وإبداء واعادة وبعثا فله الملك كله والملك # PageV01P175 # كله هو الأول بلا أول كان قبله الآخر بلا آخر يكون بعده الذي قصرت عن ~~رؤيته أبصار الناظرين وعجزت عن نعته أوهام الواصفين ابتدع الخلق بقدرته ~~ابتداعا واخترعهم على مشيئته اختراعا # فأشرف المبدعات هو العقل أبدعه بالأمر من غير سبق مادة وزمان وما هو إلا ~~مسبوق بالأمر فقط ولا يقال في الأمر أنه مسبوق بالباري تعالى ولا مسبوق بل ~~التقدم والتأخر انما يعتوران على الموجودات التي هي تحت ms111 التضاد والباري ~~تعالى هو المقدم المؤخر لا المتقدم المتأخر وما دون العقل هو النفس وهو ~~مسبوق بالعقل والعقل متقدم عليه بالذات لا بالزمان والمكان والمادة فالسبق ~~بالذات انما ابتدأ من العقل فقط والسبق بالزمان إنما ابتدأ من النفس والسبق ~~بالمكان انما ابتدأ من الطبيعة فالطبيعة إذا سابقة على المكان والمكانيات ~~ولا يعتورها المكان بل يبتدي المكان من تحريكها أو حركتها في الجسم والنفس ~~سابقة على الزمان والزمانيات ولا يعتورها الزمان بل الزمان والدهر يبتدىء ~~منها أعني من شوقها إلى كمال العقل والعقل سابق على الذوات والذاتيات ولا ~~يعتوره الذات والجوهرية بل الجوهرية انما تبتدىء منه أعني هو مبدأ الجواهر ~~والسابق على الذوات والجواهر والدهر والزمان والمكان والجسم والمادة ~~والصورة ولا يوصف بشيء مما تحته إلا بالمجاز ومن له الخلق والأمر فله الملك ~~والملك وهو الأول والآخر حتى يعلم أنه ليس بزماني وهو الظاهر والباطن حتى ~~يعلم أنه ليس بمكاني جل جلاله وتقدست أسماؤه ونعني بالأمر القوة الالهية ~~والذي يقال من أن العقل صدر عنه بالابداع شيء ليس ادعاء بأنه المبدع كلا بل ~~نعني به تنزيه الحق الأول أن يفعل بالمباشرة فأما المبدع بالحقيقة فهو من ~~له الخلق والأمر تبارك اسمه # وكما أن النفس واحدة ولها قوى واشراقها على البدن والروح الحيواني يفعل ~~في كل موضع فعلا آخر لاختلاف القوى ففي موضع الابصار وفي موضع السمع وفي ~~موضع الشم وفي موضع الحس المشترك وفي موضع التخيل والتوهم وغير # PageV01P176 # ذلك فكذلك أمر الأول الحق جل جلاله بالنسبة إلى وجود العقل ابداع ~~وبالنسبة إلى وجوده في دوامه تكميل بالفعل بالنسبة إلى النفس تتميم وتوجيه ~~من القوة إلى الفعل وبالنسبة إلى الطبيعة تحريك وبالنسبة إلى الأجسام تصريف ~~وبالنسبة إلى الطبائع والعناصر تعديل وبالنسبة إلى المركبات تصوير وبالنسبة ~~إلى المصورات احياء وبالنسبة إلى الحيوان إحساس وهداية وبالنسبة إلى العقل ~~الانساني تكليف وتعريف وبالنسبة إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أمر ~~وكلام وكلمات وقول وكتاب ورسالات ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ~~وراء ms112 حجاب أو يرسل رسولا فيوحي باذنه ما يشاء إنه علي حكيم فالأمر الأعلى ~~بالنسبة إلى المكونات عبارة عن التكوين والابداع وبالنسبة إلى جزئيات ~~المكلفين عبارة عن القول الذي هو الأمر والنهي والوعد والوعيد والخبر ~~والاستخبار فظاهر الأمر التكويني أوضاع الملائكة وسوقها الموجودات إلى ~~كمالاتها وكمالات الموجودات قبولها الأمر وكمالات المكلفين قبولها للثواب ~~فمن لم يقبل الأمر اخرج من عالم الحق والاخراج من الحق لعن كحال الشيطان ~~الأول إذ لم يقبل الأمر فأخرج من جنة العقل وقيل اخرج منها فانك رجيم وذلك ~~معنى اللعن ومن قبل الأمر ادخل في عالم الثواب وتحققت فيه الملكية كحال ~~الملائكة المأمورين بالسجود إذ قبلوا فدخلوا في عالم الثواب # وكما تستغني القوى النباتية والحيوانية والانسانية عن إمداد النفس لحظة ~~واحدة بل لا بد من دوام الأشراق عليها وامداد تأثيرها حتى ينتظم العالم ~~الصغير فكذلك في العالم الكبير نقول في المبدا إن كل صاحب مرتبة وإن تولى ~~ما قيض له وأرصد لعمله فلن يستغني عما فوقه بالامداد له والافاضة عليه ~~والنظر اليه والتأييد له وكذلك في العود إن كل صاحب مرتبة وإن نقل عمله إلى ~~مافوقه فلن ينقطع عمله من معملته بالكلية ولو انقطع عمل الطبيعة لبطلت ~~القوى # PageV01P177 # النباتية وببطلانها بطلت القوى الحيوانية وكذلك لو انقطع عمل النفس لبطلت ~~القوى الحيوانية وببطلانها بطلت الانسانية وكذلك لو انقطع عمل العقل لبطلت ~~القوى الانسانية وببطلانها بطلت النبوة # فالطبيعة حافظة للنفس النباتية والنفس حافظة للنفوس الحيوانية والعقل ~~حافظ للنفس الناطقة الانسانية وأمر الباري تعالى حافظ للنفس القدسية ~~النبوية إن كل نفس عليها حافظ هذا على العموم {له معقبات من بين يديه ومن ~~خلفه يحفظونه من أمر الله} أي بأمر الله وهذا على الخصوص فالأول الحق كما ~~أبدع العقل الأول أكمله بالفعل وكما اخترع بواسطة النفس أتمها بالقوة ~~المتوجهة إلى كمال العقل وكما ابتدع بواسطتها الطبيعة أمدها بالتحرك وكما ~~أحدث الأجسام قدرها بالتصريف وكما ركب العناصر سواها بالاعتدال وكما عدل ~~الأمشاج والأمزجة أظهرها بالتصور وكما صورها أحياها بالنفوس وكما سخرها ~~بالنفوس ms113 دبرها بالعقول وكما دبر العقول ساقها إلى معادها بالتكليف والشرائع ~~فأمر ونهى وبشر وأنذر ووعد وأوعد على لسان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام # وبالجملة ليس خلقه العالم كمن بنى دارا وسرح فيها من عبيده خلقا كثيرا ~~فرتب لكل واحد منهم ما خلقه لأجله وقطع عنهم نظره وتدبيره وعلمه وقدرته ~~وإرادته فهم بخلقه يعملون للأمر وبحكمه يتصرفون فلا الدار محتاجة في بقائها ~~إلى ممسك إذ قد استغنى البناء عن الباني كما ظنه قوم ولا أهلها محتاجون إلى ~~مدبر ومقدر إذا استغنوا بفطرتهم على ما هم عليه عن تجديد أحد وبنيان بان ~~كما يخيله قوم بل كما كانوا محتاجين في وجودهم إلى خلقه تعالى كانوا ~~محتاجين في دوام وجودهم بذواتهم لم يكن دوام وجودهم بذواتهم فهو القيوم على ~~الملكوت جل جلاله # وكما استكمل الآدمي بدنا بالطبيعة حتى عاش في هذا العالم فيجب أن # PageV01P178 # يستكمل نفسا بالشريعة حتى يعيش في ذلك العالم فقيضت الملائكة مسخرين ~~للطبيعة فحصل كمال الأبدان وبعث الأنبياء عليهم السلام مدبرين للشريعة حتى ~~حصل كمال النفوس وكما أن الصفوة في المزاج انما حصلت بابتلاء الامشاج ~~واستخلاص المواد حتى صار مولودا سميعا بصيرا في هذا العالم كذلك الصفوة في ~~النفوس إنما حصلت بابتلاء التكاليف واستخلاص النفوس حتى صار سميعا بصيرا ~~كاملا في ذلك العالم ولولا تلك التصفية لم يكن ليبعث ملك إلى عالم الأرحام ~~ولولا هذه التصفية لم يكن ليبعث نبي إلى عالم الأحكام # وأعجب بروحانيين متوسطين في الخلق وجسمانيين متوسطين في الأمر والملائكة ~~يحشرون الخلق من التراب إلى تمام الخلقة الانسانية لهذا العالم والأنبياء ~~عليهم السلام يحشرون الخلق من الجهل إلى تمام الفطرة الملكية لذلك العالم ~~فالملائكة والأنبياء عليهم السلام في عالمي الخلق والأمر عمال الأمر الأعلى ~~وكل بأمره يعملون ومن خشيته مشفقون يسبحون الليل والنهار لا يفترون # فإن قال قائل ما ذكرتم في إثبات هذه المعارج والموازنات بين النفس وبين ~~الله تعالى وصفاته وأفعاله كلها تشير إلى إثبات مشابهة ومضاهاة بين العبد ~~وبين الله ومعلوم شرعا وعقلا إن الله ليس ms114 كمثله شيء وهو السميع البصير وأنه ~~لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء # فالجواب أن نقول قد أشرنا في إثبات هذه المعارف ما يوجب تقدس الباري عن ~~جميع صفات مبدعاته ومكوناته ومع هذا مهما عرفت معنى المماثلة المنفية عن ~~الله سبحانه وتعالى عرفت أنه لا مثال له ولا ينبغي أن نظن أن المشاركة في ~~كل وصف توجب المماثلة أفترى أن الضدين متماثلان وبينهما غاية البعد الذي لا ~~يتصور أن يكون بعد فوقه وهما يشتركان في أوصاف كثيرة إذ السواد يشارك ~~البياض في كونه عرضا وفي كونه لونا وفي كونه مدركا بالبصر وأمر آخر سواه ~~أفترى ان من قال إن الله موجود لا في محل وإنه # PageV01P179 # حي سميع بصير عالم مريد متكلم قادر فاعل والانسان أيضا كذلك قد شبه وأثبت ~~المثل هيهات ليس الأمر كذلك فلو كان كذلك لكان الخلق كلهم مشبهة إذ لا أقل ~~من إثبات المشاركة في الوجود وهو يوهم المشابهة بل المماثلة عبارة عن ~~المشاركة في النوع والماهية والفرس وإن كان بالغا في الكياسة لا يكون مثلا ~~للانسان لأنه مخالف له في النوع وانما يشابهه في الكياسة التي هي عارضة ~~خارجة عن النوع والماهية المقومة لذات الانسانية الخاصية الالهية هي ~~الموجود بذاته الذي يوجد عنه كل ما في الامكان وجوده على أحسن وجوه النظام ~~والكمال وهذه الخاصية لا يتصور فيها مشاركة البتة والمماثلة بها لا تحصل ~~فكون العبد رحيما صبورا شكورا لا يوجب المماثلة ككونه سميعا بصيرا عالما ~~قادرا حيا فاعلا # بل أقول الخاصية الألهية ليست إلا لله تعالى ولا يعرفها إلا الله تعالى ~~ولا يتصور أن يعرفها إلا هو ولذلك لم يعط أجل خلقه إلا أسماء حجبه بها فقال ~~{سبح اسم ربك الأعلى} فو الله ما عرف الله غير الله في الدنيا والآخرة يعني ~~على سبيل الاحاطة والكمال فهو الله المنزه عن الماهية الأحد المقدس عن ~~الكمية الصمد المتعالي عن الكيفية الذي لم يلد بل هو المبدع ولم يولد بل هو ~~قديم الوجود ولم يكن له كفوا أحد ms115 في ذاته وصفاته وأفعاله هذا ما أردنا أن ~~نذكره في هذا الكتاب وقد كشفت الغطاء عن وجوه الأسرار المخزونة ورفعت ~~الحجاب عن كنوز العلوم ودللت على الأسرار المخزونة وأبديت فيه العلوم ~~المكنونة المضنون بها تقربا إلى الأخوان الذين لهم قوة القريحة وصفاء الذهن ~~وزكاء النفس ونقاء الحدس وتيقنا بأن الزمان قد حلا من الوارثين لهذه ~~الأسرار تلقفا ومن المقتصرين على الاحاطة بها استنباطا وتاسيا من أن يكون ~~للراغب في تخليد العلم وإيراثه من بعده وجه حيلة الا تدوينه وإيداعه الكتب ~~مسطرا مرقوما دون الاعتماد على رغبة متعلم في تحققه على وجهه وحفظه وإيراثه ~~من بعده ودون الاعتماد على همم أهل العصر ومن يكون بعدهم مثلهم في البحث # PageV01P180 # والتفتيش وإزالة الاشكال وحل الاشكال والغوص في غوامض العلوم فمن أين ~~للغراب هوي العقاب ومن أين للضباب صوب السحاب ثم إني حرمت على جميع من ~~يقرؤه من الاخوان الذين لهم المناسبة العلوية والقريحة الصافية أن يبذله ~~لنفس شريرة أو معاندة أو يطلعها عليه أويضعه في غير موضعه # فمن منح الجهال علما أضاعه ... ومن منع المستوجبين فقد ظلم # فان وجد من يثق بنقاء سريرته واستقامة سيرته وبتوقفه عما يتسرع اليه ~~الوسواس وبنظره إلى الحق بعين الرضا والصدق فليؤته مجزئا مدرجا يستغرس مما ~~يسلفه لما يستقبله وعاهده بالله وبأيمان لا مخارج لها أن يجري فيما يؤتيه ~~مجراك متأسيا بك فان أذاع هذا العلم وأضاعه فالله بيني وبينه وكفى بالله ~~حسيبا # وحسبنا الله ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير # PageV01P181 # تنبيه # وجد في آخر النسخة التي طبعنا عليها هذا الكتاب هذه العبارة # قد استراح من كمد الانتهاض إلى نقل هذا الكتاب من السواد إلى البياض أحمد ~~بن شعبان بن يحيى الأندلسي المعروف بابن عبد العزيز الأمير وذلك بتاريخ يوم ~~الأربعاء الخامس عشر من شهر رجب الأصم سنة 1066 ه # على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم # وان تجد عيبا فسد الخللا ... جل من لا عيب فيه وعلا # PageV01P183 # القصيدة الهائية # ما بال نفسي تطيل شكواها ... إلى الورى وهي ترتجي ms116 الله # يفسد إخلاصها شكايتها ... ذاك الذي راعها وأرداها # لو أنها من مليكها اقتربت ... واخلصت ودها لأدناها # لكنها آثرت بريته ... عليه جهلا به فأقصاها # أفقرها للورى ولو لجأت ... اليه من دونهم لأغناها # تشكو إلى خلقه كأنهم ... قد ملكوا نفعها وضراها # لو فوضت أمرها لخالقها ... وصححت صدقها وتكلاها # عوضها من همومها فرجا ... ولم يدعها بطول غماها # تسخطه في رضا بريته ... تبا لها ما أجل بلواها # لو أنها للعباد مسخطة ... مرضية ربها لأرضاها # لدي نفس أحب أنعتها ... لتعرفوا نعتها وأسماها # فاسمع صفاتي لها لعلك أن ... تفهم ذا اللب سر معناها # تسعى إلى اللهو وهو غايتها ... يا ويلها ما أضر مسعاها # أزجرها وهي لي مخالفة ... كأنني لست من أوداها # PageV01P185 # تنظر في عيب غيرها سفها ... وكم عيوب لها فتنساها # قد ظلمتني بسوء عشرتها ... ولم تدع لي تقوى ولا جاها # كثيرة اللغو في مجالسها ... قليلة الذكر في مصلاها # قليلة الشكر عند نعمتها ... ضعيفة الصبر عند بلواها # بطيئة السعي في مصالحها ... سريعة الجري في بلاياها # كثيرة المطل في مواعدها ... كذوبة في جميع دعواها # بصيرة بالهوى وفتنته ... عمية عن أمور أخراها # نشيطة عند وقت لذتها ... كاسلة عند وقت ذكراها # نؤومة العين عن عبادة من ... أتقن تصويرها فسواها # كثيرة الأمن عند صحتها ... عظيمة الخوف عند ضراها # حليفة الكبر والرياء فقد ... أفسدها كبرها وأطغاها # عظيمة المدح والثناء لمن ... يرفع مقدارها ومثواها # مطيلة الذم بالقبيح لمن ... عرفها قدرها وطغياها # تفرح في أكلها ومشربها ... وجها للمنام أغراها # ذاكرة للورى مساويهم ... ناسية ما جناه كفراها # كم بين نفسي وبين نفس فتى ... طهرها بالتقى ونقاها # علمها رشدها وبصرها ... ثم بقوت الحلال غداها # أقامها في الدجى على قدم ... فانهملت بالدموع عيناها # إذا اشتهت شهوة يعودها ... بخوف معبودها فسلاها # وراضها بالصيام فانقمعت ... بالرغم عن غيها ومغراها # ذاكرة للاله شاكرة ... مخلصة سرها ونجواها # لله نفس امرء موفقة ... آوت إلى ربها فآواها # شرفها ربها وكرمها ... ومن مياه اليقين أرواها # PageV01P186 # سمت اليه بحسن فكرتها ... ثم صافي ودادها فصفاها # تلك التي إن دعت لحاجتها ... أجابها مسرعا ولباها # إن بليت بالخطوب ms117 صبرها ... أو سألت ما يريد أعطاها # ليست كنفس لدي عاصية ... آمرها جاهدا وأنهاها # وهي لأمر الاله عاصية ... ويلي لما قد جنت وويلاها # كيف إلى ربها تنوب وقد ... ذلت لشيطانها فأغراها # فكلما قلت نفس ازدجرى ... وراقبى في أمورك الله # صمت عن الحق وهي سامعة ... كأنني ما أريد إياها # لو علمت بعض ماله خلقت ... أحزنها علمها وأبكاها # لو تعرف الله حق معرفة ... لصححت برها وتقواها # لكنها جهلها بخالقها ... أغفلها رشدها وألهاها # يا ويح نفسي والويح حق لها ... إن صدها ربها وأرداها # تغرها لذة الحياة وما ... تدري إلى ما يكون عقباها # قد ضقت ذرعا بها واحبسها ... لم أك أعصى الاله لولاها # إن أنا حاولت طاعة فترت ... وأظهرت وحشة واكراها # صرت مع النفس في محاربة ... تأمرني بالهوى وأنهاها # نحن كقرنين في معاركة ... أدرع الصبر عند لقياها # وهي بجند الهوى مبارزتي ... وأي صبر يطيق هيجاها # إن جبنت بالقتال شجعها ... أو ضعفت في اللقاء قواها # أصرعها تارة وتصرعني ... لكن لها السبق حين ألقاها # أحبها وهي لي معادية ... كأنني لست من أحباها # عدوة لا أطيق أبغضها ... يا ليتني استطيع أنساها # PageV01P187 # سابحة في بحار فتنتها ... جاثية في سدول ظلماها # أحسبها إن أبت موافقتي ... خاسرة دينها ودنياها # يا رب عجل لها بتوبتها ... واغسل بماء التقى خطاياها # إن تك يا سيدي معذبها ... من ذا الذي يرتجي لرحماها # فالطف بها واغتفر خطيئتها ... إنك خلاقها ومولاها # PageV01P188 # القصيدة التائية # بنور تجلى وجهه قدسك دهشتي ... وفيك على أن لا خفا بك حيرتي # فيا أقرب الأشياء من كل نظرة ... لأبعد شيء أنت عن كل رؤية # ظهرت فلما أن بهرت تجليا ... بطنت بطونا كاد يقضي بردتي # فأوقعت بين العقل والحس عندما ... خفيت خلافا لا يزول بصلحة # إذا ما ادعى عقل وجودك منكرا ... على الحس ما ينفيه قال له اثبت # وذلك أن الحس ينفيك صورة ... يراها ويرضى العقل فيك بحجة # فمن هاهنا منشأ الخلاف ويصعب ... الوفاق بخلف في اقتضاء الجبلة # فان قلت لم ابصرك في كل صورة ... أراها أحالت ذاك عين بصيرتي # وان قلت إني مبصر لك ms118 انكرت ... مقالي ولم تشهد بذلك مقلتي # تجليت مني في حتى ظهرت لي ... خفيت خفاء دق عن كل فكرة # على أنه لم يبق لي جبل رأى ... تجليك لي إلا ودك بصعقة # وناجيتني في السر مني فأصبحت ... وقد طويت عما سواك طويتي # فما في فضل عنك يخطر فيه لي ... سواك فوقتي فيك غير موقت # وديعة روح القدس نفسك ردها ... فمن واجبات العقل رد الوديعة # وما ردها إلا بتكميلها بما ... يليق بها من كسب كل فضيلة # فمهما تجلت من كدورات عالم الطبيعة شفت جوهرا وتجلت # نصحتك جهدي ان قبلت فلا تكن ... على حكم غش حاملا لنصيحة # PageV01P189 # وغاية مقدوري فقلت وانما ... قبولك مما ليس في وسع قدرتي # وهل ممكن اسعاد من كان قد جرى ... له قلم في اللوح يوما بشقوة # يظن الفتى لذات دنياه نعمة ... وما هي إلا نقمة في الحقيقة # ويبلغ منه الجهل ما ليس يبلغ ال ... عدو بحد السيف عند الحظيظة # ونفسك فاحفظها وصنها فانما ... سعادتها في فعل كل مشقة # وخالف هواها ما استطعت فانه عدو لها يبغي لها كل نكبة # لعمري لقد انذرت انذار مشفق ... وجاوزت في الايضاح حد الوصية # فقم واسع وانهض واجتهد وابغ مطلقا ... بداك على ما فيك شر صنيعة # فانك من نور مضيء وظلمة ... بما فيك من جسم ونفس نفيسة # تسوس الحياة الجسم وهي مسوسة ... بما فيك من أسرار علم مصونة # فشيطان رجم أنت أو ملك بما ... تعانيه من فعل قبيح وعفة # ألا ان لي بالنفس مني شاغلا ... به تم لي ما دمت من ملكية # جلت شبهة الأعراض عني بديهة ... توقد كالمصباح في جوهريتي # رأيت بها النور الالهي لائحا ... وراء ستور للأمور دقيقة # فحققت ما قد كنت فيه مشككا ... وعاينت ما قد كان في سر خفية # وأدركت ما المقصود من بدأتي وما ال ... مراد باحيائي وموتي ورجعتي # بمرآة نفس لاح لي في صقالها ال ... مقابل للكونين كل حقيقة # ولم يبق عندي ريبة في الذي استرا ... ب منه اناس في أمور كثيرة # فألقت عصاها النفس مني وأيقنت ... بأن سفرت ms119 عن وجه نجعي سفرتي # يدل على ما قلته حالة الكرى ... إذا ركد الاحساس منك برقدة # وقابل لوح الغيب للنفس مثلما ... تقابل مرآة باخرى صقيلة # فيطبع ما في اللوح في النفس فهي من ... هناك بعلم الغيب نسخة نسختي # PageV01P190 # ولو أمكن التجريد في كل يقظة ... لشاهدت لا في النوم كل عجيبة # وما هو عند الله مثل لآدم ... ولا ذنب ذا من ذنب ذاك بنسبة # ويطمع جهلا أن سيدخل جنة ... ويغبط فيها نفسه كل غبطة # خلافا لما يعطي القياس ولم يقم ... له العقل لولا النقل برهان حجة # أيخرج منها آدما إثم زلة ... ويدخل هذا فعله كل زلة # وكيف ترى يقضي الكريم بهفوة ... ويدني اللئيم النذل مع كل ورطة # ولولا حديث في الشفاعة قد أتى ... وتأويل آيات لايناس وحشة # لما طمعت نفس تفوز بجنة ... إذا لم تكن من كل اثم تبرت # ومع ذا اختلاف الناس في ذاك ظاهر ... تقام عليه واضحات الأدلة # وإذ كان قد صح الخلاف فواجب ... على كل ذي عقل لزوم التقية # وترك الأماني الخوادع بعد أن ... رأى بأبيه آدم كل عبرة # ولو كان لا يجزي مسيء بفعله ... ولا محسن ضاعت أمور البرية # وما كان في الأحياء والموت حكمة ... وكان محالا حكم كل شريعة # ومستبعد إحياؤنا ومماتنا ... سدى لا لمعنى فيه سر مشية # أيحسن أن تبنى قصور مشيدة ... بأحسن أوضاع وأجمل بنية # وتهدم عدما لا لمعنى وانه ... ليقبح هذا في العقول السليمة # وذلك شيء فعله عبث وما ... يدبر هذا الكون بالعبثية # فلم يبق إلا أن يدبر أمره ... حليم محيط العلم عدل الحكومة # فما شقيت نفس أطاعته رهبة ... وماسعدت نفس عصته لرغبة # ولكن بنور العلم تسلم هذه ... وتعطب جهلا تيك أقبح عطبة # فيا عجبا ممن يروم لنفسه ... خلاصا ولم يرغب بها عن جريرة # ومن تائب من ذلة لا ترى له ... دموع كأفواه الغمام المكبة # ومن مخبر لا يعجز الله قدره ... عليه ولا يخشى بوادر نقمة # ومن أشرقت أنوار مرآة عقله ... على ظلمات الطبع منه تجلت # PageV01P191 # وثبت غرس العقل في القلب مثمرا ... لباغي الحيا ms120 استقباح كل رذيلة # وما وصلت نفس إلى عالم الصفا ... بما دون تحصيل العلوم الجلية # وتمييزها عن نوعها بمعارف ... يروجها في عالم البشرية # وقد يملأ القطر الاناء فيمتلي ... به الماء حتى لا مزيد لقطرة # فاخرجتني عني بادخال محنة ... واوحشتني مني بأنس محبة # وأسقيتني من خمر حبك شربة ... خماري بها باق إلى يوم بعثتي # محاني بها سكري وأثبتني معا ... فأعجب شيء أن ما حي مثبتي # وأقر بتني من رمز طرسي أسطرا ... فتمت بها تفصيل عقدك جملتي # وأقررتني مني علي بأنني ... صحيفة سر طيها فيه نشرتي # وأفشيت بي سري إلي فأصبحت ... وقد أعربت إذ أفصحت عنه عجمتي # وأفهمتني مني بأن ليس موطني ... مكانا به في عالم الحس نشأتي # فأبهمت ما أفهمت إذ ليس مدرك ... لذلك إلا من خصصت بحكمة # ومن ذا الذي خصصت منك بحكمة ... ولم تك قد عممت منك برحمة # فكم اظهرت تلك الاشارات خافيا ... وان عزبت عن فهم قوم ودقت # وما لاح ذاك البرق الا ليهتدي ... به الركب لكن ظلمة الجهل أعمت # لقد سمع الواعي وقل الذي وعي ... لسكر به أهوى أصمت فأصمت # وكم لك داع منك فيك مبصر ... لعقلك لكن لست تصغي لدعوة # PageV01P192 # وكل مريض الجسم يمكن برؤه ... ويعجز أن يشفى مريض البديهة # ويستبعد الجهال كونا بموطن ... إذا كان لا في جنب منبت شعبة # ولو علموا ما عالم العقل منهم ... وأنهم بالحس في دار غربة # إذا ولد المولود سروا بفرحة ... ومن حقه أن يبدلوها بترحة # ويبكونه عند الممات جهالة ... ومن حقه إظهار كل مسرة # ولم يعلموا أن الولادة غربة ... أبيحت له عن خير دار وأسرة # وموتته عود له نحو أهله ... وأوطانه الأصلية المستلذة # وأعجب من هذا مقال جميعهم ... ترى عابدي الأوثان أجهل أمة # وما عظم الأوثان من كان قبلهم ... كتعظيم أجسام لهم مضمحلة # فكل غدا معبوده الجسم فاستووا ... ولكنهم لم يستووا عند نية # فقد وقعوا مع علمهم في ضلالة ... إذا اعتبرت أربت على كل ضلة # فياليت شعري كيف صمت عقولهم ... وداعيك فيهم مسمع كل فطنة # وكل فعال لم أكن متقربا ms121 ... إلي به أعظمت فيه خطيتي # فقربي به بعد وربحي خسارة ... وعزي به ذل ونفعي مضرتي # لأني فيه قمت غير موجه ... لدى فعله وجهي إلى وجه وجهتي # فدنت بأمر حرمته شريعتي ... واحييت حكما قد أماتته سنتي # فكانت بتركي في مناهيه غفلتي ... نهاية تأديبي وفرط عقوبتي # تشتت عقلي فيك بعد تجمع ... كما اجتمعت بلواي بعد تشتت # هوى فيك لي لا منتهى لامتداده ... لدي ولا منه خلاص بسلوة # ازيد بلى إذ يستجد ولم يكن ... بتجديد صبري فيه أبلى بليتي # يعيد ويبدي أولا منه آخر ... فقد شف جسمي سر عود وبدأة # ألا لا تلمني إن شطحت فانه ... قليل لسكر حل بي منك شطحتي # PageV01P193 # ولا تنهني إن تهت سكرا معربدا ... فأنت الذي استحسنت فيك هتيكتي # ولا تلح إن غنيت فيك تطربا ... فلو وجدت وجدي الجبال لغنت # ومن عجب حمل الجبال هوى به ... طلعت وعن حملي قديما تأبت # فمن قيس ليلى العامرية في الهوى ... ومن قيس لبنى أو كثير عزة # إذا تليت آيات ذكري فقابل ال ... مجنون ذكري بالسجود لحرمتي # وأوجب كل منهم الوقف عندها ... وسلم أن لا قصة مثل قصتي # فمن فضل كاسي شرب غيري ولم يكن ... يقاس بسكري سكر شارب فضلتي # يبلبل بالي لا لنوح حمامة ... وينهل دمعي لا لإيماض برقة # ولو كنت محتاجا للتنمم باعث ... يحرك أشجاني لبانت نقيصتي # ولكنني مني وفي نواعش ... تحركني في كل سر وجهرة # فلا رقدة تغدو علي بفترة ... ولا يقظة تغدو علي بغفلة # فمن يشك يوما في هواه فانني ... لي الشكر أولى في الهوى من شكيتي # تسترت جهدي في هواك وطاقتي ... فلما منعت الصبر أبديت صفحتي # فاعلنت ما أسررت فيك فلم يكن ... بقول ولا فعل سواك فضيحتي # فما لاشتياقي في افتضاحي مدخل ... ولا لدموع فيك لي مستهلة # وقد كان لي في الصبر ستر على الهوى ... بهتكك ستر الصبر أظهرت عورتي # فلا مذهب في الحب يشبه مذهبي ... ولا ملة فيه تقاس بملتي # يكل لساني عن صفاتي وانما ... يعبر عني أنني ذات وحدة # فكل نعيم دون وصلي شقوة ... وكل ملذ ms122 مؤلم عند لذتي # وكل سبيل ليس يفضي سلوكه ... إلي فقد أفضى إلى كل خيبة # ولولا هوى لي فيك يحملني على ... حنوي لم أعهد اليك بلفظة # وكنت إذا زلت بك النعل هاويا ... أقول ألا فاذهب إلى حيث ألقت # PageV01P194 # ولكن ما ينجيك ينجي هويتي ... كما أن ما يؤذيك نفس أذيتي # وهل أنا إلا أنت ذاتا ووحدة ... وهل أنت إلا نفس عين هويتي # ولولا اعتبار الجسم بالنسبة التي ... اليه له ما صح عني سيرتي # ولست بذي شكل فيوجب كثرة ... لذاتي ولا جزءا فتمكن قسمتي # ويوقع ما بيني وبينك نسبة ... يظن بها غيري لموضع شبهة # واني لم اهبط إلى الأرض يبتغي ... بذلك وضعي بل هبوطي ورفعتي # وتقرير هذا ان دعيت خليفة ... وما كنت ادعى قبل ذا بخليفة # وصير ملكي عالم الجسم محنة ... لغاية تدبيري ومبلغ حكمتي # فان أنا أحسنت الولاية احسنت ... إلى العالم العلوي عودي وعزلتي # وعاينت مالا عاينت مقلة ولا ... أحاطت به أذن وعت حس سمعة # وآثرت لذاتي ونيل مآربي ... واتبعت نفسي كل شيء أحبت # سددت على نفسي سبيل تخلصي ... إلى الملأ الأعلى الذي هو نزهتي # وأوقعتها في أسر من لا يرى لها ... مكانا ولا يحنو عليها بعطفه # فلا ندم يجزي ولا حسرة يرى ... بها فرج يرجى لكشف لشدة # فياويح نفس آثرت طيب زائل ... على طيب باق لا يحد بمدة # يموت الفتى بالجهل من قبل موته ... ويحيى بروح العلم من بعد ميتة # فما مات حي العلم يوما ولم يكن ... بحي ممات الجهل مقدار لحظة # وأنظر أحوال الرجال وقوفهم ... على برزخ ما بين نار وجنة # فاما إلى آلام نفس خبيئة ... وإما إلى لذات نفس نفيسة # فآلام تلك الترك في دار غربة ... ولذات هذا العود من بعد غربة # وهل حسرة في النفس أعظم غصة ... من البعد عن أهل ودار وجيرة # كما أنه لا شيء أعظم لذة ... لذي غربة من ملتقى بعد فرقة # كأني لم أحجب بها وكأنما ... هي احتجبت بي فازدهى الناس عشقتي # وغودرت لا يثني على حسن فعلي ال ... جميل ولا يلوي على حسن ms123 طلعتي # PageV01P195 # ولو قايسوا بالحسن بيني وبينها ... لكانت لديهم لاتسام بحبه # وشق القلوب الجاهلات التي بها ... محبتها قالت بهم عن محبتي # وما ذاك شيء يسقط العذر لامرىء ... أطاع الهوى وانقاد عبدا لشهوة # وهل نافع شق الفؤاد ندامة ... لذي قدم زلت ولم تتثبت # فكيف يليق الوصل مني لمؤثر ... على طيب وصل وصل من هي عبدتي # اذا رضيت عنه يهون عليه في ... رضاها وأدنى ذاك تسهيل غصة # على انها اعدا عداه ترتبت ... له حيلة منها لإمكان فرصة # فهام بها عشقا وآثر وصلها ... فزل فنادته إلى الف لعنة # ولولا الشقا والجهل ما آثر العدى ... رضاها وجانب طيب وصل الأحبة # وهل أمني بالفضل مثلي وانما ... بمثل طباع السوء نحو الدنية # وتأبى الطباع الفاضلات ارتكابها ... الأمور التي تفضي إلى حط رتبة # فكم حسرات في نفوس يثيرها ... بعادي إذا ما العيس للبين ذمت # وكم عبرة تجري علي تأسفا ... وقد فات مالا يسترد بعبرة # وكم قارع سنا علي ندامة ... وآخر مكوي بنيران حسرة # وكم أنة تغدو علي ورنة ... بروح إذا ما استشعر القوم فرقتي # وهل هاجري وجدا بغيري بالغ ... رضاي لصب طالب دار هجرة # لشتان ما بين المقامين انما ... المبرز من لا همه غير عشرتي # ألم تر أني منتهى قصد مبدعي ... ولم تبدع الأشياء الا لخدمتي # وان لإكرامي وتعظيم حرمتي ... أشار إلى الأملاك نحوي بسجدة # وصير ما في عالم الكون كله ... بحكم إرادتي وطوع مشيتي # فإن كنت في وصل دعيت فلا تمل ... إلى وصل غيري واغتنم وصل صحبتي # وخذ جانبا من رفقة بك وكلوا ... ببعدك عن وصلي واثبات جفوتي # PageV01P196 # فعند ارتفاع الحجب ما بيننا ترى ... محاسن وجه الغانيات وبهجتي # ولا عجنت الا بحبك طينتي ... ولا لهجت إلا بذكرك لهجتي # وردت ورود الهيم فيك من الهوى ... شريعة حب هيجت لي غلتي # ولا عجب ان هيجت لي غلة ... فما تلك عندي منك أول محنة # إذا كان بي أمر أرى فيه لي أذى ... رضاك فما أحلاه في قلب ذلتي # لذلك ما أرضاك مني فعلته ... ولو غضبت منه كرام عشيرتي # وما بعت ms124 فيك النفس إلا لعل إن ... أفوز بوصل منك تربح صفقتي # فان أنت أمضيت التبايع بيننا ... فبعت وان لم تمض أكسدت سلعتي # وما قدر نفس لي لديك حقيرة ... فأجعلها مهرا لأشرف وصلة # ولكن مقل بادل فيك جهده ... أحق بوصل من أخي كل ثروة # توحشت من أبناء نوعي ولم يكن ... لشيء سوى أنسي بقربك وحشتي # تغربت عن أهلي اليك وإنني ... ليعذب لي في طيب أنسك غربتي # فكم خلوة قد فزت فيها بجلوة ... خرجت بها عني اليك بفرحة # وطلقت فيها عالم الحس بتة ... لتعلم أني لا أقول برجعة # وفارقت أوطاني وأهلي وجيرتي ... لتعلم أني باذل فيك مهجتي # ولولا دخولي في رضاك بكل ما اس ... تطعت لعزت فيك عني خرجتي # وكان بودي لوقبلت تقربي ... اليك ولكن لست أهلا لقربة # وهل انا إلا نطفة من سلالة ... لطين وما مقدار قيمة نطفة # لعمري لقد حاولت أمرا مرامه ... عزيز ولكن انت أهل العطية # وليس اعترافي باتضاعي بمانعي ... سؤالك أمرا دونه قدر قيمتي # وليس على قدري سؤال فانني ... أرى أن قدري دون مقدار ذرة # ولكن على مقدار احسانك الذي ... عممت به تخصيص كوني بخلقتي # ولا أنا ممن يخجل الطرد وجهه ... فيأنف من عود مخافة طردة # على كل حال ليس لي عنك مذهب ... فيصرفني عن جعل بابك قبلتي # PageV01P197 # فما شئت فاصنع وارض عني فانني ... أرى كل صنع منك اسباغ نعمة # كفاني اعترافي باقترافي توبة ... وحسبي رضا عني قبولك توبتي # وهل أنا إلا دوحة قد غرستها ... فإن لم يصبها وابل منك جفت # إذا حصلت لي كيف ما كان نسبة ... اليك فلا أخشى ضياعا لنسبتي # فياحيرتي كم حيرة فيك لي غدت ... مخصصة بي ما به منك عمت # وكم نعمة اسبغت من سر حكمة ... أنرت بها من ناطق كل ظلمتي # وأحييت مني ما أماتت جهالتي ... حياة محال أن تحال بموتتي # ومن حييت من موتة الجهل نفسه ... بعلم نجت من قطع كل منية # وكم موجة من بحر علم أثرتها ... لدي بريح منك أجرت سفينتي # فمرت تشق الكون حين مهبها ... ملححة حتى أفادت معيتي ms125 # وأدركت معنى آخرا دق فهمه ... أريد بوضع الصورة الالفية # ومن لم يحط علما بمعنى وصورة ... له فبصير العين أعمى البصيرة # فزرع ولكن لم يفد حصد حبه ... ومخض ولكن لم يفد مخض زبدة # إذا جهل الإنسان تحقيق أمره ... فكيف بتحقيق الأمور الغريبة # فيا عجبا للمرء يجهل نفسه ... ويطمع في فهم المعاني البعيدة # وما ناهض بالنفس يزداد رتبة ... من العلم تسميها كوان مفوت # وما موقظ من رقدة الجهل عقله ... لتحصيله تكميلها مثل ميت # إذا كملت نفس الفتى بصفاته ال ... جميلة من قول وفعل ترقت # وأصبح يدعى عالم العقل عالما ... لها وتخطت نفسه كل خطة # وبالعلم بالنفس النفيسة يدرك ال ... محصل فهم العلة الأولية # ومن لم يحط علما بذاك فإنه ... وإن كان حيا حكمه حكم ميت # وما الحي عند العقل من كان غالبا ... على نفسه حكم القوى البدنية # ولكنه من شرفت قدره على ... بني نوعه أوصاف نفس زكية # ففي العالم العلوي ذا ملك وذا ... لدى العالم السفلي شيطان جنة # وما اختلفا بالنوع حتى يظن ما ... به اختلفا فعلا لخلق الغريزة # PageV01P198 # وكل أبوه آدم ويخص ذا ... لذا خص ذا من سر معنى النبوة # ومن أعجب الأشياء فرعا أرومة ... وما اتحدا بالطبع في الثمرية # بأي لسان أوثر الشكر مثنيا ... عليك بما أوليتني من فضيلة # وأكملت من عقلي ووصفي وصورتي ... وفهمي وأحشائي وحولي وقوتي # وصفحك عني إن عصيت تكرما ... ووعدك لي عن طاعتي بالمثوبة # وهل ممكن إحصاء ذرات كلما ... على الأرض من كثبان رمل مهيلة # وإحصاء ما في البحر من كل قطرة ... بحيث يحيط المحصي منها بعدة # وذلك أمر مستحيل وكلما اس ... تحال فمنفي لحكم الضرورة # وما كل هذا لو أتيت بضعفه ... من الشكر أدنى شكرا أصغر حبة # فكيف بشكري كل عضو وقوة ... جعلت لنفعي عند تأليف بنيتي # وشكر التي قد حجبت بي وانها ... لأظهر لي من نور شمس تبدت # بعيدة أطلال الديار قريبة ... وأعجب شيء بعد دار قريبة # بها مثل ما بي من هواها وعندها ... من الود ما ليس دون مودتي # وقد أدركتها رقة لي ms126 أطمعت ... بنيل المنى لولا مخافة وفقتي # وقلت لها مني علي بنظرة ... أنال بها من حسن وجهك منيتي # ألم تعلمي ما حل بي منك من جوى ... وكابدت من أشجان قلب ولوعة # فان الجبال الشم وهي رواسخ ... لو احتملت بعض الذي بي لدكت # فأحزان قلبي لا تجود بسلوة ... واجفان عيني لا تسح بدمعة # ولولا حنيني لم تحن مطية ... ولولا نواحي لم تنح ورق أيكة # ولولا خطابي لم يقع عين عابد ... علي لما مني الصبابة أبلت # فلا ماء إلا بعض فيض مدامعي ... ولا نار إلا دون أنفاس زفرتي # فقالت بعيني ما لقيت وانه ... ليؤلم قلبي أن تشاك بشوكة # واني على ما في من صلف البها ... لراغبة في الوصل أعظم رغبة # ولكن وشاة السوء فيك كثيرة ... وليست مع الواشين تمكن رؤيتي # وانت فمغرى بالحسان وانني ... لأكره ما بي أن أرى وجه ضرتي # PageV01P199 # ومن لم يصني صنت وجهي ببرقع ... وصور فيه صورة دون صورتي # ليمتحن الخطاب لي إذ يرونها ... أيلهون عني أم يتمنون خطبتي # وماهي إلا عبدة لي جميلة ... تظن وما افعالها بجميلة # فما كان إلا ان رأى الناس وجهها ... فهاموا بها في فج وجه ووجهة # ويعلم ما قد كان بالأمس والذي ... يكون غدا أوكائن بعد برهة # ويخبر بالأمر المغيب مثل ما ... يخبر عن ما كان منك بحضرة # ويعلم ما مفهوم معنى معبر ... لسامعه عنه بوحي النبوة # وما الوحي إلا خلع نفس قوية ... ملابس إحساس على العقل غطت # وأنى لها نحو المحيط بذاتها ... على عالم العقل الذي عنه شبت # وإدراك ما يلقى اليها هناك من ... إشارات رمز للعقول دقيقة # وإفهام أفهام النفوس لطائف ال ... معاني التي في ذاتها قد تهيت # وما أطرب الأرواح منا لدى الفنا ... سوى نغمات أدركتها قديمة # وذلك أن النفس قبل اتصالها ... بتدبيرها الجسم الذي قد تولت # وعى سمعها من طيب ألحان نغمة ... ينغمها الأفلاك أعظم لذة # إذا أقبلت اجرامها باصطكاكها ... يرجعها في قطعها كل ذروة # وشذت لبعد العهد عنها فلم تكن ... تذكرها إلا بتجديد نغمة # فلما أحست بالسماع بمثلها ... تذكرت العهد ms127 القديم فحنت # وحاولت التجريد عن عالم الفنا ... إلى العالم الباقي الذي عنه شذ # فجاذبها الجسم الزمام وأقبلت ... تجاذب فاهتزت لذاك برقصة # ولا شك في أن العقول محيلة ال ... مسامع والأبصار للحس رنت # فإن لم يكن في عالم العقل ما يرى ... ويسمع كانت تلك غير مفيدة # وذلك تعطيل وليس بحكمة ... يعطلها عماله قد أعدت # وقد يطرب الدولاب عند حنينه ... فكيف حنين النغمة الفلكية # وناهيك أن الطفل عند بكائه ... يغنى فيغشاه سكينة سكتة # ويذهل عما كان فيه من الأذى ... وتبدو لنا منه مخايل طربة # PageV01P200 # ولولا ادكار النفس منه لدى الغنى ... عهودا قديمات لها ما استلذت # وقد تطرب العجماء عند استماعها ال ... غناء وتنسى عنده كل غمة # وإلا فما بال المطي إذا ونت ... عن السير هيجت في الفلاء بحدوة # فتصغي إلى الحادي بأسماعها كما ... يكون استماع العاقل المتنصت # وتوسع مد الخطو حتى كأنها ... سفائن بحر مقلعات بلجة # ويرتاح بعض الطير عند سماعه ... تجاوب أوتار إذا هي خشت # وما ذاك إلا أن أفلاكها على ... مراكزها لما استدارت فعنت # فصارت بحكم الطبع تشتاق ما به ... يخصصها من دون كل مصوت # فلا تحسب الأشياء مهملة كما ... توهم أصحاب العقول الضعيفة # وللحوت بل للدود في العود بل لما ... سوى ذاك أفلاك عليها أديرت # وفيها لها آفاق جو فسيحة ... عليها نراها نحن غير فسيحة # فما خص نوع لا يتم سواه من ... مراكز أفلاك وأوضاع هيئة # وكل له عقل يسدده إلى ... مقاصد أفعال وترك شديدة # وما النحل في أوضاعها لبيوتها ... مسدسة من حكمة بخلية # وقد يعجز المرء المهندس وضعها ... بآلاته الحكمية الهندسية # وجعل لعاب العنكبوت لصيده ال ... ذباب شباكا ليس إلا لخبرة # ويفهم بعض الذر مقصود بعضه ... بقوة إدراك لنفس زكية # وحسبك الف النوع بالنوع شاهد ... بمعرفة في طبعه مستحثة # فإن ازدواج الشكل بالشكل مشعر ... بقوة تمييز وصحة فطرة # ولو لم يكن إلا تفاهمها إذا ... تناغت بأصوات لها أعجمية # لكان لنا فيه دليل يدلنا ... على ان ذا لا عن نفوس بليدة # فمن ظن شيئا غير هذا فإنه ... لتقصيره عن ms128 فكرة مستقيمة # وقد شهد الذكر الحكيم بأنها ... مسبحة والذكر أعظم حجة # وهل يصدق التسبيح من غير عاقل ... ولكن عيون الجهل غير بصيرة # تأمل صلاة الشمس عند وقوفها ... لدى الظهر في وسط السماء بخشية # PageV01P201 # وإثباتها وقت الزوال بركعة # وإتمامها عند الغروب بسجدة # كذا جملة الأفلاك راكعة بما ... جرت سجدة لله في كل طرفة # وماذا الذي أعمى عيون قلوبهم ... ونورك فيهم مستطير الأشعة # لقد عظمت تلك الرزية موقعا ... لدى كل ذي عقل سليم وجلت # أرى كل ذي سكر سيصحو من الهوى ... سواي فصحوي فيك علة سكرتي # فما اتفقت لي مذ عرفتك خلوة ... بنفسي إلا همت فيك بجلوة # ولا عرضت لي في دجى الفكر هجمة ... فأغفيت الا فزت فيك بيقظة # ولا استغرقتني في المحاسن بهتة ... فثارت بحسن غير حسنك بهتتي # ولا سنحت في باطن القلب خشية ... فكانت لشيء غير هجرك خشيتي # ولا خضعت نفسي لأمر ترومه ... فكانت لشيء غير وصلك خضعتي # ولا استقبلتني من جنابك نفحة ... اسرت حديثا عنك الا وسرت # وأصغي إلى تحصيله في مسامع ال ... مشاعر مني كل منبت شعرة # وأحسست في نفسي بلطف دبيب ما ... سقت من حميا الحب لما تمشت # وهل شارب كأسا من الحب جاهل ... بما أحدثت في عقله حين دبت # فقد حقق الدعوى القياس واين من ... كثافة جسم الخمر لطف المحبة # إذا غبت عني كنت عندك حاضرا ... ومن عجب ان غيبتي فيك حضرتي # فيا باطنا القاه في كل ظاهر ... ويا أولا ما زال آخر فكرتي # تشابه اعلاني وسري ومشهدي ... وغيبي وستري في هواك وشهرتي # تجمعت الأضداد في ولم يكن ... بمستغرب لي في الهوى كل بدعة # فنوعي في شخصي لأني نتيجة ... لشكل قياس عن ضروب عقيمة # ملأت جهاتي الست منك فأنت لي ... محيط وأيضا أنت مركز نقطتي # فصرت إذا وجهت وجهيمصليا ... فرايض أوقاتي فنفسي كعبتي # فصار صيامي لي ونسكي وطاعتي ... ونحري وتعريفي وحجي وعمرتي # وحولي طوافي واجب وخلاله اس ... تلامي لركني من مناسك حجتي # وذكري وتسبيحي وحمدي وقربتي ... لنفسي وتقديسي وصفو سريرتي # PageV01P202 # ولو هم مني خاطر بالتفاتة ... لما ms129 كان لي إلا إلي تلفتي # ولو لم أؤد الفرض مني إلي لم ... يصح بوجه لي ولم تبر ذمتي # وكنت على أني أوحد ظاهرا ... ففي باطني قد دنت بالثنوية # كذا من يكن قد صح عقد وداده ... ولم يتهم يوما بسقم عقيدة # وينفي اتصال النفس بالعقل واقفا ... على حس ما في عالم الحس أبلت # فإن قهرت فيه قوى الجسم ألحقت ... بعالمها مملوة بالمسرة # وإن قهرت فيه قوى النفس لم تصل ... اليه طوال الدهر يوما بحيلة # وتبقى كما قد جاء تهوى وليتها ... هوت ماهوت ثم ارعوت واستقرت # ولكنها تبقى بنيران حسرة ال ... بعاد تقاسي ضيق أغلال كربة # مذبذبة لا عالم العقل أدركت ... ولا عالم الأجسام فيه تبقت # فترجع إلى أحدى الحنين حنينها ... إلى عالم العقل الذي عنه صدت # وهيهات أن يطوى لسير حنينها ... اليه الذي قد حال من بعد شقة # وأنى لها والحس قد حال بينها ... وبين حماه أن تفوز بنظرة # إذا ذكرته هز هامس طائف ... من الشوق لو هز الجبال لهدت # وما ذاك بالمدني إليه ولا الذي ... إذا لم يكن يدني فربح بوقفة # أسى كلما قيل انقضت منه لوعة ... أعيدت بأخرى مثلها مستحثة # تزول الجبال الشم وهي مقيمة ... على حالة منكوسة مستمرة # وذلك أمر نسأل الله عصمة ... منجية منه ومن كل حيرة # ألم يك فيما نال آدم عبرة ... ومتعظ للعاقل المتثبت # على قربه من ربه واصطفائه ... ومنحته اياه أعظم منحة # وابعاده من بعد ذاك وصده ... وتجريعه إياه أعظم غصة # ولم يأت ذنبا عامدا غير أنه ... بأول حكم الله طالب رخصة # فأخطأ في التأويل جهلا فحطه ... إلى الارض من أعلى الجنان المنيفة # ولم يخف ما لاقى إذ انحط هابطا ... إلى الارض من هول الأمور العظيمة # وما زال يدعو الله سرا وجهرة ... وحاول منه العفو عنه بتوبة # PageV01P203 # وكيف بمن يأتي ذنوبا كثيرة ... ويقضي وما وافى بتوبة مخبت # وكم جاهل لم يزدجر بالذي جرى ... على آدم من فعله كل خزية # لقد شمل الخير الوجود بأسره ... فما كان من شر فذاك لندرة # ولم يكن المقصود بالذات ms130 إنما ... أتى بطريق الضمن والتبعية # ألم تر أن الغيث خير وانه ... ليحصل منه وكف بعض الأكنة # وان لهيب النار للثوب محرق ... ويحصل منه نضج كل معيشة # فقد يتبع الخير الكثير الذي نرى ... لنا فيهما شر يسير المضرة # ولو روعي الضر الذي فيهما لنا ... ولم يخلقا لاختل نظم الخليقة # وكان هلاك الحرث والنسل عاجلا ... وذاك بلا شك خراب البسيطة # ولم يك إلا عالم الأمر وحده ... ولم يخف ما في ذاك من نقص خلقه # وفي الحشرات الساقطات منافع ... يحيط بها أهل العقول السليمة # ولو لم تكن ما عاش من نوعنا امرؤ ... لفضل بخارات الهيولى الردية # فمن ذلك الفضل الردي تكونت ... وفي مدخل الاوساخ في الارض حلت # وغودر ما نلقيه منا غذاؤها ... لصفو الهوى من شوب كل أذية # لتنتعش الارواح منا بطيبه ... ويصفو لنا ورد الحياة الهنية # وقد ركب الاجسام منا وكل ما ... تركب منحل ولو بعد برهة # وألبس منا كل جزء بحيز ... لأركاننا الذاتية العنصرية # وما جمعنا بعد افتراق بمعجز ... وهل آخر يخلو عن الأولية # وان معاد الشيء بعد انعدامه ... لأسهل من إنشاء إنشاء بداة # ومطلع شمس النفس من مشرق الخلا ... سيطلعها من مغرب العدمية # سبحان من يحيي بقدرته الذي ... يميت كما أحياه أول مرة PageV01P204 ms131