######OpenITI# #META# المؤلف: أبو حامد الغزالي #META# الناشر: دار الفكر #META# الطبعة: ١ #META# الموضوع : #META# تاريخ النشر : ١٤١٦ هـ.ق #META# الصفحات: ٥٨٦ #META#Header#End# PageV01P001 ![](https://books.rafed.net/Books/3457_majmua-rasail-alimam-alghazali/images/image001.gif) PageV01P003 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * مقدمة الناشر ### ||| ** الحمد لله العلي الأعلى وبعد : # ما ذا نكتب عن أبي حامد الغزالي في هذه المقدمة القصيرة لمنتخبات ~~انتقيناها من كتبه التي قضى في تسويدها حياته ، وقد طبقت شهرته الآفاق في ~~حياته ، وبعد مماته ، وأسهب العلماء والنقاد في الحديث عنه ، والإعجاب ~~بمؤلفاته وهي كثيرة عد منها السبكي صاحب طبقات الشافعية ما يقرب من ستين ~~كتابا منها في الفقه ، ومنها في علم الكلام ، ومنها في الفلسفة ، ومنها في ~~التصوف. وأهم هذه الكتب وأشهرها كتاب الإحياء. # وقد رتبه أبو حامد رحمه الله أقساما ، والأقسام كتبا والكتب أبوابا ، ~~والأبواب فقرات ، قاصدا بذلك تسهيل تناوله وقراءته. # أما أقسامه فهي : |1 قسم العبادات. |2 قسم العادات. | |3 قسم المهلكات. |4 قسم المنجيات. | # وكان الدافع الأول والأخير للغزالي في تأليف كتابه مركزا على الإخلاص ، ~~وكأنه أراد أن يدرب نفسه على الإخلاص ويعلم الناس أن الإخلاص أهم ما ينبغي ~~للمرء التمسك به ، وكيف لا وقد كان تمسك أوائل المسلمين بالإخلاص السبب ~~الأهم في انتصارهم على الأمم وفتحهم البلاد ، وعلو كعبهم في العلوم ~~والمعارف. # ولا غرابة إذا حظي كتاب الإحياء بهذه المكانة وهذا الاهتمام الكبيرين فقد ~~ألفه ودافعه الإخلاص. # وأهم ما قيل في الكتاب وصاحبه ما قاله الحافظ العراقي : «إنه من أجل كتب ~~الإسلام في معرفة الحلال والحرام». # وما قاله الزبيدي : «وأنا لا أعرف له نظيرا في الكتب التي صنفها الفقهاء ~~الجامعون في تصانيفهم بين النقل والنظر والفكر والأثر». # وقول السبكي : «وهو من الكتب التي ينبغي للمسلمين الاعتناء بها» ولقد لقي ~~الكتاب من العناية الفائقة من العلماء والباحثين والدارسين منذ ألفه ~~الغزالي وحتى PageV01P005 # يومنا هذا ، وكلما درسه الدارسون ازداد نضارة ، وآتى أكله طيبا يعجب أولي ~~العلم والمعرفة. # وأخيرا ودار الفكر ، ومنذ تأسيسها قد وضعت نصب عينها إخراج كتب التراث ~~بحلل زاهية وخدمتها بما يليق بها ، وانتقاء ما يمكن أن يفيد هذه الأمة منها ~~، ودأبت على ذلك بعمل جاد نشيط وهادف انتهزت فرصة إخراجها للكتاب الإحياء ~~إخراجا جديدا عنيت فيه بشكل القرآن والحديث والشعر ms001 كما عنيت بتصحيحه ~~وإخراجه فانتقت للقارئ هذه الرسائل من عدد من كتبه التي وضع مؤلفها نصب ~~عينيه الإخلاص لله سبحانه وتعالى ، وهي على الايجاز فيها تفيد القارئ ~~وتعطيه لمحة عن كتب الغزالي ، والنحو الذي كان ينحوه في كل كتاب. وإذا كان ~~أول السيل وبلا ثم ينهمر ، فلا بد أن من يقرأ هذه الرسائل لا بد أن يدفعه ~~النهم لقراءة كتب الغزالي كلها وعلى رأسها كتاب الإحياء وهذه الرسائل التي ~~جمعناها هي : |الحكمة في مخلوقات الله تعالى|معراج السالكين| |روضة الطالبين وعمدة السالكين|قواعد العقائد في التوحيد| |خلاصة التصنيف في التصوف|القسطاس المستقيم| |منهاج العارفين|الرسالة اللدنية| |فصل التفرقة|أيها الولد| |مشكاة الأنوار|رسالة الطير| |الرسالة الوعظية|إلجام العوام عن علم الكلام| |المضنون به على غير أهله|الأجوبة الغزالية في المسائل الأخروية| |بداية الهداية|الأدب في الدين| |كيمياء السعادة|القواعد العشر| |الكشف والتبيين|سر العالمين وكشف ما في الدارين| |الدرة الفاخرة في كشف علوم الآخرة|المنقذ من الضلال| |المواعظ في الأحاديث القدسية|قانون التأويل| # نرجو الله أن يفيد منها أبناء هذه الأمة في شتى أقطارها # والله ولي التوفيق # الناشر # دار الفكر PageV01P006 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الحكمة في مخلوقات الله عز وجل ### ||| * وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم ### ||| * خطبة الكتاب # الحمد لله الذي جعل نعمته في رياض جنان المقربين ، وخص بهذه الفضيلة من ~~عباده المتفكرين ، وجعل التفكر في مصنوعاته وسيلة لرسوخ اليقين في قلوب ~~عباده المستبصرين ، استدلوا عليه سبحانه بصنعته فعلموه وتحققوا أن لا إله ~~إلا هو فوحدوه ، وشاهدوا عظمته وجلاله فنزهوه ، فهو القيم بالقسط في جميع ~~الأحوال ، وهم الشهداء على ذلك بالنظر والاستدلال فعلموا أنه الحليم القادر ~~العليم ، كما قال في كتابه الكريم : ( @QUR@018 شهد الله أنه لا إله إلا هو ~~والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم ) [آل ~~عمران : 18]. والصلاة والسلام على سيد المرسلين وإمام المتقين ، وشفيع ~~المذنبين محمد خاتم النبيين ، وعلى آله وصحبه وشرف وكرم إلى يوم الدين. ### ||| ** أما بعد : # يا أخي وفقك الله ms002 توفيق العارفين ، وجمع لك خير الدنيا والدين ، إنه لما ~~كان الطريق إلى معرفة الله سبحانه والتعظيم له في مخلوقاته والتفكر في ~~عجائب مصنوعاته. وفهم الحكمة في أنواع مبتدعاته ، وكان ذلك هو السبب لرسوخ ~~اليقين ، وفيه تفاوت درجات المتقين ، وضعت هذا الكتاب منبها لعقول أرباب ~~الألباب بتعريف وجوه من الحكم والنعم التي يشير إليها معظم آي الكتاب. فإن ~~الله تعالى خلق العقول وكمل هداها بالوحي وأمر أربابها بالنظر في مخلوقاته ~~والتفكر والاعتبار مما أودعه من العجائب فيمصنوعاته ، لقوله سبحانه : ( ~~@QUR@07 قل انظروا ما ذا في السماوات والأرض ). [يونس : 101]. وقوله : ( ~~@QUR@08 وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون ) [الأنبياء : 30]. إلى غير ~~ذلك من الآيات البينات والدلالات الواضحات التي يفهمها متدبرها ، والمترقي ~~في اختلاف معانيها يعظم المعرفة بالله سبحانه التي هي سبب السعادة ، والفوز ~~بما وعد به عباده من الحسنى وزيادة. وقد بوبته أبوابا يشتمل كل باب على ذكر ~~وجه الحكمة من النوع المذكور فيه من الخلق ، PageV01P007 # وذلك حسب ما تنبهت له عقولنا فيما أشرنا إليه ، مع أنه لو اجتمع جميع ~~الخلائق على أن يذكروا جميع ما خلق الله سبحانه وتعالى ، وما وضع من الحكم ~~في مخلوق واحد من مخلوقاته لعجزوا عن ذلك وما أدركته الخلائق من ذلك ما وهب ~~الله سبحانه لكل منهم وما سبق له من ربه سبحانه والله المسئول أن ينفعنا به ~~برحمته وجوده. ### ||| * باب التفكر في خلق السماء وفي هذا العالم # قال الله تعالى : ( @QUR@012 أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها ~~وزيناها وما لها من فروج ) [ق : 6]. وقال سبحانه وتعالى : ( @QUR@05 الله ~~الذي خلق سبع سماوات ) [الطلاق : 12]. # اعلم رحمك الله إذا تأملت هذا العالم بفكرك وجدته كالبيت المبني المعد ~~فيه جميع ما يحتاج إليه ، فالسماء مرفوعة كالسقف ، والأرض ممدودة كالبسط ، ~~والنجوم منصوبة كالمصابيح والجواهر مخزونة كالذخائر ، وكل شيء من ذلك معد ~~مهيأ لشأنه ، والإنسان كالمالك للبيت المخول لما فيه ، فضروب النبات لمآربه ~~، وأصناف الحيوانات مصروفة في مصالحه ، فخلق سبحانه السماء وجعل سبحانه ~~لونها أشد الألوان موافقة للأبصار وتقوية لها ولو كانت ms003 أشعة أو أنوارا ~~لأضرت الناظر إليها. فإن النظر إلى الخضرة والزرقة موافق للأبصار ، وتجد ~~النفوس عند رؤية السماء في سعتها نعيما وراحة لا سيما إذا انفطرت نجومها ~~وظهر نور قمرها ، والملوك تجعل في سقوف مجالسها من النقش والزينة ما يجد ~~الناظر إليه به راحة وانشراحا ، لكن إذا داوم الناظر إليه نظره وكرره مله ~~وزال عنه ما كان يجده برؤيته من البهجة والانشراح ، بخلاف النظر إلى السماء ~~وزينتها فإن الناظر إليها من الملوك فمن دونهم إذا ضجروا من الأسباب ~~المضجرة لهم يلجئون إلى ما يشرحهم من النظر إلى السماء وسعة الفضاء ، وقد ~~قالت الحكماء : يحذوك عندك من الراحة والنعيم في دارك بمقدار ما عندك فيها ~~من السماء ، وفيها أنها حاملة لنجومها المرصعة ولقمرها وبحركتها تسير ~~الكواكب فتهتدي بها أهل الآفاق وفيها طرق لا تزال توجد آثارها من المغرب ~~والمشرق ولا توجد مجردة ولا مقبلة صورة نور. وقيل : إنها أنجم صغار متكاثفة ~~مجتمعة يهتدي بها على السير من ضل ويحثر في أي جهة كانت فيقصدها ، وقيل : ~~إنها المشار إليها في قوله تعالى : ( @QUR@03 والسماء ذات الحبك ) ~~[الذاريات : 7]. قيل : الحبك الطرق ، وقيل ذات الزينة فهي دلائل واضحة تدل ~~على فاعلها وصنعته محكمة صمدية تدل على سعة علم بارئها وأمور ترتيبها كما ~~تدل على إرادة منشئها فسبحان القادر العالم المريد ، وقيل : في النظر إلى ~~السماء عشر فوائد : تنقص الهم ، وتقلل الوسواس ، وتزيل وهم الخوف ، وتذكر ~~بالله ، وتنشر في القلب التعظيم لله ، وتزيل الفكر الرديئة ، وتنفع لمرض ~~السوداء ، وتسلي المشتاق وتؤنس المحبين ، وهي قبلة دعاء الداعين. PageV01P008 ### ||| * باب في حكمة الشمس # قال الله سبحانه : ( @QUR@03 وجعل الشمس سراجا ) [نوح : 16]. # اعلم أن الله سبحانه خلق الشمس لأمور لا يستكمل علمها إلا الله وحده ، ~~فالذي ظهر من حكمته فيها أن جعل حركتها لإقامة الليل والنهار في جميع ~~أقاليم الأرض. ولو لا ذلك لبطل أمر الدين ، أو لولاه كيف كان يكون الناس ~~يسعون في معايشهم ويتصرفون في أمورهم والدنيا مظلمة عليهم ، وكيف كانوا ~~يتهنون بالعيش مع فقدهم لذة النور ومنفعته ولو ms004 لا ضياء نورها ما انتفع ~~بالأبصار ولم تظهر الألوان ، وتأمل غروبها وغيبتها عمن طلعت عليهم وما في ~~ذلك من الحكمة ، ولولاه لم يكن للخلق هدوء ولا قرار مع شدة حاجتهم إلى ~~الهدوء وراحة أبدانهم وخمود حواسهم وانبعاث القوة الهاضمة لهضم طعامهم ~~وتفنيد الغذاء ، ثم كان الحرص لحملهم على مداومة العمل ومطاولته على ما ~~يعظم مكانته في أبدانهم ، فإن أكثر الحيوانات لو لا دخول الليل ما هدؤوا ~~ولا قروا من حرصهم على نيل ما ينتفعون به ، ثم كانت الأرض تحمى بدوام شروق ~~الشمس واتصاله حتى يحترق كل ما عليها من الحيوانات والنباتات ، فهي بطلوعها ~~في وقت غروبها في وقت في النور بمنزلة سراج لأهل بيت يستضاء به وقتا ويغيب ~~وقتا ليهتدوا ويقروا ، وهي في حرها بمنزلة نار يطبخ بها أهل الدار حتى إذا ~~كمل طبيخهم واستغنوا عنها أخذها من جاورهم ، وهو يحتاج إليها فينتفع حتى ~~إذا قضى حاجته سلمها لآخرين ، فهي أبدا منصرفة في منافع أهل الأرض بتضاد ~~النور والظلمة على تضادهما متعاونين متظافرين على ما فيه صلاح العالم ~~وقوامه ، وإلى هذه القضية الإشارة بقوله : ( @QUR@011 قل أرأيتم إن جعل ~~الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة ) [القصص : 71]. ثم بتقدمها ~~وتأخرها تستقيم الفصول فيستقيم أمر النبات والحيوان ، ثم انظر إلى مسيرها ~~في فلكها في مدة وهي تطلع كل يوم وتغرب بسير آخر سخر لها بتقدير خالقها فلو ~~لا طلوعها وغروبها لما اختلف الليل والنهار ولما عرفت المواقيت. ولو انطبق ~~الظلام على الدوام لكان فيه الهلاك لجميع الخلق ، فانظر كيف جعل الله الليل ~~سكنا ولباسا والنهار معاشا ، وانظر إلى إيلاجه الليل في النهار والنهار في ~~الليل وإدخاله الزيادة والنقصان عليهما على الترتيب المخصوص ، وانظر إلى ~~إمالة سير الشمس حتى اختلف بسبب ذلك الصيف والشتاء ، فإذا انخفضت من وسط ~~السماء برد الهواء وظهر الشتاء. وإذا استوت وسط السماء اشتد القيظ ، وإذا ~~كانت فيما بينهما اعتدل الزمان فيستقيم بذلك أمر النبات والحيوان بإقامة ~~هذه الأزمنة الأربعة من السنة وأما ما في ذلك من المصلحة ، ففي ms005 الشتاء تعود ~~الحرارة في الشجر والنبات فيتولد فيه مواد الثمار ويستكشف الهواء ، فينشأ ~~منه السحاب والمطر ، وتشتد أبدان الحيوان وتقوى أفعال الطبيعة ، وفي الربيع ~~تتحرك الطبائع في المواد المتولدة في الشتاء فيطلع النبات بإذن الله وينور ~~الشجر ، وتهيج أكثر الحيوانات للتناسل ، وفي الصيف يخمد الهواء فينضج ~~الثمار وتنحل فضول الأبدان ، ويجف وجه الأرض PageV01P009 # فتتهيأ لما يصلح لذلك من الأعمال ، وفي الخريف يصفو الهواء فترتفع ~~الأمراض ويمتد الليل فيعمل فيه بعض الأعمال وتحسن فيه الزراعة ، وكل ذلك ~~يأتي على تدريج ، وبقدر حتى لا يكون الانتقال دفعة واحدة إلى غير ذلك مما ~~يطول لو ذكر. # فهذا مما يدلك على تدبير الحكيم العليم وسعة علمه ، ثم تفكر في تنقل ~~الشمس في هذه البروج لإقامة دور السنة ، وهذا الدور هو الذي يجمع الأزمنة ~~الأربعة : الشتاء والصيف والربيع والخريف وتسير فيها على التمام وفي القدر ~~من دوران الشمس يدرك الغلات والثمار وتنتهي غاياتها ، ثم تعود فتستأنف وقت ~~السير وبمسيرها تكمل السنة ويقوم حساب السنة على الصحة على التاريخ بتقدير ~~الحكيم العليم. # تأمل إشراق الشمس على العالم كيف دبره تبارك وتعالى ، فإنها لو بزغت في ~~موضع واحد لها لا تعدوه لما وصل شعاعها إلا إلى جهة واحدة وخلت عنها جميع ~~الجهات فكانت الجبال والجدران تحجبها عنها ، فجعلها سبحانه تشرق بطلوعها ~~أول النهار من المشرق فيعم شروقها ما يقابلها من جهة المغرب ، ثم لا تزال ~~تدور وتغشى جهة بعد جهة حتى تنتهي إلى الغرب على ما استتر عنها أول النهار ~~، فلا يبقى موضع حتى يأخذ بقسطه منها ، ثم انظر إلى مقدار الليل والنهار ~~كيف وقتهما سبحانه على ما فيه صلاح العالم فصارا بمقدار لو تجاوزاه لأضرا ~~بكل ما على وجه الأرض من حيوان ونبات ، أما الحيوان فكان لا يهدأ ولا يقر ~~ما دام يجد ضوء النهار وكانت البهائم لا تمسك عن الرعي فيئول أمرها إلى ~~تلفها ، وأما النبات فتدوم عليه حرارة الشمس وتوهجها فيجف ويحترق ، وكذلك ~~الليل لو امتد مقداره أيضا لكان معوقا لأصناف الحيوان عن الحركة ms006 والتصرف في ~~طلب المعاش ، وتجمد الحرارة الطبيعية من النبات فيعفن ويفسد كالذي يحدث على ~~النبات إذا كان الموضع لا تقع الشمس عليه. ### ||| * باب في حكمة خلق القمر والكواكب # قال الله سبحانه وتعالى : ( @QUR@011 تبارك الذي جعل في السماء بروجا ~~وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا ) [الفرقان : 61]. # اعلم وفقك الله أن الله سبحانه وتعالى لما جعل الليل لبرد الهواء وهدوء ~~الحيوان وسكونه ، فلم يجعله سبحانه ظلمة داجية لا ضياء فيها البتة فكان لا ~~يمكن أن يعمل عملا فيه. وربما احتاج الناس إلى بعض أعمالهم في الليل إما ~~لضرورة أو لضيق وقت عليهم من النهار ، وقد يقع ذلك لشدة حرارة أو لغيره من ~~الأسباب ، فكان ضوء القمر في الليل من جملة ما نحتاج إليه في المعونة على ~~ذلك فجعل طلوعه في بعض الليالي ، وينقص نوره عن نور الشمس وحرها لئلا ينشط ~~الناس في العمل نشاطهم في النهار فينعدم ما به يتمتعون من الهدوء والقرار ~~فيضر ذلك بهم ، وجعل في الكواكب جزء من النور يستعان به إذا لم يكن ضوء ~~القمر ، وجعل في الكواكب زينة السماء وأنسا وانشراحا لأهل الأرض شيئا ما ~~ألطف هذا التدبير ، وجعل الظلمة دولة ومدة للحاجة إليها. وجعل PageV01P010 # خلالها شيئا من النور ليكمل به ما احتيج إليه ، ثم في القمر علم الشهور ~~والسنين وهو صلاح ونعمة من الله ، ثم في النجوم مآرب أخرى فإن فيها دلائل ~~وعلامات على أوقات كثيرة لعمل من الأعمال كالزراعة والغراسة والاهتداء بها ~~في السفر في البر والبحر وأشياء مما يحدث من الأنواء والحر والبرد ، وبها ~~يهتدي السارون في ظلمة الليل وقطع القفار الموحشة واللجج المائلة كما قال ~~تعالى : ( @QUR@011 وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر ~~والبحر ) [الأنعام : 97]. مع ما في ترددها في السماء مقبلة ومدبرة ومشرقة ~~ومغربة من البهجة والنضارة ، في تصريف القمر خاصة في استهلاله ومحاقه ~~وزيادته ونقصانه واستنارته وكسوفه. كل ذلك دلالات على قدرة خالقها المصرف ~~لها هذا التصرف لإصلاح العالم ، ثم انظر دوران الفلك بهذه الكواكب في كل ~~يوم وليلة ms007 دورانا سريعا وسيرها معلوم مشاهد فإنا نشاهدها طالعة وغاربة ، ~~ولو لا سرعة سيرها لما قطعت هذه المسافة البعيدة في أربعة وعشرين ساعة ، ~~فلو لا تدبير الباري سبحانه بارتفاعها حتى خفي عنا شدة مسيرها في فلكها ~~لكانت تختطف بتوهجها لسرعة حركتها كالذي يحدث أحيانا من البروق إذا توالت ~~في الجو ، فانظر لطف الباري سبحانه في تقدير سيرها في البعد البعيد لكيلا ~~يحدث من سيرها حادث لا يحتمل فهي مقدرة في جميع الأحوال على قدر الحاجة ، ~~وانظر في هذه التي تظهر في بعض السنة وتحتجب في بعضها مثل الثريا والجوزاء ~~والشعرى ، فإنها لو كانت كلها تظهر في وقت واحد لم يكن لشيء منها دلالة على ~~جهالة تعرفها الناس ويهتدون بها ، فكان في طلوع بعضها في وقت دون الآخر ما ~~يدل على ما ينتفع به الناس عند طلوعه مما يصلحهم ، ولذلك جعلت بنات نعش ~~ظاهرة لا تغيب لضرب من المصلحة فإنها بمنزلة الأعلام التي يهتدي بها الناس ~~للطرق المجهولة في البر والبحر فإنها لا تغيب ولا تتوارى. ثم انظر لو كانت ~~واقفة لبطلت الدلالات التي تكون من تنقلات المتنقلة منها ومصيرها في كل ~~واحد من البروج كما يستدل على أشياء تحدث في العالم بتنقل الشمس والقمر في ~~منازلهما ولو كانت متنقلة كلها لم يكن لمسيرها منازل تعرف ولا رسم يقاس ~~عليه لأنه إنما يعرف مسير المتنقلة منها بتنقلها في البروج الدانية ، كما ~~يعرف سير سائر على الأرض بالمنازل التي يجتاز عليها ، فقد صار هذا الفلك ~~شمسه وقمره ونجومه وبروجه تدور على هذا العالم بهذا دورانا دائما في الفصول ~~الأربعة من السنة لصلاح ما فيه من حيوان ونبات وغير ذلك بتقدير العزيز ~~العليم ، ومن عظيم الحكمة خلق الأفلاك التي بها ثبات هذا العالم على نهاية ~~من الإتقان لطول البقاء وعدم التغير ، فقد كفى الناس التغير في هذا الأمر ~~الجليل الذي ليس قدرة ولا حيلة في إصلاحه لو نزل به تغير يوجب ذلك التغير ~~أمرا في الأرض. إذ قوام الأرض مرتبط بالسماء ، فالأمر في جميع ms008 ذلك ماض على ~~قدرة الباري سبحانه لا يختل ولا يعتل ولا يتخلف منه شيء عن ميقاته لصلاح ~~العالم ، فسبحان العليم القدير. ### ||| * باب في حكمة خلق الأرض # قال تعالى : ( @QUR@04 والأرض فرشناها فنعم الماهدون ) [الذاريات : 48]. PageV01P011 # ثم انظر كيف جعل الله الأرض مهادا ليستقر عليها الحيوان ، فإنه لا بد له ~~من مستقر ولا غنى له عن قوت فجميع الأرض محل للنبات لقوته ، ومسكن يسكنه من ~~الحر والبرد ، ومدفن يدفن فيه ما تؤذي رائحته ، والجيف والأقذار من أجسام ~~بني آدم وغيرها ، كما قال سبحانه : ( @QUR@06 ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء ~~وأمواتا ) [المرسلات : 25 و26]. قيل في تفسير هذه الآية هذا القول وغيره ، ~~ثم ذلل طرقها لتنتقل فيها الخلق لطلب مآربهم فهي موضوعة لبقاء النسل من ~~جميع أصناف الحيوان والحرث والنبات ، وجعل فيها الاستقرار والثبات كما نبه ~~على ذلك سبحانه وتعالى بقوله : ( @QUR@09 أخرج منها ماءها ومرعاها* والجبال ~~أرساها* متاعا لكم ولأنعامكم ) [النازعات : 31 ، 32 ، 33]. فأمكن الخلائق ~~بهذا السفر فيها في مآربهم والجلوس لراحتهم والنوم لهدوئهم والانتقال ~~لأعمالهم ، فإنها لو كانت رجراجة متحركة لم يستطيعوا أن يتقنوا شيئا من ~~النبات وجميع الصناعات وكانوا لا يتهنون بالعيش والأرض ترتج بهم من تحتهم ، ~~واعتبر ذلك بما يصيب الناس في الزلازل ترهيبا للخلق وتخويفا لهم لعلهم ~~يتقون الله وينزعون عن الظلم والعصيان ، فهذا أيضا من الحكمة البالغة ثم إن ~~الأرض طبعها الله باردة يابسة بقدر مخصوص. أرأيت لو أفرط اليبس عليها حتى ~~تكون بجملتها حجرا صلدا لما كانت تنبت هذا النبات الذي به حياة الحيوانات ، ~~ولا كان يمكن فيها حرث ولا بناء فجعل لينها لتتهيأ لهذه الأعمال ، ومن ~~الحكمة في خلقها ووضعها أن جعل مهب الشمال أرفع من الجنوب لينحدر الماء على ~~وجه الأرض فيسقيها ويرويها ثم يصير إلى البحر في آخر الأمر ، فأشبه ذلك ما ~~إذا رفع أحد جانبي السطح وخفض الآخر لينحدر الماء عنه ، ولو لا ذلك لبقي ~~الماء مستبحرا على وجه الأرض فيمتنع الناس من أعمالهم وتنقطع الطرق ~~والمسالك بسبب ذلك. انظر إلى ما خلق الله فيها ms009 من المعادن وما يخرج منها من ~~أنواع الجواهر المختلفة في منافعها وألوانها مثل الذهب والفضة والياقوت ~~والزمرد والبسنفش وأشياء كثيرة من هذه الأحجار الشفافة المختلفة في ألوانها ~~وأنواع أخر مما يصلح للأعمال والجمال كالحديد والنحاس والقصدير والرصاص ~~والكبريت والزرنيخ والتوتيا والرخام والجبس والنفط وأنواع لو عددت لطال ~~ذكرها وهو مما لا ينتفع به الناس وينصرف فيما يصلحهم. فهذه نعم يسرها ~~سبحانه لهم لعمارة هذه الدار ، ثم انظر إلى إرادة إجادته من عمارتها ~~وانتفاع العباد بها يجعلها هشة سهلة بخلاف ما لو كانت على نحو خلق الجبال ~~فلو يبست كذلك لتعذرت ، فإن الحرث لا يستقيم إلا مع رخو الأرض لزراعة ~~الأقوات والثمر ، وإلا فلا يتعدى. إذا صلبت. الماء إلى الحب مع أن الحب لا ~~يمكن دفنه إلا بعد أن تلين الأرض بالنداوة ويأخذ الورق وهي ضعيفة في ~~ابتدائها في الأرض التربة. ويمكن إذ ذلك عملها وتحريكها حتى تشرب ما ينزل ~~عليها من الماء فيخلق الله سبحانه عند ذلك العروق ملتبسة بالثرى حتى يقف ~~الشجر والنبات على ساقه وجعل ما يخلق من العروق يوازن ما يخلق من الفروع ، ~~ومن رحمته في لينها أن يسر للناس حفر الآبار في المواضع المحتاجة إلى ذلك PageV01P012 # إذ لو حفرت في الجبال لصعب الأمر وشق ، ومن الحكمة في لينها تيسير السير ~~للسعادة فيها إذ لو صلبت لعسر السير ولم تظهر الطرق ، وقد نبه الله تبارك ~~وتعالى على ذلك بقوله : ( @QUR@09 هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في ~~مناكبها ) [الملك : 15]. وقال تعالى : ( @QUR@06 وجعلنا فيها فجاجا سبلا ~~لعلهم يهتدون ) [الأنبياء : 31]. ومن ذلك ما يستعين به العباد من ترابها ~~ولينها في البناء وعمل اللبن وأواني الفخار وغير ذلك ، والمواضع التي ينبت ~~فيها الملح والشب والبورق والكبريت أكثرها تربة رخوة. وأيضا أجناس من ~~النبات لا يوجد إلا في التراب والرمل دون الأرض المحيلة ويخلق فيها كثير من ~~الحيوان لسهولة حفرها فيتخذون فيها مسارب وبيوتا يؤوى إليها ، ومن الحكمة ~~فيها خلق المعادن كما ذكرنا ، فقد امتن سبحانه على سليمان صلى الله عليه ms010 وسلم ~~بقوله : ( @QUR@04 وأسلنا له عين القطر ) [سبأ : 12]. أي سهلنا له الانتفاع ~~بالنحاس وأطلعناه على معدنه وقال امتنانا على عباده : ( @QUR@07 وأنزلنا ~~الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس ) [الحديد : 25]. والنزول بمعنى الخلق ~~كما قال سبحانه : ( @QUR@04 وأنزل لكم من الأنعام ) [الزمر : 6]. أي خلق ، ~~والهمهم استخراج ما فيها من ذهب وفضة وغير ذلك لمنافعهم وما يحتاجون إليه ~~في معاشهم وفي اتخاذ أوانيهم ، وفي ضبطها ما يحتاجون إلى ضبطه وتقويته ~~واتخاذ أنواع من الحجارة النفيسة لتبقى فيها كالزجاج ويتخذون منها أواني ~~لحفظ ما يحصل فيها من الأمور النفيسة لتبقى فيها سليمة لوقت الاحتياج إليها ~~إذ لا غنى لهم عنها ، وكذلك يستخرج من المعادن الأكحال مثل : (الدهبخ ~~والمرفنعنا) والسادن والتوتيا وغير ذلك من أصناف ينتفعون بها فسبحان المنعم ~~الكريم. ومن الحكمة البالغة فيها خلق الجبال. قال الله تعالى : ( @QUR@02 ~~والجبال أرساها ) [النازعات : 32]. وقال تعالى: ( @QUR@07 وألقى في الأرض ~~رواسي أن تميد بكم ) [النحل : 15]. وقال سبحانه : ( @QUR@08 وأنزلنا من ~~السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض ) [المؤمنون : 18]. فقد خلق سبحانه فيها ~~الجبال لمنافع متعددة لا يحيط بجميعها إلا الله ، فمن ذلك أن الله تعالى ~~أنزل من السماء المياه ليحيي بها العباد والبلاد ، فلو كانت الأرض عارية عن ~~الجبال لحكم عليها الهواء وحر الشمس مع رخو الأرض ، فكانوا لا يجدون المياه ~~إلا بعد حفر وتعب ومشقة ، فجعل سبحانه الجبال لتستقر في بطونها المياه ~~ويخرج أولا فأولا فتكون منها عيون وأنهار وبحار يرتوي بها العباد في أيام ~~القيظ إلى أوان نزول غيث السماء ، ومن الجبال ما ليس في باطنها محل للمياه ~~، فجعل الثلج محفوظا على ظاهرها إلى أن يحله حر الشمس فيكون منه أنهار ~~وسواق ينتفع بها إلى أوان نزول الغيث أيضا. # ومنها ما يكون فيه برك يستقر فيها الماء فيؤخذ منها وينتفع به ، ومن ~~منافع الجبال ما يثبت فيها من أنواع الأشجار والعقاقير التي لا توجد إلا ~~فيها ، وما يثبت فيها من أنواع الأخشاب العظيمة فيعمل منها السفن وتعمر ~~منها المساكن ، وفيها الشعارى التي لا يوجد ما يعظم من الأخشاب إلا فيها ms011 ، ~~وكذلك العقاقير أكثرها لا يوجد إلا بها ، وفيها وهاد تنبت مزارع للأنعام ~~ومزارع لبني آدم ومساكن للوحوش ومواضع لأجناح النحل ، ومن منافع الجبال ما ~~يتخذه العباد PageV01P013 # من المساكن تقيهم الحر والبرد ويتخذون مدافن لحفظ جثث الموتى ، وقد ذكر ~~الله ذلك فقال : ( @QUR@06 وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين ) [الحجر : ~~82]. ومن فوائدها أن جعلت أعلاما يستدل بها المسافرون على الطرقات في نواحي ~~الأرض. ويستدل بها المسافرون في البحار على المين والسواحل ، ومن فوائدها ~~أن الفئة القليلة الضعيفة الخائفة من عدوان من لا تطيقه تتخذ عليها ما ~~يحصنهم ويؤمنهم ويمنعها ممن تخافه فتطمئن لذلك ، وانظر كيف خلق الله فيها ~~الذهب والفضة وقدرهما بتقدير منصوص ولم يجعل ذلك ميسرا في الوجود والقدر مع ~~سعة قدرته وشمول نعمته كما جعل هذه السعة في المياه وما ذلك إلا لما سبق في ~~علمه لخلائقه مما هو الأصلح كما أشار إلى ذلك بقوله : ( @QUR@011 وإن من ~~شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم ) [الحجر : 21]. فسبحان ~~العليم الحكيم. ### ||| * باب في حكمة البحر # قال الله تبارك وتعالى : ( @QUR@08 وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما ~~طريا ) [النحل : 14]. # اعلم رحمك الله : أن الله سبحانه وتعالى خلق البحار وأوسع فيها لعظم ~~نفعها. فجعلها مكتنفة لأقطار الأرض التي هي قطعة من الأرض المستورة بالبحر ~~الأعظم المحيط بجميع الأرض ، حتى أن جميع المكشوف من البراري والجبال عن ~~الماء بالإضافة إلى الماء كربوة صغيرة في بحر عظيم. فاعلم أن ما خلق في ~~الأرض من الحيوان بالإضافة إلى ما خلق في البحر كإضافة الأرض إلى البحر ، ~~وقد شاهدت عجائب فيها ما هو مكشوف منها ، فتأمل عجائب البحر فإن فيه من ~~الحيوان والجواهر والطيب أضعاف ما تشاهده على وجه الأرض ، كما أن سعته ~~أضعاف سعة الأرض ، ولعظم سعته كان فيه من الحيوانات والدواب العظيمة ، ما ~~إذا أبدت ظهورها على وجه البحر. ظن من يراها أنها حشاف وجبال أو جزائر ، ~~وما من صنف من أصناف حيوان البر من إنسان وطائر وفرس وبقر وغير ذلك إلا وفي ~~البحر أمثالها ms012 وأضعافها ، وفيه أجناس من الحيوانات لم تعهد أمثالها في البر ~~، وكل منها قد دبره الباري سبحانه وخلق فيه ما يحتاجه ويصلحه ، ولو استقصى ~~ذكر ما يحتويه بعضه لاحتاج إلى وضع مجلدات ، ثم انظر كيف خلق الله اللؤلؤ ~~مدورا في صدف تحت الماء وأثبت المرجان في جنح صخور في البحر. فقال سبحانه : ~~( @QUR@04 يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان ) [الرحمن : 22]. وذلك في معرض ~~الامتنان ، وقيل : المرجان المذكور في القرآن هو الرقيق من اللؤلؤ ، ثم قال ~~: ( @QUR@04 فبأي آلاء ربكما تكذبان ) [الرحمن : 23]. وآلاؤه تفضله ونعمه ، ~~ثم انظر ما يقذفه من العنبر وغيره من المنفوع ، ثم انظر إلى عجائب السفن ~~وكيف مسكنها على وجه الماء تسير فيها العباد لطلب الأموال وتحصيل ما لهم من ~~الأعراض وجعلها من آياته ونعمته. فقال : ( @QUR@08 والفلك التي تجري في ~~البحر بما ينفع الناس ). [البقرة : 164]. فجعلها بتسخيره تحملهم وتحمل ~~أثقالهم وينتقلون بها من إقليم أقاليم لا يمكن وصولهم إليها إلا بالسفن ، ~~ولو راموا التوصل بغيرها لأدى إلى أعظم المشقات وعجزوا عن نقل ما ينقل من ~~المنقولات إلى ما بعد البلاد PageV01P014 # والجهات ، فلما أراد الله سبحانه وتعالى أن يلطف بعباده ويهون ذلك عليهم ~~خلق الأخشاب متخلخلة الأجزاء بالهواء ليحملها الماء ويبقى فيها من الفضاء ~~عن نفسها ما يحمل به الأثقال وألهم العباد اتخاذها سفنا. ثم أرسل الرياح ~~بمقادير في أوقات تسوق السفن وتسيرها من موضع إلى موضع آخر. ثم ألهم ~~أربابها معرفة أوقات هبوبها وفترتها حتى يسيروا بالرياح التي تحملها شراعها ~~، وانظر إلى ما يسره سبحانه في خلقه الماء ، إذ هو جسم لطيف رقيق سيال متصل ~~الأجزاء كأنه شيء واحد لطيف التركيب سريع القبول للتقطع حتى كأنه منفصل ~~مسخر للتصرف قابل للاتصال والانفصال حتى يمكن سير السفن فيه ، فالعجب ممن ~~يغفل عن نعمة الله في هذا كله. وفي بعضه متسع للفكر. وكل ذلك شواهد متظاهرة ~~ودلائل متضافرة وآيات ناطقة بلسان حالها مفصحة عن جلال بارئها ، معربة عن ~~كمال قدرته وعجائب حكمته ، قائلة : أما ترى تصويري وتركيبي وصفاتي زمنا ~~واختلاف حالي وكثرة فوائدي؟ أيظن ذو ms013 لب سليم وعقل رصين أني تلونت بنفسي أو ~~أبدعني أحد من جنس؟ بل ذلك صنع القادر القهار العزيز الجبار. ### ||| * باب في حكمة خلق الماء # قال الله تبارك وتعالى : ( @QUR@08 وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا ~~يؤمنون ) [الأنبياء : 30]. # وقال سبحانه : ( @QUR@018 فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن ~~تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون ) [النمل : 60]. # انظر وفقك الله إلى ما من به سبحانه وتعالى على عباده بوجود الماء العذب ~~الذي به حياة كل من على وجه الأرض من حيوان ونبات ، فلو اضطر الإنسان إلى ~~شربة منه ومنع منها لهان عليه أن يبذل فيها جميع ما يمكنه من خزائن الدنيا ~~، والعجب من غفلة العباد عن هذه النعمة العظيمة ، وانظر مع شدة الحاجة ~~إليها كيف وسع سبحانه على العباد فيها ، ولو جعلها بقدر لضاق الأمر فيها ~~وعظم الحرج على كل من سكن الدنيا ، ثم انظر لطافة الماء ورقته حتى ينزل من ~~الأرض ويخلخل أجزاءها فتتغذى عروق الشجر ويصعد بلطافته بواسطة حرارة الشمس ~~إلى أعالي الشجر والنبات وهو من طبعه الهبوط ، ولما كانت الضرورة تدعو إلى ~~شربة لإماعة الأغذية في أجواف الحيوان ليتصرف الغذاء إلى موضعه جعله لشاربه ~~في شربه لذة عند حاجته إليه وقبول له ويجد شاربه فيه نعيما وراحة ، وجعل ~~مزيلا للأدران عن الأبدان والأوساخ عن الثياب وغيرها ، وبالماء يبل التراب ~~فيصلح للبناء والأعمال ، وبه يرطب كل يابس مما لا يمكن استعماله يابسا ، ~~وبه ترق الأشربة فيسوغ شربها ، وبه تطفأ عاذبة النار إذا وقعت فيها فلا ~~تلتهب فيه وأشرف الناس منها على ما يكرهون وبه تزول الغصة إذا أشرف صاحبها ~~على الموت ، وبه يغتسل التعب الكل فيجد الراحة لوقته ، وبه تستقيم ~~المطبوخات وجميع الأشياء التي لا تستعمل ولا تصلح إلا رطبة إلى غير ذلك من ~~مآرب العباد التي لا غنى لهم عنها ، فانظر في عموم هذه النعمة وسهولة ~~تناولها مع الغفلة عن قدرها مع شدة الحاجة PageV01P015 # إليها. فلو ضاقت لكدرت الحياة في الدنيا ، فعلم بهذا أن الله تبارك ms014 ~~وتعالى أراد بإنزاله وتيسيره عمارة الدنيا بما فيها من حيوان ونبات ومعدن ~~إلى غير ذلك من المنافع التي يقصر عنها الوصف لمن يروم حصرها ، فسبحان ~~المتفضل العظيم. ### ||| * باب الحكمة في خلق الهواء # قال الله تعالى : ( @QUR@012 وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء ~~فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين ) [الحجر : 22]. # اعلم رحمك الله أن الهواء في حلقه تتخلخله الرياح ولو لا ذلك لهلك جميع ~~حيوان البر ، وباستنشاقه تعتدل الحرارة في أجسام جميع الحيوانات لأنه لهم ~~مثل الماء لحيوان البحر. فلو انقطع عن الحيوان استنشاقه انصرفت الحرارة ~~التي فيها إلى قلبها فكان هلاكها بسبب ذلك ، ثم انظر إلى الحكمة في سوق ~~السحاب به فيقطع المطر بانتقال السحاب في موضع يحتاج إلى المطر فيها ~~للزراعة ، فلو لا لطف الباري بخلق الرياح لثقلت السحاب وبقيت راكدة في ~~أماكنها وامتنع انتفاع الأرض بها ، ثم انظر كيف تسير السفن بها وتنتقل ~~بحدوثها وهبوبها فتحمل فيها من أقاليم إلى أقاليم مما لا يخلق تلك الأشياء ~~فيها فينتفع أهلها ، فلو لا تنقلها بالهواء لم تكن تلك الأشياء إلا ~~بمواضعها التي خلقت فيها خاصة ، ولعسر نقلها بالدواب إلى غيرها من الأقاليم ~~، وللعباد ضرورات تدعو إلى ما ينقل إليهم مما ليس يخلق عندهم ، ومنافع يكثر ~~تعدادها من طلب أرباح لمن يجلها ويعلم فوائدها. ثم انظر إلى ما في الهواء ~~من اللطافة والحركة التي تتخلل أجزاء العالم فينقي بحركته عفن الأرض ، فلو ~~لاه لعفنت المساكن وهلك الحيوان بالوباء والعلل ، ثم انظر إلى ما يحصل منه ~~من النفع في نقل السوافي والرمال إلى البساتين وتقوية أشجارها بما ينتقل ~~إليها من التراب بسبب حركة الهواء وتستر وجوه جبال بالسافي فيمكن الزراعة ~~فيه وما فصل إلى السواحل مما ينتفع الناس بسببه ، وكل ذلك بحركة البحر ~~بالهواء فيقذف البحر العنبر وغيره مما ينتفع به العباد في أمورهم. ثم انظر ~~كيف يتفرق المطر بسبب حركة الهواء فيقع على الأرض قطرات ، فلو لا حركة ~~الهواء لكان الماء عند نزوله ينزل انصبابة واحدة فيهلك ما يقع عليه ، ثم ~~يجتمع ms015 بلل القطرات فيجتمع أنهارا وبحارا على وجه الأرض من غير تضرر ويحصل ~~بذلك مقصودهم على أحسن وجه ، فانظر إلى أثر رحمة الله ، فسبحان اللطيف ~~بخلقه المدبر لملكه ، ثم انظر عموم هذه الرحمة وعظيم نفعها وشمول هذه ~~النعمة وجليل قدرها كما نبه العقول عليها بقوله تعالى : ( @QUR@029 هو الذي ~~أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون* ينبت لكم به الزرع ~~والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات ، إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون ) ~~[النحل : 10 ، 11]. ثم من تمام النعمة وعظيم الحكمة أن جعل سبحانه الصحو ~~يتخلل نزول الغيث فصارا يتعاقبان لما فيه صلاح هذا العالم ، فلو دام واحد ~~منهما عليه لكان فسادا. ألا ترى إلى الأمطار إذا توالت وكثرت عفنت البقول PageV01P016 # والخضراوات وهدمت المساكن والبيوت وقطعت السبل ومنعت من الأسفار وكثير من ~~الحرف والصناعات ولو دام الصحو لجفت الأبدان والنبات ، وعفن الماء الذي في ~~العيون والأدوية ، فأضر ذلك بالعباد. وغلب اليبس على الهواء فأحدث ضررا آخر ~~من الأمراض ، وغلت بسببه الأسعار من الأقوات ، وبطل المرعى وتعذر على النحل ~~ما يجده من الرطوبة التي يرعاها على الأزهار ، وإذا تعاقبا على العالم ~~اعتدل الهواء ودفع كل واحد منهما ضرر الآخر فصلحت الأشياء واستقامت ، وهذا ~~هو الغالب من مشيئة الله. # فإن قيل : قد يقع من أحدهما ضرر في بعض الأوقات. قلنا : قد يكون ذلك ~~لتنبيه الإنسان بتضاد الأشياء على نعمة الله تعالى وفضله ورحمته أنه هو ~~الغالب فيحصل لهم بتلك انزجار عن الظلم والعصيان ، ألا ترى من سقم جسمه ~~احتاج إلى ما يلائمه من الأدوية البشعة الكريهة ليصلح جسمه ويصح ما فسد ~~منه. قال الله تعالى : ( @QUR@09 ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير ~~بصير ) [الشورى: 27]. ### ||| * باب في حكمة خلق النار # قال الله تعالى : ( @QUR@019 أفرأيتم النار التي تورون* أأنتم أنشأتم ~~شجرتها أم نحن المنشؤن* نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين* فسبح باسم ربك ~~العظيم ) [الواقعة : 71. 74]. # اعلم وفقنا الله وإياك : أن الله خلق النار ، وهي من أعظم النعم على ~~عباده ، ولما علم سبحانه وتعالى ms016 أن كثرتها وبثها في العالم مفسدة جعلها ~~الله بحكمته محصورة حتى إذا احتيج إليها وجدت واستعملت في كل أمر يحتاج ~~إليها فيه ، فهي مخزونة في الأجسام ، ومنافعها كثيرة لا تحصى. فمنها ما ~~تصلحه من الطبائخ والأشربة التي لولاها لم يحصل فيها نضج ولا تركيب ولا ~~اختلاط ، ولا صحة هضم لمن يستعملها في أكل وشرب. فانظر لطف الباري سبحانه ~~في هذا الأمر المهم ثم انظر فيما يحتاج الناس إليه من الذهب والفضة والنحاس ~~والحديد والرصاص والقصدير وغير ذلك ، فلولاها لم يكن شيء من الانتفاع من ~~هذه الأشياء ، فبها يذاب النحاس فتعمل منه الأواني وغيرها. وقد نبه الله ~~تعالى على مثل ذلك بأنها نعمة توجب الشكر. فقال تعالى: ( @QUR@04 اعملوا آل ~~داود شكرا ) [سبأ : 13]. وبه يلين الحديد فيعملون به أنواعا من المنافع ~~والآلات للحروب مثل الدروع والسيوف إلى غير ذلك مما يطول تعداده ، وقد نبه ~~الله تعالى على مثل هذا ، فقال : ( @QUR@07 وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ~~ومنافع للناس ) [الحديد : 25]. وقال تعالى : ( @QUR@06 لتحصنكم من بأسكم ~~فهل أنتم شاكرون ) [الأنبياء : 80]. ومنه يعمل آلات للحرث والحصاد وآلات ~~تتأثر بها النار ، وآلات يطرق بها ، وآلات لقطع الجبال الصمة ، وآلات ~~لنجارة الأخشاب مما يكثر تعدادها. فلو لا لطف الله سبحانه بخلق النار لم ~~يحصل من ذلك شيء من المنافع ، ولولاها لما كان يتهيأ للخلق من الذهب والفضة ~~نقود ولا زينة ولا منفعة ، وكانت هذه الجواهر معدودة من جملة الأتربة ، ثم ~~انظر إلى ما جعل الله تعالى في النار من الفرح والترح عند ما تغشى الناس ~~ظلمة الليل كيف يستضيئون بها ويهتدون بنورها في جميع أحوالهم من PageV01P017 # أكل وشرب وتمهيد مراقد ، ورؤية ما يؤذيهم ومؤانسة مرضاهم وقصدها والعمل ~~عليها برا وبحرا فيجدون بوجودها أنسا حتى كأن الشمس لم تغب عن أفقهم ، ~~ويدفعون بها ضرر الثلوج والرياح الباردة ويستعينون بها في الحروب ومقاومة ~~حصون لا تملك إلا بها ، فانظر ما أعظم قدر هذه النعمة التي جعل سبحانه ~~حكمها بأيديهم إن شاؤوا خزنوها وإن شاؤوا أبرزوها. ### ||| * باب في حكمة خلق الإنسان ms017 # قال تعالى : ( @QUR@07 ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ) [المؤمنون : ~~12]. إلى آخر ما وصفه سبحانه. # اعلم وفقك الله تعالى أن الله عز وجل لما سبق في علمه خلق الخلق وبثهم في ~~هذه الدار ، وتكليفهم فيها للبلوى والاختبار. خلقهم سبحانه متناسلين بعضهم ~~من بعض ، فخلق سبحانه الذكر والأنثى وألقى في قلوبهم المحبة والدواعي حتى ~~عجزوا عن الصبر وعدموا الحيلة في اجتناب الشهوة. فساقتهم الشهوة المفطورة ~~في خلقهم إلى الاجتماع وجعل الفكرة تحرك عضوا مخصوصا به إلى إيداع الماء في ~~القرار المكين الذي يخلق فيه الجنين ، فاجتمعت فيه النطفة من سائر البدن ~~وخرجت ماء دافقا مندفعا من بين الصلب والترائب بحركة مخصوصة ، فانتقلت بسبب ~~الإفلاج من باطن إلى باطن. فكانت مع انتقالها باقية على أصلها ، لأنها ماء ~~مهين أدنى شيء يباشرها يفسدها وبغير مزاجها ، فهي ماء يختلط جميعه مستوية ~~أجزاؤه لا تفاوت فيها بحال ، فخلق سبحانه منه الذكر والأنثى بعد نقلها من ~~النطفة إلى العلقة إلى المضغة إلى العظام ، ثم كساها اللحم وشدها بالأعصاب ~~والأوتار ونسجها بالعروق ، وخلق الأعضاء وركبها فدور سبحانه الرأس وشق فيها ~~السمع والبصر والأنف والفم وسائر المنافذ. فجعل العين للبصر ، ومن العجائب ~~سر كونها مبصرة للأشياء ، وهو أمر يعجز عن شرح سره ، وركبها من سبع طبقات ~~لكل طبقة صفة وهيئة مخصوصة بها ، فلو فقدت طبقة منها أو زالت لتعطلت عن ~~الأبصار ، وانظر إلى هيئة الأشفار التي تحيط بها وما خلق فيها من سرعة ~~الحركة لتقي العين مما يصل إليها مما يؤذيها من غبار وغيره ، فكانت الأشفار ~~بمنزلة باب يفتح وقت الحاجة ويغلق في غير وقت ، ولما كان المقصود من ~~الأشفار جمال العين والوجه جعل شعرها على قدر لا يزيد زيادة تضر بالعين ولا ~~تنقص نقصا يضر بها ، وخلق في مائها ملوحة لتقطيع ما يقع فيها ، وجعل ~~طرفيهما منخفضين عن وسطهما قليلا لينصرف ما يقع في العين لأحد الجانبين ، ~~وجعل الحاجبين جمالا للوجه وسترا للعينين وشعرهما يشبه الأهداب في عدم ~~الزيادة المشوهة ، وجعل شعر الرأس واللحية قابلا للزيادة والنقص ms018 ، فيفعل ~~فيهما ما يقصد به الجمال من غير تشويه ، ثم انظر إلى الفم واللسان وما في ~~ذلك من الحكم ، فجعل الشفتين سترا للفم كأنهما باب يغلق وقت ارتفاع الحاجة ~~إلى فتحه ، وهو ستر على اللثة والأسنان مفيد للجمال ، فلو لا هما لتشوهت ~~الخلق ، وهما معينان على الكلام واللسان للنطق والتعبير عما في ضمير ~~الإنسان وتقليب الطعام وإلقائه تحت الأضراس حتى يستحكم PageV01P018 # مضغه ، ويسهل ابتلاعه ، ثم جعل الأسنان أعدادا متفرقة ولم تكن عظما واحدا ~~، فإن أصاب بعضها ثلم انتفع بالباقي ، وجمع فيها بين النفع والجمال ، وجعل ~~ما كان منها معكوسا زائد الشعب حتى تطول مدته مع الصف الذي تحته ، وجعلها ~~صلبة ليست كعظام البدن لدعاء الحاجة إليها على الدوام ، وفي الأضراس كبر ~~وتسريف لأجل الحاجة إلى درس الغذاء ، فإن المضغ هو الهضم الأول ، وجعلت ~~الثنايا والأنياب لتقطيع الطعام وجمالا للفم فأحكم أصولها ، وحدد ضروسها ، ~~وبيض لونها مع حمرة ما حولها ، متساوية الرؤوس متناسبة التركيب ، كأنها ~~الدر المنظوم ، ثم انظر كيف خلق في الفم نداوة محبوسة لا تظهر إلا في وقت ~~الحاجة إليها ، فلو ظهرت وسالت قبل ذلك لكان تشويها للإنسان ، فجعلت ليبل ~~بها ما يمضغ من الطعام حتى يسهل تسويغه من غير عنت ولا ألم. فإذا فقد الأكل ~~عدمت تلك النداوة الزائدة التي خلقت للترطيب ، وبقي منها ما يبل اللهوات ~~والحلق لتصوير الكلام ولئلا يجف ، فإن جفافه مهلك للإنسان ، ثم انظر إلى ~~رحمة الله ولطفه ، إذ جعل للآكل لذة الأكل فجعل الذوق في اللسان وغيره من ~~أجزاء الفم ليعرف بالذوق ما يوافقه ويلائمه من الملذوذ فيجد في ذلك راحة في ~~الطعام والشراب إذا دعت حاجة إلى تناوله وليجتنب الشيء الذي لا يوافقه ، ~~ويعرف بذلك حد ما تصل الأشياء إليه في الحرارة والبرودة ، ثم إن الله تعالى ~~شق السمع وأودعه رطوبة مرة يحفظ بها السمع من ضرر الدود ويقتل أكثر الهوام ~~الذين يلجون السمع ، وحفظ الأذن بصدفة لتجمع الصوت فترده إلى صماخها. وجعل ~~فيها زيادة حس لتحس بما يصل إليها مما يؤذيها ms019 من هوام وغيرها ، وجعل فيها ~~تعويجات ليتطرد فيها الصوت ، ولتكثر حركة ما يدب فيها ويطول طريقه فيتنبه ~~فيتأثر ويتنبه صاحبها من النوم ، ثم انظر إلى إدراكه المشمومات بواسطة ولوج ~~الهواء ، وذلك سر لا يعلم حقيقته إلا الباري سبحانه إلى غير ذلك ، ثم انظر ~~كيف رفع الأنف في وسط الوجه ، فأحسن شكله ، وفتح منخريه ، وجعل فيها حاسة ~~الشم ليستدل باستنشاقه على روائح مطاعمه ومشاربه ، وليتنعم بالروائح العطرة ~~ويجتنب الخبائث القذرة ، وليستنشق أيضا روح الحياة غذاء لقلبه وترويحا ~~لحرارة باطنه ، ثم خلق الحنجرة وهيأها لخروج الأصوات ، ودور اللسان في ~~الحركات والتقطيعات ، فينقطع الصوت في مجاري مختلفة تختلف بها الحروف ليشع ~~طرق النطق ، وجعل الحنجرة مختلف الأشكال في الضيق والسعة والخشونة والملاسة ~~وصلابة الجوهر ورخاوته والطول والقصر ، حتى اختلف بسبب ذلك الأصوات. فلم ~~يتشابه صوتان ، كما خلق بين كل صورتين اختلافا فلم تشتبه صورتان ، بل يظهر ~~بين كل صورتين فرقان ، حتى يميز السامع بعض الناس عن بعض بمجرد الصوت ، ~~وكذلك يظهر بين كل شخصين فرقان ، وذلك لسر التعارف فإن الله تعالى لما خلق ~~آدم وحواء خالف بين صورتيهما ، فخلق منهما خلقا جعله مخالفا لخلق أبيه وأمه ~~، ثم توالى الخلق كذلك لسر التعارف ثم انظر لخلق اليدين تهديان إلى جلب ~~المقاصد ودفع المضار وكيف عرض الكف وقسم الأصابع الخمس ، وقسم الأصابع ~~بأنامل ، وجعل الأربعة في PageV01P019 # جانب والإبهام في جانب آخر فيدور الإبهام على الجميع ، فلو اجتمع الأولون ~~والآخرون على أن يستطيعوا بدقة الفكر وجها آخر عن وضع الأصابع سوى ما وضعت ~~عليه من بعد الإبهام عن الأربعة ، وتفاوت الأربعة في الطول وترتيبها في صف ~~واحد لم يقدروا على ذلك ، وبهذا الوضع صلح بها القبض والإعطاء. فإن بسطها ~~كانت طبقا يضع عليه ما يريد ، وإن جمعها كانت آلة يضرب بها ، وإن ضمها ضما ~~غير تام كانت مغرفة له ، وإن بسطها وضم أصابعه كانت مجرفة ، ثم خلق الأظفار ~~على رءوسها زينة للأنامل وعمادا لها من ورائها حتى لا تضعف بها ويلتقط ~~الأشياء الدقيقة التي لا تتناولها ms020 الأنامل لولاها ، وليحك بها جسمه عند ~~الحاجة إلى ذلك ، فانظر أقل الأشياء في جسمه لو عدمها وظهرت به حكة لكان ~~أضعف الخلق وأعجزهم عن دفع ما يؤلمه ، وجلب ما ينتفع به في ذلك ولم يقم له ~~غير الظفر مقامه في حك جسده ، لأنه مخلوق لذلك ولغيره فهو لا صلب كصلابة ~~العظام ولا رخو كرخاوة الجلد يطول ويخلق ويقص ويقصر لمثل ذلك ، ثم جعله ~~يهتدي به إلى الحك في حالة نومه ويقظته ويقصد المواضع إلى جهتها من جسده ، ~~ولو احتاج إلى غيره واستعان به في حكمها لم يعثر الغير على مواضع الحاجة ~~إلا بعد طول وتعب ، ثم انظر كيف مد منه الفخذين والساقين وبسط القدمين ~~ليتمكن بذلك من السعي ، وزين القدمين بالأصابع ، وجعلها زينة وقوة على ~~السعي ، وزين الأصابع أيضا بالأظفار وقواها بها ، ثم انظر كيف خلق هذا كله ~~من نطفة مهينة ، ثم خلق منها عظام جسده فجعلها أجساما قوية صلبة لتكون ~~قواما للبدن وعمادا له ، وقدرها تبارك وتعالى بمقادير مختلفة وأشكال ~~متناسبة ، فمنها صغير وطويل ومستدير ومجوف ومصمت عريض ودقيق ، ثم أودع في ~~أنابيب هذه العظام المخ الرقيق مصونا لمصلحتها وتقويتها ولما كان الإنسان ~~محتاجا إلى جملة جسمه ، وبعض أعضائه لتردده في حاجاته لم يجعل الله سبحانه ~~عظامه عظما واحدا بل عظاما كثيرة ، وبينها مفاصل حتى تتيسر بها الحركة فقدر ~~شكل كل واحد منها على قدر وفق الحركة المطلوبة بها. # ثم وصل مفاصلها وربط بعضها ببعض بأوتاد أثبتها بأحد طرفي العظم وألصق ~~الطرف الآخر كالرباط ، ثم خلق في أحد طرفي العظم زوائد خارجية منها ، ومن ~~الآخرة نقرا غائصة فيها توافق لأشكال الزوائد لتدخل فيها وتنطبق ، فصار ~~الإنسان إذا أراد أن يحرك شيئا من جسده دون غيره لم يمتنع عليه ، فلو لا ~~حكمة خلق المفاصل لتعذر عليه ذلك ، ثم انظر كيف جعل خلق الرأس مركبا من ~~خمسة وخمسين عظما مختلفة الأشكال والصور ، وألف بعضها إلى بعض بحيث استوت ~~كرة الرأس كما ترى ، فمنها ستة تختص بالقحف ، وأربعة وعشرون للحي الأعلى ، ~~واثنان ms021 للحي الأسفل ، والبقية من الأسنان بعضها عريض يصلح للطحن ، وبعضها ~~حاد يصلح للقطع ، ثم جعل الرقبة مركز الرأس ، فركبها من سبع خرزات مجوفات ~~مستديرات وزيادات ونقصان لينطبق بعضها على بعض ويطول ذكر الحكمة فيها ، ثم ~~ركب الرقبة على الظهر من أسفل الرقبة إلى منتهى عظم العجز من أربعة وعشرين ~~خرزة وعظم العجز ثلاثة أخرى مختلفة ووصل به من أسفله عظم العصعص وهو مؤلف ~~من ثلاثة PageV01P020 # أخرى ، ثم وصل عظام الظهر بعظام الصدر وعظام الكتف وعظام اليدين وعظام ~~العانة وعظام العجز وعظام الفخذين والساقين وأصابع الرجلين ، فجملة عدد ~~العظام في بدن الإنسان مائتا عظم وثمانية وأربعون عظما سوى العظام الصغيرة ~~التي حشي بها خلل المفاصل ، فانظر كيف خلق الباري سبحانه وتعالى ذلك كله من ~~نطفة رقيقة سخيفة ، والمقصود من ذكر أعدادها تعظيم مدبرها وخالقها وكيف ~~خلقها وخالف بين أشكالها وخصها بهذا القدر المخصوص بحيث لو ازداد فيها واحد ~~كان وبالا ، واحتاج الإنسان إلى قلعه ولو نقص منها واحد لاحتاج الإنسان إلى ~~جبره فجعل سبحانه وتعالى في هذا الخلق عبرة لأولي الأبصار وآيات بينات على ~~عظمته وجلاله بتقديرها وتصويرها. # ثم انظر كيف خلق سبحانه آلات لتحريك العظام وهي العضلات. فخلق في بدن ~~الإنسان خمسمائة وتسعة وعشرين عضلة ، والعضلة مركبة من لحم وعصب ورباط ~~وأغشية وهي مختلفة المقادير والأشكال بحسب اختلاف مواضعها وحاجتها. فأربعة ~~وعشرون منها لحركة العين وأجفانها بحيث لو نقصت منها واحدة اختل أمر العين ~~، وهكذا لكل عضو عضلات بعدد يخصه وقدر يوافقه ، وأما أمر الأعصاب والعروق ~~والأوردة والشرايين ومنابتها وسعتها ، فأعجب من هذا وشرحه يطول ، ثم عجائب ~~ما فيه من المعاني والصفات التي لا تدرك بالحواس أعظم ، ثم انظر إلى ما شرف ~~به وخص في خلقه بأنه خلق ينتصب قائما ويستوي جالسا ويستقبل الأمور بيديه ~~وجوارحه ويمكنه العلاج والعمل ولم يخلق مكبوبا على وجهه كعدة من الحيوانات ~~، إذ لو كان كذلك لما استطاع هذه الأعمال ، ثم انظر من حيث الجملة إلى ظاهر ~~هذا الإنسان وباطنه فتجده مصنوعا صنعة بحكمة تقضي ms022 منها العجب ، وقد جعل ~~سبحانه أعضاءه تامة بالغذاء ، والغذاء منوال عليها. لكنه تبارك وتعالى ~~قدرها بمقادير لا يتعداها ، بل يقف عندها ولا يزيد عليها ، فإنها لو تزايدت ~~بتوالي الغذاء عليها لعظمت أبدان بني آدم وثقلت عن الحركة ، وعطلت عن ~~الصناعات اللطيفة ولا تناولت من الغذاء ما يناسبها ، ومن اللباس كذلك ، ومن ~~المساكن مثل ذلك ، وكان من بليغ الحكمة وحسن التدبير وقوفها على هذا الحد ~~المقدر رحمة من الله ورفقا بخلقه ، فإذا وجدت هذا كله صنعه الله تعالى من ~~قطرة ماء ، فما ظنك بصنعته في ملكوت السماوات والأرض وشمسها وقمرها ~~وكواكبها وما حكمته في أقدارها وأشكالها وأعدادها وأوضاعها واجتماع بعضها ، ~~وافتراق بعضها ، واختلاف صورها ، وتفاوت مشارقها ومغاربها. فلا تظن أن ذرة ~~في السماوات والأرض وسائر علم الله ينفك عن حكم ، بل ذلك مشتمل على عجائب ~~وحكم لا يحيط بجميعها إلا الله سبحانه وتعالى. ألم تسمع قوله سبحانه وتعالى ~~: ( @QUR@06 أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها ) [النازعات : 27]. إلى آخر ما ~~نبه به ، وتأمل لو اجتمع الإنس والجن على أن يخلقوا للنطفة سمعا وبصرا ~~وحياة لم يقدروا على ذلك ، فانظر كيف خلقها سبحانه في الأرحام ، وشكلها ~~فأحسن تشكيلها ، وقدرها فأحسن تقديرها ، وصورها فأحسن تصويرها ، وقسم ~~أجزاءها المتشابهة إلى أجزاء مختلفة ، فأحكم العظام في أرجائها وحسن أشكال ~~أعضائها ، ورتب عروقها وأعصابها ودبر PageV01P021 # ظاهرها وباطنها ، وجعل فيها مجرى لغذائها ليكون ذلك سببا لبقائها مدة ~~حياتها. # ثم كيف رتب الأعضاء الباطنة من القلب والكبد والمعدة والطحال والرئة ~~والرحم والمثانة والأمعاء كل عضو بشكل مخصوص ومقدار مخصوص لعمل مخصوص ، ~~فجعل المعدة لنضج الغذاء عصبا معينا شديدا لحاجتها وبذلك يمكن تقطيعه وطحنه ~~، وجعل طحن الأضراس أولا معينا للمعدة على جودة طحنه وهضمه وجعل الكبد ~~لإحالة الغذاء إلى الدم فيجتذب منه كل عضو من الغذاء ما يناسبه ، فغذاء ~~العظم خلاف غذاء اللحم وغذاء العروق خلاف غذاء الأعصاب ، وغذاء الشعر خلاف ~~غذاء غيره ، وجعل الطحال والمرارة والكلية لخدمة الكبد فالطحال لجذب ~~السوداء ، والمرارة لجذب الصفراء ، والكلية المائية عنه والمثانة لقبول ~~الماء ms023 عن الكلية ، ثم يخرجه في مجرى الإحليل والعروق والكبد في اتصال الدم ~~منه إلى سائر أطراف البدن ، وجعل جوهرها أتقن من جوهر اللحم ليصونه ويحصره ~~فهي بمنزلة الظروف والأوعية ، ثم انظر كيف دبره في الرحم ولطف به ألطافا ~~يطول شرحها ولا يستكمل العلم بجملتها إلا خالقها ويعجز الواصف عن وصف ما ~~وصل إليه نظره من ذلك ، فمن ذلك جعله فيهما لا يحتاج إلى استدعاء ، ولا ~~يحتاج المولود إلى ما يبين ذلك لا بوعظ ولا تنبيه ، بل ذلك في الطباع إلى ~~وقت حاجة المولود إلى الإغاثة في غذائه ، ولو لا ذلك لنفرت الأمهات عنه من ~~شدة التعب وكلفة التربية حتى اشتد جسمه وقويت أعضاؤه الظاهرة والباطنة لهضم ~~الغذاء ، فحينئذ أنبت له الأسنان عند الحاجة إليها لا قبل ذلك ولا بعده. # ثم انظر كيف خلق الله فيه التمييز والعقل على التدريج إلى حين كماله ~~وبلوغه ، وانظر وفكر في سر كونه يولد جاهلا غير ذي عقل وفهم ، فإنه لو كان ~~ولدا عاقلا فيهما لأنكر الوجود عند خروجه إليه حتى يبقى حيران تائه العقل. ~~إذ رأى ما لا يعرف ، وورد عليه ما لم يره ولم يعهد مثله ، ثم كان يجد غضاضة ~~أن يرى نفسه محمولا وموضوعا معصبا بالخرق ومسجى في المهد مع كونه لا يستغني ~~عن هذا كله لرقة بدنه ورطوبته حين يولد ، ثم كان لا يوجد له من الرقة له ~~والحلاوة والمحبة في القلوب ما يوجد للصغير لكثرة اعتراضه بعقله واختياره ~~لنفسه ، فتبين أن ازدياد العقل والفهم فيه على التدريج أصلح به. أفلا يرى ~~كيف أقام كل شيء من الخلقة على غاية الحكمة وطريق الصواب وأعلمه تقلب الخطأ ~~في دقيقه وجليله ، ثم انظر فيما إذا اشتد خلق فيه طريقا وسببا للتناسل وخلق ~~في وجهه شعرا ليميزه عن شبه الصبيان والنسوان ويجمله ويستر به غضون وجهه ~~عند شيخوخته ، وإن كانت أنثى أبقى وجهها نقيا من الشعر لتبقى لها بهجة ~~ونضارة تحرك الرجال لما في ذلك من بقاء النسل. # فكر الآن فيما ذكرناه ودبره سبحانه ms024 في هذه الأحوال المختلفة ، هل ترى مثل ~~هذا يمكن أن يكون مهلا ، أرأيت لو لم يجر له الدم غذاء وهو في الرحم ألم ~~يكن يذوي ويهلك ويجف كما يجف النبات إذا انقطع عنه الماء. ولو لم يزعجه ~~المخاض عند استكماله ، ألم يكن يهلك ببقائه في الرحم هو وأمه؟ ولو لم يوافه ~~اللبن عند ولادته ، ألم يكن يموت جوعا وعطشا أو يغذى بما لا PageV01P022 # يوافق ولا يصلح عليه بدنه؟ ولو لم يخلق له الأسنان في وقتها ، ألم يكن ~~يمتنع عليه مضغ الطعام وازدراده ويقيم على الرضاع ولا يشتد جسمه؟ ولو لم ~~يخرج شعر الوجه لبقي في هيئة النساء والصبيان فلا ترى له هيبة ولا جلالة ~~ولا وقارا ، ومن ذا الذي يرصده حتى يوفيه بكل هذه المآرب في وقتها إلا الذي ~~أنشأه بعد أن لم يكن شيئا مذكورا وتفضل عليه ومن عليه بكل هذه النعم. # فكر في شهوة الجماع الداعية لإحيائه ، والآلة الموصلة إلى الرحم النطفة ~~والحركة الموجبة لاستخراج النطفة وما في ذلك من التدبير المحكم ، ثم فكر في ~~جملة أعضاء البدن وتهيئة كل عضو منها للأرب الذي أريد منها فالعينان ~~للاهتداء بالنظر ، واليدان للعلاج والحذف والدفع والرجلان للسعي ، والمعدة ~~لهضم الطعام ، والكبد للتخليص والتمييز ، والفم للكلام ودخول الكلام ودخول ~~الغذاء ، والمنافذ لدفع الفضلات. وإذا تأملت كذلك مع سائر ما في الإنسان ~~وجدته قد وضع على غاية الحكمة والصواب فكر في وصول الغذاء إلى المعدة حتى ~~ينضجه ويبعث صفوه إلى الكبد في عروق دقاق قد جعلت كالمصفاة للغذاء ، ولكيلا ~~يصل إلى الكبد منه شيء غليظ خشن فينكؤها فإنها خلقت دقيقة لا تحمل الغث ~~فتقلبه بإذن الله دما وتنفذ إلى سائر البدن في مجار مهيأة لذلك فيصل إلى كل ~~شيء من ذلك ما يناسبه من يابس ورخو وغير ذلك : ( @QUR@04 فتبارك الله رب ~~العالمين ) [غافر : 64]. ثم ينفذ ما يكون من خبث وفضول إلى معابض وأعضاء ~~أعدت لذلك كما ذكرنا قبل هذا ، فكونها كالأوعية تحمل هذه الفضلات لكيلا ~~تنتشر في البدن فتقسمه. # ثم انظر هل ms025 تجد في خلق البدن شيئا لا معنى له. هل خلق البصر إلا ليدرك ~~الأشياء والألوان ، فلو كانت الألوان ولم يكن بصر يدركها ، هل كان في ~~الألوان منفعة؟ ولو لم يكن لخلق الأبصار ، نور خارج عن نورها ما كان ينتفع ~~بالبصر؟ وهل خلق السمع إلا ليدرك الأصوات؟ فلو كانت الأصوات ولم يكن سمع ~~يدركها لم يكن في الأصوات منفعة ، وكذلك سائر الحواس ، فكر في أشياء جعلت ~~بين الحواس والمحسوسات لا يتم الحس إلا بها : منها الضياء والهواء ، فلو لم ~~يكن ضياء تظهر فيه المبصرات لم يدركها البصر ، ولو لم يكن هواء يؤدي الصوت ~~إلى السمع لم يكن السمع يدرك الصوت. # فكر فيمن عدم البصر والسمع وما يناله من الخلل فإنه لا ينظر أن يضع قدمه ~~ولا يدري ما بين يديه ولا يفرق بين الألوان ولا يدري بهجوم آفة أو عدو ولا ~~سبيل له أن يتعلم أكثر الصناعات ، وأما من عدم السمع فإنه من يفقد روح ~~المخاطبة والمحاضرة ويعدم لذة الأصوات المستحسنة والألحان المطربة وتعظم ~~المئونة على من يخاطبه حتى ينصرم منه ولا يسمع شيئا من أخبار الناس ~~وأحاديثهم حتى يصير كالغائب وهو شاهد ، وكالميت وهو حي ، وأما من عدم العقل ~~فهو أشر من البهائم ، فانظر كيف صارت هذه الجوارح وهذه الأوصاف التي بها ~~صلاح الإنسان محصلة ومبلغة لجميع مآربه ومتممة لجميع مقاصده ، وإذا فقد ~~شيئا اختل أمره وعظم مصابه ، ومن بلي بفقد شيء منها فهو تأديب وموعظة ~~وتعريف بقدر نعمة الله في حقه وحق أمثاله ولينال PageV01P023 # بصبره على ذلك حظا في الآخرة ، فانظر إلى رحمة الله كيف توجد في العطاء ~~والمنع. # ثم فكر في الأعضاء التي خلقت أفرادا وأزواجا ، وما في ذلك من الحكمة ~~والصواب ، فالرأس مما خلق فردا ، وإن كثيرا من الحواس قد حواها رأس واحد ~~ولو زاد عليه شيء كان ثقلا لا يحتاج إليه ، فإن كان قسمين فإن تكلم واحدهما ~~بقي الآخر معطلا لا حاجة إليه ، وإن تكلم منهما جميعا بكلام واحد كان ~~أحدهما فضلة لا يحتاج إليها ، وإن ms026 تكلم من أحدهما بخلاف ما يتكلم به من ~~الآخر لم يدر السامع مراده من ذلك ، وأما الذي يأخذ به السامع هو ما كان ~~واضحا ، واليدان خلقتا أزواجا ولم يكن للإنسان خير في أن يكون يلم بيد ~~واحدة لاختلال ما يعالجه من الأمور ، فإنك ترى من شلت إحدى يديه ما يكون ~~عنده من النقص ، وأن يكلف بشيء لم يحكمه ولا يبلغ ما يبلغ صاحب اليدين ~~وحكمة الرجلين ظاهرة. # فكر في تهيئة آلات الصوت ، فالحنجرة كالأنبوبة لخروج الصوت واللسان ~~والشفتان والأسنان لإصاغة الحروف والفم. ألا ترى أن من سقطت أسنانه أو ~~أكثرها كيف يحصل الخلل في كلامه ، ثم انظر إلى ما في الحنجرة من المنفعة ~~لسلوك النسيم منها إلى الرئة فتروح على الفؤاد بهذا النفس المتتابع ، وما ~~في اللسان من تقليب الطعام وإعانته على تسويغ الطعام والشراب ، وما في ~~الأسنان من المعونة أيضا ، ثم هي كالمسند للشفتين تمسكهما وتدعهما من داخل ~~الفم ، وبالشفتين يرتشف الشراب حتى يكون ما يدخله إلى الجوف بقصد وبقدر ما ~~يختاره الإنسان ، ثم هما على الفم كالباب. # فقد تبين أن كل عضو من هذه الأعضاء ينصرف إلى وجوه من المآرب وضروب من ~~المصالح إن زاد أفسد وإن نقص أفسد ، فذلك تقدير العزيز العليم. فكر في ~~الدماغ إذا كشف عنه فإنك تجده قد لف بعضه فوق بعض ليصونه من الأعراض وأطبقت ~~عليه الجمجمة والشعر ستر لها وجمال ولتبعد عنها ما يؤذيها من حر وبرد وغير ~~ذلك فحصن سبحانه وتعالى الدماغ هذا التحصين لعلمه بأنه معهم وأنه مستحق ~~لذلك لكونه ينبوع الحس ، ثم انظر كيف غيب الفؤاد في جوف الصدر وكساه ~~المدرعة التي هي غشاؤه وأتقنها وحصنه بالجوانح وما عليها من اللحم والعصب ~~لشرفه وأن ذلك اللائق به ، ثم انظر كيف جعل في الحلق منفذين : أحدهما للصوت ~~وهو الحلقوم الواصل إلى الرئة والآخر للغذاء وهو المريء الواصل إلى المعدة ~~، وجعل على الحلقوم طبقا يمنع الطعام أن يصل إليه ، ثم جعل الرئة مروحة ~~الفؤاد لا تفتر ولا تخل تأخذ وترد بغير ms027 كلفة لئلا تنحصر الحرارة في القلب ~~فتؤدي إلى التلف ، ثم ملأ الجو هواء لهذه المصلحة ولغيرها ، ثم انظر كيف ~~جعل منافذ البول والغائط أسراحا يضبطها لكي لا يجري جريانا دائما فيفسد على ~~الإنسان عيشته ، ثم انظر كيف جعل لحم الفخذين كثيرا كثيفا ليقي الإنسان من ~~ألم الجلوس على الأرض كما يألم من الجلوس من نحل جسمه وقل لحمه إذا لم يكن ~~بينه وبين الأرض حائل. # انظر لو كان ذكر الرجل مسترخيا أبدا كيف يصل الماء إلى موضع الخلق ولو ~~كان منعظا أبدا كيف يكون حاله في تصرفاته وهو كذلك؟ بل جعله مستورا كأنه لم ~~تخلق له شهوة ، ثم انظر أليس أنه من حسن التدبير في البناء أن يكون الخلاء ~~في أستر موضع في الدار ، فلهذا اتخذ المنفذ PageV01P024 # المهيأ لقضاء حاجة الإنسان في أستر موضع من جسده مغيب فيه تلتقي عليه ~~فخذاه بما عليهما من اللحم فتواريه به ويخفي ذكره ، وذلك مخصوص بالإنسان ~~لشرفه ، ثم انظر في خلق الشعر والأظفار لما كانا يطولان ، وفي تقصيرهما ~~مصلحة جعلا عديمي الحس حتى لا ينال الإنسان ألم عند التزيين بقصهما ، ولو ~~لا هذه الحكمة لكان بين أمرين : إما أن يدعهما على حالهما فيتشوه خلقه ، أو ~~يزيل ذلك فيتألم بإزالته ، ثم تفكر في الشعور لو نبتت في العين لأعمت البصر ~~، أو في الفم لنغصت الأكل والشرب ، أو في راحة الكف لنفدت لذة اللمس وبعض ~~الأعمال ، أو في الفرج لكدرت لذة الجماع مع قبول هذه المواضع لنباتها فيها. ~~فسبحان المدبر المنعم بهذه النعم. # فانظر كيف تصد بهذا الخلق طريق الصواب وتجنب الخطأ والضرر ثم فيما جبل ~~عليه الإنسان من الاحتياج إلى المطعم والنوم والجماع وما في ذلك من التدبير ~~المحكم. فقد جعل في طبعه محركا يقتضيه ويستحثه. فالجوع والعطش يقتضي طلب ~~الطعام الذي به حياته ، وكذلك الشراب الذي به قوامه والنوم فيه راحة البدن ~~وعموم القوى ، والشبق يقتضي الجماع الذي به دوام النسل وبقاؤه ، فلو كان ~~الإنسان إنما يتناول الطعام والشراب لمعرفته بالحاجة إليه ولم يجد ms028 من طباعه ~~ما يلجئه إليه لاشتغل بأسباب ضرورته فينحل قواه ويهلك كما أنه قد يحتاج إلى ~~دواء يكرهه ، وفيه صلاحه وليس في جبلته داعية له فيدافع عن تناوله فيمرض أو ~~يموت فكذلك لو كان يفعل النوم ويدخله على جسمه باختياره لتشاغل عنه ببعض ~~مهماته فيهلك جسمه بالتعب والنصب. وكذلك لو كان إقدامه على الجماع إنما هو ~~لرغبة حصول الولد لانقطع النسل لما يعارضه من الأسباب المشغلة. فانظر كيف ~~جعل فيه بالطبع ما يضطره إلى حصول هذه الفوائد. انظر كيف رتبت هذه القوى ~~بهذا الترتيب المحكم العجيب. فصار البدن بما فيه بمنزلة دار لملك فيها حشم ~~وقوم موكلون بالدار فواحد لإمضاء حوائج الحشم وإيراد ماء لهم ، وآخر لقبض ~~ما يرد خزنه إلى أن يعالج ويهيأ ، وآخر لإصلاح ذلك وتهيئته وإصلاحه أخص مما ~~قبل ، وآخر لكسح ما في الدار من الأقذار وإخراجه ، فالملك في هذا المثل هو ~~الخالق العليم سبحانه. والدار هي البدن ، والحشم هي الأعضاء ، والقوم في ~~هذه القوى الأربع التي هي النفس وموقعها من الإنسان بمعنى الفكر والوهم ~~والعقل والحفظ والغضب وغير ذلك. أرأيت لو نقص من الإنسان من هذه الصفات ~~الحفظ وحده كيف يكون حاله ، وكان لا يحفظ ما له وما عليه وما أصدر وما أورد ~~وما أعطى وما أخذ وما رأى وما سمع وما قال وما قيل له ولم يذكر من أحسن ~~إليه ولا من أساء له ولا من نفعه ممن ضره. وكان لا يهتدي لطريق ولو سلكه ، ~~ولا لعلم ولو درسه ، ولا ينتفع بتحريره ، ولا يستطيع أن يعتبر بمن مضى ، ~~فانظر إلى هذه النعم كيف موقع الواحدة منها ، فكيف جميعها وأعجب من نعمة ~~الحفظ نعمة النسيان. فلو لا النسيان ما سلا الإنسان عن مصيبة فكان لا ينقص ~~له حسرة ولا يذهب عنه حقد ولا يستمتع بشيء من لذات الشهوات الدنيوية مع ~~تذكر الآفات والفجائع المغضبات ، وكان لا يمكن أن يتوقع غفلة من ظالم ولا ~~فترة ولا ذهولا من حاسد أو قاصد مضرة. فانظر كيف جعل الله فيه ms029 PageV01P025 # سبحانه الحفظ والنسيان وهما متضادان ، وجعل للإنسان في كل منهما ضروبا من ~~المصالح. # ثم انظر إلى ما خصه به دون غيره من الحيوان من الحياء ، فلولاه لم تقل ~~العثرات ولم تقض الحاجات ولم يقر الضيف ولم يثمر الجميل فيفعل ولا يتجافى ~~عن القبيح فيترك حتى أن كثيرا من الأمور الواجبة ، إنما تفعل لسبب الحياء ~~من الناس ، فترد الأمانات وتراعى حقوق الوالدين وغيرهما ، ويعف عن فعل ~~الفواحش إلى غير ذلك من أجل الحياء ، فانظر ما أعظم موقع هذه النعمة في هذه ~~الصفة ، وانظر ما أنعم الله به من النطق الذي يميز به عنه البهائم فيعبر ~~بما في ضميره ويفهم عن غيره ما في نفسه ، وكذلك نعمة الكتابة التي تفيد ~~أخبار الماضين للباقين ، وأخبار الباقين للآتين ، وبها تخلد في الكتب ~~العلوم والآداب ، ويعلم الناس ذكر ما يجري بينهم في الحساب والمعاملات ، ~~ولو لا الكتابة لانقطعت أخبار بعض الأزمنة عن بعض ، ودرست العلوم وضاعت ~~الفضائل والآداب وعظم الخلل الداخل على الناس في أمورهم بسبب عدمها. # فإن قلت : إن الكلام والكتابة مكتسبة للإنسان وليست بأمر طبيعي ، ولذلك ~~تختلف الخطوط بين عربي وهندي ورومي إلى غير ذلك وكذلك الكلام هو شيء يصطلح ~~عليه ، فلذلك اختلف. # قلنا : ما به تحصل الكتابة من اليد والأصابع والكف المهيأ للكتابة والذهن ~~والفكر الذي يهتدي به ليس بفعل الإنسان ، ولو لا ذلك لم يكن ليكتب أبدا ، ~~فسبحان المنعم عليه بذلك ، وكذلك لو لا اللسان والنطق الطبيعي فيه والذهن ~~المركب فيه لم يكن ليتكلم أبدا ، فسبحان المنعم عليه بذلك. # ثم انظر إلى حكمة الغضب المخلوق فيه يدفع عن نفسه به ما يؤذيها ، وما خلق ~~فيه من الحسد فبه يسعى في جلب ما ينتفع به غير أنه مأمور بالاعتدال في هذين ~~الأمرين ، فإن جاوز الحد فيهما التحق برتبة الشياطين ، بل يجب أن يقتصر في ~~حالة الغضب على دفع الضرر ، وفي الحسد على الغبطة وهي إرادة ما ينفعه من ~~غير مضرة تلحق غيره ، ثم انظر ما أعطى وما منع مما فيه أيضا صلاحه ms030 ، فمن ~~ذلك الأمل فبسببه تعمر الدنيا ويدوم النسل ليرث الضعفاء عن الأقوياء منافع ~~العمارة ، فإن الخلق أول ما يخلق ضعيف فلو لا أنه يجد آثار قوم أحلوا ~~وعمروا لم يكن له محل يأوي إليه ولا آلة ينتفع بها ، فكان الأمل سببا لعمل ~~الحاضرين ما يقع به انتفاع الآتين ، وهكذا يتوارث إلى يوم الدين ، ومنع ~~الإنسان من علم أجله ومبلغ عمره لمصلحة ، فإنه لو علم مدة حياته وكانت ~~قصيرة لم تهن الحياة ولم ينشرح لوجود نسل ولا لعمارة أرض ولا لغير ذلك ، ~~ولو علمها وكانت طويلة لا نهمك في الشهوات وتعدى الحدود واقتحم المهلكات ، ~~ولعجز الوعاظ عن إيقافه وزجره عما يؤديه إلى إتلافه فكان في جهله بمدة عمره ~~مصلحة حصول الخوف بتوقع هجوم الموت ، ومبادرة صالح الأعمال قبل الفوات. # ثم انظر إلى ما ينتفع به مما فيه مصالحه وملاذه من أصناف الأطعمة على ~~اختلاف طعومها ، وأصناف الفواكه مع اختلاف ألوانها وبهجتها ، وأصناف ~~المراكب ليركبها ويحصل منافعها وطيور يلتذ بسماعها ، ونقود وجواهر يقتنيها ~~ويصل بها إلى أغراضه ويجدها في مهماته ، وعقاقير PageV01P026 # يستعملها لحفظ صحته ، وبهائم لمأكله ولغير ذلك من أموره من حرث وحمل وغير ~~ذلك وأزهار وغيرها من العطريات يتنعم بروائحها وينتفع بها ، وأصناف من ~~الملابس على اختلاف أجناسها وكل ذلك ثمرة ما خلق فيه من العقل والفهم ، ~~فانظر ما ذا ركب الله فيه من العجائب. ومن الحكمة البالغة اختلاف العباد في ~~تملك ما ينتفع به بنو آدم ليتميز منهم الفقير من الغني ، فيكون ذلك سببا ~~لعمارة هذه الدار ويشتغل الناس بسبب ذلك عما يضرهم في غالب الأحوال. ~~فمثالهم فيما اشتغلوا به مثال الصبي فإنه يشتغل لنقص عقله فيما يضر به نفسه ~~ولا يتفرغ فيكون فراغه وبالا عليه ، وكم عسى أن يعد العاد من الحكم ~~واللطائف التي يقصد بها قوام العالم وعبادته إلى الأجل المعلوم وهي مما لا ~~تدخل تحت حد ولا يحصرها عد ، ولا يعلم منتهى حقائقها وإحصاء جملتها إلا ~~الحكيم العليم الذي وسعت رحمته وعلمه كل شيء وأحصى كل شيء ms031 عددا. ### ||| * خاتمة لهذا الباب # اعلم أن الباري سبحانه وتعالى شرف هذا الآدمي وكرمه ، فقال سبحانه : ( ~~@QUR@017 ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات ~~وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ) [الإسراء : 70]. # فكان من أعظم ما شرفه به وكرمه العقل الذي تنبه به على البهجة وألحقه ~~بسببه بعالم الملائكة ، حتى تأهل به لمعرفة بارئه ومبدعه بالنظر في ~~مخلوقاته واستدلالا له على معرفة صفاته بما أودعه في نفسه من حكمة وأمانة ، ~~قال الله العظيم : ( @QUR@04 وفي أنفسكم أفلا تبصرون ) [الذاريات: 21]. ~~فكان نظره في نفسه ، وفيما أودع الباري سبحانه فيه من العقل الذي يقطع ~~بوجوده فيه ويعجز عن وصفه من أعظم الدلالات عنده على وجود بارئه ومدبره ~~وخالقه ومصوره ، فإنه ينظر في العقل كيف فيه التدبير وفنون العلم ومستمر ~~المعرفة وبصائر الحكمة والتمييز بين النفع والضر ، وهو مع القطع بوجوده لا ~~يرى له شخصا ولا يسمع له حسا ولا يحس له مجلسا ولا يشم له ريحا ولا يدرك له ~~صورة ولا طعما ، وهو مع ذلك آمر ومطاع زيادة وراج ومفكر ومشاهد الغيوب ~~ومتوهم للأمور اتسع له ما ضاق عن الأبصار ووسع له ما ضاقت عنه الأوعية يؤمن ~~بما غيبته حجب الله سبحانه مما بين سماواته وما فوقها وأرضه وما تحتها ، ~~حتى كأنه شاهد أبين من رأي العين فهو موضع الحكمة ومعدن العلم كلما ازداد ~~علما ازداد سعة وقوة يأمر الجوارح بالتحرك فلا يكاد أن يميز بين الهمة ~~بالحركة ، وبين التحرك بسرعة الطاعة أيهما أسبق. وإن كانت الهمة قبل وهو مع ~~تدبيره وعلمه وحكمته عاجز عن معرفة نفسه إذ لا يمكنه أن يصف نفسه بنفسه ~~بصفة وهيئة أكثر من الإقرار بأنه مسلم للذي وصفه للعلم به ، ومقر بالجهل ~~بنفسه وهو مع جهله بنفسه عالم حكيم يميز بين لطائف التدبير ، ويفرق بين ~~دقائق الصنع ، وتجري الأمور على اختلافها ، فدل جهله بنفسه وعلمه بما يدبر ~~ويميز أنه مركب مصنوع مصور مدبر مقهور ، لأنه مع حكمته واتقاد بصيرته عاجز ~~مهين يريد أن يذكر الشيء فينساه ويريد ms032 أن ينساه فيذكره ، ويريد أن PageV01P027 # يسير فيحزن ، ويريد أن يغفل فيذكر ، ويريد أن يتنبه ويتيقظ فيسهو ويغفل ~~دلالة على أنه مغلوب مقهور وهو مع ما علم جاهل بحقائق ما علم ، ومع ما دبر ~~لا يدري كم مدى مبلغ صوته ولا كيف خروجه ولا كيف اتساق حروف كلامه ، ولا كم ~~مدى مبلغ نظره ، ولا كيف ركب نوره ولا كيف أدرك الأشخاص ، ولا كم قدر قوته ~~ولا كيف تركبت إرادته وهمته؟ فاستدل بعلمه وجسده عن حقيقة ما علم أنه مصنوع ~~بصنعة متقنة وحكمة بالغة تدل على الصانع الخالق المريد العليم عز وجل ، ثم ~~إنه خلق في الإنسان الهوى موافقا لطباعه فإن استعمل نور العقل فيما أمر به ~~ورد مورد السلامة وفاز غدا بدار الكرامة ، وإن استعمله في أغراض نفسه ~~وهواها حجب عن معرفة أمور لا يدركها غيره مع ما هو متوقع له في الدار ~~الآخرة من الثواب والحجاب والعقاب ، وهو الآلة له في عمل الصنائع وتقديرها ~~على نحو ما قدرها ودبرها في ذهنه وتخيله واستنباط ما يستنبط بدقيق الفكر ~~ومعرفة مكارم الأخلاق الموجودة في كل أمة زمان ، واستحسان ما يحسن في عوائد ~~العقلاء والفضلاء وتقبيح ما يقبح عندهم بحكم الاعتياد ، فانظر ما شرف هذا ~~الإنسان أن خلق فيه ما يفيده هذه المعارف ، فإن الأواني تشرف بشرف ما يوضع ~~فيها ، ولما كانت قلوب العباد هي محل للمعرفة بالله سبحانه شرفت بذلك ، ~~ولما سبق في علم البارئ سبحانه وإرادته وحكمته بمصير الخلق إلى دار غير هذه ~~الدار ولم يجعل في قوة عقولهم ما يطلعون به على أحكام تلك الدار ، بل كمل ~~لهم سبحانه هذا النور الذي وهبهم إياه بنور الرسالة إليهم ، فأرسل الأنبياء ~~صلوات الله عليهم مبشرين لأهل طاعته ومنذرين لأهل معصيته ، فمدهم بالوحي ~~وهيأهم لقبوله وتلقيه ، فكانت أنوار ما جاء به الوحي من عند الله بالنسبة ~~إلى نور العقل كالشمس بالإضافة إلى نور النجم ، فدلوا العباد على مصالح ~~دنياهم فيما لا تستقل بإدراكه عقولهم وأرشدوهم إلى مصالح أخراهم التي لا ~~سبيل للعباد أن ms033 يعرفوها إلا بواسطتهم ، وأظهر لهم سبحانه من الدلائل على ~~صدق ما جاءوا به ما أوجب الإذعان والانقياد لصدق أخبارهم ، فتمت بذلك نعمة ~~الله على عباده ، وظهرت كرامته وثبت حجته عليهم ، فانظر ما أشرف الآدمي ~~ونسله الذين ظهرت منهم هؤلاء الفضلاء الذين هم قابلون لهذه الزيادات ~~الفاضلة ، ثم تضافرت أنواع الشرائع التي هي كالشمس ، وأنوار العقول التي هي ~~كالنجم. فتمت سعادة من سبق له من الله الحسنى ، وشقاوة من كذب ولم يرد إلا ~~الحياة الدنيا ، ثم إن الله تبارك وتعالى من على الإنسان بأن خصه برؤيا ~~يراها في منامه أو في عينه كشبه المنام يمثل له فيها بأمثلة معهودة من جنس ~~ما يعرفه وهي مبشرة أو منذرة له لما يتوقعه بين يديه ، كل ذلك مواهب ~~وكرامات من وجود الله سبحانه ، وجعل الله استقامته على الطاعة في قلبه ~~وجوارحه سببا لصدقها في غالب الأمر ليتعظ أو يقدم على الأمور أو يحجم عنها ~~، وهي الأمور التي انفرد الله بعلم العاقبة فيها وأطلع على بعض الأمور منها ~~من شاء. ### ||| * باب في حكمة خلق الطير # قال الله سبحانه وتعالى : ( @QUR@011 ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو ~~السماء ما يمسكهن إلا PageV01P028 # @QUR@01 الله ) [النحل : 79]. اعلم رحمك الله : أن الله تعالى خلق الطير ~~وأحكمه حكمة تقتضي الخفة للطيران ولم يخلق فيه ما يثقله ، وخلق فيه ما ~~يحتاج إليه وما فيه قوامه وصرف غذائه ، فقسم لكل عضو منه ما يناسبه ، فإن ~~كان رخوا أو يابسا أو بين ذلك انصرف إلى كل عضو من غذائه ما هو لائق به ، ~~فخلق للطير الرجلين دون اليدين لضرورة مشيه وتنقله وإعانة له في ارتفاعه عن ~~الأرض وقت طيرانه واسعة الأسفل ليثبت في موطن على الأرض وهي خف فيه أو بعض ~~أصابع مخلوقة من جلد رقيق صلب من نسبة جلد ساقيه ، وجعل جلد ساقيه غليظا ~~متقنا جدا ليستغني به عن الريش في الحر والبرد ، وكان من الحكمة خلقه على ~~هذه الصفة لأنه في رعيه ، وطلب قوته لا يستغني عن مواضع فيها الطين والماء ~~فلو ms034 كسيت ساقاه بريش لتضرر بباله وتلويثه فأغناه سبحانه عن الريش في موضع ~~لا يليق به حتى يكون مخلصا للطيران ، وما خلق من الطير ذا أرجل طوال جعلت ~~رقبته طويلة لينال غذاءه من غير حرج بها إذ لو طالت رجلاه وقصر عنقه لم ~~يمكنه الرعي لا في البراري ولا في البحار حتى ينكب على صدره وكثيرا ما يعان ~~بطول المنقار أيضا مع طول العنق ليزداد مطلبه عليه سهولة ، ولو طال عنقه ~~وقصرت رجلاه أثقله عنقه واختل رعيه ، وخلق صدره ودائره ملفوفا مربيا على ~~عظم كهيئة نصف دائرة حتى يخرق في الهواء بغير كلفة وكذلك رءوس أجنحته مدورة ~~إعانة له على الطيران وجعل لكل جنس من الطير منقارا يناسب رعيه ويصلح لما ~~يتغذى به من تقطيع ولقط وحفر وغير ذلك ، فمنه مخلب للتقطيع خص به الكواسر ، ~~وما قوته اللحم ، ومنه عرض مشرشر جوانبه تنطبق على ما يلتقطه انطباقا محكما ~~، ومنه معتدل اللقط وآكل الخضر ، ومنه طويل المنقار للحصر وجعله صلبا شديدا ~~شبه العظم وفيه ليونة ما هي في العظم لكثرة الحاجة إلى استعماله وهو مقام ~~الأسنان في غير الطير من الحيوان ، وقوى سبحانه أصل الريش ، وجعله قصبا ~~منسوبا فيما يناسبه من الجلد الصلب في الأجنحة لأجل كثرة الطيران ، ولأن ~~حركة الطيران قوية فهو محتاج إلى الإتقان لأجل الريش ، وجعل ريشه ووقاية ~~مما يضره من حر أو برد ومعونة متخللة الهواء للطيران وخص الأجنحة بأقوى ~~الريش وأنبته وأتقنه لكثرة دعاء الحاجة إليه ، وجعل في سائر بدنه ريشا غيره ~~كسوة ووقاية وجمالا له وثبت أصل جميعه لأنه جبيرته وجمله ، وجعل في ريشه من ~~الحكمة أن البلل لا يفسده والأدران لا توسخه. فإن أصابه ماء كان أيسر ~~انتفاض يطرد عنه بلله فيعود إلى خفته ، وجعل له منفذا واحدا للولادة وخروج ~~فضلاته لأجل خفته ، وخلق ريش ذنبه معونة له على استقامته في طيرانه ، ~~فلولاه لما مالت به الأجنحة في حال الطيران يمينا وشمالا. فكان له بمنزلة ~~رجل السفينة الذي يعدل بها سيرها وخلق في طباعه الحذر ms035 وقاية لسلامته. # ولما كان طعامه يبتلعه بلعا بلا مضغ جعل لبعضه منقارا صلبا يقطع به اللحم ~~ويقوم له مقام ما يقطع بالمدية ، وصار يزدرد ما يأكله صحيحا وأعين بفضل ~~حرارة في جوفه تطحن الطعام طحنا يستغني به عن المضغ وثقل الأسنان ، واعتبر ~~ذلك بحب العنب وغيره فإنه يخرج من بطون الحيوان صحيحا وينسحق في أجواف ~~الطير ، ثم إنه خلقه يبيض ولا يلد لئلا يثقل عن PageV01P029 # الطيران ، فإنه لو خلقت فراخه في جوفه حتى يكمل خلقها لثقل بها. وتعوق عن ~~النهوض للطيران ، أفلا ترى كيف دبر كل شيء من خلقه بما يليق به من الحكمة. ~~انظر إلى من أنزله وألهمه الرقاد على بيضه فيحضنه مدة الحضانة ، من ألهمه ~~أن يلتقط الحب ، فإذا ماع في باطنه غذى به أفراخه وهذا نوع من الطير ، ثم ~~انظر مع هذا كيف احتمل هذه المشقة ، وليست له رؤية ولا فكر في عاقبة ، ولا ~~له أمل يأمله في أفراخه كما يأمل الإنسان في ولده من العز والرفد وبقاء ~~الذكر. فهل هذا قطعا إلا إلهام إلهي من فعل الله سبحانه. # انظر كيف ألهم معرفة حمل الأنثى منه بالبيض ، فألهموا حينئذ حمل الحشيش ~~وتوطئته في موضع التحضين والولادة لتكون الرطوبة والتوطئة تحفظ البيض ويكون ~~البيض محفوظا في المهاد الذي يمهدونه ويستحسنونه في حال تحضينه. # انظر إلى الحمام كيف ألهم معرفة كمال الفرخ وانتهاء تحضينه للبيض حتى ~~يكتشف عن الفرخ ويخرجه ، وإن اتفق في البيض فساد بسبب عرق قام وتركه ، ثم ~~انظر إلهامه بما يزق به فرخه فإنه أولا يزقه بالريح لتستعد حوصلته لقبول ما ~~يوضع فيها. ثم بعد ذلك يزقه من أول هضم ، ثم إذا ماع الغذاء في حوصلته يزقه ~~به حتى يدرجه يفعل مرارا حتى يولي حوصلته ، فإنه لو أرسله إليه حبا صحيحا ~~لعجز عن هضمه لضعف جسده ، فانظر إن كان هذا من فعل الطير وحكمته ، ثم انظر ~~عند خروج الفرخ من البيضة كيف يسنده إلى جنبه لئلا يفقد الحرارة دفعة واحدة ~~فيضر ذلك به ، ومن الطير مما ms036 يخلق على هيئة أخرى لحكمة أخرى ولتعلم أن قدرة ~~الله لا تنحصر في نوع واحد ، بل كل حال له حكم يقوم بمصلحة ذلك الشيء ، ~~وذلك أن الدجاج ما فيهم أهلية الزق ، بل جعلت أفراخهم يلتقطون غذاءهم عند ~~خروجهم من البيضة ، ثم انظر في الحمام الذكر والأنثى كيف يتداولان على ~~التسخين خوف أن يفسد بيضهم فيعقب هذا صاحبه كأن لهم علما بأن عدم هذا ~~التدبير يفسد به بيضهم ، ثم انظر إلى خلق البيضة وما فيها من الحكم لله ~~ففيها المح الأصفر الحابر والماء الأبيض الرقيق فبعضه لينشأ منه جسده. ~~وبعضه يغتذي به إلى أن تنشق عنه ، وما في ذلك من التدبير المحكم العجيب ، ~~وكيف جعل معه غذاءه في بيضة مغلقة تتنقى به إلى حين كماله فيها وخروجه منها ~~، ثم انظر في حوصلة الطائر وما في حلقها من التدبير فإن مسلك طعامه إلى ~~القانصة ضيق لا ينفذ إليه إلا قليلا قليلا ، فلو كان لا يلتقط حبه حتى تصل ~~الأولى إلى القانصة لطال الأمر عليه مع ما فيه من شدة الحذر وتجنبه ما ~~يؤذيه ، فصار ما يحتكره احتراسا لشدة حذره ، فجعلت له الحوصلة كالمخلاة ~~المعلقة أمامه ليؤدي فيها ما أدرك من الطعام بسرعة ثم ينفذ إلى القانصة على ~~مهل ، وفيها حكمة أخرى ، فإن الطير الذي يزق أفراخه يكون رده الطعام من قرب ~~أسهل عليه ، ثم تأمل ريش الطائر فإنك تجده منسوجا نسج الثوب من سلوك رقاق ، ~~وفيها من اليبس ما يمسك ما حولها ، ومن اللين ما لا ينكسر معه وهي حاوية ، ~~قد ألف بعضها إلى بعض ، كتأليف الخيط إلى الخيط والشعر إلى الشعر ، ثم تجده ~~إذا فتحته أعني النسيج ينفتح PageV01P030 # قليلا ، ولا ينشق ليدخله الريح فتثقله عن طيرانه ، وتجد في وسط الريشة ~~عمودا غليظا يابسا مثبتا قد نسج عليه كهيئة الشعر ليمسكه بصلابته ، فلو عدم ~~ذلك وعرضت الريشة دونه لفسخها ما يقابلها من الهواء وهي مع صلابته مجوفة ~~ليخف عليه طيرانه. # انظر إلى الطائر الطويل الساقين والحكمة في طولهما أنه يرعى أكثر رعيه ms037 في ~~صحصاح كأنه فوقه مراقب يتأمل ما يدب في الماء ، فإذا رأى شيئا من حاجة خطا ~~خطوا رفيقا حتى يتناوله ، فلو كان قصير الساقين لكان حين يخطو إلى الصيد ~~يصل بطنه إلى الماء فيهزه فيذعر منه الصيد فيبعد عنه. # انظر إلى العصافير وغيرها فإنها تطلب رزقها في طول نهارها فلا هي تفقده ~~ولا هي تجده مجموعا محله ، وهو أمر جار على سنة الله في خلقه ، فإن صلاحهم ~~في السعي في طلب الرزق ، فإن الطير لو وجده مسيرا أكب عليه ولا يقلع عنه ~~حتى يمتلئ فيثقل عن الطيران ولا يستطيع رده أعني قذفه من بطنه مثل طير ~~الماء الكبير فإنه يأكل السمك ، فإذا امتلأ منه وأزعجه مزعج تقايأه حتى يخف ~~للطيران ، وكذلك الناس أيضا لو وجدوه بلا سعي لتفرغوا إفراغا يوقعهم في ~~غاية الفساد. # انظر إلى هذه الأصناف من الطير التي لا تخرج إلا ليلا مثل البوم والهام ~~والخفاش. فإن عيشها يتيسر في الجو ، وكالبعوض والفراش وشبهه فإنها منبثة في ~~هذا الجو ، فجعل عيشه في موضع أقرب إليه من الأرض ، ولعل نوره لا يعينه أن ~~يلتقط من الأرض بدليل أنه لا يظهر في نور الشمس إلا مختفيا ، فألهم أن يعيش ~~في الجو من الفراش وغيره ، انظر إلى الخفاش لما خلق بغير ريش كيف خلق له ما ~~يقوم مقامه وجعل له فم وأسنان وكل ما في البهائم الأرضية من الولادة وغيرها ~~وأقدره على الطيران. فأظهر سبحانه فيه أن قدرته على الطيران لا تقصر على ما ~~خلق له الريش ولا تنحصر في نوع واحد ، لأنه خلق هذا النوع ، وخلق من السمك ~~جنسا يطير على وجه البحر مسافة طويلة ، ثم ينزل الماء فسبحان القاضي ~~العليم. # انظر إلى الذكر والأنثى من الحمام كيف يتعاونان على الحضانة ، فإذا احتاج ~~أحدهما إلى قوته ناب الآخر إلى آخر وقت الحضانة ، ثم ألهمهما الحرص على ~~الحضانة فلا يطيلان الغيبة على البيض إذا خرجا لنيل القوت حتى أنهما يجتمع ~~في أجوافهما البراز للحرص على الرقاد ، فإذا اضطر إلى خروج البراز ms038 أخرجه ~~دفعة واحدة. ثم انظر إلى حرص الذكر حين تحمل الأنثى بالبيض ويقرب أوان ~~وضعها كيف يطردها وينقرها ، ولا يدعها تستقر خارجا عن الوكر خشية أن تضع ~~البيض في غير الموضع المهيأ لوضعه. انظر كيف يزق أفراخه ويعطف عليها ما ~~دامت محتاجة إلى الزق حتى إذا كبرت واشتدت ولقطت واستغنت عن أبويها صارت ~~إذا تعرضت له لنيل ما اعتادت ضربها وصرفها عن نفسه واشتغل بغيرها ، ثم انظر ~~ما خلق الله تعالى في الكواسر من شدة الطيران حتى لا يسبق له من يطلبه ، ~~ومن قوة المخلب وجدته في المنقار والأظفار ، فكأن مخلبها مدية للقطع ، وكأن ~~مخلب أرجلها خطاطيف يعلق فيها اللحم حتى يصل ما يحتاجه من قوتها. انظر إلى ~~طير الماء لما جعل قوته في الماء كيف جعل فيه قوة السباحة والغطس ليأخذ من جوف PageV01P031 # الماء رزقه ، فجعل سبحانه وتعالى لكل صنف من الطيور ما يليق به في تحصيل قوته. ### ||| * باب في حكمة خلق البهائم # قال الله سبحانه وتعالى : ( @QUR@05 والخيل والبغال والحمير لتركبوها ~~وزينة ) [النحل : 8]. # اعلم وفقك الله وإيانا : أن الله خلق البهائم لمنافع العباد امتنانا ~~عليهم كما نبهت على ذلك هذه الآية ، فخلقها الله بلحم مثبت على عظام صلبة ~~تمسكه وعصب شديد وعروق شداد ، وضم بعضها إلى بعض ولم يجعلها لينة رخوة ولا ~~صلبة كصلابة الحجارة ، وجعل ذلك تجلدا اشتمل على أبدانها كلها لتضبطها ~~وتتقنها لأنها أريد منها القوة للعمل والحمل ثم خلقها سبحانه سميعة بصيرة ~~ليبلغ الإنسان حاجته ، لأنها لو كانت عمياء صماء لم ينتفع بها الإنسان ولا ~~وصل بها إلى شيء من مآربه ، ثم منعت العقل والذهن حكمة من الله لتذل ~~للإنسان فلا تمتنع عليه إذا أكدها عند حاجته إلى إكدادها في الطحن وحمل ~~الأثقال عليها إلى غير ذلك. # وقد علم الله أن بالناس حاجة إلى أعمالها وهم لا يطيقون أعمالها ولا ~~يقدرون عليها ، ولو كلف العباد القيام بأعمالها لأجهدهم ذلك واستفرغ قواهم ~~فلا يبقى فيهم فضيلة لعمل شيء من الصناعات والمهن التي يخصون بعملها ~~وخلقتهم قابلة لها ms039 ولا غنى لهم عنها وتحصيل الفضائل من العلوم والآداب ، ~~ولكان ذلك مع إتعابه لأبدانهم يضيق عليهم معايشهم. فكان قضاؤه على هذا ~~وتسخيرها لهم من النعم العظيمة ، انظر في خلق أصناف من الحيوان وتهييئها ~~لما فيه صلاح كل صنف منها ، فبنو آدم لما قدروا أن يكونوا ذوي علاج ~~للصناعات واكتساب العلوم وسائر الفضائل ولا غنى لهم عن البناء والحياكة ~~والتجارة وغير ذلك خلقت لهم العقول والأذهان والفكر ، وخلقت لهم الأكف ذوات ~~الأصابع ليتمكنوا من القبض على الأشياء ومحاولات الصناعات. وآكلات اللحم ~~لما قدر أن يكون عيشها من الصيد ولا تصلح لغيره خلقت لها مخالب وسرعة نهضة ~~وأنياب. وآكلات النبات لما قدر أن تكون غير ذات صنعة ولا صيد ، خلقت لبعضها ~~أظلاف كفتها خشونة الأرض إذا جالت في طلب المرعى ولبعضها حوافر مستديرة ذات ~~قعر كأخمص القدمين لتنطبق على الأرض وتتهيأ للحمل والركوب. # تأمل التدبير في خلق آكلات اللحم من الحيوان كيف خلقت ذوات أسنان حداد ~~وأضراس شداد وأفواه واسعة وأعينت بسلاح وأدوات تنال بذلك ما تطلبه ، فإن ~~ذلك كله صالح للصيد ، فلو كانت البهائم التي عيشها النبات ذوات مخالب ~~وأنياب كانت قد أعطيت ما لا تحتاج إليه ، لأنها لا تصطاد ولا تأكل اللحم ، ~~ولو كانت السباع ذوات أظلاف كانت قد منعت ما تحتاج إليه من السلاح الذي به ~~يصطاد. فانظر كيف أعطى سبحانه كل واحد من أصناف الحيوان ما يشاكله وما فيه ~~صلاحه وحياته انظر إلى أولاد ذوات الأربع كيف تجدها تتبع الأمهات مستقلة ~~بنفسها لا تحتاج إلى تربية وحمل كما يحتاج الآدميون ، إذ لم يجعل في ~~أمهاتها ما جعل في أمهات البشر من العقل والعلم والرفق في PageV01P032 # أحوال التربية والقوة عليها بالفكر والأكف والأصابع المهيأة لذلك ولغيره ~~، فلذلك أعطيت النهوض والاستقلال بأنفسها. ولذلك ترى فراخ بعض الطير مثل ~~الدجاج والدراج يدرج ويلقط عقيب خروجها من البيضة ، وما كان منها ضعيفا لا ~~نهوض له مثل فراخ الحمام واليمام جعل في الأمهات عطفا عليها ، فصارت تعين ~~الطعام في حواصلها ، ثم تمجه في ms040 أفواه فراخها ولا يزال كذلك حتى ينهض ~~وتستقل ، فكل أعطي من اللطف والحكمة بقسط. فسبحان المدبر الحكيم. # انظر إلى قوائم الحيوان كيف ينتقل أزواجا لتتهيأ للمشي ، فلو كانت أفرادا ~~لم تصلح لذلك ، لأن المائي منها ينقل منها بعضه ويعينه على مشيه اعتماده ~~على ما لم ينقله منها ، فذو القائمتين ينقل واحدة ويعتمد على الأخرى وذو ~~الأربع ينقل اثنتين ويعتمد على اثنتين ، وذلك من خلاف لأنه لو كان ينقل ~~قائمتين من أحد جانبيه ، ويعتمد على قائمتين من الجانب الآخر لم يثبت على ~~الأرض كالسرير ولو كان يرفع يديه ويتبعها برجليه لفسد مشيه ، فجعل ينقل ~~اليمنى من مقدمه على اليسرى من مؤخره ، ويعتمد الآخرين من خلاف أيضا فتثبت ~~على الأرض ولا تسقط إذا مشى لسرعة التحاقهما فيما بين المشي والاعتماد. # أما ترى الحمار يذل للحمولة والطحن ، والفرس مردعا منها ، والبعير لا ~~تطيقه عدة رجال لو استعصى ، وينقاد لصبي صغير ، والثور الشديد يذعن لصاحبه ~~حتى يضع النير على عنقه ليستحرثه ، والفرس تركب ويحمل عليها السيوف والأسنة ~~في الحروب وقاية لراكبها ، والقطيع من الغنم يرعاها صبي واحد فلو تفرقت ~~فأخذت كل شاة منها جهة لنفورها لتعذرت رعايتها ، وربما أعجزت طالبها ، ~~وكذلك جميع الحيوان المسخر للإنسان ، وما ذلك إلا لأنها عدمت العقل ~~والتروي. فكان ذلك سببا لتذليلها فلم تلتو على أحد من الناس ، وإن أكدها في ~~كثير من الأحوال. وكذلك السباع لو كانت ذوات عقل وروية لتواردت على الناس ~~وأنكتهم نكاية شديدة عظيمة ولعسر زجرها ودفعها ، ولا سيما إذا اشتدت حاجتها ~~في طلب قوتها ويشتد خللها ، ألا يرى إذا أحجمت عن الخلق وصارت في أماكنها ~~خائفة تهاب مساكن الناس وتحجم عنها حتى صارت لا تظهر ولا تنبعث في طلب ~~قوتها في غالب أحوالها إلا ليلا ، فجعلها مع شدة قوتها وعظم غذائها ~~كالخائفة من الإنس ، بل هي ممنوعة منهم ، ولو لا ذلك لساورتهم في منازلهم ~~وضيقت عليهم في مساكنهم. # ألا ترى الكلب وهو من بعض السباع كيف سخر في حراسة منزل صاحبه حتى صار ~~يبذل نفسه ms041 ويترك نومه حتى لا يصل إلى صاحبه ما يؤذيه ، ثم إنه أعان صاحبه ~~بقوة صوته حتى يتنبه من نومه فيدفع عن نفسه ويألفه حتى يصير معه على الجوع ~~والعطش والهوان والجفاء ، فطبع على هذه الخلال لمنفعة الإنسان في الحراسة ~~والاصطياد. ولما جعله الباري سبحانه حارسا أمده بسلاح ، وهي الأنياب ~~والأظفار واللهث القوي ليذعر به السارق والمريب ، وليجتنب المواضع التي ~~يحميها. # ثم انظر كيف جعل ظهر الدابة سطحا مثبتا على قوائم أربع لتمهيد الركوب ~~والحمولة وجعل فرجها بارزا من ورائها ليتمكن الفحل من ضرابها ، إذ لو كان ~~أسفل باطنها كالآدمي لم يتمكن PageV01P033 # الفحل منها ، ألا ترى أنه لا يستطيع أن يأتيها كفاحا كما يأتي الرجل ~~المرأة فتأمل هذه الحكمة والتدبير ، ولما كان فرج الفيلة تحت بطنها ، فإذا ~~كان وقت الضراب ارتفع وبرز للفحل حتى يتمكن من إتيانها فلما لم يخلق في ~~الموضع المخلوق في الأنعام والبهائم خلقت فيه هذه الصفة ليقوم الأمر الذي ~~به دوام التناسل ، وذلك من عظيم العبر ، ثم انظر كيف كسيت أجساد البهائم ~~الشعر والوبر ليقيها ذلك الحر والبرد وغيره من الآفات ، وحملت قوائمها على ~~الأظلاف والحوافر ليقيها ذلك من الحفاء ، وما كان منها بغير ذلك جعلت له ~~أخفاف تقوم مقام الحافر في غيره ، ولما كانت البهائم لا أذهان لها ولا أكف ~~ولا أصابع تتهيأ للأعمال ، كفيت مؤنة ما يضر بها بأن جعلت كسوتها في خلقتها ~~باقية عليها ما بقيت فلا تحتاج إلى استبدال بها ولا تجديد بغيرها بخلاف ~~الآدمي ، فإنه ذو فهم وتدبير وأعضاء مهيأة لأعمال ما يقترحه وله في إشغاله ~~بذلك صلاح وفيه حكمة ، فإنه خلق على قابلة لفعل الخير والشر وهو إلى فعل ~~الشر أميل إلى فعل الخير ، فجعلت الأسباب التي يحصل بها ما هو محتاج إليه ~~ليشتغل بها عما فيه فساده وهلاك دينه فإنه لو أعطي الكفاية في كل أحواله ~~أهلكه الأشر والبطر ، وكان من أعظم الحيوانات فسادا في الأرض ولتصرف بعقله ~~الذي هو مخلوق لينال به السعادة إلى ما فيه شقاوته ، ثم إن ms042 الآدمي مكرم ~~يتخير من ضروب الملابس ما شاء ، فيلبس منها ما شاء ويخلع منها ما شاء ~~ويتزين بها ويتجمل ويتلذذ منها بما يشاء ويكمل بها زينته وجماله وبهاءه في ~~عين من يصحبه ويحب قربه ويطيب بذلك رائحته وينعش نفسه ، وهذا من باب النعمة ~~عليه والكرامة له بخلاف البهائم فإنها غنية عن هذا كله ، انظر فيما ألهم ~~الله البهائم والوحوش في البراري ، فإنها تواري أنفسها كما يواري الناس ~~موتاهم فما أحس منها بالموت توارى بنفسه إلى موضع يحتجب فيه حتى يموت وإلا ~~فأين جثث السباع والوحوش وغيرها ، فإنك لو طلبت منها شيئا لم تجده وليست ~~قليلة فيخفى أمرها لقلتها ، بل لو قال قائل إنها أكثر من الإنس لم يبعد ، ~~لأن الصحارى قد امتلأت من سباع وضباع وبقر وحمير ووعل وإبل وخنازير وذئاب ~~وضروب من الهوام والحشرات وأصناف من الطير وغير ذلك مما لا يحصى عدده ، ~~وهذه الأصناف في كل يوم يخلق منها ويموت منها ولا يرى لها رمم موجودة ، ~~والذي أجرى الله به عادتها أن تكون في أماكنها ، فإذا أحست بالموت أتت إلى ~~مواضعها خفية فتموت فيها ، فانظر هذا الأمر الذي ألهمت له هذه الأصناف في ~~دفن جثثها بما فطرت عليه وشخص لبني آدم بالفكر والتروي. # تأمل الدواب كيف خلق أعينها شاخصة أمامها لتنظر ما بين يديها فلا تصدم ~~حائطا ولا تتردى في حفرة ، وإذا قربت من ذلك نفرت منه وأبعدت نفسها عنه وهي ~~جاهلة بعاقبة ما يلحقها منه ، أليس الذي جبلها على ذلك أراد صلاحها ~~وسلامتها لينتفع بها؟ ثم انظر إلى فمها مشوقا إلى أسفل الخطم لتتمكن من نيل ~~العلف والرعي. ولو جعل كفم الإنسان لم تستطع أن تتناول شيئا من الأرض ~~وأعينت بالحجفلة لتقصم بها ما قرب منها ، فألهمت قصم ما فيه صلاحها وترك ما ~~لا غذاء لها فيه ولا صلاح ، انظر ما PageV01P034 # كان من البهائم كيف يمز الماء في شربه مزا ، وكيف خلقت فيه شعرات حول فمه ~~يدفع بها ما في شربها ما كان على وجه الماء من ms043 القذى والحشيش ويحركها ~~تحريكا يدفع به الكدر عن الماء حتى يشرب صفوه ، فتقوم لها هذه الشعرات مقام ~~فم الإنسان ، ثم انظر إلى ذنب البهيمة وحكمته ، وكيف خلق كأنه غطاء في طرفه ~~شعر ، فمن منافعه أنه بمنزلة الغطاء على فرجها ودبرها ليسترها ومنها أن ما ~~بين دبرها وطرق بطنها أبدا يكون فيه وضر يجتمع بسببه الذباب والبعوض ويجتمع ~~أيضا ، على مؤخرها ، فأعينت على دفع ذلك بتحريك ذنبها ، فصار كأنه مدية في ~~يدها تذب بها وتطرد عنها ما يضر بها ، ثم إنها تعطف برأسها فتطرد به ما في ~~مقدمها من الذباب أيضا ثم إن الدابة أيضا أعينت بحركة مختصة ، وذلك أن ~~الذباب إذا وقع عليها في مواضع بعيدة من رأسها وذنبها حركت ذلك الموضع من ~~جلدها تحريكا تطرد به الذباب وغيره عنها. وذلك من عجيب الحكمة فيما لا ~~ينتفع بيدين. # ومن الحكمة فيه أيضا أن الدابة تستريح بتحريكه يمنة ويسرة لأنها لما كان ~~قيامها على أربع اشتغلت يداها أيضا بالحمل لبدنها والتصرف ، فجعل لها في ~~تحريك ذنبها منفعة وراحة ، وأعينت بسرعة حركته حتى لا يطول ألمها بما يعرض ~~لها ، ومن الحكمة فيه أن البهيمة إذا وقعت في بركة أو مهواة أو وحلت في طين ~~أو غيره. فلا تجد شيئا أهون على نهوضها وخلاصها منه من الرفع بذنبها ، ومن ~~ذلك إذا خيف على حملها أن ينقلب على رقبتها عند هبوطها من مكان مصبوب أو ~~ليسبقها رأسها فتنكب على وجهها ، فيكون مسكها بذنبها في هذه المواضع يعد ~~لها ويعينها على اعتدال سيرها وسلامتها مما خيف منه عليها إلى غير ذلك من ~~مصالح لا يعلمها إلا الحكيم العليم. # انظر إلى مشفر الفيل ، وما فيه الحكمة والتدبير فإنه يقوم مقام اليد في ~~تناول العلف وإيصاله إلى فمه ، فلو لا ذلك ما استطاع أن يتناول شيئا في ~~الأرض إذ لم يجعل له عنق يمده كسائر الأنعام ، فلما عدم العنق في هذا الخلق ~~جعل له هذا الخرطوم يمده فيتناول به ما يحتاجه فسبحان اللطيف الخبير ، انظر ~~كيف جعل ms044 هذا الخرطوم وعاء يحمل فيه الماء إلى فمه ومنخرا يتنفس منه وآلة ~~يحمل بها ما أراد على ظهره أو يناول من هو راكب عليه ، انظر إلى خلق ~~الزرافة لما كان منشؤها في رياض شاهقة خلق لها عنقا طويلا لتدرك قوتها من ~~تلك الأشجار. # تأمل في خلق الثعلب فإنه إذا حفر له بيتا في الأرض جعل له فوهتين إحداهما ~~: ينصرف منها ، والأخرى : يهرب منها إن طلب ويرفق مواضع في الأرض في بيته ، ~~فإن طلب من المواضع المفتوحة ضرب برأسه في المواضع التي رفقها ، فخرج من ~~خير المنافذ وهي المواضع التي تحتها ، انظر ما خلق الله تبارك وتعالى في ~~جبلته لصيانة نفسه ، وجملة القول في الحيوان : أن الله تبارك وتعالى خلقه ~~مختلف الطباع والخلق ، فما كان منه ينتفع الناس بأكله خلق فيه الانقياد ~~والتذلل وجعل قوته النبات ، وما جعل منه للحمل جعله هادئ الطبع قليل الغضب ~~منقادا منفعلا على صور يتهيأ منه الحمل ، وما كان منه ذا غضب وشر إلا أنه ~~قابل للتنظيم إذا نظم خلق فيه هذا القبول للتعليم ليستعين العباد بصيده ~~وحراسته وأعين بآلات قد تقدم ذكرها ، ومن جملة ذلك PageV01P035 # الفيل فإنه ذو فهم مخصوص به وهو قابل للتأنس والتعلم فيستعان به في الحمل ~~والحروب ، ومنها ما له غضب وشر إلا أنه متأنس بالإنسان لمنفعته كالهرة ، ~~ومن الطير ما للناس به انتفاع لما فيه من الإلفة والتأنس ، فمن ذلك الحمام ~~يألف موضعه فشغل بسببه في الإخبار بسرعة إذا دعت الحاجة إلى ذلك ، وجعله ~~الله سبحانه وتعالى كثير النسل فيكون منه طعام ينتفع به ، ومن ذلك البازي ، ~~فإن طباعه تنتقل إلى التأنس ، وإن كان في طبعه مباينا إلا أنه لما علم الله ~~أنه ينتفع بصيده جعل فيه القبول للتنظيم حتى خرج عن عادته وبقي يعمل ما ~~يوافق أصحابه وقت الصيد. وما خفي من الحكم في خلق الله تعالى أكثر مما علم. ### ||| * باب في حكمة خلق النحل والنمل ### ||| * والعنكبوت ودود القز والذباب وغير ذلك # قال الله سبحانه وتعالى : ( @QUR@022 وما من دابة في ms045 الأرض ولا طائر يطير ~~بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون ) ~~[الأنعام : 38]. # انظر إلى النمل وما ألهمت له في احتشادها في جمع قوتها وتعاونهم على ذلك ~~وإعداده لوقت عجزها عن الخروج والتصرف بسبب حر أو برد ، وألهمت في تقلب ذلك ~~من الحزم ما لم يكن عند من يعرف العواقب حتى تراها في ذلك إذا عجز بعضها عن ~~حمل ما حمله أو جهد به أعانه آخر فيه ، فصارت متعاونة على النقل كما يتعاون ~~الناس على العمل الذي لا يتم إلا بالتعاون ، ثم إنها ألهمت حفر بيوت في ~~الأرض تبتدئ في ذلك بإخراج ترابها وتقصد إلى الحب الذي منه قوتها فتقسمه ~~خشية أن ينبت بنداوة الأرض فمن خلق هذا في جبلتها إلا الرحمن الرحيم ، ثم ~~إذا أصاب الحب بلل أخرجته فنشرته حتى يجف ، ثم إنها لا تتخذ البيوت إلا ~~فيما علا من الأرض خوفا من السيل أن يغرقها. # ثم انظر إلى النحل وما ألهمت إليه من العجائب والحكم ، فإن الباري سبحانه ~~جعل لها رئيسا تتبعه وتهتدي به فيما تناله من أقواتها ، فإن ظهر مع الرئيس ~~الذي تتبعه رئيس آخر من جنسه قتل أحدهما الآخر. وذلك لمصلحة ظاهرة وهو خوف ~~الافتراق ، لأنهما إذا كانا أميرين وسلك كل واحد منهما فجا افترق النحل ~~خلفهما ، ثم إنها ألهمت أن ترعى رطوبات من على الأزهار فيستحيل في أجوافها ~~عسلا ، فعلم من هذا التسخير ما فيه من مصالح العباد من شراب فبه شفاء للناس ~~كما أخبر سبحانه وتعالى ، وفيه غذاء وملاذ للعباد ، وفيه من أقوات فضلات ~~عظيمة جعلت لمنافع بني آدم. فهي مثل ما يفضل من اللبن الذي خلق لمصالح ~~أولاد البهائم وأقواتها وما فضل من ذلك ، ففيه من البركة والكثرة ما ينتفع ~~به الناس ، ثم انظر ما تحمله النحل من الشمع في أرجلها لتوعي فيه العسل ~~وتحفظه ، فلا تكاد تجد وعاء أحفظ للعسل من الشمع في الأجناح. فانظر في هذه ~~الذبابة : هل في عملها وقدرتها جمع الشمع مع العسل ms046 أو عندها من المعرفة ~~بحيث رتبت حفظ العسل مدة طويلة باستقراره في الشمع وصيانته في الجبال ~~والشجر في المواضع التي تحفظه ولا يفسد فيها ، ثم انظر لخروجها نهارا ~~لرعيها ورجوعها عشية إلى أماكنها ، وقد حملت ما يقوم PageV01P036 # بقوتها ويفضل عنها ، ولها في ترتيب بيوتها من الحكمة في بنائها حافظ لما ~~تلقيه من أجوافها من العسل ، ولها جهة أخرى تجعل فيها برازها مباعدا عن ~~مواضع العسل ، وفيها غير هذا مما انفرد الله بعلمه. # انظر إلى العنكبوت وما خلق فيها من الحكمة ، فإن الله خلق في جسدها رطوبة ~~تنسج منها بيتا لتسكنه وشركا لصيدها فهو مخلوق من جسدها ، وجعل الله غذاءها ~~من أقواتها ينصرف إلى تقويم جسدها ، وإلى خلق تلك الرطوبة المذكورة فتنصبه ~~أبدا مثل الشرك وفي ركن الشرك بيتها وتكون سعة بيتها بحيث يغيب شخصها ، ~~وللشرك من خيوط رقاق تلتف على أرجل الذباب والناموس وما أشبه ذلك ، فإذا ~~أحست أن شيئا من ذلك وقع في شركها خرجت إليه بسرعة وأخذته محتاطة عليه ~~ورجعت إلى بيتها فتقتات بما يتيسر لها من رطوبة تلك الحيوانات ، وإن كانت ~~مستغنية في ذلك الوقت شكلته وتركته إلى وقت حاجتها. فانظر ما جعل الله فيها ~~من الأسباب لحصول قوتها ، فبلغت في ذلك ما يبلغه الإنسان بالفكرة والحيلة ، ~~كل ذلك لإصلاحها ولنيل قوتها ولتعلم أن الله هو المدبر لهذا. # ثم انظر من العجائب دود القز ، وما خلق فيه من الأشياء التي يتحير منها ~~وتذكر الله عند رؤيتها ، فإن هذا الدود خلق لمجرد مصلحة الإنسان ومنافعه ، ~~فإن هذا الحيوان الذي يخلق من جسمه الحرير ، وذلك أن صورة البزر تحضن حتى ~~إذا حمي عاد دودا كالذر فيوضع هذا الدود على ورق التوت فيتغذى منه ، فلا ~~يزال يرعى منه حتى يحفر جسمه فينبعث إلى غزل نفسه جوزة الحرير ، فلا يزال ~~كذلك حتى يفنى جسمه وتعود جوزة الحرير ويصير هو جسما ميتا لا حياة فيه ، ثم ~~انظر فإن الباري سبحانه لما أراد حفظ هذا الجنس ببقاء نسله فعند ما ينتهي ~~من غزل ms047 الحرير ويعفى ذلك الجسم يقلبه الله إلى صورة طائر صغير قريب من صورة ~~النحل فيجمع على بساط أو غيره وهو في رأي العين جنس واحد لا يتميز منه ~~الذكر من الأنثى ، فيعلو الذكر منه على ظهر الأنثى ويقيم لحظة على ظهرها ~~فتحبل لوقتها مثل ذلك البزر الذي حضن أولا ، ثم يطير فيذهب فلا يبقى بها ~~انتفاع إذ قد حصل منها المقصود وهو ذلك البزر. فانظر من ألهمها الرعي من ~~ذلك الورق حتى يرتب منه. ومن ألهمها إلى غزل أجسادها حريرا حتى تفنى فيما ~~غزلته ، ومن ربى لها أجنحة وقلب صورتها حتى صارت على هيئة تمكن فيها اجتماع ~~الذكر والأنثى لتناسلها ، ولو بقيت على صورتها الأولى لم يأت منها تناسل ~~ولا هذا الاجتماع ، ثم انظر ما يسره الباري سبحانه من عمل ما غزلته هذه ~~الدودة على من يعمله من بني آدم حتى يكون منه أموال كثيرة وملابس عظيمة ~~وزينة. وانظر هذا التسخير العجيب في هذا الحيوان اللطيف وما أظهر فيه ~~سبحانه من بديع الصنع وعجيب الفعل وعظيم الاعتبار ، وما جعل فيه من البرهان ~~والآيات على بعث الأموات وإعادة العظام الرفات سبحانه لا إله إلا هو العلي ~~العظيم. # ثم انظر الذبابة وما أعينت به في نيل قوتها ، فإنها خلقت بأجنحة تسرع بها ~~إلى موضع تنال فيه فوتها وتهرب بها عما يهلكها ويضر بها وخلق لها ستة أرجل ~~تعتمد على أربع وتفضل PageV01P037 # اثنتين ، فإن أصابها عثار مسحته بالرجلين اللذين تليهما ، وذلك لرقة ~~أجنحتها ، ولأن عينيها لم يخلق لهما الهداب ، لأنهما بارزتان عن رأسها ، ~~وجعل هذا الحيوان وما جرى مجراه مما يتعلق ببني آدم ويقع عليهم دائما وينغص ~~عليه عيشهم ليعرفهم الباري سبحانه هوان الدنيا حتى تصغر عندهم ويهون أمر ~~فراقها وهو وجه من وجوه الحكمة عليهم. # تأمل كثيرا من الحيوان الصغير عند ما تلمسه يعود كأنه جماد لا حراك به ، ~~ويبقى على ذلك ساعة ، ثم يتحرك ويمشي ، وهل ذلك إلا لأن ما يصطاد إذا دلت ~~هيئته على عدم حياته ، فإذا كان شبيها بالجماد ms048 ترك كما تترك سائر الحجارة. ~~تأمل العقاب عند ما يصطاد السلحفاة يجدها كأنها حجر ، ولا يجد فيها موضعا ~~لأكله ، فيصعد بها في مخالبه حتى إذا أبعد من الأرض اعتدل بها على جبل أو ~~حجارة وأرسلها فتهشمها الوقعة فيسقط عليها فيأكلها. فانظر كيف ألهم الطريق ~~في نيل قوته من غير عقل ولا روية. # انظر إلى الغراب لما كان مكروها خلق في طبعه الحذر لصيانة نفسه حتى كأنه ~~يعلم الغيب فيمن يقصده ، وألهم الاحتيال في إخفاء عشه لصون فراخه وقل ~~احتفاله بالأنثى خشية أن تشغله عن شدة حذره ، ولذلك قل أن يرى مجتمعا مع ~~أنثى ، فهذا أبدا دأبه وحاله مع من له عقل وفطنة وتراه مع البهائم على خلاف ~~ذلك فيقف على ظهورها ويأكل من دم البعير ، ومن أرواث الدواب وقت تبرزها ، ~~وإذا وجد شيئا من قوته وأكل منه وشبع دفن باقيه حتى يعاوده وقتا آخر ، فما ~~خلق هذا في طبعه ودبره بهذا التدبير العجيب إلا الله ، لأنه لا عقل له ولا روية. # انظر إلى الحدأة لما كانت مكروهة حفظت نفسها بقوة طيرانها وتعاليها وحفظت ~~في أمر قوتها بقوة بصرها ، فإنها ترى ما تقتات به في الأرض مع علوها في ~~الجو فتنحط نحوه بسرعة ، وألهمت معرفة من هو مقبل ، ومن هو مدبر فتخطف ما ~~تخطفه من الناس من ورائهم. ولا تخطف مما يستقبلها لئلا يمنعها المستقبل ~~بيديه ، وأعينت لما كان غذاؤها من هذه الوجوه بأن جعلت لها مخالب كأنها ~~السنانير لا يكاد يسقط منها ما ترفعه ، فسبحان المدبر الحكيم. # انظر إلى الحيوان المسمى حرباء وما فيه من التدبير ، فإنه خلق بطيئا في ~~نهضته ، وكان لا بد له من قوته ، فخلق على صورة عجيبة ، فخلقت عيناه تدور ~~لكل جهة من غير حركة في جسده ولا قصد إليه ويبقى جامدا كأنه ليس من الحيوان ~~، ثم أعطي مع السكون وهو أنه يتشكل في لون الشجر التي يكون عليها حتى يكاد ~~يختلط لونه بلونها ، ثم إذا قرب منه ما يصطاده من ذباب أو غيره أخرج لسانه ms049 ~~فيخطف ذلك بسرعة خفوق البرق ، ثم يعود على حالته كأنه جزء من الشجرة ، وجعل ~~الله لسانه بخلاف المعتاد ليلحق به ما بعد عنه بثلاثة أشبار أو نحوه ، فقد ~~سخر له ما يصطاد به على هذه المسافة ، وإذا رأى ما يريعه ويخيفه شكل على ~~هيئة وشكل ينفرد منه من يصطاد من الحيوان ويكرهه. فانظر هذه الأشياء التي ~~خلقت فيه لأجل قلة نهضته فأعين بها. # انظر إلى الحيوان الذي يسمى سبع الذباب وما أعطي من الحيلة والرفق فيما ~~يقتات به ، فإنك تجده يحس بالذباب قد وقع قريبا منه فيركد مليا حتى كأنه ~~ميت أو جماد لا حراك به ، PageV01P038 # فإذا أحس أن الذباب قد اطمأن دب منه دبيبا دقيقا حتى لا ينفره حتى إذا ~~صار قريبا منه بحيث يناله بوثبة وثب عليه فأخذه ، فإذا أخذه اشتمل عليه ~~بجسده كله خشية أن يتخلص منه الذباب فلا يزال قابضا عليه حتى يحس ببطلان ~~حركته فيقبل عليه فيتغذى منه بما يلائمه فانظر إلى هذه الحيلة من فعله أو ~~هي مخلوقة من أجل رزقه فسبحانه البارئ الحكيم. # انظر إلى الذر والبعوض الذي أوهن الله قوتها وأصغر قدرها وضرب بها المثل ~~في كتابه ، هل تجد فيه نقصا عما فيه صلاحها من جناح تطير به ورجل تعتمد ~~عليها وبصر تقصد به موضعا تنال فيه قوتها وآلة لهضم غذائها وإخراج فضلته. ~~وانظر هل يمكن أن يعيش من غير قوت وهل يمكن أن يكون القوت في غير محل واحد ~~، وإخراجه فضلته من غير منفذ ، ثم انظر كيف دبرها العزيز الحكيم ، فسواها ~~وقدر أعضاءها واستودعها العلم والمعرفة بمنافعها ومضارها ، وكله دليل على ~~علمه وقدرته وحكمته البالغة ، فهي بعوضة صغرت في النظر ، ومع هذا فلو أن ~~أهل السماوات والأرض من الملائكة ، فمن دونهم من العالمين وسائر الخلق ~~أجمعين أرادوا أن يعرفوا كيف قسم الخالق سبحانه أجزاءها وحسن اعتدال صورتها ~~في أعضائها لما قدروا على ذلك إلا تظاهرا لمنظر العجز منهم على عدم علم ~~حقيقة الخبر ، ولو اجتمعوا ثم تفكروا كيف ركبت معرفتها حتى ms050 عرفت أن ما بين ~~الجلد واللحم دما وهو الذي منه غذاؤها ، ولو لا معرفتها به لم تدم على مصه ~~تطعمه وكيف همتها التي قصدت بها أن تطير إلى الموضع الذي ألهمها ربها أن ~~فيه غذاءها ، وكيف خرق سمعها ، وكيف سمعت حس من يقصدها وكيف عرفت أن نجاتها ~~في الفرار إذا ولت هاربة ممن قصدها فلن يدرك ذلك منها الخلائق أجمعون ، ولو ~~جزءوها ، ما ازدادوا في أمرها إلا عمى وبعدا عن المعرفة ، فهذه الحكمة ~~والقدرة في بعوضة فما ظنك بجميع مخلوقاته سبحانه وتعالى علوا كبيرا. ### ||| * باب في حكمة خلق السمك وما تضمن خلقها من الحكم # قال الله تعالى : ( @QUR@08 وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا ) ~~[النحل : 14]. # انظر واعتبر بما خلق الله تعالى في البحار والأنهار من الحيوان المختلف ~~الصور والأشكال ، وما فيه من الآيات البينات ، فإنه تعالى لما جعل مسكنه في ~~الماء لم يخلق له قوائم ولم يخلق فيه رئة ، لأنه لا يتمشى وهو منغمس في لجة ~~الماء ، وخلقت له مكان القوائم أجنحة شداد يحركها من جانبه فيسير بها حيث ~~شاء ، وكسا جلده كسوة متداخلة صلبة تخالف لحمه متراصة كأنها درع لتتقيه ما ~~يعتدي عليه وما يؤذيه ، وما لم يخلق له من السمك تلك الكسوة وهي القشر ~~المتداخل المخلوق على ظاهره خلق له جلدا غليظا متقنا يقوم له مقام تلك ~~الكسوة لغيره ، وخلق له بصرا وسمعا وشما ليستعين بذلك على نيل قوته والهرب ~~مما يؤذيه. وانظر كيف أعطي في قعر البحر ما يناسبه في نيل القوت والهرب مما ~~يضره ، ولما علم الله PageV01P039 # سبحانه أن بعضه غذاء لبعض كثرة ، وجعل أكثر أصنافه يحمل ، ولم يجعل الحمل ~~منه مخصوصا بالأنثى دون الذكر كحيوان البر ، بل جعل الذكر والأنثى جنسا ~~واحدا يخلق في بطونها مرة واحدة في وقت معلوم ذريعة مجتمعة مشتملة على عدد ~~لا ينحصر ، فيخلق من جوف واحدة عددا لا يحصى ، وذلك من كل برزة حوتا من ~~الجنس ومن جنس آخر يخلق في الأنهار وغيرها بغير توالد فيخلق منها أعدادا لا ms051 ~~تنحصر دفعة واحدة ، ومنه صنف يتوالد بالذكر والأنثى ، وهذا الجنس يخلق له ~~يدان ورجلان مثل السلحفاة والتمساح وما شاكلهما فيتولد منهما بيض ، فإذا ~~فقس البيض بحرارة الشمس خرج من كل بيضة واحد من الجنس ، ولما علم الله ~~سبحانه وتعالى أن السمك في البحر لا يمكن أن يحضن ما يخرج من بزره ألقى ~~الروح في بزر جميعه عند ما يولد فيجد فيه جميع ما يحتاجه من الأعضاء عند ~~إلقاء الروح فيه فيستقل ولا يفتقر إلى أحد في كمال خلقه ، فانظر هذه الحكمة ~~واللطف حيث لم يمكن حضانته في البحر ولا تربيته ولا معونته البتة جعله ~~مستقلا بنفسه مستغنيا عن ذلك كله ، ثم إن الله سبحانه كثره ، لأن منه قوت ~~جنسه وقوتا لبني آدم والطير فلذلك كان كثيرا ، ثم انظر إلى سرعة حركته وإن ~~لم تكن له آلة كغيره من الحيوان وانظر إلى حركة ذنبه وانقسامه ، وكيف يعتدل ~~بذلك في سيره كما تعتدل السفينة برجلها في سيرها ، وخلقت أرياشه ألواحا من ~~جانبيه ليعتدل بهما أيضا في سيره فهو بمنزلة المركب ، وانظر إلى عظامه كيف ~~خلقت مثل العمد يبنى عليها ، ففي كل موضع منه ما يليق به من صورة العظم ~~المشاكل لذلك العضو ، فهو كإنشاء المركب يمتد العظم الجافي الذي هو قوته ~~ويخرج من أضلاع إلى مراقي البطن والظهر وعظام الرأس يحتاج إليه من الأمر ~~وبه قوامه. وانظر إلى ما كان منه كاسرا كيف أعين على نيل قوته لصلابة اللحم ~~وقوة النهضة وكثرة الأسنان حتى أنه لكثر أسنانه تكون العضة الواحدة تجزيه ~~عن المضغ. # انظر إلى ما خلق الله في البحر ضعيفا قليل الحركة مثل أصناف الصدف ~~والحلزون كيف حفظ بأن خلق عليه ذلك الحصن الذي هو صلب كالرخام ليصونه ~~ويحفظه ، وجعل له بيتا وسكنا ، وجعل ما يولي جسده ناعما أنعم ما يكون ، ~~وربما ضر ببيت بعض أصناف الحلزون حتى لا يكون فيه مطمع البتة ، وأصناف منه ~~خلقت في محائز مفتوحة لا يمكن صيانتها لنفسها لتغلقها ولا يضيق مسلكها ، ~~فجعل الله لها من ms052 الجبال والحجارة مغطى ، وجعل لها أسبابا تلتصق بها في ~~الجبل فلا يستطاع إخراجها إلا بغاية الجهد ، وجعل لها قوتا من رطوبة الجبل ~~تتأتى حياتها بذلك. # وأما الحلزون الذي بينه كأنه كوكب فإنه يخرج رأسه يرعى ، فإذا أحس بما ~~يؤذيه أدخل رأسه في بيته وختم عليه بطابع صلب يقرب من صلابة بيته فيغيب ~~أثره بالجملة فانظر هذا اللطف وأن الله لم يهمل شيئا. واعلم أن الله حافظ ~~لما في البحار وما في الآكام والجبال. فتبارك الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى. # وانظر إلى أنواع من السمك يرعى قرب البر الصغير منها والجا في الأعماق ، ~~وخلق الله في جوفه صبغا كأنه حبر وهو يخلق له فيه من فضلة غذائه كما يخلق ~~اللبن في الضرع ، فإذا أحس PageV01P040 # ما يؤذيه أخرج من جوفه ما يعكر موضعه ، ثم يذهب في الماء الذي تغير فلا ~~يعرف كيف ذهب ولا كيف طريقه من تغيير الماء فعل الله ذلك له وقاية لنفسه ~~وفعل فيه مصالح أخرى لا يعلمها إلا خالقها. انظر إلى نوع آخر من السمك أعين ~~بأجنحة مثل أجنحة الخفاش ينتقل بها من موضع إلى موضع في الهواء من وجه ~~الماء يظهر لمن لا يعرف ذلك أنه من طيور البر. انظر إلى نوع آخر من أنواع ~~السمك ضعيف وكثيرا ما يكون في الأنهار ، وجعل الله فيه خاصية تصونه إذا ~~اقتربت منه يد من يأخذه وفيه الروح تخدر البدن واليد فيعجز قاصده عن أخذه ~~بذلك السبب ، فلو ملئت الكتب بعجائب حكم الله في خلق واحد لامتلأت الكتب ~~وعجز البشر عن استكمالها وما هو المذكور في كل نوع تنبيه يشير إلى أمر عظيم. ### ||| * باب في حكمة خلق النبات وما فيه من عجائب حكمة ### ||| * الله تعالى # قال الله تعالى : ( @QUR@027 أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من ~~السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع ~~الله بل هم قوم يعدلون ) [النمل : 60]. # انظر وفقك الله وسددك إلى ما على وجه الأرض من النبات وما ms053 في نظره من ~~النعم في حسن منظره وبهجته ونضارته التي لا يعد لها شيء من مناظر الأرض ، ~~ثم انظر إلى جعل البارئ فيه من ضروب المنافع والمطاعم والروائح والمآرب ~~التي لا تحصى ، وخلق فيه الحب والنوى مخلوقا لحفظ أنواع النبات ، وجعل ~~الثمار للغذاء والتفكه والإتيان منها للعلف والرعي ، والحطب للوقود ، ~~والأخشاب للعمارة وإنشاء السفن ولغير ذلك من الأعمال التي يطول تعدادها ، ~~والورق والأزهار والأصول والعروق والفروع والصموغ لضروب من المصالح لا ~~تحصى. أرأيت لو وجدت الثمار مجموعة من الأرض ولم يكن تنبت على هذه السوق ~~الحاملة لها ما كان يحصل من الخلل في عدم الأخشاب والحطب والإتيان بالعلف ~~وسائر المنافع ، وإن وجد الغذاء بالثمرات والتفكه بها. ثم انظر ما جعل الله ~~فيها من البركات حتى صارت الحبة الواحدة تخلف مائة حبة وأكثر من ذلك وأقل ، ~~والحكمة في زيادتها وبركتها حصول الاقتيات وما فضل ادخر للأمور المهمة ~~والزراعات ، وذلك في المثال كملك أراد عمارة بلدة فأعطى أهلها من البذر ما ~~يبذرونه وفضلة يتقوتون بها إلى إدراك زرعهم ، فهذه هي الحكمة التي أعم الله ~~بها البلاد وأصلح بها العباد ، وكذلك الشجر والنخل يزكو وتتضاعف ثمراتها ~~حتى تكون من الحبة الواحدة الشيء العظيم ليكون فيه ما يأكله العباد ~~ويصرفونه في مآربهم ويفضل ما يدخر ويغرس فيدوم جنسه ويؤمن انقطاعه ، ولو لا ~~نموه وبقاء ما يخلفه لكان ما أصابته جائحة ينقطع فلا يوجد ما يخلف. # تأمل في هذه الحبوب فإنها تخرج في أوعية تشبه الخرائط لتصونها وتحفظها ~~إلى أن تشتد وتستحكم كما تخلق البشيمة على الجنين ، فأما البزر وما أشبه من ~~الحبوب ، فإنه يخرج من قشور صلبة على رءوسها أمثال الأسنة ليمنع من الطير. ~~فانظر كيف حصنت الحبوب بهذه الحصون PageV01P041 # وحجبت لئلا يتمكن الطير منها فيصيب بها ، وإن كان يناله منها قوته إلا أن ~~حاجة الآدمي أشد وأولى. تأمل الحكمة في خلق الشجر وأصناف النبات فإنها لما ~~كانت محتاجة إلى الغذاء الدائم كحاجة الحيوانات ولم يخلق فيها حركات تنبعث ~~بها ولا آلات توصل إليها ms054 غذاءها جعلت أصولها مركوزة في الأرض لتجذب الماء ~~من الأرض ، فتتغذى بها أصولها وما علا منها من الأغصان والأوراق والثمار ، ~~فصارت الأرض كالأم المربية لها ، وصارت أصولها وعروقها كالأفواه الملتقمة ~~لها ، وكأنها ترضع لتبلغ منها الغذاء كما يرضع أصناف الحيوان من أمهاتها. ~~ألم تر إلى عمد الخيم والفسطاط كيف يمتد بالأطناب من كل جانب ليثبت منصته ~~فلا يسقط ولا يميل ، فهكذا أمر النبات كله له عروق منتشرة في الأرض ممتدة ~~إلى كل جانب وتمسكه وتقيمه ، ولو لا ذلك لم تثبت الأشجار العالية ، لا سيما ~~في الرياح العاصفة. فانظر إلى حكمة الخالق كيف سبقت حكمة الصناعة واقتدى ~~الناس في أعمالهم بحكمة الله في مصنوعاته ، وتأمل خلق الورق فإنك ترى في ~~الورقة شبه العروق مبثوثة ، فمنها غلاظ ممتدة في طولها وعرضها ، ومنها ~~دقائق تتخلل تلك الغلاظ منسوجة نسجا دقيقا عجيبا ، لو كان مما يصنع بأيدي ~~البشر لما فرغ من ورق شجرة واحدة إلا في مدة طويلة ، وكان يحتاج فيه إلى ~~آلات وطول علاج. فانظر كيف يخرج منه في المدة القليلة ما يملأ السهل ~~والجبال وبقاع الأرض بغير آلة ولا حركة إلا قدرة البارئ وإرادته وحكمه ، ثم ~~انظر تلك العروق كيف تتخلل الورق بأسره لتسقيه وتوصل إليه المادة وهي ~~بمنزلة العروق المبثوثة في بدن الإنسان لتوصل الغذاء إلى كل عضو منه ، وأما ~~ما غلظ من العروق فإنها تمسك الورق بصلابتها وقوتها لئلا ينتهك ويتمزق. # ثم انظر إلى العجم والنوى والعلة فيه ، فإنه جعل في جوف الثمرة ليقوم ~~مقامه إذا عدم ما يغرس أو عاقه سبب ، فصار ذلك كالشيء النفيس الذي يخزن في ~~مواضع شتى لعظم الحاجة إليه ، فإن حدث على الذي في بعض المواضع من حادث وجد ~~منه في موضع آخر ، ثم في صلابته يمسك رخاوة الثمار ورقتها ، ولولاه لسرحت ~~وسرح الفساد إليها قبل إدراكها ، وفي بعضها حب يؤكل وينتفع بدهنه ويستعمل ~~في مصالح. ثم انظر إلى خلق الله تعالى فوق النواة من الرطب وفوق العجم من ~~العنبة والهيئة التي تخرج عليها ، وما ms055 في ذلك من الطعم واللذة والاستمتاع ~~للعباد ، ثم تأمل خلق الحب والنوى وما أودع فيه من قوة وعجائب كالمودع في ~~الماء الذي يخلق منه الحيوان وهو سر لا يعلم حقيقته إلا الله سبحانه وما ~~علم من ذلك يطول شرحه. # ثم انظر كيف حفظ الحب والنوى بصلابة وخلقت في ظاهره قشرة حتى أنه بسبب ~~ذلك إن سقط في تراب أو غيره لا يفسد سريعا ، وإذا ادخر لوقت الزراعة بقي ~~محفوظا ، فصار قشره الخارج حافظا لما في باطنه بمنزلة شيء نفيس عمل له ~~صندوق يحفظه ، وعند ما يوضع في الأرض ويسقى يخرج منه عرق في النوى وغصن في ~~الهواء ، وكلما ازداد غصنا ازداد عرقا تتقوى به أصل الشجرة وينصرف الغذاء ~~منه إلى الغصن فهي كذلك إذ يتم غصنها قوتها فتكون الفروع PageV01P042 # محفوظة عن السقوط بالهواء والانكسار بالنقل أو بغيره ويصعد الماء في ~~جذورها إلى أعالي الشجرة فيقسمه الله سبحانه بالقسط وميزان الحق ، فينصرف ~~للورق غذاء صالح له وللعروق المشتبكة في الأوراق لاتصال الغذاء إلى جوانب ~~الورق ما يليق بغذائها ، وللثمار غذاء صالح لها ، وللأقماع واللحا والأزهار ~~غذاء صالح لكل من ذلك ما يليق به ويصلحه ، فهو كذلك حتى يكمل في الثمار ~~نموها وطعمها ورائحتها وألوانها المختلفة وحلاوتها وطيبها ، ثم انظر كيف ~~جعل الله سبحانه خروج الأوراق سابقا لخروج الثمار لأن الثمرة ضعيفة عند ~~خروجها تتضرر بحر الشمس وبرد الهواء ، فكانت الأوراق ساترة لها ، وصار ما ~~بينها من الفرج لدخول أجزاء من الشمس والهواء لا غنى للثمرة عنها فيحفظها ~~ذلك من المن والعفن وغير ذلك من الفساد. # ثم انظر كيف رتب البارئ سبحانه الأشجار والثمار والأزهار ، وجعلها مختلفة ~~الألوان والأشكال والطعوم والروائح. فأشكالها ما بين طويل وقصير وجليل ~~وحقير. وألوانها ما بين أحمر وأبيض وأصفر وأخضر ، ثم كل لون منها مختلف إلى ~~شديد وصاف ومتوسط ، وطعومها ما بين حلو وحامض ومز وتفه ومر ، وروائحها إلى ~~عطرات لذيذات مختلفات ، وقد أوضح الكتاب العزيز من ذلك ما ذكرناه بما يشرح ~~الصدور ويكشف للمتأمل منه كل ms056 مستور. فانظر ما أودع البارئ سبحانه فيها من ~~السر عند النظر إليها ، فإنها تجلي عن القلوب درنها عند مشاهدتها وتنشرح ~~الصدور برؤيتها وتنتعش النفوس لرونق بهجتها ، وأودع الله سبحانه فيها منافع ~~لا تحصى مختلفة التأثير. فمنها ما تقوى به القلوب ، ومنها أغذية تحفظ ~~الحياة ، وجعلها مطعومة لذيذة عند تناولها ، وخلق فيها بزورا لحفظ نوعها ~~تزرع عند جفافها وانفصال وقت نضارتها. انظر وتأمل ما في قوله عز وجل : ( ~~@QUR@09 وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين ) [المؤمنون : ~~20]. فأخرج سبحانه فيما بين الحجر والماء زيتا صافيا لذيذا نافعا كما أخرج ~~اللبن من بين فرث ودم ، ومن أخرج من النخل شرابا عسلا مختلفا ألوانه فيه ~~شفاء للناس ، ولو جمعت هذه الأشياء في مستقر لكانت مثل الأنهار وكل ذلك ~~لمنافع العباد. فانظر ما فيه من العبرة لذوي الأفكار ، ثم انظر إلى الماء ~~الصاعد من العروق الراسخة الحافظة للأعلى من الشجرة ، وكيف قسم البارئ في ~~غذاء النخلة ، فقسم للجذر ما يصلح لها وللجريد ، وما فيه من السل ما يصلح ~~لها ويناسب جريدها ويرسل للثمرة ما يليق بها ، وكذلك الليف الحافظ للأصول ~~مع الثمرة وجعل الثمرة لما كانت ضعيفة في أول أمرها متراصة متراكمة بعضها ~~فوق بعض مجموعة في غلاف متقن يحفظها مما يفسدها ويغيرها حتى إذا قويت صلحت ~~أن تبرز للشمس والهواء ، فشق عنها غلافها على التدريج ، وهو الذي كان حافظا ~~لها ، فيصير يفترق شيئا بعد شيء على قدر ما تحتمله الثمرة من الهواء والشمس ~~حتى تكمل قوتها ، فتظهر جميعها حتى ما يضر بها ما يلقاها من حر وبرد ، ثم ~~تراها في النضج والطيب إلى بلوغ الغاية المقصودة منها فيلتذ حينئذ بأكلها ~~ويمكن الانتفاع بادخارها ، وتصرف في المآرب التي هيئت لها ، واعتبر ذلك في جميع PageV01P043 # الأشجار ، فإنك ترى فيها من أسباب الحفظ ولطائف الصنع ما يعتبر به كل ذي ~~فهم ولب ، فمن ذلك خلق الرمانة وما فيها من غرائب التدبير ، فإنك ترى فيها ~~شحما مركوما في نواصيها غليظ الأسفل رقيق الأعلى كأمثال التلال في ms057 تلوينه ~~أو البناء الذي وسع أسفله للاستقرار ورقق أعلاه حتى صار مرصوفا رصفا كأنه ~~منضد بالأيدي ، بل تعجز الأيدي عن ذلك التداخل الذي نظم حبها في الشحم ~~المذكور ، وتراه مقسوما أقساما ، وكل قسم منه مقسوم بلفائف رقيقة منسوجة ~~أعجب نسج وألطفه لتحجب حبها حتى لا يلتقي بعضه ببعض فيفسد ولا يلحق البلوغ ~~والنهاية ، وعليها قشر غليظ يجمع ذلك كله ، ومن حكمة هذه الصنعة أن حبها لو ~~كان حشوها منه صرفا بغير حواجز لم يمد بعضه بعضا في الغذاء ، فجعل ذلك ~~الشحم خلاله ليمده بالغذاء ، ألا ترى أصول الحب كيف هي مركوزة في ذلك الشحم ~~ممدودة منه بعروق رقاق توصل إلى الحب غذاءها ، وإلى حبة حبة غذاءها ومن ~~رقها وضعفها لا تكدر على الأقل ولا تعرف بها ، ثم انظر ما يصير من الحلاوة ~~في الحب من أصول مرة شديدة المرارة قابضة ، ثم تلك اللفائف على الحب تمسكه ~~على الاضطراب وتحفظه ، ثم حفظ الجميع وغشاه بقشر صلب شديد القبض والمرارة ~~وقاية له من الآفات ، فإن هذا النوع من النبات للعباد به انتفاعات وهو ما ~~بين غذاء ودواء وتدعو الحاجة إليه في غير زمانه الذي يجنى فيه من شجرة فحفظ ~~على هذه الصفة لذلك. # انظر إلى عود الرمانة الذي هي متعلقة به كيف خلق مثبتا متقنا حتى تستكمل ~~خلقها فلا تسقط قبل بلوغها الغاية المحتاج إليها وهي من الثمرة المختصة ~~بالإنسان دون غيره من الحيوان. انظر إلى النبات الممتد على وجه الأرض مثل ~~البطيخ واليقطين وما أشبه ذلك وما فيه من التدبير ، فإنه لما كان عود هذا ~~النبات رقيقا ريانا ذا احتياج إلى الماء لا ينبت إلا به جعل ما ينبت به ~~منبسطا على وجه الأرض ، فلو كان منتصبا قائما كغيره من الشجر لما استطاع ~~حمل هذه الثمار مع طراوة عودها ولينها ، فكانت تسقط قبل بلوغها وبلوغ ~~غاياتها ، فهي تمتد على وجه الأرض لبلوغ الغاية وتحمل الأرض عودها وأصل ~~الشجرة والسقي بمدها. وانظر هذه الأصناف كيف لا تخلق إلا في الزمن الصالح ~~لها ms058 ولمن تناولها ، فهي له معونة عند الحاجة إليها ولو أتت في زمان البرد ~~لنفرت النفوس عنها ولأضرت بأكثر من يأكلها. # ثم انظر إلى النخل لما كانت الأنثى منه تحتاج إلى التلقيح خلق فيها الذكر ~~الذي تحتاج إليه لذلك حتى صار الذكر في النخل كأنه الذكر في الحيوان ، وذلك ~~ليتم خلق ما بزراعته تحفظ أصول هذا النوع. ثم انظر ما في النبات من ~~العقاقير النافعة البديعة ، فواحد يفور في البدن فيستخرج الفضلات الغليظة ، ~~وآخر لإخراج المرة السوداء ، وآخر للبلغم ، وآخر للصفراء ، وآخر لتصريف ~~الريح ، وآخر لشد البطن في الطبيعة ، وآخر للإسهال ، وآخر للقيء ، وآخر ~~لروائحه ، وآخر للمرضى والضعفاء ، وكل ذلك من الماء ، فسبحان من دبر ملكه ~~بأحسن التدبير. PageV01P044 ### ||| * باب ما تستشعر به القلوب من العظمة لعلام الغيوب # قال الله العظيم : ( @QUR@021 تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن ، ~~وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا ) ~~[الإسراء : 44]. # وقال تعالى : ( @QUR@013 تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن والملائكة يسبحون ~~بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ) [الشورى : 5]. # وقال تعالى : ( @QUR@06 ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ) [الرعد : 13]. # اعلم وفقنا الله وإياك أن جميع ما تقدم ذكره في هذا الكتاب من بدائع ~~الخلق وعجائب الصنع وما ظهر في مخلوقاته من الحكم آيات بينات ، وبراهين ~~واضحة ، ودلائل دالات على جلال بارئها وقدرته ونفوذ مشيئته وظهور عظمته ، ~~فإنك إذا نظرت إلى ما هو أدنى إليك وهي نفسك رأيت فيها من العجائب والآيات ~~ما سبق التنبيه عليه وأعظم منه ، ثم إنك إذا نظرت إلى مستقرك وهي الأرض ~~وأجلت فكرك فيها وأطلت النظر في استرسال ذهنك فيما جعل فيها وعليها من جبال ~~شامخات ، وما أحيط بها من بحار زاخرات ، وما جرى فيها من الأنهار ، وما ~~انبث فيها من أصناف النباتات والأشجار ، وما بث فيها من الدواب إلى غير ذلك ~~مما يعتبر به أولو الألباب ، ثم إذا نظرت إلى سعتها وبعد أكنافها ، وعلمت ~~عجز الخلائق عن الإحاطة بجميع جهاتها وأطرافها ، ثم إذا نظرت فيما ذكرته ~~العلماء من ms059 نسبة هذا الحق العظيم إلى السماء ، وأن الأرض وما فيها بالنسبة ~~إلى السماء كحلقة ملقاة في أرض فلاة وما ذكره النظار من أن الشمس في قدرها ~~تزيد على قدر الأرض مائة ونيفا وستين جزءا ، وأن من الكواكب ما يزيد عن ~~الأرض مائة مرة ، ثم إنك ترى هذه النيرات كلها من شمس وقمر ونجوم قد حوتها ~~السماوات وهي مركوزة فيها ، ففكر في السماء الحاوية لهذا القدر العظيم كيف ~~يكون قدرها ، ثم انظر كيف ترى الشمس والقمر والنجوم والسماء الجامعة لذلك ~~في حدقة عينك مع صغرها ، وبهذا تعرف بعد هذا كله منك وعظم ارتقائه ، ولأجل ~~البعد ترى هذه النيرات صغيرة في رأي العين ، ثم انظر إلى عظم حركتها وأنت ~~لا تحس بها ولا تدركها لبعدها ، ثم إنك لا تشك أن الفلك يسير في لحظة قدر ~~الأرض مائة مرة وأكثر من ذلك وأنت غافل عن ذلك ، ثم فكر في عظم قدر هذه ~~الأشياء ، واسمع قسم الرب سبحانه بها في مواضع من الكتاب العزيز. فقال ~~عز وجل : ( @QUR@03 والسماء ذات البروج ) [البروج : 1]. ( @QUR@08 والسماء ~~والطارق* وما أدراك ما الطارق* النجم الثاقب ) [الطارق : 1. 3]. وقال : ( ~~@QUR@09 فلا أقسم بمواقع النجوم* وإنه لقسم لو تعلمون عظيم ) [الواقعة : 75 ~~و76]. إلى غير ذلك من الآي ، ثم ترق بنظرك إلى ما حواه العالم العلوي من ~~الملائكة وما فيها من الخلق العظيم ، وما أخبر به جبريل عليه السلام النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن إسرافيل عليه السلام ، يقول جبريل : فكيف لو رأيت ~~إسرافيل ، وإن العرش لعلى كاهله ، وإن PageV01P045 # رجليه لفي تخوم الأرض السفلى ، وأعظم من هذا كله قوله عز وجل : ( @QUR@04 ~~وسع كرسيه السماوات والأرض ) [البقرة : 255]. فما ظنك بمخلوق وسع هذا الأمر ~~العظيم ، فارفع نظرك إلى البارئ العظيم واستدل بهذا الخلق العظيم على قدر ~~هذا الخالق العظيم ، وعلى جلاله وقدرته وعلمه ، ونفوذ مشيئته وإتقان حكمته ~~في بريته ، وانظر كيف جميع هذا الصنع العظيم ممسوك بغير عمد تقله ، ولا ~~علائق من فوقه ترفعه وتثبته ، فمن نظر في ملكوت السماوات والأرض ونظر في ~~ذلك بعقله ولبه ms060 ، استفاد بذلك المعرفة بربه والتعظيم لأمره ، وليس ~~للمتفكرين إلى غير ذلك سبيل ، وكلما ردد العقل الموفق النظر والتفكر في ~~عجائب الصنع وبدائع الخلق ازداد معرفة ويقينا وإذعانا لبارئه وتعظيما ، ثم ~~الخلق في ذلك متفاوتون ، فكل مثال من ذلك على حسب ما وهبه له من نور العقل ~~ونور الهداية. وأعظم شيء موصل إلى هذه الفوائد المشار إليها تلاوة الكتاب ~~العزيز ، وتفهم ما ورد فيه وتدبر آياته مع ملازمة تقوى الله سبحانه. # فهذا هو باب المعرفة بالله واليقين بما عند الله ، ثم انظر وتأمل ما نشير ~~إليه ، فإنك علمت على الجملة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسري به إلى أن ~~بلغ المنتهى ورأى من آيات ربه الكبرى. واطلع على ملكوت ربه وتحقق أمر ~~الآخرة والأولى. ودنا من ربه حتى كان كقاب قوسين أو أدنى. فما ظنك بعلم من ~~شرف بهذا المعنى ثم أمر بأن يقول : ( @QUR@04 وقل رب زدني علما ) [طه : ~~114]. علمك بمعرفته ومن عليك بنور هدايته واستعملنا وإياك بطاعته. وجعلنا ~~بكرمه أجمعين من أهل ولايته بمنه وكرمه وجوده إنه ولي ذلك. PageV01P046 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * معراج السالكين ### ||| * فاتحة معراج السالكين # اللهم إنا نحمدك ونشكرك معتقدين فيك أنك لا ترتاح إلى الشكر ارتياح ذوي ~~الحاجات لكن النفوس المؤيدة تأبى إلا الشكر لمنعمها. سبحانك أيها الرب ~~الرحيم حلمت مع نفوذ علمك وأمهلت مع شدة بطشك ولم تمنع الرزق من جاهر ~~بعصيانك. تعاليت أنت القريب الظاهر الأول الآخر لا تستفزك سطوة العبيد وأنت ~~أقرب إليهم من حبل الوريد. # ونسألك اللهم صلاة زاكية مباركة على نبي الرحمة ومنقذ هذه الأمة ، محمد ~~عبدك الدال عليك والهادي إليك. # إخواني نصحت لكم فهل تحبون الناصحين وتحريت رشدكم فهل علي إلا البلاغ ~~المبين وما تغني النصيحة. وقد عم الداء ومرض الأطباء واستشفى بغير الشفاء ~~واعتيض من البصر بالعمى. وخبثت القلوب ورين عليها. وعطلت البصائر ونسب ~~التقصير إليها. واتخذت آيات الله هزوا ولعبا. وصيرت أغراض الآجلة إلى ~~العاجلة سببا فلا موقظ من غفلة ، ولا زاجر عن زلة : # مرضى عن ms061 الخيرات في بحر الردى %~% غرقى فلا داع لنهج أقوام شغفوا بكل رذيلة مذمومة %~% صرفت وجوههم لوجه الدرهم ناموا عن المقصود لم يستيقظوا %~% ستكون يقظتهم لخطب أعظم # فنعوذ بالله أن نكون ممن رغب عن طريق هو لها سالك ، وقال هلك الناس وهو ~~في جملتهم هالك. # اعلم أيها الأخ أن الباعث على إسعافك في مطلوبك غرضان مهمان. ولما اقتصرت ~~في طلبك على موافقتهما ودارت رغبتك على تحصيل حقيقة مقصودهما. واقتصرت همتك ~~من بين العلوم على العلوم الإلهية وزعمت أن مقصودك طلب الخلاص من شر ~~الاعتقادات الفاسدة ، والهرب من الآراء المجانبة للحق المعاندة. رأيت تقديم ~~التنبيه على الغرضين المذكورين لنستوجب العذر فيما انتدبنا إليه ، وليكون ~~ذلك المهم الأكبر الذي نبهنا عليه. # الغرض الأول : أيها الأخ ما شاهدناه من فساد الزمان وأخذه في الازدياد ~~وكثرة الآراء وفساد الاعتقاد ، وعدم ذاب يبذل فيها الاجتهاد ، ويمرها على ~~كف الانتقاد ، ولو لا سياسة الملوك PageV01P047 # لعمت الخافقين ظلمها ، ولرسخ في كل الأقطار قدمها ليقضي الله أمرا كان ~~مفعولا. ويبقى رسما كان إبقاؤه عليه وعدا مسئولا. ولكن تعاقب الزمان وطرو ~~الحوادث وكثرة الصوارف وفتور الهمم داعية إلى الفساد ، والداء يزداد كل يوم ~~أغذية السوء كالذنوب فرأيت إبراز هذه النبذ لتكون مغنية للسائلين ومعينة ~~للسالكين ومنفعة باقية في الآخرين. # والأهم من هذا الغرض التنبيه على غوائل الآراء البشعة التي استهوت عقول ~~أكثر الناس وهم في ازدياد من هذا الفن ، وهو سبب فتور الشرائع وهو عند ~~الأنبياء على مر الأيام والنفوس مولعة بكل غريب لم تألفه وغامض لم تعهده ~~فلا يسلم الغمز الجاهل من الوقوع فيه والفطن المتباطئ عن الاغترار بما يظهر ~~من مبادئه. # وقد كثرت ترهات هذه الطائفة لعلتين : # إحداهما : الزهد في الرد عليهم. # والثانية : بدار الجهال بمجادلة الرد على ما قرر لديهم كمقابلتهم بإنكار ~~علوم التعاليم الأربعة من الهندسة والحساب والمنطق ومعرفة المواكب وثبوتها. ~~وهي مقدمات علومهم وعنوان كلامهم وعنصر براهينهم ولم يحكموا فيما حاولوا ~~شيئا كإحكامهم لها. والمنطق على مر الأيام وكر الدهور ينقحونه ويهذبونه إلى ~~زمان أفلاطون ms062 فزاد ترتيبا وميز فيه السفسطة من الجدل. وحذا حذوه تلميذه ~~أرسطو فرتب صناعة البرهان. وهذب الكتب الثمانية. وكذلك علم الهيئة والهندسة ~~استخرجوهما من السند هند كتاب أيضا تعاقبته الأيام وهو الذي يحصل منه ~~الهندسة والهيئة فلا معنى لمناكرتهم في كليات هذه التعاليم ، فليطالبوا ~~بتصحيح مسائلها الجزئية واستعمالها وتصحيح الأشكال والمقدمات في العلم ~~الإلهي فإنهم تساهلوا فيها ولم يستعملوها البتة فهناك موضع المضايقة ، وأما ~~إنكار كون الأرض كرية وأخذها المكان الأوسط من الفلك وارتفاع الأقاليم ~~وانخفاضها وتحقيق الجهات والآفاق والكسوفات فلا معنى لإنكار ذلك ومناظرتهم ~~في إبطاله ، فهذا أحد الغرضين وتحته تنبيه على المواضع التي نتكلم على ~~اختلافهم فيها ونورد ذلك متفرقا في الكتاب إن شاء الله تعالى. # الغرض الثاني : أن الحق لا يعرف قدره وحده ما لم يعرف نقيضه وضده فبضدها ~~تتميز الأشياء ومقصدنا التنبيه على الطريق الأسلم ، والصراط الأقوم. ولا بد ~~من ذكر الطريق المنحطة عنه لينصف في ذلك الناظر في هذا الكتاب فيعلم أنا لم ~~ننتدب لضئيل ولا أضربنا عن سيرة الأوائل في سكوتهم إلا لخطب جليل. ولنضيف ~~ذلك إلى الغرض الثاني فيتضح لديه العذر وليعرف مقدار النعمة فيطلبها بالشكر ~~فنقول الناطقون بكلمة الشهادة سبع فرق. # الفرقة الأولى : طائفة نطقوا بالشهادتين من غير التفات إلى ما تنطوي عليه ~~من المعنى ولا احتفاء بالوظائف كأجلاف الأعراب والأعاجم لكنهم كالأنعام بل ~~هم أضل سبيلا. فلهم حكم PageV01P048 # المشيئة وهم المرادون بقوله تعالى : ( @QUR@06 قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا ) [الحجرات : 14]. والسيف عند هؤلاء أصدق أنباء من الكتب ، وهو أحد ~~ما يساسون به. # الفرقة الثانية : طائفة نطقت بكلمتي الشهادة تقليدا مأخوذا من الآباء ~~والأمهات والمعلمين لكنهم مقبلون على وظائف الشرع ، فهؤلاء هم المسلمون على ~~الحقيقة ، ولهم تقدمة على الفرقة الأولى وهم المرادون بقوله تعالى : ( ~~@QUR@03 إن المسلمين والمسلمات ) [الأحزاب : 35]. الآية. وبقوله سبحانه : ( ~~@QUR@05 ومن يسلم وجهه إلى الله ) [لقمان : 22]. الآية. # الفرقة الثالثة : قوم اعتقدوا الشريعة وصدقوا ولم يقتصروا على درجة ~~المسلمين ، بل استعملوا النظر والاستدلال وذبوا عن حرم الدين ، وهؤلاء أكثر ~~المتكلمين من أهل السنة ms063 وأصحاب الحديث وهم المؤمنون المسلمون ، فهم أخص إذ ~~الإسلام أعم. وقد فصل صلى الله عليه وسلم بين الإسلام والإيمان في حديث السائل ~~وقال تعالى : ( @QUR@05 إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات ) ~~[الأحزاب : 35]. وقال تعالى : ( @QUR@04 أولئك هم المؤمنون حقا ) [الأنفال : 4]. # الفرقة الرابعة : فرقة ترقوا عن هذه الطريقة إلى درجة اليقين والثلج ، ~~فإن التصديق منقسم إلى التام والناقص فمن صدق بالشيء واستعمل ضربا من ~~الإقناع سمي مصدقا ، ولكن التام هو الذي يصدق بالشيء عن برهان ومع قيام ~~البرهان على أن ذلك البرهان لا يجوز أن يكون بخلاف ما تقرر عليه ولا في حين ~~ما لا بالذات ولا بالعرض. ولا يجوز أن يبعث نبي صادق بضده أصلا ولو بعث ~~بنقيضه لاعتقد تكذيبه ، فإن قيل : فهذا تصريح بتفاضل المؤمنين في إيمانهم. ~~قلت : فهو الصحيح ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : " الإيمان بضع وسبعون ~~شعبة". وقال صلى الله عليه وسلم : " يخرج من النار من في قلبه مثقال حبة من ~~خردل من إيمان" ، والإيمان في اللفظ اللغوي هو التصديق وقد قدمنا أن ~~التصديق ينقسم إلى التام والناقص. فإن قيل : بل التصديق لا يتفاضل والإيمان ~~يكون بمعنى العمل ، قلنا : أما أن الإيمان التصديق فهو مشهور في اللغة وهو ~~الأصل وهو في الأعمال منقول والاستمساك بحقيقة اللغة أولى حتى يدل الدليل ، ~~وقد دل دليل الشرع على تفاضل الإيمان بما ذكرنا. فإن قيل : هب أنا سلمنا أن ~~الإيمان هو التصديق فما الدليل على انقسام التصديق في نفسه؟ قلنا : التصديق ~~عبارة عن الاعتقاد ، والاعتقاد لفظ عام وحقيقته ركون النفس إلى متخيل إما ~~في نفسه أو في إثباته ، ثم المعتقدات إن كانت في النفس كما هي عليه من خارج ~~فهو اعتقاد للشيء وتصور له وعلم به على ما هو عليه ، ومتى كان من خارج على ~~خلاف ما هو في النفس فهو تصديق وتصور ناقص إذ من اعتقد زيدا أبيض فوجده ~~أسود نقص اعتقاده. # الفرقة الخامسة : أقوام اعتقدوا الإسلام وصحته ، لكن اعتقدوا في الإله ~~تعالى وصفاته ما نسبوا به إلى البدعة والفسق. # الفرقة ms064 السادسة : أقوام أضافوا إلى ذلك ما نسبوا به إلى الكفر كمن صدق ~~بالنبوة من الفلاسفة ، واعتقد أن ذلك يرجع إلى ملك قائم ثم اقتضى له مولده ~~أن يكون حسن السياسة PageV01P049 # فاضلا متنوعا فهؤلاء كفرة وهذا تصور لا ينفع. # الفرقة السابعة : أقوام مظهرون للإسلام مبطنون للتعطيل المحض فهؤلاء شرار ~~الفرق خالدون في الدرك الأسفل من النار. والأمم كلها على خلاف هذه الطائفة ~~وهي يسمع بها وقل ما ترى إلا آحادا يحملهم الاستخفاف على ذلك ، والأمم ~~مطبقة على وجود الصانع وإن استعمل بعضهم معه الشركاء على اختلاف القول ~~بالشرك من المعبودات من الأحجار والأحياء والكواكب. وقد سميت هذا الكتاب : ~~" بمعراج السالكين" والله سبحانه يحملنا على الرأي الحق بعزته. ### ||| * المعراج الأول # ليعلم أولا أن ابتداءنا بهذا المعراج وتقديمنا له على أمثاله له ثلاثة ~~أغراض : # أحدها : استعمال الطوائف المذكورة له واقتصارهم عليه فنرقيهم عنه إلى سواه. # الثاني : أنه مقدمة لما نذكره من معرفة النفس وقواها وبيان العوالم وأنها ~~على مضاهاتها. # الثالث : أن نبين فيه ألفاظا واصطلاحات تغني عن تكرار بيانها وتمييز عالم ~~الغيب عن عالم الشهادة. والحد المميز لهما ، وما العالم الذي وقع الخلاف في ~~حدوثه وقدمه. وكمية هذه المعارج سبعة. # اعلم أن حقيقة العروج الصعود علوا تقول : عرجت في السلم أعرج. والألفاظ ~~لها وجهان من الدلالة ، فوجه في الدلالة على الأشياء الجسمانية كمفهوم ~~السلم والعروج. والوجه الثاني : الدلالة على معاني الجسمانيات وأرواحها إما ~~بطريق وضع اللغة وإما بالمجاز والاستعارة. # ولما كان السالك الباحث إلى معرفة بارئه تعالى طالبا للترقي عن ظلمات ~~الجهل وأسفل السافلين من حضيض البهائم والجهلة ، وكانت البراهين والأدلة ~~الموصلة إلى درجة العلوم شبه السلم الجسماني الموصل إلى العلو الجسماني ، ~~وكانت مفردات البراهين ومقدمات القياس وأجزاؤه مادة له منها يتألف حاكت ~~أضلاع السلم فإذا التسمية لا مشاحة فيها إذ هي مفيدة قال الله تعالى : ( ~~@QUR@011 ليس له دافع* من الله ذي المعارج* تعرج الملائكة والروح إليه ) ~~[المعارج 2 4]. ومن قام عنده البرهان على استحالة وجهه للبارئ تعالى يعرج ~~إليه فيها طلب معنى ms065 عقليا ليحمل اللفظ عليه ، وقد ذم الله تعالى فرعون ~~اعتقاد كون الأسباب والمعارج جسمانية في قوله تعالى : ( @QUR@010 وقال ~~فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب ) [غافر : 36]. وقال الله ~~تعالى : ( @QUR@08 وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل ) [غافر : 37]. ~~فالأدلة سلاليم الخلق إلى ربهم والذهول عنها هو المعبر عنه بالحجب. وقد ذكر ~~الله تعالى ذلك في نعت الكافر ، فقال عز من قائل : ( @QUR@05 أو كظلمات في ~~بحر لجي ) [النور : 40]. الآية فعبر عن الاعتقادات الفاسدة بالظلمات وعن ~~ترادف الشكوك بترادف الموج ، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم : " إن لله سبعين ~~حجابا من نور وظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره". وليس ~~المراد بالحجب إلا الطرق الموصلة إليه. PageV01P050 # فلو كانت براهين فهي حجب نور ، ولو كانت شبها فهي حجب ظلمة. # والدليل على ذلك قوله : لأحرقت سبحات وجهه فإنها لو كانت جسمانية لاحترق ~~وجهه بأولاها أو بآحادها ولم يشترط في الإحراق إلا مجموعها. والبرهان الحق ~~على أن البارئ سبحانه لا يصح أن يكون محجوبا لعلتين : # إحداهما : أن الحجاب ليس إلا للأجسام والبارئ تعالى ليس بجسم. # والثانية : أن المحجوب يجب أن يكون في جهة والبارئ سبحانه لا جهة له ~~بوجه. وإنما أراد صلى الله عليه وسلم أن هذا السالك الباحث لو انكشف إليه هذه ~~الموانع المانعة من تحقيق معرفة معبوده لأحرقت الأشياء التي استدل بها ما ~~انتهى إليه بصره ، فعبر بالاحتراق عن الاضمحلال فهذا تحقيق هذه العبارات. ~~ومضمون هذه الإشارات ، والعالم هو السلم إلى معرفة البارئ سبحانه ، فهو ~~الخط الإلهي المكتوب المودع المعاني الإلهية ، والعقلاء على اختلاف طبقاتهم ~~يقرؤونه ومعنى قراءتهم له فهمهم للحكمة التي وضع دالا عليها. قال تعالى : ( ~~@QUR@07 قل انظروا ما ذا في السماوات والأرض ) [يونس : 101]. وقال سبحانه : ~~( @QUR@06 سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ) [فصلت : 53]. وقال تعالى : ~~( @QUR@06 أفي الله شك فاطر السماوات والأرض ) [إبراهيم : 10]. ولما كان ~~الإنسان محجوبا مركبا من مواد مختلفة متضادة وكان محجوبا عن عالم الغيب ، ~~ونعني بعالم الغيب كل غائب عن إدراك الحس ولم يتوصل إلى ms066 معرفته إلا بجد ~~وتيقظ وقوة مفكرة خصته الحكمة الإلهية بأن جعلته دفترا جامعا مدبجا فيكون ~~في ذلك فائدتان : # إحداهما : الإنعام عليه بإلزام أمور عجيبة تكون له مفاتيح لما غاب عنه ~~كما قال تعالى : ( @QUR@04 وفي أنفسكم أفلا تبصرون ) [الذاريات : 21]. فهو ~~يستدل بما شاهد في نفسه على ما لم يشاهد. # ولما كانت الأدلة والحجج منقسمة إلى الأتم والأنقص وكان طريق البرهان ~~وتأليفه على الشرائط الصحيحة وكانت الأدلة متعذرة على العوام ، وكان ~~الإقناع وقياس التمثيل والاستقراء أقرب إلى أكثر الأذهان خصت الحكمة ~~الإلهية الصور الإنسانية بضروب من عجائب العوالم وغرائبها المستدل بها ~~فيكون ضربا من التمثيل والاستقراء الذي يقاس به الشاهد على الغائب وأكثر ما ~~عاملت الأنبياء عليهم السلام الخلق بهذا النوع من أصناف الحجة لأن مقابلتهم ~~بغير هذا الطريق صعب قال تعالى : ( @QUR@07 ادع إلى سبيل ربك بالحكمة ~~والموعظة الحسنة ) [النحل : 125]. ولذلك جعلنا هذا المعراج أولا وأحلنا ~~العوام على الاقتصار على تعلمه ، وذكرنا انقسامهم إلى طبقتين فيما تقدم ~~فهذه إحدى فوائده وحكمه. # الحكمة الثانية : ولها فائدتان. إحداهما : يستحق بها العقوبة. وبالثانية ~~: المثوبة. # فالأولى : استعماله لما يثق به وهو محسوس عنده مشاهد فشرطه أن لا يتعداه ~~ولا يحمل أكثر مما يحتمل ، فمن البر ما يكون عقوقا والشيء متى جاوز حده ~~انعكس إلى ضده. PageV01P051 # والثانية : أن لا يستعمل الاستدلال به في ما لا يصح ويقضي على الغائب بما ~~لا يقطع به على الشاهد ويزعم القطع به. # والفرق بينه وبين ما أمرنا استعماله أنه أمر باستعماله على جهة الحكمة ~~وهو أن يكون له مذكرا أو زاجرا من غير قاطع ، وهذا المستدل يزعم أنه يقطع ~~بما أخذ عنه من القياس كمن يزعم أن للبارئ سبحانه صورة كصورة الإنسان وأن ~~علمه كعلمنا أو قدرته كاقتدارنا. وينتهي إلى ضرب من ضروب التجسم. قال الله ~~تعالى : ( @QUR@08 ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم ) [الكهف ~~: 51]. وإنما نستعمل من ذلك ما أحسسنا أو شهدت التجربة به مما يزعمه ~~المعتنون بالتشريح على طول الدهر فهذا مما لا يمتنع. # وإذا فهمت هذا القدر ms067 وساعدت عليه وأنست لقوله عليه السلام : " إن الله خلق ~~آدم على صورته" ، وفهمت أن معنى ذلك خلقه خلقة على شبه العالم ، فاعلم أن ~~الإنسان عبارة عن حيوان ناطق مائت منتصب القامة ضحاك ، فهذا حد يتناول نفسه ~~وجسمه لضرورة الفصل بينه وبين الأشخاص الحية وإلا فقولنا حيوان ناطق يتناول ~~نفسه فقط. ثم هذا الحيوان الناطق أعني الإنسان تنقسم جملته في التقسيم ~~الكلي إلى ثلاثة أشياء : نفس وروح وجسم. # فالجسم هو المؤتلف من المواد والعناصر الحاملة لروحه ونفسه وهو الشكل ~~المنتصب ذو الوجه واليدين والرجلين الضاحك. # وأما الروح : فهو الجاري في العروق الضوارب والشرايين. # وأما النفس : فهو الجاري في العروق الضوارب والشرايين. # وأما النفس : فهو الجوهر القائم بنفسه الذي ليس هو في موضع ولا يحل شيئا ~~، وسنشبع الكلام عليه مقدار ما يحتمله الموضع فنتكلم على الجسم بمقدار ما ~~يرشد إلى الغرض. ويكون معينا لما عسى أن نذكره من أمر النفس ، فنقول قال ~~تعالى : ( @QUR@06 ولقد خلقنا الإنسان من سلالة منطين ) [المؤمنون : 12]. ~~وقال تعالى : ( @QUR@06 فإذا سويته ونفخت فيه من روحي ) [الحجر : 29]. ~~فأخبر تبارك وتعالى عن ثلاثة أمور جسمه وروحه ونفسه ، وحقيقة الروح الحرارة ~~الغريزية المنبعثة في الأعصاب والعضلات وهي موجودة للبهيمة وبها حياتها ، ~~والفصل بين الآدمي والبهيمة هي النفس التي أضافها الله تعالى إليه في قوله ~~تعالى ( @QUR@04 ونفخت فيه من روحي ) [الحجر : 29]. فلو كانت للآدمي هذه ~~النفس دون الروح المخلوقة للبهيمة لقصر عن أفعال البهيمة في الأكل والجماع ~~والتصرف ، ولو أن البهيمة أعطيت النفس التي أعطيها الإنسان لكانت عاقلة ~~مكلفة فخرج من الجملة أن للإنسان روحا ونفسا وجسما ، وللبهيمة جسما وروحا ~~لا غير ، فأما آدم عليه السلام ، فمخلوق من التراب والماء والهواء والنار ، ~~وقد قال تعالى ذلك في قوله سبحانه : ( @QUR@04 من سلالة من طين ). وفي ~~قوله سبحانه : ( @QUR@06 وجعلنا من الماء كل شيء حي ) [الأنبياء : 30]. ~~وأما النار فقوله تعالى : ( @QUR@03 من صلصال كالفخار ) [الرحمن : 14]. ~~فأول الدرجات التراب ، فإذا مسه الماء قيل له طين فإذا مرت عليه دهور بكرور ~~الشمس واكتسب منها يبسا وجفافا قيل له صلصال ms068 كالفخار لنشوفته ، PageV01P052 # ومعلوم ببرهان العقل أن مؤدي حر الشمس إليه هو الهواء ، فصح بالبرهان ~~الشرعي والعقلي كون آدم عليه السلام على الصورة التي تقدمت ليجعل الله تعالى ~~تدريج بنيه من نطفة خرجت منه يتلقفها الإناث إلى انقطاعها وتمام القوى ، ~~وذلك حين الساعة وتمام الخلق. فأول الإنسان نطفة ثم علقة ، ثم مضغة ، ثم ~~تنبت فيه العظام ، وتكسى لحما ، فالنطفة الخارجة من الإنسان مسلولة كقشر ~~الحبة من الحبة لكنها مياعة وكالنواة فإن النخلة السحوق فيها ولكن مدمجة ، ~~ولكن من شاهد عقد الثمار تيقن هذا ، فإن الرمانة مثلا تخرج في أصغر ما يمكن ~~غير أنك ترى الشكل مصغرا ثم تقويها الطبائع من خارج بما يجانسها فتصرف تلك ~~الأشكال الكاملة إلى انتهائها وما فيها. # ومن أرسل النطفة وأبصر السقط تحقق ذلك فإنك ترى أشكاله كخطوط مكتوبة ، ~~وحدقتاه كحبات شونيز ووضوح ذلك لا يحوج إلى مزيد تأمل ، فالنطفة مسلولة ~~مائعة بالطبع لما انسلت عنه بذوبان فطري جبلي لا حيلة فيه ، ولذلك يشبه ~~الولد أباه في خلقه وخلقه. # فإن قيل : الأغذية تستحيل دما في الكبد ، ثم تستحيل منيا وكانت قبل ذلك ~~نباتات انفعلت عن الطبائع الأربع ، فلزم أن يكون غير الأب إذا انفعلت عن غيره. # قلنا : الأمر كذلك ولكن الاعتبار بحين انفصالها عن الأب ، فحين انفصالها ~~تنبعث من عروقه وعصبه وكبده بحركة ما ، فتكتسب حينئذ طبعه. وهذا الأمر ~~متسلسل إلى آدم عليه السلام وعنده يقف الأمر فإن جسمه ونفسه ليسا مأخوذين عن ~~آدم آخر فإن ذلك محال. وفيه إثبات أشخاص لا أول لها وهو محال. فإن الشخص ~~بالضرورة ذو أولية وهو تحت النوع وإذا ثبت هذا فاعلم أن الصور الإنسانية ~~تنقسم إلى أربعة أرباع. # الأول : الرأس. والثاني : اليدان. والثالث : البدن. والرابع : الرجلان. # ثم عظامه منقسمة إلى مائتي وثمانية وأربعين عظما. ففي الرأس : اثنان ~~وأربعون عظما ، وفي الربع الثاني : اثنان وثمانون عظما. وفي الثالث : ~~أربعون عظما. وفي الرابع : أربع وثمانون عظما ، ثم خلق الله سبحانه لهذه ~~العظام رباطات تمسكها ، فعدة عروق شكل الإنسان ثلاثمائة وستون عرقا. وبهذه ms069 ~~العروق تكون الحركة والقبض والبسط. # فرأس هذه العروق في الفؤاد ، وهو العرق المسمى بالنياط والأبهر ومنزلته ~~مع القلب بمنزلة الحاجب للملك يتلقف أمره ثم يخرجه إلى الخدمة ، ثم هذه ~~العروق متصلة بالمعدة تمتص منها قوة الطعام والشراب الذي يدخلها ثم تقسمه ~~بين الكبد ، والمرارة ، والطحال ، والرئة ، وخلق الأبهر مستبطن الصلب ، وهو ~~آخذ من مجمع الكاهل ، إلى مجمع الوركين ، إلى مجمع الحالبين ، إلى مجمع ~~الصدر بين الترقوتين وهو نهر الجسد الأعظم وهو مقسوم لأربعة عروق لأجزاء ~~الجسد الأربعة ، لكل جزء منها عرق ، فللرأس منها عرق يتفرق إلى ستين عرقا ~~ولليدين والرجلين عرق يتفرق إلى مائتي عرق. # والجزء الأول من النهر الأول : وهي أربعة أنهار يتفرق منه عرقان من مجمع ~~الكاهل يسقيان PageV01P053 # العنق ، ويتفرق من مجمع الصدر بين الترقوتين عرقان يصعدان إلى العنق وهما ~~الوريدان ، ثم ينفرق من كل واحد عرقان ، ثم جميع هذه العروق ينبعث فيها ~~الغذاء إلى كل عضو ، من الرأس ، من الشفتين وغيرهما. # وأما عروق البدن من الربع الثاني : وهو أحد الأنهار الأربعة من الأنهر ~~الأعظم يتفرق منه عرقان لكل يد عرق من مجمع الصدر من الترقوتين إلى ما بين ~~المنكبين وهما الأكحلان ، ثم ينشعب من كل واحد منهما أربعة عروق سواهما ~~فتسقي العضدين وأجزاءهما ، فذلك عشرة عروق لكل يد خمسة عروق ثم يتفرق من كل ~~واحد من العشرة أربعة تسقي الساعدين ، فذلك خمسون عرقا لكل ساعد منها خمسة ~~وعشرون ، ثم يتفرق من كل واحد من الخمسين عرقا عروق أخرى فتسقي الكفين ~~والأصابع. # وأما الجزء الثالث : فالبطن يفترق منه عرقان من مجمع الحالبين إلى ~~اليدين. يفترق من كل واحد منهما تسعة وعشرون عرقا سواهما يدفع إلى كل جزء ~~حصته من الغذاء : للأضلاع أربعة وثلاثون ، ولسائر أجزاء البطن ستة وعشرون : ~~للعصعص عرقان ، وأربعة للمذاكير ، واثنان للكليتين ، واثنان للمثانة ، ~~واثنان يسقيان المعدة ، واثنان للكبد ، واثنان للطحال ، واثنان للفؤاد ، ~~واثنان للمرارة واثنان للرئة ، واثنان للثديين ، وثلاثون للأضلاع ، لكل ضلع عرقان. # وأما الجزء الرابع : وهما الرجلان. ففيهما الوتين عرق يفترق منه عرقان ، ~~وهما ms070 النسيان. وهما للفخذين لكل فخذ عرق من مجمع الوركين يسقيان الفخذين ~~وأجزاءهما ويفترق من كل واحد منها أربعة عروق ، ثم يفترق من الأربعة خمسون ~~عرقا تنتكس في الساقين لكل ساق خمسة وعشرون عرقا ، فقد صار جملة الإنسان ~~جملة مناسبة للعوالم وجزئياتها ، فهو مشبه للعالم الأعلى بنفسه ومشبه ~~للعناصر بما فيه من ماء وهواء ونار وتراب. ويضاهي الجواهر الأرضية. أما ~~الحيوانية ، فبروحه الحيواني. وأما النباتية ، النامية فبما ذكرناه من ~~عروقه ونموه وتغذيه. وأما الجمادية فبعظامه فهذه المشابهة الكلية. # ثم تعرض أجزاءه على كل جزء من العالم فتجده يضاهيه ، وشرح ذلك مما يطول ~~ولو استوفينا فيه الأعمار الطويلة وآباد السنين لما نفد. وعليك أن تمتحن ~~ذلك بكل ما تشاهده ، وتبحث فتجد في عالم جسمك مثل ذلك بل فيه ما يضاهي قوى ~~الحيوان كجرأة الأسد ، وخبث الثعلب ، وطيش القرد وصلابة الخنزير وهكذا. # ثم الغذاء إذا استقر في المعدة طبخته الكبد ، وهي حارة رطبة لاصقة في ~~المعدة من الجانب الأيمن ، يمتص منها من صفو الغذاء وكل حار رطب لمشاكلتها ~~له فتصفيه بجوهرها ، وفيها أنابيب كالمصفى فتجذبه العروق وتنقله ويسير فيها ~~حسب ما قدمناه. وأما المرارة فهي معدة الخلط الذي يقال له المرارة الصفراء ~~وهي حارة يابسة لاصقة بالمعدة من الجانب الأيمن مما يلي الكبد ، يمتص منها ~~من صفو الغذاء كل حار يابس للمشاكلة فتصفيه بجوهرها. ثم PageV01P054 # تحتلبه العروق كما ذكرناه. والخلط الثالث المرة السوداء ومعدته الطحال. ~~وهو بارد يابس لاصق بالمعدة من الجانب الأيسر فيمص من الغذاء كل مشاكل له. ~~والرابع البلغم وهو بارد رطب وله الرئة تمتص من الغذاء ما يشاكلها. ~~والحلقوم رأس الرئة على طبيعة الطحال وهو معد للنفس وهو الحنجرة. ورأس ~~الحلقوم مغطاة بطبق واللهاة مدلاة عليه ، والقلب في الجانب الأيسر تحت ~~الثدي الأيسر. والرحم في الجانب الأيمن لاصق بعروق الفؤاد. وهو معدن الشهوة ~~، والمعدة معتدلة المزاج وهي كالقدر وتلك الأوعية كلها لها كالأثافي. ولها ~~فمان : مدخل وهو مسلك المريء إلى الفم. والفم الثاني يخرج منه الأثقال ~~وتخدم المعدة. وللصرة أربع ms071 قوى : إحداها جاذبة ، والثانية ممسكة ، والثالثة ~~هاضمة ، والرابعة دافعة. # فالجاذبة : حارة رطبة تقوي الدم وتجر الطعام والشراب من الفم إلى المعدة. ~~وكل ما شاكلها تصيره دما وهي منحدرة أسفل المعدة إلى أسفل البطن فتخرج غير ~~متغيرة الشم تشاكل ريح الجنوب. # وأما الممسكة : فباردة يابسة تقوي المرة السوداء وتمسك الطعام والشراب في ~~المعدة ، ولا سبيل للمعدة أن تمسك شيئا دونها وتخرج متغيرة الشم تضاهي ريح ~~الشمال وهما على مضادة الجاذبة فبذلك يعتدلان. # وأما الهاضمة : فتقوي المرة الصفراء ، وتهضم الطعام بالحر ، ويعينها ~~الكبد فيصعد من المعدة إلى الفم غير متغير الشم وهي حارة يابسة كريح ~~الدبور. # وأما الدافعة : فباردة رطبة تقوي البلغم. وقد توقع الطعام والشراب من ~~المعدة إلى الأمعاء إلى الاعفاج إلى الأرض بذلك وكلت ، وهي باردة رطبة ~~معادلة للريح الهاضمة. وصلاح الأمزجة وفسادها تابع لهذه الأمور. والعلم ~~الطبيعي معد لإصلاحها هو فائدته وغرضه ، والنفس تكتسب بالمجاورة من هذه ~~الطبائع ملكة عند غلبتها كالطيش والحدة عند غلبة الصفراء ، والهم والغم ~~وقلة النشاط عند غلبة السوداء إلى غير ذلك كما يكتسبه الرفيق من رفيقه. ~~ومتى كانت هذه الطبائع جارية على اعتدال كانت النفس أجرى إلى السلامة ، ~~وجميع هذا كله بتقدير الله تعالى وتدبيره لا إله إلا هو. فمتى تأمل هذا ~~النضد المحكم والترتيب المنظم ومعادلة بعض القوى لبعض وكيف خلقت اليد للبطش ~~، واللسان للكلام ، والحدقة للرؤية ، وكيف خلقت على شكل ملائم للنور فجعلت ~~جامدا في أغشية لطيفة مكفنة بالأشفار وجعل للأشفار أهداب تقيها الغبرات ~~والنور الكثيف أن يغشيها علم أن ذلك دال على أن لهذا الصنع العجيب والأمر ~~الغريب مدبرا دبره وعليما أتقنه. # وهذا لا يخفى على ذي بصيرة فإنا قد وجدنا هذا الشكل الإنساني على أتم ~~الحكمة التي تقتضيها العقول فلا تخلو هذه الصنعة العجيبة ، إما أن يكون ~~صنعت نفسها أو صنعها جماد أو صنعها مخلوق حي أو صنعها بارئها وهو الله ~~تعالى. وبطل أن تصنع نفسها لأن وجود الفاعل يجب أن يتقدم على المفعول. وبطل ~~أن يكون الشيء مفعولا من ms072 حيث هو فاعل أو فاعلا من حيث هو مفعول. وبطل أن PageV01P055 # يصدر عن جماد. فإن الجماد لا يوصف بالفاعل. وبطل أن يصدر عن مخلوق حي ~~طبيعة أو غيرها ، فإنا نقول : الطبيعة ما معناها فلا تخلو أن تكون جمادا أو ~~حيا. فإن كان جمادا كان القول فيه ما تقدم ، وإن كان حيا قلنا هذا الحي لا ~~يخلو أن يكون له فاعل أو لا فاعل له. # فإن قيل : له فاعل آخر فالطبيعة كآدم في افتقارها إلى محدث. وإن كانت ~~الطبيعة حية لا فاعل لها ولا علة فهي الإله فأسقطوا لفظ الطبيعة وقولوا ~~إله. فهو الذي نريد بيانه ، فإن حوادث لا أولية لها محال إلا إذا قلنا فعلت ~~الطبيعة طبيعة فذلك منتف فلا بد من استناد الحوادث إلى مبدأ لا علة له وليس ~~بمعلول أصلا. وهذا يبطل اعتقاد من يقول آدم من آدم آخر. # قلنا : نتبعه فيلزمه التسلسل وهو محال فصح أن الشكل الإنساني تنتهض منه ~~الدلالة على بارئه ومصوره مع ما فيه من العجائب الدالة على العالم فليس في ~~العالم أمر غريب مشكل إلا وفيه مفتاح علمه. فالله تبارك وتعالى خلقه على ~~مضاهاة العالم ، فهو نسخة مختصرة منه. ومن تأمل أحوال الأنبياء ومعجزاتهم ~~وكرامات الأولياء وما جعل الله سبحانه في قوى النفس بل يشاهده كل أحد من ~~نفسه في المنامات التي تعلم بمغيبات الأمور وعاقبتها ، وما يبصره الانسان ~~في النوم من السماء والأرض والبحار وسعتها. وهو لا يتسع بمقدار ما يبصره ~~كما أنه يبصر السماء على سعتها بعين وهي في دور الدرهم. وهذا من الأمر ~~العجيب علم أن لهذه العجائب مدبرا دبرها وصانعا أتقنها ، وعجائب الإنسان لا ~~تحصى بل فيه من الخواص عجائب مما يستعمله الأطباء منه. فسبحان الفاطر ~~العليم. ### ||| * المعراج الثاني # ولما فرغنا في المعراج الأول من معاملة أصحابه بالسهل من الحكمة والقريب ~~الظاهر من الدلالة التي لا يخفى نورها ولا يتلعثم فيها إلا من جعل له الرأي ~~المعكوس والمثل المنكوس : ( @QUR@07 ومن يضلل الله فما له من هاد ) [الرعد ~~: 33]. فلنرتق إلى ms073 المعراج الثاني : وهذا المعراج لطبقتين : للمحققين ~~الأذكياء والمتحذقين الأتقياء. وهو لتقرير النفس وهل هي باقية أم لا؟ وهذا ~~المعراج كالقطب لسائر العلوم وله يجتهد المجتهدون ويعمل العاملون ولا فائدة ~~أعظم منه ، فإن نبوة الأنبياء والثواب والعقاب والجنة والنار وسائر أنباء ~~الدنيا والآخرة المأخوذة عن الرسل لا تثبت متى أبطلت هذه المسألة ، فإن ~~النفس إذا لم يكن لها بقاء فجميع ما أخبرنا به وأطمعنا فيه فباطل وبحسب ما ~~نثق به من هذه المسألة نجتهد. وبحسب ما يغيب عنا ننظر ، وبهذه المسألة كفرت ~~الزنادقة فإنهم اعتقدوا أن حقيقة الإنسان مزاج معتدل كالنبات متى اعتدلت ~~قواه بقي ، ومتى غلب عليه حر أو برد فسد ودثر. ثم لا ترتجى بعد ذلك موتا ~~ولا حياة ولا نشورا ، فاستخفوا لذلك بالخلق واستهانوا بالأنبياء كقول أمية ~~بن خلف لأحد الصحابة : لأوتين مالا وولدا. وذلك لأنه استخف وقال أنتم ~~تزعمون أنكم أصحاب أموال في الآخرة وسيكون لي هناك مال وسأقضيك منه. # وعلى هذا المعراج يدور الناس فهو أس العلوم وإذا اضمحل فلا ثابت ، ولذلك ~~لم تبينه الرسل والله أعلم ، لأن كلام غيرهم بين أن يقبل أو يرد أو يصدق أو ~~يكذب ، وكلام الرسل PageV01P056 # عليهم السلام ليس كذلك ، فإن المسألة في نهاية الغموض والأذهان أكثرها ~~ضعيفة فربما لم تفهم مقاصدهم فتعترض من قولهم على قولهم فلم يوردوا فيها ~~إلا إشارات ورموزا. وفي القرآن العزيز : ( @QUR@08 ويسئلونك عن الروح قل ~~الروح من أمر ربي ) [الإسراء : 85]. وقال تعالى في عيسى عليه السلام : ( ~~@QUR@06 وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ) [النساء : 171]. وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم : " أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر". وهذه كلها ظاهرة ~~عند العلماء مكشوفة وعند غيرهم غير معقولة ، وقد اختلف الناس فيها على مر ~~السنين والأيام ، فزعم أفلاطون أن النفس والروح واحدة وهي النفس الكلية ~~وأنها مع الأبدان كالشمس مع الأرض تنثر شعاعها على المواضع فيأخذ كل موضع ~~نصيبه على قدره ، وزعم أنها تألف الجسم بضرب من المناسبة بالطبع فإذا حصلت ~~فيه ألفته وشغفت به ولا تزال فيه وليس ms074 هي عنده حالة في الأجسام ، وإنما هي ~~كالمغناطيس مع الحديد في الملازمة والانفعال ومناسبة الطبيعة. وليس أحدهما ~~حالا في الثاني لكن ينفعل له بضرب من واسطة خفية هي الطبع ولا تزال فيه إلى ~~أن يفسد البدن ، كما أن الحديد يخلق مع طول المدة فلا يقبل تجاذب ~~المغناطيس. # وزعم آخرون أن النفس عرض وأن حقيقة الحياة معنى يكون عند اعتدال المزاج ، ~~فإذا مات الإنسان فنيت روحه وهؤلاء ذاهبون إلى أن النفس محدثة ، وزعم ~~أفلاطون أنها قديمة ، وذهبت فرقة ثالثة إلى أنها محدثة عند حدوث البدن وهي ~~مع ذلك لا تفنى. ومن حقق من الفلاسفة على هذا المذهب والأكثر على مذهب ~~أفلاطون. وسنكشف إن شاء الله تعالى غائلة مذهبهم في المعراج الثالث : حدوث ~~العالم الأعلى. فلنرسم هاهنا ثلاثة فصول : # الفصل الأول : في قوى النفس وعلة تحرك البدن بها. # الفصل الثاني : في كون النفس جوهرا غير متحيز قائما بنفسه مستغنيا عن المحل. # الفصل الثالث : في أن النفس لا تعدم وأنها باقية. ### ||| * الفصل الأول في قوى النفس وعلة تحرك البدن بها # ربما اعتقد من لا تحقيق لديه أن الشرع يزجر عن التعرض لهذا القدر في ~~تصحيح أو إبطال وليس في الشرع دليل يدل على ذلك وقوله سبحانه : ( @QUR@05 ~~قل الروح من أمر ربي ). جواب مقنع إذا فهم الأمر بما هو عليه ولو أراد ~~تعالى الزجر لذكر الحكم عليه وقد كشفنا عن القوى الجسمانية وهذا الجسم يجري ~~من النفس مجرى الثوب من الجسم ، فإن الجسم يحرك الثوب بواسطة أعضائه ، ~~والنفس تحرك البدن بواسطة قوى خفية ومناسبة. وقوى النفس تظهر في مواضع من ~~البدن ، وربما بلغت عشرا نذكرها والنفس في ذاتها واحدة وإنما ترجع التسمية ~~إلى الآلة كقولنا سمع وبصر وشم وذوق ولمس. والنفس هي الذائقة الشامة ~~المدركة ، فهذه خمس قوى ظاهرة ، والدليل على أن النفس هي المدركة دون هذه ~~الأعضاء أن العروق متى حدث بها سدد تمنع اتصال النفس PageV01P057 # بها بطلت كالحذر والموت وهذا مشاهد لا يفتقر إلى دليل. والقوى تنقسم إلى ~~قسمين إلى محركة وإلى ms075 مدركة ، والمدركة قسمان : ظاهرة وباطنة ، فالظاهرة ما ~~ذكرناه والباطنة ثلاث : # أحدها : الخيالية والوهمية والفكرية ، فالخيالية في مقدم الدماغ وراء ~~القوة المبصرة خاصيتها بقاء صور الأشياء المرئية فيها بعد تغميض العين ~~وانقطاع ما يدركه الحواس ويسمى الحس المشترك. # الثانية : الوهمية وهي التي تدرك المعاني ، فالأولى مختصة بقوى المعاني ~~وصورها وموادها. وهذه تحفظ المعاني دون صورها وموادها إذ تدرك الشاة عداوة ~~الذئب مجردة فتنفر عنه. والسخلة تدرك حنان الأم فتألفها ومحلها التجويف ~~الأخير من الدماغ. # الثالثة : القوة المفكرة وشأنها أن تركب الصور بعضها مع بعض. وهي في ~~التجويف الأوسط بين حافظ الصور وحافظ المعاني فهي حائكة وهي المرادة برمز ~~القائل : # رجلان خياط وآخر حائك %~% متقابلان على السماك الأعزل ما زال ينسج ذاك خرقة مدبر %~% ويخيط صاحبه ثياب المقبل # ومواضع هذه القوى مبرهنة بصناعة الطب ، فإن الآفات متى نزلت بهذه المواضع ~~عدمت هذه المدركات ، وزعموا أن القوة التي تنطبع فيها صور المحسوسات تحفظ ~~تلك الصور فتبقى فيها بعد قبولها بحسب الحواس الخمس إذا تكرر ذلك عليها ~~والشيء يحفظ الشيء بغير القوة التي بها يقبل إذ الماء يقبل الانطباع ولا ~~يحفظ بخلاف الشمع فإنه يقبل بالرطوبة ويحفظ باليبس والحافظة تصون المتخيلة ~~كما أن القوى الذاكرة تصون الحافظة. والقوى المحركة إما باعثة على الحركة. ~~وإما مباشرة للحركة. فالباعثة هي القوة النزوعية الشوقية ومتى رأت أمرا ~~يترغب فيه أو يترهب منه بعثت القوة المحركة المباشرة على الفعل ، فتنبعث في ~~الأعصاب والعضلات والرباطات من القلب. إما ببسط عن جهة المبدأ وإما بقبض ~~إليه إذ هي إذا فرحت نشرت الدماء في العروق فكان الفرح. وإذا حزنت انجذبت ~~فانجذب الروح الحيواني إلى القلب فاغتم وحزن. ثم من شأن النفس إدراك ~~المعلومات المغيبة. ولها قوتان إما عملية وإما علمية. فالعملية قوة هي مبدأ ~~محرك لبدن الإنسان إلى الصناعات الإنسانية. وأما العلمية فهي المدركة ~~لحقائق العلوم مجردة عن المادة والصورة. وهي القضايا الكلية المجردة وهي ~~للعقل وبهذه القوة تتلقف عن الملائكة العلوم. وبالقوة الثانية تصلح ما وكلت ~~به من الأمور الجسمانية. ms076 وهذه الأمور كلها محسوسة يستند برهانها إلى الحس ~~فلا نطول بتمهيده كما أن ما ذكرناه من الجسمانية أكثرها محسوس وما غاب ~~فقلدنا فيه المعتنين بالتشريح على أنه أكثر ما يوصف. وإذا فهمت الجسم ~~والقوى الحيوانية وأن النفس هي المحركة الباعثة وأن قواها باعتبار الإضافة ~~إلى المواضع كان كالثوب الواحد يسمى موضع منه كما وموضع منه طوقا وموضع منه ~~جيبا. وقد قدمنا أن لها قوتين عملية وعلمية. وأن العلمية مستعدة لقبول ~~العلوم إلى ما لا يتناهى بالقوة وأن الجسم منفعل للقوى المحركة والمحركة ~~العملية تحت هذه العلمية الشوقية النزوعية. ومنها مبدأ الفعل إلى أن يبرز ويظهر. PageV01P058 # فإن قيل : فلم لا ترى النفس فإن في رؤيتها ما يدل على صحة وجودها وهلا ~~تخيلناها. # قلنا : فهاتان مسألتان أحدهما لم لا ترى ، والثانية لم لا تتخيل. فالجواب ~~عن أحدهما وهي لم لا ترى بثلاثة أجوبة : # أحدها : أن كل موجود ليس من شرطه أن يرى. إذ صحة وجود الموجود لا تستدعي ~~أن يكون مرئيا فإن الأحوال اللازمة للشيء إما أن تكون ذاتية وإما أن تكون ~~عرضية ، والموجود من الأحوال اللازمة ذاتي وكونه مرئيا عرضي له إذ يثبت ~~وجود الموجود مع عدم من يراه ، ومع ذلك يثبت الموجود ولا يبطل وجود عدم ~~الرائي له. والدليل على ذلك وجود البارئ سبحانه وتعالى في الأزل لا إلى ~~نهاية ولم ير حتى الآن وذلك لا يبطل وجوده. نعم يستدعي الوجود أن يثبت له ~~ما يصحح وجوده والشيء قد يستدل عليه إما بقضايا عقلية وإما بأثر يثبت للحس ~~فيقضي عليه. وقد شاهدنا آثار النفس ووجود أنفسنا بالضرورة ، وعلمنا أن في ~~أجسامنا معنى يزيد عليها بالضرورة إذ يبقى الجسم ولا روح له ويكون الجنين ~~تاما في الشهر الرابع ولا روح له. # الجواب الثاني : أن المرئي يجب أن يكون من الرائي في جهة وعلى مسافة ~~ويكون قابلا للألوان إذ هي العلة في إظهار المبصرات. وإننا قلنا إن النفس ~~لا تقبل الألوان إذ اللون مركب من أمور تجتمع. # الجواب الثالث : أن المرئي لا ms077 بد أن يكون في حيز ، وسنقيم الدليل على أن ~~القوة العقلية لا حيز لها. ### ||| * الفصل الثاني في كون النفس جوهرا # النفس جوهر قائم بنفسه ولا بد من كشف هذه العبارة. فنقول : النفس تطلق ~~على جهات فيقال للقوة الغازية نفس وكذلك المنمية وكذلك النباتية. وهذه أنفس ~~وليست المراد في هذا الغرض. فأول النفوس النباتية ثم الغازية ثم النامية ثم ~~الحيوانية. وهذه أول مراتب خروج فعل النفس من القوة إلى الفعل ، فالنفوس ~~الحيوانية هي كمال جسم طبيعي بها يحس ويتحرك ، والبهيمة والإنسان يشتركان ~~في هذه النفس ، وهذه النفس ، هي حرارة مودعة في النطفة ، ودم الطمث المجتمع ~~في الرحم لها كالقالب ، فإذا أسقط المني على بقية دم يجتمع في الرحم انتشر ~~عليه كالنتق في اللبن وعقده بحره فسخن وامتد بالحر من خارج وتزايدت الحرارة ~~الغريزية. فأول ما يتكون القلب ثم تنتشر من العروق والعصب وينتقش ذلك الجزء ~~فيه إلى أن تكمل أعضاء الجنين ، ومن يوم تسقط النطفة في الرحم إلى يوم ~~خروجها مقدار ما تقطع الشمس ثلاثة أرباع الفلك. والنطفة تستمد الحر من جهة ~~الأم والأم من الأغذية ، فإذا دخلت في الشهر التاسع صارت كالمفتول الخشن ~~المشرب بالزيت الصافي في شدة الملاءمة والتأتي للاشتعال. وهذا مثل بل الأمر ~~أغمض وأدق. # فالنفس الحيوانية لباب الغذاء والنباتات والعناصر ، فإذا بلغت هذه الرتبة ~~استحقت من الجود الإلهي نفسا. فحينئذ يوجد الرب تعالى قوة من عالم الأمر ~~كما قال تعالى : ( @QUR@05 قل الروح من أمر ربي ) [الإسراء : 85]. وقال ~~تعالى : ( @QUR@03 روحا من أمرنا ) [الشورى : 52]. وقال تعالى : ( @QUR@06 ~~فإذا سويته ونفخت فيه من روحي ) [الحجر : 29]. والعالم من محدب الفلك ~~التاسع من الصفحة التي تلي جهة PageV01P059 # فوق والتي تلي أقدامنا إلينا مملوءة جنودا وملائكة : ( @QUR@06 وما يعلم ~~جنود ربك إلا هو ) [المدثر : 31]. وقد تبرهن في العلم الطبيعي أنه لا يجوز ~~أن يكون عالم خارج الكرة التاسعة ، وأن لا خلاء البتة وأن كل موجود للبارئ ~~تعالى فهو داخل في جوف هذه الكرة. فأما الأجسام فهي تستحيل عن العناصر ~~الأربعة فكل ما تحت مقعر فلك ms078 القمر مستحيل متغير ، والعناصر يستحيل بعضها ~~إلى بعض وما عدا ذلك فهو جواهر من حوادث أخر ، والنفس من جنس تلك الجواهر ~~لا من العناصر فهي روحانية محضة وهي نفس صغيرة موازية لنفس العالم الكبير. # وقد تكرر منا أن الإنسان موجود على مضاهاة العالم ، فالنفس جوهر روحاني ~~لطيف ولا يجب أن ينكر المنكر ذلك وهو يشاهد شعاع الشمس وروحانيته وبساطته ، ~~حتى أن قرصها يكون بالمغرب وشعاعها بالمشرق فما هو إلا أن تغيب خلف جبل ~~فينقطع الشعاع الذي بالمشرق يلازمان. ولو كان جسما لما انقطع ذلك آحاد ~~السنين ، وكذلك إذا أخذت مرآة وعكست بها الشعاع انعكس ذلك إلى حيث شئت ، ثم ~~تقطعه عن موضع عكسته إليه لا في زمان ، وجوهر الشعاع بالإضافة إلى جوهر ~~النفس كثيف فليس في العالم موضع بيت ولا زاوية إلا وهو معمور بما لا يعلمه ~~إلا الله تعالى. ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالستر في الخلوة وهو أن ~~يجامع الرجل امرأته عريانين ، وقد قال تعالى : ( @QUR@08 ما يلفظ من قول ~~إلا لديه رقيب عتيد ) [ق : 18]. وقال تعالى في الإنسان : ( @QUR@06 ونحن ~~أقرب إليه من حبل الوريد ) [ق : 16]. فالأرواح مشحون بها العالم. وإنما ~~نبهنا على ذلك تنبيها أن للنفس شبه عنصر تكون منه يناسب لطاقتها فإذا تأتت ~~الروح الحيوانية أوجد الله تعالى نفسا جوهرا لطيفا روحانيا عالما بالقوة في ~~طبائعه أن يعلم الأمور ويقل بارئه ، فيتشبث بهذا الجسم ويشتغل به وينشأ معه ~~حتى لا يعرف سواه ويشتد إلفه وحرصه عليه حكمة من الله تعالى فيحرك الأجسام. ~~وذلك كمثل الحديد فإنه يكون جمادا لا يتحرك فإذا انضاف إليه أمر يقوي ~~طبيعته وخاصيته قوي الأثر فيه ، ويأتي المحل لفعل النفس الكلية فحركت ~~الحديد فجرى ودار وتراه كالحي فلا يزال على تلك الحال حتى ينخرم ذلك الفطام ~~وتزول تلك الملائكة ، فلا تزال هذه النفس مع هذا الجسم وتمدها الملائكة من ~~خارج بنطق على أنه لا يعرفه إلا العلماء ، وقد أخبر الشارع عليه السلام : أن ~~الخير من الملائكة والشر من الشيطان فلا بد ms079 من أثر يحصل على الملائكة. # ولما كانت النفس روحانية قبلت عن الروحاني وتأثرت عنه. فلو لا العقول ~~المعبر عنها بالملائكة الممدة للنفوس من خارج لما عقلت معقولا البتة فإن ~~النفس عالمة بالقوة فقط والملائكة تخرج ما في القوة إلى الفعل حتى يصيرها ~~عالمة بالفعل فأعلى طبقة في الاستمداد الأنبياء صلى الله عليه وسلم ، ثم من ~~يليهم. وذلك بحسب تهذيب النفس والعكوف على هذه الجنبة وهذا هو المعنى بقوله ~~تعالى : ( @QUR@04 إذ أيدتك بروح القدس ) [المائدة : 110]. وقال تعالى في ~~الأولياء : ( @QUR@08 أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ) ~~[المجادلة : 22]. الناس في الأخذ من الملك تفاوتا لا نهاية له ومن الناس من ~~لا يأخذ شيئا وهم المرادون بقوله تعالى : ( @QUR@010 إن هم إلا كالأنعام بل ~~هم أضل أولئك هم الغافلون ) [الأعراف : 179 والفرقان : 44]. وإنما أوجد ~~الله سبحانه النفس لامتحان الآدمي ، ولو PageV01P060 # أوجدها مبرأة من المادة لم يكن منها عصيان فجعلها في مادة كما قال تعالى ~~: ( @QUR@03 لننظر كيف تعملون ) [يونس : 14]. وذلك أن الملائكة عرفت أن ~~الموجود في مادة يعصى فقالوا : ( @QUR@07 أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك ~~الدماء ) [البقرة : 30]. فالنفس تكتسب في بدنها الكمال لكي تلحق بالملائكة ~~أو بالشياطين إما بالأعلى أو بالأخس. ثم هي من بعد ذلك حية لأن كونها ~~موجودة مع البدن لا يدل على عدمها بعدم البدن فإن عنصريهما مختلفان. # والدليل على ذلك أن نفوس الملائكة وذوات الأفلاك لا تتغير إلا أن يريد ~~بارئها والأفلاك تقبله بجواهرها ، ولأن الفناء هو انحلال التركيب والنفس ~~بسيطة لا مركبة والدليل عليه علمها بالأمور العقلية والمغيبة كالنبوة ~~والكهانة ، ولا يصح البتة أن يعقل الجسم باتفاق العلماء والعقلاء والمزاج ~~عبارة عن اعتدال الأخلاط في الجسم والأخلاط جسم فيستحيل أن تكون مدركة ~~عاقلة. وإنما العاقل المدرك جوهر يناسب جوهر الملائكة وكل جنس فلا يلائم ~~إلا جنسه. ولما كان الجسم كثيفا صرف في الخدمة والحركات والأمور الجسمانية ~~، ولما كانت النفس لطيفة أعدت للإرادات والقدر والعلوم حالة في النفس ، ~~والعلم لا ينقسم فمحله لا ينقسم ولأن الجسم لو كانت حركته منه ms080 للزم في ~~الفلك أن تكون حركته منه ، وقد تبرهن أن حركته من نفس محركة ، وكل متحرك ~~فلا يكون محركا نفسه أصلا ويبطل أن يحركه جسم آخر إذ لو حركه جسم لاستبد هو ~~بالفعل فيبقى أن يحركه غير جسم وغير الجسم لا تركيب فيه ، وما يفسد فإنما ~~يفسد لاجتماعه من متنافرات فينحل. # وقد تقدم أن النفس لا مركبة ، فالنفس تنحل وما لا ينحل يبقى فالنفس تبقى. ~~ثم نقول : جميع ما هو جوهر فهو إما قائم بنفسه. وإما على ما يعتقده ~~المتكلمون فإن الجواهر عندهم متماثلة ولا فرق بين جوهر النفس وجوهر الجسم. ~~وإنما تختلف الجواهر عندهم بالأعراض ويستحيل أن يكون الجوهر عندهم يحل في ~~الجوهر أو يقوم به ، فلو كان الجسم جوهرا والنفس جوهرا لم يصح أن تكون ~~النفس صفة للجسم ولا أولى منه لتماثلهما في الجوهرية. وإذا بطل أن تكون ~~جوهرا أو عرضا لم يبق إلا أن تكون جوهرا قائما بنفسه ليست بعرض ولا بجوهر. # فإن قيل : لا يعقل في العقل إلا جوهر أو عرض. وأما جوهر ثالث فلا يدرى. # قلنا : هذا إلا أن سخف بل ليس في العقل حصر يدل على ذلك ، وإنما أوجب تلك ~~القسمة المشاهدة من حيث لم تشاهد إلا عرضا وجوهرا وهذا قياس التمثيل وهو ~~قياس باطل ، وسنعد كتابا لتقرير البراهين إن ساعدت الأقدار بحول الله ~~تعالى. وإذا ثبت وجود معنى ثالث بالبرهان. # قلنا : هذا المعنى لا يخلو أن يجب له المحل أو يجوز عليه أو يستحيل. وبطل ~~أن يجب له ، فإن الواجب العقلي لا يفتقر إلى مخصص وذلك يلزم أن يكون النفس ~~أبدا غير خالية من محل ونحن نشاهد تركها للبدن فلا بد من مدة تمر عليها لا ~~تكون فيها في محل. هذا لو قلنا إنها تنتقل من هذا الجسم إلى جسم ، فنقول ما ~~بين الانتقالين لا تكون في جسم والحكم الواجب لا ينتقض PageV01P061 # في زمان ما. ثم نقول : من زعم أنها تنتقل إلى محل فعليه الدليل وهذا لا ~~يقوم عليه دليل البتة وإذا بطل ms081 أن يكون المحل واجبا لها بقي أن يقال جائز ~~عليها ، وما جاز على الشيء افتقر إلى مخصص والمخصص لا يؤثر في محل إلا أن ~~يكون المحل قابلا للتأثير ، وقد قدمنا أن النفس يستحيل انطباعها في الجسم ~~فصح وثبت أنها يستحيل عليها المحل. ### ||| * الفصل الثالث في أن النفس لا تعدم وأنها باقية # وقد قدمنا اختلاف الفرق في ماهية النفس وتقدم مذهب كل فريق ، والذي نخص ~~به الآن هذه المسألة أن نقول : تنحصر المذاهب في مذهبين : إما أن يقال إن ~~النفس قديمة على مذهب أفلاطون فإن البارئ تعالى عنده علة وجودها والمعلول ~~عنده لا ينعدم إلا بانعدام علته والبارئ تعالى لا ينعدم فالنفس لا تنعدم ~~هذا مذهبه. # وذهبت طائفة من محققيهم أن النفس محدثة وهو مذهب ابن سينا ، ولكن اتفق ~~الكل على أنها لا تنعدم وبذلك أخبرت الأنبياء عليهم السلام . وقال تعالى : ( ~~@QUR@06 خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ) [المائدة : 119] وقال تعالى : ( ~~@QUR@013 ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم ~~يرزقون ) [آل عمران : 169]. وقال سبحانه في نفس الكافر : ( @QUR@05 لا يموت ~~فيها ولا يحيى ) [الأعلى : 13 وطه : 74]. وقال تعالى في أهل الجنة : ( ~~@QUR@07 لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ) [الدخان : 56]. فإذا هما ~~طرفان : # أحدهما : عدمها واتفق المؤالف والمخالف على أنها لا تنعدم حاشا طائفة من ~~الدهرية لا التفات إليهم. # الطرف الثاني : وهو ابتداؤها. فذهب الإسلاميون والقائلون بالشرائع إلى ~~أنها محدثة لها ابتداء لكنها جوهر لا يقبل العدم. وذهبت طائفة من الفلاسفة ~~إلى أنها محدثة ولكن مذهبهم يعود إلى مذهب أفلاطون. وذلك أن معنى الحدوث ~~عندهم انتقال ماهية الجوهر كالماء إذا أشعل تحته النار ففني فلم يفن عندهم ~~تحقيقا ، لكن الماء عندهم استحال هواء وكذلك الهواء إذا استحال نارا ~~فالحدوث عندهم عبارة عن تغيير حال الجوهر. وإذا فهمت هذا من مذهبهم فحدوث ~~النفس عندهم عبارة عن انتقال جوهرها من حالة إلى حالة كانتقال الماء إلى ~~الهواء والذي يرجع إليه مذهبهم والله أعلم أن العناصر الحاصلة في مقعر فلك ~~القمر المنفعلة عن ms082 الأفلاك تولد النفس منها. وحاصل ذلك راجع إلى أشعة ~~الكواكب ولكن عندهم بين النفوس والأجسام مناسبة وعلاقة لا بد منها. وذلك ~~يكون في ابتداء الجسم للكائن من الأغذية بأن تكون تلك الأغذية تنقسم ما بين ~~البروج ، فإذا انفعل الجسم وخرج إلى صفحة العالم من طالع مخصوص انجرت تلك ~~الأشعة التي للكواكب إلى الجسم بمناسبة مختصة من جهة مختصة بالطبع ، وعلى ~~هذا بنوا آراء الطلسمات ، فإن ابن آدم عندهم طلسم فيحتالون بأبخرة وعقاقير ~~وجواهر مختصة من جواهر الأرض تلائم طبيعة الكواكب والحب والمنافرة عندهم ~~على قدر PageV01P062 # تناسب الطبيعة ولهم في هذا الكلام طويل. والذي يقوم عليه البرهان أن ~~النفس حادثة إذ البارئ تعالى موصوف بالاقتدار على خلق جواهر لا تعدم. ~~وسنورد إن شاء الله تعالى أصل مذاهبهم في المعراج الثالث في حدوث العالم ~~العلوي فلا معنى لإيراد ذلك في هذه المسألة فلنتكلم على أنها لا تعدم. ~~فنقول : الشيء لا يوصف بالعدم ما لم يقل إنه قابل للعدم. وإذا كانت النفس ~~قابلة للعدم فلا تخلو أن يكون ذلك في طبعها ويكون العدم ذاتيا له. وإما أن ~~تعدم لاختلال شرط في وجودها. وإما أن تعدم لإرادة بارئها أن تنعدم. وبطل أن ~~يكون العدم من صفات ذاتها إذ ذلك يؤدي إلى أن تبقى زمانين وهو محال وبطل أن ~~يقال هي باقية بشرط إذ قدمنا أن القائم بنفسه لا يفتقر إلى شرط. وبطل أن ~~يقال تعدم لإرادة بارئها فإن إرادة بارئها لا يعلم إلا من جهة الرسل ~~عليهم السلام وقد أخبرت الرسل صلى الله عليه وسلم أنها لا تعدم والله ولي ~~الهداية. ### ||| * المعراج الثالث # لم يختلف أحد من ذوي العقول أن الصور الجسمانية الحادثة في عالم الكون ~~والفساد حادثة مفتقرة إلى علة في وجودهما إما بارئ وإما طبيعة على ما قدمنا ~~وعالم الحس والشهادة والكون والفساد كل ما حواه فلك القمر وحصل في مقعره. ~~واختلف في العوالم العلوية وهي نفوس الأفلاك وعقولها وما فيها من الكواكب ~~وغيرها. فأطبقت الفلاسفة على قدم ذلك بلا خلاف في ms083 الاعتقاد. واختلفت ~~عباراتهم في التغيير عن حصولها عن البارئ تعالى وهو المبدأ عندهم ومجرى ~~المبدأ الثاني الذي هو علة لما تحته من البارئ سبحانه فجرى النور من الشمس ~~ونور الشمس ضروري الوجود معها فلا ينعدم. والبارئ سبحانه عندهم علة وهو معه ~~كالمعنى الطبيعي وغير متقدم عليه التقدم الطبيعي ، بل معنى تقدمه عليه ~~بالمرتبة كتقدم الملك على الوزير والوزير على الحاجب ، ثم سموه بعد ذلك ~~حدوثا وفعلا وفيضا وكل ذلك على سبيل المجاز لا على الحقيقة. # والعالم عندهم ينقسم إلى قسمين : قائم بنفسه وغير قائم بنفسه. فما ليس ~~قائما بنفسه هي الأعراض وحدوثها عندهم عن دوران الفلك والانتقالات فتسري ~~الأدوار من شيء إلى شيء وتكتسب الجواهر بذلك أحوالا وما هو قائم بنفسه ~~منقسم إلى ثلاثة أقسام : أجسام وهي أخس الجواهر وعقول أشرف الموجودات ونفوس ~~وهي واسطة بين الأجسام والعقول وهي في حكم الرابطة بين العقول والأجسام ~~كالحرف الرابط بين الاسم والفعل والكلمة وهي غير مؤثرات في الأجسام. ثم ~~الأجسام عشرة تسع سماوات والعاشر العناصر التي هي حشو فلك القمر. ثم ~~السماوات التسع حية عندهم ناطقة ولها ترتيب ودرجات وهو أن البارئ تعالى عن ~~قولهم فاض عنه على الطريق التي ذكرناها العقل الأول وهو العلم ، والكلمة ~~عند أكثرهم وهو جوهر قائم بنفسه ليس بجسم ولا هو منطبع في جسم يعرف نفسه ~~ويعرف بارئه وهو ملك. وربما زعموا أنه هو القلم. ثم لزم عن وجوده ثلاثة ~~أشياء : عقل ونفس والفلك الأقصى وهو التاسع وهو السماء وجرمها ، ثم لزم من ~~العقل الثاني عقل ثالث ونفس وفلك الكواكب الثابتة وجرمه ، ولزم عن العقل PageV01P063 # الثالث عقل رابع ونفس فلك زحل وجرمه ، ولزم عن العقل الرابع عقل خامس ~~ونفس وفلك المشتري وجرمه هكذا إلى فلك القمر ، ثم ما في حشو فلك القمر ثم ~~المواد التي تسير في سبب حركات الكواكب امتزاجات مختلفة تنفعل منها المعادن ~~والحيوانات والنباتات ، فالعقول عشرة والأفلاك تسعة ومجموع ذلك تسعة عشر. ~~وزعم بعضهم أن ذلك هو المراد بقوله تعالى : ( @QUR@03 عليها تسعة عشر ) ~~[المدثر ms084 : 30]. وزعم بعضهم أن ذلك الاثني عشر برجا والسبع للداري وإلى هذا ~~يرجع حقيقة مذهبهم وعليه مدار سائر مذاهبهم في كل فن ، واتفقوا على أن الله ~~تعالى واحد وحدانية لا تقبل الانقسام لا بالحس ولا بالعقل ولا غير ذلك ، ~~وأنه لا معنى له يزيد على ذاته من علم أو قدرة أو غير ذلك. هذا هو مذهب ~~المحققين منهم الذي اتفقوا عليه. # وما يظهر من الاختلاف في أقوالهم في العالم كتحير جالينوس حيث قال : لا ~~أعلم قديما أو حادثا فقد قال الفارابي من محققيهم أو معنى ذلك أن العالم ~~يتعارض عليه فهو ضربان لانقسامه في نفسه إلى القديم والحادث. فإذا انفرد ~~الكلام ارتفع الغلط. فمعنى قولهم العالم محدث له معنيان : أحدهما حقيقة ، ~~والآخر مجاز. فأما ما هو حقيقة فهو تركيب الصور في عالم الكون والفساد من ~~المادة. وأما المجاز فتسميتهم العلة الأولى حدوثا وفيضا وذلك راجع إلى ~~تسمية مجردة ، فإنه لا يصح عندهم أن يصدر حادث من قديم البتة. ولنرسم فصلين ~~أحدهما يقتضي الدلالة على أن العالم محدث ، ويتضمن الثاني الكشف عن أدلتهم ~~في أن السماء حية. ### ||| * الفصل الأول # لهم على مذهبهم أدلة نوردها وننفصل عنها قالوا يستحيل أن يصدر حادث عن ~~قديم حدوثا لا واسطة له لأن الإله إذا فرضنا وجوده في الأزل موجود معه ~~البتة والموجودات لم تصدر منه لأن إيجادها لم يظهر به بل كان عنده في حيز ~~الإمكان المجرد ، ثم إنه أحدث العالم فإحداثه لا يخلو من حالين : إما أن ~~يكون بقي على حالته الأولى ، وإما أن يكون حدثت له صفة تقتضي الإحداث. وذلك ~~يلزم السؤال. بلم؟ فيقال : لم خصص هذا الوقت بالفعل دون الوقت السابق أو ~~يحال الأمر على فقد آلة ووجودها ، ويبطل أن يكون لإرادة حادثة فإن الحادث ~~لا يحل التقديم ويبطل أن يخلقها في محل ثم يريد بها وكل هذا باطل. وأما ~~قولهم إنه لم يفعل ثم فعل فذلك يوجب تغيير حال. # قلنا : ذلك فإنه تعالى لم يزل عالما ولا يزال ، ومقتضى علمه إيجاد الخلق ms085 ~~في المبدأ الذي أوجدهم فيه وقصد إلى خلقهم حين ابتدأ خلقهم ، وذلك راجع إلى ~~إظهار الفعل وليس من شرط العالم إذا كان قادرا أن يلازم المعلوم والمقدور. ~~والبارئ تعالى لا يقال له لم ، فيسقط ما موهوا به ، فإن قالوا : البارئ ~~تعالى لا علم له. # قلنا : بل هو عالم لا يتغير عما علم في وقت ما لا في الماضي ولا في ~~المستقبل كما يدل عليه ، ومن الدليل على حدوث هذا العالم أن في القول يقدمه ~~إثبات حوادث لا نهاية لها. فلك PageV01P064 # الشمس يدور في سنة ، وفلك زحل في ثلاثين سنة ، فتقع أدوار الشمس في أدوار ~~زحل في ثلث العشر ، وتقع أدوار الشمس في أدوار المشتري في نصف السدس ، فإنه ~~يقع مدة اثنتي عشرة سنة ، فإذا كانت دورات زحل لا نهاية لها ولا عداد ، ~~وكذلك الشمس وكذلك المشتري فذلك يبطل أن تقع الشمس لأحدهما في التكسير على ~~ما وصفنا ، بل فلك الكواكب الذي يدور عندهم في ستة وثلاثين ألف سنة مرة. ثم ~~نقول أعداد هذه الدورات لا تنفك أن تكون شفعا أو وترا أو شفعا ووترا أو لا ~~شفع ولا وتر وبطل أن يقال لا شفع ولا وتر ، فإن العدد إما شفع وإما وتر ، ~~وقد صححتم هذه المقدمة في المنطق ، وكذلك إن قلتم شفعا ووترا ، فإن قلتم ~~شفعا فما لا نهاية له لا يعوزه واحد يصير العدد وترا ومحال أن يعوزه وإن ~~قيل وترا ثبتت النهاية. # فإن قيل : ما لا يتناهى لا يقبل الإنصاف بالشفع والوتر. # قلنا : هذا محال إذ جملته قامت من سدس وعشر تقبل ذلك بالضرورة وغاية ~~كلامهم مطالبة البارئ سبحانه بما خص ووقت المبدأ من غيره ، وهذا الاعتراض ~~لا يعقل له مناسبة ولا يلزم بحال ، فكل ما يهذون به يحمل على العلم ~~والإرادة على أنا نقول ربما الأصلح بهم خلقهم في الوقت الذي وجدوا فيه. ### ||| * الفصل الثاني # وهذا الفصل ينقسم إلى ثلاثة أقسام : # القسم الأول : في ذهابهم إلى أن السماء حية. # والثاني : قولهم إن السماء عالمة بجزئيات العالم. # والثالث ms086 : في ترتيب الحركات. # قالوا : السماء حية ولها نفس : نسبة نفسها إلى جسمها كنسبة أنفسنا إلى ~~أجسامنا. وكما تنقسم حركاتنا إلى الطبيعية والإرادية كذلك حركة هذه إراديها ~~وطبيعيها قصدها عبادة رب العزة والتقرب منه إذ كل تحرك إرادي لغرض إذ بذلك ~~يفارق العاقل سائر الحيوان. ثم قصد التقرب الغرض به عندهم التشبه بالبارئ ~~تعالى في الصفات لا في الذات ، فإن الكمال الأعظم والبهاء الأتم والجود ~~الأفخم لله رب العالمين. وكل وجود بالإضافة إلى وجوده ناقص ، والملك أقرب ~~إليه ونعني بصفات البارئ تعالى العلم والحلم والجود والرحمة والنزاهة عن ~~الظلم إلى غير ذلك. والإنسان متى استعمل هذه الصفات قرب من الملك فهو قرب ~~مناسبة في الخلق والصفات لا في المكان وكذلك الملائكة مع بارئهم قالوا : ~~والمنتهى طبقة الآدميين التشبه بالملائكة. والملائكة عندهم عبارة عن النفوس ~~المحركة للسماوات ، قالوا : وكمالاتها تنقسم إلى ما بالقوة وإلى ما بالفعل ~~، فما هو بالفعل كونها على شكل كري وذلك بالفعل حاضر أبدا وما لها بالقوة ~~الهيئة في الوضع والأين فكل وضع ممكن لها ، وما لم يمكنها فلعدم ثباتها ~~تحركت تبغيها فلا تزال تطلب وضعا بعد وضع ، وإنما قصده التشبه ببارئه في ~~صفات الكمال فهو يتحرك لإفاضة الجود على ما تحته من العوالم إذ ليست تختلف في PageV01P065 # التثليث والتربيع والمقابلة واختلاف الطوالع. وهذا الكلام لا يقوم عليه ~~برهان ، فإن الحركة المشرقية هلا كانت مغربية وهلا كانت المغربية مشرقية. ~~فأما عنوان أدلتهم في أنها حية فزعموا أن السماء متحركة. # قالوا : وهذا معلوم بالحس والضرورة وكل جسم متحرك فله محرك ولا بد. وهذه ~~مقدمة أخرى إذ لو تحرك الجسم بمجرد كونه جسما لكانت الأجسام كلها متحركة ، ~~والمحرك لها إما أن يكون طبيعة لها كهوي الحجر إلى أسفل. وإما أن يكون ~~المحرك لها خارجا عنها كرمي الحجر إلى فوق فيكون قاسرا له على ذلك. وإما أن ~~تتحرك بإرادتها ويبطل أن تكون حركتها قسرية ، لأن محركها إما جسم فيلزم فيه ~~ما لزم في هذا ، وإما أن نقول يحركها الله تعالى بغير واسطة. ms087 قالوا : وذلك ~~محال لأنه لو حركه من حيث إنه خالقه للزم أن يحرك كل جسم فلا بد من اختصاص ~~الحركة بمزية ، ولا يمكن أن يقال تحركها بالإرادة لأن إرادته تناسب الأجسام ~~نسبة واحدة ، فلم خصت هذه بالتحرك دون غيرها والحركة الطبيعية فيها محال ~~لأن الطبيعة تلزم ضربا واحدا. ثم الحركة الدورية لا يصح فيها فإن كلا مضروب ~~عنه فلا يلزم عودها إليه فتتساوى الأماكن ، ونحن نسلم جميع ما ذلك ذكروا ~~حاشا قولهم يبطل أن تتحرك لإرادة الله إذ يلزم ذلك في شكل السماء وتحركها ~~على نقطتين ، ولم اختصت بهذه الصورة. # القسم الثاني : قالوا إذا صح أن السماء متحركة بالإرادة فهي عالمة مطلعة ~~على جزئيات العالم ، قالوا : والمراد باللوح المحفوظ نفوس السماوات وأن ~~انتقاش جزئيات المعلومات وما فيها كانتقاش المعلومات في القوة العاقلة في ~~الإنسان ، قالوا : والملائكة السماويات نفوس السماوات والكروبيون المقربون ~~العقول المجردة التي هي جواهر قائمة لا تتحيز ولا تتصرف في الأجسام ، ~~واستدلوا على أن السماء عالمة بالجزئيات ، بأن قالوا : الحركة الدورية ~~إرادية والإرادة تتبع المراد. والمراد الكلي لا يتوجه إليه الإرادة الكلية ~~والإرادة الكلية لا يصدر منها شيء ، فإن كل ما خرج إلى الفعل موجود وجزئي ~~ونسبة الإرادة الكلية إلى الجزئيات على وتيرة واحدة فلا يصدر عنها شيء جزئي ~~، بل لا بد من إرادة جزئية للحركة المعينة وذلك يلزم تصوره لتلك الحركات ~~الجزئية بقوة جسمانية إذ من ضرورة كل إرادة تصور مرادها ، وإذا ثبت تصورها ~~الجزئيات علمت ما يلزم منها من اختلاف النسب من الأرض مع اختلاف أجزائه في ~~الطلوع والغروب والاستواء ، فإذا الحركات السببية للمسببات سلاسل تنتهي إلى ~~الحركة السماوية الإرادية والإنسان إنما لا يعلم ما يقع في المستقبل بجهله ~~بالأسباب ، وهذا كله باطل في حق السماء فإنه موجود إلى تتابع حوادث لا ~~نهاية لها وهذا محال. نعم يصح هذا في حق البارئ تعالى من حيث إن المعلومات ~~عنده على وتيرة واحدة تابعة لإرادته وعلمه ، وذلك لا يلزمه على شكل يوجب له ~~ذلك أو دوران وما لزم ms088 عن شكل ودور افتقر إلى مريد موجد لذات الشكل والدور ~~فمر يده بالعلم أولا ويبطل تساوي الخالق والمخلوق في العلم. فإنه إذا علم ~~الفلك لوازم الحركات إلى ما لا نهاية له وعلم البارئ سبحانه لوازمها إلى ما ~~لا نهاية له ، فلا PageV01P066 # يخلو علمهما لها إما أن يتطابقا أو يتضادا ، ومتى تطابقا أو تضادا فهو ~~نقصان لمن يستحق الكمال الأتم ، وقد اتفقوا على أن البارئ تعالى منفرد بذلك. # القسم الثالث : ما ذكرناه في القسمين السابقين ينقسم إلى ما لا يصح ولا ~~يقوم عليه برهان وإلى ما يقوم عليه برهان ، كعلمنا أن السماوات متحركة وأن ~~الحركات مختلفة في التغريب والتشريق واختلاف المطالع والمغارب وتعلق ~~الحوادث بذلك ، لكنا نزعم أن ذلك تابع لإرادة البارئ سبحانه وعلمه في كل ~~دقيقة من الزمان وهم يزعمون أن السماء ونفوس الأفلاك مستقلة بذلك من جهة ~~إرادتها وعلمها ، فنجعل هذا القسم ثلاثة فصول : # الفصل الأول : في أن الله سبحانه عالم بالمعلومات. # الفصل الثاني : أنه مريد للكائنات. # الفصل الثالث : في غرض القسم في ترتيب الحركات. ### ||| * الفصل الأول في أن الله سبحانه عالم بالمعلومات # اتفق المثبتون للصانع على أن الله تعالى عالم ، واختلفوا فيما هو به عالم ~~وهل علمه زائد عليه أم لا. وهذا الاتفاق في إثبات العلم كاف ونزيده بيانا ~~أن تقول لا يخلو العالم أن يكون له محدث أو لا محدث له ، فإن لم يكن له ~~محدث بطل بما قدمناه. وإن كان له محدث لم يخل أن يحدثه وهو عالم به أو غير ~~عالم به. فإن قيل : أحدثه ولا علم له به فهو إما مقهور أو ذاهل وهذا باطل ~~إذ ذاك محال وقد تقدم ما ينفيه فلم يبق إلا أنه عالم. فإن قيل : هو عالم ~~ولكن بالكليات ، وأما بالجزئيات فذلك يوجب تجدد علمه بتجدد الوارد وذلك ~~باطل ، والذي يلزم في حدوث جزء منه ، فإن الحدوث لا يختلف فلو صح أن تحدث ~~خردلة دون علمه لجاز أن تحدث السماء دون علمه. # فإن قيل : سلمنا أن محدثا لا يحدث وهو ms089 لا يعلم به ، بل للملائكة الموكلين ~~بذلك في علمهم بالمعلومات استقلال وهذا منتهى شبههم. # قلنا : ذلك محال فإن البارئ سبحانه عندكم عقل محض ومن شرط العقل المحض ~~المبرأ عن المادة أن لا يجهل معلوما ، وإنما طرأ الجهل على الإنسان من حيث ~~هو في مادة فاشتغل بها عن غيرها. فنقول : قد علمتم أن السماء عالمة ~~بالجزئيات فهلا أوجبتم ذلك لرب العزة على الوجه الذي أثبتموه للسماء؟ فإن ~~قالوا : يلزم طروء الحوادث عليه. قلنا : لا يلزم لأن علمه قديم علم ما يكون ~~من تركيبات العالم وانتقالاته إلى منتهى وعلى أصلكم من حيث علم الأسباب ~~الأول يلزمه علمها وعلم توابعها وتوابع توابعها ، فإن من علم علم المسبب ~~وما من سبب إلا وله مسبب هكذا إلى منقطع السلسلة. ثم الحدوث والتغير يطرءان ~~على الحوادث وهي جارية على ما علم فعلمه واحد لا يتغير وإنما تغيرت هي من ~~حيث علم تغيرها في علمه أنها يترتب بعضها على بعض. # فإن قيل : فهل علمه زائد على ذاته أو هو عين ذاته؟ PageV01P067 # قلنا : ذهبت المعتزلة إلى أن ذاته عين علمه ، وذهبت الأشعرية وأكثر الفرق ~~إلى أن علمه غير ذاته. والذي اعتقده أن الله سبحانه عالم وقد قام الدليل ~~على علمه ، فهذه مقدمة المقدمة الثانية إن ثبت أن إثبات كون العلم مغايرا ~~للذات محال ، وذلك أن نقول لا يخلو العلم أن يكون نفس الذات وهذا لا نعتقده ~~، أو نقول إنه زائد عليها وهو مذهبكم. فإن كان زائدا عليها فلا يخلو أن ~~يستقل دون الذات بأن يكون واجب الوجود أو تكون الذات شرطا فيه ، فإن استقل ~~دون الذات وكان قديما قائما بنفسه فهما إلهان الذات والعلم وذلك محال. # فإن قيل : الذات من شرطه؟ # قلنا : لا يخلو أن يكون قديما أو محدثا. فإن كان قديما بطل أن يكون ~~القديم شرط القديم ، وإن كان محدثا فلا يخلو إما أن يقوم بذات البارئ تعالى ~~أو بغيره ، فإن قام به لزم قيام الحوادث بذاته وهذا باطل وإن كان بغيره ~~فالعلم إذا ليس من صفات ms090 ذاته. # فإن قيل : فهذا إذا نفس اعتقاد المعتزلة. قلت : نفارقهم بفضل وهو أن ~~مذهبنا أن الله سبحانه عالم بالكليات والجزئيات ولا يطلق عليه لا علمه ذاته ~~ولا غيرها لأن التحكم بإضافة اسم إلى البارئ تعالى وإطلاقه طريقة الشرع ، ~~وليس في حكم الشرع ما يدل على أن العلم زائد ، بل ورد ذلك مطلقا وشهدت أدلة ~~العقول على أن الله تعالى عالم ، وأن العلم لا يصح أن يكون موجودا قديما ~~قائما بنفسه مستغنيا عن البارئ تعالى وبطل أيضا أن يكون قديما يفتقر إلى شرط. ### ||| * الفصل الثاني في أنه مريد للكائنات # هذا الفصل معقود للإرادة. وهي مسألة مشكلة وعليها انبنى تعطيل المعطلة ~~فلا بد من تفصيل القول فيها إن شاء الله تعالى ، فنقول : الإرادة حقيقتها ~~المفهومة إجماع النفس على الفعل عند انبساط القوة النزوعية ، ويحركها إليه ~~في القوة الخيالية شيء يرغب فيه أو يهرب عنه ، وهذا الوصف مستحيل في ذات ~~البارئ تعالى ، فإذا الإرادة الإلهية عبارة عن إيقاعه الفعل مع أنه غير ~~ذاهل عنه فالقصد إلى إحداث المحدث والعمد إليه سمي إرادة. وحقيقة ذلك تئول ~~إلى خروج الفعل من القوة إلى الفعل. وقد قام الدليل على أن الله تعالى عالم ~~وأنه مبدئ العالم وثبت افتقار العالم إليه ، واتفق على ذلك الكافة وإن سموه ~~علة فقد أطبقوا على أن العالم لا قوام له دونه وثبت علمه به وعلمه تعالى ~~بالمعلومات فيما كان أو يكون على وتيرة واحدة لا يتغير ولا يجهل ولا يذهل. ~~والعلم متى أضيف إليه فهو قبل الفعل أبدا ودائما بعده ثم تعلق العلم بأنه ~~سيكون إذا أضيف إلى جهة المعلومات فتنقسم المعلومات في حقه إلى ما يكون ~~وإلى ما كان فكل ما يكون فهو في القوة وما كان فقد خرج إلى الفعل فتغير حال ~~المعلوم لا العلم. # وهذه قاعدة عظيمة إذا فهمت على هذه الرتبة ، وإذا تقرر هذا فكل ما هو في ~~القوة سيكون فالرب سبحانه مريد لأن يكون من حيث رتب تعالى الأسباب على ما ~~جرى به علمه فهي PageV01P068 # مطابقة ms091 على ما سبق به العلم ، فإطلاق الإرادة في هذا الموضع على معنى أن ~~المراد معلوم ونظم القياس كل مراد معلوم ، وكل معلوم جار على ما أراد الله ~~تعالى ، وكل مراد جار على ما علم الله تعالى. وإذا صح أن يكون العلم علة ~~المراد الذي في القوة فما هو بالفعل تابع لما في القوة والأمر ظاهر ، فما ~~خرج إلى الفعل فنفس حدوثه دليل على إيقاع الله تعالى له وإيقاعه له هو ~~المطلوب بالإرادة تابعة للعلم. # فإن قيل : فالمعلومات هل هي متناهية أو لا متناهية؟ # قلنا : هذا السؤال يفتقر إلى تفصيل فلا يخلو السائل أن يضيف التناهي إلى ~~المعلومات فمن ضرورة العقل أن يكون المعلوم محاطا به ، وكل محاط به فمحدود ~~، وكل محدود متناه فكل معلوم متناه كان المعلوم في القوة أو خرج إلى الفعل ~~، فإذا العالم بأسره من الكرة التاسعة وما يحويه وتوابعها من أجناسها ~~وأنواعها وأشخاصها وما يلزم عنه متناه محصور في علم الله تعالى. # فإن قيل : هذا مسلم ولكن السؤال هل البارئ تعالى عالم بما لا يتناهى أم لا؟ # قيل : هذا سؤال مستحيل من هذا الوجه فإن كل معلوم متناه فكان حاصل السؤال ~~أن نقول كل غير متناه أم لا. وهذا انحراف عن صوب الصواب. # فإن قيل : فهل يقال يصلح أن يكون العلم حاصرا لما يتناهى أو لا؟ # قلنا : العلم في نفسه لا يصح الاتصاف به متى فرض إلا مضافا إلى معلوم ~~وإلا بطلت خاصية العلم فمتى أضيف كان المعلوم منحصرا. فبقي أن يقال ذلك على ~~وجه واحد وهو أن يكون العلم القديم يتعلق بأن عوالم تتعاقب وهي متى أضيفت ~~إلى نفسها انحصرت ، ومتى أضيف الحصر والتناهي إلى علم الله تعالى بطل لأن ~~العلم لا يقال فيه متناه أو غير متناه ، وهذا أصل الغلط فربما ظن من لا ~~حقيقة عنده أن المعلومات متى كانت متناهية كان علم الله تعالى متناهيا ، ~~وهيهات ما قدروا الله حق قدره ، فالمعلومات هي المتصفة بالنهاية من حيث ~~تقبل التناهي حتى زعم أكثر المتكلمين أن ms092 الكيفيات لا يقال متناهية أو غير ~~متناهية ، فكيف بعلم البارئ تعالى؟ فإنه ليس من قبيل الأعراض ولا من قبيل ~~الجواهر ، فكيفما أدرت المسألة رجع حكم النهاية إلى المعلوم لا إلى العلم ~~وذلك لا نقص من قدر الله تعالى ولا يقال له بذلك عاجز. ### ||| * الفصل الثالث في ترتيب الحركات # لا خفاء على ذي بصيرة أحاط علما بما قررناه من افتقار العالم إلى البارئ ~~تعالى وإثبات العلم له ، فإن المعلوم لا يخرج عن العلم إذ ذرة في السماوات ~~أو في الأرض لا تتحرك أو تسكن إلا وهي مقيدة في علم البارئ تعالى في كتاب ~~لا يضل ربي ولا ينسى ، وما من حركة ولا قبض ولا بسط ولا وسوسة ولا هاجس إلا ~~والبارئ تعالى عالم بذلك الآن كعلمه في الأزل وكعلمه بعد انقضاء الفعل ، ~~وكيف لا وقد قدمناه أن أكثر المنتمين إلى الحذق والعلم بالإله جل جلاله ~~برهنوا على أن الفلك عالم PageV01P069 # بجزئيات العالم ، وقد أقروا بأن الفلك مسخر لمدبر عليم قاصد بحركته ~~التقرب لبارئه تعالى ، فمن أولى باتصاف الكمال السيد أو العبد فسبحانه ذي ~~العرش المجيد والبطش الشديد ( @QUR@08 ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ) ~~[ق : 18]. وهو أدنى إلى عبده من حبل الوريد ( @QUR@036 ما يكون من نجوى ~~ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا ~~هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء ~~عليم ) [المجادلة : 7]. وقال تعالى ( @QUR@031 وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها ~~إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ~~ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ) [الأنعام : 59]. وهذه ~~الآية من الآي التي هي أم الكتاب ، فذكر تعالى أن عنده مفاتح الغيب. ومن ~~قام عنده البرهان بما تقدم طلب معنى تحمل المفاتح عليه ، وقد اهتدت ~~الفلاسفة إليه لو أضافوا ذلك إلى رب العزة ، فإن الأسباب ومسبباتها علمها ~~عز وجل ولا يصح أن يعلمها أولا ثم ms093 لا يعلمها بعد حدوثها إذ ذاك يؤدي إلى ~~تغيره ، ويبطل أن يعلمها علما كليا ثم تستجد له علم عند حدوثها وذلك أيضا ~~باطل ، وصح أن الله تعالى عالم بها قبل كونها علما بدقائقها لا يعدوه ، فلو ~~صح أن يتعداه لخرج عن كونه عالما بها. وإذا ثبت ذلك بحسب ما ترتب في العلم ~~ترتب في الوجود فلا يعدو منها شيء علمه وإن أردت مثلا فالخبز لا يخبز ما لم ~~يكن عجينا ، ولا يصح أن يكون عجينا ما لم يكون دقيقا ، ولا يصح أن يكون ~~دقيقا ما لم يكن قمحا ، ولا بد من طحنها ولا بد من حجر طحين ومن محرك للرحى ~~وصفات المحرك. فهذه أسباب لازمة ضرورية لا بد منها ، فهكذا فافهم البارئ مع ~~علله تبارك وتعالى ، فالأسباب هي المفاتيح والمسببات هي المفتوحات بها ، ~~ولا يصح أن يستولي عليها غيره ومن علم بعضها فبتعلمه ومن علم بعضا لا يأتي ~~عليه جميعا كائنا من كان نبيا مرسلا أو ملكا مقربا ، وذكر تعالى الظلمة ~~نهاية في تعظيم علمه بالأشياء الغامضة التي في غاية الغموض ، وكذلك ذكر ~~الرطب واليابس من حيث إن كل رطب يقتضي البارد والحار وكذلك لليابس إذ ذاك ~~من ضرورته. # فالسماوات والأرض وما فيهما في علمه وله المثل الأعلى كسفرة بين يدي ~~أحدنا يدير ما فيها بما يشاء وعلمه بجزئيات الأمور وما بينهما إلى علمه ~~وقدرته أنزر وأحقر من نسبة السفرة إلى إحاطة علم بما لا يتقدر ولا يتناهى ، ~~وإنما هو ضرب مثل لكنه تعالى تقدس عن الجوارح والأدوات والمباشرة وكان ~~اللائق بجلاله أن تنفعل له الأشياء بمجرد قصوده لكونها ، ولكن خص بعلمه ~~وحكمته أن يكون العالم على نظام وترتيب ليترتب بعضه على بعض ، وهذا نعلمه ~~بالضرورة ولا ينكر ولا يتمارى فيه ولا استحالة فيه. وإنما الممتنع أن يكون ~~في ملكه ما لا يريد أو يفعل شيئا محدث دونه أو يحدث ما لا يعلم في ملكه ~~تعالى وتقدس عن ذلك سبحانه. وإذا حصلت ما تقدم علمت أن مبدأ الحركة منه ~~تعالى ms094 إذ قام عندك برهان على جري العالم كله وترتيبه على علمه السابق وأن ~~علمه لا يتغير ، وتقدم لك أن العالم منفعل له وأنه غير مباشر لذلك إذ ليس ~~بجسم مقدر ولا بعرض ولا جوهر والعالم منفعل له ، وذلك لازم للعالم لزوما ~~ضروريا وهو تعالى مختار والحديد منطبع للمغناطيس بخاصية فيه. وهذا في عالم ~~الحس فما ظنك برب العزة ذي الجلال والكمال؟ PageV01P070 # وإذا فهمت هذا فاعلم أن الحركات ثلاثة : إما على الوسط كتحرك الأفلاك ، ~~وإما من الوسط كالهواء والأبخرة الصاعدة علوا ، وإما إلى الوسط كحركة الحجر ~~إلى أسفل يطلب مركزه بطبع فيه. ثم هذه الحركة ضربان : ضرورية واختيارية ، ~~ولها نسبتان : نسبة نفسها ونسبة إلى بارئها فمتى أضيف فعلها إلى بارئها فهو ~~مختار لها بأجمعها ليس شيء منها إلا بتدبيره وحكمة وقضائه وحكمه له اقتضت ~~كونها على جهة مخصوصة وزمان معين وشخص معين تقدمت تلك الحركة أو تأخرت كانت ~~بالقوة أو بالفعل. وهذا مبرهن لازم ضرورة. # وأما النسبة الثانية وهي نسبتها إلى المتحركين فتنقسم ثلاثة أقسام : إما ~~مختارة وهذا يختص بالحيوان ، وإما مضطرة وهذا يشمل الجماد والحيوان وهو إما ~~ملازم وإما عرضي. # فأما الأفعال المختارة فهي موقوفة على إشارة النفس وتحركها والأشياء التي ~~تحت النفس طائعة لها انطياع النفس لبارئها جعل ذلك في طبيعة الخلقة والنفس ~~منفعلة بإشارة العقل والعقل منفعل لبارئه تعالى. وأما نفوس الملائكة ~~فحركتهم الاختيارية عن عقولهم وعقولهم عن بارئهم فلا عصيان في أفعالهم ~~البتة كما قال الله تعالى : ( @QUR@08 لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما ~~يؤمرون ) [التحريم : 6]. فهم أبدا جارون على علم بارئهم تعالى وموافقون لما ~~يرضاه. وأما غير ذلك من الحيوانات المركبة من المواد فلما لم تكن مجردة عن ~~المادة وكان لها علوق بالأبدان وكان للنفس جنبتان : جنبة إلى الملأ الأعلى ~~وجنبة إلى العالم الأسفل ، ونعني بذلك كونها بالفصل المشترك أي هي مأمورة ~~بأن تراعي جهتين جهة الملائكة بأن تكون متشبهة في الفضائل بها وأن تكون ~~عاكفة كعكوفهم على عبادة بارئهم ، فهذه جنبة أمرت بمراعاتها. # الجنبة الثانية ms095 : وهي الجنبة السفلى وهي علاقتها بالجسم المنفعل من ~~المواد المركبة من الطباع وهي مولعة بإصلاحه وسياسته كالملك الذي عمر بلده ~~وولع بسد ثغره وإصلاح رعاياه وعمارة أرضه ومقابلة عدوه وجلب المنافع إليه ~~ودفع المضار عنه ، وصارت النفس متحيرة تطالبها الجنبتان كل واحدة بأن ~~توفيها من العدل قسطها وتجريها على القانون العدل والسيرة الإلهية. ولما ~~خلقها الله تعالى على هذا النسق والترتيب خصت الحكمة الإلهية الإنسان بأن ~~أعانه وقواه وأعطاه أدوات ومكنه من الجنبتين وأيده من جهة الجنبة العليا ~~بالعقل ليتلقف به عن ملائكة الله ورسله ويفهم به مراد بارئه ، فكان حاله مع ~~النفس كعبد بعث إلى ثغر بعثه ملك مطاع الأوامر مخوف الزواجر فأمره بسد ~~الثغور وإدرار الأقوات ومقاتلة الأعداء وأن يطابق غرضه مع بعده عنه ، ثم ~~قال : قد مكنتك من ثلاثة أشياء : تكون عونا لك ولا حجة لك على بعدها أحدها ~~الثغر الذي بعثتك إليه ، فقد أكملت قصوره ودوره وحصونه وجدرانه وأنهاره ~~وأشجاره وثماره وآلاته ما تكررت وتناهت. # الثاني : دفعت إليك عبيدا وأعوانا وخداما وجعلت في طباعهم الانفعال لك ~~فمر بما شئت فيهم تمتثل إن شئت من حق أو باطل ، لا يخالفون رغبتك ولا يعصون ~~إمرتك ، فعليك بالسيرة الحسنة فيهم ولا تغتر بتمكيني فإني ذو بطش شديد وإن حلمت. # الثالث : إني دفعت إليك وزيرا حكيما عليما متطلعا على ما في العالم بأسره ~~عالما بالسيرة الحميدة PageV01P071 # والطرق الرشيدة ، عارفا بعواقب الأمور وقد أحللته من نفسي بمنزلة الوزير ~~وأكرمتك بأن جعلته وزيرك فاحذر أن تنفذ أمرا دونه ولا تغتر بما جعلته في ~~طباع العبيد من طاعتك ولا بما جعلت في نفسك من القوة فما غبن من استشار ، ~~وهذا الوزير الذي يستمد من آرائي في كل حين فقد تحققت ذلك منه لأنه لا ~~يعصيني طرفة عين فصار العبد في الثغر بهذه الثلاثة أشياء. فمثال النفس مثال ~~العبد ، ومثال الثغر مثال الجسم ، ومثال ما فيه من العدد والأقوات مثال ما ~~في الجسم من الطبائع والقوى حسب ما ذكرناه في المعراج الأول. ومثال لوازم ms096 ~~الثغر ونوائبه مثال ما يقوم به الجسم من الأغذية والمنافع ، ومثال الوزير ~~مثال العقل ، ومثال الملك مثال البارئ تعالى وله المثل الأعلى. # فإذا فهمت هذا فاعلم أن النفس منبثة القوى في الجسم كما قدمناه ، وأن ~~الله تعالى سخر الله الحواس الباطنة والأعضاء الظاهرة بالطبع فمتى تحركت ~~إلى أمر ما تأتي هذا في طباعها ما لم يمنع مانع من ذلك الأمر. فإن اعتبرنا ~~جهة المنفعل فهي مضطرة ، وإن اعتبرنا جهة النفس في نزوعها وانبعاثها ~~للمطلوب وسبب حركتها هل هو إرادي أو اضطراري ، قلنا : هذا محل غموض عجز ~~أكثر الخلق فيه عن النهوض وذلك لبعد غوره ودقة مسلكه ، وهذه المسألة ~~المعروفة بالقدر والنزاع فيها من خلق آدم عليه السلام إلى هلم جرا ، وحقنا ~~لضعف قوانا وقلة استعمال عقولنا الموهومة لنا واشتغالنا بالرذائل الدنيوية ~~والخداع الخزعبلاتية أن لا نتعرض لهذا المقام ، فلكل مقام مقال ولكل طريقة ~~رجال ، ولكن نخوضها خوض الجبان الحذور لا خوض الشجاع الجسور ، فتقول : قد ~~قدمنا انقسام الحركات وإن بناء الكلام على حركات الإنسان ولا شك أن منها ~~الضرورية والاختيارية. # فأما الضرورية ، فطبيعة لازمة سنتكلم عليها عند تكلمنا عليها إن شاء الله ~~تعالى كلمة ولم يختلف أحد فيها أنه لا يتعلق بها ثواب وعقاب ، وأما النزاع ~~في الاختيارية فإن هذه مرتبطة بالتكاليف فلا بد من فهم المثال الأول فهو ~~تمهيد قدمناه لهذا الموضع ، فنقول قد قدمنا أن للنفس جنبتين مثلنا ذلك ~~بالوزير والثغر ، فالجنبة العالية جنبة الوزير والجنبة الخسيسة جنبة الثغر ~~، فمتى كانت النفس تحركت نحو الفضائل فذلك تلقف عن العقل والعقل عن بارئه ~~فهي مثابة على تحركها ونزوعها إلى غرض مولاها ، والمفعولات واقعة بفعل الله ~~تعالى وتحركها نعني عند انبعاث الداعية عند إنصاتها إلى العقل وحقيقة ~~الإضراب عن الثغر ودواعيه واستعمال العلم بتنظيف المحل إذ لا يرد إلا على ~~محل قابل له بإزالتها الصوارف والموانع بإشارة العقل ، وتدبيره هي مثابة ~~عليه من حيث إنها واسطة إلى انفعال الأجسام ، وكثيرا ما قدمنا أن العالم ~~منقسم إلى عقول فاعلة مجردة. وهي ms097 الشريفة ، وإلى أجسام ، خسيسة وهي الكثيفة ~~التي هي المفعولة كما أن العقول فاعلة. ولما استحال على العقول المجردة ~~المباشرة وكانت في طرف من مضادة الأجسام كما أن العلم في طرف والجهل في طرف ~~، وكان ضدا مطلقا قضت الحكمة الإلهية لها بأن أظهرت تأثيرها بتدريج فجعلت ~~نفسا ممتزجة تشبه العقول من وجه والأجسام من وجه ، وذلك راجع إلى مناسبة ~~والمناسبة راجعة إلى وجهين : إما إلى جنبة أسفل فبالرذائل ، وإما إلى جنبة ~~أعلى فبالفضائل. فالنفس معلقة بينهما والأجسام تنفعل للنفوس والنفوس للعقول ~~والعقول للبارئ سبحانه ، فالمبدأ الأول هو الإله فخروج الأمر من عنده كخروج ~~الأمر من PageV01P072 # عند الملك إلى الوزير. ثم من الوزير إلى الحاجب ، ثم إلى المضروب أو ~~المكرم ، والله المثل الأعلى فالرب سبحانه هو المبدأ والطاعات متى خرجت إلى ~~حيز الفعل فهي من الله تعالى ، باتفاق الكافة متى خرجت إلى حيز الفعل فهي ~~من الله تعالى والنفس مثابة على جهة التوسط من حيث إنها آلة ، وما مثل ذلك ~~إلا مثل إكرام الشرع لأجسام الموتى بالتنظيف والأكفان والحنوط والقبور ~~وتحريم إهانتها وإحراقها ، وإن كان لا لحسنة لها في ذلك بل الفضل الإلهي لا ~~حد له. ولا يجري على مقدار. ولو كان البارئ تعالى لا يفعل شيئا إلا ~~باستحقاق الفاعل تحقيقا لمثوبته لم يكن كريما مطلقا ولم يطلق عليه لكن من ~~عدله ، فإن العادل من قارع الحسنة بالحسنة والكريم من وهب من غير يد متقدمة ~~، فخص تبارك وتعالى الأجسام بالمكرمة من حيث إنها كانت آلات مستعملة في ~~الطاعات مع اتفاق الخلق أن للفعل تحقيقا للأرواح ، فكذلك النفس بالإضافة ~~إلى العقل يكرمها البارئ سبحانه على جهة الوساطة وإن كانت لا فعل لها ~~تحقيقا للمشير بذلك والملهم إليه والمحرك هو العقل. إذ الحاجب وإن شكره ~~المكرم من جهة الملك فالوزير أحق بالشكر من حيث بلغ إليه فليفهم أن العقل ~~مشكور من جهة الوساطة وأن الشكر المجرد والحمد المؤبد لله وحده الذي كان ~~المبدأ ، فلو لم يرد التوفيق من عنده لما كان للعقل ثبوت أصلا ms098 إذ هو مربوب ~~، فالجواد المطلق والكريم المحض هو الله رب العالمين ولم يشك ذو عقل أن ~~الفضائل من الله ، وإنما اختلفوا في الشر فزعمت المعتزلة أن الشر ليس من ~~الله تعالى. ولما رأوا تلازم الأفعال أخرجوا الفعل إلى العبد وجعلوه مستبدا به. # فإن قيل : الإشكال باق فإن الحركة التي هي الصلاة مثلا إن كانت فعلا ~~للعبد فلا مدخل للبارئ تعالى فيها ، وإن كانت لله فلا مدخل للعبد فيها ~~ويستحيل أن يكون الفعل مشتركا كما زعمت الأشعرية. # قلنا : الحركات مضافة إلى الأجسام فبطل التقسيم ، والنفس لا حركة لها في ~~نفسها فإنها إنما لها الإشارة والتدبير والجسم معها كالمغناطيس مع الحديد ، ~~ولا يقال للحديد إذا تحرك إن المغناطيس حل فيه فظهرت الحركة عليه ، بل فعل ~~فيه بخاصيته فبطل السؤال. # فإن قيل : إن بطل في الحركة فلا تخلو النفس عن الإرادة والسؤال في ~~الإرادة باق. # قلنا : إرادة الخير تابعة للعلم ، وقد قدمنا أن النفس تابعة للعقل ~~والتحرك من جهة العقل خير محض فهو محرك من جهة البارئ تعالى ، ولست أعني ~~الحركة الجسمانية ، بل أعني الشوقية النزوعية وهو عكوفها والتفاتها إلى ~~الجنبة العليا ، وحقيقة ذلك راجعة إلى ترك جنبة أسفل ، والترك ليس هو بفعل ~~وإنما هو عدم فعل فهما شيئان : النزوع وهو فعل الله تعالى ، والثاني وهو ~~ترك الأضداد وهي ملاحظة الجنبة السفلى وذلك ترك والترك عدم وليس بفعل. # فإن قيل : الترك إذا كان اختيارا أو اضطرارا لله فالسؤال لازم. # قلنا : هو اختياري من وجه واضطراري من وجه آخر ، وفهم هذا يستدعي تجديد ~~عهد بما سبق ، وهو أن النفس وإن سلطت على العالم الأسفل فهي تتوصل إليه ~~بآلة الجسم ، ثم أفعالها تظهر في الجسم في مواضع عشرة أحصيناها فيما تقدم. ~~فمنها ، الحواس الخمس من الشم والذوق واللمس والسمع والبصر. وهذه علة PageV01P073 # وسبب للقوى الخمس الباطنة ، أعني القوة الخيالية والذاكرة والحافظة ، فإن ~~هذه القوى كالجواسيس في المدينة يرفعون الأخبار إلى الخدمة والخواص كالكتبة ~~والحجاب والوزراء ، فما يقيد عند الجواسيس يرفعونه إلى الكتبة وما يقيد عند ms099 ~~الكاتب يرفعه إلى الملك وهي النفس. ثم اختلفت مدركات الحواس الخمس فكانت ~~حاسة البصر موكلة بعالم الألوان على اختلافها في الصفات والمقادير ، وحاسة ~~الذوق بكل مطعوم ، وهكذا إلى تمامها وكلما رفعت من هذه محفوظة عند الكتبة ~~الخزان ، وقد قلنا : الجسم كالثغر وإن النفس مشغولة بافتقاد ثغرها في كل ~~دقيقة فلزوم هذه المدركات للنفس ضروري أعني عند صرف الهمة إليه يلزم ذلك ~~طبعا ، فإنك متى حدقت بصرك إلى مرئي حصلت لك رؤيته بالضرورة شئت أو أبيت ، ~~وكذلك سائر الحواس الخمس فلا تطويل فحصول الإبصار للنفس مختار ، فصح وثبت ~~أن الجنبة السفلى الجسمانية أفعالها جسمانية محضة والأفعال الجسمانية كلها ~~ضرورية طبيعية فقد انقضت المباحثة وتفرغ الكلام من هذا الجانب من حيث وقفنا ~~الأفعال بعد أسبابها على إرادة النفس ، وإرادتها هي الفيصل بين الجنبتين ~~جنبة أعلى وجنبة أسفل ، كما وكلت بسياسة جنبة أعلى على وجه مخصوص وكان له ~~وجهان إلى جنبة اضطراري واختياري ، فإذا استعملت السبب حصل المسبب بالضرورة ~~، فحصول المسبب من جهة أعلى أو من جهة أسفل ضروري لا ثواب عليه ، فقد ~~استرحنا من هذا الطرف وهو الطرف الضروري وبقي الاختياري فوقفنا من جهة ~~الجنبة السفلى على نزوع النفس وإرادتها ، وكذلك أيضا من جهة فوق فتوقف ~~البحث والنظر على هذه الدقيقة وهي الإرادة والنزوع ، وقد قدمنا أنه تارة ~~يكون اضطراريا وتارة يكون اختياريا محضا ، وذلك لا يتحصل برهان مخصوص بل ~~النفس يدخل الخير إليها من جهة العقل وهو انفعالها للعقل عند إشارته فهي ~~مثابة لنزوعها ونزوعها يظهر تأثيره في الجسم إذ لا يظهر الأثر فيها بأكثر ~~من الشوق والعشق المطلق فتثاب على جهة الوساطة كما قدمناه. # وأما الشر : فيدخل عليها من جهة الخير فيكون أولا خيرا ثم ينعكس. ومثال ~~ذلك : أنك متى ركبت دابة استعرتها من دار رجل فتصرفت بها في حاجتك ، وكانت ~~دابة جموحة صعبة المرام فخطرت بها على دار مولاها فنزعت إلى دار سيدها ~~فصرفت عنانها فتقاعست فعاقبتها بالسوط وآلمتها وتحملت عليها فلا شك أنك ~~يمكنك صرفها وقد تعديت ، فإن ms100 حقك أن لا تخطر بها على دارها. فلو أنك سقتها ~~إلى دار سيدها وأدخلت يدها عتبة الباب ، ثم لفحتها لم تطعك بوجه بل تدخل ~~كرها وربما جرحت رأسك وآلمتك وكنت عند العقلاء مذموما ، فإنك مكنتها من ~~طبيعتها. ثم أردت حجابها وقد كتب الله تعالى في كتابه السابق وقضى بقضائه ~~المحتم بأن يمكن الطبائع من مطبعاتها. فالنار متى تمكنت من القطن أحرقت ~~ضرورة ، فليفهم أن القوى الحيوانية المنفعلة عن الطبائع لها نزوع بالطبع ~~إلى مركزها والروح الحيوانية الشهوانية بالطبع والعنصر تميل إلى عنصرها ~~كالحجر يهوي إلى أسفل ، والنفس متى مكنت الجواسيس ابتداء حتى صار لهم ذلك ~~ملكة فذلك لازم ضروري خلقه الله تعالى ، وإنما تعاقب من حيث لم تحرس ~~جواسيسها ابتداء ، وهذا كما أنا نقول للرجل النظرة الأولى فجأة لك حلال ، ~~فإنها لازمة ضرورة فلا يتعلق التكليف عليها ، وإياك والثانية فإن العين إذا ~~انفتحت على صورة جميلة فمالت الطبيعة إلى الطبيعة لزم ذلك PageV01P074 # لزوما ضروريا. لو انفرد لم تعاقب النفس عليه ، وإنما تعاقب على إهمالها ~~إشارة العقل في الكف ابتداء ، فمتى تكررت الجواسيس على القوى الباطنة لزم ~~النفس ذلك وشغلها فهي مأمورة أن تلزم الجنبة العليا ، والأمر كله لله تعالى ~~فهو المخترع للأفعال ، وهو موجد الأسباب الأول ، فالمسببات أفعاله فهذا لا ~~حيلة فيه وهذا أقصى الغرض من تكرير هذا المسألة. # وفي الحديث : حاج آدم موسى فقال : أنت الذي أخرج الناس من الجنة؟ فقال : ~~أتلومني على أمر قد قدر علي قبل أن أخلق ، فغلبه آدم عليه السلام وشهد له ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال : " فحاج آدم موسى" فإذا الأشعرية ~~والمعتزلة والمجبرة قد تكلموا على الأفعال الجسمانية ولم تتعرض لها ، وإنما ~~تكلمنا على النزوع الشوقي وجعلناه السبب ووافقنا الجبرية في الأفعال ~~الجسمانية. وهذا منتهى للكلام في الجنس الإنساني من الحيوان. # وأما حركات البهائم فهم موكلون بالجنبة السفلى ، عاكفون عليها لا علم لهم ~~بالجنبة العليا ، وكيف تنكر ذلك وأنت تبصر كثيرا من الخلق كأصناف السودان ~~وغيرهم لا فرق بينهم وبين البهائم ms101 لا يعرفون الملائكة ولا بارئهم ، بل ~~يعبدون الثمار والأشجار كما قال تعالى : ( @QUR@07 إن هم إلا كالأنعام بل ~~هم أضل ) [الفرقان : 44]. ومحرك الحيوان ما تورد الحواس على القوة المتخيلة ~~فهي فيهم كالقوة العقلية ، فالدابة تتأدب بآداب القوة الخيالية متى انتقش ~~فيها أمر محذور ، فإنها إذا رأته حذرته وذلك أمر نافع ولا يبعد أن تكون لها ~~قوة الحافظة تحفظ بها الصور. # وأما العوالم العلوية فترتيب حركاتها لا يحيط بها إلا الله تعالى وحده ~~العالم بمبدئها ، وإنما أدركنا منها ما تكرر علينا بالتجربة أو بإشارة ~~العقل إليه إشارة جميلة. وذلك كنمو أجسامنا بالأغذية والأغذية من النباتات ~~والنباتات كائنة من الماء والتراب فهي منفعلات عن الهواء والنار وهما ~~كالفاعلين ، وهذان بالإضافة إلى الماء والتراب يكونان فاعلين بمعنى حصول ~~التأثير لهما حصول الذبح بالسكين ، ولكن إذا انفردت الشاة ، والسكين لم يتم ~~الفعل أصلا ولا بد من سبب جامع ، والنار والهواء امتزجت معهما أشعة الكواكب ~~وازدحمت في منقعر فلك القمر ودارت بالأرض كرتها كما تدور الهالة بالقمر ، ~~ثم هذه الأشعة تتحرك بمحركات هي تابعة لها وهي الكواكب السبعة ، وقد زعمت ~~الفلاسفة أن هذه الكواكب حية وأنها مع العالم الأسفل كنحن مع أجسامنا. وأن ~~لها الفعل الاختياري والفعل الاضطراري. وهذا ابتداع لا ننكره فلم يدل على ~~إبطاله كتاب ولا سنة ولا إجماع ، ومن أنكر كون ذلك من الناس فعلى طريق ~~التغليط ولا برهان البتة ، فلنجعل ذلك جائزا إذ مذهبنا أن البارئ تعالى هو ~~الفاعل المطلق وأنه مسبب الأسباب وموكلها بمسبباتها ، فسواء على مذهبنا ~~كانت حية أو جمادا فقصارى الأمر أن تكون كنحن ولا ننكر وجودنا ولا تصرفنا ~~عالمنا ، ومنافرة هذا رعونة محضة وحماقة تامة ، ولنقل قولا يهون ذلك فربما ~~زعم السامع أن تكون الملائكة مرئية والظواهر دلت على أنها محجوبة فنقول : ~~الموجودات على ثلاث مراتب موجودات تعقل وهي موجودة ولا ترى. وهي العقول PageV01P075 # فهي مدركة تدرك بالعقول لا بالأبصار. الثاني : النفوس وهي مدركة بالعقول ~~ولا يجوز أن ترى. والثالث : الأجسام وهي تدرك بالعقول والأبصار ولا تدرك هي ms102 ~~أنفسها ولا غيرها. فما نشاهده من العالم الأعلى إنما هي أجسام النفوس ~~والعقول ، وحقيقة الملك إنما هي نفسه لا جسمه كما أن حقيقة الإنسان نفسه ~~ولا يدرك إلا جسمه فقط. ونحن لا ندرك نفسه بل انقطعت العقول في درك ماهية ~~نفسه بالبصيرة فكيف بالبصر؟ فلنتكلم على هذه الأجسام الظاهرة. فنقول : سبب ~~الانفعالات الهواء والنار وما تحت فلك القمر مرتبط بالدوائر ودوران الفلك ~~التاسع ، فإنه منقسم إلى اثني عشر برجا ، ثم الكواكب السيارة مقسطة عليها ~~فمنها ما له بيت ومنها ما له بيتان ، ثم لهذه الأجسام طبائع مختلفة حاصلها ~~الحر والبرد والرطوبة واليبوسة. وهذه الطبائع وسائط لانفعال المنفعلات فتمر ~~الكواكب على البروج واختلاف الحركات ، وكون هذه الكواكب في درجاتها ~~ومراكزها واختلاف مطالعها كما تقول مثلا : إذا جمعت الشمس والقمر في رطب دل ~~على المطر العظيم. وتفصيل هذا محال على علم النجوم ، وليس هذا موضعه فلكل ~~مقام مقال وإنما غرضنا التنبيه. # وأصل هذا كله الحركة المشرقية التي هي المشرق إلى المغرب ، وقد حكينا عن ~~الفلاسفة فيما تقدم علة ذلك وكيفية تقسيمهم العقول والنفوس وأنكرنا عليهم ~~كون البارئ تعالى كذلك علة وأنها ملازمة له ، وأنكرنا دعواهم الحصر لا غير ~~وإلا فيجوز مثل ذلك جوازا يرده إلى طريقتنا في التوحيد المحض. فإن معتقدنا ~~أن الله تعالى واحد وحدانية محضة صرفة وأنه هو القائم على العالم حتى لو ~~تصور عدمه لم يكن له ثبوت أصلا ، والتصديق بما جاء به المرسلون ، ومن هذه ~~الحركات الدورية تتناتج الحركات وتتناسق ، وقد تكلمنا في ذلك كلاما بليغا ~~فلا معنى لتكراره. # فإن قيل : بم تنكرون على من يعتقد أن هذه الأنوار الظاهرة فاعلة أو عالمة ~~أو حية ، فإن الله تعالى يقول : ( @QUR@04 الله نور السماوات والأرض ) ~~[النور : 35]. وربما قالت المجوس إن هذا النور إله؟ # قلنا : نعقد لهذا فصلا في المعراج الذي يلي هذا إن شاء الله تعالى وهو ~~المعراج الرابع. ### ||| * المعراج الرابع # اعلم أيها الأخ أن الله تبارك وتعالى هو نور السماوات والأرض ، ولسنا ~~نعتقد بكونه نورا كونه شعاعا منبسطا مرثيا ms103 على الجدران ، بل ذلك على نسبة ~~أخرى. فاعلم أن النور يطلق على ستة أشياء : # أحدها : نور حسيس بحسب عنصره لا دوام له فهو عرض سريع الزوال مفتقر إلى ~~مواد عنصرية ، وهذا هو ضوء النيران. # الثاني : هو أشرف من هذا وإن كان عنصريا فهو شريف بحسب نسبته وبحسب نفسه ~~، وهو نور البصر فهو يدرك الأشياء ويدرك الألوان والمدركات. # الثالث : نور شريف من العالم الأعلى وله شرف بحسب نفسه وبحسب ما ينسب ~~إليه ، وهو PageV01P076 # أشرف من النور البصري وهو نور الشمس فإنه علة لوجود العناصر ووجود ~~النيران والأجسام المبصرة وهو لا من مادة مركبة ، ولذلك عبدته المجوس. # الرابع : نور شريف هو نور محض قائم بنفسه يدرك الأشياء على حقائقها ويدرك ~~نتائجها وهو العقل والنفس ، وهذه الأمور منقسمة إلى ما يدرك به ويدرك نفسه ~~وهو العقل ، وهو نور حقيقي وإلى ما يدرك به ولا يدرك نفسه كالنيران والبصر ~~والشمس ، والقرآن يسمى نورا وهو الخامس ، والرسول يسمى نورا ولكن يستعار ~~لهما من هذا معنى النورانية ولهذا يسمى العلم نورا. # الخامس : النور المطلق وهو البارئ تعالى ومعناه في الروحانية أكثر من ~~معنى العقل ، فإن معنى العقل هو نورانية العقل وهي كشف الحقائق وبهذا ~~المعنى يقال للبارئ تعالى الحق المبين والعالم بخفيات الأمور. فهذه ستة ~~أنوار بالاستعارة للقرآن والرسول صلى الله عليه وسلم حقيقتها البارئ تعالى وهو ~~مجاز فيما عدا ذلك. # فإن قيل : فقوله تعالى : ( @QUR@05 مثل نوره كمشكاة فيها مصباح ) [النور : 35]. # قلنا : المراد بهذا النور العقلي ، فههنا أربعة أشياء : المشكاة والزجاجة ~~والمصباح والزيتونة. وأما المشكاة فمثالها النفس ، ومثال الزجاجة القوة ~~الخيالية ، والمصباح كالعقل ، والزيتونة التي هي الشجرة العقل الفعال ، ~~ولما كان المصباح الذي هو النور لا بد في إظهار ثمرته وحكمته للأجسام من ~~آلة جسمانية تشاكل الأجسام كالنور يفتقر إلى زيت يناسب النار بالحر ويناسب ~~الفتيل بالرطوبة ، فكثيرا ما قدمنا أن العقل لا يباشر كانت واسطته النفس ~~فهي المشكاة ، ثم كانت النفس لا بد لها من حيلة في معرفة المحسوسات كما ~~قررناه فجعلت له الحكمة الإلهية ms104 قوى. فمنها القوة الخيالية التي يرسم فيها ~~ما تورده الحواس ، فكان مثالها مثال الزجاجة ، وإنما خص الزجاج لانطباع ~~المرئيات فيه كالمرآة الصقيلة التي يبصر فيها ، ولأن الزجاجة أصفى الجواهر ~~من حيث يشف ما وراءها ، والأنبياء عليهم السلام يعلمون الغيب بواسطة القوة ~~فيعبرون الصورة ويفهمونها. ولها علم مختص وهو علم تعبير الرؤيا ينفرد بخواص ~~هذه القوة. # وأما الشجرة ، فهي العقل الفعال من حيث انفعلت الأشياء عنه ، فلما أن ~~المصباح الواحد توقد منه المصابيح لم يقل سبحانه نبت ، فإن النبات يدل على ~~نقصان الأصل وإنما قال تعالى : ( @QUR@01 استوقد ). فنبه بالوقيد على أن ~~الشجرة لا تنقص ، وعلى أن هذه الشجرة ليست الشجرة المعهودة ، لأن الشجرة لا ~~يوقد منها وخصها بالزيتونة لدوام ورقها وفوائدها وغزارة منفعتها وكثرة ~~ورقها وشعبها ، وأنها وإن كانت زيتونة فيخرج منها نار تستضيء بها ، ووجه ~~المشابهة واستيعابه يطول ، وقد شرحناه في كتاب (مشكاة الأنوار). وأما النار ~~فهي عبارة عن الأنوار الإلهية ، ويحتمل وجها آخر أن تكون الشجرة الرسول ~~صلى الله عليه وسلم والنار الملك. # فإن قيل : عظم اختلاف الصوفية في هذا الغرض من حيث تحقق الملاءمة ~~والملازمة النورانية، PageV01P077 # وهو المصباح والمشكاة والزجاجة والشجرة والنار ، فقد جعلت مثال المشكاة ~~النفس ، ومثال الزجاجة الخيال ، ومثال المصباح العقل الجزئي ، ومثال الشجرة ~~العقل الكلي ، ومثال النار النور الإلهي وإشراقه. وهذه كلها لا توصف ~~بالكثافة والتجسيم على ما تقدم. وقد وصف الله تعالى ذلك بأن قال : ( ~~@QUR@03 نور على نور ) [النور : 35]. فبهذه الموجودات تشاكلها وتناسبها إذا ~~تشاكلت وتناسبت لصفاء النفس وبعدها عن الكدورات فظاهر مذهبهم يشير إلى ~~الحلول وقد أنشدوا في ذلك : # رق الزجاج وراقت الخمر %~% وتشابها فتشاكل الأمر فكأنما خمر ولا قدح %~% وكأنما قدح ولا خمر # قلنا : عين الحلول واعتقاده خطأ محض وسفاهة صرفة. # فإن قيل : قول الصوفية مشهور حتى قال أحدهم : أنا الحق ، وقال آخر : ~~سبحاني. وقال: ما في الجنة إلا الله. # قلنا : إذا قررنا إبطال الحلول أتينا على مذهبهم. فنقول : حقيقة الحلول ~~انطباق جواهر على جوهر أو جسم على جسم أو عرض في ms105 جوهر وقد قدمنا بالبرهان ~~الحق أن العقول والنفوس قائمة بأنفسها لا تحمل شيئا البتة ولا هي محمولة ، ~~فأغنانا ذلك عن إعادته وهذا في رب العزة أعظم. # فإن قيل : فيرجع الكل إلى الإله وتكون العقول والنفوس لا يفارقها البارئ ~~تعالى إلا بالفصل ، فإنهم اجتمعوا في الجوهرية وحقيقة الحياة والقيام ~~بالنفس. # قلنا : لا نثبت للبارئ تعالى ما أثبتناه للنفس ، فإنها لا قوام لها دونه ~~وقد قام البرهان على حدوثها وذلك يبطل أن تكون هي هو ، فإن في ذلك لزوم أن ~~يكون العالم كله آلهة وهو محال ، ويبطل أن يحل في النفوس أو ينطبع فيها ~~انطباع الخمر في اللبن كما زعمت النصارى في المسيح ، فإن ذلك من صفات ~~الأجسام فلم يبق إلا أن اللازم راجع إلى معنى الانفعال وإيجاده بالفعل أي ~~وقوف الإشارات والحركات عليه فيكون هو المحرك القابض الباسط والنفوس معه ~~كالحديد مع المغناطيس على وجهة التمثيل. ولله المثل الأعلى ونفي الوساطة ~~على الطريق التي قدمناها. ومن حقق من الصوفية وعلم وقوف الأشياء عليه وأن ~~الأمور لا قوام لها دونه. قال أحدهم : ما في الجنة إلا الله تعالى مبالغة ~~في التوحيد ، وقال آخر : سبحاني فإنه رأى الياء مكان الإضافة ، فإن الفرق ~~ضرب من الشرك في قوله سبحان الله ، فإجراء الأوصاف لا يعتد بها إلا الفصل. # فإن قلنا : سبحان الكريم نفي للبخل ، وإذا قلنا : سبحان الله فمعناه نفي ~~الشريك ولا يكون النفي إلا مع توهم الشريك ، فالموحدون منهم بلغ بهم ~~التوحيد إلى أن رأوا التبرؤ منه سوء أدب ولكن الكلام إذا وقع بالضرورة إليه ~~والتجئ إلى النطق به لا معنى للهرب فقد وقعوا في أشد كما زعمت الفلاسفة أن ~~البارئ تعالى لا يقال له موجود ، فإن ذلك يؤدي إلى دخوله مع الموجودات تحت ~~الجنس وهذا نفي معنى وهو سهل. PageV01P078 ### ||| * المعراج الخامس # هذا المعراج معقود للنبوة والنبي ومعنى ذلك. والأمم في ذلك على ثلاث فرق ~~: فرقة تنفيه وفرقة تثبته ، وهي فرقتان : # طائفة : تزعم أن ذلك أوجبه مولده ، فكانت لنفسه قوة تنفعل لها الأمور ، ~~وأوجب ms106 لها المولد أن يكون فاصلا حسن السيرة ، هذا مذهب الفلاسفة. # والفرقة الثانية : اعتقدوا معنى النبوة ، وهو حصولها لشخص يخرق الله ~~تعالى العادة على يديه بإظهار فعل غريب ، واشترطوا أن ينضم إليها ثمانية شروط : # أحدها : أن تكون في زمن تصح فيه الرسالة. # الثاني : خرق العادة بالمعجزة. # الثالث : أن يقترن بدعواه تحد. # الرابع : أن يوافق دعواه بعمله. # الخامس : أن يتعلق مقاله بالقلب. # السادس : أن لا يظهر على وجهه ما يدل على كذبه. # السابع : أن يكشف القناع في التحدي. # الثامن : أن يعجز الخلق عن معارضته ، ويلتحق بهذا شرط تاسع وهو كون ~~المعجزة من جنس ما يتعاطاه أهل زمانه ، ثم ما يحصل إلى الرسول إما بواسطة ~~أشخاص الملائكة بأن يتمثل له بشرا سويا أو على صورة ما ، وإما بغير واسطة ~~بأن ينقش الله تعالى ذلك نقشا في الحاسة المتخيلة ، وقد قال تعالى : ( ~~@QUR@08 وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا ) [الشوري : 51]. وهو ما يحصل ~~في قوته الخيالية وهو المعروف بالإلهام ، كما قال تعالى : ( @QUR@04 ~~وأوحينا إلى أم موسى ) [القصص : 7]. أو من وراء حجاب ، أو بواسطة ملك من ~~الملائكة وهو الحجاب ، أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء ، ونبينا ~~صلى الله عليه وسلم قد ظهر على يده من خرق العوائد ما ظهر على أيدي الرسل ، ~~وذلك ينقسم إلى ما بقي وإلى ما كان ، فمعجزاته من شق القمر ، وكلام الذراع ~~، وحنين الجذع ، واستدعاء المطر ، ونبع الماء من بين أصابعه ، وجعل قليل ~~الطعام كثيرا وغير ذلك ، وأما ما بقي فالقرآن وما أعلم به من الأشراط ~~والدلول ، وقد كان ذلك ونحن نشاهده ، ويبطل أن تكون النبوة بمعنى الملك ، ~~فإن الإنباء بالغيب معنى آخر خلاف السياسة ، ويبطل أن يكون ذلك سحرا ، فإن ~~الساحر لا قيام لسحره إلا به ، ولهذه الشريعة خمسمائة عام ، ثم هذا القرآن ~~الذي عجز الخلائق عن آخرهم عن الإتيان بمثله إلى هلم جرا ، وكان ~~صلى الله عليه وسلم أميا نشأ بين أميين لا معرفة لهم بالعلوم ، فأتى بهذا ~~القرآن الذي اشتمل على علوم الأولين والآخرين ، وكل PageV01P079 # من ms107 شك في نبوته عليه السلام ، فليتأمل بعده عليه السلام عن العلوم ثم لينظر ~~القرآن وما ينطوي عليه من الصنائع العلمية من الإلهيات والمنطقيات والجدل ~~والخطابة وسائر الأشياء التي حصلها الأولون والآخرون من العلوم وسمته علما ~~أو فلسفة وكيف فيه أشكال البراهين قائمة والجدل على وجهه والأقيسة على ~~وجهها مع ما تجرد إليه من العلم الديني ، وهي سياسة الخلق المعبر عنها ~~بالأحكام الشرعية وهو يتيم نشأ في حجر عمه لم تعلمه قط قريش ولا مارس علما ~~، ولو مارس علما ودرس لما انتهى أبد الآباد إلى النظم فضلا عن هذه المعاني ~~الغريبة ، وكل من حاول معارضته قصد معارضه النظم وهو قصاراه ، ثم لم يأت ~~إلا بالكلام الغث المشترك ، ولو أنه تحرى من تعاطى المعارضة إلى انطواء ~~القرآن على هذه الصنائع العلمية وقصد تضمينها لما تعاطى المعارضة أبد ~~الآبدين ، ولتقنع حياء مما جاء به ومن شك في أن ذلك أمر إلهي وتأبيد رباني ~~، فقد طبع الله على قلبه نعوذ بالله من ذلك ، وصلى الله على سيدنا محمد ~~نبيه كما هدانا من ظلمات الشك وعلى آله وصحبه ومحبيه وسلم تسليما. ### ||| * المعراج السادس # ما أتى من القول من طريق الرسول صلى الله عليه وسلم ضربان : طلب وخبر. ~~والطلب ضربان أمر ونهي ، وقد تكلمنا على الأمر والنهي وأصول الأحكام ~~الشرعية وكيف تستعمل في رسالة الأقطاب. وأما الخبر فينقسم إلى أخبار عمن ~~مضى كأخبار الأمم وعما يأتي كأمور الزمن وأنباء الآخرة وكل ما نطق به ~~القرآن وتواتر عن الرسول صلى الله عليه وسلم فهو يقين لا شك فيه. وهو منقسم ~~إلى ما يحتمل التأويل وإلى ما لا يحتمل ، فكل ما احتمل التأويل عذر المؤول ~~له وما لا يحتمل التأويل وتركه تارك عن قصد كفر بتركه. والأمور المشكلة ~~ثلاث مسائل : إحداها : مسألة النفس وقد فرغنا منها. الثانية : مسألة حشر ~~الأجساد. الثالثة : الجنة والنار. # مسألة : قال الله تعالى : ( @QUR@05 كما بدأنا أول خلق نعيده ) [الأنبياء ~~: 104]. وهذا هو نص في الإعادة ، وقال تعالى في العظام : ( @QUR@06 قل ~~يحييها الذي أنشأها أول مرة ms108 ) [يس : 79]. وقال تعالى : ( @QUR@010 والله ~~أنبتكم من الأرض نباتا* ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا ) [نوح عليه السلام : ~~17 و18]. وأكثر آي القرآن في البعث ، وهو نص في إعادة الأنفس إلى قوالب ~~الأجسام ولا مراء في ذلك ومن امتنع عنه شك في صدق الرسول أو كفر به عمدا. ~~والمنكرون له فرقتان : طائفة زعمت أن لا بقاء للنفس ، فإن العالم متناسخ ~~تابع لدورات الفلك لا إلى نهاية وقد تقدم الرد على هذه الطائفة. # الطائفة الثانية : وهم من الإسلاميين وهم أكثر المتصوفة المتفلسفة. زعموا ~~أن الأنفس باقية وأن الأجساد لا تعاد ، وحجتهم أن الجسم مستحيل عن أغذية ~~مأكولة والأغذية نباتات ولحوم ، وربما أكل شخص شخصا آخر فيجتمع جسم واحد من ~~الأجسام ، فلو أعيد الجسم لبطلت تلك الأجسام المأكولة ولبطل حشرها ، وإن ~~حشرت زال جسم هذا الآكل وهذا تطويل يستغنى عنه ، فإنا نقول : لا نلتزم لكم ~~أن الله تعالى يعيد عين الأجسام ، بل ضمن أن يرد الأنفس إلى خلق PageV01P080 # جديد وتراه كما فعل ذلك ابتداء ، وقد ورد في الخبر : إن لله تعالى ينزل ~~قطرا فيكون ذلك أصلا لخلقة الأجسام وهو قادر على اختراع ما يشاء. وكيف لا ، ~~وقد قال علماؤكم المتقدمون من أهل الهند وغيرهم. عمر العالم ستة وثلاثون ~~ألف سنة. وقالوا أيضا : خمسون ألفا على اختلاف بينهم في ذلك. وقالوا : ~~ثلاثة وستون ألف سنة ثم يعاد جديدا ، وتبدل الأرض غير الأرض والسماوات ~~ويرجع القطب اليماني شماليا والمعمور غامرا وبالعكس والبر بحرا والبحر برا. # فإن قالوا : هذا لا فائدة لكم فيه ، فإنه يلزم أن يبدل ثانيا. # قلنا : ذلك جائز في قدرة الله تعالى ، ولكن الرسل عليهم السلام أخبرت أنه ~~لا يفعل ذلك وأن للعالم ثلاث حالات : حالة عدم تقدمت وحالة وجود نحن فيها ~~وحالة إعادة. # مسألة : قالوا : أنكرنا وجود الجنة والنار يعني أن تكون لذاتهما وآلامهما ~~محسوسة جسمانية. # قلنا : علة الاستحالة عندكم تأثير الطبائع في الأجسام بواسطة حركات ~~الكواكب ، وقد قال قدماؤكم إن للعالم تحويلا. وأخبرت به الرسل عليهم السلام ~~وتتابعت على ذلك ، فتلك القضية ms109 بخلاف هذه ، فبم تنكرون على من يزعم أن هذه ~~القضية كما اقتضت أسبابها الفناء تقتضي أسباب تلك البقاء وتكون الحكمة فيها ~~أن تكون غرضا مقصود البقاء في الأجسام ، وكيف لا. وقد قال الجماهير منكم بل ~~الإطباق على ذلك أن جوهر الشمس لا يقبل البقاء ، واتفقتم على أن جوهر النفس ~~لا يقبل الفناء والجسم عندكم ، وإن تركب وكان تركيبه حادثا فجواهره قديمة ~~ولم يتوال نصب الأسباب على جهة تقتضي البقاء. ثم الجنة والنار عبارتان عن ~~قطرين يكون أحدهما فيه قصور الذهب والفضة واللؤلؤ والياقوت والثمار ثم لمن ~~استقر فيها بقاء بلا موت وواجد هذه اللذات أبدا لا يألم ولا يحزن ولا يجوع ~~ولا يظمأ ولا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما ، والآخر ~~على الضد من هذا وهو النار وبالله الهداية. ### ||| * المعراج السابع # غرضنا فيه بيان معنى الموت ، وهل هو كمال أو نقصان ، فالموت فساد المزاج ~~وقصور الجسم عن الانفعال للنفس لعدم الحس والحركة ، فمن زعم أن النفس قديمة ~~زعم أنه ترك النفس البدن كالرجل ارتحل عن بيت أضيف فيه إلى داره وعلى الرسم ~~المتقدم كمن لبس ثوبا حتى انقطع وتخرق عليه فسقط عنه الثوب وبقي عريانا ~~منكشفا ، والملك الموكل بالموت موكل بسبب الموت وهو سوق الآلام وبعث النفس ~~على الأسباب المهلكة ، فيكون الموت بواسطته ولا يبعد في العقل أن يكون ~~للنفس ملائكة تتلقاها بالسخط والبشرى كما شهدت به الظواهر. وأما هل الموت ~~كمال أو نقص؟ فحقيقة النقص الرجوع من الأعلى إلى الأدنى ، والكمال الارتقاء ~~من الأدنى إلى الأعلى فإن الإنسان إن كان يرتقي إلى الأعلى بسبب الموت فهو ~~كمال. وذلك أنه PageV01P081 # متردد في أطوار الخلقة من كونه ترابا وغذاء ثم نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم ~~لحما ثم عظما ثم تكون مولودا رضيعا ثم فطيما ثم غلاما ثم شابا ثم كهلا ~~وجاهلا عالما وجمادا ثم حيا مدركا ، وما من منزلة من هذه المنازل إذا ~~أضفناها إلى ما قبلها إلا وتجدها كمالا ، والإنسان لو جعل له عقل في بطن ms110 ~~أمه لما رضي أن يتبدل بما سواها وذلك للألفة وينشد لهذا : # لما تؤذن الدنيا به من صروفها %~% يكون بكاء الطفل ساعة يولد وإلا فما يبكيه منها وإنها %~% لأرحب مما كان فيه وأرغد إذا باشر الدنيا استهل كأنه %~% بما سوف يلقى من أذاها يهدد # فلو لا عدم الألفة ووحشة التبدل لما بكى والنفس خوارة ، بل الشيخ الكبير ~~على طول تجربته إذا رحل من داره إلى دار أخرى يجد ألما وسهرا وربما لم ينم ~~وكذلك الغريب وإنما كانت الغربة مؤلمة لعدم الألفة حتى قال الشاعر في ذلك : # وحبب أوطان الرجال اليهم %~% مآرب قضاها الشباب هنالكا إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم %~% عهود الصبا فحنوا لذلكا # وقال آخر : # أحب بلاد الله ما بين منعج %~% إلي وسلمى أن يصوب سحابها بلاد بها نيطت علي تمائمي %~% وأول أرض مس جلدي ترابها # وعلى الجملة : فعلوم الشريعة بأسرها في الأمر والنهي محذرة هذا المقام ~~ولذلك أمرت الرسل عليهم السلام الخلق بالإقبال عن الدنيا ورغب الزهاد في ترك ~~الوطن والأهل والولد ورغد العيش. قال عليه السلام : " كن في الدنيا كأنك ~~غريب أو عابر سبيل وعد نفسك في أهل القبور". وقال عليه السلام : " إنما ~~الدنيا كظل شجرة استظل الرجل بها ثم زال عنها وتركها" ، فالمقصد الرياضة ~~وتمرين النفس على الشدائد. وأن تمحى هذه الأمور عن النفس ، وأن تزال عنها ~~الألفة ، وأن تكتسب بغضا لهذه الأمور ، فإذا ماتت وإن استبسأت ما حصلت فيه ~~فلا تجد غيره فهي مضطرة إليه ، ثم لا تلبث إلا يسيرا وتفرح فرحا لا نهاية ~~له ، وإذا كانت وضرة ومشغوفة بالمال والولد والإقبال على الشهوات والعكوف ~~على الملاذ الدنيوية مع أنها سائقة إلى النفس مذهلا ومكربا وشاغلا عن الموت ~~، فإنه انتقال من ضد إلى ضد وهو هلكة فأمر الرب تعالى لطفا منه بالعباد أن ~~يكون للعبد بين الضدين تدريج ، وقد جعل تعالى لذلك مثلا ظاهرا في الحياة ~~الدنيا في الأزمنة ، فجعلها أربعة أقسام على ممر الشمس في بروجها ، فجعل ~~أعدل الأزمنة تنبت فيه الأجسام وتنمو فيه الناميات وتتلون الألوان ms111 وتخرج ~~الأرض زخرفها. وقد قال تعالى : ( @QUR@012 إنما مثل الحياة الدنيا كماء ~~أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض ) [يونس : 24]. فهذه المدة من ~~الزمان كحال النبات للإنسان والربيع لا يصير بهذه المنزلة PageV01P082 # إلا بزمن متقدم عليه وهي النقلة الشتوية فإنها باردة رطبة تنزل فيها ~~الأمطار وتسخن في الأرض وتختمر بها فهي كحال البداية للإنسان. فلو أن الله ~~تعالى يخرج الخلق من الشتاء إلى الصيف بغير فصل الربيع لهلكوا عن آخرهم ، ~~فإن الأبدان والنباتات استولى عليها البرد والرطوبة والنقلة الصيفية الغالب ~~عليها المستولى فيها الحر واليبس. فلو خرجوا من البرد المفرط إلى الحر ~~المفرط ومن الضد الذي هو الرطوبة إلى المضاد له وهو اليبس لكانت الهلكة. ~~لكن الله تعالى لحكمته فصل يفصل فيه تناسب الفصلين معا فأوله بالبرودة ~~وآخره بالحرارة على تدريج خفي لا تحس به الأجسام إلا بعد انقضائه ، وذلك ~~بمر الشمس على الثمان والعشرين منزلة في المنطقة الوسطى التي تجري فيها ~~الكواكب فلها مشرقان وهما منتهى تحركها في الأفق الشرقي ، في الطرفين ، ~~فإذا انتهت نهايتها فيكون الجنوب في الآخر ويكون الشتاء بذلك الأفق الأضعف. # فحينئذ شعاعها في المواضع يجذب البلة وتتصاعد به أبخرة البحار ، وينعكس ~~الحر في بطن الأرض ، ويسقط ورق الثمار لأن الماء ينجذب من أعاليها إلى ~~أسفلها من حيث إن الأبخرة الحارة ينفيها البرد من أعلى الأرض فتطلب المركز ~~، فإذا استحرت الأرض استدعت الرطوبات فجذبت ما في النباتات ، فإذا زالت ~~الرطوبات من الأوراق والأغصان غلب عليها اليبس فتكمشت وتساقطت ويكون الطرف ~~الثاني ، ثم إذا غلب عليه الحر واليبس فيكون القيظ كيفما انجذبت الشمس على ~~تدريج لأنها تقيم في كل برج شهرا وتقطع في كل يوم من البرج درجة والدرجة لا ~~تحس وهي تسير ، فكلما انجذبت زاد حرها وفي ازدياد حرها تسخن الأرض وتتحلل ~~الرطوبات وتسخن أغصان الأشجار من فوق ، فإذا استحر الغصن استدعى الماء وطلب ~~رطوبة الجزء الذي تحته ويستدعيه الذي تحته من الذي تحته حتى يقع الاستدعاء ~~من قاع الشجرة ، وتستدعيه الشجرة من الأرض الأرض بعضها من ms112 بعض ، فإذا حصل ~~الماء في العود أذابته الشمس وجرى في العود بطبخها وبما تستمد من لطيف ~~الماء ولطيف التراب يحيله الشمس ثمرة ، ثم تخرج ما في طبع ذلك العود من ~~الثمرة بإذن الله تعالى. # والشكل يخرج بطبعه الذي ركبه فيه الفاطر العليم بواسطة حر الشمس في ~~إقبالها وإدبارها ودخول الحر في الأرض عند إقبالها وإدبارها حسب ما تمر في ~~البروج ، فالشمس جعلها البارئ سبحانه سبب الحرث والنسل وهي علة النباتات ~~والحيوانات والمعادن ، إذ سبب المعادن أبخرة تحتقن في الأرض فيكون منها ~~أدخنة كبريتية ، فيمر عليها نشع الماء في الأرض فتعقده وهذا مبرهن عند ~~المشتغلين بعلوم التحليل والكيمياء ، فإنهم زعموا أن الزئبق ينعقد بإشمام ~~رائحة الكبريت وإمداده من خارج بأن يذاب ويطرح عليه أو يغلى ويترك فيه. ثم ~~عند اجتماع الماء والكبريت تكون مادة الجوهر في الأرض ، إما باعتدال امتزاج ~~وصبغ فيكون منه الذهب. أو بإفراط فيكون منه النحاس ، أو بتقصير خفيف فتكون ~~منه الفضة. هذه الحركة الشمسية متعلقة بالحركة الشرقية ، ومثال ذلك الرحى ~~مع قطبها ، فإن القطب يقطع شبرا في شبر PageV01P083 # وآخر دائرة الحجر تقطع خمسة أشبار أو أكثر في الاستدارة ، فكذا الطواحين ~~وكذلك الدوائر والسواقي ، فإن الدائرة العظمى المحركة للأحجار التي تدور ~~بحركة الماء تقطع ما مسافته في الاستدارة عشرون ذراعا أو أكثر ، ورأس ~~المغزل يقطع على استدارة دور الدينار والمدة واحدة ، وكذلك برهن أصحاب ~~النظر في علم الأثقال والمقادير أن الحركة الكلية هي سبب حركة الأفلاك ~~وأنها واحدة ، وكذلك نشاهد الثانية (هي الساقية) يدور الحمار فيها إلى جهة ~~ويختلف دوران تلك الدوائر ، فالحمار يقطع على استدارة والقوس الأعظم الذي ~~يكون عليه الطونس يقطع على استدارة في جهة أخرى ، ودوائر أخر تقطع في جهة أخرى. # قالوا : ولما كانت الشمس حارة نارية الجوهر جعلت الحكمة الإلهية والتقدير ~~الرباني لها نظيرا على مضادة طبعها إذ لو دام الحر المفرط لأحرق فسخن الله ~~تعالى القمر يمر ببرده فيبرد ما استحر فيكون النامي معتدلا بينهما ، ثم ~~جعلت حركته سريعة لأن حركته لو ساوت ms113 حركة الشمس لما وصل نفعه إلى الناميات ~~إلا بعد فسادها ، وكذلك أيضا لم يصل حر الشمس إلا بعد فسادها انفعل عنه ~~وكانت حركته سريعة. قال الله تعالى : ( @QUR@07 هو الذي جعل الشمس ضياء ~~والقمر نورا ) [يونس : 5]. وهذا أيضا غرض آخر يخص النفوس الحية ، فإن الشمس ~~هي النور الذي به تخرج الحيوان من القوة إلى الفعل ولها في النفوس البشرية ~~تأثير بديع ، فبالنور قوام الكل وجعل القمر مرآة يقبل ضياءها بالليل ويعيده ~~على الخلق حتى لا يفقدونه ليلهم ولا نهارهم. وربما توهم المتوهم أن الأفق ~~قد يخلو من نور الشمس وهذا توهم فاسد ، والأفق معمور بأنوار الشمس ~~والسماوات والأرض لا تغيب عنها طرفة عين ، وإنما ينكر الناس ذلك بالإضافة ~~إلى حالهم في كون الشمس في مقابلتهم على وجه أفقهم إذ يكون النور في ~~عنفوانه كثيرا ، فلا يزال القرص يبعد عن أرضهم وتقل الأنوار ، فحال النور ~~عند العصر بخلاف حاله عند الظهر ، وحاله عند المغرب بخلاف حاله عند العصر ، ~~وحاله عند مغيب الشفق بخلاف حاله عند المغرب ، وحاله نصف الليل بخلاف حاله ~~عند مغيب الشفق. وهو أبعد ما يكون النور من ذلك الأفق ، ولذلك تكون الظلمة ~~وتضعف رؤيته للإنسان في ذلك الوقت ، ولكن مع ذلك إذا لم يكن بينه وبين ~~السماء حائل من سقف أو سحاب يبصر ، فإن النور لا ينعدم وهو مع ضعفه ينتفع ~~به ، فإن نور الكواكب مع الشمس وهي واقعة على الأرض ، فإذا قربت الشمس من ~~جهة المشرق زاد النور من جهة المشرق فلا تزال كذلك حتى تشتد فيكون فجرا ~~أولا ، فإذا كثر كان فجرا ثانيا ، فإذا تزايد كان إسفارا ، فإذا طلع القرص ~~كان نهارا. # وأما في الليالي المقمرة فيكبر جرم القمر ولقربه من الأرض يتسع النور فيه ~~وينعكس أو بعده منها ، وإذا كان منها على أربع عشرة منزلة كان ضوءه. قالوا ~~: وفي خاصية القمر جذب الرطوبات والشمس تحلل وهذه الكواكب إنما تؤثر في ~~العناصر الدائرة بالأرض لأنها تناسبها في اللطافة وتقرب من المنفعلات من ~~وجهة أخرى ، فهي واسطة بين ms114 الحيوانات والنباتات PageV01P084 # والمعادن تناسب الكواكب بالبساطة والمنفعلات بالكثافة ، وقد قالوا : إن ~~المنفعلات تنفعل من هذه العناصر وإن الحيوانات والمعادن هي أنفس الهواء ~~والماء والنار والأرض ، لكنهم قالوا ذلك إنما يكون على طريق الدور ، فإذا ~~تكونت ثم فسدت عادت عناصر فهي يستحيل بعضها إلى بعض ، ولذلك قالوا سمي عالم ~~الكون والفساد. ولا يبعد أن تكون شعاعات الكواكب هي المؤثرة ، وهذه العناصر ~~واسعة بين المؤثرات وبينها ، والله تعالى أعلم. فإنها أبعد عن قبول الفساد ~~، وآية ذلك أن شعاعات الكواكب هي من الشمس ومن أنفسها أيضا فلو كانت تنقص ~~أو تزيد لقبلت الكون والفساد ولظهر ذلك عليها. # وقد زعم القدماء أن النار المحدقة بالأرض إنما هي من الأدخنة والقتارات ~~الصاعدة والأهوية المحرقة والهواء من البخارات المتحللة من الأرض والماء ~~على حسب ما تكلموا على ذلك في استقصاءات ، وأيضا فلا يتجه أن تتحرك هذه ~~العناصر دون مباشرة وذلك عند هبوب الرياح وتموج الهواء والله أعلم. # وقد ذكر القدماء أن الأمطار والثلوج والرياح إنما تكون حسب ما تكون ~~النيرات في مواضع مخصوصة من بروج مخصوصة ، فلتكن أشعتها التابعة لحركتها هي ~~الممتزجة لهذه العناصر المحركة لها ، ثم لنفوس النيرات محركات حسب ما تتحرك ~~وتترقى في الحركة إلى الحركة الكلية كما سبق. وقد زعم الأوائل أن تلك ~~الحركة عن شوق واختيار عقلي مستند إلى مشيئة البارئ تعالى وإرادته فهو ~~البارئ المبدع الخالق المصور لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في ~~الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين ، فهو مرتب الكل أحسن ~~ترتيب ومقدره أكمل تقدير ، والكل متصرفون جارون على منهاج ذلك الترتيب ~~المحكم والتقدير المتقن لا يزيد ذرة ولا ينقص ذرة ، كذلك ينقرض الأولون ~~ويتبعهم الآخرون والسماء كما هي ونجومها ، والأرض بما فيها من الحيوانات ~~والنباتات وغير ذلك لم تطرأ عليها شيء ينكرونه ، ولا تزال كذلك حتى يعيده ~~بارئه تعالى تارة أخرى كما بدأ حيث قال تعالى : ( @QUR@03 كما بدأكم تعودون ~~) [الأعراف : 29]. فالعالم بأسره كالشخص الإنسي البشري ذو عمر ومبدأ وآخر ، ~~وقد ms115 تقدم مرارا أن الله سبحانه خلق الإنسان على صورة العالم ، فأوله بشر ~~ضعيف على تدريج كما سبق في المعراج الأول. # فأول ما يخلق الله تعالى مادة يتكون منها ، ثم يخلق فيه الروح الحيواني ~~ولا يزال تدريج فيه قليلا قليلا وكذلك النفس الناطقة فيه تظهر قواها شيئا ~~فشيئا ، فأضعفها حالة الرضيع لا يزال ينمو إلى أن يشب فتخلق له الأوهام ~~والظنون فتكون عنده كالقوة العقلية ، فإذا كبر قليلا خلقت فيه القوة ~~الهيولانية وهو العقل الغريزي وهي المبادي الأول ، وهذا في العادة من ~~الخمسة عشر إلى الثمانية عشر عاما ، ثم لا تزال كذلك حتى يخلق فيه العقل ~~النظري وهو أن يدرك الأمور الجائزة والمستحيلة فهي كعيون تفتح في قلبه ، ~~ومثاله الإنسان في بيت مظلم فإذا قابله السراج على بعد PageV01P085 # نظر نظرا ضعيفا فلا يزال السراج يقرب منه ونظره يكثر إلى أن يتصل به ~~فيقوى نظره نظرا كليا ، فلو اتفق أن يتخذ السراج به حتى يكون في دماغه ~~ملابسا لقواه لكان أكثر ، فكذلك فافهم أن القوة النفسية لا تزال تتزايد إلى ~~ما لا نهاية ، فليميز ما بين النبي والصبي من الدرجات فالنفس آخذة في ~~الكمال من حين تخلق إلى حين موتها ، فالموت إذا كمال الأجسام لأن النفوس ~~تنزع المادة وتلحق بأفق الملائكة وهي الجنة العليا وهي جنة الملائكة ، فإن ~~كانت نفسا شقية كان كمالا باعتبار تخليصها عن المادة ونقصانا من حيث تتخلف ~~عن الجنبة العليل فلا تزال كئيبة حزينة على جسمها وملاذها وحواسها ، فإنها ~~لم تعهد تركه قط ولم ترتض ذاتها على ترك الملاذ وكانت حين نزعها كثيبة على ~~البدن فلا تزال في حسرة وندامة وألم ونهش وعقارب وحيات وسلاسل وأغلال أبد ~~الآبدين ودهر الداهرين إلا من شاء ربك ( @QUR@09 إلا ما شاء ربك إن ربك ~~فعال لما يريد ) [هود : 107]. فإذا واجب على كل من رزقه الله تعالى عقلا ~~وميز بارئه ونفسه أن يسعى في حيلة الخلاص وليكن في أثناء الحيل الدنيوية ~~والأخروية وذلك هو السعيد المطلق ، وليكن في الدنيا كمن امتحنه سلطان زمانه ms116 ~~وبعثه إلى أرض يكرهها ويكره أهلها وأغذيتهم ولغتهم ، فإذا حصل بينهم علم ~~أنه متى اعتزلهم وتركهم قتلوه وعذبوه ، وإن خالطهم كفوا عنه فيكون أبدا ~~يعاملهم بظاهرة فيكلمهم ويأكل معهم ، ولكن قلبه وهمته وعشقه لقطره الذي خرج ~~منه ، فإذا أخرجه الملك من بينهم ورده إلى قطره كان فرحا على مفارقتهم ~~مسرورا لقطره ، فلو عكف عليهم وصرف همته إليهم ثم بعث إليه لكان خروجه ~~خروجا كدرا ، فإنه ربما عشق نساءهم وسيرتهم فلا يزال معذبا وهذا غاية ~~البيان في معنى الموت ، وقد فهمت العالم بأسره وحقائقه فإن أنت استعملت ~~ذهنك وفكرتك حتى انفهم لك ذلك كنت ربانيا ونعم العبد لبارئك ، وناسبت ~~الملائكة فوقعت المحبة والألفة بينكما ، وإن أنت لم تعبأ به ولم تعول عليه ~~أو علمت ظاهره دون باطنه فما أقل نفعك به وما أعظم حسرتك. أعاذنا الله ~~وإياك من ذلك هذا تمام السبعة المعارج التي تستعمل فيها القوة الفكرية وهي ~~نهاية الغرض الذي أوردناه ، وربما تقربنا إلى الله تعالى ورغبنا فيما عنده ~~في أن ننبه على الأشياء التي تكون ميزانا ومرآة للقوة المفكرة حتى لا تغلط ~~في أكثر تصرفاتها ، فإن خلاف الناس قد كثر ومذاهبهم جمة لا تنحصر ، ومن عول ~~على أخذ العلم عن إمام لا سيما مذهب الإمامية ، فإنهم زعموا أن الأرض لا ~~تخلو طرفة عين من إمام قائم لله تعالى بحجة يخرج الخلق من التخمين إلى ~~اليقين وينجيهم من ظلمات الشكوك ، فعلى مذهبهم لا يضر إن سافر الإنسان عن ~~الإمام وزال عن بلده والمسائل أبدا لا تنحصر ، فيحتاج أن يراجعه في كل دقيق ~~وجليل. وحق هذا التنبيه أن يكون مستقبلا بنفسه مستوعبا في أسفار كثيرة ~~ومجلدات عديدة ، ولكن صادفت بالرغبة أيها الأخ قلبا مشتغلا مشتبك الفكر ~~ولسانا كليلا قد تخمر بين أمور متنافرة وبقي معلقا بين الدنيا والآخرة ، ~~فإن تلافاه الله سبحانه بدعاء الصلحاء وضراعة الأصدقاء والأصفياء ، وإلا قل ~~أشياؤه وعاش معيشة ضنكا في دنياه ، والله سبحانه ينفع بعضا ببعض بعزته. PageV01P086 ### ||| * السعادة ضربان سعادة مطلقة وسعادة مقيدة # فأما السعادة المطلقة ms117 ، ما اتصلت في الدنيا إلى ما لا نهاية له. والمقيدة ~~، ما كانت مقصورة على حال أو زمان. وكل سعادة فبسبب والسبب من أنواع الحجج ~~، فأما السعادة المقيدة فتحصل بأربعة أسباب : أعلى الأسباب العلمية احترازا ~~عن الحرف والصناعات وهي إما سفسطة ، وإما خطابة ، وإما جدل ، وإما شعر ، ~~أما السفسطة فنهايتها وغرضها لا مقصودها أن تؤلف قياسا وتنظم حجة تشبه الحق ~~، وليست بحق بنفسها لتغلب خصمك من حيث لا يشعر ، كما أنك إذا قلت : أليس ~~النجار صانعا ، فيقول : نعم ، فتقول : أليس هو جسما؟ فيقول : أليس البارئ ~~سبحانه صانعا؟ فتقول : نعم ، فيقول : فهو إذا جسم. فهذا قياس مؤلف ولكنه ~~فاسد وسفسطة ومباهتة ، ودخل من الفساد قوله : فكل صانع جسم فإنه خطأ ، وإلا ~~فما الدليل عليه؟ فنهاية سعادة هذا التمويه على الخصم وهي منقسمة إلى ~~التلبيس في النظم كما قدمناه ، وإلى التلبيس في شبه الحروف والأسماء ، كما ~~إذا قلت : العين تبصر والدينار عين فالدينار يبصر فهذا غلط من جهة اشتراك ~~الاسم وحده أن تقول حد الدينار غير حد العين فهما مختلفان في الحد والحقيقة ~~، وكذلك في النقط مثل قوله تعالى : ( @QUR@05 عذابي أصيب به من أشاء ) ~~[الأعراف : 156]. ومن أساء ، واستيعاب هذا يحتاج إلى مجلدة ، وأما الخطابة ~~، فغرضها إقناع للسامع بما تسكن نفسه إليه سكونا تاما من غير أن تبلغ ~~اليقين ، وهذا كما يفعله الخطيب من الناس ، فإنه ينظم كلاما عذبا مشجعا ~~يذكرهم الموت ويفزعهم ويخوفهم ، وغرضه الإيقاع في نفسهم. وأما الشاعر ، ~~فغرضه الإيقاع في النفس وتحريك القوة الشهوانية والغضبية بأن يشبه الأشياء ~~بعضها ببعض كقول القائل: # هو البحر غص فيه إذا كان راكدا %~% على الدر واحذره إذا كان مزبدا # فهذا إذا سمعه الممدوح انبسطت له نفسه ، لأنه شبه جوده واتساعه بالبحر ، ~~وأنه ذو صولة كالبحر ، وقد يحرك الشاعر القوة الغضبية كقول القائل : # لو كان يخفى عن الرحمن خافية %~% من العباد خفت عنه بنو أسد # وكقول بعض الشعراء ينفر زوجته عن النكاح : # فلا تنكحي إن فرق الدهر بيننا %~% أغم القفا والوجه جعد الأنامل # حتى أن الإنسان ms118 يشبه له الشيء الحسن بالقبيح فينافره ، كما إذا قيل له ~~وقد شرب في محجمته خرجت من كور الزجاج فيقال له بها يمص الدم للمجذوم ~~والمبروص فينافرها ولا يشرب بها ، وكما إذا أرسل عليه حبل ثم قيل له : عليك ~~نفر ، وقيل له : إن هذا العسل أصفر كأنه عذرة نفر من ذلك واستبشعه ، فهذا ~~غرض الخطابة والشعر ، وأما الجدل فغايته غلبة من يخاطبه بأشياء مشهورة كما ~~قال تعالى لليهود : ( @QUR@013 إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس ~~فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ) [الجمعة : 6]. فإنه علم في العادة أن المحب ~~يحب لقاء الحبيب ، PageV01P087 # وتأليف القياس فيه أن يقال : إن كنت تحب لقاء زيد فأنت صديقه لكنك تحب ~~لقاءه فأنت إذا صديقه ، فيجيء البيان فيه على وفق المقدمة. ونظم القياس ~~لليهود أن يقال : إن كان اليهودي يحب لقاء الله تعالى فهو ولي ، لكنه يكره ~~لقاء الله تعالى فإذا ليس هو بولي ، وكما قال إبراهيم عليه السلام للذي حاجه ~~( @QUR@010 فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب ). فغاية ~~هذه العلوم موقوفة على منافع دنيوية إلا أن تصرف إلى الآخرة ، كما فعلت ~~الأنبياء عليهم السلام في خطاباتهم وجدلهم ، فالدنيا ركاب الآخرة وهي مضرة ~~إذا طلبت لنفسها ، ونافعة إذا طلبت للآخرة فإذا مقدار سعادة هذه العلوم ما ~~يقصد مقدار بها. # وأما العلوم التي يطلب بها السعادة العلمية النافعة فتنقسم إلى أربعة ~~أقسام : طبيعية ورياضية وسياسية وإلهية ، والغرض بالطبيعية معرفة العالم ~~وتركيبه ومزاجه ومعرفة النباتات والحيوان والمعادن والأمراض والأمزجة ~~وصلاحها وفسادها ، وهو خادم معين كالخبز والغذاء للإنسان وكذلك هو مع تلك ~~العلوم. # وأما الرياضيات فأربعة أنواع : الهندسة والحساب والمنطق والنجوم فأما ~~الهندسة : فمقصودها معرفة الأطوال والكميات والمقادير وهي آلة يستعان بها. ~~والحساب غرضه معلوم. والمنطق غرضه تمييز الأمور العقلية من المحسوسات ~~وتمييز البرهان من الشك في الاعتقاد. وأما علم النجوم فمقصوده معرفة ~~الأفلاك وحركاتها وكواكبها وسائر أحكامها ، وفائدته معرفة الكائنات. # وأما الإلهيات فمقصوده أربعة أشياء العلم بالله سبحانه وملائكته وكتبه ~~ورسله واليوم الآخر. # وأما السياسة فمقصوده ms119 تهذيب النفس في جلب منفعة ودفع مضرة ما عاجلة. ~~والخلق مع سائر هذه العلوم وهي معهم إما كالغذاء لهم وإما كالدواء والرسل ~~مبعوثون لتبيين الجميع ومقاديرها في السعادة على ما ذكرنا لكن تختلف أشخاص ~~الناس وحالاتهم على اختلاف قرائحهم وغرائزهم ومقدار قبولهم وعقولهم ~~والتقسيم يأتي على هذه النسبة فنقول : أما ما هو كالغذاء فكالعلوم الإلهية ~~فلا غناء بأحد منها فإن سائر هذه العلوم دورانها على بيانه والخالق هو ~~الأصل ولا حال لمن جهل باريه وأما ما هو كالدواء فيخص ويعم في بعض العلوم ~~السياسية وهي ما تعلق منها بفروض الأعيان ، فعلى كل شخص أن يعرف هذا في ~~العلم السياسي ، وأما في غيره من العلوم فيستعمل الإنسان منه مقدار حاجته ~~إن احتاج إليه ، وإلا فالاشتغال بما يفيد أحسن إذ الإنسان ذو شغل كثير. ~~وأما ما هو كالداء فهو يضر بالنسبة إلى حالات الأشخاص وهو كل شيء متى ~~أوصلناه إلى شخص وجدناه يضربه فهو دواء في حقه ، فإن العسل وإن كان حلوا ~~عند من أفرط عليه البلغم ، فهو مر عند من أفرطت عليه المرة الصفراء إذ هو ~~في حقه داء. والعلوم إنما هي بالإضافة فلقد يوجد الله تعالى : # خلق تضر الحقائق بهم %~% كما تضر رياح الورد بالجعل # وقد قال صلى الله عليه وسلم : «حدثوا الناس بما يفهمون». وقال عيسى ~~عليه السلام : لا تعلقوا الدر في أعناق PageV01P088 # الخنازير : # فمن منح الجهال علما أضاعه %~% ومن منع المستوجبين فقد ظلم # فإن قلت : هذا لا شك فيه غير أن العلوم الإلهية يختلف فيها وقد كثرت فرق ~~الإسلاميين فعلى رأي من أعول. فاعلم يا أخي أنك متى كنت ذاهبا إلى تعرف ~~الحق بالرجال من غير أن تتكل على بصيرتك فقد ضل سعيك ، فإن العالم من ~~الرجال إنما هو كالشمس أو كالسراج يعطي الضوء ، ثم انظر ببصرك فإن كنت أعمى ~~فما يغني عنك السراج والشمس فمن عول على التقليد هلك هلاكا مطلقا. # فإن قلت : فكيف الخلاص فيه؟ فهذا الآن حديث يطول ويحتاج إلى إطناب وإسهاب ~~، وقد أعلمتك أني ms120 مشتغل مبدد لشمل النفس كليل الخاطر ، ولكن لتعلم أن ~~الأوصاف الراجعة إلى الله تعالى تنقسم إلى ثلاثة أقسام : إما وصف يجب له ، ~~وإما مستحيل عليه ، وإما جائز في حكمه فلا يتلقف أحد الجائزين بسبب إلا من ~~جهة الرسول صلى الله عليه وسلم فكل واجب ، أو مستحيل فخذه من جهة العقل. # فإن قلت : ذلك اطلب فمن أين آخذه وكيف أتوصل إليه؟ فأقول : سأبين لك منه ~~مقدارا يليق بهذه العجالة. # فإن قلت : وكيف أصنع أيضا في فروع الأحكام وهي الأمور السياسية ، فقد ~~اختلفت الأئمة كمالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم؟ فأقول : فإذا ~~الاشكال من جهة الخلاف في أصول الدين وفروعه ، وقد كشف العي في أصول الدين ~~ووعدتك بالباقي ، وأما الخلاف في الفروع فلك فيه حيلتان : إحداهما أن تعرف ~~أصول الفقه وأحكام الشريعة معرفة دون تقليل ، ثم تعمل بما علمته وتترك ~~الناس جانبا خالفت أو وافقت فهذه حيلة وقد جعلت في ذلك كتابا سميته (برسالة ~~الأقطاب) تختص بأصول الفقه خاصة على الطريق البرهاني ، فإن شئت فاحفظها ~~واحفظ أحكام الحديث والسنة أو تكون عندك كتبها وذلك منحصر في ثلاثة أسفار : ~~أما أحكام الحديث فقد جمعها الزبدوني وأحكمها الفرائض لإسماعيل القاضي ~~وغيره ، وأحكمها الأحكام لأبي الحسن الطبري الملقب بشفاء العليل ، وبأصول ~~الفقه تهتدي إلى ما غاب عنك. فإن تعذر هذا عليك فعليك بجملة ثانية وهو أن ~~تنظر كل مختلف فتصير إلى الطرف الأكمل. مثال ذلك مذهب أبي حنيفة في التوضؤ ~~بالنبيذ ، فاستعمل أنت مذهب مالك في تركه فهو أحوط ، وكذلك مذهب الشافعي في ~~التوجيه والبسملة وقراءة أم القرآن في الصلاة فاستعمله فهو أحوط من مذهب ~~مالك فيه ، فهاتان حيلتان لطريق الكمال. فإن عجزت عنهما فعليك بتقليد إمام ~~واحد فاعمل على مذهبه ، فإحكام الظاهر يسير الخطب قد فهمت هذا وإنما المشكل ~~علي هو أمر الأمور العقلية حتى أميز فيها الحق من الباطل ، فقد علمت من هذا ~~طريق الخلاص في الفروع ، فاعلم أن الأمور التي تخوض فيها قوة المفكرة ترجع ~~إلى أربعة أقسام : معقولات PageV01P089 # ومحسوسات ومقبولات ومشهورات. ms121 # فأما المعقولات : فما لا يدرك إلا بالعقل على التجريد كعلمنا أن الضدين ~~لا يجتمعان ، وأن الشيء لا يصح أن يكون متحركا ساكنا في حال واحدة وأن ~~الواحد قبل الاثنين ، وأن الحادث له أول وأن ما كان مع الحوادث معية زمانية ~~فهو حادث فكل ما لا تدريه إلا من جهة العقل. # وأما المحسوسات : فما تدريه من جهة الحواس الخمس كالفرق بين الألوان ~~والفرق بين الطعوم وبين الملموسات ، والفرق بين المسموعات ، والفرق بين ~~المشمومات ، والفرق بين المذوقات. # وأما المشهورات : فهي العادات الراجعة إلى عادات الخلق والبلاد والأمم ~~والأزمنة ، كعادة الناس في اللباس والفرح والأغاني والأحاديث والسير ~~الكريمة كترك الظلم وبر الوالدين وشكر المنعم والكف عن الجار والنصفة من ~~الظالم وإفشاء السلام التي هي الآن متممات الأحكام الشرعية ، وهي من قبل ~~الرسل تعقل. وقد كانت العرب وسائر الأمم السالفة كالهند وغيرهم يستنون ~~بذلك. وعلى الجملة : لكل أمة ملك يحمي من الظلم وبذلك قوام العالم. # أما المقبولات : فما أخذ من طريق الأخبار وهو كل ما يخبر به العدل الثقة ~~أو الثقات فمتى ورد عليك شيء من أي علم كان وفرع سمعك ، أو أورد عليك فانظر ~~وسل من أي قبيل هو من هذه الأربعة أقسام. فأما العقليات فلا تتبدل أحكامها ~~عما هي عليه في العقل. والمحسوسات لا تتبدل ولكن يتطرق إليها الغلط بآفات ~~تحدث في الآلات الجسمانية. # وأما المقبولات والمشهورات ، فغير موثوق بها فإنها تختلف باختلاف الأمم ~~والبلاد وحالات الأشخاص ، فألحق كل قبيل بقبيله وميزه من سواه فلا تغلط أبد ~~الآباد ، فما قام عندك من دليل عقل أو حس على شيء وتصححت أجزاء حده وبرهانه ~~وتبرهن لك البرهان على صحة تلك الأجزاء والبرهان تبرهن به على مطلوبك فهو ~~برهان حق ، وما ورد عليك مما سوى ذلك فأنزله على مرتبته فلا تعد شيئا من ~~حده ولا تجعل المقبول معقولا ولا المعقول مقبولا ولا المشهور محسوسا ولا ~~المحسوس مشهورا. ثم انظر كيف مأخذ المقبول مثل أن القرآن معجزة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ، فتعلم قطعا أن ms122 هذا القرآن مأخوذ عن نبينا محمد ~~صلى الله عليه وسلم ابن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم الكائن بمكة ~~صلى الله عليه وسلم ، وكذلك تعلم وجوده وسيرته المستفيضة. # وأما الأحكام ، فمآخذها مقبولة ولا يلزم أن تبرهن لنا لأن الخلق محتاجون ~~إليها ، ولو أدركوا الأحكام بعقولهم لما كانت فائدة الرسول صلى الله عليه وسلم ~~، وإذا لم يكن في عقولهم استقلال بها أولا فكذلك آخرا إذا اتصلت بهم ، ~~فلذلك لم يطلب أن يقوم على الأحكام برهان. # وهذا منتهى ما أردنا أن نشير به من المدخل إلى العلوم الإلهية وننبه به ~~على الأسرار الروحانية فإن ساعد الدهر السليم ، والغريزة المعتدلة على ~~إلحاق ما في معناه به كفي PageV01P090 # المسترشد وإلا تشوق إلى المطالعة ، والرب تبارك وتعالى المسئول أن يلم ~~الشعث ويجبر الصدع وينير البصيرة ويجري على اللسان الصدق ويختم بالخير ، ~~ويجعلنا به وله فيما نأتي ونذر ، وأن يتجاوز عنا إذا وفدنا إليه محتاجين ~~إلى عفوه ، فقراء إلى فضله ، منقطعين عن الأهل والوطن ، مخلفين الأبناء ، ~~مبعدين عن الآباء. قد حيل بيننا وبين القريب والصاحب ونفانا الموالي ~~والأقارب ، إذا برقت العين وجفت الشفة ويبست القدم وحيث لا ينطقون ولا يؤذن ~~لهم فيعتذرون. لا يستجيب لمن دعاه لا يرى شق الجيوب عليه حين وفاته. أذكركم ~~الله تعالى إخواني وأوصيكم به فكونوا به ولا تغرنكم الحياة الدنيا ولا ~~يغرنكم بالله الغرور. ثم الصلاة والسلام على نبي الرحمة وشفيع الأمة محمد ~~صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ، والحمد لله رب العالمين. PageV01P091 ### ||| * روضة الطالبين ### ||| * و ### ||| * عمدة السالكين PageV01P092 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * خطبة الكتاب # قال الشيخ الإمام العالم العلامة الأوحد حجة الإسلام أبو حامد محمد بن ~~محمد بن محمد الغزالي الطوسي تغمده الله برحمته ورضوانه وأسكنه فسيح جناته : # الحمد لله الذي أحرق قلوب أوليائه بنيران محبته ، واستوفى هممهم وأرواحهم ~~بالشوق إلى لقائه ومشاهدته ، ووقف أبصارهم وبصائرهم على ملاحظة جمال حضرته ~~حتى أصبحوا من نسيم روح الوصال سكرى وأصبحت قلوبهم من ملاحظة الجلال ~~والهيبة حيرى ، فلم يروا في الكونين ms123 إلا إياه ، وإن سنحت لأبصارهم صور عبرت ~~إلى المصور بصائرهم ، وإن قرعت أسماعهم نغمة سبقت إلى المحبوب سرائرهم ، ~~وإن ورد عليهم صوت مزعج أو مقلق أو مطرب أو محزن أو مهيج أو مشوق لم يكن ~~انزعاجهم إلا إليه ولا طربهم إلا به ، ولا قلقهم إلا عليه ، ولا حزنهم إلا ~~فيه ، ولا شوقهم إلا إلى ما لديه ، ولا انبعاثهم إلا له ، ولا ترددهم إلا ~~حواليه فمنه سماعهم ، وإليه استماعهم فقد أقفل عن غيره أبصارهم وأسماعهم. ~~أولئك الذين اصطفاهم لولايته واستخلصهم من بين أصفيائه وخاصته ، وصلى الله ~~على المبعوث برسالته وعلى آله وأصحابه أئمة الحق وقادته وسلم تسليما. # أما بعد : فقد ألفت هذا الكتاب ليتمسك به طالب الحق ويستعين به على سلوكه ~~إن شاء الله تعالى ، وأستعين في ذلك بالله تعالى من الخلل والزلل وهو خير ~~ناصر ومعين وإياه أسأل أن ينفع به إنه قريب مجيب وسميته : (روضة الطالبين ~~وعمدة السالكين) وفيه أبواب ومقدمة وفصول : |الباب الأول : |في بيان أركان الدين. | |الباب الثاني : |في بيان معنى الأدب. | |الباب الثالث : |في بيان معنى السلوك والتصوف. | |الباب الرابع : |في بيان الوصول والوصال. | |الباب الخامس : |في بيان معنى التوحيد والمعرفة. | |الباب السادس : |في بيان النفس والروح والقلب والعقل. | |الباب السابع : |في بيان معنى المحبة. | |الباب الثامن : |في بيان معنى الأنس بالله تعالى. | PageV01P093 |الباب التاسع : |في بيان معنى الحياء والمراقبة. | |الباب العاشر : |في بيان معنى القرب. | |الباب الحادي عشر : |في بيان شرف العلم ووجوب طلبه. | |الباب الثاني عشر : |في بيان معنى الأسماء الحسنى. | |الباب الثالث عشر : |في بيان الاعتقاد والتمسك بعقيدة صحيحة. | |الباب الرابع عشر : |في بيان صفات الله تعالى. | |الباب الخامس عشر : |في بيان معنى حقيقة الإخلاص. | |الباب السادس عشر : |في الرد على من أجاز الصغائر على النبي صلى الله عليه وسلم . | |الباب السابع عشر : |في بيان الخواطر وأقسامها. | |الباب الثامن عشر : |في بيان معنى آفات اللسان. | |الباب التاسع عشر : |في البطن وحفظه. | |الباب العشرون : |في بيان الشيطان ومخادعاته. | |الباب الحادي والعشرون : |في بيان ما ms124 تجب رعايته. | |الباب الثاني والعشرون : |في بيان معنى حسن الخلق وسوئه. | |الباب الثالث والعشرون : |في بيان معنى الفكر. | |الباب الرابع والعشرون : |في بيان معنى التوبة. | |الباب الخامس والعشرون : |في بيان الصبر. | |الباب السادس والعشرون : |في بيان الخوف. | |الباب السابع والعشرون : |في بيان الرجاء. | |الباب الثامن والعشرون : |في بيان الفقر. | |الباب التاسع والعشرون : |في بيان الزهد. | |الباب الثلاثون : |في بيان المحاسبة. | |الباب الحادي والثلاثون : |في بيان الشكر. | |الباب الثاني والثلاثون : |في بيان التوكل. | |الباب الثالث والثلاثون : |في النية. | |الباب الرابع والثلاثون : |في بيان الصدق. | PageV01P094 |الباب الخامس والثلاثون : |في بيان الرضا. | |الباب السادس والثلاثون : |في بيان النهي عن الغيبة. | |الباب السابع والثلاثون : |في بيان الفتوة. | |الباب الثامن والثلاثون : |في بيان مكارم الأخلاق. | |الباب التاسع والثلاثون : |في بيان القناعة. | |الباب الأربعون : |في بيان السائل. | |الباب الحادي والأربعون : |في الشفقة على خلق الله تعالى. | |الباب الثاني والأربعون : |في بيان آفة الذنوب. | |الباب الثالث والأربعون : |في صفة صلاة أهل القرب. | ### ||| * المقدمة في تمهيد الكتاب # اعلم أن انقطاع الخلق عن الحق بوقوفهم مع الخلق ومع أنفسهم ورؤيتهم ~~أفعالهم وانحرافهم عن العقيدة الصحيحة باختلاف أهويتهم التي نفوس البشر ~~مجبولة عليها وحب الجاه والمال والدنيا والرئاسة والشهرة وطول الأمل ~~والتسويف والشح والهوى والعجب وفحش أغذيتهم من المطعم والمشرب والملبس ~~وفساد دنياهم وغلبة الشهوات النفسانية على قلوبهم. وترك مجاهدة النفس ~~وإهمالها ترفع في شهواتها ورعونتها والتزين للناس والتلبس بالأوصاف ~~المذمومة نحو الغل والحقد والحسد والجهل والحمق والرياء والنفاق ، وانبعاث ~~الجوارح في غير طاعة الله تعالى كالعين والسمع واللسان واليد والرجل : ( ~~@QUR@05 كل أولئك كان عنه مسؤلا ) [الإسراء : 36]. والكسل والبلادة والغفلة ~~وغير ذلك مما يبعد عن الله تعالى. ### ||| * فصل في أن ما سوى الحق حجاب عنه # اعلم أن الوقوف مع الخلق والنفس حجاب عن الحق ورؤية الأفعال شرك ، لأن ~~أفعال العباد مضافة الى الله تعالى خلقا وإيجادا والى العبد كسبا ليثاب على ~~الطاعة ويعاقب على المعصية ، فحين تعلق العبد بشيء ما يوجده الاقتدار ~~الإلهي يسمى كسبا. هذا مذهب أهل السنة ، فقدرة ms125 العبد عند مباشرة العمل لا ~~قبله فحينما يباشر العمل يخلق الله تعالى له اقتدارا عند مباشرته فيسمى ~~كسبا. فمن نسب المشيئة والكسب الى نفسه فهو قدري ، ومن نفاهما عن نفسه فهو ~~جبري ، ومن نسب المشيئة الى الله تعالى والكسب الى العبد فهو سني صوفي رشيد ~~، وفيه كلام طويل ليس هذا موضعه ، سيأتي قريبا إن شاء الله تعالى. # وأما الانحراف عن العقيدة الصحيحة ، فلغلبة الأهواء على القلوب والتعصب ~~لمذهب أهل البدع. قال بعض الأئمة : رب أقوام تنجيهم عقائدهم مع قلة عملهم ، ~~ورب أقوام تهلكهم عقائدهم PageV01P095 # مع كثرة عملهم ، وحب الجاه والمال والدنيا سم قاتل ، والرئاسة والشهرة ~~يورثان الكبر والدخول في الدنيا وهما فساد الدين. قال بعضهم : ما عملت عملا ~~واطلع عليه الناس إلا أسقطته. # وأما طول الأمل : فإنه يمنع من حسن العمل ويصد عن الحق والتسويف من أعظم ~~جنود الشيطان ، وأما الشح والهوى وإعجاب المرء بنفسه : فهن من المهلكات ... # وأما فحش الغذاء : فإنه يظلم القلب ويورث القسوة والبعد عن الله تعالى ، ~~وطيب الغذاء ينور القلب ويورث الرقة والقرب من الله عز وجل . قال الله تعالى ~~: ( @QUR@09 يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ) [البقرة : ~~172] والطيبات هي الحلال : أطب مطعمك ومشربك وما عليك أن لا تقوم الليل ولا ~~تصوم النهار ، وطيب المطعم أصل كبير في طريق القوم ، ولو قام العبد قيام ~~السارية لم ينفعه ذلك ، حتى يعلم ما يدخل جوفه. وأسرع الناس جوازا على ~~الصراط أكثرهم ورعا في الدنيا. يقول الله عز وجل : «عبدي تجوع تراني تورع ~~تعرفني تجرد تصل إلي» قال الله تعالى :» وأما الورعون فأستحيي أن أعذبهم» ~~قال بعض السادة من الأكابر : عليك بالعلم والجوع والخمول والصوم فإن العلم ~~نور يستضاء به ، والجوع حكمة. قال أبو يزيد : ما جعت لله يوما إلا وجدت في ~~قلبي بابا من الحكمة لم أجده قبل. والخمول راحة وسلامة ، والصوم صفة ~~صمدانية ما مثلها شيء لقوله تعالى : ( @QUR@03 ليس كمثله شيء ) [الشورى : ~~11]. فمن تلبس بها أورث العلم والمعرفة والمشاهدة ، ولذلك قال تعالى :» كل ~~عمل ابن ms126 آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا الذي أجزي به». ولخلوف فم الصائم ~~عند الله أطيب من ريح المسك والاشتغال بالدنيا وغلبة الشهوات على القلب ~~يورث جميع الأوصاف المذمومة فلا طمع في القرب ما لم تبدل الأوصاف المذمومة ~~بالمحمودة. # قال بعضهم : ما دام العبد ملوثا بالغير لا يصلح للقرب والمجالسة حتى يطهر ~~قلبه من السوى. قال عثمان رضي الله عنه : لو طهرت القلوب لم تشبع من قراءة ~~القرآن لأنها بالطهارة تترقى الى مشاهدة المتكلم دون غيره. ### ||| * فصل # اعلم أن ما سوى الحق حجاب عنه. ولو لا ظلمة الكون لظهر نور الغيب ، ولو ~~لا فتنة النفس لارتفعت الحجب ، ولو لا العوائق لانكشفت الحقائق ، ولو لا ~~العلل لبرزت القدرة ، ولو لا الطمع لرسخت المحبة ، ولو لا حظ باق لأحرق ~~الأرواح الاشتياق ، ولو لا البعد لشوهد الرب ، فإذا انكشف الحجاب تجشم هذه ~~الأسباب وارتفعت العوائق بقطع هذه العلائق : # بدا لك سر طال عنك اكتتامه %~% ولاح صباح كنت أنت ظلامه فأنت حجاب القلب عن سر غيبه %~% ولولاك لم يطبع عليك ختامه فإن غبت عنه حل فيه وطنبت %~% على منكب الكشف المصون خيامه PageV01P096 وجاء حديث لا يمل سماعه %~% شهي إلينا نثره ونظامه # قال بعضهم : إذا أراد الله بعبد سوءا سد عليه باب العمل وفتح عليه باب ~~الكسل. جاء رجل إلى معاذ فقال : أخبرني عن رجلين أحدهما يجتهد في العبادة ~~كثير العمل قليل الذنوب إلا أنه ضعيف اليقين يعتوره الشك. قال معاذ : ~~ليحبطن شكه أعماله. قال : فأخبرني عن رجل قليل العمل إلا أنه قوي اليقين ~~وهو في ذلك كثير الذنوب فسكت. فقال : والله لئن أحبط شك الأول أعمال بره ~~ليحبطن يقين هذا ذنوبه كلها. قال فأخذه معاذ بيده. وقال : ما رأيت الذي هو ~~أفقه من هذا. ### ||| * فصل في عمل أبي يزيد البسطامي # قال أبو يزيد البسطامي رضي الله عنه : مكثت اثنتي عشرة سنة حداد نفسي ، ~~وخمس سنين كنت أجلو مرآة قلبي ، وسنة أنظر فيما بينهما فإذا في وسطي زنار ~~فعملت في قطعه خمس سنين أنظر كيف ms127 أقطعه فكشف لي فرأيت الخلق موتى فكبرت ~~عليهم أربع تكبيرات. # ومعنى هذا الكلام. والله أعلم. أنه عمل في مجاهدة نفسه وإزالة أدغالها ~~وخبثها وما حشيت به من العجب والكبر والحرص والحقد والحسد وما شابه ذلك مما ~~هو من مألوفات النفس ، فعمد إلى إزالة ذلك بأن أدخل نفسه كير التخويف ، ثم ~~طرقها بمطارق الأمر والنهي حتى أجهده ذلك. فظن أنها قد تصفت ، ثم نظر في ~~مرآة إخلاص قلبه ، فإذا بقايا من الشرك الخفي وهو الرياء والنظر إلى ~~الأعمال وملاحظة الثواب والعقاب والتشوف إلى الكرامات والمواهب. وهذا شرك ~~في الإخلاص عند أهل الاختصاص وهو الزنار الذي أشار إليه فعمل في قطعه : ~~يعني قطع نفسه وفطمها عن العلائق والعوائق وأعرض عن الخلائق حتى أمات من ~~نفسه ما كان حيا وأحيا من قلبه ما كان ميتا حتى ثبت قدمه في شهود القدم ~~وأنزل ما سواه منزلة العدم. فعند ذلك كبر على الخلق أربع تكبيرات وانصرف ~~الى الحق ، ومعنى قوله : كبرت على الخلق أربع تكبيرات لأن الميت يكبر عليه ~~أربع تكبيرات ، ولأن حجاب الخلق عن الحق أربع : النفس ، والهوى ، والشيطان ~~، والدنيا. فأمات نفسه وهواه ورفض شيطانه ودنياه فلذلك كبر على كل واحدة ~~ممن فني عنه تكبيرة لأنه هو الأكبر وما سواه أذل وأصغر ثم اعلم أنك لا تصل ~~إلى منازل القربات حتى تقطع ست عقبات : # العقبة الأولى : فطم الجوارح عن المخالفات الشرعية. # العقبة الثانية : فطم النفس عن المألوفات العادية. # العقبة الثالثة : فطم القلب عن الرعونات البشرية. # العقبة الرابعة : فطم السر عن الكدورات الطبيعية. # العقبة الخامسة : فطم الروح عن البخارات الحسية. # العقبة السادسة : فطم العقل عن الخيالات الوهمية. PageV01P097 # فتشرف من العقبة الأولى على ينابيع الحكم القلبية ، وتطلع من العقبة ~~الثانية على أسرار العلوم اللدنية وتلوح لك من العقبة الثالثة أعلام ~~المناجاة الملكوتية ، وتلمع لك في العقبة الرابعة أنوار المنازلات القريبة ~~، وتطلع لك في الخامسة أقمار المشاهدات الحبية ، وتهبط من العقبة السادسة ~~على رياض الحضرة القدسية. فهنالك تغيب مما تشاهد من اللطائف الأنسية عن ~~الكثائف الحسية. فإذا ms128 أرادك بخصوصيته الاصطفائية سقاك بكأس محبته شربة ~~فتزداد بذلك الشرب ظمأ وبالذوق شوقا ، وبالقرب طلبا وبالسكون قلقا. فإذا ~~تمكن منك هذا السكر أدهشك فإذا أدهشك حيرك ، فأنت هاهنا مريد ، فإذا دام لك ~~تحيرك أخذك منك وسلبك عنك فتبقى مسلوبا مجذوبا فأنت حينئذ مراد. فإذا فنيت ~~ذاتك وذهبت صفاتك وفنيت ببقائه عن فنائك وخلع عليك خلعة (فبي يسمع وبي ~~يبصر) فيكون هو متوليك وواليك ، فإن نطقت فبأذكاره وإن نظرت فبأنواره ، وإن ~~تحركت فبإقداره ، وإن بطشت فباقتداره ، فهنالك تذهب الاثنينية واستحالت ~~البينية ، فإن رسخ قدمك وتمكن سرك حال سكرك. قلت : هو وإن غلب عليك وجدك ~~وتجاوز بك حدك عن حد الثبوت. قلت أنت : فأنت في الأول متمكن ، وفي الثاني ~~متلون ومن هنا أشكل على الأفهام حل رمز هذا الكلام. ### ||| * الباب الأول ### ||| * في بيان أركان الدين # اعلم أن كلمتي الشهادة على إيجازهما يتضمنان إثبات ذات الإله سبحانه ~~وإثبات صفاته وإثبات أفعاله وإثبات صدق الرسول صلى الله عليه وسلم ، وبناء ~~الإيمان على هذه الأركان الأربعة : # الركن الأول : في معرفة ذات الله سبحانه وتعالى ومداره على عشرة أصول وهي ~~: العلم بوجود الله تعالى ، وقدمه وبقائه ، وأنه ليس بجوهر ولا جسم ، ولا ~~عرض ، وأنه ليس بمختص بجهة ، ولا مستقر على مكان ، وأنه يرى وأنه واحد. # الركن الثاني : في معرفة صفات الله سبحانه وتعالى ومداره على عشرة أصول ~~وهي : العلم بكونه تعالى حيا ، عالما ، قادرا ، مريدا ، سميعا ، بصيرا ، ~~متكلما ، صادقا في أخباره ، منزها عن حلول الحوادث ، وأنه قديم الصفات. # الركن الثالث : في معرفة أفعال الله سبحانه وتعالى ومداره على عشرة أصول ~~وهي : أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى ومرادة له وأنها مكتسبة لهم ، وأنه ~~متفضل بالخلق ، وأن له تكليف ما لا يطاق ، وله إيلام البريء ولا يجيب عليه ~~رعاية الأصلح ، وأنه لا واجب إلا بالشرع وأن بعثة الأنبياء صلى الله عليهم ~~وسلم جائزة ، وأن نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ثابتة مؤيدة بالمعجزات. # الركن الرابع : في السمعيات ومداره على عشرة أصول وهي : الحشر والنشر ، ~~وعذاب القبر ms129 ، وسؤال منكر ونكير ، والميزان ، والصراط ، وخلق الجنة والنار ~~، وأحكام الإمامة. PageV01P098 ### ||| * الباب الثاني ### ||| * في بيان الأدب # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «أدبني ربي فأحسن تأديبي». ~~والأدب تأديب الظاهر والباطن ، فإذا تهذب ظاهر العبد وباطنه صار صوفيا ~~أديبا ، ومن ألزم نفسه آداب السنة نور الله قلبه بنور المعرفة ، ولا مقام ~~أشرف من متابعة الحبيب صلى الله عليه وسلم في أوامره وأفعاله وأخلاقه والتأدب ~~بآدابه قولا وفعلا وعقدا ونية. والإنصاف فيما بين الله تعالى وبين العبد في ~~ثلاثة : في الاستعانة والجهد والأدب ، فمن العبد الاستعانة ، ومن الله ~~الإعانة على التوبة ، ومن العبد الجهد ، ومن الله التوفيق ، ومن العبد ~~الأدب ، ومن الله الكرامة. ومن تأدب بآداب الصالحين ، فإنه يصلح لبساط ~~الكرامة ، وبآداب الأولياء لبساط القربة ، وبآداب الصديقين لبساط المشاهدة ~~، وبآداب الأنبياء لبساط الأنس والانبساط ، ومن حرم الأدب حرم جوامع ~~الخيرات ، ومن لم تريضه أوامر المشايخ وتأديباتهم ، فإنه لا يتأدب بكتاب ~~ولا سنة ، ومن لم يقم بآداب أهل البداية كيف يستقيم له دعوى مقامات أهل ~~النهاية. ومن لم يعرف الله عز وجل لم يقبل عليه ، ومن لم يتأدب بأمره ونهيه ~~كان عن الأدب في عزلة. وآداب الخدمة الفناء عن رؤيتها مع المبالغة فيها ~~برؤية مجريها. العبد يصل بطاعته إلى الجنة وبأدبه الى الله تعالى ، ~~والتوحيد موجب يوجب الإيمان فمن لا إيمان له لا توحيد له والإيمان موجب ~~يوجب الشريعة فمن لا شريعة له لا إيمان له ولا توحيد له ، والشريعة موجب ~~يوجب الأدب فمن لا أدب له فلا شريعة له ولا إيمان له ولا توحيد له ، وترك ~~الأدب موجب يوجب الطرد ، فمن أساء الأدب على البساط رد الى الباب ، ومن ~~أساء الأدب على الباب رد الى سياسة الدواب ، وأنفع الآداب التفقه في الدين ~~والزهد في الدنيا والمعرفة بما لله عليك وإذا ترك العارف أدبه مع معروفة ~~فقد هلك مع الهالكين. # وقيل : ثلاث خصال ليس معهن غربة : مجانبة أهل الريب ، وحسن الأدب ، وكف ~~الأذى ، وأهل الدين أكثر آدابهم في تهذيب النفوس ، وتأديب ms130 الجوارح ، وحفظ ~~الحدود ، وترك الشهوات ، وأهل الخصوصية أكثر آدابهم في طهارة القلوب ، ~~ومراعاة الأسرار ، والوفاء بالعهود ، وحفظ الوقت ، وقلة الالتفات الى ~~الخواطر ، وحسن الأدب في مواقف الطلب ، وإدمان الحضور ، ومن قهر نفسه ~~بالأدب فهو الذي يعبد الله بالإخلاص. وقيل : هو معرفة اليقين. وقيل : يقول ~~الحق سبحانه : من ألزمته القيام مع أسمائي وصفاتي ألزمته الأدب ، ومن أراد ~~الكشف عن حقيقة ذاتي ألزمته العطب ، فاختر أيهما شئت : الأدب أو العطب؟ ومن ~~لم يتأدب للوقت فوقته مقت ، وإذا خرج المريد عن استعمال الأدب فإنه يرجع من ~~حيث جاء. # وحكي عن أبي عبيد القاسم بن سلام قال : دخلت مكة فربما كنت أقعد بحذاء ~~الكعبة وربما كنت أستلقي وأمد رجلي فجاءتني عائشة المكية فقالت لي : يا أبا ~~عبيد : يقال إنك من أهل العلم اقبل مني كلمة لا تجالسه إلا بالأدب وإلا ~~فيمحى اسمك من ديوان أهل القرب ، PageV01P099 # قال أبو عبيد : وكانت من العارفات وقال بعضهم : الزم الأدب ظاهرا وباطنا ~~فما أساء أحد الأدب في ظاهر إلا عوقب ظاهرا ، وما أساء أحد الأدب باطنا إلا ~~عوقب باطنا فالأدب استخراج ما في القوة والخلق الى الفعل وهذا يكون لمن ~~ركبت السجية الصالحة فيه والسجية فعل الحق لا قدرة للبشر على تكوينها كتكون ~~النار في الزناد إذ هو فعل الله المحض واستخراجه بكسب الآدمي فهكذا الآداب ~~منبعها بالسجايا الصالحية والمنح الإلهية ، ولما هيأ الله تعالى بواطن ~~الصوفية بتكميل السجايا الكاملة فيها تواصلوا بحسن الممارسة والرياضة الى ~~استخراج ما في النفوس مركوزة بخلق الله الى الفعل فصاروا مؤدبين مهذبين. ### ||| * فصل في آداب أهل الحضرة الإلهية لأهل القرب # كل الآداب تتلقى من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه صلى الله عليه وسلم ~~مجمع الآداب ظاهرا وباطنا ، وأخبر الله سبحانه عن حسن أدبه في الحضرة بقوله ~~تعالى : ( @QUR@05 ما زاغ البصر وما طغى ) [النجم : 17]. وهذه غامضة من ~~غوامض الآداب اختص بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر الله عن اعتدال قلبه ~~المقدس في الإعراض والإقبال أعرض عما سوى الله ، وتوجه ms131 الى الله ، وترك ~~وراء ظهره الأرضين والدار العاجلة بحظوظها والسماوات والدار الآخرة بحظوظها ~~ولا لحقه الأسف على الفائت في إعراضه. قال الله تعالى : ( @QUR@05 لكيلا ~~تأسوا على ما فاتكم ) [الحديد : 23]. فهذا الخطاب للعموم ، وما زاغ البصر ~~إخبار عن حال النبي صلى الله عليه وسلم بوصف خاص من معنى ما خاطب به العموم ، ~~فكان ما زاغ البصر حاله في طرف الإعراض ، وفي طرف الإقبال تلقى ما ورد عليه ~~في مقام : قاب قوسين بالروح والقلب ، ثم فر من الله حياء منه وهيبة وإجلالا ~~وطوى نفسه في مطاوي انكساره وافتقاره ، لكيلا تنبسط النفس فتطغى ، فإن ~~الطغيان عند الاستغناء وصف النفس. قال الله تعالى : ( @QUR@08 كلا إن ~~الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى ) [العلق : 6 و7]. والنفس عند المواهب ~~الواردة على الروح والقلب تسترق السمع ومتى نالت قسطا من المنح استغنت وطغت ~~، والطغيان يظهر منه فرط البسط ، والإفراط في البسط يسد باب المزيد ، ~~وطغيان النفس لضيق وعائها عن المواهب فموسى عليه السلام صح له في الحضرة أحد ~~الطرفين. ما زاغ بصره ، وما التفت الى ما فاته متأسفا لحسن أدبه ، ولكن ~~امتلأ من المنح واسترقت النفس السمع وتطلعت الى القسط والحظ فلما حظيت ~~النفس استغنت وطفح عليها ما وصل اليها وضاق نطاقها فتجاوز الحد من فرط ~~البسط وقال : ( @QUR@03 أرني أنظر إليك ) [الأعراف : 143]. فمنع ولم يطق ~~صبرا وثباتا في قضاء المزيد وظهر الفرق من الحبيب والكليم عليهما الصلاة ~~والسلام. وقال سهل بن عبد الله التستري : لم يرجع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى شاهد نفسه ولا الى مشاهدتها وإنما كان مشاهدا بكليته ~~لربه. يشاهد ما يظهر عليه من الصفات التي أوجبت الثبوت في ذلك المحل وهذا ~~الكلام لمن اعتبره موافق لما شرحناه برمز في ذلك من كلام سهل بن عبد الله ، ~~والله أعلم. PageV01P100 ### ||| * الباب الثالث ### ||| * في بيان معنى السلوك والتصوف # اعلم : أن السلوك هو تهذيب الأخلاق والأعمال والمعارف. وذلك اشتغال ~~بعمارة الظاهر والباطن ، والعبد في جميع ذلك مشغول عن ربه إلا أنه مشتغل ~~بتصفية باطنه ليستعد للوصول. والذي ms132 يفسد على السالك سلوكه شيئان : اتباع ~~الرخص بالتأويلات ، والاقتداء بأهل الغلط من متبعي الشهوات. ومن ضيع حكم ~~وقته فهو جاهل ، ومن قصر فيه فهو غافل ، ومن أهمله فهو عاجز. لا تصح إرادة ~~المريد حتى يكون الله ورسوله وسواس قلبه ، ويكون نهاره صائما ولسانه صامتا. ~~لأن كثرة الطعام والكلام والمنام تقصي القلب. وظهره راكعا وجبهته ساجدة ~~وعينه دامعة وغامضة ، وقلبه حزينا ولسانه ذاكرا. # وبالجملة : قد شغل كل عضو فيه ومعنى فيه بوظيفة ندبه الله ورسوله إليها ~~وترك ما كره الله ورسوله له. وللورع معانقا ولأهوائه تاركا مطلقا ورائيا ~~جميع ما وفقه الله تعالى له من فضل الله عليه ، ويجتهد أن يكون ذلك كله ~~احتسابا لا ثوابا ، وعبادة لا عادة ، لأنه من لاحظ المعمول له اشتغل به عن ~~رؤية الأعمال ونفسه تاركة للشهوات ، فصحة الإرادة ترك الاختيار والسكون الى ~~مجاري الأقدار كما قيل : # أريد وصاله ويريد هجري %~% فأترك ما أريد لما يريد # وافن عن الخلق بحكم الله وعن هواك بأمر الله ، وعن إرادتك بفعل الله ، ~~فحينئذ تصلح أن تكون وعاء لعلم الله فعلامة فنائك عن الخلق انقطاعك عنهم ~~وعن التردد إليهم والإياس عما في أيديهم ، وعلامة فنائك عنك وعن هواك ترك ~~التكسب ، والتعلق بالسبب في جلب النفع ودفع الضر فلا تتحرك فيك بك ، ولا ~~تعتمد عليك لك ، ولا تذب عنك ولا تضر نفسك ، لكن تكل ذلك كله الى من تولاه ~~أولا ليتولاه آخرا ، كما كان ذلك موكلا اليه في حال كونك مغيبا في الرحم ، ~~وكونك رضيعا في مهدك ، وعلامة فنائك عن إرادتك بفعل الله أن لا تريد مرادا ~~قط لأنك لا تريد مع إرادة الله سواها ، بل يجري فعله فيك فتكون أنت إرادة ~~الله وفعله ساكن الجوارح مطمئن الجنان ، مشروح الصدر ، منور الوجه ، عامر ~~الباطن ، تقلبك القدرة ويدعوك لسان الأزل ، ويعلمك رب الملك ، ويكسوك من ~~نور الحلل ، وينزلك منازل من سلف من أولي العلم. ### ||| * فصل في لزوم العزلة # على السالك أن يلزم العزلة ليستظهر بها على أعدائه. وهي نوعان : فريضة ~~وفضيلة. PageV01P101 # فالفريضة ms133 : العزلة عن الشر وأهله. والفضيلة العزلة عن الفضول وأهله. وقيل ~~: الخلوة غير العزلة ، والخلوة من الأغيار ، والعزلة من النفس وما تدعو ~~إليه وتشغل عن الله. وقيل : السلامة عشرة أجزاء تسعة منها في الصمت وواحدة ~~في العزلة. وقيل : الحكمة عشرة أجزاء تسعة منها في الصمت عما لا يعني. ~~والعاشرة في العزلة عن الناس. كثير من ندم على الكلام وقل من ندم على ~~السكوت. وقيل : الخلوة أصل والخلطة عارض ، فيلزم الأصل ولا يخالط إلا بقدر ~~الحاجة ، وإذا خالط يلازم الصمت فإنه أصل. # وإذا صفا لك من زمانك واحد %~% فهو المراد فأين ذاك الواحد # وقيل : الخلوة بالقلب فيكون مستغرقا بكليته مع الحق تعالى معكوفا قلبه ~~عليه مشغوفا به والها إليه متحققا كأنه بين يديه. قيل : أول مبادئ السالك ~~أن يكثر الذكر بقلبه ولسانه بقوة حتى يسري الذكر في أعضائه وعروقه ، وينتقل ~~الذكر إلى قلبه فحينئذ يسكت لسانه ويبقى قلبه ذاكرا يقول (الله الله) باطنا ~~مع عدم رؤيته لذكره ، ثم يسكن قلبه ويبقى ملاحظا لمطلوبه مستغرقا به معكوفا ~~عليه مشغوفا اليه مشاهدا له ، ثم يغيب عن نفسه بمشاهدته ، ثم يفني عن كليته ~~بكليته حتى كأنه في حضرة ( @QUR@06 لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ) ~~[غافر : 16] فحينئذ يتجلى الحق على قلبه فيضطرب عند ذلك ويندهش ويغلب عليه ~~السكر وحالة الحضور والإجلال والتعظيم ، فلا يبقى فيه متسع لغير مطلوبه ~~الأعظم. كما قيل : فلا حاجة لأهل الحضور الى غير شهود عوانه. وقيل في قوله ~~تعالى : ( @QUR@02 وشاهد ومشهود ) [البروج : 3] فالشاهد : هو الله ، ~~والمشهود : هو عكس جمال الحضرة الصمدية فهو الشاهد والمشهود. ### ||| * فصل # يا حبيبي أطبق جفنيك وانظر ما ذا ترى ، فإن قلت لا أرى شيئا حينئذ فهو ~~خطأ منك بل تبصر. ولكن ظلام الوجود لفرط قربه من بصيرتك لا تجده. فإن أحببت ~~أن تجده وتبصره قدامك مع أنك مطبق جفنيك ، فانقص من وجودك شيئا أو أبعد من ~~وجودك شيئا وطريق تنقيصه والإبعاد منه قليلا المجاهدة ومعنى المجاهدة بذل ~~الجهد في دفع الأغيار أو قتل الأغيار والأغيار الوجود والنفس والشيطان. ms134 ~~وبذل الجهد مضبوط بطرق : # الأول : تقليل الغذاء بالتدريج ، فإن مدد الوجود والنفس والشيطان من ~~الغذاء ، فإذا قل الغذاء قل سلطانه. # والثاني : ترك الاختيار وإفنائه في اختيار شيخ مأمون ليختار له ما يصلحه ~~، فإنه مثل الطفل والصبي الذي لم يبلغ مبلغ الرجال أو السفيه المبذر. وكل ~~هؤلاء لا بد لهم من وصي أو ولي أو قاض أو سلطان يتولى أمرهم. # والثالث : من الطرق طريقة الجنيد قدس الله روحه وهو ثمان شرائط. دوام ~~الوضوء ، ودوام الصوم ، ودوام السكوت ، ودوام الخلوة ودوام الذكر وهو قول ~~(لا إله إلا الله)، ودوام ربط PageV01P102 # القلب بالشيخ واستفادة علم الواقعات منه بفناء تصرفه في تصرف الشيخ ، ~~ودوام نفي الخواطر ، ودوام ترك الاعتراض على الله تعالى في كل ما يرد منه ~~عليه ضرا كان أو نفعا وترك السؤال عنه من جنة أو تعوذ من نار. # والفرق بين الوجود والنفس والشيطان في مقام المشاهدة : أن الوجود شديد ~~الظلمة في الأول ، فإذا صفا قليلا تشكل قدامك بشكل الغيم الأسود فإذا كان ~~عرش الشيطان كان أحمر فإذا صلح وفني الحظوظ منه وبقي الحقوق صفا وابيض مثل ~~المزن ، والنفس إذا بدت فلونها لون السماء وهي الزرقة ، ولها نبعان كنبعان ~~الماء من أصل الينبوع. فإذا كانت عرش الشيطان فكأنها عين من ظلمة ونار ~~ويكون نبعها أقل. فإن الشيطان لا خير فيه وفيضان النفس على الوجود وتربيته ~~منها فإن صفت وزكت أفاضت عليه الخير وما نبت منه. فإن أفاضت عليه الشر ~~فكذلك ينبت منه الشر ، والشيطان نار غير صافية ممتزجة بظلمات الكفر في هيئة ~~عظيمة وقد يتشكل قدامك كأنه زنجي طويل ذو هيبة يسعى كأنه يطلب الدخول فيك. ~~فإذا طلبت منه الانفكاك فقل في قلبك يا غياث المستغيثين أغثنا فإنه يفر عنك. ### ||| * فصل في التصوف # حكم الصوفي أن يكون الفقر زينته والصبر حليته والرضى مطيته والتوكل شأنه. ~~والله عز وجل وحده حسبه يستعمل جوارحه في الطاعات وقطع الشهوات والزهد في ~~الدنيا والتورع عن جميع حظوظ النفس ، وأن لا يكون له رغبة في الدنيا البتة ms135 ~~، فإن كان ولا بد فلا تجاوز رغبته كفايته ويكون صافي القلب من الدنس ولها ~~بحب ربه فارا الى الله تعالى بسره يأوي اليه كل شيء ، ويأنس به وهو لا يأوي ~~الى شيء ، أي لا يركن الى شيء ولا يأنس بشيء سوى معبوده آخذا بالأولى ~~والأهم والأحوط في دينه مؤثرا الله على كل شيء. # التصوف : طرح النفس في العبودية وتعلق القلب بالربوبية. وقيل : كتمان ~~الفاقات ومدافعة الآفات. # وقال سهل بن عبد الله : الصوفي من صفا من الكدر وامتلأ من الفكر واستوى ~~عنده الذهب والمدر. وقيل : التصوف تصفية القلب عن مرافقة البرية ، ومفارقة ~~الأخلاق الطبيعية ، وإخماد صفات البشرية ، ومجانبة الدواعي النفسانية ، ~~ومنازلة الصفات الروحانية ، والتعلق بالعلوم الحقيقية واتباع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في الشريعة. وقيل : الصوفي هو الذي يكون دائم التصفية لا ~~يزال يصفي الأوقات عن شوب الأكدار بتصفية القلب عن شوب النفس ومعينه على ~~هذه دوام افتقاره الى مولاه ، فبدوام الافتقار يتفطن للكدر كلما تحركت ~~النفس وظهرت بصفة من صفاتها أدركها ببصيرته النافذة وفر منها الى ربه ، ~~فبدوام تصفيته جمعيته وبحركة نفسه تفرقته وكدره فهو قائم بربه على قلبه ~~وقائم بقلبه على نفسه. قال الله تعالى : ( @QUR@05 كونوا قوامين لله شهداء ~~بالقسط ) [المائدة : 8] وهذه لله على النفس وهو تحقق بالتصوف. PageV01P103 ### ||| * فصل في أصول التصوف # أكل الحلال والاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في أخلاقه وأفعاله ~~وأوامره وسنته. ومن لم يحفظ القرآن ويكتب الحديث لا يقتدى به في هذا الأمر ~~لأن علمنا مضبوط بالكتاب والسنة. أخذ هذا المذهب بالورع والتقوى لا ~~بالدعاوى. # التصوف : أوله علم وأوسطه عمل وآخره موهبة. فالعلم : يكشف عن المراد ، ~~والعمل : يعين على الطلب ، والموهبة : تبلغ غاية الأمل. # وأهله على ثلاث طبقات : مريد طالب ، ومتوسط سائر ، ومنته واصل. فالمريد ~~صاحب وقته ، والمتوسط صاحب حال ، والمنتهي صاحب يقين ، وأفضل الأشياء عندهم ~~عد الأنفاس. فمقام المريد المجاهدات والمكابدات وتجرع المرارات ومجانبة ~~الحظوظ وما على النفس فيه تبعة. ومقام المتوسط ركوب الأهوال في طلب المراد ~~ومراعاة الصدق واستعمال الأدب في ms136 المقامات وهو مطالب بآداب المنازل وهو ~~صاحب تلوين ، لأنه ينتقل من حال الى حال وهو الزيادة. ومقام المنتهي الصحو ~~والثبات وإجابة الحق من حيث دعاه قد تجاوز المقامات ، وهو في محل التمكين ~~لا تغيره الأهوال ولا تؤثر فيه الأحوال. قد استوى في حال الشدة أو الرخاء ~~والمنع والعطاء والجفاء والوفاء. أكله كجوعه ونومه كسهره. قد فنيت حظوظه ~~وبقيت حقوقه ظاهرة مع الخلق ، وباطنه مع الحق كل ذلك من أحوال النبي ~~صلى الله عليه وسلم . المنتهي لو نصب له سنان في أعلى شاهق في الأرض وهبت له ~~الرياح الثمانية ما حركت منه شعرة واحدة. وقيل : سموا صوفية لأنهم وقفوا في ~~الصف الأول بين يدي الله عز وجل بارتفاع هممهم وإقبالهم على الله تعالى ~~بقلوبهم ووقوفهم بين يديه بسرائرهم. ### ||| * فصل في الملامتية # حكم الملامتي أن لا يظهر خيرا ولا يضمر شرا. وشرح هذا : هو أن الملامتي ~~تشربت عروقه طعم الإخلاص وتحقق بالصدق فلا يحب أن يطلع أحد على حاله ~~وأعماله. والملامتية لهم مزيد اختصاص بالتمسك بالإخلاص يرون كتم الأحوال ~~ويتلذذون بكتمها حتى لو ظهرت أعمالهم وأحوالهم لأحد استوحشوا من ذلك ، كما ~~يستوحش العاصي من ظهور معصيته. فالملامتي عظم موقع الإخلاص وموضعه وتمسك به ~~معتمدا به. والصوفي غاب في إخلاصه. قال أبو يعقوب السوسي : متى شهدوا في ~~إخلاصهم الإخلاص احتاج إخلاصهم الى إخلاص. قال بعضهم : صدق الإخلاص نسيان ~~رؤية الخلق بدوام النظر الى الحق ، والملامتي يرى الخلق فيخفي عمله وحاله. ~~قال جعفر الخلدي : سألت أبا القاسم الجنيد قلت : بين الإخلاص والصدق فرق؟ ~~قال : نعم الصدق أصل وهو الأول والإخلاص فرع وهو تابع. وقال : بينهما فرق ~~لأن الإخلاص لا يكون إلا بعد الدخول في العمل. ثم قال : إنما هو PageV01P104 # إخلاص ومخالصة الإخلاص وخالصته كائنة في المخالصة. فعلى هذا الإخلاص حال ~~الملامتي ، ومخالصة الإخلاص حال الصوفي ، والخالصة الكائنة في المخالصة ~~ثمرة مخالصة الإخلاص وهو فناء العبد عن رسومه برؤية قيامه بقيومه ، بل ~~غيبته عن رؤية قيامه وهو الاستغراق في العين عن الآثار والتخلص عن لوث ms137 ~~الاستتار وهو فقد حال الصوفي. والملامتي مقيم في أوطان إخلاصه غير متطلع ~~الى حقيقة إخلاصه. # وهذا فرق واضح بين الملامتي والصوفي. فالملامتي وإن كان متمسكا بعروة ~~الإخلاص مستفرشا بساط الصدق. ولكن عليه بقية رؤية الخلق وما أحسنها من بقية ~~تحقق الإخلاص والصدق. والصوفي صفاء من هذه البقية في طرفي العمل والترك ~~للخلق وعزلهم بالكلية وراءهم بعين الفناء والزوال ، ولاح له ناصية التوحيد ~~وعاين سر ( @QUR@05 كل شيء هالك إلا وجهه ) [القصص : 88] كما قال بعضهم في ~~بعض غلباته : ليس في الدارين غير الله. وقد يكون إخفاء الملامتي الحال على ~~وجهين : أحد الوجهين لتحقيق الإخلاص والصدق ، والوجه الآخر ، وهو الأتم ~~لستر الحال عن غيره بنوع غيره ، فإنه من خلا بمحبوبه يكره اطلاع الغير عليه ~~، بل يبلغ في صدق المحبة أن يكره اطلاع أحد على حبه لمحبوبه ، وهذا وإن علا ~~ففي طريق الصوفي علة ونقص. فعلى هذا يتقدم الملامتي على المتصوف ويتأخر عن ~~الصوفي. وقيل : من أصول أهل الملامة أن الذكر على أربعة أقسام : ذكر ~~باللسان ، وذكر بالقلب ، وذكر بالسر ، وذكر بالروح. فإذا صح ذكر الروح سكت ~~السر والقلب واللسان عن الذكر وذلك ذكر المشاهدة ، وإذا صح ذكر السر سكت ~~القلب واللسان عن الذكر وذلك ذكر الهيبة ، وإذا صح ذكر القلب فتر اللسان عن ~~الذكر وذلك ذكر الآلاء والنعماء ، وإذا غفل القلب عن الذكر أقبل اللسان على ~~الذكر. وذلك ذكر العادة. # ولكل واحد من هذه الأذكار عندهم آفة ، فآفة ذكر الروح اطلاع السر عليه ~~وآفة ذكر السر اطلاع القلب عليه ، وآفة ذكر القلب اطلاع النفس عليه ، وآفة ~~ذكر النفس رؤية ذلك وتعظيمه وطلب ثواب أو ظن أنه يصل الى شيء من المقامات به. # وأقل الناس قيمة عندهم من يريد إظهاره وإقبال الخلق عليه بذلك. وسر هذا ~~الأصل الذي بنوا عليه أن ذكر الروح ذكر اللذات ، وذكر السر ذكر الصفات ~~بزعمهم ، وذكر القلب من الآلاء والنعماء ذكر أثر الصفات ، وذكر النفس متعرض ~~للعلات ، فمعنى قولهم : اطلاع السر على الروح يشيرون الى التحقيق بالفناء ~~عند ذكر ms138 الذات ، وذكر الهيبة في ذلك الوقت ذكر الصفات وهو وجود الهيبة ، ~~ووجود الهيبة يستدعي وجودا أو بقية. وذلك يناقض حال الفناء. وهكذا ذكر السر ~~وجود هيبة وهو ذكر الصفات مشعر بنصيب القرب ، وذكر القرب الذي هو ذكر ~~الآلاء والنعماء مشعر ببعد ما لا به اشتغال بذكر النعمة وذهول عن المنعم ، ~~والاشتغال برؤية العطاء عن رؤية المعطي ضرب من بعد المنزلة واطلاع النفس ~~نظرا الى الأغراض اعتداد بوجود العمل ، وذلك عين الاعتلال حقيقة ، وهذه ~~أقسام هذه الطائفة وبعضها أعلى من بعض. والله أعلم. PageV01P105 ### ||| * الباب الرابع ### ||| * في بيان معنى الوصول والوصال # اعلم : أن الوصول هو أن ينكشف للعبد حلية الحق ويصير مستغرقا به ، فإن ~~نظر إلى معرفته فلا يعرف إلا الله وإن نظر الى همته فلا همة له سواه. فيكون ~~كله مشغولا بكله مشاهدة وهما ولا يلتفت في ذلك الى نفسه ليعمر ظاهره ~~بالعبادة أو باطنه بتهذيب الأخلاق وكل ذلك طهارة وهي البداية ، وأما ~~النهاية أن ينسلخ من نفسه بالكلية ويتجرد له فيكون كأنه هو وذلك هو الوصول ~~، فافهم جدا. ومعنى الوصال هو الرؤية والمشاهدة بسر القلب في الدنيا وبعين ~~الرأس في الآخرة ، فليس معنى الوصال اتصال الذات بالذات تعالى الله عن ذلك ~~علوا كبيرا. قال بعضهم : # وإن طرفي موصول برؤيته %~% وإن تباعد عن مثواي مثواه # اعلم : أن مباني طريق الصوفية على أربعة أشياء وهي : اجتهاد ، وسلوك ، ~~وسير ، وطير. فالاجتهاد : التحقق بحقائق الإسلام. والسلوك : التحقق بحقائق ~~الإيمان. والسير : التحقق بحقائق الإحسان. والطير : الجذبة بطريق الجود ~~والإحسان الى معرفة الملك المنان ، منزلة الاجتهاد من السلوك منزلة ~~الاستنجاء من الوضوء ، فمن لا استنجاء له لا وضوء له. فهكذا من لا اجتهاد ~~له لا سلوك له. ومنزل السلوك من السير منزلة الوضوء من الصلاة ، فمن لا ~~وضوء له لا صلاة له. فكذا من لا سلوك له لا سير له. وبعده الطير وهو الوصول ~~والله تعالى أعلم. فهذه طريق السالكين ومنازل السائرين ، وبعد ذلك طريق ~~الوصول ومنازل الواصلين وهو الطير. والله أعلم. ### ||| * فصل في الاتصال # قال ms139 الثوري : الاتصال مكاشفات القلوب ومشاهدات الأسرار في مقام الذهول. # اعلم : أن الاتصال والمواصلة فيما أشار إليه الشيوخ وكل من وصل إلى صفو ~~اليقين بطريق الذوق والوجد فهو رتبة من الوصول. ثم يتفاوتون فمنهم من يجد ~~الله بطريق الأفعال وهو رتبة في التجلي فيفنى فعله وفعل غيره لوقوفه مع ~~الله تعالى ويخرج في هذه الحالة من التدبير والاختيار. وهذه رتبة في ~~الوصول. ومنهم من يوقف في مقام الهيبة والأنس بما يكاشف قلبه من مطالعة ~~الجلال والجمال ، وهذا تجلي بطريق الصفات وهو رتبة في الوصول. ومنهم من ~~يرقى الى مقام الفناء مستمليا على باطنه أنوار اليقين والمشاهدة مغيبا في ~~شهوده عن وجوده ، وهذا ضرب من تجلي الذات لخواص المقربين ، وهذه رتبة في ~~الوصول وفوق هذا حق اليقين ويكون من ذلك في الدنيا للخواص لمح وهو سريان ~~نور المشاهدة في كلية العبد حتى يحظى به روحه وقلبه ونفسه حتى قالبه. وهذا ~~من أعلى رتب الوصول ، وإذا تحققت الحقائق يعلم العبد مع هذه الأحوال ~~الشريفة أنه يعد في أول المنزل. فأين الوصول؟ هيهات منازل طريق الوصول لا ~~تقطع أبد PageV01P106 # الآباد في عمر الآخرة الأبدي. فكيف في العمر القصير الدنيوي؟ والله أعلم. ### ||| * الباب الخامس ### ||| * في بيان معنى التوحيد والمعرفة ويضاف اليهما البصيرة ### ||| * والمكاشفة والمشاهدة والمعاينة والحياة واليقين والإلهام ### ||| * والفراسة لأنها من مواريثهما # أما التوحيد : فهو إفراد القدم عن الحدوث والإعراض عن الحادث والإقبال ~~على القديم حتى لا يشهد نفسه فضلا عن غيره ، لأنه لو شاهد نفسه في حال ~~توحيد الحق تعالى أو غيره لكان مثنيا لا موحدا ذاته القديمة بوصف الوحدانية ~~موصوفة وبنعت الفردانية منعوتة ، وصفات المحدثات من المشاكلة والمماثلة ~~والاتصال والانفصال والمقارنة والمجاورة والمخالطة والحلول والخروج والدخول ~~والتغيير والزوال والتبدل والانتقال من قدس ذاته ونزاهة صفاته مسلوبة ، ولا ~~ينسب نقصان الى كمال جماله وكمال جمال أحديته مبرأ عن وصمة ملاحظة الأفكار ~~، وجلال صمديته معرى عن مزاحمة ملابسة الأذكار ، ضاقت عبارات المبارزين في ~~ميدان الفصاحة عن وصف كبريائه ، وعجز بيان السابقين في عرصة المعرفة عن ms140 ~~تعريف ذاته تعالى ، وتعالى إدراكه عن مناولة الحواس ومحاولة القياس ، وليس ~~لأصحاب البصائر في أشعة أنوار عظمته سبيل التعامي والتغاشي. إن قلت : أين؟ ~~فالمكان خلقه ، وإن قلت : متى؟ فالزمان إيجاده ، وإن قلت : كيف؟ فالمشابهة ~~والكيف مفعوله ، وإن قلت : كم؟ فالمقدار والكمية مجعوله ، الأزل والأبد ~~مندرج تحت إحاطته ، والكون والمكان منطو في بساطه كل ما يسع في العقل ~~والفهم والحواس والقياس ذات الله تعالى مقدسة عنه. اذ كل ذلك محدث والمحدث ~~لا يدرك إلا المحدث دليل وجوده ، وبرهان شهوده الإدراك في هذا المقام عجز. ~~والعجز عن درك الإدراك إدراك. لا يصل بكنه الواحد إلا الواحد ، وكل ما ~~انتهى إدراك الموحد اليه فهو غاية إدراكه لا غاية الواحد تعالى عن ذلك علوا ~~كبيرا. وكل من ادعى أن معرفة الواحد منحصرة في معرفته فهو بالحقيقة ممكور ~~ومغرور. وقوله تعالى : ( @QUR@03 وغركم بالله الغرور ) [الحديد : 14] إشارة ~~الى هذا الغرور. ### ||| * فصل في التوحيد # والتوحيد في البداية نفي التفرقة والوقوف على الجمع. وأما في النهاية ~~فيمكن أن يكون الموحد حال التفرقة مستغرقا في عين الجمع وفي عين الجمع بعين ~~الجمع ناظرا الى التفرقة بحيث كل واحد من الجمع والتفرقة لا يمنع من الآخر. ~~وهذا هو كمال التوحيد وذلك أن يصير حال التوحيد وصفا لازما لذات الموحد ، ~~وتتلاشى وتضمحل ظلمة رسوم وجوده في غلبة إشراق أنوار توحيده ، ونور علم ~~توحيده يستتر ويندرج في نور حاله على مثال اندراج الكواكب في نور الشمس ، ~~فلما استبان الصبح أدرج ضوءه بإسفاره أضواء نور الكواكب. وفي هذا المقام ~~يستغرق وجود الموحد في مشاهدة جمال الواحد في عين الجمع بحيث لا يشاهد غير ~~ذات الواحد تعالى وغير صفاته عز وجل واستلبه أمواج بحر التوحيد وغرق في عين ~~الجمع من هنا. PageV01P107 # قال الجنيد : قدس الله روحه. معنى ذلك تضمحل فيه الرسوم وتندرج فيه ~~العلوم ويكون الله تعالى كما لم يزل. وقيل : من وقع في بحار التوحيد لا ~~يزداد على ممر الزمان إلا عطشا. ### ||| * فصل في بيان أنواع التوحيد # اعلم : أن إثبات التوحيد خمسة أشياء ms141 في أصول التوحيد لا بد لكل مكلف من ~~اعتقادهن. # أحدها : وجود البارئ تعالى ليبرأ به من التعطيل. # ثانيها : وحدانيته تعالى ليبرأ به من الشرك. # وثالثها : تنزيهه تعالى عن كونه جوهرا أو عرضا. وعن لوازم كل منهما ليبرأ ~~به من التشبيه. # ورابعها : إبداعه تعالى بقدرته واختياره لكل ما سواه ليبرأ به عن القول ~~بالعلة والمعلول. # وخامسها : تدبيره تعالى لجميع مبتدعاته ليبرأ به عن تدبير الطبائع ~~والكواكب والملائكة ، وقوله (لا إله إلا الله) يدل على الخمسة. ### ||| * فصل # اتفق المسلمون على أن الله تعالى موصوف بكل كمال. بريء من كل نقصان ، ~~لكنهم اختلفوا في بعض الأوصاف فاعتقد بعضهم أنها كمال فأثبتها له واعتقد ~~آخرون أنها نقصان فنفوها عنه. ولذلك أمثلة: # أحدها : قول المعتزلة إن الانسان خالق لأفعاله ، لأن الله لو خلقها ثم ~~نسبها اليه ، ولأنه لو فعلها مع أنه لم يفعلها وعذبه عليها مع أنه لم ~~يوجدها ، لكان ظالما له والظلم نقصان. وكيف يصح أن يفعل شيئا ثم يلوم غيره ~~عليه ويقول له : كيف فعلته ولم فعلته؟ وأهل السنة يقولون : وجدنا كمال ~~الإله في التفرد ونفي القدرة عيب ونقصان ، وليس تعذيب الرب على ما خلقه ~~بظلم بدليل تعذيب البهائم والمجانين والأطفال ، لأنه يتصرف في ملكه كيف ~~يشاء ( @QUR@04 لا يسئل عما يفعل ) [الأنبياء : 23] والقول بالتحسين ~~والتقبيح باطل فرأوا أن يكون هو الخالق لأفعال العباد ورأوا تعذيبهم على ما ~~لا يخلقون جائزا من أفعاله غير قبيح. # المثال الثاني : اختلاف المجسمة مع المنزهة. قالت المجسمة : لو لم يكن ~~جسما لكان معدوما ولا عيب أقبح من العدم. وكذا النفي عن الجهات قول بعدمه ~~لأن من لا جهة له لا يتصور وجوده. وقالت المنزهة : لو كان جسما لكان حادثا ~~ولفاته كمال الأزلية والنفي عن الجهات كلها إنما يوجب عدم من كان محدودا ~~منحصرا في الجهات. فأما ما كان موجودا قديما لم يزل ولا جهة فلا ينصرف إليه النفي. # المثال الثالث : إيجاب المعتزلي على الله أن يثبت الطائعين كيلا يظلمهم ~~والظلم نقصان ، وقول الأشعري : ليس ذلك بظلم إذ لا ms142 يجب عليه حق لغيره إذ لو ~~وجب عليه حق غيره لكان في قيده والتقييد بالأغيار نقصان. # المثال الرابع : قول المعتزلة إن الله تعالى يريد الطاعات وإن لم تقع ، ~~لأن إرادتها كمال PageV01P108 # ويكره المعاصي وإن وقعت ، لأن إرادتها نقصان. وقول الأشعري : لو أراد ما ~~لا يقع لكان ذلك نصا في إرادته لكلالها عن النفوذ فيما تعلقت به ولو كره ~~المعاصي مع وقوعها لكان ذلك كلالا في كراهته. وكذلك نقصان. # المثال الخامس : إيجاب المعتزلي على الله تعالى رعاية الأصلح لعباده لما ~~في تركه من النقصان. وقول الأشعري : لا يلزمه ذلك ، لأن الإلزام نقصان ~~وكمال الإله أن لا يكون في قيد المتألهين. وبالله التوفيق. ### ||| * فصل # اعلم : أن من نسب المشيئة ، والكسب الى نفسه فهو قدري ، ومن نفاهما عن ~~نفسه فهو جبري. ومن نسب المشيئة الى الله تعالى والكسب الى العبد فهو سني ~~صوفي رشيد ، فقدرة العبد وحركته خلق للرب تعالى وهما وصف للعبد وكسب له ، ~~والقدر اسم لما صدر مقدرا عن فعل القادر والقضاء هو الخلق ، والفرق بين ~~القضاء والقدر هو أن القدر أعم والقضاء أخص ، فتدبير الأوليات قدر وسوق تلك ~~الأقدار بمقاديرها وهيئاتها الى مقتضياتها هو القضاء ، فالقدر إذا تقدير ~~الأمر بدءا والقضاء فصله وقطع ذلك الأمر كما يقال قضى القاضي. ### ||| * فصل في الأهواء # اعلم : أن أهل الأهواء المختلفة ست فرق ، وكل اثنين منها ضدان وهي : ~~التشبيه والتعطيل ، والجبر والقدر ، والرفض والنصب ، وكل واحدة منها تفترق ~~الى اثنتي عشرة فرقة ، فالتشبيه والتعطيل ضدان ، والجبر والقدر ضدان ، ~~والرفض والنصب ضدان ، وكل من هؤلاء منحرفون عن الصراط المستقيم ، والفرقة ~~الناجية الوسط وهم أهل السنة والجماعة. فأما الفرقة المشبهة فإنهم بالغوا ~~وغلوا في إثبات الصفات حتى شبهوا وجوزوا الانتقال والحلول والاستقرار ~~والجلوس وما أشبه ذلك ، وأما الفرقة المعطلة : فإنهم بالغوا وغلوا وبالغوا ~~في نفي التشبيه حتى وقعوا في التعطيل ، وأما أهل السنة والجماعة : فإنهم ~~سلكوا الطريق الوسط وأثبتوا صفات الله كما وردت من غير تشبيه ولا تعطيل ، ~~فعلمت بذلك سبيل الشيطان ما عليه المشبهة والمعطلة ms143 ، وأما الجبرية والقدرية ~~: فكل منهم بعيد عن الصراط المستقيم ، فمن نفى المشيئة والكسب عن نفسه فهو ~~جبري ، ومن نسبهما الى نفسه فهو قدري ، ومن نسب المشيئة الى الله تعالى ~~والكسب الى العبد فهو سني ، وأما الرافضة والناصبة : فكل منهما بعيد عن ~~الصراط. فالرافضي : ادعى محبة أهل البيت وبالغ في سب الصحابة وبغضهم ، ~~والناصبي : بالغ في التعصب من جهة الصحابة حتى وقع في عداوة أهل البيت ونسب ~~عليا رضي الله عنه الى الظلم والكفر ، وأما أهل السنة : فإنهم سلكوا الطريق ~~الوسط فأحبوا أهل البيت وأحبوا الصحابة وحفظ الله تعالى ألسنتهم من الوقيعة ~~في أحد منهم إلا بالحمد والثناء عليهم فلله الحمد والمنة والشكر. PageV01P109 ### ||| * فصل في القضاء # القضاء يطلق تارة يراد به الأمر المبرم نحو قوله تعالى : ( @QUR@08 فإذا ~~قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ) [غافر : 68] وتارة يراد به الإعلام ~~بوجوب الحكم الواجب لله كقوله تعالى : ( @QUR@06 وقضى ربك ألا تعبدوا إلا ~~إياه ) [الإسراء : 23]. إذ لو كان هذا من القضاء المبرم لما عبد غيره تعالى ~~إذ يستحيل تخلف الأثر عن مؤثره ، وكذا قوله تعالى : ( @QUR@06 وما خلقت ~~الجن والإنس إلا ليعبدون ) [الذاريات : 57]. والمراد به الإعلام اذ لو كان ~~قضاء وحكما مبرما لعبده الكل فنشأ الخلاف لعدم الفرقان. ### ||| * فصل # اعلم : أن الله تعالى قضى فيما قضاه أزلا أن بعض الأمور يكون منوطا ~~بالعبد موقوفا عليه في أفعاله وأقواله ما قضاه فقد أمضاه فلا يجوز تغيره ~~ولا يقال : إن الله تعالى يغير ما قضاه لأنه تعالى لا يعارض نفسه فيما قضاه ~~، إذا لم يكن عبثا ولا تبعا للشهوات تعالى عن ذلك ، وإنما قضى بمقتضى ~~الحكمة وما صدر عن الحكمة فلا مغير له ، فما قضاه منوطا بفعل العبد ، ~~فكالحرث والنسل ، وما قضاه موقوفا على فعل العبد فكالدعاء والاستغفار. # واعلم : أن الله تعالى أثبت فعل العبد في مواضع نحو قوله تعالى : ( ~~@QUR@04 جزاء بما كانوا يعملون ) [الواقعة : 24] وقوله تعالى : ( @QUR@04 ~~فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) [التوبة : 5] ومحاه في مواضع أخر نحو قوله ~~تعالى : ( @QUR@012 فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ ms144 رميت ولكن ~~الله رمى ) [الأنفال : 17] والحكمة فيه أنه تعالى خالق الأفعال ومقدرها ~~والعبد كاسبها ومسببها ، فالعبد يعمل العبادة والله تعالى يجازي عليها ولو ~~لا نسبة هذه الأفعال خلقا وكسبا لما سمي عابدا ومعبودا ، فثبت أن العبد ~~عابد كاسب وأن الله تعالى معبود خالق ، واعلم أن الأفعال قسمان : # أحدهما : قوله ما يقع من العبد وهو الكسب المنسوب اليه ولهذا أنزلت الكتب ~~وأرسلت الرسل وثبتت الحاجة الى العقول لتقوم بها الحجة وتتضح بها المحجة. # الثاني : ما يقع على العبد جزاء وهو ما بيد الله تعالى ويد العبد ، ~~وكلاهما لا يكون إلا بما كسبت يد العبد لقوله تعالى : ( @QUR@010 وما ~~أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير ) [الشورى : 30] وما ناسب ~~هذه الآية ، فمن فهم هذه الجملة أمكنه أن يفقه المراد من كلام الله تعالى ~~فيما هو المضاف الى العباد ، ومثال ذلك : قطع الجلاد يد السارق. يصح أن ~~يقال : القاطع هو الجلاد لأنه كاسب ، ويصح أن يقال : إن الله تعالى هو ~~القاطع بيد الجلاد لأنه تعالى هو المجازي للمقطوع لما بدا منه ، ويصح أن ~~يقال : إن السارق هو القاطع ليده لأنه هو المبتدئ لما جناه فلا يقع عليه ~~إلا ببعض ما كسبت يداه ، فيكون الفعل الواجد من الرب تعالى جزاء من المقطوع ~~ابتداء ومن القاطع كسبا ولا يناقض أحد أحدا وأدلته واضحة في الكتاب ، ومن ~~فهم هذه الجملة حق فهمها لم يخف إلا من نفسه ولم يرج الا رحمة الله سبحانه ~~وتعالى. قال : أين عبد الله كلنا في PageV01P110 # ذات الله تعالى أحمق ، يعني إن نظرنا الى قضائه نتوهم أن العبد معذور ~~فيما يفعل ، وإن نظرنا إلى الأمر والنهي والى اختيار العبد ربما يظن أن ~~العبد مستبد بما يفعل ، بل الحق فيه أن يعتقد أن العبد غير مستغن عن الله ~~تعالى في سائر أفعاله وأقواله ، وأحواله ، بل هو متقلب في مشيئته وأنه غير ~~مجبور ولا مسخر كالحيوانات والجمادات ، بل هو موفق في ضمن أسباب السعادة ~~ومخذول أو مطرود في ضمن أسباب الشقاوة. ### ||| * فصل # لو ms145 قيل : إن كان للقدرة الحادثة أثر في المقدور فهو شرك خفي ، وإن لم يكن ~~لها أثر فهو جبر. يقال : إنما يكون شركا إذا كان لها في التخليق أثر ، ~~وإنما أثرها في الكسب والله تعالى ليس بكاسب حتى يكون شركا ولو لم يكن لها ~~أثر في المقدور لزم أن يكون وجودها كعدمها فهو إذا قدير بلا قدرة وهو محال. # واعلم أن من ظن أن الله تعالى أنزل الكتب وأرسل الرسل وأمر ونهى ووعظ ~~وتواعد لغير قادر مختار ، فهو مختل المزاج يحتاج الى علاج ولسبب اختلاف ~~الناس في الاستدلال بالقرآن قبل فهمه وقعوا في الجبر والقدر ، لأنهم لم ~~يفرقوا بين قدرة الخالق القديمة وبين قدرة المخلوق الحادثة والفرق بينهما ~~أن القدرة القديمة مستقلة بالخلق ولا مدخل لها في الكسب ، وأن القدرة ~~الحادثة مستقلة بالكسب ولا مدخل لها في الخلق والظلم إنما ينسب الى الحادثة ~~، وأما القديمة فمبرئة عنه لقوله تعالى : ( @QUR@010 إن الله لا يظلم الناس ~~شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون ) [يونس : 44] ### ||| * فصل الفرق بين العلم والمعرفة # وأما المعرفة : فهي نفس القرب وهو ما أخذ القلب وأثر فيه أثرا يؤثر في ~~الجوارح. فالعلم : كرؤية النار مثلا. والمعرفة كالاصطلاء بها ، والمعرفة في ~~اللغة : هو العلم الذي لا يقبل الشك وفي العرف اسم لعلم تقدمه نكرة ، وفي ~~عبارة الصوفية المعرفة هو العلم الذي لا يقبل الشك إذا كان المعلوم ذات ~~الله تعالى وصفاته. فإن قيل : ما معرفة الذات وما معرفة الصفات؟ يقال : ~~معرفة الذات أن يعلم أن الله تعالى موجود واحد فرد وذات وشيء عظيم قائم ~~بنفسه ولا يشبهه شيء ، وأما معرفة الصفات : فأن تعرف أن الله تعالى حي عالم ~~قادر سميع بصير الى غير ذلك من الصفات. فإن قيل : ما سر المعرفة؟ يقال : ~~سرها وروحها التوحيد ، وذلك بأن تنزه حياته وعلمه وقدرته وإرادته وسمعه ~~وبصره وكلامه عن التشبيه بصفات الخلق : ليس كمثله شيء. # فإن قيل : ما علامة المعرفة؟ يقال : حياة القلب مع الله تعالى ، أوحى ~~الله تعالى الى داود عليه السلام أتدري ما معرفتي؟ ms146 قال : لا. قال : حياة ~~القلب في مشاهدتي. # فإن قيل : ففي أي مقام تصح المعرفة الحقيقية؟ يقال : في مقام الرؤية ~~والمشاهدة بسر القلب ، وإنما يرى ليعرف ، لأن المعرفة الحقيقية في باطن ~~الإرادة فيرفع الله تعالى بعض PageV01P111 # الحجب فيريهم نور ذاته تعالى وصفاته عز وجل من وراء الحجاب ليعرفوه تعالى ~~، ولا يرفع الحجب بالكلية لكيلا يحترق الرائي. قال بعضهم بلسان الحال : # ولو أني ظهرت بلا حجاب %~% ليتمت الخلائق أجمعينا ولكن الحجاب لطيف معنى %~% به تحيا قلوب العاشقينا # اعلم : أن تجلي العظمة يوجب الخوف والهيبة ، وتجلي الحسن والجمال يوجب ~~العشق ، وتجلي الصفات يوجب المحبة ، وتجلي الذات يوجب التوحيد قال بعض ~~العارفين : والله ما نال رجل الدنيا إلا أعمى الله قلبه وبطل عليه عمله إن ~~الله تعالى خلق الدنيا مظلمة ، وجعل الشمس فيها ضياء ، وجعل القلوب مظلمة ، ~~وجعل المعرفة فيها ضياء ، فإذا جاءه السحاب ذهب نور الشمس ، فكذلك يجيء حب ~~الدنيا فيذهب بنور المعرفة من القلب. وقيل : حقيقة المعرفة نور يطرح في قلب ~~المؤمن وليس في الخزانة شيء أعز من المعرفة. وقال بعضهم : إن شمس قلب ~~العارف أضوأ وأشرق من شمس النهار ، لأن شمس النهار قد تكسف وشمس القلوب لا ~~كسوف لها وشمس النهار تغرب بالليل دون شمس القلوب ، وأنشدوا في ذلك : # إن شمس النهار تغرب ليلا %~% غير شمس القلوب ليس تغيب من أحب الحبيب طار إليه %~% اشتياقا إلى لقاء الحبيب # قال ذو النون : حقيقة المعرفة اطلاع الحق على الأسرار بمواصلة لطائف ~~الأنوار ، وأنشدوا فيه : # للعارفين قلوب يعرفون بها %~% نور الإله بسر السر في الحجب صم عن الخلق عمي عن مناظرهم %~% بكم عن النطق في دعواه بالكذب # وسئل بعضهم : متى يعرف العبد أنه على تحقيق المعرفة؟ فقال : إذا لم يجد ~~في قلبه مكانا لغير ربه ، وقال بعضهم : حقيقة المعرفة مشاهدة الحق بلا ~~واسطة ولا كيف ولا شبهة ، كما سئل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه فقيل : يا أمير المؤمنين أتعبد من ترى أو من لا ترى؟ فقال : لا بل أعبد ~~من ms147 أرى لا رؤية العيان ، ولكن رؤية القلب. وقيل لجعفر الصادق رضي الله عنه ~~: هل رأيت الله عز وجل ؟ قال : لم أكن لأعبد ربا لم أره. قيل : وكيف رأيته ~~وهو الذي لا تدركه الأبصار؟ قال : لم تره الأبصار بمشاهدة العيان ، ولكن ~~تراه القلوب بحقائق الإيمان ، لا يدرك بالحواس ولا يقاس بالناس. # وسئل بعض العارفين عن حقيقة المعرفة. فقال : تخلية السر عن كل إرادة وترك ~~ما عليه العادة وسكون القلب إلى الله تعالى بلا علاقة وترك الالتفات منه ~~الى ما سواه ، ولا يمكن معرفة كنه ذاته ولا معرفة كنه صفاته عز وجل ، ولا ~~يعرف من هو إلا هو تبارك وتعالى والمجد لله وحده. ### ||| * فصل وأما البصيرة والمكاشفة والمشاهدة والمعاينة # فهي أسماء مترادفة على معنى واحد ، وإنما تحصل التفرقة في كمال الوضوح لا ~~في أصله ، فمنزلة البصيرة من العقل منزلة نور العين من العين ، والمعرفة من ~~البصيرة منزلة قرص الشمس PageV01P112 # لنور العين فتدرك بذلك الجليات والخفيات. وأما الحياة : فهي نفس التوحيد. ~~قال الله تعالى : ( @QUR@04 أومن كان ميتا فأحييناه ) [الأنعام : 122] وأما ~~اليقين : فاعلم أن الاعتقاد والعلم إذا استوليا على القلب ولم يكن لهما ~~معارض أثمرا في القلب المعرفة ، فسميت هذه المعرفة يقينا ، لأن حقيقة ~~اليقين صفاء العلم المكتسب حتى يصير كالعلم الضروري ويصير القلب مشاهدا ~~لجميع ما أخبر عنه الشرع من أمر الدنيا والآخرة. يقال : أيقن الماء إذا صفا ~~من كدورته. # وأما الإلهام : فهو حصول هذه المعرفة بغير سبب ولا اكتساب ، بل بإلهام من ~~الله تعالى بعد طهارة القلب عن استحسان ما في الكونين. # وأما الفراسة : فهي التوسم بعلامة من الله تعالى بينه وبين العبد يستدل ~~بها على أحكام باطنة ، وذلك لا يكون إلا في درجة التقريب وهو دون الإلهام ، ~~لأن الإلهام لا يفتقر إلى علامة والفراسة تفتقر الى علامة وهو عام وخاص ، ~~والله سبحانه وتعالى أعلم. ### ||| * الباب السادس ### ||| * في بيان معنى النفس والروح والقلب والعقل # اعلم أن هذه الأسامي الأربعة مشتركة بين مسميات مختلفة ونحن نشرح من ~~معانيها ما يتعلق بغرضنا. # الأول : لفظ ms148 القلب وهو يطلق لمعنيين : # أحدهما : اللحم الصنوبري الشكل المودع في الجانب الأيسر من الصدر وفي ~~باطنه تجويف فيه دم أسود وهو منبع الروح الحيواني ومعدنه. # والمعنى الثاني : هي لطيفة ربانية روحانية لها بهذا القلب الجسماني تعلق ~~يضاهي تعلق الأعراض بالأجسام والأوصاف بالموصوفات ، وتلك اللطيفة هي حقيقة ~~الإنسان المدرك العالم المخاطب المطالب المثاب المعاقب. # اللفظ الثاني : الروح وهو أيضا يتعلق بغرضنا لمعنيين : # أحدهما : جسم لطيف بخاري حامله دم أسود منبعه تجويف القلب الجسماني ، ~~وينشر بواسطة العروق الضوارب الى سائر أجزاء البدن وجريانها في البدن ~~وفيضان أنوار الحياة ، والحس والبصر والسمع والشم منها على أعضائها يضاهي ~~فيضان النور من السراج في زوايا البيت. فالحياة : مثالها النور الحاصل في ~~الحيطان والروح مثاله السراج ، وسريان الروح وحركته في الباطن مثال حركة ~~السراج في جوانب البيت بتحرك محركه فالأطباء إذا أطلقوا لفظ الروح أرادوا ~~به هذا المعنى وهو بخار لطيف أنضجته حرارة القلب. # والمعنى الثاني : هو اللطيفة العالمة المدركة من الإنسان الذي هو أحد ~~معيني القلب وهو الذي أراده الله تعالى بقوله : ( @QUR@08 ويسئلونك عن ~~الروح قل الروح من أمر ربي ) [الإسراء : 85] وهو PageV01P113 # أمر عجيب رباني يعجز أكثر العقول والأفهام عن درك فهم حقيقته. # اللفظ الثالث : النفس وهو أيضا مشترك بين معنيين : # أحدهما : أنه يراد به المعنى الجامع لقوتي الغضب والشهوة في الإنسان وهذا ~~الاستعمال هو الغالب على الصوفية فهم يريدون بالنفس الأصل الجامع للصفات ~~المذمومة من الإنسان فيقولون : لا بد من مجاهدة النفس وكسر شهوتها ، وإليه ~~الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم : «أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك». # والمعنى الثاني : اللطيفة التي ذكرناها وهي حقيقة الإنسان ونفسه وذاته ، ~~ولكنها توصف بأوصاف مختلفة بحسب اختلاف أحوالها ، فإذا سكنت تحت الأمر ~~وزايلها الاضطراب بسبب معارضة الشهوات سميت النفس المطمئنة قال تعالى : ( ~~@QUR@07 يا أيتها النفس المطمئنة* ارجعي إلى ربك ) [الفجر : 27 و28] والنفس ~~بالمعنى الأول لا يتصور رجوعها الى الله تعالى ، فإنها مبعدة عن الله ~~سبحانه وتعالى وهي حزب الشيطان ، وإذا لم يتم سكونها ولكنها صارت مدافعة ~~للنفس ms149 الشهوانية سميت النفس اللوامة ، فإذا تركت الاعتراض وأذعنت لمقتضى ~~الشهوات ودواعي الشيطان سميت النفس الأمارة بالسوء. # اللفظ الرابع : العقل والمتعلق بغرضنا منه معنيان : # أحدهما : أنه يطلق ويراد به العلم بحقائق الأمور. فيكون عبارة عن صفة ~~العلم الذي محله خزانة القلب. # والثاني : قد يطلق ويراد به المدرك للعلوم ، فيكون هو القلب أعني تلك ~~اللطيفة التي هي حقيقة الإنسان وحيث ورد في القرآن والسنة ذكر القلب ~~فالمراد به المعنى الذي يفقه من الإنسان ويعرف حقيقة الأشياء ، وقد يكنى ~~عنه بالقلب الجسماني الذي في الصدر لأن بينه وبين تلك اللطيفة العالمة التي ~~هي حقيقة الإنسان علاقة خاصة لأن تعلقها بسائر البدن إنما هو بواسطته فهو ~~مملكتها ومطيتها والمجرى الأول لتدبيرها وتصرفها. فالقلب الجسماني والصدر ~~بالنسبة الى الإنسان كالعرش والكرسي بالنسبة الى الله تعالى من وجه. ### ||| * فصل في بيان جنود القلب # اعلم : أن الله تعالى في القلب والأرواح وغيرها من العوالم جنودا مجندة ~~لا يعلم حقيقتها وتفصيل عددها إلا الله تعالى. ونحن الآن نشير الى بعض جنود ~~القلب وهو الذي يتعلق بغرضنا. فاعلم أن له جندين جند يرى بالإبصار وجند لا ~~يرى إلا بالبصائر ، فالقلب في حكم الملك ، والجنود في حكم الخدم والأعوان. # فأما جنوده المشاهدة بالبصر فهي اليد والرجل والأذن والعين واللسان فجملة ~~جنود القلب تحصره ثلاثة أصناف : PageV01P114 # الصنف الأول : باعث مستحث الى جلب الموافق النافع كالشهورة وإما إلى دفع ~~المخالف الضار كالغضب وقد يعبر عن هذا الباعث بالإرادة. # الصنف الثاني : هو المحرك للأعضاء الى تحصيل هذه المقاصد وقد يعبر عنه ~~بالقدرة وهي جنود مبثوثة في سائر الأعضاء. # الصنف الثالث : هو المدرك المعرف بهذه الأشياء كالجواسيس وهو قوة السمع ~~والبصر والشم والذوق واللمس وهي مبثوثة في الأعضاء الظاهرة المركبة من ~~اللحم والشحم والعصب والدم والعظم التي أعدت آلات لهذه الجنود. ويعبر عن ~~عمل هذا الصنف بالعلم والإدراك ، وهذا الصنف الثالث هو المدرك من هذه ~~الجملة ، وينقسم الى ما أسكن المنازل الظاهرة وهي الحواس الخمس. أعني السمع ~~والبصر والشم والذوق واللمس ، وإلى ما أسكن ms150 منازل باطنة وهي تجاويف الدماغ ~~وهي أيضا خمسة : حس مشترك وتخيل وتفكر وتذكر وحفظ. # فأما الحس المشترك فيرتسم فيها صورة ما أدته اليها الحواس الظاهرة مما ~~أدركته كما ترسم الصورة في المرآة ومحل تصرفها مقدم البطن الأول من الدماغ. # القوة الثانية : الخيال وهي خزانة الحس المشترك يخزن فيها ما ارتسم فيه ~~لتحفظها له الى وقت حاجته اليه ، فإن له قوة القبول وليس له قوة الحفظ ~~والخيال له قوة الحفظ وليس له قوة القبول ومحل تصرف الخيال مؤخر البطن من ~~الدماغ. # القوة الثالثة : الوهم موضع تصرفه مقدم البطن المؤخر من الدماغ ، لأن ~~تصرفه هو المعاني الجزئية المتنوعة من الصور المخزونة في الخيال فكانت ~~بعدها في الرتبة لتقليبها منه. # القوة الرابعة : الحافظة ومحل تصرفها مؤخر البطن المؤخر من الدماغ يلي ~~محل تصرف الوهم لأنها خزانته. # القوة الخامسة : المتصرفة ومحل تصرفها في وسط الدماغ ، لأنها أشرف القوى ~~ولأنها تأخذ من الخيال في حال دون حال وتعطيه أيضا في حال دون حال في النوم ~~واليقظة ، وتعطي الحافظة وتطلب منها عند النسيان فكان الأليق بها أن تكون ~~بين الحرارتين ليسهل عليها أخذها منهما وإعطاؤها إياهما والله أعلم. # وإنما افتقر القلب الى هذه الجنود من حيث افتقاره الى المركب والزاد ~~لسفره الى الله تعالى وقطع المنازل الى لقائه الذي لأجله خلق وإنما مركبه ~~البدن ، وإنما زاده العلم والعمل وليس يمكن أن يصل العبد الى الله تعالى ما ~~لم يسكن البدن وتجاوز الدنيا ليتزود منها للمنزل الأقصى فافتقر الى تعهد ~~بدنه بأن يجلب اليه ما يوافقه من الغذاء وغيره وأن يدفع عنه ما يؤذيه ، ~~ويمكن منه أسباب الهلاك فافتقر لأجل الغذاء الى جندين : باطن وهو الشهوة ، ~~وظاهر وهو الأعضاء الحالبة للغذاء فخلق في القلب من الشهوات ما احتاج اليه ~~وخلقت الأعضاء التي هي آلات الشهوة وافتقر لأجل PageV01P115 # دفع المهلكات الى جندين : باطن ، وهو الغضب ، الذي يدفع المهلكات وينتقم ~~من الأعداء ، وظاهر وهي اليد والرجل والأسلحة التي بها تعمل بمقتضى الغضب ~~ثم المحتاج الى الغذاء اذا لم يعرف ms151 الغذاء ، لا تنفعه شهوة معرفة الغذاء ~~وآلته فافتقر في المعرفة الى جندين باطن : وهو إدراك السمع والبصر والشم ~~والذوق واللمس ، وظاهر : وهو العين والأذن والأنف وغيرها وتفصيل الحاجة ~~اليها ووجه الحكمة فيها يطول ولا تحويه مجلدات كثيرة ، فسبحان الكريم ~~الحليم. ### ||| * فصل # اعلم : أن القسمة ثلاثة : الجسم والعرض والجوهر الفرد. فالروح الحيواني ~~جسم لطيف كأنه سراج مشعل ، والحياة هو السراج والدم دهنه والحس والحركة ~~نوره ، والشهوة حرارته ، والغضب دخانه ، والقوة الطالبة للغذاء الساكنة في ~~الكبد خادمه وحارسه ووكيله. وهذا الروح يوجد عند جميع الحيوانات ، لأنه ~~مشترك بين البهائم وسائر الحيوانات والإنسان هو جسم وآثاره أعراض ، وهذا ~~الروح لا يهتدي إلى العلم. ولا يعرف طريق المصنوع ولا حق الصانع ، وإنما هو ~~خادم أسير يموت البدن لو يزيد دهن الدم وينطفئ لزيادة الحرارة ولو ينقص ~~ينطفئ بزيادة البرودة ، وانطفاؤه سبب موت البدن وليس خطاب البارئ جلت عظمته ~~وتكليف الشارع عليه الصلاة والسلام لهذا الروح ، لأن البهائم وسائر ~~الحيوانات غير مكلفين ولا مخاطبين بأحكام الشرع ، والإنسان إنما يكلف ~~ويخاطب لأجل معنى آخر وجد عنده زائدا خاصا وذلك المعنى هو النفس الناطقة ~~والروح اللطيفة ، وهذا الروح ليس بجسم ولا عرض ، لأنه من أمر الله تعالى ~~كما أخبر بقوله : ( @QUR@08 ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ) ~~[الإسراء : 85]. وأمر الله تعالى ليس بجسم ولا عرض ، بل هو جوهر ثابت دائم ~~لا يقبل الفساد ولا يضمحل ولا يفنى ولا يموت ، بل يفارق البدن وينتظر العود ~~إليه يوم القيامة كما ورد به الشرع ، وهذا الروح يتولد منه صلاح البدن ~~وفساده والروح الحيواني وجميع القوى كلها من جنوده ، فإذا فارق الروح ~~الحيواني البدن ، تعطل أحوال القوى الحيوانية فيسكن المتحرك ، فيقال لذلك ~~السكون موت ، وإن كان الروح من أمر الله تعالى في البدن كالغريب ، فاعلم ~~أنه لا يحل في محل ولا يسكن في مكان وليس البدن مكان الروح ولا محل القلب ، ~~بل البدن آلة الروح والله أعلم. ### ||| * فصل # في بيان المعنى المراد من قوله تعالى : ( @QUR@09 فإذا سويته ونفخت فيه ~~من ms152 روحي فقعوا له ساجدين ) [الحجر : 29]. قال رحمه الله تعالى ورضي عنه : # أما التسوية : فهي عبارة عن فعل في المحل القابل للروح وهو الطين في حق ~~آدم عليه السلام ، والنطفة في حق أولاده بالتصفية وتعديل المزاج والتردد في ~~أطوار الخلقة إلى الغاية حتى ينتهي في الصفاء ومناسبة الأجزاء إلى الغاية ~~فيستعد لقبول الروح وإمساكها كاستعداد PageV01P116 # الفتيلة بعد شرب الدهن لقبول النار وإمساكها. # وأما النفخ : فهو عبارة عن اشتعال نور الروح في المحل القابل ، فالنفخ ~~سبب الاشتعال وصورة النفخ في حق الله تعالى محال ، والسبب غير محال فعبر عن ~~نتيجة النفخ بالنفخ وهو الاشتعال في فتيلة النطفة ، وللنفخ صورة ونتيجة. # وأما صورته : فهو إخراج هواء من جوف النافخ إلى جوف المنفوخ فيه. وهو ~~فتيلة النطفة. فيشتعل فيها. وأما السبب الذي اشتعل به نور الروح فهو صفة في ~~الفاعل وصفة في المحل القابل ، وأما صفة الفاعل فالجود الذي هو ينبوع ~~الوجود وهو فياض بذاته على كل موجود حقيقة وجوده ويعبر عن تلك الصفة ~~بالقدرة ، ومثالها فيضان نور الشمس على كل قابل الاستنارة عند ارتفاع ~~الحجاب بينهما ، والقابل هو الملونات دون الهواء الذي لا لون له. وأما صفة ~~القابل فالاستواء واعتدال الحاصل في التسوية كما قال تعالى : ( @QUR@02 ~~فإذا سويته ). # ومثال صفة القابل : صفات المرآة فإن المرآة قبل صقالتها لا تقبل الصورة ~~وإن كانت محاذية لها ، فإذا صقلت حدثت فيها صورة من ذي الصورة المحاذية لها ~~فكذلك إذا حصل على الاستواء في النطفة حدث فيها الروح من خالق الروح من غير ~~تغير في الخالق تعالى الآن لا بل إنما حدث الروح قبله لتغير المحل بحصول ~~الاستواء الآن لا قبله. # وأما فيضان الجود ، فالمراد به أن الجود الإلهي سبب لحدوث أنوار الوجود ~~في كل ماهية قابلة للجود فعبر عنه بالفيض لا كما يفهم من فيض الماء من ~~الإناء على اليد فإن ذلك عبارة عن انفصال جزء مما في الإناء واتصاله باليد ~~، فإن الله سبحانه تعالى عن مثل هذا. # وأما كشف معنى ماهية الروح ومعرفة حقيقتها فهو ms153 من السر الذي لم يؤذن ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم في كشفه لمن ليس من أهله فإن كنت من أهله ~~فاسمع. واعلم أن الروح ليس بجسم يحل في البدن حلول الماء في الإناء ، ولا ~~هو عرض يحل في القلب أو الدماغ حلول السواد في الأسود والعلم في العالم ، ~~بل هو جوهر لا يتجزأ باتفاق أهل البصائر ، لأنه لو انقسم لجاز أن يقوم بجزء ~~منه العلم بالشيء وبجزء آخر منه الجهل بذلك الشيء بعينه فيكون في حالة ~~واحدة عالما بشيء وجاهلا به وذلك محال ، فدل بذلك على أنه واحد لا ينقسم. # فإن قيل : لم منع رسول الله صلى الله عليه وسلم إفشاء سر الروح وكشف حقيقته؟ ~~فيقال : لأنه يتصف بصفات لا تحملها الأفهام إذ الناس قسمان عوام وخواص أما ~~من غلب على طبعه العامية فإنه لا يصدق بما هو وصف الروح أن يكون وصفا لله ~~تعالى ، فكيف يصدق به في وصف الروح الإنساني؟ وكذلك أنكرت الكرامية ~~والحنبلية وغيرهم ممن غلبت عليهم العامية بتنزيه الإله تعالى عن الجسمية ~~وعوارضها إذ لا يعقلون موجودا إلا متجسما مشارا إليه. ومن ترقى عن العامية ~~قليلا نفى الجسمية عن الإله تعالى. وما أطلق أن ينفي عوارض الجسمية عنه ، ~~فأثبت الجهة وترقى عن هذه العامية الأشعرية والمعتزلة فنزهوا الإله تعالى ~~عن الجسمية والجهة. PageV01P117 # فإن قيل : لم لا يجوز كشف هذا السر مع هؤلاء؟ فيقال : لأنهم أحالوا أن ~~تكون هذه الصفة لغير الله تعالى ، فإذا ذكرت هذا معهم كفروك ، وقالوا : هذا ~~تشبيه لأنك تصف نفسك بما هو صفة الإله تعالى على الخصوص وذلك جهل بأخص ~~أوصاف الله تعالى. # فإن قلنا : إن الإنسان حي عالم قادر مريد سميع بصير متكلم والله تعالى ~~كذلك ليس فيه تشبيه لأن هذه الصفات ليست أخص أوصاف الله تعالى ، فكذلك ~~البراءة عن المكان والجهة ليست أخص وصف الإله تعالى ، بل أخص وصفه تعالى ~~أنه قيوم أي قائم بذاته وكل ما سواه قائم به وهو موجود بذاته لا بغيره وليس ~~للأشياء من أنفسها إلا ms154 العدم ، وإنما لها الوجود من غيرها على سبيل العارية ~~فالوجود لله تعالى ذاتي ليس بمستعار وما سواه فوجوده منه تعالى لا من نفسه ~~وهذه القيومية ليست إلا لله تعالى. # فإن قيل : ما معنى نسبة الروح إلى الله تعالى في قوله : ( @QUR@04 ونفخت ~~فيه من روحي ) [الحجر: 29]. فاعلم أن الروح منزهة عن الجهة والمكان وفي ~~قوتها العلم بجميع المعلومات والاطلاع عليها ، فهذه مضاهاة ومناسبة ليست ~~لغيره من الجسمانيات ، فلذلك اختصت بالإضافة إلى الله تعالى. # فإن قيل : فما معنى قوله ( @QUR@05 قل الروح من أمر ربي ) [الإسراء : ~~85]. وما معنى عالم الأمر وعالم الخلق؟ فيقال : إن كل ما يقع عليه مساحة ~~وتقدير فهو الأجسام وعوارضها. فهذا هو عالم الخلق والخلق هاهنا بمعنى ~~التقدير لا بمعنى الإيجاد والإحداث. يقال : خلق الشيء أي قدره وكل ما لا ~~كمية له ولا تقدير. يقال : إنه أمر رباني وتلك المضاهاة التي ذكرناها ، فكل ~~ما هو من هذا الجنس من أرواح البشرية وأرواح الملائكة يقال : إنه من عالم ~~الأمر وعالم الأمر عبارة عن الموجودات الخارجة عن الحس والخيال والجهة ~~والمكان والتحيز والدخول تحت المساحة والتقدير لانتفاء الكمية عنه. # فإن قيل : فهذا يوهم أن الروح قديم ليس بمخلوق. فيقال : قد توهم هذا قوم ~~جهال ضلال ، فمن قال إنه ليس بمخلوق بمعنى أنه غير مقدر بكمية لأنه لا ~~يتجزأ ولا يتحيز فهو مصيب إلا أنه مخلوق بمعنى أنه حادث وليس بقديم ، لأن ~~حدوث الروح البشرية متوقف على استعداد النطفة كما حدثت الصورة في المرآة ~~بحدوث الصقالة وإن كان ذو الصورة سابق الوجود على الصقالة. # فإن قيل : ما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : «إن الله تعالى خلق آدم ~~على صورته» وروي «على صورة الرحمن» فيقال : إن الصورة اسم مشترك قد يطلق ~~على ترتيب الأشكال ووضع بعضها على بعض واختلاف تركيبها وهي الصورة ~~المحسوسة. وقد يطلق على ترتيب المعاني التي ليست محسوسة وللمعاني أيضا ~~تركيب وترتيب وتناسب يسمى ذلك صورة. يقال : صورة المسألة كذا وصورة الواقعة ~~كذا وصورة العلوم الجسمانية والعقلية كذا ، فالمسألة ms155 بالصورة المذكورة هي ~~الصورة المعقولة المعنوية والإشارة إلى المضاهاة التي ذكرناها ، ويرجع ذلك ~~إلى الذات والصفات PageV01P118 # والأفعال وحقيقة ذات الروح أنه قائم بنفسه ليس بعرض ولا جسم ولا جوهر ~~متحيز ولا يحل المكان والجهة ، ولا هو متصل بالبدن والعالم ، ولا هو منفصل ~~، ولا هو داخل البدن والعالم ولا هو خارج. وهذا كله صفات ذات الله تعالى. ~~وأما الصفات : فقد خلق حيا عالما قادرا مريدا سميعا بصيرا متكلما والله ~~تعالى كذلك وأما الأفعال : فمبدأ فعل الآدمي إرادة يظهر أثرها أولا في ~~القلب فينتشر منه أثر بواسطة الروح الحيواني الذي هو بخار لطيف في تجويف ~~ويتصاعد إلى الدماغ ، ثم يسري منه أثر إلى الأعضاء إلى أن تصل الآثار إلى ~~الأصابع مثلا فتتحرك فيتحرك بالأصابع القلم وبالقلم المداد ، فيحدث منه ~~صورة ما يريد كتبه على القرطاس في خزانة التخيل ، فإنه ما لم يتصور في ~~خياله صورة المكتوب أولا لا يمكن إحداثه على البياض. ثانيا فمن استقرأ ~~أفعال الله تعالى وكيفية إحداث الحيوان والنبات على الأرض بواسطة تحريك ~~الكواكب والسماوات بواسطة الملائكة علم أن تصرف الآدمي في عالمه يشبه تصرف ~~الخالق سبحانه في العالم الأكبر ، فحينئذ يعرف معنى قوله صلى الله عليه وسلم : ~~«إن الله تعالى خلق آدم عليه السلام على صورته». # فإن قيل : فإذا كانت الأرواح حادثة مع الأجساد فما معنى قوله عليه الصلاة ~~والسلام : «خلق الله تعالى الأرواح قبل خلق الأجساد بألفي عام» ، وقوله : ~~«أنا أول الأنبياء خلقا وآخرهم بعثا وكنت نبيا وآدم بين الماء والطين»؟ ~~فاعلم أن شيئا من ذلك لا يدل على قدم الروح لكن قوله : «أنا أول الأنبياء ~~خلقا». ربما دل بظاهره على تقدم وجوده على جسده وغير الظاهر متعين. فإن ~~تأويله ممكن والبرهان القاطع لا يدرأ بالظاهر بل ليسلط على تأويل الظاهر ، ~~كما في ظواهر التشبيه في حق الله تعالى. # فأما قوله : «خلق الله تعالى الأرواح قبل الأجساد بألفي عام» أراد ~~بالأرواح أرواح الملائكة ، والأجساد أجسام العالم من العرش والكرسي ~~والسماوات والكواكب والهواء والماء والأرض. # وأما قوله : «أنا ms156 أول الأنبياء خلقا» فالخلق هاهنا بمعنى التقدير دون ~~الإيجاد ، فإنه صلى الله عليه وسلم قبل أن تلده أمه لم يكن موجودا مخلوقا ، ~~ولكن الغايات والكمالات سابقة في التقدير لاحقة في الوجود ، فإن الله تعالى ~~يقدر أولا أي يرسم في اللوح المحفوظ الأمور الإلهية على وفق علمه تعالى ، ~~فإذا فهمت نوعي الوجود فقد كان عليه الصلاة والسلام قبل وجود آدم ~~عليه السلام أعني الوجود الأول التقديري دون الوجود الحسي العيني. هذا آخر ~~الكلام في معنى الروح والله أعلم. ### ||| * الباب السابع ### ||| * في بيان معنى المحبة # اعلم : أن المحبة ميراث التوحيد والمعرفة وكل مقام وحال قبلها فلها يرد ~~ومنها يستفاد. وأما المعرفة الخاصة بها : فكل ما يتعلق بذات الله تعالى ~~وصفاته من سلب نقص وإثبات كمال وهي واجبة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة ، ~~وإنما وقع الخلاف في حقيقتها ومعناها وليس للمحبة معنى غير الميل PageV01P119 # إلى اللذيذ الموافق ، واعلم أن معرفة الله تعالى بنفسها ذكر الله تعالى ، ~~لأنها حضور معه وشهود له ومن علامته في بدايته اللوائح والطوالع واللوامع ~~والبروق ، وهذه ألفاظ متقاربة المعاني والفرق بين البرق والوجد أن البرق ~~إذن في دخول طريق التوحيد والوجد يصحبك فيها فإذا دام صار ذوقا. # وأما الذوق : فهو استحلاء وشرب لما شاهدت من ضياء البرق. وأما اللحظ فهو ~~اسم يعبر به عن رؤية الحق تعالى بالقلب ، كما قال عليه الصلاة والسلام : ~~«اعبد الله كأنك تراه» وأما الوقت : فهو اسم ظرف للكائن فيه من الأحوال ~~فوقت العبد ما هو فيه. وأما الصفاء : فهو اسم للبراءة من الكدر. وأما النفس ~~: فهو تنفس العبد لعجزه عن حمل الأحوال الواردة عليه إما صعدا وإما تلفظا ~~بكلام أو إشارة مما هو فيه ، لأن العبد ما دام حيا لا بد أن يتروح بدخول ~~النفس وخروجه فإذا قوي النفس أدى إلى الغرق : وأما الغرق فهو عدم القدرة ~~على النفس لكظمه فهو غير متنفس ولا غائب فإذا قوي عليه دخل في الغيبة. وأما ~~الغيبة : فهي اسم للذهول عن المهمات بما هو أهم منها. وأما السكر : فهو ms157 اسم ~~يشار به إلى سقوط التمالك في الطرب فإذا لحقته العناية أصحاه ليزيده علما ، ~~لأن السكران لا يرتقي بالمسكر في الحق والصحو إنما هو بالحق. أما السكر في ~~الحق : فهو النظر إلى صفاته والتنعم بما يرد عليه منه والتلذذ به. وأما ~~الصحو بالله تعالى : فهو أن يتبرأ من نفسه ومن التذاذه وأحواله فإذا منح ~~بعد ذلك بشهود الذات كوصف بالقيومية وهي صفات الألوهية فأفتنه عما سوى ~~معبوده ثم فني عن فنائه. وأما الفناء : فحقيقته في الحس تلاشي الأجسام ~~والأعراض وذهابها بالكلية. # ولما كان كل ما سوى الله تعالى موجودا بالله وقائما به لا بنفسه كان ~~وجوده مجازا وكان القائم بنفسه المقيم لغيره وجوده ثابتا حقيقيا استعير لمن ~~أكرم بهذه المعرفة لفظ الفناء لتلاشي الموجودات في عين قلبه حيث شهد الكل ~~مع القدرة ، كالطفل لا حكم له في الفعل ، فإذا أيد هذا العبد وكمل رقاه إلى ~~مقام البقاء. لأنه إذا لم يبق في القلب التفات إلى غير الله تعالى لدوام ~~الشغل به عبر عن هذه الحالة بالبقاء مع الله بالله تعالى ، والوجود والبقاء ~~اسمان مترادفان على معنى واحد ، فالوجود اسم للظفر بحقيقة الشيء ، والبقاء ~~هو أجل الحقائق التي يقصد الظفر بها. وكذلك مقام الجمع. قال بعض السادة : ~~الجمع ما أسقط التفرقة وقطع الإشارة ومعناه أن يكون مذكورا بالله تعالى ~~ومذكورا منه تعالى والحمد لله وحده. ### ||| * الباب الثامن ### ||| * في بيان معنى الأنس بالله تعالى # اعلم : أن من أجل مواريث المحبة الأنس. أما حقيقة الأنس : فهو استبشار ~~القلب وفرحه لما انكشف له من قرب الله تعالى وجماله وكماله. وقال بعضهم : ~~حقيقة القرب فقد حس الأشياء من القلب وهدوء الضمير إلى الله تعالى. PageV01P120 # قلت : وهذا هو الوسيلة لنيل القرب لا نفس القرب ، لأن هذا هو طهور القلب ~~عما سوى الله تعالى وإذا تطهر القلب عما سوى الله تعالى كان حاضرا مع العبد ~~، لأنه ليس بين العبد وبين الله إلا حجاب نفسه وعوارضها. فإذا فني عنها وعن ~~عوارضها وعلم قيام العالم كله بقدرة الله تعالى ms158 عرف قرب الله تعالى بها ~~كشفا وإرادته تخصيصا وقدرته إيجادا وإبقاء والصفات التي لا تفارق الموصوف ~~بل صفاته قائمة بالموصوف ، فإذا نطق العارف فلا ينطق بنفسه ، وإذا سمع فلا ~~يسمع بنفسه ، وهكذا ورد في الحديث فالعارفون تنشأ أحوالهم عن قرب الله ~~تعالى. وأما الأبرار : فتنشأ أحوالهم عن ملاحظة علمهم بوجود الرب مطلقا مع ~~العلم باقتداره على المنع والعطاء والإسعاد والإشقاء ، والعارفون يرون ربهم ~~في الدنيا بعين الإيقان والبصائر ، وفي الأخرى بالإبصار أي بالعين قريب ~~منهم في الدارين وليس قربه منهم في الأخرى مخالفا لقربه في الدنيا إلا ~~بمزيد اللطف والعطف ، وإلا فقد ارتفع هنا وهناك قرب المسافة ولم يكن بينه ~~وبين مخلوق إضافة لا في الدنيا ولا في الآخرة البتة ، وهذه المعرفة مثمرة ~~الأنس بشرط الصفاء والأنس يثمر السكينة فهي صولة تعدل طغيان القلب وتثبته ~~وتوقفه على حد الاعتدال في ژداب الحضرة ، لأن لذة القرب في الأنس تطير ~~ألباب العارفين وتوجب لهم الطغيان ، لأن الإنسان يطغى عند الغنى. # وأما الطمأنينة : فهي وجود من بعد اعتدال بفرح واستبشار لمعرفة القلب ~~بالمزيد وهي مستصحبة مع الأنس لأنها مقصودة في ذاتها ، والسكينة وسيلة ~~تحثها على الأدب والاعتدال ، ومن ثمرات المحبة : الانبساط والإدلال وذلك أن ~~الأنس إذا دام أنسه واستحكم ولم يشوشه قلق القلب لقصور نظره على طيب حاله ~~أثمر ذلك انبساطا في الأقوال والأفعال والمناجاة ، فلا يليق ذلك بحال ~~التعظيم والإجلال الموجبان للمهابة ، فإنه يليق بالمستأنس المنبسط ما لا ~~يليق بالهائب ، وذلك أن من أفعال الله الجائزة له أن يرضى على قوم بفعلهم ~~ويغضب به على آخرين لاختلاف أحوالهم وللحكمة السابقة فيهم ، ولذلك يغار على ~~كلامه أن يسمعه إلا لأهل خاصته. قال الله تعالى : ( @QUR@09 وجعلنا على ~~قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا ) [الإسراء : 46]. وعبر عن السر في ~~ذلك. فقال : ( @QUR@06 ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ) [الأنفال : 23]. ~~وهذا حجاب الغيرة فحقيقتها حفظ الوقت مع الحق أن يشوشه مشوش شحا عليه ، ومن ~~ثمرات المحبة الشوق وهو أفضل من الأنس ، لأن الأنس قصر نظره على ms159 ما انكشف ~~له جمال المحبوب ولم يمتد نظره إلى ما غاب عنه والمشتاق كالعطشان الذي لا ~~ترويه البحار لمعرفته بأن الذي انكشف له من الأمور الإلهية بالنسبة إلى ما ~~غاب عنه كالذرة بالنسبة إلى سعة الوجود ولله المثل الأعلى. وهذه المعرفة ~~توجب الانزعاج والقلق والتعطش الدائم ، لأن حقيقة القلق سرعة الحركة لنيل ~~المطلوب مع إسقاط الصبر ، وحقيقة التعطش شدة الطلب لما تأكدت الحاجة إليه ، ~~ومن اشتد قلقه وتعطشه وجد وحقيقة الوجد هو الشوق الغالب على قلب الطالب ، ~~وهذا الوجد بعد حصوله له أحوال : # الأول : الدهش. قال الله تعالى : ( @QUR@05 فلما رأينه أكبرنه وقطعن ~~أيديهن ) [يوسف : 31]. وحقيقة الدهش غيبة القلب عن إحساسه لما فاجأه من ~~الأمر العظيم. PageV01P121 # الثاني : الهيمان إذا سكن قليلا وتكرر طروقه صار القلب متعجبا متحيرا من ~~حسنه وبهائه وهذا هو الهيمان ، لأن حقيقة الهيمان ذهاب التماسك تعجبا ~~وتحيرا وهو أثبت دواما. # الثالث : أنسه وتمكينه منه حتى كأنه لم يدخل عليه داخل ولم يطرقه طارق ~~وهذا هو التمكين. # قال الشيخ رحمه الله : التمكين إشارة إلى غاية الاستقرار ، وذلك أن أي ~~حالة وجدها المحب مع الله مرة تقوى عليه ، ومرة يقوى عليها ، ومرة يتلون ، ~~ومرة يثبت إلى أن يتمكن فيستقر ، وهذا جار في كل حال ، فإذا استقر ارتقى ~~إلى غيره ليكون المرتقى إليه حالا والمرتقى عنه مقاما والله أعلم. # واعلم : أن هذه الأحوال إن وجدها العبد في الملأ دون الخلاء فهو معول يجب ~~عليه المحاسبة ومطالبة نفسه بالعلامات ، وإن وجدها في الخلاء دون الملاء ~~فهو حسن ولكنه ناقص عن ذروة الكمال إذ الكمال استواء الحالات خلاء وملاء ~~وحضرا وسفرا وفراغا وشغلا ، لأن الفراغ شرط في البداية لا في النهاية. وأما ~~حد الواجب من المحبة : فهو الميل المسبب عن نفس الاعتقاد بأصول الإيمان ~~فيما يتعلق بذات الله وصفاته ، فإن جهل أصلا من الأصول نقصت المحبة بقدره ~~وكان عليه إثمان : إثم الجهل وإثم فقد ثمرته. وأما حقيقة الإيمان : فهو ~~حضور القلب مع الله تعالى وشهوده الآثار الدالة على وجوده ، والله تعالى ~~أعلم وقد ms160 قيل : # الأنس بالله لا يحويه بطال %~% وليس يدركه بالحول محتال والآنسون رجال كلهم نجب %~% وكلهم صفوة لله عمال # ومن غلب عليه حال الأنس لم تكن له شهوة إلا الانفراد والخلوة. وقال ~~الواسطي : لا يصل إلى محل الأنس من لم يستوحش من الأكوان كلها. وقال أبو ~~الحسين الوراق : لا يكون الأنس بالله إلا ومعه التعظيم. لأن كل من استأنست ~~به سقط عن قلبك تعظيمه إلا الله تعالى ، فإنك لن تزيد به أنسا إلا ازددت ~~منه هيبة وتعظيما. # وقد يكون الأنس ، الأنس بطاعة الله وذكره وتلاوة كلامه وسائر أبواب ~~القربات. وهذا القدر من الأنس نعمة من الله تعالى ومنحة ، ولكن ليس هو حال ~~الأنس الذي يكون للمحبين ، والأنس حال شريف يكون عند طهارة الباطن وكنسه ~~بصدق الزهد وكمال التقوى وقطع الأسباب والعلائق ومحو الخواطر والهواجس. ~~وحقيقته عندي كنس الوجود بثقل لائح العظمة وانتشار الروح في ميادين الفتوح ~~وله استقلال بنفسه يشتمل على القرب فيجمعه به عن الهيبة وفي الهيبة اجتماع ~~الروح وهذا الوصف أنس الذات. وهيبة الذات يكون في مقام البقاء بعد العبور ~~على ممر الفناء وهما غير الأنس والهيبة اللذان يذهبان بوجود الفناء ، لأن ~~الهيبة والأنس قبل الفناء ظهرا من مطالعة الصفات من الجلال والجمال وذاك ~~مقام التلوين ، وما ذكرنا بعد الفناء في مقام التمكين والبقاء من مطالعة ~~الذات ومن الأنس خضوع النفس المطمئنة ومن الهيبة خشوعها ، والخضوع والخشوع ~~يتقاربان ويفترقان بفرق لطيف يدرك بإيماء الروح والله تعالى أعلم. PageV01P122 ### ||| * الباب التاسع ### ||| * في بيان معنى الحياء والمراقبة ويضاف إليهما الإحسان لأنه ### ||| * غايتهما وكذلك الرعاية والحرمة والأدب لأنهن من ثمراتها # اعلم : أن الحياء أول مقام من مقامات المقربين كما أن التوبة أول مقام من ~~مقامات المتقين. أما العلم الحامل على الحياء : فهو علم العبد باطلاع تعالى ~~عليه. وهذا واجب ، لأنه من الإيمان بالله وبالله تعالى. وكذا معرفته بعيوب ~~نفسه وقصورها عن القيام بحق ربه سبحانه وتعالى وهذا أيضا واجب ، لأنه من ~~الإيمان بالله تعالى فينفتح من هاتين المعرفتين حال يسمى الحياء ، وهو ~~إطراق ms161 عين القلب خجلا من الله تعالى كتقصيره في واجب حقه تعالى ، والقدر ~~الواجب من هذه الحالة ما يحث على ترك المحظورات وفعل الواجبات. وأما ~~المراقبة والإحسان : فهما لفظان متداخلان على معنى واحد. فأما ثمرة بداية ~~المراقبة فهو رعاية الخواطر وكشف ما التبس منها والأدب مع الله تعالى بحرمة ~~مراقبته والحياء على الوصف العام الخاص، وأما الوصف العام ما أمر به رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في قوله : «استحيوا من الله حق الحياء قالوا : إنا ~~نستحيي يا رسول الله قال ليس ذلك ولكن من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ ~~الرأس وما وعى والبطن وما حوى وليذكر الموت والبلى. ومن أراد الآخرة ترك ~~زينة الدنيا فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء». وهذا الحياء من ~~المقامات ، وأما الحياء الخاص من الأحوال وهو ما نقل عن عثمان بن عفان رضي ~~الله عنه أنه قال : إني لأغتسل في البيت المظلم فأنطوي حياء من الله عز وجل ~~. وعن أحمد بن صالح قال : سمعت محمد بن عبدون يقول : سمعت أبا العباس ~~المؤذن يقول : قال لي سري : احفظ عني ما أقول لك إن الحياء والأنس يطوفان ~~بالقلوب ، فإذا وجدا قلبا فيه الزهد والورع حطا وإلا رحلا ، والحياء إطراق ~~الروح إجلالا لتعظيم الجلال ، والأنس التذاذ الروح بكمال الجمال ، فإذا ~~اجتمعا فهو الغاية في المنى والنهاية العظمى. # قال بعض الحكماء : من تكلم في الحياء ولا يستحيي من الله عز وجل فيما ~~يتكلم به فهو مستدرج. وقال ذو النون : الحياء وجود الهيبة في القلب مع حشمة ~~ما سبق منك إلى ربك. قال ابن عطاء : العلم الأكبر : الهيبة والحياء فإذا ~~ذهب عنه الهيبة والحياء فلا خير فيه. قال سليمان : إن العباد عملوا على ~~أربع درجات على الخوف والرجاء والتعظيم والحياء ، وأشرفهم منزلة من عمل على ~~الحياء لما أيقن أن الله تعالى يراه على كل حال استحيا من حسناته أكثر مما ~~استحيا العاصون من سيئاتهم. وقال بعضهم : الغالب على قلوب المستحيين ~~الإجلال والتعظيم دائما عند نظر الله تعالى ms162 إليهم. وأنشد الشيخ أبو النجيب ~~السهروردي : # أشتاقه فإذا بدا %~% أطرقت من إجلاله لا خيفة بل هيبة %~% وصيانة لجماله الموت في إدباره %~% والعيش في إقباله PageV01P123 وأصد عنه تجلدا %~% وأروم طيف خياله # والمراقبة على درجتين مراقبة الصديقين ومراقبة أصحاب اليمين. أما الدرجة ~~الأولى : فهي مراقبة المقربين من الصديقين وهي مراقبة التعظيم والإجلال ، ~~وهو أن يكون القلب مستغرقا بملاحظة ذلك الجلال ومنكسرا تحت الهيبة فلا يبقى ~~له متسع للالتفاتات إلى الغير أصلا ، وهذه المراقبة لا يطول النظر في تفصيل ~~ثوابها فإنها مقصورة على القلب. أما الجوارح : فإنها تتعطل عن الالتفات إلى ~~المناجاة فضلا عن المنظورات ، فإذا تحركت بالطاعات كانت كالمستعملة فلا ~~يحتاج إلى تدبير وتسبب في حفظها عن الانحراف عن سنن السداد. # وأما الدرجة الثانية : فهي مراقبة الورعين من أصحاب اليمين ، وهم قوم غلب ~~اطلاع الله تعالى على ظاهرهم وباطنهم ولكن لم تدهشهم ملاحظة الجلال ، بل ~~بقيت قلوبهم على حد الاعتدال متسعة للتلفت إلى الأحوال والأعمال إلا أنها ~~مع ممارسة الأعمال لا تخلو عن المراقبة. نعم غلب عليهم الحياء من الله ~~تعالى فلا يقدمون ولا يحجمون إلا بعد التثبت فيه ويمتنعون من كل ما يفتضحون ~~به في القيامة فإنهم يرون الله تعالى في الدنيا مطلعا عليهم فلا يحتاجون ~~إلى انتظار القيامة ، وتعرف اختلاف الدرجتين بالمشاهدات والله أعلم. ### ||| * الباب العاشر ### ||| * في بيان معنى القرب # قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : ( @QUR@02 واسجد واقترب ) [العلق : 19]. # وقد ورد أقرب ما يكون العبد من ربه في سجوده ، فالساجد إذا أذيق طعم ~~السجود يقرب ، لأنه يسجد ويطوي بسجوده بساط الكون ما كان وما يكون ويسجد ~~على طرف رداء العظمة فيقرب. # قال بعضهم : إني لا أجد الحضور ، فأقول : يا الله أو يا رب فأجد ذلك أثقل ~~علي من الجبال. قيل : ولم ذلك؟ قال : لأن النداء يكون من وراء حجاب ، وهل ~~رأيت جليسا ينادي جليسه؟ وإنما هي إشارات وملاحظات ومناغاة وملاطفات ، وهذا ~~الذي وصفه مقام عزيز يتحقق فيه القرب ولكنه مشعر بمحو ومؤذن بسكر يكون ذلك ~~لمن غابت نفسه ms163 في نور روحه لغلبة سكره وقوة محوه ، فإذا صحا وأفاق تتخلص ~~الروح من النفس والنفس من الروح ويعود كل من العبد إلى محله ومقامه. فيقول ~~: يا الله ويا رب بلسان النفس المطمئنة العائدة إلى مقام حاجتها ومحل ~~عبوديتها والروح يشتغل بفتوحه بكمال الحال عن الأقوال ، وهذا أتم وأقرب من ~~الأول ، لأنه في حق القرب باستقلال الروح بالفتوح وأقام رسم العبودية بعود ~~حكم النفس إلى محل الافتقار وحظ القرب لا يزال يتوفر للروح بإقامة رسم ~~العبودية من النفس. # وقال الجنيد : إن الله تعالى يقرب من قلوب عباده على قدر قربهم منه ، ~~فانظر ما ذا تقرب من قلبك. وقال أبو يعقوب السوسي : ما دام العبد يكون ~~بالقرب لم يكن قريبا حتى يغيب عن PageV01P124 # القرب بالقرب فإذا ذهب عن رؤية القرب بالقرب فذلك قرب وقد قال قائلهم : # قد تحققتك في الس %~% ر فناجاك لساني فاجتمعنا لمعان %~% وافترقنا لمعاني إن لم يكن عيبك الت %~% عظيم عن لحظ عياني فلقد صيرك الوج %~% د من الأحشاء داني # وقال ذو النون : ما ازداد أحد من الله قربة إلا ازداد هيبة. وقال سهل : ~~أدنى مقام من مقامات القرب الحياء. وقال النصرآبادي : باتباع السنة تنال ~~المعرفة ، وبأداء الفرائض تنال القرب ، وبالمواظبة على النوافل تنال المحبة ~~، والحمد لله وحده. ### ||| * الباب الحادي عشر ### ||| * في بيان شرف العلم ووجوب طلبه والقدر الواجب منه # اعلم : أن العلم والعمل لأجلهما خلقت السماوات والأرض وما فيهما. # قال الله تعالى : ( @QUR@024 الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل ~~الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء ~~علما ) [الطلاق : 12]. وكفى بهذه الآية دليلا على شرف العلم ووجوب طلبه لا ~~سيما علم التوحيد. # قال تعالى : ( @QUR@06 وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) [الذاريات : ~~56]. وكفى بهذه الآية دليلا على شرف العبادة ولزوم الإقبال عليها فأعظم ~~بأمرين هما المقصود من خلق الدارين فحق العبد أن لا يشتغل إلا بهما وأن لا ~~يتعب إلا لهما ثم العلم هو أشرف الجوهرين ، ولكن لا بد من العبادة ms164 مع العلم ~~وإلا كان العلم هباء منثورا. # واعلم : أنه يجب تقديم العلم على العبادة لأمرين : أحدهما : لتصح لك ~~العبادة وتسلم. والثاني : هو أن العلم النافع يثمر الخشية والمهابة لله ~~تعالى في قلب العبد وهما يثمران طاعة ويحجزان عن المعصية بعون الله تعالى ~~وتوفيقه ، وليس وراء هذين مقصد للعبد في عبادة ربه سبحانه وتعالى. فعليك ~~بالعلم النافع فيجب عليك أولا أن تعرف المعبود ثم تعبده وكيف تعبد من لا ~~تعرفه بأسمائه وصفات ذاته وما يجب له وما يستحيل عليه في نعته ، فربما ~~تعتقد اعتقادا في صفاته شيئا مما يخالف الحق فتكون عبادتك هباء منثورا. ثم ~~عليك أن تعلم ما يلزمك فعله من الواجبات الشرعية لتفعله على ما أمرت به وما ~~يلزمك تركه من المناهي الشرعية لتتركه. # واعلم : أن العلم الذي طلبه فرض لازم لكل مكلف ثلاثة أنواع : # الأول : علم التوحيد والذي يتعين عليك منه هو مقدار ما تعرف به أصول ~~الدين وقواعد العقائد كافية فيه. PageV01P125 # الثاني : علم السر وهو ما يتعلق بالقلب ومساعيه من مواجبه ومناهيه. # الثالث : علم العبادات الظاهرة المتعلقة بالأبدان والأموال ، ثم إن من ~~الله عليك بعلم ما وجب عليك علمه وعمل ما وجب عليك عمله وترك ما وجب عليك ~~تركه فقد أديت ما أوجبه الله تعالى عليك وصرت من العلماء العالمين ، وبالله ~~التوفيق. ### ||| * الباب الثاني عشر ### ||| * في بيان معاني الأسماء الحسنى # اعلم : أن جملة الأسماء الحسنى ترجع إلى ذات وسبع صفات على مذهب أهل ~~السنة خلافا للمعتزلة والفلاسفة ، ثم إن الاسم غير التسمية وغير المسمى ~~وهذا هو الحق ، فحد الاسم أنه اللفظ الموضوع للدلالة على المسمى. # واعلم أن كمال العبد وسعادته إنما هو في التخلق بأخلاق الله تعالى ~~والتحلي بمعاني أسمائه وصفاته بقدر ما يتصور في حقه ، ولا تظنن أن المشاركة ~~بكل وصف يوجب المماثلة. هيهات ألم تعلم أن الله موجود لا في محل ، وأن الله ~~تعالى حي عالم قادر مريد سميع بصير متكلم فاعل والإنسان كذلك أيضا. أفترى ~~أن مثبت هذه الأوصاف للإنسان يكون مشبها ممثلا. هيهات ms165 ليس الأمر كذلك ، بل ~~المماثلة عبارة عن المشاركة في النوع والماهية والخاصية الإلهية أنه ~~الموجود الواجب الوجود بذاته الذي بقدرته يوجد كل ما في الإمكان وجوده على ~~أحسن وجوه النظام والكمال ، وهذه الخاصية لا يتصور فيها مشاركة ولا مماثلة ~~البتة بل لا يعرفها حقيقة إلا الله تعالى وتقدس ، فالخلق كلهم لم يعرفوا ~~إلا احتياج هذا العالم المنظوم المحكم إلى صانع حي عالم قادر ، وهذه ~~المعرفة لها طريقان : أحدهما : يتعلق بالعلم ومعلومه يحتاج إلى مدبر. ~~والآخر : يتعلق بالله تعالى ومعلومه أسام مشتقة من صفات غير داخلة في حقيقة ~~الذات وماهيتها ، فإن قلنا حي عالم قادر معناه شيء مبهم له وصف الحياة ~~والقدرة فما عرف أحد إلا نفسه أولا ثم قايس بين صفات الله تعالى وبين صفات ~~نفسه وتتعالى صفات الله تعالى عن أن تشبه صفاتنا ، فإذا يستحيل أن يعرف ~~الله تعالى بالحقيقة غير الله تعالى ، بل يستحيل أن يعرف النبوة غير النبي. ~~وأما من ليس بنبي فلا يعرف من النبوة إلا اسمها. # فإن قيل : فما نهاية معرفة العارفين بالله تعالى؟ فنقول : نهاية معرفتهم ~~هو أن ينكشف لهم استحالة معرفة حقيقة ذات الله تعالى لغير الله تعالى وإنما ~~اتساع معرفة العارفين بالله تعالى إنما تكون في معرفة أسمائه وصفاته فبقدر ~~ما ينكشف لهم من معلوماته وعجائب مقدوراته وبدائع آياته في الدنيا والآخرة ~~يكون تفاوتهم في معرفته سبحانه وتعالى والله أعلم. ### ||| * فصل # اعلم : أن جملة معاني أسماء الله تعالى الحسنى ترجع إلى عشرة أقسام : PageV01P126 # الأول : ما يدل على الذات فقط. كقولك : الله ويقرب منه اسم الحق تعالى ~~إذا أريد به الذات من حيث هي واجبة الوجود. # الثاني : ما يرجع إلى الذات مع سلب مثل القدوس والسلام والغني والأحد ~~ونظائرها ، فإن القدوس هو المسلوب عنه كل ما يخطر بالبال ويدخل في الوهم ، ~~والسلام هو المسلوب عنه كل عيب ونقص ، والغني هو المسلوب عنه كل حاجة ، ~~والأحد هو المسلوب عنه النظير والقسمة. # الثالث : ما يرجع إلى الذات مع إضافة كالعلي والعظيم. والأول والآخر ، ~~والظاهر والباطن ms166 ونظائرها. فإن العلي هو الذات الذي هو فوق سائر الذوات في ~~الرتبة فهي إضافة ، والعظيم ما يدل على الذات من حيث تجاوز حدود الإدراكات ~~، والأول هو السابق على الموجودات ، والآخر : هو الذي إليه مصير الموجودات ~~، والظاهر : هو الذات بالإضافة إلى دليل العقل ، والباطن هو الذات بالإضافة ~~إلى إدراك الحس والوهم. # الرابع : ما يرجع إلى الذات مع سلب وإضافة كالملك والعزيز ، فإن الملك هو ~~الذات التي لا تحتاج إلى شيء ويحتاج إليها كل شيء. والعزيز هو الذي لا نظير ~~له وهو ما تشتد الحاجة إليه ويصعب نيله والوصول إليه. # الخامس : ما يرجع إلى الذات مع صفة ثبوته كالحي والعالم والقادر والمريد ~~والسميع والبصير والمتكلم. # السادس : ما يرجع إلى العلم مع إضافة كالحكيم والخبير والشهيد والمحصي. ~~فإن الحكيم يدل على العلم مضافا إلى أشرف المعلومات ، والخبير يدل على ~~العلم مضافا إلى الأمور الباطنة ، والشهيد يدل على العالم مضافا إلى ما ~~يشاهد والمحصي يدل على العلم الذي يحيط بمعلومات محصورات معدودة التفصيل. # السابع : ما يرجع إلى القدرة مع زيادة إضافة كالقوي والمتين والقهار فإن ~~القوة هي تمام القدرة ، والمتانة شدتها ، والقهر تأثيرها في المقدورة ~~بالغلبة. # الثامن : ما يرجع إلى الإرادة مع فعل وإضافة كالرحمن والرحيم والرؤوف ~~والودود. فإن الرحمة ترجع إلى الإرادة مضافة إلى قضاء حاجة المحتاج الضعيف ~~، والرأفة شدة الرحمة وهي المبالغة في الرحمة ، والودود يرجع إلى الإرادة ~~مضافا إلى الإحسان والإنعام وفعل الرحمة يستدعي محتاجا وفعل الود لا يستدعي ~~ذلك بالإنعام على سبيل الابتداء. # التاسع : ما يرجع إلى الذات مع صفة إضافية كالخالق والبارئ والمصور ~~والوهاب والرزاق والفتاح والباسط والقابض والخافض والرافع والمعز والمذل ~~والعدل والمقيت والمغيث والمجيب والواسع والباحث والمبدي والمعيد والمحيي ~~والمميت والمقدم والمؤخر والولي والبر والتواب PageV01P127 # والمنتقم والمقسط والجامع والمعطي والمانع والمغني والهادي ونظائرها. # العاشر : ما يرجع إلى الدلالة على الفعل مع إضافة كالمجيد والكريم ~~واللطيف. فإن المجيد يدل على سعة الإكرام مع شرف الذات. والكريم كذلك ، ~~واللطيف يدل على الفعل مع الرفق ، ولا تخرج هذه الأسامي وغيرها ms167 عن مجموع ~~هذه الأقسام العشرة. فقس بما أوردناه على ما لم نورده وذلك يدل على وجه ~~خروج هذه الأسامي عن الترادف مع رجوعها إلى هذه الصفات المشهورة والمحصورة ~~والله تعالى أعلم. # اعلم : أن معاني أسماء الله الحسنى مندرجة في أربع كلمات وهن الباقيات ~~الصالحات (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر). # الكلمة الأولى : سبحان الله ومعناها في كلام العرب التنزيه والسلب فهي ~~مشتملة على سلب النقص والعيب عن ذات الله تعالى وصفاته فما كان من أسمائه ~~سلبا فهو مندرج تحت هذه الكلمة كالقدوس وهو الطاهر من كل عيب ، والسلام هو ~~الذي سلم من كل آفة. # الكلمة الثانية : قول الحمد لله وهي مشتملة على إثبات ضروب الكمال لذاته ~~وصفاته سبحانه وتعالى ، فما كان من أسمائه متضمنا الإثبات كالعليم والقدير ~~والسميع والبصير فهو مندرج تحتها فنفينا بسبحان الله كل عيب عقلناه وكل نقص ~~فهمناه ، وأثبتنا بالحمد لله كل كمال عرفناه وكل جلال أدركناه وراء ما ~~نفيناه وأثبتناه شأن عظيم قد غاب عنا وجهلناه فنحققه من جهة الإجمال بقولنا ~~الله أكبر. # وهي الكلمة الثالثة ومعناها : إنه أجل مما نفيناه ومما أثبتناه وذلك معنى ~~قوله عليه الصلاة والسلام: «لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» ، ~~فما كان من أسمائه متضمنا فوق ما عرفناه وأدركناه كالأعلى والمتعالي فهو ~~مندرج تحت قولنا : الله أكبر في الوجود من هذا شأنه نفينا أن يكون في ~~الموجودين من يشاكله أو يناظره فحققنا ذلك بقولنا : لا إله إلا الله. # وهي الكلمة الرابعة : إذ الألوهية ترجع إلى استحقاق العبودية ولا يستحق ~~العبودية إلا من اتصف بجميع ما ذكرناه ، فما كان من أسمائه متضمنا للجميع ~~على الإجمال كالواحد الأحد وذي الجلال والإكرام فهو مندرج تحت قولنا لا إله ~~إلا الله. وإنما استحق العبودية لما وجب له من أوصاف الجمال ونعوت الكمال ~~التي لا يصفها الواصفون ولا يعدها العادون ولو أدرجت الباقيات الصالحات في ~~كلمة على سبيل الإجمال وهي : الحمد لله لاندرجت فيها كما قال السيد الجليل ~~والإمام ms168 الحفيل علي بن أبي طالب رضي الله عنه : لو شئت أن أوقر بعيرا من ~~قول الحمد لله لفعلت. فإن الحمد لله هو الثناء والثناء يكون بإثبات الكمال ~~تارة وسلب النقص أخرى ، وتارة بالاعتراف بالعجز عن إدراك الإدراك وتارة ~~بإثبات التفرد بالكمال والتفرد والكمال من أعلى مراتب المدح والكمال. وقد ~~اشتملت هذه الكلمة على ما ذكرناه في الباقيات الصالحات لأن الألف PageV01P128 # واللام فيها لاستغراق جنس المدح والحمد ما علمناه وجهلناه ولا خروج للمدح ~~عن شيء مما ذكرناه. ولا يستحق الإلهية إلا من اتصف بجميع ما ذكرناه ، ولا ~~يخرج عن هذا الاعتقاد ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا أحد من أهل الملك إلا من ~~خذله الله واتبع هواه وكان أمره فرطا وعصى مولاه أولئك قوم قد غمرهم ذل ~~الحجاب وطردوا عن الباب وأبعدوا عن ذلك الجناب ، وحق لمن حجب في الدنيا عن ~~إجلاله ومعرفته أن يحجب في الآخرة عن إكرامه ورؤيته. ### ||| * الباب الثالث عشر ### ||| * في الاعتقاد والتمسك بعقيدة صحيحة ومعنى الاعتقاد اتخاذ ### ||| * عقد صورة علم أو ظن في القلب بوجود المغيبات والعلم ### ||| * الاعتقاد الجازم الثابت المطابق للواقع # وقال بعض الكبار : العلم نور إذا نزل في القلب ينفذ شعاعه إلى حيث ~~المعلوم ويتعلق به كما يتعلق نور العين بالمرئي الاعتقاد الصحيح هو الخالي ~~عن التعطيل والإلحاد والتشبيه والتجسيم والتكييف والنقض والحلول والاتحاد ~~والإباحة وغير ذلك ، وأن يكون معه التنزيه والعظمة والكبرياء كما كانت ~~الصحابة رضي الله عنهم. ودليله الكتاب والسنة واجتماع الأمة ، ثم قال : على ~~العبد أن يعلم أن الله تعالى واحد أحد فرد صمد في ذاته وصفاته ، لا مثل له ~~في ذاته ولا نظير له في صفاته ، ولا شريك له في ملكه ، ولا حدوث في صفاته ، ~~ولا زوال ولا بداية لقدمه ولا نهاية لبقائه دائم الوجود ولا آخر له قيوم ~~الموجودات لا انقطاع له لم يزل ولا يزال موصوفا بصفات الجلال والجمال لا ~~نهاية لكبريائه ولا غاية لعظمته وجلاله. ليس بجسم ولا جسماني ولا بروح ولا ~~روحاني ولا بجوهر محدود ولا تحله ms169 الجواهر ، بل هو خالق الأشياء أحد صمد لم ~~يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد منزه عن الحركة والانتقال والجهة والمكان ~~وأنه تعالى قريب من كل موجود وهو أقرب إلى العبد من حبل الوريد. قربه من ~~الخلق ليس كقرب الخلق بعضهم من بعض ، بل هو قريب يليق به تعالى. # سئل الجنيد قدس الله تعالى روحه عن القرب فقال : قريب لا بالتزاق وبعيد ~~لا بافتراق ولا كيفية لقربه ومعيته ، كما أنه ليس كمثله شيء كذلك قربه ~~ومعيته ليس كمعية أحد وقربه وأنه تعالى كان ولم يكن معه شيء وهو الآن على ~~ما هو عليه. ### ||| * فصل # اعلم : أن من أجرى الاستواء على العرش على ما ينبئ عنه ظاهر اللفظ وهو ~~الاستقرار على العرش. فقد التزم التجسيم وإن تشكك في ذلك كان في حكم المصمم ~~على التجسيم أيضا ، وإن قطع باستحالة الاستقرار على العرش فقد تأول الظاهر ~~وهو اعتقاد أهل الحق. PageV01P129 # وكذلك من أجرى النزول على ما ينبئ عنه ظاهر اللفظ وهو الحركة والانتقال ، ~~فقد التزم التجسيم أيضا ، وإن قطع باستحالة الحركة والانتقال فقد تأول ~~الظاهر وهو اعتقاد أهل الحق. # واعلم : أن الإعراض عن تأويل المتشابه خوفا من الوقوع في محظور من ~~الاعتقاد يجر إلى الشك والإيهام واستزلال العوام وتطريق الشبهات إلى أصول ~~الدين وتعريض بعض آيات كتاب الله العزيز إلى رجم الظنون والحمد لله وحده ~~وهذه العقيدة الصحيحة السليمة لصاحب قلب سليم سلم من البدعة ومن استيلاء ~~وساوس الشيطان وهواجس النفس وزين بالتقوى وأيد بالهدى وهذب بالورع وغذي ~~بالذكر والله تعالى أعلم. ### ||| * الباب الرابع عشر ### ||| * في بيان صفات الله تعالى # الصفات الثبوتية سبعة وهي : الحياة والعلم والإرادة والقدرة والسمع ~~والبصر والكلام ، وكل صفة من هذه الصفات لها تعلق إلا الحياة فإنها ينبوع ~~الكمالات ، فالعلم يتعلق بكل واجب وجائز ومستحيل ، فالواجب هو ذات الله ~~تعالى وصفاته ، والجائز هو جميع الممكنات ، والمستحيل هو الذي لا يمكن ~~وجوده ، والإرادة تعلقها تخصيص والتخصيص ترجيح أحد الممكنات من العدم إلى ~~الوجود على ما يريد أن يبرزه ms170 ، والقدرة تعلقها تأثير والتأثير هو إبراز ~~معدوم أو إعدام موجود ، فلو لا سبق العلم لم يحصل تخصيص الإرادة ، ولو لا ~~تخصيص الإرادة لم يحصل تأثير القدرة ، والسمع يتعلق بكل مسموع قديم أو حادث ~~، والكلام يتعلق بجميع ما يتعلق به العلم ، وهذه الصفات كلها قائمة بذات ~~الله تعالى وهي منقسمة إلى ما يتعلق بغيره كشفا كالعلم والسمع والبصر ، ~~وإلى ما يتعلق بغيره من غير كشف ولا تأثير : كالكلام ، وأعمها تعلقا : ~~العلم والكلام وأخصها السمع ومتوسطها البصر ، والبقاء هو استمرار الوجود ~~وليس هو وصفا زائدا على مفهوم الذات ، فالأشعرية يقولون الحق سبحانه وتعالى ~~حي بحياة ، عالم بعلم ، قادر بقدرة ، مريد بإرادة سميع بسمع ، بصير ببصر ~~متكلم بكلام. # ومذهب القدرية : أنه حي بذاته ، قادر بذاته مريد بذاته ، سميع بذاته ، ~~بصير بذاته ، متكلم بذاته وهو خطأ. # ومذهب الطبائعية : أن النار محرقة بطبعها ، والماء مرو بطبعه ، والعيش ~~مشبع بطبعه ، والأفلاك والكواكب مؤثرة بطبعها وقس عليه جميع الأسباب. # ومذهب أهل الحق أن المؤثر هو قدرة الله تعالى وأن الأسباب لا أثر لها ، ~~والله أعلم. # واعلم : أن الصفات السبع عند الأشاعرة معان زائدة على مفهوم الذات وهي ~~ثابتة الأعيان والأحكام ، ومعنى ثبوت الأعيان أنها ليست نفس الذات ولا ~~خارجة منها. وقال غيرهم من المحققين : إنها نسب وإضافات ثابتة الأحكام ~~معدومة الأعيان ومعنى كونها معدومة الأعيان PageV01P130 # أنها ليست زائدة على مفهوم الذات. وقال غيرهم من السادة : اعلم أن ~~الأسماء والصفات نسب وإضافات ترجع إلى عين واحدة إذ لا كثرة هناك بوجود ~~أعيان زائدة على الذات المقدسة ، كما زعم من لا علم له بالله تعالى من بعض ~~النظار. فلو كانت أعيانا زائدة وما هو إله إلا بها لكان معلولا لها فلا ~~يخلو أن تكون هي عينه. فالشيء لا يكون معلولا لنفسه. أو لا تكون فالإله لا ~~يكون معلولا لعلة ليست عينه ، لأن ذلك يقتضي افتقاره وافتقار الإله محال ~~فكون الأسماء والصفات أعيانا زائدة محال ، فافهم جيدا والحمد لله وحده. ### ||| * الباب الخامس عشر ### ||| * في بيان حقيقة الإخلاص والرياء وحكمهما وتأثيرهما ms171 # اعلم : أن الإخلاص عند علمائنا إخلاصان : إخلاص العمل وإخلاص طلب الأجر. # فأما إخلاص العمل : فهو إرادة التقرب إلى الله تعالى وتعظيم أمره وإجابة ~~دعوته والباعث عليه الاعتقاد الصحيح وضد هذا الإخلاص النفاق. وهو التقرب ~~إلى من دون الله تعالى. وأما إخلاص طلب الأجر : فهو إرادة نفع الآخرة بعمل ~~الخير وضد هذا الإخلاص : الرياء وهو إرادة نفع الدنيا بعمل الآخرة سواء ~~أراده من الله تعالى أو من الناس ، لأن الاعتبار في الرياء بالمراد لا ~~بالمراد منه ، وأما تأثيرهما : فهو أن إخلاص العمل يجعل الفعل قربة وإخلاص ~~طلب الأجر يجعله مقبولا وافر الأجر. # وأما النفاق : فإنه يحبط العمل ويخرجه عن كونه قربة والرياء يوجب رده ، ~~وأما موضع الإخلاص وفي أي طاعة يقع ويجب ، فاعلم أن الأعمال عند بعض ~~العلماء ثلاثة أقسام : قسم يقع فيه إخلاصان جميعا وهو العبادة الظاهرة ~~الأصلية ، وقسم لا يقع فيه إخلاص طلب الأجر دون إخلاص العمل وهو المباحات ~~المأخوذة للعدة. وقال شيخنا : إن كل عمل يحتمل الصرف إلى غير الله تعالى من ~~العبادات الأصلية يقع فيه إخلاص العمل والعبادات الباطنة أكثرها يقع فيها ~~إخلاص العمل. وأما الإخلاص في طلب الأجر : فكان شيخنا يقول : إذا أراد ~~العامل من الله تعالى بالعبادات الباطنة نفع الدنيا فهو أيضا رياء. قلت : ~~فلا يبعد إذا أن يقع في كثير من العبادات الباطنة الإخلاصان ، وكذلك ~~النوافل. يجب عليها الإخلاصان جميعا عند الشروع فيها. وأما المباحات ~~المأخوذة للعدة : فإنه يقع إخلاص طلب الأجر دون إخلاص العمل إذ هي لا تصلح ~~بنفسها أن تكون قربة ، بل هي عدة على القربة وهذا مواضعها ، وأما وقتها : ~~فهو أن إخلاص العمل يكون مع الفعل يقارنه لا محالة ويتأخر عنه ، وإخلاص طلب ~~الأجر ربما يتأخر عنه. وعند بعض العلماء ربما يعتبر فيه وقت الفراغ من ~~العمل ، فإذا فرغ العمل على إخلاص ورياء فقد انقضى الأمر ولا يمكن استدراكه ~~بعد ، والله أعلم. PageV01P131 ### ||| * فصل # اعلم : أنه يجب على العبد أن يتحفظ في العمل من عشرة أشياء : النفاق ~~والرياء والتخليط والمن والأذى والندامة ms172 والعجب والحسرة والتهاون وخوف ~~ملامة الناس. ثم ذكر شيخنا رحمه الله تعالى ضد كل خصلة منها وإضرارها بالعمل ~~، فضد النفاق إخلاص العمل لله تعالى ، وضد الرياء إخلاص طلب الأجر ، وضد ~~التخليط التقوى ، وضد المن تسليم العمل لله تعالى ، وضد الأذى تحصين العمل ~~، وضد الندامة تثبيت النفس ، وضد العجب ذكر المنة لله تعالى ، وضد الحسرة ~~اغتنام الخير وضد التهاون تعظيم التوفيق ، وضد خوف ملامة الناس خشية الله تعالى. # ثم اعلم أن النفاق يحبط العمل والرياء يوجب رده ، والمن والأذى يحبطان ~~الصدقة في الوقت. وعند بعض المشايخ يذهبان أضعافها ، وأما الندامة فإنها ~~تحبط العمل في قولهم جميعا ، والعجب يذهب أضعاف العمل والحسرة والتهاون ~~يخففان العمل. فعليك بقطع هذه العقبة المخوفة الخطرة وبالله التوفيق. ### ||| * الباب السادس عشر ### ||| * في الرد على من أجاز الصغائر على الأنبياء صلى الله عليهم ### ||| * وسلم # قال القاضي عياض رحمه الله تعالى في كتابه الشفاء : # اعلم : أن المجوزين للصغائر على الأنبياء صلى الله عليهم وسلم من الفقهاء ~~والمحدثين والمتكلمين احتجوا على ذلك بظواهر كثيرة من القرآن والحديث إن ~~التزموا ظواهرها أفضت بهم إلى تجويز الكبائر وخرق الإجماع ما لا يقول به ~~مسلم ، فكيف وكل ما احتجوا به مما اختلف المفسرون في معناه وتقابلت ~~الاحتمالات في مقتضاه وجاءت أقاويل فقهاء السلف بخلاف ما التزموه من ذلك. ~~فإذا لم يكن مذهبهم إجماعا وكان الخلاف فيما احتجوا به قديما وقامت الدلالة ~~على خطأ قولهم وصحة غيره وجب تركه والمصير إلى ما صح ، والله تعالى أعلم. ### ||| * فصل فيما يجب على الأنام من حقوق النبي عليه أفضل ### ||| * الصلاة والسلام # أولها : تصديقه في كل ما جاء به وما قاله ومطابقة تصديق القلب بذلك شهادة ~~اللسان أنه رسول الله إلى الناس كافة واتباعه في جميع ما أمر به أو نهى عنه ~~، وكذلك محبته ومناصحته وتوقيره وبره والصلاة عليه كل ذلك واجب ، لأنه مما ~~جاء به صلى الله عليه وسلم . # واعلم : أن الأمة مجتمعة على عصمة النبي صلى الله عليه وسلم من الشيطان ~~وكفايته منه فلا يصل إلى ms173 ظاهره بشيء من أنواع الأذى ولا إلى باطنه بشيء من ~~الوساوس ، وكذا عصمته عن الجهل بالله تعالى وصفاته أو كونه على حالة تنافي ~~العلم بشيء من ذلك كله جملة بعد النبوة عقلا وإجماعا PageV01P132 # وقبلها سمعا ونقلا ، ولا بشيء مما قرره من أمور الشرع وأداه عن ربه عز وجل ~~من الوحي قطعا عقلا وشرعا. وكذا عصمته من الكذب وخلف القول منذ نبأه الله ~~تعالى وأرسله قصدا أو غير قصد واستحالته عليه عقلا وإجماعا لمناقضته ~~للمعجزة وتنزيهه عنه قبل النبوة قطعا ، وكذا تنزيهه عن الكبائر إجماعا وعن ~~الصغائر وملابسة المكروهات تحقيقا ، بل تنزيه همته الشريفة عن تناول ~~المباحات إلا على قصد تبيين إباحتها والاستعانة بها على طاعة ربه عز وجل ، ~~وكذا عصمته في جميع حالاته من رضى وغضب ، وجد وهزل ، وصحة ومرض ، وكذا ~~استحالة السهو والنسيان ، والغفلة والغلط عليه في الأخبار والأقوال ~~البلاغية إجماعا لمناقضته المعجزة وجواز السهو عليه في الأفعال البلاغية ~~بشرط أن لا يقر عليه ، بل ينبه عليه على الفور لتظهر فائدة النسيان من ~~معرفة الحكم والاتباع له فيما يشرعه ، وفرقوا بين السهو في الأفعال ~~البلاغية والأقوال البلاغية لقيام المعجزة على الصدق في القول ومخالفة ذلك ~~يناقض المعجزة ، وأما السهو في الأفعال : فغير مناقض للمعجزة ولا قادح في ~~النبوة ، نعم بل حالة النسيان هنا في حقه صلى الله عليه وسلم سبب إفادة علم ~~وتقرير شرع ، كما قال صلى الله عليه وسلم : «إني لست أنسى ولكني أنسى لأسن». ~~وهذه الحالة بعيدة عن سمات النقص ، بل هي زيادة في التبليغ وتمام عليه في ~~النعمة. وأما ما ليس طريقه البلاغ ولا بيان الأحكام من أفعاله ~~صلى الله عليه وسلم وما يختص من أمور دينه وأذكار قلبه ، فالذي ذهب إليه جماعة ~~الصوفية وأصحاب علم القلوب استحالة السهو والنسيان والغفلات والفترات عليه ~~فيه جملة. وأجاز ذلك الأكثر من طبقات علماء الأمة وذلك بما كلفه من سياسة ~~الأمة ومقاساة الخلق ومعاناة الأهل وملاحظة الأعداء ، ولكن ليس على سبيل ~~التكرار ولا الاتصال ، بل على سبيل الندور وليس ms174 في هذا شيء يحط من مرتبته ~~أو يناقض معجزته صلى الله عليه وسلم . # واعلم : أنه يجوز طريان الآلام والأوجاع على ظاهر جسم النبي ~~صلى الله عليه وسلم ليتحقق بشريته ، ولكن لا يصل شيء من ذلك إلى باطنه ~~صلى الله عليه وسلم لتعلقه بمشاهدة ربه عز وجل والأنس به ، ثم اعلم أن المصير ~~في جميع ما ذكرنا في حق جميع الأنبياء والملائكة كالمصير في حق نبينا محمد ~~صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين. ### ||| * فصل في بيان ما يجب على النبي صلى الله عليه وسلم وما ### ||| * يحرم عليه ### ||| * وما يباح له وما خص به من الفضائل دون غيره # فأما ما يجب عليه فهو التهجد والوتر والضحى والأضحية والمشاورة وتخيير ~~الزوجات والسواك ومصابرة العدو وإن كثروا وتغيير المنكر. # وأما ما يحرم عليه دون غيره : فهو الخط والشعر والصدقة والزكاة ومد عينيه ~~إلى ما متع به غيره ، والمخادعة في الحرب ، ومسك الزوجة المكارهة وفي طلاق ~~الراغبة ، وأكل الكراث والثوم والبصل ، والأكل متكئا وفيه خلاف ، والأصح ~~الكراهية لا التحريم ، ونكاح الحرة PageV01P133 # الكتابية والأمة المسلمة وغيرها ، والصلاة على المدين على خلاف فيه ، ~~والأصح أنه صلى بعد ذلك ، ونزعه لأمة الحرب قبل القتال. # وأما ما يباح له صلى الله عليه وسلم : فهو حكمه لنفسه ولفرعه وشهادته وقبوله ~~أيضا لهما وخمس الخمس وحل الغنائم ومن أرادها لزم زوجها طلاقها ، وله ~~النكاح بلا مهر لمن شاء ويصح نكاحه بلفظ الهبة ، ويجوز أخذه طعام المحتاج ~~ويلزم المضطر بذله ويحيي ما شاء من موات ويقتضي بعلمه أبدا ويجب على خاطره ~~دفع قاصده بسوء ، ولا ينتقض وضوءه بالنوم ولا باللمس على الأصح ، ولا يورث ~~ماله ويلزم الخلية إجابته ، ويعقد نكاحه بلا ولي ولا شهود ، وله الزيادة ~~على أربع وعلى تسع في الأصح ، وله النكاح في الإحرام ويصح نكاحه من نفسه ~~وممن شاء. # وأما ما خص به من الفضائل فهو : أن أزواجه اللاتي مات عنهن حرام على غيره ~~قطعا. وكذا اللاتي فارقهن بعد الدخول في الأصح ، وهن أمهات المؤمنين ، ~~وشرعه صلى الله عليه ms175 وسلم ناسخ لما قبله يستمر إلى انقضاء الأبد ، وكتابه ~~المعجز المستمر السالم من التبديل والتحريف وهو حجة الله تعالى على عباده ، ~~وجعلت له الأرض مسجدا وطهورا ، وأعطي خمسة شفاعات وخص بالشفاعة العظمى ، ~~وهو أول من يقرع باب الجنة ، وأمته خير أمة ولا تجتمع على ضلال ، وهو أول ~~شافع مشفع ، وأول من تنشق عليه الأرض ، ونصف أمته كالملائكة يوم القيامة ، ~~وفضلاته طاهرة على الأصح يتبرك بها ويستشفي بها ، ويرى من ورائه كما يرى ~~أمامه ، ولا يحل مناداته من وراء حجرته ، وصلاته في النفل قاعدا في أجره ~~كصلاته في الوقوف ، ولا يجوز نداؤه باسمه ، وأعطي جوامع الكلم. ### ||| * فصل # اعلم : أن الله تعالى قد حرم أذى النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن ولعن ~~مؤذيه ، واجتمعت الأمة على قتل منتقصيه وسابه من المسلمين تصريحا كان أو ~~تعريضا وأما ما هو حقه سب أو نقص. # فاعلم : أن من سبه أو عابه أو ألحق به نقصا في خلقه أو خلقه أو دينه أو ~~خصلة من خصاله أو نسبه أو عرض به أو شبهه بشيء على طريق السب له أو الإزراء ~~عليه أو التصغير بلسانه فهو ساب له وسابه يقتل. وكذا حكم من غيره بما جرى ~~من الابتلاء والمحنة عليه أو غمضه ببعض العوارض البشرية الجائزة عليه ، ~~وهذا كله بإجماع من العلماء من لدن الصحابة إلى الآن. # قال ابن المنذر رحمه الله تعالى : أجمع عوام أهل العلم على أن من سب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقتل ، وممن قال بذلك مالك والليث وأحمد وإسحاق ومذهب ~~الشافعي وهو مقتضى مذهب أبي بكر الصديق رضي الله عنه وعنهم فلا تقبل توبته ~~عند هؤلاء ، وبمثله قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري وأهل الكوفة والأوزاعي ~~في المسلم لكنهم قالوا : هي ردة ، والله أعلم. PageV01P134 ### ||| * الباب السابع عشر ### ||| * في معرفة الخواطر وأقسامها ومحاربة الشيطان وقهره ### ||| * والتدبير في دفع شره ، وأن يستعيذ بالله تعالى منه أولا ثم ### ||| * يحاربه بثلاثة أشياء # أحدها : أن تعرف مكائده وحيله ومخادعاته. # والثاني : أن تستخف بدعوته فلا تعلق قلبك ms176 بها. # والثالث : أن تديم ذكر الله تعالى بقلبك ولسانك ، فإن ذكر الله تعالى في ~~جنب الشيطان كالأكلة في جنب ابن آدم ، فأما معرفة مكائده فإنه يستبين لك ~~بمعرفة الخواطر وأقسامها. أما معرفة أقسامها فاعلم أن الخواطر آثار تحدث في ~~قلب العبد تبعثه على الفعل أو الترك وحدوث جميعها في القلب من الله تعالى ~~إذ هو خالق كل شيء ، لكنها أربعة أقسام : فقسم منها يحدثه الله تعالى في ~~قلب العبد ابتداء فيقال له الخاطر فقط ، وقسم يحدثه موافقا لطبع الإنسان ~~فيقال له هو النفس ، وقسم يحدثه عقب دعوة الشيطان فينسب إليه ويقال له ~~الوسواس ، وقسم يحدثه الله ويقال له الإلهام ، ثم اعلم أن الخاطر الذي من ~~قبل الله تعالى ابتداء قد يكون خيرا إكراما وإلزاما للحجة. وقد يكون شرا ~~امتحانا ، والخاطر الذي يكون من قبل الملهم لا يكون إلا بخير إذ هو ناصح ~~مرشد لا يرسل إلا لذلك ، والخاطر الذي يكون من قبل الشيطان لا يكون إلا بشر ~~إغواء وربما يكون بالخير مكرا منه واستدراجا ، والخاطر الذي يكون من قبل ~~هوى النفس لا يكون إلا بالشر وقد يكون بالخير لا لذاته فهذه أنواعها. # ثم اعلم أنك محتاج إلى ثلاثة فصول : # فأما الفصل الأول : قال العلماء رضي الله عنهم أجمعين إذا أردت أن تعرف ~~خاطر الخير من خاطر الشر وتفرق بينهما فزنه بأحد الموازين الثلاثة يبين لك حاله. # فالأول : هو أن تعرضه على الشرع فإن وافق جنسه فهو خير وإن كان بالضد إما ~~برخصة أو بشبهة فهو شر. فإن لم يبين لك بهذا الميزان ، فاعرضه على الاقتداء ~~بالصالحين ، فإن كان فيه اقتداؤهم فهو خير وإلا فهو شر ، وإن لم يبين لك ~~بهذا الميزان ، فاعرضه على النفس والهوى ، فإن كان مما تميل إليه النفس ميل ~~طبع لا ميل رجاء إلى الله تعالى فهو شر. # وأما الفصل الثاني : إذا أردت أن تفرق بين خاطر شر ابتداء من قبل الشيطان ~~أو من قبل النفس أو من الله تعالى ، فانظر فيه ثلاثة أوجه : # أحدها : إن وجدته ms177 ثابتا راتبا مصمما على حالة واحدة فهو من الله تعالى أو ~~من هوى النفس ، وإن وجدته مترددا مضطربا فهو من الشيطان. PageV01P135 # وثانيا : إن وجدته عقب ذنب أحدثته فهو من الله تعالى عقوبة لك ، وإن لم ~~يكن عقب ذنب كان منك فهو من الشيطان. # وثالثها : إن وجدته لا يضعف ولا يقل من ذكر الله تعالى ولا يزول فهو من ~~هوى النفس ، وإن وجدته يضعف من ذكر الله فهو من الشيطان. # وأما الفصل الثالث : إذا أردت أن تفرق بين خاطر خير يكون من الله تعالى ~~أو من الملك فانظر في ذلك من ثلاثة أوجه : # أحدها : إن كان مصمما على حالة واحدة فهو من الله تعالى ، وإن كان مترددا ~~فهو من الملك إذ هو بمنزلة ناصح. # والثاني : إن كان عقب اجتهاد منك وطاعة فهو من الله تعالى ، وإلا فهو من الملك. # والثالث : إن كان في الأصول والأعمال الباطنة فهو من الله تعالى وإن كان ~~في الفروع والأعمال الظاهرة فهو من الملك في الأكثر ، إذ الملك لا سبيل له ~~إلى معرفة باطن العبد في قول أكثرهم ، وأما خاطر الخير الذي يكون من قبل ~~الشيطان استدراجا إلى شر يربو عليه ، فانظر فإن وجدت نفسك في ذلك الفعل ~~الذي خطر بقلبك مع نشاط لا مع خشية ، ومع عجلة لا مع تأن ، ومع أمن لا مع ~~خوف ، ومع عمى العاقبة لا مع بصيرة ، فاعلم أنه من الشيطان فاجتنبه ، وإن ~~وجدت نفسك على ضد ذلك فاعلم أنه من الله تعالى أو من الملك قلت أنا وكان ~~النشاط خفة في الإنسان للفعل من غير بصيرة وذكر ثواب ينشط في ذلك. وأما ~~التأني : فمحمود إلا في مواضع معدودة ، وأما الخوف : فيحتمل أن يكون في ~~إتمامه وأدائه على حقه وقبول الله تعالى إياه. # وأما بضارة العاقبة : فبأن تتبصر وتتيقن أنه رشد وخير ، ويحتمل أن يكون ~~لرؤية الثواب في العقبى ورجائه. فهذه الفصول الثلاثة التي لزمتك معرفتها ~~فارعها فإنها من العلوم اللطيفة والأسرار الشريفة في هذا الأمر ، وبالله ~~التوفيق وهو ولي الهداية. ms178 ### ||| * الباب الثامن عشر ### ||| * في بيان معنى آفات اللسان وهي عشرون آفة # أولها : الكلام فيما لا يعني ، ثم فضول الكلام ، ثم الخوض في الباطل ، ثم ~~المراء والمجادلة ، ثم الخصومة ، ثم التقعر في الكلام ، ثم الفحش والسب ثم ~~اللعن ، ثم الشعر ، ثم المزاح ، ثم السخرية والاستهزاء ، ثم إفشاء سر الغير ~~، ثم الوعد الكاذب ، ثم الكذب في القول واليمين ، ثم الغيبة والنميمة ثم ذو ~~اللسانين ، ثم المدح ، ثم الخطأ في فحوى الكلام ، ثم سؤال العوام عما لا ~~يبلغه فهمهم من صفات الله تعالى. فأما حد الكلام فيما لا يعني : فهو أن PageV01P136 # يتكلم بما لو سكت عنه لم يأثم ولم يتضرر في حال ولا مآل. وأما فضول ~~الكلام : فهو الزيادة على قدر الحاجة فيما يغني. # وأما الخوض في الباطل : فهو الكلام في المعاصي كحكاية أحوال الوقاع ~~ومجالس الخمور وتجبر الظلمة وكحكاية مذاهب أهل الأهواء. وكذا حكاية ما جرى ~~بين الصحابة رضي الله عنهم أجمعين على وجه الاستنقاص ببعضهم. وأما المراء : ~~فهو الاعتراض على الغير بإظهار خلل في لفظه أو معناه أو قصده به. وأما ~~المجادلة : فهو مراء يتعلق بالمذاهب وتقريرها. وأما الخصومة : فهي لجاج في ~~الكلام بإظهار اللدد على قصد الإيذاء ومزج الخصومة بكلمات مؤذية لا يحتاج ~~إليها في نصر الحجة. وأما التعقر في الكلام : فهو تكلف الفصاحة بالتشدق. ~~وأما الفحش : فهو التعبير عن الأمور المستقبحة بالعبارات الصريحة. وأما ~~اللعن : فهو ما يكون لجماد أو لحيوان أو لإنسان وكل ذلك منهي عنه لأن اللعن ~~هو الإبعاد عن الله ، ولا يجوز اللعن إلا على من يتصف بصفة تبعده عن الله ~~تعالى والصفات المقتضية للعن ثلاثة : الكفر والبدعة والفسق فيجوز لعن كل ~~صنف من هذه الثلاثة. فأما لعن شخص بعينه من هذه الأصناف فلا يجوز إلا على ~~من علم موته على الكفر كفرعون وأبي جهل وأبي لهب لاحتمال موته على الإسلام ~~وأما الشعر : فحسنه حسن وقبيحه قبيح كالكلام. وأما المزاح : فهو منهي عنه ~~إلا عن يسير لا كذب فيه ولا أذى. وأما السخرية : فهي التنبيه على ms179 العلوم ~~والنقائص على وجه الضحك منه ومهما كان مؤذيا حرم وإلا فلا. وأما إفشاء السر ~~: فهو حرام إن كان فيه إضرار وإن لم يكن فيه إضرار فهو لوم. وأما الوعد ~~الكاذب : فهو من علامات النفاق وذلك أنه إذا كان في حال الوعد عازما على ~~الخلف إذا أخلف من غير عذر. وأما من عزم على الوفاء وطرأ له عذر منعه من ~~الوفاء فذلك ليس بنفاق ، ولكن ينبغي أن يحترز من صورة النفاق أيضا. وأما ~~الكذب في القول واليمين : فهو من قبائح الذنوب. وأما ما رخص فيه من الكذب : ~~فاعلم أن الكلام وسيلة إلى المقاصد فكل مقصود محمود يمكن التوسل إليه ~~بالصدق والكذب جميعا ، فالكذب فيه حرام وإن أمكن التوسل إليه بالكذب دون ~~الصدق فالكذب فيه مباح ، وإن كان تحصيل ذلك المقصود واجبا فهذا ضابطه. وأما ~~حكم الغيبة : فاعلم أنها محرمة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة إلا ما يستثنى ~~منها. وأما حدها : فهو أن تذكر أخاك المسلم في حال غيبته بما فيه مما يكرهه ~~لو بلغه وسواء ذكره بنقص في دينه أو دنياه أو قوله أو فعله أو خلقه أو خلقه ~~أو ملبسه أو مكسبه أو نسبه أو داره أو دابته ، وسواء في ذلك القول والفعل ~~والغمز والرمز والإشارة والإيماء والتعريض والكناية ، فكل ذلك حرام. # وأما الأسباب الباعثة على الغيبة ، فمنها : ما يختص بالعامة ، ومنها : ما ~~يختص بأهل الدين والخاصة من العلماء. فأما ما يختص بالعامة فهو الغضب ~~والحقد والحسد وموافقة الرفقاء في الهزل واللعب والاستهانة والاستحقار ~~والتصنع والمباهاة والترفع على الغير وإرادة التبرؤ من غيب نسب إليه ينسبه ~~إلى من فعله والمبادرة بتقبيح حال من يخشى أن يستقبح حاله عند كبير أو محتشم. PageV01P137 # وأما ما يختص بأهل الدين والخاصة من العلماء : فهو الغضب لله تعالى على ~~فاعل المنكر والتعجب من فعله والشفقة عليه والرحمة. فهذه من أغمض الأسباب ~~وأخفاها ، لأن الشيطان يخيل للجهلة من العلماء أن الغضب والتخيل إذا كانت ~~لله تعالى كانت عذرا مرخصا في ذكر الاسم بالغيبة حاجات مخصوصة لا ms180 مندرجة ~~عنها في ذكر الاسم بالغيبة ، وهي التظلم إلى الحكام والاستفتاء والاستعانة ~~على إزالة المنكر والتحذير والنصيحة والتعريف باللقب. فهذه ثلاثة أمور هي ~~المستثناة في الشرع من الغيبة للضرورة. # وأما معالجة مرضها : فهو أن تعلم أنك متعرض لسخط الله تعالى بغيبة أخيك ~~المسلم ومحبط لحسناتك بنقلها إلى صحائف من استغبته. # وأما أركان التوبة منها : فهي العلم والندم والإقلاع والعزم واستحلال من ~~استغبته بذكر ما اغتبته به إلا أن يتعذر عليك فتدعو له. # وأما حكم النميمة : فاعلم أنها محرمة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة ، وأما ~~حدها : فهو نقل كلام بعض الناس إلى بعض على قصد الإفساد ، وسواء كرهه ~~المنقول عنه أو المنقول إليه أو غيرهما. وأما سببها : فهو إما إرادة السوء ~~بالمنقول عنه أو التحبب إلى المنقول إليه والخوض في الباطل. وأما معالجة ~~مرضها : فهو أن تكف لسانك عنها حذرا من ضررها. # وأما أركان التوبة منها : فهي العلم والندم والإقلاع والعزم. وأما ما ذا ~~يجب على من نقلت إليه نميمة فهو ستة أمور وهي : أن لا يصدقه وأن ينهاه ، ~~وأن يبغضه في الله تعالى ، لأن بغيض عند الله تعالى ، ويجب بغض من يبغضه ~~الله تعالى ، وأن لا ينم عليه ، وأن لا يتجسس عن المنقول عنه ، وأن لا يسيء الظن. # واعلم أن سوء الظن بالمسلم حرام كسوء القول. وحده أن تحكم على أخيك ~~المسلم بالسوء بما لا تعلمه. وأما ذو اللسانين : فهو الذي ينقل كلام ~~المتعادين بعضهم إلى بعض على جهة الإفساد ، فإن لم ينقل كلاما ولكن حسن لكل ~~واحد منهما ما هو عليه من العداوة أو وعد كلاهما بأن ينصره أو أثنى عليهما ~~في معاداتهما أو أثنى على أحدهما ، وكان إذا خرج من عنده يذمه فهو ذو ~~لسانين في ذلك كله ، بل ينبغي له أن يسكت أو يثني على المحق منهما في حضوره ~~وغيبته وعند عدوه. وأما المدح : فهو منهي عنه في بعض المواضع ، وفيه ست ~~آفات أربع في المادح واثنان في الممدوح. فأما التي في المادح. # فالأولى : أنه قد يفرط في ms181 المدح حتى ينتهي إلى الكذب. # وثانيها : أنه قد يدخله الرياء فإنه بالمدح مظهر للحب وقد لا يكون كذلك ، ~~أو أنه قد لا يكون معتقدا لجميع ما يقوله فيصير به مرائيا منافقا. # وثالثها : أنه قد يقول ما لا يتحققه فيكون كاذبا مزكيا من لم يزكه الله ~~تعالى وهذا هلاك. PageV01P138 # ورابعها : أنه قد يفرح الممدوح وهو ظالم أو فاسق وذلك غير جائز لأن الله ~~تعالى يغضب إذا مدح الفاسق ، وأما الممدوح فيضره بالمدح من وجهين : # أحدهما : أنه يحدث فيه كبرا وعجبا وهما مهلكان. # والثاني : أنه إذا أثنى عليه بالخير فرح به وفتر ورضي عن نفسه وقل تشمره ~~لأمر آخرته. ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «قطعت عنق صاحبك» فإن ~~سلم المدح عن هذه الآفات لم يكن به بأس ، بل ربما كان مندوبا إليه. ولذلك ~~أثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصحابة رضي الله عنهم أجمعين حتى قال ~~: «لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان العالمين لرجح». وقال : «لو لم أبعث لبعثت ~~يا عمر». وأي ثناء يزيد على هذا ولكنه عن صدق وبصيرة وكانا أجل رتبة من أن ~~يورثهما ذلك كبرا وإعجابا ، بل مدح الإنسان قبيح لما فيه من الكبر والتفاخر ~~إلا أن يكون مما لم يورثه ذلك كبرا وإعجابا. كما قال صلى الله عليه وسلم : ~~«أنا سيد ولد آدم ولا فخر». أي لست أقوله تفاخرا كما يقوله الناس بالثناء ~~على أنفسهم وذلك أن افتخاره صلى الله عليه وسلم إنما كان بالله تعالى وبقربه ~~لا بكونه مقدما على غيره من ولد آدم عليه الصلاة والسلام. وأما الغفلة عن ~~دقائق الخطأ في فحوى الكلام : فهو مثل أن يقول : مطرنا بنوء كذا وكذا ، أو ~~يقول للعنب كرما أو نحو ذلك مما نهي عنه من الألفاظ. وأما سؤال العوام عما ~~لا يبلغه فهمهم من صفات الله تعالى فهو مثل أن يسأل عن بعض صفات الله تعالى ~~أو عن كلامه أو عن الحروف هل هي حادثة أو قديمة فكل ذلك مذموم سؤالهم عنه ~~لعدم ms182 فهمهم عنه لئلا يلتبس عليهم الحق بالباطل والله تعالى أعلم. ### ||| * الباب التاسع عشر ### ||| * في بيان البطن وحفظه # في البطن وحفظه ، لأنه المعدن ومنه تهيج الأمور في الأعضاء من خير وشر ، ~~فعليك بصيانته عن الحرام. وكذا عن الشبهة ثم عن فضول إن كانت لك همة في ~~عبادة الله تعالى. فأما الحرام أو الشبهة : فإنما يلزمك التحفظ عنها لثلاثة أمور : # الأول : حذرا من نار جهنم. # والثاني : أن آكل الحرام والشبهة مطرود لا يوفق للعبادة إذ لا يصلح لخدمة ~~الله تعالى إلا كل قلب طاهر. قلت : أليس قد منع الله تعالى الجنب من دخول ~~بيته والمحدث من مس كتابه مع أنهما أثر مباح؟ فكيف بمن هو منغمس في قذر ~~الحرام والشبهة متى يدعى إلى خدمة الله تعالى وذكره الشريف (كلا فلا يكون ذلك). # والثالث : أن آكل الحرام والشبهة محروم ، وإن اتفق له فعل خير فهو مردود ~~عليه وليس له منه إلا العناء والكد. PageV01P139 # وأما حكم الحرام والشبهة وحدهما : فاعلم أن الأولى في حدهما أن ما تيقنت ~~كونه ملكا للغير منهيا عنه في الشرع أو غلب على ظنك فهو حرام وأما ما تساوت ~~فيه الأمارتان فهو شبهة بشبهة أنه حرام ويشبه أنه حلال ثم الامتناع من الذي ~~هو حرام محض حتم واجب ، والامتناع من الذي هو شبهة تقوى وورع. وأما حكمه : ~~فاعلم ما هو الأصل في هذا الكتاب ، وهو أن هنا شيئين : أحدهما : حكم الشرع ~~وظاهره. والثاني : حكم الورع وحقه. فحكم الشرع أن تأخذ مما آتاك الله ممن ~~ظاهره صلاح ، ولا تسأل إلا أن يتبين لك أنه غصب أو حرام بعينه ، وحكم الورع ~~أن لا تأخذ من أحد شيئا حتى تبحث عنه غاية البحث فتتيقن أن لا شبهة بحال ~~وإلا فترده. # فإن قلت : فكان الورع يخالف الشرع وحكمه. فاعلم أن الورع من الشرع أيضا ~~وكلاهما واحد في الأصل ، ولكن للشرع حكمان حكم الجواز وحكم الأفضل الأحوط. ~~فالجائز نقول له حكم الشرع والأفضل الأحوط نقول له الورع والله تعالى أعلم. # وأما حد فضول الحلال : فاعلم ms183 أن أحوال المباح في الجملة أقسام : # القسم الأول : أن يأخذ العبد مفاخرا مكاثرا مرائيا فهذا يستوجب على ظاهر ~~فعله اللوم وعلى باطنه عذاب النار ، لأن ذلك القصد منه معصية وقد وقع ~~الوعيد لمن قصده. # القسم الثاني : أن يأخذ الحلال لشهوة نفسه لا غير فذلك منه شيء يوجب ~~الحبس والحساب. # القسم الثالث : أن يأخذ من الحلال في حال العذر قدرا يستعين به على عبادة ~~ربه سبحانه وتعالى ويقتصر عليه فذلك منه حسنة وأدب ، ولا حساب عليه ولا ~~عتاب بل يستوجب به الأجر والمدح ، والله تعالى أعلم. ### ||| * الباب العشرون ### ||| * في بيان معرفة حيل الشيطان ومخادعاته # قال رحمه الله تعالى ورضي عنه : أما معرفة الحيل والمخادعات من الشيطان مع ~~ابن آدم في الطاعات فهي من سبعة أوجه : # أحدها : أنه ينهاه عن الطاعات. فإن عصمه الله منه أمره بالتسويف فإن سلمه ~~الله منه أمره بالعجلة فإن نجاه الله منه أمره بإتمام العمل مراءاة فإن ~~حفظه الله تعالى منه أدخل عليه العجب ، فإن رأى منة الله تعالى عليه أمره ~~بالاجتهاد في السر وقال له : إن الله تعالى سيظهره عليك يريد بذلك جريان ~~الرياء فإن اكتفى بعلم الله تعالى نجا منه ، فإن لم يطعه في شيء من ذلك كله ~~وعجز عنه وقال له لا حاجة لك إلى هذا العمل لأنك إن خلقت سعيدا لم يضرك ترك ~~العمل ، وإن خلقت شقيا لم ينفعك فعله ، فإن عصمه الله تعالى منه ، وقال له ~~: أنا عبد وعلى العبد امتثال أمر سيده وسيده يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ~~نجا منه بتوفيق الله تعالى وإلا هلك. PageV01P140 ### ||| * فصل في الحذر من النفس # قال رحمه الله تعالى ورضي عنه : العائق الرابع النفس ثم عليك بالحذر من ~~هذه النفس ، فإنها أضر الأعداء وعلاجها أعسر الأشياء لأنها عدو من داخل ، ~~واللص إذا كان من أهل البيت عزت الحيلة فيه وعظم ضرره ولأنها أيضا عدو ~~محبوب والإنسان عم عن عيب محبوبه لا يكاد يرى عيبه ولا يبصره ، ثم الحيلة ~~في أمرها أن تلجمها بلجام التقوى والورع ms184 ليحصل لك فائدة الامتثال والانتهاء ~~واعلم أنه لا يذل النفس ويكسر هواها إلا ثلاثة أشياء : # الأول : منعها عن شهوتها. # الثاني : حمل أثقال العبادات عليها. # الثالث : الاستعانة بالله تعالى عليها والتضرع إليه وإلا فلا يخلص من ~~شرها إلا به سبحانه وتعالى. ### ||| * فصل في بيان ما يؤاخذ العبد به من أعمال القلب وما لا ### ||| * يؤاخذ به # اعلم : أن هاهنا أربعة أحوال للقلب قبل العمل بالجوارح. # أحدها : الخاطر وهو حديث النفس ثم الميل ثم الاعتقاد ثم الهم. فأما ~~الخاطر : فلا يؤاخذ به لأنه لا يدخل تحت الاختيار ، وكذلك الميل وهيجان ~~شهوة النفس ، لأنهما لا يدخلان تحت الاختيار ، أيضا وهما المراد بقوله ~~صلى الله عليه وسلم : «عفا الله لأمتي ما حدثت به أنفسها». فحديث النفس عبارة ~~عن الخواطر التي تهجس في النفس ولا يتبعها عزم على الفعل. فأما الهم والعزم ~~فلا يسميان حديث النفس. # وأما الثالث : وهو الاعتقاد ، وحكم القلب بأنه ينبغي أن يفعل فهذا مردد ~~بين أن يكون اضطرارا أو اختيارا والأحوال تختلف فيه. فالاختياري منه يؤاخذ ~~به والاضطراري لا يؤاخذ به. # وأما الرابع : وهو الهم بالفعل ، فإنه يؤاخذ به إلا أنه إن لم يفعل نظر ~~فإن تركه خوفا من الله تعالى وندما على همه كتب له حسنة ، وإن تعوق الفعل ~~بعائق أو تركه لا خوفا من الله تعالى كتب عليه سيئة ، فإن همه فعل من القلب ~~اختياري والدليل القاطع فيه : ما روي عن سيدنا ومولانا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال : «إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول ~~في النار. قيل : يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال : لأنه أراد ~~قتل صاحبه» وهذا نص في أنه صار من أهل النار بمجرد الإرادة مع أنه قتل ~~مظلوما فكيف يظن أنه لا يؤاخذ بالنية والهم كلما دخل تحت اختيار القلب فإنه ~~مؤاخذ به إلا أن يكفره بحسنة ونقض العزم بالندم حسنة ، فلذلك كتبت حسنة ~~وأما فوات المراد بعائق فليس بحسنة. PageV01P141 ### ||| * الباب الحادي والعشرون ### ||| * في بيان ما يجب رعايته من حقوق الله ms185 تعالى وهو ضربان # الأول : فعل الواجبات. # والثاني : ترك المحرمات ففعل كل واجب تقوى وترك كل محرم تقوى فمن أتى ~~بخصلة منها فقد وفى نفسه بها ما رتب على تركها من شر الدنيا والآخرة مع ما ~~يحصل له من نعيم الجنان ورضا الرحمن. # واعلم : أنه لا يتقرب إلى الله تعالى إلا بطاعته وطاعته فعل واجب أو ~~مندوب وترك محرم أو مكروه. فمن تقواه تقديم ما قدم الله تعالى من الواجبات ~~على المندوبات ، وتقديم ما قدمه من اجتناب المحارم المحرمات على ترك ~~المكروهات ، بخلاف ما يفعله الجاهلون الذين يظنون أنهم إلى الله متقربون ~~وهم منه متباعدون فيضع أحدهم الواجبات حفظا للمندوبات ، ويرتكب المحرمات ~~تصونا على ترك المكروهات. فكم من مقيم على صور الطاعات مع انطواء قلبه على ~~الرياء والغل والحسد والكبر والإعجاب بالعمل والإدلال على الله تعالى ~~بالطاعات ، والتقوى قسمان أحدهما متعلق بالقلوب وهو قسمان : # الأول : واجب كإخلاص العمل والإيمان. # والثاني : محرم كالرياء وتعظيم الأوثان. والثاني منها : متعلق بالأعضاء ~~الظاهرة كنظر العين وبطش الأيدي ومشي الأرجل ونطق اللسان. واعلم أنه إذا ~~صحت التقوى أثمر الورع والورع ترك ما لا بأس به خوفا من الوقوع فيما به بأس ~~، والله تعالى أعلم. ### ||| * فصل # اعلم : أن خيرات الدنيا والآخرة قد جمعت تحت خصلة واحدة وهي التقوى ، ~~وتأمل ما في القرآن من ذكرها كم علق بها من خير وكم وعد عليها من ثواب وكم ~~أضاف إليها من سعادة. ثم اعلم أن الذي يختص به هذا الشأن من أمر العبادة ~~ثلاثة أصول : # الأول : التوفيق والتأييد أولا حتى تعمل وهو للمتقين ، كما قال الله ~~تعالى : ( @QUR@05 إن الله مع الذين اتقوا ). # والثاني : إصلاح العمل وإتمام التقصير حتى يتم وهو للمتقين ، كما قال ~~الله تعالى : ( @QUR@03 يصلح لكم أعمالكم ) [الأحزاب : 71]. # والثالث : قبول العمل إذا تم وهو للمتقين ، كما قال الله تعالى : ( ~~@QUR@05 إنما يتقبل الله من المتقين ) [المائدة : 27]. ومدار العبادة على ~~هذه الأصول الثلاثة التوفيق والإصلاح والقبول. وقد وعد الله تعالى ذلك كله ~~على التقوى وأكرم به المتقي سأل أو لم يسأل ms186 فالتقوى هي الغاية PageV01P142 # التي لا متجاوز عنها ولا مقصد دونها. # ثم اعلم أن حد التقوى في قول شيوخنا : هو تنزيه القلب عن ذنب لم يسبق عنك ~~مثله حتى يجعل العبد من قوة العزم على تركها ووقاية بينه وبين المعاصي. ~~فإذا وطن قلبه على ذلك فحينئذ يوصف بأنه متق ، ويقال لذلك التوبة والعزم تقوى. # ثم اعلم أن منازل التقوى ثلاثة : تقوى عن الشرك ، وتقوى عن البدع ، وتقوى ~~عن المعاصي الفرعية ، ثم الشرور ضربان أصلي وهو ما نهي عنه تأديبا كالمعاصي ~~المحضة ، وشيء غير أصلي وهو ما نهي عنه تأديبا وهي فضول الحلال كالمباحات ~~المأخوذة بالشهوات. فالأولى : تقوى فرض يلزم بتركها العذاب. والثانية : ~~تقوى خير وأدب يلزم بتركها الحبس والحساب واللوم. فمن أتى بالأولى فهو في ~~الدرجة الأولى من التقوى وتلك منزلة مستقيم الطاعة ، ومن أتى بالثانية : ~~فهو في الدرجة العليا من التقوى فإذا جمع العبد بين اجتناب كل معصية وفضول ~~، فقد استكمل معنى التقوى وهو الورع الكامل الذي هو ملاك أمر الدين. وأما ~~الذي لا بد منه هاهنا فهو مراعاة الأعضاء الخمسة فإنهن الأصول وهي : العين ~~والأذن واللسان والبطن والقلب. فليحرص عليها بالصيانة لها عن كل ما يخاف ~~منه ضررا من حرام وفضول وإسراف من حلال ، فإذا حصلت صيانة هذه الأعضاء ~~فترجو أن تكفي سائر أركانه وتكون قد قمت بحق التقوى بجميع بدنك لله تعالى. # واعلم أن علماء الآخرة رضي الله عنهم أجمعين قد ذكروا فيما يحتاج إليه ~~العبد من هذا الأمر سبعين خصلة محمودة في أضدادها المذمومة ، ثم من الأفعال ~~والمساعي الواجبة المحظورة نحو ذلك فنظرنا في الأصول التي لا بد من ذكرها ~~في علاج القلب ، ولا غنية عنها البتة في شأن العبادة فرأينا أربعة أمور وهي ~~آفات المجتهدين وفتن القلوب تعوق وتشين وتفسد ، وأربعة في مقابلتها فيها ~~قوام العباد وانتظام العبادة وإصلاح القلوب. والآفات الأربع الأول : الأمل ~~والاستعجال والحسد والكبر. والمناقب الأربع : قصر الأمل والتأني في الأمور ~~والنصيحة للخلق والتواضع والخشوع. فهذه هي الأصول في علاج القلوب وفسادها ، ~~فابذل ms187 المجهود في التحرز من هذه الآفات والتحصيل لهذه المناقب تكفي المؤنة ~~وتظفر بالمقصود إن شاء الله تعالى. # فأما طول الأمل : فإنه العائق عن كل خير ، وطاعة الجالب لكل شر وفتنة ~~الذي يوقع الخلق في جميع البليات. # واعلم أنه إذا طال أملك هاج لك منه أربعة أشياء : # الأول : ترك الطاعة والكسل تقول : سوف أفعل. # والثاني : ترك التوبة وتسويفها تقول : سوف أتوب. # والثالث : يجرك إلى الرغبة في الدنيا والحرص عليها تقول : أي شيء آكل ~~وألبس فتهتم لها PageV01P143 # وأقل ما في الباب أنه يشغل قلبك ويضيع عليك وقتك ويكثر عليك همك. # والرابع : القسوة في القلب والنسيان للآخرة ، لأنك إذا أملت العيش الطويل ~~لا تذكر الآخرة بل لا تذكر الموت ولا القبر ، فإذا يصير فكرك في الدنيا ~~فيقسو قلبك من ذلك كما قال الله تعالى ( @QUR@05 فطال عليهم الأمد فقست ~~قلوبهم ) [الحديد : 16]. وإنما رقة القلب وصفوه بذكر الموت والقبر وأحوال ~~الآخرة. # وأما حد طول الأمل ، فقال العلماء : هو إرادة الحياة للوقت المتراخي ~~بالحكم ، وقصر الأمل ترك الحكم فيه بقيده بالاستثناء بمشيئة الله تعالى ~~وعلمه في الذكر أو بشرط إصلاح في الإرادة. فإذا ذكرت حياتك بأنك تعيش بعد ~~نفس أو ساعة ثانية بالحكم والقطع فأنت آمل وذلك منك معصية إذ هو حكم على ~~الغيب ، فإن قيدته بالمشيئة والعلم لله تعالى بأن تقول : أعيش إن شاء الله ~~تعالى ، فقد خرجت عن حكم الأمل ووصفت بقصر الأمل من حيث تركت الحكم فيه ، ~~والمراد بالذكر ذكر القلب ثم المراد منه توطين القلب على ذلك والتثبيت ~~للقلب عليه ، فافهمه راشدا ، ثم الأمل ضربان : أمل العامة وأمل الخاصة. ~~فأمل العامة : هو أن يريد البقاء لجمع الدنيا والتمتع بها. فهذه معصية ~~وضدها قصر الأمل. وأمل الخاصة : هو أن يريد البقاء لإتمام عمل خير فيه خطر ~~، وهو ما لا يستيقن الصلاح له فيه. فإنه ربما يكون خير معين لا يكون للعبد ~~فيه أو في إتمامه صلاح بل يقع في أنه لا يقوم بهذا الخير ، فإذا ليس للعبد ~~ابتداء في صلاة أو صوم أو ms188 غيرهما أن يحكم بأن يتمه إذ هو غيب ولا أن يقصد ~~ذلك قطعا ، بل يقيده بالاستثناء وشرط الصلاح ليتخلص من عيب الأمل وضد هذا ~~الأمل فيما قال العلماء : النية المحمودة لأن الناوي بالنية المحمودة يكون ~~ممتنعا من الأمل فهذا حكمه ، وأما النية المحمودة : فهي الأصل الأصيل وقد ~~ذكروا في حدها الجامع التام أنها إرادة أخذ عمل مبتدأ به قبل سائر الأعمال ~~بالحكم مع إرادة إتمامه بالتفويض والاستثناء. # فإن قيل : لم جاز الحكم في الابتداء ووجب التفويض والاستثناء في الإتمام؟ ~~فيقال : لفقد الخطر في الابتداء إذ هو حال الابتداء ليس بشيء متراخ عنك ~~ولثبوت الخطر في الإتمام ، لأنه يقع في وقت متراخ ، ففيه خطران : خطر ~~الوصول لأنك لا تدري هل لك في ذلك صلاح أم لا. فإذا حصلت الإرادة على هذه ~~الشروط تكون حينئذ نيه محمودة مخرجة عن حكم الأمل وآفاته ، والله تعالى أعلم. # واعلم أن حصن تقصير الأمل هو ذكر هجوم الموت وأخذه على غفلة وغرة فاحتفظ ~~بهذه الجملة فإن الحاجة ماسة إليها ودع عنك القيل والقال من غير طائل والله ~~الموفق. وأما الاستعجال والترقي : فإنه الخصلة المفوتة للمقاصد الموقعة في ~~المعاصي. # واعلم أن أصل العبادة وملاكها الورع والورع أصله النظر البالغ في كل شيء ~~والبحث التام عند كل شيء هو بصدده من أكل وشرب ولبس وكلام وفعل. فإذا كان ~~الرجل مستعجلا في الأمور غير PageV01P144 # متأن متثبت متبين لم يقع منه نظر وتوقف في الأمور كما يجب ويسارع إلى أكل ~~كل طعام فإنه يقع في الحرام والشبهة وإلى كل كلام فإنه يقع في الزلل وكذلك ~~في كل أمر يفوته الورع وأي خير في عبادة بلا ورع فحق على العبد أن يهتم ~~لإزالة هذه الآفة والله الموفق ، وأما حد العجلة : فهو المعنى الراتب في ~~القلب الباعث على الإقدام على الأمر بأول خاطر دون التوقف وضدها الأناة وهي ~~المعنى الراتب في القلب الباعث على الاحتياط في الأمور والتأني في اتباعها ~~والعمل بها. # وأما التوقف : فضده التعسف والفرق بين التوقف والتأني أن التوقف ms189 يكون قبل ~~الدخول في الأمر حتى يؤدي إلى كل جزء منه حقه. # وأما الحسد : فهو المفسد للطاعات الباعث على الخطيئات المورث للتعب والهم ~~في غير فائدة ، بل مع كل وزر والموجب عمى القلب وكفى بالحاسد إضلالا ~~وخسرانا أنه عدو لنعمة الله تعالى ومعاند لإرادته وساخط لقضائه. وأما حد ~~الحسد : فهو إرادة زوال نعمة الله تعالى عن أخيك المسلم مما له فيه صلاح ، ~~فإن لم ترد زوالها ولكن أردت لنفسك مثلها فهي غبطة ، فإن لم يكن له فيها ~~صلاح فأردت زوالها عنه فذلك غيرة فهذا هو الفرق بين الخصال. وأما ضد الحسد ~~: فالنصيحة وهي إرادة بقاء نعمة الله تعالى على أخيك المسلم فيما له فيه ~~صلاح ، فإن اشتبه عليك الأمر فلا ترد زوال نعمة عن أحد من المسلمين ولا ~~بقاءها إلا مقيدا بالتفويض إلى الله تعالى لتخلص من حكم الحسد وتحصل لك ~~فائدة النصحية. وأما حصن النصيحة المانع من الحسد : فهو ذكر ما أوجبه الله ~~من موالاة المسلمين ، وحصن هذا الحصن هو ذكر ما عظم الله تعالى من حقه ورفع ~~قدره وما له عند الله تعالى من الكرامات في العقبى وما لك من الفوائد ~~الدينية والدنيوية دنيا وأخرى والله الموفق. # وأما الكبر : فهو الخصلة المهلكة رأسا أما تسمع قول الله تعالى عن إبليس. ~~( @QUR@05 أبى واستكبر وكان من الكافرين ) [البقرة : 34]. وأما حد الكبر : ~~فاعلم أنه خاطر في رفع النفس واستعظامها والتكبر اتباع ما ينافي التواضع ~~وكل واحد منهما عام وخاص ، فالتواضع العام هو الاكتفاء بالدون من الملبس ~~والمسكن وما في معناهما والتكبر في مقابلته الترفع عن ذلك وهو معصية كبيرة. # واعلم أن حصن التواضع العام هو أن تذكر مبدأك ومنتهاك ، وما أنت عليه ~~الآن من ضروب الآفات والأقذار ، وحصن التواضع الخاص هو ذكر عقوبة العادل عن ~~الحق فهذه جملة كافية لمن استبصر والله تعالى الموفق. ### ||| * الباب الثاني والعشرون ### ||| * في بيان معنى حقيقة حسن الخلق وسوئه # اعلم أن السعادة كلها والباقيات الصالحات أجمعها التي تبقى معك إذا غرقت ~~سفينتك في شيئين : الأول : سلامة ms190 القلب وطهارته من غير الله تعالى لقوله : ~~( @QUR@06 إلا من أتى الله بقلب سليم ) [الشعراء : 89]. والثاني : امتلاء ~~القلب بمعرفة الله تعالى التي هي المقصودة من خلق العالم وبعثة PageV01P145 # الرسل صلى الله عليهم وسلم ، وحسن الخلق : هو الجامع لهما ولا أعلم خصلة ~~تزيد عليه في الفضل ، ولذلك امتدح الله تعالى به نبيه محمدا ~~صلى الله عليه وسلم فقال تعالى ( @QUR@04 وإنك لعلى خلق عظيم ) [القلم : 4]. ~~وقال تعالى : ( @QUR@07 إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ) [فاطر ~~: 10]. والكلم الطيب هو التوحيد والمعرفة والعمل الصالح هو طهارة القلب ~~الرافعة لقدر التوحيد والمعرفة ، ومعنى الرفعة هو حضور القلب وتأثره بهما ~~لينقاد خضوعا ومسكنة ومهابة. فحينئذ يكون قريبا من الله تعالى. فأما حقيقة ~~حسن الخلق : فاعلم أن للإنسان صورة باطنة وهي التي بعثت الأنبياء ~~صلى الله عليه وسلم بتقويمها وتزكيتها وكمال اعتدالها وذلك أن تصدر عنها ~~الأخلاق المحمودة بسهولة بلا روية ولا فكر. وهذا هو معنى حقيقة حسن الخلق ، ~~وسوء الخلق يكون بعكس ذلك. واعلم أن جملة الأخلاق المحمودة والمذمومة تصدر ~~عن ثلاث صفات هن كالأمهات : # الصفة الأولى : العقل وقوته واعتداله بالعلم والحكمة وحقيقة الحكمة معرفة ~~الحق من الباطل في الاعتقادات والصدق من الكذب في الأقوال والحسن من القبيح ~~في الأفعال. # الصفة الثانية : قوة الغضب الدافعة للضرر وهي خلقت لذلك فكمالها ~~واعتدالها أن تكون منقادة للحكمة إن أشارت الحكمة لها بالاسترسال استرسلت ~~أو بالانقباض انقبضت كالكلب المعلم. # الصفة الثالثة : قوة الشهوة الجالبة للنفع وهي خلقت أيضا مطيعة للعقل ~~فحسنها واعتدالها في إذعانها للحكمة. واعلم أن المطلوب من الأخلاق الاعتدال ~~والوقوف على وسط الأمور لقوله تعالى : ( @QUR@010 ولا تجعل يدك مغلولة إلى ~~عنقك ولا تبسطها كل البسط ) [الإسراء : 29]. فصار العدل من هذه الصفات ~~الثلاث ركنا رابعا. فأما مثال الاعتدال في الصفات فاعلم أن قوة الحكمة لها ~~إفراط وتفريط ووسط والوسط هو المحمود المسمى بالحكمة فبحسبها واعتدالها ~~يصدر عنها التدبير وجودة الذهن والتفطن لدقائق الأعمال وخفايا آفات النفس ، ~~وأما إفراطها فيصدر عنه المكر والخداع والدهاء وشبه ذلك ، ومن تفريطها يصدر ~~البله ms191 والغباوة والحمق والجنون. فأما الغباوة : فهي قلة التجربة والحمق صحة ~~القصد مع فساد السلوك والجنون فسادهما جميعا. وأما قوة الغضب : فلها اعتدال ~~يسمى الشجاعة يصدر عنه الكرم والنجدة وكظم الغيظ والوفاء بالعهد ، ولها ~~إفراط يصدر عنه التكبر والعجب والاستشاطة وشبه ذلك ، ولها تفريط يصدر عنه ~~المهانة والذلة والجزع والانقباض مع تناول الحق الواجب. وأما قوة الشهوة : ~~فلها اعتدال يسمى العفة يصدر عنه السخاء والصبر والورع والمساعدة وقلة ~~الطمع ، ولها إفراط يصدر عنه الحرص والشره وشبههما ، ولها تفريط يصدر عنه ~~الحسد والمشاتمة والعتب وشبه ذلك ، فأمهات محاسن الأخلاق الحكمة والشجاعة ~~والعفة والعدل المكمل لكل واحدة من الثلاث ، وما سوى ذلك فروع لهذه الأربعة ~~، ولم يبلغ كمال هذه الأربع إلا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالله ~~التوفيق. PageV01P146 ### ||| * فصل في بيان حد التواضع وحقيقته ونهايته وعلامته # وعلى الجملة فالتواضع متخلق بأخلاق الله تعالى وكفى بها شرفا في الآخرة ~~وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم : «من تواضع لله رفعه الله». فأما حد ~~التواضع : فهو ضبط الأحوال والاختيار عن التفريط والإفراط فلا تتكبر ولا ~~تتخاسس. وأما حقيقته : فهو الذل والإذعان والانقياد للحق بسهولة والحق يطلق ~~على الله تعالى وعلى أمره. وأما نهايته : فهو أن لا يحس بالذل إذا مدح ولا ~~يتألم بالذم إذا ذم لعلمه بحكمة الله سبحانه وتعالى وتوحده بالأفعال ، لأن ~~العبد لا يحس بالذل بين يدي سيده وهذه طريقة الموحدين ، لأن المتواضع يرى ~~لنفسه قدرا فيضعه والموحد لا يرى لنفسه قدرا حتى يضعه. فالمتواضع ضابط ~~لأفعاله الاختيارية فلا يتكبر ولا يتخاسس ، وإن جرى عليه ذل من غير اختياره ~~، وطريقة الأولياء الرضى ووجدان اللذة ، لأنه جرى بقدر الله تعالى وعلمه ~~وإرادته فهو لا يحس بالذل لقصور نظره على حكم الله تعالى وجميل فعله إنما ~~يحس بالذل المتكبر الجاهل الغافل القاصر نظره على فعل الأفعال ، وكلما كان ~~أكثر ذلا كان أكثر كبرا. وأما العلماء بالله تعالى فلا يشهدون لغير الله ~~ولا يتهمونه في حكم من الأحكام ، بل يعرفون أن ذلك علامة كرامتهم. ms192 # وقد أشار بعض الأئمة رحمهم الله تعالى إلى أن المعرفة لا توجد إلا في قلوب ~~المتواضعين الذين صار الذل صفتهم الذاتية فهم بقدرة الله تعالى ونظره ~~ينقلبون إن رفعوا إلى السماء لم يزدادوا في نفوسهم كمالا وإن خفضوا إلى ~~منتهى الخفض لم يجدوا في أنفسهم نقصا كذلك ، لأنهم مسلوبو الإرادة ~~والاختيار لعلمهم أن الكمال المطلق فيما حكم الله تعالى به وقضاه فيهم ، ~~ولأنهم يجدون المزيد من الله تعالى في أحوالهم بذلك فهو رتب المقربين. وأما ~~الصالحون فتواضعهم على قدر معرفتهم بنفسهم وربهم. وأما علامة التواضع : فهو ~~أن لا يأنف من الحق إذا أمر به ، فإن وجد في نفسه ألفة من ذلك فهو متكبر عن ~~قبول الحق وذلك معصية كبيرة ، والله تعالى أعلم. ### ||| * الباب الثالث والعشرون ### ||| * في بيان معنى الفكر ومقدماته ولواحقه # فمقدماته مساع وتيقظ وذكر ولواحقه العلم ، لأن من سمع تيقظ ، ومن تيقظ ~~تذكر ، ومن تذكر تفكر ، ومن تفكر علم ، ومن علم عمل إن كان علما يراد للعمل ~~، وإن كان علما يراد لذاته سعد والسعادة غاية المطلب. # أما السماع : فحقيقته الانتفاع بالمسموع من حكمة أو موعظة وما يضاهيهما ، ~~وشرطه الاستماع وهو الإصغاء وهو واجب في استماع كل علم هو فرض عين مدركه ~~السمع ومستحب فيما سواه في العلوم المحمودة ويحرم فيما حرم الشارع من ~~المحرمات ويكره فيما يكره استماعه. # وأما اليقظة : فحقيقتها انتباه القلب للخير. وعلامة الانتباه : القومة ~~والنهوض عن ورطة PageV01P147 # الفترة ، والقومة واجبة على الفور في الأوامر والنواهي الفورية وهي ~~متعلقة بكل مقام. # وأما التذكر : فهو تكرار المعارف على القلب لتثبت وترسخ. # وأما التفكر : فهو أن تجمع بين علمين مناسبين للعلم الذي أنت طالبه بشرط ~~عدم الشك فيهما وفراغ القلب من غيرهما ويحدق النظر فيهما تحديقا بالغا فلم ~~يشعر إلا وقد انتقل القلب من الميل الخسيس إلى الميل النفيس إحضارا ~~لمعرفتين يسمى تذكرا والتذكر يتعلق بالعقد والقول والفعل والترك وهو واجب ~~فيما يجب تذكره ، ويحرم بتذكر المعاصي إن أدى إلى استجلابها. وحصول المعرفة ~~الثالثة المقصود من هاتين المعرفتين يسمى ms193 تفكرا ، والتفكر واجب عند الشك ~~وعند ورود الشبهة وعند علاج الأمراض الواجب إزالتها من القلوب. # وأما العلم فيندرج في خمسة أقسام : # الأول : من العلوم الواجبة علم أصول الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ~~واليوم الآخر. # الثاني : علم العبادات المتعلقة بالأبدان والأموال. # الثالث : علم ما يتعلق بالحواس الخمس اللسان والفرج والبطن والسمع ~~والبصر. # الرابع : علم الأخلاق المذمومة الواجب إزالتها من القلوب. # الخامس : علم الأخلاق المحمودة الواجبة لله تعالى على القلوب. ### ||| * الباب الرابع والعشرون ### ||| * في بيان معنى التوبة ويضاف إليها الفرار والإنابة والإخبات ### ||| * لأنهن من ثمراتها # أما التوبة : فحقيقتها الرجوع من المعصية إلى الطاعة ، ومن الطريق ~~البعيدة إلى الطريق القريبة وتنتظم من علم وحال وعمل. # وكذلك كل مقام فالعلم هو الأصل الذي هو عقد من عقود الإيمان بالله تعالى ~~أو لله تعالى ، والحال ما ينشأ عنها من المواجيد ، والعمل هو ما تنشئه ~~المواجيد على القلوب والجوارح من الأعمال ، ويتقدم التوبة واجبان : # الواجب الأول : معرفة الذنب المرجوع عنه أنه ذنب. # الواجب الثاني : أنه لا يستبد بالتوبة بنفسه ، لأن الله تعالى هو خالقها ~~في نفسها ومسير أسبابها ، وهو من الإيمان بالله تعالى لتعلقه بالقدرة ، ~~والثاني من الإيمان له لتعلقه بأخباره. # وأما أركانها فأربعة : علم وندم وعزم وترك والقدر الواجب من الندم ما يحث ~~على الترك. # وأما الفرار : فحقيقته الهرب من المعصية إلى الطاعة ، وهذا هو الفرار ~~الواجب المبني على PageV01P148 # أصل الإيمان ورجوع العبد من الشواغل الملهية إلى الله تعالى ، ومن الحسن ~~إلى الأحسن هو أيضا توبة ورجوع ، وبه كمال السعادة في الآخرة ، وهذا هو ~~الفرار الواجب المبني على كمال الإيمان ، وعلى هذا فلا نهاية لمراتب التوبة ~~ومراقيها وهذا هو الإنابة لأن حقيقة الإنابة تكرار الرجوع إلى الله تعالى ~~وإن لم يتقدمه ذنب. # وأما الإخبات : فهو الإذعان والانقياد للحق بسهولة. # واعلم أن التوبة نصح من كل ذنب لا دون ذنب ، والله تعالى أعلم. ### ||| * الباب الخامس والعشرون ### ||| * في بيان الصبر ويضاف إليه الرياضة والتهذيب لأنهما من ### ||| * ثمراته # أما علمه : فهو تصديق الله تعالى فيما أخبرنا به من ms194 عداوة النفس والشيطان ~~والشهوات للعقل والمعرفة والملك الملهم للخير ، وأن القتال بينهم دائم فمن ~~خذل جند الشيطان ونصر حزب الله أدخله جنته وهذا واجب لأنه من الإيمان بالله تعالى. # وأما الحال الناشئ عن هذا الإيمان ، فهو ثبات باعث الدين في مقابلة باعث ~~الهوى والقدر الواجب منه تقويته بالوعد والوعيد إلى أن يغلب حزب الله تعالى ~~جند الشيطان «ألا إن حزب الله هم الغالبون». # وأما الرياضة : فهو تمرين النفس على الخير ونقلها من الخفيف إلى الثقيل ~~باللطف والتدريج إلى أن يرتقي إلى حالة يصير ما كان عنده من الأحوال ~~والأعمال شاقا سهلا هينا. # وأما التهذيب : فهو امتحان النفس واختيار أحوالها في دعوى المقامات هل ~~صدقت أو كذبت ، وعلامة اعتدال مقام الصبر أن تصدر عنه الأعمال بسهولة بلا ~~مانع ولا منازع. والله تعالى الموفق. ### ||| * الباب السادس والعشرون ### ||| * في الخوف ، ويضاف إليه الحزن والقبض والإشفاق والخشوع ### ||| * لأنهن من أنواعه وكذلك الورع لأنه من ثمراته # أما علمه : فهو مطالعة صفات الألوهية وتعلقها بالتقريب والإبعاد والإسعاد ~~والإشقاء من غير وسيلة ولا سابقة ، وهذا الخوف يراد لذاته ويجب اعتقاده ~~لأنه من الإيمان بالله تعالى ينتفع بهذا الخوف من أخرجته رؤية كثرة الأعمال ~~إلى الإدلال والأمن من مكر الله إذ لا يأمن من مكر الله إلا القوم ~~الخاسرون. # وأما الخوف المراد لغيره ، فهو قسمان. أحدهما : خوف سلب النعمة وهو يحث ~~على الأدب ورؤية المنة. والثاني : خوف العقوبات المرتبة على الجنايات ، ~~والقدر الواجب منه ما يحث على ترك المحظورات وفعل الواجبات. وأما حاله ، ~~فهو تألم القلب وانزعاجه بسبب PageV01P149 # توقع مكروه أو على فائت. فإن كانا محمودين كان له حكمهما في الوجوب ~~والاستحباب ، وإن كانا مكروهين له حكمهما في الحظر والكراهة. # وأما حقيقة القبض : فهو يطرق القلب تارة يعلم سببه فحكمه حكم الحزن ، وما ~~لم يعلم سببه فهو عقوبة للمريدين لسبب إفراطهم في البسط. # وأما حقيقة الإشفاق : فهو اتحاد الخوف بالرجاء واعتدالهما ، وأما حقيقة ~~الخشوع : فهو سكون القلب والجوارح وعدم حركتهما لما عاين القلب من عظيم أو مفزع. # وأما ms195 حقيقة الورع : فهو مجانبة الشيء حذرا من ضرره ، والله تعالى أعلم. ### ||| * الباب السابع والعشرون ### ||| * في بيان الرجاء ، ويضاف إليه الرغبة ، لأنها من أنواعه وكذلك البسط لأنه من ثمراته # أما علمه : فهو أيضا مطالعة الصفات القديمة التي يصدر عنها كل ما ساء وسر ~~ونفع وضر ، فمن عرف هذا من صفاته خافه ورجاه ، وهذا هو الرجاء المقصود ~~لذاته ، لأنه لا يتوقع بحسنة ولا يندفع بسيئة إنما ينشأ عن فضل الله تعالى ~~لمن سبقت له السعادة ، ويندفع بهذا الرجاء من أخرجه الخوف إلى القنوط. # وأما الرجاء المراد لغيره : فهو ما يحث على تكثير الطاعات ، فإن لم يحث ~~على تكثير الطاعات كان تمنيا ، لأن حقيقة الرجاء هو ارتياح القلب وانشراحه ~~لانتظار محبوب تقدمت أسبابه. # وأما الرغبة : فهي استيلاء هذا الحال على قلب الراجي حتى كأنه يشاهد به ~~المأمول فهي كمال الرجاء ومنتهى حقيقته. # وأما البسط : فهو انشراح القلب وانفتاح طريق الهدى له بروح الرجاء. ### ||| * الباب الثامن والعشرون ### ||| * في بيان الفقر ، ولواحقه التبتل والفناء والتجريد # أما الفقر : فهو الفقد والاحتياج ، ولكن الاحتياج على ضربين : مطلق ومقيد. # أما المطلق : فهو احتياج العبد إلى موجد يوجده وإلى بقاء بعد الإيجاد ~~وإلى هداية إلى موجده وهذا هو الفقر إلى الله تعالى ، لأن الله هو موجده ~~ومبقيه وهاديه إليه وهذا الفقر واجب لأنه من الإيمان بالله ولله. # وأما الحال الذي ينشأ عن هذه المعرفة : فهو شهود العبد لفقره وحاجته إلى ~~الله تعالى على الدوام. # وأما الاحتياج المقيد : فهو احتياج العبد إلى الوسائل التي تقوم بها ذاته ~~ويستعان على تحصيلها بالمال والمال هو المفقود المحتاج إليه ، فالفقر ~~المطلق يراد لذاته لتعلقه بالله تعالى ، والمقيد يراد لغيره وهو التبتل ~~والانقطاع إلى الله وهما الوسيلة للغنى بالله وهو تعلق القلب به PageV01P150 # سبحانه وتعالى ، والغنى بالله تعالى وسيلة إلى تجريده عما سوى الله تعالى ~~، ولا يجب من التجريد إلا اعتقاد تجريد القديم عن الحادث ، والله تعالى أعلم. ### ||| * الباب التاسع والعشرون ### ||| * في بيان الزهد ، ويضاف إليه الإيثار والفتوة ، لأنهما من أخلاقه ### ||| * وكذلك مقام المراد ms196 ، لأنه من مواريثه # أما العلم الذي هو سبب الزهد في الدنيا : فهو من الإيمان لله تعالى وهو ~~قوله تعالى ( @QUR@07 بل تؤثرون الحياة الدنيا* والآخرة خير وأبقى ) ~~[الأعلى : 16. 17]. وأما الحال الناشئ عن هذا العلم : فهو انصراف الإرادة ~~عن الدنيا لاستعظام ما عند الله. وأما سبب الزهد فيما سوى الله تعالى من ~~نعيم الجنة وغيرها ، فهو إضافة حقارة الوجود إلى جلال الله تعالى وكماله ، ~~وهذا هو الزهد المراد لذاته وهو من الإيمان بالله تعالى لتعلقه بالجلال ~~والكمال ، والزهد الذي قبله مراد لغيره وهو فراغ القلب لهذه المعرفة ، ~~والقدر الواجب من الزهد المراد لغيره ما يحث على الفراغ لأوقات الواجبات ~~والزهد لا يتعلق إلا بالمباح. ومن شرطه أن يكون مقدورا عليه. # وأما ثمرته : فهو الإيثار وهو أعلى درجات السخاء ، لأن السخاء هو بذل ما ~~لا يحتاج إليه سمحا لا تكلفا ، والإيثار هو بذل ما هو محتاج إليه سمحا بغير ~~عوض ولا غرض إلا لتخلقه بأخلاق الله سبحانه وتعالى. # وأما الفتوة : فهي ترجع إلى أخلاق المروءة ، فمن قام بواجب الشرع وواجب ~~المروءة فهو الفتى ، ومن شارك أبناء الدنيا فيما هم فيه فلا فتوة له ولا ~~مروءة. وأما مقام المراد ، فهو الذي وقف على حقيقة الأمر بغير منازع ولا ~~مدافع ولم يشغله عن الله تعالى شيء ، والله أعلم. ### ||| * الباب الثلاثون ### ||| * في بيان المحاسبة ، ولواحقها الاعتصام والاستقامة ، لأنهما ### ||| * الثمرة المقصودة # أما المحاسبة فحقيقتها تفقد ما مضى وما يستقبل وهي واجبة بإجماع الأمة. ~~أما العلم الحامل عليها : فهو الإيمان بمحاسبة الله تعالى. وهذه المحاسبة ~~توجب الاعتصام والفرق بين الاعتصام والاستقامة أن الاعتصام هو التمسك بكتاب ~~الله تعالى والحفظ لحدوده والاستقامة هي الثبات والاعتدال عن الميل إلى ~~طرفي الأمر المعتصم به والاستقامة مرادة لذاتها ولغيرها. أما كونها لذاتها ~~فلأنها وسيلة إلى الدخول في مقام الجمع من وادي التفرقة ، والله تعالى أعلم. PageV01P151 ### ||| * الباب الحادي والثلاثون ### ||| * في بيان الشكر ، ولواحقه السرور ، لأنه من أحواله والحكمة ### ||| * لأنها من أعماله # أما العلم الذي هو سبب الشكر : فهو أن تعلم أن النعم كلها ms197 من الله تعالى ~~وحده. وهذا واجب ، لأنه من الإيمان بالله تعالى قال الله تعالى : ( @QUR@06 ~~وما بكم من نعمة فمن الله ) [النحل : 53]. وشكر المنعم واجب وهو من ~~الإيمان. وأما الحال الناشئ عن هذا العلم فهو الفرح والسرور بأنعم الله ~~فهذا الفرح شكر بنفسه ، لأنه مراد لذاته وهو واجب لأنه من الإيمان بالله ~~تعالى وهو ثمرة الإيمان بالله تعالى. وأما عمل الشكر : فهو مراد لذاته ~~ولغيره أما كونه مرادا لذاته فلأن العمل باستعمال النعمة فيما خلقت له من ~~تمام الحكمة. وأما كونه مرادا لغيره فلحفظ النعم الموجودة والزيادة عليها. ~~وعلى الجملة ، فالشكر هو استعمال النعمة فيما خلقت له فمن اعتدلت له أحواله ~~حتى وضع كل شيء موضعه كان حكيما لأن الحكمة وضع كل شيء محله علما كان أو ~~عملا وبالله التوفيق. ### ||| * الباب الثاني والثلاثون ### ||| * في بيان التوكل ولواحقه التفويض والتسليم والثقة والرضى ### ||| * لأنهن من آدابه # أما العلم الحامل على التوكل : فهو أن تعلم أن الله قائم بنفسه وأنه مقيم ~~لغيره ، ثم تعلم سعة علمه وحكمته وكمال قدرته. # وأما الحال الناشئ عن هذا العلم : فهو اعتماد القلب على الله تعالى ~~وسكونه ، وعدم اضطرابه لتعلقه بالله تعالى ، ولا يجب على من علم التوكل ~~وحاله إلا ما يكف عن الأسباب المحظورة. والتوكل مع شرفه منخفض الرتبة عن ~~التفويض والتسليم ، لأن غايته طلب جلب النفع ودفع الضر ، والتفويض والتسليم ~~حقيقتهما الانقياد والإذعان للأمر والنهي وترك الاختيار في جملة ما حكم ~~الله تعالى به. # وأما الثقة : فمعناها الربط على القلب وعدم الانفصام على ما حواه من ~~التصديقات وهي حالة مكملة لجميع المقامات والأحوال. # وأما الرضى : فإنما يكون بعد المقضي به ، والتفويض والتسليم يكون قبل ~~المقضي به والقدر الواجب من الرضى هو أن يكون راضيا بعقله وإن كان كارها ~~بطبعه ، لأن الكراهية لا تدخل تحت اختيار العبد ، فمن كره بعقله شيئا مما ~~امتحن الله تعالى به عباده في الدنيا والآخرة أو شكا بلسانه أثم وخرج عن ~~واجب الرضى وبالله التوفيق. PageV01P152 ### ||| * الباب الثالث والثلاثون ### ||| * في بيان النية ويضاف إليها ms198 القصد والعزم والإرادة لأنهن من ### ||| * توابعها # فأما النية : فهي الوسيلة بعد الإيمان إلى السعادة العظمى في الأولى ~~والعقبى ، فإذا عرفت هذا وجب عليك فهم حقيقتها أو تحصينها مما يشوبها من ~~الحظوظ الدنيوية وجوبا وعن الأغراض والأعواض الأخروية استحبابا. فأما النية ~~: فهي عبارة عن تمييز الأغراض بعضها عن بعض. فأما القصد : فهو جمع الهمة ~~نحو الغرض المطلوب والعزم هو تقوية القصد وتنشيطه ، والإرادة تصرف الموانع ~~المثبطة. ### ||| * الباب الرابع والثلاثون ### ||| * في بيان الصدق ، ويضاف إليه الانفصال والاتصال والتحقيق والتفريد. لأنهن من علاماته # أما الصدق في حق الله تعالى ، فهو وصف ذاتي راجع إلى معنى كلامه. # وأما الصدق في وصف العبد : فهو استواء السر والعلانية والظاهر والباطن ، ~~وبالصدق يتحقق جميع المقامات والأحوال حتى أن الإخلاص مع جلالته يفتقر إلى ~~الصدق والصدق لا يفتقر إلى شيء ، لأن حقيقة الإخلاص في العبادة هو إرادة ~~الله تعالى بالطاعة ، فقد يراد الله تعالى بالصلاة مثلا ولكنه غافل من حضور ~~القلب فيها والصدق هو إرادة الله تعالى بالعبادة ، مع حضوره مع الله تعالى ~~فكل صادق مخلص وليس كل مخلص صادقا. وهذا معنى الانفصال والاتصال ، لأنه ~~انفصل عن غير الله تعالى واتصل بالحضور بالله تعالى. # وأما التحقيق : فهو تمييز المقامات والأحوال بعضها من بعض وتخليصها من ~~الأغيار والشوائب. # وأما التفريد : فهو وقوف العبد مع الله تعالى بلا علم ولا حال لشهوده ~~تفرد الله تعالى بإيجاد كل موجود وشمول قدرته كل مقدور. ### ||| * الباب الخامس والثلاثون ### ||| * في بيان الرضى # قال الحارث : الرضى سكون القلب تحت جريان الحكم. وقال ذو النون : الرضى ~~سرور القلب بمر القضاء. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ذاق طعم الإيمان ~~من رضي بالله ربا». وقال عليه السلام : «إن الله بحكمته جعل الروح في الرضى ~~واليقين ، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط». وقال الجنيد : الرضا هو صحة ~~العلم الواصل إلى القلوب ، فإذا باشر القلب حقيقة العلم أداه إلى الرضا ، ~~وليس الرضا والمحبة كالخوف والرجاء فإنهما حالان لا يفارقان العبد في ~~الدنيا والآخرة ، لأنه في الجنة لا يستغني ms199 عن الرضا والمحبة. وقال ابن عطاء ~~: الرضا PageV01P153 # سكون القلب إلى قديم اختيار الله تعالى للعبد أنه اختار له الأفضل فيرضى ~~له وهو ترك السخط ، وقال أبو تراب : ليس ينال الرضا من الله من الدنيا في ~~قلبه مقدار. وقال سري : خمس من أخلاق المقربين الرضا عن الله تعالى ، فيما ~~تحب وتكره والحيلة بالتحبب إليه ، والحياء من الله تعالى ، والأنس به ، ~~والوحشة فيما سواه. وقال الفضيل : الرضا أن لا يتمنى فوق منزلته شيئا. وقال ~~ابن سمعون : الرضى بالحق والرضى به والرضا عنه الرضى به مدبرا ومختارا ~~والرضى عنه قاسما ومعطيا ، والرضى له إلها وربا. # سئل أبو سعيد : هل يجوز أن يكون راضيا ساخطا؟ قال : نعم يجوز أن يكون ~~راضيا عن ربه ساخطا على نفسه وعلى كل قاطع يقطعه عن الله تعالى. # وقال بعضهم للحسن بن علي رضي الله عنهما إن أبا ذر يقول : الفقر أحب إلي ~~من الغنى ، والسقم أحب إلي من الصحة. فقال : رحم الله أبا ذر. أما أنا ~~فأقول من اتكل على حسن اختيار الله تعالى له لم يتمن أنه في غير الحالة ~~التي اختارها الله. # وقال علي عليه السلام : من جلس على بساط السؤال لم يرض عن الله في كل حال. ~~وقال الشبلي بين يدي الجنيد : لا حول ولا قوة إلا بالله قال قولك هذا إذا ~~ضيق صدر. فقال : صدقت فقال ضيق الصدر ترك الرضى بالقضاء ، وهذا قاله الجنيد ~~تنبيها منه على أصل الرضى ، وذلك لأن الرضى يحصل لانشراح القلب وانفساحه ~~وانشراح القلب من نور اليقين ، فإذا تمكن النور من الباطن اتسع الصدر ~~وانفتح عين البصيرة وعاين حسن تدبير الله تعالى فينتزع السخط والضجر ، لأن ~~انشراح القلب يتضمن حلاوة الحب وفعل المحبوب بوقوع الرضى عند المحب الصادق ~~، لأن المحب يرى أن الفعل من المحبوب مراده. كما قيل : وكل ما يفعل المحبوب ~~محبوب فالقوم يكرهون خدمة الأغيار ويأبون مخالطتهم أيضا. فإن من لا يحب ~~طريقهم ربما استضر بالنظر إليهم أكثر مما ينتفع بهم. # ورد في الخبر : المؤمن مرآة المؤمن. فأي ms200 وقت ظهر من أحدهم أثر التفرقة ~~نافروه ، لأن التفرقة تظهر بظهور النفوس وظهور النفوس من تضييع حق الوقت. ~~فأي وقت ظهرت نفس الفقير علموا خروجه من دائرة الجمعية وحكموا له بتضييع ~~حكم الوقت وإهمال السياسة وحسن الرعاية فيعاد بالمناقشة إلى دائرة الجمعية. ### ||| * الباب السادس والثلاثون ### ||| * في بيان النهي عن الغيبة # قال الله عز وجل : ( @QUR@07 أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا ) [الحجرات : 12]. # وعن أبي هريرة رضي الله عنه : أن رجلا كان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~، فقام النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقم الرجل ، فقال بعض القوم : ما أعجز ~~فلانا : «أكلتم لحم أخيكم واغتبتموه». PageV01P154 # وقيل : أوحى الله تعالى إلى موسى بن عمران عليه السلام : «من مات تائبا من ~~الغيبة فهو آخر رجل يدخل الجنة ، ومن مات مصرا عليها فهو أول من يدخل ~~النار». # وقيل : دعي إبراهيم بن أدهم إلى دعوة فحضر فذكروا رجلا لم يأتهم بالغيبة. # فقال إبراهيم : إنما فعل بي هذا نفسي حيث حضرت موضعا يغتاب فيه الناس ~~فخرج ولم يأكل ثلاثة أيام. # وقيل : مثل الذي يغتاب الناس كمثل من نصب منجنيقا يرمي به حسناته شرقا وغربا. # وقيل : يؤتى العبد يوم القيامة كتابه فلا يرى فيه حسنة. فيقول : أين ~~صلاتي وصيامي وطاعتي؟ فيقال : ذهب عملك باغتيابك الناس ، وقيل : من اغتيب ~~بغيبة غفر الله له نصف ذنوبه. # وقيل : يعطى الرجل كتابه بيمينه فيرى فيه حسنات لم يعملها ، فيقال : هذا ~~بما اغتابك الناس وأنت لم تشعر. # وقيل للحسن البصري : إن فلانا اغتابك فبعث إليه طبقا فيه حلوى وقال : ~~بلغني أنك أهديت إلي حسناتك فكافأتك. # وعن الجنيد قال : كنت ببغداد في مكان أنتظر جنازة أصلي عليها فلقيت فقيرا ~~عليه أثر النسك يسأل الناس ، فقلت في نفسي : لو عمل هذا عملا يصون به نفسه ~~كان أجمل به. فلما انصرفت إلى منزلي وكان لي شيء من الورد بالليل فلما ~~قضيته ونمت رأيت ذلك الفقير جاءوا به على خوان ممدود ، وقالوا لي : كل لحمه ~~فقد اغتبته فكشف لي عن الحال ، فقلت : ما ms201 اغتبته إنما قلت في نفسي. فقيل : ~~ما أنت ممن يرضى منك بمثله اذهب واستحلله فأصبحت ولم أزل أتردد حتى رأيته ~~يلتقط من الماء أوراقا من البقل مما يتساقط من غسل البقل ، فسلمت عليه ، ~~فقال : يا أبا القاسم تعود؟ فقلت : لا فقال : غفر الله لنا ولك. ### ||| * الباب السابع والثلاثون ### ||| * في بيان الفتوة # الفتى من تخلى عن تدبير نفسه وماله وولده ووهب الكل لمن له الكل بل ليس ~~له ما يهب فإنها ذهبت في قوله تعالى : ( @QUR@07 إن الله اشترى من المؤمنين ~~أنفسهم وأموالهم ) [التوبة : 111]. تخلق بقوله تعالى : ( @QUR@05 إن الله ~~يأمر بالعدل والإحسان ) [النحل : 90]. ما ترك العدل والإحسان من طاعة الله ~~تعالى شيئا إلا جمعه ، وما ترك الفحشاء والمنكر من معصة الله تعالى شيئا ~~إلا جمعه. فتوة العامة بالأموال ، وفتوة الخاصة بالأموال والأفعال ، وفتوة ~~خاص الخواص بهما وبالأحوال ، وفتوة الأنبياء بهما وبالأسرار ، وهو الذي ليس ~~في باطنه دعوى ولا في ظاهره تصنع ومراءاة ، وسره الذي بينه وبين الله تعالى ~~لا يطلع عليه صدره ، فكيف الخلق. ومن شأن الفتى النظر إلى الخلق بعين الرضى ~~وإلى نفسه بعين السخط ومعرفة حقوق من هو فوقه ومثله ودونه ولا يتعرض ~~لإخوانه بزلة أو حقرة أو كذب ، وينظر إلى الخلق كأنهم أولياء غير مستقبح منهم PageV01P155 # إلا ما خالف الشرع مع أن ذلك ينسبه إلى الشيطان ذنبا لا إلى أخيه المسلم. ~~فكيف إلى الله عز وجل مع أنه يغيره بيده ، فإن لم يستطع فبقلبه والإياس من ~~الخلق وترك السؤال والتعريض وكتمان الفقر وإظهار الغنى وترك الدعوى وكتمان ~~المعنى واحتمال الأذى ، وأن يؤثر مراد غيره على هواه خلقا وفعلا ، وأن لا ~~يزال في حاجة غيره ويعطي بلا امتنان ولا يطالب أحدا بواجب حقه ويطالب نفسه ~~بحقوق الناس ويرى الفضل لهم ويلزم نفسه التقصير في جميع ما يأتي به ، ولا ~~يستكثر ما يأتي به ، ومن شأن الفتى ترك كل ما للنفس فيه حظ ، ويستوي عنده ~~المدح والذم من العامة ، ومن شأنه الصدق والوفاء والسخاء والحياء وحسن ~~الخلق وكرم النفس وملاطفة الإخوان ms202 ومجانبة سماع القبيح من الأصدقاء ، وكرم ~~العهد بالوفاء والتباعد عن الحقد والحسد والغش ، ومن شأنه الحب والبغض في ~~الله والتوسعة على الإخوان من ماله وجاهه إن أمكنه. وترك الامتنان عليهم ~~بذلك وصحبة الأخيار ومجانبة الأشرار ، ويكون خصما على نفسه لربه ولا يكون ~~له خصما غيرها فيجتهد في كسر هواها ، لأنه قيل : الفتى من كسر الأصنام وهي ~~صنم الإنسان. # ومن شأن الفتى أن لا ينافر فقيرا لفقره ، ولا يعارض غنيا لغناه ، ويعرض ~~عن الكونين ، ويستوي عنده المقيم والطارئ ، ومن يعرف ومن لا يعرف ، ولا ~~تمييز بين الولي والكافر من جهة الأكل ، ولا يدخر ولا يعتذر ويظهر النعمة ~~ويسر المحبة وإذا كان في عشرة فلا يتغير إن كان ما أتى به عشيره أقل أو ~~أكثر ، وأن لا يحمر وجه أحد فيما لم يندبه الشرع إليه. ولا يربح على صديق ~~وما خرج عنه لا يرجع فيه وإن أعطى شكر وإن منع صبر ، بل إن اعطى آثر وإن ~~منع شكر الفتوة أن لا يشتغل بالخلق عن الحق ، وفتوة العارف بمعروفه ، وفتوة ~~غيره بمعتاده ومألوفه. ### ||| * فصل في السخاء # السخاء : تقديم حظوظ الإخوان على حظك مطلقا دنيويا وأخرويا والمبادرة إلى ~~الإعطاء قبل السؤال وترك الامتنان بما أعطى وتعجيله وتصغيره وتستيره ، بل ~~بذل النفس والروح والمال على الخلق على غاية الحياء ، وأن يكره أن يرى ذل ~~السؤال في وجوه المسلمين وسخاء النفس بما في أيدي الناس أكبر من سخائها ~~بالبذل ومروءة القناعة ، والرضى أكبر من مروءة العطاء وأكبر من ذلك كله ~~السخاء بالحكمة. ### ||| * الباب الثامن والثلاثون ### ||| * في بيان مكارم الأخلاق # قال تعالى : ( @QUR@07 خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ) ~~[الأعراف : 199]. # معناه تعفو عمن ظلمك ، وتعطي من حرمك. وتصل من قطعك ، وتعرض عمن جهل عليك ~~، وتحسن إلى من أساء إليك ، فكان صلى الله عليه وسلم مبعوثا بمكارم الأخلاق ~~يقول : «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون». ومن السخاء إفشاء السلام. ~~وإطعام الطعام ، وصلة الأرحام ، والصلاة بالليل والناس نيام ، ونيل المكارم ~~باجتناب المحارم. مكارم الأخلاق من أعمال أهل PageV01P156 # الجنة قول ms203 لطيف يتبعه فعل شريف. مكافأة المحسن بأكثر من إحسانه. صاحب ~~مكارم الأخلاق هو الذي لا يحوجك أن تسأله ولا يزال يعتذر ضد اللئيم الذي لا ~~يزال يفتخر ، والتغافل عن زلل الإخوان والمسارعة إلى قضاء حوائجهم ، وطرح ~~الدنيا لمن يحتاج إليها. ### ||| * الباب التاسع والثلاثون ### ||| * في بيان القناعة # قال الله تعالى : ( @QUR@012 من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ~~فلنحيينه حياة طيبة ) [النحل : 97]. قال كثير من المفسرين : الحياة الطيبة ~~في الدنيا القناعة : والقناعة موهبة من الله عز وجل . وقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : «القناعة كنز لا يفنى». وعنه عليه الصلاة والسلام : «من ~~أراد صاحبا فالله يكفيه. ومن أراد مؤنسا فالقرآن يكفيه ، ومن أراد كنزا ~~فالقناعة يكفيه ، ومن أراد واعظا فالموت يكفيه ، ومن لم يكفه هذه الأربع ~~فالنار تكفيه». وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : «كن ورعا تكن أعبد الناس ، وكن قنعا تكن أشكر الناس ، ~~وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمنا ، وأحسن مجاورة من جاورك تكن مسلما ، ~~وأقل من الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب». وقيل في قوله تعالى : ( @QUR@04 ~~ليرزقنهم الله رزقا حسنا ) [الحج : 58]. يعني القناعة. # وقال وهب : إن العز والغنى خرجا يجولان فلقيا القناعة فاستقرا فيها. # وفي الزبور : «القانع غني وإن كان جائعا». وفي التوراة : «قنع ابن آدم ~~فاستغنى اعتزل الناس فسلم ، ترك الحسد فظهرت مروءته ، تعب قليلا فاستراح ~~طويلا». وقيل : وضع الله تعالى خمسة أشياء في خمسة مواضع : «العز في الطاعة ~~، والذل في المعصية ، والهيبة في قيام الليل ، والحكمة في البطن الخالي ، ~~والغنى في القناعة». # وقال بعضهم : انتقم من حرصك بالقناعة كما تنتقم من عدوك بالقصاص. وقيل : ~~من تبعت عيناه إلى ما في أيدي الناس طال حزنه. وقيل : إن أبا يزيد غسل ثوبه ~~في الصحراء مع صاحب له فقال له صاحبه : نعلق الثياب في جدران الكروم فقال : ~~لا تغرز الوتد في جدران الناس ، فقال : نعلقه في الشجر. فقال لا ، لأنه ~~يكسر الأغصان. فقال : نبسطه على الحشيش. فقال لا ms204 ، لأنه علف الدواب ، ثم ~~ولى بظهره للشمس والقميص على ظهره حتى جف جانبه ، ثم قلبه حتى جف الجانب الآخر. ### ||| * الباب الأربعون ### ||| * في بيان السائل # من سأل وعنده قوت يومه فقد قطع الطريق على الضعفاء والمساكين ، من كانت ~~نيته طلب الآخرة جعل الله غناه في قلبه وجمع شمله وأتته الدنيا وهي راغمة ، ~~ومن كانت نيته طلب الدنيا جعل الله تعالى الفقر بين عينيه وشتت شمله وأمره ~~ولا يأتيه منها إلا ما كتب له ، ومن جعل الهموم هما واحدا كفاه الله PageV01P157 # هم الدنيا والآخرة ، ومن تشعبت عليه الهموم لم يبال الله تعالى في أي ~~أوديتها هلك ، جميع الدنيا من أولها إلى آخرها ما تساوي غم ساعة ، فكيف ~~بعمرك القصير مع قليل يصيبك منها ، من رضي بما قسم الله له بارك الله له ~~فيه ووسعه عليه من اكتفى عن السؤال فقد أعطي خير النوال ، من احتجت إليه ~~هنت عليه. إذا أردت أن تعيش حرا فلا تلزم مؤنة نفسك غيرها والزم القناعة ، ~~كيف يليق بالحر المريد أن يتذلل للعبيد وهو يجد عند مولاه كل ما يريد ، ولو ~~يعلم الناس ما في المسألة ما سأل أحد شيئا. ولو يعلم الناس ما في حق السائل ~~ما حرموا من سألهم أبدا ، لو صدق السائل ما قدس من رده. ما من رجل سأل رجلا ~~حاجة فقضاها أو لم يقضها إلا غار ماء وجهه أربعين يوما. ### ||| * الباب الحادي والأربعون ### ||| * في بيان الشفقة على خلق الله تعالى # اعلم أن الشفقة على خلق الله تعالى تعظيم لأمر الله تعالى ، وذلك أن ~~تعطيهم من نفسك ما يطلبون وأن لا تحملهم ما لا يطيقون ، وأن لا تخاطبهم بما ~~لا يعلمون ، ولا بما يعلمون ، وأن يسرك ما يسرهم ، وأن يحزنك ما يحزنهم ~~وفكرك في كيفية تحصيل منفعتهم الدينية والدنيوية إليهم ، وكيفية دفع ما ~~يضرهم في دينهم ودنياهم حتى لو سقط الذباب على وجه أحدهم لوجدت لها ألما في ~~قلبك ، وأن تكون لأن تحفظ قلب مؤمن شرعا أحب إليك من كذا وكذا حجة وغزوة ، ~~وأن ms205 تختار عز أخيك على عزك وذل نفسك على ذل أخيك. ### ||| * الباب الثاني والأربعون ### ||| * في بيان آفة الذنوب # طوبى لمن إذا مات ماتت ذنوبه ، قيل : أعظم الذنوب من ظلم من لم يعرفه ولم ~~يره. من أطاع الله تعالى سخر له كل شيء ، ومن عصاه سخره لكل شيء وسلط عليه ~~كل شيء ، لو لم يكن في الإصرار على الذنب من الشؤم إلا أن يكون كل ما يصيبه ~~فهو عقوبة من سعة أو من ضيقة أو صحة أو سقم لكان كافيا ، ولو لم يكن في ترك ~~المعصية إلا ضد ذلك لكان كافيا. إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه. ليست ~~اللعنة سوادا في الوجه أو نقصا في المال إنما اللعنة في أن لا يخرج من ذنب ~~إلا وقع في مثله أو شر منه. لا تكن في التوبة أعجز منك في الذنب ما أنكرت ~~من تغير الزمان والإخوان والزوجات ، فالذنوب أورثت ذلك حتى في خلق الدابة ~~وفأر البيت ، ونسيان القرآن ، أو شيء من العلم ، أو نقل تلاوته من الأحرار ~~، والعقوبة موضوعة للشدة والمشقة ، فعقوبة كل من حيث يشترك حتى الاحتلام ~~وقد تكون عقوبة الذنب ذنبا مثله إذا عظم كثواب الطاعة. ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله العلي العظيم. PageV01P158 ### ||| * الباب الثالث والأربعون ### ||| * في صفة صلاة أهل القرب # إذا دخلت في الصلاة فانس الدنيا وأهلها وأقبل على الله تعالى إقبالك عليه ~~يوم القيامة ، واذكر وقوفك بين يدي الله ليس بينك وبينه ترجمان وهو مقبل ~~عليك تناجيه وتعلم بين يدي من أنت واقف فإنه الملك العظيم. # وقيل لبعضهم : كيف تكبر التكبيرة الأولى؟ فقال : ينبغي إذا قلت : الله ~~أكبر أن يكون مصحوبك في الله التعظيم مع الألف. والهيبة مع اللام والمراقبة ~~والفرق مع الهاء. # واعلم أن من الناس من إذا قال الله أكبر غاب في مطالعة العظمة ، وصار ~~الكون بأسره في فضاء شرح صدره كخردلة بأرض فلاة ، ثم يلقي الخردلة فما يخشى ~~من الوسوسة وحديث النفس وما يتخايل في الباطن هو من الكون الذي صار بمنزلة ~~الخردلة وألقيت فكيف ms206 تزاحم الوسوسة مثل هذا العبد ، والله تعالى أعلم. # جعلنا الله وإياكم من عباده المقربين وعلمائه العاملين وأصفيائه المخلصين ~~، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وقائد الغر المحجلين ، وعلى آله ~~وصحبه المقربين وأزواجه الطيبين الطاهرين وذريته المخلصين ، وعلى سائر ~~الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين ، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، ~~والحمد لله رب العالمين. PageV01P159 ### ||| * قواعد العقائد ### ||| * في ### ||| * التوحيد PageV01P160 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * خطبة الكتاب # الحمد لله المبدئ المعيد الفعال لما يريد ، ذي العرش المجيد والبطش ~~الشديد ، الهادي صفوة العبيد ، إلى المنهج الرشيد ، والمسلك السديد ، ~~والمنعم عليهم بعد شهادة التوحيد ، بحراسة عقائدهم عن ظلمات التشكيك ~~والترديد ، السالك بهم إلى اتباع رسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم ، واقتفاء ~~آثار صحبه الأكرمين المكرمين بالتأييد والتسديد المتجلي لهم في ذاته ~~وأفعاله بمحاسن أوصافه التي لا يدركها إلا من ألقى السمع وهو شهيد ، وهو ~~أنه في ذاته واحد لا شريك له ، فرد لا مثل له ، صمد لا ضد له ، منفرد لا ند ~~له ، وأنه واحد قديم لا أول له ، أزلي لا بداية له ، مستمر الوجود لا آخر ~~له ، أبدي لا نهاية له ، قيوم لا انقطاع له ، دائم لا انصرام له ، لم يزل ~~ولا يزال موصوفا بنعوت الجلال ، لا يقضى عليه بالانقضاء والانفصال بتصرم ~~الآباد وانقراض الآجال. بل هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم. # التنزيه : وأنه ليس بجسم مصور ولا جوهر محدود مقدر. وأنه لا يماثل ~~الأجسام في التقدير ولا في قبول الانقسام. وأنه ليس بجوهر ولا تحله الجواهر ~~، ولا بعرض ولا تحله الأعراض ، بل لا يماثل موجودا ولا يماثله موجود ، ليس ~~كمثله شيء ، ولا هو مثل شيء ، وأنه لا يحده المقدار ، ولا تحويه الأقطار ، ~~ولا تحيط به الجهات ولا تكتنفه الأرضون ، ولا السماوات وأنه مستو على العرش ~~على الوجه الذي قاله ، وبالمعنى الذي أراده استواء منزها عن المماسة ~~والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال. لا يحمله العرش بل العرش وحملته ~~محمولون بلطف قدرته ومقهورون في قبضته ، وهو فوق العرش والسماء وفوق كل شيء ~~إلى تخوم الثرى. ms207 فوقية لا تزيده قربا إلى العرش والسماء ، كما لا تزيده ~~بعدا عن الأرض والثرى ، بل هو رفيع الدرجات عن العرش والسماء ، كما أنه ~~رفيع الدرجات عن الأرض والثرى ، وهو مع ذلك قريب من كل موجود ، وهو أقرب ~~إلى العبد من حبل الوريد ، وهو على كل شيء شهيد ، إذ لا يماثل قربه قرب ~~الأجسام كما لا تماثل ذاته ذات الأجسام وأنه لا يحل في شيء ولا يحل فيه شيء ~~، تعالى عن أن يحويه مكان كما تقدس عن أن يحده زمان ، بل كان قبل أن خلق ~~الزمان والمكان وهو الآن على ما عليه كان وأنه بائن من خلقه بصفاته ، ليس ~~في ذاته سواه ولا في سواه ذاته ، وأنه مقدس عن التغير والانتقال لا تحله ~~الحوادث ولا تعتريه العوارض ، بل لا يزال في نعوت جلاله منزها عن الزوال به ~~، وفي صفات كماله مستغنيا عن زيادة الاستكمال ، وأنه في ذاته معلوم الوجود ~~بالعقول مرئي الذات PageV01P161 # بالأبصار نعمة منه ، ولطفا بالأبرار في دار القرار ، وإتمام للنعم بالنظر ~~إلى وجهه الكريم. # الحياة والقدرة : وأنه تعالى حي قادر ، جبار قاهر لا يعتريه قصور ولا عجز ~~، ولا تأخذه سنة ولا نوم ، ولا يعارضه فناء ولا موت ، وأنه ذو الملك ~~والملكوت والعزة والجبروت ، له السلطان والقهر والخلق والأمر ، والسماوات ~~مطويات بيمينه والخلائق مقهورون في قبضته ، وأنه المنفرد بالخلق والاختراع ~~المتوحد بالإيجاد والإبداع ، خلق الخلق وأعمالهم وقدر أرزاقهم وآجالهم لا ~~يشذ عن قبضته مقدور. ولا يعزب عن قدرته تصاريف الأمور لا تحصى مقدوراته ولا ~~تتناهى معلوماته. # العلم : وأنه عالم بجميع المعلومات محيط علمه بما يجري في تخوم الأرضين ~~إلى أعلى السماوات ، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، ~~بل يعلم دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء ويدرك ~~حركة الذر في جو الهواء ، ويعلم السر وأخفى ويطلع على هواجس الضمائر ، ~~وحركات الخواطر ، وخفيات السرائر بعلم قديم أزلي لم يزل موصوفا به في أزل ~~الآزال ، لا بعلم متجدد حاصل في ذاته بالحلول والانتقال. # الإرادة : وأنه ms208 تعالى مريد للكائنات مدبر للحادثات فلا يجري في الملك ~~والملكوت قليل أو كثير ، صغير أو كبير ، خير أو شر ، نفع أو ضر ، إيمان أو ~~كفر ، عرفان أو نكر ، فوز أو خسران ، زيادة أو نقصان طاعة أو عصيان إلا ~~بقضائه وقدره وحكمته ومشيئته ، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، لا يخرج عن ~~مشيئته لفتة ناظر ولا فلتة خاطر ، بل هو المبدئ المعيد الفعال لما يريد ، ~~لا راد لحكمه ولا معقب لقضائه ، ولا مهرب لعبد من معصيته إلا بتوفيقه ~~ورحمته. ولا قوة له على طاعته إلا بمشيئته وإرادته ، فلو اجتمع الإنس والجن ~~والملائكة والشياطين على أن يحركوا في العالم ذرة أو يسكنوها دون إرادته ~~ومشيئته لعجزوا عن ذلك وأن إرادته قائمة بذاته في جملة صفاته ، لم يزل كذلك ~~موصوفا بها مريدا في أزله لوجود الأشياء في أوقاتها التي قدرها فوجدت في ~~أوقاتها كما في أزله من غير تقدم ولا تأخر ، بل وقعت على وفق علمه وإرادته ~~من غير تبدل ولا تغير ، دبر الأمور لا بترتيب أفكار ولا تربص زمان فلذلك لم ~~يشغله شأن عن شأن. # السمع والبصر : وأنه تعالى سميع بصير يسمع ويرى ، لا يعزب عن سمعه مسموع ~~وإن خفي ، ولا يغيب عن بصره مرئي وإن دق ، ولا يحجب سمعه بعد ، ولا يدفع ~~رؤيته ظلام. يرى من غير حدقة وأجفان ، ويسمع من غير أصمخة وآذان ، كما يعلم ~~بغير قلب ، ويبطش بغير جارحة ، ويخلق بغير آلة إذ لا تشبه صفاته صفات الخلق ~~، كما لا تشبه ذاته ذوات الخلق. # الكلام : وأنه تعالى متكلم آمر ناه واعد متوعد بكلام أزلي قديم قائم ~~بذاته لا يشبه كلام الخلق ، فليس بصوت يحدث من انسلال هواء أو اصطكاك أجرام ~~، ولا بحرف ينقطع بإطباق شفة أو تحريك لسان ، وأن القرآن والتوراة والإنجيل ~~والزبور كتبه المنزلة على رسله عليهم السلام ، وأن القرآن مقروء بالألسنة ~~مكتوب في المصاحف محفوظ في القلوب ، وأنه مع ذلك PageV01P162 # قديم قائم بذات الله تعالى ، لا يقبل الانفصال والافتراق بالانتقال إلى ~~القلوب والأوراق ، وأن موسى ms209 عليه السلام سمع كلام الله بغير صوت ولا حرف ، ~~كما يرى الأبرار ذات الله تعالى في الآخرة من غير جوهر ولا عرض. وإذا كانت ~~له هذه الصفات كان حيا عالما قادرا مريدا سميعا بصيرا متكلما بالحياة ~~والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام لا بمجرد الذات. # الأفعال : وأنه سبحانه وتعالى لا موجود سواه إلا وهو حادث بفعله وفائض من ~~عدله على أحسن الوجوه وأكملها وأتمها وأعدلها ، وأنه حكيم في أفعاله عادل ~~في أقضيته ولا يقاس عدله بعدل العباد إذ العبد يتصور منه الظلم بتصرفه في ~~ملك غيره ولا يتصور الظلم من الله تعالى ، فإنه لا يصادف لغيره ملكا حتى ~~يكون تصرفه فيه ظلما ، فكل ما سواه من إنس وجن وشيطان وملك وسماء وأرض ~~وحيوان ونبات وجوهر وعرض ومدرك ومحسوس : حادث اخترعه بقدرته بعد العدم ~~اختراعا ، وأنشأه بعد أن لم يكن شيئا ، إذ كان في الأزل موجودا وحده ولم ~~يكن معه غيره فأحدث الخلق بعد إظهارا لقدرته وتحقيقا لما سبق من إرادته وحق ~~في الأزل من كلمته لا لافتقاره إليه وحاجته ، وأنه تعالى متفضل بالخلق ~~والاختراع والتكليف لا عن وجوب ، ومتطول بالإنعام والإصلاح لا عن لزوم ، له ~~الفضل والإحسان والنعمة والامتنان. إذا كان قادرا على أن يصب على عباده ~~أنواع العذاب ويبتليهم بضروب الآلام والأوصاب ، ولو فعل ذلك لكان منه عدلا ~~ولم يكن قبيحا ولا ظلما ، وأنه يثيب عباده على الطاعات بحكم الكرم والوعد ~~لا بحكم الاستحقاق واللزوم إذ لا يجب عليه فعل ولا يتصور منه ظلم ولا يجب ~~لأحد عليه حق ، وأن حقه في الطاعات وجب على الخلق بإيجابه على لران أنبيائه ~~لا بمجرد العقل ، ولكنه بعث الرسل وأظهر صدقهم بالمعجزات الظاهرة ، فبلغوا ~~أمره ونهيه ووعده ووعيده فوجب على الخلق تصديقهم فيما جاءوا به ، وأنه ~~تعالى بعث النبي الأمي القرشي محمدا صلى الله عليه وسلم برسالته إلى كافة ~~العرب والعجم والجن والإنس فنسخ بشرعه الشرائع إلا ما قرر ، وفضله على سائر ~~الأنبياء وجعله سيد البشر ومنع كمال الإيمان بشهادة التوحيد ، وهي ms210 : قول لا ~~إله إلا الله ما لم يقترن بها شهادة الرسول ، وهي محمد رسول الله فألزم ~~الخلق تصديقه في جميع ما أقر به من الدنيا والآخرة ، وأنه لا يقبل إيمان ~~عبد حتى يوقن بما أخبر عنه بعد الموت ، وأوله سؤال منكر ونكير. وهما شخصان ~~مهيبان هائلان يقعدان العبد في قبره سويا ذا روح وجسد فيسألانه عن التوحيد ~~والرسالة ويقولان : من ربك وما دينك ومن نبيك؟ وهما فتانا القبر وسؤالهما ~~أول فتنة للقبر بعد الموت ، وأن يؤمن بعذاب القبر ، وأنه حق وحكمه عدل على ~~الجسم والروح على ما يشاء ، ويوقن بالميزان ذي الكفتين واللسان ، وصفته في ~~العظم أنه مثل طباق السماوات والأرضين توزن فيه الأعمال بقدرة الله تعالى ، ~~والصنج يومئذ مثاقيل الذر والخردل تحقيقا لتمام العدل ، وتطرح صحائف ~~الحسنات في صورة حسنة في كفة النور فيثقل بها الميزان على قدر درجاتها عند ~~الله بفضل الله تعالى ، وتطرح صحائف السيئات في كفة الظلمة فيخف بها ~~الميزان بعدل الله تعالى ، وأن يؤمن بأن الصراط PageV01P163 # حق ، وهو جسر ممدود على متن جهنم أحد من السيف وأدق من الشعرة تزل عليه ~~أقدام الكافرين بحكم الله تعالى فيهوي بهم إلى النار ، وتثبت عليه أقدام ~~المؤمنين فيساقون إلى دار القرار ، وأن يؤمن بالحوض المورود : حوض محمد ~~صلى الله عليه وسلم يشرب منه المؤمن قبل دخول الجنة وبعد جواز الصراط من شرب ~~منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا ، عرضه السماء ، فيه ميزابان يصبان الكوثر ، ~~ويؤمن بيوم الحساب وتفاوت الخلق فيه إلى مناقش في الحساب وإلى مسامح فيه ، ~~وإلى من يدخل الجنة بغير حساب ، وهم المقربون فيسأل من شاء من الأنبياء عن ~~تبليغ الرسالة ، ومن شاء من الكفار عن تكذيب المرسلين ، ويسأل المبدعين عن ~~السنة ، ويسأل المسلمين عن الأعمال ، ويؤمن بإخراج الموحدين من النار بعد ~~الانتقام حتى لا يبقى في جهنم موحد بفضل الله تعالى ، ويؤمن بشفاعة ~~الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء ثم سائر المؤمنين كل على حسب جاهه ومنزلته ~~، ومن بقي من المؤمنين ولم يكن له شفيع أخرج ms211 بفضل الله تعالى ، ولا يخلد في ~~النار مؤمن بل يخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان ، وأن يعتقد ~~فضل الصحابة ورتبتهم ، وأن أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم : أبو ~~بكر ، ثم عمر ، ثم عثمان ، ثم علي رضي الله عنهم ، وأن يحسن الظن بجميع ~~الصحابة ويثني عليهم كما أثنى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم عليهم ~~أجمعين ، فكل ذلك مما وردت به السنة وشهدت الآثار ، فمن اعتقد جميع ذلك ~~موقنا به كان من أهل الحق وعصابة السنة ، وفارق رهط الضلال والبدعة. فنسأل ~~الله تعالى كمال اليقين ، والثبات في الدين لنا ولكافة المسلمين إنه أرحم ~~الراحمين ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. PageV01P164 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * خلاصة التصانيف في التصوف ### ||| * خطبة الكتاب # الحمد لله الذي أودع لطائف أسراره في قلوب العارفين ، وجعل البيان طريقا ~~لوصولها إلى المسترشدين والصلاة والسلام على أفصح الأنبياء لسانا وأوضحهم ~~بيانا ، وعلى آله وصحبه الهادين ، وعلى جميع علماء شريعته العاملين. # أما بعد : فيقول المستعين بربه المبين الفقير إليه ، (محمد أمين) الشافعي ~~مذهبا ، النقشبندي مشربا ، الكردي نسبة ، الإربلي بلدة ، الأزهري إقامة : ~~إنه قد أظفرني الله وله الحمد بدرة غريبة ، من العلوم الإلهية ، موشحة ~~بوشاح اللغة الفارسية. فاحتجبت عمن ليس له إلمام بها وهي من أنفس تصانيف ~~العالم العلامة والبحر الفهامة ، حجة الإسلام الشيخ محمد بن محمد بن محمد ~~الغزالي الطوسي صاحب (كتاب الإحياء) وهو الغني عن التعريف قدس الله سره ، ~~وأفاض على المسلمين بره ، فرأيت من نصيحة المسلمين ، وخدمة الدين ، أن ~~أستعين بالله على ترجمتها من (الفارسية إلى العربية) مع رقة اللفظ وجزالة ~~المعنى وسهولة المبنى كي ينتفع بها الخاص والعام. والله أسأل أن يمن علينا ~~بالفوز بدار السلام. قال ناقلها الفارسي في بيان سبب تأليف الأستاذ لهذه ~~الرسالة الموسومة (بخلاصة التصانيف) بعد الثناء على الله تعالى وما يتصل به ~~ما هذا ترجمته : # أما بعد : فقد كان رجل من تلامذة حجة الإسلام محمد بن محمد بن محمد ~~الغزالي قدس ms212 الله سره العالي قد تعب في تحصيل العلوم مدة من السنين حتى حاز ~~من كل فن نصيبا وافرا ففي ذات يوم صار يتفكر في نفسه ويقول : إني قد أتعبت ~~نفسي مدة طويلة في تحصيل تلك العلوم ، والآن لا أدري أي علم أنفع لي منها ~~ليكون سببا لهدايتي ويقودني في عرصات القيامة. ولا أدري أيضا غير النافع ~~منها حتى أتباعد وأحترز منه كما قال عليه الصلاة والسلام : «نعوذ بالله من ~~علم لا ينفع». وما زالت هذه الفكرة تغلب عليه حتى حملته على أن يكتب إلى ~~شيخه كتابا يستفتيه فيه عن قصته هذه ومسائل أخرى. ويطلب منه مع ذلك النصيحة ~~والدعاء. # قال فيه : مولاي إن كان الطريق إلى جوابي مدونا في كتبك العديدة كإحياء ~~العلوم ، وكيمياء السعادة وجواهر القرآن وميزان العمل والقسطاس المستقيم ~~ومعراج القدس ومنهاج العابدين PageV01P165 # وأمثالها. فإن خادمك ضعيف كليل الطرف عن المطالعة فيها ، فأطلب من سيدي ~~وأستاذي مختصرا أقرؤه كل يوم وأعمل بما فيه إلى آخر ما قال ، فكتب الشيخ في ~~رده الكتاب الآتي وأرسله إليه وهو قوله رضي الله عنه. # اعلم أيها الولد العزيز ، والصاحب المخلص أطال الله بقاءك في طاعته وسلك ~~بك طريق أحبابه. أن جميع نصائح الأولين والآخرين مجموعة في أحاديث سيد ~~المرسلين صلى الله عليه وسلم لأنه هو الذي أوتي جوامع الكلم ، فكل ناصح مهما ~~نصح فهو متطفل على موائد نصحه صلى الله عليه وسلم : (فإن وصلك شيء من النصائح ~~النبوية فلا حاجة لك إلى نصائحي. وإن لم يصل إليك شيء منها فقل لي ما الذي ~~حصلته من علومك فيما أمضيته من عمرك الذي ضيعته سدى). # أيها الولد : كل نصائح الأولين والآخرين في مقالات سيد المرسلين مكتوبة ~~للعالمين ، وكل منها يفيد فائدة تامة. فمنها هذا الحديث وهو : «علامة إعراض ~~الله عن العبد اشتغاله بما لا يعنيه ، وإن امرأ ذهبت ساعة من عمره في غير ~~ما خلق له لجدير أن يطول عليه حسرته ، ومن جاوز الأربعين ولم يغلب خيره شره ~~فليتجهز إلى النار». فهذه النصيحة والموعظة ms213 كافية لأهل الدنيا. # يا ولدي : فعل النصيحة سهل والصعوبة في قبولها والعمل بها لأن طعم ~~النصيحة في فم عابد الهوى مر والمنهيات محبوبة على العموم. خصوصا عند من ~~يبذل همته في طلب علوم الرسم والفضل والمهارة ونحوها لاكتساب العز والشرف ~~الدنيوي لأنه إنما يقصد بتحصيل العلوم مجرد العلم دون العمل له لينسب إليه ~~العلم ويقال : فلان عالم فاضل فهذه عقيدة فاسدة وهذا القدر هو (نهاية مذهب ~~الفلاسفة) والعياذ بالله إذ غايتهم تحصيل العلم بدون التفات إلى العمل ، ~~ولم يعلموا أن العلم يكون عليهم حجة بالغة وهم في غفلة عن قوله ~~صلى الله عليه وسلم : «إن أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله ~~بعلمه». # وروى الإمام أحمد والبيهقي عن منصور بن زاذان قال : «بلغنا أن العالم إذا ~~لم ينتفع بعلمه تصيح أهل النار من نتن ريحه ويقولون له : ما ذا كنت تفعل يا ~~خبيث ، فقد آذيتنا بنتن ريحك. أما يكفيك ما نحن فيه من الأذى والشر؟ فيقول ~~لهم : كنت عالما فلم أنتفع بعلمي». # وحكي أن بعض أكابر أصحاب الجنيد رآه في نومه بعد وفاته فقال : ما فعل ~~الله بك؟ قال : طاحت تلك الإشارات ، وغابت تلك العبارات ، وفنيت تلك العلوم ~~، ونفذت تلك الرسوم ، وما نفعنا إلا ركيعات ، كنا نركعها في جوف الليل. # أيها الولد : ينبغي أن لا تكون مفلسا من الأعمال خاليا من الأحوال ~~والمعاني الشريفة العالية ، واعلم يقينا أن العلم بمجرده لا يأخذ بيدك يوم ~~القيامة ويتضح لك هذا بضرب مثال ، أرأيت لو أن رجلا يحسن الحرب بينما هو ~~يسير في مفازه ومعه عشرة سيوف هندية وقسي وسهام في غاية الجودة ، وقد تقلد ~~بها إذ فاجأه أسد عظيم هل تدفع عنه هذه الأسلحة بمجردها PageV01P166 # من شر الأسد شيئا ، أنت على يقين تام بأنها لا تغني عنه شيئا حتى ~~يستعملها فيما قصد منها ، فكذلك لو أن شخصا علم مائة ألف مسألة ولم يعمل ~~بواحدة ، فأنت تعلم أن هذا العلم لا يفيده فائدة ما. ولنضرب لك مثالا آخر ~~فنقول : لو أن ms214 شخصا به مرض وضعف من الحرارة والصفراء وعلم علما ليس معه شك ~~أن شفاءه في تناول السكنجبين ولكنه لم يتناوله ، فهذا العلم ليس بنافع في ~~الشفاء ولا دافع للداء حتى يعمل به : # لو كلت ألفي رطل خمر لم تكن %~% لتصير نشوانا إذا لم تشرب # فاعلم أنه لا يفيدك كثرة تحصيل العلم وجمع الكتب ما لم تعمل. # يا ولدي : إن لم تكن مستعدا لائقا لرحمة الإله عز وجل بالعمل الصالح لم ~~تصل إليك رحمته. واسمع الدليل من القرآن ( @QUR@06 وأن ليس للإنسان إلا ما ~~سعى ) [النجم : 39]. # يا ولدي : إن ظننت أن هذه الآية منسوخة فما ذا تقول في قوله تعالى في ~~آيات أخرى : ( @QUR@08 فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ) [الكهف ~~: 110]. وفي قوله : ( @QUR@04 جزاء بما كانوا يعملون ) [الواقعة : 24]. وفي ~~قوله : ( @QUR@012 إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس ~~نزلا* خالدين فيها ) [الكهف : 107 ، 108]. وفي قوله : ( @QUR@07 إلا من تاب ~~وآمن وعمل عملا صالحا ) [الفرقان : 70]. وما ذا تقول في حديث : «بني ~~الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وإقام ~~الصلاة ، وإيتاء الزكاة وصوم رمضان ، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا». ~~وفي حديث : «الإيمان إقرار باللسان وتصديق بالجنان وعمل بالأركان» والدلائل ~~على أن سلامة العبد بالعمل كثيرة لا تعد ولا تحصى. فإن خطر لك من كلامي أن ~~العبد يدخل الجنة بعمله لا بفضل الله ورحمته فما فهمت كلامي؟. # واعلم أني لا أقول ذلك بل أقول إن العبد يدخل الجنة بفضل الله وكرمه ~~ورحمته ، غير أن رحمة الله تعالى لا تصل إلى العبد إلا إذا كان مستعدا لها ~~ولائقا لأن يكون محلا لها ولا يكون كذلك إلا بامتثال المأمورات واجتناب ~~المنهيات وملازمة الطاعات والقرب والإخلاص في العمل كما يشير إليه قول الله ~~تعالى ( @QUR@06 إن رحمت الله قريب من المحسنين ) [الأعراف : 56]. حيث أخبر ~~تعالى بقرب رحمته من المحسنين ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : «الإحسان أن ~~تعبد الله كأنك تراه» ، فهو يفيد بعد رحمته من غير المحسنين. فإن لم ms215 تكن ~~مستعدا لرحمته على الوجه المذكور لا تصل إليك رحمته ، وإذا لم تصل إليك ~~رحمته لا تدخل الجنة ، فإن قال أحد إن العبد يدخل الجنة بمجرد الإيمان. ~~قلنا : نعم. ولكن حتى يذوق صعوبة العقبات التي لا يسهلها إلا صالحات ~~الأعمال إذ لا يصل العبد إليها إلا بالعبور على الصراط ، وما مشينا عليه ~~إلا على صورة مشينا على الصراط المعنوي في هذه الدار وما اختلف الناس في ~~السرعة والبطء إلا باختلافهم هنا في المبادرة إلى الطاعة والتخلف عنها ، ~~فمن تحفظ هناك حفظ هناك ومن أبطأ هنا زلت به قدمه هناك ، كما أن شربنا من ~~حوض النبي صلى الله عليه وسلم يكون بقدر تضلعنا من الشريعة PageV01P167 # المطهرة ، وإذا فمعنى كون دخول الجنة بفضل الله أن يوفقك الله لصالح ~~العمل بفضله لتكون صالحا ومتهيئا لرحمته وفضله فيدخلك الجنة. # يا ولدي : اعلم يقينا أنك إن لم تعمل لم تأخذ أجرة العمل. # وحكي أن عبدا من بني إسرائيل عبد الله مخلصا سنين عديدة فأراد البارئ جل ~~وعلا أن يظهر إخلاصه للملائكة فبعث الله ملكا يخبره أن الله تعالى يقول : ~~إلى متى تسعى هذا السعي وتتعب نفسك في العبادة ، وأنت من أهل النار؟ فأخبره ~~الملك بما قاله المولى. فقال العبد في جوابه: أنا عبد ، وشأن العبد ~~العبودية وهو إله ، وشأن الألوهية لا يعلمه إلا هو. فرجع الملك إلى ربه ~~وقال : إلهي أنت تعلم السر وأخفى وتعلم ما قاله عبدك ، فقال الله تعالى : ~~إذا كان هذا العبد مع ضعفه لم يرجع عنا ، فكيف نرجع عنه مع كرمنا : (اشهدوا ~~يا ملائكتي أني غفرت له). # يا ولدي : اسمع حديث النبي صلى الله عليه وسلم ما ذا يقول : «حاسبوا أنفسكم ~~قبل أن تحاسبوا وزنوا قبل أن توزنوا». وقال أمير المؤمنين علي كرم الله ~~وجهه : «من ظن أنه بدون الجهد يصل إلى الجنة فهو متمن. ومن ظن أنه ببذل ~~الجهد يصل فهو متعن». وقال الحسن البصري رحمه الله تعالى : «طلب الجنة بلا ~~عمل ذنب من الذنوب». وفي الحديث القدسي : «ما أقل ms216 حياء من يطمع في جنتي ~~بغير عمل كيف أجود برحمتي على من بخل بطاعتي» وقال أحد الأكابر : «الحقيقة ~~ترك ملاحظة العمل لا ترك العمل». وحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم أحسن وأشرف ~~وأوضح من الكل حيث قال : «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والأحمق ~~من اتبع نفسه هواه وتمنى على الله». # يا ولدي : كثيرا ما أحييت الليالي بتكرار العلم والمطالعة ولا أدري ما ~~الباعث لك على ذلك. إن كان غرضك الدنيا وجذب حطامها وتحصيل المناصب ~~والمباهاة على أقرانك وأمثالك ، فويل لك ثم ويل لك. وإن كان غرضك إحياء ~~الشريعة والدين المحمدي وتهذيب الأخلاق ، فطوبى لك ثم طوبى لك ، ولقد صدق ~~من قال : # سهر العيون لغير وجهك ضائع %~% وبكاؤهن لغير فقدك باطل # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «عش ما شئت فإنك ميت ، وأحبب ما شئت ~~فإنك مفارقه ، واعمل ما شئت فإنك مجزي به». ما فائدتك في تحصيل علم الكلام ~~والخلاف والطب والدواوين والأشعار والنجوم والنحو والتصريف وغيرها ما حصلت ~~غير تضييع عمرك في الغفلة عن جلال الله وعظمته وقدره ، لأني قرأت في إنجيل ~~عيسى عليه السلام : إن العبد إذا مات ووضع في قبره يسأله الله تعالى بنفسه ~~أربعين سؤالا أولها : «عبدي قد طهرت منظر الخلق سنين هل طهرت منظري ساعة»؟ # يا ولدي : كل يوم ينادي في قلبك وإن لم تسمع (ما تصنع بغيري وأنت محفوف ~~بخيري). # يا ولدي : العلم بغير عمل جنوني والعلم بغير علم أجنبي ، لأن العلم إن لم ~~يباعدك اليوم عن المعاصي ولم يصيرك طائعا لم يباعدك غدا من نار جهنم ، فإن ~~لم تعمل اليوم ولم تتدارك PageV01P168 # ما فاتك من الأيام الماضية غدا في القيامة تقول : ( @QUR@03 فارجعنا نعمل ~~صالحا ) [السجدة : 12]. فيقال لك أيها الأحمق أنت أتيت منها فكيف ترجع إليها. # يا ولدي : الهمة العالية أن تصرف روحك في الطاعات قبل فرار روحك من الجسد ~~بالموت ، لأن الدنيا منزلتك إلى أن تصل إلى المقابر وهؤلاء القوم الذين في ~~منازل المقابر ينتظرونك في كل لحظة إلى أن ms217 تصل إليهم فالحذر الحذر من أن ~~تذهب بغير زاد. قال الصديق الأكبر : «الأجساد قفص الطيور أو اصطبل الدواب». ~~فتأمل في نفسك من أيهما أنت. فإن كنت من الطيور أصحاب الأعشاش سمعت صوت طبل ~~( @QUR@05 ارجعي إلى ربك راضية مرضية ) [الفجر : 12]. فطر لتجلس بمكان أعلى ~~وإن كنت من الدواب والعياذ بالله كنت ممن قال الله فيهم : ( @QUR@05 أولئك ~~كالأنعام بل هم أضل ) [الأعراف : 179]. واعلم يقينا أنك حينئذ بعثت ذخيرتك ~~في زاوية إلى هاوية. # نقل أن الحسن البصري عطش يوما وكان شديد الحر فأتي له بقدح من الماء ~~البارد فلما مسه بيده وأحس ببرودة مائة صاح صيحة عظيمة وخر مغشيا عليه ، ~~فوقع القدح من يده فلما أفاق قيل له : ما الذي حصل لك؟ قال : ذكرت آية أهل ~~النار حين ينادون أهل الجنة : ( @QUR@05 أن أفيضوا علينا من الماء ) ~~[الأعراف : 50]. # يا ولدي : إن كان يكفيك العلم المجرد ولم تحتج إلى العمل فما ذا تقول في ~~نداء : هل من سائل هل من تائب هل من مستغفر ، لأنه ورد في أخبار صحيحة أنه ~~إذا مضى نصف الليل والناس نيام ينادي المولى سبحانه وتعالى بنفسه : «هل من ~~تائب هل من سائل هل من مستغفر» ، ولذلك صار القيام والاستغفار بالأسحار ~~مطلوبا قال تعالى : ( @QUR@09 كانوا قليلا من الليل ما يهجعون* وبالأسحار ~~هم يستغفرون ) [الذاريات : 17 ، 18]. # قيل : إن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم كانوا جالسين ذات يوم بين يدي ~~النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا عبد الله بن عمر بن الخطاب بخير ، فقال ~~صلى الله عليه وسلم : «نعم الرجل لو يصلي في الليل». وأيضا قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لأحد الصحابة : «لا تكثر النوم بالليل فإن كثرة النوم ~~بالليل تدع صاحبها فقيرا يوم القيامة». # يا ولدي : قوله تعالى : ( @QUR@06 ومن الليل فتهجد به نافلة لك ) ~~[الإسراء : 89]. أمر ( @QUR@03 وبالأسحار هم يستغفرون ). شكر ( @QUR@02 ~~والمستغفرين بالأسحار ) [آل عمران : 17]. ذكر. يقول النبي صلى الله عليه وسلم ~~: «ثلاثة أصوات يحبها الله تعالى ، صوت الديك ، وصوت الذي يقرأ القرآن ، ~~وصوت المستغفرين بالأسحار». ويقول سفيان الثوري رحمه ms218 الله تعالى : إن لله ~~تعالى ريحا تهب وقت الأسحار تحمل الأذكار والاستغفار إلى الملك الجبار. ~~وأيضا له : إذا كان أول الليل نادى مناد من تحت العرش : ألا ليقم العابدون ~~فيقومون فيصلون ما شاء الله ، ثم ينادي مناد في شطر الليل : ألا ليقم ~~القانتون فيقومون فيصلون ، إلى السحر ، فإذا كان السحر ينادى مناد : ألا ~~ليقم المستغفرون فيقومون فيستغفرون ، فإذا طلع الفجر نادى مناد : ألا ليقم ~~الغافلون فيقومون من مفرشهم كالموتى نشروا من قبورهم. PageV01P169 # يا ولدي : ورد في وصايا لقمان أنه قال لابنه : «يا بني لا يكونن الديك ~~أكيس منك ينادي بالأسحار وأنت نائم». وما أجمل وأليق من قول القائل حيث قال : # لقد هتفت في جنح ليل حمامة %~% على فنن وهنا وإني لنائم كذبت وبيت الله لو كنت عاشقا %~% لما سبقتني بالبكاء الحمائم وأزعم أني هائم ذو صبابة %~% لربي ولا أبكي وتبكي البهائم # يا ولدي : (خلاصة النصيحة) أن تعلم حقيقة الطاعة والعبادة ما هي؟ العبادة ~~هي متابعة الشارع صلى الله عليه وسلم في الأوامر والنواهي ، فإن فعلت فعلا ~~ولست بمأمور به فليس بعبادة ، وإن كان ذلك الفعل في صورة العبادة بل قد ~~يكون عصيانا وإن كان صوما وصلاة. ألا ترى أنه إذا صام شخص يوم العيدين ~~وأيام التشريق يكون عاصيا ، وإن كان ما فعله في صورة العبادة لأنه لم يؤمن ~~به ، وكذا من صلى في الأوقات المكروهة أو في المواضع المغصوبة يكون آثما. # واعلم أنه إذا مزح شخص مع محرمه فإنه مأجور وإن كان ذلك في صورة لعب ، ~~لأن هذا اللعب مأمور به ، وبذا صار معلوما أن العبادة الحقيقية هي امتثال ~~الأمر لا مجرد الصلاة والصوم ، لأن الصلاة والصوم لا يكونان عبادة إلا إذا ~~كان مأمورا بهما. # يا ولدي : فليكن جميع أحوالك وأقوالك مأمورا به موافقا للشريعة ، لأن علم ~~وعمل المخلوقات بغير فتوى المصطفى صلى الله عليه وسلم ضلالة وسبب للبعد عن ~~الله تعالى ، ولهذا نسخ المصطفى صلى الله عليه وسلم الأعمال السابقة فلا تحرك ~~لسانك بكلمة تكون غير مأمور بها. وكن ms219 متيقنا أن طريق الله تعالى لا تقدر أن ~~تصل إليه بغير ما لم تأمر به ولا تصل إليه أيضا بالشطحات والترهات الصوفية ~~ترسما ، بل لا تصل إلى هذا الطريق إلا بقطع الهوى والشهوة وحظوظ النفس بسيف ~~المجاهدات ولا بوثبات الشطحات والترهات ، فإن زعمت الوصول اغترارا منك بما ~~تبديه من الكلام الرقيق وصفاء الأيام والأوقات وصلافة اللسان مع تعلق القلب ~~بالشهوات والغفلة كان ذلك علامة على الشقاء والوبال ، وإذا لم تقهر الهوى ~~والنفس بالمجاهدات وتصيرها تحت الشرع لم يكن القلب حيا بنور المعرفة. # يا ولدي : سئلت أسئلة بعضها لا يكيف بالقول ولا بالكتابة لأنه ذوقي ، وكل ~~ما كان ذوقيا لا يكيف بالقول ولا بالكتابة فلا تعلمه إلا إذا وصلت إليه ، ~~وما مثلك في ذلك إلا كمثل من جهل الحلاوة أو المرارة مثلا وأراد أن يكفيه ~~بمجرد القول والكتابة فلا يقدر البتة. # يا ولدي : إن كتب عنين لأحد عرف لذة الجماع يسأله عن لذة الجماع كتب إليه ~~في جوابه : إن هذا ذوقي لا تعرفه إلا إذا وصلت إليه وإلا فلا يكيف بالقول ~~والكتابة. # يا ولدي : بعض أسئلتك من هذا القبيل. وأما القدر الذي يكيف بالقول ~~والكتابة فقد بينته في كتابنا «إحياء العلوم» وغيره من التصانيف فاطلبه ~~هناك ، وأما هنا فما قلنا على طريقة PageV01P170 # الإشارة : وسألتني عما يجب على مريد طريق الحق جل وعلا. # فاعلم : أن أول ما يجب عليه الاعتقاد السليم الخالي عن البدع. # الثاني : التوبة النصوح بأن لا يرجع إلى الزلات. # الثالث : إرضاء الخصماء حتى لا يبقى عليه حق المخلوق. # الرابع : تحصيل علم الشريعة بقدر ما يعمل بأوامر الله ويقف عن نواهيه ولا ~~يجب عليه من علم الشريعة سوى ذلك ، وأما غير علم الشريعة فيكفيه أن يتعلم ~~القدر الذي به خلاصه ونجاته ، وهذا الكلام يكون معلوما لك بنقل حكاية وردت ~~عن المشايخ وهي أن الشبلي رحمه الله قال : إني خدمت أربعمائة أستاذ ، وقرأت ~~عليهم أربعة آلاف حديث ، واخترت منها حديثا واحدا وعملت به وتركت باقيها ~~لأني تأملت في هذا الحديث الواحد ms220 فرأيت فيه خلاصي ونجاتي ، وأيضا رأيت أن ~~علم الأولين والآخرين مندرج فيه وهو قوله صلى الله عليه وسلم : «اعمل لدنياك ~~بقدر مقامك فيها ، واعمل لآخرتك بقدر بقائك فيها ، واعمل لله بقدر حاجتك ~~إليه ، واعمل للنار بقدر صبرك عليها». # يا ولدي : من هذا الحديث علم لك أنك لا تحتاج للعلم الكثير وتحصيل كثرة ~~العلم من فروض الكفاية لا من فروض الأعيان ، وتأمل في هذه الحكاية حتى تكون ~~متيقنا. ورد أن حاتما الأصم كان من تلامذة شقيق البلخي رحمة الله عليهما ، ~~فقال شقيق ذات يوم : يا حاتم كم سنة أنت في صحبتي؟ قال : ثلاثا وثلاثين ~~سنة. فقال : ما الذي حصلته من العلوم وكم فائدة أخذتها مني؟ قال : تحصلت ~~على ثمان فوائد قال شقيق : ( @QUR@05 إنا لله وإنا إليه راجعون ) [البقرة : ~~156]. يا حاتم أنا صرفت عمري معك في تعليمك وأنت ما تحصلت مني على سوى هذه ~~الفوائد ، فقال حاتم : يا أستاذي إن طلبت مني الصدق فما تحصلت على غير الذي ~~قلته ولم أطلب تحصيل غيرها لأني تيقنت أني لا أتحصل على خلاصي ونجاتي في ~~الدارين إلا بهذه الثمانية ، وإن ما سواها مستغنى عنه بها. قال شقيق : قل ~~لي ما هذه الفوائد الثمانية؟ فقال : # الأولى : نظرت في المخلوقات ورأيت كل واحد منهم اختار محبوبا فالبعض يصحب ~~المحب إلى مرض الموت والبعض إلى طرف القبر ، وبعد ذلك يودعونه ويرجعون ولا ~~يدخلون معه القبر ، وتأملت لأجد محبوبا يكون لي رفيقا وأنيسا في القبر فما ~~وجدت سوى العمل الصالح ، فلهذا اخترته وجعلته محبوبا ليكون رفيقا ومؤنسا في ~~القبر. فقال شقيق : أحسنت يا حاتم. # الثانية : نظرت في المخلوقات فرأيت الكل أسير النفس والهوى ، وتأملت قوله ~~تعالى : ( @QUR@014 وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى * فإن الجنة ~~هي المأوى ) [النازعات : 40. 41]. فعلمت يقينا أن القرآن حق وخالفت النفس ~~الأمارة بالسوء وشددت المنطقة في المجاهدات وما أعطيتها مآربها وآمالها حتى ~~انقادت تحت طاعة الحق قال شقيق : بارك الله فيك. # الثالثة : نظرت إلى هذا الخلق فرأيت كل واحد يسعى ويتعب في تحصيل ms221 شيء من ~~حطام الدنيا PageV01P171 # وما تحصلوا عليه حفظوه وفرحوا به لظنهم أنهم تحصلوا على شيء ، ثم نظرت في ~~قوله تعالى : ( @QUR@07 ما عندكم ينفد وما عند الله باق ) [النحل : 96]. ~~فما حصلته وجمعته في سنين تصدقت به على الفقراء وجعلته وديعة عند الله ~~ليكون لي عنده باقيا وزادا مدخرا لآخرتي قال شقيق : أحسنت. # الرابعة : إني نظرت في هذا العالم فرأيت قوما يظنون أن شرف الإنسان وعزه ~~بكثرة الأقارب والعشائر ويفتخرون بها. وقوما يظنون أن شرف الإنسان وكبرياءه ~~بكثرة الأموال والأولاد فافتخروا بها ، وبعضا يظنون أن العز والشرف بالغضب ~~والسب والضرب وسفك الدماء فافتخروا بذلك ، ونظرت في قوله تعالى : ( @QUR@05 ~~إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) [الحجرات : 13]. فعلمت أن القرآن حق ، وأن ~~ظنون الخلق خطأ ، فاخترت التقوى حتى أكون عند الله من المكرمين قال شقيق : أحسنت. # الخامسة : نظرت إلى هذا الخلق فرأيت قوما يبغض ويحسد بعضهم بعضا بسبب حب ~~المال والجاه ، وإني نظرت في قوله تعالى : ( @QUR@07 نحن قسمنا بينهم ~~معيشتهم في الحياة الدنيا ) [الزخرف : 32]. وإني علمت أن هذه القسمة ثابتة ~~في الأزل لا اختيار لأحد فيها فما حسدت أحدا بعد ورضيت بقسمة البارئ تعالى ~~واصطلحت مع أهل الدنيا. قال شقيق : أحسنت. # السادسة : نظرت إلى هذا العالم فرأيت بعضهم يعادي بعضا بسبب أغراض ~~نفسانية ووساوس شيطانية ، ونظرت في قوله تعالى : ( @QUR@06 إن الشيطان لكم ~~عدو فاتخذوه عدوا ) [فاطر : 6]. وعلمت أن القرآن حق وأن غير الشيطان ~~واتباعه لا يكون عدوا فاتخذت الشيطان عدوي ولم أطعه في أمر ما ، وامتثلت ~~أمر الله تعالى وراقبت عظمته ولم أعاد أحدا من خلقه وعلمت أن الصراط ~~المستقيم في قوله تعالى: ( @QUR@019 ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا ~~تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين* وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ) [يس : 60. ~~61]. قال شقيق : أحسنت يا حاتم. # السابعة : نظرت في هذا العالم فرأيت كل واحد يصرف غاية جهده وقد أذل نفسه ~~في تحصيل القوت ، وبسبب ذلك قد وقعوا في الحرام والشبهات ، ونظرت في قوله ~~تعالى : ( @QUR@09 وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ms222 ) [هود : 6]. ~~وفي قوله تعالى : ( @QUR@06 وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ) [النجم : 39]. ~~فعلمت أني أحد الدواب في الأرض وأن رزقي مضمون منه تعالى ، وأني مكلف ~~بالسعي في طلب الآخرة فاشتغلت بالخالق قال شقيق : أحسنت. # الثامنة : نظرت إلى هذا الخلق فرأيت بعضا يعتمد على ماله وملكه وبعضا ~~يعتمد على حرفته وصناعته ، وبعضا يعتمد على مخلوق مثله ، وتأملت في قوله ~~تعالى : ( @QUR@06 ومن يتوكل على الله فهو حسبه ) [الطلاق : 3]. فتوكلت على ~~الله تعالى وهو حسبي ونعم الوكيل. قال شقيق : أحسنت يا حاتم ، وفقك الله ~~تعالى ، إني نظرت في التوراة والإنجيل والزبور والفرقان فوجدت ما في الكتب ~~الأربعة لا يخرج عن هذه الفوائد الثمانية ، والذي يعمل بها كأنه عمل بما في ~~الكتب الأربعة. وبهذه الحكاية صار معلوما لك أنك لا تحتاج إلى كثرة العلم ، ~~ولنرجع الآن إلى ما نحن فيه ونذكر لك مما يجب في حق سالك طريق الحق. PageV01P172 # الخامس : أن يكون له مرشد ومرب ليدله على الطريق ويرفع عنه الأخلاق ~~المذمومة ، ويضع مكانها الأخلاق المحمودة. ومعنى التربية أن يكون المربي ~~كالمزارع الذي يربي الزرع ، فكلما رأى حجرا أو نباتا مضرا بالزرع قلعه ~~وطرحه خارجا ويسقي الزرع مرارا إلى أن ينمو ويتربى ، ليكون أحسن من غيره ، ~~وإذا علمت أن الزرع محتاج للمربي علمت أنه لا بد للسالك من مرشد مرب البتة ~~، لأن الله تعالى أرسل الرسل عليهم الصلاة والسلام للخلق ليكونوا دليلا لهم ~~ويرشدهم إلى الطريق المستقيم. وقبل انتقال المصطفى عليه الصلاة والسلام إلى ~~الدار الآخرة قد جعل الخلفاء الراشدين نوابا عنه ليدلوا الخلق إلى طريق ~~الله ، وهكذا إلى يوم القيامة ، فالسالك لا يستغني عن المرشد البتة. # وشرط المرشد أن يكون عالما ، لكن ليس كل عالم يصلح للإرشاد ، بل لا بد أن ~~يكون عالما له أهلية صناعة الإرشاد ، ولهذا المرشد علامات ونحن نذكر لك ما ~~لا بد له منهما بطريق الإجمال حتى لا يدعي الإرشاد كل متحير. # فالمرشد هو الذي يكون قد خرج من باطنه حب المال والجاه وتأسس بنيان ~~تربيته على يد مرشد كذلك ms223 ، وهلم حتى تنتهي السلسلة إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم وذاق بعض الرياضيات كقلة الأكل والكلام والنوم ، وكثرة ~~الصلاة والصدقة والصوم ، واقتبس نورا من أنوار سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ~~، واشتهر بالسيرة الحسنة والأخلاق المحمودة من صبر وشكر وتوكل ويقين ~~وطمأنينة وسخاء وقناعة وأمانة وحلم وتواضع ومعرفة وصدق ووقار وحياء وسكون ~~وتأن وأمثالها ، وتطهر من الأخلاق الذميمة كالكبر والبخل والحسد والحقد ~~والحرص والأمل الطويل والطيش ونحوها ، وسلم من تعصب المتعصبين ، واستغنى عن ~~علم المكلفين بالعلم المتلقى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فالاقتداء ~~بمثل هذا المرشد هو عين الصواب والظفر بمثله نادر لا سيما في هذا الزمان ، ~~فإنه كثر فيه من يدعي الإرشاد وهو في الحقيقة يدعو الناس إلى اللهو واللغو ~~، بل ادعى كثير من الملحدين الإرشاد بمخالفة الشريعة وبسبب غلبة هؤلاء ~~المدعين اختفى المرشدون الحقيقيون في أركان الزوايا وبما ذكرناه علم بعض ~~علامات المرشد الحقيقي ، حتى أنه من وجد متخلفا بها علم أنه من المرشدين ، ~~ومن لم يكن متخلفا بها علم أنه من المدعين ، فإن تحصل أحد على مثل هذا ~~المرشد وقبله المرشد وجب عليه احترامه ظاهرا وباطنا. # فالاحترام الظاهري ألا يجادله ولا ينكر عليه ولا يقيم الحجة عليه في أي ~~مسألة ذكرها. وإن تحقق خطأه ، وأن لا يظهر نفسه أمام المرشد بفرش السجادة ~~إلا أن يكون إماما ، فإذا فرغ من الصلاة ترك السجادة تأدبا معه ، وأن لا ~~ينتقل كثيرا في حضرته ، وأن يفعل كل ما أمره به قدر استطاعته ، وأن لا يسجد ~~له ولا لغيره لأنه كفر ، وأن يبالغ في امتثال أمره ولو كان ظاهره في صورة ~~المعصية. # والاحترام الباطني أن كل ما سلمه له في الظاهر لا ينكره في الباطن وإلا ~~كان منافقا ، فإن لم يقدر على ذلك ترك صحبته حتى يكون ما في باطنه موافقا ~~لما في ظاهره لأنه لا فائدة في الصحبة مع الإنكار ، بل ربما تكون سببا في هلاكه. PageV01P173 # السادس : مخالفة سياسة النفس وهذا لا يتيسر إلا بترك جلساء السوء لتقصر ~~عنه ms224 يد تصرف شياطين الإنس والجن وترفع عنه التلوثات الشيطانية. # السابع : أن تختار جميع أحوال الفقراء ، لأن أصل هذا الطريق فراغ القلب ~~من حب الدنيا ، فإذا لم تختر جميع أحوال الفقراء ، وجدت في قلبك الأسباب ~~الدنيوية فقل أن تقدر على الخلاص من حبها فترك تلك الأسباب يكون سببا لفراغ ~~القلب من حب الدنيا ، ولا يتيسر لك هذا الترك إلا بذلك الاختيار ، وهذه ~~السبعة واجبة على سالك طريق الله. # وسألت أيضا ما هو التصوف؟ فاعلم أن التصوف شيئان في الصدق مع الله تعالى ~~وحسن المعاملة مع الناس ، فكل من صدق مع الله وأحسن معاملة الخلق فهو صوفي ~~، والصدق مع الله تعالى هو أن يفني العبد حظوظ نفسه لأمره تعالى ، وحسن ~~المعاملة مع الخلق هو أن لا يفضل مراده على مرادهم ما دام مرادهم موافقا ~~للشرع ، لأن كل من رضي بمخالفة الشرع أو خالفه لا يكون صوفيا وإن ادعى ~~التصوف يكون كذابا. # وسألت ما هي العبودية؟ فاعلم أن العبودية هي عبارة عن دوام حضور العبد من ~~الحق تعالى بلا شعور الغير ، بل مع الذهول عن كل ما سواه وهي لا تتأتى إلا ~~بثلاثة أشياء : # الأول : الانتباه لأمر الشرع. # الثاني : الرضا بالقضاء والقدر وقسمة الله تعالى. # الثالث : ترك طلب اختيار نفسك وفرحك باختيار الله تعالى لك. # وسألت ما هو التوكل؟ فاعلم أن التوكل أن تثق بما وعد به الله وثوقا لا ~~تضعفه الحوادث مهما كثرت وتعاظمت. يعني أن يكون لك تمام اليقين بأن كل ما ~~قسم لك يصل إليك وإن اجتمع أهل الدنيا ليدفعوه عنك ، وكل ما لم يقسم لك لن ~~يصل إليك وإن ساعدك أهل الدنيا. # وكذلك سألت ما هو الإخلاص؟ فاعلم أن الإخلاص هو أن تكون أفعالك كلها ~~صادرة لله تعالى بحيث لا يكون في قلبك التفات لشيء من الخلق حين العمل ولا ~~بعده ، كأن تحب ظهور أثر الطاعة عليك من نور الوجه وظهور أثر السجود في ~~جبهتك. ومن علامات إخلاصك أن لا تفرح بثناء الخلق عليك ولا تحزن بذمهم لك ، ~~بل ms225 يستوي عندك الأمران واعلم أن الرياء يتولد من عظمة الخلق عندك فعلاجه أن ~~ترى الخلق مسخرا لقدره الله ، وتلاحظ أن الناس مثل الجمادات لا قدرة ولا ~~إرادة لهم فلا يقدرون على أن يوصلوا إليك نفعا ولا ضرا ، فإذا فعلت ذلك ~~خلصت من هذا المرض ، وإلا فما دمت تظن أن الخلق قادرون ومريدون لا يرتفع ~~عنك الرياء. # يا ولدي ، أما بقية أسئلتك فبعضها مسطر في كتبي فاطلبه هناك ، وبعضها لا ~~تنبغي كتابته ، لكن إذا عملت بما علمت يكشف لك حقيقته. # يا ولدي ، إذا أشكل عليك شيء بعد هذا فلا تسألني إلا بلسان الحال قال ~~تعالى : ( @QUR@01 ولو PageV01P174 # @QUR@08 أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم ) [الحجرات : 5]. واقبل ~~نصيحة الخضر عليه السلام المشار إليها بقوله تعالى : ( @QUR@09 فلا تسئلني ~~عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا ) [الكهف : 70]. ولا تستعجل بالسؤال لأنك تصل ~~إلى وقت يكون هو المبين لك ، ألا ترى إشارة قوله تعالى : ( @QUR@04 سأريكم ~~آياتي فلا تستعجلون ) [الأنبياء : 37]. واعلم يقينا أنك إذا لم تسر : لم ~~تصل ولم تر ، قال تعالى : ( @QUR@05 أولم يسيروا في الأرض فينظروا ) ~~[الأنبياء : 37]. # يا ولدي ، إذا ذهبت في طريق الله سريعا ترى العجائب. # يا ولدي ، لا بد لك مع العمل من بذل روحك في سبيل الوصول إلى حضرة الحق ، ~~فإن العمل بدون بذل الروح لا يفيد. قال ذو النون المصري رحمة الله تعالى ~~عليه لأحد التلامذة : إن قدرت على بذل الروح فتعال. وإلا فلا تشتغل بترهات ~~الصوفية والقال. # يا ولدي ، أختصر لك النصيحة في ثمانية أشياء : أربعة تركية وأربعة فعلية ~~، حتى لا يكون علمك يوم القيامة خصما لك وحجة عليك. # أما التركية فأحدها : ترك المناظرة بقدر إمكانك وإقامة الحجة على كل من ~~يذكر مسألة فإن آفات ذلك كثيرة وضرها أكثر من نفعها ، إذ هي منبع كل ~~الأخلاق الذميمة كالرياء والحقد والكبر والعداوة والمباهاة وغيرها ، فإن ~~وقعت بينك وبين غيرك مسألة وأنت تريد بالمناظرة أن ينكشف الحق جاز لك البحث ~~في تلك المسألة بهذه النية ، ولصدق هذه النية علامتان : # إحداهما : ألا تفرق ms226 بين أن ينكشف الحق على لسانك أو لسان خصمك بل تحب أن ~~تنكشف الحقيقة على يد خصمك ليكون ذلك أدعى له إلى قبولها ، لأن قبوله من ~~نفسه أقرب إلى قبوله منك. # ثانيهما : أن يكون البحث في الخلوة أحب إليك منه في الملأ. أما إذا قلت ~~لأحد مسألة وأنت تعلم أن الحق بيدك وهو يستهزئ ، فالحذر من أن تقيم الحجة ~~معه واترك الكلام ، فإنه يؤدي إلى الوحشة فلا تكون معه فائدة ، وهاهنا أذكر ~~لك فائدة. # اعلم أن السؤال عن الأشياء المشكلة مثل عرض المريض علته على الطبيب ~~والجواب مثل سعي الطبيب في شفاء هذا المريض فالجهلاء مرضى والعلماء أطباؤهم ~~، والعالم الناقص لا يليق أن يكون طبيبا لهم ، بل الذي يداوي المرضى هو ~~العالم الكامل لأنه هو الذي يؤمل فيه أن يعرف حقيقة العلة ، وقد يكون المرض ~~شديدا لا يمكن علاجه فمهارة الطبيب تكون في عدم الاشتغال بمداواته ، واعلم ~~أن مرض الجهل أربعة أقسام : ثلاثة لا علاج لها ، وواحد يمكن علاجه. # فالأول : أن يكون السؤال أو الاعتراض ناشئا عن حسد والحسد مرض لا علاج له ~~، واعلم أنك كلما أجبته بأي جواب تزينه وتوضحه له لا يزيده جوابك إلا حسدا ~~ولا يزيده حسده إلا تكبرا ، فينبغي ألا تشتغل بجوابه وما أحسن قول الشاعر : PageV01P175 كل العداوة قد ترجى إزالتها %~% إلا عداوة من عاداك من حسد # وتدبيره : أن تتركه بمرضه وتعرض عنه عملا بقوله تعالى : ( @QUR@011 فأعرض ~~عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ) [النجم : 29]. فإذا تعرضت ~~له واشتغلت بمداواته فقد أشعلت نار حسده التي هي مما يحبط الأعمال ، كما في ~~الحديث «الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب». # الثاني : أن تكون العلة من الحماقة وهذا لا يمكن علاجه لقول عيسى ~~عليه السلام : (ما عجزت عن إحياء الموتى ولكن عجزت عن إصلاح الأحمق). وهذا ~~هو الذي اشتغل يومين أو ثلاثة بتحصيل العلم ولم يشرع في العلوم العقلية ~~أصلا ، ومع هذا يعترض على العلماء الذين صرفوا عمرهم في تحصيل العلوم ولم ~~يعلم أن الاعتراض ms227 على العالم العظيم من طالب صغير لا يكون إلا من الجهل ~~وعدم المعرفة ، فهذا لم يعرف قدر نفسه ولا قدر هذا العالم من حماقته وعدم ~~معرفته ، فينبغي أن تعرض عن هذا أيضا ولا تشتغل بجوابه. # الثالث : أن يكون السائل مسترشدا ليس فيه أهلية لفهم كلام الأكابر لقصور ~~فهمه عنه ، ويسأل عن جهة الاستفادة عن غوامض الأمور التي يكون قاصرا عن ~~إدراك حقائقها ، ولا يرى قصور فهمه فلا تشتغل بجوابه أيضا ، لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال : «نحن معاشر الأنبياء أمرنا بأن نكلم الناس على قدر ~~عقولهم». # الرابع : أن يكون مسترشدا ذكيا لبيبا عاقلا ليس مغلوب الغضب والشهوة ~~والحسد وحب المال والجاه ، بل طالبا لطريق الحق ، سائلا من غير تعنت ، فهذا ~~المريض يمكن علاجه فالاشتغال بجوابه لائق بل واجب. # الثاني : أن تحترز من الوعظ والتذكير إلا أن تعلم أنك علمت أولا بما تقول ~~مؤملا قبل أن تتكلم. قال الله تعالى لعيسى عليه السلام : «يا ابن مريم عظ ~~نفسك فإن اتعظت فعظ الناس وإلا فاستحي مني». فإن كنت كذلك وابتلاك الله ~~بالوعظ فاحترز من شيئين : الأول أن تحترز من التكلف في الكلام بالعبارات ~~والإشارات والشطحات والأشعار ، لأن الله تعالى يعد المتكلفين في الكلام ~~أعداء له لأن التكلف يدل على خراب باطن صاحبه وغفلة قلبه ، مع أن المقصود ~~من التذكير استحضار مصائب الآخرة والتقصير في خدمة المولى جل وعلا ، فتأمل ~~في العمر الماضي والعقبات التي في الطريق حتى تخرج من الدنيا بسلامة ~~الإيمان وتنجو من هول قبضة ملك الموت وسؤال منكر ونكير ورد جوابهما. # وأيضا تأمل في هول القيامة وموافقها وحسابها والميزان والعبور على الصراط ~~والنار ومصائبها ، فهذا هو الذي ينبغي تذكره وتذكير الخلق به وتطلعهم على ~~تقصيرهم وعيوبهم لأجل أن توقع في قلوب أهل المجلس خوف حرارة النار ومصائبها ~~، ليتذكروا تفريطهم في الزمن الماضي بالندم عليه والتحسر على ضياع العمر ~~الذي انقضى بغير طاعة. # فالجملة المذكورة بالكيفية المتقدمة يقال لها وعظ مع عدم التكلف في ~~الكلام بالفصاحة والتسجيع PageV01P176 # وغير ذلك ، لأن ms228 مثل الواعظ كمثل صاحب بيت فيه عياله ، وقد جاء السيل وهو ~~يخاف أن يأخذ البيت ويغرق الأولاد وينادي الحذر الحذر ، يا أهل البيت ~~اهربوا لأن السيل وصلكم ، فهذا الرجل في هذه الحالة لا يقول الكلام بالتكلف ~~والعبارات والتسجيع والإشارات ، فمثل الواعظ للخلق يكون هكذا ، وينبغي ألا ~~يميل قلبك حال وعظك إلى صراخ الصارخين وبكاء الباكين وغوغاء أهل المجلس ~~بقولهم : إن هذا الواعظ حسن الوعظ والمجلس ، لأن هذا الميل يتولد عن الغفلة ~~، بل ينبغي أن يكون ميله حال الوعظ إلى تحويلهم عن الدنيا إلى الآخرة ، وعن ~~المعصية إلى الطاعة ، وعن الغفلة إلى التيقظ ، وعن الغرور إلى التقوى ، وأن ~~يكون كلامه في علم الزهد والعبودية وأن ينظر إلى رغبتهم هل هي خلاف رضى ~~الخالق أو لا ، وإلى ميل قلوبهم هل هو خلاف الشرع أو لا ، وإلى أعمالهم ~~وأخلاقهم الذميمة والحميدة أيهما أغلب ، والذي خوفه غالب فيرجعه إلى الرجاء ~~، والذي رجاؤه غالب فيرجعه إلى الخوف بكيفية يتصرفون بها من المجلس بحيث لم ~~يبق معهم صفات ذميمة ظاهرا وباطنا ، ويتصفون بالصفات الحميدة. ويرغبون ~~ويحرصون على الطاعات التي تكاسلوا عنها ، ويكرهون المعاصي التي كانوا ~~يحرصون عليها وكل وعظ لم يكن ولم يقل هكذا يكون وبالا على الواعظ والموعوظ ~~، بل يكون الواعظ غولا وشيطانا لأنه يضل الناس عن طريق الحق ويهلكهم هلاكا ~~أبديا ، ويجب على الخلق أن يهربوا منه ، لأن الفساد الذي يفعله لا يقدر ~~الشياطين أن يفعلوه ، وكل من له يد القدرة يجب عليه أن ينزله عن المنبر ~~ليدفعه لأنه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. # الثالث : ألا تميل إلى الملوك والأمراء والحكام ولا تخالطهم ولا تجالسهم ~~بل ولا تنظر إليهم ، لأن في مخالطتهم ومجالستهم آفات كثيرة ، وإن ابتليت ~~برؤيتهم ومجالستهم فاترك مدحهم وثناءهم ، وإذا جاءوا لزيارتك فسبيلك أن ~~يكون هكذا ، فإن الله يغضب إذا مدح الفاسق والظالم. ومن دعا لظالم بطول ~~البقاء فقد أحب أن يعصي الله تعالى في أرضه. # الرابع : ألا تقبل منهم شيئا وإن علمت أنه حلال ، لأن الطمع في مالهم ~~يكون ms229 سببا لفساد الدين والمداهنة والمحاباة ومراعاة جانبهم والموافقة في ~~ظلمهم ، ويتولد منها فسقهم وفجورهم ، وهذا كله هلاك في الدين وأقل مضرة ~~يتولد منها أن تحبهم ، وكل من يحب أحدا يحب طول عمره ، وإذا أحب طول عمره ~~أحب طول ظلمه وخراب العالم. ونسأل الله الأمان من أن يضللك الشيطان عن طريق ~~الحق لأنه يقول لك الأولى أن تأخذ منهم الدراهم وتعطيها للدراويش وتريح ~~المساكين بصرفها عليهم ، لأنك تصرفها في الضرورة وأبواب الخير ، وأما هو ~~فيصرفها في الفسق والفجور ، لأن الشيطان بهذا الطريق سفك دماء خلق كثير. ~~وآفات الطمع كثيرة ذكرتها في كتابنا إحياء العلوم فاطلبها هنا. يا ولدي ، ~~اجتنب هذه الأربعة التركية. # وأما الفعلية فأربعة أيضا ولا بد أن تعمل بها. # الأول : يلزمك أن تؤدي ما أمرك الله تعالى به مثل ما تحب أن يؤدي عبدك ما ~~أمرته به ، وأنت راض عنه وكل شيء لا ترضى بفعله من عبدك فلا ترضى عن نفسك ~~بفعله في تحقق PageV01P177 # عبوديتك لله تعالى ، ومع ذلك فليس هو عبدك حقيقة لأنك اشتريته بالدراهم ~~وأنت في الحقيقة عبد لله لأنك مخلوق له وهو خالق لك. # الثاني : أن تعامل الخلق بما تحب أن يعاملوك به. قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : «لا يكمل إيمان العبد حتى يحب لسائر الناس ما يحب ~~لنفسه». # الثالث : أن تشتغل بالعلم النافع في الواقع ونفس الأمر وهو الذي لو علمت ~~أنه بقي من عمرك أسبوع لم تشتغل بسواه ، ومن المعلوم أنه إذا كان كذلك لا ~~تشتغل بعلم النحو والصرف والطب وأمثالها ، لأنك تعلم أن هذه العلوم لا تنفع ~~في إغاثتك ، بل تشتغل بمراقبة قلبك ومعرفة صفاته فتشتغل بتطهيره من الأخلاق ~~الذميمة وعلائق الدنيا وتحليته بالأخلاق الحسنة ومحبة الحق وتشتغل ~~بالعبادة. # يا ولدي : اسمع كلمة واحدة وتأمل في حقيقتها واعمل بها تجد فيها خلاصك ~~ونجاتك إليه. إن أخبرت أن السلطان قاصد زيارتك في هذا الأسبوع مثلا ، فأنا ~~أعلم أنك لا تشتغل في هذا الأسبوع بشيء غير إصلاح ما تعلم أن عين السلطان ~~تقع ms230 عليه. إذا علمت ما ذكرناه تحققت بالأولى أنه لا ينبغي لك إلا أن تشتغل ~~بإصلاح ما تعلم أنه محل نظر الله تعالى وهو القلب. قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أعمالكم ولكن ينظر ~~إلى قلوبكم ونياتكم». وإن أردت أن تعلم علم أحوال القلوب فاطلبه من كتابي ~~(إحياء العلوم)، وسائر تصانيفي ، وهذا فرض عين على كل مسلم وباقي العلوم ~~فرض كفاية ، إلا أن تعلم بقدر ما تتحصل به على امتثال الأوامر واجتناب ~~النواهي. # الرابع : أن تدخر لعيالك من القوت ما لا يزيد على السنة لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال لأزواجه : «اللهم اجعل رزق آل محمد كفافا» ولم يقل ذلك ~~لكل أزواجه. بل قال لمن لم يكن لهن قوة اليقين. أما مثل السيدة عائشة رضي ~~الله تعالى عنها فلم يرتب لها قوت سنة ولا يوم. # يا ولدي : جميع ما طلبته مني كتبته لك في هذه الرسالة ، فينبغي أن تعمل ~~بكل ما فيها ، وفي أثناء عملك اذكرني بصالح دعائك ، أما ما طلبته من ~~الأدعية فمذكورة في الصحاح وتاريخ أهل البيت فاطلبها هناك واذكر لك هذا ~~الدعاء فاقرأه على الدوام خصوصا عقب الصلوات وهو : # اللهم إني أسألك من النعمة تمامها ، ومن العصمة دوامها ، ومن الرحمة ~~شمولها ، ومن العافية حصولها ، ومن العيش أرغده ، ومن العمر أسعده ، ومن ~~الإحسان أتمه ، ومن الإنعام أعمه ، ومن الفضل أعذبه ، ومن اللطف أقربه ، ~~ومن العمل أصلحه ، ومن العلم أنفعه ، ومن الرزق أوسعه ، اللهم كن لنا ولا ~~تكن علينا ، اللهم اختم بالسعادة آجالنا ، وحقق بالزيادة أعمالنا واقرن ~~بالعافية غدونا وآصالنا ، واجعل إلى رحمتك مصيرنا ومآلنا ، واصبب سجال عفوك ~~على ذنوبنا ، ومن علينا بإصلاح PageV01P178 # عيوبنا ، واجعل التقوى زادنا ، وفي دينك اجتهادنا ، وعليك توكلنا ~~واعتمادنا. إلهنا ثبتنا على نهج الاستقامة ، وأعذنا من موجبات الندامة يوم ~~القيامة ، وخفف عنا ثقل الأوزار ، وارزقنا عيشة الأبرار ، واكفنا واصرف عنا ~~شر الأشرار واعتق رقابنا ، ورقاب آبائنا وأمهاتنا من النار والدين والمظالم ~~يا عزيز يا غفار ، يا ms231 كريم يا ستار ، يا حليم يا جبار برحتمك يا أرحم ~~الراحمين ، وصلى الله وسلم على خير خلقه محمد وآله وصحبه أجمعين ، والحمد ~~لله رب العالمين آمين. ### ||| * خاتمة للمعرب # اعلم أن تصفية القلب لا تتم إلا بطريقة الذكر لقوله صلى الله عليه وسلم : ~~«إن القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد وجلاؤها ذكر الله تعالى «. ثم إن الذكر ~~إما باللسان وإما بالقلب ، فذكر اللسان لتحصيل ذكر القلب ، وذكر القلب ~~لتحصيل المراقبة ، وأقرب التصفية للقلب الاشتغال بذكر الطريقة النقشبندية ~~وهو الذكر باسم الذات أو بالنفي والإثبات ، وكيفية ذكر اسم الذات أن يتلفظ ~~الذاكر بلسان القلب لفظة (الله). لأن القلب كله لسان وكله سمع وكله بصر. ~~وأما كيفية ذكر النفي والإثبات فهي أن يتلفظ بلسان القلب (لا إله) نافيا ~~بها جميع تعلقات القلب عما سوى الله ثم يتلفظ بلسان القلب (إلا الله) مثبتا ~~بها وجود وحدانية الحق فيه ، فإذا ذكر الذاكر هذين الاسمين بهذه الكيفية ~~تحصل له صفوة القلب وزكاه ، ويكون عارفا بالله تعالى واصلا إليه ويقدم ~~وظيفة الذكر به على سائر العبادات بعد الفرائض ورواتبها في جميع الأوقات ~~إلى أن يحصل في قلبه ملكة حميدة ، وبعد ذلك يجوز له جميع الفضائل من ~~العبادات لأنه عرف طريق الاستفاضة من الله وعرف طريق التقرب إليه : # فذكر الله أحسن في الطريق %~% من الورد المرتب للصلاة وأحسن من قراءة قول حق %~% ومن عمل بكل النافلات لأن الذكر يجلي صداء قلب %~% ويرفع عنه كل الحاجيات وجاهد في جميع الوقت والزم %~% بذكر الله تشهد واردات توجه للإله ودع سواه %~% وراقب وارتفع للعاليات # والمراقبة وهي رؤية جناب الحق سبحانه وتعالى بعين البصيرة على الدوام مع ~~التعظيم ، وهي أقرب الطرق إلى الله تعالى من حيث التقرب إليه. كما قيل : ~~القصد إلى الله عز وجل بالقلوب أبلغ من حركات الأعضاء في الأعمال بالصلاة ~~والسلام والأذكار والأوراد ونحوها ، لأن صاحب الهمة العالية لا يزال عاملا ~~بقلبه وإن لم تساعده على الأعمال جوارحه فهو يكون دائما في التقرب وأبدا في ~~التحبب. # ثم اعلم أن الذاكر ms232 إذا بلغ مرتبة المراقبة ثبتت له وحدة الوجود الإلهية ~~وتحقق بدوام العبودية ، فإذا داوم على المراقبة ترقى إلى مرتبة المشاهدة ~~بأن ينكشف له بعين البصيرة أن أنوار وجود وحدة الذات الإلهية محيطة بجميع ~~الأشياء ، وأنه تعالى متجل بصفاته وأسمائه في مصنوعاته وبحسب استعداد ~~المشاهدين يصير الابتهاج بأنوار الربوبية والاستكشاف بأسرار الأحدية. ### |||| * تمت في شهر رجب سنة 1327 PageV01P179 ### ||| * القسطاس المستقيم PageV01P180 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * ميزان حقيقة المعرفة # أحمد الله تعالى أولا ، وأصلي على نبيه المصطفى ثانيا ، وأقول : إخواني ، ~~هل فيكم من يعيرني سمعه لأحدثه بشيء من أسماري ، فقد استقبلني في أسفاري ~~رفيق من رفقاء أهل التعليم وغافصني بالسؤال والجدال مغافصة من يتحدى باليد ~~البيضاء والحجة الغراء وقال لي : أراك تدعي كمال المعرفة ، فبأي ميزان تزن ~~حقيقة المعرفة؟ أبميزان الرأي والقياس ، وذلك في غاية التعارض والالتباس ~~ولأجله ثار الخلاف بين الناس؟ أم بميزان التعليم فيلزمك اتباع الإمام ~~المعصوم ، المعلم وما أراك تحرص على طلبه؟ فقلت : أما ميزان الرأي والقياس ~~، فحاش الله أن أعتصم به فإنه ميزان الشيطان. ومن زعم من أصحابي أن ذلك ~~ميزان المعرفة. فأسأل الله تعالى أن يكفيني شره عن الدين فإنه للدين صديق ~~جاهل ، وهو شر من عدو عاقل ولو رزق سعادة مذهب أهل التعليم ، لتعلم أولا ~~الجدال من القرآن الكريم ، حيث قال تعالى : ( @QUR@011 ادع إلى سبيل ربك ~~بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ) [النحل : 125]. # واعلم أن المدعو إلى الله تعالى بالحكمة قوم وبالموعظة قوم وبالمجادلة ~~قوم ، فإن الحكمة إن غذي بها أهل الموعظة أضرت بهم كما تضر بالطفل الرضيع ~~التغذية بلحم الطير. وأن المجادلة إن استعملت مع أهل الحكمة اشمأزوا منها ~~كما يشمئز طبع الرجل القوي من الارتضاع بلبن الآدمي. وأن من استعمل الجدال ~~مع أهل الجدال لا بالطريق الأحسن كما تعلم من القرآن كان كمن غذى البدوي ~~بخبز البر وهو لم يألف إلا التمر أو البلدي بالتمر وهو لم يألف إلا البر ، ~~وليته كانت له أسوة حسنة كما تعلم من القرآن في إبراهيم الخليل. صلوات الله ms233 ~~عليه. حيث حاج خصمه فقال : ( @QUR@04 ربي الذي يحيي ويميت ) [البقرة : ~~258]. فلما رأى أن ذلك لا يناسبه وليس حسنا عنده حين قال : ( @QUR@03 أنا ~~أحيي وأميت ) [البقرة : 125]. عدل إلى الأوفق لطبعه والأقرب إلى فهمه فقال ~~: ( @QUR@013 فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي ~~كفر ) [البقرة : 258]. ولم يركب الخليل ظهر اللجاج في تحقيق عجزه عن إحياء ~~الموتى إذ علم أن ذلك يعسر عليه فهمه فإن ظن أن القتل إماتة من جهته وتحقيق ~~ذلك يلائم قريحته ولا يناسب حده في البصيرة ودرجته ، ولم يكن من قصد الخليل ~~إفناؤه بل إحياؤه ، والتغذية بالغذاء الموافق إحياء. واللجاج بالإرهاق إلى ~~ما لا يوافق إفناء. فهذه دقائق لا تدرك إلا بنور التعليم PageV01P181 # المقتبس من إشراق عالم النبوة ، فلذلك حرموا التفطن له إذ حرموا من سر ~~مذهب التعليم. فقال : إذا استوغرت سبيلهم واستوهنت دليلهم فبما ذا تزن ~~معرفتك؟ # فقلت : أزنها بالقسطاس المستقيم ليظهر لي حقها وباطلها ، ومستقيمها ~~ومائلها : اتباعا لله تعالى وتعليما من القرآن المنزل على لسان نبيه الصادق ~~حيث قال : ( @QUR@03 وزنوا بالقسطاس المستقيم ) [الإسراء: 35]. # فقال : وما القسطاس المستقيم؟ # قلت : هي الموازين الخمس التي أنزلها الله في كتابه وعلم أنبياءه الوزن ~~بها. فمن تعلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ووزن بميزان الله فقد اهتدى. ~~ومن ضل عنها إلى الرأي والقياس فقد ضل وتردى. # فقال : أين الموازين في القرآن وهل هذا إلا إفك وبهتان؟ # قلت : ألم تسمع قوله تعالى في سورة الرحمن : ( @QUR@07 الرحمن* علم ~~القرآن* خلق الإنسان* علمه البيان ) إلى قوله : ( @QUR@012 ووضع الميزان* ~~ألا تطغوا في الميزان* وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان ) [الرحمن ~~: 1. 9]. ألم تسمع قوله في سورة الحديد : ( @QUR@011 لقد أرسلنا رسلنا ~~بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ) [الحديد : ~~25]. أتظن أن الميزان المقرون بالكتاب هو ميزان البر والشعير والذهب ~~والفضة؟ أتتوهم أن الميزان المقابل وضعه برفع السماء في قوله : ( @QUR@04 ~~والسماء رفعها ووضع الميزان ) [الرحمن : 7]. هو الطيار والقيان ، وما أبعد ~~هذا الحسبان وأعظم هذا البهتان ، فاتق الله ولا تعسف في التأويل. واعلم ms234 ~~يقينا أن هذا الميزان هو ميزان معرفة الله تعالى ومعرفة ملائكته وكتبه ~~ورسله وملكه وملكوته لتتعلم كيفية الوزن به من أنبيائه كما تعلموا هم من ~~ملائكته. فإن الله تعالى هو المعلم الأول ، والثاني جبريل ، والثالث الرسول ~~صلى الله عليه وسلم ، والخلق كلهم يتعلمون من الرسل ما ليس لهم طريق إلى ~~المعرفة به إلا بهم. # فقال : فبم عرفت أن ذلك الميزان صادق أم كاذب؟ أبعقلك ونظرك؟ فالعقول ~~متعارضة. أم بالإمام المعصوم الصادق القائم بالحق في العالم؟ وهو مذهبي ~~الذي أدعو إليه. # فقلت : ذلك أيضا أعرفه بالتعليم ، ولكن من إمام الأئمة محمد بن عبد الله ~~بن عبد المطلب صلى الله عليه وسلم فإني وإن كنت لا أراه فإني أسمع تعليمه الذي ~~تواتر إلي تواترا لا أشك فيه : وإنما تعليمه القرآن ، وبيان صدق موازين ~~القرآن معلوم من نفس القرآن. فقال : " هات برهانك" وأخرج من القرآن ميزانك. ~~وأظهر لي كيف فهمت من نفس القرآن صدقه وصحته. # فقلت له : حدثني أنت بم تعرف صحة ميزان الذهب والفضة وصدقه ومعرفة ذلك ~~فرض دينك إذا كان عليك دين حتى نقضيه تاما من غير نقصان. أو كان لك على ~~غيرك دين حتى تأخذه عدلا من غير رجحان ، فإذا دخلت سوقا من أسواق المسلمين ~~وأخذت ميزانا من الموازين وقضيت أو استقضيت به الدين ، فبم تعرف أنك لم ~~تظلم بنقصان في الأداء أو برجحان في الاستيفاء؟ PageV01P182 # فقال : أحسن الظن بالمسلمين ، وأقول إنهم لا يشتغلون بالمعاملة إلا بعد ~~تعديل الموازين ، فإن عرض لي شك في بعض الموازين أخذته ورفعته ونظرت إلى ~~كفتي الميزان ولسانه ، فإذا استوى انتصاب اللسان من غير ميل إلى أحد ~~الجانبين ورأيت مع ذلك تقابل الكفتين. عرفت أنه ميزان صحيح صادق. # قلت : هب أن اللسان قد انتصب على الاستواء ، وأن الكفتين متحاذيتان على ~~السواء ، فمن أين تعلم أن الميزان صادق؟ # فقال : أعلم ذلك علما ضروريا يحصل لي من مقدمتين : إحداهما تجريبية ، ~~والأخرى حسية. أما التجريبية فهي أني علمت بالتجربة أن الثقيل يهوي إلى ~~أسفل ، وأن الأثقل أشد هويا ms235 فأقول : لو كانت إحدى الكفتين أثقل لكانت أشد ~~هويا فهذه مقدمة كلية تجريبية حاصلة عندي ضرورة. والمقدمة الثانية هي أن ~~هذا الميزان بعينه رأيته لم تهو إحدى كفتيه ، بل حاذت الأخرى محاذاة ~~مساواة. وهذه مقدمة حسية شاهدتها بالبصر فلا أشك لا في المقدمة الحسية ولا ~~في الأولى وهي مقدمة التجربة. فيلزم في قلبي من هاتين المقدمتين نتيجة ~~ضرورية وهي العلم باستواء الميزان. إذ أقول : لو كانت إحداهما أثقل لكانت ~~أهوى ومحسوس أنها ليست بأهوى ، فمعلوم أنها ليست بأثقل. # قلت له : فهل هذا إلا رأي وقياس عقلي؟ # قال : هيهات فإن هذا علم ضروري لزم من مقامات يقينية حصل اليقين بها من ~~التجربة والحس فكيف يكون هذا رأيا وقياسا. والرأي والقياس حدس وتخمين لا ~~يفيدان برد اليقين وأنا أحس في هذا برد اليقين. # قلت : فإن عرفت صحة الميزان بهذا البرهان فبم عرفت الصنجة والمثقال. ~~فلعله أخف أو أثقل من المثقال الصحيح؟ # فقال : إن شككت في هذا أخذت عيارة من صنجة معلومة عندي فأقابلها بها فإذا ~~ساوى علمت أن الذهب إذا ساواه كان مساويا لصنجتي فإن المساوي للمساوي مساو. # قلت : هل تعلم واضع الميزان في الأصل من هو ، وهل هو الواضع الأول؟ والذي ~~وضعه يعلم هذا الوزن. # قال : لا ، ومن أين أحتاج إليه وقد عرفت صحة الميزان بالمشاهدة والعيان. ~~بل آكل البقل من حيث يؤتى به ولا أسأل عن المبقلة ، فإن واضع الميزان لا ~~يراد لعينه ، بل يراد ليعرف منه صحة الميزان وكيفية الوزن به. وأنا قد ~~عرفته كما حكيته ، وعرفته فاستغنيت عن مراجعة صاحب الميزان عند كل وزن فإن ~~ذلك يطول ولا يظفر به في كل حين مع أني في غنية عنه. # قلت : فإن أتيتك بميزان في المعرفة مثل هذا وأوضح منه وأزيد عليه بأني ~~أعرف واضعه ومعلمه ومستعمله فيكون واضعه هو الله تعالى ومعلمه جبريل ~~ومستعمله الخليل ومحمد وسائر النبيين عليهم السلام أجمعين. وقد شهد الله ~~تعالى لهم في ذلك بالصدق. فهل تقبل ذلك مني؟ وهل تصدق به؟ PageV01P183 # فقال : إي والله ms236 ، وكيف لا أصدق به إن كان في الظهور مثل ما حكيته لي. # فقلت : الآن أتوسم فيك شمائل الكياسة. وقد صدق رجائي في تقويمك وتفهيمك ~~حقيقة مذهبك في تعليمك فأكشف لك عن الموازين الخمسة. المنزلة في القرآن ~~لتستغني به عن كل إمام وتجاوز حد العميان فيكون إمامك المصطفى ~~صلى الله عليه وسلم ، وقائدك القرآن ، ومعيارك المشاهد والعيان. فاعلم أن ~~موازين القرآن في الأصل ثلاثة : ميزان التعادل ، وميزان التلازم ، وميزان ~~التعاند. لكن ميزان التعادل ينقسم إلى ثلاثة أقسام : إلى الأكبر ، والأوسط ~~، والأصغر ، فيصير الجميع خمسة. ### ||| * القول في الميزان الأكبر من موازين التعادل # ثم ، قال لي هذا الرفيق الكيس من رفقاء أهل التعليم : اشرح لي الميزان ~~الأكبر من موازين التعادل أولا واشرح لي معنى هذه الألقاب وهي التعادل ~~والتلازم والتعاند ، والأكبر والأوسط والأصغر ، فإنها ألقاب عجيبة. ولا شك ~~في أن تحتها معاني دقيقة. # فقلت : أما معنى هذه الألقاب فلا تفهمها إلا بعد شرحها وفهم معانيها ~~لتدرك بعد ذلك مناسبة ألقابها لحقائقها. وأعلمك أولا أن هذا الميزان يشبه ~~الميزان الذي حكيته في المعنى دون الصور فإنه ميزان روحاني فلا يساوي ~~الجسماني ، ومن أين يلزم أن يساويه والموازين الجسمانية أيضا تختلف ، فإن ~~القلسطون ميزان ، والطيار ميزان ، بل الاصطرلاب ميزان لمقادير حركات الفلك ~~، والمسطرة ميزان لمقادير الأبعاد في الخطوط ، والشاقول ميزان لتحقيق ~~الاستقامة والانحناء. وهي وإن اختلفت صورها مشتركة في أنها تعرف بها ~~الزيادة والنقصان. بل العروض ميزان الشعر يعرف به أوزان الشعر ليتميز ~~منزحفه عن مستقيمه وهو أشد روحانية من الموازين المجسمة ، ولكنه غير متجرد ~~عن علائق الأجسام لأنه ميزان الأصوات ولا ينفصل الصوت عن الجسم. وأشد ~~الموازين روحانية ميزان يوم القيامة إذ به توزن أعمال العباد وعقائدهم ~~ومعارفهم ، والمعرفة والإيمان لا تعلق لهما بالأجسام ، ولذلك كان ميزانهما ~~روحانيا صرفا ، وكذلك ميزان القرآن للمعرفة روحاني ، لكن يرتبط تعريفه في ~~عالم الشهادة بغلاف لذلك الغلاف التصاق بالأجسام وإن لم يكن جسما فإن تعريف ~~الغير في هذا العالم لا يمكن إلا مشافهة وذلك بالأصوات. والصوت جسماني ، أو ms237 ~~بالمكاتبة وهي الرقوم وهي أيضا نقش في وجه القرطاس وهو جسم. هذا حكم غلافه ~~الذي يعرض فيه وإنما هو في نفسه روحاني محض لا علاقة له مع الأجسام إذ توزن ~~به معرفة الله الخارجة عن عالم الأجسام المقدس عن أن يناسب الجهات والأقطار ~~فضلا عن نفس الأجسام ، ولكنه مع ذلك ذو عمود وكفتين ، والكفتان متعلقتان ~~بالعمود فالعمود مشترك في الكفتين لارتباط كل واحدة منهما به هذا في ميزان ~~التعادل ، وأما ميزان التلازم فهو بالقبان أشبه لأنه ذو كفة واحدة ولكن ~~يقابلها من الجانب الآخر الرمانة وبها يظهر التفاوت والتقدير. # فقال : هذه طنطنة عظيمة فأين المعنى فإني أسمع جعجعة ولا رأى طحنا. # فقلت له : اصبر ( @QUR@012 ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه ~~وقل رب زدني PageV01P184 # @QUR@01 علما ) [طه : 114]. واعلم أن العجلة من الشيطان والتأني من الله. ~~واعلم أن الميزان الأكبر هو ميزان الخليل صلوات الله عليه وسلامه الذي ~~استعمله مع نمرود فمنه تعلمنا هذا الميزان لكن بواسطة القرآن ، وذلك أن ~~نمرود ادعى الإلهية ، وكانت الإلهية عنده بالاتفاق عبارة عن القادر على كل ~~شيء. فقال إبراهيم : الإله إلهي لأنه الذي يحيي ويميت وهو القادر عليه وأنت ~~لا تقدر عليه. فقال : ( @QUR@03 أنا أحيي وأميت ) يعني أنه يحيي النطفة ~~بالوقاع ويميت بالقتل ، فعلم إبراهيم صلى الله عليه وسلم أن ذلك يعسر عليه فهم ~~بطلانه فعدل إلى ما هو أوضح عنده. فقال : ( @QUR@013 فإن الله يأتي بالشمس ~~من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر ) [البقرة : 258]. وقد أثنى ~~الله عليه فقال : ( @QUR@06 وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه ) ~~[الأنعام : 83]. فعلمت من هذا أن الحجة والبرهان في قول إبراهيم وميزانه. ~~فنظرت في كيفية وزنه كما نظرت أنت في ميزان الذهب والفضة فرأيت في هذه ~~الحجة أصلين قد ازدوجا فتولد منهما نتيجة هي المعرفة إذ القرآن مبناه على ~~الحذف والإيجاز. وكمال صورة هذا الميزان أن تقول كل من يقدر على اطلاع ~~الشمس فهو الإله ، فهذا أصل. وإلهي هو القادر على الاطلاع وهذا أصل آخر. ~~فلزم من مجموعهما ms238 أن إلهي هو الإله دونك يا نمرود. فانظر الآن هل يمكن أن ~~يعترف بالأصلين معترف ثم يشك في النتيجة ، أو هل يتصور أن يشك في هذين ~~الأصلين شاك؟ فإن قولنا : الإله هو القادر على إطلاع الشمس لا شك فيه لأن ~~الإله كان عندهم وعند كل أحد عبارة عن القادر على كل شيء ، وإطلاع الشمس هو ~~من جملة تلك الأشياء وهذا أصل معلوم بالوضع والاتفاق. وقولنا : القادر على ~~الاطلاع هو الله تعالى دونك معلوم بالمشاهدة فإن عجز نمرود وعجز كل أحد سوى ~~من يحرك الشمس مشاهد بالحس ونعني بالإله محرك الشمس ومطلعها. فيلزمنا من ~~معرفة الأصل الأول المعلوم بالوضع المتفق عليه. ومن الأصل الثاني المعلوم ~~بالمشاهدة أن نمرود ليس هو القادر على تحريك الشمس. فنعلم بعد معرفة هذين ~~الأصلين أن نمرود ليس بإله وإنما الإله هو الله تعالى. فراجع نفسك الآن هل ~~ترى هذا أوضح من المقدمة التجريبية والحسية اللتين عليهما صحة ميزان الذهب ~~والفضة. # فقال : هذه المعرفة لازمة منه بالضرورة ولا يمكنني أن أشك في الأصلين ولا ~~أن أشك في لزوم هذه النتيجة منهما ، ولكن هذا لا ينفعني إلا في هذا الموضع ~~وعلى الوجه الذي استعمله الخليل عليه الصلاة والسلام وذلك في نفي إلهية ~~نمرود وإقرار الإلهية لمن تفرد باطلاع الشمس ، فكيف إذن بها سائر المعارف ~~التي تشكل علي وأحتاج إلى تمييز الحق فيها عن الباطل؟ # فقلت : من وزن الذهب بميزان يمكنه أن يزن به الفضة وسائر الجواهر ، لأن ~~الموزون عرف مقداره لا لأنه ذهب بل لأنه ذو مقدار ، ولذلك هذا البرهان كشف ~~لنا عن هذه المعرفة لا لعينها ، بل لأنها حقيقة من الحقائق ومعنى من ~~المعاني فنتأمل أنه لم تلزم منه هذه النتيجة ونأخذ روحه ونجرده عن هذا ~~المثال الخاص حتى ننتفع به حيث أردنا وإنما لزم هذا لأن الحكم على الصفة ~~حكم على الموصوف PageV01P185 # بالضرورة ، وبيانه أن إيجاز هذه الحجة إن ربي مطلع والمطلع الإله فيلزم ~~منه أن ربي إله فالمطلع صفة الرب ، وقد حكمنا على المطلع الذي ms239 هو صفته ~~بالإلهية فلزم منه الحكم على ربي بالإلهية ، وكذلك في كل مقام حصلت لي ~~معرفة بصفة الشيء وحصلت معرفة أخرى بثبوت حكم لتلك الصفة فيتولد منهما ~~معرفة ثالثة بثبوت الحكم على الموصوف بالضرورة. # فقال : هذا يكاد دركه يدق على فهمي ، فإن تشككت فيه فما ذا أصنع حتى يزول الشك؟ # قلت : خذ عيارة من الصنجة المعروفة عندك كما فعلت في ميزان الذهب والفضة. # فقال : كيف آخذ عيارها ، وأين الصنجة المعروفة في هذا الفن؟ # قلت : الصنجة المعروفة هي العلوم الأولية الضرورية المستفادة إما من الحس ~~أو من التجربة أو غريزة العقل ، فانظر في الأوليات هل تتصور أن يثبت حكم ~~على صفة إلا ويتعدى إلى الموصوف ، فإذا مر بين يديك مثلا حيوان منتفخ البطن ~~وهو بغل ، فقال قائل : هذا حامل ، فقلت له : ألم تعلم أن البغل عقيم لا ~~يلد؟ فقال : نعم أعلم هذا بالتجربة. فقلت له : فهل تعلم أن هذا بغل؟ فنظر ، ~~فقال نعم قد عرفت ذلك بالحس والإبصار. فقلت : فالآن هل تعرف أنه ليس بحامل ~~فلا يمكنه أن يشك فيه بعد معرفة الأصلين اللذين أحدهما تجريبي والآخر حسي ، ~~بل يكون العلم بأنه ليس بحامل علما ضروريا متولدا من بين العلمين السابقين ~~كما تولد علمك في الميزان من العلم التجريبي بأن الثقيل هاو ، والعلم الحسي ~~بأن إحدى الكفتين ليست هاوية بالإضافة إلى الأخرى. # فقال : قد فهمت هذا فهما واضحا ، ولكن لم يظهر لي أن سبب لزومه أن الحكم ~~على الصفة حكم على الموصوف. # فقلت : تأمل فإن قولك : هذا بغل ، وصف والصفة هو البغل وقولك : كل بغل ~~عقيم ، حكم على البغل الذي هو صفة بالعقم فلزم حكم بالعقم على الحيوان ~~الموصوف بأنه بغل ، وكذلك إذا ظهر لك مثلا أن كل حيوان حساس ثم ظهر لك في ~~الدود أنه حيوان فلا يمكنك أن تشك في أنه حساس ومنهاجه أن تقول : كل دود ~~حيوان وكل حيوان حساس. فكل دود حساس لأن قولك كل دود حيوان وصف الدود بأنه ~~حيوان ، والحيوان صفته ، فإذا حكمت على الحيوان ms240 بأنه حساس أو جسم أو غيره ~~دخل فيه الدود لا محالة وهذا ضروري لا يمكن الشك فيه. نعم شرط هذا أن تكون ~~الصفة مساوية للموصوف أو أعم منه حتى يكون الحكم عليه يشمل الموصوف به ~~بالضرورة. وكذلك من سلم في النظر الفقهي ، أن كل نبيذ مسكر ، وكل مسكر حرام ~~، لم يمكنه أن يشك في أن كل نبيذ حرام لأن المسكر وصف النبيذ ، فالحكم عليه ~~بالتحريم يتناول النبيذ إذ يدخل فيه الموصوف لا محالة ، فكذلك في جميع ~~أبواب النظريات. # فقال : قد فهمت فهما ضروريا أن إيقاع الازدواج بين أصلين على هذا الوجه ~~مولد لنتيجة ضرورية ، وأن برهان الخليل صلوات الله عليه برهان صحيح وميزانه ~~ميزان صادق ، وتعلمت حده PageV01P186 # وحقيقته وعرفت عياره من الصنجات المعروفة عندي ، ولكني أشتهي أن أعرف ~~مثالا لاستعمال هذا الميزان في مظان الأشكال في العلوم فإن هذه الأمثلة ~~واضحة بأنفسها لا يحتاج فيها إلى ميزان وبرهان. # فقلت : هيهات ، فبعض هذه الأمثلة معلومة بأنفسها بل هي متولدة من ازدواج ~~الأصلين إذ لا يعرف كون هذا الحيوان مثلا عقيما إلا من عرف بالحس أنه بغل ~~وبالتجربة أن البغل لا يلد ، وإنما واضح بنفسه هو الأول. فأما المتولد من ~~أصلين فله أب وأم فلا يكون أوليا واضحا بنفسه بل بغيره ، ولكن ذلك الغير ~~أعني الأصلين قد يكون واضحا في بعض الأحوال ، وذلك بعد التجربة وبعد ~~الإبصار ، وكذلك كون النبيذ حراما ليس واضحا بنفسه بل يعرف بأصلين. # أحدهما : أنه مسكر وهذا يعلم بالتجربة. # والثاني : أن كل مسكر حرام وهذا بالخبر الوارد عن الشارع صلى الله عليه وسلم ~~. فهذا يعرفك كيفية الوزن بهذا الميزان ، وكيفية استعماله. وإن أردت مثالا ~~أغمض من هذا فأمثلة ذلك عندنا لا تنحصر ولا تتناهى بل بهذا الميزان عرفنا ~~أكثر الغوامض فاقنع منه بمثال واحد. # فمن الغوامض أن الإنسان ليس حادثا بنفسه إذ له مسبب وصانع وكذلك العالم. ~~فإذا راجعنا هذا الميزان عرفنا أن له صانعا وأن صانعه عالم. فإنا نقول : كل ~~جائز فله سبب ، واختصاص العالم أو الإنسان ms241 بمقداره الذي اختلف به جائز. ~~فإذن يلزم منه أن له سببا ولا يقدر على التشكك في هذه النتيجة من سلم ~~الأصلين وعرفهما. ولكن إن شك في الأصلين فيستنتج أيضا معرفتهما من أصلين ~~آخرين واضحين إلى أن ينتهي إلى العلوم الأولية التي لا يمكن التشكيك فيها ، ~~فإن العلوم الخفية الأولية هي أصول العلوم الغامضة الجليلة وهي بدورها ، ~~ولكن يستثمرها منها من يحسن الاستثمار بالحراثة والاستنتاج بإيقاع الازدواج ~~بينهما. # فإن قلت : أنا شاك في الأصلين جميعا فلم قلت إن كل جائز فله سبب؟ ولم قلت ~~إن اختصاص الإنسان بمقدار مخصوص جائز وليس بواجب؟ فأقول : أما قولي : كل ~~جائز له سبب ، فواضح إذا فهمت معنى الجائز لأني أعني بالجائز ما يتردد بين ~~قسمين متساويين ، فإذا تساوى شيئان لم يختص أحدهما بوجود وعدم من ذاته لأن ~~ما ثبت للشيء ثبت لمثله بالضرورة وهذا أولى. وأما قولي اختصاص الإنسان بهذا ~~المقدار مثلا جائز وليس واجب ، كقولي : إن الخط الذي يكتبه الكاتب وله ~~مقدار مخصوص جائز إذ الخط من حيث إنه خط لا يتعين له مقدار واحد بل يتصور ~~أن يكون أطول وأقصر. فاختصاصه بمقدار عما هو أطول وأقصر سببه الفاعل لا ~~محالة ، إذ نسبة المقادير إلى قبول الخط لها متساوية ، وهذا ضروري. كذلك ~~نسبة المقادير إلى شكل الإنسان وأطرافه متساوية فتخصيصها لا محالة بفاعل. ~~ثم أترقى منه وأقول : فاعله عالم لأن كل فعل مرتب محكم فيسند إلى علم فاعله ~~، وبنية الإنسان بنية مرتبة محكمة فلا بد أن يستند ترتيبها وتدبيرها إلى ~~علم فاعل بها. فههنا أصلان إذا عرفتهما لم تشك في النتيجة. أحدهما أن بنية ~~الآدمي بنية مرتبة محكمة هذا يعرف بالمشاهدة من تناسب أعضائه PageV01P187 # واستعداد كل واحد لمقصود خاص كاليد للبطش والرجل للمشي ، ومعرفة تشريح ~~الأعضاء يورث علما ضروريا به ، وأما افتقار المرتب المنظوم إلى علم واضح ~~أيضا فلا يشك العاقل في أن الخط المنظوم لا يصدر إلا من عالم بالكتابة وإن ~~كان بواسطة القلم الذي لا يعلم ، وأن البناء الصالح لإفادة مقاصد الاكتنان ms242 ~~كالبيت والحمام والطاحونة وغيرها لا يصدر إلا من عالم بالبناء ، فإن أمكن ~~التشكيك في شيء من هذا فطريقه أن يترقى منه إلى أوضح منه حتى يترقى إلى ~~الأوليات. وشرح ذلك ليس من غرضنا بل الغرض أن نبين أن ازدواج الأوليات على ~~الوجه الذي أوقعه الخليل عليه السلام ميزان صادق مفيد لمعرفة حقيقية. ولا ~~قائل بإبطال هذا فإنه إبطال لتعليم الله تعالى أنبياءه ، وإبطال لما أثنى ~~الله عليه إذ قال : ( @QUR@06 وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه ) ~~[الأنعام : 83]. والتعليم لا محالة حق إن لم يكن الرأي حقا وفي إبطال هذا ~~إبطال الرأي والتعليم جميعا ولا قائل به أصلا ### ||| * القول في الميزان الأوسط # قال : قد فهمت الميزان الأكبر وحده وعياره ومظنته وحقيقة استعماله فاشرح ~~لي الميزان الأوسط ما هو ، ومن أين حصل تعليمه ، ومن وضعه ، ومن استعمله؟ # فقلت : الميزان الأوسط أيضا للخليل عليه السلام حيث قال : ( @QUR@03 لا ~~أحب الآفلين ) [الأنعام : 76]. وكمال صورة هذا الميزان أن القمر آفل والإله ~~ليس بآفل فالقمر ليس بإله. ولكن القرآن على الإيجاز والإضمار مبناه ، لكن ~~العلم ينفي الإلهية عن القمر لا يصدر ضروريا إلا بمعرفة هذين الأصلين وهو ~~أن القمر آفل وأن الإله ليس بآفل ، فإذا عرفت الأصلين صار العلم بنفي ~~الإلهية عن القمر ضروريا. # فقال : أنا لا أشك في أن نفي الإلهية عن القمر يتولد من هذين الأصلين إن ~~عرفا جميعا ، لكني أعرف أن القمر آفل وهذا معلوم بالحس ، أما الإله ليس ~~بآفل فلا أعلمه ضرورة ولا حسا. # قلت : وليس غرضي من حكاية هذا الميزان أن أعرفك أن القمر ليس بآفل ، بل ~~إني أعلمك أن هذا الميزان صادق والمعرفة الحاصلة منه بهذا الطريق من الوزن ~~ضرورية ، وإنما حصل العلم به في حق الخليل عليه السلام . إذ كان معلوما عنده ~~أن الإله ليس بآفل ، وإن لم يكن ذلك العلم أوليا له بل مستفادا من أصلين ~~آخرين ينتجان العلم بأن الإله ليس بمتغير وكل متغير حادث ، والأفول هو ~~التغير فبني الوزن على المعلوم عنده ، فخذ أنت الميزان واستعمله حيث ms243 يحصل ~~لك العلم بالأصلين. # قال : فهمت بالضرورة أن هذا الميزان صادق وأن هذه المعرفة تلزم في ~~الأصلين إذ صارا معلومين ، ولكن أريد أن تشرح حد هذا الميزان وحقيقته ثم ~~تشرح لي عياره من الصنجة المعروفة عندي ثم مثال استعماله في مظان الغموض ~~فإن نفي الإلهية عن القمر كالواضح عندي. # قلت : أما حده ، فهو أن كل مثلين وصف أحدهما بوصف فسلب ذلك الوصف عن الآخر PageV01P188 # فهما متباينان أي أحدهما يسلب ذلك الوصف عن الآخر ولا يوصف به ، ولما كان ~~حد الميزان الأكبر أن الحكم على الأعم حكم على الأخص ويندرج فيه لا محالة ، ~~فحد هذا أن الذي ينفى عنه ما يثبت لغيره مباين لذلك الغير ، فالإله ينفى ~~عنه الأفول والقمر يثبت له الأفول ، فهذا يوجب التباين بين الإله والقمر ~~وهو أن لا يكون القمر إلها ولا الإله قمرا. وقد علم الله تعالى نبيه محمدا ~~صلى الله عليه وسلم الوزن بهذا الميزان في مواضع كثيرة من القرآن اقتداء بأبيه ~~الخليل صلوات الله عليهما ، فأكتفي بالتنبيه على موضعين وأطلب الباقي من ~~آيات القرآن. # أحدهما : قوله تعالى لنبيه : ( @QUR@09 قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم ~~بشر ممن خلق ) [المائدة: 18]. وذلك أنهم ادعوا أنهم أبناء الله فعلمه الله ~~تعالى كيفية إظهار خطابهم بالقسطاس المستقيم ، فقال: ( @QUR@04 قل فلم ~~يعذبكم بذنوبكم )، وكمال صورة هذا الميزان أن البنين لا يعذبون وأنتم ~~معذبون ، فإذا لستم أبناء ، فهنا أصلان : أما أن البنين لا يعذبون فيعرف ~~بالتجربة ، وأما أنتم معذبون فيعرف بالمشاهدة ويلزم منهما ضرورة نفي ~~النبوة. # الموضع الثاني : قوله تعالى : ( @QUR@024 قل يا أيها الذين هادوا إن ~~زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين* ولا ~~يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم ) [الجمعة : 6 و7]. وذلك أنهم ادعوا الولاية ~~، وكان من المعلوم أن الوالي يتمنى لقاء وليه ، وكان من المعلوم أنهم لا ~~يتمنون الموت الذي هو سبب اللقاء فلزم ضرورة أنهم ليسوا أولياء لله. وكمال ~~صورة هذا الميزان أن يقال : كل ولي يتمنى لقاء وليه واليهودي ليس يتمنى ~~لقاء ms244 الله فلزم منه أنه ليس بولي لله. وحده أن التمني يوصف به الولي وينفى ~~عن اليهود فيكون الولي واليهودي متباينين لسلب أحدهما عن الآخر فلا يكون ~~الولي يهوديا ولا اليهودي وليا. وأما عياره من الصنجة المعلومة فما عندي ~~أنك تحتاج إليه مع وضوحه ، ولكن إن أردت استظهارا فانظر أنك إذا عرفت أن ~~الحجر جماد ثم عرفت أن الإنسان ليس بجماد كيف يلزمك منه أن تعرف أن الإنسان ~~ليس بحجر لأن الجمادية تثبت للحجر وتنفى عن الإنسان ، فلا جرم أن يكون ~~الإنسان مسلوبا عن الحجر والحجر مسلوبا عن الإنسان فلا الإنسان حجرا ولا ~~الحجر إنسانا. وأما مظنة استعماله في مواضع الغموض فكثير ، وأحد شطري ~~المعرفة معرفة التقديس وهو ما يتقدس عنه الرب تعالى علوا كبيرا وجميع ~~معارفه توزن بهذا الميزان إذ الخليل عليه السلام استعمل هذا الميزان في ~~التقديس ، وعلمنا كيفية الوزن به إذ عرف بهذا الميزان نفي الجسمية عن الله ~~تعالى. وكذلك نقول إن الإله ليس بجوهر متحيز لأن الإله ليس بمعلول وكل ~~متحيز فاختصاصه بحيزه الذي يختص به معلول فيلزم منه أنه ليس بجوهر ، وتقول ~~ليس بعرض لأن العرض ليس بحي عالم والإله حي عالم فليس بعرض ، وكذلك سائر ~~أبواب التقديس تتولد معرفتها أيضا من ازدواج أصلين على هذا الوجه. # أحدهما : أصل سالب مضمونه النفي. # والثاني : أصل موجب مضمونه الإثبات وتتولد منهما معرفة النفي والتقديس. PageV01P189 ### ||| * القول في الميزان الأصغر # قال : قد فهمت هذا أيضا فهما ضروريا فاشرح لي الميزان الأصغر وحده وعياره ~~ومظنة استعماله من الغوامض. # قلت : الميزان الأصغر تعلمناه من الله تعالى حيث علمه محمدا ~~صلى الله عليه وسلم في القرآن ، وذلك في قوله تعالى : ( @QUR@025 وما قدروا ~~الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي ~~جاء به موسى نورا وهدى للناس ) [الأنعام : 91]. ووجه الوزن بهذا الميزان ~~تقول قولهم بنفي إنزال الوحي على البشر قول باطل الازدواج المنتج بين ~~الأصلين : # أحدهما : أن موسى عليه السلام بشر. # والثاني : أن موسى أنزل ms245 عليه الكتاب فيلزم منه بالضرورة قضية خاصة وهو أن ~~بعض البشر أنزل عليه الكتاب وتبطل به الدعوى العامة بأنه لا ينزل كتاب على ~~بشر أصلا. أما الأصل الأول وهو قولنا موسى بشر فمعلوم بالحس ، وأما الثاني ~~وهو أن موسى منزل عليه الكتاب فكان معلوما باعترافهم ، إذ كانوا يخفون بعضه ~~ويظهرون بعضه كما قال تعالى : ( @QUR@03 تبدونها وتخفون كثيرا ) [الأنعام : ~~91]. وإنما ذكر هذا في معرض المجادلة بالأحسن ، ومن خاصية المجادلة أنه ~~يكفي فيه أن يكون الأصلان مسلمين من الخصم مشهورين عنده ، وإن أمكن الشك ~~فيه لغيره فإن النتيجة تلزمه إذ كان هو معترفا به ، وأكثر أدلة القرآن تجري ~~على هذا الوجه ، فإن صادفت من نفسك إمكان الشك في بعض أصولها ومقدماتها ، ~~فاعلم أن المقصود بها محاجة من لم يشك فيه. وأما أنت فالمقصود في حقك أن ~~تعلم منه كيفية الوزن في سائر المواضع ، وأما عيار هذا الميزان أن من يقول ~~لا يتصور أن يمشي الحيوان بغير رجل ، فيعلم منك إذا قلت الحية حيوان والحية ~~تمشي بغير رجل فيلزم منه أن بعض الحيوان يمشي بغير رجل ، وأن قول من يقول ~~لا يمشي الحيوان إلا برجل قول باطل منقوض وأما موضع استعماله من الغوامض ~~فكثير ، فإن بعض الناس مثلا يقول كل كذب فهو قبيح لعينه فنقول من رأى نبيا ~~من الأنبياء أو وليا من الأولياء قد اختفى من ظالم فسأله الظالم عن موضعه ~~فأخفاه فقوله هل هو كذب ، قال : نعم ، قلنا : فهل هو قبيح ، قال : لا بل ~~القبيح الصدق المفضي إلى هلاكه فنقول له : انظر إلى الميزان فإنا نقول قوله ~~في إخفاء محله كذب فهو أصل معلوم ، وهذا القول ليس بقبيح وهو الأصل الثاني ~~، فيلزم منه أن كل كذب ليس بقبيح فتأمل الآن هل يتصور الشك في هذه النتيجة ~~بعد الاعتراف بالأصلين ، وهل هذا أوضح مما ذكرته من المقدمة التجريبية ~~والحسية بعد الاعتراف بالأصلين ، وهل هذا أوضح مما ذكرته من المقدمة ~~التجريبية والحسية في معرفة ميزان التقديس ، وأما حد هذا الميزان فهو أن كل ms246 ~~وصفين اجتمعا على شيء واحد فبعض آحاد الوصفين لا بد أن يوصف بالآخر ~~بالضرورة ولا يلزم أن يوصف بأنه كله لزوما ضروريا ، بل قد يكون في بعض ~~الأحوال وقد لا يكون فلا يوثق. ألا ترى أن الإنسان يجتمع عليه الوصف بأنه ~~حيوان وأنه جسم فيلزم منه بالضرورة أن بعض الجسم حيوان ولا يلزم PageV01P190 # منه. إن كل جسم حيوان ولا يغرنك إمكان وصف كل حيوان بأنه جسم فإن وصف كل ~~وصف بالآخر إذا لم يكن ضروريا في كل حال لم تكن المعرفة الحاصلة به ضرورية. ~~ثم قال الرفيق : قد فهمت هذه الموازين الثلاثة ، ولكن لم خصصت الأول باسم ~~الأكبر والثاني بالأوسط والثالث بالأصغر؟ # قلت : لأن الأكبر هو الذي يتسع لأشياء كثيرة ، والأصغر خلافه ، والأوسط ~~بينهما والميزان الأول أوسع الموازين إذ يمكن أن تستفاد منه المعرفة ~~بالإثبات العام والإثبات الخاص والنفي العام والنفي الخاص ، فقد أمكن أن ~~يوزن به أربعة أجناس من المعارف ، وأما الثاني فلا يمكن أن يوزن به إلا ~~النفي ولكن يوزن به النفي العام والخاص جميعا. وأما الثالث فلا يوزن به إلا ~~الخاص كما ذكرت لك أنه يلزم منه أن بعض أحد الوصفين يوصف به الآخر ~~لاجتماعهما على شيء واحد وما لا يتسع إلا للحكم الواحد الجزئي فهو أصغر لا ~~محالة. نعم وزن الحكم العام به من موازين الشيطان وقد وزن به أهل التعليم ~~بعض معارفهم وألقاه في أمنية الخليل صلوات الله عليه وسلامه في قوله : ( ~~@QUR@04 هذا ربي هذا أكبر ) [الأنعام : 79]. وسأتلو عليك قصته بعد هذا إن ~~شاء الله. ### ||| * القول في ميزان التلازم # قال : فاشرح لي ميزان التلازم فقد فهمت الأقسام الثلاثة من موازين ~~التعادل. # قلت : هذا الميزان مستفاد من قوله تعالى : ( @QUR@07 لو كان فيهما آلهة ~~إلا الله لفسدتا ) [الأنبياء: 22]. ومن قوله تعالى : ( @QUR@013 قل لو كان ~~معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا ) [الإسراء : 42]. ومن ~~قوله تعالى : ( @QUR@06 لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها ) [الأنبياء : 99]. ~~وتحقيق صورة هذا أصل آخر ، فيلزم عنهما تقول : لو كان للعالم إلهان ms247 لفسد ، ~~فهذا أصل. ومعلوم أنه لم يفسد وهذا أصل آخر ، فيلزم عنهما نتيجة ضرورية وهي ~~نفي أحد الإلهين ، ولو كان مع ذي العرش آلهة لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا ، ~~ومعلوم أنهم لم يبتغوا فيلزم نفي آلهة سوى ذي العرش ، وأما عيار هذا ~~الميزان بالصنجة المعلومة قولك : إن كانت الشمس طالعة فالكواكب خفية. وهذا ~~يعلم بالتجربة ، ثم نقول : ومعلوم أن الشمس طالعة وهذا يعلم بالحس فيلزم ~~منه أن الكواكب خفية ، وتقول إن لم يأكل فلان فهو شبعان وهو يعلم بالتجربة ~~، ثم تقول ومعلوم أنه أكل وهذا يعلم بالحس فيلزم من الأصل التجريبي والأصل ~~الحسي بالضرورة أنه غير شبعان ، وأما موضع استعماله في الغوامض فكثير حتى ~~يقول الفقيه إن كان بيع الغائب صحيحا فيلزم بتصريح الإلزام ، ومعلوم أنه لا ~~يلزم بتصريح الإلزام فيلزم منه أن ليس بصحيح ، ويعلم الأصل الأول ~~بالاستقراء الشرعي المفيد للظن وإن لم يفد العلم ، والثاني بتسليم الخصم ~~ومساعدته ونقول في النظريات إن كان صنعة العالم وتركيب الآدمي مرتبا عجيبا ~~محكما فصانعه عالم وهذا في العقل أولى ، ومعلوم أنه عجيب مرتب وهذا مدرك ~~بالعيان فيلزم منه أن صانعه عالم ، ثم نترقى. فنقول : إن كان صانعه عالما ~~فهو حي ومعلوم بالميزان الأول أنه عالم فيلزم منه أنه حي ، ثم نقول إن كان ~~حيا عالما فهو قائم بنفسه وليس بعرض ، ومعلوم PageV01P191 # الميزانين السابقين الأولين أنه حي عالم فيلزم منه أنه قائم بنفسه ، ~~وكذلك تعرج من صفة تركيب الآدمي إلى صفة صانعه وهو العلم ، ثم تعرج من ~~العلم إلى الحياة ، ثم منها إلى الذات وهذا هو المعراج الروحاني ، وهذه ~~الموازين سلالم العروج إلى السماء ، ثم إلى خالق السماء وهذه الأصول درجات ~~السلالم وأما المعراج الجسماني ، فلا تفي به كل قوة بل يختص ذلك بقوة ~~النبوة. وأما حد هذا الميزان فإن كل ما هو لازم للشيء فهو تابع له في كل ~~حال ، فنفي اللازم يوجب بالضرورة نفي الملزوم ، ووجود الملزوم يوجب ~~بالضرورة وجود اللازم ، أما نفي الملزوم ووجود اللازم فلا نتيجة لهما ، بل ms248 ~~هما من موازين الشيطان وقد يزن به بعض أهل التعليم معرفته ، أما ترى أن صحة ~~الصلاة يلزمها لا محالة كون المصلي متطهرا فلا جرم يصح أن تقول إن كانت ~~صلاة زيد صحيحة فهو متطهر ، ومعلوم أنه غير متطهر وهو نفي اللازم فلزم منه ~~أن صلاته غير صحيحة وهو نفي الملزوم ، وكذلك إن قلت : ومعلوم أن صلاته ~~صحيحة وهذا وجود الملزوم فيلزم منه أنه متطهر وهو وجود اللازم ، أما إن قلت ~~: ومعلوم أنه متطهر فيلزم منه أن صلاته صحيحة فهذا خطأ لأنه ربما بطلت ~~صلاته بعلة أخرى ، فهذا وجود اللازم ولم يدل على وجود الملزوم ، وكذلك إن ~~قلت : ومعلوم أن صلاته ليست بصحيحة فهو إذا كان غير متطهر وهذا خطأ غير ~~لازم لأنه يجوز أن يكون عدم صحة الصلاة لفقدان شرط آخر سوى الطهارة فهذا ~~نفي الملزوم ولم يدل على نفي اللازم. ### ||| * القول في ميزان التعاند # ثم قال : اشرح لي ميزان التعاند واذكر لي من القرآن موضعه وعياره ومحل ~~استعماله. # قلت : أما موضعه من القرآن فقوله في تعليم نبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ( ~~@QUR@017 قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى ~~أو في ضلال مبين ) [سبأ : 24]. فإنه لم يذكر قوله إنا أو إياكم في معرض ~~التسوية والتشكيك ، بل فيه إضمار أصل آخر وهو لسنا على ضلال في قولنا : إن ~~الله يرزقكم من السماء والأرض فإنه الذي يرزق من السماء بإنزال الماء ، ومن ~~الأرض بإنبات النبات فإذا أنتم ضالون بإنكار ذلك وكمال صورة هذا الميزان ~~إنا أو إياكم لعلى ضلال مبين ، وهذا أصل ، ثم نقول : ومعلوم أنا لسنا في ~~ضلال ، وهذا أصل آخر ، فيلزم من ازدواجهما نتيجة ضرورية وهو أنكم في ضلال. ~~وأما عياره من الصنجات المعروفة فهو أن من دخل دارا ليس فيها إلا بيتان ، ~~ثم دخلنا أحدهما فلم نره فيه فنعلم علما ضروريا أنه في البيت الثاني ، وهذا ~~الازدواج من أصلين : أحدهما قوله إنه في أحد البيتين قطعا ، والثاني أنه ~~ليس في هذا البيت ms249 أصلا فيلزم منهما أنه في البيت الثاني ، فإذا نعلم كونه ~~في البيت الثاني تارة بأنه نراه فيه وتارة بأن نرى البيت الثاني خاليا عنه ~~، فإن علمناه برؤيتنا إياه فيه كان علما عيانيا وإن عرفناه بأن لم نره في ~~البيت الثاني كان هذا علما ميزانيا ، ويكون هذا العلم الميزان قطعيا ~~كالعيان ، وأما حد هذا الميزان فهو أن كل ما انحصر في قسمين فيلزم من ثبوت ~~أحدهما نفي الآخر ومن نفي أحدهما ثبوت الآخر ، ولكن بشرط أن تكون القسمة ~~منحصرة لا منتشرة ، PageV01P192 # فالوزن بالقسمة المنتشرة وزن الشيطان وبه وزن بعض أهل التعليم كلامهم في ~~مواضع كثيرة ذكرناها في القواصم ، وفي جواب مفصل الخلاف والكتاب المستظهري ~~وغيرهما من الكتب المستعملة ، وأما موضع استعمال هذا من الغوامض فلا ينحصر ~~ولعل أكثر النظريات تدور عليه ، فإن من أنكر موجودا قديما فنقول له : ~~الموجودات إما أن تكون كلها حادثة أو بعضها حادث وبعضها قديم وهذا حاصر ، ~~لأنه بين النفي والإثبات دائر ، ثم نقول : ومعلوم أن كلها ليست بحادثة ~~فيلزم أن فيها قديما ، فإن قيل : فلم قيل إن كلها ليست حادثة؟ فتقول : لأن ~~كلها لو كانت حادثة لكان حدوثها بأنفسها من غير سبب ، فبطل أن تكون كلها ~~حادثة فثبت أن فيها موجودا قديما ، ونظائر استعمال هذا الميزان لا تنحصر. # فقال : قد فهمت بالحقيقة صدق هذه الموازين الخمسة ، ولكن أشتهي أن أعرف ~~معنى ألقابها ولم خصصت الأول بأنه ميزان التعادل ، والثاني بالتلازم ، ~~والثالث بالتعاند؟ # قلت : سميت الأول ميزان التعادل لأن فيه أصلين متعادلين كأنهما كفتان ~~متحاذيتان ، وسميت الثاني ميزان التلازم لأن أحد الأصلين تشتمل على جزءين : ~~أحدهما لازم ، والآخر ملزوم ، كقوله تعالى : ( @QUR@07 لو كان فيهما آلهة ~~إلا الله لفسدتا ) [الأنبياء : 22]. فإن قوله : لفسدتا ، لازم وملزوم قوله ~~: لو كان فيهما آلهة إلا الله ، ولزمت النتيجة من نفي اللازم. وسميت الثالث ~~ميزان التعاند لأنه رجع إلى حصر قسمين بين النفي والإثبات يلزم من ثبوت ~~أحدهما نفي الآخر ومن نفي أحدهما ثبوت الآخر فبين القسمين تعاند وتضاد. # فقال : هذه الأسامي أنت ms250 ابتدعتها وهذه الموازين أنت انفردت باستخراجها أم ~~سبقت إليها؟ # قلت : أما هذه الأسامي فإني ابتدعتها ، وأما الموازين فأنا استخرجتها من ~~القرآن ، وما عندي أني سبقت إلى استخراجها من القرآن ، لكن أصل الموازين قد ~~سبق استخراجها ولها عند مستخرجها من المتأخرين أسماء أخرى سوى ما ذكرته ، ~~وعند بعض الأمم السابقة على بعثة محمد وعيسى صلى الله عليهما وسلم أسامي ~~أخر ، كانوا قد تعلموها من صحف إبراهيم وموسى عليهما الصلاة والسلام ، ولكن ~~بعثني على إبدال كسوتها بأسامي أخر غير ما سموها به ما عرفت من ضعف قريحتك ~~وطاعة نفسك إلى الأوهام ، فإني رأيتك من الاعتزاز بالظواهر بحيث لما سقيت ~~عسلا أحمر في قارورة حجام لم تطق تناوله لنفور طبعك عن المحجمة وضعف عقلك ~~عن أن يعرفك أن العسل ظاهر في أي زجاجة كان ، بل ترى التركي يلبس المرقعة ~~والدراعة فتحكم عليه بأنه صوفي أو فقيه ولو لبس الصوفي القباء والقلنسوة ~~حكم عليه وهمك بأنه تركي فأبدا يتحرك وهمك إلى ملاحظة غلاف الأشياء دون ~~اللباب ، وكذلك لا تنظر إلى القول من نفس القول وذاته بل من حسن صنعته أو ~~حسن ظنك بقائله ، فإذا كانت عبارته مستكرهة عندك أو قائله قبيح الحال في ~~اعتقادك رددت القول وإن كان في نفسه حسنا وحقا ، فلو قيل لك : قل لا إله ~~إلا الله عيسى رسول الله نفر عن ذلك طبعك ، وقلت : هذا قول النصارى فكيف ~~أقوله ، ولم يكن لك من العقل ما تعرف به أن هذا القول في نفسه حق وأن ~~النصراني ما مقت لهذه PageV01P193 # الكلمة ولا لسائر الكلمات بل لكلمتين فقط ، إحداهما قوله : الله ثالث ~~ثلاثة ، والثانية قوله : محمد ليس برسول الله وسائر أقواله وراء ذلك حق ، ~~فلما رأيتك ورأيت رفقاءك من أهل التعليم ضعفاء العقول لا تخدعهم إلا ~~الظواهر نزلت إلى حدك فسقيتك الدواء في كوز الماء وسقتك به إلى الشفاء ~~وتلطفت بك تلطف الطبيب بمريضه ، ولو ذكرت لك أنه دواء وعرضته في قدح الدواء ~~لكان يشمئز عن قبوله طبعك ولو قبلته لكنت تتجرعه ولا ms251 تكاد تسيغه فهذا غرضي ~~في إبدال تلك الأسامي وإبداع هذه يعرفه من يعرفه ، ويجهله من يجهله ، ~~وينكره من ينكره. # فقال : لقد فهمت هذا كله ، ولكن أين ما كنت وعدت به من أن هذا الميزان له ~~كفتان وعمود واحد تتعلق به الكفتان جميعا ، ولست أرى في هذا الميزان الكفة ~~والعمود ، وأين ما ذكرته من الموازين التي هي أشبه بالقبان؟ # قلت : هذه المعارف الست قد استفدتها من أصلين فكل أصل كفة والجزء المشترك ~~بين الأصلين الداخل فيهما عمود ، وأضرب لك مثالا من الفقهيات فلعله أقرب ~~إلى فهمك ، فأقول : قولنا : كل مسكر حرام كفة. وقولنا : كل نبيد مسكر كفة ~~أخرى ، والنتيجة أن كل نبيذ حرام فههنا في الأصلين ثلاثة أمور فقط : النبيذ ~~والمسكر والحرام. أما النبيذ فإنه يوجد في أحد الأصلين فقط فهو كفة ، وأما ~~الحرام فيوجد في الأصل الثاني فقط فهو الكفة الثانية ، وأما المسكر فمذكور ~~في الأصلين جميعا وهو مكرر فيهما مشترك بينهما فهو العمود ، والكفتان ~~متعلقان به إذ يتعلق به أحدهما ويتعلق الموصوف بالصفة ، وهو قولك كل نبيذ ~~مسكر فإن النبيذ موصوف بالمسكر والأخرى متعلقة لتعلق الصفة بالموصوف وهو ~~قولك. وكل مسكر حرام ، فتأمل ذلك حتى تعرف فإن فساد هذا الميزان تارة يكون ~~من الكفة ، وتارة يكون من العمود ، وتارة يكون من تعلق الكفة بالعمود على ~~ما أنبهك على رمز يسير منه في ميزان الشيطان ، وأما المشبه بالقبان فهو ~~ميزان التلازم إذ أحد طرفيه أطول من الآخر كثيرا ، فإنك تقول لو كان بيع ~~الغائب صحيحا للزم بصريح الإلزام وهذا أصل طويل مشتمل على جزءين : لازم ~~وملزوم ، والثاني وهو قولك وليس يلزم بصريح الإلزام وهذا أصل آخر أقصر منه ~~فكان أشبه بالرمانة القصيرة المقابلة لكفة القبان، وأما ميزان التعادل ~~فتتعادل فيه كفتان ليست إحداهما أطول من الأخرى ، بل كل واحدة منهما تشتمل ~~على صفة وموصوف فقط ، فافهم هذا مع ما عرفتك من أن الميزان الروحاني لا ~~يكون كالميزان الجسماني بل يناسبه مناسبة ما ، ولذلك يمكن تشبيهه بتولد ~~النتيجة من ازدواج الأصلين ms252 إذ يجب أن يدخل شيء من أحد الأصلين في الآخر وهو ~~المكسر الموجود في الأصلين حتى تتولد النتيجة ، فإن لم يدخل جزء من أحد ~~الأصلين في الآخر لم تتولد نتيجة كما لم تتولد من قولك كل مسكر حرام وكل ~~مغصوب مضمون نتيجة أصلا وهما أصلان ، لكن لم يجر بينهما نكاح وازدواج إذ ~~ليس يدخل جزء من أحدهما في الآخر ، وإنما النتيجة تتولد من الجزء المشترك ~~الداخل من أحدهما في الآخر وهو الذي سميناه PageV01P194 # عمود الميزان ، ولو فتح لك باب الموازنة بين المحسوس والمعقول لانفتح لك ~~باب عظيم في معرفة الموازنة بين عالم الملك والشهادة ، وبين عالم الغيب ~~والملكوت وتحته أسرار عظيمة ، من لم يطلع عليها حرم الاقتباس من أنوار ~~القرآن والتعلم منه ولم يحط من علمه إلا بالقشور ، فكما أن في القرآن ~~موازين كل العلوم فكذلك فيه مفاتيح كل العلوم كما أشرت إليه في كتاب (جواهر ~~القرآن) فاطلبه منه وليست الموازنة بين عالم الملك والشهادة وعالم الغيب ~~والملكوت ، إلا بما يتجلى بعضه في المنام من الحقائق المعنوية في الأمثلة ~~الخيالية ، لأن الرؤيا جزء من النبوة وفي عالم النبوة يتجلى تمام الملك ~~والملكوت ، ومثاله من النوم رجل رأى في منامه كأن في يده خاتما يختم به ~~أفواه الرجال وفروج النساء فقص رؤياه على ابن سيرين ، فقال : إنك مؤذن تؤذن ~~في رمضان قبل الصباح ، فقال : هو كذلك ، فانظر الآن لم تجل له حاله من عالم ~~الغيب في هذا المثال ، واطلب الموازنة بين هذا المثال والأذان قبل الصبح في ~~رمضان ، وربما يرى هذا المؤذن نفسه يوم القيامة وفي يده خاتم من نار ويقال ~~له هذا هو الخاتم الذي كنت تختم به أفواه الرجال وفروج النساء ، فيقول : ~~والله ما فعلت هذا. فيقال : نعم كنت تفعله ولكن تجهله لأن هذا روح فعلك ولا ~~تتجلى حقائق الأشياء وأرواحها إلا في عالم الأرواح ويكون الروح في غطاء من ~~الصور في عالم التلبيس عالم الحس والخيال. والآن قد كشفنا عنك غطاءك فبصرك ~~اليوم حديد ، وكذلك يفتضح كل من ms253 ترك حدا من حدود الشرع ، وإن أردت له حقيقة ~~فاطلبه من باب حقيقة الموت في الإحياء أو من كتاب جواهر القرآن ، فترى فيه ~~العجائب ، وأطل التأمل فيه فعساك تنفتح لك باب رؤيته إلى عالم الملكوت ~~تسترق منها السمع ، فإني ما أراك ينفتح لك بابها وأنت إنما تنتظر معرفة ~~الحقائق من معلم غائب لا تراه ، ولو رأيته لوجدته أضعف منك في المعرفة ~~كثيرا فخذها ممن سافر وتعرف وبحث فعلى الخبير سقطت فيه. # فقال : هذا الآن حديث آخر يطول بيني وبينك اللجاج فيه ، فإن هذا المعلم ~~الغائب وإن كنت لم أر منظره فقد سمعت خبره كالليث إن لم أره فقد رأيت أثره ~~ولقد رأيت والدتي إلى أن ماتت ومولانا صاحب قلعة الموت يثنيان عليه ثناء ~~بالغا حتى قالا إنه المطلع على كل ما يجري في العالم ولو على ألف فرسخ ، ~~أفأكذب والدتي وهي العجوز العفيفة السيرة أو مولانا وهو الإمام الحسن ~~السيرة والسريرة ، كلا بل هما شاهدان صادقان كيف وقد طابقهما على ذلك جميع ~~رفقائي من أهل دامغان وأصبهان ولهم الأمر المطاع وفي حكمها سكان القلاع ، ~~أفترى أنهم منخدعون وهم الأذكياء أو متنمسون وهم الأتقياء؟ هيهات هيهات دع ~~عنك الغيبة ، فإن مولانا يطلع على ما يجرى بيننا من غير ريبة إذ لا يعزب ~~عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء فأخشى أن أتعرض لمقته بمجرد السماع ~~والإصغاء فاطو طومار الهذيان وارجع إلى حديث الميزان واشرح لي ميزان ~~الشيطان وكيفية وزن أهل التعليم به. PageV01P195 ### ||| ** القول في موازين الشيطان وكيفية وزن أهل التعليم بها # فقلت : اسمع الآن يا مسكين شرح ميزان رفقائك فإنك بعد غلوائك ، واعلم أن ~~كل ميزان ذكرته من موازين القرآن فللشيطان في جانبه ميزان ملصق به يمثله ~~بالميزان الحق ليوزن به ، فيغلط لكن الشيطان إنما يدخل من موقع الثلم ، فمن ~~سد الثلم وأحكمها أمن الشيطان. ومواقع ثلمه عشرة قد جمعتها وشرحتها في كتاب ~~النظر وكتاب معيار العلم إلى غير ذلك من الدقائق في شروط الميزان لم أذكرها ~~الآن لقصور فهمك ms254 عن إدراكها ، فإن أردت معاقد حملها ألفيتها في كتاب المحك ~~، وإن أردت شرح تفاصيلها وجدتها في كتاب المعيار ، لكن أقدم الآن أنموذجا ~~واحدا وذلك هو الذي ألقاه الشيطان في خاطر إبراهيم الخليل عليه السلام إذ ~~قال الله تعالى : ( @QUR@024 وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا ~~تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله ~~آياته ) [الحج : 52]. وإنما ذلك في مبادرته إلى الشمس وقوله : هذا ربي هذا ~~أكبر ، لأجل أنه أكبر أراد أن يخدعه به ، وكيفية الوزن به أن الإله هو ~~الأكبر ، فهذا أصل معلوم الاتفاق والشمس هي أكبر من الكواكب وهذا أصل آخر ~~معلوم بالحس ، فيلزم منه أن الشمس إله وهي النتيجة وهذا ميزان ألصقه ~~الشيطان بالميزان الأصغر من موازين التعادل لأن الأكبر وصف وجد للإله ووجد ~~للشمس ، فيوهم أن أحدهما يوصف بالآخر وهو عكس الميزان الأصغر ، وحد ذلك ~~الميزان أن يوجد شيئان لشيء واحد لا أن يوجد شيء واحد لشيئين فإنه إن وجد ~~شيئان لشيء واحد وصف بعض أحدهما بالآخر كما سبق ذكره. أما إذا وجد شيء واحد ~~لشيئين فلا يوصف أحد الشيئين بالآخر ، فانظر كيف يلبس الشيطان بالعكس. ~~وعيار هذا الميزان الباطل من الصنجة الظاهرة البطلان اللون فإنه يوجد ~~للسواد والبياض جميعا ، ثم لا يلزم أن يوصف البياض بالسواد أو السواد ~~بالبياض ، بل لو قال قائل : البياض لون والسواد لون فيلزم منه أن السواد ~~بياض ، كان خطأ باطلا ، فكذلك قوله الإله أكبر والشمس أكبر فالشمس إله ، ~~فهذا خطأ إذ يجوز أن يوصف المتضادان بوصف واحد ، فاتصاف شيئين بوصف واحد لا ~~يوجد بين الشيئين اتصالا. أما اتصاف شيء واحد بشيئين فيوجب بين الوصفين ~~اتصالا وكل من فهمه أدرك التفرقة بين اتصاف شيء واحد بشيئين وبين اتصاف ~~شيئين بشيء واحد. # فقال : قد اتضح لي بطلان هذا ، لكن متى وزن أهل التعليم كلامهم به؟ # قلت : وزنوا به كلاما كثيرا أشح على أوقاتي أن أضيعها بحكايته ، لكن أريك ~~أنموذجا واحدا ، فلقد سمعت كثيرا من قولهم ms255 إن الحق مع الوحدة والباطل مع ~~الكثرة ، ومذهب الرأي يفضي إلى الكثرة ، ومذهب التعليم يفضي إلى الوحدة ~~فيلزم أن يكون الحق في مذهب التعليم. # قال : نعم سمعت هذا كثيرا واعتقدت هذا برهانا وأعرفه برهانا قاطعا لا أشك فيه. # فقلت : هذا ميزان الشيطان فانظر كيف انتكس رفقاؤك واستعملوا قياس الشيطان ~~وميزانه في إبطال ميزان الخليل صلوات الله عليه وسلامه وسائر الموازين. PageV01P196 # قال : وما وجه تخريجه عليه؟ # فقلت : الشيطان إنما يلبس في الموازين بتكثير الكلام فيه وتشويشه حتى لا ~~يعلم منه موضع التلبيس وهذا كلام كثير حاصله يرجع إلى أن الحق يوصف بالوحدة ~~، فهذا أصل وأن مذهب التعليم يوصف بالوحدة فهذا أصل آخر ، فلزم منه أن مذهب ~~التعليم يوصف بالوحدة وصف واحد بالحق لأن الوحدة في شيء واحد فاتصف به ~~شيئان ، فيجب اتصاف أحد الشيئين بالآخر كقول القائل : اللون وصف واحد اتصف ~~به البياض والسواد جميعا فيلزم اتصاف البياض بالسواد ، وكقول الشيطان : ~~الأكبر وصف واحد يتصف به الإله والشمس فيلزم منه أن تتصف الشمس بالإله فلا ~~فرق بين هذه الموازين الثلاثة. أعني وجود اللون للسواد والبياض ووجود ~~الأكبر للإله والشمس ووجود الوحدة للتعليم والحق ، فتأمل لتفهم ذلك. # فقال : قد فهمت هذا قطعا ولكني لا أقنع بمثال واحد فاذكر لي مثالا آخر من ~~موازين رفقائي ليزداد قلبي سكونا إلى معرفة انخداعهم بموازين الشيطان. # قلت : أما سمعت قولهم إن الحق إما أن يعرف بالرأي المحض أو بالتعليم ~~المحض ، وإذا بطل أحدهما ثبت الآخر وباطل أن يكون مدركا بالرأي العقلي ~~المحض لتعارض العقول والمذاهب فثبت أنه بالتعليم. # فقال : إي والله قد سمعت ذلك كثيرا وهو مفتاح دعوتهم وعنوان حجتهم. # قلت : فهذا وزن بميزان الشيطان الذي ألصقه بميزان التعاند ، فإن إبطال ~~أحد القسمين ينتج ثبوت الآخر ، ولكن بشرط أن تكون القسمة منحصرة لا منتشرة ~~، والشيطان يلبس المنتشرة بالمنحصرة ، فهذه منتشرة إذ ليست دائرة بين النفي ~~والإثبات ، بل يمكن بينهما قسم ثالث وهو أن يدرك بالعقل والتعليم جميعا ~~وعياره من الصنجات المعلوم بطلانها قول القائل : الألوان لا ms256 تدرك بالعين بل ~~بنور الشمس. فقلنا : لم؟ فقال : لا تخلو إما أن تدرك بالعين أو بنور الشمس ~~وباطل أن تدرك بالعين لأنه لا يدرك بالليل فثبت أنه يدرك بنور الشمس ، ~~فيقال له : يا مسكين ثم قسم ثالث وهو أن يدرك بالعين ولكن عند نور الشمس. # فقال : قد فهمت هذا أيضا لكن أريد أن تزيدني شرحا للغلط الواقع في ~~الأنموذج الأول وهو حديث الحق والواحدة ، فإن التفطن لموضع الغلط منه لطيف جدا. # قلت : وجه الغلط ما ذكرت وهو التباس اتصاف شيء واحد بشيئين باتصاف شيئين ~~بشيء واحد ، ولكن أصل هذا الغلط إيهام العكس ، فإن من علم أن كل واحد حق ~~ربما يظن أن كل حق واحد وليس يلزم هذا العكس بل اللازم منه عكس خاص ، وهو ~~أن بعض الواحد حق فإن قولك : كل إنسان حيوان لا يلزم منه عكس عام وهو أن كل ~~حيوان إنسان بل اللازم أن بعض الحيوان إنسان ولا يستولي الشيطان بحيله على ~~الضعفاء بأشد وأكثر من تحيله بإيهام العكس PageV01P197 # العام حتى ينتهي إلى المحسوسات حتى أن من رأى حبلا أسود مبرقش اللون ~~يرتاع منه لشبهه بالحية وسببه معرفته أن كل حية فطويل متبرقش اللون فيسبق ~~وهمه إلى عكسه العام ، ويحكم بأن كل طويل متبرقش اللون فهو حية فيظن منه ~~عكسا عاما ، وهو أن كل طويل متبرقش اللون أسود فهو حية ، وإنما اللازم منه ~~عكس خاص وهو أن بعض الطويل المتبرقش حية لا أن كله كذلك ، وفي العكس ~~والنقيض دقائق كثيرة لا تفهمها إلا من كتاب محك النظر ومعيار العلم. # فقال : إني أجد بكل مثال تذكره طمأنينة أخرى لمعرفة موازين الشيطان فلا ~~تبخل علي بمثال آخر من موازين الشيطان. # قلت : إن فساد ذلك الميزان تارة يكون من سوء التركيب بأن لا يكون تعلق ~~الكفتين بالعمود تعلقا مستقيما وتارة يكون من نفس الكفة وفساد طينتها التي ~~منها اتخذت فإنها إما أن تتخذ من حديد أو نحاس أو جلد حيوان ، فلو اتخذت من ~~الثلج أو القطن لم يمكن الوزن به. ms257 والسيف تارة يفسد لخلل شكله بأن يكون على ~~هيئة العصا غير معترض ولا حاد ، وتارة يكون من فساد طينته ومادته التي منها ~~اتخذ بأن يكون متخذا من خشب أو طين ، وكذلك ميزان الشيطان قد يكون فساده ~~لفساد تركيبه كما ذكرته في مثال كبر الشمس ووحدة الحق فإن صورتهما مختلة ~~معكوسة كالذي يجعل الكفتين فوق العمود فيريد أن يزن به ، وتارة يكون لفساد ~~المادة كقول إبليس : أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين في جواب قوله ~~تعالى : ( @QUR@012 ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من ~~العالين ) [ص : 75]. وقد أدرج إبليس في هذا ميزانين إذ علل منع السجود ~~بكونه خيرا منه ثم أثبت الخيرية بأنه خلق من نار ، وإذا صرح بجميع أجزاء ~~حجته وجد ميزانه مستقيم التركيب لكن فاسد المادة ، وكمال صورته أن يقول ما ~~خلق من نار خير والخير لا يسجد فأنا إذا لا أسجد فكلا أصلي هذا القياس ~~ممنوع لأنه غير معلوم ، والعلوم الخفية توزن بالعلوم الجلية وما ذكره غير ~~جلي ولا مسلم إذ نقول له : نسلم أنك خير منه وهذا منع الأصل الأول ، والآخر ~~أنا لا نسلم أن الخير لا يلزمه السجود لأن اللزوم والاستحقاق بالأمر لا ~~بالخيرية ، لكن ترك إبليس الدلالة على الأصل الثاني وهو أن اللزوم ~~والاستحقاق بالأمر لا بالخيرية واشتغل بإقامة الدليل على أنه خير : لأني ~~خلقت من نار. وهذه دعوى الخيرية بالنسب وكمال صورة دليله وميزانه أن يقول ~~المنسوب إلى الخير خير ، وأنا منسوب إلى الخير فإذا أنا خير ، وكلتا هاتين ~~الكفتين أيضا فاسدة فإنا لا نسلم أن المنسوب إلى الخير خير بل الخيرية ~~بصفات الذات لا بالنسب ، فيجوز أن يكون الحديد خيرا من الزجاج ثم يتخذ من ~~الزجاج بحسن الصنعة ما هو خير من المتخذ من الحديد ، وكذلك نقول إبراهيم ~~صلوات الله عليه خير من ولد نوح وإن كان إبراهيم مخلوقا من آزر وهو كافر ~~وولد نوح من نبي. وأما أصله الثاني وهو أنه مخلوق من خير لأن النار ms258 خير من ~~الطين فهذا أيضا غير مسلم بل الطين خير لأنه من التراب والماء ، وربما يقال ~~إن بامتزاجهما قوام الحيوان PageV01P198 # والنبات وبهما يحصل النشوء والنمو ، وأما النار فمفسدة ومهلكة للجميع ~~فقوله إن النار خير باطل. فهذه الموازين صحيحة الصورة فاسدة المادة تشبيها ~~بالسيف المتخذ من الخشب بل هي كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه ~~لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه ، وكذا يرى أهل التعليم أحوالهم ~~يوم القيامة إذا كشفت لهم حقائق موازينهم وهذا أيضا مدخل من مداخل الشيطان ~~ينبغي أن يسد ، بل المادة الصحيحة التي تستعمل في النظر كل أصل معلوم قطعا ~~إما بالحس ، وإما بالتجربة ، وإما بالتواتر الكامل أو بأول العقل أو ~~بالاستنتاج من هذه الجملة. أما الذي يستعمل في المحاجة والمجادلة فما يعترف ~~به الخصم ويسلمه وإن لم يكن معلوما في نفسه فإنه تصير حجته عليه وكذلك تجري ~~بعض أدلة القرآن ، فلا ينبغي أن ننكر أدلة القرآن إذا أمكنك التشكيك في ~~أصولها لأنها أورت على طوائف كانوا معترفين بها. ### ||| * القول في الاستغناء بمحمد صلى الله عليه وسلم وبعلماء ### ||| * أمته عن إمام معصوم آخر وبيان معرفة صدق محمد صلى الله عليه وسلم ### ||| * بطريق أوضح من النظر في المعجزات وأوثق ### ||| * منه وهو طريق العارفين # فقال : لقد أكملت الشفاء وكشفت الغطاء وأتيت باليد البيضاء لكن بنيت قصرا ~~وهدمت مصرا ، فإني إلى الآن كنت أتوقع أن أتعلم منك الوزن بالميزان وأستغني ~~بك وبالقرآن عن الإمام المعصوم فالآن إذ ذكرت هذه الدقائق في مداخل الغلط ~~فقد آيست من الاستقلال به ، فإني لا آمن أن أغلط لو اشتغلت بالوزن وقد عرفت ~~الآن لم اختلف الناس في هذه المذاهب وذلك لأنهم لم يتفطنوا لهذه الدقائق ~~كما فطنت ، فغلط بعضهم وأصاب بعضهم ، فإذا أقرب الطرق لي أن أعول على ~~الإمام المعصوم حتى أتخلص من هذه الدقائق. # فقلت : يا مسكين ، معرفتك بالإمام الصادق ليست ضرورية فهي إما أن تكون ~~تقليدا للوالدين أو موزونة بشيء من هذه الموازين فإن كل علم ليس أوليا ~~فبالضرورة ms259 يكون حاصلا عند صاحبه بقيام هذه الموازين في نفسه وإن كان هو لا ~~يشعر به ، فإنك عرفت صحة ميزان التقدير بانتظام الأصلين في ذهنك التجريبي ~~والحسي ، وكذلك سائر الناس وهم لا يشعرون به ومن يعرف مثلا أن هذا الحيوان ~~غير حامل لأنه بغل عرفه بانتظام الأصلين اللذين ذكرناهما في صدر الكتاب وإن ~~كان لا يشعر بمصدر علمه. وكذلك كل علم في العالم يحصل للإنسان فيكون كذلك ~~فأنت إن أخذت اعتقاد العصمة في الإمام الصادق بل في محمد صلى الله عليه وسلم ~~تقليدا للوالدين والرفقاء لم تتميز عن اليهود والنصارى والمجوس ، فإنهم ~~كذلك فعلوا. وإن أخذته من الوزن بشيء من هذه الموازين فلعلك غلطت في دقيقة ~~من دقائقه فينبغي على زعمك أن لا تثق به. PageV01P199 # فقال : صدقت ، فأين الطريق فلقد سددت علي طريق التعليم والوزن جميعا. # قلت : هيهات راجع القرآن فقد علمك الطريق ، إذ قال تعالى : ( @QUR@012 إن ~~الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ) [الأعراف : ~~201]. ولم يقل سافروا إلى الإمام المعصوم فإذا هم مبصرون فأنت تعلم أن ~~المعارف كثيرة فلو ابتدأت في كل مشكلة سفرا إلى الإمام المعصوم بزعمك طال ~~عناؤك وقل علمك ، لكن طريقك أن تتعلم مني كيفية الوزن وتستوفي شروطه فإن ~~أشكل عليك شيء عرضته على الميزان وتفكرت في شروطه بفكر صاف وجد واف فإذا ~~أنت مبصر وهذا كما لو حسبت ما للبقال عليك أو لك عليه أو قسمت في مسألة من ~~مسائل الفرائض وشككت في الإصابة والخطأ فيطول عليك أن تسافر إلى الإمام ~~المعصوم ، ولكن تحكم علم الحساب وتتذكره ولا تزال تعاوده مرة بعد أخرى حتى ~~تستيقن قطعا أنك ما غلطت في دقيقة من دقائقها وهذا يعرفه من يعرف علم ~~الحساب ، وكذلك من يعرف الوزن به كما أعرفه فينتهي به التذكر والتفكر ~~والمعاودة مرة بعد أخرى إلى اليقين الضروري بأنه ما غلط ، فإن لم تسلك هذه ~~الطريق لم تفلح قط وصرت تشكك بلعل وعسى ولعلك قد غلطت في تقليدك لإمامك بل ~~للنبي الذي آمنت ms260 به فإن معرفة صدق النبي صلى الله عليه وسلم ليست ضرورية. # فقال : لقد ساعدتني على أن التعليم حق ، وأن الإمام هو النبي ~~صلى الله عليه وسلم واعترفت بأن كل واحد لا يمكنه أن يأخذ العلم من النبي ~~صلى الله عليه وسلم دون معرفة الميزان ، وأنه لا يمكنه معرفة تمام الميزان إلا ~~منك فكأنك ادعيت الإمامة لنفسك خاصة ، فما برهانك ومعجزتك ، فإن إمامي إما ~~أن يقيم معجزة وإما أن يحتج بالنص المتعاقب من آبائه إليه ، فأين نصك وأين ~~معجزتك؟ # فقلت : أما قولك : إنك تدعي الإمامة لنفسك خاصة ، فليس كذلك فإني أرجو أن ~~يشاركني غيري في هذه المعرفة فيمكن أن يتعلم منه كما يتعلم مني فلا أجعل ~~التعليم وقفا على نفسي. وأما قولك : تدعي الإمامة لنفسك ، فاعلم أن الإمام ~~قد نعني به الذي يتعلم من الله تعالى بواسطة جبريل وهذا لا أدعيه لنفسي ، ~~وقد نعني به الذي يتعلم من الله بغير جبريل ومن جبريل بواسطة الرسول ، ~~ولهذا سمي علي رضي الله عنه إماما فإنه تعلم من الرسول لا من جبريل ، وأنا ~~بهذا المعنى أدعي الإمامة لنفسي. أما برهاني عليه فأوضح من النص ومما ~~تعتقده معجزة فإن ثلاثة أنفس لو ادعوا عندك أنهم يحفظون القرآن. # فقلت : ما برهانكم؟ فقال أحدهم : برهاني أنه نص علي الكسائي أستاذ ~~المقرئين إذ نص على أستاذي وأستاذي نص علي فكأن الكسائي نص علي. وقال ~~الثاني : إني أقلب العصا حية فقلب العصا حية. وقال الثالث : برهاني أني ~~أقرأ جميع القرآن بين يديك من غير مصحف ، فليت شعري أي هذه البراهين أوضح ~~عندك وقلبك بأيها أشد تصديقا؟ فقال : بالذي قرأ القرآن فهو غاية البراهين ~~إذ لا يخالجني فيه ريب ، أما نص أستاذه عليه ونص الكسائي على أستاذه فيتصور ~~أن تقع فيه أغاليط لا سيما عند طول الأسفار. وأما قلب العصا حية فلعله فعل ذلك PageV01P200 # بحيلة وتلبيس وإن لم يكن تلبيسا فغايته أنه فعل عجيب ومن أين يلزم أن من ~~قدر على فعل عجيب ينبغي أن يكون حافظا للقرآن. # قلت : فبرهاني ms261 إذا أيضا أني كما عرفت هذه الموازين فقد عرفت وأفهمت وأزلت ~~الشك عن قلبك في صحته فيلزمك الإيمان بإمامتي كما أنك إذا تعلمت الحساب ~~وعلمته من أستاذ فإنه إذا علمك الحساب حصل لك علم بالحساب ، وعلم آخر ضروري ~~بأن أستاذك حاسب وعالم الحساب ، وكذلك فقد علمت من تعليمه علمه وصحة دعواه ~~أيضا في أنه حاسب ، وكذلك آمنت أنا بصدق محمد صلى الله عليه وسلم وصدق موسى ~~عليه السلام لا بشق القمر ولا بقلب العصا حية بمجردها ، فإن ذلك يتطرق إليه ~~حينئذ التباس كثير فلا يوثق به بل من يؤمن بقلب العصا حية يكفر بخوار ~~العجل. فإن التعارض في عالم الحس والشهادة كثير جدا ، لكني تعلمت الموازين ~~من القرآن ثم وزنت بها جميع المعارف الإلهية بل أحوال المعاد. وعذاب القبر ~~وعذاب أهل الفجور وثواب أهل الطاعة ، كما ذكرته في كتاب جواهر القرآن فوجدت ~~جميعها موافقة لما في القرآن ، ولما في الأخبار فتيقنت أن محمدا ~~صلى الله عليه وسلم صادق وأن القرآن حق ، وفعلت كما قال علي رضي الله عنه إذ ~~قال : " لا تعرف الحق بالرجال أعرف الحق تعرف أهله". فكانت معرفتي بصدق ~~النبي صلى الله عليه وسلم ضرورية كمعرفتك إذا رأيت رجلا غريبا يناظر في مسألة ~~من مسائل الفقه ويحسن فيها ويأتي بالفقه الصحيح الصريح ، فإنك لا تتمارى في ~~أنه فقيه ويقينك الحاصل به أوضح من اليقين الحاصل بفقهه لو قلب ألف عصا ~~ثعبانا لأن ذلك يتطرق إليه احتمال السحر والتلبيس والطلسم وغيرها ولا يحصل ~~العلم بالقرآن بينها وبين هذه الأشياء ، وكونها معجزة إلا بعد بحث طويل ~~ونظر دقيق ويحصل به إيمان ضعيف هو إيمان العوام والمتكلمين ، فأما إيمان ~~أرباب المشاهدة الناظرين من مشكاة الربوبية كذلك تكون. # فقال : فأنا أيضا أشتهي أن أعرف النبي صلى الله عليه وسلم كما عرفته ، وقد ~~ذكرت أن ذلك لا يعرف إلا بأن توزن جميع المعارف الإلهية بهذا الميزان وما ~~اتضح عندي أن جميع المعارف الدينية يمكن وزنها بهذه الموازين فيما أعلم ذلك؟ # قلت : هيهات لا ms262 أدعي أني أزن بها المعارف الدينية فقط ، بل أزن بها ~~العلوم الحسابية والهندسية والطبيعية والفقهية والكلامية وكل علم حقيقي غير ~~وضعي ، فإني أميز حقه عن باطله بهذه الموازين ، وكيف لا وهو القسطاس ~~المستقيم والميزان الذي هو رفيق الكتاب والقرآن في قوله تعالى : ( @QUR@011 ~~لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس ~~بالقسط ) [الحديد : 25]. وأما معرفتك بقدرتي على هذا فلا تحصل لا بنص ولا ~~بقلب العصا ثعبانا ، ولكن تحصل بأن تستكشف ذلك تجربة وامتحانا فمدعي ~~الفروسية لا ينكشف صدقه حتى يركب فرسا ويركض ميدانا فسلني عما شئت من ~~العلوم الدينية لأكشف لك الغطاء عن الحق فيه واحدا واحدا وأزنه بهذا ~~الميزان وزنا يحصل لك علم ضروري بأن الوزن صحيح وأن PageV01P201 # العلم المستفاد منه مستيقن ومن لم يجرب لم يعرف. # فقال : وهل يمكنك أن تعرف جميع الحقائق والمعارف الإلهية جميع الخلق ~~فترفع الاختلافات الواقعة بينهم؟ # قلت : هيهات لا أقدر عليه وكان إمامك المعصوم إلى الآن قد رفع الاختلافات ~~بين الخلائق وأزال الإشكالات عن القلوب ، بل الأنبياء متى رفعوا الاختلاف ~~ومتى قدروا عليه بل اختلاف الخلق حكم ضروري أزلي. ولا يزالون مختلفين إلا ~~من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك ، أفأدعي أن أرد قضاء الله الذي قضى ~~به الأزل أو يقدر إمامك أن يدعي ذلك فإن كان يدعيه فلم ادخره إلى الآن ~~والدنيا طافحة بالاختلافات. وليت شعري رئيس الأمة علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه كما سبب رفع الاختلافات بين الخلق أو سبب تأسيس اختلافات لا تنقطع أبد الدهر. ### ||| * القول في طريق نجاة الخلق من ظلمات الاختلافات # فقال : كيف نجاة الخلق من هذه الاختلافات؟ # قلت : أن اصغوا إلي ، رفعت الاختلاف بينهم بكتاب الله تعالى ، ولكن لا ~~حيلة في إصغائهم فإنهم لم يصغوا بأجمعهم إلى الأنبياء ولا إلى إمامك ، فكيف ~~يصغون إلي وكيف يجتمعون على الإصغاء وقد حكم عليهم في الأزل بأنهم لا ~~يزالوا مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ، وكون الخلاف بينهم ضروريا ~~تعرفه من كتاب جواب مفصل الخلاف ms263 وهو الفصول الاثنا عشر. # فقال : فلو أصغوا كيف كنت تفعل؟ قلت : كنت أعاملهم بآية واحدة من كتاب ~~الله تعالى ، إذ قال : ( @QUR@09 وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس ~~بالقسط وأنزلنا الحديد ) [الحديد : 25]. وإنما أنزل هذه الثلاث لأن الناس ~~ثلاثة أصناف وكل واحد من الكتاب والحديد والميزان علاج قوم. # فقال : فمن هم وكيف علاجهم؟ قلت : الناس ثلاثة أصناف عوام وهم أهل ~~السلامة البله وهم أهل الجنة ، وخواص وهم أهل الذكاء والبصيرة ويتولد بينهم ~~طائفة هم أهل الجدل والشغب فيتبعون ما تشابه من الكتاب ابتغاء الفتنة. أما ~~الخواص فإني أعالجهم بأن أعلمهم الموازين القسط وكيفية الوزن بها فيرتفع ~~الخلاف بينهم على قرب وهؤلاء قوم اجتمع فيهم ثلاث خصال : # إحداها : القريحة النافذة والفطنة القوية وهذه عطية فطرية وغريزة جبلية ~~لا يمكن كسبها. # والثانية : خلو باطنهم من تقليد وتعصب لمذهب موروث ومسموع فإن المقلد لا ~~يصغي والبليد وإن أصغى فلا يفهم. # الثالثة : أن يعتقد في أني من أهل البصيرة بالميزان ومن لم يؤمن بأنك ~~تعرف الحساب لا يمكنه أن يتعلم منك. # والصنف الثاني البله : وهم جميع العوام وهؤلاء هم الذين ليس لهم فطنة ~~لفهم الحقائق وإن كانت PageV01P202 # لهم فطنة فطرية فليس لهم داعية الطلب بل شغلتهم الصناعات والحرف وليس ~~فيهم أيضا داعية الجدل بخلاف المتكايسين في العلم مع قصور الفهم عنه. ~~فهؤلاء لا يختلفون ولكن يتخيرون بين الأئمة المختلفين فادعوا هؤلاء إلى ~~الله بالموعظة كما أدعوا أهل البصيرة بالحكمة ، وأدعوا أهل الشغب بالمجادلة ~~وقد جمع الله سبحانه وتعالى هذه الثلاثة في آية واحدة كما تلوته عليك أولا ~~، فأقول لهم ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم لأعرابي جاءه فقال : علمين ~~في غرائب العلم فعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ليس أهلا لذلك ، فقال : ~~وما ذا علمت في رأس العلم أي الإيمان والتقوى والاستعداد للآخرة اذهب فاحكم ~~رأس العلم ثم ارجع لأعلمك من غرائبه. فأقول للعامي : ليس الخوض في ~~الاختلافات من عشك فادرج فإياك أن تخوض فيه أو تصغي إليه فتهلك ، فإنك إذا ms264 ~~صرفت عمرك في صناعة الصياغة لم تكن من أهل الحياكة ، وقد صرفت عمرك في غير ~~العلم ، فكيف تكون من أهل العلم ومن أهل الخوض فيه ، فإياك ثم إياك أن تهلك ~~نفسك فكل كبيرة تجري على العامي أهون من أن يخوض في العلم فيكفر من حيث لا ~~يدري. فإن قال : لا بد من دين أعتقده وأعمل به لأصل به إلى المغفرة والناس ~~مختلفون في الأديان ، فبأي دين تأمرني أن آخذ أو أعول عليه؟ فأقول له : ~~للدين أصول وفروع والاختلاف إنما يقع فيهما ، أما الأصول فليس عليك أن ~~تعتقد فيها إلا ما في القرآن ، فإن الله تعالى لم يستر عن عباده صفاته ~~وأسماءه ، فعليك أن تعتقد أن لا إله إلا الله وأن الله حي عالم قادر سميع ~~بصير جبار متكبر قدوس ليس كمثله شيء إلى جميع ما ورد في القرآن واتفق عليه ~~الأئمة ، فذلك كاف في صحة الدين وإن تشابه عليك شيء ، فقل : آمنا كل من عند ~~ربنا واعتقد كل ما ورد في إثبات الصفات ونفيها على غاية التعظيم والتقديس ~~مع نفي المماثلة واعتقاد أنه ليس كمثله شيء وبعد هذا لا تلتفت إلى القيل ~~والقال فإنك غير مأمور به ولا هو على حد طاقتك ، فإن أخذ يتحذلق ويقول عليه ~~وقد اختلف فيه الأشعرية والمعتزلة فقد خرج بهذا عن حد العوام إذ العامي لا ~~يلتفت قلبه إلى مثل هذا ما لم يحركه شيطان الجدل ، فإن الله لا يهلك قوما ~~إلا يؤتيهم الجدل كذلك ورد الخبر ، وإذا التحق بأهل الجدل فسأذكر علاجهم ~~هذا ما أعظ به في الأصول وهو الحوالة على كتاب الله فإن الله أنزل الكتاب ~~والميزان والحديد وهؤلاء أهل الحوالة على الكتاب. # وأما الفروع فأقول : لا تشغل قلبك بمواقع الخلاف ما لم تفرغ عن جميع ~~المتفق عليه فقد اتفقت الأئمة على أن زاد الآخرة هو التقوى والورع ، وأن ~~الكسب الحرام والمال الحرام والغيبة والنميمة والزنى والسرقة والخيانة وغير ~~ذلك من المحظورات حرام ، والفرائض كلها واجبة فإن فرغت من جميعها علمتك ~~طريق الخلاص ms265 من الخلاف فإن هو طالبني بها قبل الفراغ من هذا كله فهو جدلي ~~وليس بعامي ومتى تفرغ العامي من هذا إلى مواضع الخلاف. أفرأيت رفقاءك قد ~~فرغوا من جميع هذا ثم أخذ إشكال الخلاف بمخنقهم هيهات ما أشبه ضعف عقولهم ~~في خلافهم إلا بعقل مريض به مرض أشرف على الموت وله علاج متفق عليه بين ~~الأطباء وهو يقول قد اختلف الأطباء في بعض الأدوية أنها حارة أو باردة ~~وربما افتقرت إليه يوما فأنا لا أعالج نفسي حتى أجد من يعلمني رفع الخلاف ~~فيه. نعم لو رأيتم صالحا قد فرغ من حدود PageV01P203 # التقوى كلها. وقال : ها أنا تشكل علي مسائل فإني لا أرى أتوضأ من اللمس ~~والقيء والرعاف وأنوي الصوم بالليل في رمضان أو بالنهار إلى غير ذلك ، ~~فأقول له : إن كنت تطلب الأمان في طريق الآخرة فاسلك سبيل الاحتياط وخذ مما ~~يتفق عليه فتوضأ من كل ما فيه خلاف فإن كل من لا يوجبه يستحبه ، وانو الصوم ~~بالليل في رمضان فإن من لا يوجبه يستحبه ، فإن قال : هو ذا يثقل علي ~~الاحتياط ويعرض لي مسائل تدور بين النفي والإثبات ، وقال : لا أدري أأقنت ~~في الصبح أم لا وأجهر بالتسمية أم لا ، فأقول له : الآن اجتهد مع نفسك ~~وانظر إلى الأئمة أيهم أفضل عندك وصوابه أغلب على قلبك كما لو كنت مريضا ~~وفي البلد أطباء فإنك تختار بعض الأطباء باجتهادك لا بهواك وطبعك فيكفيك ~~مثل ذلك الاجتهاد في أمر دينك ، فمن غلب على ظنك أنه الأفضل فاتبعه فإن ~~أصاب فيما قال عند الله فله في ذلك أجران. وإن أخطأ فله عند الله في ذلك ~~أجر واحد ، وكذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال : " من اجتهد فأصاب ~~فله أجران ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد". ورد الله تعالى الأمر إلى أهل ~~الاجتهاد وقال تعالى لتعليمه الذين يستنبطونه منهم وارتضى الاجتهاد لأهله ~~وقال تعالى لتعليمه الذين يستنبطونه منهم وارتضى الاجتهاد لأهله إذ قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ ms266 : بم تحكم؟ قال : بكتاب الله ، قال : فإن ~~لم تجد؟ قال : بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال فإن لم تجد؟ قال : ~~أجتهد رأيي ، قال : ذلك قبل أن أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأذن له ~~فيه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله ~~لما يرضاه رسول الله». ففهم من ذلك أنه مرضي به من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لمعاذ وغيره ، كما قال الأعرابي إني هلكت وأهلكت واقعت ~~أهلي في نهار رمضان ، فقال : أعتق رقبة ففهم أن التركي أو الهندي لو جامع ~~أيضا لزمه الإعتاق وهذا لأن الخلق ما كلفوا الصواب عند الله فإن غير ذلك ~~مقدور عليه ولا تكليف بما لا يطاق بل كلفوا ما يظنونه صوابا ، كما لم ~~يكلفوا الصلاة بثوب طاهر بل بثوب يظنونه أنه طاهر ، فلو تذكروا نجاسته لم ~~يلزمهم القضاء إذ نزع رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعله في أثناء الصلاة ~~لما أنبأه جبريل أن عليه قذرا ولم يعد الصلاة ولم يستأنف ، وكذلك لم يكلف ~~أن يصلي إلى القبلة بل إلى جهة يظن أنها القبلة بالاستدلال بالجبال ~~والكواكب والشمس فإن أصاب فله أجران وإلا فله أجر واحد. ولم يكلفوا أداء ~~الزكاة إلى الفقير بل إلى من ظنوا فقره لأن ذلك لا يعرف باطنه ولم يكلف ~~القضاة في سفك الدماء وإباحة الفروج طلب شهود يعلمون صدقهم بل من يظنون ~~صدقه ، وإذا جاز سفك دم بطن يحتمل الخطأ وهو ظن صدق الشهود فلم لا تجوز ~~الصلاة بظن شهادة الأدلة عند الاجتهاد ، وليت شعري ما ذا يقول رفقاؤك في ~~هذا؟ يقولون إذا اشتبهت عليه القبلة يؤخر الصلاة حتى يسافر إلى الإمام ~~ويسأله أو يكلفه الإصابة التي لا يطيقها ، أو يقول اجتهد لمن لا يمكنه ~~الاجتهاد إذ لا يعرف أدلة القبلة وكيفية الاستدلال بالكواكب أو الجبال ~~والرياح. # قال : لا شك في أنه يأذن له في الاجتهاد ثم لا يؤثمه إذا بذل مجهوده وإن ~~أخطأ أو صلى PageV01P204 # إلى غير ms267 القبلة. # قلت : فإذا كان من جعل القبلة خلفه معذورا مأجورا فلا يبعد أن يكون من ~~أخطأ في سائر الاجتهادات معذورا ، فالمجتهدون ومقلدوهم كلهم معذورون بعضهم ~~مصيبون ما عند الله وبعضهم يشاركون المصيبين في أحد الأجرين ، فمناصبهم ~~متقاربة وليس لهم أن يتعاندوا ، وأن يتعصب بعضهم مع بعض لا سيما والمصيب لا ~~يتعين وكل واحد منهم يظن أنه مصيب كما لو اجتهد مسافران في القبلة فاختلفا ~~في الاجتهاد فحقهما أن يصلي كل واحد منهما إلى الجهة التي غلبت على ظنه وأن ~~يكف إنكاره وإعراضه واعتراضه على صاحبه لأنه لم يكلف إلا استعمال موجب ظنه. ~~أما استقبال عين القبلة عند الله فلا يقدر عليه ، وكذلك كان معاذ في اليمن ~~يجتهد لا على اعتقاد أنه لا يتصور منه الخطأ لكن على اعتقاد أنه إن أخطأ ~~كان معذورا ، وهذا لأن الأمور الوضعية الشرعية التي يتصور أن تختلف بها ~~الشرائع يقرب فيها الشيء من نقيضه بعد كونه مظنونا في سر الاستبصار ، وأما ~~ما لا تتغير فيه الشرائع فليس فيه اختلاف ، وحقيقة هذا الفصل تعرفه من ~~أسرار اتباع السنة وقد ذكرته في الأصل العاشر من الأعمال الظاهرة من كتاب ~~جواهر القرآن. # وأما الصنف الثالث : وهم أهل الجدل فإني أدعوهم بالتلطف إلى الحق ، وأعني ~~بالتلطف أن لا أتعصب عليهم ولا أعنفهم لكن أرفق وأجادل بالتي هي أحسن ، ~~وكذلك أمر الله تعالى رسوله ، ومعنى المجادلة بالأحسن أن آخذ الأصول التي ~~يسلمها الجدلي وأستنتج منها الحق بالميزان المحقق على الوجه الذي أوردته في ~~كتاب الاقتصاد في الاعتقاد ، وإلى ذلك الحد فإن لم يقنعه ذلك لتشوقه بفطنته ~~إلى مزيد كشف رقيته إلى تعليم الموازين فإن لم يقنعه لبلادته وإصراره على ~~تعصبه ولجاجه وعناده عالجته بالحديد ، فإن الله سبحانه جعل الحديد والميزان ~~قريني الكتاب ليفهم منه أن جميع الخلائق لا يقومون بالقسط إلا بهذه الثلاث ~~، فالكتاب للعوام ، والميزان للخواص ، والحديد الذي فيه بأس شديد للذين ~~يتبعون ما تشابه من الكتاب ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ولا يعلمون أن ذلك ~~ليس من شأنهم ، وأنه ms268 لا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم دون أهل ~~الجدل ، وأعني بأهل الجدل طائفة فيهم كياسة ترقوا بها عن العوام ولكن ~~قياستهم ناقصة إذا كانت الفطرة كاملة ، لكن في باطنهم خبث وعناد وتعصب ~~وتقليد ، فذلك يمنعهم عن إدراك الحق وتكون هذه الصفات أكنة على قلوبهم أن ~~يفقهوه وفي آذانهم ووقرا ، لكن لم تهلكهم إلا كياستهم الناقصة ، فإن الفطنة ~~البتراء والكياسة الناقصة شر من البلاهة بكثير ، وفي الخبر : أن أكثر أهل ~~الجنة البله وأن عليين لذوي الألباب ، ويخرج من جملة الفريقين الذين ~~يجادلون في آيات الله وأولئك أصحاب النار ويزع الله السلطان ما لا يزع ~~بالقرآن ، وهؤلاء ينبغي أن يمنعوا من الجدال بالسيف والسنان كما فعل عمر ~~رضي الله عنه برجل إذ سأله عن آيتين متشابهتين في كتاب الله تعالى فعلاه ~~بالدرة ، وكما قال مالك رضي الله PageV01P205 # عنه لما سئل عن الاستواء على العرش فقال : الاستواء حق ، والإيمان به ~~واجب ، والكيفية مجهولة ، والسؤال عنه بدعة ، وحسم بذلك باب الجدال. وكذلك ~~فعل السلف كلهم وفي فتح باب الجدال ضرر عظيم على عباد الله تعالى ، فهذا ~~مذهبي في دعوة الناس إلى الحق وإخراجهم من ظلمات الضلال إلى نور الحق ، ~~وذلك بأن دعوة الخواص إلى الحكمة بتعليم الميزان حتى إذا تعلم الميزان ~~القسط لم يقدر به على علم واحد بل على علوم كثيرة ، فإن من معه ميزان فإنه ~~يعرف به مقادير أعيان لا نهاية لها كذلك من معه القسطاس المستقيم فمعه ~~الحكمة التي من أوتيها فقد أوتي خيرا كثيرا لا نهاية له ، ولو لا اشتمال ~~القرآن على الموازين لما صح تسمية القرآن نورا لأن النور ما يبصر بنفسه ~~ويبصر به غيره وهو نعت الميزان ، ولما صدق قوله : ولا رطب ولا يابس إلا في ~~كتاب مبين ، فإن جميع العلوم غير موجودة في القرآن بالتصريح ، ولكن موجودة ~~فيه بالقوة لما فيه من الموازين القسط التي بها تفتح أبواب الحكمة التي لا ~~نهاية لها ، فبهذا أدعو الخواص ودعوت العوام بالموعظة الحسنة بالإحالة على ~~الكتاب والاقتصار على ms269 ما فيه من الصفات الثابتة لله تعالى ، ودعوت أهل ~~الجدل بالمجادلة التي هي أحسن فإن أبى عرضت عن مخاطبته وكففت شره ببأس ~~السلطان والحديد المنزل مع الميزان ، فليت شعري الآن يا رفيقي بم يعالج ~~إمامك هؤلاء الأصناف الثلاثة؟ أيعلم العوام فيكلفهم ما لا يفهمون ، ويخالف ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يخرج الجدال من أدمغة المجادلين بالحجة ولم ~~يقدر على ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم مع كثرة محاجة الله تعالى في ~~القرآن مع الكفار؟ فما أعظم قدرة إمامك إذ صار أقدر من الله تعالى ومن ~~رسوله أو يدعو أهل البصيرة إلى تقليده وهم لا يقبلون قول الرسول ~~صلى الله عليه وسلم بالتقليد ولا يقنعون بقلب العصا ثعبانا ، بل يقولون وهو ~~فعل غريب ، ولكن من أين يلزم منه صدق فاعله وفي العالم من غرائب السحر ~~والطلسمات ما تتحير فيه العقول ولا يقوى على تمييز المعجز عن السحر والطلسم ~~إلا من عرف جميعها ، وجملة أنواعها ليعلم أن المعجز خارج عنها كما عرف سحرة ~~فرعون معجزة موسى عليه السلام إذ كانوا من أئمة السحرة. ومن الذي يقوى على ~~ذلك؟ بل أهل البصيرة يريدون مع المعجزة أن يعلموا صدقه من قوله كما يعلم ~~متعلم الحساب من نفس الحساب صدق أستاذه في قوله إني حاسب. فهذه هي المعرفة ~~اليقينة التي بها يقنع أولو الألباب وأهل البصائر ولا يقنعون بغيرها البتة ~~وهم إذا عرفوا بمثل هذا المنهاج صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وصدق القرآن ~~وفهموا موازين القرآن كما ذكرت لك ، وأخذوا منه مفاتيح العلوم كلها مع ~~الموازين كما ذكرته في كتاب جواهر القرآن ، فمن أين يحتاجون إلى إمامك ~~المعصوم ، وما الذي جل من إشكالات الدين وعن ما ذا كشف عن غوامضه. قال الله ~~تعالى : ( @QUR@010 هذا خلق الله فأروني ما ذا خلق الذين من دونه ) [لقمان ~~: 11]. وقد سمعت الآن منهاجي في موازين العلوم فأرني ما ذا اقتبسته من ~~غوامض العلوم من إمامك إلى الآن ، وما الذي يتعلمون منه؟ وليت شعري ما الذي ~~تعلمت ms270 من إمامك المعصوم أرني ما رأيتها : PageV01P206 ما يسدى بي رتسدى أوف %~% خرابن وقلب يا وفوت # فليس الغرض من الدعوة إلى المائدة مجرد الدعوة دون الأكل والتناول منها ~~وإني أراكم تدعون الناس إلى الإمام ثم أرى المستجيب أمامك بعد الاستجابة ~~على جهله الذي كان قبله لم يحل له الإمام عقدا بل ربما عقد له حلا ولم تفده ~~استجابته له علما بل ربما زاد به طغيانا وجهلا. # فقال : قد طالت صحبتي مع رفقائي ، ولكن ما تعلمت منهم شيئا إلا أنهم ~~يقولون عليك بمذهب التعليم ، وإياك والرأي والقياس فإنه متعارض مختلف. # قلت : فمن الغرائب أن يدعوا إلى التعليم ثم لا يشتغلوا بالتعليم فقل لهم ~~: قد دعوتموني إلى التعليم فاستجبت فعلموني ما عندكم. # فقال : ما أراهم يزيدونني على هذا شيئا. # قلت : فإني قائل أيضا بالتعليم وبالإمام ويبطلان الرأي والقياس وأنا ~~أزيدك على هذا لو أطقت ترك التقليد تعليم غرائب العلوم وأسرار القرآن ، ~~فاستخرج لك منه مفاتيح العلوم كلها كما استخرجت منه موازين العلوم كلها على ~~ما أشرت إلى كيفية انشعاب العلوم كلها منه في كتاب جواهر القرآن ، لكني لست ~~أدعو إلى إمام سوى محمد صلى الله عليه وسلم ولا إلى كتاب سوى القرآن ، فمنه ~~أستخرج جميع أسرار العلوم. وبرهاني عن ذلك لساني وبياني ، وعليك إن شككت ~~تجريبي وامتحاني أفتراني أولى بأن أتعلم من رفقائك أم لا؟ ### ||| * القول في تصاوير الرأي والقياس وإظهار بطلانهما # فقال : أما الانقطاع عن الرفقاء والتعليم منك فربما يمنعني منه ما حكيته ~~لك من وصية والدتي حين كانت تموت ، ولكني أشتهي أن تكشف عن وجه فساد الرأي ~~والقياس فإني أظنك تستضعف عقلي فتلبس علي فتسمي القياس والرأي ميزانا وتتلو ~~علي وفق ذلك قرآنا ، وأنا أظنه أنه بعينه القياس الذي يدعيه أصحابك. # قلت : هيهات ، فها أنا أشرح لك ما أريده وأراوده بالرأي والقياس. أما ~~الرأي والقياس فمثاله قول المعتزلة : يجب على الله سبحانه وتعالى رعاية ~~الأصلح لعباده وإذا طولبوا بتحقيقه لم يرجعوا إلى شيء إلا أنه رأي استحسنوه ~~بعقولهم من مقايسة الخالق ms271 على الخلق وتشبيه حكمته بحكمتهم ، ومستحسنات ~~العقول هي الرأي الذي لا أرى التعويل عليه فإنه ينتج نتائج تشهد موازين ~~القرآن بفسادها كهذه المقالة فإني إذا وزنتها بميزان التلازم. # قلت : لو كان الأصلح واجبا على الله تعالى لفعله ومعلم أنه لم يفعله ، ~~فدل على أنه غير واجب فإنه لا يترك الواجب ، فإن قيل : سلمت أنه لو كان ~~واجبا لفعله ، ولكن لا أسلم أنه لم يفعله ، فأقول : لو فعل الأصلح لخلقهم ~~في الجنة وتركهم فيها فإن ذلك أصلح لهم ومعلوم أنه لم يفعل ذلك فدل على أنه ~~لم يفعل الأصلح. وهذه أيضا نتيجة من ميزان التلازم والآن PageV01P207 # الخصم بين أن ينكر ويقول تركهم في الجنة فيشاهد كذبه ، أو يقول كان ~~الأصلح لهم أن يخرجوا إلى الدنيا دار البلايا ويعرضهم للخطايا ثم يقول لآدم ~~يوم يكشف عن الخطايا : أخرج يا آدم نصيب النار ، فيقول: كم ، فيقول من كل ~~ألف تسعمائة وتسعة وتسعين كما ورد في الخبر الصحيح ويزعم أن ذلك أصلح لهم ~~من خلقهم في الجنة وتركهم فيها لأن نعيمهم إذ ذاك لا يكون لسعيهم ~~واستحقاقهم فتعظم المنة عليهم والمنة ثقيلة ، وإذا سمعوا وأطاعوا كان ما ~~أخذوه جزاء وأجرة لا منه فيها ، وأنا أنزه سمعك ولساني عن حكاية مثل هذا ~~الكلام فضلا عن الجواب عنه. فانظر فيه لترى قبائح نتائج الرأي كيف هي وأنت ~~تعلم أن الله تعالى ينزل الصبيان إذا ماتوا في منزل من الجنة دون منازل ~~البالغين المطيعين ، فإذا قالوا : إلهنا أنت لا تبخل بالأصلح لنا والأصلح ~~لنا أن تبلغنا درجتهم ، فيقول الله ، على زعم المعتزلة : كيف أبلغكم درجتهم ~~وقد بلغوا وتعبوا وأطاعوا وأنتم متم صبيانا ، فيقولون : أنت أمتنا فحرمتنا ~~طول المقام في الدنيا ومعالي الدرجات في الآخرة فكان الأصلح لنا والأصلح ~~بنا أن تبلغنا درجتهم ، أو أن لا تميتنا ، فلم أمتنا؟ فيقول الله تعالى ، ~~على رأي المعتزلة : إني قد علمت أنكم لو بلغتم لكفرتم واستحققتم النار ~~خالدين فيها ، فعلمت أن الأصلح لكم الموت في الصبا ، وعند هذا ينادي الكفار ~~البالغون ms272 من دركات النار يصطرخون ويقولون : أما علمت أنا إذا بلغنا كفرنا ~~فهلا أمتنا في الصبا فإنا راضون بعشر عشر درجات الصبيان فعند هذا لا يبقى ~~للمعتزلي جواب يجيب به عن الله تعالى ، فتكون الحجة للكفار على الله سبحانه ~~، تعالى الله عن قول الظالمين علوا كبيرا ، نعم لفعل الأصلح سر يستمد من ~~معرفة سر الله تعالى في القدر ، ولكن المعتزلي لا ينظر من ذلك الأصل فإنه ~~لا يطلع ببضاعة الكلام على ذلك السر فمن هذا خبط خبط عشواء واضطربت عليه ~~الآراء فهذا مثال الرأي الباطل عندي. # وأما مثال القياس فهو إثبات الحكم في شيء بالقياس على غيره كقول المجسمة ~~إن الله تعالى وتقدس عن قولهم جسم. قلنا : لم؟ قالوا : لأنه فاعل صانع فكان ~~جسما قياسا على سائر الصناع والفاعلين ، وهذا هو القياس الباطل ، كما قلنا ~~: لم قلتم إن الفاعل كان جسما لأنه فاعل ، وذلك لا يقدر على إظهاره مهما ~~وزن بميزان القرآن فإن ميزانه هو الميزان الأكبر من موازين التعادل ، وصورة ~~وزنه أن يقال : كل فاعل جسم والبارئ تعالى فاعل فهو أيضا جسم ، فنقول : ~~نسلم أن البارئ تعالى فاعل ، ولكن لا نسلم الأصل الأول وهو أن كل فاعل جسم ~~فمن أين عرفتم ذلك؟ وعند هذا لا يبقى لهم إلا الاعتصام بالاستقراء والقسمة ~~المنتشرة وكلاهما لا حجة فيه. أما الاستقراء فهو أن يقول تصفحت الفاعلين من ~~حائك وحجام وإسكاف وخياط ونجار وفلان وفلان فوجدتهم أجساما فقلت إن كل فاعل ~~جسم ، فيقال له : تصفحت كل الفاعلين أو شذ عنك فاعل ، فإن قال : تصفحت ~~البعض ، فلا يلزم منه الحكم على الكل ، وإن قال : تصفحت الكل ، فلا نسلم له ~~ذلك فليس كل الفاعلين معلوما عنده. PageV01P208 # كيف وهل تصفح في جملة ذلك فاعل السماوات والأرض فإن لم يتصفح الكل بل ~~البعض لم يلزم الكل ، وإن تصفح فهل وجد جسما ، فإن قال : نعم ، فيقال له : ~~فإذا وجدت ذلك في مقدمة قياسك فكيف جعلته أصلا تستدل به عليه فجعلت نفس ~~وجدانك دليل ما وجدته وهذا خطأ ، بل ما ms273 هو في تصفحه إلا كمن يتصفح الفرس ~~والإبل والفيل والحشرات والطيور فيراها تمشي برجل وهو لم ير الحية والدود ~~فيحكم بأن كل حيوان يمشي برجل ، وكمن يتصفح الحيوانات فيراها عند المضغ ~~جميعها تحرك الفك الأسفل ، فيحكم بأن كل حيوان يحرك عند المضغ الفك الأسفل ~~وهو لم ير التمساح فإنه يحرك الفك الأعلى وهذا لأنه يجوز أن يكون ألف شخص ~~من جنس واحد على حكم ويخالف الألف واحد وهو لا يفيد برد اليقين فهو القياس ~~الباطل ، وأما اعتصامه بالقسمة المنتشرة فكقوله : سبرت أوصاف الفاعلين ~~فكانوا أجساما لكونهم فاعلين أو لكونهم موجودين أو كيت وكيت ، ثم يبطل جميع ~~الأجسام فيقول فيلزم من هذا أنهم أجسام لكونهم فاعلين ، وهذه هي القسمة ~~المنتشرة التي بها يزن الشيطان مقاييسه وقد ذكرنا بطلانها ، فقال : أظن أنه ~~إذا بطل سائر الأقسام تعين القسم الذي أراده ، وأرى هذا برهانا قويا عليه ~~تعويل أكثر المتكلمين في عقائدهم فإنهم يقولون في مسألة رؤية الباري تعالى ~~مرئي لأن العالم مرئي ، وباطل أن يقال إنه مرئي لأنه ذو بياض لأن السواد ~~يرى ، وباطل أن يرى لكونه جوهرا لأن العرض يرى وباطل أن يكون عرضا لأن ~~الجوهر يرى ، وإذا بطلت الأقسام بقي أنه يرى موجودا فأريد أن تكشف لي عن ~~فساد هذا الميزان كشفا ظاهرا لا أشك فيه ، فقلت : فأنا أورد في ذلك مثالا ~~حقا لم ينتج من قياس باطل وأكشف الغطاء عنه ، فأقول : قولنا : العالم حادث ~~حق ، ولكن قول القائل إنه حادث لأنه مصور قياسا على البيت وسائر الأبنية ~~المصورة قول باطل لا يفيد العلم بحدوث العالم إذ يقال ميزانه الحق أن يقال ~~كل مصور حادث أو العالم مصور ، فيلزم منه أنه حادث ، والأصل الآخر مسلم لكن ~~قولك كل مصور حادث لا يسلمه الخصم ، وعند هذا يعدل إلى الاستقراء فيقول : ~~استقريت كل مصور فوجدته حادثا كالبيت والقدح والقميص وكيت وكيت ، وقد عرفت ~~فساد هذا وقد يرجع إلى السبر ، فيقول : البيت حادث فنسبر أوصافه وهو أنه ~~جسم وقائم بنفسه وموجود ومصور ، وهذه أربع ms274 صفات وقد بطل تعليله بكونه جسما ~~وقائما بنفسه وموجودا فثبت أنه معلل بكونه مصورا وهو الرابع. فيقال له : ~~هذا باطل من وجوه كثيرة وأذكر منها الأربعة : # الأول : أنه إن سلم لك بطلان الثلاث فلا تثبت العلة التي طلبتها ، فلعل ~~الحكم معلل بعلة قاصرة غير عامة ولا متعدية ككونه مثلا بيتا ، فإن ثبت كون ~~البيت غير محدث أيضا فلعل الحكم معلل بالمعنى القاصر على ما ظهر كونه حادثا ~~إذ يمكن تقدير وصف خاص يجمع الجميع ولا يتعدى. # الثاني : أنه إنما يصح إذا تم السبر على الاستقصاء بحيث لا يتصور أن يشذ ~~منه قسم ، وإذا لم يكن حاصرا بين النفي والإثبات دائرا تصور أن يشذ منه قسم ~~وليس الاستقصاء الحاصر أمرا هينا ، والغالب أنه PageV01P209 # لا يهتم به المتكلمون والفقهاء بل يقولون إن كان فيه قسم آخر فأبرزه ، ~~وربما قال الآخر لا يلزمني إبرازه وطال اللجاج فيه ، وربما استدل القائس ~~وقال : لو كان فيه قسم آخر لعرفناه ولعرفته ، فعدم معرفتنا تدل على نفي قسم ~~آخر إذ عدم رؤيتنا الفيل في مجلسنا تدل على نفي ولا يدري قط هذا المسكين ~~أنه لم نعهد قط فيلا حاضرا لم نره ثم رأيناه وكم رأينا معاني حاضرة عجزنا ~~جميعا عن إدراكها ثم تنبهنا لها بعد مدة فلعل فيه قسما آخر شذ عنا لسنا ~~نتنبه له الآن وربما لم نتنبه له طول عمرنا. # الثالث : أنا وإن سلمنا الحصر فلا يلزم من إبطال ثلاث ثبوت رابع بل ~~التركيب الذي يحصل من أربعة يزيد على عشرة وعشرين إذ يحتمل أن تكون العلة ~~آحاد هذه الأربعة أو اثنين منها أو ثلاثة منها ، ثم لا يتعين الاثنان منها ~~ولا الثلاثة ، بل يتصور أن تكون العلة كونه موجودا أو جسما أو موجودا ~~وقائما بنفسه أو جسما موجودا وقائما بنفسه وموجودا أو موجودا وبيتا أو بيتا ~~ومصورا أو بيتا قائما بنفسه أو بيتا وجسما ، أو جسما ومصورا ، أو جسما ~~وقائما بنفسه أو جسما وموجودا أو قائما بنفسه وموجودا ، فهذه بعد تركيبات ~~الاثنين فقس على ms275 هذه التركيبات من الثلاث ، واعلم أن الأحكام تتوقف على ~~وجود أسباب كثيرة مجتمعة فليس يرى الشيء لكون الرائي ذا عين إذ لا يرى ~~بالليل ولا لاستتارة المرئي بالشمس إذ لا يرى الأعمى ولا لهما جميعا إذ لا ~~يرى الهواء ، ولكن جملة ذلك مع كون المرئي متلونا وأمور أخر هذا حكم الوجود ~~، أما حكم الرؤية في الآخرة فحديث آخر. # الرابع : أنه إن سلم الاستقصاء وسلم الحصر في أربعة وتركنا التركيب ~~فإبطال ثلاثة لا يوجب تعلق الحكم بالرابع مطلقا بل بانحصار الحكم في الرابع ~~، ولعل الرابع ينقسم قسمين ، والحكم يتعلق بأحدهما. أرأيت لو قسم أولا وقال ~~: أما كونه جسما أو موجودا أو قائما بنفسه أو مصورا مثلا بصورة مربعة ، أو ~~مصورا بصورة مدورة ثم أبطل الأقسام الثلاثة لم يتعلق الحكم بالصورة مطلقا ، ~~بل ربما اختص بصورة مخصوصة ، فتسبب الغفلة عن مثل هذه الدقائق خبط ~~المتكلمون وكثر نزاعهم إذا تمسكوا بالرأي والقياس ، وذلك لا يفيد برد ~~اليقين ، بل يصلح للأقيسة الفقهية الظنية ولإمالة قلوب العامة إلى صوب ~~الصواب ، والحق فإنه لا يمتد فكرهم إلى الاحتمالات البعيدة ، بل ينجزم ~~اعتقادهم بأسباب ضعيفة. أما ترى العامي الذي به صداع يقول له غيره استعمل ~~ماء الورد فإني إذا كان بي صداع فاستعملته انتفعت به ، كأنه يقول هذا صداع ~~فينفعه ماء الورد قياسا على صداعي فيميل قلب المريض إليه فيستعمله ولا يقول ~~له أثبت أولا أن ماء الورد يصلح لكل صداع كان من البرودة أو من الحرارة أو ~~من أبخرة المعدة ، وأنواع الصداع كثيرة فاثبت أن صداعي كصداعك ومزاجي ~~كمزاجك وسني كسنك وصناعتي كصناعتك وأحوالي كأحوالك ، فإن جميع ذلك يختلف به ~~العلاج فإن طالب تحقيق هذه الأمور ليس من شأن العوام لأنهم لا يتشوقون ~~إليها ولا من شأن المتكلمين لأنهم وإن تشوفوا إليها على خلاف العوام فلا ~~يهتدون إلى الطرق المفيدة برد اليقين ، وإنما هي من شنشنة قوم عرفوها من ~~أحمد صلى الله عليه وسلم وهم قوم اهتدوا بنور الله إلى ضياء القرآن ، وأخذوا ~~منه الميزان بالقسط ms276 والقسطاس المستقيم فأصبحوا قوامين لله بالقسط. # فقال : الآن هذا يلوح لي مخايل الحق وتباشيره من كلامك فهل تأذن لي في أن أتبعك PageV01P210 # على أن تعلمني مما علمت رشدا؟ # قلت : هيهات إنك لا تستطيع معي صبرا وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا. # قال : ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا. # قلت : أتظن أني نسيت اتعاظك بنصيحة رفقائك ووالدتك ومن نبض عليه عرق من ~~عروق التقليد فلا تصلح لصحبتي ولا أصلح لصحبتك ، فاذهب عني فهذا فراق بيني ~~وبينك فإني مشغول بتقويم نفسي عن تقويمك ، وبالتعليم من القرآن عن تعليمك ، ~~فلا تراني بعد هذا ولا أراك ، فلا تسع أوقاتي أكثر من هذا الإصلاح الفاسد ~~والضرب في الحديد البارد ، وقد نصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين ، والحمد ~~لله رب العالمين ، والصلاة على محمد نبينا سيد المرسلين. # فهاكم إخواني قصتي مع رفيقي تلوتها عليكم بعجرها وبجرها لتقضوا منها ~~العجب وتنتفعوا في إثبات هذه المحادثات بالتفطن لأمور هي أجل من تقويم مذهب ~~التعليم ، فلم يكن ذلك من غرضي ، ولكن إياك أعني واسمعي يا جارة ، والتماسي ~~من المخلصين قبول معذرتي عند مطالعة هذه المحادثات فيما آثرته في المذاهب ~~من العقد والتحليل وأبدعته في الأسامي من التغيير والتبديل ، واخترعته في ~~المغاني من التخييل والتمثيل. فلي تحت كل واحد من ذلك غرض صحيح وسر عن ذوي ~~البصائر صريح ، وإياكم أن تغيروا هذا النظام وتنتزعوا هذه المعاني من هذه ~~الكسوة فقد علمتكم كيف يوزن المعقول بالإسناد إلى المنقول ليكون القول ~~منهما أسرع إلى القبول ، وإياكم أن تجعلوا المعقول أصلا والمنقول تابعا ~~ورديفا ، فإن ذلك شنيع منفر ، وقد أمركم الله سبحانه بترك الشنيع والمجادلة ~~بالأحسن ، وإياكم أن تخالفوا الأمر فتهلكوا وتهلكوا وتضلوا وتضلوا ، وما ذا ~~تنفع وصيتي وقد اندرس الحق وانكسر البثق ، وانتشرت الشناعة وطارت في ~~الأقطار ، وصارت ضحكة في الأمصار ، فإن قوما اتخذوا هذا القرآن مهجورا ~~وجعلوا التعليمات النبوية هباء منثورا ، وكل ذلك من قصور الجاهلين ودعواهم ~~في نصرة الدين منصب العارفين. وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم ms277 بغير علم إن ربك ~~هو أعلم بالمهتدين PageV01P211 ### ||| * منهاج العارفين PageV01P212 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * خطبة الرسالة # الحمد لله الذي نور قلوب العارفين بذكره ، وأنطق ألسنتهم بشكره ، وعمر ~~جوارحهم بخدمته ، فهم في رياض الأنس يرتعون وإلى أوكار المحبة يأوون ، ~~ذكرهم فذكروه ، وأحبهم فأحبوه ، ورضي عنهم فرضوا عنه رأس مالهم الافتقار ~~ونظام أمرهم الاضطرار ، علمهم دواء الذنوب ، وعرفهم طب القلوب ، فهم مصابيح ~~أنوار حجته ، ومفاتيح خزائن حكمته ، إمامهم القمر الطالع ، وقائدهم النور ~~الساطع ، سيد الموالي والعرب محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ، والثمرة ~~الزاكية من الشجرة المباركة ، التي أصلها التوحيد ، وفروعها التقوى ، ( ~~@QUR@027 لا شرقية ولا غربية ، يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على ~~نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم ~~) [النور : 35]. ( @QUR@010 ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ) ~~[النور : 40]. صلى الله عليه وسلم صلاة تلوح في السماوات آثارها وتعلو في جنان ~~الخلد أنوارها ، وتطيب في مشاهد الأنبياء أخبارها ، وعلى آله الطاهرين ~~وأصحابه المطهرين. ### ||| * باب البيان نحو المريدين # يدور على ثلاثة أصول : الخوف والرجاء والحب ، فالخوف : فرع العلم ، ~~والرجاء : فرع اليقين ، والحب : فرع المعرفة ، فدليل الخوف الهرب ، ودليل ~~الرجاء الطلب ، ودليل الحب إيثار المحبوب ، ومثال ذلك الحرم والمسجد ~~والكعبة ، فمن دخل حرم الإرادة أمن من الخلق ، ومن دخل المسجد أمنت جوارحه ~~أن يستعملها في معصية الله تعالى ، ومن دخل الكعبة أمن قلبه أن يشتغل بغير ~~ذكر الله عز وجل . فإذا أصبح العبد لزمه أن ينظر في ظلمة الليل ونور النهار ~~ويعلم أن أحدهما إذا ظهر عزل صاحبه عن الولاية ، فكذلك نور المعرفة إذا ظهر ~~عزل ظلمة المعاصي عن الجوارح ، فإن كانت حالته حالة يرضاها لحلول الموت شكر ~~الله تعالى على توفيقه وعصمته ، وإن كانت حالته حالة يكره معها الموت انتقل ~~عنها بصحة العزيمة وكمال الجهد وعلم أن لا ملجأ من الله إلا إليه ، كما أنه ~~لا وصول إليه إلا به فندم على ما أفسد من عمره بسوء اختياره واستعان بالله ~~على ms278 تطهير ظاهره من الذنوب وتصفية باطنه من العيوب ، وقطع زنار الغفلة عن ~~قلبه ، وأطفأ نار الشهوة عن نفسه ، واستقام على طريق الحق وركب أمطية الصدق ~~، فإن النهار دليل الآخرة ، والليل دليل الدنيا ، والنوم شاهد الموت ، ~~والعبد قادم على ما أسلف ونادم على ما خلف ، يقول الله عز وجل : ( @QUR@06 ~~ينبؤا الإنسان يومئذ بما قدم وأخر ) [القيامة : 13]. PageV01P213 ### ||| * باب الأحكام # وإعراب القلوب على أربعة أنواع : رفع وفتح وخفض ووقف ، فرفع القلب في ذكر ~~الله تعالى ، وفتح القلب في الرضاء عن الله تعالى ، وخفض القلب في الاشتغال ~~بغير الله تعالى ، ووقف القلب في الغفلة عن الله تعالى ، فعلامة الرفع ~~ثلاثة أشياء : وجود الموافقة ، وفقد المخالفة ، ودوام الشوق ، وعلامة الفتح ~~ثلاثة أشياء : التوكل والصدق واليقين ، وعلامة الخفض ثلاثة أشياء : العجب ~~والرياء والحرص وهو مراعاة الدنيا وعلامة الوقف ثلاثة أشياء : زوال حلاوة ~~الطاعة ، وعدم مرارة المعصية ، والتباس الحلال. ### ||| * باب الرعاية # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " طلب العلم فريضة على كل مسلم" ، وهو ~~علم الأنفاس ، فيجب أن يكون نفس المريد شكرا أو عذرا ، فإن قيل : ففضل وإن ~~رد فعدل فطائع الحركة بالتوفيق ، والسكوت بالعصمة ولا يستقم ذلك له إلا ~~بدوام الافتقار والاضطرار. ### ||| * ومفتاح ذلك # ذكر الموت لأن فيه راحة من الحبس ونجاة من العدو وقوامه برد العمر إلى ~~يوم واحد ولن يلتئم ذلك إلا بالتفكر في الأوقات ، وباب الفكر الفراغ ، وسبب ~~الفراغ الزهد. وعماد الزهد التقوى ، وسنام التقوى الخوف ، وزمام الخوف ~~اليقين ، ونظام اليقين الخلوة والجوع ، وتمامها الجهد والصبر وطريقهما ~~الصدق ، ودليل الصدق العلم. ### ||| * باب النية # لا بد للعبد من النية في كل حركة وسكون : " فإنما الأعمال بالنيات ولكل ~~امرئ ما نوى ونية المؤمن خير من عمله". والنية تختلف على حسب اختلاف ~~الأوقات ، وصاحب النية نفسه منه في تعب ، والناس منه في راحة وليس شيء على ~~المريد أصعب من حفظ النية. ### ||| * باب الذكر # اجعل قلبك قبلة لسانك ، واشعر عند الذكر حياء العبودية وهيبة الربوبية ، ~~واعلم بأن الله تعالى يعلم سر قلبك ويرى ظاهر فعلك ويسمع ms279 نجوى قولك ، فاغسل ~~قلبك بالحزن وأوقد فيه نار الخوف ، فإذا زال حجاب الغفلة عن قلبك كان ذكرك ~~به مع ذكره لك. قال الله تعالى : ( @QUR@03 ولذكر الله أكبر ) [العنكبوت : ~~45]. لأنه ذكرك مع الغناء عنك وأنت ذكرته مع الفقر إليه ، فقال : ( @QUR@05 ~~ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) [الرعد : 28]. فيكون اطمئنان القلب في ذكر ~~الله له ووجله في ذكره الله ، قال الله تعالى : ( @QUR@08 إنما المؤمنون ~~الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ). [الأنفال : 2] والذكر ذكران ذكر خالص ~~بموافقه القلب في سقوط النظر إلى غير الله ، وذكر صاف بفناء الهمة عن الذكر ~~، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك". PageV01P214 ### ||| * باب الشكر # وفي كل نفس من أنفاس العبد نعمة لله تتجدد عليه يلزمه القيام بشكرها. ~~وأدنى الشكر أن يرى النعمة من الله تعالى ويرضى بما أعطاه ولا يخالفه بشيء ~~من نعمه ، وتمام الشكر في الاعتراف بلسان السر أن الخلق كلهم يعجزون عن ~~أداء شكره على أصغر جزء من نعمه وإن بلغوا غاية المجهود ، لأن التوفيق ~~للشكر نعمة حادثة يجب الشكر عليها ، فيلزمك على كل شكر شكر إلى ما لا نهاية ~~له ، فإذا تولى الله العبد حمل عنه شكره فرضي عنه بيسير وحط عنه ما يعلم ~~أنه لا يبلغه ويضعفه ( @QUR@05 وما كان عطاء ربك محظورا ) [الإسراء : 20]. ### ||| * باب اللباس # اللباس نعمة من الله على عبده يستر به البشرة ولباس التقوى ذلك خير ، ~~وخير لباسك ما لا يشغل سرك عن الله تعالى ، فإذا لبست ثوبك فاذكر محبة الله ~~الستر على عباده فلا تفضح أحدا من خلقه بعيب تعلمه منه واشتغل بعيب نفسك ~~فاستره بدوام الاضطرار إلى الله تعالى في تطهيره ، فإن العبد إذا نسي ذنبه ~~كان ذلك عقوبة له وازداد به جزءا على المعاصي ، ولو انتبه من رقدة الغفلة ~~لنصب ذنوبه بين عيني قلبه نصبا ولبكى عليه بجفون سره واستولى عليه الوجل ~~فذاب حياء من ربه ، وما دام العبد يرجع إلى حول نفسه وقوتها انقطع عن حول ~~الله وقوته ، فاطرح همتك ms280 بين يدي الخوف والرجاء : ( @QUR@05 واعبد ربك حتى ~~يأتيك اليقين ) [الحجر : 99]. ### ||| * باب القيام # فإذا قمت من فراشك فأقم قلبك عن فراش البطالة ، وأيقظ نفسك عن نوم ~~الجهالة ، وانهض بكلك إلى من أحياك ، ورد إليك نفسك ، وقم بفكرك عن حركتك ~~وسكونك ، واصعد بقلبك إلى الملكوت الأعلى ، ولا تجعل قلبك تابعا لنفسك فإن ~~النفس تميل إلى الأرض ، والقلب يميل إلى السماء واستعمل قول الله عز وجل : ( ~~@QUR@07 إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ) [فاطر : 10]. ### ||| * باب السواك # واستعمل السواك فإنها مطهرة للفم مرضاة للرب ، وطهر ظاهرك وباطنك عن دنس ~~الإساءة ، وأخلص أعمالك عن كدر الرياء والعجب ، واجل قلبك بصافي ذكره ، ودع ~~عنك ما لا ينفعك بل يضرك. ### ||| * باب التبرز # وإذا تبرزت لقضاء وطر فاعتبر ، فإن الراحة في إزالة النجاسة ، واستنج ~~ونكس رأس همتك ، وأغلق باب الكبر ، وافتح باب الندم ، واجلس على بساط ~~الندامة ، واجتهد في إيثار أمره واجتناب نهيه والصبر على حكمه ، واغسل شرك ~~بترك الغضب والشهوة ، واستعمل الرغبة والرهبة فإن الله تعالى مدح قوما فقال ~~: ( @QUR@011 إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا ~~لنا خاشعين ) [الأنبياء : 90]. PageV01P215 ### ||| * باب الطهارة # وإذا تطهرت ففكر في صفوة الماء ورقته وتطهيره وتنظيفه ، فإن الله تعالى ~~جعله مباركا فقال: ( @QUR@05 ونزلنا من السماء ماء مباركا ) [ق : 9]. ~~فاستعمله في الأعضاء التي فرض الله عليك تطهيرها ولتكن صفوتك مع الله كصفوة ~~الماء ، فاغسل وجه قلبك عن النظر إلى غير الله ، واغسل يدك عن الامتداد إلى ~~غيره وامسح رأسك عن الافتخار بغيره ، واغسل رجليك عن السعي لغيره ، واحمد ~~الله على ما ألهمك من دينه. ### ||| * باب الخروج # فإذا خرجت من منزلك إلى مسجدك ، فاعلم أن لله تعالى حقوقا عليك يلزمك ~~أداؤها. من ذلك السكينة والوقار والاعتبار بخلق الله برهم وفاجرهم ، قال ~~الله تعالى : ( @QUR@08 وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ~~). وغض بصرك عن نظر الغفلة والشهوة ، وأفش السلام مبتدئا ومجيبا ، وأعن من ~~استعانك على الحق وأمر بالمعروف وانه عن المنكر إن كنت من أهله وأرشد الضال. ### ||| * باب دخول المسجد # فإذا بلغت باب ms281 المسجد فاعلم أنك قصدت بيت ملك عظيم قدره لا يقبل إلا ~~الطاهر ولا يصعد إليه إلا الخالص ، ففكر في نفسك من أنت ولمن أنت وأين أنت ~~ومن أي ديوان يخرج اسمك ، فإذا استصلحت نفسك لخدمته فادخل فلك الإذن ~~والأمان ، وإلا فقف وقوف مضطرب قد انقطعت عنه الحيل وانسدت عنه السبل ، ~~فإذا علم الله من قلبك الالتجاء إليه أذن لك فتكون أنت بلا أنت ، والله ~~يرحم عبده ويكرم ضيفه ويعطي سائله ويبر المعرض عنه ، فكيف المقبل إليه. ### ||| * باب افتتاح الصلوات # فإذا استقبلت بوجهك القبلة استقبل بوجهك الحق ولا تنبسط فلست من أهل ~~الانبساط ، واذكر وقوفك بين يديه يوم العرض الأكبر ، وقف على قدمي الخوف ~~والرجاء ، وارفع قلبك عن النظر إلى الدنيا والخلق ، وأرسل همتك إليه فإنه ~~لا يرد الآبق ولا يخيب السائل. فإذا قلت الله أكبر فاعلم أنه لا يحتاج إلى ~~خدمتك له وذكرك إياه لأن الحاجة من جبلة الفقراء وذلك سمة الخلق والغنى عن ~~صفات ذاته ، وإنما وظف على عبيده وظائف ليقربهم بها إلى عفوه ورحمته ~~ويبعدهم بها من سخطه وعقوبته. قال الله عز وجل : ( @QUR@07 وألزمهم كلمة ~~التقوى وكانوا أحق بها وأهلها ) [الفتح : 26]. وقال عز من قائل : ( @QUR@08 ~~ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم ) [الحجرات : 7]. الآية. ~~واشكر الله إذ جعلك أهلا للوقوف بين يديه فإنه ( @QUR@04 أهل التقوى وأهل ~~المغفرة ) [المدثر : 56]. أهل أن يتقيه خلقه فيغفر لمن اتقاه. PageV01P216 ### ||| * باب القراءة # قال الله تعالى : ( @QUR@018 فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان ~~الرجيم* إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ) [النحل : 99]. # ( @QUR@05 إنما سلطانه على الذين يتولونه ) [النحل : 100]. # ( @QUR@05 أنه من تولاه فأنه يضله ) [الحج : 4]. # واذكر عهد الله عليك وميثاقه في وحيه وتنزيله ، وانظر كيف تقرأ كلامه ~~وكتابه فرتل وتدبر ، وقف عند وعده ووعيده وأمثاله ومواعظه وأمره ونهيه ~~ومحكمه ومتشابهه ، وإني لأخشى أن تكون إقامتك حدوده غفلة من تضييعك حدوده. ~~قال الله عز وجل : ( @QUR@04 فبأي حديث بعده يؤمنون ) [الأعراف : 185]. ### ||| * باب الركوع # واركع ركوع خاشع لله بقلبه خاضعا بجوارحه ، واستوف ركوعك وانحط ms282 عن همتك ~~في القيام بأمره ، فإنك لا تقدر على أداء فرضه إلا بعونه. ولا تبلغ دار ~~رضوانه إلا برحمته ، ولا تستطيع الامتناع من معصية إلا بعصمته ، ولا تنجو ~~من عذابه إلا بعفوه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لن يدخل الجنة أحد ~~بعمله". قالوا : ولا أنت يا رسول الله؟ قال : " ولا أنا إلا أن يتغمدني ~~الله برحمته". ### ||| * باب السجود # واسجد لله سجود عبد متواضع علم أنه خلق من تراب يطؤه جميع الخلق ، وأنه ~~ركب من نطفة يستقذرها كل واحد ، فإذا فكر في أصله وتأمل تركيب جوهره من ماء ~~وطين ازداد لله تواضعا ويقول في نفسه : ويحك لم رفعت رأسك من سجودك؟ لم لم ~~تمت بين يديه ، وقد جعل الله السجود سبب القرب إليه؟ فقال تعالى : ( ~~@QUR@02 واسجد واقترب ). فمن اقترب منه بعد من كل شيء سواه ، واحفظ صفة ~~سجودك في هذه الآية : ( @QUR@08 منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم ~~تارة أخرى ) [طه : 55]. واستعن بالله عن غيره ، فإنه روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال : قال الله تبارك وتعالى : (لا أطلع على قلب عبد ~~فأعلم منه حب العمل بطاعتي إلا توليت تقويمه وسياسته). ### ||| * باب التشهد # والتشهد ثناء ، وشكر له ، وتعرض لمزيد فضله ودوام كرامته ، فاخرج عن ~~دعواك وكن له عبدا بفعلك كما أنت عبد له بقولك ، فإنه خلقك عبدا وأمرك أن ~~تكون له عبدا كما خلقك : ( @QUR@016 وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ~~ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ) [الأحزاب : 36]. # ( @QUR@09 وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة ) [القصص : 68]. PageV01P217 # فاستعمل العبودية في الرضى بحكمته ، واستعمل العبادة في النزول تحت أمره ~~، وصل على حبيبه عقب الثناء عليه ، فإنه وصل محبته بمحبته وطاعته بطاعته ~~ومتابعته بمتابعته ، فقال تعالى : ( @QUR@08 قل إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعوني يحببكم الله ) [آل عمران : 31]. وقال : ( @QUR@06 [من يطع الرسول ~~فقد أطاع الله] ) [النساء : 80]. وقال : ( @QUR@06 إن الذين يبايعونك إنما ~~يبايعون الله ) [الفتح : 10]. وأمر رسوله بالاستغفار لك ، فقال تعالى : ( ~~@QUR@010 فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك ms283 وللمؤمنين والمؤمنات ) ~~[محمد : 19]. وأمرك بالصلاة عليه ، فقال تعالى : ( @QUR@014 إن الله ~~وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) ~~[الأحزاب : 56]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من صلى علي واحدة صلى ~~الله عليه بها عشرا وعامله بالفضل". فقال تعالى : ( @QUR@03 ورفعنا لك ذكرك ~~) [الانشراح : 4]. ثم أمره بمعاملته بالعدل فقال لغيره : ( @QUR@06 فإذا ~~قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض ) [الجمعة : 10]. وقال له : ( @QUR@06 فإذا ~~فرغت فانصب* وإلى ربك فارغب ) [الانشراح : 7 و8]. ### ||| * باب السلام # السلام من أسماء الله تعالى أودعه خلقه ليستعملوا معناه في معاملته ~~ومعاشرة خلقه ، فإذا أردت السلامة فليسلم منك صديقك وارحم من لا يرحم نفسه ~~فإن الخلق بين فتن ومحن ، إما مبتلى بالنعمة ليظهر شكره ، وإما مبتلى ~~بالشدة ليظهر صبره ، قال الله تعالى : ( @QUR@022 فأما الإنسان إذا ما ~~ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن* وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه ~~رزقه فيقول ربي أهانن* كلا ) [الفجر : 15. 17]. فالكرامة في طاعته والهوان ~~في معصيته ومن ركب الهوى أهانه الله. ### ||| * باب الدعاء # وأحفظ آداب الدعاء وانظر من تدعو وكيف تدعو ولما ذا تدعو ولما ذا تسأل ، ~~والدعاء استجابة الكل منك للحق وإن لم تأت بشرط الدعاء فلا تشترط الإجابة. ~~قال مالك بن دينار : أنتم تستبطئون المطر وأنا أستبطئ الحجر ، ولو لم يأمر ~~الله سبحانه بالدعاء لوجب علينا أن ندعوه ولو لم يشترط لنا الإجابة لكنا ~~إذا أخلصنا له الدعاء تفضل بالإجابة. فكيف وقد ضمن ذلك لمن أتى بشرط ~~الدعاء. قال الله تعالى : ( @QUR@08 قل ما يعبؤا بكم ربي لو لا دعاؤكم ) ~~[الفرقان : 77]. وقال تعالى : ( @QUR@03 ادعوني أستجب لكم ) [غافر : 60]. ~~وسئل أبو يزيد البسطامي عن اسم الله الأعظم ، فقال : فرغ قلبك من غيره ~~وادعه بأي أسمائه شئت ، وقال يحيى بن معاذ : اطلب صاحب الاسم. وقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : " لا يستجيب الله الدعاء من قلب لاه فإذا أخلصت ~~فأبشر بإحدى ثلاث : إما أن يجعل لك ما سألت ، وإما أن يدخر لك ما هو أعظم ~~منه ، وإما أن يصرف عنك من البلاء ما ms284 لو صبه عليك لهلكت وادع دعاء مستجير ~~لا دعاء مشير" ، روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : " قال الله ~~تبارك وتعالى من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين". وقال ~~أبو الحسين الوراق : دعوت الله مرة فاستجاب دعائي فنسيت الحاجة فاحفظ حق ~~الله عز وجل عليك في PageV01P218 # الدعاء ولا تشتغل بحظك فإنه أعلم بمصلحتك. ### ||| * باب الصوم # فإذا صمت فانو بصومك كف النفس عن الشهوات ، فإن الصوم فناء مراد النفس ~~وفيه صفاء القلب وضمارة الجوارح والتنبيه على الإحسان إلى الفقراء ~~والالتجاء إلى الله والشكر على ما تفضل به من النعم وتخفيف الحساب ، ومنة ~~الله في توفيقك للصوم أعظم من أن تقوم بشكرها ومن صومك أن تطلب منه عوضا. ### ||| * باب الزكاة # وعن كل جزء من أجزائك زكاة واجبة لله ، فزكاة القلب التفكر في عظمته ~~وحكمته وقدرته وحجته ونعمته ورحمته ، وزكاة العين النظر بالعبرة والغض عن ~~الشهوة ، وزكاة الأذن الاستماع إلى ما فيه نجاتك ، وزكاة اللسان النطق بما ~~يقربك إليه ، وزكاة اليد القبض عن الشر والبسط إلى الخير ، وزكاة الرجل ~~السعي إلى ما فيه صلاح قلبك وسلامة دينك. ### ||| * باب الحج # والمريد إذا حج يعقد النية خوف الرد ، واستعد استعداد من لا يرجو الإياب ~~، وأحسن الصحبة ، وتجرد عند الإحرام عن نفسه ، واغتسل من ذنبه ، ولبس ثوب ~~الصدق والوفاء ، ولبى موافقة للحق في إجابة دعوته ، وأحرم في الحرم من كل ~~شيء يبعده عن الله تعالى ، وطاف بقلبه حول كرسي كرامته ، وصفا ظاهره ، ~~وباطنه عند الوقوف على الصفا ، وهرول هربا من هواه ولم يتمن على الله تمني ~~ما لا يحل له واعترف بالخطإ بعرفة ، وتقرب إلى الله بمزدلفة ، ورمى الشهوات ~~عند رمي الجمرات ، وذبح هواه وحلق الذنوب ، وزار البيت معظما صاحبه ، ~~واستلم الحجر رضاء بقضائه ، وودع ما دون الله في طواف الوداع. ### ||| * باب السلامة # واطلب السلامة فليت من طلبها وجدها فكيف لمن تعرض للبلاء ، والسلامة قد ~~عزت في هذا الزمان وهي في الخمول ، فإن لم تكن في الخمول ، فالعزلة وليست ~~كالخمول ms285 فإن لم تكن عزلة فالصمت وليس كالعزلة ، فإن لم تكن في صمت فالكلام ~~بما ينفع ولا يضر وليس كالصمت ، وإن أردت السلامة فلا تنازع الأضداد ولا ~~تنافس الأشكال كل من قال أنا فقل أنت ، وكل من قال لي فقل لك ، والسلامة في ~~زوال العرف ، وزوال العرف في فقد الإرادة ، وفقد الإرادة في ترك دعوى العلم ~~فيما استأثر الله به من تدبير أمرك. قال الله تعالى : ( @QUR@04 أليس الله ~~بكاف عبده ) [الزمر : 36]. وقال : ( @QUR@06 يدبر الأمر من السماء إلى ~~الأرض ) [السجدة : 5]. PageV01P219 ### ||| * باب العزلة # صاحب العزلة يحتاج إلى عشرة أشياء : علم الحق والباطل والزهد واختيار ~~الشدة واغتنام الخلوة والسلامة والنظر في العواقب وأن يرى غيره أفضل منه ~~ويعزل عن الناس شره ولا يفتر عن العلم ، فإن الفراغ بلاء ولا يعجب بما هو ~~فيه ويخلو بيته من الفضول ، والفضول ما فضل عن يومك لأهل الإرادة ، ما فضل ~~عن وقتك لأهل المعرفة ، ويقطع ما يقطعه عن الله تعالى ، قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لحذيفة بن اليمان : " كن حلس بيتك". وقال عيسى ابن مريم ~~عليه السلام : أملك لسانك وليسعك بيتك وأنزل نفسك منزلة السبع الضاري والنار ~~المحرقة ، وقد كان الناس ورقا بلا شوك فصاروا شوكا بلا ورق ، وكانوا أدواء ~~يستشفى بهم فصاروا داء لا دواء له. قيل لداود الطائي: ما لك لا تخالط ~~الناس؟ فقال : كيف أخالط من يتبع عيوبي كبير لا يعرف الخلق وصغير لا يوقر ، ~~من استأنس بالله استوحش من غيره. وقال الفضيل : إن استطعت أن تكون في موضع ~~لا تعرف ولا تعرف فافعل. وقال سليمان : همي من الدنيا أن ألبس عباءة وأكون ~~بقرية ليس فيها أحد يعرفني ولا غذاء لي ولا عشاء ، وقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : " يأتي زمان المتمسك يومئذ بدينه كالقابض على الجمر وله ~~أجر خمسين منكم". وفي العزلة صيانة الجوارح وفراغ القلب وسقوط حقوق الخلق ~~وإغلاق أبواب الدنيا وكسر سلاح الشيطان وعمارة الظاهر والباطن. ### ||| * باب العبادة # أقبل على أداء الفرائض ، فإن سلم لك فرضك فأنت أنت ، واطلب ms286 بالنوافل حفظ ~~الفرائض وكلما ازددت عبادة فازدد شكرا وخوفا. قال يحيى بن معاذ : عجبت ~~لطالب فضيلة تارك فريضة ومن كان عليه دين فأهدى إلى صاحب الدين مثل حقه كان ~~مطالبا بالحق إذا حل الأجل. وقال أبو بكر الوراق : ابذل في هذا الزمان ~~أربعة على أربعة : الفضائل على الفرائض ، والظاهر على الباطن ، والخلق على ~~النفس ، والكلام على الفعل. ### ||| * باب التفكر # تفكر في قوله عز وجل : ( @QUR@011 هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن ~~شيئا مذكورا ) [الدهر : 1]. واذكر كيف أحوالك واعتبر بما مضى من الدنيا على ~~ما تراه ، هل أبقت على أحد ، وما بقي منها أشبه بما مضى من الماء بالماء ، ~~وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لم يبق من الدنيا إلا بلاء وفتنة". ~~وقيل لنوح عليه السلام : " كيف وجدت الدنيا يا أطول الأنبياء عمرا؟ قال : ~~كبيت له بابان دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر". والفكرة أبو كل خير وهي ~~مرآة تريك الحسنات والسيئات. PageV01P220 # تم بحمد الله وعونه وحسن توفيقه والحمد لله وحده. # قال الشيخ محمد بن علي بن الساكن في كتاب دليل الطالب إلى نهاية المطالب. ~~قال : فالطالب المجتهد إذا أراد لبس الخرقة فالواجب عليه أن يخلع الثوب ~~الذي كان يلبسه في أيام العادة. وأحسن ما تلبس هذه الطائفة الصوف إذ هم ~~منسوبون إليه ، قيل : إن أول من لبس الصوف آدم وحواء عليهما السلام ، وكان ~~موسى وعيسى ويحيى عليهم السلام يلبسون الصوف ، وكان نبينا صلى الله عليه وسلم ~~أشرف الأنبياء وكان يلبس عباءة كان مقدار ثمنها خمس دراهم وينبغي أن لا ~~يلبس الصوف إلا من صفا من كدر النفس ، فقد قال الحسن البصري : بلغني أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تلبسوا الصوف إلا وقلوبكم نقية ، فإنه من ~~لبس الصوف على دغل وغش قلاه جبار السماء فإذا لبسه وجب أن يقوم بوظائف ~~حروفه ، وهي ثلاثة أما وظيفة الصاد فهي : الصدق والصفاء والصيانة والصبر ~~والصلاح ، وأما وظيفة الواو فهي : الوصلة والوفاء والوجد ، وأما وظيفة ~~الفاء فهي الفرح والتفجع ms287 فلو لبس المرقع وجب عليه أن يؤدي حق حروفه ، وهي ~~أربعة : فحق الميم المعرفة والمجاهدة والمذلة ، وحق الراء : الرحمة والرأفة ~~والرياضة والراحة ، وحق القاف : القناعة والقربة والقوة والقول الصدق ، وحق ~~العين : العلم والعمل والعشق والعبودية ، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بلبس المرقع حيث قال لعائشة رضي الله عنها : " إن سرك اللحوق بي فإياك ~~ومجالسة الموتى ولا تستبدلي ثوبا حتى ترقعيه" ، انتهى والله أعلم. PageV01P221 ### ||| * الرسالة اللدنية PageV01P222 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * خطبة الرسالة # الحمد لله الذي زين قلوب خواص عباده بنور الولاية ، وربى أرواحهم بحسن ~~العناية ، وفتح باب التوحيد على العلماء العارفين بمفتاح الدراية ، وأصلي ~~وأسلم على سيدنا محمد سيد المرسلين صاحب الدعوة والرعاية ، ودليل الأمة إلى ~~الهداية ، وعلى آله سكان حرم الحماية. ### ||| * العلم الغيبي اللدني # اعلم أن واحدا من أصدقائي حكى عن بعض العلماء أنه أنكر العلم الغيبي ~~اللدني الذي يعتمد عليه خواص المتصوفة ، وينتمي إليه أهل الطريقة ، ويقولون ~~إن العلم اللدني أقوى وأحكم من العلوم المكتسبة المحصلة بالتعلم ، وحكي أن ~~ذلك المدعي يقول : بأني لا أقدر على تصوير علم الصوفية ، لا أظن أن أحدا في ~~العالم يتكلم في العلم الحقيقي من فكر وروية دون تعلم وكسب ، فقلت : كأنه ~~ما اطلع على طرق التحصيل ، وما درى أمر النفس الإنسانية وصفاتها وكيفية ~~قبولها لآثار الغيب وعلم الملكوت ، فقال صديقي : نعم إن ذلك الرجل يقول بأن ~~العلم هو الفقه وتفسير القرآن والكلام وحسب ، وليس وراءها علم وهذه العلوم ~~لا تتحصل إلا بالتعلم والتفقه ، فقلت : نعم فكيف يعلم علم التفسير فإن ~~القرآن هو البحر المحيط المشتمل على جميع الأشياء وليس جميع معانيه وحقائق ~~تفسيره مذكورة في هذه التصانيف المشهورة بين العوام ، بل التفسير غير ما ~~يعلم ذلك المدعي ، فقال ذلك الرجل : لا يعد التفاسير إلا التفاسير المعروفة ~~المذكورة والمنسوبة إلى القشيري والثعلبي والماوردي وغيرهم ، فقلت : لقد ~~بعد عن منهج الحقيقة ، فإن السلمي جمع شيئا في التفسير من كلمات المحققين ~~شبه التحقيق ، وتلك الكلمات غير مذكورة في سائر التفاسير. وذلك الرجل الذي ~~لا ms288 يعد العلم إلا الفقه والكلام. وهذا التفسير العامي كأنه ما علم أقسام ~~العلوم وتفاصيلها ومراتبها وحقائقها وظواهرها وبواطنها ، وقد جرت العادة ~~بأن الجاهل بالشيء ينكر ذلك الشيء ، وذلك المدعي ما ذاق شراب الحقيقة وما ~~اطلع على العلم اللدني فكيف يقر بذلك ، ولا أرضى بإقراره تقليدا أو تخمينا ~~ما لم يعرف ، فقال ذلك الصديق : أريد أن تذكر طرفا من مراتب العلوم وتصحيح ~~هذا العلم وتعزيه أنت لنفسك وتقر على إثباته ، فقلت : إن هذا المطلوب بيانه ~~عسير جدا ، لكن أشرع في مقدماته بحسب اقتضاء حالي وموافقة وقتي وما سنح ~~بخاطري ، ولا أريد تطويل الكلام فإن خير الكلام ما قل ودل ، وسألت الله ~~عز وجل التوفيق والإعانة وذكرت مطلوب صديقي الفاضل في هذا المفضول. PageV01P223 ### ||| * فصل في شرف العلم # اعلم أن العلم تصور النفس الناطقة المطمئنة حقائق الأشياء وصورها المجردة ~~عن المواد بأعيانها وكيفياتها وكمياتها وجواهرها وذواتها إن كانت مفردة ، ~~والعالم هو المحيط المدرك المتصور ، والمعلوم هو ذات الشيء الذي ينتقش علمه ~~في النفس ، وشرف العلم على قدر شرف معلومه ، ورتبة العالم تكون بحسب رتبة ~~العلم. ولا شك أن أفضل المعلومات وأعلاها وأشرفها وأجلها هو الله الصانع ~~المبدع الحق الواحد ، فعلمه هو علم التوحيد أفضل العلوم وأجلها وأكملها ، ~~وهذا العلم ضروري واجب تحصيله على جميع العقلاء كما قال صاحب الشرع عليه ~~الصلاة والسلام : " طلب العلم فريضة على كل مسلم". أمر بالسفر في طلب هذا ~~العلم. فقال صلى الله عليه وسلم : " اطلبوا العلم ولو بالصين". وعالم هذا ~~العلم أفضل العلماء وبهذا السبب خصهم الله تعالى بالذكر في أجل المراتب ، ~~فقال : ( @QUR@010 شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم ) ~~[آل عمران : 18]. فعلماء علم التوحيد الإطلاق هم الأنبياء وبعدهم العلماء ~~الذين هم ورثة الأنبياء ، وهذا العلم وإن كان شريفا في ذاته كاملا في نفسه ~~لا ينفي سائر العلوم بل لا يحصل إلا بمقدمات كثيرة ، وتلك المقدمات لا ~~تنتظم إلا من علوم شتى مثل علم السماوات والأفلاك وعلم جميع المصنوعات ، ~~ويتولد عن علم التوحيد علوم أخر ms289 كما سنذكر أقسامها في مواضعها. # فاعلم أن العلم شريف بذاته من غير نظر إلى جهة المعلوم ، حتى أن علم ~~السحر شريف بذاته وإن كان باطلا ، وذلك أن العلم ضد الجهل ، والجهل من ~~لوازم الظلمة ، والظلمة من حيز السكون ، والسكون قريب من العدم ، ويقع ~~الباطل والضلالة في هذا القسم ، فإذا الجهل حكمه حكم العدم ، والعلم حكمه ~~حكم الوجود ، والوجود خير من العدم ، والهداية والحق والنور كلها في سلك ~~الوجود ، فإذا كان الوجود أعلى من العدم فالعلم أشرف من الجهل ، فإن الجهل ~~مثل العمى والظلمة ، والعلم مثل البصر والنور ، ( @QUR@08 وما يستوي الأعمى ~~والبصير* ولا الظلمات ولا النور ) [فاطر : 19 و20]. وصرح سبحانه بهذه ~~الإشارات فقال : ( @QUR@08 قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) ~~[الزمر : 9]. فإذا كان العلم خيرا من الجهل ، والجهل من لوازم الجسم ، ~~والعلم من صفات النفس ، والنفس أشرف من الجسم ، وللعلم أقسام كثيرة نحصيها ~~في فصل آخر. وللعالم في طلب العلم طرق عديدة نذكرها في فصل آخر. والآن لا ~~يتعين عليك بعد معرفة فضل العلم إلا معرفة النفس التي هي لوح العلوم ومقرها ~~ومحلها ، وذلك أن الجسم ليس بمحل للعلم لأن الأجسام متناهية ، ولا يتسع ~~لكثرة العلوم بل لا يحتمل إلا النقوش والرقوم والنفس قابلة لجميع العلوم من ~~غير ممانعة ولا مزاحمة وملال وزوال ، ونحن نتكلم في شرح النفس على سبيل ~~الاختصار. ### ||| * فصل في شرح النفس والروح الإنساني # اعلم أن الله تعالى خلق الإنسان من شيئين مختلفين : أحدهما : الجسم ~~المظلم الكثيف الداخل تحت الكون والفساد المركب المؤلف الترابي الذي لا يتم ~~أمره إلا بغيره ، والآخر : هو النفس الجوهري المفرد المنير المدرك الفاعل ~~المحرك المتمم للآلات والأجسام ، والله تعالى ركب الجسد من أجزاء الغذاء ورباه PageV01P224 # بأجزاء الرماد ، ومهد قاعدته وسوى أركانه وعين أطرافه وأظهر جوهر النفس ~~من أمره الواحد الكامل المكمل المفيد. ولا أعني بالنفس القوة الطالبة ~~للغذاء ، ولا القوة المحركة للشهوة والغضب ، ولا القوة الساكنة في القلب ~~المولدة للحياة ، والمبرزة للحس والحركة من القلب إلى جميع الأعضاء ، فإن ~~هذه القوة ms290 تسمى روحا حيوانيا ، والحس والحركة والشهوة والغضب من جنده ، ~~وتلك القوة الطالبة للغذاء الساكنة في الكبد بالتصرف يقال لها روحا طبيعيا ~~، والهضم والدافع من صفاتها ، والقوة المصورة والمولدة والنامية وباقي ~~القوى المنطبعة كلها خدام للجسد ، والجسد خادم الروح الحيواني لأنه يقبل ~~القوى عنه ويعمل بحسب تحريكه وإنما أعني بالنفس ذلك الجوهر الكامل الفردي ~~الذي ليس من شأنه إلا التذكر والتحفظ والتفكر والتمييز والروية ، ويقبل ~~جميع العلوم ولا يمل من قبول الصور المجردة المعراة عن المواد وهذا الجوهر ~~رئيس الأرواح وأمير القوى ، الكل يخدمونه ويمتثلون أمره وللنفس الناطقة ~~أعني هذا الجوهر عند كل قوم اسم خاص ، فالحكماء يسمون هذا الجوهر النفس ~~الناطقة ، والقرآن تسمية النفس المطمئنة والروح الأمري ، والمتصوفة تسميه ~~القلب ، والخلاف في الأسامي والمعني واحد لا خلاف فيه. فالقلب والروح عندنا ~~، والمطمئنة كلها أسامي النفس الناطقة ، والنفس الناطقة ، هي الجوهر الحي ~~الفعال المدرك ، وحيثما نقول الروح المطلق أو القلب فإنما نعني به هذا ~~الجوهر ، والمتصوفة يسمون الروح الحيواني نفسا. والشرع ورد بذلك ، فقال: " ~~أعدى عدوك نفسك". وأطلق الشارع اسم النفس بل أكدها بالإضافة ، فقال : " ~~نفسك التي بين جنبيك". وإنما أشار بهذه اللفظة إلى القوة الشهوانية ~~والغضبية فإنهما ينبعثان عن القلب الواقف بين الجنبين ، فإذا عرفت فرق ~~الأسامي ، فاعلم أن الباحثين يعبرون عن هذا الجوهر النفيس بعبارات مختلفة ، ~~ويرون فيه آراء متفاوتة ، والمتكلمين المعرفين بعلم الجدل يعدون النفس جسما ~~، ويقولون إنه جسم لطيف بإزاء هذا الجسم الكثيف ، ولا يرون الفرق بين الروح ~~والجسد إلا باللطافة والكثافة وبعضهم يعد الروح عرضا ، وبعض الأطباء يميل ~~إلى هذا القول ، وبعضهم يرى الدم روحا وكلهم قنعوا بقصور نظرهم على تخيلهم ~~وما طلبوا القسم الثالث ، واعلم أن الأقسام ثلاثة : الجسم والعرض والجوهر ~~الفرد ، فالروح الحيواني جسم لطيف كأنه سراج مشعل موضوع في زجاجة القلب ~~أعني ذلك الشكل الصنوبري المعلق في الصدر ، والحياة ضوء السراج والدم رهنه ~~، والحس والحركة نوره ، والشهوة حرارته ، والغضب دخانه ، والقوة الطالبة ~~للغذاء الكائنة في الكبد خادمه وحارسه ووكيله. وهذا الروح يوجد عند ms291 جميع ~~الحيوانات ، والإنسان هو جسم وآثاره أعراض ، وهذا الروح لا يهتدي إلى العلم ~~ولا يعرف طريق المصنوع ولا حق الصانع ، وإنما هو خادم أسير يموت بموت البدن ~~، لو يزيد الدم ينطفئ ذلك السراج بزيادة الحرارة ، ولو ينقص ينطفئ بزيادة ~~البرودة وانطفاؤه سبب موت البدن ، وليس خطاب الباري سبحانه ولا تكليف ~~الشارع لهذا الروح لأن البهائم وسائر الحيوانات غير مكلفين ولا مخاطبين ~~بأحكام الشرع ، والإنسان إنما يكلف ويخاطب لأجل معنى آخر وجد عنده زائدا ~~خاصا به ، وذلك المعنى هو النفس الناطقة والروح المطمئنة ، وهذا الروح ليس ~~بجسم ولا عرض لأنه من أمر الله تعالى كما قال : ( @QUR@05 قل الروح من أمر ~~ربي ) [الإسراء : 85]. وقال : ( @QUR@04 يا أيتها النفس المطمئنة* PageV01P225 # @QUR@05 ارجعي إلى ربك راضية مرضية ) [الفجر : 27 و28]. وأمر الباري ~~تعالى ليس بجسم ولا عرض ، بل قوة إلهية مثل العقل الأول واللوح والقلم ، ~~وهي الجواهر المفردة المفارقة للمواد بل هي أضواء مجردة معقولة غير محسوسة ~~، والروح والقلب بلساننا من قبل تلك الجواهر ، ولا يقبل الفساد ولا يضمحل ~~ولا يفنى ولا يموت ، بل يفارق البدن وينتظر العود إليه في يوم القيامة كما ~~ورد في الشرع وقد صح في العلوم الحكمية بالبراهين القاطعة ، والدلائل ~~الواضحة أن الروح الناطق ليس بجسم ولا عرض ، بل هو جوهر ثابت دائم غير فاسد ~~، ونحن نستغني عن تكرير البرهان وتعديد الدلائل لأنها مقررة مذكورة. فمن ~~أراد تصحيحها فليرجع إلى الكتب اللائقة بذلك الفن. فأما في طريقنا فلا ~~يتأتى بالبرهان بل نعول على العيان ونعتمد على رؤية الإيمان ، ولما أضاف ~~الله تعالى الروح إلى أمره وتارة إلى عزته ، فقال : ( @QUR@04 ونفخت فيه من ~~روحي ) [الحجر : 29 ص : 72]. وقال : ( @QUR@05 قل الروح من أمر ربي ) ~~[الإسراء : 85]. وقال : ( @QUR@04 فنفخنا فيه من روحنا ) [التحريم : 12]. ~~والله تعالى أجل من أن يضيف إلى نفسه جسما أو عرضا لخستهما وتغيرهما وسرعة ~~زوالهما وفسادهما ، والشارع صلى الله عليه وسلم قال : " الأرواح جنود مجندة" ، ~~وقال : " أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر" ، والعرض لا يبقى بعد فناء ~~الجوهر لأنه لا يقوم بذاته ، والجسم ms292 يقبل التحليل ، كما قيل : التركيب من ~~المادة والصورة كما هو مذكور في الكتب ، فلما وجدنا هذه الآيات والأخبار ~~والبراهين العقلية علمنا أن الروح جوهر فرد كامل حي بذاته يتولد منه صلاح ~~الدين وفساده ، والروح الطبيعي والحيواني وجميع القوى البدنية كلها من ~~جنوده ، وأن هذا الجوهر يقبل صور المعلومات وحقائق الموجودات من غير اشتغال ~~بأعيانها وأشخاصها ، فإن النفس قادرة على أن تعلم حقيقة الإنسانية من غير ~~أن ترى إنسانا كما أنها علمت الملائكة والشياطين ، وما احتاجت إلى رؤية ~~أشخاصها إذ لا ينالهما حواس أكثر الناس ، وقال قوم من المتصوفة إن للقلب ~~عينا كما للجسد ، فيرى الظواهر بالعين الظاهرة ، ويرى الحقائق بعين العقل ، ~~وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما من عبد إلا ولقلبه عينان" ، وهما ~~عينان يدرك بهما الغيب ، فإذا أراد الله تعالى بعبد خيرا فتح عيني قلبه ~~ليرى ما هو غائب عن بصره ، وهذا الروح لا يموت بموت البدن لأن الله تعالى ~~يدعوه إلى بابه فيقول : ( @QUR@03 ارجعي إلى ربك ) [الفجر : 28]. وإنما هو ~~يفارق ويعرض عن البدن ، فمن أعراضه تتعطل أحوال القوى الحيوانية والطبيعية ~~فيسكن المتحرك فيقال لذلك السكون : موت ، وأهل الطريقة. أعني الصوفية. ~~يعتمدون على الروح والقلب أكثر اعتمادا منهم على الشخص. وإذا كان الروح من ~~أمر الباري تعالى فيكون في البدن كالغريب ، ويكون وجهه إلى أصله ومرجعه. ~~فينال الفوائد من جانب الأصل أكثر مما ينال من جهة الشخص إذا قوي ولم يدنس ~~بأدناس الطبيعة. وإذا علمت أن الروح جوهر فرد وعلمت أن الجسد لا بد له من ~~المكان. والعرض لا يبقى إلا بالجوهر. فاعلم أن هذا الجوهر لا يحل في محل ~~ولا يسكن في مكان ، وليس البدن مكان الروح ولا محل القلب ، بل البدن آلة ~~الروح وأداة القلب ومركب النفس. والروح ذاته غير متصل بأجزاء البدن ولا ~~منفصل عنه ، بل هو مقبل على البدن مفيد له مفيض عليه ، وأول ما يظهر نوره ~~على الدماغ لأن الدماغ مظهره الخاص اتخذ من مقدمه حارسا. ومن وسطه وزيرا PageV01P226 # ومدبرا ، ومن آخره ms293 خزانة وخازنا ، ومن جميع الأجزاء رجالا وركبانا ، ومن ~~الروح الحيواني خادما ، ومن الطبيعي وكيلا ، ومن البدن مركبا ، ومن الدنيا ~~ميدانا ، ومن الحياة بضاعة ومالا ، ومن الحركة تجارة ، ومن العلم ربحا ، ~~ومن الآخرة مقصدا ومرجعا ، ومن الشرع طريقة ومنهجا ، ومن النفس الأمارة ~~حارسا ونقيبا ، ومن اللوامة منبها ، ومن الحواس جواسيس وأعوانا ، ومن الدين ~~درعا ، ومن العقل أستاذا ، ومن الحس تلميذا ، والرب سبحانه من وراء هذه ~~كلها بالمرصاد ، والنفس بهذه الصفة مع هذه الآلة ما أقبلت على هذا الشخص ~~الكثيف وما اتصلت بذاته بل تنيله الإفادة ، ووجهها إلى بارئها وأمر بارئها ~~بالاستفادة إلى أجل مسمى ، فالروح لا يشتغل في مدة هذا السفر إلا بطلب ~~العلم لأن العلم يكون حليته في دار الآخرة" لأن حلية المال والبنين زينة ~~حياة الدنيا ، فكما أن العين مشغولة برؤية المنظورات ، والسمع مواظب على ~~استماع الأصوات ، واللسان مستعد لتركيب الأقوال ، والروح الحيواني مريد ~~اللذات الغضبية ، والروح الطبيعي محب للذائذ الأكل والشرب ، كذلك الروح ~~المطمئنة. أعني القلب. لا يريد إلا العلم ولا يرضى إلا به ويتعلم طول عمره. ~~ويتحلى بالعلم جميع أيامه إلى وقت مفاقته ، ولو قبل أمرا آخر دون العلم ~~فإنما يقبل عليه لمصلحة البدن لا لمراد ذاته ومحبة أصله. فإذا علمت أحوال ~~الروح ودوام بقائه وعشقه للعلم وشغفه به ، فيجب عليك أن تعلم أصناف العلم ~~فإنها كثيرة ونحن نحصيها بالاختصار. ### ||| * فصل في أصناف العلم وأقسامه # اعلم أن العلم على قسمين : أحدهما شرعي ، والآخر عقلي. وأكثر العلوم ~~الشرعية عقلية عند عالمها. وأكثر العلوم العقلية شرعية عند عارفها ( ~~@QUR@010 ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ) [النور : 40]. # أما القسم الأول : وهو العلم الشرعي ، فينقسم إلى نوعين : # أحدهما : في الأصول وهو علم التوحيد. وهذا العلم ينظر في ذات الله تعالى ~~وصفاته القديمة ، وصفاته الفعلية ، وصفاته الذاتية المتعددة بالأسامي على ~~الوجه المذكور. وينظر أيضا في أحوال الأنبياء والأئمة من بعدهم والصحابة. ~~وينظر في أحوال الموت والحياة وفي أحوال القيامة والبعث والحشر والحساب ، ~~ورؤية الله تعالى وأهل النظر في هذا ms294 العلم يتمسكون أولا بآيات الله تعالى ~~من القرآن ، ثم بأخبار الرسول صلى الله عليه وسلم ، ثم بالدلائل العقلية ~~والبراهين القياسية ، وأخذوا مقدمات القياس الجدلي والعادي ولواحقهما من ~~أصحاب المنطق الفلسفي ، ووضعوا أكثر الألفاظ في غير مواضعها ، ويعبرون في ~~عباراتهم بالجوهر والعرض والدليل والنظر والاستدلال والحجة ، ويختلف معنى ~~كل لفظ من هذه الألفاظ عند كل قوم حتى أن الحكماء يعنون بالجوهر شيئا ، ~~والصوفية يعنون شيئا آخر ، والمتكلمون شيئا ، وعلى هذا المثال ، وليس ~~المراد في هذه الرسالة تحقيق معاني الألفاظ على حسب آراء القوم ، فلا نسرع ~~فيها. وهؤلاء القوم مخصوصون بالكلام في الأصول وعلم التوحيد ولقبهم ~~المتكلمون ، فإن اسم الكلام اشتهر على علم التوحيد. ومن علم الأصول PageV01P227 # التفسير ، فإن القرآن من أعظم الأشياء وأبينها وأجلها وأعزها. وفيه من ~~المشكلات الكثيرة ما لا يحيط بها كل عقل إلا من أعطاه الله تعالى فهما في ~~كتابه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما من آية من آيات القرآن إلا ~~ولها ظهر وبطن ولبطنه بطن إلى سبعة أبطن" ، وفي رواية إلى تسعة. وقال ~~صلى الله عليه وسلم : " لكل حرف من حروف القرآن حد ولكل حد مطلع" ، والله ~~تعالى أخبر في القرآن عن جميع العلوم وجلي الموجودات وخفيها وصغيرها ~~وكبيرها ومحسوسها ومعقولها. وإلى هذه الإشارة بقوله تعالى : ( @QUR@08 ولا ~~رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ) [الأنعام : 59]. وقال تعالى : ( @QUR@05 ~~ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب ) [ص : 29]. وإذا كان أمر القرآن أعظم ~~الأمور فأي مفسر أدى حقه ، وأي عالم خرج عن عهدته ، نعم كل واحد من ~~المفسرين شرع في شرحه بمقدار طاقته ، وخاض في بيانه بحسب قوة عقله ، وقدر ~~كنه علمه ، فكلهم قالوا ، وبالحقيقة ما قالوا ، وعلم القرآن يدل على علم ~~الأصول والفروع والشرعي والعقلي. ويجب على المفسر أن ينظر في القرآن من وجه ~~اللغة ، ومن وجه الاستعارة ، ومن وجه تركب اللفظ ، ومن وجه مراتب النحو ، ~~ومن وجه عادة العرب ، ومن وجه أمور الحكماء ، ومن وجه كلام المتصوفة حتى ~~يقرب تفسيره إلى التحقيق ، ولو يقتصر على وجه واحد ms295 ويقنع في البيان بفن ~~واحد لم يخرج عن عهده البيان ، ويتوجه عليه حجة الإيمان وإقامة البرهان ، ~~ومن علم الأصول أيضا علم الأخبار. فإن النبي صلى الله عليه وسلم أفصح العرب ~~والعجم ، وكان معلما يوحى إليه من قبل الله تعالى ، وكان عقله محيطا بجميع ~~العلويات والسفليات ، فكل كلمة من كلماته بل لفظة من ألفاظه يوجد تحتها ~~بحار الأسرار وكنوز الرموز ، فعلم أخباره ومعرفة أحاديثه أمر عظيم ، وخطب ~~جليل. لا يقدر أحد أن يحيط بعلم الكلام النبوي إلا أن يهذب نفسه بمتابعة ~~الشارع ، ويزيل الاعوجاج عن قلبه بتقويم شرع النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن ~~أراد أن يتكلم في تفسير القرآن وتأويل الأخبار ويصيب في كلامه ، فيجب عليه ~~أولا تحصيل علم اللغة والتبحر في فن النحو ، والرسوخ في ميدان الإعراب ، ~~والتصرف في أصناف التصريف ، فإن علم اللغة سلم ومرقاة إلى جميع العلوم ، ~~ومن لم يعلم اللغة فلا سبيل له إلى تحصيل العلوم. فإن من أراد أن يصعد سطحا ~~عليه تمهيد المرقاة أولا ثم بعد ذلك يصعد ، وعلم اللغة وسيلة عظيمة ، ~~ومرقاة كبيرة ، فلا يستغني طالب العلم عن أحكام اللغة ، فعلم اللغة أصل ~~الأصول ، وأول علم اللغة معرفة الأدوات ، وهي بمنزلة الكلمات المفردة ، ~~وبعدها معرفة الأفعال مثل الثلاثي والرباعي وغيرهما ، ويجب على اللغوي أن ~~ينظر في أشعار العرب. وأولاها وأتقنها أشعار الجاهلية. فإن فيها تنقيحا ~~للخاطر ، وترويحا للنفس ومع ذلك الشعر والأدوات والأسامي يجب تحصيل علم ~~النحو فإنه لعلم اللغة بمنزلة ميزان القبان للذهب والفضة. والمنطق لعلم ~~الحكمة والعروض للشعر ، والذراع للأثواب ، والمكيال للحبوب ، وكل شيء لا ~~يوزن بميزان لا يتبين فيه حقيقة الزيادة والنقصان. فعلم اللغة سبيل إلى علم ~~التفسير والأخبار ، وعلم القرآن والأخبار دليل على علم التوحيد ، وعلم ~~التوحيد هو الذي لا تنجو نفوس العباد إلا به ولا تتخلص من خوف المعاد إلا ~~به ، فهذا تفصيل علم الأصول. PageV01P228 # النوع الثاني : من العلم الشرعي هو علم الفروع. وذلك أن العلم إما أن ~~يكون علميا ، وإما أن يكون عمليا ، وعلم الأصول هو العلمي ms296 ، وعلم الفروع هو ~~العملي ، وهذا العلم العملي يشتمل على ثلاثة حقوق : # أولها : حق الله تعالى وهو أركان العبادات مثل الطهارة والصلاة والزكاة ~~والحج والجهاد والأذكار والأعياد والجمعة وزوائدها من النوافل والفرائض. # وثانيها : حق العباد وهو أبواب العادات ويجري في وجهين : أحدهما : ~~المعاملة مثل البيع والشركة والهبة والقرض والدين والقصاص وجميع أبواب ~~الديات ، والوجه الثاني : المعاقدة مثل النكاح والطلاق والعتق والرق ~~والفرائض ولواحقها ، ويطلق اسم الفقه على هذين الحقين. وعلم الفقه علم شريف ~~مفيد عام ضروري لا يستغني الناس عنه لعموم الضرورة إليه. # وثالثها : حق النفس ، وهو علم الأخلاق ، والأخلاق إما مذمومة ويجب رفضها ~~وقطعها ، وإما محمودة ويجب تحصيلها وتحلية النفوس بها ، والأخلاق المذمومة ~~والأوصاف المحمودة مشهورة في كتاب الله تعالى وأخبار الرسول ~~صلى الله عليه وسلم : من تخلق بواحد منها دخل الجنة. # وأما القسم الثاني : من العلم فهو العلم العقلي وهو علم معضل مشكل يقع ~~فيه خطأ وصواب. وهو موضوع في ثلاث مراتب : # المرتبة الأولى : وهو أول المراتب العلم الرياضي والمنطقي. أما الرياضي ~~فمنه الحساب وينظر في العدد والهندسة وهي علم المقادير والأشكال والهيئة ~~أعني علم الأفلاك والنجوم وأقاليم الأرض ، وما يتصل بها ، ويتفرع عنه علم ~~النجوم وأحكام المواليد والطوالع ، ومنه علم المسبقي الناظر في نسب الآثار ~~، وأما المنطقي فينظر في طريق الحد والرسم في الأشياء التي تدرك بالتصور ، ~~وينظر من طريق القياس والبرهان في العلوم التي تنال بالتصديق ، ويدور علم ~~المنطق على هذه القاعدة يبتدئ بالمفردات ثم بالمركبات ، ثم بالقضايا ، ثم ~~بالقياس ، ثم بأقسام القياس ، ثم مطلب البرهان وهو نهاية علم المنطق. # المرتبة الثانية : وهو أوسطها العلم الطبيعي ، وصاحبه ينظر في الجسم ~~المطلق ، وأركان العالم وفي الجواهر والأعراض ، وفي الحركة والسكون ، وفي ~~أحوال السماوات والأشياء الفعلية والانفعالية ، ويتولد من هذا العلم النظر ~~في أحوال مراتب الموجودات وأقسام النفوس والأمزجة ، وكمية الحواس ، وكيفية ~~إدراكها لمحسوساتها ، ثم يؤدي إلى النظر في علم الطب وهو علم الأبدان ~~والعلل والأدوية والمعالجات وما يتعلق بها ، ومن فروعه علم الآثار العلوية ~~، وعلم المعادن ، ومعرفة خواص ms297 الأشياء ، وينتهي إلى علم صنعة الكيمياء وهي ~~معالجة الأجساد المريضة في أجواف المعادن. # المرتبة الثالثة : وهي العليا ، هي النظر في الموجود ، ثم تقسيمه إلى ~~الواجب والممكن ، ثم PageV01P229 # النظر في الصانع وذاته وجميع صفاته وأفعاله وأمره وحكمه وقضائه وترتب ~~ظهور الموجودات عنه ، ثم النظر في العلويات والجواهر المفردة والعقول ~~المفارقة والنفوس الكاملة ، ثم النظر في أحوال الملائكة والشياطين ، وينتهي ~~إلى علم النبوات وأمر المعجزات وأحوال الكرامات ، والنظر في أحوال النفوس ~~المقدسة وحال النوم واليقظة ومقامات الرؤيا ، ومن فروعه علم الطلسمات ~~والنيرنجات وما يتعلق بها ، ولهذه العلوم تفاصيل وأعراض ومراتب ، تحتاج إلى ~~شرح جلي ببرهان بهي ولكن الاقتصار أولى. ### ||| * فصل في علم الصوفية # اعلم أن العلم العقلي مفرد بذاته ويتولد منه علم مركب يوجد فيه جميع ~~أحوال العلمين المفردين ، وذلك العلم المركب علم الصوفية ، وطريقة أحوالهم ~~، فإن لهم علما خاصا بطريقة واضحة مجموعة من العلمين وعلمهم يشتمل على ~~الحال ، والوقت والسماع ، والوجد والشوق ، والسكر والصحو ، والإثبات ، ~~والمحو ، والفقر ، والفناء ، والولاية ، والإرادة ، والشيخ ، والمريد ، وما ~~يتعلق بأحوالهم مع الزوائد والأوصاف والمقامات. ونحن نتكلم في هذه العلوم ~~الثلاثة في كتاب خاص إن شاء الله تعالى ، والآن ليس قصدنا إلا تعديد العلوم ~~وأصنافها في هذه الرسالة ، وقد اختصرناها وعددناها على طريق الاختصار ~~والإيجاز ، ومن أراد الزيادة وشرح هذه العلوم فليرجع إلى مطالعة الكتب ، ~~ولما انتهى الكلام في بيان تعديد أصناف العلوم ، فاعلم أنت يقينا أن كل فن ~~من هذه الفنون ، وكل علم من هذه العلوم ، يستدعي عدة شرائط لينتقش في نفوس ~~الطالبين ، فبعد تعديد العلوم يجب عليك أن تعرف طرق التحصيل فإن لتحصيل ~~العلم طرقا معينة نحن نفصلها (إن شاء الله). ### ||| * فصل في بيان التحصيل للعلوم # اعلم أن العلم الإنساني يحصل من طريقين ، أحدهما : التعليم الإنساني ، ~~والثاني : التعليم الرباني. # أما الطريق الأول : فطريق معهود ، ومسلك محسوس ، يقر به جميع العقلاء ، ~~وأما التعليم الرباني فيكون على وجهين ، أحدهما : من خارج وهو التحصيل ~~بالتعلم ، والآخر : من داخل وهو الاشتغال بالتفكر ، والتفكر من الباطن ~~بمنزلة التعلم في الظاهر ms298 ، فإن التعلم استفادة الشخص من الشخص الجزئي ، ~~والتفكر استفادة النفس من النفس الكلي ، والنفس الكلي أشد تأثيرا وأقوى ~~تعليما من جميع العلماء والعقلاء ، والعلوم مركوزة في أصل النفوس بالقوة ~~كالبذر في الأرض ، والجوهر في قعر البحر ، أو في قلب المعدن ، والتعلم هو ~~طلب خروج ذلك الشيء من القوة إلى الفعل. والتعليم هو إخراجه من القوة إلى ~~الفعل ، فنفس المتعلم تتشبه بنفس المعلم وتتقرب إليه بالنسبة ، فالعالم ~~بالإفادة كالزارع والمتعلم بالاستفادة كالأرض. والعلم الذي هو بالقوة ~~كالبذر ، والذي بالفعل كالنبات فإذا كملت نفس المتعلم تكون كالشجرة PageV01P230 # المثمرة أو كالجوهر الخارج من قعر البحر ، وإذا غلبت القوى البدنية على ~~النفس يحتاج المتعلم إلى زيادة التعلم وطول المدة ، وتحمل المشقة والتعب ~~وطلب الفائدة ، وإذا غلب نور العقل على أوصاف الحس يستغني الطالب بقليل ~~التفكر عن كثرة التعلم ، فإن نفس القابل تجد من الفوائد بتفكر ساعة ما لا ~~تجد نفس الجامد بتعلم سنة ، فإذن بعض الناس يحصلون العلوم بالتعلم وبعضهم ~~بالتفكر ، والتعلم يحتاج إلى التفكر ، فإن الإنسان لا يقدر أن يتعلم جميع ~~الأشياء الجزئيات والكليات وجميع المعلومات ، بل يتعلم شيئا ويستخرج ~~بالتفكر من العلوم شيئا وأكثر العلوم النظرية والصنائع العلمية استخرجها ~~نفوس الحكماء بصفاء ذهنهم ، وقوة فكرهم ، وحدة حدسهم من غير زيادة تعلم ~~وتحصيل ، ولو لا أن الإنسان يستخرج بالتفكر شيئا ، من معلومه الأول لكان ~~يطول الأمر على الناس ولما كانت تزول ظلمة الجهل عن القلوب لأن النفس لا ~~تقدر أن تتعلم جميع مهماتها الجزئية والكلية بالتعليم ، بل بعضها بالتحصيل ~~وبعضها بالنظر كما يرى عادات الناس ، وبعضها يستخرج من ضميره بصفاء فكره ، ~~وعلى هذا جرت عادة العلماء وتمهدت قواعد العلوم. حتى أن المهندس لا يتعلم ~~جميع ما يحتاج إليه في طول عمره ، بل يتعلم كليات علمه وموضوعاته ، ثم بعد ~~ذلك يستخرج ويقيس. وكذلك الطبيب لا يقدر أن يتعلم جزئيات أدواء الأشخاص ~~وأدويتهم بل يتفكر في معلوماته الكلية. ويعالج كل شخص بحسب مزاجه. وكذلك ~~المنجم يتعلم كليات النجوم ثم يتفكر ويحكم بالأحكام المختلفة. وكذلك الفقيه ms299 ~~والأديب. وهكذا إلى بدائع الصنائع فواحد وضع آلة الضرب وهو العود بتفكره ، ~~وآخر استخرج من تلك الآلة آلة أخرى. وكذلك جميع الصنائع البدنية والنفسانية ~~أوائلها محصلة من التعلم والبواقي مستخرجة من التفكر ، وإذا انفتح باب ~~الفكر على النفس علمت كيفية طريق التفكر وكيفية الرجوع بالحدس إلى المطلوب ~~فينشرح قلبه وتنفتح بصيرته فيخرج ما في نفسه من القوة إلى الفعل من غير ~~زيادة طلب وطول تعب. # الطريق الثاني : وهو التعليم الرباني على وجهين : # الأول : إلقاء الوحي وهو أن النفس إذا كملت ذاتها يزول عنها دنس الطبيعة ~~ودرن الحرص والأمل الفانية. وتقبل بوجهها على بارئها ومنشئها وتتمسك بجود ~~مبدعها وتعتمد على إفادته وفيض نوره ، والله تعالى بحسن عنايته يقبل على ~~تلك النفس إقبالا كليا. وينظر إليها نظرا إلهيا ويتخذ منها لوحا. ومن النفس ~~الكلي قلما وينقش فيها جميع علومه ، ويصير العقل الكلي كالمعلم ، والنفس ~~القدسية كالمتعلم ، فيحصل جميع العلوم لتلك النفس وينتقش فيها جميع الصور ~~من غير تعلم وتفكر ، ومصداق هذا قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : ( ~~@QUR@05 وعلمك ما لم تكن تعلم ) [النساء : 113]. الآية. فعلم الأنبياء أشرف ~~مرتبة من جميع علوم الخلائق لأن محصوله عن الله تعالى بلا واسطة ووسيلة ، ~~وبيان هذا يوجد في قصة آدم عليه السلام والملائكة ، فإنهم تعلموا طول عمرهم ~~، وحصلوا بفنون الطرق كثيرا من العلوم حتى صاروا أعلم المخلوقات وأعرف ~~الموجودات ، وآدم عليه السلام ما كان عالما لأنه ما تعلم وما رأى معلما ~~فتفاخرت PageV01P231 # الملائكة وتجبروا وتكبروا فقالوا : ( @QUR@05 ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ) ~~[البقرة : 30]. ونعلم حقائق الأشياء ، فرجع آدم عليه السلام إلى باب خالقه ، ~~وأخرج قلبه عن جملة المكونات وأقبل بالاستعانة على الرب تعالى فعلمه جميع ~~الأسماء : ( @QUR@04 ثم عرضهم على الملائكة ) [البقرة : 31]. فقال : ( ~~@QUR@06 أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين ) [البقرة : 31]. فصغر حالهم ~~عند آدم. وقل علمهم وانكسرت سفينة جبروتهم فغرقوا في بحر العجز ( @QUR@08 ~~قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا ) [البقرة : 32]. فقال تعالى : ( ~~@QUR@04 يا آدم أنبئهم بأسمائهم ) [البقرة : 32]. فأنبأهم آدم عليه السلام ~~عدة مكنونات العلم ومستترات ms300 الأمر ، فتقرر الأمر عند العقلاء أن العلم ~~الغيبي المتولد عن الوحي أقوى وأكمل من العلوم المكتسبة ، وصار علم الوحي ~~إرث الأنبياء وحق الرسل ، وأغلق الله باب الوحي من عهد سيدنا محمد ~~صلى الله عليه وسلم ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وخاتم النبيين ، وكان ~~أعلم الناس وأفصح العرب والعجم وكان يقول : " أدبني ربي فأحسن تأديبي" ، ~~وقال لقومه : أنا أعلمكم وأخشاكم من الله تعالى ، وإنما كان علمه أكمل ~~وأشرف وأقوى لأنه حصل عن التعليم الرباني ، وما اشتغل قط بالتعلم والتعليم ~~الإنساني. قال تعالى : ( @QUR@03 علمه شديد القوى ) [النجم : 5]. # الوجه الثاني : هو الإلهام ، والإلهام تنبيه النفس الكلية للنفس الجزئية ~~الإنسانية على قدر صفائها وقبولها وقوة استعدادها والإلهام أثر الوحي فإن ~~الوحي هو تصريح الأمر الغيبي والإلهام هو تعريضه ، والعلم الحاصل عن الوحي ~~يسمى علما نبويا ، والذي يحصل عن الإلهام يسمى علما لدنيا ، والعلم اللدني ~~هو الذي لا واسطة في حصوله بين النفس وبين الباري ، وإنما هو كالضوء من ~~سراج الغيب يقع على قلب صاف فارغ لطيف ، وذلك أن العلوم كلها حاصلة معلومة ~~في جوهر النفس الكلية الأولى الذي هو في الجواهر المفارقة الأولية المحضة ~~بالنسبة إلى العقل الأول كنسبة حواء إلى آدم عليه السلام ، وقد بين أن العقل ~~الكلي أشرف وأكمل وأقوى إلى الباري تعالى من النفس الكلية. والنفس الكلية ~~أعز وألطف وأشرف من سائر المخلوقات فمن إفاضة العقل الكلي يتولد الإلهام ~~ومن إشراق النفس الكلية يتولد الإلهام ، فالوحي حلية الأنبياء والإلهام ~~زينة الأولياء. فأما علم الوحي فكما أن النفس دون العقل فالولي دون النبي ~~فكذلك الإلهام دون الوحي فهو ضعيف بنسبة الوحي قوي بإضافة الرؤيا والعلم ~~علم الأنبياء والأولياء. فأما علم الوحي فخاض بالرسل موقوف عليهم كما كان ~~لآدم وموسى عليهما السلام وإبراهيم ومحمد صلى الله عليهما وسلم وغيرهم من ~~الرسل ، وفرق بين الرسالة والنبوة. فالنبوة قبول النفس القدسية حقائق ~~المعلومات والمعقولات إلى المستفيدين والقابلين ، وربما يتفق القبول لنفس ~~من النفوس ولا يتأتى لها التبليغ لعذر من الأعذار وسبب من الأسباب ms301 ، والعلم ~~اللدني يكون لأهل النبوة والولاية كما كان للخضر عليه السلام حيث أخبر الله ~~تعالى عنه ، فقال : ( @QUR@04 وعلمناه من لدنا علما ) [الكهف : 65]. وقال ~~أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه : " أدخلت لساني في فمي ~~فانفتح في قلبي ألف باب من العلم مع كل باب ألف باب ، وقال : لو وضعت لي ~~وسادة وجلست عليها لحكمت لأهل التوراة بتوراتهم PageV01P232 # ولأهل الإنجيل بإنجيلهم ، ولأهل القرآن بقرآنهم. " وهذه مرتبة لا تنال ~~بمجرد التعلم الإنساني ، بل يتحلى المرء بهذه المرتبة بقوة العلم اللدني ، ~~وقال أيضا رضي الله عنه يحكي عن عهد موسى عليه السلام أن شرح كتابه أربعون ~~حملا فلو يأذن الله في شرح معاني الفاتحة لأشرع فيها حتى تبلغ مثل ذلك ، ~~يعني أربعين ووقرا ، وهذه الكثرة والسعة والانفتاح في العلم لا يكون إلا ~~لدنيا إلهيا سماويا. فإذا أراد الله تعالى بعبد خيرا رفع الحجاب بين نفسه ~~وبين النفس التي هي اللوح ، فيظهر فيها أسرار بعض المكنونات وانتقش فيها ~~معاني تلك المكنونات فتعبر النفس عنها كما تشاء لمن يشاء من عباده وحقيقة ~~الحكمة تنال من العلم اللدني وما لم يبلغ الإنسان هذه المرتبة لا يكون ~~حكيما لأن الحكمة من مواهب الله تعالى : ( @QUR@016 يؤتي الحكمة من يشاء ~~ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب ) [البقرة ~~: 269]. وذلك لأن الواصلين إلى مرتبة العلم اللدني مستغنون عن كثرة التحصيل ~~وتعب التعليم فيتعلمون قليلا ويعلمون كثيرا ويتعبون يسيرا ويستريحون طويلا. # واعلم أن الوحي إذا انقطع. وباب الرسالة إذا انسد استغنى الناس عن الرسل ~~وإظهار الدعوة بعد تصحيح الحجة وتكميل الدين ، كما قال تعالى : ( @QUR@04 ~~اليوم أكملت لكم دينكم ) [المائدة : 3]. وليس من الحكمة إظهار زيادة ~~الفائدة من غير حاجة. فأما باب الإلهام فلا ينسد ، ومدد نور النفس الكلية ~~لا ينقطع لدوام ضرورة النفوس وحاجتها إلى تأكيد وتجديد وتذكير ، وكما أن ~~الناس استغنوا عن الرسالة والدعوة واحتاجوا إلى التذكير والتنبيه ~~لاستغراقهم في هذه الوساوس وانهماكهم في هذه الشهوات فالله تعالى أغلق باب ~~الوحي وهو آية العباد ms302 وفتح باب الإلهام رحمة وهيأ الأمور. ورتب المراتب ~~ليعلموا أن الله لطيف بعباده يرزق من يشاء بغير حساب. ### ||| * فصل في مراتب النفوس في تحصيل العلوم # اعلم أن العلوم مركوزة في جميع النفوس الإنسانية وكلها قابلة لجميع ~~العلوم وإنما يفوت نفسا من النفوس حظها منه بسبب طارئ وعارض يطرأ عليها من ~~خارج ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : " خلق الناس حنفاء فاحتالتهم ~~الشياطين". وقال صلى الله عليه وسلم : " كل مولود يولد على الفطرة" الحديث ~~فالنفس الناطقة الإنسانية أهل لإشراق النفس الكلية عليها ومستعدة لقبول ~~الصور المعقولة عنها بقوة طهارتها الأصلية وصفاتها ، ولكن يمرض بعضها في ~~هذه الدنيا. ويمتنع عن إدراك الحقائق بأمراض مختلفة وأعراض شتى ، ويبقى ~~بعضها على الصحة الأصلية بلا مرض وفساد. يقبل أبدا ما دامت حية ، والنفوس ~~الصحيحة هي النفوس النبوية القابلة للوحي والتأييد القادرة على إظهار ~~المعجزة والتصرف في عالم الكون والفساد ، فإن تلك النفوس باقية على الصحة ~~الأصلية ، وما تغيرت أمزجتها بفساد الأمراض وعلل الأعراض فصار الأنبياء ~~أطباء النفوس ودعاة الخلق إلى صحة الفطرة. # وأما النفوس المريضة في هذه الدنيا الدنيئة فصارت على مراتب ، بعضهم تأثر بمرض PageV01P233 # المنزل تأثرا ضعيفا. ودق غمام النسيان في خواطرهم فيشتغلون بالتعلم. ~~ويطلبون الصحة الأصلية فيزول مرضهم بأدنى معالجة ، وينقشع غمام نسيانهم ~~بأقل تذكر وبعضهم يتعلمون طول عمرهم ويشتغلون بالتعليم ويطلبون الصحة ~~الأصلية فيزول مرضهم بأدنى معالجة. وينقشع غمام نسيانهم بأقل تذكر وبعضهم ~~يتعلمون طول عمرهم ويشتغلون بالتحصيل والتصحيح جميع أيامهم ، ولا يفهمون ~~شيئا لفساد أمزجتهم ، لأن المزاج إذا فسد لا يقبل العلاج ، وبعضهم يتذكرون ~~وينسون ويرتاضون ويذلون أنفسهم ويجدون نورا قليلا وإشراقا ضعيفا ، وهذا ~~التفاوت إنما ظهر من إقبال النفوس على الدنيا واستغراقها بحسب قوتها وضعفها ~~كالصحيح إذا مرض ، والمريض إذا صح ، وهذه العقدة إذا انحلت تقر النفوس ~~بوجود العلم اللدني وتعلم أنها كانت عالمة في أول الفطرة وصافية في ابتداء ~~الاختراع ، وإنما جهلت لأنها مرضت بصحبة هذا الجسد الكثيف ، والإقامة في ~~هذا المنزل الكدر والمحل المظلم ، وأنها لا تطلب ms303 بالتعلم إيجاد العلم ~~المعدوم. ولا إبداع العقل المفقود ، بل إعادتها العلم الأصلي الغريزي ~~وإزالة طريان المرض بإقبالها على زينة الجسد وتمهيد قاعدته ونظم أساسه ، ~~والأب المحب المشفق على ولده إذا أقبل على رعاية الولد ، واشتغل بمهماته ~~ينسى جميع الأمور ويكتفي بأمر واحد وهو أمر الولد ، فالنفس لشدة شغفها ~~وشفقتها أقبلت على هذا الهيكل واشتغلت بعمارته ورعايته والاهتمام بمصالحه ، ~~واستغرقت في بحر الطبيعة بسبب ضعفها وجزئيتها فاحتاجت في أثناء العمر إلى ~~التعلم طلبا لتذكار ما قد نسيت ، وطمعا في وجدان ما قد فقدت وليس التعلم ~~إلا رجوع النفس إلى جوهرها وإخراج ما في ضميرها إلى الفعل طلبا لتكميل ~~ذاتها ونيل سعادتها ، وإذا كانت النفوس ضعيفة لا تهتدي إلى حقيقة جوهريتها ~~تتمسك وتعتصم بمعلم مشفق عالم وتستغيث به لعينها على طلب مرادها ومأمولها ~~كالمريض الذي يكون جاهلا بمعالجته ويعلم أن الصحة الشريفة محمودة مطلوبة. ~~فيرجع إلى طبيب مشفق ، ويعرض حاله عليه ويأوي إليه ليعالجه ويزيل عنه مرضه. ~~وقد رأينا عالما يمرض بمرض خاص كالرأس والصدر فتعرض نفسه عن جميع العلوم ~~وينسى معلوماته وتلتبس عليه ويستتر في حافظته وذاكرته جميع ما حصل في سابق ~~عمره وماضي أيامه. فإذا صح عاد الشفاء إليه يزول النسيان عنه وترجع النفس ~~إلى معلوماتها فتتذكر ما قد نسيت في أيام المرض ، فعلمنا أن العلوم ما فنيت ~~وإنما نسيت وفرق بين المحو والنسيان بالناس فإن المحو فناء النقوش والرسوم ~~، والنسيان التباس النقوش فيكون كالغمام أو السحاب الساتر لنور الشمس عن ~~أبصار الناظرين لا كالغروب الذي هو انتقال الشمس من فوق الأرض إلى أسفل. ~~فاشتغال النفس بالتعلم هو إزالة المرض العارض عن جوهر النفس لتعود إلى ما ~~علمت في أول الفطرة وعرفت في بدء الطهارة. فإذا عرفت السبب والمراد من ~~التعلم وحقيقة النفس وجوهرها فاعلم أن النفس المريضة تحتاج إلى التعلم ~~وإنفاق العمر في تحصيل العلوم. فأما النفس التي يخف مرضها وتكون علتها ~~ضعيفة وشرها دقيقا PageV01P234 # وغمامها رقيقا ومزاجها صحيحا ، فلا تحتاج إلى زيادة تعلم وطول تعب بل ~~يكفيها أدنى ms304 نظر وتفكر لأنها ترجع به إلى أصلها ، وتقبل على بدايتها ~~وحقيقتها وتطلع على مخفياتها فيخرج ما فيها من القوة إلى الفعل ويصير ما هو ~~مركوز فيها حلية لها فيتم أمرها ويكمل شأنها وتعلم أكثر الأشياء في أقل ~~الأيام وتعبر عن المعلومات بحسن النظام ، وتصير عالمة كاملة متكلمة تستضيء ~~بإقبال على النفس الكلية وتفيض باستقبال على النفس الجزئية وتتشبه من طريق ~~العشق بالأصل. وتقطع عرق الحسد وأصل الحقد وتعرض عن فضول الدنيا وزخارفها ، ~~وإذا وصلت إلى هذه المرتبة فقد علمت ونجت وفازت ، فهذا هو المطلوب لجميع الناس. ### ||| * فصل في حقيقة العلم اللدني وأسباب حصوله # اعلم أن العلم اللدني وهو سريان نور الإلهام يكون بعد التسوية كما قال ~~الله تعالى : ( @QUR@03 ونفس وما سواها ) [الشمس : 7]. وهذا الرجوع يكون ~~بثلاثة أوجه : # أحدها : تحصيل جميع العلوم وأخذ الحظ الأوفر من أكثرها. # والثاني : الرياضة الصادقة والمراقبة الصحيحة ، فإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أشار إلى هذه الحقيقة ، فقال : " من عمل بما علم أورثه ~~الله علم ما لم يعلم". وقال صلى الله عليه وسلم : " من أخلص لله أربعين صباحا ~~أظهر الله تعالى ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه". # والثالث : التفكر ، فإن النفس إذا تعلمت وارتاضت بالعلم ثم تتفكر في ~~معلوماتها بشروط الفكر ينفتح عليها باب الغيب كالتاجر الذي يتصرف في ماله ~~بشرط التصرف ينفتح عليه أبواب الربح ، وإذا سلك طريق الخطأ يقع في مهالك ~~الخسران ، فالمتفكر إذا سلك سبيل الصواب يصير من ذوي الألباب ، وتنفتح ~~روزنة من عالم الغيب في قلبه فيصير عالما كاملا عاقلا ملهما مؤيدا ، كما ~~قال صلى الله عليه وسلم : " تفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة". وشرائط التفكر ~~نحصيها في رسالة أخرى إذ بيان التفكر وكيفيته وحقيقته أمر مبهم يحتاج إلى ~~زيادة شرح وتفسير بعون الله تعالى. والآن نختم هذه الرسالة ، فإن في هذه ~~الكلمات كفاية لأهلها : ( @QUR@010 ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ~~) [النور : 40]. والله ولي المؤمنين وعليه التكلان ، وصلى الله على سيدنا ~~محمد وآله وصحبه وسلم وحسبنا الله ms305 ونعم الوكيل ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ~~العلي العظيم ، وبه ثقتي في كل آن وحين والحمد لله رب العالمين. PageV01P235 ### ||| * فصل التفرقة PageV01P236 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * خطبة الرسالة # قال الإمام العالم العامل أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي رحمة ~~الله عليه : أحمد الله تعالى استسلاما لعزته واستتماما لنعمته ، واستغناما ~~لتوفيقه ومعونته وطاعته ، واستعصاما من خذلانه ومعصيته ، واستدرارا لسوابغ ~~نعمته وأصلي على محمد عبده ورسوله وخير خليقته ، انقيادا لنبوته ، ~~واستجلابا لشفاعته ، وقضاء لحق رسالته ، واعتصاما بيمين سريرته ونقيته ، ~~وعلى آله وأصحابه وعترته. # أما بعد : فإني رأيتك أيها الأخ المشفق ، والصديق المتعصب موغر الصدر ، ~~منقسم الفكر لما فرغ سمعك من طعن طائفة من الحسدة على بعض كتبنا المصنفة في ~~أسرار معاملات الدين ، وزعمهم أن فيها ما يخالف مذهب الأصحاب المتقدمين ، ~~والمشايخ المتكلمين ، وأن العدول عن مذهب الأشعري ولو في قيد شبر كفر ~~ومباينته ولو في شيء نزر ضلال وخسر ، فهون أيها الأخ المشفق المتعصب على ما ~~يقولون واهجرهم هجرا جميلا ، واستحقر من لا يحسد ولا يقذف ، واستصغر من ~~بالكفر أو الضلال لا يعرف فأي داع أكمل وأعقل من سيد المرسلين ~~صلى الله عليه وسلم ، وقد قالوا : إنه مجنون من المجانين ، وأي كلام أجل وأصدق ~~من كلام رب العالمين ، وقد قالوا : إنه أساطير الأولين ، وإياك أن تشتغل ~~بخصامهم وتطمع في إفحامهم فتطمع في غير مطمع ، وتصوت في غير مسمع ، أما ~~سمعت ما قيل : # كل العداة قد ترجى سلامتها %~% إلا عداوة من عاداك عن حسد # ولو كان فيه مطمع لأحد من الناس ، لما تلي على أجلهم رتبة آيات اليأس ، ~~أو ما سمعت قوله تعالى : ( @QUR@028 وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت ~~أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله ~~لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين ) [الأنعام : 35]. وقوله تعالى : ( ~~@QUR@017 ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون* لقالوا إنما ~~سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون ) [الحجر : 14 و15]. وقوله تعالى : ( ~~@QUR@016 ولو نزلنا عليك كتابا في ms306 قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا ~~إن هذا إلا سحر مبين ) [الأنعام : 7]. وقوله تعالى: ( @QUR@022 ولو أننا ~~نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ~~ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون ) [الأنعام : 111]. واعلم أن ~~الفكر والإيمان وحدهما ، والحق والضلال وسرهما ، لا ينجلي للقلوب المدنسة ~~بطلب الجاه والمال وحبهما ، بل إنما ينكشف دون ذلك لقلوب طهرت عن وسخ أوضار ~~الدنيا أولا ، ثم صقلت بالرياضة الكاملة ثانيا ، ثم نورت بالذكر الصافي ~~ثالثا ، ثم عذبت بالفكر الصائب رابعا ، ثم زينت بملازمة حدود الشرع خامسا ، PageV01P237 # حتى فاض عليها النور من مشكاة النبوة ، وصارت كأنها مرآة مجلوة ، وصار ~~مصباح الإيمان في زجاجة قلبه مشرق الأنوار ، يكاد زيته يضيء ولو لم تمسسه ~~نار. وأنى تتجلى أسرار الملكوت لقوم إلههم هواهم ومعبودهم سلاطينهم ، ~~وقبلتهم دراهمهم ودنانيرهم ، وشريعتهم رعونتهم ، وإرادتهم جاههم وشهواتهم ، ~~وعبادتهم خدمتهم أغنياءهم ، وذكرهم وساوسهم ، وكنزهم سواسهم ، وفكرهم ~~استنباط الحيل لما تقتضيه حشمتهم ، فهؤلاء من أين تتميز لهم ظلمة الكفر من ~~ضياء الإيمان ، أبإلهام إلهي ولم يفرغوا القلوب عن كدورات الدنيا لقبولها ~~أم بكمال علمي ، وإنما بضاعتهم في العلم مسألة النجاسة وماء الزعفران ~~وأمثالهما؟ هيهات هيهات هذا المطلب أنفس وأعز من أن يدرك بالمنى ، أو ينال ~~بالهوينا؟ فاشتغل أنت بشأنك ولا تضيع فيهم بقية زمانك : ( @QUR@027 فأعرض ~~عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا* ذلك مبلغهم من العلم إن ~~ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى ) [النجم : 29 و30]. ### ||| * فصل في حقيقة الكفر والإيمان # فأما أنت إن أردت أن تنتزع هذه الحسكة من صدرك ، وصدر من هو في حالك ، ~~ممن لا تحركه غواية الحسود ، ولا تقيده عماية التقليد ، بل تعطشه إلى ~~الاستبصار لحزازة إشكال آثارها فكر ، وهيجها نظر ، فخاطب نفسك وصاحبك ~~وطالبه بحد الكفر فإن زعم أن حد الكفر ما يخالف مذهب الأشعري أو مذهب ~~المعتزلي أو مذهب الحنبلي أو غيرهم فاعلم أنه غير بليد ، قد قيده التقليد ~~فهو أعمى من العميان ، فلا تضيع بإصلاحه ms307 الزمان ، وناهيك حجة في إفحامه ، ~~مقابلة دعواه بدعوى خصومه ، إذ لا يجد بين نفسه وبين سائر المقلدين ~~المخالفين له فرقا وفصلا ، ولعل صاحبه يميل من سائر المذاهب إلى الأشعري ، ~~ويزعم أن مخالفته في كل ورد وصدر كفر من الكفر الجلي ، فاسأله من أين يثبت ~~له أن يكون الحق وفقا عليه حتى قضى بكفر الباقلاني إذ خالفه في صفة البقاء ~~لله تعالى ، وزعم أنه ليس هو وصفا لله تعالى زائدا على الذات ولم صار ~~الباقلاني أولى بالكفر بمخالفته الأشعري من الأشعري بمخالفته الباقلاني؟ ~~ولم صار الحق وفقا على أحدهما دون الثاني؟ أكان ذلك لأجل السبق في الزمان؟ ~~فقد سبق الأشعري غيره من المعتزلة فليكن الحق للسابق عليه! أم لأجل التفاوت ~~في الفضل والعلم؟ فبأي ميزان ومكيال قدر درجات الفضل حتى لاح له أن لا أفضل ~~في الوجود من متبوعه ومقلده؟ فإن رخص للباقلاني في مخالفته فلم حجر على ~~غيره؟ وما الفرق بين الباقلاني والكرابيسي والقلانسي وغيرهم؟ وما مدرك ~~التخصيص بهذه الرخصة؟ وإن زعم أن خلاف الباقلاني يرجع إلى لفظ لا تحقيق ~~وراءه كما تعسف بتكلفه بعض المتعصبين زاعما أنهما جميعا متوافقان على دوام ~~الوجود ، والخلاف في أن ذلك يرجع إلى الذات أو إلى وصف زائد عليه خلاف قريب ~~لا يوجب التشديد ، فما باله يشدد القول على المعتزلي في نفيه الصفات وهو ~~معترف بأن الله تعالى عالم محيط بجميع المعلومات قادر على جميع الممكنات ، ~~وإنما يخالف الأشعري في أنه عالم وقادر بالذات أو بصفة زائدة ، فما الفرق ~~بين الخلافين ، وأي مطلب أجل وأخطر من صفات الحق سبحانه وتعالى في النظر في ~~نفيها وإثباتها؟ فإن قال : إنما أكفر المعتزلي PageV01P238 # لأنه يزعم أن الذات الواحدة تصدر منها فائدة العلم والقدرة والحياة وهذه ~~صفات مختلفة بالحد والحقيقة ، والحقائق المختلفة تستحيل أن توصف بالاتحاد ~~أو تقوم مقامها الذات الواحدة فما باله لا يستبعد من الأشعري قوله : إن ~~الكلام صفة زائدة قائمة بذات الله تعالى ومع كونه واحدا هو توراة وإنجيل ~~وزبور وقرآن ، وهو أمر ونهي وخبر ms308 واستخبار ، وهذه حقائق مختلفة كيف لا وحد ~~الخبر ما يتطرق إليه التصديق والتكذيب ولا يتطرق ذلك إلى الأمر والنهي فكيف ~~تكون حقيقة واحدة يتطرق إليها التصديق والتكذيب ولا يتطرق فيجتمع النفي ~~والإثبات على شيء واحد فإن تخبط في جواب هذا أو عجز عن كشف الغطاء فيه ، ~~فاعلم أنه ليس من أهل النظر وإنما هو مقلد ، وشرط المقلد أن يسكت ويسكت عنه ~~لأنه قاصر عن سلوك طريق الحجاج ، ولو كان أهلا له كان مستتبعا لا تابعا ، ~~وإماما لا مأموما ، فإن خاض المقلد في المحاجة فذلك منه فضول والمشتغل به ~~صار كضارب في حديد بارد وطالب لصلاح الفاسد. وهل يصلح العطار ما أفسد ~~الدهر. ولعلك إن أنصفت علمت أن من جعل الحق وقفا على واحد من النظار بعينه ~~، فهو إلى الكفر والتناقض أقرب. أما الكفر ، فلأنه نزله منزلة النبي ~~المعصوم من الزلل الذي لا يثبت الإيمان إلا بموافقته ولا يلزم الكفر إلا ~~بمخالفته ، وأما التناقض فهو أن كل واحد من النظار يوجب النظر وأن لا ترى ~~في نظرك إلا ما رأيت وكل ما رأيته حجة ، وأي فرق بين من يقول قلدني في مجرد ~~مذهبي ، وبين من يقول قلدني في مذهبي ودليلي جميعا وهل هذا إلا التناقض. ### ||| * فصل في الكفر # لعلك تشتهي أن تعرف حد الكفر بعد أن تتناقض عليك حدود أصناف المقلدين ، ~~فاعلم أن شرح ذلك طويل ومدركه غامض ، ولكني أعطيك علامة صحيحة فتطردها ~~وتعكسها لتتخذها مطمح نظرك وترعوي بسببها عن تكفير الفرق ، وتطويل اللسان ~~في أهل الإسلام وإن اختلفت طرقهم ما داموا متمسكين بقول لا إله إلا الله ~~محمد رسول الله صادقين بها غير مناقضين لها فأقول: # الكفر هو تكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام في شيء مما جاء به ، والإيمان ~~تصديقه في جميع ما جاء به ، فاليهودي والنصراني كافران لتكذيبهما للرسول ~~عليه الصلاة والسلام ، والبرهمي كافر بالطريق الأولى لأنه أنكر مع رسولنا ~~المرسل سائر الرسل ، وهذا لأن الكفر حكم شرعي كالرق والحرية مثلا إذ معناه ~~إباحة الدم والحكم بالخلود في النار ms309 ومدركه شرعي فيدرك إما بنص وإما بقياس ~~على منصوص. وقد وردت النصوص في اليهود والنصارى ، والتحق بهم بالطريق ~~الأولى البراهمة والثنوية والزنادقة والدهرية ، وكلهم مشركون فإنهم مكذبون ~~للرسول فكل كافر مكذب للرسول ، وكل كافر مكذب فهو كافر فهذه هي العلامة ~~المطردة المنعكسة. ### ||| * فصل # اعلم أن الذي ذكرناه مع ظهوره تحته غور بل تحته كل الغور لأن كل فرقة ~~تكفر مخالفها وتنسبه PageV01P239 # إلى تكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام ، فالحنبلي يكفر الأشعري زاعما أنه ~~كذب الرسول في إثبات الفوق لله تعالى وفي الاستواء على العرش ، والأشعري ~~يكفره زاعما أنه مشبه وكذب الرسول في أنه ليس كمثله شيء ، والأشعري يكفر ~~المعتزلي زاعما أنه كذب الرسول في جواز رؤية الله تعالى وفي إثبات العلم ~~والقدرة والصفات له ، والمعتزلي يكفر الأشعري زاعما أن إثبات الصفات تكفير ~~للقدماء وتكذيب للرسول في التوحيد ، ولا ينجيك من هذه الورطة إلا أن تعرف ~~حد التكذيب والتصديق وحقيقتهما فيه فينكشف لك علو هذه الفرق وإسرافها في ~~تكفير بعضها بعضا. # فأقول : التصديق إنما يتطرق إلى الخبر بل إلى المخبر ، وحقيقة الاعتراف ~~بوجوه ما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم عن وجوده إلا أن للوجود خمس مراتب ~~ولأجل الغفلة عنهما نسبت كل فرفة مخالفها إلى التكذيب فإن الوجود ذاتي وحسي ~~وخيالي وعقلي وشبهي ، فمن اعترف بوجود ما أخبر الرسول عليه الصلاة والسلام ~~عن وجوده بوجه من هذه الوجوه الخمسة فليس بمكذب على الإطلاق. فلنشرح هذه ~~الأصناف الخمسة ولنذكر مثالها في التأويلات. # أما الوجود الذاتي فهو الوجود الحقيقي الثابت خارج الحس والعقل ، ولكن ~~يأخذ الحس والعقل عنه صورة فيسمى أخذه إدراكا وهذا كوجود السماوات والأرض ~~والحيوان والنبات وهو ظاهر بل هو المعروف الذي لا يعرف الأكثرون للوجود ~~معنى سواه. # وأما الوجود الحسي : فهو ما يتمثل في القوة الباصرة من العين مما لا وجود ~~له خارج العين فيكون موجودا في الحس ويختص به الحاس ، ولا يشاركه غيره ، ~~وذلك كما يشاهده النائم بل كما يشاهده المريض المتيقظ إذ قد تتمثل له صورة ~~ولا وجود لها ms310 خارج حسه حتى يشاهدها كما يشاهد سائر الموجودات الخارجة عن ~~حسه ، بل قد تتمثل للأنبياء والأولياء في اليقظة والصحة صورة جميلة محاكية ~~لجواهر الملائكة ، وينتهي إليهم الوحي والإلهام بواسطتها فيتلقون من أمر ~~الغيب في اليقظة ما يتلقاه غيرهم في النوم وذلك لشدة صفاء باطنهم. كما قال ~~تعالى : ( @QUR@04 فتمثل لها بشرا سويا ) [مريم : 17]. وكما أنه عليه ~~الصلاة والسلام رأى جبريل عليه السلام كثيرا ، ولكن ما رآه في صورته إلا ~~مرتين وكان يراه في صور مختلفة يتمثل بها وكما يرى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في المنام ، وقد قال" من رآني في النوم فقد رآني حقا ، فإن ~~الشيطان لا يتمثل بي" ، ولا تكون رؤيته بمعنى انتقال شخصه من روضة المدينة ~~إلى موضع النائم ، بل هي على سبيل وجود صورته في الحس النائم فقط ، وسبب ~~ذلك وسره طويل ، وقد شرحناه في بعض الكتب فإن كنت لا تصدق به فصدق عينك ، ~~فإنك تأخذ قبسا من نار كأنه نقطة ثم تحركه بسرعة حركة مستقيمة فتراه خطا من ~~نار ، وتحركه حركة مستديرة فتراه دائرة من نار ، والدائرة والخط مشاهدان ~~وهما موجودان في حسك لا في خارج عن حسك ، لأن الموجود في الخارج هي نقطة في ~~كل حال ، وإنما تصير خطا في أوقات متعاقبة فلا يكون الخط موجودا في حالة ~~واحدة وهو ثابت في مشاهدتك في حالة واحدة. PageV01P240 # وأما الوجود الخيالي : فهو صورة هذه المحسوسات إذا غابت عن حسك فإنك تقدر ~~على أن تخترع في خيالك صورة فيل وفرس ، وإن كنت مغمضا عينيك حتى كأنك ~~تشاهده وهو موجود بكمال صورته في دماغك لا في الخارج. # وأما الوجود العقلي : فهو أن يكون للشيء روح وحقيقة ومعنى فيتلقى العقل ~~مجرد معناه دون أن يثبت صورته في خيال أو حس أو خارج كاليد مثلا ، فإن لها ~~صورة محسوسة ومتخيلة ولها معنى هو حقيقتها وهي القدرة على البطش ، والقدرة ~~على البطش هي اليد العقلية ، وللقلم صورة ، ولكن حقيقته ما تنقش به العلوم ~~، وهذا يتلقاه العقل من غير أن يكون مقرونا ms311 بصورة قصب وخشب وغير ذلك من ~~الصور الخيالية والحسية. # وأما الوجود الشبهي : فهو أن لا يكون نفس الشيء موجودا لا بصورته ولا ~~بحقيقته ، لا في الخارج ، ولا في الحس ولا في الخيال ، ولا في العقل ، ولكن ~~يكون الموجود شيئا آخر يشبهه في خاصة من خواصه ، وصفة من صفاته ، وستفهم ~~هذا إذا ذكرت لك مثاله في التأويلات. فهذه مراتب وجود الأشياء. ### ||| * فصل # اسمع الآن أمثلة هذه الدرجات في التأويلات. أما الوجود الذاتي فلا يحتاج ~~إلى مثال وهو الذي يجري على الظاهر ولا يتأول ، وهو الوجود المطلق الحقيقي ~~، وذلك كإخبار الرسول صلى الله عليه وسلم عن العرش والكرسي والسماوات السبع ~~فإنه يجري على ظاهره ولا يتأول إذ هذه أجسام موجودة في أنفسها أدركت بالحس ~~والخيال أو لم تدرك. وأما الوجود الحسي فأمثلته في التأويلات كثيرة ، واقنع ~~منها بمثالين : # أحدهما : قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يؤتى بالموت يوم القيامة في ~~صورة كبش أملح فيذبح بين الجنة والنار" ، فإن من قام عنده البرهان على أن ~~الموت عرض أو عدم عرض ، وأن قلب العرض جسما مستحيل غير مقدور ينزل الخبر ~~على أن أهل القيامة يشاهدون ذلك ويعتقدون أنه الموت ، ويكون ذلك موجودا في ~~حسهم لا في الخارج ، ويكون سببا لحصول اليقين باليأس عن الموت بعد ذلك إذ ~~المذبوح ميئوس منه. ومن يقم عنده هذا البرهان فعساه يعتقد أن نفس الموت ~~ينقلب كبشا في ذاته ويذبح. # المثال الثاني : قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " عرضت علي الجنة في ~~عرض هذا الحائط" ، من قام عنده البرهان على أن الأجسام لا تتداخل ، وأن ~~الصغير لا يسع الكبير حمل ذلك على أن نفس الجنة لم تنتقل إلى الحائط ، لكن ~~تمثل للحس صورتها في الحائط حتى كأنه يشاهدها ولا يمتنع أن يشاهد مثال شيء ~~كبير في جرم صغير ، كما نشاهد السماء في مرآة صغيرة ويكون ذلك إبصارا ~~مفارقا لمجرد تخيل صورة الجنة إذ تدرك التفرقة بين أن ترى صورة السماء في ~~المرآة وبين أن تغمض عينيك فتدرك ms312 صورة السماء في المرآة على سبيل التخيل. PageV01P241 # وأما الوجود الخيالي : فمثاله قوله صلى الله عليه وسلم : " كأني أنظر إلى ~~يونس بن متى عليه عباءتان قطوانيتان يلبي وتجيبه الجبال والله تعالى يقول ~~له : لبيك يا يونس" ، والظاهر أن هذا إنباء عن تمثيل الصورة في خياله إذ ~~كان وجود هذه الحالة سابقا على وجود رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد انعدم ~~ذلك فلم يكن موجودا في الحال ، ولا يبعد أن يقال أيضا ، تمثل هذا في حسه ~~حتى صار يشاهده كما يشاهد النائم الصور ، ولكن قوله : كأني أنظر ، يشعر ~~بأنه لم يكن حقيقة النظر بل كالنظر ، والغرض التفهيم بالمثال لا عين هذه ~~الصورة وعلى الجملة فكل ما يتمثل في محل الخيال فيصور أن يتمثل في محل ~~الإبصار فيكون ذلك مشاهدة وقل ما يتميز بالبرهان استحالة المشاهدة فيما ~~يتصور فيه التخيل. # وأما الوجود العقلي فأمثلته كثيرة ، فاقنع منها بمثالين : # أحدهما : قوله صلى الله عليه وسلم : " آخر من يخرج من النار يعطى من الجنة ~~عشرة أمثال هذه الدنيا" ، فإن ظاهر هذا يشير إلى أنه عشرة أمثالها بالطول ~~والعرض والمساحة وهو التفاوت الحسي والخيال ، ثم قد يتعجب فيقول : إن الجنة ~~في السماء كما دلت عليه ظواهر الأخبار ، فكيف تتسع السماء لعشرة أمثال ~~الدنيا والسماء أيضا من الدنيات ، وقد يقطع المتأول هذا التعجب فيقول ~~المراد به تفاوت معنوي عقلي لا حسي ولا خيالي ، كما يقال مثلا هذه الجوهرة ~~أضعاف الفرس أي في روح المالية ، ومعناها المدرك دون مساحتها المدركة بالحس ~~والتخيل. # المثال الثاني : قوله صلى الله عليه وسلم : " إن الله تعالى خمر طينة آدم ~~بيده أربعين صباحا" ، فقد أثبت لله تعالى يدا ومن قام عنده البرهان على ~~استحالة يد الله تعالى هي جارحة محسوسة أو متخيلة ، فإنه يثبت لله سبحانه ~~يدا روحانية عقلية. أعني أنه يثبت معنى اليد وحقيقتها وروحها دون صورتها. ~~إن روح اليد ومعناها ما به يبطش ويفعل ويعطي ويمنع ، والله تعالى يعطي ~~ويمنع بواسطة ملائكته ، كما قال عليه الصلاة والسلام : " أول ما خلق ms313 الله ~~العقل فقال بك أعطي وبك أمنع" ، ولا يمكن أن يكون المراد بذلك العقل عرضا ~~كما يعتقده المتكلمون إذ لا يمكن أن يكون العرض أول مخلوق بل يكون عبارة عن ~~ذات ملك من الملائكة يسمى عقلا من حيث يعقل الأشياء بجوهره وذاته من غير ~~حاجة إلى تعليم ، وربما يسمى قلما باعتبار أنه تنقش به حقائق العلوم في ~~ألواح قلوب الأنبياء والأولياء وسائر الملائكة وحيا وإلهاما فإنه قد ورد في ~~حديث آخر : " إن أول ما خلق الله تعالى القلم". فإن لم يرجع ذلك إلى العقل ~~تناقص الحديثان ، ويجوز أن يكون لشيء واحد أسماء كثيرة باعتبارات مختلفة ~~فيسمى عقلا باعتبار ذاته وملكا باعتبار نسبته إلى الله تعالى في كونه واسطة ~~بينه وبين الخلق ، وقلما باعتبار إضافته إلى ما يصدر منه من نقش العلوم ~~بالإلهام والوحي ، كما يسمى جبريل روحا باعتبار ذاته وأمينا باعتبار ما ~~أودع من الأسرار ، وذا مرة باعتبار قدرته ، وشديد القوى باعتبار كمال قوته ~~، ومكينا عند ذي العرش باعتبار قرب منزلته ، ومطاعا باعتبار كونه متبوعا في ~~حق بعض الملائكة ، وهذا القائل يكون قد أثبت قلما ويدا عقليا لا حسيا ~~وخياليا وكذلك من ذهب إلى أن اليد عبارة عن PageV01P242 # صفة لله تعالى إما القدرة أو غيرها كما اختلف فيه المتكلمون. # وأما الوجود الشبهي : فمثاله الغضب والشوق والفرح والصبر وغير ذلك مما ~~ورد في حق الله تعالى ، فإن الغضب مثلا حقيقته أنه غليان دم القلب لإرادة ~~التشفي وهذا لا ينفك عن نقصان وألم ، فمن قام عنده البرهان على استحالة ~~ثبوت نفس الغضب لله تعالى ثبوتا ذاتيا وحسيا وخياليا وعقليا نزله على ثبوت ~~صفة أخرى يصدر منها ما يصدر من الغضب كإرادة العقاب ، والإرادة لا تناسب ~~الغضب في حقيقة ذاته ولكن في صفة من الصفات وتقارنها وأثر من الآثار يصدر ~~عنها وهو الإيلام. فهذه درجات التأويلات. ### ||| * فصل في المصدقين # اعلم أن كل من نزل قولا من أقوال صاحب الشرع على درجة من هذه الدرجات فهو ~~من المصدقين ، وإنما التكذيب أن ينفي جميع هذه ms314 المعاني ، ويزعم أن ما قاله ~~لا معنى له ، وإنما هو كذب محض وغرضه فيما قاله التلبيس أو مصلحة الدنيا ~~وذلك هو الكفر المحض والزندقة ، ولا يلزم كفر المؤولين ما داموا يلازمون ~~قانون التأويل كما سنشير إليه وكيف يلزم الكفر بالتأويل ، وما من فريق من ~~أهل الإسلام إلا وهو مضطر إليه. فأبعد الناس عن التأويل أحمد بن حنبل رحمة ~~الله عليه ، وأبعد التأويلات عن الحقيقة وأغربها أن تجعل الكلام مجازا أو ~~استعارة هو الوجود العقلي والوجود الشبهي ، والحنبلي مضطر إليه وقائل به ، ~~فقد سمعت الثقات من أئمة الحنابلة ببغداد يقولون إن أحمد بن حنبل رحمه الله ~~صرح بتأويل ثلاثة أحاديث فقط : # أحدها : قوله صلى الله عليه وسلم : " الحجر الأسود يمين الله في الأرض". # والثاني : قوله صلى الله عليه وسلم : " قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع ~~الرحمن". # والثالث : قوله صلى الله عليه وسلم : " إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن". # فانظر الآن كيف أول هذا حيث قام البرهان عنده على استحالة ظاهرة ، فيقول ~~: اليمين تقبل في العادة تقربا إلى صاحبها ، والحجر الأسود يقبل أيضا تقربا ~~إلى الله تعالى فهو مثل اليمين لا في ذاته ولا في صفات ذاته ، ولكن في عارض ~~من عوارضه فسمي لذلك يمينا. وهذا الوجود هو الذي سميناه الوجود الشبهي وهو ~~أبعد وجوه التأويل ، فانظر كيف اضطر إليه أبعد الناس عن التأويل. وكذلك لما ~~استحال عنده وجود الإصبعين لله تعالى حسا إذ من فتش عن صدره لم يشاهد فيه ~~إصبعين فتأوله على روح الإصبعين وهي الأصبع العقلية الروحانية. أعني أن روح ~~الأصبع ما به يتيسر تقلب الأشياء. وقلب الإنسان بين لمة الملك ولمة الشيطان ~~، وبهما يقلب الله تعالى القلوب ، فكنى الإصبعين عنهما. وإنما اقتصر أحمد ~~بن حنبل رضي الله عنه على تأويل هذه الأحاديث الثلاثة لأنه لم تظهر عنده ~~الاستحالة إلا في هذا القدر ، لأنه لم يكن ممعنا في النظر العقلي ولو أمعن ~~لظهر له ذلك في الاختصاص بجهة فوق وغيره مما لم يتأوله ، والأشعري ~~والمعتزلي لزيادة بحثهما تجاوزا ms315 إلى تأويل ظواهر كثيرة ، وأقرب الناس إلى ~~الحنابلة في أمور الآخرة الأشعرية وفقهم الله فإنهم قرروا فيها أكثر ~~الظواهر إلا يسيرا ، والمعتزلة أشد منهم توغلا PageV01P243 # في التأويلات وهم مع هذا. أعني الأشعرية. يضطرون أيضا إلى تأويل أمور كما ~~ذكرناه من قوله : إنه يؤتى بالموت في صورة كبش أملح ، وكما ورد من وزن ~~الأعمال بالميزان ، فإن الأشعري أول من وزن الأعمال فقال : توزن صحائف ~~الأعمال ويخلق الله فيها أوزانا بقدر درجات الأعمال ، وهذا رد إلى الوجود ~~الشبهي البعيد فإن الصحائف أجسام كتب فيها رقوم تدل بالاصطلاح على أعمال هي ~~أغراض ، فليس الموزون إذا العمل بل محل نفش يدل بالاصطلاح على العمل. ~~والمعتزلي تأول نفس الميزان وجعله كناية عن سبب به ينكشف لكل واحد مقدار ~~عمله ، وهو أبعد عن التعسف في التأويل بوزن الصحائف ، وليس الغرض تصحيح أحد ~~التأويلين ، بل تعلم أن كل فريق وإن بالغ في ملازمة الظواهر فهو مضطر إلى ~~التأويل إلا أن يجاوز الحد في الغباوة والتجاهل ، فيقول : الحجر الأسود ~~يمين تحقيقا ، والموت وإن كان عرضا فيستحيل فينتقل كبشا بطريق الانقلاب ، ~~والأعمال وإن كانت أعراضا ، وقد عدمت فتنتقل إلى الميزان ويكون فيها أعراض ~~هي الثقل ، ومن ينتهي إلى هذا الحد من الجهل فقد انخلع من ربقة العقل. ### ||| * فصل في التأويل # فاسمع الآن قانون التأويل ، فقد علمت اتفاق الفرق على هذه الدرجات الخمس ~~في التأويل ، وإن شيئا من ذلك من حيز التكذيب ، واتفقوا أيضا على أن جواز ~~ذلك موقوف على قيام البرهان على استحالة الظاهر ، والظاهر الأول هو الوجود ~~الذاتي فإن إذا ثبت تضمن الجمع. فإن تعذر ، فالوجود الحسي فإنه إن ثبت تضمن ~~ما بعده. فإن تعذر ، فالوجود الخيالي أو العقلي. وإن تعذر ، فالوجود الشبهي ~~المجازي ولا رخصة للعدول عن درجة إلى ما دونها إلا بضرورة البرهان فيرجع ~~الاختلاف على التحقيق إلى البراهين. إذ يقول الحنبلي : لا برهان على ~~استحالة اختصاص الباري بجهة فوق. ويقول الأشعري : لا برهان على استحالة ~~الرؤية. وكأن كل واحد لا يرضى بما ذكره الخصم ولا ms316 يراه دليلا قاطعا. وكيف ~~ما كان فلا ينبغي أن يكفر كل فريق خصمه بأن يراه غالطا في البرهان. نعم ~~يجوز أن يسميه ضالا أو مبتدعا. أما ضالا فمن حيث إنه ضل عن الطريق عنده ، ~~وأما مبتدعا فمن حيث إنه ابتدع قولا لم يعهد من السلف الصالح التصريح به. ~~إذ المشهور فيما بين السلف أن الله تعالى يرى ، فقول القائل : لا يرى بدعة ~~، وتصريحه بتأويل الرؤية بدعة ، بل إن ظهر عنده أن تلك الرؤية معناها ~~مشاهدة القلب ، فينبغي أن لا يظهره ولا يذكره لأن السلف لم يذكروه ، لكن ~~عند هذا يقول الحنبلي إثبات الفوق لله تعالى مشهور عند السلف ، ولم يذكر ~~أحد منهم أن خالق العالم ليس متصلا بالعالم ولا منفصلا ولا داخلا ولا خارجا ~~، وأن الجهات الست خالية عنه وأن نسبة جهة فوق إليه كنسبة جهة تحت ، فهذا ~~قول بدع إذ البدعة عبارة عن إحداث مقالة غير مأثورة عن السلف ، وعند هذا ~~يتضح لك أن هاهنا مقامين. # أحدهما : مقام عوام الخلق ، والحق فيه الاتباع والكف عن تغيير الظواهر ~~رأسا ، والحذر عن إبداع التصريح بتأويل لم تصرح به الصحابة وحسم باب السؤال ~~رأسا والزجر عن الخوض في الكلام والبحث ، واتباع ما تشابه من الكتاب والسنة ~~، كما روي عن عمر رضي الله عنه أنه PageV01P244 # سأل سائل عن آيتين متعارضتين فعلاه بالدرة ، وكما روي عن مالك رحمه الله ~~أنه سئل عن الاستواء فقال : الاستواء معلوم ، والإيمان به واجب ، والكيفية ~~مجهولة ، والسؤال عنه بدعة. # المقام الثاني : بين النظار الذين اضطربت عقائدهم المأثورة المروية ، ~~فينبغي أن يكون بحثهم بقدر الضرورة ، وتركهم الظاهر بضرورة البرهان القاطع ~~، ولا ينبغي أن يكفر بعضهم بعضا بأن يراه غالطا فيما يعتقده برهانا ، فإن ~~ذلك ليس أمرا هينا سهل المدرك وليكن للبرهان بينهم قانون متفق عليه يعترف ~~كلهم به ، فإنهم إذا لم يتفقوا في الميزان لم يمكنهم رفع الخلاف بالوزن ، ~~وقد ذكرنا الموازين الخمسة في كتاب (القسطاس المستقيم)، وهي التي لا يتصور ~~الخلاف فيها بعد فهمها أصلا ، بل يعترف كل من ms317 فهمها بأنها مدارك اليقين ~~قطعا ، والمحصلون لها يسهل عليهم عقد الإنصاف والانتصاف وكشف الغطاء ورفع ~~الاختلاف ، ولكن لا يستحيل منهم الاختلاف أيضا إما لقصور بعضهم عن إدراك ~~تمام شروطه. وإما في رجوعهم في النظر إلى محض القريحة والطبع دون الوزن ~~بالميزان ، كالذي يرجع بعد تمام تعلم العروض في الشعر إلى الذوق لاستثقاله ~~عرض كل شعر على العروض فلا يبعد أن يغلط ، وإما لاختلافهم في العلوم التي ~~هي مقدمات البراهين ، فإن من العلوم التي هي أصول البراهين تجريبية ~~وتواترية وغيرها ، والناس يختلفون في التجربة والتواتر فقد يتواتر عند واحد ~~ما لا يتواتر عند غيره ، وقد يتولى تجربة ما لا يتولاه غيره. وإما لالتباس ~~قضايا الوهم بقضايا العقل. وإما لالتباس الكلمات المشهورة المحمودة ~~بالضروريات والأوليات كما فصلنا ذلك في كتاب (محك النظر)، ولكن بالجملة ~~إذا حصلوا تلك الموازين ، وحققوها أمكنهم الوقوف عند ترك العناد على موقع ~~الغلط على يسر. ### ||| * فصل في التأويل بغلبات الظنون # من الناس من يبادر إلى التأويل بغلبات الظنون من غير برهان قاطع ولا ~~ينبغي أن يبادر أيضا إلى كفره في كل مقام بل ينظر فيه ، فإن كان تأويله في ~~أمر لا يتعلق بأصول العقائد ومعماتها فلا نكفره ، وذلك كقول بعض الصوفية إن ~~المراد برؤية الخليل عليه السلام الكوكب والقمر والشمس ، وقوله هذا ربي غير ~~ظاهرها ، بل هي جواهر نورانية ملكية ونورانيتها عقلية لا حسية ولها درجات ~~في الكمال. ونسبة ما بينها في التفاوت كنسبة الكواكب والقمر والشمس ، ~~ويستدل عليه بأن الخليل عليه السلام أجل من أن يعتقد في جسم أنه إله حتى ~~يحتاج إلى أن يشاهد أفوله. أفترى أنه لو لم يأفل أكان يتخذه إلها ، ولو لم ~~يعرف استحالة الإلهية من حيث كونه جسما مقدرا ، واستدل بأنه كيف يمكن أن ~~يكون أول ما رآه الكوكب والشمس هي الأظهر وهي أول ما يرى : واستدل بأن الله ~~تعالى قال أولا : ( @QUR@06 وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ) ~~[الأنعام : 75]. ثم حكى هذا القول فكيف يمكن أن يتوهم ذلك بعد كشف الملكوت ~~له ms318 ، وهذه دلالات ظنية وليست براهين. # أما قوله ، هو أجل من ذلك ، فقد قيل إنه كان صبيا لما جرى له ذلك ولا ~~يبعد أن يخطر لمن سيكون نبيا في صباه مثل هذا الخاطر ، ثم يتجاوزه على قرب ~~ولا يبعد أن تكون دلالة PageV01P245 # الأفول على حدوث عنده أظهر من أدلة التقدير والجسمية. # وأما رؤية الكوكب أولا فقد روي أنه كان محبوسا في صباه في غار وإنما خرج ~~بالليل. # وأما قوله تعالى أولا : ( @QUR@06 وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات ~~والأرض )، فيجوز أن يكون الله تعالى قد ذكر حال نهايته ثم رجع إلى ذكر ~~بدايته. فهذه وأمثالها ظنون يظنها براهين من لا يعرف حقيقة البرهان وشرطه. ~~فهذا جنس تأويلهم. وقد تأولوا العصا والنعلين في قوله تعالى : ( @QUR@02 ~~فاخلع نعليك ) [طه : 12]. وقوله : ( @QUR@04 وألق ما في يمينك ) [طه : 69]. ~~ولعل الظن في مثل هذه الأمور التي لا تتعلق بأصول الاعتقاد تجري مجرى ~~البرهان في أصول الاعتقاد فلا يكفر فيه ولا يبدع. نعم إن كان فتح هذا الباب ~~يؤدي إلى تشويش قلوب العوام فيبدع به خاصة صاحبه في كل ما لم يؤثر عن السلف ~~ذكره ، ويقرب منه قول بعض الباطنة أن عجل السامري مؤول إذ كيف يخلو خلق ~~كثير عن عاقل يعلم أن المتخذ من الذهب لا يكون إلها؟ وهذا أيضا ظن إذ لا ~~يستحيل أن تنتهي طائفة من الناس إليه كعبدة الأصنام ، وكونه نادرا لا يورث يقينا. # وأما ما يتعلق من هذا الجنس بأصول العقائد المهمة فيجب تكفير من يغير ~~الظاهر بغير برهان قاطع ، كالذي ينكر حشر الأجساد وينكر العقوبات الحسية في ~~الآخرة بظنون وأوهام واستبعادات من غير برهان قاطع ، فيجب تكفيره قطعيا إذ ~~لا برهان على استحالة رد الأرواح إلى الأجساد ، وذكر ذلك عظم الضرر في ~~الدين فيجب تكفير كل من تعلق به وهو مذهب أكثر الفلاسفة. وكذلك يجب تكفير ~~من قال منهم إن الله تعالى لا يعلم إلا نفسه ، أو لا يعلم إلا الكلمات ، ~~فأما الأمور الجزئية المتعلقة بالأشخاص فلا يعلمها لأن ذلك تكذيب للرسول ~~صلى الله ms319 عليه وسلم قطعا ، وليس من قبيل الدرجات التي ذكرناها فو التأويل إذ ~~أدلة القرآن والإجبار على تفهيم حشر الأجساد وتفهيم تعلق علم الله تعالى ~~بتفصيل كل ما يجري على الأشخاص مجاوز حدا لا يقبل التأويل ، وهم معترفون ~~بأن هذا ليس من التأويل ، ولكن قالوا : لما كان صلاح الخلق في أن يعتقدوا ~~حشر الأجساد لقصور عقولهم عن فهم المعاد العقلي وكان صلاحهم في أن يعتقدوا ~~أن الله تعالى عالم بما يجري عليهم ورقيب عليهم ليورث ذلك رغبة ورهبة في ~~قلوبهم. جاز للرسول عليه السلام أن يفهمهم ذلك وليس بكاذب من أصلح غيره ، ~~فقال ما فيه صلاحه وإن لم يكن كما قاله ، وهذا القول باطل قطعا لأنه تصريح ~~بالتكذيب ، ثم طلب عذرا في أنه لم يكذب ، ويجب إجلال منصب النبوة عن هذه ~~الرذيلة ففي الصدق وإصلاح الخلق به مندوحة عن الكذب ، وهذه أول درجات ~~الزندقة ، وهي رتبة بين الاعتزال وبين الزندقة المطلقة ، فإن المعتزلة يقرب ~~منهاجهم من مناهج الفلاسفة إلا في هذا الأمر الواحد وهو أن المعتزلي لا ~~يجوز الكذب على الرسول عليه السلام بمثل هذا العذر ، بل يؤول الظاهر مهما ~~ظهر له بالبرهان خلافه ، والفلسفي لا يقتصر على مجاوزته للظاهر على ما يقبل ~~التأويل على قرب أو على بعد. # وأما الزندقة المطلقة ، فهو أن تنكر أصل المعاد عقليا وحسيا ، وتنكر ~~الصانع للعالم أصلا ورأسا. # وأما إثبات المعاد بنوع عقلي مع نفي الآلام واللذات الحسية وإثبات الصانع ~~مع نفي علمه بتفاصيل العلوم فهي زندقة مقيدة بنوع اعتراف بصدق الأنبياء ~~وظاهر ظني. والعلم عند الله. أن هؤلاء هم PageV01P246 # المرادون بقوله عليه الصلاة والسلام : " ستفترق أمتي بضعا وسبعين فرقة ~~كلهم في الجنة إلا الزنادقة وهي فرقة". هذا لفظ الحديث في بعض الروايات ~~وظاهر الحديث يدل على أنه أراد به الزنادقة من أمته ، إذ قال : " ستفترق ~~أمتي" ، ومن لم يعترف بنبوته ليس من أمته والذين ينكرون أصل المعاد وأصل ~~الصانع فليسوا معترفين بنبوته إذ يزعمون أن الموت عدم محض ، وأن العالم لم ~~يزل كذلك موجودا ms320 بنفسه من غير صانع ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر. ~~وينسبون الأنبياء إلى التلبيس فلا يمكن نسبتهم إلى الأمة ، فإذا لا معنى ~~لزندقة هذه الأمة إلا ما ذكرناه. ### ||| * فصل في بيان الزندقة المطلقة # اعلم أن شرح ما يكفر به وما لا يكفر به يستدعي تفصيلا يفتقر إلى ذكر كل ~~المقالات والمذاهب ، وذكر شبهة كل واحد ، ودليله ووجه بعده عن الظاهر ووجه ~~تأويله ، وذلك لا يحويه مجلدات ولا تتسع لشرح ذلك أوقاتي فاقنع الآن بوصية ~~وقانون. # أما الوصية : فأن تكف لسانك عن أهل القبلة ما أمكنك ما داموا قائلين لا ~~إله إلا الله محمد رسول الله غير مناقضين لها. والمناقضة تجويزهم الكذب على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بعذر أو غير عذر ، فإن التفكير فيه خطر والسكوت ~~لا خطر فيه. # وأما القانون : فهو أن تعلم أن النظريات قسمان : قسم يتعلق بأصول القواعد ~~، وقسم يتعلق بالفروع ، وأصول الإيمان ثلاثة : الإيمان بالله وبرسوله ~~وباليوم الآخر وما عداه فروع. واعلم أنه لا تكفير في الفروع أصلا إلا في ~~مسألة واحدة وهي أن ينكر أصلا دينيا علم من الرسول صلى الله عليه وسلم ~~بالتواتر ، لكن في بعضها تخطئة كما في الفقهيات وفي بعضها تبديع كالخطاء ~~المتعلق بالإمامة وأحوال الصحابة. # واعلم أن الخطأ في أصل الإمامة وتعينها وشروطها وما يتعلق بها لا يوجب ~~شيء منه تكفيرا. فقد أنكر ابن كيسان أصل وجوب الإمامة ولا يلزم تكفيره ولا ~~يلتفت إلى قوم يعظمون أمر الإمامة ويجعلون الإيمان بالإمام مقرونا بالإيمان ~~بالله وبرسوله ، ولا إلى خصومهم المكفرين لهم بمجرد مذهبهم في الإمامة فكل ~~ذلك إسراف إذ ليس في واحد من القولين تكذيب للرسول صلى الله عليه وسلم أصلا ، ~~ومهما وجد التكذيب وجب التفكير وإن كان في الفروع. فلو قال قائل مثلا : ~~البيت الذي بمكة ليس الكعبة التي أمر الله تعالى بحجها فهذا كفر ، إذ قد ~~ثبت تواترا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلافه ، ولو أنكر شهادة الرسول ~~لذلك البيت بأنه الكعبة لم ينفعه إنكاره ، بل يعلم ms321 قطعا أنه معاند في ~~إنكاره إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام ، ولم يتواتر عنده ذلك ، وكذلك من ~~نسب عائشة رضي الله عنها إلى الفاحشة ، وقد نزل القرآن ببراءتها فهو كافر ~~لأن هذا وأمثاله لا يمكن إلا بتكذيب الرسول أو إنكار التواتر ، والتواتر ~~ينكره الإنسان بلسانه ولا يمكنه أن يجهله بقلبه. نعم لو أنكر ما ثبت بأخبار ~~الآحاد فلا يلزمه به الكفر ولو أنكر ما ثبت بالإجماع ، فهذا فيه نظر لأن ~~معرفة كون الإجماع حجة قاطعة فيه غموض يعرفه المحصلون لعلم أصول الفقه. ~~وأنكر النظام كون الإجماع حجة أصلا فصار كون الإجماع حجة مختلف فيه فهذا ~~حكم الفروع. PageV01P247 # وأما الأصول الثلاثة : وكل ما لم يحتمل التأويل في نفسه وتواتر نقله ، ~~ولم يتصور أن يقوم برهان على خلافه فمخالفته تكذيب محض. ومثاله ما ذكرناه ~~من حشر الأجساد والجنة والنار وإحاطة علم الله تعالى بتفاصيل الأمور وما ~~يتطرق إليه احتمال التأويل ولو بالمجاز البعيد ، فينظر فيه إلى البرهان فإن ~~كان قاطعا وجب القول به ، ولكن إن كان في إظهاره مع العوام ضرر لقصور فهمهم ~~فإظهاره بدعة وإن لم يكن البرهان قطعيا لكن يفيد ظنا غالبا ، وكان مع ذلك ~~لا يعلم ضرره في الدين كنفي المعتزلي الرؤية عن الله تعالى. فهذه بدعة وليس بكفر. # وأما ما يظهر له ضرر فيقع في محل الاجتهاد والنظر فيحتمل أن يكفر ويحتمل ~~أن لا يكفر. ومن جنس ذلك ما يدعيه بعض من يدعي التصوف أنه قد بلغ حالة بينه ~~وبين الله تعالى أسقطت عنه الصلاة وحل له شرب الخمرة والمعاصي وأكل مال ~~السلطان. فهذا ممن لا شك في وجوب قتله وإن كان في الحكم بخلوده في النار ~~نظر ، وقتل مثل هذا أفضل من قتل مائة كافر إذ ضرره في الدين أعظم وينفتح به ~~باب من الإباحة لا ينسد وضرر هذا فوق ضرر من يقول بالإباحة مطلقا فإنه يمنع ~~عن الإصغاء إليه لظهور كفره. وأما هذا فإنه يهدم الشرع من الشرع ، ويزعم ~~أنه لم يرتكب فيه إلا تخصيص عموم ms322 إذ خصص عموم التكليفات بمن ليس له مثل ~~درجته في الدين ، وربما يزعم أنه يلابس ويقارف المعاصي بظاهره وهو بباطنه ~~بريء عنه. ويتداعى هذا إلى أن يدعي كل فاسق مثل حالة وينحل به عصام الدين. ~~ولا ينبغي أن يظن أن التكفير ونفيه ينبغي أن يدرك قطعا في كل مقام ، بل ~~التكفير حكم شرعي يرجع إلى إباحة المال وسفك الدم والحكم بالخلود في النار. ~~فمأخذه كمأخذ سائر الأحكام الشرعية ، فتارة يدرك بيقين وتارة بظن غالب ، ~~وتارة يتردد فيه ، ومهما حصل تردد فالوقف فيه عن التكفير أولى ، والمبادرة ~~إلى التكفير إنما تغلب على طباع من يغلب عليهم الجهل ، ولا بد من التنبيه ~~على قاعدة أخرى وهو أن المخالف قد يخالف نصا متواترا ويزعم أنه مؤول ، ولكن ~~ذكر تأويله لا انقداح له أصلا في اللسان لا على بعد ولا على قرب ، فذلك ~~كفر. وصاحبه مكذب وإن كان يزعم أنه مؤول. مثاله : ما رأيته في كلام بعض ~~الباطنية أن الله تعالى واحد بمعنى أنه يعطي الوحدة ويخلقها. وعالم بمعنى ~~أنه يعطي العلم لغيره ويخلقه ، وموجود بمعنى أنه يوجد غيره ، وإما أن يكون ~~واحدا في نفسه وموجودا وعالما على معنى اتصافه فلا. وهذا كفر صراح لأن حمل ~~الوحدة على اتحاد الوحدة ليس من التأويل في شيء ولا تحتمله لغة العرب أصلا ~~، ولو كان خالق الوحدة يسمى واحدا لخلقه الوحدة لسمي ثلاثا وأربعا لأنه خلق ~~الأعداد أيضا. فأمثلة هذه المقالات تكذيبات عبر عنها بالتأويلات. ### ||| * فصل النظر في التكفير # قد فهمت من هذه التكفيرات أن النظر في التكفير يتعلق بأمور : # أحدها : أن النص الشرعي الذي عدل به عن ظاهره هل يحتمل التأويل أم لا؟ ~~فإن احتمل فهل هو قريب أم بعيد؟ ومعرفة ما يقبل التأويل ، وما لا يقبل ~~التأويل ليس بإلهين بل لا يستقل PageV01P248 # به إلا الماهر الحاذق في علم اللغة العارف بأصولها ، ثم بعادة العرب في ~~الاستعمال في استعاراتها وتجوزاتها ومنهاجها في ضروب الأمثال. # الثاني : في النص المتروك أنه ثبت تواترا أو آحادا أو بالإجماع المجرد ms323 ، ~~فإن ثبت تواترا فهو على شرط التواتر أم لا؟ إذ ربما يظن المستفيض تواترا ، ~~وحد التواتر ما لا يمكن الشك فيه كالعلم بوجود الأنبياء ووجود البلاد ~~المشهورة وغيرها ، وأنه متواتر في الأعصار كلها عصرا بعد عصر إلى زمان ~~النبوة ، فهل يتصور أن يكون قد نقص عدد التواتر في عصر من الأعصار؟ وشرط ~~التواتر أن لا يحتمل ذلك كما في القرآن ، أما في غير القرآن فيغمض مدرك ذلك ~~جدا ولا يستقل بإدراكه إلا الباحثون عن كتب التواريخ وأحوال القرون الماضية ~~وكتب الأحاديث وأحوال الرجال وأغراضهم في نقل المقالات. إذ قد يوجد عدد ~~التواتر في كل عصر ولا يحصل به العلم إذ كان يتصور أن يكون للجمع الكثير ~~رابطة في التوافق لا سيما بعد وقوع التعصب بين أرباب المذاهب ، ولذلك ترى ~~الروافض يدعون النص على علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، في الإمامة لتواتره ~~عندهم ، وتواتر عند خصومهم في أشياء كثيرة خلاف ما تواتر عندهم لشدة توافق ~~الروافض على إقامة أكاذيبهم واتباعها. # وأما ما يستند إلى الإجماع فدرك ذلك من أغمض الأشياء إذ شرطه أن يجتمع ~~أهل الحل والعقد في صعيد واحد ، فيتفقوا على أمر واحد اتفاقا بلفظ صريح ، ~~ثم يستمروا عليه مرة عند قوم وإلى تمام انقراض العصر عند قوم ، أو يكاتبهم ~~إمام في أقطار الأرض فيأخذ فتاويهم في زمام واحد بحيث تتفق أقوالهم اتفاقا ~~صريحا حتى يمتنع الرجوع عنه والخلاف بعده ، ثم النظر في أن من خالف بعده هل ~~يكفر؟ لأنه من الناس من قال إذا جاز في ذلك الوقت أن يختلفوا فيحمل توافقهم ~~على اتفاق ولا يمتنع على واحد منهم أن يرجع بعد ذلك ، وهذا غامض أيضا. # الثالث : النظر في أن صاحب المقال هل تواتر عنده الخبر ، أو هل بلغه ~~الإجماع؟ إذ كل من يولد لا تكون الأمور عنده متواترة ، ولا موضع الإجماع ~~عنده متميز عن مواضع الخلاف ، وإنما يدرك ذلك شيئا فشيئا ، وإنما يعرف ذلك ~~من مطالعة الكتب المصنفة في الاختلاف والإجماع للسلف ، ثم لا يحصل العلم ms324 في ~~ذلك بمطالعة تصنيف ولا تصنيفين إذ لا يحصل تواتر الإجماع به ، وقد صنف أبو ~~بكر الفارسي رحمه الله كتابا في مسائل الإجماع وأنكر عليه كثير منه وخولف في ~~بعض المسائل ، فإذا من خالف الإجماع ولم يثبت عنده بعد فهو جاهل مخطئ وليس ~~بمكذب فلا يمكن تكفيره. والاستقلال بمعرفة التحقيق في هذا ليس بيسير. # الرابع : النظر في دليله الباعث له على مخالفة الظاهر أهو على شرائط ~~البرهان أم لا؟ ومعرفة شرط البرهان لا يمكن شرحها إلا في مجلدات ، وما ~~ذكرنا في كتاب (القسطاس المستقيم)، وكتاب (محك النظر) أنموذج منه وتكل ~~قريحة أكثر فقهاء الزمان عن قص شروط البرهان على الاستيفاء ، ولا بد من ~~معرفة ذلك فإن البرهان إذا كان قاطعا رخص في التأويل وإن كان بعيدا. فإذا ~~لم يكن قاطعا لم يرخص إلا في تأويل قريب سابق إلى الفهم. PageV01P249 # الخامس : النظر في أن ذكر تلك المقالة هل يعظم ضررها في الدين أم لا؟ فإن ~~ما لا يعظم ضرره في الدين فالأمر فيه أسهل وإن كان القول شنيعا وظاهر ~~البطلان كقول الإمامية المنتظرة أن الإمام مختف في سرداب فإنه ينتظر خروجه ~~، فإنه قول كاذب ظاهر البطلان شنيع جدا ، ولكن لا ضرر فيه على الدين إنما ~~الضرر على الأحمق المعتقد لذلك إذ يخرج كل يوم من بلده لاستقبال الإمام حتى ~~يدخل فيرجع إلى بيته خاسئا ، وهذا مثال. والمقصود أنه لا ينبغي أن يكفر بكل ~~هذيان وإن كان ظاهر البطلان. فإذا فهمت أن النظر في التكفير موقوف على جميع ~~هذه المقامات التي لا يستقل بآحادها المبرزون علمت أن المبادر إلى تكفير من ~~يخالف الأشعري أو غيره جاهل مجازف ، وكيف يستقل الفقيه بمجرد الفقه بهذا ~~الخطب العظيم وفي أي ربع من أرباع الفقه يصادف هذه العلوم ، فإذا رأيت ~~الفقيه الذي بضاعته مجرد الفقه يخوض في التكفير والتضليل فأعرض عنه ولا ~~تشغل به قلبك ولسانك ، فإن التحدي بالعلوم غريزة في الطبع لا يصبر عنه ~~الجهال ولأجله كثر الخلاف بين الناس ولو ينكث من الأيدي من ms325 لا يدري لقل ~~الخلاف بين الخلق. ### ||| * فصل في حكم عوام المسلمين # من أشد الناس علوا وإسرافا طائفة من المتكلمين كفروا عوام المسلمين ~~وزعموا أن من لا يعرف الكلام معرفتنا ولم يعرف العقائد الشرعية بأدلتنا ~~التي حررناها فهو كافر ، فهؤلاء ضيقوا رحمة الله الواسعة على عباده أولا ، ~~وجعلوا الجنة وفقا على شرذمة يسيرة من المتكلمين ثم جهلوا ما تواتر من ~~السنة ثانيا ، إذ ظهر لهم في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعصر الصحابة ~~رضي الله عنهم حكمهم بإسلام طوائف من أجلاف العرب كانوا مشغولين بعبادة ~~الوثن ولم يشتغلوا بعلم الدليل ، ولو اشتغلوا به لم يفهموه ومن ظن أن مدرك ~~الإيمان الكلام والأدلة المجردة والتقسيمات المرتبة فقد أبدع حد الإبداع ، ~~بل الإيمان نور يقذفه الله في قلوب عبيده عطية وهدية من عنده. تارة ببينة ~~من الباطن لا يمكنه التعبير عنها ، وتارة بسبب رؤيا في المنام ، وتارة ~~بمشاهدة حال رجل متدين وسراية نوره إليه عند صحبته ومجالسته ، وتارة بقرينة ~~حال. فقد جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم جاحدا به منكرا ، فلما وقع ~~بصره على طلعته البهية زادها الله شرفا وكرامة ، فرآها يتلألأ منها أنوار ~~النبوة ، قال : والله ما هذا بوجه كذاب. وسأله أن يعرض عليه الإسلام فأسلم ~~، وجاء آخر إليه عليه الصلاة والسلام وقال : أنشدك الله ، الله بعثك نبيا؟ ~~فقال عليه الصلاة والسلام : إي والله ، الله بعثني نبيا. فصدقه بيمينه ~~وأسلم ، وهذا وأمثاله أكثر من أن يحصى ولم يشغل واحد منهم بالكلام وتعليم ~~الأدلة ، بل كان يبدو نور الإيمان بمثل هذه القرائن في قلوبهم لمعة بيضاء ~~ثم لا تزال تزداد إشراقا بمشاهدة تلك الأحوال العظيمة وتلاوة القرآن وتصفية ~~القلوب ، فليت شعري متى نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عن الصحابة ~~رضي الله عنهم إحضار أعرابي أسلم وقوله له الدليل على أن العالم حادث أنه ~~لا يخلو عن PageV01P250 # الأعراض ، وما لا يخلو عن الحوادث حادث ، وإن الله تعالى عالم بعلم وقادر ~~بقدرة زائدة عن الذات لا هي ms326 هو ولا هي غيره ، إلى غير ذلك من رسوم ~~المتكلمين. # ولست أقول لم تجر هذه الألفاظ ، ولم يجر أيضا ما معناه معنى هذه الألفاظ ~~، بل كان لا تنكشف ملحمة إلا عن جماعة من الأجلاف يسلمون تحت ظلال السيوف ، ~~وجماعة من الأسارى يسلمون واحدا واحدا بعد طول الزمان أو على القرب ، ~~وكانوا إذا نطقوا بكلمة الشهادة علموا الصلاة والزكاة وردوا إلى صناعتهم من ~~رعاية الغنم وغيرها ، نعم ، لست أنكر أنه يجوز أن يكون ذكر أدلة المتكلمين ~~أحد أسباب الإيمان في حق بعض الناس ، ولكن ليس ذلك بمقصور عليه وهو أيضا ~~نادر ، بل الأنفع الكلام الجاري في معرض الوعظ كما يشتمل عليه القرآن. فأما ~~الكلام المحرر على رسم المتكلمين فإنه يشعر نفوس المستمعين بأن فيه صنعة ~~جدل ليعجز عنه العامي لا لكونه حقا في نفسه. وربما يكون ذلك سببا لرسوخ ~~العناد في قلبه ، ولذلك لا ترى مجلس مناظرة للمتكلمين ولا للفقهاء ينكشف عن ~~واحد انتقل من الاعتزال أو بدعة إلى غيره ، ولا عن مذهب الشافعي إلى مذهب ~~أبي حنيفة ولا على العكس. وتجري هذه الانتقالات بأسباب أخر حتى في القتال ~~بالسيف ، ولذلك لم تجر عادة السلف بالدعوة بهذه المجادلات ، بل شددوا القول ~~على من يخوض في الكلام ويشتغل بالبحث والسؤال ، وإذا تركنا المداهنة ~~ومراقبة الجانب صرحنا بأن الخوض في الكلام حرام لكثرة الآفة فيه إلا لأحد ~~شخصين : # رجل : وقعت له شبهة ليست تزول عن قلبه بكلام ريب وعظي ولا بخبر نقلي عن ~~رسول الله فيجوز أن يكون القول المرتب الكلامي رافعا شبهته ودواء له في ~~مرضه ، فيستعمل معه ذلك ويحرس عنه سمع الصحيح الذي ليس به ذلك المرض فإنه ~~يوشك أن يحرك في نفسه إشكالا ويثير له شبهة تمرضه وتستنزله عن اعتقاده ~~المجزوم الصحيح. # والثاني : شخص كامل العقل راسخ القدم في الدين ثابت الإيمان بأنوار ~~اليقين ، يريد أن يحصل هذه الصنعة ليداوي بها مريضا إذا وقعت له شبهة ، ~~وليفحم بها مبتدعا إذا نبغ وليحرس به معتقده إذا قصد مبتدع اغواءه ، فتعلم ~~ذلك ms327 بهذا العزم كان من فروض الكفايات ، وتعلم قدر ما يزيل به الشك ويدرأ ~~الشبهة في حق المشكل فرض عين ، إذا لم يمكن إعادة اعتقاده المجزوم بطريق ~~آخر سواه. والحق الصريح أن كل من اعتقد ما جاء به الرسول عليه الصلاة ~~والسلام واشتمل عليه القرآن اعتقادا جزما فهو مؤمن وإن لم يعرف أدلته ، بل ~~الإيمان المستفاد من الدليل الكلامي ضعيف جدا مشرف على التزاول بكل شبهة بل ~~الإيمان الراسخ إيمان العوام الحاصل في قلوبهم في الصبا بتواتر السماع أو ~~الحاصل بعد البلوغ بقرائن أحوال لا يمكن التعبير عنها وتمام تأكده بلزومه ~~العبادة والذكر ، فإن من تمادت به العبادة إلى حقيقة التقوى وتطهير الباطن ~~عن كدورات الدنيا وملازمة ذكر الله تعالى دائما تجلت له أنوار المعرفة ~~وصارت الأمور التي كان قد أخذها تقليدا عنده كالمعاينة والمشاهدة ، وذلك ~~حقيقة المعرفة التي لا تحصل إلا بعد انحلال عقدة الاعتقادات وانشراح الصدر ~~بنور الله تعالى ( @QUR@05 فمن يرد الله أن يهديه PageV01P251 # @QUR@08 يشرح صدره للإسلام فهو على نور من ربه ) [النور : 22]. كما سئل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن معنى شرح الصدر فقال : " نور يقذف في قلب ~~المؤمن" ، فقيل : وما علامته؟ قال : " التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى ~~دار الخلود". فبهذا يعلم أن المتكلم المقبل على الدنيا المتهالك عليها غير ~~مدرك حقيقة المعرفة ولو أدركها لتجافى عن دار الغرور قطعا. ### ||| * فصل في بعث النار # لعلك تقول أنت تأخذ التكفير من التكذيب للنصوص الشرعية. والشارع صلوات ~~الله عليه هو الذي ضيق الرحمة على الخلق دون المتكلم ، إذ قال عليه السلام : ~~" يقول الله تعالى لآدم عليه السلام يوم القيامة : يا آدم ابعث من ذريتك بعث ~~النار. فيقول : يا رب من كم؟ فيقول : من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين". ~~وقال عليه الصلاة والسلام : " ستفترق أمتي على نيف وسبعين فرقة ، الناجية ~~منها واحدة". # الجواب : أن الحديث الأول صحيح ، ولكن ليس المعنى به أنهم كفار مخلدون بل ~~إنهم يدخلون النار ويعرضون عليها ويتركون فيها بقدر معاصيهم ، والمعصوم من ~~المعاصي لا يكون ms328 في الألف إلا واحدا ، وكذلك قال تعالى : ( @QUR@04 وإن ~~منكم إلا واردها ) [مريم : 71] ، ثم بعث النار عبارة عمن استوجب النار ~~بذنوبه ويجوز أن يصرفوا عن طريق جهنم بالشفاعة كما وردت به الأخبار ، وتشهد ~~له الأخبار الكثيرة الدالة على سعة رحمة الله تعالى ، وهي أكثر من أن تحصى. # فمنها ما روي عن عائشة رضي الله عنها ، أنها قالت : فقدت النبي ~~صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فابتغيته فإذا هو في مشربه يصلي ، فرأيت على رأسه ~~أنوارا ثلاثة فلما قضى صلاته ، قال : مهيم من هذه؟ قلت : أنا عائشة يا رسول ~~الله ، قال : أرأيت الأنوار الثلاثة؟ قلت : نعم يا رسول الله ، قال : إن آت ~~أتاني من ربي فبشرني أن الله تعالى يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا بغير ~~حساب ولا عذاب ، ثم أتاني في النور الثاني آت من ربي فبشرني أن الله تعالى ~~يدخل الجنة من أمتي مكان كل واحد من السبعين ألفا سبعين ألفا بغير حساب ولا ~~عذاب ، ثم أتاني في النور الثالث آت من ربي فبشرني أن الله تعالى يدخل ~~الجنة من أمتي مكان كل واحد من السبعين ألفا المضاعفة سبعين ألفا بغير حساب ~~ولا عذاب فقلت : يا رسول الله لا تبلغ أمتك هذا ، قال : يكملون لكم من ~~الأعراب ممن لا يصوم ولا يصلي ، فهذا وأمثاله من الأخبار الدالة على سعة ~~رحمة الله تعالى كثير ، فهذا في أمة محمد صلى الله عليه وسلم خاصة ، وأنا أقول ~~: إن الرحمة تشتمل كثيرا من الأمم السالفة وإن كان أكثرهم يعرضون على النار ~~، إما عرضة خفيفة حتى في لحظة أو ساعة ، وإما في مدة حتى يطلق عليهم اسم ~~بعث النار ، بل أقول : إن أكثر نصارى الروم والترك في هذا الزمان تشملهم ~~الرحمة إن شاء الله تعالى. أعني الذين هم في أقاصي الروم والترك ولم تبلغهم ~~الدعوة ، فإنهم ثلاثة أصناف : صنف لم يبلغهم اسم محمد صلى الله عليه وسلم أصلا ~~فهم معذورون ، وصنف PageV01P252 # بلغهم اسمه ونعته وما ظهر عليه من المعجزات وهم المجاورون لبلاد الإسلام ~~والمخالطون لهم ms329 وهم الكفار الملحدون. وصنف ثالث بين الدرجتين بلغهم اسم ~~محمد صلى الله عليه وسلم ولم يبلغهم نعته وصفته ، بل سمعوا أيضا منذ الصبا أن ~~كذابا ملبسا اسمه محمد ادعى النبوة ، كما سمع صبياننا أن كذابا يقال له ~~المقفع بعثه الله تحدى بالنبوة كاذبا ، فهؤلاء عندي في أوصافه في معنى ~~الصنف الأول فإنهم مع أنهم لم يسمعوا اسمه سمعوا ضد أوصافه ، وهذا لا يحرك ~~داعية النظر في الطلب. # وأما الحديث الآخر ، وهو قوله : الناجية منها واحدة. فالرواية مختلفة ~~فيه. فقد روي الهالكة منها واحدة ولكن الأشهر تلك الرواية ، ومعنى الناجية ~~هي التي لا تعرض على النار ، ولا تحتاج إلى الشفاعة بل الذي تتعلق به ~~الزبانية لتجره إلى النار فليس بناج على الإطلاق وإن انتزع بالشفاعة من ~~مخاليبهم. وفي رواية : كلها في الجنة إلا الزنادقة وهي فرقة. ويمكن أن تكون ~~الروايات كلها صحيحة فتكون الهالكة واحدة هي التي تخلد في النار ، ويكون ~~الهالك عبارة عمن وقع اليأس من صلاحه لأن الهالك لا يرجى له بعد الهلاك خير ~~وتكون الناجية واحدة وهي التي تدخل الجنة بغير حساب ولا شفاعة لأن من نوقش ~~الحساب فقد عذب فليس بناج إذا ، ومن عرض للشفاعة فقد عرض للمذلة فليس بناج ~~أيضا على الإطلاق ، وهذان طريقان وهما عبارتان عن شر الخلق وخيره. وباقي ~~الفرق كلهم بين هاتين الدرجتين : فمنهم من يعذب بالحساب فقط ، ومنهم من ~~يقرب من النار ثم يصرف بالشفاعة ، ومنهم من يدخل النار ثم يخرج على قدر ~~خطاياهم في عقائدهم وبدعتهم وعلى كثرة معاصيهم وقلتها. فأما الهالكة ~~المخلدة في النار مع هذه الأمة فهي فرقة واحدة وهي التي كذبت وجوزت الكذب ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمصلحة. # وأما من سائر الأمم ، فمن كذبه بعد ما قرع سمعه التواتر عن خروجه وصفته ~~ومعجزته الخارقة للعادة كشق القمر وتسبيح الحصى ونبع الماء من بين أصابعه ~~والقرآن المعجز الذي تحدى به أهل الفصاحة وعجزوا عنه ، فإذا قرع ذلك سمعه ~~فأعرض عنه وتولى ولم ينظر فيه ولم يتأمل ms330 ولم يبادر إلى التصديق ، فهذا هو ~~الجاحد الكاذب وهو الكافر ، ولا يدخل في هذا أكثر الروم والترك الذين بعدت ~~بلادهم عن بلاد المسلمين ، بل أقول من قرع سمعه هذا فلا بد أن تنبعث به ~~داعية الطلب ليستبين حقيقة الأمر إن كان من أهل الدين ولم يكن من الذين ~~استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة ، فإن لم تنبعث هذه الداعية فذلك لركونه ~~إلى الدنيا وخلوه عن الخوف وخطر أمر الدين وذلك كفر ، وإن انبعثت الداعية ~~فقصر في الطلب فهو أيضا كفر بل ذو الإيمان بالله واليوم الآخر من أهل كل ~~ملة لا يمكنه أن يفتر عن الطلب بعد ظهور المخايل بالأسباب الخارقة للعادة ، ~~فإن اشتغل بالنظر والطلب ولم يقصر فأدركه الموت قبل تمام التحقيق فهو أيضا ~~مغفور له ثم له الرحمة الواسعة ، فاستوسع رحمة الله تعالى ولا تزن PageV01P253 # الأمور الإلهية بالموازين المختصرة الرسمية. # واعلم أن الآخرة قريب من الدنيا فما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة فكما ~~أن أكثر أهل الدنيا في نعمة وسلامة أو في حالة يغبطها إذ لو خير بينها وبين ~~الإماتة والإعدام مثلا لاختارها ، وإنما المعذب الذي يتمنى الموت نادر ، ~~فكذلك المخلدون في النار بالإضافة إلى الناجين والمخرجين منها في الآخرة ~~نادر ، فإن صفة الرحمة لا تتغير باختلاف أحوالها ، وإنما الدنيا والآخرة ~~عبارتان عن اختلاف أحوالك ولو لا هذا لما كان لقوله عليه الصلاة والسلام ~~معنى ، حيث قال : " أول ما خط الله في الكتاب الأول أنا الله لا إله إلا ~~أنا سبقت رحمتي غضبي فمن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ، ~~فله الجنة". # واعلم أن أهل البصائر قد انكشف لهم سبق الرحمة وشمولها بأسباب ومكاشفات ~~سوى ما عندهم من الأخبار والآثار ، ولكن ذكر ذلك يطول. فأبشر برحمة الله ~~وبالنجاة المطلقة إن جمعت بين الإيمان والعمل الصالح ، وبالهلاك المطلق إن ~~خلوت عنهما جميعا ، وإن كنت صاحب يقين في أصل التصديق وصاحب خطأ في بعض ~~التأويل ، أو صاحب شك فيهما ، أو صاحب خلط في الأعمال ، فلا تطمع ms331 في النجاة ~~المطلقة. # واعلم ، أنك بين أن تعذب مدة ثم تخلى ، وبين أن يشفع فيك من تيقنت صدقه ~~في جميع ما جاء به أو غيره ، فاجتهد أن يغنيك الله بفضله عن شفاعة الشفعاء ~~فإن الأمر في ذلك مخطر. ### ||| * فصل # قد ظن بعض الناس أن مأخذ التكفير من العقل لا من الشرع ، وأن الجاهل ~~بالله كافر والعارف به مؤمن ، فيقال له : الحكم بإباحة الدم والخلود في ~~النار حكم شرعي لا معنى له قبل ورود الشرع ، وإن أراد به أن المفهوم من ~~الشارع أن الجاهل بالله هو الكافر ، فهذا لا يمكن حصره فيه لأن الجاهل ~~بالرسول وبالآخرة أيضا كافر ، ثم إن خصص ذلك بالجهل بذات الله تعالى بجحد ~~وجوده أو وحدانيته ولم يطرده في الصفات فربما سوعد عليه ، وإن جعل المخطئ ~~في الصفات أيضا جاهلا أو كافرا لزمه تكفير من نفى صفة البقاء وصفة القدم ، ~~ومن نفى الكلام وصفا زائدا على العلم ، ومن نفى السمع والبصر زائدا على ~~العلم ، ومن نفى جواز الرؤية ، ومن أثبت الجهة وأثبت إرادة حادثة لا في ~~ذاته ولا في محل وتكفير المخالفين فيه ، وبالجملة يلزمه التكفير في كل ~~مسألة تتعلق بصفات الله تعالى وذلك حكم لا مستند له ، وإن خصص ببعض الصفات ~~دون بعض لم يجد لذلك فصلا ومردا ، ولا وجه له إلا الضبط بالتكذيب ليعم ~~المكذب بالرسول وبالمعاد ، ويخرج منه المؤول ، ثم لا يبعد أن يقع الشك ~~والنظر في بعض المسائل من جملة التأويل أو التكذيب حتى يكون التأويل بعيدا ~~ويقضى فيه بالظن وموجب الاجتهاد ، فقد عرفت أن هذه مسألة اجتهادية. PageV01P254 ### ||| * فصل # من الناس من قال إنما أكفر من يكفرني من الفرق ، ومن لا يكفرني فلا. وهذا ~~لا مأخذ له ، فإن قال قائل علي رضي الله عنه أولى بالإمامة إذا لم يكن كفرا ~~فبأن يخطئ صاحبه ، ويظن أن المخالف فيه كافر لا يصير كافرا ، وإنما هو خطأ ~~في مسألة شرعية. وكذلك الحنبلي إذا لم يكفربإثبات الجهة فلم يكفر بأن يغلط ~~أو يظن أن نافي الجهة مكذب ms332 وليس بمتأول. وأما قول رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : " إذا قذف أحد المسلمين صاحبه بالكفر فقد باء به ~~أحدهما". معناه أن يكفره مع معرفته بحاله فمن عرف من غيره أنه مصدق لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ثم يكفره فيكون المكفر كافرا. فأما إن كفره لظنه أنه ~~كذب الرسول فهذا غلط منه في حال شخص واحد ، إذ قد يظن به أنه كافر مكذب ~~وليس كذلك وهذا لا يكون كفرا. فقد أفدناك بهذه الترديدات التنبيه على أعظم ~~الغور في هذه القاعدة وعلى القانون الذي ينبغي أن يتبع فيه ، فاقنع به ~~والسلام. PageV01P255 ### ||| * أيها الولد PageV01P256 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * خطبة الرسالة # الحمد لله رب العالمين ، والعاقبة للمتقين ، والصلاة والسلام على نبيه ~~محمد وآله أجمعين. # اعلم ، أن واحدا من الطلبة المتقدمين لازم خدمة الشيخ الإمام زين الدين ~~حجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد الغزالي قدس الله روحه واشتغل بالتحصيل ~~وقراءة العلم عليه حتى جمع من دقائق العلوم ، واستكمل من فضائل النفس ، ثم ~~إنه فكر يوما في حال نفسه وخطر على باله ، فقال : إني قرأت أنواعا من ~~العلوم ، وصرفت ريعان عمري على تعلمها وجمعها. فالآن ينبغي أن أعلم أي ~~نوعها ينفعني غدا ويؤانسني في قبري وأيها لا ينفعني حتى أتركه ، فقد قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع" ، ~~فاستمرت له هذه الفكرة حتى كتب إلى حضرة الشيخ حجة الإسلام محمد الغزالي ~~رحمة الله تعالى عليه استفتاء ، وسأل عنه مسائل والتمس منه نصيحة ودعاء ، ~~وقال : وإن كان مصنفات الشيخ كالإحياء وغيره يشتمل على جواب مسائلي لكن ~~مقصودي أن يكتب الشيخ حاجتي في ورقات تكون معي مدة حياتي وأعمل بما فيها ~~مدى عمري إن شاء الله تعالى ، فكتب الشيخ هذه الرسالة إليه في جوابه ، ~~والله أعلم. # اعلم أيها الولد المحب أطال الله بقاءك بطاعته ، وسلك بك سبيل أحبائه أن ~~منشور النصيحة يكتب من معدن الرسالة عليه السلام إن كان قد بلغك منه نصيحة ~~فأي حاجة لك في ms333 نصيحتي ، وإن لم يبلغك منه فقل لي ما ذا حصلت في هذه السنين ~~الماضية. # أيها الولد : من جملة ما نصح به رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته قوله : " ~~علامة إعراض الله عن العبد اشتغاله بما لا يعنيه وإن امرأ ذهبت ساعة من ~~عمره في غير ما خلق له لجدير أن تطول عليه حسرته ومن جاوز الأربعين ولم ~~يغلب خيره شره فليتجهز إلى النار" ، وفي هذه النصيحة كفاية لأهل العلم. # أيها الولد : النصيحة سهلة والمشكل قبولها لأنها في مذاق متبعي الهوى مرة ~~إذ المناهي محبوبة في قلوبهم وعلى الخصوص لمن كان طالب العلم الرسمي مشتغل ~~في فصل النفس ومناقب الدنيا ، فإنه يحسب أن العلم المجرد له سيكون نجاته ~~وخلاصه فيه ، وإنه مستغن عن العمل. وهذا اعتقاد الفلاسفة. سبحان الله ~~العظيم لا يعلم هذا القدر أنه حين حصل العلم إذا لم يعمل به تكون الحجة ~~عليه آكد ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أشد الناس عذابا يوم ~~القيامة عالم لا ينفعه الله بعلمه". PageV01P257 # وروي أن الجنيد قدس الله سره رئي في المنام بعد موته ، فقيل له : ما ~~الخبر يا أبا القاسم؟ قال : طاحت تلك العبارات ، وفنيت تلك الإشارات وما ~~نفعنا إلا ركيعات ركعناها في جوف الليل. # أيها الولد : لا تكن من الأعمال مفلسا ، ولا من الأحوال خاليا وتيقن أن ~~العلم المجرد لا يأخذ اليد ، مثاله : لو كان على رجل في برية عشرة أسياف ~~هندية مع أسلحة أخرى ، وكان الرجل شجاعا وأهل حرب فحمل عليه أسد عظيم مهيب ~~فما ظنك هل تدفع الأسلحة شره عنه بلا استعمالها وضربها؟ فمن المعلوم أنها ~~لا تدفع إلا بالتحريك والضرب ، فكذا لو قرأ رجل مائة ألف مسألة علمية ~~وتعلمها ولم يعمل بها لا تفيده إلا بالعمل ، ومثله أيضا لو كان لرجل حرارة ~~ومرض صفراوي يكون علاجه بالسكنجبين والكشكاب فلا يحصل البرء إلا باستعمالها ~~(شعر): # گر مى دو هزار رطل همى پيمائى %~% تا مى نخورى نباشدت شيدائي # ولو قرأت العلم مائة سنة وجمعت ألف كتاب ms334 ، لا تكون مستعدا لرحمة الله ~~تعالى إلا بالعمل: ( @QUR@06 وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ) [النجم : 39] ، ~~( @QUR@08 فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ) [الكهف : 110] ، ( ~~@QUR@04 جزاء بما كانوا يكسبون ) [التوبة : 82] ، ( @QUR@016 إن الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا* خالدين فيها لا يبغون ~~عنها حولا ) [الكهف : 107 و108] ، ( @QUR@06 إلا من تاب وآمن وعمل صالحا ) ~~[الفرقان : 70]. وما تقول في هذا الحديث: " بني الإسلام على خمس : شهادة أن ~~لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، ~~وصوم رمضان ، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا". والإيمان قول باللسان ~~وتصديق بالجنان وعمل بالأركان ، ودليل الأعمال أكثر من أن يحصى إن كان ~~العبد يبلغ الجنة بفضل الله تعالى وكرمه ، لكن بعد أن يستعد بطاعته وعبادته ~~لأن رحمة الله قريب من المحسنين ، ولو قيل أيضا يبلغ بمجرد الإيمان ، قلنا ~~: نعم ، لكن متى يبلغ؟ وكم من عقبة كؤود يقطعها إلى أن يصل؟ فأول تلك ~~العقبات عقبة الإيمان ، وأنه هل يسلم من سلب الإيمان أم لا؟ وإذا وصل ، هل ~~يكون خائنا مفلسا؟ وقال الحسن البصري : يقول الله تعالى لعباده يوم القيامة ~~: ادخلوا يا عبادي الجنة برحمتي واقتسموها بأعمالكم. # أيها الولد : ما لم تعمل لم تجد الأجر. # حكي أن رجلا من بني إسرائيل عبد الله تعالى سبعين سنة فأراد الله تعالى ~~أن يجلوه على الملائكة فأرسل الله إليه ملكا يخبره أنه مع تلك العبادة لا ~~يليق به دخول الجنة ، فلما بلغه قال العابد : نحن خلقنا للعبادة فينبغي لنا ~~أن نعبده ، فلما رجع الملك قال : إلهي أنت أعلم بما قال ، فقال الله تعالى ~~: إذا هو لم يعرض عن عبادتنا فنحن مع الكرم لا نعرض عنه ، اشهدوا يا ~~ملائكتي أني قد غفرت له ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " حاسبوا أنفسكم ~~قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا". وقال علي رضي الله عنه : (من ~~ظن أنه بدون الجهد يصل فهو متمن ، ومن ظن أنه ببذل الجهد يصل فهو مستغن). ~~وقال الحسن رحمه الله تعالى : (طلب ms335 الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب). وقال : ~~علامة الحقيقة ترك ملاحظة العمل لا ترك العمل. وقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والأحمق من ~~اتبع هواه وتمنى على الله تعالى الأماني". PageV01P258 # أيها الولد : كم من ليال أحييتها بتكرار العلم ومطالعة الكتب وحرمت على ~~نفسك النوم ، لا أعلم ما كان الباعث فيه إن كان نيل عرض الدنيا وجذب حطامها ~~وتحصيل مناصبها والمباهاة على الأقران والأمثال فويل لك ثم ويل لك. وإن كان ~~قصدك فيه إحياء شريعة النبي صلى الله عليه وسلم وتهذيب أخلاقك وكسر النفس ~~الأمارة بالسوء ، فطوبى لك ثم طوبى لك. ولقد صدق من قال شعرا : # سهر العيون لغير وجهك ضائع %~% وبكاؤهن لغير فقدك باطل # أيها الولد : عش ما شئت فإنك ميت ، وأحبب من شئت فإنك مفارقه ، واعمل ما ~~شئت فإنك مجزي به. # أيها الولد : أي شيء حاصل لك من تحصيل علم الكلام ، والخلاف والطب ~~والدواوين والأشعار والنجوم والعروض والنحو والتصريف غير تضييع العمر بخلاف ~~ذي الجلال ، إني رأيت في إنجيل عيسى عليه الصلاة والسلام ، قال : من ساعة ~~أن يوضع الميت على الجنازة إلى أن يوضع على شفير القبر يسأل الله بعظمته ~~منه أربعين سؤالا ، لله أوله يقول عبدي طهرت منظر الخلق سنين وما طهرت ~~منظري ساعة وكل يوم ينظر في قلبك يقول : ما تصنع لغيري وأنت محفوف بخيري ، ~~أما أنت أصم لا تسمع. # أيها الولد : العلم بلا عمل جنون ، والعمل بغير علم لا يكون. # واعلم أن العلم لا يبعدك اليوم عن المعاصي ، ولا يحملك على الطاعة ، ولن ~~يبعدك غدا عن نار جهنم ، وإذا لم تعمل اليوم ولم تدارك الأيام الماضية تقول ~~غدا يوم القيامة ، فارجعنا نعمل صالحا ، فيقال : يا أحمق أنت من هناك تجيء. # أيها الولد : اجعل الهمة في الروح ، والهزيمة في النفس ، والموت في البدن ~~لأن منزلك القبر ، وأهل المقابر ينتظرونك في كل لحظة متى تصل إليهم ، إياك ~~إياك أن تصل إليهم بلا زاد ، وقال أبو بكر الصديق رضي الله ms336 عنه : هذه ~~الأجساد قفص الطيور ، واصطبل الدواب ، فتفكر في نفسك من أيهما أنت ، إن كنت ~~من الطيور العلوية فحين تسمع طنين طبل ارجعي إلى ربك تطير صاعدا إلى أن ~~تقعد في أعالي بروج الجنان ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اهتز ~~عرش الرحمن من موت سعد بن معاذ". والعياذ بالله إن كنت من الدواب ، كما قال ~~الله تعالى : ( @QUR@05 أولئك كالأنعام بل هم أضل ) [الأعراف : 179]. فلا ~~تأمن انتقالك من زاوية الدار إلى هاوية النار ، وروي أن الحسن البصري ~~رحمه الله تعالى أعطى شربة ماء بارد فأخذ القدح وغشي عليه وسقط من يده ، ~~فلما أفاق قيل له : ما لك يا أبا سعيد؟ قال : ذكرت أمنية أهل النار حين ~~يقولون لأهل الجنة أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله. # أيها الولد : لو كان العلم المجرد كافيا لك ولا تحتاج إلى عمل سواه ، ~~لكان نداء : هل من سائل ، هل من مستغفر ، هل من تائب ضائعا ، بلا فائدة. ~~وروي أن جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ذكروا عبد الله بن عمر ~~عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " نعم الرجل هو ، PageV01P259 # لو كان يصلي بالليل" وقال عليه السلام لرجل من أصحابه : " يا فلان لا تكثر ~~النوم بالليل ، فإن كثرة النوم بالليل يدع صاحبه فقيرا يوم القيامة". # أيها الولد : ومن الليل فتهجد به : أمر ، وبالأسحار هم يستغفرون شكر ، ~~والمستغفرون بالأسحار ذكر ، قال عليه السلام : " ثلاثة أصوات يحبها الله ~~تعالى : صوت الديك ، وصوت الذي يقرأ القرآن ، وصوت المستغفرين بالأسحار". ~~قال سفيان الثوري ، رحمة الله تعالى عليه : إن الله تبارك وتعالى خلق ريحا ~~بالأسحار تحمل الأذكار والاستغفار إلى الملك الجبار ، وقال أيضا : إذا كان ~~أول الليل ينادي مناد من تحت العرش : ألا ليقم العابدون فيقومون ويصلون ما ~~شاء الله ، ثم ينادي مناد في شطر الليل : ألا ليقم القانتون ، فيقومون ~~ويصلون إلى السحر ، فإذا كان السحر نادى مناد : ألا ليقم المستغفرون ، ~~فيقومون ويستغفرون ، فإذا طلع الفجر نادى مناد : ألا ليقم الغافلون فيقومون ~~من فروشهم ms337 كالموتى نشروا من قبورهم. # أيها الولد : روي في وصايا لقمان الحكيم لابنه أنه قال : يا بني لا يكونن ~~الديك أكيس منك ينادي بالأسحار وأنت نائم ، ولقد أحسن من قال شعرا : # لقد هتفت في جنح ليل حمامة %~% على فنن وهنا وإني لنائم كذبت وبيت الله لو كنت عاشقا %~% لما سبقتني بالبكاء الحمائم وأزعم أني هائم ذو صبابة %~% لربي فلا أبكي ، وتبكي البهائم # أيها الولد : خلاصة العلم أن تعلم أن الطاعة والعبادة ما هي. # اعلم : أن الطاعة والعبادة متابعة الشارع في الأوامر والنواهي ، بالقول ~~والفعل. يعني كل ما تقول وتفعل وتترك ويكون باقتداء الشرع ، كما لو صمت يوم ~~العيد وأيام التشريق تكون عاصيا ، أو صليت في ثوب مغصوب وإن كانت صورة ~~عبادة تأثم. # أيها الولد : ينبغي لك أن يكون قولك وفعلك موافقا للشرع إذ العلم والعمل ~~بلا اقتداء الشرع ضلالة ، وينبغي لك أن لا تغتر بالشطح وطامات الصوفية لأن ~~سلوك هذا الطريق يكون بالمجاهدة وقطع شهوة النفس وقتل هواها بسيف الرياضة ~~لا بالطامات والترهات. # واعلم ، أن اللسان المطلق والقلب المطبق المملوء بالغفلة والشهوة علامة ~~الشقاوة ، حتى لا تقتل النفس بصدق المجاهدة لن يحيي قلبك بأنوار المعرفة. # واعلم ، بأن بعض مسائلك التي سألتني عنها لا يستقيم جوابها بالكتابة ~~والقول إن لم تبلغ تلك الحالة تعرف ما هي ، وإلا فعلمها من المستحيلات ~~لأنها ذوقية ، وكل ما يكون ذوقيا لا يستقيم وصفه بالقول كحلاوة الحلو ~~ومرارة المر لا يعرف إلا بالذوق. كما حكي أن عنينا كتب إلى صاحب له أن ~~عرفني لذة المجامعة كيف تكون ، فكتب له في جوابه : يا فلان إني كنت حسبتك ~~عنينا فقط. الآن عرفت أنك عنين وأحمق. لأن هذه اللذة ذوقية إن تصل إليها ~~تعرف ، وإلا لا يستقيم وصفها بالقول والكتابة. PageV01P260 # أيها الولد : بعض مسائلك من هذا القبيل ، وأما البعض الذي يستقيم له ~~الجواب فقد ذكرناه في إحياء العلوم وغيره. وتذكر هاهنا نبدأ منه ونشير إليه ~~فنقول : قد وجب على السالك أربعة أمور : # الأمر الأول : اعتقاد صحيح لا يكون فيه بدعة. ms338 # والثاني : توبة نصوح لا يرجع بعدها إلى الزلة. # والثالث : استرضاء الخصوم حتى لا يبقى لأحد عليك حق. # والرابع : تحصيل علم الشريعة قدر ما تؤدي به أوامر الله تعالى. ثم من ~~العلوم الآخرة ما يكون به النجاة. حكي أن الشبلي رحمه الله خدم أربعمائة ~~أستاذ ، وقال : قرأت أربعة آلاف حديث ، ثم اخترت منها حديثا واحدا وعملت به ~~وخليت ما سواه لأني تأملته فوجدت خلاصي ونجاتي فيه. وكان علم الأولين ~~والآخرين كله مندرجا فيه فاكتفيت به ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال لبعض أصحابه : " اعمل لدنياك بقدر مقامك فيها ، واعمل لآخرتك بقدر ~~بقائك فيها ، واعمل لله بقدر حاجتك إليه ، واعمل للنار بقدر صبرك عليها". # أيها الولد : إذا علمت هذا الحديث لا حاجة إلى العلم الكثير ، وتأمل في ~~حكاية أخرى : وذلك أن حاتما الأصم كان من أصحاب الشقيق البلخي رحمة الله ~~تعالى عليهما ، فسأله يوما قال : صاحبتني منذ ثلاثين سنة ما حصلت فيها؟ قال ~~: حصلت ثماني فوائد من العلم وهي تكفيني منه لأني أرجو خلاصي ونجاتي فيها ، ~~فقال شقيق : ما هي! قال حاتم الأصم : # الفائدة الأولى : إني نظرت إلى الخلق فرأيت لكل منهم محبوبا ومعشوقا يحبه ~~ويعشقه وبعض ذلك المحبوب يصاحبه إلى مرض الموت وبعضه إلى شفير القبر ، ثم ~~يرجع كله ويتركه فريدا وحيدا ولا يدخل معه في قبره منهم أحد ، فتفكرت وقلت ~~: أفضل محبوب المرء ما يدخل معه في قبره ويؤانسه فيه فما وجدت غير الأعمال ~~الصالحة فأخذتها محبوبا لي لتكون سراجا لي في قبري ، وتؤانسني فيه ولا ~~تتركني فريدا. # الفائدة الثانية : إني رأيت الخلق يقتدون بأهوائهم ويبادرون إلى مرادات ~~أنفسهم فتأملت قوله تعالى: ( @QUR@014 وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن ~~الهوى * فإن الجنة هي المأوى ) [النازعات : 40 و41]. وتيقنت أن القرآن حق ~~صادق فبادرت إلى خلاف نفسي وتشمرت بمجاهدتها وما متعتها بهواها حتى رضيت ~~بطاعة الله سبحانه وتعالى وانقادت. # الفائدة الثالثة : إني رأيت كل واحد من الناس يسعى في جمع حطام الدنيا ثم ~~يمسكها قابضا يده عليه ms339 ، فتأملت في قوله تعالى : ( @QUR@07 ما عندكم ينفد ~~وما عند الله باق ) [النحل : 96]. فبذلت محصولي من الدنيا لوجه الله تعالى ~~، ففرقته بين المساكين ليكون ذخرا لي عند الله تعالى. # الفائدة الرابعة : إني رأيت بعض الخلق ظن شرفه وعزه في كثرة الأقوام ~~والعشائر فاغتر بهم ، وزعم آخر أنه في ثروة الأموال وكثرة الأولاد فافتخروا ~~بها ، وحسب بعضهم الشرف PageV01P261 # والعز في غصب أموال الناس وظلمهم وسفك دمائهم ، واعتقدت طائفة أنه في ~~إتلاف المال وإسرافه وتبذيره ، وتأملت في قوله تعالى : ( @QUR@05 إن أكرمكم ~~عند الله أتقاكم ) [الحجرات : 13]. فاخترت التقوى واعتقدت أن القرآن حق ~~صادق وظنهم وحسبانهم كلها باطل زائل. # الفائدة الخامسة : إني رأيت الناس يذم بعضهم بعضا ويغتاب بعضهم بعضا ، ~~فوجدت ذلك من الحسد في المال والجاه والعلم ، فتأملت في قوله تعالى : ( ~~@QUR@07 نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ) [الزخرف : 32]. فعلمت ~~أن القسمة كانت من الله تعالى في الأزل فما حسدت أحدا ورضيت بقسمة الله تعالى. # الفائدة السادسة : إني رأيت الناس يعادي بعضهم بعضا لغرض وسبب فتأملت ~~قوله تعالى: ( @QUR@06 إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا ) [فاطر : 6]. ~~فعلمت أنه لا يجوز عداوة آخر غير الشيطان. # والفائدة السابعة : إني رأيت كل أحد يسعى بجد ويجتهد بمبالغة لطلب القوت ~~والمعاش بحيث يقع به في شبهة وحرام ، ويذل نفسه ، وينقص قدره ، فتأملت في ~~قوله تعالى ( @QUR@09 وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ) [هود : ~~6]. فعلمت أن رزقي على الله تعالى ، وقد ضمنه فاشتغلت بعبادته وقطعت طمعي ~~عمن سواه. # الفائدة الثامنة : إني رأيت كل واحد معتمدا على شيء مخلوق بعضهم إلى ~~الدينار والدرهم ، وبعضهم إلى المال والملك ، وبعضهم إلى الحرفة والصناعة ، ~~وبعضهم إلى مخلوق مثله ، فتأملت في قوله تعالى : ( @QUR@016 ومن يتوكل على ~~الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا ) [الطلاق: 3]. ~~فتوكلت على الله تعالى فهو حسبي ونعم الوكيل ، فقال شقيق : وفقك الله تعالى ~~إني قد نظرت التوراة والإنجيل والزبور والفرقان ، فوجدت الكتب الأربعة تدور ~~على هذه الفوائد الثمانية ، فمن عمل بها كان عاملا ms340 بهذه الكتب الأربعة. # أيها الولد : قد علمت من هاتين الحكايتين أنك لا تحتاج إلى تكثير العلم ، ~~والآن أبين ما يجب على سالك سبيل الحق. # فاعلم أنه ينبغي للسالك شيخ مرشد مربي ليخرج الأخلاق السيئة منه بتربيته ~~ويجعل مكانها خلقا حسنا. ومعنى التربية يشبه فعل الفلاح الذي يقلع الشوك ~~ويخرج النباتات الأجنبية من بين الزرع ليحسن نباته ويكمل ريعه ، ولا بد ~~للسالك من شيخ يؤديه ويرشده إلى سبيل الله تعالى ، لأن الله أرسل للعباد ~~رسولا للإرشاد إلى سبيله ، فإذا ارتحل صلى الله عليه وسلم فقد خلف الخلفاء في ~~مكانه حتى يرشدوا إلى الله تعالى ، وشرط الشيخ الذي يصلح أن يكون نائبا ~~لرسول الله صلوات الله وسلامه عليه وأن يكون عالما ، ولكن لا كل عالم يصلح ~~للخلافة ، وإني أبين لك بعض علامته على سبيل الإجمال حتى لا يدعي كل أحد ~~أنه مرشد. # فنقول : من يعرض عن حب الدنيا وحب الجاه ، وكان قد تابع لشخص بصير يتسلسل ~~متابعته إلى سيد PageV01P262 # المرسلين صلى الله عليه وسلم وكان محسنا رياضة نفسه من قلة الأكل والقول ~~والنوم ، وكثرة الصلوات والصدقة والصوم ، وكان بمتابعته الشيخ البصير جاعلا ~~محاسن الأخلاق له سيرة كالصبر والصلاة والشكر والتوكل واليقين والقناعة ~~وطمأنينة النفس والحلم والتواضع والعلم والصدق والحياء والوفاء والوقار ~~والسكون والتأني وأمثالها ، فهو إذا نور من أنوار النبي صلى الله عليه وسلم ~~يصلح للاقتداء به ، ولكن وجود مثله نادر أعز من الكبريت الأحمر ، ومن ~~ساعدته السعادة فوجد شيخا كما ذكرنا وقبله الشيخ ينبغي أن يحترمه ظاهرا ~~وباطنا. أما احترام الظاهر فهو أن لا يجادله ولا يشتغل بالاحتجاج معه في كل ~~مسألة وإن علم خطأه ، ولا يلقي بين يديه سجادته إلا وقت أداء الصلاة فإذا ~~فرغ يرفعها ، ولا يكثر نوافل الصلاة بحضرته ، ويعمل ما يأمره الشيخ من ~~العمل بقدر وسعه وطاقته. وأما احترام الباطن فهو أن كل ما يسمع ويقبل منه ~~في الظاهر لا ينكره في الباطن لا فعلا ولا قولا لئلا يتسم بالنفاق ، وإن لم ~~يستطع يترك صحبته إلى أن ms341 يوافق باطنه ظاهره ، ويحترز عن مجالسة صاحب السوء ~~ليقصر ولاية شياطين الجن والإنس من صحن قلبه فيصفى عن لوث الشيطنة ، وعلى ~~كل حال يختار الفقر على الغنى. ثم اعلم ، أن التصوف له خصلتان : الاستقامة ~~والسكون عن الخلق ، فمن استقام وأحسن خلقه بالناس وعاملهم بالحلم فهو صوفي. ~~والاستقامة أن يفدي حظ نفسه لنفسه ، وحسن الخلق مع الناس أن لا تحمل الناس ~~على مراد نفسك بل تحمل نفسك على مرادهم ما لم يخالفوا الشرع ، ثم إنك ~~سألتني عن العبودية ، وهي ثلاثة أشياء أحدها : محافظة أمر الشرع ، وثانيها ~~: الرضاء بالقضاء والقدر وقسمة الله تعالى ، وثالثها : ترك رضاء نفسك في ~~طلب رضاء الله تعالى ، وسألتني عن التوكل هو أن تستحكم اعتقادك بالله تعالى ~~فيما وعد يعني تعتقد أن ما قدر لك سيصل إليك لا محالة وإن اجتهد كل من في ~~العالم على صرفه عنك ، وما لم يكتب لن يصل إليك وإن ساعدك جميع العالم. ~~وسألتني عن الإخلاص ، وهو أن تكون أعمالك كلها لله تعالى ولا يرتاح قلبك ~~بمحامد الناس ولا تبالي بمذمتهم. واعلم ، أن الرياء يتولد من تعظيم الخلق ، ~~وعلاجه أن تراهم مسخرين تحت القدرة وتحسبهم كالجمادات في عدم قدرة إيصال ~~الراحة والمشقة لتخلص من مراءاتهم ، ومتى تحسبهم ذوي قدرة وإرادة لن يبعد ~~عنك الرياء. # أيها الولد : والباقي من مسائلك بعضها مسطور في مصنفاتي فاطلبه منه ~~وكتابة بعضها حرام ، اعمل أنت بما تعمل ليكشف لك ما لم تعلم. # أيها الولد : بعد اليوم لا تسألني ما أشكل عليك إلا بلسان الجنان قوله ~~تعالى : ( @QUR@09 ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم ) [الحجرات ~~: 5]. واقبل نصيحة الخضر عليه السلام حين قال : ( @QUR@09 فلا تسئلني عن شيء ~~حتى أحدث لك منه ذكرا ) [الكهف : 70]. ولا تستعجل حتى تبلغ أو أنه يكشف لك ~~وتراه : ( @QUR@04 سأريكم آياتي فلا تستعجلون ) [الأنبياء : 37]. فلا ~~تسألني قبل الوقت: وتيقن أنك لا تصل إلا بالسير لقوله تعالى : ( @QUR@05 ~~أولم يسيروا في الأرض فينظروا ) [الروم : 9. غافر : 21]. # أيها الولد : بالله إن تسر تر العجائب في كل منزل ، وابذل روحك ms342 فإن رأس ~~هذا الأمر بذل الروح كما قال ذو النون المصري رحمه الله تعالى لأحد من ~~تلامذته : إن قدرت على بذل الروح فتعال وإلا فلا تشتغل بترهات الصوفية. PageV01P263 # أيها الولد : إني أنصحك بثمانية أشياء اقبلها مني لئلا يكون علمك خصما ~~عليك يوم القيامة ، تعمل منها أربعة ، وتدع منها أربعة أما اللواتي تدع : # أحدها : أن لا تناظر أحدا في مسألة ما استطعت لأن فيها آيات كثيرة فإثمها ~~أكبر من نفعها ، إذ هي منبع كل خلق ذميم كالرياء والحسد والكبر والحقد ~~والعداوة والمباهاة وغيرها ، نعم لو وقع مسألة بينك وبين شخص أو قوم وكانت ~~إرادتك فيها أن تظهر الحق ولا يضيع جاز البحث لكن لتلك الإرادة علامتان : ~~إحداهما : أن لا تفرق بين أن ينكشف الحق على لسانك أو على لسان غيرك ، ~~والثانية : أن يكون البحث في الخلاء أحب إليك من أن يكون في الملأ ، واسمع ~~إني أذكر لك هاهنا فائدة. واعلم أن السؤال عن المشكلات عرض مرض القلب إلى ~~الطبيب والجواب له سعي لإصلاح مرضه. واعلم : أن الجاهلين المرضى قلوبهم ~~والعلماء الأطباء والعالم الناقص لا يحسن المعالجة والعالم الكامل لا يعالج ~~كل مريض بل يعالج من يرجو فيه قبول المعالجة والصلاح. وإذا كانت العلة ~~مزمنة أو عقيما لا تقبل العلاج فحذاقة الطبيب فيه أن يقول هذا لا يقبل ~~العلاج فلا تشتغل فيه بمداواته لأن فيه تضييع العمر ، ثم اعلم ، أن مرض ~~الجهل على أربعة أنواع : # أحدها : يقبل العلاج والباقي لا يقبل أما الذي لا يقبل" أحدها" من كان ~~سؤاله واعتراضه عن حسده وبغضه فكلما تجيبه بأحسن الجواب وأفصحه وأوضحه فلا ~~يزيد له ذلك إلا بغضا وعداوة وحسدا ، فالطريق أن لا تشغل بجوابه فقد قيل : # كل العداوة قد ترجى إزالتها %~% إلا عداوة من عاداك عن حسد # فينبغي أن تعرض عنه وتتركه مع مرضه ، قال الله تعالى : ( @QUR@011 فأعرض ~~عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ) [النجم : 29]. والحسود ~~بكل ما يقول ويفعل أوقد النار في زرع علمه ، الحسد يأكل الحسنات كما تأكل ms343 ~~النار الحطب. # والثاني : أن تكون علته من الحماقة وهو أيضا لا يقبل العلاج ، كما قال ~~عيسى عليه السلام : إني ما عجزت عن إحياء الموتى وقد عجزت عن معالجة الأحمق ~~، وذلك رجل يشتغل بطلب العلم زمنا قليلا ويتعلم شيئا من العلم العقلي ~~والشرعي فيسأل ويعترض من حماقته على العالم الكبير الذي مضى عمره في العلوم ~~العقلية والشرعية ، وهذا الأحمق لم يعلم ويظن أن ما أشكل عليه هو أيضا مشكل ~~للعالم الكبير ، فإذا لم يعلم هذا القدر يكون سؤاله من الحماقة ، فينبغي أن ~~لا يشتغل بجوابه. # والثالث : أن يكون مسترشدا وكل ما لا يفهم من كلام الأكابر يحمل على قصور ~~فهمه وكان سؤاله للاستفادة لكن يكون بليدا لا يدرك الحقائق فلا ينبغي ~~الاشتغال بجوابه أيضا ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " نحن معاشر ~~الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم". وأما المرض الذي يقبل ~~العلاج فهو أن يكون مسترشدا عاقلا فهما لا يكون مغلوب الحسد والغضب وحب PageV01P264 # الشهوة والجاه والمال ، ويكون طالب الطريق المستقيم ولم يكن سؤاله ~~واعتراضه عن حسد وتعنت وامتحان ، وهذا يقبل العلاج فيجوز أن تشتغل بجواب ~~سؤاله بل يجب عليك إجابته. # والرابع : مما تدع وهو أن تحذر من أن تكون واعظا ومذكرا لأن فيه آفة ~~كثيرة إلا أن تعمل بما تقول أولا ، ثم تعظ به الناس فتفكر فيما قيل لعيسى ~~عليه السلام ، يا ابن مريم عظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس وإلا فاستحي من ربك ~~وإن ابتليت بهذا العمل فاحترز عن خصلتين : # الأولى : عن التكلف في الكلام بالعبارات والإشارات والطامات والأبيات ~~والأشعار لأن الله تعالى يبغض المتكلفين ، والمتكلف المتجاوز عن الحد يدل ~~على خراب الباطن وغفلة القلب ، ومعنى التذكير أن يذكر العبد نار الآخرة ~~وتقصير نفسه في خدمة الخالق ، ويتفكر في عمره الماضي الذي أفناه فيما لا ~~يعنيه ، ويتفكر فيما بين يديه من العقبات من عدم الإيمان في الخاتمة وكيفية ~~حاله في قبض ملك الموت ، وهل يقدر على جواب منكر ونكير ، ويهتم بحاله في ~~القيامة وموابقها ms344 ، وهل يعبر عن الصراط سالما أم يقع في الهاوية ، ويستمر ~~ذكر هذه الأشياء في قلبه فيزعجه عن قراره ، فغليان هذه النيران وتوجه هذه ~~المصائب يسمى تذكيرا وإعلامهم الخلق واطلاعهم على هذه الأشياء وتنبيههم على ~~تقصيرهم وتفريطهم وتبصيرهم بعيوب أنفسهم التمس حرارة هذه النيران أهل ~~المجلس وتجزعهم تلك المصائب ليتداركوا العمر الماضي بقدر الطاقة ، ويتحسروا ~~على الأيام الخالية في غير طاعة الله تعالى ، هذه الجملة على هذا الطريق ~~يسمى وعظا كما لو رأيت أن السيل قد هجم على دار أحد وكان هو وأهله فيها ~~فتقول : الحذر الحذر ، فروا من السيل وهل يشتهي قلبك في هذه الحالة أن تخبر ~~صاحب الدار خبرك بتكليف العبارات والنكت والإشارات فلا تشتهي البتة فكذلك ~~حال الواعظ فينبغي أن يجتنبها. # والخصلة الثانية : أن لا تكون همتك في وعظك أن ينفر الخلق في مجلسك ~~ويظهروا الوجد ويشقوا الثياب ليقال نعم المجلس هذا ، لأن كله ميل للدنيا ~~وهو يتولد من الغفلة ، بل ينبغي أن يكون عزمك وهمتك أن تدعو الناس من ~~الدنيا إلى الآخرة ، ومن المعصية إلى الطاعة ومن الحرص إلى الزهد ، ومن ~~البخل إلى السخاء ، ومن الغرور إلى التقوى وتحبب إليهم الآخرة وتبغض إليهم ~~الدنيا ، وتعلمهم علم العبادة والزهد لأن الغالب في طباعهم الزيغ عن منهج ~~الشرع والسعي فيما لا يرضى الله تعالى به ، والاستعثار بالأخلاق الردية ~~فألق في قلوبهم الرعب وروعهم وحذرهم عما يستقبلون من المخاوف ، ولعل صفات ~~باطنهم تتغير ومعاملة ظاهرهم تتبدل ، وينظروا الحرص والرغبة في الطاعة ، ~~والرجوع عن المعصية ، وهذا طريق الوعظ والنصيحة ، وكل وعظ لا يكون هكذا فهو ~~وبال على من قال ويسمع ، بل قيل إنه غول وشيطان يذهب بالخلق عن طريق ~~ويهلكهم. فيجب عليهم أن يفروا منه لأن ما يفيد هذا القائل من دينهم لا ~~يستطيع يمله الشيطان ، ومن كانت له يد وقدرة يجب عليه أن ينزله عن منابر ~~المواعظ ويمنعه عما باشر ، فإنه من جملة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. PageV01P265 # والثالث : مما تدع أنه لا تخالط الأمراء والسلاطين ، ولا تراهم لأن ~~رؤيتهم ms345 ومجالسهم ومخالطتهم آفة عظيمة ، ولو ابتليت بها دع عنك مدحهم ~~وثناءهم لأن الله تعالى يغضب إذا مدح الفاسق والظالم ، ومن دعا بطول بقائهم ~~فقد أحب أن يعصى الله في أرضه. # والرابع : مما تدع أن لا تقبل شيئا من عطاء الأمراء وهداياهم وإن علمت ~~أنها من الحلال لأن الطمع منهم يفسد الدين لأنه يتولد منه المداهنة ومراعاة ~~جانبهم والموافقة في ظلمهم ، وهذا كله فساد في الدين وأقل مضرته أنك إذا ~~قبلت عطاياهم وانتفعت من دنياهم أحببته ومن أحب أحدا يحب طول عمره وبقائه ~~بالضرورة ، وفي محبة بقاء الظالم إرادة في الظالم على عباد الله تعالى ~~وإرادة خراب العالم ، فأي شيء يكون أضر من هذا الدين والعاقبة ، وإياك ~~وإياك أن يخدعك استهواء الشياطين أو قال بعض الناس لك بأن الأفضل والأولى ~~أن تأخذ الدينار والدرهم منهم وتفرقها بين الفقراء والمساكين ، فإنهم ~~ينفقون في الفسق والمعصية ، وإنفاقك على ضعفاء الناس خير من إنفاقهم ، فإن ~~اللعين قد قطع أعناق كثيرة من الناس بهذه الوسوسة. وقد ذكرناه في إحياء ~~العلوم فاطلبه ثمة. # وأما الأربعة التي ينبغي لك أن تفعلها : # الأول : أن تجعل معاملتك مع الله تعالى بحيث لو عامل معك بها عبدك ترضى ~~بها منه ولا يضيق خاطرك عليه ولا تغضب ، والذي لا ترضى لنفسك من عبدك ~~المجازي فلا ترضى أيضا لله تعالى وهو سيدك الحقيقي. # والثاني : كلما عملت بالناس اجعله كما ترضى لنفسك منهم لأنه لا يكمل ~~إيمان عبد حتى يحب لسائر الناس ما يحب لنفسه. # والثالث : إذا قرأت العلم أو طالعته ينبغي أن يكون علمك يصلح قلبك ويزكي ~~نفسك ، كما لو علمت أن عمرك ما يبقى غير أسبوع ، فبالضرورة لا تشتغل فيها ~~بعلم الفقه والأخلاق والأصول والكلام وأمثالها لأنك تعلم أن هذه العلوم لا ~~تغنيك ، بل تشتغل بمراقبة القلب ومعرفة صفات النفس ، والإعراض عن علائق ~~الدنيا ، وتزكي نفسك عن الأخلاق الذميمة وتشتغل بمحبة الله تعالى وعبادته ، ~~والاتصاف بالأوصاف الحسنة. ولا يمر على عبد يوم وليلة إلا ويمكن أن يكون ~~موته فيه. # أيها الولد ms346 : اسمع مني كلاما آخر وتفكر فيه حتى تجد خلاصا لو أنك أخبرت ~~أن السلطان بعد أسبوع يختارك وزيرا. اعلم أنك في تلك المدة لا تشتغل إلا ~~بإصلاح ما علمت أن نظر السلطان سيقع عليه من الثياب والبدن والدار والفراش ~~وغيرها ، والآن تفكر إلى ما أشرت به فإنك فهم والكلام الفرد يكفي ، أليس ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى ~~أعمالكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم ونياتكم". وإن أردت علم أحوال القلب فانظر ~~إلى الإحياء وغيره من مصنفاتي. وهذا العلم فرض عين وغيره فرض كفاية إلا ~~مقدار ما يؤدي به فرائض الله تعالى وهو يوفقك حتى تحصله. PageV01P266 # والرابع : أن لا تجمع من الدنيا أكثر من كفاية سنة ، كما كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يعد ذلك لبعض حجراته ، وقال : " اللهم اجعل قوت آل محمد ~~كفافا". ولم يكن يعد ذلك لكل حجراته بل كان يعده لمن علم أن في قلبها ضعفا ~~، وأما من كانت صاحبة يقين ما كان يعد لها أكثر من قوت يوم ونصف. # أيها الولد : إني كتبت في هذا الفصل ملتمساتك فينبغي لك أن تعمل بها ولا ~~تنساني فيه من أن تذكرني في صالح دعائك ، وأما الدعاء الذي سألت مني فاطلبه ~~من دعوات الصحاح واقرأ هذا الدعاء في أوقاتك خصوصا أعقاب صلواتك ، اللهم ~~إني أسألك من النعمة تمامها ، ومن العصمة دوامها ، ومن الرحمة شمولها ، ومن ~~العافية حصولها ، ومن العيش أرغده ، ومن العمر أسعده ، ومن الإحسان أتمه ، ~~ومن الإنعام أعمه ، ومن الفضل أعذبه ، ومن اللطف أقربه ، اللهم كن لنا ولا ~~تكن علينا ، اللهم اختم بالسعادة آجالنا ، وحقق بالزيادة آمالنا ، واقرن ~~بالعافية غدونا وآصالنا ، واجعل إلى رحمتك مصيرنا ومآلنا ، واصبب سجال عفوك ~~على ذنوبنا ، ومن علينا بإصلاح عيوبنا ، واجعل التقوى زادنا ، وفي دينك ~~اجتهادنا ، وعليك توكلنا واعتمادنا ، اللهم ثبتنا على نهج الاستقامة ، ~~وأعذنا في الدنيا من موجبات الندامة يوم القيامة ، وخفف عنا ثقل الأوزار ، ~~وارزقنا عيشة الأبرار ، واكفنا واصرف عنا شر الأشرار ، واعتق رقابنا ms347 ورقاب ~~آبائنا وأمهاتنا وإخواننا وأخواتنا من النار برحمتك يا عزيز يا غفار يا ~~كريم يا ستار يا عليم يا جبار يا الله يا الله يا الله برحمتك يا أرحم ~~الراحمين ، ويا أول الأولين ، ويا آخر الآخرين ويا ذا القوة المتين ، ويا ~~راحم المساكين ، ويا أرحم الراحمين ، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من ~~الظالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين والحمد لله رب ~~العالمين. PageV01P267 ### ||| * مشكاة الأنوار PageV01P268 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * خطبة الرسالة # الحمد لله مفيض الأنوار ، وفاتح الأبصار ، وكاشف الأسرار ، ورافع الأستار ~~، والصلاة على محمد نور الأنوار ، وسيد الأبرار ، وحبيب الجبار ، وبشير ~~الغفار ، ونذير القهار ، وقامع الكفار ، وفاضح الفجار ، وعلى آله وأصحابه ~~الطاهرين الأخيار. # أما بعد ، فقد سألتني أيها الأخ الكريم قيضك الله لطلب السعادة الكبرى ، ~~ورشحك للعروج إلى الذروة العليا ، وكحل بنور الحقيقة بصيرتك ، ونفى عما سوى ~~الحق سريرتك أن أبث إليك أسرار الأنوار الإلهية مقرونة بما يشير إليه ظواهر ~~الآيات المتلوة والأخبار المروية مثل قوله تعالى: ( @QUR@03 الله نور ~~السماواتوالأرض ) [النور : 35]. ومعنى تشبيهه ذلك بالمشكاة والزجاجة ~~والمصباح والزيت والشجرة مع قوله صلى الله عليه وسلم : " إن لله سبعين ألف ~~حجاب من نور وظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل من أدركه بصره" ، ولقد ~~ارتقيت بسؤالك مرتقى صعبا تنخفض دون أعاليه مرامي أعين الناظرين ، وقرعت ~~بابا مغلقا لا ينفتح إلا للعلماء الراسخين ، ثم ليس كل سر يكشف ويغشى ، ولا ~~كل حقيقة تعرض وتجلى بل صدور الأحرار قبور الأسرار ، ولقد قال بعض العارفين ~~إفشاء سر الربوبية كفر ، بل قال سيد الأولين والآخرين : " إن من العلم ~~كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العلماء بالله فإذا نطقوا به لم ينكره عليهم ~~إلا أهل الاغترار بالله" ، ومهما كثر أهل الاغترار بالله وجب حفظ الأسرار ~~عن وجه الأشرار ، لكني أراك منشرح الصدر بالنور منزه السر عن ظلمات الغرور ~~فلا أشح عليك بالإشارة إلى لوامع ولوائح والرمز إلى حقائق ودقائق. فليس ~~الظلم في كف العلم عن أهله بأقل منه في بثه إلى غير أهله ms348 فقد قيل : # فمن منح الجهال علما أضاعه %~% ومن منع المستوجبين فقد ظلم # فاقنع باشارات مختصرة ، وتلويحات موجزة فإن تحقيق القول فيه يستدعي تمهيد ~~أصول ، وشرح فصول ليس يتسع له الآن وقتي ولا ينصرف إليه ذهني ولا همتي ، ~~ومفاتيح القلوب بيد الله يفتحها إذا شاء كما شاء بما شاء ، وإنما ينفتح في ~~هذا الوقت فصول ثلاثة : PageV01P269 ### ||| * الفصل الأول ### ||| * في بيان أن النور الحق هو الله تعالى وأن اسم النور لغيره ### ||| * مجاز محض لا حقيقة له # وبيانه بأن تعرف معنى النور بالوضع الأول عند العوام ، ثم بالوضع الثاني ~~عند الخواص ، ثم بالوضع الثالث عند خواص الخواص ، ثم تعرف درجات النور ~~المنسوبة إلى الخواص وحقائقها لينكشف لك عند ظهور درجاتها أن الله تعالى هو ~~النور الأعلى الأقصى ، وعند انكشاف حقائقها أنه النور الحق الحقيقي وحده لا ~~شريك له فيه. أما الوضع الأول العامي فالنور يشير إلى الظهور والظهور أمر ~~إضافي إذ يظهر الشيء لا محالة لغيره ويبطن عن غيره فيكون ظاهرا بالإضافة ~~باطنا بالإضافة وإضافة ظهوره إلى الإدراكات لا محالة. وأقوى الإدراكات ~~وأجلها عند العوام الحواس ومنها حاسة البصر ، والأشياء بالاضافة إلى الحس ~~البصري ثلاثة أقسام : منها ما لا يبصر بنفسه كالأجسام المظلمة ، ومنها ما ~~يبصر بنفسه ولا يبصر به غيره كالأجسام المضيئة مثل الكواكب وجسم النار إذا ~~لم تكن مشعلة ، ومنها ما يبصر به غيره كالشمس والقمر والنيران المشعلة ~~والسرج ، والنور اسم لهذا القسم الثالث ، ثم تارة يطلق على ما يفيض من هذه ~~الأجسام المنيرة على ظواهر الأجسام الكثيفة فيقال استنارت الأرض ووقع نور ~~الشمس على الأرض ، ونور السراج على الحائط والثوب ، وتارة يطلق على نفس هذه ~~الأجسام المشرقة أيضا لأنها في أنفسها مستنيرة. وعلى الجملة فالنور عبارة ~~عما يبصر بنفسه ويبصر به غيره كالشمس. هذا حده وحقيقته بالوضع الأول. # دقيقة : لما كان سر النور وروحه هو الظهور للإدراك وكان الإدراك موقوفا ~~على وجود النور وعلى وجود العين الباصرة أيضا إذ النور هو الظاهر المظهر ~~وليس شيء من الأنوار ظاهرا في حق ms349 العميان ولا مظهرا ، فقد ساوى الروح ~~الباصرة النور الظاهر في كونه ركنا لا بد منه للإدراك ثم ترجح عليه في أن ~~الروح الباصرة هي المدركة وبها الإدراك ، وأما النور فليس بمدرك ولا به ~~إدراك بل عنده الإدراك ، وكأن اسم النور بالنور أحق منه بالنور المبصر ، ~~فأطلقوا اسم النور على نور العين المبصرة فقالوا في الخفاش إن نور عينه ~~ضعيف ، وفي الأعمش إنه ضعيف نور البصر ، وفي الأعمى أنه فقد نور بصره ، وفي ~~السواد إنه يجمع نور البصر ويقويه والاجفان إنما خصتها الحكمة الإلهية بلون ~~السواد وجعل العين مجفونة بها لتجمع ضوء العين. وأما البياض فيفرق نور ~~العين فيضعف نوره حتى إن إدامة النظر إلى البياض المشرق بل إلى نور الشمس ~~يبهر نور العين ويمحقه كما يمحق الضعيف في جنب القوي ، فقد عرفت بهذا أن ~~الروح الباصرة يسمى نورا وأنه لم يكن بهذا الاسم أولى وهذا هو الوضع الثاني ~~وهو وضع الخواص. # حقيقة : اعلم أن نور البصر موسوم بأنواع من النقصان فإنه يبصر غيره ولا ~~يبصر نفسه ولا PageV01P270 # يبصر ما بعد منه ولا ما قرب ولا يبصر ما هو وراء حجاب ، ويبصر من الأشياء ~~ظاهرها دون باطنها ، ويبصر من الموجودات بعضها دون كلها ويبصر أشياء ~~متناهية ولا يبصر ما لا نهاية له ويغلط كثيرا في إبصاره فيرى الكبير صغيرا ~~ويرى البعيد قريبا والساكن متحركا والمتحرك ساكنا ، فهذه سبع نقائص لا ~~تفارق العين الظاهرة فإن كان في الأعين عين منزهة عن هذه النقائص كلها ، ~~فليت شعري هل هو أولى باسم النور فاعلم أن في قلب الإنسان عينا هذه صفة ~~كمالها وهي التي يعبر عنها تارة بالعقل وتارة بالروح وتارة النفس الإنساني ~~، دع عنك هذه العبارات ، فإنها إذا كثرت أوهمت عند الضعيف البصيرة كثرة ~~المعاني فنعني به المعنى الذي يتميز به العاقل عن الطفل الرضيع وعن البهيمة ~~وعن المجنون ولنسمه عقلا متابعة للجمهور في الاصطلاح فنقول العقل أولى بأن ~~يسمى نورا من العين الظاهرة لرفعة قدره عن النقائص السبع. # أما الأولى : فهو أن ms350 العين لا تبصر نفسها والعقل يدرك غيره ويدرك نفسه ~~ويدرك صفات نفسه إذ يدرك نفسه عالما وقادرا ، ويدر علم نفسه ، ويدرك علمه ~~بعلمه بنفسه وعلمه بعلمه بعلمه نفسه إلى غير نهاية ، وهذه خاصة لا تتصور ~~لما يدرك بآلة الأجسام ووراءه سر يطول شرحه. # الثانية : أن العين لا تبصر ما قرب منها قربا مفرطا ولا ما بعد والعقل ~~عنده يسوي بين القريب والبعيد ويعرج في طرقه إلى أعلى السماوات رقيا ، ~~وينزل في لحظة إلى تخوم الأرض هويا ، بل إذا حقت الحقائق انكشف أنه منزه عن ~~أن يحوم بجنبات قدسه القرب والبعد الذي يعرض بين الأجسام ، فإنه أنموذج من ~~بحور الله تعالى ولا يخلو الأنموذج عن محاكاة وإن كان لا يرقى إلى ذروة ~~المساوقة ، وهذا ربما هزك للتفطن لسر قوله صلى الله عليه وسلم : " إن الله خلق ~~آدم على صورته" ، فلست أرى الآن الخوض في بيانه. # الثالثة : أن العين لا تدرك ما وراء الحجاب ، والعقل يتصرف في العرش ~~والكرسي وما وراء حجب السماوات وفي الملأ الأعلى والملكوت كتصرفه في عالمه ~~الخاص به ومملكته القريبة. أعني بها الخاصة به ، بل الحقائق كلها لا تحجب ~~عن العقل ، وإنما حجاب العقل حيث يحجب من نفسه لنفسه بسبب صفات مقارنة له ~~تضاهي حجاب العين من نفسه عند تغميض الأجفان وستعرف هذا في الفصل الثالث من ~~الكتاب. # الرابعة : أن العين تدرك من الأشياء ظاهرها وسطحها الأعلى دون باطنها بل ~~قوالبها وصورها دون حقائقها ، والعقل يتغلغل إلى بواطن الأشياء وأسرارها ، ~~ويدرك حقائقها وأرواحها ، ويستنبط أسبابها وعللها وحكمها ، وأنها مم حدثت ~~وكيف خلقت ومن كم معنى جمع الشيء وركب وعلى أي مرتبة في الوجود نزل وما ~~نسبته إلى سائر مخلوقاته؟ إلى مباحث أخر يطول شرحها نرى الإيجاز فيها أولى. # الخامسة : أن العين تبصر بعض الموجودات إذ تقصر عن جميع المعقولات وعن ~~كثير من PageV01P271 # المحسوسات ولا تدرك الأصوات ولا الروائح والطعوم والحرارة والبرودة ~~والقوى المدركة. أعني قوة السمع والشم والذوق ، بل الصفات الباطنة ~~النفسانية كالفرح والسرور والغم والحزن والألم واللذة ms351 والعشق والشهوة ~~والقدرة والإرادة والعلم إلى غير ذلك من موجودات لا تحصى ولا تعد ، فهو ضيق ~~المجال مختصر المجرى لا تسعه مجاوزة عالم الألوان والأشكال وهما أخس ~~الموجودات ، فإن الأجسام في نفسها أخس أقسام الموجودات والألوان ، والأشكال ~~من أخس أعراضها ، والموجودات كلها مجال العقل إذ يدرك هذه الموجودات التي ~~عددناها وما لم نعده وهو الأكثر فيتصرف في جميعها ويحكم عليها حكما يقينا ~~صادقا ، فالأسرار الباطنة عنده ظاهرة والمعاني الخفية عنده جلية ، فمن أين ~~للعين الباصرة مساواته في استحقاق اسم النور. كلا بها نور بالإضافة إلى ~~غيرها ولكنها ظلمة بالإضافة إليه ، بل هي جاسوس من جواسيسه وكلها بأخس ~~خزائنه وهي خزانة الألوان والأشكال لترفع إلى حضرته أخبارها فيقضي فيها بما ~~يقتضيه رأيه الثاقب وحكمه النافذ ، والحواس جواسيسه سواها وهي من خيال ووهم ~~وفكر وذكر وحفظ ووراءهم خدم وجنود مسخرة له في عالمه الحاضر يسخرهم ويتصرف ~~فيهم استسخار الملك عبيده بل أشد ، وشرح ذلك يطول ، وقد شرحناه في كتاب ~~عجائب القلب من كتب الإحياء. # السادسة : أن العين لا تبصر ما لا نهاية له فإنها تبصر صفات الأجسام ~~المعلومات. والأجسام لا تتصور إلا متناهية والعقل يدرك المعقولات ~~والمعقولات لا تتصور أن تكون متناهية ، نعم إذا لاحظ العلوم المتحصلة فلا ~~يكون الحاضر الحاصل عنده إلا متناهيا لكن في قوته إدراك ما لا نهاية له. ~~وشرح ذلك يطول فإن أردت له مثالا فخذ من الحساب فإنه يدرك الأعداد ولا ~~نهاية لها نهاية ويدرك تضعيفات الاثنين والثلاثة وسائر الأعداد ولا يتصور ~~لها نهاية ويدرك أنواعا من النسب بين الأعداد ولا يتصور لها نهاية ، بل ~~يدرك علمه بالشيء وعلمه بعلمه بالشيء وعلمه بعلمه بعلمه ، وقوته في هذا ~~الوجه أيضا لا تقف عند نهاية. # السابعة : أن العين تدرك الكبير صغيرا فترى الشمس في مقدار بحر والكواكب ~~في صور دنانير منثورة على بساط أزرق والعقل يدرك أن الكواكب والشمس أكبر من ~~الأرض أضعافا مضاعفة ، ويرى الكواكب ساكنة بل يرى الظل بين يديه ساكنا ، ~~ويرى الصبي ساكنا في مقداره. والعقل ms352 يدرك أن الصبي يتحرك في النمو والتزايد ~~على الدوام والظل متحركا دائما والكواكب تتحرك في كل لحظة أميالا كثيرة كما ~~قال صلى الله عليه وسلم لجبريل : " أزالت الشمس؟ فقال : لا. نعم" قال : وكيف؟ ~~قال : " منذ قلت لا إلى أن قلت نعم قد تحركت مسيرة خمسمائة عام". وأنواع ~~غلط البصر كثيرة والعقل منزه عنها ، فإن قلت نرى العقلاء يغلطون في نظرهم ~~فاعلم أن خيالاتهم وأوهامهم قد تحكم باعتقادات يظنون أن أحكامها أحكام ~~العقل فالغلط منسوب إليها. وقد شرحنا مجامعها في كتاب معيار العلم وكتاب ~~محك النظر ، فأما العقل إذا تجرد عن غشاوة الوهم والخيال لم يتصور أن يغلط ~~بل يرى الأشياء على ما هي عليه وفي تجرده عسر ، PageV01P272 # وإنما يكمل تجرده عن هذه النوازع بعد الموت وعند ذلك ينكشف الغطاء وتنجلي ~~الأسرار ويصادف كل أحد ما قدمه من خير أو شر محضرا ويشاهد كتابا لا يغادر ~~صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها وعندها يقال له : فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم ~~حديد ، وإنما الغطاء غطاء الخيال والوهم ، وعندها يقول المغرور بأوهامه ~~واعتقاداته الفاسدة وخيالاته الباطلة : ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل ~~صالحا إنا موقنون ، فقد عرفت بهذا أن العين أولى باسم النور من النور ~~المعروف المحسوس ، ثم عرفت أن العقل أولى باسم النور من العين ، بل بينهما ~~من التفاوت ما يصح أن يقال معه إنه أولى بل الحق أنه يستحق الاسم دونه. # دقيقة : اعلم أن العقول وإن كانت مبصرة فليست المبصرات عندها كلها على ~~مرتبة واحدة ، بل بعضها تكون عندها كأنها حاضرة كالعلوم الضرورية مثل علمه ~~بأن الشيء الواحد لا يكون قديما حديثا ولا يكون موجودا معدوما ، والقول ~~الواحد لا يكون صدقا وكذبا وأن الحكم إذا ثبت للشيء جوازه ثبت لمثله ، وأن ~~الأخص إذا كان موجودا كان الأعم واجب الوجود ، فإذا وجد السواد فقد وجد ~~اللون ، وإذا وجد الإنسان فقد وجد الحيوان ، وأما عكسه فلا يلزم في العقل ~~إذ لا يلزم من الوجود اللون وجود السواد ، ولا من وجود الحيوان وجود ~~الإنسان إلى غير ms353 ذلك من القضايا الضرورية في الواجبات والجائزات ~~والمستحيلات ، ومنها ما لا يقارن العقل في كل حال إذا عرض عليه بل يحتاج ~~إلى أن يهز أعطافه ويستوري زناده وينبه عليه بالتنبيه كالنظريات ، وإنما ~~ينبهه كلام الحكماء. فعند اشراق نور الحكمة يصير الإنسان مبصرا بالفعل بعد ~~أن كان مبصرا بالقوة. وأعظم الحكمة كلام الله تعالى : (ومن جملة كلامه ~~القرآن خاصة فيكون منزلة آيات القرآن عند عين العقل منزلة نور الشمس عند ~~العين الظاهرة ، إذ به يتم الإبصار فبالحرى أن يسمى القرآن نورا كما يسمى ~~نور الشمس نورا فمثال القرآن نور الشمس ، ومثال العقل نور العين)، وبهذا ~~يفهم معنى قوله تعالى : ( @QUR@06 فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا ~~) [التغابن: 8]. وقوله تعالى : ( @QUR@09 قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا ~~إليكم نورا مبينا ) [النساء : 174]. # تكملة لهذه الحقيقة : فإذا فهمت من هذا أن العين عينان ظاهرة وباطنة من ~~عالم الحس والمشاهدة ، والباطنة من عالم آخر وهو عالم الملكوت ولكل عين من ~~العينين شمس ونور عنده تصير كاملة الإبصار. إحداهما ظاهرة والأخرى باطنة. ~~والظاهرة من عالم الشهادة وهي الشمس المحسوسة ، والباطنة من عالم الملكوت ~~وهو القرآن وكتب الله المنزلة ، مهما انكشف لك هذا انكشافا تاما فقد انفتح ~~لك باب من أبواب الملكوت وفي هذا العلم عجائب يستحقر بالإضافة إليها عالم ~~الشهادة ، ومن لم يسافر إلى هذا العلم وقعد به القصور في حضيض عالم الشهادة ~~فهو بهيمة يعد ومحروم عن خاصية الإنسانية بل أضل من البهيمة إذ لم تعط ~~البهيمة أجنحة الطيران إلى هذا العلم ، ولذلك قال تعالى : ( @QUR@05 أولئك ~~كالأنعام بل هم أضل ) [الأعراف : 179]. # واعلم أن عالم الشهادة بالإضافة إلى عالم الملكوت كالقشرة بالإضافة إلى ~~اللب وكالصورة والقالب بالإضافة إلى الروح ، وكالظلمة بالإضافة إلى النور ~~وكالسفل بالإضافة إلى العلو ، ولذلك يسمى عالم PageV01P273 # الملكوت العالم العلوي والعالم الروحاني والعالم النوراني ، وفي مقابلته ~~العالم السفلي والجسماني والظلماني. ولا تظنن أنا نعني بالعالم العلوي ~~السماوات فإنها علو وفوق في حق بعض عالم الشهادة والحس يشارك ادراكها ~~البهائم ، وأما العبد فلا تفتح له أبواب ms354 الملكوت ولا يصير ملكوتيا إلا ~~وتبدل في حقه الأرض غير الأرض والسماوات ، ولا يصير كل ما هو داخل تحت الحس ~~والخيال أرضه ومن جملتها السماوات ، وكل ما ارتفع عن الحس سماؤه. وهذا هو ~~المعراج الأول لكل سالك ابتدأ سفره لقرب حضرة الربوبية. فالإنسان مردود إلى ~~أسفل سافلين ومنه يترقى إلى العالم الأعلى ، وأما الملائكة فإنهم من جملة ~~عالم الملكوت عالقون في حضرة القدس ، ومنها يشرفون على العالم الأسفل ، ~~ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله خلق الخلق في ظلمته ثم ~~أفاض عليهم من نوره". وقال : " لله ملائكة هم أعلم بأعمال الناس منهم". ~~والأنبياء إذا بلغ معراجهم إلى عالم الملكوت فقد بلغوا المبلغ الأقصى ~~وأشرفوا على جملة من عالم الغيب ، إذ من كان في عالم الملكوت كان عند الله ~~وعنده مفاتيح الغيب أي من عنده تنزل أسباب الموجودات في عالم الشهادة ، إذ ~~عالم الشهادة أثر من آثار ذلك العالم يجري منه مجرى الظل بالإضافة إلى ~~الشخص ومجرى الثمر بالإضافة إلى المثمر ، والمسبب بالإضافة إلى السبب ، ~~ومفاتيح معرفة المسببات إنما تؤثر من الأسباب ، ولذلك كان عالم الشهادة ~~مثالا لعالم الملكوت كما سيأتي في بيان المشكاة والمصباح والشجرة لأن ~~المشبه لا يخلو من موازاة المشبه به ، ومحاكاته نوعا من المحاكاة على قرب ~~أو بعد وهذا الآن له غور عميق. ومن اطلع على كنه حقيقته انكشفت له حقائق ~~أمثلة القرآن على يسر. # دقيقة ترجع إلى حقيقة النور : قلنا : إن كل ما يبصر نفسه وغيره أولى باسم ~~النور ، فإن كان من جملته ما يبصر به غيره أيضا من أنه يبصر نفسه وغيره فهو ~~أولى باسم النور من الذي لا يؤثر في غيره أصلا ، بل بالحري أن يسمى سراجا ~~منيرا لفيضان أنواره على غيره ، وهذه الخاصة توجد للروح القدسي النبوي إذ ~~تفيض بواسطته أنوار المعارف على الخلق وبه يفهم تسمية الله محمدا ~~صلى الله عليه وسلم سراجا منيرا ، والأنبياء كلهم سرج ، وكذلك العلماء ولكن ~~التفاوت بينهم لا يحصى. # دقيقة : إذا كان اللائق بالذي ms355 يستفاد منه نور الإبصار أن يسمى سراجا ~~منيرا فالذي يقتبس منه السراج في نفسه جدير بأن يكنى عنه بالنار ، وهذه ~~السرج الأرضية إنما تقتبس في أصلها من أنوار علوية والروح القدسي النبوي ~~يكاد زيته يضيء ولو لم تمسسه نار إنما يصير نورا على نور إذا مسته النار ، ~~فبالحري أن يكون مقتبس الأرواح الأرضية من الأرواح الإلهية العلوية التي ~~وصفها علي وابن عباس عليهما السلام فقالا : إن لله ملكا له سبعون ألف وجه في ~~كل وجه سبعون ألف فم في كل فم سبعون ألف لسان يسبح الله بجميعها ، وهو الذي ~~قوبل بالملائكة كلهم فقيل : ( @QUR@05 يوم يقوم الروح والملائكة صفا ) ~~[النبأ : 38]. فهي إذا اعتبرت من حيث يقتبس منها السرج الأرضية لم يكن لها ~~مثال إلا النار ، وذلك لا يؤنس إلا من جانب الطور. # دقيقة : الأنوار السماوية التي منها تقتبس الأنوار الأرضية إن كان لها أن ~~تترتب بحيث يقتبس بعضها PageV01P274 # من بعض ، فالأقرب من المنبع الأول أولى باسم النور لأنه أعلى رتبة. ومثال ~~ترتيبها في عالم الشهادة لا يدركه الإنسان إلا بأن يبصر ضوء القمر داخلا في ~~كوة بيت واقعا على مرآة منصوبة على حائط منعطفا منها على حائط آخر في ~~مقابلتها ، ثم منعطفا منها على الأرض بحيث تستنير منه الأرض ، فأنت تعلم أن ~~ما على الأرض من النور تابع لما على الحائط ، وما على الحائط تابع لما على ~~المرآة ، وما على المرآة تابع للقمر ، وما في القمر تابع لما في الشمس إذ ~~منها يشرق النور على القمر. وهذه الأنوار الأربعة مترتبة بعضها أعلى من بعض ~~وأكمل من بعض ، ولكل واحد مقام معلوم ودرجة خاصة لا يتعداها ، فاعلم أنه قد ~~انكشف لأرباب البصائر أن الأنوار الملكوتية إنما وجدت على ترتيب كذلك ، وأن ~~المقرب هو الأقرب تقرب إلى النور الأقصى فلا يبعد أن تكون رتبة إسرافيل فوق ~~رتبة جبريل وأن فيهم الأقرب الذي تقرب درجته من حضرة الربوبية التي هي منبع ~~الأنوار كلها وأن فيهم الأدنى وبينهم درجات تستعصي عن الإحصاء ، وإنما ~~المعلوم كثرتهم ms356 وترقيهم في صفوفهم وأنهم كما وصفوا به أنفسهم إذ قالوا : ( ~~@QUR@012 وما منا إلا له مقام معلوم* وإنا لنحن الصافون* وإنا لنحن ~~المسبحون ) [الصافات : 164. 166]. # دقيقة : إذا عرفت أن الأنوار لها ترتيب ، فاعلم أنها لا تتسلسل إلى غير ~~نهاية ، بل ترتقي إلى منبع أول وهو النور لذاته وبذاته ليس يأتيه نور من ~~غيره ومنه تشرق الأنوار كلها على ترتيبها. فانظر الآن هل اسم النور أحق ~~وأولى بالمستنير المستعير نوره من غيره أو بالمنير في ذاته المنور لكل ما ~~سواه؟ فما عندي أنه يخفى عليك الحق فيه وبه تتحقق أن اسم النور أحق بالنور ~~الأقصى الأعلى الذي لا نور فوقه ومنه ينزل النور إلى غيره. # حقيقة : بل أقول ولا أبالي أن اسم النور غير النور الأولي مجاز محض ، إذ ~~كل ما سواه إذا اعتبرت ذاته فهو في ذاته من حيث ذاته لا نور له بل نوره ~~مستعار من غيره ولا قوام لنورانيته المستعارة بنفسها بل بغيرها. ونسبة ~~المستعار مجاز محض أفترى أن من استعار ثيابا وفرسا ومركبا وسرجا وركبه في ~~الوقت الذي أركبه المعير ، وعلى الحد الذي رسمه له غني بالحقيقة أو بالمجاز ~~أو أن المعير هو الغني كلا بل المستعير هو فقير في نفسه كما كان ، وإنما ~~الغني هو المعير الذي منه الإعارة والاعطاء وإليه الاسترداد والانتزاع ، ~~فإذا النور الحق هو الذي بيده الخلق والأمر ، ومنه الإنارة أولا ، والإدامة ~~ثانيا فلا شركة لأحد معه في حقيقة هذا الاسم ولا في استحقاقه إلا من حيث ~~تسميته به ، ويتفضل عليه بتسميته إياه تفضل المالك على عبده إذا أعطاه مالا ~~ثم سماه مالكا ، وإذا انكشف للعبد هذه الحقيقة علم أنه وماله ملك لمالكه ~~على التفرد لا شريك له فيه أصلا. # حقيقة : مهما عرفت أن النور راجع إلى الظهور والإظهار ومراتبه ، فاعلم ~~أنه لا ظلمة أشد من ظلمة العدم لأنه مظلم ، وسمي مظلما لأنه ليس يظهر ~~للأبصار إذ ليس يصير موجودا للبصر مع أنه موجود في نفسه فالذي ليس موجودا ~~لغيره ولا لنفسه كيف لا يستحق ms357 أن يكون هو الغاية في الظلمة وفي مقابلته ~~الوجود فهو النور ، فإن الشيء ما لم يظهر في ذاته لا يظهر PageV01P275 # لغيره ، والوجود بنفسه أيضا ينقسم إلى ما له الوجود من ذاته وإلى ما له ~~الوجود من غيره. وماله الوجود من غيره فوجوده مستعار لا قوام له بنفسه ، بل ~~إذا نسبته إلى غيره وليس ذلك بوجود حقيقي كما عرفت في مثال استعارة الثوب ~~والغنى ، فالموجود الحق هو الله تعالى كما أن النور الحق هو الله تعالى. # حقيقة الحقائق : من هاهنا يترقى العارفون من حضيض المجاز إلى ذروة ~~الحقيقة واستكملوا معراجهم فرأوا بالمشاهدة العيانية أن ليس في الوجود إلا ~~الله وأن كل شيء هالك إلا وجهه ، لأنه يصير هالكا في وقت من الأوقات ، بل ~~هو هالك أزلا وأبدا إذ لا يتصور إلا كذلك ، فإن كل شيء سواه إذا اعتبرت ~~ذاته من حيث ذاته فهو عدم محض ، وإذا اعتبر من الوجه الذي يسري إليه الوجود ~~من الأول الحق رئي موجودا لا في ذاته بل من الوجه الذي يلي موجده فيكون ~~الموجود وجه الله فقط. ولكل شيء وجهان : وجه إلى نفسه ، ووجه إلى ربه. فهو ~~باعتبار وجه نفسه عدم ، وباعتبار وجه الله وجود ، فإذا لا موجود إلا الله ~~ووجهه ، فإذا كل شيء هالك إلا وجهه أزلا وأبدا. ولم يفتقر هؤلاء إلى قيام ~~القيامة ليستمعوا نداء الباري : ( @QUR@06 لمن الملك اليوم لله الواحد ~~القهار ) [غافر : 16]. بل هذا النداء لا يفارق سمعهم أبدا ، ولم يفهموا ~~معنى قوله" الله أكبر" أنه أكبر من غيره. حاشى لله إذ ليس في الوجود معه ~~غيره حتى يكون هو أكبر منه ، بل ليس لغيره رتبة المعية بل رتبة التبعية ، ~~بل ليس لغيره وجود إلا من الوجه الذي يليه فالموجود وجهه فقط ، ومحال أن ~~يكون أكبر من وجهه بل معناه أكبر من أن يقال له أكبر بمعنى الإضافة ~~والمقايسة وأكبر من أن يدرك غيره كنه كبريائه نبيا كان أو ملكا ، بل لا ~~يعرف الله كنه معرفته إلا هو إذ كل معروف داخل تحت ms358 سلطان العارف واستيلائه ~~وذلك ينافي الجلال والكبرياء. وهذا له تحقق ذكرناه في كتاب : " المقصد ~~الأسنى في معاني أسماء الله الحسنى". # إشارة : العارفون بعد العروج إلى سماء الحقيقة اتفقوا على أنهم لم يروا ~~في الوجود إلا الواحد الحق ، لكن منهم من كان له هذه الحالة عرفانا علميا ~~ومنهم من صار له ذوقا وحالا وانتفت عنهم الكثرة بالكلية ، واستغرقوا ~~بالفردانية المحضة ، واستهوت فيها عقولهم فصاروا كالمبهوتين فيه ولم يبق ~~فيهم متسع لذكر غير الله ولا لذكر أنفسهم أيضا ، فلم يبق عندهم إلا الله ~~فسكروا سكرا وقع دونه سلطان عقولهم ، فقال بعضهم : أنا الحق. وقال الآخر : ~~سبحاني ما أعظم شأني. وقال الآخر : ما في الجنة إلا الله ، وكلام العشاق في ~~حال السكر يطوى ولا يحكى فلما خف عنهم سكرهم وردوا إلى سلطان العقل الذي هو ~~ميزان الله في أرضه عرفوا أن ذلك لم يكن حقيقة الاتحاد بل يشبه الاتحاد مثل ~~قول العاشق في حال فرض العشق : # أنا من أهوى ومن أهوى أنا %~% نحن روحان حللنا بدنا # فلا يبعد أن يفجأ الإنسان مرآة فينظر فيها ، ولم ير المرآة قط ، فيظن أن ~~الصور التي رآها في المرآة هي صورة المرآة متحدة بها ، ويرى الخمر في ~~الزجاج فيظن أن الخمرة لون الزجاج PageV01P276 # فإذا صار ذلك عنده مألوفا ورسخ فيه قدمه استغرقه فقال : # رق الزجاج وراقت الخمر %~% وتشابها فتشاكل الأمر فكأنما خمر ولا قدح %~% وكأنما قدح ولا خمر # وفرق بين أن يقال الخمر قدح وبين أن يقال كأنه قدح ، وهذه الحالة إذا ~~غلبت سميت بالإضافة إلى صاحب الحال فناء ، بل فناء لأنه فني عن نفسه وفني ~~عن فنائه ، فإنه ليس يشعر بنفسه في تلك الحال ولا بعد شعوره بنفسه ، ولو ~~شعر بعدم شعوره بنفسه لكان قد شعر بنفسه ، وتسمى هذه الحال بالإضافة إلى ~~المستغرق فيها بلسان المجاز اتحادا ، وبلسان الحقيقة توحيدا ، ووراء هذه ~~الحقائق أيضا أسرار لا يجوز الخوض فيها. # خاتمة : لعلك تشتهي أن تعرف وجه إضافة نور إلى السماوات والأرض ، بل وجه ~~كونه في ذاته نور ms359 السماوات والأرض ، ولا ينبغي أن يخفى ذلك عليك بعد أن ~~عرفت أنه النور ولا نور سواه وأنه كل الأنوار وأنه النور الكلي ، لأن النور ~~عبارة عما تنكشف به الأشياء وأعلى منه ما ينكشف به وله أعلى منه ما ينكشف ~~به وله ومنه وأن الحقيقي منه ما ينكشف به وله ومنه وليس فوقه نور منه ~~اقتباسه واستمداده بل ذلك له في ذاته من ذاته لا من غيره ، ثم عرفت أن هذا ~~لا يتصور ولن يتصف به إلا النور الأول ، ثم عرفت أن السماوات والأرض مشحونة ~~نورا من طبيعة النور. أعني المنسوب إلى البصر والبصيرة أي إلى الحس والعقل. # أما البصري فما تشاهده في السماوات من الكواكب والشمس والقمر وما تشاهده ~~في الأرض من الأشعة المنبسطة على كل ما في الأرض حتى ظهرت به الألوان ~~المختلفة خصوصا في الربيع ، وعلى كل حال من الحيوانات والنباتات والمعادن ~~وأصناف الموجودات ولولاها لم يكن للألوان ظهور بل وجود ، ثم سائر ما يظهر ~~للحس من الأشكال والمقادير يدرك تبعا للألوان ولا يتصور إدراكها إلا ~~بواسطتها. # أما الأنوار العقلية المعنوية فالعالم الأعلى مشحون بها وهي جواهر ~~الملائكة ، والعالم الأسفل مشحون بها وهي الحياة الحيوانية ثم الإنسانية ~~وبالنور الإنساني السفلي ظهر نظام العالم السفلي كما أن بالنور الملكي ظهر ~~نظام العالم العلوي وهو المعني بقوله : ( @QUR@06 هو أنشأكم من الأرض ~~واستعمركم فيها ) [هود : 61]. وقال : ( @QUR@03 ليستخلفنهم في الأرض ) ~~[النور : 55]. وقال : ( @QUR@03 ويجعلكم خلفاء الأرض ) [النمل : 62]. وقال ~~: ( @QUR@05 إني جاعل في الأرض خليفة ) [البقرة: 30]. فإذا عرفت هذا عرفت ~~أن العالم بأسره مشحون بالأنوار الظاهرة البصرية والباطنة العقلية ، ثم ~~عرفت أن السفلية فائضة بعضها من بعض فيضان النور من السراج ، وأن السراج هو ~~النور النبوي القدسي ، وأن الأرواح النبوية القدسية مقتبسة من الأرواح ~~العلوية اقتباس السراج من النار. وأن العلويات بعضها مقتبس من بعض ، وأن ~~ترتيبها ترتيب مقامات ، ثم ترتقي جملتها إلى نور الأنوار ومعدنها ومنبعها ~~الأول ، وأن ذلك وهو الله وحده لا شريك له ، وأن سائر PageV01P277 # الأنوار مستعارة منه ، وإنما الحقيقي نوره فقط ms360 وإن الكل من نوره بل هو لا ~~هوية لغيره إلا بالمجاز ، فإذا لا نور إلا هو وسائر الأنوار أنوار من الوجه ~~الذي تليه لا من ذاتها فوجه كل موجه إليه ومول شطره ( @QUR@05 فأينما تولوا ~~فثم وجه الله ) [البقرة : 115]. فإذا لا إله إلا هو فإن الإله عبارة عما ~~الوجوه مولية نحوه بالعبادة والتأليه ، أعني وجوه القلوب فإنها الأنوار ~~والأرواح ، بل كما أنه لا إله إلا هو فلا هو إلا هو فإن هو عبارة عما إليه ~~الإشارة ، وكيفما كان فلا إشارة إلا إليه بل كلما أشرت فهو بالحقيقة ~~الإشارة إليه ، وإن كنت لا تعرفه أنت لغفلتك عن حقيقة الحقائق التي ذكرناها ~~، ولا إشارة إلى نور الشمس بل إلى الشمس ، فكل ما في الوجود فنسبته إليه في ~~ظاهر المثال كنسبة النور إلى الشمس ، فإذا لا إله إلا الله توحيد العوام ~~ولا هو إلا هو توحيد الخواص ، لأن ذلك أعم وهذا أخص وأشمل وأحق وأدق وأدخل ~~بصاحبه في الفردانية المحضة والوحدانية الصرفة ، ومنتهى معراج الخلائق ~~مملكة الفردانية فليس وراء ذلك مرقاة إذ الرقي لا يتصور إلا بكثرة ، فإنه ~~نوع إضافة يستدعي ما منه الارتقاء وما إليه الارتقاء ، وإذا ارتفعت الكثرة ~~حقت الوحدة وبطلت الإضافة وطاحت الإشارة فلم يبق علو ولا سفل ولا نازل ولا ~~مرتفع ، فاستحال الترقي واستحال العروج فليس وراء الأعلى علو ولا مع الوحدة ~~كثرة ولا مع انتفاء الكثرة عروج ، فإن كان ثمة تغيير من حال فبالنزول إلى ~~السماء الدنيا. أعني بالإشراق من علو إلى أسفل لأن الأعلى وإن لم يكن له ~~أعلى فله أسفل. # فهذا غاية الغايات ومنتهى الطلبات يعلمه من يعلمه وينكره من يجهله ، وهو ~~من العلم الذي هو كنهه المكنون الذي لا يعلمه إلا العلماء بالله فإذا نطقوا ~~به لم ينكره إلا أهل الغرة بالله ولا يبعد أن قال العلماء إن النزول إلى ~~السماء الدنيا هو نزول ملك ، فقد توهم بعض العارفين ما هو أبعد منه إذ قال ~~هذا المستغرق بالفردانية له نزول إلى سماء الدنيا وإن ذلك هو ms361 نزوله إلى ~~استعمال الحواس أو تحريك الأعضاء ، وإليه الإشارة بقوله عليه الصلاة ~~والسلام : " صرت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي ينطق ~~به". وإذا كان هو سمعه وبصره ولسانه فهو السامع والباصر والناطق إذا لا ~~غيره ، وإليه الإشارة بقول لموسى صلى الله عليه وسلم : " مرضت فلم تعدني" ~~الحديث. فحركات هذا الموحد من السماء الدنيا وإحساساته من سماء فوقها وعقله ~~فوق ذلك وهو يترقى من سماء العقل إلى منتهى معراج الخلائق ومملكة الفردانية ~~إلى سبع طبقات ، ثم بعد يستوي على عرش الوحدانية ومنه يدبر الأمر إلى طبقات ~~سماواته فربما نظر الناظر إليه أن ذلك له تأويل كقوله : أنا الحق وسبحاني ، ~~بل كقوله عليه الصلاة السلام : مرضت فلم تعدني وكنت سمعه وبصره ولسانه ، ~~فأرى الآن إمساك عنان البيان فما أراك تطيق من هذا الفن أكثر من هذا ~~المقدار. # مساعدة : لعلك لا تسمو إلى هذا الكلام بهمتك ، بل تقصر دون ذروته همتك ~~فخذ إليك كلاما أقرب إلى فهمك وأقرب لضعفك ، واعلم أن معنى كونه نور ~~السماوات والأرض تعرفه بالنسبة إلى النور الظاهري البصري ، فإذا رأيت ألوان ~~الربيع وخضرتها مثلا في ضياء النهار PageV01P278 # فلست تشك في أنك ترى الألوان ، وربما ظننت أنك لست ترى مع الألوان غيرها ~~فكأنك تقول لست أرى مع الخضرة غيرها ، ولقد أصر على هذا أقوام فزعموا أن ~~النور لا معنى له وأنه ليس مع الألوان غير الألوان ، فأنكروا وجود النور مع ~~أنه أظهر الأشياء وكيف لا وبه تظهر الأشياء وهو الذي يبصر في نفسه ويبصر به ~~غيره كما سبق ، لكن عند غروب الشمس وغيبة السراج ووقوع الظل أدركوا تفرقة ~~ضرورية بين محل الظل وبين موضع الضياء فاعترفوا بأن النور معنى وراء ~~الألوان يدرك مع الألوان حتى كأنه لشدة اتحاده بها لا يدرك ولشدة ظهوره ~~يخفى ، وقد تكون شدته سبب الخفاء ، والشيء إذا جاوز حده انعكس على ضده فإذا ~~عرفت هذا فاعلم أن أرباب البصائر ما رأوا شيئا إلا ورأوا الله معه ، وربما ~~زاد على هذا بعضهم فقال ms362 : ما رأيت شيئا إلا رأيت الله قبله. لأن منهم من ~~يرى الأشياء به ، ومنهم من يرى الأشياء فيراه بالأشياء وإلى الأول الإشارة ~~بقوله : ( @QUR@08 أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ) [فصلت : 53]. وإلى ~~الثاني الإشارة بقوله : ( @QUR@06 سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ) ~~[فصلت : 53]. فالأول صاحب المشاهدة ، والثاني صاحب الاستدلال بآياته ، ~~والأولى درجة الصديق ، والثانية درجة العلماء الراسخين ، وليس بعدهما إلا ~~درجة الغافلين المحجوبين ، فإذا عرفت هذا فاعلم أنه كما ظهر كل شيء للبصر ~~بالنور الظاهر فقد ظهر كل شيء للبصيرة الباطنة بالله فهو مع كل شيء لا ~~يفارقه وبه يظهر كل شيء ، ولكن بقي هاهنا تفاوت وهو أن النور الظاهر يتصور ~~أن يغيب بغروب الشمس ويحجب حتى يظهر الظل. # أما النور الإلهي الذي به يظهر كل شيء لا يتصور غيبته بل يستحيل غروبه ~~فيبقى مع الأشياء كلها دائما فانقطع طريق الاستدلال بالتفرقة ولو يضطر ~~غيبته لانهدمت السماوات والأرض ولأدرك به من التفرقة ما يضطر معه إلى ~~المعرفة بما به ظهرت الأشياء ، لكن لما تساوت الأشياء كلها على نمط واحد في ~~الشهادة لوحدانية خالقها إذ كل شيء يسبح بحمده لا بعض الأشياء ، وفي جميع ~~الأوقات لا في بعض الأوقات ارتفع التفريق وخفي الطريق إذ الطريق الظاهر ~~معرفة الأشياء بالأضداد فما لا ضد له ولا نقيض تتشابه الأحوال في الشهادة ~~له ، فلا بد أن يخفى ويكون خفاؤه لشدة جلائه والغفلة عنه لإشراق ضيائه : ~~فسبحان من اختفى عن الخلق لشدة ظهوره واحتجب عنهم لإشراق نوره ، وربما أيضا ~~لا يفهم هذا الكلام بعض القاصرين فيفهم من قولنا إن الله مع كل شيء كالنور ~~مع الأشياء ، إنه في كل مكان تعالى وتقدس عن النسبة إلى مكان ، بل الأبعد ~~عن إثارة هذا الخيال أن نقول لك قبل كل شيء وأنه فوق كل شيء وأنه مظهر كل ~~شيء ، والمظهر لا يفارق المظهر في معرفة صاحب البصيرة ، فهذا الذي نعني ~~بقولنا إنه مع كل شيء ، ثم لا يخفى عليك أيضا أن المظهر قبل المظهر وفوقه ~~مع أنه معه ms363 لكنه معه بوجه وقبله بوجه فلا تظن أنه متناقض واعتبر بالمحسوسات ~~التي هي قدر درجتك في العرفان ، وانظر كيف تكون حركة اليد مع حركة ظل اليد ~~وقبلها أيضا ، ومن لم يتسع صدره PageV01P279 # لمعرفة هذا فليهجر هذا النمط من العلم فلكل علم رجال وكل ميسر لما خلق له. ### ||| * الفصل الثاني ### ||| * في بيان مثال المشكاة والمصباح والزجاجة والشجرة ### ||| * والزيت والنار # وبيان ذلك : يستدعي تقديم قطبين يتسع المجال فيهما إلى غير حد محدود ، ~~ولكني أشير إليهما بالرمز والاختصار. # أحدهما : في بيان سر التمثيل ومنهاجه ووجه ضبط أرواح المعاني بقوالب ~~الأمثلة ، ووجه كيفية المناسبة بينهما وكنه الموازنة بين عالم الشهادة التي ~~منها يتخذ طينة الأمثال ، وبين عالم الملكوت الذي منه تنزل أرواح المعاني. # والقطب الثاني : في طبقات أرواح الطينة البشرية ومراتب أنوارها ، فإن هذا ~~المثال مسوق لبيان ذلك ، وقد قرأ ابن مسعود مثل نوره في قلب المؤمن كمشكاة ~~فيها [النور : 35]. وقرأ أبي بن كعب" مثل نور قلب من آمن كمشكاة فيها". ### ||| * القطب الأول في بيان سر التمثيل ومناهجه # اعلم أن العالم عالمان روحاني وجسماني ، وإن شئت قلت حسي وعقلي ، وإن شئت ~~قلت علوي وسفلي والكل متقارب ، وإنما يختلف باختلاف العبارات ، فإذا ~~اعتبرتهما في أنفسهما قلت : جسماني وروحاني ، وإذا اعتبرتهما بالإضافة إلى ~~العين المدركة لهما قلت : حسي وعقلي ، وإن اعتبرتهما بإضافة أحدهما إلى ~~الآخر قلت علوي وسفلي ، وربما سميت أحدهما عالم الملك والشهادة ، والآخر ~~عالم الغيب والملكوت ومن ينظر إلى الحقائق من الألفاظ ربما يتحير من كثرتها ~~ويتخيل كثرة المعاني والذي تنكشف له الحقائق يجعل المعاني أصلا والألفاظ ~~تابعة وأمر الضعيف بالعكس منه إذ يطلب الحقائق من الألفاظ وإلى الفريقين ~~الإشارة بقوله تعالى : ( @QUR@012 أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي ~~سويا على صراط مستقيم ) [الملك : 22]. وإذا قد عرفت معنى العاملين ، فاعلم ~~أن العالم الملكوتي العلوي عالم غيب إذ هو غائب عن الأكثر ، والعالم الحسي ~~عالم الشهادة إذ يشهده الكافة ، والعالم الحسي مرقاة إلى العالم العقلي ، ~~ولو لم يكن بينهما اتصال ومناسبة لا نسد طريق ms364 الترقي إليه ، ولو تعذر ذلك ~~لتعذر السفر إلى الحضرة الربوبية والقرب من الله فلن يقرب من الله أحد ما ~~لم يطأ بحبوحة حظيرة القدس ، والعالم المرتفع عن إدراك الحس والخيال هو ~~الذي نعنيه بعالم القدس ، وإذا اعتبرت جملته بحيث لا يخرج منه شيء ولا يدخل ~~فيه ما هو غريب منه سميناه حظيرة القدس ، وربما سمينا الروح البشري الذي هو ~~مجرى لوائح القدس الوادي المقدس. ثم هذه PageV01P280 # الحظيرة فيها حظائر بعضها أشد إمعانا في معاني القدس ، ولكن لفظ الحظيرة ~~محيط بجميع طبقاتها ، فلا تظنن أن هذه الألفاظ طامات غير معقولات عند أرباب ~~البصائر. # واشتغالي الآن بشرح كل لفظ مع ذكره يصدني عن المقصد ، فعليك بالتشمير ~~لفهم الألفاظ فأرجع إلى الغرض فأقول : لما كان عالم الشهادة مرقى إلى عالم ~~الملكوت كان سلوك الصراط المستقيم عبارة عن هذا الترقي وقد يعبر عنه بالدين ~~، وبمنازل الهدى فلو لم يكن بينهما مناسبة واتصال لما تصور الترقي من ~~أحدهما إلى الآخر ، فجعلت الرحمة الإلهية عالم الشهادة على موازنة عالم ~~الملكوت ، فما من شيء في هذا العالم إلا وهو مثال لشيء من ذلك العالم ، ~~وربما كان الشيء الواحد مثالا لأشياء من عالم الملكوت. وربما كان للشيء ~~الواحد من الملكوت ، أمثلة كثيرة من عالم الشهادة ، وإنما يكون مثالا إذا ~~ماثلة نوعا من المماثلة. وطابقه نوعا من المطابقة ، وإحصاء تلك الأمثلة ~~يستدعي استقصاء جميع موجودات العالمين بأسرها ، ولن تفي به القدرة البشرية ~~، ولم تتسع لفهمه القوة البشرية ، ولا تفي لشرحه الأعمار القصيرة ، فغايتي ~~أن أعرفك منها أنموذجا لتستدل باليسير منها على الكثير وينفتح لك باب ~~الاستبصار بهذا النمط من الأسرار. فأقول : إن كان من عالم الملكوت جواهر ~~نورانية شريفة عالية يعبر عنها با ملائكة منها تفيض الأنوار على الأرواح ~~البشرية ولأجلها قد تسمى أربابا فيكون الله رب الأرباب لذلك ، ويكون لها ~~مراتب في نورانيتها متفاوتة ، فالبحري أن يكون مثالها من عالم الشهادة ~~الشمس والقمر والكواكب ، وسالك الطريق يترقى أولا إلى ما درجته درجة الكوكب ~~فيتضح له إشراق نوره ، وينكشف ms365 له أن العالم الأسفل بأسره تحت سلطانه وتحت ~~اشراق نوره ، ويتضح له من جماله وعلو درجته ما ينادي فيقول : هذا ربي ، ثم ~~إذا اتضح له ما فوقه مما رتبته رتبة القمر رأى أفول الأول في مضرب الهوى أي ~~بالإضافة إلى ما فوقه أفولا ، فقال : لا أحب الآفلين ، فكذلك يترقى حتى ~~ينتهي إلى ما مثاله الشمس فيراه أكبر وأعلى قابلا للمثال بنوع مناسبة له ~~معه ، والمناسبة مع ذي النقص نقص؟ وأقول أيضا فمنه من يقول : ( @QUR@011 ~~وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ) [الأنعام ~~: 79]. ومعنى الذي إشارة مبهمة مناسبة لها إذ لو قال قائل ما مثال مفهوم ~~الذي لم يتصور أن يجاب عنه فالمنزه عن كل مناسبة هو الله الحق ، ولذلك لما ~~قال بعض الأعراب لرسول الله ما نسبة الله نزل في جوابه : ( @QUR@015 قل هو ~~الله أحد* الله الصمد* لم يلد ولم يولد* ولم يكن له كفوا أحد ) [الإخلاص : ~~1. 4]. معناه التقدس عن النسبة ، ولذلك لما قال فرعون لموسى : وما رب ~~العالمين؟ كالطالب لماهيته لم يجبه إلا بأفعاله إذا كانت الأفعال أظهر عند ~~السائل ، فقال : رب السماوات والأرض. فقال فرعون لمن حوله : ألا تسمعون ~~كالمنكر عليه في عدوله في جوابه عن طلب الحقيقة ، فقال موسى : ( @QUR@04 ~~ربكم ورب آبائكم الأولين ) [الصافات : 126]. فنسبه فرعون إلى الجنون إذ كان ~~مطلبه المثال والماهية وهو يجيب عن الأفعال بالأفعال ، وقال فرعون : إن ~~رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ، ولنرجع الآن إلى الأنموذج فنقول: عالم ~~التعبير PageV01P281 # يعرفك مقدار ضرب المثال لأن الرؤيا جزء من النبوة. أما ترى أن الشمس في ~~الرؤيا تعبيرها السلطان لما بينهما من المشاركة والمماثلة في معنى روحاني ، ~~وهو الاستعلاء على الكافة مع فيضان الآثار والأنوار على الجميع ، والقمر ~~تعبيره الوزير لإفاضة الشمس نورها بواسطة القمر على العالم عند غيبتها ، ~~كما يفيض السلطان آثاره بواسطة الوزير على من يغيب عن حضرة السلطان ، وأن ~~من يرى أن في يده خاتما يختم به أفواه الرجال وفروج النساء فإنه يعبر له ~~أنه يؤذن قبل الصبح في ms366 رمضان ، ومن رأى أنه يصب الزيت في الزيتون تعبيره أن ~~تحته جارية هي أمه وهو لا يعرفها فاستقصاء أبواب التعبير في أمثال هذا ~~الجنس غير ممكن فلا يمكن الاشتغال بعدها ، بل أقول : كما أن في الموجودات ~~العالية الروحانية ما مثاله الشمس والقمر والكواكب ، كذلك منها ما له أمثلة ~~أخرى إذا اعتبرت معها أوصاف أخر سوى النورانية ، فإن كان في تلك الموجودات ~~ما هو ثابت لا يتغير وعظيم لا يستصغر ومنه تتفجر إلى أودية القلوب البشرية ~~مياه المعارف ونفائس المكاشفات فمثاله الطور ، وإن كانت الموجودات التي ~~تتلقى تلك النفائس بعضها أولى من بعض فمثاله الوادي ، وإن كانت تلك النفائس ~~بعد اتصالها بالقلوب البشرية تجري من قلب إلى قلب ، فهذه القلوب أيضا أودية ~~ومفتتح الوادي قلوب الأنبياء والأولياء والعلماء ، ثم من بعدهم فإن كانت ~~هذه الأودية دون الأول ومنها تغترف فبالحري أن يكون الأول هو الوادي الأيمن ~~لكثرة يمنه وعلو درجته ، وإن كان الوادي الأول يتلقى من آخر درجات الوادي ~~الأيمن فهو يغترف من شاطئ الوادي الأيمن دون لجته وميدانه ، وإن كان روح ~~النبي سراجا منيرا. وكان ذلك الروح مقتبسا بواسطة وحي كما قال : ( @QUR@05 ~~أوحينا إليك روحا من أمرنا ) [الشورى : 52]. فما منه الاقتباس مثاله النار ~~، وإن كان المتلقون من الأنبياء بعضهم على محض التقليد لما يسمعه وبعضهم ~~على حظ من البصيرة ، فمثال المقلد الغير المستبصر الجذوة والقبس والشهاب ~~وصاحب الذوق مشارك للنبي في بعض الأحوال. ومثال تلك المشاركة الاصطلاء ~~وإنما يصطلي بالنار من معه النار لا من سمع خبرها ، وإن كان أول منزل ~~الأنبياء الترقي إلى العالم المقدس عن كدورة الحس والخيال ، فمثال ، ذلك ~~المنزل الوادي المقدس ، وإن كان لا يمكن وطء ذلك الوادي المقدس إلا باطراح ~~الكونين أعني الدنيا والآخرة والتوجه إلى الواحد الحق ، وكانت الدنيا ~~والآخرة متقابلتين متحاذيتين وهما عارضان للجوهر النوراني البشري يمكن ~~اطراحهما مرة والتلبس بهما أخرى ، فمثال اطراحهما عند الإحرام والتوجه إلى ~~كعبة القدس خلع النعلين بل نترقى إلى الحضرة الربوبية مرة أخرى ، فنقول : ~~وإن كان في ms367 تلك الحضرة شيء بواسطته ننتقش العلوم المفصلة في الجواهر ~~القابلة فمثاله القلم. وإن كان في تلك الجواهر القابلة للتلقي ما انتقش ~~بالعلوم فمثاله اللوح والكتاب ( @QUR@03 في رق منشور ) [الطور : 3]. وإن ~~كان فوق الناقش للعلوم شيء مسخر له فمثاله اليد ، وإن كان لهذه الحضرة ~~المشتملة على اليد واللوح والقلم والكتاب ترتيب منظوم فمثاله الصورة ، وإن ~~كان يوجد للصور الأنسية ترتيب منظوم على هذه الشاكلة فهي على صورة الرحمن ، PageV01P282 # وفرق بين أن يقال على صورة الرحمن وبين أن يقال على صورة الله. إذ الرحمة ~~الإلهية هي التي على صورة الحضرة الإلهية بهذه الصورة ، ثم أنعم على آدم ~~فأعطاه صورة مختصرة جامعة لجميع أصناف ما في العالم حتى كأنه كل ما في ~~العالم أو هو نسخة العالم مختصرة. وصور آدم أعني هذه الصورة مكتوبة بخط ~~الله ، فهو الخط الإلهي الذي ليس برقم حروف إذ يتنزه خطه عن أن يكون رقما ~~وحروفا ، كما يتنزه كلامه عن أن يكون صوتا وحروفا ، وقلمه عن أن يكون قصبا ~~وحديدا ، ويده عن أن تكون لحما وعظما. ولو لا هذه الرحمة لعجز الآدمي عن ~~معرفة ربه إذ لا يعرف ربه إلا من عرف نفسه ، فلما كان هذا من آثار الرحمة ~~كان على صورة الرحمن لا على صورة الله ، فحضرة الإلهية غير حضرة الرحمن ~~وغير حضرة الملك وغير حضرة الربوبية ، ولذلك أمر بالعياذ بجميع هذه الحضرات ~~فقال : ( @QUR@08 قل أعوذ برب الناس* ملك الناس* إله الناس ) [الناس : 1. ~~2]. ولو لا هذا المعنى لكان قوله : إن الله خلق آدم على صورة الرحمن غير ~~منظوم لفظا ، بل كان ينبغي أن يقول على صورته ، واللفظ الوارد في الصحيح ~~على صورة الرحمن. ولأن تمييز حضرة الملك عن حضرة الربوبية يستدعي شرحا ~~طويلا ، فلنتجاوز ويكفيك من الأنموذج هذا القدر فإنه بحر لا ساحل له فإن ~~وجدت في نفسك نفورا عن هذه الأمثال فستأنس بقوله تعالى : ( @QUR@07 أنزل من ~~السماء ماء فسالت أودية بقدرها ) [الرعد : 17]. الآية. فإنه قد ورد في ~~التفسير أن الماء هو المعرفة والأودية القلوب. # خاتمة واعتذار ms368 : لا تظنن من هذا الأنموذج وطريق ضرب الأمثال رخصة مني في ~~رفع الظواهر واعتقادا في إبطالها حتى أقول مثلا : لم يكن مع موسى نعلان ولم ~~يسمع الخطاب بقوله : ( @QUR@02 فاخلع نعليك ) [طه : 12]. حاشا لله فإن ~~إبطال الظواهر رأي الباطنية الذين نظروا بالعين العوراء إلى أحد العالمين ، ~~وجهلوا جهلا بالموازنة بينهما فلم يفهموا وجهه ، كما أن أبطال الأسرار مذهب ~~الحشوية فالذي يجرد الظاهر حشوي ، والذي يجرد الباطن باطني والذي يجمع ~~بينهما كامل ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : " للقرآن ظاهر وباطن وحد ~~ومطلع". وربما نقل هذا عن علي موقفا عليه ، بل أقول موسى فهم من الأمر بخلع ~~النعلين اطرح الكونين فامتثل الأمر ظاهرا بخلع نعليه وباطنا بخلع العالمين ~~، فهذا هو الاعتبار أي العبور من شيء إلى غيره ومن ظاهر إلى سر ، وفرق بين ~~من يسمع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ~~أو صورة" ، فيقتني الكلب في البيت ويقول ليس الظاهر مرادا بل المراد تخلية ~~بيت القلب عن كلب الغضب ، لأنه يمنع المعرفة التي هي من أنوار الملائكة إذ ~~الغضب غول العقل وبين من يمتثل الأمر بالظاهر ، ثم يقول ليس الكلب بصورته ~~بل بمعناه وهو السبعية والضراوة ، وإذا كان حفظ البيت الذي هو مقر الشخص ~~والبدن واجبا عليه أن يحفظ عن صورة الكلبية ، فلأن يجب حفظ بيت القلب وهو ~~مقر الجوهر الحقيقي الخاص عن سر الكلبية كان أولى ، فإن من يجمع بين الظاهر ~~والباطن جميعا فهذا هو الكامل ، وهو المعني بقولهم الكامل من لا يطفئ نور ~~معرفته نور ورعه ، وكذلك ترى الكامل لا يسمح لنفسه بترك حد من حدود الشرع PageV01P283 # مع كمال البصيرة. # فهذه مغلطة ، منها ما وقع لبعض السالكين في إباحة طي بساط الأحكام ظاهرا ~~حتى ربما ترك أحدهم الصلاة وزعم أنه دائم الصلاة بسره ، وهذا أشد مغلطة ~~الحمقاء من الإباحية الذين تأخذهم ترهات كقول بعضهم : إن الله غني عن ~~عملنا. وقول بعضهم : إن الباطن مشحون بالخبائث ليس يمكن تزكيته منها ولا ~~مطمع في استئصال الغضب ms369 والشهوة بظنه أنه مأمور باستئصالها ، فهذه حماقات. ~~وأما ما ذكرناه فهو ككبوة جواد وهفوة سالك صده الشيطان فدلاه بحبال الغرور ~~وأرجع إلى حديث النعلين فأقول : ظاهر خلع النعلين منبه على ترك الكونين ، ~~فالمثال في الظاهر حق وأداؤه إلى السر الباطن حقيقة ، ولكل حق حقيقة ، وأهل ~~هذه الرتبة هم الذين بلغوا درجة الزجاجة ، كما سيأتي معنى الزجاجة لأن ~~الخيال الذي من طينته يتخذ المثال صلب كثيف يحجب الأسرار ويحول بينك وبين ~~الأنوار ، ولكن إذا صفا صار كالزجاج الصافي ، وصار غير حائل عن الأنوار بل ~~صار مع ذلك مؤديا للأنوار ، بل صار مع ذلك حافظا للأنوار عن الانطفاء ~~بعواصف الرياح ، فستأتيك قصة الزجاجة. فاعلم أن العالم الكثيف الخيالي ~~السفلي صار في حق الأنبياء عليهم السلام زجاجة ، ومشكاة للأنوار ، ومصفاة ~~للأسرار ، ومرقاة إلى العالم الأعلى. وبهذا يعرف أن المثال الظاهر حق ووراء ~~هذا سر. وقس عليه الضوء والنهار وغيره. # دقيقة : إذا قال عليه الصلاة والسلام : " رأيت عبد الرحمن بن عوف دخل ~~الجنة حبوا" ، فلا تظن أنه لم يشاهده بالبصر كذلك بل رآه في يقظته كما يراه ~~النائم في نومه ، وإن كان عبد الرحمن بن عوف نائما في البيت بشخصه ، فإن ~~النوم إنما أثر في أمثال هذه المشاهدات لقهره سلطان الحواس عن النور الباطن ~~الإلهي فإن الحواس شاغلة وجاذبة إلى عالم الحس وصارفة وجهه عن عالم الغيب ~~والملكوت ، وبعض الأنوار النبوية قد تصفى وتستولي بحيث لا تجذبه الحواس إلى ~~عالمها ، ولا تشغله فيشاهد في اليقظة ما يشاهده غيره في المنام لكنه إذا ~~كان في غاية الكمال لم يقتصر إدراكه على محض الصورة المبصرة ، بل عبر منها ~~إلى السر فانكشف له أن الإيمان جاذب إلى العالم الأعلى الذي يعبر عنه ~~بالجنة ، والغنى والثروة جاذبة إلى الحياة الحاضرة وهي العالم الأسفل ، ~~فإذا كان الجاذب إلى أشغال الدنيا أقوى مقارنة من الجاذب للآخر صد عن السير ~~إلى الجنة فإن كان جاذب الإيمان أقوى أورث عسرا أو بطءا في سيره فيكون ~~مثاله من عالم الشهادة الحبو ، فكذلك تنجلي ms370 الأسرار من وراء زجاجات الخيال ~~وذلك لا يقصر في حكمه على عبد الرحمن وإن كان إبصاره مقصورا عليه ، بل يحكم ~~به عن كل من قويت بصيرته واستحكم إيمانه وكثرت ثروته كثرة تزاحم الإيمان ، ~~لكن لا تقاومه لرجحان قوة الإيمان ، فهذا يعرفك كيفية إبصار الأنبياء الصور ~~، وكيفية مشاهدتهم المعاني من وراء الصور ، والأغلب أن يكون المعنى سابقا ~~إلى المشاهدة الباطنية ، ثم يشرف منه على PageV01P284 # الروح الخيالي فينطبع بصورة موازية للمعنى محاكية له ، وهذا الحظ من ~~الوحي في اليقظة يحتاج إلى التأويل كما أنه في النوم يفتقر إلى التعبير ، ~~والواقع منه في النوم نسبته إلى الخواص النبوية نسبة الواحد إلى ستة ~~وأربعين ، والواقع منه في اليقظة نسبته أعظم من ذلك وأظن أن نسبته نسبة ~~الواحد إلى الثلاثة ، فإن الذي انكشف لنا أن الخواص النبوية تنحصر شعبها في ~~ثلاثة أجناس وهذا واحد من تلك الأجناس الثلاثة. # القطب الثاني : في بيان مراتب الأرواح البشرية النورانية إذ بمعرفتها ~~تعرف أمثلة القرآن : # فالأول منها : الروح الحساس وهو الذي يتلقى ما تورده الحواس إذ كان أصل ~~الروح الحيواني وأوله وبه يصير الحيوان حيوانا وهو موجود للصبي الرضيع. # الثاني : الروح الخيالي وهو الذي يكتب ما أوردته الحواس ويحفظه مخزونا ~~عنده ليعرضه على الروح العقلي فوقه عند الحاجة إليه. وهذا لا يوجد للصبي ~~الرضيع في بدء نشوئه ولذلك يولع بالشيء ليأخذه ، فإذا غيب عنه ينساه ولا ~~تنازعه نفسه إليه إلى أن يكبر قليلا بحيث إذا غيب عنه بكى وطلب ذلك لبقاء ~~صورته محفوظة في خياله ، وهذا قد يوجد لبعض الحيوانات دون بعض ، ولا يوجد ~~للفراش المتهافت على النار لأنه يقصد النار لشغفه بضياء النار فيظن أن ~~السراج كوة مفتوحة إلى موضع الضياء فيلقي نفسه عليه فيتأذى به ، لكنه إذا ~~جاوزه وحصل في الظلمة عاوده مرة أخرى بعد مرة ، ولو كان له الروح الحافظ ~~المستثبت لما أداه الحس إليه من الألم لما عاوده بعد أن تضرر به مرة. ~~فالكلب إذا ضرب مرة بخشبة فإذا رأى الخشبة بعد ذلك هرب. # الثالث ms371 : الروح العقلي الذي يدرك المعاني الخارجة عن الحس والخيال وهو ~~الجوهر الإنسي الخاص ولا يوجد للبهائم ولا الصبيان ، ومدركاته المعارف ~~الضرورية الكلية كما ذكرناه عند ترجيح نور العقل على نور العين. # الرابع : الروح الفكري وهو الذي يأخذ العلوم العقلية المحضة فيوقع بينها ~~تأليفات وازدواجات ويستنتج منها معارف نفسية ثم استفاد نتيجتين مثلا ألف ~~بينهما مرة أخرى واستفاد نتيجة مرة أخرى ، ولا تزال تتزايد كذلك إلى غير نهاية. # الخامس : الروح القدسي النبوي الذي به يختص الأنبياء وبعض الأولياء ، ~~وفيه تنجلي لوائح الغيب وأحكام الآخرة وجملة من معارف ملكوت السماوات ~~والأرض ، بل من المعارف الربانية التي تقصر دونها الروح العقلي والفكري ~~وإليه الإشارة بقول تعالى : ( @QUR@027 وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما ~~كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من ~~عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ) [الشورى : 52]. ولا يبعد أيها المعتكف ~~في عالم العقل أن يكون وراء العقل طورا آخر يظهر فيه ما لا يظهر في العقل ~~كما لم يبعد كون العقل طورا PageV01P285 # وراء التمييز والإحساس ينكشف فيه غرائب وعجائب يقصر عنها الإحساس ~~والتمييز. فلا تجعل أقصى الكمال وقفا على نفسك ، وإن أردت مثالا مما تشاهده ~~من جملة خواص بعض البشر فانظر إلى ذوق الشعر كيف يختص به قوم من الناس وهو ~~نوع إدراك ويحرم منه بعضهم حتى لا تتميز عندهم الألحان الموزونة من ~~المزحفة. وانظر كيف عظمت قوة الذوق في آخرين حتى استخرجوا منها الموسيقى ~~والأغاني وصنوف الدستانات التي منها المحزن ، ومنها المطرب ، ومنها المنوم ~~، ومنها المبكي ، ومنها المجنن ، ومنها القاتل ، ومنها الموجب للغشي وإنما ~~تقوى هذه الآثار فيمن له أصل الذوق ، وأما العاطل عن خاصية الذوق فإنه ~~يشارك في سماع الصوت وتضعف فيه هذه الآثار وهو يتعجب من صاحب الوجد والغشي ~~ولو اجتمع العقلاء كلهم من أرباب الذوق على تفهيمه معنى الذوق لم يقدروا عليه. # فهذا مثال في أمر خسيس لأنه قريب إلى فهمك فقس به الذوق الخاص النبوي ، ~~واجتهد في أن تصير من ms372 أهل الذوق بشيء من تلك الروح فإن للأولياء منه حظا ~~وافرا ، فإن لم تقدر فاجتهد أن تصير بالأقيسة التي ذكرناها والتشبيهات التي ~~رمزنا إليها من أهل العلم بها فإن لم تقدر فلا أقل من أن تكون من أهل ~~الإيمان بها ( @QUR@09 يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم ~~درجات ) [المجادلة : 11]. والعلم فوق الإيمان ، والذوق فوق العلم ، والذوق ~~وجدان والعلم قياس ، والإيمان قبول مجرد بالتقليد وحسن الظن بأهل الوجدان ~~أو بأهل العرفان ، وإذا عرفت هذه الأرواح الخمسة ، فاعلم أنها بجملتها ~~أنوار إذ بها تظهر أصناف الموجودات والحسي والخيالي منها وإن كان يشارك ~~البهائم في جنسها ، لكن الذي للإنسان منها نمط آخر أشرف وأعلى وخلقا في ~~الإنسان لغرض آخر أجلى وأسنى. وأما الحيوانات فلم يخلقا لها ليكونا آلتها ~~في طلب غذائها وتسخيرها للآدميين. وإنما خلقا للآدمي ليكونا شبكة له يقتص ~~بهما في جهة العالم الأسفل مبادئ المعارف الدينية الشريفة إذ الإنسان إذا ~~أدرك بالحس شخصا معينا اقتبس من عقله معنى عاما مطلقا كما ذكرنا في مثال ~~عبد الرحمن بن عوف ، فإذا عرفت هذه الأرواح الخمسة فلنرجع إلى عرض الأمثلة. # بيان أمثلة هذه الآية : اعلم أن القول في موازنة هذه الأرواح الخمسة ~~للمشكاة والزجاجة والمصباح والشجرة والزيت يمكن تطويله ، لكني أوجز وأقتصر ~~على التنبيه على طريقه ، فأقول : أما الروح الحاس فإذا نظرت إلى خاصيته ~~وجدت أنواره خارجة من ثقب عدة كالعينين والأذنين والمنخرين وغيرهما فأوفق ~~مثال له في عالم الشهادة المشكاة. وأما الروح الخيالي فتجد له خواص ثلاثة: # إحداها : أنه من طينة العالم السفلي الكثيف لأن الشيء المتخيل ذو مقدار ~~وشكل وجهات محصورة مخصوصة وهو على نسبة من المتخيل من قرب أو من بعد ، ومن ~~شأن الكثيف الموصوف بأوصاف الأجسام أن يحجب عن الأنوار العقلية المحضة التي ~~تتنزه عن الوصف PageV01P286 # بالجهات والمقادير والقرب والبعد. # الثانية : أن هذا الخيال الكثيف إذا صفي ورقق وهذب وضبط صار موازيا ~~للمعاني العقلية محاذيا لها وغير حائل عن إشراق نور منها. # الثالثة : أن الخيال في بداية أمره محتاج ms373 إليه جدا لتنضبط له المعارف ~~العقلية فلا تضطرب ولا تتزلزل ولا تنتشر انتشارا يخرج عن الضبط إذ تجمع ~~المثالات الخيالية للمعارف العقلية. # وهذه الخواص الثلاثة لا تجدها في عالم الشهادة بالإضافة إلى الأنوار ~~المبصرة إلا الزجاجة فإنها في الأصل من جوهر كثيف لكن صفي ورقق حتى صار لا ~~يحجب نور المصباح بل يؤديه على وجهه ثم يحفظه عن الانطفاء بالرياح العاصفة ~~والحركات العنيفة فهي أولى مثال به. # وأما الثالث : وهو الروح العقلي الذي فيه إدراك المعاني الشريفة الإلهية ~~فلا يخفى عليك وجه تمثيلها وقد عرفت هذا مما سبق من بيان معنى كون الأنبياء ~~سراجا منيرا. # وأما الرابع : وهو الروح الفكري فمن خاصيته أن يبتدئ من أصل واحد ثم ~~يتشعب شعبتين ثم كل شعبة شعبين ، وهكذا إلى أن تكثر الشعب بالتقسيمات ~~العقلية ، ثم يفضي بالآخر إلى نتائج تعود فتصير بذورا لأمثالها إذ يمكن ~~أيضا تلقيح بعضها بالبعض فيكون مثاله من هذا العالم الشجرة ، وإذا كانت ~~ثمراتها مادة لتضاعف المعارف وثباتها وبقائها ، فبالحري أن لا تمثل بشجرة ~~السفرجل والتفاح والرمان وغيرها من جملة سائر الأشجار إلا بالزيتونة خاصة ~~لأن لب ثمرتها هو الزيت الذي هو مادة المصابيح ويختص من بين سائر الأدهان ~~بخاصية زيادة الإشراق ، وإذا كانت الشجرة التي تكثر ثمرتها تسمى مباركة ~~فالتي لا تتناهى ثمرتها إلى حد محدود أولى أن تسمى. شجرة مباركة. وإذا كانت ~~شعب الأفكار العقلية المحضة خارجة عن قبول الإضافة إلى الجهات والقرب ~~والبعد فأولى أن تكون شرقية ولا غربية. # وأما الخامس : وهو الروح القدسي النبوي والمنسوب إلى الأولياء إذا كان في ~~غاية الإشراق والصفاء وكانت الروح المفكرة منقسمة إلى ما يحتاج إلى تعليم ~~وتنبيه ومدد من خارج حتى يستمر في أنواع المعارف ، وبعضها يكون في شدة ~~الصفاء كأنه تنبيه من نفسه بغير مدد من خارج ، فالبحري أن يعبر عن الصافي ~~القوي الاستعداد بأنه يكاد زيته يضيء ولو لم تمسه نار إذ في الأولياء من ~~يكاد يشرق نوره حتى يكاد يستغني عن مدد الأنبياء. وفي الأنبياء من ms374 يكاد ~~يستغني عن مدد الملائكة فهذا المثال موافق لهذا القسم وإذا كانت هذه ~~الأنوار مرتبة بعضها على بعض فالحسي هو الأول وهو كالتوطئة والتمهيد ~~للخيالي إذ لا يتصور الخيالي إلا موضوعا بعده والفكري والعقلي يكونان ~~بعدهما ، فبالحري أن تكون الزجاجة كالمحل للمصباح والمشكاة كالمحل للزجاجة ~~فيكون المصباح في زجاجة والزجاجة في مشكاة ، وإذا كانت هذه كلها أنوارا ~~بعضها فوق بعض فبالحري أن تكون نورا على نور فافهم والله الموفق. PageV01P287 # خاتمة : هذا مثال إنما يصلح لقلوب المؤمنين أو لقلوب الأنبياء والأولياء ~~لا لقلوب الكفار ، فإن النور يراد للهداية فالمصروف عن طريق الهدي باطل ~~وظلمة ، بل أشد من الظلمة لأن الظلمة لا تهدي إلى باطل كما تهدي إلى حق ، ~~وعقول الكفار انتكست وكذلك سائر إدراكاتهم وتعاونت على الضلال في حقهم ، ~~فمثالهم كرجل في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوق سحاب ظلمات بعضها ~~فوق بعض ، والبحر اللجي هو الدنيا بما فيها من الأخطار المهلكة والحوادث ~~الرديئة والمكدرات المعمية ، والموج الأول : موج الشهوات الباعثة إلى ~~الصفات البهيمية والاشتغال باللذات الحسية وقضاء الأوطار الدنيوية حتى أنهم ~~يأكلون ويتمتعون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم ، فبالحري أن يكون هذا ~~الموج مظلما لأن حب الشيء يعمي ويصم. والموج الثاني : موج الصفات السبعية ~~الباعثة على الغضب والعداوة والبغضاء والحقد والحسد والمباهاة والتفاخر ~~والتكاثر وبالحري أن يكون مظلما لأن الغضب غول العقل وبالحري أن يكون هو ~~الموج الأعلى لأن الغضب في الأكثر مستول على الشهوات ، حتى إذا ماج أذهل عن ~~الشهوات وأغفل عن اللذات فإن الشهوة لا تقاوم الغضب الهائج أصلا ، وأما ~~السحاب فهو الاعتقادات الخبيثة والظنون الكاذبة والخيالات الفاسدة التي ~~صارت حجبا بين الكافر وبين الإيمان ومعرفة الحق والاستضاءة بنور شمس القرآن ~~والعقل فإن خاصية السحاب أن يحجب إشراق نور الشمس ، وإذا كانت هذه كلها ~~مظلمة فبالحري أن تكون ظلمات بعضها فوق بعض ، وإذا كانت هذه الظلمات تحجب ~~عن معرفة الأشياء القريبة فضلا عن البعيدة فلذلك تحجب الكفار عن معرفة ~~عجائب أحوال النبي صلى الله ms375 عليه وسلم مع قرب متناوله وظهوره بأدنى تأمل ، ~~فبالحرى أن يعبر عنه بأنه إذا أخرج يده لم يكد يراها ، وإذا كان منبع ~~الأنوار كلها من النور الأول الحق كما سبق ، فبالحرى أن يعتقد كل موحد أن ~~من لم يجعل الله له نورا فما له من نور ، ويكفيك هذا القدر من أسرار هذه ~~الآية فاقنع. ### ||| * الفصل الثالث ### ||| * في معنى قوله صلى الله عليه وسلم : " إن لله سبعين حجابا ### ||| * من نور وظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل من ### ||| * أدركه بصره" # في بعض الروايات سبعمائة وفي بعضها سبعين ألفا. فأقول : إن الله تعالى ~~متجل في ذاته بذاته لذاته ويكون الحجاب بالإضافة إلى محجوب لا محالة ، وإن ~~المحجوبين من الخلق ثلاثة أقسام منهم : من يحتجب بمجرد الظلمة ، ومنهم : من ~~يحتجب بمجرد النور المحض ، ومنهم : من يحتجب بنور مقرون بظلمة. وأصناف هذه ~~الأقسام كثيرة تتحقق كثرتها ، ويمكنني أن أتكلف حصرها لكني لا أثق بما يلوح ~~من تحديد وحصر إذ لا يدري أهو المراد في PageV01P288 # الحديث أم لا ، أما الحصر إلى سبعمائة أو سبعين ألفا فذلك لا تستقل به ~~إلا القوة النبوية مع أن ظاهر ظني أن هذه الأعداد مذكورة لا للتحديد ، وقد ~~تجري العادة بذكر أعداد ولا يراد بها الحصر ، بل التكثير والله أعلم بحقيقة ~~ذلك فهو خارج عن الوسع ، وإنما الذي يمكنني الآن أن أعرفك هذه الأقسام وبعض ~~أصناف كل قسم فأقول : # القسم الأول : هم المحجوبون بمحض الظلمة وهم الملاحدة الذين لا يؤمنون ~~بالله ولا باليوم الآخر ، وهم الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ~~لأنهم لا يؤمنون بالآخرة أصلا وهم أصناف. # الصنف الأول : تشوق إلى طلب سبب لهذا العالم فأحاله الطبع والطبع صفة ~~مركوزة في الأجسام حالة فيها ، وهي مظلمة إذ ليس لها معرفة وإدراك ولا خبر ~~لها من نفسها ولا تصور لها وليس لها نور يدرك بالبصر الظاهر أيضا. # الصنف الثاني : هم الذين شغلوا بأنفسهم ولم يتفرغوا لطلب السبب بل عاشوا ~~عيشة البهائم فكان حجابهم أنفسهم المركوزة وشهواتهم المظلمة فلا ظلمة أشد ms376 ~~من الهوى والنفس. ولذلك قال تعالى : ( @QUR@05 أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ) ~~[الجاثية : 23]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم " الهوى أبغض إله عبد إلى ~~الله" ، وهؤلاء ينقسمون فرقا : ففرقه زعمت أن غاية المطلب من الدنيا هي ~~قضاء الأوطار ونيل الشهوات وإدراك اللذات البهيمية من منكح ومطعم ومشرب ~~وملبس ، فهؤلاء عبيد اللذة يعبدونها ويطلبونها ويعتقدون أن نيلها غاية ~~السعادة رضوا لأنفسهم بأن يكونوا بمنزلة البهائم بل كيلا ينظر الناس إليهم ~~بعين الحقارة ، وهؤلاء الأصناف لا يحصون وكلهم محجوبون عن الله بمحض الظلمة ~~وهي نفوسهم المظلمة ، ولا معنى لذكر آحاد الفرق بعد وقوع التنبيه على ~~الأجناس ، ويدخل في جملة هؤلاء جماعة يقولون بلسانهم لا إله إلا الله ولكن ~~ربما حمله على ذلك خوف ، أو استظهار بالمسلمين أو تجمل بهم ، أو استمداد من ~~مالهم ، أو لأجل التعصب لنصرة مذهب الآباء ، وهؤلاء إذا لم تحملهم هذه ~~الكلمة على العمل الصالح فلا تخرجهم من الظلمات إلى النور بل أولياؤهم ~~الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات فأما من أثرت فيه الكلمة بحيث ساءته ~~سيئاته وسرته حسناته فهو خارج عن محض الظلمة وإن كان كثير المعصية. # القسم الثاني : طائفة حجبوا بنور مقرون بظلمة وهم ثلاثة أصناف : صنف منشأ ~~ظلمتهم من الحس ، وصنف منشأ ظلمتهم من الخيال ، وصنف منشأ ظلمتهم من ~~مقايسات عقلية فاسدة. # الصنف الأول : المحجوبون بالظلمة الحسية وهم طوائف لا يخلو واحد منهم عن ~~مجاوزة الالتفات إلى نفسه وعن التأله والتشوق إلى معرفة ربه ، وأول درجاتهم ~~عبدة الأوثان وآخرهم الثنوية وبينهما درجات. # الطائفة الأولى : عبدة الأوثان علموا في الجملة أن لهم ربا يلزمهم إيثاره ~~على نفوسهم المظلمة واعتقدوا أن ربهم أعز من كل شيء وأنفس من كل نفيس ، ~~ولكن حجبتهم ظلمة الحس عن أن يتجاوزوا المحسوس من أنفس الجوهر كالذهب ~~والفضة والياقوت أشخاصا مصورة بأحسن الصور واتخذوها آلهة ، PageV01P289 # فهؤلاء محجوبون بنور العزة والجمال من صفات الله وأنواره ، ولكنهم ~~الصقوها بالأجسام المحسوسة وصدهم عن ذلك النور ظلمة الحس ، فإن الحس ظلمة ~~بالإضافة إلى العالم الروحاني كما سبق. # الطائفة ms377 الثانية : جماعة من أقاصي الترك ليس لهم ملة ولا شريعة يعتقدون ~~أن لهم ربا وأنه أجمل الأشياء وإذا رأوا إنسانا في غاية الجمال أو شجرا أو ~~فرسا أو غير ذلك سجدوا له وقالوا إنه ربنا ، وهؤلاء محجوبون بنور الجمال مع ~~ظلمة الحس وهم أدخل في ملاحظة النور من عبدة الأوثان لأنهم يعبدون الجمال ~~المطلق دون الشخص الخاص ولا يخصصونه بشخص دون شخص ثم يعبدون الجمال المطبوع ~~لا المصنوع من جهتهم وبأيديهم. # الطائفة الثالثة : قالوا ينبغي أن يكون ربنا نورانيا في ذاته ، بهيا في ~~صورته ذا سلطان في نفسه ، مهيبا في حضرته لا يطاق القرب منه ، ولكن ينبغي ~~أن يكون محسوسا إذ لا معنى لغير المحسوس عندهم ، ثم وجدوا النار بهذه الصفة ~~فعبدوها واتخذوها ربا فهؤلاء محجوبون بنور السلطنة والبهاء ، وكل ذلك من ~~أنوار الله تعالى. # الطائفة الرابعة : زعموا أن النار نستولي نحن عليها بالاشتغال والإطفاء ~~فهي تحت تصرفنا فلا تصلح للإلهية بل ما يكون بتلك الصفة أعني السلطة ~~والبهاء ، ثم نكون نحن تحت تصرفه ويكون مع ذلك موصوفا بالعلو والارتفاع ، ~~ثم كان المشهور فيما بينهم علم النجوم وإضافة التأثيرات إليها ، فمنهم من ~~عبد الشعرى ، ومنهم من عبد المشتري إلى غير ذلك من الكواكب بحسب ما اعتقدوه ~~في النجوم من كثرة التأثيرات ، فهؤلاء محجوبون بنور العلو والإشراق ~~والاستيلاء وهي أنوار الله تعالى. # الطائفة الخامسة : ساعدت هؤلاء في المأخذ ، ولكن قالت لا ينبغي أن يكون ~~ربنا موسوما بالصغر والكبر بالإضافة إلى الجواهر النورانية ، بل ينبغي أن ~~يكون أكبرها فعبدوا الشمس إذ قالوا هي أكبر. فهؤلاء محجوبون بنور الكبرياء ~~مع بقية الأنوار مقرونا بظلمة الحواس. # الطائفة السادسة : ترقوا من هؤلاء فقالوا النور كله لا تنفرد به الشمس بل ~~لغيرها أيضا أنوار ، ولا ينبغي أن يكون للرب شريك في نورانيته فعبدوا النور ~~المطلق الجامع لجميع الأنوار. وزعموا أنه رب العالمين والخيرات كلها منسوبة ~~إليه ، ثم رأوا في العالم شرورا فلم يستحسنوا إضافتها إلى ربهم تنزيها له ~~عن الشر فجعلوا بينه وبين الظلمة منازعة وأحالوا ms378 العالم إلى النور والظلمة ~~وربما سموها : (يزدان واهرمن) وهم الثنوية فيكفيك هذا القدر تنبيها على هذا ~~الصنف فهم أكثر من ذلك. # الصنف الثاني : المحجوبون ببعض الأنوار مقرونا بظلمة الخيال وهم الذين ~~جاوزا الحس وأثبتوا وراء المحسوسات أمرا ، لكنهم لم يمكنهم مجاوزة الخيال ~~فعبدوا موجودا قاعدا على العرش وأخسهم رتبة المجسمة ، ثم أصناف الكرامية ~~بأجمعهم ، ولا يمكنني شرح مقالاتهم ومذاهبهم فلا فائدة للتكثير ، ولكن ~~أرفعهم درجة من نفي الجسمية وجميع عوارضها إلا الجهة المخصوصة بجهة فوق لأن ~~الذي لا ينسب إلى الجهة ولا يوصف بأنه خارج العالم ولا داخله لم يكن عندهم ~~موجودا ، إذ لم يكن متخيلا PageV01P290 # ولم يدركوا أن أول درجات المعقولات تجاوز النسبة إلى الجهات والحيزة. # الصنف الثالث : المحجوبون بالأنوار الإلهية مقرونة بمقايسات عقلية فاسدة ~~مظلمة فعبدوا إلها سميعا بصيرا عالما قادرا مريدا حيا منزها عن الجهات ، ~~لكنهم فهموا هذه الصفات على حسب مناسبة صفاتهم ، وربما صرح بعضهم ، فقال ~~كلامه حروف وأصوات ككلامنا ، وربما ترقى بعضهم فقال : لا بل هو كحديث نفسنا ~~ولا حرف ولا صوت ، وكذلك إذا طولبوا بحقيقة السمع والبصر والحياة رجعوا إلى ~~التشبيه من حيث المعنى وإن أنكروها باللفظ إذ لم يدركوا أصلا معاني هذه ~~الإطلاقات في حق الله تعالى ، ولذلك قالوا في إرادته إنها حادثة مثل ~~إرادتنا وإنه طلب وقصد مثل قصدنا ، وهذه مذاهب مشهورة فلا حاجة إلى ~~تفصيلها. وهؤلاء محجوبون بجملة من أنوار مع ظلمة المقايسات العقلية الفاسدة ~~، فهؤلاء كلهم أصناف القسم الثاني الذين حجبوا بنور مقرون بظلمة. # القسم الثالث : هم المحجوبون بمحض الأنوار وهم أصناف ولا يمكن إحصاؤهم ~~فأشير إلى ثلاثة أصناف منهم : # الصنف الأول : عرفوا معنى الصفات تحقيقا وأدركوا أن إطلاق اسم الكلام ~~والإرادة والقدرة والعلم وغيرها على صفاته ليس مثل إطلاقه على البشر ، ~~فتحاشوا عن تعريفه بهذه الصفات وعرفوه بالإضافة إلى المخلوقات كما عرف موسى ~~في جواب قول فرعون : وما رب العالمين؟ فقالوا : إن الرب المقدس عن معاني ~~هذه الصفات محرك السماوات ومدبرها. # الصنف الثاني : ترقوا عن هؤلاء من حيث ظهر ms379 لهم أن في السماوات كثرة ، وأن ~~محرك كل سماء خاصة موجود آخر يسمى ملكا فيهم كثرة ، وإنما نسبهم إلى ~~الأنوار الإلهية نسبة الكواكب في الأنوار المحسوسة ، ثم لاح لهم أن هذه ~~السماوات في ضمن فلك آخر يتحرك الجميع بحركته في اليوم والليلة مرة ، فالرب ~~هو المحرك للجرم الأقصى المحتوي على الأفلاك كلها إذ الكثرة منفية عنه. # الصنف الثالث : ترقوا عن هؤلاء وقالوا : إن تحريك الأجسام بطريق المباشرة ~~ينبغي أن يكون خدمة لرب العالمين وعبادة له وطاعة له وطاعة من عبد من عبيده ~~يسمى ملكا نسبته إلى الأنوار الإلهية المحضة نسبة القمر إلى الأنوار ~~المحسوسة ، فزعموا أن الرب هو المطاع من جهة هذا المحرك ، ويكون الرب تعالى ~~وجد محركا للكل بطريق الأمر لا بطريق المباشرة ، ثم في تفهيم ذلك الأمر ~~وماهيته غموض يقصر عنه أكثر الافهام ولا يحتمله هذا الكتاب ، فهؤلاء أصناف ~~كلهم محجوبون بالأنوار المحضة ، وإنما الواصلون صنف رابع تجلى لهم أيضا أن ~~هذا المطاع موصوف بصفة تنافي الوحدانية المحضة والكمال البالغ لسر ليس ~~يحتمل هذا الكتاب كشفه ، وأن نسبة الجمر إلى جوهر النار الصرف فتوجهوا من ~~الذي يحرك السماوات ومن الذي أمر بتحريكها ، فوصلوا إلى موجود ، منزه عن كل ~~ما أدركه بصر الناظرين وبصيرتهم إذ وجدوه منزها ومقدسا عن جميع ما وصفناه ~~من قبل ، ثم هؤلاء انقسموا : PageV01P291 # فمنهم من احترق منه جميع ما أدركه بصره وانمحق وتلاشى ولكن بقي هو ملاحظا ~~للجمال والقدس وملاحظا ذاته في جماله الذي ناله بالوصول إلى الحضرة الإلهية ~~، فانمحقت فيه المبصرات دون المبصر ، وجاوز هؤلاء طائفة منهم خواص الخواص ~~فأحرقتهم سبحات وجهه الأعلى وغشيهم سلطان الجلال وانمحقوا وتلاشوا في ذاتهم ~~، ولم يبق لهم لحاظ إلى أنفسهم لفنائهم عن أنفسهم ، ولم يبق إلا الواحد ~~الحق وصار معنى قوله : ( @QUR@05 كل شيء هالك إلا وجهه ) [القصص : 88]. لهم ~~ذوقا وحالا ، وقد أشرنا إلى ذلك في الفصل الأول وذكرنا أنهم كيف أطلقوا ~~الاتحاد وكيف ظنوه فهذه نهاية الواصلين. # منهم من لم يتدرج في الترقي والعروج عن التفصيل الذي ذكرناه ms380 ، ولم يطل ~~عليه العروج فسبقوا من أول وهلة إلى معرفة القدس وتنزيه الربوبية عن كل ما ~~يجب تنزيهه عنه فغلب عليهم أولا ما غلب على الآخرين آخرا ، وهجم عليهم ~~التجلي دفعة فأحرقت سبحات وجهه جميع ما يمكن أن يدركه بصر حسي أو بصيرة ~~عقلية ، ويشبه أن يكون الأول طريق الخليل ، والثاني طريق الحبيب صلوات الله ~~وسلامه عليهما ، والله أعلم بأسرار أقدامهما وأنوار مقامهما. # فهذه إشارة إلى أصناف المحجوبين ولا يبعد أن يبلغ عددهم إذا فصلت ~~المقامات وتتبع حجب السالكين سبعين ألفا ، ولكن إذا فتشت لا تجد واحدا منهم ~~خارجا عن الأقسام التي ذكرناها ، فإنهم إما يحتجون بصفاتهم البشرية أو ~~بالحس أو بالخيال وبمقايسة العقل أو بالنور المحض كما سبق. # فهذا ما حضرني في جواب هذه الأسئلة مع أن السؤال صادفني ، والفكر منقسم ، ~~والخاطر متشعب ، والهم إلى غير هذا الفن منصرف ، ومقترحي عليه أن تسأل لي ~~العفو عما طغى به القلم أو زلت به القدم. فإن خوض غمرة الأسرار الإلهية ~~خطيرة ، واستكشاف الأنوار العلوية من وراء الحجب غير يسير ، والحمد لله رب ~~العالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين. PageV01P292 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * رسالة الطير ### ||| * ذكر العنقاء # اجتمعت أصناف الطيور على اختلاف أنواعها وتباين طباعها ، وزعمت أنه لا بد ~~لها من ملك : واتفقوا أنه لا يصلح لهذا الشأن إلا العنقاء وقد وجدوا الخبر ~~عن استيطانها في مواطن الغرب وتقررها في بعض الجزائر فجمعتهم داعية الشوق ~~وهمة الطلب فصمموا العزم على النهوض إليها ، والاستظلال بظلها ، والمثول ~~بفنائها ، والاستسعاد بخدمتها ، فتناشدوا وقالوا : # قوموا إلى الدار من ليلى نحييها %~% نعم ونسألهم عن بعض أهليها # وإذا الأشواق الكامنة قد برزت من كمين القلوب وزعمت بلسان الطلب ، بأي ~~نواحي الأرض أبغي وصالكم ، وأنتم ملوك ما لمقصدهم نحو. # وإذا هم بمنادي الغيب ينادي من وراء الحجب : ( @QUR@05 ولا تلقوا بأيديكم ~~إلى التهلكة ) [البقرة : 195]. # لازموا أماكنكم ولا تفارقوا مساكنكم ، فإنكم إن فارقتم أوطانكم ، ضاعفتهم ~~أشجانكم ، فدونكم والتعرض للبلاء والتحلل بالفناء : # إن السلامة من سعدى وجارتها %~% أن لا ms381 تحل على حال بواديها # فلما سمعوا نداء التعذر من جناب الجبروت ما ازدادوا إلا شوقا وقلقا ~~وتحيرا وأرقا ، وقالوا من عند آخرهم : # ولو داواك كل طبيب إنس %~% بغير كلام ليلى ما شفاكا # وزعموا : # إن المحب الذي لا شيء يقنعه %~% أو يستقر ومن يهوى به الدار # ثم نادى لهم الحنين ، ودب فيهم الجنون ، فلم يتلعثموا في الطلب اهتزازا ~~منهم إلى بلوغ الأرب. # فقيل لهم : بين أيديكم المهامة الفيح والجبال الشاهقة والبحار المغرقة ~~وأماكن القر ومساكن الحر ، فيوشك أن تعجزوا دون بلوغ الأمنية فتخترمكم ~~المنية ، فالأحرى بكم مساكنة أوكار الأوطار قبل أن يستدرجكم الطمع ، وإذا ~~هم لا يصغون إلى هذا القول ، ولا يبالون ، بل رحلوا وهم يقولون : # فريد عن الخلان في كل بلدة %~% إذا عظم المطلوب قل المساعد # فامتطى كل منهم مطية الهمة قد ألجمها بلجام الشوق وقومها بقوام العشق وهو يقول : PageV01P293 انظر إلى ناقتي في ساحة الوادي %~% شديدة بالسرى من تحت مياد إذا اشتكت من كلال البين أوعدها %~% روح القدوم فتحيا عند ميعادي لها بوجهك نور تستضيء به %~% وفي نوالك من أعقابها حادي # فرحلوا من محجة الاختبار ، فاستدرجتهم بحد الاضطرار ، فهلك من كان من ~~بلاد الحر في بلاد البرد ، ومات من كان من بلاد البرد في بلاد الحر ، ~~وتصرفت فيهم الصواعق. وتحكمت عليهم العواصف حتى خلصت منهم شرذمة قليلة إلى ~~جزيرة الملك ، ونزلوا بفنائه واستظلوا بجنابه ، والتمسوا من يخبر عنهم ~~الملك وهو في أمنع حصن من حمى عزه ، فأخبر بهم فتقدم إلى بعض سكان الحضرة ~~أن يسألهم : ما الذي حملهم على الحضور؟ فقالوا : حضرنا ليكون مليكنا ، فقيل ~~لهم : أتعبتم أنفسكم فنحن الملك شئتم أو أبيتم ، جئتم أو ذهبتم ، لا حاجة ~~بنا إليكم ، فلما أحسوا بالاستغناء والتعذر أيسوا وخجلوا وخابت ظنونهم ~~فتعطلوا فلما شملتم الحيرة ، وبهرتهم العزة ، قالوا لا سبيل إلى الرجوع فقد ~~تخاذلت القوى وأضعفنا الجوى ، فليتنا تركنا في هذه الجزيرة لنموت عن آخرنا ~~، وأنشؤوا يقولون هذه الأبيات : # أسكان رامة هل من قرى %~% فقد دفع الليل ضيفا قنوعا كفاه من الزاد ms382 إن تمهدوا %~% له نظرا وكلاما وسيعا # هذا وقد شملهم الداء ، وأشرفوا على الفناء ، ولجؤوا إلى الدعاء : # ثمل نشاوى بكأس الغرام %~% فكل غدا لأخيه رضيعا # فلما عمهم اليأس ، وضاقت بهم الأنفاس تداركتهم أنفاس الإيناس وقيل لهم : ~~هيهات فلا سبيل إلى اليأس ، فلا ييأس من روح الله إلا القوم الخاسرون ، فإن ~~كان كمال الغنى يوجب التعزز والرد فجمال الكرم أوجب السماحة والقبول ، فبعد ~~أن عرفتم مقداركم في العجز عن معرفة قدرنا فحقيق بنا إيواؤكن فهو دار الكرم ~~ومنزل النعم. فإنه يطلب المساكين الذين رحلوا عن مساكنة الحسبان ولولاه لما ~~قال سيد الكل وسابقهم : " أحيني مسكينا" ومن استشعر عدم استحقاقه فحقيق ~~بالملك العنقاء أن يتخذه قرينا ، فلما استأنسوا بعد أن استيأسوا ، وانتعشوا ~~بعد أن تعبسوا ووثقوا بفيض الكرم واطمأنوا إلى درور النعم سألوا عن رفقائهم ~~فقالوا : ما الخبر عن أقوام قطعت بهم المهامة والأودية ، أمطلول دماؤهم أم ~~لهم دية؟ فقيل : هيهات هيهات : ( @QUR@016 ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى ~~الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله ) [النساء : 100]. ~~اجتبتهم أيادي الاجتباء بعد أن أبادتهم سطوة الابتلاء : ( @QUR@010 ولا ~~تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ) [البقرة : 145]. قالوا : ~~فالذين غرقوا في لجج البحار ، ولم يصلوا إلى الدار ولا إلى الديار بل ~~التقمتهم لهوات التيار. قيل : هيهات ( @QUR@010 ولا تحسبن الذين قتلوا في ~~سبيل الله أمواتا بل أحياء ) [آل عمران : 169]. فالذي جاء بكم وأمهاتهم ~~أحياهم ، والذي وكل بكم داعية الشوق حتى استقللتم العناء والهلاك في أريحية ~~الطلب دعاهم وحملهم وأدناهم وقربهم ، فهم PageV01P294 # حجب العزة وأستار القدرة : ( @QUR@06 في مقعد صدق عند مليك مقتدر ) ~~[القمر : 55]. قالوا : فهل لنا إلى مشاهدتهم سبيل؟ قيل : لا ، فإنكم في ~~حجاب العزة وأستار البشرية ، وأسر الأجل وقيده ، فإذا قضيتم أوطاركم ~~وفارقتم أوكاركم ، فعند ذلك تزاورتم وتلاقيتم ، قالوا : والذين قعد بهم ~~اللؤم والعجز فلم يخرجوا؟ قيل : هيهات ( @QUR@011 ولو أرادوا الخروج لأعدوا ~~له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم ) [التوبة : 46]. ولو أردناهم ~~لدعوناهم ولكن كرهناهم فطردناهم. أنتم بأنفسكم جئتم أم نحن دعوناكم؟ أنتم ms383 ~~اشتقتم أم نحن شوقناكم؟ نحن أقلقناكم فحملناكم وحملناهم في البر والبحر ، ~~فلما سمعوا ذلك واستأنسوا بكمال العناية وضمان الكفاية كمل اهتزازهم وتم ~~وثوقهم فاطمأنوا واستقبلوا حقائق اليقين بدقائق التمكين ، وفارقوا بدوام ~~الطمأنينة إمكان التلوين ، ولتعلمن نبأه بعد حين. ### ||| * فصل # أترى هل كان بين الراجع إلى تلك الجزيرة وبين المبتدئ من فرق؟ إنما قال : ~~جئنا ملكنا من كان مبتدئا ، أما من كان راجعا إلى عيشه الأصلي ( @QUR@05 يا ~~أيتها النفس المطمئنة* ارجعي ) [الفجر : 27 و28]. فرجع لسماع النداء كيف ~~يقال له لم جئت؟ فيقول : لم دعيت لا بل فيقول لم حملت إلى تلك البلاد وهي ~~بلاد القربة ، والجواب على قدر السؤال ، والسؤال على قدر التفقه ، والهموم ~~بقدر الهمم. ### ||| * فصل # من يرتاع لمثل هذه النكت فليجدد العهد بطور الطيرية ، وأريحية الروحانية ~~، فكلام الطيور لا يفهمه إلا من هو من الطيور ، وتجديد العهد بملازمة ~~الوضوء ، ومراقبة أوقات الصلاة ، وخلوة ساعة للذكر فهو تجديد العهد الحلو ~~في غفلة لا بد من أحد الطريقين ، فاذكروني أذكركم ، أو نسوا الله فنسيهم. ~~فمن سلك سبيل الذكر أنا جليس من ذكرني ، ومن سلك النسيان : ( @QUR@011 ومن ~~يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين ) [الزخرف : 36]. وابن آدم ~~في كل نفس مصحح أحد هاتين النسبتين ولا بد يتلوه يوم القيامة أحد ~~السيماءين. أما يعرف المجرمون بسيماهم أو الصالحون بسيماهم في وجوههم من ~~أثر السجود ، أنقذك الله بالتوفيق ، وهداك إلى التحقيق ، وطوى لك الطريق ، ~~إنه بذلك حقيق. والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ~~آله أجمعين آمين. PageV01P295 ### ||| * الرسالة الوعظية PageV01P296 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * مقدمة الرسالة # لقد بلغني عن لسان من أثق به سيرة الشيخ الإمام الزاهد حرس الله توفيقه ~~وسمره في مهم دينه ما قوى رغبتي في مؤاخاته في الله تعالى رجاء لما وعد ~~الله به عباده المتحابين. وهذه الأخوة لا تستدعي مشاهدة الأشخاص وقرب ~~الأبدان ، وإنما تستدعي قرب القلوب وتعارف الأرواح وهي جنود مجندة فإذا ~~تعارفت ائتلفت ، وها أنا عاقد معه الأخوة في الله تعالى ومقترح ms384 عليه أن لا ~~يخليني عن دعوات في أوقات خلوته ، وأن يسأل الله تعالى أن يريني الحق حقا ، ~~ويرزقني اتباعه ، وأن يريني الباطل باطلا ، ويرزقني اجتنابه ، ثم قرع سمعي ~~أنه التمس مني كلاما في معرض النصح والوعظ. وقولا وجيزا فيما يجب على ~~المكلف اعتقاده من قواعد العقائد. ### ||| * وعظ النفس # أما الوعظ ، فلست أرى نفسي أهلا له لأن الوعظ زكاة نصابها الاتعاظ ومن لا ~~نصاب له كيف يخرج الزكاة ، وفاقد النور كيف يستنير به غيره (ومتى يستقيم ~~الظل والعود أعوج) وقد أوحى الله تعالى إلى عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم ~~: عظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس وإلا فاستحي مني ، وقال نبينا ~~صلى الله عليه وسلم : " تركت فيكم واعظين ناطق وصامت". # فالناطق هو القرآن والصامت هو الموت وفيهما كفاية لكل متعظ ومن لا يتعظ ~~بهما فكيف يعظ غيره ، ولقد وعظت بهما نفسي فصدقت وقبلت قولا وعقلا ، وأبت ~~وتمردت تحقيقا وفعلا فقلت لنفسي : أما أنت مصدقة بأن القرآن هو الواعظ ~~الناطق ، وأنه الناصح الصادق ، فإنه كلام الله المنزل الذي لا يأتيه الباطل ~~من بين يديه ولا من خلفه؟ فقالت : نعم. قال الله تعالى : ( @QUR@030 من كان ~~يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون* ~~أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما ~~كانوا يعملون ) [هود : 15 و16]. فقد وعدك الله تعالى بالنار على إرادة ~~الدنيا ، وكل ما لا يصحبك بعد الموت فهو من الدنيا ، فهل تنزهت عن إرادة ~~الدنيا أو حبها ، ولو أن طبيبا نصرانيا وعدك بالموت أو المرض على تناولك ~~ألذ الشهوات لتحاشيتها واتقيتها. أكان النصراني عندك أصدق من الله تعالى؟ ~~فإن كان ذلك فما أكفرك. أو كان المرض أشد عندك من النار ، فإن كان كذلك فما ~~أجهلك ، فصدقت ثم ما انتفعت بل أصررت على الميل إلى العاجلة واستمررت ، ثم ~~أقبلت عليها فوعظتها بالواعظ الصامت PageV01P297 # فقلت : قد أخبر الناطق عن الصامت إذ قال تعالى : ( @QUR@017 إن الموت ~~الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم ms385 تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما ~~كنتم تعملون ) [الجمعة : 8]. وقلت لها : هبي أنك ملت إلى العاجلة أفلست ~~مصدقة بأن الموت لا محالة آتيك وقاطع عليك كل ما أنت متمسكة به وسالب منك ~~كل ما أنت راغبة فيه وكل ما هو آت قريب والبعيد ما ليس بآت ، وقد قال الله ~~تعالى : ( @QUR@015 أفرأيت إن متعناهم سنين* ثم جاءهم ما كانوا يوعدون* ما ~~أغنى عنهم ما كانوا يمتعون ) [الشعراء: 205 و207]. أفأنت مخرجة هذا عن جميع ~~ما أنت فيه؟ والحر الحكيم يخرج من الدنيا قبل أن يخرج منها. واللائم يتمسك ~~بها إلى أن يخرج من الدنيا خائبا خاسرا متحسرا ، فقالت : صدقت ، فكان ذلك ~~منها قولا لا تحصيل وراءه إذ لم تجتهد قط في التزود للآخرة كاجتهادها في ~~تدبير العاجل ، ولم تجتهد قط في رضاء الله تعالى كاجتهادها في رضاها بل ~~كاجتهادها في طلب الخلق ، ولم تستح قط من الله تعالى كما تستحي من واحد من ~~الخلق ، ولم تشمر للاستعداد للآخرة كتشميرها في الصيف ، فإنها لا تطمئن في ~~أوائل الشتاء ما لم تفرغ من جميع ما تحتاج إليه فيه من آلاته مع أن الموت ~~ربما يختطفها ، والشتاء لا يدركها ، والآخرة على يقين لا يتصور أن يختطف ~~منها ، وقلت لها : ألا تستعدين للصيف بقدر طوله وتصنعين آلة الصيف بقدر ~~صبرك على الحر؟ قالت : نعم. قلت : فاعصي الله بقدر صبرك على النار واستعدي ~~للآخرة بقدر بقائك فيها. فقالت : هذا هو الواجب الذي لا يرخص في تركه إلا ~~الأحمق ، ثم استمرت على سجيتها فوجدتني كما قال بعض الحكماء : إن في الناس ~~من يموت نصفه ولا ينزجر نصفه الآخر ، وما أراني إلا منهم ، ولما رأيتها ~~متمادية في الطغيان غير منتفعة بوعظ الموت والقرآن. رأيت أهم الأمور ~~التفتيش عن سبب تماديها مع اعترافها وتصديقها ، فإن ذلك من العجائب العظيمة ~~، فطال عليه تفتيشي حتى وقفت على سببه. وها أنا مؤنس وإياه بالحذر منه. فهو ~~الداء العضال وهو السبب الداعي إلى الغرور والإهمال. وهو اعتقاد تراخي ~~الموت واستبعاد هجومه على ms386 القرب. فإنه لو أخبره صادق في بياض نهاره أنه ~~يموت في ليلته أو يموت إلى أسبوع أو أشهر ، لاستقام على الطريق المستقيم. ~~ولترك جميع ما هو فيه مما يظن أنه مما يتعاطاه لله تعالى ومغرور فيه فضلا ~~عما يعلم أنه ليس لله تعالى ، فانكشف تحقيقا أن من أصبح وهو يأمل أن يمسي ~~أو أمسى وهو يأمل أن يصبح لم يخل من الفتور والتسويف ، ولم يقدر إلا على ~~سير ضعيف. فأوصيه ونفسي بما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال : " ~~صل صلاة مودع" ، ولقد أوتي جوامع الكلم وفصل الخطاب. ولا ينتفع بوعظ إلا به ~~، فمن غلب على قلبه في كل صلاة أنها آخر صلاته ، حضر معه قلبه في الصلاة ~~وتيسر له الاستعداد بعد الصلاة. ومن عجز عن ذلك فلا يزال في غفلة دائمة ~~وغرور مستمر ، وتسويف متتابع إلى أن يدركه الموت فتدركه حسرة الفوت ، وأنا ~~مقترح عليه أن لا يسأل الله تعالى أن يرزقني هذه الرتبة فإني طالب لها ، ~~وقاصر عنها ، وأوصيه أن لا يرضى من نفسه إلا بها ، وأن يحذر من مواقع ~~الغرور ، فإذا وعدت النفس بذلك طالبها بموثق غليظ من الله تعالى ، فإن خداع ~~النفس لا يقف عليه إلا الأكياس. # وأما أقل ما يجب اعتقاده على المكلف فهو ما يترجمه قوله لا إله إلا الله ~~محمد رسول الله. PageV01P298 # ثم إذا صدق الرسول فينبغي أن يصدقه في صفات الله تعالى فإنه حي قادر عالم ~~متكلم مريد ليس كمثلة شيء وهو السميع البصير وليس عليه بحث عن حقيقة هذه ~~الصفات. وأن الكلام والعلم وغيرهما قديم أو حادث ، بل لو لم تخطر له هذه ~~المسألة حتى مات مؤمنا وليس عليه تعلم الأدلة التي حررها المتكلمون. بل ~~كلما حصل في قلبه التصديق بالحق. بمجرد الإيمان من غير دليل وبرهان فهو ~~مؤمن ، ولم يكلف رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من ذلك. وعلى هذا الاعتقاد ~~المجمل استمرت الأعراب وعوام الخلق إلا من وقع في بلدة يقرع سمعه فيها هذه ~~المسائل ms387 مقدم الكلام وحدوثه ومعنى الاستواء والنزول وغيره فإن لم يأخذ ذلك ~~قلبه وبقي مشغولا بعبادته وعمله فلا حرج عليه وإن أخذ ذلك بقلبة فأقل ~~الواجبات عليه ما اعتقده السلف فيعتقد في القرآن القدم ، كما قال السلف : ~~القرآن كلام الله غير مخلوق ، ويعتقد أن الاستواء حق والسؤال عنه مع ~~الاستغناء بدعة ، والكيفية فيه مجهولة. فيؤمن بجميع ما جاء به الشرع إيمانا ~~مجملا من غير بحث عن الحقيقة والكيفية ، فإن لم ينفعه ذلك وغلب على قلبه ~~الإشكال والشك فإن أمكن إزالة شكه وإشكاله بكلام قريب من الافهام. وإن لم ~~يكن قويا عند المتكلمين ولا مرضيا عندهم ، فذلك كاف ولا حاجة به إلى تحقيق ~~الدليل ، بل الأولى أن يزال إشكاله من غير برهان حقيقة الدليل ، فإن الدليل ~~لا يتم إلا بدرك السؤال والجواب عنه ، ومهما ذكرت الشبهة فلا يبعد أن ينكر ~~بقلبه ويكل فهمه عن درك جوابه إذ الشبهة قد تكون جلية والجواب دقيقا لا ~~يحتمله عقله. ولهذا زجر السلف عن البحث والتفتيش عن الكلام. وإنما زجروا ~~عنه لضعفاء العوام. # وأما المشتغلون بدرك الحقائق فلهم خوض غمرة الإشكال ومنع الكلام للعوام ~~يجري مجرى منع الصبيان من شاطئ نهر دجلة خوفا من الغرق ، ورخصة الأقوياء ~~فيه تضاهي رخصة الماهر في صنعة السباحة ، إلا أن هاهنا موضع غرور ومزلة قدم ~~، وهو أن كل ضعيف في عقله. راض من الله تعالى في كمال عقله. يظن بنفسه أنه ~~يقدر على إدراك الحقائق كلها وأنه من جملة الأقوياء فربما يخوضون فيغرقون ~~في بحر الجهات حيث لا يشعرون ، فالصواب للخلق كلهم إلا الشاذ النادر الذي ~~لا تسمح الأعصار إلا بواحد منهم أو اثنين سلوك مسلك السلف في الإيمان ~~بالرسل والتصديق المجمل بكل ما نزله الله تعالى وأخبر به رسوله من غير بحث ~~وتفتيش عن الأدلة ، بل الاشتغال بالتقوي عليه شغل شاغل إذ قال ~~صلى الله عليه وسلم حيث رأى أصحابه يخوضون بعد أن غضب حتى احمرت وجنتاه : " ~~أبهذا أمرتم تضربون كتاب الله بعضه ببعض انظروا ما أمركم الله به ms388 فافعلوا ~~وما نهاكم عنه فانتهوا". فهذا تنبيه على المنهج الحق ، واستيفاء ذلك شرحناه ~~في كتاب (قواعد العقائد) فيطلب منه والسلام. PageV01P299 ### ||| * إلجام العوام ### ||| * عن ### ||| * علم الكلام PageV01P300 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * خطبة الرسالة # الحمد لله الذي تجلى لكافة عباده بصفاته وأسمائه وتاهت عقول الطالبين في ~~بيداء كبريائه ، وقص أجنحة الأفكار دون حمى عزته وتعالى بجلاله عن أن تدرك ~~الأفهام كنه حقيقته. واستوفى قلوب أوليائه وخاصته واستغرق أرواحهم حتى ~~احترقوا بنار محبته وبهتوا في إشراق أنوار عظمته ، وخرست ألسنتهم عن الثناء ~~على جمال حضرته إلا بما أسمعهم من أسمائه وصفاته وأنبأهم على لسان رسوله ~~محمد صلى الله عليه وسلم خير خليقته وعلى أصحابه وعترته. # أما بعد : فقد سألتني أرشدك الله عن الأخبار الموهمة للتشبيه عند الرعاع ~~والجهال من الحشوية الضلال حيث اعتقدوا في الله وصفاته ما يتعالى ويتقدس ~~عنه من الصورة واليد والقدم والنزول والانتقال والجلوس على العرش ~~والاستقرار ، وما يجري مجراه مما أخذوه من ظواهر الأخبار وصورها ، وأنهم ~~زعموا أن معتقدهم فيه معتقد السلف ، وأردت أن أشرح لك اعتقاد السلف ، وأن ~~أبين ما يجب على عموم الخلق أن يعتقدوه في هذه الأخبار ، وأكشف فيه الغطاء ~~عن الحق ، وأميز ما يجب البحث عنه عما يجب الإمساك والكف عن الخوض فيه ، ~~فأجبتك إلى طلبتك متقربا إلى الله سبحانه وتعالى بإظهار الحق الصريح من غير ~~مداهنة ومراقبة جانب ومحافظة على تعصب لمذهب دون مذهب ، فالحق أولى ~~بالمراقبة ، والصدق والإنصاف أولى بالمحافظة عليه ، وأسأل الله التسديد ~~والتوفيق وهو بإجابة داعيه حقيق ، وها أنا أرتب الكتاب على ثلاثة أبواب : # باب في بيان حقيقة مذهب السلف في هذه الأخبار. # وباب في البرهان على الحق فيه مذهب السلف وأن من خالفهم فهو مبتدع. وباب ~~في فصول متفرقة نافعة في هذا الفن. ### ||| * الباب الأول # في شرح اعتقاد السلف في هذه الأخبار. # اعلم : أن الحق الصريح الذي لا مراء فيه عند أهل البصائر هو مذهب السلف ~~أعني مذهب الصحابة والتابعين وها أنا أورد بيانه وبيان برهانه. # فأقول : حقيقة مذهب السلف وهو ms389 الحق عندنا أن كل من بلغه حديث من هذه ~~الأحاديث من عوام الخلق يجب عليه فيه سبعة أمور : التقديس ، ثم التصديق ، ~~ثم اعتراف بالعجز ، ثم PageV01P301 # السكوت ، ثم الإمساك ، ثم الكف ، ثم التسليم لأهل المعرفة. # أما التقديس : فأعني به تنزيه الرب تعالى عن الجسمية وتوابعها. # وأما التصديق : فهو الإيمان بما قاله صلى الله عليه وسلم وإن ما ذكره حق وهو ~~فيما قاله صادق وأنه حق على الوجه الذي قاله وأراده. # وأما الاعتراف بالعجز : فهو أن يقر بأن معرفة مراده ليست على قدر طاقته ~~وأن ذلك ليس من شأنه وحرفته. # وأما السكوت : فأن لا يسأل عن معناه ولا يخوض فيه ويعلم أن سؤاله عنه ~~بدعة ، وأنه في خوضه فيه مخاطر بدينه ، وأنه يوشك أن يكفر لو خاض فيه من ~~حيث لا يشعر. # وأما الإمساك : فأن لا يتصرف في تلك الألفاظ بالتصريف والتبديل بلغة أخرى ~~والزيادة فيه والنقصان منه والجمع والتفريق بل لا ينطق إلا بذلك اللفظ وعلى ~~ذلك الوجه من الإيراد والإعراب والتصريف والصيغة. # وأما الكف : فأن يكف باطنه عن البحث عنه والتفكر فيه. # وأما التسليم لأهله : فأن لا يعتقد أن ذلك إن خفي عليه لعجزه فقد خفي على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أو على الأنبياء أو على الصديقين والأولياء ، ~~فهذه سبع وظائف اعتقد كافة السلف وجوبها على كل العوام لا ينبغي أن يظن ~~بالسلف الخلاف في شيء منها ، فلنشرحها وظيفة وظيفة إن شاء الله تعالى: # الوظيفة الأولى : التقديس ومعناه أنه إذا سمع اليد والإصبع وقوله ~~صلى الله عليه وسلم " إن الله خمر طينة آدم بيده. وإن قلب المؤمن بين إصبعين ~~من أصابع الرحمن" ، فينبغي أن يعلم أن اليد تطلق لمعنيين أحدهما هو الموضع ~~الأصلي وهو عضو مركب من لحم وعصب ، واللحم والعظم والعصب جسم مخصوص وصفات ~~مخصوصة أعني بالجسم عبارة عن مقدار له طول وعرض وعمق يمنع غيره من أن يوجد ~~بحيث هو إلا بأن يتنحى عن ذلك المكان ، (وقد يستعار هذا اللفظ) أعني اليد ~~لمعنى آخر ليس ذلك ms390 المعنى بجسم أصلا كما يقال : البلدة في يد الأمير فإن ~~ذلك مفهوم وإن كان الأمير مقطوع اليد مثلا فعلى العامي وغير العامي أن ~~يتحقق قطعا ويقينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرد بذلك جسما هو عضو ~~مركب من لحم ودم وعظم ، وأن ذلك في حق الله تعالى محال وهو عنه مقدس ، فإن ~~خطر بباله أن الله جسم مركب من أعضائه فهو عابد صنم فإن كل جسم فهو مخلوق ، ~~وعبادة المخلوق كفر ، وعبادة الصنم كانت كفرا لأنه مخلوق ، وكان مخلوقا ~~لأنه جسم فمن عبد جسما فهو كافر بإجماع الأئمة السلف منهم والخلف. سواء كان ~~ذلك الجسم كثيفا كالجبال الصم الصلاب ، أو لطيفا كالهواء والماء ، وسواء ~~كان مظلما كالأرض أو مشرقا كالشمس والقمر والكواكب. أو مشفا لا لون له ~~كالهواء ، أو عظيما كالعرش والكرسي والسماء ، أو صغيرا كالذرة والهباء ، أو ~~جمادا كالحجارة ، أو PageV01P302 # حيوانا كالإنسان. فالجسم صنم فإن يقدر حسنة وجماله أو عظمه أو صغره أو ~~صلابته وبقاؤه لا يخرج عن كونه صنما ، ومن نفى الجسمية عنه وعن يده وإصبعه ~~فقد نفى العضوية واللحم والعصب وقدس الرب جل جلاله عما يوجب الحدوث ، ~~وليعتقد بعده أنه عبارة عن معنى من المعاني ليس بجسم ولا عرض في جسم يليق ~~ذلك المعنى بالله تعالى ، فإن كان لا يدري ذلك المعنى ولا يفهم كنه حقيقته ~~فليس عليه في ذلك تكليف أصلا ، فمعرفة تأويله ومعناه ليس بواجب عليه بل ~~واجب عليه أن لا يخوض فيه كما سيأتي. # مثال آخر : إذا سمع الصورة في قوله صلى الله عليه وسلم : " إن الله خلق آدم ~~على صورته" ، " وإني رأيت ربي في أحسن صورة" فينبغي أن يعلم أن الصورة اسم ~~مشترك قد يطلق ويراد به الهيئة الحاصلة في أجسام مؤلفة مرتبة ترتيبا مخصوصا ~~مثل الأنف والعين والفم والخد التي هي أجسام وهي لحوم وعظام ، وقد يطلق ~~ويراد به ما ليس بجسم ولا هيئة في جسم ولا هو ترتيب في أجسام. كقولك عرف ~~صورته وما يجري مجراه ، فليتحقق كل ms391 مؤمن أن الصورة في حق الله لم تطلق ~~لإرادة المعنى الأول الذي هو جسم لحمي وعظمي مركب من أنف وفم وخد ، فإن ~~جميع ذلك أجسام وهيئات في أجسام ، وخالق الأجسام والهيئات كلها منزه عن ~~مشابهتها وصفاتها ، وإذا علم هذا يقينا فهو مؤمن فإن خطر له أنه إن لم يرد ~~هذا المعنى فما الذي أراده فينبغي أن يعلم أن ذلك لم يؤمر به بل أمر بأن لا ~~يخوض فيه فإنه ليس على قدر طاقته ، لكن ينبغي أن يعتقد أنه أريد به معنى ~~يليق بجلال الله وعظمته بما ليس بجسم ولا عرض في جسم. # مثال آخر : إذا قرع سمعه النزول في قوله صلى الله عليه وسلم : " ينزل الله ~~تعالى في كل ليلة إلى السماء الدنيا". فالواجب عليه أن يعلم أن النزول اسم ~~مشترك قد يطلق إطلاقا يفتقر فيه إلى ثلاثة أجسام : جسم عال هو مكان لساكنه ~~، وجسم سافل كذلك ، وجسم منتقل من السافل إلى العالي ومن العالي إلى السافل ~~، فإن كان من أسفل إلى علو سمي صعودا وعروجا ورقيا ، وإن كان من علو إلى ~~أسفل سمي نزولا وهبوطا ، وقد يطلق على معنى آخر ولا يفتقر فيه إلى تقدير ~~انتقال وحركة في جسم ، كما قال الله تعالى : ( @QUR@06 وأنزل لكم من ~~الأنعام ثمانية أزواج ) [الزمر : 6]. وما رئي البعير والبقر نازلا من ~~السماء بالانتقال بل هي مخلوقة في الأرحام ولإنزالها معنى لا محالة ، كما ~~قال الشافعي رضي الله عنه : دخلت مصر فلم يقيموا كلامي ، فنزلت ثم نزلت ثم ~~نزلت فلم يرد به انتقال جسده إلى أسفل فتحقق المؤمن قطعا أن النزول في حق ~~الله تعالى ليس بالمعنى الأول وهو انتقال شخص وجسد من علو إلى أسفل ، فإن ~~الشخص والجسد أجسام والرب جل جلاله ليس بجسم فإن خطر له أنه لم يرد هذا فما ~~الذي أراد فيقال له : أنت إذا عجزت عن فهم نزول البعير من السماء فأنت عن ~~فهم نزول الله تعالى أعجز ، فليس هذا بعشك فادرجي ، واشتغل بعبادتك أو ~~حرفتك واسكت ، واعلم أنه أريد ms392 به معنى من المعاني التي يجوز أن يراد ~~بالنزول في لغة العرب. ويليق ذلك المعنى بجلال الله تعالى وعظمته وإن كنت ~~لا تعلم حقيقته وكيفيته. # ومثال آخر : إذا سمع لفظ الفوق في قوله تعالى : ( @QUR@04 وهو القاهر فوق ~~عباده ) [الأنعام : 18]. PageV01P303 # وفي قوله تعالى : ( @QUR@04 يخافون ربهم من فوقهم ) [النحل : 50]. فليعلم ~~أن الفوق اسم مشترك يطلق لمعنيين. # أحدهما : نسبة جسم إلى جسم بأن يكون أحدهما أعلى والآخر أسفل يعني أن ~~الأعلى من جانب رأس الأسفل وقد يطلق لفوقية الرتبة ، وبهذا المعنى يقال : ~~الخليفة فوق السلطان والسلطان فوق الوزير ، وكما يقال : العلم فوق العلم ، ~~والأول يستدعي جسما ينسب إلى جسيم. # والثاني : لا يستدعيه فليعتقد المؤمن قطعا أن الأول غير مراد وأنه على ~~الله تعالى محال ، فإنه من لوازم الأجسام أو لوازم أعراض الأجسام وإذا عرف ~~نفى هذا المحال فلا عليه إن لم يعرف أنه لما ذا أطلق وما ذا أريد فقس على ~~ما ذكرناه ما لم نذكره. # الوظيفة الثانية : الإيمان والتصديق وهو أنه يعلم قطعا أن هذه الألفاظ ~~أريد بها معنى يليق بجلال الله وعظمته ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~صادق في وصف الله تعالى به ، فليؤمن بذلك وليوقن بأن ما قاله صدق وما أخبر ~~عنه حق لا ريب فيه وليقل آمنا وصدقنا ، وأن ما وصف الله تعالى به نفسه أو ~~وصفه به رسوله فهو كما وصفه وحق بالمعنى الذي أراده وعلى الوجه الذي قاله ، ~~وإن كنت لا تقف على حقيقته فإن قلت التصديق إنما يكون بعد التصور ، ~~والإيمان إنما يكون بعد التفهم ، فهذه الألفاظ إذا لم يفهم العبد معانيها ~~كيف يعتقد صدق قائلها فيها؟ فجوابك أن التصديق بالأمور الجملية ليس بمحال ~~وكل عاقل يعلم أنه أريد بهذه الألفاظ معان ، وأن كل اسم فله مسمى إذا نطق ~~به من أراد مخاطبة قوم قصد ذلك المسمى فيمكنه أن يعتقد كونه صادقا مخبرا ~~عنه على ما هو عليه ، فهذا معقول على سبيل الإجمال ، بل يمكن أن يفهم من ~~هذه الألفاظ أمور جملية غير مفصلة ms393 ، ويمكن التصديق كما إذا قال في البيت ~~حيوان أمكن أن يصدق دون أن يعرف أنه إنسان أو فرس أو غيره ، بل لو قال فيه ~~شيء أمكن تصديقه وإن لم يعرف ما ذلك الشيء ، فكذلك من سمع الاستواء على ~~العرش فهم على الجملة أنه أريد بذلك نسبة خاصة إلى العرش فيمكنه التصديق ~~قبل أن يعرف أن تلك النسبة هي نسبة الاستقرار عليه أو الإقبال على خلقه أو ~~الاستيلاء عليه بالقهر أو معنى آخر من معاني النسبة فأمكن التصديق به ، وإن ~~قلت فأي فائدة في مخاطبة الخلق بما لا يفهمون وجوابك أنه قصد بهذا الخطاب ~~تفهيم من هو أهله وهم الأولياء والراسخون في العلم وقد فهموا ، وليس من شرط ~~من خاطب العقلاء بكلام أن يخاطبهم بما يفهم الصبيان والعوام بالإضافة إلى ~~العارفين كالصبيان بالإضافة إلى البالغين ، ولكن على الصبيان أن يسألوا ~~البالغين عما يفهمونه ، وعلى البالغين أن يجيبوا الصبيان بأن هذا ليس من ~~شأنكم ولستم من أصله فخوضوا في حديث غيره فقد قيل للجاهل : ( @QUR@03 ~~فسئلوا أهل الذكر ) [النحل : 43]. فإن كانوا يطيقون فهموهم وإلا قالوا لهم ~~: ( @QUR@06 وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) [الإسراء : 85]. فلا تسألوا ~~عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ، ما لكم ولهذا السؤال. هذه معان الإيمان بها ~~واجب والكيفية مجهولة أي لكم ، والسؤال عنها بدعة كما قال مالك : PageV01P304 # الاستواء معلوم والكيفية مجهولة والإيمان به واجب ، فإذن الإيمان ~~بالجمليات التي ليست مفصلة في الذهن ممكن ولكن تقديسه الذي هو نفي للمحال ~~عنه ينبغي أن يكون مفصلا ، فإن المنفى هي الجسمية ولوازمها ونعني بالجسم ~~هاهنا الشخص المقدر الطويل العريض العميق الذي يمنع غيره من أن يوجد بحيث ~~هو الذي يدفع ما يطلب مكانه إن كان قويا ويندفع ويتنحى عن مكانه بقوة دافعة ~~إن كان ضعيفا ، وإنما شرحنا هذا اللفظ مع ظهوره لأن العامي ربما لا يفهم ~~المراد به. # الوظيفة الثالثة : الاعتراف بالعجز ويجب على كل من لا يقف على كنه هذه ~~المعاني وحقيقتها ولم يعرف تأويلها والمعنى والمراد به أن يقر بالعجز ، فإن ms394 ~~التصديق واجب وهو عن دركة عاجز ، فإن ادعى المعرفة فقد كذب وهذا معنى قول ~~مالك : الكيفية مجهولة ، يعني تفصيل المراد به غير معلوم ، بل الراسخون في ~~العلم والعارفون من الأولياء إن جاوزوا في المعرفة حدود العوام وجالوا في ~~ميدان المعرفة وقطعوا من بواديها أميالا كثيرة فما بقي لهم مما لم يبلغوه ~~بين أيديهم أكثر بل لا نسبة لما طوى عنهم إلى ما كشف لهم لكثرة المطوى وقلة ~~المكشوف بالإضافة إليه والإضافة إلى المطوي المستور. قال سيد الأنبياء ~~صلوات الله عليه : " لا أحصى ثناء عليك أنت كما اثنيت على نفسك". وبالإضافة ~~إلى المكشوف ، قال صلوات الله عليه : " أعرفكم بالله أخوفكم لله وأنا ~~أعرفكم بالله". ولأجل كون العجز والقصور ضروريا في آخر الأمر بالإضافة إلى ~~منتهى الحال قال سيد الصديقين : العجز عن درك الإدراك إدراك ، فأوائل حقائق ~~هذه المعاني بالإضافة إلى عوام الخلق كأواخرها بالإضافة إلى خواص الخلق ، ~~فكيف لا يجب عليه الاعتراف بالعجز!. # الوظيفة الرابعة : السكوت عن السؤال وذلك واجب على العوام لأنه بالسؤال ~~متعرض لما لا يطيقه وخائض فيما ليس أهلا له ، فإن سأل جاهلا زاده جوابه ~~جهلا وبما ورطه في الكفر من حيث لا يشعر ، وإن سأل عارفا عجز العارف عن ~~تفهيمه بل عجز عن تفهيم ولده مصلحته في خروجه إلى المكتب ، بل عجز الصائغ ~~عن تفهيم النجار دقائق صناعته ، فإن النجار وإن كان بصيرا بصناعته فهو عاجز ~~عن دقائق الصياغة لأنه إنما يعلم دقائق النجر لاستغراقه العمر في تعلمه ~~وممارسته ، فكذلك يفهم الصائغ الصياغة أيضا لصرف العمر إلى تعلمه وممارسته ~~وقبل ذلك لا يفهمه فالمشغولون بالدنيا وبالعلوم التي ليست من قبيل معرفة ~~الله عاجزون عن معرفة الأمور الإلهية عجز كافة المعرضين عن الصناعات عن ~~فهمها ، بل عجز الصبي الرضيع عن الاعتذار بالخبز واللحم لقصور في فطرته لا ~~لعدم الخبز واللحم ولا لأنه قاصر على تغذية الأقوياء ، لكن طبع الضعفاء ~~قاصر عن التغذي به فمن أطعم الصبي الضعيف اللحم والخبز وأمكنه من تناوله ~~فقد أهلكه ، وكذلك العوام إذا طلبوا ms395 بالسؤال هذه المعاني يجب زجرهم ومنعهم ~~وضربهم بالدرة كنا كان يفعله عمر رضي الله عنه بكل من سأل عن الآيات ~~المتشابهات ، وكما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإنكار على قوم رآهم خاضوا PageV01P305 # في مسألة القدر وسألوا عنه ، فقال صلى الله عليه وسلم : " فبهذا أمرتم" وقال ~~: " إنما هلك من كان قبلكم بكثرة السؤال" أو لفظ هذا معناه كما اشتهر في ~~الخبر. ولهذا أقول يحرم على الوعاظ على رءوس المنابر الجواب عن هذه الأسئلة ~~بالخوض في التأويل والتفصيل ، بل الواجب عليهم الاقتصار على ما ذكرناه ~~وذكره السلف ، وهو المبالغة في التقديس ونفي التشبيه وأنه تعالى منزه عن ~~الجسمية وعوارضها وله المبالغة في هذا بما أراد حتى يقول : كل ما خطر ~~ببالكم وهجس في ضميركم وتصور في خاطركم فإنه تعالى خالقها وهو منزه عنها ~~وعن مشابهتها وأن ليس المراد بالأخبار شيئا من ذلك ، وأما حقيقة المراد ~~فلستم من أهل معرفتها والسؤال عنها ، فاشتغلوا بالتقوى فما أمركم الله ~~تعالى به فافعلوه وما نهاكم عنه فاجتنبوه وهذا قد نهيتم عنه فلا تسألوا عنه ~~ومهما سمعتم شيئا من ذلك فاسكتوا وقولوا : آمنا وصدقنا وما أوتينا من العلم ~~إلا قليلا ، وليس هذا من جملة ما أوتيناه. # الوظيفة الخامسة : الإمساك عن التصرف في ألفاظ واردة يجب على عموم الخلق ~~الجمود على ألفاظ هذه الأخبار والإمساك عن التصرف فيها من ستة أوجه : ~~التفسير ، والتأويل ، والتصرف ، والتفريع ، والجمع ، والتفريق. # الأول : التفسير وأعني به تبديل اللفظ بلغة أخرى يقوم مقامها في العربية ~~أو معناها بالفارسية أو التركية ، بل لا يجوز النطق إلا باللفظ الوارد لأن ~~من الألفاظ العربية ما لا يوجد لها فارسية تطابقها. ومنها ما يوجد لها ~~فارسية تطابقها لكن ما جرت عادة الفرس باستعارتها للمعاني التي جرت عادة ~~العرب باستعارتها منها. ومنها ما يكون مشتركا في العربية ولا يكون في ~~العجمية كذلك. # أما الأول : مثاله لفظ الاستواء فإنه ليس له في الفارسية لفظ مطابق يؤدي ~~بين الفرس من المعنى الذي يؤديه لفظ الاستواء بين العرب بحيث ms396 لا يشتمل على ~~مزيد إيهام إذ فارسيته أن يقال راستا باستان وهذان لفظان : الأول : ينبئ عن ~~انتصاب واستقامة فيما يتصور أن ينحني ويعوج. # والثاني : ينبئ عن سكون وثابت فيما يتصور أن يتحرك ويضطرب وإشعاره بهذه ~~المعاني وإشارته إليها في العجمية أظهر من إشعار لفظ الاستواء وإشارته ~~إليها ، فإذا تفاوت في الدلالة والإشعار لم يكن هذا مثل الأول وإنما تجوز ~~تبديل اللفظ بمثله المرادف له الذي لا يخالفه بوجه من الوجوه لا بما يباينه ~~أو يخالفه ولو بأدنى شيء وأدقه وأخفاه. # ومثال الثاني : أن الإصبع يستعار في لسان العرب للنعمة يقال لفلان عندي ~~إصبع أي نعمة ومعناها بالفارسية انكشفت وما جرت عادة العجم بهذه الاستعارة ~~، وتوسع العرب في التجوز والاستعارة أكثر من توسع العجم بل لا نسبة لتوسع ~~العرب إلى جمود العجم ، فإذا أحسن إرادة المعنى المستعار له في العرب وسمج ~~ذلك في العجم نفر القلب عما سمج ومجه السمع ولم يمل إليه ، فإذا تفاوتا لم ~~يكن التفسير تبديلا بالمثل بل بالخلاف ولا يجوز التبديل إلا بالمثل. # مثال الثالث : العين فإن من فسره بأظهر معانيه ، فيقول هو جسم وهو مشترك ~~في لغة العرب بين PageV01P306 # العضو الناصر وبين الماء والذهب والفضة ، وليس اللفظ اسم وهو مشترك هذا ~~الاشتراك وكذلك لفظ الجنب والوجه يقرب منه ، فلأجل هذا نرى المنع من ~~التبديل والاقتصار على العربية ، فإن قيل : هذا التفاوت إن ادعيتموه في ~~جميع الألفاظ فهو غير صحيح إذ لا فرق بين قولك خبز ونان وبين قولك لحم ~~وگوشت ، وإن اعترف بأن ذلك في البعض فامنع من التبديل عند التفاوت لا عند ~~التماثل ، فالجواب الحق أن التفاوت في البعض لا في الكل فلعل لفظ اليد ولفظ ~~دست يتساويان في اللغتين وفي الاشتراك والاستعارة وسائر الأمور ولكن إذا ~~انقسم إلى ما يجوز وإلى ما لا يجوز وليس إدراك التمييز بينهما والوقوف على ~~دقائق التفاوت جليا سهلا يسيرا على كافة الخلق بل يكثر فيه الإشكال ولا ~~يتميز محل التفاوت عن محل التعادل ، فنحن بين أن نحسم الباب ms397 احتياطا إذ لا ~~حاجة ولا ضرورة إلى التبديل وبين أن نفتح الباب ونقحم عموم الخلق ورطة ~~الخطر ، فليت شعري أي الأمرين أعزم وأحوط ، والمنظور فيه ذات الإله وصفاته ~~وما عندي أن عاقلا متدينا لا يقر بأن هذا الأمر مخطر ، فإن الخطر في الصفات ~~الإلهية يجب اجتنابه. كيف وقد أوجب الشرع على الموطوءة العدة البراءة الرحم ~~وللحذر من خلط الأنساب احتياطا لحكم الولاية والوراثة وما يترتب على النسب ~~، فقالوا مع ذلك تجب العدة على العقيم والآيسة والصغيرة وعند العزل ، لأن ~~باطن الأرحام إنما يطلع عليه علام الغيوب فإنه يعلم ما في الأرحام ، فلو ~~فتحنا باب النظر إلى التفصيل كنا راكبين متن الخطر فإيجاب العدة حيث لا ~~علوق أهون من ركوب هذا الخطر ، فكما أن إيجاب العدة حكم شرعي فتحريم تبديل ~~العربية حكم شرعي عن ثبت بالاجتهاد وترجيح طريق الأول ، ويعلم أن الاحتياط ~~في الخبر عن الله وعن صفاته وعما أراده بألفاظ القرآن أهم وأولى من ~~الاحتياط في العدة وكل ما احتاط به الفقهاء من هذا القبيل. # أما التصرف الثاني : التأويل ، وهو بيان معناه بعد إزالة ظاهره وهذا إما ~~يقع من العامي نفسه ، أو من العارف مع العامي ، أو من العارف مع نفسه وبينه ~~وبين ربه ، فهذه ثلاثة مواضع. # الأول : تأويل العامي على سبيل الاشتغال بنفسه وهو حرام يشبه خوض البحر ~~المغرق ممن لا يحسن السباحة. ولا شك في تحريم ذلك ، وبحر معرفة الله أبعد ~~غورا وأكثر معاطب ومهالك من بحر الماء ، لأن هلاك هذا البحر لا حياة بعده ~~وهلاك بحر الدنيا لا يزيل إلا الحياة الفانية وذلك يزيل الحياة الأبدية ~~فشتان بين الخطرين. # الموضع الثاني : أن يكون ذلك من العالم مع العامي وهو أيضا ممنوع ، ~~ومثاله : أن يجر السباح الغواص في البحر مع نفسه عاجزا عن السباحة مضطرب ~~القلب والبدن وذلك حرام لأنه عرضة لخطر الهلاك فإنه لا يقوى على حفظه في ~~لجة البحر ، وإن قدر على حفظه في القرب من الساحل ولو أمره بالوقوف بقرب ~~الساحل لا يطيعه ، وإن أمره ms398 بالسكون عند التطام الأمواج واقبال التماسيح ~~وقد فغرت فاها للالتقام اضطرب قلبه وبدنه ولم يسكن على حسب مراده لقصور ~~طاقته ، وهذا هو المثال الحق للعالم إذا فتح للعامي باب التأويلات والتصرف ~~في خلاف الظواهر ، وفي معنى العوام الأديب والنحوي والمحدث والمفسر والفقيه ~~والمتكلم بل PageV01P307 # كل عالم سوى المتجردين لعلم السباحة في بحار المعرفة القاصرين أعمارهم ~~عليه ، الصارفين وجوههم عن الدنيا والشهوات ، المعرضين عن المال والجاه ~~والخلق وسائر اللذات ، المخلصين لله تعالى في العلوم والأعمال ، بجميع حدود ~~الشريعة وآدابها في القيام بالطاعات وترك المنكرات ، المفرغين قلوبهم ~~بالجملة عن غير الله تعالى لله ، المستحقرين للدنيا بل الآخرة والفردوس ~~الأعلى في جنب محبة الله تعالى ، فهؤلاء هم أهل الغوص في بحر المعرفة وهم ~~مع ذلك كله على خطر عظيم يهلك من العشرة تسعة إلى أن يسعد واحد بالدر ~~المكنون والسر المخزون ، أولئك الذين سبقت لهم من الله الحسنى فهم الفائزون ~~: ( @QUR@07 وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون ) [القصص : 69]. # الموضع الثالث : تأويل العارف مع نفسه في سر قلبه بينه وبين ربه وهو على ~~ثلاثة أوجه ، فإن الذي انقدح في سره أن المراد من لفظ الاستواء والفوق مثلا ~~إما أن يكون مقطوعا به أو مشكوكا فيه أو مظنونا ظنا غالبا. فإن كان قطعيا ~~فليعتقده ، وإن كان مشكوكا فليجتنبه ولا يحكمن على مراد الله ورسوله ~~صلى الله عليه وسلم من كلامه باحتمال يعارضه مثله من غير ترجيح ، بل الواجب ~~على الشاك التوقف ، وإن كان مظنونا فاعلم أن للظن متعلقين : أحدهما : أن ~~المعنى الذي انقدح عنده هل هو جائز في حق الله تعالى أم هو محال؟ والثاني : ~~أن يعلم قطعا جوازه لكن تردد في أنه هل هو مراده أم لا؟ # مثال الأول : تأويل لفظ الفوق بالعلو المعنوي الذي هو المراد بقولنا : ~~السلطان فوق الوزير ، فإنا لا نشك في ثبوت معناها لله تعالى لكنا ربما ~~نتردد في أن لفظ الفوق في قوله ( @QUR@04 يخافون ربهم من فوقهم ) [النحل : ~~50]. هل أريد به العلو المعنوي أم أريد به معنى آخر يليق ms399 بجلال الله تعالى ~~دون العلو بالمكان الذي هو محال على ما ليس بجسم ولا هو صفة في جسم. # ومثال الثاني : تأويل لفظ الاستواء على العرش ، بأنه أراد به النسبة ~~الخاصة التي للعرش ونسبته أن الله تعالى يتصرف في جميع العالم ويدبر الأمر ~~من السماء إلى الأرض بواسطة العرش فإنه لا يحدث في العالم صورة ما لم يحدثه ~~في العرش ، كما لا يحدث النقاش والكاتب صورة وكلمة على البياض ما لم يحدثه ~~في الدماغ ، بل لا يحدث البناء صورة الأبنية ما لم يحدث صورتها في الدماغ ، ~~فبواسطة الدماغ يدبر القلب أمر عالمه الذي هو بدنة فربما نتردد في أن إثبات ~~هذه النسبة للعرش إلى الله تعالى هل جائز ، إما لوجود في نفسه أو لأنه أجرى ~~به سنته وعادته وإن لم يكن خلافه محالا كما أجرى عادته في حق قلب الإنسان ~~بأن لا يمكنه التدبير إلا بواسطة الدماغ ، وإن كان في قدرة الله تعالى ~~تمكينه منه دون الدماغ لو سبقت به إرادته الأزلية وحقت به الكلمة القديمة ~~التي هي علمه فصار خلافه ممتنعا لا لقصور في ذات القدرة لكن لاستحالة ما ~~يخالف الإرادة القديمة والعلم السابق الأزلي ، ولذلك قال : ( @QUR@05 ولن ~~تجد لسنة الله تبديلا ) [الأحزاب : 62 ، الفتح : 23]. وإنما لا تتبدل ~~لوجوبها وإنما وجوبها لصدورها عن إرادة أزلية واجبة ، ونتيجة الواجب واجبة ~~ونقيضها محال وإن لم يكن محالا في PageV01P308 # ذاته ، ولكنه محال لغيره وهو إفضاؤه إلى أن ينقلب العلم الأولي جهلا ~~ويمنع نفوذ المشيئة الأزلية ، فإذا إثبات هذه النسبة لله تعالى مع العرش في ~~تدبير المملكة بواسطته إن كان جائزا عقلا ، فهل واقع وجودا؟ هذا مما قد ~~يتردد فيه الناظر وربما يظن وجوده هذا مثال الظن في نفس المعنى ، والأول ~~مثال الظن في كون المعنى مرادا باللفظ مع كون المعنى في نفسه صحيحا جائزا ~~وبينهما فرقان ، لكن كل واحد من الظنين إذا انقدح في النفس وحاك في الصدر ~~فلا يدخل تحت الاختيار دفعة عن النفس ولا يمكنه أن يظن ، فإن للظن أسبابا ~~ضرورية ms400 لا يمكن دفعها ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها ، لكن عليه وظيفتان : # إحداهما : أن لا يدع نفسه تطمئن إليه جزما من غير شعور بإمكان الغلط فيه ~~، ولا ينبغي أن يحكم من نفسه بموجب ظنه حكما جازما. # والثانية : أنه إن ذكره لم يطلق القول بأن المراد بأن بالاستواء كذا ، أو ~~المراد بالفوق كذا ، لأنه حكم بما لا يعلم ، وقد قال الله تعالى : ( ~~@QUR@07 ولا تقف ما ليس لك به علم ) [الإسراء : 36]. لكن يقول : أنا أظن ~~أنه كذا فيكون صادقا في خبره عن نفسه وعن ضميره ، ولا يكون حكما على صفة ~~الله ولا على مراده بكلامه ، بل حكما على نفسه ونبأ عن ضميره ، فإن قيل : ~~وهل يجوز ذكر هذا الظن مع كافة الخلق والتحدث به كما اشتمل ضميره ، وكذلك ~~لو كان قاطعا ، فهل له أن يتحدث به؟ قلنا : تحدثه به إنما يكون على أربعة ~~أوجه : فإما أن يكون مع نفسه أو مع من هو مثله في الاستبصار أو مع من هو ~~مستعد للاستبصار بذكائه وفطنته وتجرده لطلب معرفة الله تعالى ، أو مع ~~العامي فإن كان قاطعا فله أن يحدث نفسه به ويحدث من هو مثله في الاستبصار ~~أو من هو متجرد لطلب المعرفة مستعد له خال عن الميل إلى الدنيا والشهوات ~~والتعصبات للمذاهب وطلب المباهاة بالمعارف والتظاهر بذكرها مع العوام. فمن ~~اتصف بهذه الصفات فلا بأس بالتحدث معه لأن الفطن المتعطش إلى المعرفة ~~للمعرفة لا لغرض آخر يحيك في صدره أشكال الظواهر وربما يلقيه في تأويلات ~~فاسدة لشدة شرهه على الفرار عن مقتضى الظواهر ومنع العلم أهله. علم. كبثه ~~إلى غير أهله ، وأما العامي فلا ينبغي أن يحدث به وفي معنى العامي كل من لا ~~يتصف بالصفات المذكورة ، بل مثاله ما ذكرناه من إطعام الرضيع الأطعمة ~~القوية التي لا يطيقها. وأما المظنون فتحدثه مع نفسه اضطرار فإن ما ينطوي ~~عليه الذهن من ظن وشك وقطع لا زالت النفس تتحدث به ولا قدرة على الخلاص منه ~~، فلا منع منه ولا شك في منع التحدث ms401 به مع العوام ، بل هو أولى بالمنع من ~~المقطوع. أما تحدثه مع من هو في مثل درجته في المعرفة أو مع المستعد له ~~ففيه نظر ، فيحتمل أن يقال هو جائز ولا يزيد على أن يقول أظن كذا وهو صادق ~~، ويحتمل المنع لأنه قادر على تركه وهو بذكره متصرف بالظن في صفة الله ~~تعالى أو في مراده من كلامه وفيه خطر ، وإباحته تعرف بنص أو إجماع أو قياس ~~على منصوص ولم يرد شيء من ذلك بل ورد قوله تعالى : ( @QUR@04 ولا تقف ما ليس PageV01P309 # @QUR@03 لك به علم ) [الإسراء : 36]. فإن قيل يدل على الجواز ثلاثة أمور : # الأول : الدليل الذي دل على إباحة الصدق وهو صادق ، فإنه ليس يخبر إلا عن ~~ظنه وهو ظان. # والثاني : أقاويل المفسرين في القرآن بالحدس والظن ، إذ كل ما قالوه غير ~~مسموع من الرسول صلى الله عليه وسلم ، بل هو مستنبط بالاجتهاد ولذلك كثرت ~~الأقاويل وتعارضت. # والثالث : اجماع التابعين على نقل الأخبار المتشابهة التي نقلها آحاد ~~الصحابة ولم تتواتر ، وما اشتمل عليه الصحيح الذي نقله العدل عن العدل ~~فإنهم جوزوا روايته ولا يحصل بقول العدل إلا الظن. # والجواب عن الأول : أن المباح صدق لا يخشى منه ضرر ، وبث هذه الظنون لا ~~يخلو عن ضرر فقد يسمعه من يسكن إليه ويعتقده جزما فيحكم في صفات الله تعالى ~~بغير علم وهو خطر والنفوس نافرة عن أشكال الظواهر ، فإذا وجد مستروحا من ~~المعنى ولو كان مظنونا سكن إليه واعتقد جزما ، وربما يكون غلطا فيكون قد ~~اعتقد في صفات الله تعالى ما هو الباطل أو حكم عليه في كلامه بما لم يرد به. # وأما الثاني : وهو أقاويل المفسرين بالظن فلا نسلم ذلك فيما هو من صفات ~~الله تعالى كالاستواء والفوق وغيره ، بل لعل ذلك في الأحكام الفقهية أو في ~~حكايات أحوال الأنبياء والكفار والمواعظ والأمثال وما لا يعظم خطر الخطأ فيه. # وأما الثالث : فقد قال قائلون لا يجوز أن يعتمده في هذا الباب إلا ما ورد ~~في القرآن أو تواتر عن الرسول صلى ms402 الله عليه وسلم تواترا يعيد العلم. فأما ~~أخبار الآحاد ، فلا يقبل فيه ولا نشتغل بتأويله عند من يميل إلى التأويل ، ~~ولا بروايته عند من يقتصر على الرواية ، لأن ذلك حكم بالمظنون واعتماد عليه ~~، وما ذكروه ليس ببعيد لكنه مخالف لظاهر ما درج عليه السلف ، فإنهم قبلوا ~~هذه الأخبار من العدول ورووها وصححوها فالجواب من وجهين : # أحدهما : أن التابعين كانوا قد عرفوا من أدلة الشرع أنه لا يجوز اتهام ~~العدل بالكذب لا سيما في صفات الله تعالى ، فإذا روى الصديق رضي الله عنه ~~خبرا ، وقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كذا فرد روايته تكذيب له ~~ونسبة له إلى الوضع أو إلى السهو فقبلوه وقالوا : قال أبو بكر ، قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ، قال أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذا في ~~التابعين ، فالآن إذا ثبت عندهم بأدلة الشرع أنه لا سبيل إلى اتهام العدل ~~التقي من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ، فمن أين يجب أن لا يتهم ظنون ~~الآحاد وأن ينزل الظن منزلة نقل العدل مع أن بعض الظن إثم. فإذا قال الشارع ~~: ما أخبركم به العدل فصدقوه واقبلوه وانقلوه واظهروه فلا يلزم من هذا أن ~~يقال ما حدثتكم به نفوسكم من ظنونكم فاقبلوه واظهروه وارووا عن ظنونكم ~~وضمائركم ونفوسكم ما قالته ، فليس هذا في معنى المنصوص ، ولهذا تقول ما ~~رواه غير العدل من هذا الجنس ينبغي أن يعرض عنه ولا يروى ويحتاط فيه أكثر ~~مما يحتاط في المواعظ والأمثال وما يجري مجراها. # والجواب الثاني : أن تلك الأخبار روتها الصحابة لأنهم سمعوه يقينا فما ~~نقلوا إلا تيقنوه والتابعون PageV01P310 # قبلوه ورووه ، وما قالوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا ، بل قالوا : ~~قال فلان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكانوا صادقين ، وما أهملوا ~~روايته لاشتمال كل حديث على فوائد سوى اللفظ الموهم عند العارف معنى حقيقيا ~~يفهمه منه ليس ذلك ظنيا في حقه. مثاله رواية الصحابي عن رسول الله ~~صلى الله ms403 عليه وسلم قوله : " ينزل الله تعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول ~~هل من داع فأستجيب له ، هل من مستغفر فأغفر له" ، الحديث. فهذا الحديث سيق ~~لنهاية الترغيب في قيام الليل وله تأثير عظيم في تحريك الدواعي للتجهد الذي ~~هو أفضل العبادات ، فلو ترك هذا الحديث لبطلت هذه الفائدة العظيمة ولا سبيل ~~إلى إهمالها وليس فيه إلا إيهام لفظ النزول عند الصبي ، والعامي الجاري ~~مجرى الصبي ، وما أهون على البصير أن يغرس في قلب العامي التنزيه والتقديس ~~عن صورة النزول بأن يقول له : إن كان نزوله إلى السماء الدنيا ليسمعنا ~~نداءه وقوله فما أسمعنا فأي فائدة في نزوله ، ولقد كان يمكنه أن ينادينا ~~كذلك وهو على العرش أو على السماء العليا ، فهذا القدر يعرف العامي أن ظاهر ~~النزول باطل بل مثاله أن يريد من في المشرق إسماع شخص في المغرب ومناداته ، ~~فيتقدم إلى المغرب بأقدام معدودة وأخذ يناديه وهو يعلم أنه لا يسمع ، فيكون ~~نقله الأقدام عملا باطلا وفعلا كفعل المجانين ، فكيف يستقر مثل هذا في قلب ~~عاقل ، بل يضطر بهذا القدر كل عامي إلى أن يتيقن نفي صورة النزول ، وكيف ~~وقد علم استحالة الجسمية عليه واستحالة الانتقال على غير الأجسام كاستحالة ~~النزول من غير انتقال ، فإذا الفائدة في نقل هذه الأخبار عظيمة والضرر يسير ~~، فأنى يساوي هذا حكاية الظنون المنقدحة في الأنفس ، فهذه سبل تجاذب طرق ~~الاجتهاد في إباحة ذكر التأويل المظنون أو المنع ، ولا يبعد ذكر وجه ثالث ~~وهو أن ينظر إلى قرائن حال السائل والمستمع ، فإن علم أنه ينتفع به ذكره ، ~~وإن علم أنه يتضرر تركه ، وإن ظن أحد الأمرين كان ظنه كالعلم في إباحة ~~الذكر ، وكم من إنسان لا تتحرك داعيته باطنا إلى معرفة هذه المعاني ولا ~~يحيك في نفسه إشكال من ظواهرها ، فذكر التأويل معه مشوش ، وكم من إنسان ~~يحيك في نفسه إشكال الظاهر حتى يكاد أن يسوء اعتقاده في الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وينكر قوله الموهم ، فمثل هذا لو ذكر معه الاحتمال المظنون ms404 ~~بل مجرد الاحتمال الذي ينبو عنه اللفظ انتفع به ولا بأس بذكره معه فإنه ~~دواء لدائه ، وإن كان داء في غيره ، ولكن لا ينبغي أن يذكر على رءوس ~~المنابر لأن ذلك يحرك الدواعي الساكنة من أكثر المستمعين ، وقد كانوا عنه ~~غافلين وعن إشكاله منفكين ، ولما كان زمان السلف الأول زمان سكون القلب ~~بالغوا في الكف عن التأويل خيفة من تحريك الدواعي وتشويش القلوب ، فمن ~~خالفهم في ذلك الزمان فهو الذي حرك الفتنة وألقى هذه الشكوك في القلوب مع ~~الاستغناء عنه فباء بالإثم. أما الآن وقد فشا ذلك في بعض البلاد فالعذر في ~~إظهار شيء من ذلك رجاء لإماطة الأوهام الباطلة عن القلوب أظهر واللوم عن ~~قائله أقل فإن قيل فقد فرقتم بين التأويل المقطوع والمظنون فبما ذا يحصل ~~القطع بصحة التأويل؟ قلنا بأمرين : # أحدهما : أن يكون المعنى مقطوعا ثبوته لله تعالى كفوقية المرتبة. # الثاني : أن لا يكون اللفظ محتملا إلا لأمرين وقد بطل أحدهما وتعين ~~الثاني مثاله قوله تعالى: ( @QUR@04 وهو القاهر فوق عباده ) [الأنعام : ~~18]. فإنه إن ظهر في وضع اللسان أن الفوق لا يحتمل إلا PageV01P311 # فوقية المكان أو فوقية الرتبة ، وقد بطل فوقية المكان لمعرفة التقديس لم ~~يبق إلا فوقية الرتبة كما يقال: السيد فوق العبد ، والزوج فوق الزوجة ، ~~والسلطان فوق الوزير ، فالله فوق عباده بهذا المعنى وهذا كالمقطوع به في ~~لفظ الفوق وأنه لا يستعمل لسان العرب إلا في هذين المعنيين ، أما لفظ ~~الاستواء إلى السماء وعلى العرش ربما لا ينحصر مفهومه في اللغة هذا ~~الانحصار ، وإذا تردد بين ثلاثة معان معنيان جائزان على الله تعالى ومعنى ~~واحد وهو الباطل ، فتنزيله على أحد المعنيين الجائزين أن يكون بالظن ~~وبالاحتمال المجرد وهذا تمام النظر في الكف عن التأويل. # التصرف الثالث : الذي يجب الإمساك عنه التصريف ، ومعناه أنه إذا ورد قوله ~~تعالى : ( @QUR@03 استوى على العرش ). فلا ينبغي أن يقال مستو ويستوي ، ~~لأن المعنى يجوز أن يختلف لأن دلالة قوله هو مستو على العرش على الاستقرار ~~أظهر من قوله : ( @QUR@09 رفع السماوات بغير ms405 عمد ترونها ثم استوى على العرش ~~) [الرعد : 2]. بل هو كقوله : ( @QUR@010 خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم ~~استوى إلى السماء ) [البقرة : 29]. فإن هذا يدل على استواء قد انقضى من ~~إقبال على خلقه أو على تدبير المملكة بواسطته ، ففي تغيير التصاريف ما يوقع ~~في تغيير الدلالات والاحتمالات ، فليجتنب التصريف كما يجتنب الزيادة فإن ~~تحت التصرف الزيادة والنقصان. # التصرف الرابع : الذي يجب الإمساك عنه القياس والتفريغ مثل : أن يرد لفظ ~~اليد فلا يجوز إثبات الساعد والعضد والكف مصيرا إلى أن هذا من لوازم اليد ، ~~وإذا ورد الأصبع لم يجز ذكر الأنملة كما لا يجوز ذكر اللحم والعظم والعصب ، ~~وإن كانت اليد المشهورة لا تنفك عنه وأبعد من هذه الزيادة إثبات الرجل عند ~~ورود اليد ، وإثبات الفم عند ورود العين أو عند ورود الضحك ، وإثبات الأذن ~~والعين عند ورود السمع والبصر ، وكل ذلك محال وكذب وزيادة ، وقد يتجاسر بعض ~~الحمقى من المشبهة الحشوية فلذلك ذكرناه. # التصرف الخامس : لا يجمع بين متفرق ، ولقد بعد عن التوفيق من صنف كتابا ~~في جمع الأخبار خاصة ورسم في كل عضو بابا فقال : باب في إثبات الرأس وباب ~~في اليد إلى غير ذلك ، وسماه : كتاب الصفات. فإن هذه كلمات متفرقة صدرت من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في أوقات متفرقة متباعدة اعتمادا على قرائن ~~مختلفة تفهم السامعين معنا صحيحة ، فإذا ذكرت مجموعة على مثال خلق الإنسان ~~صار جمع تلك المتفرقات في السمع دفعة واحدة عظيمة في تأكيد الظاهر وإيهام ~~التشبيه وصار الإشكال في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نطق بما يوهم ~~خلاف الحق أعظم في النفس وأوقع ، بل الكلمة الواحدة يتطرق إليها الاحتمال ، ~~فإذا اتصل بها ثانية وثالثة ورابعة من جنس واحد صار متواليا يضعف الاحتمال ~~بالإضافة إلى الجملة ، ولذلك يحصل من الظن بقول المخبرين وثلاثة ما لا يحصل ~~بقول الواحد ، بل يحصل من العلم القطعي بخبر التواتر ما لا يحصل بالآحاد ~~ويحصل من وكل ذلك نتيجة الاجتماع إذ يتطرق الاحتمال إلى قول كل ms406 عدل وإلى كل ~~واحدة من القرائن ، فإذا انقطع الاحتمال أو ضعف فلذلك لا يجوز جمع ~~المفترقات. # التصرف السادس : التفريق بين المجتمعات فكما لا يجمع بين متفرقة فلا يفرق بين PageV01P312 # مجتمعة ، فإن كل كلمة سابقة على كلمة أو لاحقة لها مؤثرة في تفهم معناه ~~مطلقا ومرجحة الاحتمال الضعيف فيه ، فإذا فرقت وفصلت سقطت دلالتها مثال ~~قوله تعالى : ( @QUR@04 وهو القاهر فوق عباده ) [الأنعام : 18]. لا تسلط ~~على أن يقول القائل هو فوق ، لأنه إذا ذكر القاهر قبلة ظهر دلالة الفوق على ~~الفوقية التي للقاهر مع المقهور وهي فوقية الرتبة ولفظ القاهر يدل عليه بل ~~يجوز أن يقول وهو القاهر فوق غيره ، بل ينبغي أن يقول فوق عبادة لأن ذكر ~~العبودية في وصفه في الله فوقه يؤكد احتمال فوقية السيادة إذ لا يحسن أن ~~يقال زيد فوق عمر. وقبل أن يتبين تفاوتهما في معنى السيادة والعبودية أو ~~غلبة القهر أو نفوذ الأمر بالسلطنة أو بالأبوة أو بالزوجية ، فهذه الأمور ~~يغفل عنها العلماء فضلا عن العوام ، فكيف يسلط العوام في مثل ذلك على ~~التصرف بالجمع والتفريق والتأويل والتفسير وأنواع التغيير ، ولأجل هذه ~~الدقائق بالغ السلف في الجمود والاقتصار على موارد التوقيف كما ورد على ~~الوجه الذي ورد وباللفظ الذي ورد والحق ما قالوه والصواب ما رأوه ، فأهم ~~المواضع بالاحتياط ما هو تصرف في ذات الله وصفاته ، وأحق المواضع بإلجام ~~اللسان وتقييده عن الحريان فيما يعظم فيه الخطر وأي خطر أعظم من الكفر. # الوظيفة السادسة : في الكف بعد الإمساك. وأعني بالكف كف الباطن عن التفكر ~~في هذه الأمور ، فذلك واجب عليه كما وجب عليه إمساك اللسان عن السؤال ~~والتصرف ، وهذا أثقل الوظائف وأشدها وهو واجب كما وجب على العاجز الزمن أن ~~يخوض غمرة البحار ، وإن كان يتقاضاه طبعه أن يغوص في البحار ويخرج دررها ~~وجواهرها ، ولكن لا ينبغي أن تغره نفاسة جواهرها مع عجزه عن نيلها ، بل ~~ينبغي أن ينظر إلى عجزه وكثرة معاطبها ومهالكها ويتفكر أنه إن فاته نفائس ~~البحار فما فاته إلا زيادات وتوسعات ms407 في المعيشة وهو مستغن عنها ، فإن غرق ~~أو التقمه تمساح فإنه أصل الحياة. فإن قلت : إن لم ينصرف قلبه من التفكر ~~والتشوف إلى البحث فما طريقه؟ قلت : طريقه أن يشغل نفسه بعبادة الله ~~وبالصلاة وقراءة القرآن والذكر ، فإن لم يقدر فبعلم آخر لا يناسب هذا الجنس ~~من لغة أو نحو أو خط أو طب أو فقه ، فإن لم يمكنه فبحرفة أو صناعة ولو ~~الحراثة والحياكة ، فإن لم يقدر فبلعب ولهو وكل ذلك خير له من الخوض في هذا ~~البحر البعيد غوره وعمقه العظيم خطره وضرره ، بل لو اشتغل العامي بالمعاصي ~~البدنية ربما كان أسلم له من أن يخوض في البحث عن معرفة الله تعالى ، فإن ~~ذلك غايته الفسق وهذا عاقبته الشرك ( @QUR@013 إن الله لا يغفر أن يشرك به ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) [النساء : 116]. # فإن قلت : العامي إذا لم تكن نفسه إلى الاعتقادات الدينية إلا بدليل ، ~~فهل يجوز أن يكون له الدليل فإن جوزت ذلك فقد رخصت له في التفكر والنظر ، ~~وأي فرق بينه وبين غيره؟ # الجواب : أني أجوز له أن يسمع الدليل على معرفة الخالق ووحدانيته وعلى ~~صدق الرسول وعلى اليوم الآخر ولكن بشرطين : أحدهما : أن لا يزاد معه على ~~الأدلة التي في القرآن. والآخر : أن لا يماري فيه مراء ظاهرا ولا يتفكر فيه ~~إلا تفكرا سهلا جليا ولا يمعن في التفكر PageV01P313 # ولا يوغل غاية الإيغال في البحث ، وأدلة هذه الأمور الأربعة ما ذكر في ~~القرآن. # أما الدليل على معرفة الخالق فمثل قوله تعالى : ( @QUR@024 قل من يرزقكم ~~من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج ~~الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله ) [يونس : 31]. وقوله : ( ~~@QUR@043 أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من ~~فروج* والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج* ~~تبصرة وذكرى لكل عبد منيب* ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات ~~وحب الحصيد* والنخل باسقات لها طلع نضيد ) [ق : 6 10]. وكقوله : ( @QUR@023 ~~فلينظر الإنسان ms408 إلى طعامه* أنا صببنا الماء صبا* ثم شققنا الأرض شقا* ~~فأنبتنا فيها حبا* وعنبا وقضبا* وزيتونا ونخلا* وحدائق غلبا* وفاكهة وأبا ) ~~[عبس : 24. 31]. وقوله : ( @QUR@06 ألم نجعل الأرض مهادا* والجبال أوتادا ) ~~. إلى قوله : ( @QUR@02 وجنات ألفافا ) [النبأ : 6. 16]. وأمثال ذلك هي ~~قريب من خمسمائة آية جمعناها في كتاب جواهر القرآن بها ينبغي أن يعرف الخلق ~~جلال الله الخالق وعظمته لا بقول المتكلمين إن الأعراض حادثة ، وإن الجواهر ~~لا تخلو عن الأعراض الحادثة ثم الحارث يفتقر إلى محدث ، فإن تلك التقسيمات ~~والمقدمات وإثباتها بأدلتها الرسمية يشوش قلوب العوام ، والدلالات الظاهرة ~~القريبة من الأفهام على ما في القرآن تنفعهم وتسكن نفوسهم وتغرس في قلوبهم ~~الاعتقادات الجازمة. # وأما الدليل على الوحدانية فيقنع فيه بما في القرآن من قوله تعالى : ( ~~@QUR@07 لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) [الأنبياء : 22]. فإن اجتماع ~~المدبرين سبب إفساد التدبير ، وبمثل قوله : ( @QUR@012 لو كان معه آلهة كما ~~يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا ) [الإسراء : 42]. وقوله تعالى : ( ~~@QUR@019 ما اتخذ اللهمن ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ~~ولعلا بعضهم على بعض ) [المؤمنون : 91]. وأما صدق الرسول فيستدل عليه بقوله ~~تعالى : ( @QUR@019 قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا ~~القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ) [الإسراء : 88]. وبقوله ~~: ( @QUR@04 فأتوا بسورة من مثله ) [البقرة : 23]. وقوله : ( @QUR@06 قل ~~فأتوا بعشر سور مثله مفتريات ) [هود : 13]. وأمثاله ، وأما اليوم الآخر : ~~فيستدل عليه بقوله تعالى : ( @QUR@012 قال من يحي العظام وهي رميم* قل ~~يحييها الذي أنشأها أول مرة ) [يس : 78 و79]. وبقوله : ( @QUR@011 أيحسب ~~الإنسان أن يترك سدى* ألم يك نطفة من مني يمنى ). إلى قوله : ( @QUR@07 ~~أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ) [القيامة : 36 و40]. وبقوله : ( ~~@QUR@013 يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ). ~~إلى قوله : ( @QUR@011 فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها ~~لمحي الموتى ) [الحج : 5]. وأمثال ذلك كثير في القرآن ، فلا ينبغي أن يزاد عليه. # فإن قيل : فهذه الأدلة التي اعتمدها المتكلمون وقرروا وجه دلالتها ، فما ms409 ~~بالهم يمتنعون عن تقرير هذه الأدلة ولا يمتنعون عنها ، وكل ذلك مدرك بنظر ~~العقل وتأمله فإن فتح للعامي باب PageV01P314 # النظر فليفتح مطلقا أو ليسد عليه طريق النظر رأسا وليكلف التقليد من غير دليل. # الجواب : إن الدلالة تنقسم إلى ما يحتاج فيه إلى تفكر وتدقيق خارج عن ~~طاقة العامي وقدرته ، وإلى ما هو جلي سابق إلى الأفهام ببادي الرأي من أول ~~النظر مما يدركه كافة الناس بسهولة ، فهذا لا خطر فيه ، وما يفتقر إلى ~~التدقيق فليس على حد وسعه ، فأدلة القرآن مثل الغذاء ينتفع به كل إنسان ، ~~وأدلة المتكلمين مثل الدواء ينتفع به آحاد الناس وتستضر به الأكثرون ، بل ~~أدلة القرآن كالماء الذي ينتفع به الصبي الرضيع والرجل القوي وسائر الأدلة ~~كالأطعمة التي ينتفع بها الأقوياء مرة ويمرضون بها أخرى ولا ينتفع بها ~~الصبيان أصلا ، ولهذا قلنا أدلة القرآن أيضا ينبغي أن يصغى إليها إصغاء إلى ~~كلام جلي ولا يمارى في الإمراء ظاهرا ، ولا يكلف نفسه تدقيق الفكر وتحقيق ~~النظر ، فمن الجلي أن من قدر على الابتداء فهو على الإعادة أقدر ، كما قال ~~: ( @QUR@09 وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه ) [الروم : 27]. ~~وأن التدبير لا ينتظم في دار واحدة بمدبرين ، فكيف ينتظم في كل العالم؟ وأن ~~من خلق علم كما قال تعالى : ( @QUR@04 ألا يعلم من خلق ) [الملك : 14]. ~~فهذه الأدلة تجري للعوام مجرى الماء الذي جعل الله منه كل شيء حي ، وما ~~أخذه المتكلمون وراء ذلك من تنقير وسؤال وتوجيه إشكال ثم اشتغال بحله فهو ~~بدعة وضرره في حق أكثر الخلق ظاهر ، فهو الذي ينبغي أن يتوقى. والدليل على ~~تضرر الخلق به المشاهدة والعيان والتجربة وما ثار من الشر منذ نبغ ~~المتكلمون وفشت صناعة الكلام مع سلامة العصر الأول من الصحابة عن مثل ذلك ، ~~ويدل عليه أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة بأجمعهم ما سلكوا في ~~المحاجة مسلك المتكلمين في تقسيماتهم وتدقيقاتهم لا لعجز منهم عن ذلك ، فلو ~~علموا أن ذلك نافع لأطنبوا فيه ولخاضوا في تحرير الأدلة ms410 خوضا يزيد على ~~خوضهم في مسائل الفرائض. # فإن قيل : إنما أعرضوا عنه لقلة الحاجة ، فإن البدع إنما نبغت بعدهم فعظم ~~حاجة المتأخرين ، وعلم الكلام راجع إلى علم معالجة المرضى بالبدع ، فلما ~~قلت في زمانهم أمراض البدع قلت عنايتهم بجميع طرق المعالجة ، فالجواب من وجهين. # أحدهما : أنهم في مسائل الفرائض ما اقتصروا على بيان حكم الوقائع ، بل ~~وضعوا المسائل وفرضوا فيها ما تنقضي الدهور ولا يقع مثله لأن ذلك مما أمكن ~~وقوعه فصفوا علمه ورتبوه قبل وقوعه إذ علموا أنه لا ضرر في الخوض فيه وفي ~~بيان حكم الواقعة قبل وقوعها ، والعناية بإزالة البدع ونزعها عن النفوس أهم ~~فلم يتخذوا ذلك صناعة لأنهم عرفوا أن الاستضرار بالخوض فيه أكثر من ~~الانتفاع ، ولو لا أنهم كانوا قد حذروا من ذلك وفهموا تحريم الخوض لخاضوا فيه. # والجواب الثاني : أنهم كانوا محتاجين إلى محاجة اليهود والنصارى في إثبات ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، وإلى إثبات البعث مع منكريه ، ثم ما زادوا في ~~هذه القواعد التي هي أمهات العقائد على أدلة القرآن ، فمن أقنعه ذلك قبلوه ~~ومن لم يقنع قتلوه وعدلوا إلى السيف والسنان بعد إفشاء أدلة وما ركبوا ظهر ~~اللجاج في وضع المقاييس العقلية وترتيب المقدمات وتحريم طريق المجادلة ~~وتذليل طرقها PageV01P315 # ومنهاجها ، كل ذلك لعلمهم بأن ذلك مثار الفتن ومنبع التشويش ومن لا يقنعه ~~أدلة القرآن لا يقمعه إلا السيف والسنان ، فيما بعد بيان الله بيان على ~~أننا ننصف ولا ننكر أن حاجة المعالجة تزيد بزيادة المرض وأن لطول الزمان ~~وبعد العهد عن عصر النبوة تأثيرا في إثارة الإشكالات وأن للعلاج طريقين : ~~أحدهما : الخوض في البيان والبرهان إلى أن يصلح واحد يفسد به اثنان ، فإن ~~صلاحه بالإضافة إلى الأكياس وفساده بالإضافة إلى البله وما أقل الأكياس وما ~~أكثر البله والعناية بالأكثرين أولى. # والطريق الثاني : طريق السلف في الكف والسكوت والعدول إلى الدرة والسوط ~~والسيف ، وذلك مما يقتنع الأكثرين وإن كان لا يقنع الأقلين ، وآية إقناعه ~~أن من يسترق من الكفار من العبيد والإماء ms411 تراهم يسلمون تحت ظلال السيوف ثم ~~يستمرون عليه حتى يصير طوعا ما كان في البداية كرها ، ويصير اعتقادا جزما ~~ما كان في الابتداء مراء وشكا ، وذلك بمشاهدة أهل الدين والمؤانسة بهم ~~وسماع كلام الله ورؤية الصالحين وخبرهم وقرائن من هذا الجنس تناسب طباعهم ~~مناسبة أشد من مناسبة الجدل والدليل ، فإذا كان كل واحد من العلاجين يناسب ~~قوما دون قوم وجب ترجيح الأنفع في الأكثر ، فالمعاصرون للطبيب الأول المؤيد ~~بروح القدس المكاشف من الحضرة الإلهية الموحى إليه من الخبير البصير بأسرار ~~عباده وبواطنهم أعرف بالأصوب والأصلح قطعا ، فسلوك سبيلهم لا محالة أولى. # الوظيفة السابعة : التسليم لأهل المعرفة وبيانه أنه يجب على العامي أن ~~يعتقد أن ما انطوى عنه من معاني هذه الظواهر وأسرارها ليس منطويا عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ، وعن الصديق ، وعن أكابر الصحابة ، وعن الأولياء ~~والعلماء الراسخين ، وأنه إنما انطوى عنه لعجزه وقصور معرفته ، فلا ينبغي ~~أن يقيس بنفسه غيره فلا تقاس الملائكة بالحدادين وليس ما يخلو عنه مخادع ~~العجائز يلزم منه أن يخلو عنه خزائن الملوك ، فقد خلق الناس أشتاتا ~~متفاوتين كمعادن الذهب والفضة وسائر الجواهر ، فانظر إلى تفاوتها وتباعد ما ~~بينهما صورة ولونا وخاصية ونفاسة ، فكذلك القلوب معادن لسائر جواهر المعارف ~~، فبعضها معدن النبوة والولاية والعمل ومعرفة الله تعالى ، وبعضها معدن ~~للشهوات البهيمية والأخلاق الشيطانية ، بل ترى الناس يتفاوتون في الحرف ~~والصناعات فقد يقدر الواحد بخفة يده وحذاقة صناعته على أمور لا يطمع الآخر ~~في بلوغ أوائله فضلا عن غايته ، ولو اشتغل بتعلمه جميع عمره. فكذلك معرفة ~~الله تعالى ، بل كما ينقسم الناس إلى جبان عاجز لا يطيق النظر إلى التطام ~~أمواج البحر وإن كان على ساحله ، وإلى من يطيق ذلك ولكن لا يمكنه الخوض في ~~أطرافه وإن كان قائما في الماء على رجله ، وإلى من يطيق ذلك لكن لا يطيق ~~رفع الرجل عن الأرض اعتمادا على السباحة ، وإلى من يطيق السباحة إلى حد ~~قريب من الشط لكن لا يطيق خوض البحر إلى لجته والمواضع ms412 المغرقة المخطرة ، ~~وإلى من يطيق ذلك لكن لا يطيق الغوص في عمق البحر إلى مستقره الذي فيه ~~نفائسه وجوهره ، فهكذا مثال بحر المعرفة وتفاوت الناس فيه مثله حذو القذة ~~من غير فرق. # فإن قيل : فالعارفون محيطون بكمال معرفة الله سبحانه حتى لا ينطوي عنهم شيء. PageV01P316 # قلنا : هيهات فقد بينا بالبرهان القطعي في كتاب المقصد الأقصى في معاني ~~أسماء الله الحسنى أنه لا يعرف الله كنه معرفته إلا الله ، وأن الخلائق وإن ~~اتسعت معرفتهم وغزر علمهم ، فإذا أضيف ذلك إلى علم الله سبحانه فما أوتوا ~~من العلم إلا قليلا ، لكن ينبغي أن يعلم أن الحضرة الإلهية محيطة بكل ما في ~~الوجود إذ ليس في الوجود إلا الله وأفعاله ، فالكل من الحضرة الإلهية كما ~~أن جميع أرباب الولايات في المعسكر حتى الحراس هم من المعسكر فهم من جملة ~~الحضرة السلطانية ، وأنت لا تفهم الحضرة الإلهية إلا بالتمثيل إلى الحضرة ~~السلطانية ، فاعلم أن كل ما في الوجود داخل في الحضرة الإلهية ، ولكن كما ~~أن السلطان له في مملكته قصر خاص وفي فناء قصره ميدان واسع ولذلك الميدان ~~عتبة يجتمع عليها جميع الرعايا ولا يمكنون من مجاوزة العتبة ولا إلى طرف ~~الميدان ثم يؤذن لخواص المملكة في مجاوزة العتبة ودخول الميدان والجلوس فيه ~~على تفاوت في القرب والبعد بحسب مناصبهم ، وربما لم يطرق إلى القصر الخاص ~~إلا الوزير وحده ، ثم إن الملك يطلع الوزير من أسرار ملكه على ما يريد ~~ويستأثر عنه بأمور لا يطلعه عليها ، فكذلك فافهم على هذا المثال تفاوت ~~الخلق في القرب والبعد من الحضرة الإلهية ، فالعتبة التي هي آخر الميدان ~~موقف جميع العوام ومردهم لا سبيل لهم إلى مجاوزتها ، فإن جاوزوا حدهم ~~استوجبوا الزجر والتنكيل ، وأما العارفون فقد جاوزوا العتبة وانسرحوا في ~~الميدان ولهم فيه جولان على حدود مختلفة في القرب والبعد وتفاوت ما بينهم ~~كثير ، وإن اشتركوا في مجاوزة العتبة وتقدموا على العوام المفترشين. وإما ~~حظيرة القدس في صدر الميدان فهي أعلى من أن يطأها أقدام العارفين وأرفع من ms413 ~~أن يمتد إليها أبصار الناظرين ، بل لا يلمح ذلك الجناب الرفيع صغير وكبير ~~إلا غص من الدهشة والحيرة طرفه فانقلب إليه البصر خاسئا وهو حسير ، فهذا ما ~~يجب على العامي أن يؤمن به جملة وإن لم يحط به تفصيلا ، فهذه الوظائف السبع ~~الواجبة على عوام الخلق في هذه الأخبار التي سألت عنها وهي حقيقة مذهب ~~السلف ، وأما الآن فنشغل بإقامة الدليل على أن الحق هو مذهب السلف. ### ||| * الباب الثاني # في إقامة البرهان على أن الحق مذهب السلف وعليه برهانان : عقلي وسمعي. ~~أما العقلي فاثنان كلي وتفصيلي. أما البرهان الكلي على أن الحق مذهب السلف ~~فينكشف بتسليم أربعة أصول هي مسلمة عند كل عاقل. # الأول : أن أعرف الخلق بصلاح أحوال العباد بالإضافة إلى حسن المعاد هو ~~النبي صلى الله عليه وسلم ، فإن ما ينتفع به في الآخرة أو يضر لا سبيل إلى ~~معرفته بالتجربة ، كما عرف الطبيب إذ لا مجال للعلوم التجريبية إلا بما ~~يشاهد على سبيل التكرر ، ومن الذي رجع من ذلك العالم فأدرك بالمشاهدة ما ~~نفع وضر وأخبر عنه ولا يدرك بقياس العقل ، فإن العقول قاصرة عن ذلك ، ~~والعقلاء بأجمعهم معترفون بأن العقل لا يهتدي إلى ما بعد الموت ولا يرشد ~~إلى وجه ضرر المعاصي ونفع الطاعات. لا سيما على سبيل التفصيل والتحديد كما ~~وردت به الشرائع بل أقروا بجملتهم أن ذلك لا يدرك إلا بنور النبوة وهي قوة ~~وراء العقل يدرك بها من أمر الغيب في PageV01P317 # الماضي والمستقبل أمور لا على طريق التعرف بالأسباب العقلية ، وهذا مما ~~اتفق عليه الأوائل من الحكماء فضلا عن الأولياء والعلماء والراسخين ~~القاصرين نظرهم على الاقتباس من حضرة النبوة المقربين بقصور كل قوة سوى هذه القوة. # الأصل الثاني : أنه صلى الله عليه وسلم أفاض إلى الخلق ما أوحى إليه من صلاح ~~العباد في معادهم ومعاشهم ، وأنه ما كتم شيئا من الوحي وأخفاه وطواه عن ~~الخلق فإنه لم يبعث إلا لذلك ، ولذلك كان رحمة للعالمين ، فلم يكن منهما ~~فيه وعرف ذلك علما ضروريا من ms414 قرائن أحواله في حرصه على إصلاح الخلق وشغفه ~~بإرشادهم إلى صلاح معاشهم ومعادهم ، فما ترك شيئا مما يقرب الخلق إلى الجنة ~~ورضاء الخالق إلا دلهم عليه وأمرهم به وحثهم عليه ولا شيئا مما يقربهم إلى ~~النار وإلى سخط الله إلا حذرهم منه ونهاهم عنه ، وذلك في العلم والعمل جميعا. # الأصل الثالث : أن أعرف الناس بمعاني كلامه وأحراهم بالوقوف على كنهه ~~ودرك أسرار الذين شاهدوا الوحي والتنزيل وعاصروه وصاحبوه ، بل لازموه آناء ~~الليل والنهار متشمرين لفهم معاني كلامه وتلقيه بالقبول للعمل به أولا ، ~~وللنقل إلى من بعدهم ثانيا ، وللتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بسماعه وفهمه ~~وحفظه ونشره ، وهم الذين حثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على السماع والفهم ~~والحفظ والأداء فقال : " نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما ~~سمعها" الحديث. فليت شعري أيتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بإخفائه وكتمانه ~~عنهم حاشا منصب النبوة عن ذلك ، أو يتهم أولئك الأكابر في فهم كلامه وإدراك ~~مقاصده أو يتهمون في إخفائه وأسراره بعد الفهم أو يتهمون في معاندته من حيث ~~العمل ومخالفته على سبيل المكابرة مع الاعتراف بتفهيمه وتكليفه. فهذه ~~الأمور لا يتسع لتقديرها عقل عاقل. # الأصل الرابع : أنهم في طول عصرهم إلى آخر أعمارهم ما دعوا الخلق إلى ~~البحث والتفتيش والتفسير والتأويل والتعرض لمثل هذه الأمور بل بالغوا في ~~زجر من خاض فيه وسأل عنه وتكلم به على ما سنحكيه عنهم ، فلو كان ذلك من ~~الدين أو كان من مدارك الأحكام وعلم الدين لأقبلوا عليه ليلا ونهارا ودعوا ~~إليه أولادهم وأهليهم وتشمروا عن ساق الجد في تأسيس أصوله وشرح قوانينه ~~تشمرا أبلغ من تشمرهم في تمهيد قواعد الفرائض والمواريث ، فنعلم بالقطع من ~~هذه الأصول أن الحق ما قالوه والصواب ما رأوه ، لا سيما وقد أثنى عليهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : " خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم ~~الذين يلونهم". وقال صلى الله عليه وسلم : " ستفترق أمتي نيفا وسبعين فرقة ~~الناجية منهم واحدة". فقيل من هم؟ فقال ms415 : " أهل السنة والجماعة". فقال" ما ~~أنا عليه الآن وأصحابي". # البرهان الثاني : هو التفصيلي. فتقول ادعينا أن الحق هو مذهب السلف وأن ~~مذهب السلف هو توظيف الوظائف السبع على عوام الخلق في ظواهر الأخبار ~~المتشابهة ، وقد ذكرنا برهان كل وظيفة معها فهو برهان كونه حقا فمن يخالف؟ ~~ليت شعري يخالف في قولنا الأول أنه يجب على العامي التقديس للحق عن التشبيه ~~ومشابهة الأجسام ، أو في قولنا الثاني إنه يجب PageV01P318 # عليه التصديق والإيمان بما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم بالمعنى الذي ~~أراده أو في قولنا الثالث إنه يجب عليه الاعتراف بالعجز عن درك حقيقة تلك ~~المعاني ، أو في قولنا الرابع إنه يجب عليه السكوت عن السؤال والخوض فيهما ~~وراء طاقته ، أو في قولنا الخامس إنه يجب عليه إمساك اللسان عن تغيير ~~الظواهر بالزيادة والنقصان والجمع والتفريق ، أو في قولنا السادس إنه يجب ~~عليه كف القلب عن التذكير فيه والفكر مع عجزه عنه ، وقد قيل لهم تفكروا في ~~الخلق ولا تفكروا في الخالق ، أو في قولنا السابع إنه يجب عليه التسليم ~~لأهل المعرفة من الأنبياء والأولياء والعلماء الراسخين فهذه أمور بيانها ~~برهانها ولا يقدر أحد على جحدها وإنكارها إن كان من أهل التمييز فضلا عن ~~العلماء والعقلاء. فهذه هي البراهين العقلية. # النمط الثاني : البرهان السمعي على ذلك ، وطريقه أن نقول : الدليل على أن ~~الحق مذهب السلف أن نقيضه بدعة والبدعة مذمومة وضلالة ، والخوض من جهة ~~العوام في التأويل ، والخوض بهم فيه من جهة العلماء بدعة مذمومة ، وكان ~~نقيضه وهو الكف عن ذلك سنة محمودة فها هنا ثلاثة أصول : # أحدها : أن البحث والتفتيش والسؤال عن هذه الأمور بدعة. # والثاني : أن كل بدعة فهي مذمومة. # والثالث : أن البدعة إذا كانت مذمومة كان نقيضها ، وهي السنة القديمة ~~محمودة ولا يمكن النزاع في شيء من هذه الأصول ، فإذا سلم ذلك ينتج أن الحق ~~مذهب السلف. # فإن قيل : فبم تنكرون على من يمنع كون البدعة مذمومة أو يمنع كون البحث ~~والتفتيش بدعة فينازع في هذين وإن لم ms416 ينازع في الثالث لظهوره؟ فنقول : ~~الدليل على إثبات الأصل الأول من كون البدعة مذمومة اتفاق الأمة قاطبة على ~~ذم البدعة وزجر المبتدع وتغيير من يعرف بالبدعة ، وهذا مفهوم على الضرورة ~~من الشرع وذلك غير واقع في محل الظن ، فذم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~البدعة علم بالتواتر بمجموع أخبار يفيد العلم القطعي جملتها ، وإن كان ~~الاحتمال يتطرق إلى آحادها ، وذلك كعلمنا بشجاعة علي رضي الله عنه ، وسخاوة ~~حاتم ، وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها وما يجري مجراه ~~، فإن علم قطعا بأخبار آحاد بلغت في الكثرة مبلغا لا يحتمل كذب ناقليها ، ~~وإن لم تكن آحاد تلك الأخبار متواترة ، وذلك مثل ما روي عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال : " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ~~من بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل ~~بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار" وقال صلى الله عليه وسلم : " اتبعوا ولا ~~تبتدعوا وإنما هلك من كان قبلكم لما ابتدعوا في دينهم وتركوا سنن أنبيائهم ~~وقالوا بآرائهم فضلوا وأضلوا" وقال صلى الله عليه وسلم : " إذا مات صاحب بدعة ~~فقد فتح على الإسلام فتح". وقال صلى الله عليه وسلم : " من مشى إلى صاحب بدعة ~~ليوقره فقد أعان على هدم الإسلام". وقال صلى الله عليه وسلم : " من أعرض عن ~~صاحب بدعة بغضا له في الله ملأ الله قلبه أمنا وإيمانا ، ومن انتهر PageV01P319 # صاحب بدعة رفع الله له مائة درجة ، ومن سلم على صاحب بدعة أو لقيه بالبشر ~~أو استقبله بما يسره فقد استخف بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ". وقال ~~صلى الله عليه وسلم : " إن الله لا يقبل لصاحب بدعة صوما ولا صلاة ولا زكاة ~~ولا حجا ولا عمرة ولا جهادا ولا صرفا ولا عدلا ، ويخرج من الإسلام كما يخرج ~~السهم من الرمية أو كما تخرج الشعرة من العجين". فهذا وأمثاله مما يجاوز حد ~~الحصر أفاد علما ضروريا بكون البدعة مذمومة. # فإن قيل : سلمنا ms417 أن البدعة مذمومة ، ولكن ما دليل الأصل الثاني وهو أن ~~هذه بدعة ، فإن البدعة عبارة عن كل محدث ، قال الشافعي رضي الله عنه ~~الجماعة في التراويح بدعة وهي بدعة حسنة ، وخوض الفقهاء في تفاريع الفقه ~~ومناظرتهم فيها مع ما أبدعوه من نقص وكسر وفساد وضع وتركيب ونحوه من فنون ~~مجادلة والزام كل ذلك مبدع لم يؤثر عن الصحابة شيء من ذلك فدل على أن ~~البدعة المذمومة ما رفعت سنة مأثورة ، ولا نسلم أن هذا رافع لسنة ثابتة ~~لكنه محدث خاض فيه الألوان إما لاشتغالهم لما هو أهم منه وإما لسلامة ~~القلوب في العصر الأول عن الشكوك والترددات فاستغنوا لذلك وخاض فيه من ~~بعدهم لمسيس الحاجة ، حيث حدثت الأهواء والبدع إلى إبطالها وإفحام منتحلها؟ # الجواب : أما ما ذكرتموه من أن البدعة المذمومة ما رفعت سنة قديمة هو ~~الحق وهذا بدعة رفعت سنة قديمة. إذ كان سنة الصحابة المنع من الخوض فيه ، ~~وزجر من سأل عنه ، والمبالغة في تأديبه ومنعه بفتح باب السؤال عن هذه ~~المسائل ، والخوض بالعوام في غمرة هذه المشكلات على خلاف ما تواتر عنهم ، ~~وقد صح ذلك عن الصحابة بتواتر النقل عند التابعين من نقلة الآثار ، وسير ~~السلف حجة لا يتطرق إليها ريب ولا شك كما تواتر خوضهم في مسائل الفرائض ~~ومشاورتهم في الوقائع الفقهية وحصل العلم به أيضا بأخبار آحاد لا يتطرق ~~الشك إلى مجموعها ، كما نقل عن عمر رضي الله عنه أنه سأل سائل عن آيتين ~~متشابهتين فعلاه بالدرة ، وكما روي أنه سأله سائل عن القرآن أهو مخلوق أم ~~لا ، فتعجب عمر من قوله فأخذ بيده حتى جاء به إلى علي رضي الله عنه ، فقال ~~: يا أبا الحسن استمع ما يقول هذا الرجل. قال : وما يقول يا أمير المؤمنين؟ ~~فقال الرجل : سألته عن القرآن أمخلوق هو أم لا؟ فوجم لها رضي الله عنه ~~وطأطأ رأسه ، ثم رفع رأسه وقال : سيكون لكلام هذا نبأ في آخر الزمان ولو ~~وليت من أمره ما وليت لضربت عنقه. # وقد روى أحمد ms418 بن حنبل هذا الحديث عن أبي هريرة ، فهذا قول علي بحضور عمر ~~وأبي هريرة رضي الله عنهم ولم يقولا له ولا أحد ممن بلغه ذلك من الصحابة ، ~~ولا عرف علي رضي الله عنه في نفسه أن هذا سؤال عن مسألة دينية وتعرف لحكم ~~كلام الله تعالى وطلب معرفة لصفة القرآن الذي هو معجزة دالة على صدق الرسول ~~، بل هو الدليل المعرف لأحكام التكليف ، فلم يستوجب طالب المعرفة هذا ~~التشديد ، فانظر إلى فراسة علي وإشرافه على أن ذلك قرع لباب الفتنة ، وأن ~~ذلك سينتشر في آخر الزمان الذي هو موسم الفتن ومطيتها بوعد PageV01P320 # رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وانظر إلى تشديده وقوله : ولو وليت لضربت ~~عنقه ، فمثل أولئك السادة الأكابر الذين شاهدوا الوحي والتنزيل واطلعوا على ~~أسرار الدين وحقائقه ، وقد قال صلى الله عليه وسلم في أحدهما : " لو لم أبعث ~~لبعث عمر". وقال في الثاني : " أنا مدينة العلم وعلي بابها". يزجرون السائل ~~عن هذا السؤال ، ثم يزعم من بعدهم من المشغوفين بالكلام والمجادلة وممن لو ~~أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه. أن الحق والصواب قبول هذا ~~السؤال والخوض في الجواب وفتح هذا الباب ، ثم يعتقد فيه أنه محق ، وفي عمر ~~وعلي أنهما مبطلان. هيهات ما أبعد عن التحصيل وما أخلى عن الدين من قاس ~~الملائكة بالحدادين ويرجح المجادلين على الأئمة الراشدين والسلف ، فإذا قد ~~عرف علي القطع أن هذه بدعة مخالفة لسنة السلف لا كخوض الفقهاء في التفاريع ~~والتفاصيل ، فإنه ما نقل عنهم زجر عن الخوض فيه ، بل إمعانهم في الخوض ، ~~وأما ما أبدع من فنون المجادلات فهي بدعة مذمومة عند أهل التحصيل ذكرنا وجه ~~ذمها في كتاب قواعد العقائد من كتب الإحياء. وأما مناظراتهم إن كان القصد ~~منها التعاون على البحث عن مأخذ الشرع ومدارك الأحكام ، فهي سنة السلف ولقد ~~كانوا يتشاورون ويتناظرون في المسائل الفقهية كما أبدعوا ألفاظا وعبارات ~~للتنبيه على مقاصدهم الصحيحة فلا حرج في العبارات بل هي مباحة لمن يستعيرها ~~ويستعملها ، وإن ms419 كان مقصدهم المذموم من النظر الإفحام دون الإعلام ، ~~والإلزام دون الاستعلام ، فذلك بدعة على خلاف السنة المأثورة. ### ||| * الباب الثالث في فصول متفرقة نافعة في هذا الفن ### ||| * فصل # إن قال قائل : ما الذي دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إطلاق هذه ~~الألفاظ الموهمة مع الاستغناء عنها ، أكان لا يدري أنه يوهم التشبيه ويغلط ~~الخلق ويسوقهم إلى اعتقاد الباطل في ذات الله تعالى وصفاته ، وحاشا منصب ~~النبوة أن يخفى عليه ذلك ، أو عرف لكن لم يبال بجهل الجهال وضلالة الضلال ، ~~وهذا أبعد وأشنع لأنه بعث شارحا لا مبهما ، ملبسا ملغزا ، وهذا إشكال له ~~وقع في القلوب حتى جر بعض الخلق إلى سوء الاعتقاد فيه فقالوا : لو كان نبيا ~~لعرف الله ولو عرفه لما وصفه بما يستحيل عليه في ذاته وصفاته ، ومالت طائفة ~~أخرى إلى اعتقاد الظواهر ، وقالوا : لو لم يكن حقا لما ذكره كذلك مطلقا ~~ولعدل عنها إلى غيرها أو قرنها بما يزيل الإيهام عنها في سبيل حل هذا ~~الإشكال العظيم. # الجواب : أن هذا الإشكال منحل عند أهل البصيرة ، وبيانه أن هذه الكلمات ~~ما جمعها رسول الله دفعة واحدة وما ذكرها ، وإنما جمعها المشبهة وقد بينا ~~أن لجمعها من التأثير في الإيهان والتلبيس على الأفهام ما ليس لآحادها ~~المفرقة ، وإنما هي كلمات لهج بها في جميع عمره في أوقات متباعدة وإذا ~~اقتصر منها على ما في القرآن والأخبار المتواترة رجعت إلى كلمات يسيرة ~~معدودة ، وإن أضيف إليها الأخبار الصحيحة فهي أيضا قليلة ، وإنما كثرت PageV01P321 # الروايات الشاذة الضعيفة التي لا يجوز التعويل عليها ، ثم ما تواتر منها ~~إن صح معها إيهام التشبيه وقد أدركها الحاضرون المشاهدون ، فإذا نقل ~~الألفاظ مجردة عن تلك القرائن ظهر الإيهام ، وأعظم القرائن في زوال الإيهام ~~المعرفة السابقة بتقديس الله تعالى عن قبول هذه الظواهر ، ومن سبقت معرفته ~~بذلك كانت تلك المعرفة ذخيرة له راسخة في نفسه مقارنة لكل ما يسمع ، فينمحق ~~معه الإيهام انمحاقا لا يشك فيه ، ويعرف هذا بأمثلة : # الأول : أنه صلى الله عليه وسلم ms420 سمى الكعبة بيت الله تعالى ، وإطلاق هذا ~~يوهم عند الصبيان وعند من تقرب درجتهم منهم أن الكعبة وطنه ومثواه ، لكن ~~العوام الذين اعتقدوا أنه في السماء وأن استقراره على العرش ينمحق في حقهم ~~هذا الإيهام على وجه لا يشكون فيه ، فلو قيل لهم : ما الذي دعا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى إطلاق هذا اللفظ الموهم المخيل إلى السامع أن الكعبة ~~مسكنه لبادروا بأجمعهم ، وقالوا : هذا إنما يوهم في حق الصبيان والحمقى. ~~وأما من تكرر على سمعه أن الله مستقر على عرشه ، فلا يشك عند سماع هذا ~~اللفظ أنه ليس المراد به أن البيت مسكنه ومأواه ، بل يعلم على البديهة أن ~~المراد بهذه الإضافة تشريف البيت أو معنى سواه غير ما وضع له لفظ البيت ~~المضاف إلى ربه وساكنه. أليس كان اعتقاده أنه على العرش قرينة أفادته علما ~~قطعيا بأنه ما أريد بكون الكعبة بيته إنه مأواه ، وإن هذا إنما يوهم في حق ~~من لم يسبق إلى هذه العقيدة ، فكذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم خاطب بهذه ~~الألفاظ جماعة سبقوا إلى علم التقديس ونفي التشبيه وإنه منزه عن الجسمية ~~وعوارضها ، وكان ذلك قرينة قطعية مزيلة للإيهام لا يبقى معه شك ، وإن جاز ~~أن يبقى لبعضهم تردد في تأويلها وتعيين المراد به من جملة ما يحتمله اللفظ ~~ويليق بجلالة الله تعالى. # المثال الثاني : إذا جرى لفقيه في كلامه لفظ الصور بين يدي الصبي أو ~~العامي فقال : صورة هذه المسألة كذا وصورة الواقعة كذا ، ولقد صورت للمسألة ~~صورة في غاية الحسن ربما توهم الصبي أو العامي الذي لا يفهم معنى المسألة ~~أن المسألة شيء له صورة ، وفي تلك الصورة أنف وفم وعين على ما عرفه واشتهر ~~عنده ، أما من عرف حقيقة المسألة وإنها عبارة عن علوم مرتبة ترتيبا مخصوصا ~~، فهل يتصور أن يفهم عينا وأنفا وفما كصورة الأجسام؟ هيهات. بل يكفيه ~~معرفته بأن المسألة منزهة عن الجسمية وعوارضها ، فكذلك معرفة نفي الجسمية ~~عن الإله وتقدسه عنها تكون قرينه في قلب ms421 كل مستمع مفهمة لمعنى الصورة في ~~قوله خلق الله آدم على صورته ويتعجب العارف بتقديسه عن الجسمية ممن يتوهم ~~لله تعالى الصوره الجسمية ، كما يتعجب ممن يتوهم للمسألة صورة جسمانية. # المثال الثالث : إذا قال القائل بين يدي الصبي : بغداد في يد الخليفة ~~ربما يتوهم أن بغداد بين أصابعه ، وأنه قد احتوى عليها براحته كما يحتوي ~~على حجره ومدره ، وكذلك كل عامي لم يفهم المراد بلفظ بغداد. أما من علم أن ~~بغداد عبارة عن بلدة كبيرة هل يتصور أن يخطر له ذلك أو يتوهم وهل يتصور أن ~~يعترض على قائله ويقول : لما ذا قلت بغداد في يد الخليفة؟ PageV01P322 # وهذا يوهم خلاف الحق ويفضي إلى الجهل حتى يعتقد أن بغداد بين أصابعه بل ~~يقال له : يا سليم القلب هذا إنما يوهم الجهل عند من لا يعرف حقيقة بغداد ، ~~فأما من علمه فبالضرورة يعلم أنه ما أريد بهذه اليد العضو المشتمل على الكف ~~والأصابع بل معنى آخر ولا يحتاج في فهمه إلى قرينة سوى هذه المعرفة ، فكذلك ~~جميع الألفاظ الموهمة في الأخبار يكفي في دفع إيهامها قرينة واحدة وهي ~~معرفة الله ، وإنه ليس من جنس الأجسام ، وهذا مما افتتح رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بنيانه في أول بعثته قبل النطق بهذه الألفاظ. # المثال الرابع : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في نسائه : " أطولكن يدا ~~أسرعكن لحاقا بي" فكان بعض نسوته يتعرف الطول بالمساحة ووضع اليد على اليد ~~، حتى ذكر لهن أنه أراد بذلك السماحة في الجود دون الطول للعضو ، وكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ذكر هذه اللفظة مع قرينة أفهم بها إرادة الجود ~~بالتعبير بطول اليد عنه ، فلما نقل اللفظ مجردا عن قرينته حصل الإيهام ، ~~فهل كان لأحد أن يعترض على رسول الله صلى الله عليه وسلم في إطلاقه لفظا جهل ~~بعضهم معناه؟ إنما ذلك لأنه أطلق إطلاقا مفهما في حق الحاضرين مقرونا مثلا ~~بذكر السخاوة ، والناقل قد ينقل اللفظ كما سمعه ولا ينقل القرينة ، أو كان ~~بحيث لا ms422 يمكن نقلها ، أو ظن أنه لا حاجة إلى نقلها ، وأن من يسمع يفهمه هو ~~كما فهمه هو لما سمعه ، فربما لا يشعر أن فهمه إنما كان بسبب القرينة ، ~~فلذلك يقتصر على نقل اللفظ ، فبمثل هذه الأسباب بقيت الألفاظ مجردة عن ~~قرائنها فقصرت عن التفهيم مع أن قرينة معرفة التقديس بمجردها كافية في نفي ~~الإيهام ، وإن كانت ربما لا تكفي في تعيين المراد به فهذه الدقائق لا بد من ~~التنبه لها كالمثال الخامس. # إذا قال القائل بين يدي الصبي ومن يقرب منه درجة ممن لم يمارس الأحوال ، ~~ولا عرف العادات في المجالسات فلان دخل مجمعا وجلس فوق فلان ربما يتوهم ~~السامع الجاهل الغبي أنه جلس على رأسه أو على مكان فوق رأسه ، ومن عرف ~~العادات وعلم أن ما هو أقرب إلى الصدر في الرتبة ، وأن الفوق عبارة عن ~~العلو يفهم منه أنه جلس بجنبه لا فوق رأسه ، لكن جلس أقرب إلى الصدر ، ~~فالاعتراض على من خاطب بهذا الكلام وأهل المعرفة بالعادات من حيث إنه يجهله ~~الصبيان أو الأغبياء اعتراض باطل لا أصل له ، وأمثلة ذلك كثيرة. فقد فهمت ~~على القطع بهذه الأمثلة أن هذه الألفاظ الصريحة انقلبت مفهوماتها عن ~~أوضاعها الصريحة بمجرد قرينة ، ورجعت تلك القرائن إلى معارف سابقة ومقترنة ~~، فكذلك هذه الظواهر الموهمة انقلبت عن الإيهام بسبب تلك القرائن الكثيرة ~~التي بعضها هي المعارف ، والواحدة منها معرفتهم أنهم لم يؤمروا بعبادة ~~الأصنام ، وإن من عبد جسما فقد عبد صنما كان الجسم صغيرا أو كبيرا ، قبيحا ~~أو جميلا ، سافلا أو عاليا على الأرض أو على العرش. وكان نفي الجسمية ونفي ~~لوازمها معلوما لكافتهم على القطع بإعلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~المبالغة في التنزيه بقوله : ( @QUR@03 ليس كمثله شيء ) [الشورى : 11]. ~~وسورة الإخلاص وقوله : ( @QUR@04 فلا تجعلوا لله أندادا ) [البقرة : 22]. ~~وبألفاظ كثيرة لا حصر لها مع قرائن قاطعة PageV01P323 # لا يمكن حكايتها ، وعلم ذلك إلا علما لا ريب فيه وكان ذلك كافيا في ~~تعريفهم استحالة يد هي عضو مركب من لحم وعظم ، وكذا في ms423 سائر الظواهر لأنها ~~لا تدل إلا على الجسمية وعوارضها لو أطلق على جسم ولو أطلق على غير الجسم ~~على ضرورة أنه ما أريد به ظاهره بل معنى آخر مما يجوز على الله تعالى ربما ~~يتعين ذلك المعنى وربما لا يتعين ، فهذا مما يزيل الإشكال. # فإن قيل : فلم لم يذكر بألفاظ ناصة عليها بحيث لا يوهم ظاهرها جهلا ولا ~~في حق العامي والصبي؟ # قلنا : لأنه إنما كلم الناس بلغة العرب ، وليس في لغة العرب ألفاظ ناصة ~~على تلك المعاني ، فكيف يكون في اللغة لها نصوص وواضع اللغة لم يفهم تلك ~~المعاني ، فكيف وضع لها النصوص بل هي معان أدركت بنور النبوة خاصة أو بنور ~~العقل بعد طول البحث ، وذلك أيضا في بعض تلك الأمور لا في كلها ، فلما لم ~~يكن لها عبارات موضوعة كان استعارة الألفاظ من موضوعات اللغة ضرورة كل ناطق ~~بتلك اللغة ، كما أنا لا نستغني عن أن نقول صورة هذه المسألة كذا وهي تخالف ~~صورة المسألة الأخرى ، وهي مستعارة من الصور الجسمانية ، لكن واضع اللغة ~~لما لم يضع لهيئة المسألة وخصوص ترتيبها اسما نصا إما لأنه لم يفهم المسألة ~~أو فهم ، لكن لم تحضره أو حضرته لكن لم يضع لها نصا خاصا اعتمادا على إمكان ~~الاستعارة أو لأنه علم أنه عاجز عن أن يضع لكل معنى لفظا خاصا ناصا ، لأن ~~المعاني غير متناهية العدد والموضوعات بالقطع يجب أن تناهى فتبقى معان لها ~~يجب أن يستعار اسمها من الموضع ، فاكتفى بوضع البعض وسائر اللغات أشد قصورا ~~من لغة العرب ، فهذا وأمثاله من الضرورة يدعو إلى الاستعارة لمن يتكلم بلغة ~~قوم إذ لا يمكنه أن يخرج عن لغتهم. كيف ، ونحن نجوز الاستعارة حيث لا ضرورة ~~اعتمادا على القرائن ، فإنا لا نفرق بين أن يقول القائل : جلس زيد فوق عمرو ~~، وبين أن يقول جلس أقرب منه إلى الصدر ، وأن بغداد في ولاية الخليفة أو في ~~يده إذا كان الكلام مع العقلاء ، وليس في الإمكان حفظ الألفاظ عن إفهام ~~الصبيان والجهال ، فالاشتغال ms424 بالاحتراز عن ذلك ركاكة في الكلام وسخافة في ~~العقل وثقل في اللفظ. # فإن قيل : فلم لم يكشف الغطاء عن المراد بإطلاق لفظ الإله ولم يقل إنه ~~موجود ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض ولا هو داخل العالم ولا خارجه ولا متصل ~~ولا منفصل ولا هو في مكان ولا هو في جهة ، بل الجهات كلها خالية عنه ، فهذا ~~هو الحق عند قوم ، والإفصاح عنه كذلك ، كما أفصح عنه المتكلمون ممكن ولم ~~يكن في عبارته صلى الله عليه وسلم قصور ، ولا في رغبته في كشفه الحق فتور ، ~~ولا في معرفته نقصان؟ # قلنا : من رأى هذا الحق اعتذر بأن هذا لو ذكره لنفر الناس عن قبوله ، ~~ولبادروا بالإنكار وقالوا : هذا عين المحال ووقعوا في التعطيل ولا خير في ~~المبالغة في تنزيه ينتج التعطيل في حق الكافة إلا الأقلين ، وقد بعث رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم داعيا للخلق إلى سعادة الآخرة رحمة للعالمين. كيف ~~ينطق بما فيه هلاك الأكثرين ، بل أمر أن لا يكلم الناس إلا على قدر عقولهم ، PageV01P324 # وقال صلى الله عليه وسلم : " من حدث الناس بحديث لا يفهمونه كان فتنة على ~~بعضهم". أو لفظ هذا معناه. # فإن قيل : إن كان في المبالغة في التنزيه خوف التعطيل بالإضافة إلى البعض ~~ففي استعماله الألفاظ الموهمة خوف التشبيه بالإضافة إلى البعض. # قلنا : بينهما فرق من وجهين. # أحدهما : أن ذلك يدعو إلى التعطيل في حق الأكثرين ، وهذا يعود إلى ~~التشبيه في حق الأقلين ، وأهون الضررين أولى بالاحتمال ، وأعلم الضررين ~~أولى بالاجتناب. # والثاني : أن علاج وهم التشبيه أسهل من علاج التعطيل. إذ يكفي أن يقال مع ~~هذه الظواهر : ( @QUR@03 ليس كمثله شيء ) [الشورى : 11]. وأنه ليس بجسم ولا ~~مثل الأجسام. وأما إثبات موجود في الاعتقاد على ما ذكرناه من المبالغة في ~~التنزيه شديدا جدا ، بل لا يقبله واحد من الألف لا سيما الأمة العربية. # فإن قيل : فعجز الناس عن الفهم هل يمهد عذر الأنبياء في أن يثبتوا في ~~عقائدهم أمورا على خلاف ما هي عليها ليثبت في اعتقادهم ms425 أصل الإلهية حتى ~~توهموا عندهم مثلا أن الله مستقر على العرش وأنه في السماء وأنه فوقهم ~~فوقية المكان؟ # قلنا : معاذ الله أن نظن ذلك أو يتوهم بنبي صادق أن يصف الله بغير ما هو ~~متصف به ، وأن يلقى ذلك في اعتقاد الخلق ، فإنما تأثير قصور في استعمال ~~الألفاظ مستعارة ربما يغلط الأغبياء في فهمهما ، وذلك لقصور اللغات وضرورة ~~الخلق في أن يذكر لهم ما يطيقون فهمه وما لا يفهمونه. فكيف عنه علاج عجز ~~الخلق وقصورهم ولا ضرورة في تفهيمهم خلاف الحق قصدا لا سيما في صفات الله. ~~نعم ، به ضرورة في استعمال الألفاظ مستعارة ربما يغلط الأغبياء في فهمها ، ~~وذلك لقصور اللغات وضرورة المحاورات. فأما تفهيمهم خلاف الحق قصدا إلى ~~التجهيل فمحال ، سواء فرض فيه مصلحة أو لم تفرض. # فإن قيل : قد جهل أهل التشبيه جهلا يستند إلى ألفاظه في الظواهر تفضي إلى ~~جهلهم ، فمهما جاء بلفظ مجمل ملبس فرضي به لم يفترق الحال بين أن يكون مجرد ~~قصده إلى التجهيل ، وبين أن يقصد التجهيل مهما حصل التجهيل ، وهو عالم به وراض. # قلنا : لا نسلم أن جهل أهل التشبيه حصل بألفاظه ، بل بتقصيرهم في كسب ~~معرفة التقديس وتقديمه على النظر في الألفاظ ، ولو حصلوا تلك المعرفة أولا ~~وقدموها لما جهلوها ، كما أن من حصل علم التقديس لم يجهل عند سماعه صورة ~~المسألة ، وإنما الواجب عليهم تحصيل هذا العلم ، ثم مراجعة العلماء إذا ~~شكوا في ذلك ، ثم كف النفس عن التأويل وإلزامها التقديس. وإذا رسم لهم ~~العلماء ، فإذا لم يفعلوا جهلوا وعلم الشارع بأن الناس طباعهم الكسل ~~والتقصير والفضول بالخوض فيما ليس من شأنهم ليس رضا بذلك ولا سعيا في تحصيل ~~الجهل ، لكنه PageV01P325 # رضا بقضاء الله وقدره في قسمته حيث قال : ( @QUR@09 وتمت كلمة ربك لأملأن ~~جهنم من الجنة والناس أجمعين ) [هود : 119]. وقال : ( @QUR@07 ولو شاء ربك ~~لجعل الناس أمة واحدة ) [هود : 118]. ( @QUR@015 ولو شاء ربك لآمن من في ~~الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) [يونس : 99]. ( ~~@QUR@08 وما كان لنفس أن تؤمن ms426 إلا بإذن الله ) [يونس : 100]. ( @QUR@09 ولا ~~يزالون مختلفين* إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ) [هود : 118 و119]. فهذا هو ~~القهر الإلهي في فطرة الخلق ولا قدرة للأنبياء في تغيير سنته التي لا تبديل لها. ### ||| * فصل في جواب مالك رضي الله عنه : # لعلك تقول الكف عن السؤال والإمساك عن الجواب من أين يغني ، وقد شارع في ~~البلاد هذه الاختلافات وظهرت التعصبات ، فكيف سبيل الجواب إذا سئل عن هذه ~~المسائل؟ # قلنا : الجواب ما قاله مالك رضي الله عنه في الاستواء إذ قال : الاستواء ~~معلوم الحديث فيذكر هذا الجواب في كل مسألة سئل عنها العوام لينحسم سبيل ~~الفتنة. # فإن قيل : فإذا سئل عن الفوق واليد والأصبع فبم يجيب. # قلنا : الجواب أن يقال فيه ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم . وقال الله ~~تعالى وقد صدق حيث قال : ( @QUR@04 الرحمن على العرش استوى ) [طه : 5]. ~~فيعلم قطعا أنه ما أراد الجلوس والاستقرار الذي هو صفة الأجسام ، ولا ندري ~~ما الذي أراده ولم نكلف معرفته وصدق حيث قال : ( @QUR@04 وهو القاهر فوق ~~عباده ) [الأنعام: 18]. وفوقية المكان محال ، فإنه كان قبل المكان فهو الآن ~~كما كان ، وما أراد فلسنا نعرفه وليس علينا ولا عليك أيها السائل معرفته ~~فكذلك نقول ولا يجوز إثبات اليد والأصبع مطلقا ، بل يجوز النطق بما نطق به ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على الوجه الذي نطق به من غير زيادة ونقصان وجمع ~~وتفريق وتأويل وتفصيل كما سبق ، فنقول صدق حيث قال : " خمر طينة آدم بيده" ~~وحيث قال : " قلب المؤمن بين إصبع من أصابع الرحمن" فنؤمن بذلك ولا نزيد ~~ولا ننقص ، وننقله كما روي ونقطع بنفي العضو المركب من اللحم والعصب ، وإذا ~~قيل : القرآن قديم أو مخلوق؟ قلنا : هو غير مخلوق لقوله صلى الله عليه وسلم : ~~" القرآن كلام الله غير مخلوق". فإن قال : الحروف قديمة أو لا؟ قلنا : ~~الجواب في هذه المسألة لم يذكرها الصحابة ، فالخوض فيها بدعة فلا تسألوا ~~عنها ، فإن ابتلي الإنسان بهم في بلدة غلبت فيها الحشوية وكفروا من لا يقول ~~بقدم الحروف ms427 ، فيقول المضطر إلى الجواب : إن عنيت بالحروف نفس القرآن ~~فالقرآن قديم ، وإن أردت بها غير القرآن وصفات الله تعالى فما سوى الله ~~وصفاته محدث ولا يزيد عليه ، لأن تفهيم العوام حقيقة هذه المسألة عسرة جدا ~~، فإن قالوا : قد قال النبي صلى الله عليه وسلم : " من قرأ حرفا من القرآن فله ~~كذا" ، فأثبت الحروف للقرآن ووصف القرآن بأنه غير مخلوق ، فلزم منه أن ~~الحروف قديمة. قلنا : لا نزيد على ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهو أن ~~القرآن غير مخلوق وهذه PageV01P326 # مسألة وإن كان للقرآن حروف فهي مسألة أخرى. وأما أن الحروف قديمة فهي ~~مسألة ثالثة ولم نزد عليه فلا نقول به ، ولا نزيد على ما قاله الرسول ~~صلى الله عليه وسلم ، فإن زعموا أنه يلزم المسألتين السابقتين هذه المسألة. ~~قلنا : هذا قياس وتفريع ، وقد بينا أن لا سبيل إلى القياس والتفريع ، بل ~~يجب الاقتصار على ما ورد من غير تفريق ، وكذلك إذا قالوا عربية القرآن ~~قديمة لأنه قال القرآن قديم وقال : ( @QUR@03 أنزلناه قرآنا عربيا ) [يوسف ~~: 2]. فالعربي قديم. فنقول : أما أن القرآن عربي فحق إذ نطق به القرآن ، ~~وأما أن القرآن ، قديم فحق إذ نطق به الرسول صلى الله عليه وسلم ، فعلى هذا ~~الوجه يلجم العوام والحشوية عن التصرف فيه ونزمهم عن القياس والقول ~~باللوازم ، بل نزيد في التضييق على هذا ونقول : إذا قال القرآن كلام الله ~~غير مخلوق فهذا لا يرخص في أن يقول القرآن قديم ما لم يرد لفظ القديم إذ ~~فرق بين غير مخلوق والقديم ، إذ يقال : كلام فلان غير مخلوق أي غير موضوع ، ~~وقد يقال : المخلوق بمعنى المختلق فلفظ غير مخلوق يتطرق إليه هذا ولا يتطرق ~~إلى لفظ القديم ، فبينهما فرق ، ونحن نعتقد قدم القرآن لا بمجرد هذا اللفظ ~~، فإن هذا اللفظ لا ينبغي أن يجرف ويبدل ويغير ويصرف ، بل يلزم أن يعتقد ~~أنه حق بالمعنى الذي أراده ، وكل من وصف القرآن بأنه مخلوق من غير نقل نص ~~فيه مقصود ، فقد أبدع وزاد ومال عن مذهب ms428 السلف وحاد. ### ||| * فصل في أن الإيمان قديم # فإن قيل : من المسائل المعروفة قولهم إن الإيمان قديم ، فإذا سئلنا عنه ~~فبم نجيب؟ # قلنا : إن ملكنا زمام الأمر واستولينا على السائل منعناه عن هذا الكلام ~~السخيف الذي لا جدوى له ، وقلنا : إن هذا بدعة ، وإن كنا مغلوبين في بلادهم ~~فنجيب ونقول : ما الذي أردت بالإيمان؟ إن أردت به شيئا من معارف الخلق ~~وصفاتهم فجميع صفات الخلق مخلوقة ، وإن أردت به شيئا من القرآن أو من صفات ~~الله تعالى فجميع صفات الله تعالى قديمة ، وإن أردت ما ليس صفة للخلق ولا ~~صفة الخالق فهو غير مفهوم ولا متصور وما لا يفهم ولا يتصور ذاته ، كيف يفهم ~~حكمه في القدم والحدوث. والأصل زجر السائل والسكوت عن الجواب هذا صفو مقصود ~~مذهب السلف ولا عدول عنه إلا بضرورة وسبيل المضطر ما ذكرنا ، فإن وجدنا ~~ذكيا مستفهما لفهم الحقائق كشفنا الغطاء عن المسألة وخلصناه عن الإشكال في ~~القرآن وقلنا : # اعلم أن كل شيء فله في الوجود أربع مراتب : وجود في الأعيان ، ووجود في ~~الأذهان ، ووجود في اللسان ، ووجود في البياض المكتوب عليه كالنار مثلا ، ~~فإن لها وجودا في التنور ووجودا في الخيال والذهن ، وأعني بهذا الوجود ~~العلم بنفس النار وحقيقتها ولها وجود في اللسان وهي الكلمة الدالة عليه ، ~~أعني لفظ النار ولها وجود في البياض المكتوب عليه بالرقوم. والإحراق صفة ~~خاصة للنار كالقدم للقرآن ولكلام الله تعالى ، والمحرق من هذه الجملة الذي ~~في التنور دون الذي في الأذهان ، وفي اللسان وعلى البياض إذ لو كان المحرق PageV01P327 # في البياض أو اللسان لاحترق ، ولكن لو قيل لنا : النار محرقة؟ قلنا : ~~نعم. فإن قيل لنا : كلمة النار محرقة؟ قلنا : لا ، فإن قيل : حروف النار ~~محرقة؟ قلنا : لا ، فإن قيل : مرقوم هذه الحروف على البياض محرقة؟ قلنا : ~~لا ، فإن قيل : المذكور بكلمة النار أو المكتوب بكلمة النار محرق؟ قلنا : ~~نعم. لأن المذكور والمكتوب بهذه الكلمة ما في التنور وما في التنور محرق ، ~~فكذلك القدم وصف كلام الله تعالى كالإحراق وصف ms429 النار وما يطلق عليه اسم ~~القرآن وجوده على أربع مراتب. أولها : وهي الأصل وجوده قائما بذات الله ~~تعالى يضاهي وجود النار في التنور ( @QUR@03 ولله المثل الأعلى ) [النحل : ~~60]. ولكن لا بد من هذه الأمثلة في تفهيم العجزة والقدم وصف خاص لهذا ~~الوجود. والثانية : وجوده العلمي في أذهاننا عند التعلم قبل أن ننطق ~~بلساننا ، ثم وجوده في لساننا بتقطيع أصواتنا ، ثم وجوده في الأوراق بالكتب ~~، فإذا سئلنا عما في أذهاننا من علم القرآن قبل النطق به. قلنا : علمنا ~~صفته وهي مخلوقة لكن المعلوم به قديم ، كما أن علمنا بالنار وثبوت صورتها ~~في خيالنا غير محرق لكن المعلوم به محرق ، وإن سئلنا عن صوتنا وحركة لساننا ~~ونطقنا قلنا : ذلك صفة لساننا فلساننا حادث وصفته توجد بعده وما هو بعد ~~الحادث حادث بالقطع ، لكن منطوقنا ومذكورنا ومقروؤنا ومتلونا بهذه الأصوات ~~الحادثة قديم ، كما أن ذكرنا حروف النار بلساننا كان المذكور بهذه الحروف ~~محرقا وأصواتنا وتقطيع أصواتنا غير محرق إلا أن يقول قائل : حروف النار ~~عبارة عن نفس النار. قلنا : إن كان كذلك ، فحروف النار محرقة وحروف القرآن ~~إن كان عبارة عن نفس المقروء فهي قديمة ، وكذلك المخطوط برقوم النار ~~والمكتوب به محرق لأنه الأوراق من غير إحراق واحتراق ، فهذه أربع درجات في ~~الوجود تشتبه على العوام لا يمكنهم إدراك تفاصيلها وخاصة كل واحدة منهن ، ~~فلذلك لا نخوض بهم فيها لا لجهلنا بحقيقة هذه الأمور وكنه تفاصيلها. إن ~~النار من حيث إنها في التنور توصف بأنها محرقة وخامدة ومشتعلة ، ومن حيث ~~إنها في اللسان يوصف بأنها عجمي وتركي وعربي وكثيرة الحروف وقليلة الحروف ، ~~وما في التنور لا ينقسم إلى العجمي والتركي والعربي ، وما في اللسان لا ~~توصف بالخمود والاشتعال ، وإذا كان مكتوبا على البياض يوصف بأنه أحمر وأخضر ~~وأسود وأنه بقلم المحقق أو الثلث والرقاع ، أو قلم النسخ وهو في اللسان لا ~~يمكن أن يوصف بذلك ، واسم النار يطلق على ما في التنور وما في القلب وما في ~~اللسان وما على القرطاس ، لكن باشتراك الاسم ms430 فأطلق على ما في التنور حقيقة ~~وعلى ما في الذهن من العلم لا بالحقيقة ولكن بمعنى أنه صورة محاكية للنار ~~الحقيقي ، كما أن ما يرى في المرآة يسمى إنسانا ونارا لا بالحقيقة ولكن ~~بمعنى إنها صورة محاكية للنار الحقيقي والإنسان وما في اللسان من الكلمة ~~يسمى باسمه بمعنى ثالث ، وهو أنه دلالة دالة على ما في الذهن وهذا يختلف ~~بالاصطلاحات ، والأول والثاني لا اختلاف فيهما ، وما في القرطاس يسمى نارا ~~بمعنى رابع ، وهو أنها رقوم تدل بالاصطلاح على ما في اللسان ومهما فهم ~~اشتراك اسم القرآن والنار وكل شيء من هذه الأمور الأربعة ، فإذا ورد الخبر ~~أن القرآن في قلب العبد وأنه في لسان القارئ وأنه صفة ذات الله صدق بالجميع ~~وفهم معنى الجميع ، ولم يتناقص عند الأذكياء وصدق بالجميع مع الإحاطة ~~بحقيقة المراد ، وهذه أمور جلية دقيقة لا أجلى منها عند الفطن الذكي ولا أدق ، PageV01P328 # وأغمض منها عند البليد الغبي ، فحق البليد أن يمنع من الخوض فيها ويقال ~~له : قل القرآن غير مخلوق واسكت ولا تزد عليه ولا تنقص ولا تفتش عنه ولا ~~تبحث ، وأما الذكي فيروح عن غمه هذا الإشكال في لحظة ويوصى بأن لا يحدث ~~العامي به حتى لا يكلفه ما ليس في طاقته ، وهكذا جميع موضع الإشكالات في ~~الظواهر فيها حقائق جلية لأرباب البصائر ملتبسة على العميان من العوام ، ~~فلا ينبغي أن يظن بأكابر السلف عجزهم عن معرفة هذه الحقيقة ، وإن لن يحرروا ~~ألفاظها تحرير صنعة ولكنهم عرفوه وعرفوا عجز العوام فسكتوا عنهم وأسكتوهم ~~وذلك عين الحق والصواب. لا أعني بأكابر السلف الأكابر من حيث الجاه ~~والاشتهار ، ولكن من حيث الغوص على المعاني والاطلاع على الأسرار ، وعند ~~هذا ربما انقلب الأمر في حق العوام واعتقدوا في الأشهر أنه الأكبر وذلك سبب ~~آخر من أسباب الضلال. ### ||| * فصل # فإن قال قائل : العامي إذا منع من البحث والنظر لم يعرف الدليل ، ومن لم ~~يعرف الدليل كان جاهلا بالمدلول ، وقد أمر الله تعالى كافة عباده بمعرفته. ~~أي بالإيمان به والتصديق ms431 بوجوده أولا ، وبتقديسه عن سمات الحوادث ومشابهة ~~غيره ثانيا ، وبوحدانيته ثالثا ، وبصفاته من العلم والقدرة ونفوذ المشيئة ~~وغيرها رابعا ، وهذه الأمور ليست ضرورية فهي إذا مطلوبة ، وكل علم مطلوب ~~فلا سبيل إلى انتقاصه وتحصيله إلا بشبكة الأدلة والنظر في الأدلة والتفطن ~~لوجه دلالتها على المطلوب وكيفية إنتاجها وذلك لا يتم إلا بمعرفة شروط ~~البراهين وكيفية ترتيب المقدمات واستنتاج النتائج ، وينجز ذلك شيئا فشيئا ~~إلى تمام علم البحث واستيفاء علم الكلام إلى آخر النظر في المعقولات ، ~~وكذلك يجب على العامي أن يصدق الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما جاء به ، ~~وصدقه ليس بضروري بل هو بشر كسائر الخلق فلا بد من دليل يميزه عن غيره ممن ~~تحدى بالنبوة كاذبا ولا يمكن ذلك إلا بالنظر في المعجزة ومعرفة حقيقة ~~المعجزة وشروطها إلى آخر النظر في النبوات وهو لب علم الكلام. # قلنا : الواجب على الخلق الإيمان بهذه الأمور ، والإيمان عبارة عن تصديق ~~جازم لا تردد فيه ولا يشعر صاحبه بإمكان وقوع الخطأ فيه ، وهذا التصديق ~~الجازم يحصل على ست مراتب. # الأولى : وهي أقصاها ما يحصل بالبرهان المستقصى المستوفى شروطه المحرر ~~أصوله ومقدماته درجة درجة وكلمة كلمة حتى لا يبقى مجال احتمال وتمكن التباس ~~، وذلك هو الغاية القصوى ، ربما يتفق ذلك في كل عصر لواحد أو اثنين ممن ~~ينتهي إلى تلك الرتبة ، وقد يخلو العصر عنه ولو كانت النجاة مقصورة على مثل ~~المعرفة لقلت النجاة وقل الناجون. # الثانية : أن يحصل بالأدلة الوهمية الكلامية المبنية على أمور مسلمة مصدق ~~بها لإشهارها بين أكابر العلماء وشناعة إنكارها ونفرة النفوس عن إبداء ~~المراء فيها ، وهذا الجنس أيضا يفيد في بعض الأمور وفي حق بعض الناس تصديقا ~~جازما بحيث لا يشعر صاحبه بإمكان خلافه أصلا. # الثالثة : أن يحصل التصديق بالأدلة الخطابية ، أعني القدرة التي جرت ~~العادة باستعمالها في PageV01P329 # المحاورات والمخاطبات الجارية في العادات ، وذلك يفيد في حق الأكثرين ~~تصديقا ببادي الرأي وسابق الفهم إن لم يكن الباطن مشحونا بالتعصب وبرسوخ ~~اعتقاد على خلاف مقتضى الدليل ، ولم ms432 يكن المشنع مشغوفا بتكلف المماراة ~~والتشكك ومنتجعا بتحديق المجادلين في العقائد ، وأكثر أدلة القرآن من هذا ~~الجنس ، فمن الدليل الظاهر المقيد للتصديق قولهم : لا ينتظم تدبير المنزل ~~بمدبرين ، فلو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ، فكل قلب باق على الفطرة ~~غير مشوش بمماراة المجادلين يسبق من هذا الدليل إلى فهمة تصديق جازم ~~بوحدانية الخالق ، لكن لو شوشه مجادل وقال : لم يبعد أن يكون العالم بين ~~إلهين يتوافقان على التدبير ولا يختلفان فإسماعه هذا القدر يشوش عليه ~~تصديقه ، ثم ربما يعسر سل هذا السؤال ودفعه في حق بعض الأفهام القاصرة ~~فيستولي الشك ويتعذر الرفع ، وكذلك من الجلي أن من قدر على الخلق فهو على ~~الإعادة أقدر ، كما قال : ( @QUR@06 قل يحييها الذي أنشأها أول مرة ) [يس : ~~79]. فهذا لا يسمعه أحد من العوام ذكي أو غبي إلا ويبادر إلى التصديق ، ~~ويقول : نعم ليست الإعادة بأعسر من الابتداء بل أهون ، ويمكن أن يشوش عليه ~~بسؤال ربما يعسر عليه فهم جوابه ، والدليل المستوفى هو الذي يفيد التصديق ~~بعد تمام الأسئلة وجوابها بحيث لا يبقى للسؤال مجال والتصديق يحصل قبل ذلك. # الرابعة : التصديق لمجرد السماع ممن حسن الاعتقاد فيه بسبب كثرة ثناء ~~الخلق عليه ، فإن من حسن اعتقاده في أبيه وأستاذه أو في رجل من الأفاضل ~~المشهورين قد يخبره عن شيء كموت شخص أو قدوم غائب أو غيره ، فيسبق إليه ~~اعتقاد فيه ، فالمجرب بالصدق والورع والتقوى مثل الصديق رضي الله عنه إذا ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا ، فكم من مصدق به جزما وقابل له ~~قبولا مطلقا لا مستند لقوله إلا حسن اعتقاده فيه ، فمثله إذا لقن العامي ~~اعتقادا وقال له : اعلم أن خالق العالم واحد قادر وأنه بعث محمدا ~~صلى الله عليه وسلم رسولا بادر إلى التصديق ولم يمازجه ريب ولا شك في قوله ، ~~وكذلك اعتقاد الصبيان في آبائهم ومعلميهم فلا جرم يسمعون الاعتقادات ~~ويصدقون بها ويستمرون عليها من غير حاجة إلى دليل وحجة. # الرتبة الخامسة : التصديق به الذي يسبق إليه القلب ms433 عند سماع الشيء مع ~~قرائن أحوال لا تفيد القطع عند المحقق ولكن يلقي في قلب العوام اعتقادا ~~جازما ، كما إذا سمع بالتواتر مرض رئيس البلد ثم ارتفع صراخ وعويل من داره ~~، ثم يسمع من أحد غلمانه أنه قد مات اعتقد العامي جزما أنه مات وبنى عليه ~~تدبيره ولا يخطر بباله أن الغلام ربما قال ذلك عن إرجاف سمعه ، وأن الصراخ ~~والعويل لعله عن غشية أو شدة مرض أو سبب آخر ، لكن هذه خواطر بعيدة لا تخطر ~~للعوام فتنطبع في قلوبهم الاعتقادات الجازمة ، وكم من أعرابي نظر إلى ~~أسارير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى حسن كلامه ولطف شمائله وأخلاقه ~~فآمن به وصدقه جزما لم يخالجه ريب من غير أن يعالجه بمعجزة يقيمها ويذكر ~~وجه دلالتها. # الرتبة السادسة : أن يسمع القول فيناسب طبعه وأخلاقه ، فيبادر إلى ~~التصديق لمجرد موافقته لطبعه لا PageV01P330 # من حسن اعتقاده في قائله ، ولا من قرينة تشهد له ، لكن لمناسبة ما في ~~طباعه ، فالحريص على موت عدوه وقتله وعزله يصدق جميع ذلك بأدنى إرجاف ~~ويستمر على اعتقاده جازما ، وبلو أخبر بذلك في حق صديقه أو بشيء يخالف ~~شهوته هواه توقف فيه أو أباه كل الإباء ، وهذه أضعف التصديقات وأدنى ~~الدرجات لأن ما قبله استند إلى دليل ما. وإن كان ضعيفا من قرينة أو حسن ~~اعتقاد في المخبر أو نوع من ذلك وهي أمارات يظنها العامي أدلة فتعمل في حقه ~~عمل الأدلة فإذا عرفت مراتب التصديق ، فاعلم أن مستند إيمان العوام في هذه ~~الأسباب وأعلى الدرجات في حقه أدلة القرآن وما يجري مجراه مما يحرك القلب ~~إلى التصديق ، ولا ينبغي أن يجاوز بالعامي إلى ما وراء أدلة القرآن وما في ~~معناه من الجليات المسكنة للقلوب المستجرة لها إلى الطمأنينة والتصديق وما ~~وراء ذلك ليس على قدر طاقته ، وأكثر الناس آمنوا في الصبا وكان سبب تصديقهم ~~مجرد التقليد للآباء والمعلمين لحسن ظنهم بهم وكثرة ثنائهم على أنفسهم ، ~~وثناء غيرهم عليهم وتشديدهم النكير بين أيديهم على مخالفيهم ، وحكايات ~~أنواع ms434 النكال النازل بمن لا يعتقد اعتقادهم وقولهم إن فلانا اليهودي في ~~قبره مسخ كلبا ، وفلانا الرافضي انقلب خنزيرا ، أو حكايات منامات وأحوال ~~هذا الجنس ينغرس في نفوس الصبيان النفرة عنه والميل إلى ضده حتى ينزع الشك ~~بالكلية عن قلبه ، فالتعلم في الصغر كالنقش في الحجر ، ثم يقع نشوؤه عليه ~~ولا يزال يؤكد ذلك في نفسه ، فإذا بلغ استمر على اعتقاده الجازم تصديقه ~~المحكم الذي لا يخالجه فيه ريب ، ولذلك ترى أولاد النصارى والروافض والمجوس ~~والمسلمين كلهم لا يبلغون إلا على عقائد آبائهم واعتقاداتهم في الباطل ~~والحق جازمة. لو قطعوا إربا إربا لما رجعوا عنها وهم قط لم يسمعوا عليه ~~دليلا لا حقيقيا ولا رسميا ، وكذا ترى العبيد والإماء يسبون من المشرك ولا ~~يعرفون الإسلام ، فإذا وقعوا في أسر المسلمين وصحبوهم مدة ورأوا ميلهم إلى ~~الإسلام مالوا معهم واعتقدوا اعتقادهم وتخلقوا بأخلاقهم. كل ذلك لمجرد ~~التقليد والتشبيه بالتابعين ، والطباع مجبولة على التشبيه لا سيما طباع ~~الصبيان وأهل الشباب فبهذا يعرف أن التصديق الجازم غير موقوف على البحث ~~وتحرير الأدلة. ### ||| * فصل # لعلك تقول : لا أنكر حصول التصديق الجازم في قلوب العوام بهذه الأسباب ، ~~ولكن ليس ذلك من المعرفة في شيء ، وقد كلف الناس المعرفة الحقيقية دون ~~اعتقاد هو من جنس الجهل الذي لا يتميز فيه الباطل على الحق. فالجواب : أن ~~هذا غلط ممن ذهب إليه ، بل سعادة الخلق في أن يعتقدوا الشيء على ما هو عليه ~~اعتقادا جازما لتنتقش قلوبهم بالصورة الموافقة لحقيقة الحق ، حتى إذا ماتوا ~~وانكشف لهم الغطاء فشاهدوا الأمور على ما اعتقدوها لم يفتضحوا ولم يحترقوا ~~بنار الخزي والخجلة ولا بنار جهنم ثانيا ، وصورة الحق إذا انتقش بها قلبه ~~فلا نظر إلى السبب المفيد له أهو دليل حقيقي أو رسمي أو إقناعي ، أو قبول ~~بحسن الاعتقاد في قائلة أو قبول لمجرد التقليد من غير سبب فليس المطلوب ~~الدليل المقيد ، بل الفائدة وهي حقيقة الحق على ما هي عليه فمن اعتقد حقيقة ~~الحق في الله وفي صفاته وكتبه ورسله واليوم ms435 الآخر على ما هو عليه فهو سعيد ~~، وإن لم يكن ذلك بدليل محرر كلامي ولم يكلف الله PageV01P331 # عباده إلا ذلك وذلك معلوم على القطع بجملة أخبار متواترة من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في موارد الأعراب عليه وعرضه الإيمان عليهم وقبولهم ذلك ~~وانصرافهم إلى رعاية الإبل والمواشي من غير تكليفه إياهم التفكر في المعجزة ~~، ووجه دلالته والتفكر في حدوث العالم وإثبات الصانع. وفي أدلة الوحدانية ~~وسائر الصفات ، بل الأكثر من أجلاف العرب لو كلفوا ذلك لم يفهموه ولم ~~يدركوه بعد طول المدة. بل كان الواحد منه يحلفه ويقول : الله أرسلك رسولا. ~~فيقول : والله الله أرسلني رسولا وكان يصدقه بيمينه وينصرف ، ويقول الآخر ~~إذا قدم عليه ونظر إليه : والله ما هذا وجه كذاب ، وأمثال ذلك مما لا يحصى ~~، بل كل يسلم في غزوة واحدة في عصره وعصر أصحابه آلاف لا يفهم الأكثرون ~~منهم أدلة الكلام ، ومن كان يفهمه يحتاج إلى أن يترك صناعته ويختلف إلى ~~مسلم مدة مديدة ولم ينقل قط شيء من ذلك ، فعلم علما ضروريا أن الله تعالى ~~لم يكلف الخلق إلا الإيمان والتصديق الجازم بما قاله كيفما حصل التصديق. # نعم ، لا ينكر أن للعارف درجة على المقلد ، ولكن المقلد في الحق مؤمن كما ~~أن العارف مؤمن. # فإن قلت : فبم يميز المقلد بين نفسه وبين اليهود والمقلد؟ # قلنا : المقلد لا يعرف التقليد ولا يعرف أنه مقلد ، بل يعتقد في نفسه أنه ~~محق عارف ولا يشك في معتقده ولا يحتاج مع نفسه إلى التمييز لقطعه بأن خصمه ~~مبطل وهو محق ، ولعله أيضا يستظهر بقرائن وأدلة ظاهرة وإن كانت غير قوية ~~يرى نفسه مخصوصا بها ومميزا بسببها عن خصومه ، فإن كان اليهودي يعتقد في ~~نفسه مثل ذلك فلا يشوش ذلك على المحق اعتقاده ، كما أن العارف الناظر يزعم ~~أنه يميز نفسه عن اليهودي بالدليل ، واليهودي المتكلم الناظر أيضا يزعم أنه ~~مميز عنه بالدليل ودعواه ذلك لا يشكك الناظر العارف ، وكذلك لا يشكك المقلد ~~القاطع ويكفيه في الإيمان أن لا يشككه ms436 في اعتقاده معارضة المبطل كلامه ~~بكلامه ، فهل رأيت عاميا فقط قد اغتم وحزن من حيث يعسر عليه الفرق بين ~~تقليد اليهودي ، بل لا يخطر ذلك ببال العوام ، وإن خطر ببالهم وشوفهوا به ~~ضحكوا من قائله وقالوا : ما هذا الهذيان وكان به بين الحق والباطل مساواة ~~حتى يحتاج إلى فرق فارق تبيينا أنه على الباطل ، وإني على الحق ، وأنا ~~متيقن لذلك غير شاك فيه. فكيف أطلب الفرق حيث يكون الفرق معلوما قطعا من ~~غير طلب ، فهذه حالة المقلدين الموقنين وهذا إشكال لا يقع لليهودي المبطل ~~لقطعه مذهبه مع نفسه ، فكيف للمسلم المقلد الذي وافق اعتقاده ما هو الحق ~~عند الله تعالى ، فظهر بهذا على القطع للمسلك المقلد الذي وافق اعتقاده ما ~~هو الحق عند الله تعالى ، فظهر بهذا على القطع أن اعتقاداتهم جازمة ، وأن ~~الشرع لم يكلفهم إلا ذلك. # فإن قيل : فإن فرضنا عاميا مجادلا لجوجا ليس يقلد وليس يقنعه أدلة القرآن ~~ولا الأقاويل الجليلة المفرقة السابقة إلى الأفهام فما ذا تصنع به؟ # قلنا : هذا مريض مال طبعه عن صحة الفطرة وسلامة الخلقة الأصلية فينظر في ~~شمائله فإن وجدنا اللجاج والجدل غالبا على طبعه لم نجادله ، وطهرنا وجه ~~الأرض عنه إن كان بجاحدنا PageV01P332 # في أصل من أصول الإيمان ، وإن توسمنا فيه بالفراسة مخائل الرشد والقبول ~~إن جاوزنا به من الكلام الظاهر إلى توفيق في الأدلة عالجناه بما قدرنا عليه ~~من ذلك ، وداوينا بالجدال المر والبرهان الحلو ، وبالجملة فنجتهد أن نجادله ~~بالأحسن كما أمر الله تعالى ورخصتنا في القدر من المداواة لا تدل على فتح ~~باب الكلام مع الكافة ، فإن الأدوية تستعمل في حق المرضى وهم الأقلون ، وما ~~يعالج به المريض بحكم الضرورة يجب أن يوقى عنه الصحيح ، والفطرة الصحيحة ~~الأصلية معدة لقبول الإيمان دون المجادلة وتحرير حقائق الأدلة ، وليس الضرر ~~في استعمال الدواء مع الأصحاء بأقل من الضرر في إهمال المداواة مع المرضى ، ~~فليوضع كل شيء موضعه كما أمر الله تعالى به نبيه حيث قال : ( @QUR@011 ادع ~~إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة ms437 الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ) [النحل : ~~125]. والمدعو بالحكمة إلى الحق قوم ، وبالموعظة الحسنة قوم آخرون ، ~~وبالمجادلة الحسنة قوم آخرون على ما فصلنا أقسامهم في كتاب القسطاس ~~المستقيم فلا نطول بإعادته. PageV01P333 ### ||| * المضنون به ### ||| * على ### ||| * غير أهله PageV01P334 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * خطبة الرسالة # الحمد لله على موجب ما هدانا إلى حمده ، ووفقنا للقيام بشكره ، والصلاة ~~والسلام على سيدنا محمد أشرف من انتسب إلى آدم عليه السلام وعلى صحبه ~~الأخيار. # اعلم أن لكل صناعة أهلا يعرف قدرها ، ومن أهدى نفائس صناعة إلى غير ~~أربابها فقد ظلمها ، وهذا علق نفيس مضنون به على غير أهله فمن صانه عمن لا ~~يعرف قدره فقد قضى حقه أكرمت بهذا العلق على سبيل التهادي. أخي وعزيزي أحمد ~~صانه الله عن الركون إلى الغرور وأهله لمعرفة بعض حقائق الأشياء التي كانت ~~معرفة جميعها مطلوبة لسيد ولد آدم عليه السلام حيث قال : أرنا الأشياء كما ~~هي ، وهذا العلق المضنون به على غير أهله يشتمل على أربعة أركان : # الركن الأول : في معرفة الربوبية. # الركن الثاني : في معرفة الملائكة. # الركن الثالث : في حقائق المعجزات. # الركن الرابع : في معرفة ما بعد الموت والانتقال من الدنيا إلى العقبى ، ~~وفقنا الله تعالى لما يرضى ويحب ، فإنه خير موفق ومعين وإليه المرجع ~~والمصير. ### ||| * الركن الأول في علم الربوبية # الزمان لا يكون محدودا وخلق الزمان في الزمان أمر محال ، فاليوم هو الكون ~~الحادث في اللغة وأيام الله حيث قال : ( @QUR@03 وذكرهم بأيام الله ) ~~[إبراهيم : 10]. مراتب مخلوقاته ومصنوعاته ومبدعاته من وجوه منها قوله : ( ~~@QUR@03 في أربعة أيام ) [فصلت : 10]. فيوم مادة السماء ويوم صورتها ويوم ~~كواكبها ويوم نفوسها. وقوله : ( @QUR@04 خلق الأرض في يومين ) [فصلت : 9]. ~~المادة والصورة ، ومادة السماوات ومادة بروجها صورة واحدة ، ومادة الأرض ~~مادة مشتركة بين أزواج وفحول وهي أخس لأنها مثل مومسة تقبل كل ناكح. ومنها ~~: الجماد والمعدنيات داخلة في الجماد والنبات والحيوانات العجم والإنسان. ~~ومنها : الأرض فهو سماء من طريق اللغة ، لأن أهل اللغة تقول : كل ما علاك ~~فهو سماؤك ، وكل ما دون الفلك يعني فلك القمر بالنسبة ms438 إلى الأفلاك أرض ~~لقوله : ( @QUR@03 ومن الأرض مثلهن ) [الطلاق : 12]. # الأولى : كرة النار. PageV01P335 # والثانية : كرة الهواء. # والثالثة : كرة الطين المجفف الذي فوق الماء. # والرابعة : الماء. # والخامسة : الأرض البسيطة. # والسادسة : الممتزجات من هذه الأشياء. # والسابعة : الآثار العلوية. ### ||| * فصل في تعليقات على آيات كريمة : # ( @QUR@03 فليرتقوا في الأسباب ) [ص : 10]. الارتقاء : صعود الأخس إلى ~~الأشرف حتى ينتهي إلى واجب الوجود. # كما قال تعالى : ( @QUR@04 وأن إلى ربك المنتهى ) [النجم : 42]. # وقوله تعالى : ( @QUR@06 يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب ) [الأنبياء : 104]. # وقوله تعالى : ( @QUR@06 أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما ) ~~[الأنبياء : 30]. الأول انطباق فلك البروج على معدل النهار ، والفتق بعد ~~الرتق ظهور الليل. ### ||| * فصل في أن الرزق مقدر مضمون # وهو من المعقولات لا من المنقولات. لأن الحق تعالى عقل ذاته ، وما توجبه ~~ذاته فهو قد عقل جميع الموجودات ، وإن كان بالقصد الثاني وإنما يوجب كل ~~واحد منها. أعني من الموجودات المبدعات على ما وجد لأنه سبحانه وتعالى يعقل ~~وجود الكل من ذاته ، فكما أن تعقله ذاته لا يجوز أن يتغير ، كذلك تعقله لكل ~~ما توجبه ذاته ولكل ما يعقله وجوده من ذاته لا يتغير ، بل يجب وجود كل ذلك ~~ووجود أنواع الحيوانات وبقاؤها متعقل لا شك فيه خصوصا النوع الإنساني ، ~~والنوع إنما يبقى مستحفظا بالأشخاص وبلوغ كل شخص إلى الغاية التي يمكن أن ~~يولد شخصا آخر مثله لا يمكن إلا ببقائه مدة ، وبقاؤه تلك المدة لا يصح إلا ~~بما فيه قوام الحياة. وقوام الحياة بالرزق لأنه تعالى يعقل وجود الكل من ~~ذاته ووجود ما يعقله من ذاته واجب ، وتعقل بقاء النوع الإنساني ببقاء ~~الأشخاص وتناسلهم ، وتعقل تناسلهم ببقاء كل شخص ، وتعقل بقاء كل شخص مدة ~~بما فيه قوام حياته وهو الرزق ، والرزق إنما يكون من النبات والحيوان وهما ~~الخبز واللحم ، والفواكه من جملة النبات وأكثر الحلاوى ، فوجب أن يكون ~~الرزق مضمونا بتقدير الرؤوف الرحيم ، لذلك قال تعالى : ( @QUR@015 وفي ~~السماء رزقكم وما توعدون* فو رب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون ~~) [الذاريات : 22 و23]. PageV01P336 ### ||| * فصل في من لا يعرف حقيقة ms439 الرؤيا # من لا يعرف حقيقة الرؤيا لا يعرف حقائق أقسام الرؤيا ، ومن لا يعرف حقيقة ~~رؤيا الرسول صلى الله عليه وسلم وسائر الرسل ، بل رؤيا الذين ماتوا لا يعرف ~~رؤيا الله تعالى في المنام ، والعامي يتصور أن من رأى رسول الله في المنام ~~فقد رأى حقيقة شخصه ، وكما أن المعنى الذي وقع في النفس حاكى الخيال عنه ~~بلفظ ، فكذلك كل نقش ارتسم في النفس يمثل الخيال له صورة ولا أدري أنه كيف ~~يتصور رؤية شخص الرسول في المنام وشخصه مودع في روضة المدينة وما شق القبر ~~وما خرج إلى موضع يراه النائم. ولئن سلمنا ذلك فربما يراه في ليلة واحدة ~~ألف نائم في ألف موضع على صور مختلفة ، والوهم يساعد العقل في أنه لا يمكن ~~تصور شخص واحد في حالة واحدة في مكانين ولا على صورتين طويل وربع ، وشاب ~~وكهل وشيخ ، ومن لا تحيط معرفته بفساد هذا التصور ، فقد قنع من غريزة العقل ~~بالاسم والرسم دون الحقيقة والمعنى ، ولا ينبغي أن يعاتب بل لا ينبغي أن ~~يخاطب. فلعله يقول ما يراه مثاله لا شخصه ، ويقال هو مثال شخصه أو مثال ~~حقيقة روحه المقدسة عن الصور والشكل فإن قال : هو مثال شخصه الذي هو عظمه ~~ولحمه ، فأي حاجة إلى شخصه وشخصه في نفسه متخيل ومحسوس ، ثم من رأى شخصه ~~بعد الموت دون الروح فكأنه ما رأى النبي ، بل رأى جسما كان يتحرك بتحريك ~~النبي عليه الصلاة والسلام فكيف يكون رائيا له برؤية مثال شخصه ، بل الحق ~~أنه مثال روحه المقدسة التي هي النبوة فما رآه من الشكل ليس هو روح النبي ~~وجوهره ولا شخصه بل مثاله على التحقيق. # فإن قيل : فأي معنى لقوله عليه الصلاة والسلام : " من رآني في المنام فقد ~~رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي". # قلنا : لا معنى له إلا ما رآه مثال واسطة بين النبي وبينه من تعريف الحق ~~إياه ، فكما أن جوهر النبوة أعني الروح المقدسة الباقية من النبي بعد وفاته ~~منزهة عن اللون والشكل والصورة ، ولكن ms440 تنتهي تعريفاته إلى الأمة بواسطة ~~مثال صادق ذي شكل ولون وصورة. وإذا كان جوهر النبوة منزها عن ذلك ، فكذلك ~~ذات الله منزه عن الشكل والصورة ، ولكن تنتهي تعريفاته إلى العبد بواسطة ~~مثال محسوس من نور أو غيره من الصور الجميلة التي تصلح أن تكون مثالا ~~للجمال المعنوي الحقيقي الذي لا صورة له ولا لون ، ويكون ذلك المثال صادقا ~~وحقا وواسطة في التعريف ، فيقول النائم : رأيت الله تعالى في المنام لا ~~بمعنى أني رأيت ذاته ، كما يقول : رأيت النبي لا بمعنى أنه رأى ذات النبي ~~وروحه أو ذات شخصه بمعنى أنه رأى مثاله. # فإن قيل : إن النبي له مثل والله تعالى لا مثل له. # قلنا : هذا جهل بالفرق بين المثل والمثال ، فليس المثال عبارة عن المثل ~~فالمثل عبارة عن المساوي في جميع الصفات ، والمثال لا يحتاج فيه إلى ~~المساواة فإن للعقل معنى لا يماثله غيره. PageV01P337 # ولنا أن نصور الشمس له مثالا لما بينهما من المناسبة في شيء واحد ، وهو ~~أن المحسوسات تنكشف بنور الشمس كما تنكشف المعقولات بالعقل فهذا القدر من ~~المناسبة كاف في المثال ، بل السلطان يمثل في النوم بالشمس وبالقمر الوزير ~~، والسلطان لا يماثل الشمس بصورته ولا بمعناه ، ولا الوزير يماثل القمر. ~~إلا أن السلطان له استعلاء على الكافة ويعم أثره النور ، كما أن الوزير ~~واسطة بين السلطان والرغبة في إفاضة أثر العدل ، فهذا مثال وليس بمثل والله ~~تعالى قال : ( @QUR@09 الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها ~~مصباح ) [النور : 35]. فأي مماثلة بين نوره وبين الزجاجة والمشكاة والشجرة ~~والزيت؟ قال الله تعالى : ( @QUR@011 أنزل من السماء ماء فسالت أودية ~~بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ) [الرعد : 17]. ذكر ذلك تمثيلا للقرآن ~~والقرآن صفة قديمة لا مثل له ، فكيف صار الماء له مثالا؟ وكم من المنامات ~~عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم من رؤيا لبن أو حبل. فقال : اللبن هو ~~الإسلام ، والحبل هو القرآن إلى أمثال له لا تحصى وأي مماثلة بين اللبن ~~والإسلام والحبل والقرآن إلا في مناسبة ، وهو أن ms441 الحبل يتمسك به النجاة ~~والقرآن كذلك ، واللبن غذاء تغذى به الحياة الظاهرة والإسلام غذاء تغذى به ~~الحياة الباطنة ، فهذا كله مثال وليس بمثل ، بل هذه الأشياء لها. والله ~~تعالى لا مثل له لكن له أمثلة محاكية لمناسبة معقولة من صفات الله تعالى ، ~~فإنا إذا عرفنا المسترشد أن الله تعالى كيف يخلق الأشياء وكيف يعلمها وكيف ~~يزيدها وكيف يتكلم وكيف يقوم الكلام بنفسه. مثلنا جميع ذلك بالإنسان ، ولو ~~لا أن الإنسان عرف من نفسه هذه الصفات لما فهم مثاله في حق الله تعالى ، ~~فالمثال في حق الله تعالى جائز ، والمثل باطل ، فإن المثال هو ما يوضح ~~الشيء والمثل ما يشابه الشيء. # فإن قيل : هذا التحقيق الذي ذكرتموه ليس يفضي إلى أن الله تعالى يرى في ~~المنام. بل إلى أن الرسول أيضا لا يرى ، فإن المرئي مثاله لا عينه فقوله : ~~" من رآني في المنام فقد رآني" فهو نوع تجوز معناه كأنه رآني وما سمع من ~~المثال كأنه سمع مني. # قلنا : وهذا ما يريده القائل بقوله : رأيت الله تعالى في المنام لا غير. ~~أما أن يريد به أنه رأى ذاته على ما هو عليه فلا ، فإنه حصل الاتفاق على أن ~~ذات الله تعالى لا ترى وإن مثالا يعتقده النائم ذات الله تعالى أو ذات ~~النبي يجوز أن يرى ، وكيف ينكر ذلك ، مع وجوه في المنامات ، فإن لم يره ~~بنفسه فقد تواتر إليه من جماعة أنهم رأوا ذلك ، إلا أن المثال المعتقد قد ~~يكون صادقا وقد يكون كاذبا ، ومعنى الصادق أن الله تعالى جعل رؤياه واسطة ~~بين الرائي وبين النبي في تعريف بعض الأمور ، وفي قدرة الله تعالى خلق مثل ~~هذه الواسطة بين العبد وبين اتصال الحق به وهو موجود ، فكيف يمكن إنكاره؟ # فإن قيل : إذا كانت رؤية الرسول تجوزا ، فالتجوز مما قد أذن في إطلاقه في ~~حقه ولا يجوز في حق الله تعالى من الإطلاقات إلا ما ورد الإذن به. # قلنا : قد ورد الإذن بإطلاق ذلك. فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ms442 قال : " ~~رأيت ربي في أحسن صورة" ، PageV01P338 # وهذا مما أورد في الأخبار التي وردت في إثبات الصورة لله تعالى حيث قال : ~~" إن الله خلق آدم على صورته" ، وليس المراد به صورة دحية الكلبي وفي غيرها ~~من الصور ، حتى أنه رآه مرارا كثيرة وما رآه في صورته الحقيقية إلا مرة أو ~~مرتين ، وتمثل جبريل في صورة دحية الكلبي ليس بمعنى أنه انقلب ذات جبريل ~~صورة دحية الكلبي ، بل إنه ظهرت تلك الصورة للرسول مثالا مؤديا عن جبريل ما ~~أوحى إليه ، وكذلك قوله تعالى : ( @QUR@04 فتمثل لها بشرا سويا ) [مريم : ~~17]. وإذا لم يكن ذلك استحالة في ذات الملك وانقلابا ، بل يبقى جبريل على ~~حقيقته وصفته ، وإن ظهر النبي في صورة دحية الحلبي فلا يستحيل مثل ذلك في ~~حق الله تعالى في يقظة ولا في منام ، فهذا ما يدل من جهة الخبر على جواز ~~إطلاقه ، وقد ورد عن السلف إطلاق ذلك ونقلت فيه آثار وأخبار ، ولو لم يرد ~~فيه إطلاق لكنا نقول : يجوز إطلاق كل لفظة في حق الله تعالى صادقة لا منع ~~منه ولا تحريم إذا كان لا يوهم الخطأ عند المستمع ، وهذا لا يوهم رؤية ~~الذات عند الأكثرين لكثرة تداول الألسنة له فإن معناه كما يجوز أن تقول : ~~إنا نحب الله تعالى أو نشتاق إليه ونريد لقاءه ، وقد سبق إلى فهم قوم من ~~هذه الإطلاقات خيالات فاسدة والأكثرون يفهمون معناه على وجهه من غير خيال ~~فاسد ، ويراعى في هذه الإطلاقات حال خيال المخاطب فيجوز الإطلاق من غير كشف ~~ولا تفسير حيث لا إبهام ، ويجب الكشف عند الإبهام. وعلى الجملة هذا يرد ~~الخلاف إلى إطلاق اللفظ وجوازه بعد حصول الاتفاق على لفظ المعنى من أن ذات ~~الله تعالى مرئية ، وأن المرئي مثال ، وظن من ظن استحالة المثال في حق الله ~~تعالى خطأ ، بل نضرب لله تعالى ولصفاته الأمثال وننزهه عن المثل ولا ننزهه ~~عن المثال وله المثل الأعلى. ### ||| * فصل في الكلام على الفرق بين الواحد والأحد ومعنى ### ||| * الصمد # قوله تعالى : ( @QUR@04 قل هو الله أحد ms443 ) [الإخلاص : 1]. فرق بين الواحد ~~والأحد ، قال الله تعالى : ( @QUR@03 وإلهكم إله واحد ) [البقرة : 163]. ~~فيقال الإنسان شخص واحد وصنف واحد ، والمراد به أنه جملة هي جملة واحدة ، ~~ويقال ألف واحد ، فالواحد المشار إليه من طريق العقل والحس هو الذي يمتنع ~~مفهومه عن وقوع الشركة فيه ، والأحد هو الذي لا تركيب فيه ولا جزء له بوجه ~~من الوجوه ، فالواحد نفي الشريك والمثل ، والأحد نفي الكثرة في ذاته وقوله ~~تعالى : ( @QUR@02 الله الصمد ) [الإخلاص : 2]. الصمد الغني المحتاج إليه ~~غيره وهذا دليل على أن الله تعالى إحدى الذات وواحد ، لأنه لو كان له شريك ~~في ملكه لما كان صمدا غنيا يحتاج إليه غيره ، بل كان هو أيضا يحتاج إلى ~~شريكه في المشاركة أو التثنية ، ولو كان له أجزاء تركيب واحد لما كان صمدا ~~يحتاج إليه غيره ، بل هو محتاج في قوامه ووجوده إلى أجزاء تركيبه وحده ، ~~فالصمدية دليل على الواحدية والأحدية ، ( @QUR@02 لم يلد ) دليل على أن ~~وجوده المستمر ليس مثل وجود الإنسان الذي يبقى نوعه بالتوالد والتناسل ، بل ~~هو وجوده مستمر أزلي وأبدي ولم يولد دليل على أن وجود PageV01P339 # ليس مثل وجود الإنسان الذي يحصل بعد العدم ، ويبقى دائما إما في جنة ~~عالية لا تفنى وإما في هاوية لا تنقطع ، ( @QUR@05 ولم يكن له كفوا أحد ) ~~دليل على أن الوجود الحقيقي الذي له تبارك وتعالى وهو الوجود الذي يفيد ~~وجود غيره ولا يستفيد الوجود من غيره ليس إلا له تبارك وتعالى فقوله : ( ~~@QUR@04 قل هو الله أحد ). دليل على إثبات ذاته المنزه المقدس والصمدية ~~نفي وإضافة نفي الحاجة عنه واحتياج غيره إليه ، والأحدية ولم يلد إلى آخر ~~السورة سلب ما يوصف به غيره تعالى عنه ، فلا طريق في معرفة ذات الله تعالى ~~أبين وأوضح من سلب صفات المخلوقات عنه. ### ||| * فصل في كلام حول الصفات # يتخيل بعض الناس كثرة في ذات الله تعالى من طريق تعدد الصفات وقد صح قول ~~من قال في الصفات لا هو ولا غيره ، وهذا التخيل يقع من توهم التغاير ولا ~~تغاير في الصفات مثال ms444 ذلك : أن إنسانا يعلم صورة الكتاب وله علم بصورة بسم ~~الله التي تظهر تلك الصورة على القرطاس ، وهذه صفة واحدة وكمالها أن يكون ~~المعلوم تبعا لها ، فإنه إذا حصل العلم بتلك الكتابة ظهرت الصورة على ~~القرطاس بلا حركة يد وواسطة قلم ومداد ، فهذه الصفة من حيث إن المعلوم ~~انكشف بها يقال لها علم ، ومن حيث إن الألفاظ تدل عليها يقال لها القدرة ، ~~ولا تغاير هاهنا بين العلم والقدرة والكلام ، فإن هذه صفة واحدة في نفسها ~~ولا تكون هذه الاعتبارات الثلاثة واحدة ، وكل من كان أعور ينظر بالعين ~~العوراء فلا يرى إلا مطلق الصفة فيقول : هو هو ، وإذا التفت إلى الاعتبارات ~~الثلاث فقال : هي غيره ، ومن اعتبر مطلق الصفة مع الاعتبارات فقد نظر ~~بعينين صحيحتين اعتقد أنها لا هو ولا غيره والكلام في صفات الله تعالى وإن ~~كان مناسبا لهذا المثال فهو مباين له بوجه آخر ، وتفهيم هذه المعاني ~~بالكتابة عسير غير يسير ، وأما الوهم الذي وقع لبعض الناس أن المثال في حق ~~أوصاف الله تعالى لا يجوز فيدفعه أن ذلك المتوهم لم يميز بين المثل والمثال ~~، فإن المثال يحتاج إليه كما ذكرناه في أن يسترق للمعنى المعقول من الصور ~~المحسوسة صورة تضحه ، وتوصل ذلك المعنى المعقول إلى فهم المستفيد ، وأما ~~المحسوس فلا يحتاج إلى مثال لأن المحسوس بعينه مندرج في الخيال. ألا ترى أن ~~من رأى المقدحة والزند والنار تحصل بينهما لا يحتاج إلى مثال لهذه الأشياء ~~، ولكن المعقول المحض الذي لا يندرج في الخيال ولا يضبطه الخيال فإنه يحتاج ~~إلى الاستعانة بالخيال حتى يصل إلى فهم الضعفاء ، وليس لله تعالى مثل كما ~~قال ، ( @QUR@03 ليس كمثله شيء ) [الشورى : 11]. ولكن له مثال ، وقول النبي ~~عليه الصلاة والسلام : " إن الله تعالى خلق آدم على صورته". إشارة إلى هذا ~~المثال ، فإنه لما كان تعالى وتقدس موجودا قائما بنفسه حيا سميعا بصيرا ~~عالما قادرا متكلما فالإنسان كذلك ، ولو لم يكن الإنسان بهذه الأوصاف ~~موصوفا لم يعرف الله تعالى ، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام ms445 : " من ~~عرف نفسه فقد عرف ربه" ، فإن كل ما لم يجد الإنسان له من نفسه مثالا يعسر ~~عليه التصديق به والإقرار ، وقد أوحى الله تعالى إلى بعض الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام : أيها الإنسان اعرف نفسك تعرف ربك ، ولذلك لا يحيط علم ~~الإنسان بأخص وصف الله تعالى ، لأنه ليس في المبدعات والمخلوقات PageV01P340 # مثال وأنموذج من ذلك الوصف الخاص ، وكذلك الاسم للوصف الخاص الذي له ~~تعالى لأن الإنسان إنما يسمي الشيء بعد معرفته إياه ، وإذا لم يكن للإنسان ~~إليه طريق وأنموذج فلا علم له به ولا اسم له عنده ولا علامة. فكيف يعرفه؟ ~~فلذلك لا يعرف الله إلا الله. وأعني أخص وصفه وكنه معرفته فمن قال : إن ~~الإنسان حي عالم قادر سميع بصير متكلم والله تعالى كذلك لا يكون هذا القائل ~~مشبها ، فإن التشبيه إثبات المشاركة في الوصف الأخص ، ومن قال : إن السواد ~~عرض موجود وهو لون ، والبياض عرض موجود وهو لون لا يكون مشبها السواد ~~بالبياض ، فإن الاشتراك في اللونية والعرضية والوجودية لا يكون تشبيها ~~بينهما ، ولذلك لا تماثل بين السواد والبياض مع اشتراكهما في اللونية ~~والعرضية الوجدية ، فالمثال في حق الله سائغ جائز والمثل مستحيل ، فإنا ~~نقول : الله تعالى مدبر متصرف في العالم وليس في العالم مثال ذلك أن إصبع ~~الإنسان يتحرك ويحركه علمه وإرادته وليس فيها العلم والإرادة فيقع التفهيم ~~بسبب ذلك وتصور الضعيف أنه كيف يكون مدبرا فاعلا في شيء غير مجاور له ولا ~~حال فيه. ### ||| * فصل في تكليف الله تعالى عباده # تكليف الله تعالى عبادة لا يضاهي تكليف الإنسان عبده الأعمال التي يرتبط ~~بها غرضه وما لا حظ له فيه وما لا يحتاج إليه فلا يكلفه به ، وتكليف الله ~~تعالى عباده يجري مجرى تكليف الطبيب المريض ، فإذا غلبت عليه الحرارة أمره ~~بشرب المبردات والطبيب غني عن شربه لا يضره مخالفته ولا ينفعه موافقه ، ~~ولكن الضرر والنفع يرجعان إلى المريض وإنما الطبيب هاد ومرشد فقط ، فإن وفق ~~المريض حتى وافق الطبيب شفي وتخلص ، وإن لم يوفق فخالفه تمادى ms446 به المرض ~~وهلك ، وبقاؤه وهلاكه عند الطبيب سيان ، فإنه مستغن عن بقائه وفنائه ، فكما ~~أن الله تعالى خلق للشفاء سببا مفضيا إليه كذلك خلق للسعادة سببا وهو ~~الطاعات ، ونهى النفس عن الهوى بالمجاهدة المزكية لها عن رذائل الأخلاق ~~منجيات ورذائل في الآخرة مهلكات. كما أن رذائل الأخلاق ممرضات في الدنيا ~~ومهلكات والمعاصي بالإضافة إلى حياة الآخرة كالسموم بالإضافة إلى حياة ~~الدنيا وللنفوس طب كما أن للأجساد طبا والأنبياء عليهم الصلاة والسلام ~~أطباء النفوس يرشدون الخلق إلى طريق الفلاح بتمهيد الطريق المزكية للقلوب ، ~~كما قال الله تعالى: ( @QUR@08 قد أفلح من زكاها* وقد خاب من دساها ) ~~[الشمس : 9 و10]. ثم يقال : إن الطبيب أمره بكذا ونهاه عن كذا ، وأنه زاد ~~مرضه لأنه خالف الطبيب ، وأنه صح لأنه راعى قانون الطبيب ولم يقصر في ~~الاحتماء ، وبالحقيقة لم يتماد مرض المريض بمخالفة الطبيب لعين المخالفة ، ~~بل لأنه سلك غير طريق الصحة التي أمره الطبيب بها ، فكذلك التقوى هي ~~الاحتماء الذي ينفي عن القلوب أمراضها وأمراض القلوب تفوت حياة الآخرة كما ~~تفوت أمراض الأجساد حياة الدنيا ، والمثال الآخر أن ملكا من ملوك الناس يمد ~~بعض عبيده الغائب عن مجلسه بمال ومركوب ليتوجه تلقاءه لينال رتبة القرب منه ~~، ويسعد بسببه مع استغناء الملك PageV01P341 # عن الاستعانة به ، وتصميم العزم على أن لا يستخدمه أصلا ، ثم إن العبد إن ~~ضيع المركوب وأهلكه وأنفق المال لا في زاد الطريق كان كافرا للنعمة ، وإن ~~ركب المركوب وأنفق المال في الطريق متزودا به كان شاكرا للنعمة لا بمعنى ~~أنه أنال الملك حظا ، فإنه لم يرد في الإنعام عليه وفي تكلفه الحضور حظا ~~لنفسه ولكن أراد سعادة العبد ، فإنه وافق مراد السيد فقبه كان شاكرا وإن ~~خالف عدت مخالفته كفرانا ، والله تعالى يستوي عنده كفر الكافرين وإيمانهم ~~بالإضافة إلى جلاله واستغنائه ، ولكنه لا يرضى لعباده الكفر ، فإنه لا يصلح ~~لعباده فإنه يشقيهم ، كما لا يرضى الطبيب هلاك المرضى ويعالجهم ، ولا يرضى ~~الملك المستغني عن عبده لعبده الشقاوة بالبعد عنه ويريد له السعادة ms447 بالقرب ~~منه وهو غني عنه قرب أو بعد ، فهكذا ينبغي أن يفهم أمر التكليف فإن الطاعات ~~أدوية والمعاصي سموم وتأثيرها في القلوب ، ولا ينجو إلا من أتى الله بقلب ~~سليم ، كما لا تسعد الصحة إلا من أتى بمزاج معتدل ، وكما يصح قول الطبيب ~~للمريض قد عرفتك ما يضرك وما ينفعك ، فإن وافقتني فلنفسك وإن خالفت فعليها ~~، كذلك قال الله تعالى : ( @QUR@010 من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل ~~فإنما يضل عليها ) [الإسراء : 15]. وقوله : ( @QUR@07 من عمل صالحا فلنفسه ~~ومن أساء فعليها ) [فصلت : 46 ، الجاثية : 15]. وأما العقاب على ترك الأمر ~~وارتكاب النهي فليس العقاب من الله تعالى غضبا وانتقاما. ومثال ذلك أن من ~~غادر الوقاع عاقبه الله تعالى بعدم الولد ، ومن ترك إرضاع الطفل عاقبه ~~بهلاك الولد ، ومن ترك الأكل والشرب عاقبة بالجوع والعطش ، ومن ترك تناول ~~الأدوية عاقبة بألم المرض وغضب الله تعالى على عبادة غير إرادته الإيلام ، ~~كما إن الأسباب والمسببات يتأدى بعضها إلى بعض في الدنيا بترتيب مسبب ~~الأسباب فبعضها يفضي إلى الآلام وبعضها إلى اللذات ولا يعرف عواقبها إلا ~~الأنبياء ، فكذلك نسبة الطاعات والمعاصي إلى آلام الآخرة ولذاتها من غير ~~فرق ، فالسؤال عن أنه لم تفض المعصية إلى العقاب كالسؤال في أنه لم يهلك ~~الحيوان عن السم ، ولم يؤد السم إلى الهلاك ، ولم يخلق جسد الإنسان على وجه ~~يفعل فيه السم أثرا وينفعل البدن عنه وهو لا ينفعل عن البدن ، فكذلك الكلام ~~في أنه لما خلق الله تعالى نفس الإنسان على وجه تكملها وتنجيها الفضائل ~~وتهلكها الرذائل ، هذا والله تعالى غير عاجز عن الإشباع من غير أكل ~~والإدواء من غير شرب ، والإنشاء من غير مصاحبة وقاع ، والإنماء من غير رضاع ~~، ولكنه قد رتب الأسباب والمسببات ، ولذلك سر وحكمة لا يعلمها إلا الله ~~تعالى والراسخون في العلم ، وليس هذا بعجب ، وإنما العجب من هذا التدبير ~~المحكم والنظام المتقن ، ولعمري أن من لا يهتدي إلى سر الحكمة فيه يتعجب ~~منه لقصور هدايته ، ولو كان كذلك لضاع حظ النبات والحيوانات التي هي ms448 ألطف ~~الحيوانات وأقربها إلى الاعتدال مثل العنم والنعاج والقباج والدجاج وغيرها ~~، وكمال النبات أن يصير غذاء لما هو أعلى منه بالرتبة وهو الحيوان ، ولذلك ~~يقوم بدل ما يحلل منه فيصير جزء منه متشبها به وهذا كماله ، وكذلك نسبة ~~الحيوانات PageV01P342 # المذبوحة إلى الإنسان ونسبة الإنسان إلى الملائكة في جنات عدن كما قال ~~تعالى : ( @QUR@06 والملائكة يدخلون عليهم من كل باب ) [الرعد : 23]. وأما ~~كون بعض الحيوانات العجم غذاء لبعض السباع الضارية ففي السباع الضواري ~~فوائد ومنافع سياسية وطبية يعرفها أرباب السياسة والأطباء ، ومثال من يتعجب ~~من وضع هذه الأشياء على ترتيب النظام الكلي على موجب تقدير العزيز الحكيم ~~كمثل الأعمى الذي دخل دارا فتعثر بالأواني الموضوعة في صحن الدار ، فقال ~~لأهل الدار : ما الذي أزال عقولكم؟ لما ذا لا تردون هذه الأواني إلى ~~مواضعها؟ ولم تركتموها على الطريق؟ فقيل له : إنها موضوعة في مواضعها ، ~~وإنما الخلل من فقد البصر ، وكمثل الأخشم الذي لا يدرك الروائح فيلوم واضع ~~اللخالخ والمثلثات والفواكه العطرة الطيبة بين يديه ، فقال : هذا قد شغل ~~المكان فقط ، فقيل له في العودة فائدة سوى اتخاذه على جهة الحطب ، وإنما ~~المانع من إدراكه هو الخشم. # وهاهنا مباحثة أخرى منها : إن الله تعالى كيف يأمر بالشيء ويمنع من البحث ~~عنه والبصيرة لا تحصل إلا بالبحث عنه وهذا تعجب فاسد ، فإن العلم يستدعي ~~اعتقادا جازما أو معرفة حقيقية ، والاعتقاد الجازم يعرف بالتقليد المجرد ~~على سبيل التصديق والإيمان ، والمعرفة تحصل بالبرهان والوصول إليها بالبحث ~~، ولم يمنع عن البحث الخلائق كلهم ، بل الضعفاء العاجزون عن الاطلاع على ~~حقائق البرهان ومعضلات البحث ، ومثل ذلك الطبيب الذي يأمر العليل بشرب ~~الدواء ويمنعه عن البحث عن سبب كون هذا الدواء شافيا ، فإنه يقصر عنه فهمه ~~ويشق عليه ويعجز عنه ويزداد المرض ويستضر به ، فإن وجد على سبيل الندور ~~مريضا ذكيا سالكا منهاج الطب وعلل الأمراض لم يمنعه من البحث ولم يمنعه عن ~~ذكر المناسبة بين دوائه وبين مرضه ، بل إذا علم أنه ليس يؤمن بمجرد قوله ~~وليس يقلد محض ms449 التقليد لما خص به من الذكاء وما يفهم من أسباب العلة ، وعلم ~~أنه إذا فهم العلة والمناسبة اشتغل بالعلاج ، وإن لم يكن يفهم أعرض عن ~~التقليد وجب عليه ذكر المناسبة والعلة ولم يمنع من البحث إذا علم استقلاله ~~به ، إلا أن ذلك نادر في المرضى جدا ، والأكثرون يضعفون عن ذلك وكذلك معرفة ~~العلل والأسرار والبحث عنها في الشرعيات من هذا القبيل ، وأما تسخير ~~البهائم للإنسان مثل من يمشي خطوات مثلا ينظر إلى منتزهات ووجوه حسان ، ~~فيقال له : كيف أتعب رجله وسخرها لأجل عينيه والعين آلته ، كما أن الرجل ~~آلته فما باله جعل إحداهما خادمة وأتعبها ، وجعل الأخرى مخدومة وطلب راحتها ~~، وهذا جهل بالأقدار والمراتب ، بل العاقل يعلم أن الكامل أبدا يفدى ~~بالناقص ، وأن الناقص يستسخر لأجل الكامل وهو عين الحكمة وليس ذبك بظلم ، ~~فإن الظلم هو التصرف في ملك الغير ، والله تعالى لا يصادف لغيره ملكا حتى ~~يكون تصرفه فيه ظلما فلا يتصور منه ظلم ، بل له أن يفعل ما يشاء في ملكه ~~ويكون عادلا ، والوحي الإلهي والشرع الحق لا يرد بما ينبو عنه العقل ، فإن ~~أراد ينبو العقل أن برهان العقل يدل على PageV01P343 # استحالته كخلق الله تعالى مثل نفسه أو الجمع بين المتضادين ، فهذا ما لا ~~يرد الشرع به ، وإن أراد به ما يقصر العقل عن إدراكه ولا يستقل بالإحاطة ~~بكنهه فهذا ليس بمحال أن يكون في علم الأطباء مثلا جلب المغناطيس للحديد ، ~~وأن المرأة لو مشت فوق حية مخصوصة ألقت الجنين وغير ذلك من الخواص ، وهذا ~~مما ينبو عنه العقل بمعنى أنه لا يقف على حقيقته ولا يستقل بالاطلاع عليه ~~فلا ينبو عنه الحكم باستحالته ، وليس كل ما لا يدركه العقل محالا في نفسه ~~بل لو لم نشاهد قط النار وإخراجها فأخبرنا مخبر وقال : إني أصك خشبة بخشبة ~~وأستخرج من بينهما شيئا أحمر بمقدار عدسة فتأكل هذه البلدة وأهليها حتى لا ~~يبقى منهم شيء من غير أن ينتقل ذلك إلى جوفها ، ومن غير إن يزيد في حجمها ~~بل ms450 تأكل نفسها فلا تبقى هي ولا البلد ، لكنا نقول : هذا الشيء ينبو عنه ~~العقل ولا يقبله ، وهذه صورة النار والحس قد صدق ذلك ، وكذلك قد يشتمل ~~الشرع على مثل هذه العجائب التي ليست مستحيلة ، وإنما هي مستبعدة وفرق بين ~~البعيد والمحال ، فإن البعيد هو ما ليس بمألوف والمحال ما لا يتصور كونه ، ~~وأما معنى قول الله تعالى : ( @QUR@06 لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون ) ~~[الأنبياء : 23]. وقوله تعالى : ( @QUR@06 لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا ) ~~[طه : 125]. فالسؤال قد يطلق ويراد به الإلزام يقال : ناظر فلان فلانا ~~ويتوجه عليه سؤاله وقد يطلق ويراد به الاستخبار كما يسأل التلميذ أستاذه ، ~~والله تعالى لا يتوجه عليه السؤال بمعنى الإلزام وهو المعنى بقوله : ( ~~@QUR@04 لا يسئل عما يفعل ). إذ لا يقال له : لم قول إلزام فأما أن لا ~~يستخبر ولا يستفهم فليس كذلك وهو المراد بقوله : ( @QUR@03 لم حشرتني أعمى ~~). وهذا القدر كاف في جواب هذه الأسئلة ، ومن ترق عن محل التقليد بأدنى ~~كياسة ولم ينته إلى رتبة الاستقلال كان من الهالكين ، فنعوذ بالله من كياسة ~~لا تنفع فإن الجهالة أدنى إلى الخلاص والنجاة منها ، شعر : # ولم أر في عيوب الناس شيئا %~% كنقص القادرين على التمام ### ||| * فصل # إذا عرفت أنك حادث ، وأن الحادث لا يستغني عن محدث فقد حصل لك البرهان ~~على الإيمان بالله ، وما أقرب إلى العقل من هاتين المعرفتين. أعني أنك حادث ~~وأن الحادث لا يحدث بنفسه ، وإذا عرفت نفسك وأنك جوهر خاصيتك معرفة الله ~~ومعرفة ما ليس بمحسوس وليس البدن من قوام ذاتك ، فانهدام البدن لا يعدمك ~~فقد عرفت اليوم الآخر بالبرهان فإنه لا معنى له إلا أن لك يومين يوم حاضر ~~أنت فيه مشغول بهذا البدن ، ويوم آخر أنت فيه مفارق لهذا الجسد ، وإذا لم ~~يكن قوامك بالجسد وقد فارقته بالموت فقد حصل اليوم الآخر ، وإذا عرفت أنك ~~إذا فارقت المحسوسات بمفارقة الجسد تلقيت إما نعمة هي معرفة الله تعالى ~~التي هي خاصية ذاتك ومنتهى لذاتك بمقتضى طبعك الأصلي لو لم تمرض بالميل إلى ~~الشهوات ms451 ، وإما عذابا بالحجاب عن الله تعالى : ( @QUR@05 وحيل بينهم وبين ~~ما يشتهون ) [سبأ : 54]. وعرفت أن سبب المعرفة الذكر والفكر PageV01P344 # والإعراض عن غير الله تعالى ، وسبب المرض المانع عن ذكر الله معرفته ~~الإقبال على الشهوات والحرص على الدنيا ، وعرفت أن الله تعالى قادر على أن ~~يعرف عموم عباده ذلك بواسطة الكشف لبعض خواص عباده ، وعرفت أنه قد فعل ذلك ~~فقد عرفت رسله بالبرهان وآمنت ، وإذا عرفت أن هذه التعريفات بالأنبياء إنما ~~تكون في كسوة ألفاظ وعبارات توحى إليهم وتلقى في سمعهم إما في يقظة أو في ~~منام ، فقد آمنت بالكتب ، وإذا عرفت أن أفعال الله تعالى منقسمة إلى ما ~~فعله بواسطة وإلى ما فعله بغير واسطة وأن وسائطه مختلفة المراتب فالوسائط ~~القريبة هم المقربون وعنهم يعبر بالملائكة ، لكن معرفة هذا بطريق البرهان ~~عسير والقول فيه طويل فصدق الرسل في أخبارهم عنهم بعد أن عرفت صدق الرسل ~~بالبرهان ، واكتف بذلك فإنه درجة من درجات الإيمان ( @QUR@09 يرفع الله ~~الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ) [المجادلة : 11]. ### ||| * فصل # كل ما يتوالد فلا يستحيل أن يتولد أصلا ، وما يتولد لا يستحيل أن يتوالد ~~فقوله تعالى : ( @QUR@05 إنا خلقنا الإنسان من نطفة ) [الدهر : 2]. إنما ~~عنى به الإنسان التوالدي ، وقوله : ( @QUR@03 خلقناكم من تراب ) [الحج : ~~5]. عنى به الإنسان التولدي ، وقد تتولد العقارب من الباذورج ولباب الخبز ~~والحيات من العسل والنحل من العجل والمنخنق المنكسر عظامه والبق من الخل ~~وسام أبرص من القرنبيط والخنافس من البعرة ومن نوى النبق العقرب الجراوة ~~ومن الشعر الحيات ومن الطين والمدر الفأر ومن طين أصول القصب الدائم ~~والرطوبة الطير ولا سيما طير الماء وأمثال ذلك. كما ذكر في كتب الطلسمات ~~وغيرها ، ثم يتوالد هذا المتولد ويبقى نوعه بالتوالد وانطباق دائرة معدل ~~النهار على فلك البروج مما يدل على خراب العالم السفلي وتغييره للفصول. ~~أعني الربيع والصيف والخريف والشتاء فلا يبقى الحرث والنسل كما قال تعالى : ~~( @QUR@04 كل من عليها فان ) [الرحمن : 36]. يعني على الأرض ، فخلق الله ~~تعالى آدم من تراب ثم حصل منه التوالد ونظير ذلك ms452 مشاهد ، وكذا الصنائع ~~والحرف تحصل من طريق الإلهام ثم تستفاد وتتعلم ، وتحصل النار من المقدحة ~~والزند ثم تقتبس بعد حصولها : ( @QUR@04 ذلك تقدير العزيز العليم ) [يس : ~~38]. الذي خلق عند انفراج الدائرتين معدل النهار وفلك البروج الذي يتزايد ، ~~الميل الذي خلق بينهما آدم من تراب ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ، ثم ~~سواه ونفخ فيه من روحه ، فمن شك في كيفية بدء الخلق ووضع الصانع الحكيم في ~~التوالد والتولد ، فلينظر إلى المحسوسات التي ذكرناها ، وأما النشأة الأخرى ~~وكيفية عود النفوس والأرواح إلى أشباحها فمذكورة في بابها. ### ||| * فصل في المبدعات # المبدعات والمخلوقات أحدثها الله تعالى بالترتيب ، فهو الأول الذي لا أول ~~قبله ومنه تحصل المبدعات بل الممكنات بأسرها ، ثم ينزل الترتيب من الأشرف ~~فالأشرف حتى ينتهي إلى المادة PageV01P345 # التي هي أخس الأشياء ، ثم ابتدأ تعالى من الأخس عائدا إلى الأشرف حتى ~~انتهى إلى الإنسان ويعود الإنسان عند زكاء نفسه إلى حيث قال : ( @QUR@05 ~~ارجعي إلى ربك راضية مرضية ) [الفجر : 28]. ولذلك قال : ( @QUR@05 هو الأول ~~والآخر والظاهر والباطن ) [الحديد : 3]. أما الظاهر فمركوز في غرائز العقول ~~أن للكل مبدأ وأن للحادث محدثا وللممكن موجودا واجبا ، أما الباطن فلأن ~~وصفه الخاص لا يعرفه إلا هو وربما كان باطنا لغاية ظهوره ، كما أن الشمس ~~التي هي في غاية البعد عن هذا المثال ظاهر وباهر وبسبب غاية ظهورها لا ~~تدركها الحاسة المبصرة محاذاة ومقابلة. # والميزان : ما يعرف به حقائق الأشياء ويميز به صحيح العقيدة من الفاسد ~~وهو الواسطة بين السماء والأرض حيث قال : ( @QUR@017 والسماء رفعها ووضع ~~الميزان* ألا تطغوا في الميزان* وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان* ~~والأرض وضعها للأنام ) [الرحمن : 7. 10]. وذلك الميزان سر من أسرار ~~الربوبية لا يعرفه إلا الراسخون في العلم ، والله أعلم. ### ||| * الركن الثاني في معرفة الملائكة # الملائكة والجن والشياطين جواهر قائمة بأنفسها مختلفة بالحقائق اختلافا ~~يكون بين الأنواع. # مثال ذلك : القدرة فإنها مخالفة للعلم والعلم مخالف للقدرة وهما مخالفا ~~اللون واللون والقدرة والعلم أعراض قائمة بغيرها ، فكذلك بين الملك ~~والشيطان والجن اختلاف ومع ذلك ms453 ، فكل واحد جوهر قائم بنفسه وقد وقع ~~الاختلاف بين الجن والملك فلا يدري أهو اختلاف بين النوعين كالاختلاف بين ~~الفرس والإنسان ، أو الاختلاف في الأعراض كالاختلاف بين الإنسان الناقص ~~والكامل ، وكذا الاختلاف بين الملك والشيطان ، وهو أن يكون النوع واحدا ~~والاختلاف واقعا في العوارض ، كالاختلاف بين الخير والشرير ، والاختلاف بين ~~النبي والولي ، والظاهر أن اختلافهم بالنوع والعلم عند الله تعالى ، وهذه ~~الجواهر المذكورة لا تنقسم ، أعني أن محل العلم بالله تعالى واحد لا ينقسم ~~، فإن العلم الواحد لا يحل إلا في محل واحد وحقيقة الإنسان كذلك ، فالعلم ~~والجهل بشيء واحد في محل واحد متضادان وفي المحلين غير متضادين ، وإما أن ~~هذا الجوهر غير منقسم وهل هو متحيز أم لا؟ فهذا الكلام عائد إلى معرفة ~~الجزء الذي لا يتجزأ ، فإن استحال الجزء الذي لا يتجزأ فهذا الجوهر غير ~~منقسم ولا متحيز ، وإن لم يستحل الجزء الذي لا يتجزأ فيمكن أن يكون هذا ~~الجوهر متحيزا وقد قال قوم : لا يجوز أن يكون غير منقسم ولا متحيز ، فإن ~~الله تعالى غير منقسم ولا متحيز فما الذي يفصل هذا من ذلك ، وهذا غير مبرهن ~~عليه لأنه ربما تباينا في حقيقة الذات ، وإن سلب عنهما الانقسام والتحيز ~~والأمور المكانية وتلك سلوب والاعتبار بالحقائق لأن ما سلب عن الحقائق ~~كالعرضين المختلفين بالحد والحقيقة أن الحالين في محل واحد ، فإن إيجاب ~~احتياجهما إلى المحل وكونهما في المحل لا يفيد تماثلهما ، فكذلك سلب ~~الاحتياج إلى المحل والمكان لا يفيد PageV01P346 # اشتراك الشيئين ، ويمكن إن تشاهد هذه الجواهر. أعني جواهر الملائكة وإن ~~كانت غير محسوسة ، وهذه المشاهدة على ضربين إما على سبيل التمثل كقوله ~~تعالى : ( @QUR@04 فتمثل لها بشرا سويا ) [مريم: 17]. وكما كان النبي عليه ~~الصلاة والسلام يرى جبريل في صورة دحية الكلبي. القسم الثاني أن يكون لبعض ~~الملائكة بدن محسوس ، كما أن نفوسنا غير محسوسة ولها بدن محسوس هو محل ~~تصرفها وعالمها الخاص بها ، فكذلك بعض الملائكة ، وربما كان هذا البدن ~~المحسوس موقوفا على إشراق نور النبوة كما أن محسوسات ms454 عالمنا هذا موقوف عند ~~الإدراك على إشراق نور الشمس ، وكذا في الجن والشياطين. ### ||| * فصل في وقوع مزاج قريب من مزاج آخر # وقوع مزاج من مزاج غير مستحيل ، فنسبة نفس مزاج واحد هو قريب إلى مزاج ~~آخر إلى نفس ذلك المزاج نسبة مقارنة ، فإن كان لإنسان مزاج خاص وله نفس ~~خاصة ثم مات صاحب ذلك المزاج وحدث بعده مزاج خاص وله نفس خاصة ثم مات صاحب ~~ذلك المزاج وحدث بعده مزاج آخر قريب منه ، وذلك عند الأدوار والتشكلات ~~الفلكية مثال ذلك حدث مزاج وتشكل الفلك على هيئة مخصوصة ، ثم عادت تلك ~~التشكلات بأسرها عودا يمكن لها وإن لم يكن بالنسبة المخصوصة ، إلى مبدأ ~~واحد ، فحدث مزاج آخر استحق المزاج الحادث نفسا أخرى لتلك النفس مع النفس ~~المفارقة التي كانت للمزاج المناسب له مناسبة لها ، فلا تتعلق النفس ~~المفارقة بهذا المزاج تعلقا كليا لاستحالة تصرف النفسين في بدن واحد ، ~~فتتعلق بذلك المزاج تعلقا دون تعلق تلك النفس الحادثة معه ، فتزداد خيرا إن ~~كانت خيرة وشرا إن كانت شريرة ، ولذلك يقال لكل إنسان جني يشاكله ويعاونه ~~أو شيطان يغويه ويضله ، وإن حدث مزاجان في زمان واحد في بدنين أو في مكانين ~~وحدثت لهما نفسان كانتا تربين ففي الأبدان تربان وفي النفوس تربان ، وكل من ~~تكون مناسبة الأرواح المفارقة إلى روحه أكثر حدث به من تلك الاتصالات أنواع ~~من الأخلاق ، فيكون عرافا كاهنا أو صاحب تنجيم أو غير ذلك ، وربما كانت ~~القوة الوهمية بعد المفارقة بحيث يصير لها العالم المحسوس بدنا ولا تتعداه ~~إلى العالم الأعلى ، فتطالع الأسباب الجزئية في هذا العالم فتستفيد النفس ~~البدنية المتصلة بها معرفة ما والشرير منها في غاية الشر ، لأنها خرجت عن ~~المادة ، فالشرير شيطان والخير من الطبقة الناقصة جن والجن والشياطين علائق ~~يتمسك بها البشر وأفعال روحانية هي مولدات لأفعال طبيعية ، والخلاص عن ~~المادة دليل كمال القوة سواء كانت تلك القوة قوة رداءة أو قوة خير ، وأما ~~القاعدة عن اليمين والشمال فقالوا فيهما ما قالوا ، والحق أن هذا ms455 سر إنما ~~يعرفه الأنبياء والمرسلون عليهم السلام ، وملائكة السماوات المدبرون ~~المتصرفون في أجرام السماوات لا يعلم أعداد تلك الأجرام إلا الله تعالى ، ~~كما قال الله تعالى : ( @QUR@06 وما يعلم جنود ربك إلا هو ) [المدثر: 31]. ~~وملك الموت هو الملك الذي يأمره الله تعالى بقبض الأرواح متضمنا تفريق ~~المزاج الذي استحق قبول تلك النفس مثاله مثال مطفئ السراج بالنفخ، والنفخ PageV01P347 # نفخان : نفخ يوقد كما قال تعالى : ( @QUR@04 فنفخنا فيه من روحنا ) ~~[الأنبياء : 91]. ونفخ يطفئ كما قال تعالى : ( @QUR@010 ونفخ في الصور فصعق ~~من في السماوات ومن في الأرض ) [الزمر : 68]. وقال تعالى : ( @QUR@08 ثم ~~نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ) [الزمر : 68]. ### ||| * الركن الثالث في المعجزات وأحوال الأنبياء عليهم السلام # تسبيح الحصى ، وقلب العصا حية تسعى ، وكلام البهائم وكلام الشاة التي ~~قالت للنبي عليه الصلاة والسلام حين سمتها اليهودية لا تأكل مني فإني ~~مسمومة ، وأمثال ذلك على ثلاثة أقسام : القسم الأول الحسي ، والثاني ~~الخيالي والثالث العقلي. # القسم الأول : الحسي ، وهو أن يخلق الله العلم والحياة والقدرة في الحصى ~~حتى يتكلم. وفي البهيمة العقل والقدرة والنطق وذلك ليس بمحال فإن الله ~~تعالى قادر على أن يخلق في الباذروج حياة وقدرة وسما ، ويخلق منه عقربا ، ~~ويخلق من نوى النبق كذلك. ويخلق من لحوم البقر ، النحل ، ومن النطفة ~~الإنسان وسائر الحيوانات من موادها ، فهو قادر على أن يخلق بإعجاز نفس ~~نبوية في الحصاة حياة وقدرة ، ومن شاهد خلق الحية النضناضة من شعر امرأة ~~ويحس ولا يتعجب من قلب الشعر حية ، فكيف يتعجب من قلب العصا حية ، والخشب ~~كان ذا نفس نامية نباتية ، والشعر لم يكن قط ذا نفس ، والأجسام متماثلة ~~فكما جاز ذلك في أجسام الناس جاز ذلك في سائر الأجسام ، وإن كان الجسم ~~الإنساني بسبب اعتدال المزاج قابلا لهذه الأشياء ، فكل جسم مستعد لقبول ~~المزاج المعتدل. وإن كان الاعتدال موقوفا على الحرارة والرطوبة ، فليس ~~يمتنع أن يكون كل جسم قابلا للحرارة والرطوبة ويكون دعاء النبي وهمته ~~يؤثران في كينونة هذه الأشياء من غير مهلة ومدة ، وإن جرت العادة أن ms456 يخلق ~~الله تعالى مثل هذه الأشياء في مدة وبذلك يظهر شرف الأنبياء وخرق العادة ~~ليس بمحال مثال ذلك : الشمس والنار ، فإن ما يحصل من تأثير الشمس في ~~المائعات وغيرها إنما يحصل بمدة على سبيل التدريج ، وما يحصل من إسخان ~~النار يكون دفعة فلم استحال أن يكون تأثير مراد الأنبياء على وجه تكون نسبة ~~إسخان النار إلى إسخان الشمس. # القسم الثاني : العقلي ، وهو قول الله تعالى : ( @QUR@06 وإن من شيء إلا ~~يسبح بحمده ) [الإسراء : 44]. وهو شهادة كل مخلوق ومحدث على خالقه وموجوده ~~كشهادة البناء على الباني والكتابة على الكاتب ، ويقال لذلك لسان الحال ~~والمتكلمون يقولون هذه دلالة الدليل على المدلول ، والحمقى من الناس لا ~~يعرفون هذه الرتبة ولا يقرون بها. # القسم الثالث : الخيالي ، أن لسان الحال يصير مشاهدا محسوسا على سبيل ~~التمثيل. وهذه خاصية الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام ، كما أن لسان ~~الحال يتمثل في المنام لغير الأنبياء ويسمعون صوتا وكلاما كما يرى في منامه ~~، أن جملا يكلمه أو فرسا يخاطبه أو ميتا يعطيه شيئا أو يأخذ بيده أو يسلب ~~منه شيئا أو تصير إصبعه شمسا أو قمرا أو يصير ظفره أسدا أو غير ذلك مما ~~يراه النائم في PageV01P348 # منامه ، فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام يرون ذلك في اليقظة وتخاطبهم هذه ~~الأشياء في اليقظة ، فإن المتيقظ لا يميز بين أن يكون ذلك نطقا خياليا أو ~~نطقا حسيا من خارج ، والنائم إنما يعرف ذلك بسبب انتباهه والتفرقة بين ~~النوم واليقظة ، ومن كانت له ولاية تامة تفيض تلك الولاية أشعتها على ~~خيالات الحاضرين حتى أنهم يرون ما يراه ويسمعون ما يسمعه ، والتمثل الخيالي ~~أشهر هذه الأقسام والإيمان بهذه الأقسام كلها وأجمعها واجب. ### ||| * فصل في الشفاعة # وأما شفاعة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والأولياء ، فالشفاعة عبارة عن ~~نور يشرق من الحضرة الإلهية على جوهر النبوة ينشر منها إلى كل جوهر استحكمت ~~مناسبته مع جوهر النبوة لشدة المحبة وكثرة المواظبة على السنن وكثرة الذكر ~~بالصلاة عليه صلى الله عليه وسلم ومثاله نور الشمس إذا وقع على الماء فإنه ms457 ~~ينعكس منه إلى موضع مخصوص من الحائط لا إلى جميع المواضع ، وإنما اختص ذلك ~~الموضع لمناسبة بينه وبين الماء في الموضع وتلك المناسبة مسلوبة على سائر ~~أجزاء الحائط ، وذلك الموضع هو الذي إذا خرج منه خط إلى موضع النور من ~~الماء حصلت منه زاوية إلى الأرض مساوية للزاوية الحاصلة من الخط الخارج من ~~الماء إلى قرص الشمس بحيث لا يكون أوسع منه ولا أضيق. مثال ذلك لائح وهذا ~~لا يمكن إلا في موضع مخصوص من الجدار ، فكما إن المناسبات الوضعية تقتضي ~~الاختصاص بانعكاس النور فالمناسبات المعنوية العقلية أيضا تقتضي ذلك في ~~الجواهر المعنوية ، ومن استوى عليه التوحيد فقد تأكدت مناسبته مع الحضرة ~~الإلهية فأشرق عليه النور من غير واسطة ، ومن استولت عليه السنن والاقتداء ~~بالرسول ومحبة أتباعه ولم ترسخ قدمه في ملاحظة الوحدانية لم تستحكم مناسبته ~~إلا مع الواسطة ، فافتقر إلى واسطة الماء المكشوف للشمس إلى مثل هذا ترجع ~~حقيقة الشفاعة في الدنيا ، فالوزير الممكن في قلب الملك المخصوص بالعناية ~~قد يغضي الملك عن هفوات أصحاب الوزير يعفو عنهم لا لمناسبة بين الملك ~~وأصحاب الوزير ، لكن لأنهم يناسبون الوزير المناسب للملك ، ففاضت العناية ~~عليهم بواسطة الوزير لا بأنفسهم ، ولو ارتفعت الواسطة لم تشملهم العناية ~~أصلا ، لأن الملك لا يعرف أصحاب الوزير واختصاصهم به إلا بتعريف الوزير ~~وإظهار الرغبة في العفو عنهم فيسمى لفظه في التعريف وإظهاره الرغبة في ~~العفو عنهم فيسمى لفظه في العريف إظهار شفاعة على سبيل المجاز ، وإنما ~~الشفيع مكانته عند الملك وإنما اللفظ لإظهار الغرض والله مستغن عن التعريف ~~، ولو عرف الملك حقيقة اختصاصه بالوزير لاستغنى عن اللفظ وحصل العفو بشفاعة ~~لا نطق فيها ولا كلام ، والله تعالى عالم به ، فلو أذن للأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام في التلفظ بما هو معلوم عند الله تعالى لكانت ألفاظهم ألفاظ ~~الشفعاء ، وإذا أراد الله تعالى أن يمثل حقيقة الشفاعة بمثال يدخل في الحس ~~والخيال لم يكن ذلك التمثيل إلا بألفاظ مألوفة بالشفاعة ويدل على ذلك ~~انعكاس النور بطريق المناسبة ، وإن ms458 جميع ما ورد في الأخبار عن استحقاق ~~الشفاعة PageV01P349 # متعلق بما يتعلق بالرسول عليه الصلاة والسلام من صلاة عليه أو زيارة ~~لقبره أو جواب المؤذن والدعاء له عقيبه وغير ذلك مما يحكم علاقة المودة ~~والمحبة والمناسبة معه. ### ||| * الركن الرابع في أحوال ما بعد الموت ### ||| * فصل في عذاب القبر # في عذاب القبر ، النفس إذا فرقت البدن حملت القوة الوهمية معها كما ~~ذكرناها ، وتتجرد عن البدن منزهة ليس يصحبها شيء من الهيئات البدنية ، وهي ~~عند الموت عالمة بمفارقتها عن البدن وعن دار الدنيا متوهمة نفسها الإنسان ~~المقبور الذي مات ، وعلى صورته كما كان في الدنيا يتخيل ويتوهم وتتخيل ~~بدنها مقبورا ويتخيل الآلام الواصلة إليها على سبيل العقوبات الحية على ما ~~وردت به الشرائع الصادقة ، فهذا عذاب القبر ، وإن كانت سعيدة تتخيله على ~~صورة ملائمة على وفق ما كانت تعتقده من الجنات والأنهار والحدائق والغلمان ~~والولدان والحور العين والكأس من المعين ، فهذا ثواب القبر فلذلك قال النبي ~~عليه الصلاة والسلام : " القبر إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر ~~النيران". فالقبر الحقيقي هذه الهيئات ، وعذاب القبر وثوابه ما ذكرناهما ، ~~والنشأة الأخرى خروج النفس عن غبار هذه الهيئات كما يخرج الجنين من القرار ~~المكين ، كما قال تعالى : ( @QUR@010 قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو ~~بكل خلق عليم ) [يس : 79]. وقوله تعالى : ( @QUR@011 الذي جعل لكم من الشجر ~~الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون ) [يس : 80]. دليل ظاهر ومثال بين لهذه ~~النشأة. ### ||| * فصل # قول النبي صلى الله عليه وسلم : " من مات فقد قامت قيامته" ، الفاء هنا ~~للتعقيب يعني قامت قيامة الميت عند موته. مثال ذلك : من سرق نصابا كاملا من ~~حرز ، فقد استحق قطع يده ، وهذا عقاب لا يتأخر عن هذا الفعل. وقال تعالى ~~أيضا : ( @QUR@016 ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى ~~فئة فقد باء بغضب من الله ) [الأنفال : 16]. والقيامة الكبرى ميعاد عند ~~الله تعالى لا يجليها لوقتها إلا هو ، وعلمها عند الله ، والأوقات والأزمنة ~~وإن كان فيها تشابه فلكل واحد منها خواص ببعض أنواع ms459 الوجود يعتبر ذلك في ~~أوقات الحرث والنسل وغيرهما ، وعند المتكلمين يرجع ذلك إلى مشيئة الله ~~تعالى ، فإنه تعالى يخصص وقتا يوجد فيه موجودا بإرادته ومشيئته مع أن ~~الأوقات متشابهة بالإضافة إلى القدرة وإلى ذات القديم سبحانه وتعالى ، ~~والفلاسفة يقولون : إن مبادئ الحوادث حركات الأفلاك ، وإن أدوارها مختلفة ، ~~وكل شكل من تشكلات مباين غيره من التشكلات مقرر ذلك في براهين أقليدس ، إذ ~~كل تشكل وكل عودة كل من تلك التشكلات لا تعود بعينها ، وبذلك يبطلون دعوى ~~المنجمين في التجربة لكل عودة وتشكل من تشكلات الفلك ، فيجوز أن يتجدد دور ~~مباين لسائر الأدوار تحدث فيه الحيوانات غريبة الشكل لم ير مثلها قبلها قط ~~، وإذا ألقينا حجرا في الماء يحدث فيه شكل مستدير تكون استدارة هذا الشكل ~~مناسبة لعمقه PageV01P350 # وكلما ازداد عمقه ازدادت تلك الدائرة ، فإذا ألقينا حجرا آخر قبل تمام ~~هذه الدائرة لم يلزم أن تكون حركة الماء في النوبة الثانية كحركته في ~~النوبة الأولى ، لأن الماء في الأولى ساكن وفي الأخرى متحرك ، فإن تشكيل ~~الحجر للمتحرك خلاف تشكيله للساكن ، فتخلف الأشكال مع تساوي الأسباب ~~لامتزاج أثر السابق باللاحق. وهب أن تشكلا للمتحرك وافق شكلا آخر فكيف يكون ~~مقومات الثوابت والاوجات وسائر الجواهر على مثل ما كان عليه في التشكل ~~الأول ، فلا يستحيل أن يكون في التقدير الأزلي للأدوار دور يخالف هذه ~~الأدوار يقتضي نمطا من نظام الوجود والإبداع على خلاف النمط المعهود ، ولا ~~يستحيل أن يكون ذلك النمط بديعا لم يسبق له نظير ، ولا أن يكون حكمه باقيا ~~لا يلحقه مثل الدور السابق المنسوخ. فيبقى النمط الحاصل من الإبداع مستمرا ~~في جنسه ، وإن كانت تتبدل أحواله فيكون ميعاد ميعاد القيامة الكبرى حصول ~~ذلك التشكل الغريب من الأسباب العالمية ، فيكون سببا كليا جامعا لجميع ~~الأرواح ، فيعم حكمها كافة الأرواح فتكون قيامة عامة مخصوصة بوقت لا تتسع ~~القوة البشرية لمعرفتها. أعني لمعرفة وقتها ولا الأنبياء المرسلون عليهم ~~الصلاة والسلام ، فإن الأنبياء أيضا يكشف لهم ما يكشف بقدر احتمالهم ~~وقبولهم ، فإذا لم يقم برهان ms460 كلامي ولا فلسفي على استحالته وجب التصديق به ~~إذا ورد الشرع به تشريحا لا يتطرق إليه الاحتمال والتأويل ، وقد صرح الشرع ~~به تصريحا ضروريا يجب الأيمان به ولا يمكن تأويله ، وكما جاز أن يحدث دور ~~بشكل يحدث بسببه أنواع من الحيوانات لم يعهد مثلها ، فكذلك يجب أن يحدث ~~زمان يحشر فيه الموتى وتجمع أجزاؤهم وتعود إلى أشباحهم أرواحهم ، فكما أن ~~الجاهل يتأمل فصل الشتاء ويتعجب إن يحصل فيه نبات وثمال إذا ورد فصل الربيع ~~عاين ذلك وبين زماني الفصلين بعد في هذه الدار ، فكذلك بين زمان النشأة ~~الأولى التي تحصل للإنسان بالتناسل ، وزمان النشأة الأخرى التي تحصل ~~للإنسان بالإحياء والإعادة بعيد لا يقاس أحدهما على الثاني. ### ||| * فصل في إعادة النفس إلى البدن # عود النفس إلى البدن بعد مفارقتها عنه في القيامة أمر ممكن غير مستحيل ، ~~ولا ينبغي أن يتعجب منه ، بل التعجب من تعلق النفس بالبدن في أول الأمر ~~أظهر من تعجب عودها إليه بعد المفارقة ، وتأثير النفس في البدن تأثير فعل ~~وتسخير. ولا برهان على استحالة عود هذا وصيرورة هذا البدن مستعدا مرة أخرى ~~لقبول تأثيره وتسخيره. بقي هاهنا تعجب من ضعفاء العقول ، وهو أن ذلك ~~الاستعداد الإنساني يحصل قليلا قليلا بالتدريج من نطفة في قرار مكين ثم من ~~علقة إلى تمام الخلقة ، وإذا لم يكن كذلك لا يقبل استعداد قبول التسخير ~~ودفع هذا التعجب. إنا قد بينا أن ما هو ممكن بالتدريج إنما هو التوالد ، ~~وأما التولد فلا يكون بالتدرج بل حدوثه ممكن دفعة واحدة. ألا ترى أن الفأر ~~الذي يتوالد يكون بالتدريج وباجتماع الذكر والأنثى وبعد حمل وسفاد ، وأن ~~التولدي منه يكون دفعة فإنه لم يوجد قط مدر ولا تراب بعضه PageV01P351 # فأر وبعضه بالقوة قريب إلى حجم الفأر ، وكذلك الذباب الذي يتولد في الصيف ~~من العفونات يكون دفعة ولم توجد عفونة تغيرت عن حالها وصارت بالقوة قريبة ~~إلى أن تستحيل ذبابا من غير مهلة وتدريج ، والنشأة الثانية تولديه من تلك ~~الأجزاء التي كانت في الأصل وإن تفرقت ms461 وانخلعت صورها فيرد الله تعالى واهب ~~الصور تلك الصور إلى موادها ويحصل المزاج الخاص مرة أخرى ، ولها نفس حدثت ~~عند حدوث ذلك المزاج ابتداء فتعود بالتسخير والتصرف إليها مع العلاقة التي ~~بينهما ، مثال ذلك راكب سفينة قد غرقت وتفرقت أجزاؤها ، وانتقل الراكب ~~بالسباحة إلى جزيرة ، ثم ترد تلك الأجزاء بعينها إلى الهيئة الأولى وتوطد ~~وتؤكد عاد إليها راكب السفينة وأجراها وتصرف فيها كما شاء ، ولا يجب إن ~~يستحق هذا الحشر وجميع الأجزاء والمزاج المجدد نفسا أخرى ، فإن حدوث المزاج ~~يستحق حدوث نفس له ، أما أعود المزاج إلى الحالة الأولى فلا يستحق إلا عود ~~النفس إلى الحالة الأولى ، وأما ظن من ظن أن الأجزاء الأرضية لا تفي بذلك ~~فظن ووهم لا اعتبار بهما ، فمن قاس الإنسان والأجزاء الأرضية التي فيها ~~بأجزاء الأرض ، وأي مهندس استخرج بالمساحة ذلك الحد ، وأما الاختلاف الراجع ~~إلى ذلك في الكتب الإلهية في التوراة : إن أهل الجنة يمكثون في النعيم خمسة ~~عشر ألف سنة ثم يصيرون ملائكة ، وإن أهل النار كذا أو أزيد ثم يصيرون ~~شياطين ، وفي الإنجيل أن الناس يحشرون ملائكة لا يطعمون ولا ينامون ولا ~~يشربون ولا يتوالدون ، وفي القرآن أن الناس يحشرون كما خلقهم الله تعالى ~~أول مرة كما قال تعالى : ( @QUR@08 فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول ~~مرة ) [الأسراء : 51]. وسؤال إبراهيم عليه الصلاة والسلام عن الله تعالى : ~~( @QUR@05 رب أرني كيف تحي الموتى ) [البقرة : 260]. وقول عزيز ~~صلى الله عليه وسلم حكاية منه : ( @QUR@012 أنى يحيي هذه الله بعد موتها ~~فأماته الله مائة عام ثم بعثه ) [البقرة : 259]. ومكث أصحاب الكهف وهو قوله ~~تعالى: ( @QUR@04 وكذلك بعثناهم ليتسائلوا بينهم ) إلى قوله : ( @QUR@05 ~~ليعلموا أن وعد الله حق ). [الكهف : 19 و21]. دلائل على أن هذه النشأة ~~كائنة ممكنة يجب الإيمان بها ، وكان في قديم الدهر فيها اختلاف الناس ~~والأنبياء عليهم السلام يثبتون تلك بالبراهين والأمثلة المحسوسة ، والتعجب ~~من النشأة الأولى أكثر من الأخرى إلا أن النشأة الأولى محسوسة مشاهدة ~~معتادة فسقط التعجب ، فإنا لو سمعنا أن إنسانا حرك نفسه فوق ms462 امرأة كما يحرك ~~الممخض وخرج من أجزائه شيء مثل زبد سيال فيخفي ذلك الشيء في بعض أعضاء ~~المرأة ويبقى مدة على هذه الحالة ثم يصير علقة ، ثم العلقة تصير مضغة ، ثم ~~المضغة تصير عظاما ، ثم تكسى العظام لحما ، ثم يحصل فيه الحركة ، ثم يخرج ~~من موضع لم يعهد خروج شيء منه على حالة لا يهلك أمه ولا يشق عليها في ~~ولادته ، ثم يفتح عينيه ويحصل في ثدي الأم شيء مثل شراب مائع لم يكن قبل ~~ذلك فيها ويغتذي به الطفل إلى أن يصير هذا الطفل بالتدريج صاحب صناعات ~~واستنباطات ، بل ربما هذا الشيء الذي أصله نطفة وهو عند الولادة أضعف خلق ~~الله يصير عن قريب ملكا جبارا قهارا يملك أكثر العالم ويتصرف PageV01P352 # فيه ، فإن التعجب من ذلك أكثر وأوفر من التعجب من النشأة الأخرى ، والأصل ~~أن كل شيء لم يشاهده الإنسان ولم يعرف سببه يحصل له منه التعجب ، والتعجب ~~هيئة تحصل للإنسان عند مشاهدة شيء لم يشاهده قبل ذلك أو سماع شيء لم يعرف ~~سببه ولم يسمعه قبل ذلك. ### ||| * فصل # تعلق النفس بالبدن كالحجاب لها عن حقائق الأمور ، وبالموت ينكشف الغطاء ~~كما قال الله تعالى: ( @QUR@03 فكشفنا عنك غطاءك ) [ص : 22]. ومما يكشف له ~~تأثير أعماله مما يقربه إلى الله تعالى ويبعده وهي مقادير تلك الآثار ، وأن ~~بعضها أشد تأثيرا من البعض ، ولا يمتنع في قدرة الله تعالى إن يجري سببا ~~يعرف الخلق في لحظة واحدة مقادير الأعمال بالإضافة إلى تأثيراتها في ~~التقريب والإبعاد ، فحد الميزان ما يتميز به الزيادة من النقصان ومثاله في ~~العالم المحسوس مختلف ، فمنه الميزان المعروف ، ومنه القبان للأثقال ، ~~والاسطرلاب لحركات الفلك ، والأوقات والمسطرة للمقادير ، والخطوط والعروض ~~لمقادير حركات الأصوات ، فالميزان الحقيقي وإذا مثله الله عز وجل للحواس ~~مثله بما شاء من هذه الأمثلة أو غيرها ، فحقيقة الميزان وحده موجودة في ~~جميع ذلك وهو ما يعرف به الزيادة من النقصان وصورته تكون مقدرة للحس عند ~~التشكيل ، وللخيال عند التمثيل ، والله تعالى أعلم مما يقدره من صنوف ~~التشكيلات والتصديق ms463 بجميع ذلك واجب. ### ||| * فصل في الحساب # والحساب جمع متفرقات المقادير وتصريف مبلغها وما من إنسان إلا وله أعمال ~~متفرقة نافعة وضارة ومقربة ومبعدة لا تعرف فذلكتها وقد لا تحصر آحاد ~~متفرقاتها ، فإذا حصرت المتفرقات وجمع مبلغها كان حسابا ، فإن كان في قدرة ~~الله تعالى أن يكشف في لحظة واحدة للعالمين متفرقات أعمالهم ومبلغ آثارها ~~فهو أسرع الحاسبين ، ومعلوم أن في قدرته ذلك فإذن هو أسرع الحاسبين قطعا. ~~وسئل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه : كيف يحاسب الله الخلق ~~في لحظة من غير تشويش ولا غلط؟ فقال رضي الله عنه : كما يرزقهم مع سائر ~~الحيوانات بلا تشويش ولا غلط. ### ||| * فصل في الصراط # الصراط حق. وما قيل إنه مثل الشعرة في الدقة ، فهو ظلم في وصفه ، بل أدق ~~من الشعر ، بل لا مناسبة بين دقته ودقة الشعر ، وحدته وحدة السيف ، كما لا ~~مناسبة في الدقة بين الخط الهندسي الفاصل بين الظل والشمس الذي ليس من الظل ~~ولا من الشمس ، وبين دقة الشعر ودقة الصراط مثل دقة الخط الهندسي الذي لا ~~عرض له أصلا لأنه على مثال الصراط المستقيم ، والصراط المستقيم عبارة عن ~~الوسط الحقيقي بين الأخلاق المتضادة ، لذلك قد بين الله بهذا الدعاء في ~~سورة الفاتحة حيث قال : ( @QUR@03 اهدنا الصراط المستقيم ) [الفاتحة : 6]. ~~وقال في حق المصطفى صلوات الله عليه : ( @QUR@05 وإنك لتهدي إلى صراط ~~مستقيم ) [الشورى : 52]. وقال PageV01P353 # صلى الله عليه وسلم : " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". وقال تعالى شأنه : ~~( @QUR@04 وإنك لعلى خلق عظيم ) [القلم : 4]. مثال ذلك السخاوة بين التبذير ~~والبخل ، والشجاعة بين التهور والجبن ، والاقتصاد بين الإسراف والإقتار ، ~~والتواضع بين التكبر والدناءة ، والعفة بين الشهوة والخمود ، فهذه الأخلاق ~~لها طرف إفراط وطرف تقصير وهما مذمومان والوسط ليس من الإفراط ولا من ~~التقصير فهو على غاية البعد من كل طرف ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : ~~" خير الأمور أوساطها" مثال ذلك الوسط الخط الهندسي الفاصل بين الظل والشمس ~~لا من الظل ولا من الشمس ، والتحقيق في ذلك أن كمال الآدمي ms464 في المشابهة ~~بالملائكة وهم منفكون عن هذه الأوصاف المضادة ، وليس في إمكان الإنسان ~~الانفكاك عنها بالكلية ، فكلفه الله تعالى بما يشبه الانفكاك ، وإن لم يكن ~~حقيقة الانفكاك وهو الوسط فإن الفاتر لا حار ولا بارد ، والعودي لا أبيض ~~ولا أسود ، فالبخل والتبذير من صفات الإنسان ، والمقتصد السخي كأنه لا بخيل ~~ولا مبذر ، فالصراط المستقيم وهو الوسط الحق بين الطرفين الذي لا ميل له ~~إلى أحد الجانبين وهو أدق من الشعر ، فالذي يطلب غاية البعد من الطرفين ~~يكون على الوسط ، ولو فرضنا حلقة حديد محماة بالنار وقعت نملة فيها وهي ~~تهرب بطبعها من الحرارة فلا تموت إلا على المركز لأنه الوسط الذي هو غاية ~~البعد من المحيط المحرق ، وتلك النقطة لا عرض لها ، فإذا الصراط المستقيم ~~هو الوسط بين الطرفين ولا عرض له. فهو أدق من الشعر ، ولذلك خرج عن القدرة ~~البشرية والوقوف عليه فلا جرم بورود أمثالنا النار بقدر ميله عنه ، كما قال ~~تعالى : ( @QUR@09 وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ) [مريم : ~~71]. وقال تعالى: ( @QUR@012 ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم ~~فلا تميلوا كل الميل ) [النساء : 129]. فإن العدل بين المرأتين في المحبة ~~والوقوف على درجة متوسطة لا ميل فيه إلى إحداهما كيف يدخل تحت الإمكان؟ فمن ~~استقام في هذا العالم على الصراط المستقيم الذي يحكي الله تعالى حقيقته عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم : ( @QUR@05 وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ) ~~[الأنعام : 153]. مر على صراط الآخرة مستويا من غير ميل لأنه في هذا العالم ~~عود نفسه التحفظ عن الميل ، فصار ذلك وصفا طبيعيا له فإن العادة طبيعية ~~خامسة. هذا حق قطعا كما ورد به الشرح وجاء في الحديث : " يمر المؤمن على ~~الصراط كالبرق الخاطف". ### ||| * فصل في الجنان # اللذات المحسوسة الموجودة في الجنان من أكل وشرب ونكاح يجب التصديق بها ~~لإمكانها ، وهي كما تقدم حسي وخيالي وعقلي. # أما الحسي ، فبعد رد الروح إلى البدن كما ذكرنا ، وأما الكلام في أن بعض ~~هذه اللذات مما لا يرغب فيها مثل اللبن والإستبرق ms465 والطلح المنضود والسدر ~~المخضود ، فهذا مما خوطب به جماعة يعظم ذلك في أعينهم ويشتهونه غاية الشهوة ~~، وفي كل صنف وكل إقليم مطاعم ومشارب وملابس تختص بقوم دون قوم ، ولكل واحد ~~في الجنة ما يشتهيه كما قال تعالى : PageV01P354 # ( @QUR@09 ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون ) [فصلت : 31]. ~~وربما يعظم الله تعالى في الآخرة شهوة لا تكون تلك الشهوة معظمة في دار ~~الدنيا ، كالنظر إلى ذات الله تعالى ، فإن الشهوة والرغبة الصادقة فيها في ~~الآخرة دون الدنيا. # وأما الخيالي ، فلا يخفى إمكانه ولذته كما في النوم إلا أنه مستحقر ~~لانقطاعه عن قريب ، فلو كانت دائمة لم يدرك فرق بين الخيالي والحسي لأن ~~التذاذ الإنسان بالصور من حيث انطباعها في الخيال والحس لا من حيث وجودها ~~من خارج ، فلو وجد من خارج ولم يوجد في حسه بالانطباع فلا لذة ، ولو بقي ~~المنطبع في الحس وعدم الخارج لدامت اللذة وللقوة المتخيلة قدرة على اختراع ~~الصور في هذا العالم ، إلا أن صورها المخترعة متخيلة وليست محسوسة ولا ~~منطبعة في القوة والباصرة ، فلذلك لو اخترع صورة جميلة في غاية الجمال ~~وتوهم حضورها ومشاهدتها لم تعظم لذاته لأنه ليس يصير مبصرا كما في النوم ، ~~فلو كانت له قوة على تصويرها في القوة الباصرة كما له قوة على تصويرها في ~~القوة المتخيلة لعظمت لذته ونزلت منزلة الصور الموجودة من خارج ، ولا تفارق ~~الآخرة الدنيا في هذا المعنى إلا من حيث كمال القدرة على تصوير الصورة في ~~القوة الباصرة ، وكل ما يشتهيه يحضر عنده في الحال فتكون شهوته بسبب تخليه ~~وتخليه بسبب إبصاره أي بسبب انطباعه في القوة الباصرة فلا يخطر بباله شيء ~~يميل إليه إلا ويوجد في الحال أي يوجد بحيث يراه ، وإليه الإشارة بقوله ~~عليه الصلاة والسلام : " إن في الجنة سوقا تباع فيه الصور" ، والسوق عبارة ~~عن اللطف الإلهي الذي هو منبع القدرة على اختراع الصور بحسب المشيئة ، ~~وانطباع القوة الباصرة بها انطباعا ثابتا إلى دوام المشيئة لا انطباعا هو ~~معرض للزوال من غير اختيار كما ms466 في النور في هذا العالم ، وهذه القدرة أوسع ~~وأكمل من القدرة على الإيجاد خارج الحس ، لأن الموجود من خارج مشغوفا به ~~محجوبا عن غيره ، وأما هذا فيتسع اتساعا لا ضيق فيه ولا منع حتى إذا اشتهى ~~مشاهدة الشيء مثلا ألف شخص في ألف مكان في حالة واحدة ، لشاهدوه كما خطر ~~ببالهم في أماكنهم المختلفة ، وأما الإبصار الحاصل عن شخص الشيء الموجود من ~~خارج الحس لا يكون إلا في مكان واحد ، وحمل أمر الآخر على ما هو أوسع وأتم ~~للشهوات وأوفق بها أولى ولا نقص في قدرة الإيجاد. # وأما الوجه الثالث : وهو الوجود العقلي ، فأن تكون هذه المحسوسات أمثلة ~~للذات العقلية التي ليست بمحسوسة ، لكن العقليات تنقسم إلى أنواع كثيرة ~~مختلفة اللذات كالحسيات ، فتكون الحسيات أمثلة لها وكل واحد يكون مثالا ~~للذة أخرى مما رتبته في العقليات توازي رتبة المثال في الحسيات فإنه لو رأى ~~في المنام الخضرة والماء الجاري والوجه الحسن والأنهار المطردة باللبن ~~والعسل والخمرة ، والأشجار المزينة بالجواهر واليواقيت واللآلي ، والقصور ~~المبنية من الذهب والفضة ، والسرر المرصعة بالجواهر ، والغلمان الماثلين ~~بين يديه للخدمة ، لكان المعبر يفسر ذلك بالسرور ولا يحمله على نوع واحد ، ~~بل يحمل كل واحد على نوع آخر PageV01P355 # من أنواع السرور وقرة العين يرجع بعضه إلى سرور العلم وكشف المعلومات ، ~~وبعضه إلى سرور الملكة ونفاذ الأمر ، وبعضه إلى سرور العلم وكشف المعلومات ~~، وبعضه إلى سرور الملكة ونفاذ الأمر ، وبعضه إلى قهر الأعداء ، وبعضه إلى ~~مشاهدة الأصدقاء ، وإن شمل الجميع اسم اللذة والسرور فهي مختلفة المراتب ~~مختلفة الذوق لكل واحدة مذاق يفارق الآخر ، فكذلك اللذات العقلية ينبغي أن ~~تفهم كذلك ، وإن كان مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، ~~فجميع هذه الأقسام ممكنة فيجوز أن يجمع بين الكل لواحد ، ويجوز أن يكون ~~نصيب كل واحد بقدر استعداده. فالمشغوف بالتقليد والجمود على الصور الذي لم ~~تنفتح له طرف الحقائق تمثل له هذه الصور واللذات ، والعارفون المستصغرون ~~لعالم الصور واللذات المحسوسة يفتح لهم من لطائف ms467 السرور واللذات العقلية ما ~~يليق بهم ويشفي شرهم وشهوتهم إذ حد الجنة أن فيها لكل امرئ ما يشتهيه ، ~~وإذا اختلفت الشهوات لم يبعد أن تختلف العقليات واللذات ، والقدرة واسعة ~~والقوة البشرية عن الإحاطة بعجائب القدرة قاصرة والرحمة الإلهية ألقت ~~بواسطة النبوة إلى كافة الخلق القدر الذين احتملته أفهامهم ، فيجب التصديق ~~بما فهموه والإقرار بما وراء منتهى الفهم في أمور تليق بالكرم الإلهي ولا ~~تدرك بالفهم البشري وإنما يدرك ذلك في معقد صدق عند مليك مقتدر. ### ||| * فصل # أما التقرب لمشاهدة الأنبياء والأئمة عليهم الصلاة والسلام ، فإن المقصود ~~منه الزيارة والاستمداد من سؤال المغفرة وقضاء الحوائج من أزواج الأنبياء ~~والأئمة عليهم الصلاة والسلام ، والعبارة عن هذا الإمداد الشفاعة ، وهذا ~~يحصل من جهتين : الاستمداد من هذا الجانب والإمداد من الجانب الآخر ، ~~ولزيارة المشاهد أثر عظيم في هذين الركنين. أما الاستمداد فهو بانصراف همة ~~صاحب الحاجة باستيلاء ذكر الشفيع والمزور على الخاطر حتى تصير كلية همته ~~مستغرقة في ذلك ، ويقبل بكليته على ذكره وخطوره بباله وهذه الحالة سبب منه ~~لروح ذلك الشفيع ، أو المزور حتى تمده تلك الروح الطيبة بما يستمد منه ، ~~ومن أقبل في الدنيا بهمته وكليته على إنسان في دار الدنيا ، فإن ذلك ~~الإنسان يحس بإقبال ذلك المقبل عليه ويخبره بذلك ، فمن لم يكن في هذا ~~العالم فهو أولى بالتنبيه وهو مهيأ لذلك التنبيه ، فإن اطلاع من هو خارج عن ~~أحوال العالم إلى بعض أحوال العالم ممكن ، كما يطلع في المنام على أحوال من ~~هو في الآخرة أهو مثاب أو معاقب ، فإن النوم صنو الموت وأخوه ، فبسبب النوم ~~صرنا مستعدين لمعرفة أحوال لم نكن مستعدين في حالة اليقظة لها ، فكذلك من ~~وصل إلى الدار الآخرة ومات موتا حقيقيا كان بالاطلاع على هذا العالم أولى ~~وأحرى ، فأما كلية أحوال هذا العالم في جميع الأوقات لم تكن مندرجة في سلك ~~معرفتهم ، كما لم تكن أحوال الماضين حاضرة في معرفتنا في منامنا عند الرؤيا ~~ولآحاد المعارف معينات ومخصصات منها PageV01P356 # همة صاحب الحاجة وهي استيلاء صاحب ms468 تلك الروح العزيزة على صاحب الحاجة ، ~~وكما تؤثر مشاهدة صور صورة الحي في حضور ذكره وخطورة نفسه بالبال ، فكذلك ~~تؤثر مشاهدة ذلك الميت ومشاهدة تربته التي هي حجاب قالبه ، فإن أثر ذلك ~~الميت في النفس عند غيبة قالبه ومشهده ليس كأثره في حال حضوره ومشاهدة ~~قالبه ومشهده ، ومن ظن أنه قادر على أن يحضر في نفس ذلك الميت عنده غيبة ~~مشهدة كما يحضر عند مشاهدة مشهده ، فذلك ظن خطأ ، فإن للمشاهدة أثرا بينا ~~ليس للغيبة مثله ، ومن استعان في الغيبة بذلك الميت لم تكن هذه الاستعانة ~~أيضا جزافا ولا تخلو من أثر ما كما قال النبي عليه الصلاة والسلام : " من ~~صلى علي مرة صليت عليه عشرا". " ومن أجاب المؤذن حلت له شفاعتي". " ومن زار ~~قبري حلت له شفاعتي". فالتقرب بقالبه الذي هو أخص الخواص له وسيلة تامة ~~متقاضية للشفاعة والتقرب بولده الذي هو بضعة منه ، ولو بعد توالد وتناسل ، ~~والتقرب بولده الذي هو بضعة منه ، ولو بعد توالد وتناسل ، والتقرب بمشهده ~~ومسجده وبلدته وعصاه وسوطه وبعله وعضادته والتقرب بعادته وسيرته والتقرب ~~بكل ما له منها مناسبة إليه تقرب موجب للقرب إليه مقتض لشفاعته ، فإنه لا ~~فرق عند الأنبياء في كونهم في دار الدنيا وفي كونهم في دار الآخرة لا في ~~طريق المعرفة ، فإن آلة المعرفة في الدنيا الحواس الظاهرة وفي العقبى آلة ~~يعرف بها الغيب إما في كسوة مثال ، وإما على سبيل التصريح ، وأما الأحوال ~~الآخر في التقرب والقرب والشفاعة فلا تتغير ، والركن الأعظم في هذا الباب ~~الإمداد والاهتمام من جهة الممد ، وإن لم يشعر صاحب الوسيلة بذلك المدد ، ~~فإنه لو وضع شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عضادته أو سوطه على قبر عاص ~~أو مذنب نجا ذلك المذنب ببركات تلك الذخيرة من العذاب ، وإن كان في دار ~~إنسان أو بلدة لا يصيب تلك الدار وأهلها وتلك البلدة وسكانها ببركاتها بلاء ~~، وإن لم يشعر بها صاحب الدار وساكن البلدة ، فإن اهتمام النبي ~~صلى الله عليه وسلم وهو في ms469 العقبى مصروف إلى ما هو به منسوب ، ودفع المكاره ~~والأمراض والعقوبات مفوضة من جهة الله تعالى إلى الملائكة ، وكل ملك حريص ~~على إسعاف ما حرص النبي صلوات الله عليه بهمته إليه عن غيره ، كما كان في ~~حال حياته ، فإن تقرب الملائكة بروحه المقدسة بعد موته أزيد من تقربه به في ~~حال حياته. # وقد حكي أن أبا طاهر الهجري القرمطي رفع إنسانا على عنقه حتى يجر ميزاب ~~الكعبة ، فمات الإنسان على عاتقه وخر هو ميتا ، وأن جماعة من المصريين ~~نقبوا في جدار روضة النبي صلى الله عليه وسلم وقصدوا إخراج شخصه ونقله إلى مصر ~~كان ذلك في نصف الليل ، فسمع أهل المدينة صوتا من الهواء احفظوا نبيكم ~~معاشر المسلمين ، احفظوا نبيكم فأوقدوا السراج بل أوقدوا السرج والشموع ~~والمشاعل. ورأوا ذلك النقب في الجدار وحوله جماعة من المصريين موتى. # ونقل أنه صلى الله عليه وسلم غرس غصنا رطبا في قبر إنسان وقال : رفع الله ~~تعالى عن صاحبه العذاب ما دام هذا الغصن رطبا ، وذلك من بركات يديه ~~صلى الله عليه وسلم وكل من أطاع سلطانا وعظمه ، فإذا دخل بلده ورأى فيها PageV01P357 # سهما من جعبة ذلك السلطان أو سوطا له فإنه يعظم تلك البلدة ، فالملائكة ~~عليهم السلام يعظمون النبي ، فإذا رأوا ذخائره في دار أو بلدة أو قبر عظموا ~~صاحبه وخففوا عليه العذاب ، ولذلك السبب ينفع الموتى أن توضع على قبورهم ~~المصاحف ، ويتلى القرآن على رءوس قبورهم ، ويكتب القرآن على قراطيس وتوضع ~~القراطيس في أيدي الموتى ، فهذه أنواع المناسبات على حسب حال من يريد أن ~~يسوي كل مسموع ومشروع على قضية معقولة ، والأصل في ذلك أن وراء ما يتصوره ~~العقلاء أمورا ورد الشرع بها ولا يعلم حقائقها إلا الله تعالى والأنبياء ~~الذين هم وسائط بين الله تعالى وبين عباده ، وإن اجتمع الحذاق وتفكروا في ~~الشكل الموضوع على مناسبة الإعداد لسهولة الولادة حالة الطلق ما عرفوا تلك ~~الخاصية. فكيف يطمع الإنسان أن يعرف حقائق ما ورد به الشرع من الأوامر ~~والنواهي والأخبار والوعد والوعيد ms470 وغير ذلك ، والعقل ضعيف وتصرفه مختصر ~~بالإضافة إلى تلك العجائب ، والخواص. قد قررت يا أخي طيب الله عيشك بعض ما ~~يمكن التلويح إليه على وفق ما انتهت فطانتي إليه ، وأوصيك ومن معك بالإيمان ~~بهذه الأشياء التي ورد الشرع بتصحيحها دون التوقف فيها ، ونعوذ بالله من ~~التوقف ، وسأهدي إليك من بعد أن وفقني الله تعالى عالقا مضنونا آخر اسمه ~~المضنون به على غير أهله أحق وأولى من هذا المصنف فإن في هذا مسائل قررتها ~~في عدة مواضع ومسائل لم أقررها إلا في ذلك المصنف. أما المضنون الموجود فقد ~~كان عزيمتي على تقرير أشياء فيه لم أقررها في شيء من كتبي ، اللهم إلا في ~~إحياء العلوم ، فإن علي تقرير أشياء فيه تلويحات وإشارات إلى رموز لا ~~يعرفها إلا أهلها والله المعين الهادي وهو حسبنا وإليه المرجع والمصير. PageV01P358 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الأجوبة الغزالية في المسائل الأخروية ### ||| * المضنون الصغير # سئل الشيخ الإمام الأجل الزاهد السيد حجة الإسلام زين الدين مقتدي الأمة ~~قدوة الفريقين أبو حامد محمد بم محمد بن محمد العزالي قدس الله روحه ونوره ~~ضريحه عن معنى قوله تعالى: ( @QUR@06 فإذا سويته ونفخت فيه من روحي ) [ص : ~~72]. ما التسوية وما النفخ وما الروح؟ # فقال : التسوية فعل في المحل القابل للروح ، وهو الطين في حق آدم ~~صلى الله عليه وسلم ، والنطفة في حق أولاده بالتصفية وتعديل المزاج ، فإنه كما ~~لا يقبل النار يابس محض كالتراب والحجر ولا رطب محض كالماء ، بل لا تتعلق ~~النار إلا بمركب من يابس ورطب ولا كل مركب ، فإن الطين مركب ولا تشتعل فيه ~~النار ، بل لا بد بعد تركيب الطين الكثيف من تردد في أطوار الخلقة حتى يصير ~~نباتا لطيفا ، فتثبت فيه النار وتشتعل فيه ، وكذلك الطين بعد أن يفشئه الله ~~خلقا بعد خلق في أطوار متعاقبة يصير نباتا ، فيأكله الآدمي فيصير دما ~~فتنتزع القوة المركبة في كل حيوان صفوة الدم الذي هو أقرب إلى الاعتدال ، ~~فيصير نطفة فيقبلها الرحم ويمتزج بها مني المرأة فتزداد عند ذلك اعتدالا ، ~~ثم ms471 ينضجها الرحم بحرارته فتزداد تناسبا حتى تنتهي في الصفاء. واستواء نسبة ~~الأجزاء إلى الغاية فتستعد لقبول الروح وإمساكها ، كالفتيلة التي تستعد عند ~~شرب الدهن لقبول النار وإمساكها ، فالنطفة عند تمام الاستواء والصفاء تستحق ~~باستعدادها روحا يدبرها ويتصرف فيها ، فتفيض إليها من جود الجواد الحق ~~الواهب لكل مستحق ما يستحقه ، ولكل مستعد ما يقبله على قدر قبوله واحتماله ~~من غير منع ولا بخل ، فالتسوية عبارة عن هذه الأفعال المرددة لأصل النطفة ~~في الأطوار السالكة بها إلى صفة الاستواء والاعتدال. ### ||| * فصل # وسئل ما النفخ؟ # فقال : النفخ عبارة عما أشعل نور الروح في فتيلة النطفة وللنفخ صورة ~~ونتيجة أما صورته ، فإخراج الهواء من جوف النافخ إلى جوف المنفوخ فيه حتى ~~يشتعل الحطب القابل للنار ، فالنفخ سبب الاشتعال ، وصورة النفخ الذي هو سبب ~~في حق الله تعالى محال والمسبب غير محال ، وقد يكنى بالسبب عن الفعل الذي ~~يحصل المسبب عنه على سبيل المجاز ، وإن لم يكن الفعل المستعار له على صورة ~~الفعل المستعار منه كقوله تعالى : ( @QUR@03 غضب الله عليهم ) PageV01P359 # [المجادلة : 14]. ( @QUR@02 فانتقمنا منهم ) [الأعراف : 136]. والغضب ~~عبارة عن نوع تغير في الغضبان يتأذى به ونتيجته الهلاك للمغضوب عليه ~~وإيلامه فعبر عن نتيجة الغضب بالغضب ، وعن نتيجة الانتقام بالانتقام ، ~~وكذلك عبر عما ينتج نتيجة النفخ بالنفخ وإن لم يكن على صورة النفخ. # فقيل له : فما السبب الذي اشتعل به نور الروح في فتيلة النطفة. # قال : هو صفة في الفاعل وصفة في المحل القابل. أما صفة الفاعل فالجود ~~الإلهي الذي هو ينبوع للوجود على ماله قبول الوجود فهو فياض بذاته على كل ~~حقيقة أوجدها ، ويعبر عن تلك الصفة بالقدرة ومثالها فيضان نور الشمس على كل ~~قابل للاستنارة عند ارتفاع الحجاب بينهما ، فالقابل للاستنارة وهي الملونات ~~دون الهواء الذي لا لون له وأما صفة القابل فالاستواء والاعتدال الحاصل ~~بالتسوية ، كما قال : سويته ، ومثاله صقالة الحديد ، فإن المرآة التي ستر ~~الصدأ وجهها لا تقبل الصورة وإن كانت محاذية فلوحاتها الصورة واشتعل الثقيل ~~بتصقيلها فكلما حصل الصقال حدثت فيها الصورة المحاذية ms472 من ذي الصور المحاذية ~~، فكذلك إذا حصل الاستواء في النطفة حدث فيها الروح من خالق الروح من غير ~~تغير في الخالق ، بل إنما حدث الروح الآن لا قبله لتغير المحل بحصول ~~الاستواء الآن لا قبله ، كما أن الصور فاضت من ذي الصورة على المرآة في حكم ~~الوهم من غير حدث في الصورة ، ولكن كان لا يحصل من قبل لا لأن الصورة ليست ~~مهيأة لأن تطبع في المرآة ، لكن لأن المرآة لم تكن صقلية قابلة للصور. # فقيل له : فما الفيض؟ # فقال : لا ينبغي أن تفهم من الفيض هنا ما تفهم من فيضان الماء من الإناء ~~على اليد ، فإن ذلك عبارة عن انفصال جزء من الماء عن الإناء واتصاله باليد ~~، بل افهم منه ما تفهمه من فيضان نور الشمس على الحائط ، ولقد غلط قوم في ~~نور الشمس أيضا ، فظنوا أنه ينفصل شعاع من جرم الشمس ويتصل بالحائط وينبسط ~~عليه وهو خطأ ، بل نور الشمس سبب لحدوث شيء يناسبه في النورية وإن كان أضعف ~~منه في الحائط المتلون كفيضان الصور على المرآة من ذي الصورة ، فإنه لي لله ~~س بمعنى انفصال جزء من صورة الإنسان واتصاله بالمرآة بل على معنى أن صورة ~~الإنسان مثلا سبب لحدوث صورة تماثلها في المرآة المقابلة للصوره وليس فيهما ~~اتصال وانفصال إلا السببية المجردة ، وكذلك الوجود الإلهي سبب لحدوث نور ~~الوجود في كل ماهية قابلة وجود فيعبر عنه بالفيض. ### ||| * فصل # قيل له : قد ذكرت التسوية والنفخ ، فما الروح وما حقيقته ، وهل هو حال في ~~البدن حلول الماء في الإناء ، أو حلول العرض في الجوهر ، أم هو جوهر ، قائم ~~بنفسه؟ فإن كان جوهرا قائما بنفسه فمتحيز هو أم غير متحيز؟ وإن كان متحيزا ~~فما مكانه أهو القلب أو الدماغ أو موضع آخر؟ وإن لم يكن متحيزا فكيف يكون ~~جوهرا غير متحيز؟ PageV01P360 # فقال : هذا سؤال عن سر الروح الذي لم يؤذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~كشفه لمن ليس أهلا له ، فإن كنت من أهله فاسمع واعلم أن ms473 الروح ليس بجسم يحل ~~البدن حلول الماء في إناء ، ولا هو عرض يحل القلب والدماغ حلول السواد في ~~الأسود ، والعلم في العالم ، بل هو جوهر وليس بعرض لأنه يعرف نفسه وخالقه ~~ويدرك المعقولات ، وهذه علوم والعلوم أعارض ولو كان موضوعا والعلم قائم به ~~، لكان قيام العرض بالعرض ، وهذا خلاف المعقول ولأن العرض الواحد لا يفيد ~~إلا واحدا فما قام به والروح يفيد حكمين متغايرين ، فإنه حين ما يعرف خالقه ~~يعرف نفسه ، فدل على أن الروح ليس بعرض والعرض لا يتصف بهذه الصفات ولا هو ~~جسم ، لأن الجسم قابل للقسمة والروح لا ينقسم ، لأنه لو انقسم لجاز أن يقوم ~~بجزء منه علم بالشيء الواحد وبالجزء الآخر منه جهل بذلك الشيء الواحد بعينه ~~فيكون في حالة واحدة عالما بالشيء جاهلا به فيتناقص لأنه في محل واحد وإلا ~~فالسواد والبياض في جزءين من العين غير متناقض ، والعلم والجهل بشيء واحد ~~في شخص واحد محال وفي شخصين غير محال ، فدل على أنه واحد وهو باتفاق ~~العقلاء جزء لا يتجزأ أي شيء لا ينقسم إذ لفظ جزء لائق به ، لأن الجزء ~~إضافة إلى الكل ولا كل هنا. فلا جزء إلا أن يراد به ما يريد القائل بقوله ~~الواحد جزء من العشرة ، فإنك إذا أخذت جميع الأجزاء التي بها قوام العشرة ~~في كونها عشرة كان الواحد من جملتها وكذلك إذا أخذت جميع الموجودات أو جميع ~~ما به قوام الإنسان في كونه إنسانا كان الروح واحدا من جملتها ، فإذا فهمت ~~أنه شيء لا ينقسم فلا يخلو إما أن يكون متحيزا أو غير متحيز ، وباطل أن ~~يكون متحيزا إذ كل متحيز منقسم ، الجزء الذي لا يتجزأ باطل أن يكون منقسما ~~بأدلة هندسية وعقلية أقربها أنه لو فرض جوهر بين جوهرين لكان كل واحد من ~~الطرفين يلقى من الوسط غير ما يلقى الآخر ، فيجوز أن يقوم بالوجه الذي ~~يلقاه هذا الطرف علم وبالوجه الآخر جهل ، فيكون عالما جاهلا في حالة واحدة ~~بشيء واحد ، وكيف لا ولو فرض بسيط مسطح ms474 من أجزاء لا تتجزأ لكان الوجه الذي ~~يحاذينا ونراه غير الوجه الآخر الذي لا نراه ، فإن الواحد لا يكون مرئيا ~~وغير مرئي في حالة واحدة ، ولكانت الشمس إذا حاذت أحد وجهيه استنار بها ذلك ~~الوجه دون الوجه الآخر ، فإذا ثبت أنه لا ينقسم وأنه لا يتجزأ ثبت أنه قائم ~~بنفسه وغير متحيز أصلا. ### ||| * فصل # قيل له : وما حقيقة ، وما صفة هذا الجوهر ، وما وجه تعلقه بالبدن؟ أهو ~~داخل فيه أو خارج عنه أو متصل به أو منفصل عنه؟ # قال رضي الله عنه : لا هو داخل ولا هو خارج ولا هو منفصل ولا متصل ، لأن ~~مصحح الاتصاف بالاتصال والانفصال الجسمية والتحيز قد انتفيا عنه فانفك عن ~~الضدين ، كما أن الجماد لا هو عالم وهو جاهل لأن مصحح العلم والجهل الحياة ~~، فإذا انتفت انتفى الضدان. PageV01P361 # فقيل له : هل هو في جهة؟ # فقال له : هو منزه عن الحلو في المحال والاتصال بالأجسام والاختصاص ~~بالجهات ، فإن كل ذلك صفات الأجسام وأعراضها والروح ليس بجسم ولا عرض في ~~جسم ، بل هو مقدس عن هذه العوارض. # فقيل له : لم منع الرسول عن صلى الله عليه وسلم إفشاء هذا السر وكشف حقيقة ~~الروح بقوله تعالى : ( @QUR@05 قل الروح من أمر ربي ) [الإسراء : 85]. # فقال : لأن الأفهام لا تحتمله لأن الناس قسمان عوام وخواص. أما من غلب ~~على طبعه العامية فهذا لا يقبله ولا يصدقه في صفات الله تعالى فكيف يصدقه ~~في حق الروح الإنسانية ، ولهذا أنكرت الكرامية والحنبلية ومن كانت العامية ~~أغلب عليه ذلك وجعلوا الإله جسما إذ لم يعقلوا موجودا إلا جسما مشارا إليه ~~، ومن ترقى عن العامية قليلا نفى الجسمية وما أطاق أن ينفي عوارض الجسمية ~~فأثبت الجهة وقد ترقى عن هذه العامية الأشعرية والمعتزلة ، فأثبتوا موجودا ~~لا في جهة. # فقيل له : ولم لا يجوز كشف هذا السر مع هؤلاء؟ # فقال : لأنهم أحالوا أن تكون هذه الصفات لغير الله تعالى ، فإذا ذكرت هذا ~~لبعضهم كفروك وقالوا إنك تصف نفسك بما هو صفة الإله على الخصوص ، فكأنك ~~تدعي ms475 الإلهية لنفسك. # فقيل له : فلم أحالوا أن تكون هذه الصفة لله ولغير الله تعالى أيضا؟ # فقال : لأنهم قالوا كما يستحيل في ذوات المكان أن يجتمع اثنان في مكان ~~واحد يستحيل أيضا أن يجتمع اثنان لا في مكان ، لأنه إنما استحال اجتماع ~~جسمين في مكان واحد ، لأنه لو اجتمعا لم يتميز أحدهما عن الآخر ، فكذلك لو ~~وجد اثنان كل واحد منهما ليس في مكان. فبم يحصل التمييز والعرفان؟ ولهذا ~~أيضا قالوا : لا يجتمع سوادان في محل واحد حتى قيل المثلان يتضادان. # فقيل : هذا إشكال قوي فما جوابه؟ # قال : جوابه أنهم أخطؤوا حيث ظنوا أن التمييز لا يحصل بالمكان بل يحصل ~~التميز بثلاثة أمور : أحدها بالمكان كجسمين في مكانين ، والثاني بالزمان ~~كسوادين في جوهر واحد في زمانين ، والثالث بالحد والحقيقة كالأعراض ~~المختلفة في محل واحد مثل اللون والطعم والبرودة والرطوبة في جسم واحد ، ~~فإن المحل واحد والزمان واحد ، ولكن هذه معان مختلفة الذوات بحدودها ~~وحقائقها ، فيتميز اللون عن الطعم بذاته لا بمكان وزمان ويتميز العلم عن ~~القدرة والإرادة بذاته وإن كان الجميع شيئا واحدا ، فإذا تصور أعراض مختلفة ~~الحقائق فبأن يتصور أشياء مختلفة الحقائق بذواتها في غير مكان أولى. ### ||| * فصل # فقيل : هنا دليل آخر على إحالة ما ذكرتموه أظهر من طالب التفرقة وهو أن ~~هذا تشبيه PageV01P362 # وإثبات لأخص وصف الله تعالى في حق الروح. # فقال : هيهات ، فإن قولنا الإنسان حي عالم قادر سميع بصير متكلم وإنه ~~تعالى كذلك ليس فيه تشبيه لأنه ليس ذلك أخص الوصف ، فكذلك البراءة عن ~~المكان والجهة ليس أخص وصف الإله ، بل أخص وصفه أنه قيوم أي هو قائم بذاته ~~، وكل ما سواه قائم به ، وأنه موجود بذاته لا بغيره فكل ما سواه موجود به ~~لا بذاته ، بل ليس للأشياء من ذواتها إلا العدم ، وإنما لها الوجود من ~~غيرها على سبيل العارية ، والوجود لله تعالى ذاتي ليس بمستعار ، هذه ~~الحقيقة أعني القيومية ليست إلا الله تعالى. # فقيل له : ذكرت معنى التسوية والنفخ والروح ولم تذكر معنى النسبة في ms476 ~~الروح ، وأنه لم قال من روحي ولم نسبه إلى نفسه ، فإن كان لأن وجوده به ~~فجميع الأشياء أيضا كذلك وقد نسب البشر إلى الطين ، فقال : ( @QUR@05 إني ~~خالق بشرا من طين ) [ص : 71]. ثم قال : ( @QUR@06 فإذا سويته ونفخت فيه من ~~روحي ) [ص : 72]. وإن كان معناه أنه جزء من الله تعالى فاض على القلب كما ~~يفيض المال على السائل ، فيقول : أفضت عليه من مالي فهذه تجزئة لذات الله ، ~~وقد أبطلتم هذا وذكرتم أن إفاضته ليست بمعنى انفصال جزء منه. # فقال : هذا كقول الشمس لو نطقت وقالت : أفضت على الأرض من نوري ، فيكون ~~صدقا ويكون معنى النسبة أن النور الحاصل من جنس نور الشمس بوجه من الوجوه ، ~~وإن كان في غاية الضعف بالإضافة إلى نور الشمس ، وقد عرفت أن الروح منزه عن ~~الجهة والمكان وفي قوته العلم بجميع الأشياء والاطلاع عليها ، وهذه مضاهاة ~~ومناسبة فلذلك خص بالإضافة وهذه المضاهاة ليست للجسمانيات أصلا. # فقيل له : ما معنى قوله تعالى : ( @QUR@05 قل الروح من أمر ربي ) ~~[الإسراء : 85]. وما معنى عالم الأمر وعالم الخلق؟ # فقال : كل ما يقع عليه مساحة وتقدير وهو عالم الأجسام وعوارضها يقال إنه ~~من عالم الخلق ، والخلق هنا بمعنى التقدير لا بمعنى الإيجاد والإحداث ، ~~يقال : خلق الشيء أي قدره قال الشاعر : # ولأنت تفري ما خلقت وبع %~% ض القوم يخلق ثم لا يفري # أي تقدر ثم تقطع الأديم وما لا كمية له ولا تقدير ، فيقال : إنه أمر ~~رباني وذلك للمضاهاة التي ذكرناها وكل ما هو من هذا الجنس من أرواح البشر ~~وأرواح الملائكة يقال إنه من عالم الأمر ، فعالم الأمر عبارة عن الموجودات ~~الخارجة عن الحس والخيال والجهة والمكان والتحيز ، وهو ما لا يدخل تحت ~~المساحة والتقدير لانتفاء الكمية عنه. # فقيل له : أتتوهم أن الروح ليس مخلوقا وإن كان كذلك فهو قديم؟ # فقال : قد توهم هذا جماعة وهو جهل ، بل نقول : إن الروح غير مخلوق بمعنى ~~إنه غير PageV01P363 # مقدر بكمية ولا مساحة ، فإنه لا ينقسم ولا يتحيز ونقول أنه مخلوق ، لكنه ~~بمعنى أنه حادث وليس ms477 بقديم. وبرهان حدوثه طويل ومقدماته كثيرة ، ولكن الحق ~~أن الروح البشرية حدثت عند استعداد النطفة للقبول كما حدثت الصور في المرآة ~~بحدوث الصقالة ، وإن كانت الصور سابقة الوجود على الصقالة وإيجاد هذا ~~البرهان أنه إن كانت الأرواح موجودة قبل الأبدان لكانت إما كثيرة أو واحد ~~وباطل وحدتها وكثرتها فباطل وجودها ، وإنما استحال وحدتها بعد التعلق ~~بالأبدان لعلمنا ضرورة بأن ما يعلمه زيد يجوز أن يجهله عمرو ، ولو كان ~~الجوهر العاقل منهما واحدا لاستحال اجتماع المتضادين فيه ، كما يستحيل في ~~زيد وحده ، ونعني بالجوهر العاقل الروح ومحال كثرتها لأن الواحد محال أن لا ~~يثنى ولا ينقسم إذا كان ذا مقدار كالأجسام ، فالجسم ينقسم فإنه ذو مقدار ~~وذو بعض فيتبعض ، أما ما ليس له بعض ولا مقدار فكيف ينقسم وأما تقدير ~~كثرتها قبل التعلق بالبدن فمحال لأنها إما أن تكون متماثلة أو مختلفة ، وكل ~~ذلك محال ، وإنما استحال التماثل لأن وجود المثلين محال في الأصل ، ولهذا ~~يستحيل وجود سوادين في محل ، وجسمين في مكان واحد لأن الاثنين يستدعي ~~مغايرة ولا مغايرة هنا وسوادان في محلين جائز لأن هذا يفارق ذلك في المحل ~~إذا اختص بمحل لا يختص به الآخر ، وكذلك يجوز محل واحد في زمانين إذ لهذا ~~وصف ليس للآخر وهو الاقتران بهذا الزمان الخاص ، فليس في الوجود مثلان ~~مطلقا ، بل بالإضافة كقولنا : زيد وعمرو هما مثلان في الإنسانية والجسمية ، ~~وسواد الحبر والغراب مثلان في السوادية ، ومحال تغايرهما لأن التغاير نوعان ~~: أحدهما باختلاف النوع والماهية كتغاير الماء والنار وتغاير السواد ~~والبياض ، والثاني بالعوارض التي لا تدخل في الماهية كتعابير الماء الحار ~~والماء البارد ، فإن كان تغاير الأرواح البشرية بالنوع والماهية فمحال لأن ~~الأرواح البشرية متفقة بالحد والحقيقة وهي نوع واحد ، وإن كانت متغايرة ~~بالعوارض فمحال أيضا لأن الحقيقة الواحدة إنما يتغاير عوارضها إذا كانت ~~متعلقة بالأجسام منسوبة إليها بنوع ما إذ الاختلاف في أجزاء الجسم ضرورة ~~ولو في القرب من السماء والبعد عنها مثلا ، أما إذا لم يكن كذلك كان ~~الاختلاف محالا ms478 وهذا ربما يحتاجون في تحقيقه إلى مزيد تقدير لكن هذا القدر ~~ينبه عليه. # فقيل له : كيف يكون حال الأرواح بعد مفارقة الأجسام ولا تعلق لها ~~بالأجسام فكيف تكثرت وتغيرت؟ # فقال : لأنها اكتسبت بعد التعلق بالأبدان أوصافا مختلفة من العلم والجهل ~~والصفاء والكدورة وحسن الأخلاق وقبحها ، فبقيت منها متغايرة فعقلت كثرتها ~~بخلاف ما قبل الأجساد فإنه لا سبب لتغايرها. ### ||| * فصل # فقيل له : ما معنى قوله عليه السلام : "إن الله تعالى خلق آدم على صورته" ~~وروي "على صورة الرحمن"؟ PageV01P364 # فقال : الصور اسم مشترك قد يطلق على ترتيب الأشكال ووضع بعضها ما بعض ~~واختلاف تركيبها ، وهي الصورة المحسوسة ، وقد يطلق على ترتيب المعاني التي ~~ليست محسوسة ، بل للمعاني ترتيب أيضا وتركيب وتناسب ، ويسمى ذلك صورة ، ~~فيقال : صورة المسألة كذا وكذا ، وصورة الواقعة وصورة المسألة الحسابية ~~والعقلية كذا ، والمراد بالتسوية في هذه الصورة هي الصورة المعنوية ، ~~والإشارة به إلى المضاهاة التي ذكرناها ويرجعه ذلك إلى الذات والصفات ~~والأفعال ، فحقيقة ذات الروح أنه قائم بنفسه ليس بعرض ولا بجسم ولا جوهر ~~متحيز ولا يحل المكان والجهة ولا هو متصل بالبدن والعالم ، ولا هو منفصل ، ~~ولا هو داخل في أجسام العالم والبدن ، ولا هو خارج ، وهذا كله في حقيقة ذات ~~الله تعالى ، وأما الصفات فقد خلق حيا عالما قادرا مريدا سميعا بصيرا ~~متكلما ، والله تعالى كذلك. وأما الأفعال فمبدأ فعل الآدمي إرادة يظهر ~~أثرها في القلب أولا فيسري منه أثر بواسطة الروح الحيواني الذي هو بخار ~~لطيف في تجويف القلب ، فيتصاعد منه إلى الدماغ ثم يسرى منه إلى الأعصاب ~~الخارجة من الدماغ ، ومن الأعصاب إلى الأوتار والرباطات المتعلقة بالعضل ، ~~فتنجذب الأوتار فيتحرك بها الأصابع ، ويتحرك بالأصابع القلم ، وبالقلم ~~المداد مثلا ، فيحدث منه صورة ما يريد كتبه على وجه القرطاس على الوجه ~~المتصور في خزانة التخيل ، فإنه ما لم يتصور في خياله صورة المكتوب أولا لا ~~يمكن إحداثه على البياض ثانيا ، ومن استقرأ أفعال الله تعالى وكيفية إحداثه ~~النبات والحيوان على الأرض بواسطة تحريك السماوات والكواكب ، وذلك ms479 بطاعة ~~الملائكة له في تحريك السماوات علم أن تصرف الآدمي في عالمه أعني بدنه يشبه ~~تصرف الخالق في العالم الأكبر وهو مثله ، وانكشف له أن نسبة شكل القلب إلى ~~تصرفه نسبة العرش ونسبة الدماغ نسبة الكرسي والحواس كالملائكة الذين يطيعون ~~الله طبعا ولا يستطيعون خلافا ، والأعصاب والأعضاء كالسماوات ، والقدرة في ~~الأصابع كالطبيعة المسخرة المركوزة في الأجسام ، والقرطاس والقلم والمداد ~~كالعناصر التي هي أمهات المركبات في قبول الجمع والتركيب والتفرقة ومرآة ~~التخيل كاللوح المحفوظ فمن اطلع بالحقيقة على هذه الموازنة عرف معنى قوله ~~عليه السلام : إن الله تعالى خلق آدم على صورته ، ومعرفة ترتيب أفعال الله ~~تعالى معرفة غامضة يحتاج فيها إلى تحصيل علوم كثيرة ، وما ذكرناه إشارة إلى ~~جملة منها. # قيل له : فما معنى قوله عليه السلام : " من عرف نفسه فقد عرف ربه"؟ # قال : لأن الأشياء تعرف بالأمثلة المناسبة ، ولو لا المضاهات المذكورة لم ~~يقدر الإنسان على الترقي من معرفة نفسه إلى معرفة الخالق ، فلو لا أن الله ~~تعالى جمع في الآدمي ما هو مثال جملة العالم حتى كأنه نسخة مختصرة من ~~العوالم ، وكأنه رب في عالمه متصرف لما عرف العالم والتصرف والربوبية ~~والعقل والقدرة والعلم وسائر الصفات الإلهية ، فصارت النفس بمضاهاتها ~~وموازناتها مرقاة إلى معرفة خالق النفس ، وفي استكمال المعرفة بالمسألة ~~التي قبل PageV01P365 # هذه ما ينكشف الغطاء عن وجه هذه المسألة. # فقيل له : إن كانت الأرواح حادثة مع الأجساد فما معنى قوله عليه السلام : ~~" خلق الله الأرواح قبل الأجساد بألفي عام" ، وقوله عليه السلام : " أنا أول ~~الأنبياء خلقا وآخرهم بعثا" ، وقوله : " كنت نبيا وآدم بين الماء والطين"؟ # فقال : ليس في هذا ما يدل على قدم الروح ، بل يدل على حدوثه ، وكونه ~~مخلوقا. نعم ربما دل بظاهره على تقدم وجوده على الجسد وأمر الظواهر هين ، ~~فإن تأويلها ممكن والبرهان القاطع لا يدرء بالظواهر بل يسلط على تأويل ~~الظواهر ، كما في ظواهر التشبيه في حق الله تعالى. # أما قوله عليه السلام : " خلق الله الأرواح قبل الأجساد" ، فلعله أراد ~~بالأرواح الملائكة ، وبالأجساد ms480 أجساد العالم من العرش والكرسي والكواكب ~~والهواء والأرض والماء ، وكما أن أجساد الآدمين بجملتهم صغيرة بالإضافة إلى ~~جرم الأرض وجرم الأرض أصغر من جرم الشمس بكثير ، ثم لا نسبة لجرم الشمس إلى ~~فلكها ولا لفلكها إلى السماوات التي فوقه ، ثم كل ذلك اتسع له الكرسي إذ ~~وسع كرسيه السماوات والأرض ، والكرسي صغير بالإضافة إلى العرش ، فإذا تفكرت ~~في جميع ذلك استحقرت أجساد الآدميين ولم تفهمها من مطلق لفظ الأجساد ، ~~فكذلك فاعلم وتحقق أن أرواح البشر بالإضافة إلى أرواح الملائكة كأجسادهم ~~بالإضافة إلى أجساد العالم ، ولو انفتح لك باب معرفة الأرواح لرأيت الأرواح ~~البشرية بالإضافة إلى أرواح الملائكة كسراج اقتبست من نار عظيم طبق العالم ~~، وتلك النار العظيمة هي أرواح الملائكة ، ولأرواح الملائكة ترتيب وكل واحد ~~منفرد برتبته ، ولا يجتمع في مرتبة واحدة اثنان بخلاف الأرواح البشرية ~~المتكثرة مع اتحاد النوع والرتبة. أما الملائكة ، فكل واحد نوع برأسه هو كل ~~ذلك النوع وإليه الإشارة بقوله تعالى : ( @QUR@09 وما منا إلا له مقام ~~معلوم وإنا لنحن الصافون ) [الصافات : 164 و165]. # ويقوله عليه السلام : الراكع منهم لا يسجد والقائم لا يركع ، وإنه ما من ~~واحد منهم إلا له مقام معلوم ، فلا يفهم إذا من الأرواح والأجساد المطلقة ~~إلا أرواح الملائكة وأجساد العالم. # وأما قوله عليه السلام : " أنا أول الأنبياء خلقا وآخرهم بعثا" ، فالخلق ~~هنا هو التقدير دون الإيجاد ، فإنه قبل أن ولدته أمه لم يكن موجودا مخلوقا ~~، ولكن الغايات والكمالات سابقة في التقدير لاحقة في الوجود ، وهو معنى ~~قولهم : أول الفكر آخر العمل. بيانه أن المهندس المقدر للدار أول ما يمثل ~~في نفسه صورة الدار ، فيحصل في تقديره دار كاملة ، وآخر ما يوجد من أثر ~~أعماله هي الدار الكاملة وهي أول الأشياء في حقه تقديرا وآخرها وجودا ، لأن ~~ما قبلها من ضرب اللبن وبناء الحيطان وتركيب الجذوع وسيلة إلى غاية وكمال ~~وهي الدار ، ولأجلها تقدمت الآلات والأعمال ، فإذا عرفت هذا فاعلم أن ~~المقصود فطرة الآدميين إدراكهم بسعادة القرب من الحضر الإلهية ، ولم يكن ~~ذلك ms481 إلا بتعريف الأنبياء وكانت النبوة مقصودة بالإيجاد ، والمقصود كمالها ~~وغايتها لا أولها ، وإنما تكمل بحسب سنة الله تعالى بالتدريج كما تكمل PageV01P366 # عمارة الدار بالتدريج لتمهد أصل النبوة بآدم عليه السلام ، ولم يزل ينمو ~~ويكمل حتى بلغ الكمال بمحمد عليه السلام ، وكان المقصود كمال النبوة وغايتها ~~وتمهيد أوائلها وسيلة إليها كتأسيس البنيان وتمهيد أصول الحيطان ، فإنه ~~وسيلة إلى كمال صورة الدار ولهذا السر كان خاتم النبيين فإن الزيادة على ~~الكمال نقصان وكمال شكل الآلة الباطشة كف عليه خمس أصابع ، فكما أن ذا ~~الأصابع الأربعة ناقص فذو الأصابع الستة ناقص ، لأن السادسة زيادة على ~~الكفاية فهو نقصان في الحقيقة ، وإن كانت زيادة في الصور ، وإليه الإشارة ~~بقوله عليه السلام : مثل النبوة كمثل دار معمورة لم يبق فيها إلا موضع لبنة ~~، فكنت أنا موضع تلك اللبنة أو لفظ هذا معناه ، فإذا عرفت أن كونه خاتم ~~النبيين ضرورة لا يتصور خلافة إذا بلغ به الغاية والكمال ، والغاية أول في ~~التقدير ، آخر في الوجود. # وأما قوله عليه السلام : " كنت نبيا وآدم بين الماء والطين". فهو أيضا ~~إشارة إلى ما ذكرناه ، وأنه كان نبيا في التقدير قبل تمام خلقه آدم ~~عليه السلام ، لأنه لم يشأ خلق آدم إلا لينتزع الصافي من ذريته ، ولا يزال ~~يستصفي تدريجا إلى أن بلغ كمال الصفاء ، فقيل الروح القدسي النبوي المحمدي ~~ولا تفهم هذه الحقيقة إلا بأن تعلم أن للدار ، مثلا وجودين وجود في ذهن ~~المهندس ودماغه حتى كأنه ينظر إلى صورة الدار ، ووجودها خارج الذهن في ~~الأعيان. والوجود الذهني سبب الوجود الخارجي العيني فهو سابق لا محالة ، ~~فكذلك فاعلم أن الله تعالى يقدر أولا ثم يوجد على وفق التقدير ثانيا وإنما ~~التقدير يرسم في اللوح المحفوظ كما يرسم تقدير المهندس أولا في اللوح أو في ~~القرطاس ، فتصير الدار موجودة بكمال صورتها نوعا من الوجود ، فيكون هو سببا ~~للوجود الحقيقي ، كما أن هذه الصورة ترسم في لوح المهندس بواسطة القلم ~~والقلم يجري على وفق العلم بل العلم مجريه ، فكذلك تقدير صورة ms482 الأمور ~~الإلهية ترسم أولا في اللوح المحفوظ ، وإنما ينتقش اللوح المحفوظ من القلم ~~والقلم يجري على وفق العلم ، واللوح عبارة عن موجود قابل لنقش الصورة فيه ، ~~والقلم عبارة عن موجود منه تفيض الصور على اللوح المنتقش ، فإن حد القلم هو ~~الناقش لصور ، وليس من شرطهما أن يكون قصبا أو خشبا المعلومات في اللوح ، ~~واللوح هو المنتقش بتلك الصور ، بل من شرطهما أن لا يكونا جسمين فالجسمية ~~لا تدخل في حد القلمية واللوحية هو ما ذكرنا والزائد عليه صورته لا معناه ، ~~فلا يبعد أن يكون قلم الله تعالى ولوحه لائقا بإصبعيه ويده ، وكل ذلك على ~~ما يليق بذاته وإلهيته فتقدس عن حقيقة الجسمية ، بل جملتها جواهر روحانية. ~~عالية بعضها معلم كالقلم ، وبعضها متعلم كاللوح ، فإن الله تعالى علم ~~بالقلم ، فإذا فهمت نوعي الوجود فقد كان نبيا قبل آدم عليه السلام بمعنى ~~الوجود الأول التقديري دون الوجود الثاني الحسي العيني ، والحمد لله رب ~~العالمين ، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وآله وصحبه أجمعين آمين. PageV01P367 ### ||| * بداية الهداية PageV01P368 ### |||| * بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله حق حمده ، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد رسوله وعبده ، ~~وعلى آله وصحبه من بعده. # أما بعد ؛ فاعلم أيها الحريص المقبل على اقتباس العلم ، المظهر من نفسه ~~صدق الرغبة وفرض التعطش إليه ، أنك إن كنت تقصد بطلب العلم المنافسة ~~والمباهاة والتقدم على الأقران واستمالة وجوه الناس إليك وجمع حطام الدنيا ~~، فأنت ساع في هدم دينك وإهلاك نفسك وبيع آخرتك بدنياك ، فصفقتك خاسرة ~~وتجارتك بائرة ومعلمك معين لك على عصيانك وشريك لك في خسرانك ، وهو كبائع ~~سيف من قاطع طريق كما قال صلى الله عليه وسلم : " من أعان على معصية ولو بشطر ~~كلمة كان شريكا له فيها». # وإن كانت نيتك وقصدك بينك وبين الله تعالى من طلب العلم الهداية دون مجرد ~~الرواية فأبشر ، فإن الملائكة تبسط لك أجنحتها إذا مشيت ، وحيتان البحر ~~تستغفر لك إذا سعيت ؛ ولكن ينبغي لك أن تعلم قبل كل شيء أن الهداية التي هي ~~ثمرة العلم ، لها بداية ms483 ونهاية وظاهر وباطن ، ولا وصول إلى نهايتها إلا بعد ~~إحكام بدايتها ، ولا عثور على باطنها إلا بعد الوقوف على ظاهرها. # وها أنا مشير عليك ببداية الهداية لتجرب بها نفسك وتمتحن بها قلبك ، فإن ~~صادفت قلبك إليها مائلا ونفسك بها مطاوعة ولها قابلة ، فدونك التطلع إلى ~~النهايات والتغلغل في بحار العلوم ، وإن صادفت قلبك عند مواجهتك إياها بها ~~مسوقا وبالعمل بمقتضاها مماطلا ، فاعلم أن نفسك المائلة إلى طلب العلم هي ~~النفس الأمارة بالسوء ، وقد انتهضت مطيعة للشيطان اللعين ليدليك بحبل غروره ~~فيستدرجك بمكيدته إلى غمرة الهلاك ، وقصده أن يروج عليك الشر في معرض الخير ~~حتى يلحقك بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون ~~أنهم يحسنون صنعا ، وعند ذلك يتلو عليك الشيطان فضل العلم ودرجة العلماء ~~وما ورد فيه من الآثار والأخبار ، ويلهيك عن قوله صلى الله عليه وسلم : " من ~~ازداد علما ولم يزدد هدى لم يزدد من الله إلا بعدا" ، وعن قوله ~~صلى الله عليه وسلم : " أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله ~~بعلمه". وكان صلى الله عليه وسلم يقول : " اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ~~وقلب لا يخشع وعمل لا يرفع ودعاء لا يسمع" ، وعن قوله صلى الله عليه وسلم : " ~~مررت ليلة أسري بي بأقوام تقرض شفاههم بمقاريض من نار فقلت من أنتم؟ قالوا ~~: كنا نأمر بالخير ولا نأتيه وننهى عن الشر ونأتيه». # فإياك يا مسكين أن تذعن لتزويره فيدليك بحبل غروره ، فويل للجاهل حيث لم ~~يتعلم مرة PageV01P369 # واحدة! وويل للعالم حيث لم يعمل بما علم ألف مرة! # واعلم أن الناس في طلب العلم على ثلاثة أحوال : رجل طلب العلم ليتخذه ~~زاده إلى المعاد ، ولم يقصد به إلا وجه الله والدار الآخرة ، فهذا من ~~الفائزين ، ورجل طلبه ليستعين به على حياته العاجلة ، وينال به العز والجاه ~~والمال ، وهو عالم مستشعر في قلبه ركاكة حاله وخسة مقصده ؛ فهذا من ~~المخاطرين ، فإن عاجله أجله قبل التوبة خيف عليه من سوء الخاتمة وبقي أمره ~~في خطر ms484 المشيئة ، وإن وفق للتوبة قبل حلول الأجل وأضاف إلى العلم العمل ~~وتدارك ما فرط فيه من الخلل ، التحق بالفائزين ؛ فإن التائب من الذنب كمن ~~لا ذنب له. ورجل ثالث استحوذ عليه الشيطان ، فاتخذ علمه ذريعة إلى التكاثر ~~بالمال والتفاخر بالجاه والتعزز بكثرة الأتباع ، يدخل بعلمه كل مدخل رجاء ~~أن يقضي من الدنيا وطره ، وهو مع ذلك يضمر في نفسه أنه عند الله بمكانة ~~لاتسامه بسمة العلماء وترسمه برسومهم في الزي والمنطق ، مع تكالبه على ~~الدنيا ظاهرا وباطنا ؛ فهذا من الهالكين ومن الحمقى المغرورين ، إذ الرجاء ~~منقطع عن توبته لظنه أنه من المحسنين وهو غافل عن قوله تعالى: ( @QUR@09 يا ~~أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ) [الصف : 2] وهو ممن قال فيهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنا من غير الدجال أخوف عليكم من الدجال ، ~~فقيل : وما هو يا رسول الله؟ فقال: علماء السوء». وهذا لأن الدجال غايته ~~الإضلال ، ومثل هذا العالم وإن صرف الناس عن الدنيا بلسانه ومقاله فهو داع ~~لهم إليها بأعماله وأحواله ، ولسان الحال أفصح من لسان المقال ، وطباع ~~الناس إلى المشاهدة في الأعمال أميل منها إلى المتابعة في الأقوال ؛ فما ~~أفسده هذا المغرور بأعماله أكثر مما أصلحه بأقواله إذ لا يستجرئ الجاهل على ~~الرغبة في الدنيا إلا باستجراء العلماء ، فقد صار علمه سببا لجرأة عباد ~~الله على معاصيه ، ونفسه الجاهلة مدلة مع ذلك تمنيه وترجيه ، وتدعوه إلى أن ~~يمن على الله بعلمه ، وتخيل إليه نفسه أنه خير من كثير من عباد الله. فكن ~~أيها الطالب من الفريق الأول ، واحذر أن تكون من الفريق الثاني! فكم من ~~مسوف عاجله الأجل قبل التوبة فخسر ، وإياك ثم إياك أن تكون من الفريق ~~الثالث فتهلك هلاكا لا يرجى معه فلاحك ولا ينتظر صلاحك. # فإن قلت : فما بداية الهداية لأجرب بها نفسي؟ # فاعلم أن بدايتها ظاهرة التقوى ، ونهايتها باطنة التقوى ، فلا عاقبة إلا ~~بالتقوى ، ولا هداية إلا للمتقين. والتقوى عبارة عن امتثال أوامر الله ~~تعالى واجتناب نواهيه ، فهما قسمان. وها أنا ms485 أشير عليك بجمل مختصرة من ظاهر ~~علم التقوى في القسمين جميعا ، وألحق قسما ثالثا ليصير هذا الكتاب جامعا ~~مغنيا والله المستعان. ### ||| * القسم الأول في الطاعات # اعلم أن أوامر الله تعالى فرائض ونوافل : فالفرض رأس المال وهو أصل ~~التجارة وبه تحصل النجاة ، والنفل هو الربح وبه الفوز بالدرجات ، قال ~~صلى الله عليه وسلم : " يقول الله تبارك وتعالى : ما تقرب إلي المتقربون بمثل ~~أداء ما افترضت عليهم ، ولا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى PageV01P370 # أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه ~~الذي ينطق به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها» # ولن تصل أيها الطالب إلى القيام بأوامر الله تعالى إلا بمراقبة قلبك ~~وجوارحك في لحظاتك وأنفاسك من حين تصبح إلى حين تمسي ؛ فاعلم أن الله تعالى ~~مطلع على ضميرك ، ومشرف على ظاهرك وباطنك ، ومحيط بجميع لحظاتك وخطراتك ~~وخطواتك ، وسائر سكناتك وحركاتك ، وأنك في مخالطتك وخلواتك متردد بين يديه ~~، فلا يسكن في الملك والملكوت ساكن ولا يتحرك متحرك إلا وجبار السماوات ~~والأرض مطلع عليه ( @QUR@06 يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ) [غافر: ~~19] و ( @QUR@03 يعلم السر وأخفى ) [طه : 7]. فتأدب أيها المسكين ظاهرا ~~وباطنا بين يدي الله تعالى بأدب العبد الذليل المذنب في حضرة الملك الجبار ~~القهار ، واجتهد أن لا يراك مولاك حيث نهاك ، ولا يفقدك حيث أمرك ، ولن ~~تقدر على ذلك إلا بأن توزع أوقاتك وترتب أورادك من صباحك إلى مسائك ، فاصغ ~~إلى ما يلقى إليك من أوامر الله تعالى عليك من حين تستيقظ من منامك إلى وقت ~~رجوعك إلى مضجعك. ### ||| * فصل في آداب الاستيقاظ من النوم # فإذا استيقظت من النوم فاجتهد أن تستيقظ قبل طلوع الفجر ، وليكن أول ما ~~يجري على قلبك ولسانك ذكر الله تعالى ، فقل عند ذلك : الحمد لله الذي ~~أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور ، أصبحنا وأصبح الملك لله ، والعظمة ~~والسلطان لله ، والعزة والقدرة لله رب العالمين ؛ أصبحنا على فطرة الإسلام ~~، وعلى كلمة الإخلاص ، وعلى دين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، وعلى ms486 ملة ~~أبينا إبراهيم حنيفا مسلما وما كان من المشركين. اللهم بك أصبحنا وبك ~~أمسينا وبك نحيا وبك نموت وإليك النشور. اللهم إنا نسألك أن تبعثنا في هذا ~~اليوم إلى كل خير ، ونعوذ بك أن نجترح فيه سوءا أو نجره إلى مسلم أو يجره ~~أحد إلينا. نسألك خير هذا اليوم وخير ما فيه ونعوذ بك من شر هذا اليوم وشر ~~ما فيه. # فإذا لبست ثيابك فانو به امتثال أوامر الله تعالى في ستر عورتك ، واحذر ~~أن يكون قصدك من لباسك مراءاة الخلق فتخسر. ### ||| * باب آداب دخول الخلاء # فإذا قصدت بيت الخلاء لقضاء الحاجة فقدم في الدخول رجلك اليسرى ، وفي ~~الخروج رجلك اليمنى. ولا تستصحب شيئا عليه اسم الله تعالى ورسوله ، ولا ~~تدخل حاسر الرأس ولا حافي القدمين. وقل عند الدخول : باسم الله ، أعوذ ~~بالله من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم ؛ وعند الخروج : غفرانك ~~الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني ، وأبقى على ما ينفعني. # وينبغي أن تعد للغسل قبل قضاء الحاجة ، وأن لا تستنجي بالماء في موضع ~~قضاء الحاجة ، وأن PageV01P371 # تستبرئ من البول بالتنحنح والنثر ثلاثا ، وبإمرار اليد اليسرى على أسفل ~~القضيب. وإن كنت في الصحراء فابعد عن عيون الناظرين أو استتر بشيء إن وجدته ~~، ولا تكشف عورتك قبل الانتهاء إلى موضع الجلوس ، ولا تستقبل الشمس ولا ~~القمر ، ولا تستقبل القبلة ولا تستدبرها ، ولا تجلس في متحدث الناس ، ولا ~~تبل في الماء الراكد وتحت الشجرة المثمرة ، ولا في الجحر. # واحذر الأرض الصلبة ومهب الريح احترازا من الرشاش ، لقوله ~~صلى الله عليه وسلم : " إن عامة عذاب القبر منه». واتكئ في جلوسك على الرجل ~~اليسرى ، ولا تبل قائما إلا عن ضرورة ، واجمع في الاستنجاء بين استعمال ~~الحجر والماء ، فإذا اردت الاقتصار عن أحدهما فالماء أفضل ، وإن اقتصرت على ~~الحجر فعليك أن تستعمل ثلاثة أحجار طاهرة منشفة للعين ، تمسح بها محل النجو ~~بحيث لا تنقل النجاسة عن موضعها ، وكذلك تمسح القضيب في ثلاثة مواضع من حجر ~~، فإن لم يحصل الإنقاء بثلاثة فتمم خمسة ms487 أو سبعة إلى أن ينقى بالإيتار ، ~~فالإيتار مستحب والإنقاء واجب. ولا تستنج إلا باليد اليسرى ، وقل عند ~~الفراغ من الاستنجاء : اللهم طهر قلبي من النفاق ، وحصن فرجي من الفواحش. ~~وادلك يدك بعد تمام الاستنجاء بالأرض أو بحائط ثم اغسلها. ### ||| * آداب الوضوء # فإذا فرغت من الاستنجاء فلا تترك السواك ، فإنه مطهرة للفم ومرضاة للرب ~~ومسخطة للشيطان ، وصلاة بسواك أفضل من سبعين صلاة بلا سواك ؛ وروي عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو لا أن أشق ~~على أمتي لأمرتهم بالسواك في كل صلاة" ، وعنه صلى الله عليه وسلم : " أمرت ~~بالسواك حتى خشيت أن يكتب علي". # ثم اجلس للوضوء مستقبل القبلة على موضع مرتفع كي لا يصيبك الرشاش وقل : ~~بسم الله الرحمن الرحيم ، رب أعوذ بك من همزات الشياطين ، وأعوذ بك رب أن ~~يحضرون. ثم اغسل يديك ثلاثا قبل أن تدخلهما الإناء وقل : اللهم إني أسألك ~~اليمن والبركة ، وأعوذ بك من الشؤم والهلكة. ثم انو رفع الحدث أو استباحة ~~الصلاة ؛ ولا ينبغي أن تعزب نيتك قبل غسل الوجه فلا يصح وضوؤك. ثم خذ غرفة ~~لفيك وتمضمض بها ثلاثا ، وبالغ في رد الماء إلى الغلصمة ، إلا أن تكون ~~صائما ، فترفق وقل : اللهم أعني على تلاوة كتابك وكثرة الذكر لك ، وثبتني ~~بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. ثم خذ غرفة لأنفك واستنشق بها ~~ثلاثا ، واستنثر ما في الأنف من الرطوبة ، وقل في الاستنشاق : اللهم أرحني ~~رائحة الجنة وأنت عني راض ؛ وفي الاستنثار : اللهم إني أعوذ بك من روائح ~~النار وسوء الدار. ثم خذ غرفة لوجهك فاغسل بها من مبتدأ تسطيح الجبهة إلى ~~منتهى ما يقبل من الذقن في الطول ، ومن الأذن إلى الأذن في العرض ، وأوصل ~~الماء إلى موضع التحذيف ، وهو ما يعتاد النساء تنحية الشعر عنه وهو ما بين ~~رأس الأذن إلى زاوية الجبين ، أعني ما يقع منه في جبهة الوجه ؛ وأوصل الماء ~~إلى منابت PageV01P372 # الشعور الأربعة : الحاجبين ، والشاربين ، والأهداب ، والعذارين ؛ وهما ما ~~يوازيان الأذنين ms488 من مبتدأ اللحية. ويجب إيصال الماء إلى منابت الشعر من ~~اللحية الخفيفة دون الكثيفة ؛ وقل عند غسل الوجه : اللهم بيض وجهي بنورك ~~يوم تبيض وجوه أوليائك ، ولا تسود وجهي بظلماتك يوم تسود وجوه أعدائك. ولا ~~تترك تخليل اللحية الكثيفة. # ثم اغسل يدك اليمنى ، ثم اليسرى مع المرفقين إلى أنصاف العضدين ، فإن ~~الحلية في الجنة تبلغ مواضع الوضوء ، وقل عند غسل اليمنى : اللهم أعطني ~~كتابي بيميني وحاسبني حسابا يسيرا ؛ وعند غسل الشمال : اللهم إني أعوذ بك ~~أن تعطيني كتابي بشمالي أو من وراء ظهري. # ثم استوعب رأسك بالمسح بأن تبل يديك ، وتلصق رءوس أصابع يدك اليمنى ~~باليسرى ، وتضعهما على مقدمة الرأس ، وتمرهما إلى القفا ، ثم تردهما إلى ~~المقدمة ، فهذه مرة ؛ تفعل ذلك ثلاث مرات ؛ وكذلك في سائر الأعضاء وقل : ~~اللهم غشني برحمتك ، وأنزل علي من بركاتك ، وأظللني تحت ظل عرشك يوم لا ظل ~~إلا ظلك ؛ اللهم حرم شعري وبشري على النار. # ثم امسح أذنيك ظاهرهما وباطنهما بماء جديد ، وأدخل مسبحتيك في صماخي ~~أذنيك ، وامسح ظاهر أذنيك ببطن إبهاميك وقل : اللهم اجعلني من الذين ~~يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، اللهم أسمعني منادي الجنة في الجنة مع ~~الأبرار. # ثم امسح رقبتك وقل : اللهم فك رقبتي من النار ، وأعوذ بك من السلاسل ~~والأغلال. # ثم اغسل رجلك اليمنى ثم اليسرى مع الكعبين ، وخلل بخنصر اليسرى أصابع ~~رجلك اليمنى مبتدئا بخنصرها حتى تختم بخنصر اليسرى ، وتدخل الأصابع من أسفل ~~وقل : اللهم ثبت قدمي على الصراط المستقيم مع أقدام عبادك الصالحين. وكذلك ~~تقول عند غسل اليسرى : اللهم إني أعوذ بك أن تزل قدمي على الصراط في النار ~~يوم تزل أقدام المنافقين والمشركين. # وارفع الماء إلى أنصاف الساقين ، وراع التكرار ثلاثا في جميع أفعالك. ~~فإذا فرغت من الوضوء فارفع بصرك إلى السماء وقل : أشهد أن لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، سبحانك اللهم وبحمدك ، ~~أشهد أن لا إله إلا أنت ، عملت سوءا وظلمت نفسي ، أستغفرك وأتوب إليك فاغفر ~~لي وتب علي إنك ms489 أنت التواب الرحيم ، اللهم اجعلني من التوابين ، واجعلني من ~~المتطهرين ، واجعلني من عبادك الصالحين ، واجعلني صبورا شكورا ، واجعلني ~~أذكرك ذكرا كثيرا وأسبحك بكرة وأصيلا. # فمن قال هذه الدعوات في وضوئه خرجت خطاياه من جميع أعضائه ، وختم على ~~وضوئه بخاتم ، ورفع له تحت العرش ، فلم يزل يسبح الله تعالى ويقدسه ويكتب ~~له ثواب ذلك إلى يوم القيامة. # واجتنب في وضوئك سبعا : لا تنفض يديك فترش الماء. ولا تلطم وجهك ولا رأسك ~~بالماء لطما. ولا تتكلم في أثناء الوضوء. ولا تزد في الغسل على ثلاث مرات. ~~ولا تكثر صب الماء من PageV01P373 # غير حاجة لمجرد الوسوسة ، فللموسوسين شيطان يلعب بهم يقال له الوهان. ولا ~~تتوضأ بالماء المشمس ولا من الأواني الصفرية فهذه السبعة مكروهة في الوضوء. ~~وفي الخبر أن من ذكر الله عند وضوئه طهر الله جسده كله ، ومن لم يذكر الله ~~لم يطهر منه إلا ما أصابه الماء. ### ||| * آداب الغسل # فإذا أصابتك جنابة من احتلام أو وقاع ، فخذ الإناء إلى المغتسل واغسل ~~يديك أولا ثلاثا ، وأزل ما على بدنك من قذر ، وتوضأ كما سبق في وضوئك ~~للصلاة مع جميع الدعوات ؛ وأخر غسل قدميك كيلا يضيع الماء. فإذا فرغت من ~~الوضوء فصب الماء على رأسك ثلاثا وأنت ناو رفع الحدث من الجنابة ، ثم على ~~شقك الأيمن ثلاثا ثم الأيسر ثلاثا. وادلك ما أقبل من بدنك وما أدبر ثلاثا ~~ثلاثا ، وخلل شعر رأسك ولحيتك ، وأوصل الماء إلى معاطف البدن ومنابت الشعر ~~ما خف منه وما كثف. واحذر أن تمس ذكرك بعد الوضوء ، فإن أصابته يدك فأعد ~~الوضوء ، والفريضة من جملة ذلك كله النية وإزالة النجاسة واستيعاب البدن ~~بالغسل. # وفرض الوضوء غسل الوجه واليدين مع المرفقين ، ومسح بعض المرفقين ، ومسح ~~بعض الرأس ، وغسل الرجلين إلى الكعبين مرة مرة مع النية والترتيب ، وما ~~عداها سنن مؤكدة فضلها كثير وثوابها جزيل ، والمتهاون بها خاسر بل هو بأصل ~~فرائضه مخاطر ، فإن النوافل جوابر للفرائض. ### ||| * آداب التيمم # فإن عجزت عن استعمال الماء لفقده بعد الطلب ، أو لعذر من مرض ms490 ، أو لمانع ~~من الوصول إليه من سبع أو حبس ، أو كان الماء الحاضر تحتاج إليه لعطشك أو ~~لعطش رفيقك ، أو كان ملكا لغيرك ولم يبع إلا بأكثر من ثمن المثل ، أو كانت ~~بك جراحة أو مرض تخاف منه على نفسك ، فاصبر حتى يدخل وقت الفريضة ثم اقصد ~~صعيدا طيبا عليه تراب خالص طاهر لين ، فاضرب عليه بكفيك ضاما بين أصابعك ، ~~وانو استباحة فرض الصلاة وامسح بهما وجهك كله مرة واحدة ، ولا تتكلف إيصال ~~الغبار إلى منابت الشعر خف أو كثف ، ثم انزع خاتمك واضرب ضربة ثانية مفرقا ~~بين أصابعك ، وامسح بهما يديك مع مرفقيك ، فإن لم تستوعبهما فاضرب ضربة ~~أخرى إلى أن تستوعبهما ، ثم امسح إحدى كفيك بالأخرى ، وامسح ما بين أصابعك ~~بالتخليل ، وصل به فرضا واحدا وما شئت من النوافل ، فإن أردت فرضا ثانيا ~~فاستأنف له تيمما آخر. ### ||| * آداب الخروج إلى المسجد # فإذا فرغت من طهارتك فصل في بيتك ركعتي الصبح إن كان الفجر قد طلع ، كذلك ~~كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم توجه إلى المسجد ، ولا تدع صلاة ~~في الجماعة لا سيما الصبح ، فصلاة الجماعة تفضل على صلاة الفجر بسبع وعشرين ~~درجة. فإن كنت تتساهل في مثل هذا PageV01P374 # الربح فأي فائدة لك في طلب العلم؟ وإنما ثمرة العلم العمل به ، فإذا سعيت ~~إلى المسجد فامش على هينة وتؤدة وسكينة ، ولا تعجل ، وقل في طريقك : اللهم ~~إني أسألك بحق السائلين عليك ، وبحق الراغبين إليك ، وبحق ممشاي هذا إليك ، ~~فإني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا رياء ولا سمعة ، بل خرجت اتقاء سخطك ~~وابتغاء مرضاتك ، فأسألك أن تنقذني من النار ، وأن تغفر لي ذنوبي ، فإنه لا ~~يغفر الذنوب إلا أنت. ### ||| * آداب دخول المسجد # فإذا أردت الدخول إلى المسجد فقدم رجلك اليمنى وقل : اللهم صل على محمد ~~وعلى آل محمد وصحبه وسلم ، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك. # ومهما رأيت في المسجد من يبيع أو يبتاع فقل : لا أربح الله تجارتك! وإذا ~~رأيت فيه من ينشد ms491 ضالة فقل : لا رد الله عليك ضالتك! كذلك أمر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم . # فإذا دخلت المسجد فلا تجلس حتى تصلي ركعتي التحية ، فإن لم تكن على طهارة ~~أو لم ترد فعلها كفتك الباقيات الصالحات ثلاثا ، وقيل أربعا ، وقيل ثلاثا ~~للمحدث ، وواحدة للمتوضئ. فإن لم تكن صليت في بيتك ركعتي الفجر فيجزئك ~~أداؤهما عن التحية ؛ فإذا فرغت من الركعتين فانو الاعتكاف وادع بما دعا به ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ركعتي الفجر فقل : " اللهم إني أسألك رحمة ~~من عندك تهدي بها قلبي ، وتجمع بها شملي ، وتلم بها شعثي ، وترد بها ألفتي ~~، وتصلح بها ديني ، وتحفظ بها غائبي ، وترفع بها شاهدي ، وتزكي بها عملي ، ~~وتبيض بها وجهي ، وتلهمني بها رشدي ، وتقضي لي بها حاجتي ، وتعصمني بها من ~~كل سوء اللهم إني اسألك إيمانا خالصا دائما يباشر قلبي ، وأسألك يقينا ~~صادقا حتى أعلم أنه لن يصيبني إلا ما كتبته علي ، ورضني بما قسمته لي. ~~اللهم إني أسألك إيمانا صادقا ويقينا ليس بعده كفر ، وأسألك رحمة أنال بها ~~شرف كرامتك في الدنيا والآخرة. اللهم إني أسألك الفوز عند اللقاء ، والصبر ~~عند القضاء ، ومنازل الشهداء ، وعيش السعداء ، والنصر على الأعداء ، ~~ومرافقة الأنبياء. اللهم إني أنزل بك حاجتي وإن ضعف رأيي وقصر عملي وافتقرت ~~إلى رحمتك فأسألك يا قاضي الأمور ويا شافي الصدور كما تجير بين البحور أن ~~تجيرني من عذاب السعير ، ومن فتنة القبور ، ومن دعوة الثبور. اللهم ما قصر ~~عنه رأيي وضعفي عنه عملي ولم تبلغه نيتي وأمنيتي من خير وعدته أحدا من ~~عبادك ، أو خير أنت معطيه أحدا من خلقك ، فإني أرغب إليك فيه ، وأسألك إياه ~~يا رب العالمين. اللهم اجعلنا هادين مهتدين غير ضالين ولا مضلين ، حربا ~~لأعدائك ، سلما لأوليائك ؛ نحب بحبك الناس ونعادي بعداوتك من خالفك من ~~خلقك. اللهم هذا الدعاء وعليك الإجابة ، وهذا الجهد وعليك التكلان. وإنا ~~لله وإنا إليه راجعون ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. اللهم ذا ~~الحبل الشديد والأمر الرشيد ، أسألك ms492 الأمن يوم الوعيد ، والجنة يوم الخلود ~~مع المقربين الشهود ، الركع السجود ، الموفين لك بالعهود ، إنك رحيم ودود ، ~~وأنت تفعل ما تريد ، سبحان من اتصف بالعز وقال به! سبحان من لبس المجد ~~وتكرم به! سبحان PageV01P375 # من لا ينبغي التسبيح إلا له! سبحان ذي الفضل والنعم! سبحان ذي الجود ~~والكرم! سبحان الذي أحصى كل شيء بعلمه! اللهم اجعل لي نورا في قلبي ، ونورا ~~في قبري ، ونورا في سمعي ، ونورا في بصري ، ونورا في شعري ، ونورا في بشري ~~، ونورا في لحمي ، ونورا في دمي ، ونورا في عظامي ، ونورا من بين يدي ، ~~ونورا من خلفي ، ونورا عن شمالي ، ونورا من فوقي ، ونورا من تحتي. اللهم ~~زدني نورا وأعطني نورا أعظم نور ، واجعل لي نورا برحمتك يا أرحم الراحمين. # فإذا فرغت من الدعاء فلا تشتغل إلى وقت الفرض إلا بذكر أو تسبيح أو قراءة ~~قرآن ، فإذا سمعت الأذان في أثناء ذلك فاقطع ما أنت فيه واشتغل بجواب ~~المؤذن ، فإذا قال المؤذن : الله أكبر الله أكبر ، فقل مثل ذلك ، وكذلك في ~~كل كلمة إلا في الحيعلتين فقل فيهما : لا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم. فإذا قال : الصلاة خير من النوم ، فقل : صدقت وبررت وأنا على ذلك ~~من الشاهدين. فإذا سمعت الإقامة فقل مثل ما يقول إلا في قوله : قد قامت ~~الصلاة ، فقل : أقامها الله وأدامها ما دامت السماوات والأرض. فإذا فرغت من ~~جواب المؤذن فقل : اللهم إني أسألك عند حضور صلاتك ، وأصوات دعاتك ، وإدبار ~~ليلك ، وإقبال نهارك ، أن تؤتي محمدا الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة ، ~~وابعثه المقام المحمود الذي وعدته ، إنك لا تخلف الميعاد يا أرحم الراحمين ~~، فإذا سمعت الأذان وأنت في الصلاة فتمم الصلاة ثم تدارك الجواب بعد السلام ~~على وجهه ، فإذا أحرم الإمام بالفرض فلا تشتغل إلا بالاقتداء به ، وصل ~~الفرض كما سيتلى عليك في كيفية الصلاة وآدابها. # فإذا فرغت فقل : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وسلم ؛ اللهم أنت السلام ~~ومنك السلام وإليك يعود السلام ، فحينا ربنا بالسلام ، وأدخلنا الجنة دار ms493 ~~السلام ، تباركت يا ذا الجلال والإكرام ، سبحان ربي العلي الأعلى ، لا إله ~~إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، يحيي ويميت وهو حي لا ~~يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير ، لا إله إلا الله أهل النعمة والفضل ~~والثناء الحسن ، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو ~~كره الكافرون. # ثم ادع بعد ذلك بالجوامع الكوامل ما علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عائشة رضي الله عنها ، فقل : " اللهم إني أسألك من الخير كله عاجله وآجله ~~ما علمت منه وما لم أعلم ، وأعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمت منه ~~وما لم أعلم ، وأسألك الجنة وما يقرب إليها من قول وعمل ونية واعتقاد ، ~~وأعوذ بك من النار وما يقرب إليها من قول وعمل ونية واعتقاد ، وأسألك من ~~خير ما سألك منه عبدك ورسولك محمد صلى الله عليه وسلم ، وأعوذ بك من شر ما ~~استعاذك منه عبدك ورسولك محمد صلى الله عليه وسلم ، اللهم وما قضيت علي من أمر ~~فاجعل عاقبته رشدا". # ثم ادع بما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة رضي الله عنها : فقل ~~: " يا حي يا قيوم ، يا ذا الجلال والإكرام ، لا إله إلا أنت ، برحمتك ~~أستغيث ومن عذابك أستجير. لا تكلني إلى نفسي ولا إلى أحد من خلقك طرفة عين ~~، وأصلح لي شأني كله بما أصلحت به الصالحين". # ثم قل ما قاله عيسى ، على نبينا وعليه الصلاة والسلام : " اللهم إني ~~أصبحت لا أستطيع دفع ما PageV01P376 # أكره ، ولا أملك نفع ما أرجو ، وأصبح الأمر بيدك لا بيد غيرك ، وأصبحت ~~مرتهنا بعملي ؛ فلا فقير أفقر مني إليك ، ولا غني أغنى منك عني. اللهم لا ~~تشمت بي عدوي ، ولا تسؤ بي صديقي ، ولا تجعل مصيبتي في ديني ، ولا تجعل ~~الدنيا أكبر همي ولا مبلغ علمي ، ولا تسلط علي بذنبي من لا يرحمني". # ثم ادع بما بدا لك من الدعوات المشهورات ، واحفظها مما أوردناه في كتاب ~~الدعوات من ms494 كتاب إحياء علوم الدين. # ولتكن أوقاتك بعد الصلاة إلى طلوع الشمس موزعة على أربع وظائف : وظيفة في ~~الدعوات ، ووظيفة في الأذكار والتسبيحات ، وتكررها في سبحة ، ووظيفة في ~~قراءة القرآن ، ووظيفة في التفكر ؛ فتفكر في ذنوبك وخطاياك ، وتقصيرك في ~~عبادة مولاك ، وتعرضك لعقابه الأليم وسخطه العظيم ، وترتب أوقاتك بتدبيرك ~~أورادك في جميع يومك ، لتتدارك به ما فرطت من تقصيرك ، وتحترز من التعرض ~~لسخط الله تعالى الأليم في يومك ، وتنوي الخير لجميع المسلمين ، وتعزم أن ~~لا تشتغل في جميع نهارك إلا بطاعة الله تعالى ، وتفصل في قلبك الطاعات التي ~~تقدر عليها ، وتختار أفضلها ، وتتأمل تهيئة أسبابها لتشغل بها ، ولا تدع ~~عنك التفكر في قرب الأجل ، وحلول الموت القاطع للأمل ، وخروج الأمر عن ~~الاختيار ، وحصول الحسرة والندامة بطول الاغترار. # وليكن من تسبيحاتك وأذكارك عشر كلمات : إحداهن لا إله إلا الله وحده لا ~~شريك له ، له الملك وله الحمد ، يحيي ويميت وهو حي لا يموت ، بيده الخير ~~وهو على كل شيء قدير. الثانية : لا إله إلا الله الملك الحق المبين. ~~الثالثة : لا إله إلا الله الواحد القهار ، رب السماوات والأرض وما بينهما ~~، العزيز الغفار. الرابعة : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله ~~أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. الخامسة : سبوح قدوس رب ~~الملائكة والروح. السادسة : سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم. السابعة ~~: أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأسأله التوبة ~~والمغفرة. الثامنة : اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا راد ~~لما قضيت ولا ينفع ذا الجد منك الجد. التاسعة : اللهم صل على محمد وعلى آل ~~محمد وصحبه وسلم. العاشرة : بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا ~~في السماء وهو السميع العليم. تكرر كل واحدة من هذه الكلمات إما مائة مرة ، ~~أو سبعين مرة ، أو عشر مرات وهو أقله ، ليكون المجموع مائة. # ولازم هذه الأذكار ولا تتكلم قبل طلوع الشمس ، ففي الخبر أن ذلك أفضل من ~~إعتاق ثمان رقاب ms495 من ولد إسماعيل على نبينا وعليه الصلاة والسلام ؛ أعني ~~الاشتغال بالذكر إلى طلوع الشمس من غير أن يتخلله كلام. ### ||| * آداب ما بين طلوع الشمس إلى الزوال # فإذا طلعت الشمس وارتفعت قدر رمح فصل ركعتين ، وذلك عند زوال وقت الكراهة ~~للصلاة ، فإنها مكروهة من بعد فريضة الصبح إلى ارتفاع الشمس. فإذا أضحى ~~النهار ومضى منه قريب من ربعه ، فصل PageV01P377 # صلاة الضحى أربعا أو ستا أو ثمانيا مثنى ، فقد نقلت هذه الأعداد كلها عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم . # والصلاة خير كلها ، فمن شاء فليستكثر ومن شاء فليستقلل ، فليس بين طلوع ~~الشمس والزوال راتبة من الصلاة إلا هذه ؛ فما فضل عنها من أوقاتك فلك فيه ~~أربع حالات : # الحالة الأولى : وهي الأفضل ، أن تصرفه في طلب العلم النافع في الدين دون ~~الفضول الذي أكب الناس عليه وسموه علما. والعلم النافع هو ما يزيد في خوفك ~~من الله تعالى ، ويزيد في بصيرتك بعيوب نفسك ، ويزيد في معرفتك بعبادة ربك ~~، ويقلل من رغبتك في الدنيا ، ويزيد في رغبتك في الآخرة ، ويفتح بصيرتك ~~بآفات أعمالك حتى تحترز منها ، ويطلعك على مكايد الشيطان وغروره ، وكيفية ~~تلبيسه على علماء السوء حتى عرضهم لمقت الله تعالى وسخطه ، حيث اشتروا ~~الدنيا بالدين ، واتخذوا العلم ذريعة ووسيلة إلى أخذ أموال السلاطين وأكل ~~أموال الأوقاف واليتامى والمساكين ، وصرف همتهم طول نهارهم إلى طلب الجاه ~~والمنزلة في قلوب الخلق ، واضطرهم ذلك إلى المراءاة والمماراة ، والمناقشة ~~في الكلام والمباهاة. وهذا الفن من العلم النافع قد جمعناه في كتاب إحياء ~~علوم الدين ، فإن كنت من أهله فحصله واعمل به ، ثم علمه وادع إليه ؛ فمن ~~علم ذلك وعمل به ثم علمه ودعا إليه ، فذلك يدعى عظيما في ملكوت السماوات ~~بشهادة عيسى عليه السلام . # فإذا فرغت من ذلك كله ، وفرغت من إصلاح نفسك ظاهرا وباطنا ، وفضل شيء من ~~أوقاتك ، فلا بأس أن تشتغل بعلم المذهب في الفقه لتعرف به الفروع النادرة ~~في العبادات ، وطريق التوسط بين الخلق في الخصومات عند انكبابهم على ~~الشهوات ، فذلك أيضا بعد ms496 الفراغ من هذه المهمات من جملة فروض الكفايات. فإن ~~دعتك نفسك إلى ترك ما ذكرناه من الأوراد والأذكار استثقالا لذلك ، فاعلم أن ~~الشيطان اللعين قد دس في قلبك الداء الدفين ، وهو حب المال والجاه ، فإياك ~~أن تغتر به فتكون ضحكة له فيهلكك ثم يسخر منك. فإن جبرت نفسك مدة في ~~الأوراد والعبادات فكنت لا تستثقلها كسلا عنها ، لكن ظهرت رغبتك في تحصيل ~~العلم النافع ولم ترد به إلا وجه الله تعالى والدار الآخرة ، فذلك أفضل من ~~نوافل العبادات مهما صحت النية ؛ ولكن الشأن في صحة النية ، فإن لم تصح فهو ~~معدن غرور الجهال ومزلة أقدام الرجال. # الحالة الثانية : أن لا تقدر على تحصيل العلم النافع في الدين ، لكن ~~تشتغل بوظائف العبادات من الذكر والتسبيح والقراءة والصلاة ، فذلك من درجات ~~العابدين وسير الصالحين ، وتكون أيضا بذلك من الفائزين. # الحالة الثالثة : أن تشتغل بما يصل منه خير إلى المسلمين ، ويدخل به سرور ~~على قلوب المؤمنين ، أو يتيسر به الأعمال الصالحة للصالحين ، كخدمة الفقهاء ~~والصوفية وأهل الدين ، والتردد في أشغالهم والسعي في إطعام الفقراء ~~والمساكين ، والتردد مثلا على المرضى بالعيادة وعلى الجنائز بالتشييع ؛ فكل ~~ذلك أفضل من النوافل ، فإن هذه عبادات وفيها رفق للمسلمين. PageV01P378 # الحالة الرابعة : إن لم تقو على ذلك فاشتغل بحاجاتك اكتسابا على نفسك أو ~~على عيالك ، وقد سلم منك المسلمون وأمنوا من لسانك ويدك ، وسلم لك دينك إذا ~~لم ترتكب معصية ، فتنال بذلك درجة أصحاب اليمين إن لم تكن من أهل الترقي ~~إلى مقامات السابقين ؛ فهذا أقل الدرجات في مقامات الدين ، وما بعد هذا فهو ~~مراتع الشياطين ، وذلك بأن تشتغل والعياذ بالله بما يهدم دينك ، أو تؤذي ~~عبدا من عباد الله تعالى ، فهذه رتبة الهالكين ؛ فإياك أن تكون في هذه ~~الطبقة. # واعلم أن العبد في حق دينه على ثلاث درجات : إما سالم ، وهو المقتصر على ~~أداء الفرائض وترك المعاصي. أو رابح ، وهو المتطوع بالقربات والنوافل. أو ~~خاسر ، وهو المقصر على اللوازم ، فإن لم تقدر أن تكون رابحا فاجتهد أن تكون ms497 ~~سالما ، وإياك ثم إياك أن تكون خاسرا. # والعبد في حق سائر العباد له ثلاث درجات : الأولى : أن ينزل في حقهم ~~منزلة الكرام البررة من الملائكة ، وهو أن يسعى في أغراضهم رفقا بهم ~~وإدخالا للسرور على قلوبهم. الثانية : أن ينزل في حقهم منزلة البهائم ~~والجمادات ، فلا ينالهم خيره ولكن يكف عنهم شره. الثالثة : أن ينزل في حقهم ~~منزلة العقارب والحيات والسباع الضاريات ، لا يرجى خيره ويتقى شره. فإن لم ~~تقدر على أن تلتحق بأفق الملائكة فاحذر أن تنزل عن درجة البهائم والجمادات ~~إلى مراتب العقارب والحيات والسباع الضاريات ، فإن رضيت لنفسك النزول من ~~أعلى عليين فلا ترض لها بالهوى إلى أسفل سافلين ، فلعلك تنجو كفافا لا لك ~~ولا عليك. فعليك في بياض نهارك أن لا تشتغل إلا بما ينفعك في معادك أو ~~معاشك الذي لا تستغني عنه وعن الاستعانة به على معادك ، فإن عجزت عن القيام ~~بحق دينك مع مخالطة الناس وكنت لا تسلم ، فالعزلة أولى لك ، فعليك بها ~~ففيها النجاة والسلامة. فإن كانت الوساوس في العزلة تجاذبك إلى ما لا يرضي ~~الله تعالى ولم تقدر على قمعها بوظائف العبادات ، فعليك بالنوم فهو أحسن ~~أحوالك وأحوالنا ، إذا عجزنا عن الغنيمة رضينا بالسلامة في الهزيمة. فأخس ~~بحال من سلامة دينه في تعطيل حياته ، إذ النوم أخو الموت ، وهو تعطيل ~~الحياة والتحاق بالجمادات. ### ||| * آداب الاستعداد لسائر الصلوات # ينبغي أن تستعد لصلاة الظهر قبل الزوال ، فتقدم القيلولة إن كان لك قيام ~~في الليل أو سهر في الخير ، فإن فيها معونة على قيام الليل ، كما أن في ~~السحور معونة على صيام النهار ، والقيلولة من غير قيام الليل كالسحور من ~~غير صيام بالنهار. واجتهد أن تستيقظ قبل الزوال ، وتتوضأ ، وتحضر المسجد ، ~~وتصلي تحية المسجد ، وتنتظر المؤذن فتجيبه ، ثم تقوم فتصلي أربع ركعات عقب ~~الزوال ، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطولهن ويقول : «هذا وقت تفتح فيه ~~أبواب السماء ، فأحب أن يرفع لي فيه عمل صالح» وهذه الأربع قبل الظهر سنة ~~مؤكدة ، ففي الخبر أن من ms498 صلاهن فأحسن ركوعهن وسجودهن صلى معه سبعون ألف ملك ~~يستغفرون له إلى PageV01P379 # الليل. ثم تصلي الفرض مع الإمام ، ثم تصلي بعد الفرض ركعتين ، فهما من ~~الرواتب الثابتة. # ولا تشتغل إلى العصر إلا بتعلم علم ، أو إعانة مسلم ، أو قراءة قرآن ، أو ~~سعي في معاش تستعين به على دينك. ثم تصلي أربع ركعات قبل العصر ، فهي سنة ~~مؤكدة ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " رحم الله امرأ صلى أربعا ~~قبل العصر». فاجتهد أن ينالك دعاؤه صلى الله عليه وسلم ، ولا تشتغل بعد العصر ~~إلا بمثل ما سبق قبله. # ولا ينبغي أن تكون أوقاتك مهملة فتشتغل في كل وقت بما اتفق كيف اتفق ، بل ~~ينبغي أن تحاسب نفسك ، وترتب أورادك في ليلك ونهارك ، وتعين لكل وقت شغلا ~~لا تتعداه ولا تؤثر فيه سواه ، فبذلك تظهر بركة الأوقات. فأما إذا تركت ~~نفسك سدى مهملا إهمال البهائم ، لا تدري بما ذا تشتغل في كل وقت ، فينقضي ~~أكثر أوقاتك ضائعا ، وأوقاتك عمرك ، وعمرك رأس مالك ، وعليه تجارتك ، وبه ~~وصولك إلى نعيم دار الأبد في جوار الله تعالى ، فكل نفس من أنفاسك جوهرة لا ~~قيمة لها ، إذ لا بدل له ، فإذا فات فلا عود له. فلا تكن كالحمقى المغرورين ~~الذين يفرحون كل يوم بزيادة أموالهم مع نقصان أعمارهم ، فأي خير في مال ~~يزيد وعمر ينقص. ولا تفرح إلا بزيادة علم أو عمل صالح ، فإنهما رفيقاك ~~يصحبانك في القبر حيث يتخلف عنك أهلك ومالك وولدك وأصدقاؤك. # ثم إذا اصفرت الشمس فاجتهد أن تعود إلى المسجد قبل الغروب ، واشتغل ~~بالتسبيح والاستغفار ، فإن فضل هذا الوقت كفضل ما قبل الطلوع ؛ قال الله ~~تعالى : ( @QUR@08 وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ) [طه : 130]. # واقرأ قبل غروب الشمس" والشمس وضحاها"" والليل إذا يغشى"" والمعوذتين" ~~ولتغرب عليك الشمس وأنت في الاستغفار ، فإذا سمعت الأذان فأجبه وقل بعده : ~~اللهم إني أسألك عند إقبال ليلك وإدبار نهارك ، وحضور صلاتك وأصوات دعاتك ، ~~أن تؤتي محمدا الوسيلة والفضيلة والشرف والدرجة الرفيعة ، وابعثه المقام ~~المحمود ms499 الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد. والدعاء كما سبق. # ثم صل الفرض بعد جواب المؤذن والإقامة ، وصل بعده ركعتين قبل أن تتكلم ~~فهما راتبتا المغرب ، وإن صليت بعدهما أربعا فهي أيضا سنة ، وإن أمكنك أن ~~تنوي الاعتكاف إلى العشاء تحيي ما بين العشاءين بالصلاة فافعل ، فقد ورد في ~~فضل ذلك ما لا يحصى ؛ وهي ناشئة الليل لأنها أول نشأته ، وهي صلاة ~~الأوابين. وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى : ( @QUR@04 ~~تتجافى جنوبهم عن المضاجع ) [السجدة : 16] فقال : «هي الصلاة ما بين ~~العشاءين إنها تذهب بملاغي أول النهار وتهذب آخره» والملاغي جمع ملغاة وهي ~~من اللغو. # فإذا دخل وقت العشاء فصل أربع ركعات قبل الفرض إحياء لما بين الأذانين ، ~~ففضل ذلك كثير. وفي الخبر أن الدعاء بين الأذانين والإقامة لا يرد. PageV01P380 # ثم صل الفرض وصل الراتبة ركعتين ، واقرأ فيهما سورة" ألم السجدة" و" ~~تبارك الملك" أو سورة يس والدخان ، فذلك مأثور عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم . وصل بعدهما أربع ركعات ، ففي الخبر ما يدل على عظيم ~~فضلهن. ثم صل الوتر بعدها ثلاثا بتسليمتين أو بتسليمة واحدة ؛ وكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقرأ فيها سورة سبح اسم ربك الأعلى ، وقل يا أيها ~~الكافرون ، والإخلاص ، والمعوذتين. فإن كنت عازما على قيام الليل فأخر ~~الوتر ليكون آخر صلاتك بالليل وترا. ثم اشتغل بعد ذلك بمذاكرة علم أو ~~مطالعة كتاب ، ولا تشتغل باللهو واللعب فيكون ذلك خاتمة أعمالك قبل نومك ، ~~فإنما الأعمال بخواتيمها. ### ||| * آداب النوم # فإذا أردت النوم فابسط فراشك مستقبل القبلة ونم على يمينك كما يضجع الميت ~~في لحده. واعلم أن النوم مثل الموت ، واليقظة مثل البعث. ولعل الله تعالى ~~يقبض روحك في ليلتك ، فكن مستعدا للقائه بأن تنام على طهارة ، وتكون وصيتك ~~مكتوبة تحت رأسك ، وتنام تائبا من الذنوب مستغفرا ، عازما على أن لا تعود ~~إلى معصية. واعزم على الخير لجميع المسلمين إن بعثك الله تعالى ؛ وتذكر أنك ~~ستضجع في اللحد كذلك وحيدا فريدا ، ليس معك إلا عملك ms500 ، ولا تجزى إلا بسعيك. # ولا تستجلب النوم تكلفا بتمهيد الفرش الوطيئة ، فإن النوم تعطيل للحياة ، ~~إلا إذا كانت يقظتك وبالا عليك ، فنومك سلامة لدينك. واعلم أن الليل ~~والنهار أربع وعشرون ساعة ، فلا يكن يومك بالليل والنهار أكثر من ثمان ~~ساعات ، فيكفيك إن عشت مثلا ستين سنة أن تضيع منها عشرين سنة ، وهو ثلث عمرك. # وأعد عند النوم سواكك وطهورك. واعزم على قيام الليل أو على القيام قبل ~~الصبح ، فركعتان في جوف الليل كنز من كنوز البر ، فاستكثر من كنوزك ليوم ~~فقرك ، فلن تغني عنك كنوز الدنيا إذا مت. # وقل عند نومك : باسمك ربي وضعت جنبي ، وباسمك أرفعه ، فاغفر لي ذنبي. ~~اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك. اللهم باسمك أحيا وأموت ، وأعوذ بك اللهم ~~من شر كل ذي شر ، ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها ، إن ربي على صراط ~~مستقيم. اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء ، وأنت الآخر فليس بعدك شيء ، وأنت ~~الظاهر فليس فوقك شيء ، وأنت الباطن فليس دونك شيء ، اقض عني الدين وأغنني ~~من الفقر. اللهم أنت خلقت نفسي وأنت تتوفاها ، لك مماتها ومحياها ، إن ~~أمتها فاغفر لها وإن أحييتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين. اللهم ~~إني أسألك العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. اللهم أيقظني في أحب ~~الساعات إليك ، واستعملني بأحب الأعمال إليك ، حتى تقربني إليك زلفى ، ~~وتبعدني عن سخطك ، بعد أن أسألك فتعطيني ، وأستغفرك فتغفر لي ، وأدعوك ~~فتستجيب لي. # ثم اقرأ آية الكرسي و ( @QUR@02 آمن الرسول ) [البقرة : 285] إلى آخر ~~السورة ، والإخلاص ، والمعوذتين ، وتبارك الملك. وليأخذك النوم وأنت على ~~ذكر الله تعالى وعلى الطهارة فمن فعل ذلك عرج بروحه إلى PageV01P381 # العرش وكتب مصليا إلى أن يستيقظ. فإذا استيقظت فارجع إلى ما عرفتك أولا ، ~~وداوم على هذا الترتيب بقية عمرك ، فإن شقت عليك المداومة فاصبر صبر المريض ~~على مرارة الدواء انتظارا للشفاء ، وتفكر في قصر عمرك ؛ وإن عشت مثلا مائة ~~سنة فهي قليلة بالإضافة إلى مقامك في الدار الآخرة وهي أبد الآباد. وتأمل ~~أنك تتحمل المشقة والذل ms501 في طلب الدنيا شهرا أو سنة رجاء أن تستريح بها ~~عشرين سنة مثلا ، فكيف لا تتحمل ذلك أياما قلائل رجاء الاستراحة أبد ~~الآباد؟ ولا تطول أملك فيثقل عليك عملك ، وقدر قرب الموت وقل في نفسك : إن ~~أتحمل المشقة اليوم فلعلي أموت الليلة ، وأصبر الليلة فلعلي أموت غدا ؛ فإن ~~الموت لا يهجم في وقت مخصوص وحال مخصوص وسن مخصوص ، فلا بد من هجومه ، ~~فالاستعداد له أولى من الاستعداد للدنيا ، وأنت تعلم أنك لا تبقى فيها إلا ~~مدة يسيرة ، ولعله لم يبق من أجلك إلا يوم واحد أو نفس واحد ؛ فقدر هذا في ~~قلبك كل يوم ، وكلف نفسك الصبر على طاعة الله يوما فيوما ، فإنك لو قدرت ~~البقاء خمسين سنة وألزمتها الصبر على طاعة الله تعالى نفرت واستعصت عليك ، ~~فإن فعلت ذلك فرحت عند الموت فرحا لا آخر له ، وإن سوفت وتساهلت جاءك الموت ~~في وقت لا تحتسبه ، وتحسرت تحسرا لا آخر له ، و" عند الصباح يحمد القوم ~~السرى" وعند الموت يأتيك الخبر اليقين ( @QUR@04 ولتعلمن نبأه بعد حين ) [ص : 88]. # وإذا أرشدناك إلى ترتيب الأوراد ، فلنذكر لك كيفية الصلاة والصوم ~~وآدابهما ، وآداب الإمامة والقدوة والجمعة. ### ||| * آداب الصلاة # فإذا فرغت من طهارة الخبث ، وطهارة الحدث في البدن والثياب والمكان ، ومن ~~ستر العورة من السرة إلى الركبة ، فاستقبل القبلة قائما ، مزاوجا بين قدميك ~~بحيث لا تضمهما ، واستو قائما. ثم اقرأ ( @QUR@04 قل أعوذ برب الناس ) ~~تحصنا بها من الشيطان الرجيم ؛ وأحضر قلبك ما أنت فيه ، وفرغه من الوسواس ، ~~وانظر بين يدي من تقوم ومن تناجي ، واستح أن تناجي مولاك بقلب غافل وصدر ~~مشحون بوساوس الدنيا وخبائث الشهوات ، واعلم أنه تعالى مطلع على سريرتك ، ~~وناظر إلى قلبك ، فإنما يتقبل الله من صلاتك بقدر خشوعك وخضوعك وتواضعك ~~وتضرعك. # واعبده في صلاتك كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. فإن لم يحضر ~~قلبك ولم تسكن جوارحك فهذا لقصور معرفتك بجلال الله تعالى ؛ فقدر أن رجلا ~~صالحا من وجوه أهل بيتك ينظر إليك ليعلم كيف صلاتك ، فعند ذلك يحضر ms502 قلبك ~~وتسكن جوارحك ، ثم ارجع إلى نفسك وقل : يا نفس السوء! ألا تستحين من خالقك ~~ومولاك ، إذ قدرت اطلاع عبد ذليل من عباده عليك وليس بيده ضرك ولا نفعك ~~خشعت جوارحك وحسنت صلاتك ، ثم إنك تعلمين أنه مطلع عليك ولا تخشعين لعظمته! ~~أهو تعالى عندك أقل من عبد من عباده؟ فمنا أشد طغيانك وجهلك ، وما أعظم ~~عداوتك لنفسك! PageV01P382 # فعالج قلبك بهذه الحيل ، فعساه أن يحضر معك في صلاتك ؛ فإنه ليس من صلاتك ~~إلا ما عقلت منها ، وأما ما أتيت به مع الغفلة والسهو فهو إلى الاستغفار ~~والتفكير أحوج. # فإذا حضر قلبك فلا تترك الإقامة وإن كنت وحدك ، وإن انتظرت حضور جماعة ~~فأذن ثم أقم ، فإذا أقمت فانو وقل في قلبك : أؤدي فرض الظهر لله تعالى ؛ ~~وليكن ذلك حاضرا في قلبك عند تكبيرك. ولا تغرب عنك النية قبل الفراغ من ~~التكبير ، وارفع يديك عند التكبير بعد إرسالهما أولا إلى حذو منكبيك ، وهما ~~مبسوطتان وأصابعهما منشورة ، ولا تتكلف ضمهما ولا تفريجهما بحيث تحاذي ~~بإبهاميك شحمتي أذنيك ، وبرءوس أصابعك أعلى أذنيك ، وبكفيك منكبيك. فإذا ~~استقرتا في مقرهما فكبر ثم أرسلهما برفق. ولا تدفع يديك عند الرفع والإرسال ~~إلى قدام دفعا ، ولا إلى خلف رفعا ، ولا تنفضهما يمينا ولا شمالا. فإذا ~~أرسلتهما فاستأنف رفعهما إلى صدرك ، وأكرم اليمنى بوضعها على اليسرى ، ~~وانشر أصابع اليمنى على طول ذراعك اليسرى ، واقبض بها على كوعها ؛ وقل بعد ~~التكبير : " الله أكبر كبيرا ، والحمد لله كثيرا ، وسبحان الله بكرة ~~وأصيلا" ثم اقرأ : ( @QUR@011 وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا ~~وما أنا من المشركين ) [الأنعام : 79]. إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ~~رب العالمين [الأنعام : 162] ، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين". ~~ثم قل : " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" ثم اقرأ الفاتحة بتشديداتها ، ~~واجتهد في الفرق بين الضاد والظاء في قراءتك في الصلاة ، وقل آمين ولا تصله ~~بقوله" ولا الضالين" وصلا. # واجهر بالقراءة في الصبح والمغرب والعشاء ، أعني في الركعتين الأوليين ، ~~إلا أن تكون مأموما ؛ واجهر بالتأمين. واقرأ في الصبح ms503 بعد الفاتحة من السور ~~الطوال من المفصل ، وفي المغرب من قصاره ، وفي الظهر والعصر والعشاء من ~~أواسطه ، نحو : ( @QUR@03 والسماء ذات البروج ) وما قاربها من السور ، وفي ~~الصبح في السفر ( @QUR@04 قل يا أيها الكافرون ) و ( @QUR@04 قل هو الله ~~أحد ). ولا تصل آخر السورة بتكبيرة الركوع ، ولكن افصل بينهما بمقدار ~~سبحان الله. # وكن في جميع قيامك مطرقا قاصرا نظرك على مصلاك ، فذلك أجمع لهمك وأجدر ~~لحضور قلبك ؛ واياك أن تلتفت يمينا وشمالا في صلاتك. # ثم كبر للركوع وارفع يديك كما سبق ، ومد التكبير إلى انتهاء الركوع ، ثم ~~ضع راحتيك إلى ركبتيك وأصابعك منشورة ، وانصب ركبتيك ، ومد ظهورك وعنقك ~~ورأسك مستويا كالصفيحة الواحدة ، وجاف مرفقيك عن جنبيك ؛ والمرأة لا تفعل ~~ذلك ، بل تضم بعضها إلى بعض ؛ وقل" سبحان ربي العظيم" ثلاثا ، وإن كنت ~~منفردا فالزيادة إلى السبع والعشر حسن. ثم ارفع رأسك حتى تعتدل قائما ، ~~وارفع يديك قائلا : " سمع الله لمن حمده" فإذا استويت قائما فقل : " ربنا ~~لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد". # وإن كنت في فريضة الصبح فاقرأ القنوت في الركعة الثانية في اعتدالك من ~~الركوع ، ثم PageV01P383 # اسجد مكبرا غير رافع اليدين ، وضع أولا على الأرض ركبتيك ثم يديك ثم ~~جبهتك مكشوفة ، وضع أنفك مع الجبهة وجاف مرفقيك عن جنبيك ، وأقل بطنك عن ~~فخذيك والمرأة لا تفعل ذلك وضع يديك على الأرض حذو منكبيك ، ولا تفرش ذراعك ~~على الأرض ، وقل : " سبحان ربي الأعلى" ثلاثا أو سبعا أو عشرا إن كنت ~~منفردا. # ثم ارفع رأسك من السجود مكبرا حتى تعتدل جالسا ، واجلس على رجلك اليسرى ، ~~وانصب قدمك اليمنى ، وضع يديك على فخذيك والأصابع منشورة وقل : " رب اغفر ~~لي وارحمني وارزقني واجبرني وعافني واعف عني". ثم اسجد سجدة ثانية كذلك ، ~~ثم اعتدل جالسا للاستراحة في كل ركعة لا تشهد عقبها. # ثم تقوم وتضع اليدين على الأرض ، ولا تقدم إحدى رجليك في حالة الارتفاع ، ~~وابتدئ بتكبيرة الارتفاع عند القرب من حد جلسة الاستراحة ، ومدها إلى منتصف ~~ارتفاعك إلى القيام ms504 ، ولتكن هذه الجلسة جلسة خفيفة مختطفة ؛ وصل الركعة ~~الثانية كالأولى ، وأعد التعوذ في الابتداء ، ثم اجلس في الركعة الثانية ~~للتشهد الأول ، وضع اليد اليمنى في جلوس التشهد على الفخذ اليمنى مقبوضة ~~الأصابع ، إلا المسبحة والإبهام فترسلهما ، وأشر بمسبحة يمناك عند قولك" ~~إلا الله" لا عند قولك" لا إله" وضع اليد اليسرى منشورة الأصابع على الفخذ ~~اليسرى ، واجلس على رجلك اليسرى في هذا التشهد كما بين السجدتين ، وفي ~~التشهد الأخير متوركا ، واستكمل الدعاء المعروف المأثور بعد الصلاة على ~~النبي صلى الله عليه وسلم ، واجلس فيه على وركك الأيسر ، وضع رجلك اليسرى ~~خارجة من تحتك ، وانصب القدم اليمنى ثم قل بعد الفراغ : " السلام عليكم ~~ورحمة الله" مرتين ، الجانبين ، والتفت بحيث يرى بياض خديك من جانبيك ، ~~وانو الخروج من الصلاة ، وانو السلام على من على جانبيك من الملائكة ~~والمسلمين. وهذه هيئة صلاة المنفرد. # وعماد الصلاة الخشوع وحضور القلب مع القراءة والذكر بالتفهم. وقال الحسن ~~البصري رحمه الله تعالى: كل صلاة لا يحضر فيها القلب فهي إلى العقوبة أسرع. ~~وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن العبد ليصلي الصلاة فلا يكتب له ~~منها سدسها ولا عشرها ، وإنما يكتب للعبد من صلاته بقدر ما عقل منها". ### ||| * آداب الإمامة والقدوة # ينبغي للإمام أن يخفف الصلاة ؛ قال أنس بن مالك رضي الله عنه : ما صليت ~~خلف أحد صلاة أخف ولا أتم من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم . # ولا يكبر ما لم يفرغ المؤذن من الإقامة ، وما لم تستو الصفوف. ويرفع ~~الإمام صوته بالتكبيرات ، ولا يرفع المأموم صوته إلا بقدر ما يسمع نفسه. ~~وينوي الإمام الإمامة لينال الفضل ، فإذا لم ينو صحت صلاة القوم إذا نووا ~~الاقتداء به ونالوا فضل القدوة. ويسر بدعاء الاستفتاح والتعوذ كالمنفرد ، ويجهر PageV01P384 # بالفاتحة والسورة في جميع الصبح وأوليي المغرب والعشاء ، وكذلك المنفرد. ~~ويجهر بقوله آمين في الجهرية ، وكذلك المأموم. ويقرن المأموم تأمينه بتأمين ~~الإمام معا لا تعقيبا له. ويسكت الإمام سكتة عقب الفاتحة ليؤوب إليه نفسه ؛ ~~ويقرأ المأموم الفاتحة في ms505 الجهرية في هذه السكتة ليتمكن من الاستماع عند ~~قراءة الإمام ، ولا يقرأ المأموم السورة في الجهرية إلا إذا لم يسمع صوت ~~الإمام. ولا يزيد الإمام على الثلاثة في تسبيحات الركوع والسجود ، ولا يزيد ~~في التشهد الأول بعد قول" اللهم صل على محمد". ويقتصر في الركعتين ~~الأخيرتين على الفاتحة ، ولا يطول على القوم ، ولا يزيد دعاءه في التشهد ~~الأخير على قدر تشهده وصلاته على رسول الله صلى الله عليه وسلم . وينوي الإمام ~~عند التسليم السلام على القوم ، وينوي القوم بتسليمهم جوابه. ويلبث الإمام ~~ساعة بعد ما يفرغ من السلام ، ويقبل على الناس بوجهه ، ولا يلتفت إن كان ~~خلفه نساء لينصرفن أولا. ولا يقوم أحد من القوم حتى يقوم الإمام. وينصرف ~~الإمام حيث شاء ، عن يمينه أو شماله ، واليمين أحب إليه. ولا يخص الإمام ~~نفسه بالدعاء في قنوت الصبح بل يقول : " اللهم اهدنا" ويجهر به ؛ ويؤمن ~~القوم ولا يرفعون أيديهم ، إذ لم يثبت ذلك في الأخبار. ويقرأ المأموم بقية ~~القنوت من قوله" إنك لا تقضي ولا يقضى عليك". ولا يقف المأموم وحده بل يدخل ~~في الصف أو يجر إلى نفسه غيره. ولا ينبغي للمأموم أن يتقدم على الإمام في ~~أفعاله أو يساويه ، بل ينبغي أن يتأخر عنه ولا يهوي للركوع إلا إذا انتهى ~~الإمام إلى حد الركوع ، ولا يهوي للسجود ما لم تصل جبهة الإمام إلى الأرض. ### ||| * آداب الجمعة # اعلم أن الجمعة عيد المؤمنين ؛ وهو يوم شريف خص الله عز وجل به هذه الأمة ~~، وفيه ساعة مهمة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله تعالى فيها حاجة إلا أعطاه ~~إياها ؛ فاستعد لها من يوم الخميس بتنظيف الثياب وبكثرة التسبيح والاستغفار ~~عشية الخميس ، فإنها ساعة توازي في الفضل ساعة يوم الجمعة. وانو صوم يوم ~~الجمعة ، لكن مع الخميس أو السبت ، إذ جاء في إفرادها نهي. # فإذا طلع عليك الصبح فاغتسل غسل يوم الجمعة ، فإن غسل يوم الجمعة واجب ~~على كل محتلم ، أي ثابت مؤكد. # ثم تزين بالثياب البيض فإنها أحب الثياب إلى الله تعالى ms506 ، واستعمل من ~~الطيب أطيب ما عندك ، وبالغ في تنظيف بدنك بالحلق والقص والتقليم والسواك ~~وسائر أنواع النظافة وتطييب الرائحة. ثم بكر إلى الجامع ، واسع إليه على ~~الهينة والسكينة ، فقد قال صلى الله عليه وسلم : «من راح إلى الجمعة في الساعة ~~الأولى فكأنما قرب بدنة ، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ، ومن ~~راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن ، ومن راح في الساعة الرابعة ~~فكأنما قرب دجاجة ، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة. فإذا خرج ~~الإمام طويت الصحف ورفعت الأقلام واجتمعت الملائكة عند المنبر يستمعون ~~الذكر». PageV01P385 # ويقال : إن الناس في قربهم عند النظر إلى وجه الله تعالى على قدر بكورهم ~~إلى الجمعة. # ثم إذا دخلت الجامع فاطلب الصف الأول ، فإذا اجتمع الناس فلا تتخط رقابهم ~~، ولا تمر بين أيديهم وهم يصلون ، واجلس بقرب حائط أو اسطوانة حتى لا يمروا ~~بين يديك ، ولا تقعد حتى تصلي التحية ، والأحسن أن تصلي أربع ركعات ، تقرأ ~~في كل ركعة بعد الفاتحة سورة الإخلاص خمسين مرة ، ففي الخبر أن من فعل ذلك ~~لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة أو يرى له. ولا تترك التحية وإن كان الإمام ~~يخطب ، ومن السنة أن تقرأ في اربع ركعات سورة الأنعام والكهف وطه ويس ، فإن ~~لم تقدر فسورة يس والدخان والم السجدة وسورة الملك ؛ ولا تدع قراءة هذه ~~السورة في ليلة الجمعة ، ففيها فضل كثير ؛ ومن لم يحسن ذلك فليكثر من قراءة ~~سورة الإخلاص. # وأكثر من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا اليوم خاصة. ومهما ~~خرج الإمام ، فاقطع الصلاة والكلام ، واشتغل بجواب المؤذن ، ثم باستماع ~~الخطبة والاتعاظ بها. ودع الكلام رأسا في الخطبة ، ففي الخبر «أن من قال ~~لصاحبه والإمام يخطب أنصت فقد لغا ، ومن لغا فلا جمعة له» أي لأن قوله أنصت ~~كلام فينبغي أن ينهى غيره بالإشارة لا باللفظ. # ثم اقتد بالإمام كما سبق ؛ فإذا فرغت وسلمت فاقرأ الفاتحة قبل أن تتكلم ~~سبع مرات ، والإخلاص سبعا ، والمعوذتين سبعا ms507 سبعا ، فذلك يعصمك من الجمعة ~~إلى الجمعة الأخرى ويكون حرزا لك من الشيطان ؛ وقل بعد ذلك : اللهم يا غني ~~يا حميد ، يا مبدئ يا معيد ، يا رحيم يا ودود ، أغنني بحلالك عن حرامك ، ~~وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك. # ثم صل بعد الجمعة ركعتين أو ستا مثنى مثنى ، فكل ذلك مروي عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في أحوال مختلفة. # ثم لازم المسجد إلى المغرب أو إلى العصر ، وكن حسن المراقبة للساعة ~~الشريفة فإنها مبهمة في جميع اليوم ، فعساك أن تدركها وأنت خاشع لله تعالى ~~متذلل متضرع. ولا تحضر في الجامع مجالس الخلق ولا مجالس القصاص ، بل مجالس ~~العلم النافع ، وهو الذي يزيد في خوفك من الله ، وينقص من رغبتك في الدنيا ~~؛ فكل علم لا يدعوك من الدنيا إلى الآخرة فالجهل أعود عليك منه ، فاستعذ ~~بالله من علم لا ينفع. # وأكثر الدعاء عند طلوع الشمس ، وعند الزوال ، وعند الغروب ، وعند صعود ~~الخطيب المنبر ، وعند قيام الناس إلى الصلاة ، فيوشك أن تكون الساعة ~~الشريفة في بعض الأوقات. # واجتهد أن تتصدق في هذا اليوم بما تقدر عليه وإن قل ، فتجمع بين الصلاة ~~والصوم والصدقة والقراءة والذكر والاعتكاف والرباط. واجعل هذا اليوم من ~~الأسبوع خاصة لآخرتك ، فعساه أن يكون كفارة لبقية الأسبوع. PageV01P386 ### ||| * آداب الصيام # لا ينبغي أن تقتصر على صوم شهر رمضان ، فتترك التجارة بالنوافل وكسب ~~الدرجات العالية في الفراديس ، فتتحسر إذا نظرت إلى منازل الصائمين كما ~~تنظر إلى الكوكب الدري وهم في أعلى عليين. # والأيام الفاضلة التي شهدت الأخبار بشرفها وفضلها وبجزالة الثواب في ~~صيامها : يوم عرفة لغير الحاج ، ويوم عاشوراء ، والعشر الأول من ذي الحجة ، ~~والعشر الأول من المحرم ، ورجب وشعبان. وصوم الأشهر الحرم من الفضائل ، وهي ~~ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب واحد فرد وثلاثة سرد ؛ وهذه في السنة ، ~~وأما في الشهر فأول الشهر وأوسطه وآخره ، والأيام البيض وهي الثالث عشر ~~والرابع عشر والخامس عشر. وأما في الأسبوع فيوم الاثنين والخمسين والجمعة ؛ ~~فتكفر ذنوب الأسبوع بصوم الاثنين والخميس والجمعة ms508 ، وتكفر ذنوب الشهر ~~باليوم الأول من الشهر واليوم الأوسط واليوم الآخر والأيام البيض ، وتكفر ~~ذنوب السنة بصيام هذه الأيام والأشهر المذكورة. # ولا تظن إذا صمت أن الصوم هو ترك الطعام والشراب والوقاع فقط ، فقد قال ~~صلى الله عليه وسلم : «كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش» بل تمام ~~الصوم بكف الجوارح كلها عما يكره الله تعالى ، بل ينبغي أن تحفظ العين عن ~~النظر إلى المكاره ، واللسان عن النطق بما لا يعنيك ، والأذن عن الاستماع ~~إلى ما حرم الله تعالى ؛ فإن المستمع شريك القائل ، وهو أحد المغتابين ؛ ~~وكذلك تكف جميع الجوارح كما تكف البطن والفرج ، ففي الخبر : «خمس يفطرن ~~الصائم : الكذب ، والنميمة ، واليمين الكاذبة ، والنظر بشهوة» وقال ~~صلى الله عليه وسلم : «الصوم جنة ، فإذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يفسق ~~ولا يجهل ، فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم». # ثم اجتهد أن تفطر على طعام حلال ، ولا تستكثر فتزيد على ما تأكله كل ليلة ~~لأجل صيامك ، فلا فرق إذا استوفيت ما تعتاد أن تأكله دفعتين في دفعة واحدة ~~، وإنما المقصود بالصيام كسر شهوتك وتضعيف قوتك لتقوى بها على التقوى ، ~~فإذا أكلت عشية ما تداركت به فاتك ضحوة فلا فائدة في صومك ، وقد ثقلت عليك ~~معدتك ، وما وعاء أبغض إلى الله تعالى من بطن ملئ من حلال ، فكيف إذا ملئ ~~من حرام! # فإذا عرفت معنى الصوم فاستكثر منه ما استطعت ، فإنه أساس العبادات ومفتاح ~~القربات ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قال الله تعالى : كل حسنة ~~بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به". وقال ~~صلى الله عليه وسلم : " والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح ~~المسك ، يقول الله عز وجل : إنما يذر شهوته وطعامه وشرابه من أجلي فالصوم لي ~~وأنا أجزي به» وقال صلى الله عليه وسلم : " للجنة باب يقال له الريان لا يدخله ~~إلا الصائمون». # فهذا القدر من شرح الطاعات يكفيك من بداية الهداية ، فإذا احتجت ms509 إلى ~~الزكاة والحج ، أو إلى مزيد لشرح الصلاة والصيام ، فاطلبه مما أوردناه في ~~كتاب إحياء علوم الدين. PageV01P387 ### ||| * القسم الثاني القول في اجتناب المعاصي # اعلم أن الدين شطران : أحدهما ترك المناهي ، والآخر فعل الطاعات. وترك ~~المناهي هو الأشد ، فإن الطاعات يقدر عليها كل أحد ، وترك الشهوات لا يقدر ~~عليه إلا الصديقون ، فلذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «المهاجر من ~~هجر السوء والمجاهد من جاهد هواه» واعلم أنك إنما تعصي الله بجوارحك ، وهي ~~نعمة من الله عليك وأمانة لديك ، فاستعانتك بنعمة الله على معصيته غاية ~~الكفران. وخيانتك في أمانة استودعكها الله غاية الطغيان. فأعضاؤك رعاياك ~~فانظر كيف ترعاها ، فكلكم راع وكل راع مسئول عن رعيته. واعلم أن جميع ~~أعضائك ستشهد عليك في عرصات القيامة بلسان طلق ذلق ، أي فصيح ، تفضحك به ~~على رءوس الخلائق ؛ قال الله تعالى: ( @QUR@09 يوم تشهد عليهم ألسنتهم ~~وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون ) [النور : 24] وقال الله تعالى: ( ~~@QUR@011 اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا ~~يكسبون ) [يس : 65]. # فاحفظ يا مسكين جميع بدنك من المعاصي ، وخصوصا أعضاءك السبعة ، فإن جهنم ~~لها سبعة أبواب لكل منهم جزء مقسوم. ولا يتعين لتلك الأبواب إلا من عصى ~~الله تعالى بهذه الأعضاء السبعة وهي : العين ، والأذن ، واللسان ، والبطن ، ~~والفرج ، واليد ، والرجل. # أما العين فإنما خلقت لتهتدي بها في الظلمات ، وتستعين بها في الحاجات ، ~~وتنظر بها إلى عجائب ملكوت الأرض والسماوات ، وتعتبر بما فيها من الآيات ؛ ~~فاحفظها عن أربع : أن تنظر بها إلى غير محرم ، أو إلى صورة مليحة بشهوة نفس ~~، أو تنظر بها إلى مسلم بعين الاحتقار ، أو تطلع بها على عيب مسلم. # وأما الأذن ، فاحفظها عن أن تصغي بها إلى البدعة ، أو الغيبة ، أو الفحش ~~، أو الخوف في الباطل ، أو ذكر مساوىء الناس ؛ فإنما خلقت لك لتسمع بها ~~كلام الله تعالى ، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحكمة أوليائه ، ~~وتتوصل باستفادة العلم بها إلى الملك المقيم والنعيم الدائم في جوار رب ~~العالمين. فإذا أصغيت بها إلى شيء من ms510 المكاره ، صار ما كان عليك ، وانقلب ~~ما كان سبب فوزك سبب هلاكك ، وهذا غاية الخسران. ولا تظن أن الإثم يختص به ~~القائل دون المستمع ، ففي الخبر أن المستمع شريك القائل وهو أحد المغتابين. # وأما اللسان ، فإنما خلق لتكثر به ذكر الله تعالى وتلاوة كتابه ، وترشد ~~به خلق الله تعالى إلى طريقه ، وتظهر به ما في ضميرك من حاجات دينك ودنياك ~~، فإذا استعملته في غير ما خلق له فقد كفرت نعمة الله تعالى فيه. وهو أغلب ~~أعضائك عليه وعلى سائر الخلق ، ولا يكب الناس في النار على مناخرهم إلى ~~حصائد ألسنتهم ؛ فاستظهر عليه بغاية قوتك حتى لا يكبك في قعر جهنم ، ففي ~~الخبر : «إن الرجل ليتكلم بالكلمة ليضحك بها أصحابه فيهوي بها في قعر جهنم ~~سبعين خريفا». وروي أنه قتل شهيد في المعركة على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ، فقال قائل : هنيئا له بالجنة فقال صلى الله عليه وسلم : " ~~وما يدريك؟ لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه ، ويبخل بما لا يغنيه». # فاحفظ لسانك من ثمانية : PageV01P388 # الأول : الكذب ؛ فاحفظ منه لسانك في الجد والهزل ، ولا تعود لسانك الكذب ~~هزلا فيدعوك إلى الكذب في الجد ؛ والكذب من أمهات الكبائر. ثم إنك إذا عرفت ~~بذلك سقطت عدالتك والثقة بقولك ، وتزدريك الأعين وتحتقرك. وإذا أردت أن ~~تعرف قبح الكذب من نفسك فانظر إلى كذب غيرك ، وإلى نفرة نفسك عنه ، ~~واستحقارك لصاحبه ، واستقباحك لما جاء به ؛ وكذلك فافعل في جميع عيوب نفسك ~~، فإنك لا تدري قبح عيوبك من نفسك بل من غيرك ، فما استقبحته من غيرك ~~يستقبحه غيرك منك لا محالة ، فلا ترض لنفسك ذلك. # الثاني : الخلف في الوعد ؛ فإياك أن تعد بشيء ولا تفي به ، بل ينبغي أن ~~يكون إحسانك إلى الناس فعلا بلا قول ، فإن اضطررت إلى الوعد فإياك أن تخلف ~~إلا لعجز أو ضرورة ، فإن ذلك من أمارات النفاق وخبائث الأخلاق ، قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم : " ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى : من إذا حدث ~~كذب ، وإذا ms511 وعد أخلف ، وإذا اؤتمن خان». # الثالث : الغيبة ؛ فاحفظ لسانك عنها. والغيبة أشد من ثلاثين زنية في ~~الإسلام ، كذلك ورد في الخبر. ومعنى الغيبة أن تذكر إنسانا بما يكرهه لو ~~سمعه ، فأنت مغتاب ظالم وإن كنت صادقا. وإياك وغيبة القراء المرائين ، وهو ~~أن تفهم المقصود من غير تصريح فتقول : أصلحه الله فقد ساءني وغمني ما جرى ~~عليه ، فنسأل الله تعالى أن يصلحنا وإياه. فإن هذا جمع بين خبيثين : أحدهما ~~الغيبة ؛ إذ بها حصل التفهم ، والآخر تزكية النفس والثناء عليها بالتحرج ~~والصلاح. ولكن إن كان مقصودك من قولك أصلحه الله تعالى الدعاء ، فادع له في ~~السر إن اغتممت بسببه ، فعلامته أنك لا تريد فضيحته وإظهار عيبه ، وفي ~~إظهارك الغم بعيبه إظهار تعييبه. ويكفيك زاجرا عن الغيبة قوله تعالى : ( ~~@QUR@012 ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه ) ~~[الحجرات : 12] فقد شبهك الله بآكل لحم الميتة ، فما أجدرك أن تحترز منها. ~~ويمنعك عن غيبة المسلمين أمر لو تفكرت فيه ، وهو أن تنظر في نفسك هل فيك ~~عيب ظاهر أو باطن ، وهل أنت مفارق معصية سرا أو جهرا ، فإذا عرفت ذلك من ~~نفسك فاعلم أن عجزه من التنزه عما نسبته إليه كعجزك ، وعذره كعذرك ، وكما ~~تكره أن تفتضح وتذكر عيوبك فهو أيضا يكرهه ، فإن سترته ستر الله عليك عيوبك ~~، وإن فضحته سلط الله عليك ألسنة حدادا يمزقون عرضك في الدنيا ، ثم يفضحك ~~الله في الآخرة على رءوس الخلائق يوم القيامة. وإن نظرت إلى ظاهرك وباطنك ~~فلم تطلع فيهما على عيب ونقص في دين ولا دنيا ، فاعلم أن جهلك بعيوب نفسك ~~أقبح أنواع الحماقة ، ولا عيب أعظم من الحمق ، ولو أراد الله بك خيرا لبصرك ~~بعيوب نفسك ؛ فرؤيتك نفسك بعين الرضا غاية غباوتك وجهلك. ثم إن كنت صادقا ~~في ظنك فاشكر الله تعالى عليه ولا تفسده بثلب الناس والتمضمض بأعراضهم فإن ~~ذلك أعظم العيوب. # الرابع : المراء والجدال ومناقشة الناس في الكلام ؛ فذلك فيه إيذاء ~~للمخاطب وتجهيل له وطعن فيه ، وفيه ثناء على النفس ms512 وتزكية لها بمزيد الفطنة ~~والعلم. ثم هو مشوش للعيش ، فإنك لا تماري PageV01P389 # سفيها إلا ويؤذيك ، ولا تماري حليما إلا ويقليك ويحقد عليك ، فقد قال ~~صلى الله عليه وسلم : " من ترك المراء وهو مبطل بنى الله له بيتا في ربض الجنة ~~، ومن ترك المراء ، وهو محق بنى الله له بيتا في أعلى الجنة". # ولا ينبغي أن يخدعك الشيطان ويقول لك أظهر الحق ولا تداهن فيه ، فإن ~~الشيطان أبدا يستجر الحمقى إلى الشر في معرض الخير ، فلا تكن ضحكة للشيطان ~~فيسخر منك ؛ فإظهارك الحق حسن مع من يقبله منك ، وذلك بطريق النصيحة في ~~الخفية لا بطريق المماراة ؛ وللنصيحة صفة وهيئة ويحتاج فيها إلى تلطف ، ~~وإلا صارت فضيحة ، وكان فسادها أكثر من صلاحها. ومن خالط متفقهة العصر غلب ~~على طبعه المراء والجدال ، وعسر عليه الصمت ، إذ ألقى إليه علماء السوء أن ~~ذلك هو الفضل ، والقدرة على المحاجة والمناقشة هو الذي يتمدح به. ففر منهم ~~فرارك من الأسد ، واعلم أن المراء سبب المقت عند الله وعند الخلق. # الخامس : تزكية النفس ؛ قال الله تعالى : ( @QUR@07 فلا تزكوا أنفسكم هو ~~أعلم بمن اتقى ) [النجم : 32] وقيل لبعض الحكماء : ما الصدق القبيح؟ فقال : ~~ثناء المرء على نفسه. فإياك أن تتعود ذلك ، واعلم أن ذلك ينقص من قدرك عند ~~الناس ويوجب مقتك عند الله تعالى. فإذا أردت أن تعرف أن ثناءك على نفسك لا ~~يزيد في قدرك عند غيرك ، فانظر إلى أقرانك إذا أثنوا على أنفسهم بالفضل ~~والجاه والمال كيف يستنكره قلبك عليهم ويستثقله طبعك ، وكيف تذمهم عليه إذا ~~فارقتهم. فاعلم أنهم أيضا في حال تزكيتك لنفسك يذمونك في قلوبهم ناجزا ، ~~وسيظهرونه بألسنتهم إذا فارقتهم. # السادس : اللعن ؛ فإياك أن تلعن شيئا مما خلق الله تعالى من حيوان أو ~~طعام أو إنسان بعينه ، ولا تقطع بشهادتك على أحد من أهل القبلة بشكر أو كفر ~~أو نفاق ، فإن المطلع على السرائر هو الله تعالى ، فلا تدخل بين العباد ~~وبين الله تعالى ، واعلم أنك يوم القيامة لا يقال لك لم لم تلعن فلانا ms513 ، ~~ولم سكت عنه ؛ بل لو لم تلعن إبليس طول عمرك ولم تشغل لسانك بذكره ، لم ~~تسأل عنه ، ولم تطالب به يوم القيامة ، وإذا لعنت أحدا من خلق الله تعالى ~~طولبت به. ولا تذمن شيئا مما خلق الله تعالى ، فقد كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم لا يذم الطعام الرديء قط ، بل كان إذا اشتهى شيئا أكله ~~وإلا تركه. # السابع : الدعاء على الخلق ؛ فاحفظ لسانك عن الدعاء على أحد من خلق الله ~~تعالى ، وإن ظلمك فكل أمره إلى الله تعالى ، ففي الحديث : " إن المظلوم ~~ليدعو على ظالمه حتى يكافئه ثم يبقى للظالم فضل عنده يطالبه به يوم ~~القيامة». وطول بعض الناس لسانه على الحجاج فقال بعض السلف : إن الله ~~لينتقم للحجاج ممن تعرض له بلسانه كما ينتقم من الحجاج لمن ظلمه. # الثامن : المزاح والسخرية والاستهزاء بالناس ؛ فاحفظ لسانك منه في الجد ~~والهزل ، فإنه يريق ماء الوجه ، ويسقط المهابة ، ويستجر الوحشة ، ويؤذي ~~القلوب. وهو مبدأ اللجاج والغضب والتصارم ، ويغرس الحقد في القلوب ؛ فلا ~~تمازح أحدا ، فإن مازحك فلا تجبه ؛ فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره ، ~~وكن من الذين إذا مروا باللغو مروا كراما. PageV01P390 # فهذه مجامع آفات اللسان ، ولا يعينك عليك إلا العزلة أو ملازمة الصمت إلا ~~بقدر الضرورة ، فقد كان أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه يضع حجرا في فيه ~~ليمنعه ذلك من الكلام بغير ضرورة ، ويشير إلى لسانه ويقول : هذا الذي ~~أوردني الموارد كلها. فاحترز منه بجهدك ، فإنه أقوى أسباب هلاكك في الدنيا ~~والآخرة. # وأما البطن ؛ فاحفظ من تناول الحرام والشبهة ، واحرص على طلب الحلال ، ~~فإذا وجدته فاحرص على أن تقتصر منه على ما دون الشبع ، فإن الشبع يقسي ~~القلب ويفسد الذهن ويبطل الحفظ ويثقل الأعضاء عن العبادة والعلم ، ويقوي ~~الشهوات وينصر جنود الشيطان. والشبع من الحلال مبدأ كل شر فكيف من الحرام ، ~~وطلب الحلال فريضة على كل مسلم. والعبادة والعلم مع أكل الحرام كالبناء على ~~السرجين. فإذا قنعت في السنة بقميص خشن ، وفي اليوم والليلة برغيفين من ~~الخشكار ms514 ، وتركت التلذذ بأطيب الأدم ، لم يعوزك من الحلال ما يكفيك. ~~والحلال كثير ، وليس عليك أن تتيقن بواطن الأمور ، بل عليك أن تحترز مما ~~تعلم أنه حرام ، أو تظن أنه حرام ظنا حصل من علامة ناجزة مقرونة بالمال ؛ ~~أما المعلوم فظاهر ، وأما المظنون بعلامة فهو مال السلطان وعماله ، ومال من ~~لا كسب له إلا من النياحة أو بيع الخمر أو الربا أو المزامير وغير ذلك من ~~آلات اللهو المحرمة ؛ فإن من علمت أن أكثر ماله حرام قطعا فما تأخذه من يده ~~، وإن أمكن أن يكون حلالا نادرا فهو حرام ، لأنه الغالب على الظن. ومن ~~الحرام المحض ما يؤكل من الأوقات من غير شرط الواقف ، فمن لم يشتغل بالتفقه ~~فما يأخذه من المدارس حرام ، ومن ارتكب معصية ترد بها شهادته فما يأخذه ~~باسم الصوفية من وقف أو غيره فهو حرام. # وقد ذكرنا مداخل الشبهات والحلال والحرام في كتاب مفرد من كتاب إحياء ~~علوم الدين ، فعليك بطلبه ، فإن معرفة الحلال وطلبه فريضة على كل مسلم ~~كالصلوات الخمس. # وأما الفرج ؛ فاحفظه عن كل ما حرم الله تعالى ، وكن كما قال الله تعالى : ~~( @QUR@014 والذين هم لفروجهم حافظون ، إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ~~فإنهم غير ملومين ) [المؤمنون : 5 ، 6 والمعارج : 29 ، 30] ولا تصل إلى حفظ ~~الفرج إلا بحفظ العين عن النظر ، وحفظ القلب عن التفكر ، وحفظ البطن عن ~~الشبهة وعن الشبع ، فإن هذه محركات للشهوة ومغارسها. # وأما اليدان ؛ فاحفظهما عن أن تضرب بهما مسلما ، أو تتناول بهما مالا ~~حراما ، أو تؤذي بهما أحدا من الخلق ، أو تخون بهما في أمانة أو وديعة ، أو ~~تكتب بهما ما لا يجوز النطق به ، فإن القلم أحد اللسانين ، فاحفظ القلم عما ~~يجب حفظ اللسان عنه. # وأما الرجلان ؛ فاحفظهما عن أن تمشي بهما إلى باب سلطان ظالم ، فإن المشي ~~إلى السلاطين الظلمة من غير ضرورة وإرهاق معصية كبيرة ، فإنه تواضع لهم ~~وإكرام لهم على ظلمهم ، وقد أمر الله تعالى بالإعراض عنهم في قوله تعالى ( ~~@QUR@017 ولا تركنوا إلى الذين ظلموا ms515 فتمسكم النار وما لكم من دون الله من ~~أولياء ثم لا تنصرون ) [هود : 113] وإن كان ذلك لسبب طلب مالهم فهو سعي إلى ~~حرام ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : " من تواضع لغني ذهب ثلثا دينه" ~~وهذا في غني صالح ، فما ظنك بالغني الظالم! PageV01P391 # وعلى الجملة فحركاتك وسكناتك بأعضائك نعمة من نعم الله تعالى عليك ، فلا ~~تحرك شيئا منها في معصية الله تعالى أصلا ، واستعملها في طاعة الله تعالى ، ~~واعلم أنك إن قصرت فعليك يرجع وباله ، وإن شمرت فإليك تعود ثمرته ، والله ~~غني عنك وعن عملك ، وإنما كل نفس بما كسبت رهينة. وإياك أن تقول : إن الله ~~كريم رحيم يغفر الذنوب للعصاة ؛ فإن هذه كلمة حق أريد بها باطل ، وصاحبها ~~ملقب بالحماقة بتلقيب رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال : " الكيس من دان ~~نفسه وعمل لما بعد الموت ، والأحمق من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله ~~الأماني" واعلم أن قولك هذا يضاهي قول من يريد أن يصير فقيها في علوم الدين ~~من غير أن يدرس علما واشتغل بالبطالة وقال : إن الله كريم رحيم قادر على أن ~~يفيض على قلبي من العلوم ما أفاضه على قلوب أنبيائه وأوليائه من غير جهد ~~وتكرار وتعلم. وهو كقول من يريد مالا فترك الحراثة والتجارة والكسب وتعطل ~~وقال : إن الله كريم وله خزائن السماوات والأرض ، وهو قادر على أن يطلعني ~~على كنز من كنوزه أستغني به عن الكسب فقد فعل ذلك لبعض عباده. فأنت إذا ~~سمعت كلام هذين الرجلين استحمقتهما وسخرت منهما ، وإن كان ما وصفاه من كرم ~~الله تعالى وقدرته صدقا وحقا. فكذلك يضحك عليك أرباب البصائر في الدين إذا ~~طلبت المغفرة بغير سعي لها ، والله تعالى يقول : ( @QUR@06 وأن ليس للإنسان ~~إلا ما سعى ) [النجم : 39] ويقول : ( @QUR@05 إنما تجزون ما كنتم تعملون ) ~~[الطور : 16 ، التحريم : 7] ويقول : ( @QUR@08 إن الأبرار لفي نعيم* وإن ~~الفجار لفي جحيم ) [الانفطار: 13 ، 14]. # فإذا لم تترك السعي في طلب العلم والمال اعتمادا على كرمه ، فكذلك لا ~~تترك التزود للآخرة ولا تفتر ms516 ، فإن رب الدنيا والآخرة واحد ، وهو فيهما ~~كريم رحيم ، وليس يزيد له كرم بطاعتك ، وإنما كرمه في أن ييسر لك طريق ~~الوصول إلى الملك المقيم والنعيم الدائم المخلد بالصبر على ترك الشهوات ~~أياما قلائل ، وهذا نهاية الكرم ؛ فلا تحدث نفسك بتهويسات البطالين ، واقتد ~~بأولي العزم والنهى من الأنبياء والصالحين ، ولا تطمع في أن تحصد ما لم ~~تزرع ، وليت من صام وصلى وجاهد واتقى غفر له. # فهذه جمل مما ينبغي أن تحفظ عنه جوارحك الظاهرة وأعمال هذه الجوارح ؛ ~~فعليك بتطهير القلب فهو تقوى الباطن ، والقلب هو المضغة التي إذا صلحت صلح ~~بها سائر الجسد ، وإذا فسدت فسد بها سائر الجسد ؛ فاشتغل بإصلاحه لتصلح به ~~جوارحك ؛ وصلاحه يكون بملازمة المراقبة. ### ||| * القول في معاصي القلب # اعلم أن الصفات المذمومة في القلب كثيرة ، وطريق تطهير القلب من رذائلها ~~طويلة ، وسبيل العلاج فيها غامض ، وقد اندرس بالكلية علمه وعمله لغفلة ~~الخلق عن أنفسهم ؛ واستقصينا ذلك كله في كتاب إحياء علوم الدين في ربع ~~المنجيات ؛ ولكننا نحذرك الآن ثلاثا من خبائث القلب ، وهي الغالبة على ~~متفقهة العصر ، لتأخذ منها حذرك ، فإنها مهلكات في أنفسها ، وهي أمهات ~~الجملة من الخبائث سواها ، وهي : الحسد والرياء والعجب ؛ فاجتهد في تطهير ~~قلبك منها ، فإن قدرت عليها فتعلم كيفية الحذر مع بقيتها من ربع المهلكات ، ~~فإن عجزت عن هذا فأنت عن غيره أعجز. ولا تظنن أنك تسلم بنية صالحة في تعلم ~~العلم وفي قلبك شيء من الحسد والرياء والعجب ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : «ثلاث PageV01P392 # مهلكات : شح مطاع ، وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه». # أما الحسد فهو متشعب من الشح ، فإن البخيل هو الذي يبخل بما في يده على ~~غيره ، والشحيح هو الذي يبخل بنعمة الله تعالى وهي في خزائن قدرته تعالى لا ~~في خزائنه على عباد الله تعالى ، فشحه أعظم. والحسود هو الذي يشق عليه ~~إنعام الله تعالى من خزائن قدرته على عبد من عباده بعلم ، أو مال ، أو محبة ~~في قلوب الناس ، أو حظ من الحظوظ ، حتى إنه ليحب ms517 زوالها عنه وإن لم يحصل له ~~بذلك شيء من تلك النعمة ، فهذا منتهى الخبث ، فلذلك قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم : «الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب». # والحسود هو المعذب الذي لا يرحم ، ولا يزال في عذاب دائم في الدنيا ، فهي ~~لا تخلو من خلق كثير من أقرانه ومعارفه ممن أنعم الله عليهم بعلم أو مال أو ~~جاه ، فلا يزال في عذاب دائم في الدنيا إلى موته ، ولعذاب الآخرة أشد وأكبر ~~، بل لا يصل العبد إلى حقيقة الإيمان ما لم يحب لسائر المسلمين ما يحب ~~لنفسه ، بل ينبغي أن يساهم المسلمين في السراء والضراء ، فالمسلمون ~~كالبنيان الواحد يشد بعضه بعضا ، وكالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو اشتكى ~~سائر الجسد. فإن كنت لا تصادف هذا من قلبك فاشتغالك بطلب التخلص من الهلاك ~~أهم من اشتغالك بنوادر الفروع وعلم الخصومات. # وأما الرياء فهو الشرك الخفي ، وهو أحد الشركين ، وذلك طلبك المنزلة في ~~قلوب الخلق لتنال بها الجاه والحشمة ، وحب الجاه من الهوى المتبع ، وفيه ~~هلك أكثر الناس ، فما أهلك الناس إلا الناس ، ولو أنصف الناس حقيقة لعلموا ~~أن أكثر ما هم فيه من العلوم والعبادات ، فضلا عن أعمال العادات ، ليس ~~يحملها عليها إلا مراءاة الناس ، وهي محبطة للأعمال كما ورد في الخبر أن ~~الشهيد يؤمر به يوم القيامة إلى النار ، فيقول : يا رب استشهدت في سبيلك. ~~فيقول الله تعالى : بل أردت أن يقال فلان شجاع وقد قيل ذلك ، وذلك أجرك. ~~وكذلك يقال للعالم والحاج والقارئ. # وأما العجب والكبر والفخر فهو الداء العضال ؛ وهو نظر العبد إلى نفسه ~~بعين العزة والاستعظام ، وإلى غيره بعين الاحتقار والذل ؛ ونتيجته على ~~اللسان أن يقول أنا وأنا ؛ قال إبليس اللعين : ( @QUR@09 أنا خير منه ~~خلقتني من نار وخلقته من طين ) [الأعراف : 12] وثمرته في المجالس الترفع ~~والتقدم وطلب التصدر فيها ، وفي المحاورة الاستنكاف من أن يرد كلامه عليه. # والمتكبر هو الذي إن وعظ أنف أو وعظ عنف ؛ فكل من رأى نفسه خيرا من أحد ~~من خلق الله تعالى ms518 فهو متكبر ، بل ينبغي لك أن تعلم أن الخير من هو خير عند ~~الله في دار الآخرة ، وذلك غيب موقوف على الخاتمة ، فاعتقادك في نفسك أنك ~~خير من غيرك جهل محض ، بل ينبغي أن لا تنظر إلى أحد إلا وترى أنه خير منك ، ~~وأن الفضل له على نفسك ، فإن رأيت صغيرا قلت : هذا لم يعص الله وأنا عصيته ~~فلا شك أنه خير مني ، وإن رأيت كبيرا قلت : هذا قد عبد الله قبلي فلا شك ~~أنه خير مني ، وإن كان عالما قلت : هذا قد أعطي ما لم أعط ، وبلغ PageV01P393 # ما لم أبلغ ، وعلم ما جهلت فكيف أكون مثله! وإن كان جاهلا قلت : هذا قد ~~عصى الله بجهل وأنا عصيته بعلم ، فحجة الله علي آكد وما أدري بم يختم له ، ~~وإن كان كافرا قلت : لا أدري عسى أن يسلك ويختم له بخير العلم ، وينسل ~~بإسلامه عن الذنوب كما تنسل الشعرة من العجين ، وأما أنا والعياذ بالله ~~فعسى أن يضلني الله فأكفر فيختم لي بشر العمل ، فيكون غدا هو من المقربين ~~وأنا أكون من الخاسرين. # فلا يخرج الكبر من قلبك إلا بأن تعرف أن الكبير من هو عند الله تعالى ، ~~وذلك موقوف على الخاتمة ، وهي مشكوك فيها ، فيشغلك خوف الخاتمة عن أن تتكبر ~~مع الشك فيها على عباد الله تعالى ؛ فيقينك وإيمانك في الحال لا يناقض ~~تجويزك التغير في الاستقبال ، فإن الله مقلب القلوب يهدي من يشاء ويضل من يشاء. # والأخبار في الحسد والكبر والرياء والعجب كثيرة ، ويكفيك فيها حديث واحد ~~جامع ، فقد روى ابن المبارك بإسناده عن رجل أنه قال لمعاذ : حدثني حديثا ~~سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : فبكى معاذ حتى ظننت أنه لا ~~يسكت ، ثم قال : وا شوقاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى لقائه ، ثم ~~قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لي : «يا معاذ إني محدثك بحديث ~~إن أنت حفظته نفعك عند الله ، وإن أنت ضيعته ولم تحفظه انقطعت حجتك عند ms519 ~~الله تعالى يوم القيامة : يا معاذ إن الله تعالى خلق سبع أملاك قبل أن يخلق ~~السماوات والأرض ، فجعل لكل سماء من السبع ملكا بوابا عليها ، فتصعد الحفظة ~~بعمل العبد من حين يصبح إلى حين يمسي ، له نور كنور الشمس ، حتى إذا صعدت ~~به إلى السماء الدنيا زكته وكثرته ، فيقول الملك الموكل بها للحفظة : ~~اضربوا بهذا العمل وجه صاحبه ، أنا صاحب الغيبة أمرني ربي أن لا أدع عمل من ~~اغتاب الناس يجاوزني إلى غيري قال : ثم تأتي الحفظة بعمل صالح من أعمال ~~العبد له نور فتزكيه وتكثره حتى تبلغ به إلى السماء الثانية فيقول لهم ~~الموكل بها : قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه ، إنه أراد بعمله عرض ~~الدنيا ، أنا ملك الفخر أمرني أن لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري ، إنه كان ~~يفتخر على الناس في مجالسهم. قال : وتصعد الحفظة بعمل العبد يبتهج نورا من ~~صدقة وصلاة وصيام قد أعجب الحفظة ، فيجاوزون به إلى السماء الثالثة فيقول ~~لهم الملك الموكل بها : قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه ، أنا ملك الكبر ~~أمرني ربي أن لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري ، إنه كان يتكبر على الناس في ~~مجالسهم. قال : وتصعد الحفظة بعمل العبد يزهو كما يزهو الكوكب الدري وله ~~دوي من تسبيح وصلاة وصيام وحج وعمرة حتى يجاوزوا به إلى السماء الرابعة ، ~~فيقول لهم الملك الموكل بها : قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه وظهره ~~وبطنه ، أنا صاحب العجب أمرني ربي أن لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري ، إنه ~~كان إذا عمل عملا أدخل العجب فيه. قال : وتصعد الحفظة بعمل العبد حتى ~~يجاوزوا به إلى السماء الخامسة كأنه العروس المزفوفة إلى بعلها ، فيقول لهم ~~الملك الموكل بها : قفوا واضربوا بهذا PageV01P394 # العمل وجه صاحبه واحملوه على عاتقه ، أنا ملك الحسد إنه كان يحسد من ~~يتعلم ويعمل بمثل عمله ، وكل من كان يأخذ فضلا من العبادة كان يحسدهم ويقع ~~فيهم ، أمرني ربي أن لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري. قال : وتصعد الحفظة ~~بعمل العبد له ضوء كضوء ms520 الشمس من صلاة وزكاة وحج وعمرة وجهاد وصيام ، ~~فيجاوزون به إلى السماء السادسة ، فيقول لهم الملك الموكل بها : قفوا ~~واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه ، إنه كان لا يرحم إنسانا قط من عباد الله ~~أصابه بلاء أو مرض ، بل كان يشمت به ، أنا ملك الرحمة أمرني ربي أن لا أدع ~~عمله يجاوزني إلى غيري. قال : وتصعد الحفظة بعمل العبد من صوم وصلاة ونفقة ~~وجهاد وورع ، له دوي كدوي النحل ، وضوء كضوء الشمس ، ومعه ثلاثة آلاف ملك ، ~~فيجاوزون به إلى السماء السابعة ، فيقول لهم الملك الموكل بها : قفوا ~~واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه ، واضربوا جوارحه ، واقفلوا به على قلبه ، ~~أنا صاحب الذكر ، فإني أحجب عن ربي كل عمل لم يرد به وجه ربي ، إنه إنما ~~أراد بعمله غير الله تعالى ، إنه أراد به رفعة عند الفقهاء ، وذكرا عند ~~العلماء ، وصيتا في المدائن ، أمرني ربي أن لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري ، ~~وكل عمل لم يكن لله تعالى خالصا فهو رياء ولا يقبل الله عمل المرائي. قال : ~~وتصعد الحفظة بعمل العبد من صلاة وصيام وحج وعمرة وخلق حسن وصمت وذكر لله ~~تعالى ، فيشيعه ملائكة السماوات السبع حتى يقطعوا به الحجب كلها إلى الله ~~تعالى ، فيقفون بين يديه ويشهدون له بالعمل الصالح المخلص لله تعالى ، ~~فيقول الله تعالى : أنتم الحفظة على عمل عبدي وأنا الرقيب على ما في قلبه ، ~~إنه لم يردني بهذا العمل وإنما أراد به غيري ، فعليه لعنتي! فتقول الملائكة ~~كلها : عليه لعنتك ولعنتنا! فتلعنه السماوات السبع ومن فيهن». ثم بكى معاذ ~~وانتحب انتحابا شديدا ؛ وقال معاذ : قلت يا رسول الله أنت رسول الله وأنا ~~معاذ ، فكيف لي بالنجاة والخلاص من ذلك؟ قال : " اقتد بي ، وإن كان في عملك ~~نقص يا معاذ حافظ على لسانك من الوقيعة في إخوانك من حملة القرآن خاصة ، ~~واحمل ذنوبك عليك ولا تحملها عليهم ، ولا تزل نفسك بذمهم ، ولا ترفع نفسك ~~عليهم بوضعهم ، ولا تدخل عمل الدنيا في عمل الآخرة ، ولا تراء بعملك ولا ~~تتكبر في مجلسك ms521 لكي يحذر الناس من سوء خلقك ، ولا تناج رجلا وعندك آخر ، ~~ولا تتعظم على الناس فتنقطع عنك خيرات الدنيا والآخرة ، ولا تمزق الناس ~~بلسانك فتمزقك كلاب النار يوم القيامة في النار ، قال الله تعالى : ( ~~@QUR@02 والناشطات نشطا ) هل تدري ما هن يا معاذ؟» قلت : بأبي أنت وأمي يا ~~رسول الله؟ قال : «كلاب في النار تنشط اللحم من العظم» ، قلت : بأبي أنت ~~وأمي يا رسول الله ، من يطيق هذه الخصال ومن ينجو منها؟ قال : «يا معاذ إنه ~~ليسير على من يسره الله تعالى عليه ، إنما يكفيك من ذلك أن تحب للناس ما ~~تحب لنفسك ، وتكره لهم ما تكره لنفسك ، فإذن أنت يا معاذ قد سلمت». # قال خالد بن معدان : فما رأيت احدا أكثر تلاوة للقرآن العظيم من معاذ ~~لهذا الحديث العظيم. PageV01P395 # فتأمل أيها الراغب في العلم هذه الخصال ، واعلم أن أعظم الأسباب في رسوخ ~~هذه الخبائث في القلب طلب العلم لأجل المباهاة والمنافسة ، فالعامي بمعزل ~~عن أكثر هذه الخصال ، والمتفقه مستهدف لها ، وهو متعرض للهلاك بسببها. ~~فانظر أي أمورك أهم ، أتتعلم كيفية الحذر من هذه المهلكات وتشتغل بإصلاح ~~قلبك وعمارة آخرتك ، أم الأهم أن تخوض مع الخائضين فتطلب من العلم ما هو ~~سبب زيادة الكبر والرياء والحسد والعجب حتى تهلك مع الهالكين؟ # واعلم أن هذه الخصال الثلاث من أمهات خبائث القلوب ، ولها مغرس واحد وهو ~~حب الدنيا ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : «حب الدنيا رأس كل خطيئة» ، ومع ~~هذا فالدنيا مزرعة للآخرة ، فمن أخذ من الدنيا بقدر الضرورة ليستعين بها ~~على الآخرة فالدنيا مزرعته ، ومن أراد الدنيا ليتنعم بها فالدنيا مهلكته. # فهذه نبذة يسيرة من ظاهر علم التقوى ، وهي بداية الهداية ، فإن جربت بها ~~نفسك وطاوعتك عليها فعليك بكتاب إحياء علوم الدين لتعرف كيفية الوصول إلى ~~باطن التقوى. فإذا عمرت بالتقوى باطن قلبك ، فعند ذلك ترتفع الحجب بينك ~~وبين ربك ، وتنكشف لك أنوار المعارف ، وتتفجر من قلبك ينابيع الحكم ، وتتضح ~~لك أسرار الملك والملكوت ، ويتيسر لك من العلوم ما تستحقر به ms522 هذه العلوم ~~المحدثة التي لم يكن لها ذكر في زمن الصحابة رضي الله عنهم والتابعين. # وإن كنت تطلب العلم من القيل والقال والمراء والجدال ، فما أعظم مصيبتك ، ~~وما أطول تعبك ، وما أعظم حرمانك وخسرانك. فاعمل ما شئت ، فإن الدنيا التي ~~تطلبها بالدين لا تسلم لك ، والآخرة تسلب منك ؛ فمن طلب الدنيا بالدين ~~خسرهما جميعا ، ومن ترك الدنيا للدين ربحهما جميعا. # فهذه جمل الهداية إلى بداية الطريق في معاملتك مع الله تعالى بأداء ~~أوامره واجتناب نواهيه. وأشير عليك الآن بجمل من الآداب لتؤاخذ نفسك بها في ~~مخالطتك مع عباد الله تعالى وصحبتك معهم في الدنيا. ### ||| * القسم الثالث القول في آداب الصحبة # اعلم أن صاحبك الذي لا يفارقك في حضرك وسفرك ونومك ويقظتك ، بل في حياتك ~~وموتك ، هو ربك وسيدك ومولاك وخالقك ؛ ومهما ذكرته فهو جليسك ، إذ قال الله ~~تعالى : «أنا جليس من ذكرني» ، ومهما انكسر قلبك حزنا على تقصيرك في حق ~~دينك فهو صاحبك وملازمك ، إذ قال الله تعالى : «أنا عبد المنكسرة قلوبهم من ~~أجلي» ، فلو عرفته حق معرفته لاتخذته صاحبا وتركت الناس جانبا ، فإن لم ~~تقدر على ذلك في جميع أوقاتك فإياك أن تخلي ليلك ونهارك عن وقت تخلو فيه ~~لمولاك وتتلذذ معه بمناجاتك له ، وعند ذلك فعليك أن تتعلم آداب الصحبة مع ~~الله تعالى ؛ وآدابها : إطراق الرأس ، وغض الطرف ، وجمع الهم ، ودوام الصمت ~~، وسكون الجوارح ، ومبادرة الأمر ، واجتناب النهي ، وقلة الاعتراض على ~~القدر ، ودوام الذكر ، وملازمة الفكر ، وإيثار الحق على الباطل ، والإياس ~~عن الخلق ، والخضوع تحت الهيبة ، والانكسار تحت الحياء ، والسكون عن حيل ~~الكسب ثقة بالضمان ، والتوكل على فضل الله تعالى معرفة بحسن الاختيار. وهذا ~~كله ينبغي أن يكون شعارك في جميع ليلك ونهارك ، فإنها PageV01P396 # آداب الصحبة مع صاحب لا يفارقك ، والخلق كلهم يفارقونك في بعض أوقاتك. # وإن كنت عالما ، فآداب العالم : الاحتمال ، ولزوم الحلم ، والجلوس ~~بالهيبة على سمت الوقار مع إطراق الرأس ، وترك التكبر على جميع العباد إلا ~~على الظلمة زجرا لهم عن الظلم ، وإيثار التواضع في المحافل ms523 والمجالس ، وترك ~~الهزل والدعابة ، والرفق بالمتعلم ، والتأني بالمتعجرف ، وإصلاح البليد ~~بحسن الإشارة وترك الحرد عليه ، وترك الأنفة من قول لا أدري ، وصرف الهمة ~~إلى السائل وتفهم سؤاله ، وقبول الحجة والانقياد للحق بالرجوع إليه عند ~~الهفوة ، ومنع المتعلم عن كل علم يضره ، وزجره عن أن يريد بالعلم النافع ~~غير وجه الله تعالى ، وصد المتعلم أن يشتغل بفرض الكفاية قبل الفراغ من فرض ~~العين ، وفرض عينه إصلاح ظاهره وباطنه بالتقوى ، ومؤاخذة نفسه أولا بالتقوى ~~ليقتدي المتعلم أولا بأعماله ويستفيد ثانيا من أقواله. # وإن كنت متعلما ، فآداب المتعلم مع العالم : أن يبدأه بالتحية والسلام ، ~~وأن يقلل بين يديه الكلام ، ولا يتكلم ما لم يسأله استاذه ولا يسأل ما لم ~~يستأذن أولا ، ولا يقول في معارضة قوله قال فلان بخلاف ما قلت ، ولا يشير ~~عليه بخلاف رأيه فيرى أنه أعلم بالصواب من أستاذه ، ولا يسأل جليسه في ~~مجلسه ، ولا يلتفت إلى الجوانب بل يجلس مطرقا عينه ساكنا متأدبا كأنه في ~~الصلاة ، ولا يكثر عليه السؤال عند ملله ، وإذا قام قام له ، ولا يتبعه ~~بكلامه وسؤاله ، ولا يسأله في طريقه إلى أن يبلغ إلى منزله ، ولا يسيء الظن ~~به في أفعال ظاهرها منكرة عنده فهو أعلم بأسراره ، وليذكر عند ذلك قول موسى ~~للخضر عليهما السلام : ( @QUR@07 أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا ) ~~[الكهف : 71] وكونه مخطئا في إنكاره اعتمادا على الظاهر. # وإن كان لك والدان ، فآداب الولد مع الوالدين : أن يسمع كلامهما ، ويقوم ~~لقيامهما ، ويمتثل لأمرهما ، ولا يمشي أمامهما ، ولا يرفع صوته فوق ~~أصواتهما ، ويلبي دعوتهما ، ويحرص على مرضاتهما ، ويخفض لهما جناح الذل ، ~~ولا يمن عليهما بالبر ولا بالقيام لأمرهما ، ولا ينظر إليهما شزرا ، ولا ~~يقطب وجهه في وجههما ، ولا يسافر إلا بإذنهما. # واعلم أن الناس بعد هؤلاء في حقك ثلاثة أصناف : إما أصدقاء ، وإما معارف ~~، وإما مجاهيل. # فإن بليت بالعوام المجهولين فآداب مجالستهم : ترك الخوض في حديثهم ، وقلة ~~الإصغاء إلى أراجيفهم ، والتغافل عما يجري من سوء ألفاظهم ، والاحتراز عن ~~كثرة لقائهم والحاجة إليهم ، والتنبيه على ms524 منكراتهم باللطف والنصح عند رجاء ~~القبول منهم. ### ||| ** وأما الإخوان والأصدقاء فعليك فيهم وظيفتان : # إحداهما : أن تطلب أولا شروط الصحبة والصداقة ، فلا تؤاخ إلا من يصلح ~~للأخوة والصداقة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «المرء على دين خليله ، ~~فلينظر أحدكم من يخالل». فإذا طلبت رفيقا ليكون شريكك في التعلم وصاحبك في ~~أمر دينك ودنياك فراع فيه خمس خصال : PageV01P397 # الأولى العقل : فلا خير في صحبة الأحمق ، فإلى الوحشة والقطيعة يرجع ~~آخرها ، وأحسن أحواله أن يضرك وهو يريد أن ينفعك ، والعدو العاقل خير من ~~الصديق الأحمق ؛ قال علي رضي الله عنه : # فلا تصحب أخا الجهل %~% وإياك وإياه فكم من جاهل أردى %~% حليما حين واخاه يقاس المرء بالمرء %~% إذا ما المرء ماشاه كحذو النعل بالنعل %~% إذا ما النعل حاذاه وللشيء من الشيء %~% مقاييس وأشباه وللقلب على القلب %~% دليل حين يلقاه # الثانية حسن الخلق : فلا تصحب من ساء خلقه ، وهو الذي لا يملك نفسه عند ~~الغضب والشهوة ؛ وقد جمعه علقمة العطاردي رحمه الله تعالى في وصيته لابنه ~~لما حضرته الوفاة فقال : يا بني إذا أردت صحبة إنسان فاصحب من إذا خدمته ~~صانك ، وإن صحبته زانك ، وإن قعدت بك مؤونة مانك. اصحب من إذا مددت يدك ~~بخير مدها ، وإن رأى منك حسنة عدها ، وإن رأى منك سيئة سدها. اصحب من إذا ~~قلت صدق قولك ، وإذا حاولت أمرا أعانك ونصرك ، وإن تنازعتما في شيء آثرك. ~~وقال علي رضي الله عنه رجزا : # إن أخاك من كان معك %~% ومن يضر نفسه لينفعك ومن إذا ريب الزمان صدعك %~% شتت فيك شمله ليجمعك # الثالثة الصلاح : فلا تصحب فاسقا مصرا على معصية كبيرة ، لأن من يخاف ~~الله لا يصر على معصية كبيرة ، ومن لا يخاف الله لا تؤمن غوائله ، بل يتغير ~~بتغير الأحوال والأعراض ؛ قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : ( ~~@QUR@012 ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا ) ~~[الكهف : 28] فاحذر صحبة الفاسق ، فإن مشاهدة الفسق والمعصية على الدوام ~~تزيل عن قلبك كراهية المعصية ويهون عليك ms525 أمرها ؛ ولذلك هان على القلوب ~~معصية الغيبة ، لا لفهم لها ، ولو رأوا خاتما من ذهب أو ملبوسا من حرير على ~~فقيه لاشتد إنكارهم عليه ، والغيبة أشد من ذلك. # الرابعة أن لا يكون حريصا على الدنيا : فصحبة الحريص على الدنيا سم قاتل ~~؛ لأن الطباع مجبولة على التشبه والاقتداء ، بل الطبع يسرق من الطبع من حيث ~~لا يدري ، فمجالسة الحريص تزيد في حرصك ، ومجالسة الزاهد تزيد في زهدك. # الخامسة الصدق : فلا تصحب كذابا فإنك منه على غرور ، فإنه مثل السراب ~~يقرب منك البعيد ويبعد منك القريب. # ولعلك تعدم اجتماع هذه الخصال في سكان المدارس والمساجد ، فعليك بأحد ~~أمرين : إما العزلة والانفراد ففيها سلامتك ، وإما أن تكون مخالطتك مع ~~شركائك بقدر خصالهم ، بأن تعلم PageV01P398 # أن الإخوة ثلاثة : أخ لآخرتك ، فلا تراع فيه إلا الدين. وأخ لدنياك ، فلا ~~تراع فيه إلا الخلق الحسن. وأخ لتأنس به ، فلا تراع فيه إلا السلامة من شره ~~وفتنته وخبثه. # والناس ثلاثة : أحدهم مثله مثل الغذاء لا يستغنى عنه. والآخر مثله مثل ~~الدواء يحتاج إليه في وقت دون وقت. والثالث مثله مثل الداء لا يحتاج إليه ~~قط ولكن العبد قد يبتلى به ، وهو الذي لا أنس فيه ولا نفع ، فتجب مداراته ~~إلى الخلاص منه ، وفي مشاهدته فائدة عظيمة إن وفقت لها ، وهو أن تشاهد من ~~خبائث أحواله وأفعاله ما تستقبحه فتجتنبه ؛ فالسعيد من وعظ بغيره ، والمؤمن ~~مرآة المؤمن ، وقيل لعيسى عليه السلام : من أدبك؟ فقال : ما أدبني أحد ولكن ~~رأيت جهل الجاهل فاجتنبته. ولقد صدق على نبينا وعليه الصلاة والسلام ، فلو ~~اجتنب الناس ما يكرهونه من غيرهم لكملت آدابهم واستغنوا عن المؤدبين. # الوظيفة الثانية : مراعاة حقوق الصحبة ؛ فمهما انعقدت الشركة ، وانتظمت ~~بينك وبين شريكك الصحبة ، فعليك حقوق يوجبها عقد الصحبة وفي القيام بها ~~آداب ؛ وقد قال صلى الله عليه وسلم : «مثل الأخوين مثل اليدين تغسل إحداهما ~~الأخرى» ودخل صلى الله عليه وسلم أجمة فاجتنى منها سواكين : أحدهما معوج ~~والآخر مستقيم ، وكان معه بعض أصحابه ، فأعطاه المستقيم وأمسك لنفسه المعوج ms526 ~~فقال : يا رسول الله ، أنت أحق مني بالمستقيم ، فقال صلى الله عليه وسلم : «ما ~~من صاحب يصحب صاحبا ولو ساعة من نهار إلا ويسأل عن صحبته هل أقام فيها حق ~~الله تعالى أو أضاعه» وقال صلى الله عليه وسلم : «ما اصطحب اثنان قط إلا وكان ~~أحبهما إلى الله تعالى أرفقهما بصاحبه». # وآداب الصحبة الإيثار بالمال ، فإن لم يكن هذا فبذل الفضل من المال عند ~~الحاجة ، والإعانة بالنفس في الحاجات على سبيل المبادرة من غير إحواج إلى ~~التماس ، وكتمان السر ، وستر العيوب ، والسكوت عن تبليغ ما يسوؤه من مذمة ~~الناس إياه ، وإبلاغ ما يسره من ثناء الناس عليه ، وحسن الإصغاء عند الحديث ~~، وترك المماراة فيه ، وأن يدعوه بأحب أسمائه إليه ، وأن يثني عليه بما ~~يعرف من محاسنه ، وأن يشكره على صنيعه في وجهه ، وأن يذب عنه في غيبته إذا ~~تعرض لعرضه كما يذب عن نفسه ، وأن ينصحه باللطف والتعريض إذا احتاج إليه ، ~~وأن يعفو عن زلته وهفوته فلا يعتب عليه ، وأن يدعو له في خلوته في حياته ~~وبعد مماته ، وأن يحسن الوفاء مع أهله وأقاربه بعد موته ، وأن يؤثر التخفيف ~~عنه فلا يكلفه شيئا من حاجاته ويروح قلبه من مهماته ، وأن يظهر الفرج بجميع ~~ما يرتاح له من مساره ، والحزن على ما يناله من مكاره ، وأن يضمر في قلبه ~~مثل ما يظهر فيكون صادقا في وده سرا وعلانية ، وأن يبدأه بالسلام عند ~~إقباله ، وأن يوسع له في المجلس ، وأن يخرج له من مكانه ، وأن يشيعه عند ~~قيامه ، وأن يصمت عند كلامه حتى يفرغ من كلامه ويترك المداخلة في كلامه ؛ ~~وعلى الجملة فيعامله بما يحب أن يعامل به ، فمن لا يحب لأخيه مثل ما يحب ~~لنفسه فأخوته نفاق ، وهي عليه وبال في الدنيا والآخرة ، فهذا أدبك في حق ~~العوالم المجهولين وفي حق الأصدقاء المؤاخين. # وأما القسم الثالث وهم المعارف ؛ فاحذر منهم ، فإنك لا ترى الشر إلا ممن ~~تعرفه ، أما الصديق فيعينك وأما المجهول فلا يتعرض لك ، وإنما الشر كله من ~~المعارف الذين ms527 يظهرون PageV01P399 # الصداقة بألسنتهم. فأقلل من المعارف ما قدرت ، فإذا بليت بهم في مدرسة أو ~~مسجد او جامع أو سوق أو بلد ، فيجب أن لا تستصغر منهم أحدا ، فإنك لا تدري ~~لعله خير منك ، ولا تنظر إليهم بعين التعظيم لهم في حال دنياهم فتهلك ، لأن ~~الدنيا صغيرة عند الله تعالى صغير ما فيها ، ومهما عظم أهل الدنيا في قلبك ~~فقد سقطت من عين الله تعالى. وإياك أن تبذل دينك لتنال به من دنياهم ، فلا ~~يفعل ذلك أحد إلا صغر في أعينهم ، ثم حرم ما عندهم. وإن عادوك فلا تقابلهم ~~بالعداوة ، فإنك لا تطيق الصبر على مكافأتهم ، فيذهب دينك في عداوتهم ، ~~ويطول عناؤك معهم. ولا تسكن إليهم في حال إكرامهم إياك ، وثنائهم عليك في ~~وجهك ، وإظهارهم المودة لك ، فإنك إن طلبت حقيقة ذلك لم تجد في المائة ~~واحدا ، ولا تطمع أن يكون لك في السر والعلن واحد. ولا تتعجب إن ثلبوك في ~~غيبتك ولا تغضب منهم ، فإنك إن أنصفت وجدت من نفسك مثل ذلك حتى في أصدقائك ~~وأقاربك ، بل في أستاذك ووالديك ، فإنك تذكرهم في الغيبة بما لا تشافههم ~~به. فاقطع طمعك عن مالهم وجاههم ومعونتهم ؛ فإن الطامع في الأكثر خائب في ~~المآل ، وهو ذليل لا محالة في الحال. وإذا سألت واحدا حاجة فقضاها فاشكر ~~الله تعالى واشكره ، وإن قصر فلا تعاتبه ولا تشكه فيصير عداوة له ؛ وكن ~~كالمؤمن يطلب المعاذير ، ولا تكن كالمنافق يطلب العيوب ، وقل لعله قصر لعذر ~~له لم أطلع عليه. ولا تعظن أحدا منهم ما لم تتوسم فيه أولا مخايل القبول ، ~~وإلا لم يستمع منك وصار خصما عليك ، فإذا أخطؤوا في مسألة وكانوا يأنفون من ~~التعلم فلا تعلمهم ، فإنهم يستفيدون منك علما ويصبحون لك أعداء ؛ إلا إذا ~~تعلق ذلك بمعصية يقارفونها عن جهل منهم ، فاذكر الحق بلطف من غير عنف ، ~~وإذا رأيت منهم كرامة وخيرا فاشكر الله الذي حببك إليهم ، وإذا رأيت منهم ~~شرا فكلهم إلى الله تعالى ، واستعذ بالله من شرهم ، ولا تعاتبهم ، ولا تقل ~~لهم : لم ms528 لم تعرفوا حقي وأنا فلان بن فلان وأنا الفاضل في العلوم؟ فإن ذلك ~~من كلام الحمقى ؛ وأشد الناس حماقة من يزكي نفسه ويثني عليها. واعلم أن ~~الله تعالى لا يسلطهم عليك إلا لذنب سبق منك ، واستغفر الله من ذنبك واعلم ~~أن ذلك عقوبة من الله تعالى. وكن فيما بينهم سميعا لحقهم ، أصم عن باطلهم ، ~~نطوقا بمحاسنهم ، صموتا عن مساويهم واحذر مخالطة متفقهة الزمان ، لا سيما ~~المشتغلين بالخلاف والجدال ، واحذر منهم ، فإنهم يتربصون بك بحسدهم ريب ~~المنون ، ويقطعون عليك بالظنون ، ويتغامزون وراءك بالعيون ، ويحصون عليك ~~عثراتك في عشيرتهم حتى يجبهوك بها في حال غيظهم ومناظرتهم. لا يقيلون لك ~~عثرة ، ولا يغفرون لك زلة ، ولا يسترون عليك عورة. يحاسبونك على النقير ~~والقطمير ، ويحسدونك على القليل والكثير ، ويحرضون عليك الإخوان بالنميمة ~~والبلاغات والبهتان. إن رضوا فظاهرهم الملق ، وإن سخطوا فباطنهم الحنق. ~~ظاهرهم ثياب ، وباطنهم ذئاب ، هذا ما قطعت به المشاهدة على أكثرهم إلا من ~~عصمه الله تعالى ؛ فصحبتهم خسران ، ومعاشرتهم خذلان. PageV01P400 # هذا حكم من يظهر لك الصداقة ، فكيف من يجاهرك بالعداوة! قال القاضي ابن ~~معروف رحمه الله تعالى : # فاحذر عدوك مرة %~% واحذر صديقك ألف مرة فلربما انقلب الصدي %~% ق فكان أعرف بالمضره # وكذلك قيل في المعنى : # عدوك من صديقك مستفاد %~% فلا تستكثرن من الصحاب فإن الداء أكثر ما تراه %~% يكون من الطعام أو الشراب # وكن كما قال هلال بن العلاء الرقي : # لما عفوت ولم أحقد على أحد %~% أرحت نفسي من هم العداوات إني أحيي عدوي عند رؤيته %~% لأدفع الشر عني بالتحيات وأظهر البشر للإنسان أبغضه %~% كأنه قد ملا قلبي مسرات ولست أسلم ممن لست أعرفه %~% فكيف أسلم من أهل المودات الناس داء دواء الناس تركهم %~% وفي الجفاء لهم قطع الأخوات فسالم الناس تسلم من غوائلهم %~% وكن حريصا على كسب المودات وخالق الناس واصبر ما بليت بهم %~% أصم أبكم أعمى ذا تقيات # وكن أيضا كما قال بعض الحكماء : الق صديقك وعدوك بوجه الرضا من غير مذلة ~~لهما ولا هيبة منهما ، وتوقر من غير كبر ms529 ، وتواضع من غير مذلة ، وكن في ~~جميع أمورك في أوسطها. فكلا طرفي قصد الأمور ذميم. كما قيل : # عليك بأوساط الأمور فإنها %~% طريق إلى نهج الصراط قويم ولا تك فيها مفرطا أو مفرطا %~% فإن كلا حال الأمور ذميم # ولا تنظر في عطفيك ، ولا تكثر الالتفات إلى ورائك ، ولا تقف على الجماعات ~~، وإذا جلست فلا تستوفز. وتحفظ من تشبيك أصابعك ، والعبث بلحيتك وخاتمك ، ~~وتخليل أسنانك ، وإدخال إصبعك في أنفك ، وكثرة بصاقك وتنخمك وطرد الذباب عن ~~وجهك ، وكثرة التمطي والتثاؤب في وجوه الناس وفي الصلاة وغيرها. # وليكن مجلسك هادثا وحديثك منظوما مرتبا. واصغ إلى الكلام الحسن ممن حدثك ~~من غير إظهار تعجب مفرط ، ولا تسأله إعادته. واسكت عن المضاحك والحكايات ، ~~ولا تحدث عن إعجابك بولدك وشعرك وكلامك وتصنيفك وسائر ما يخصك. ولا تتصنع ~~تصنع المرأة في التزين ، ولا تتبذل تبذل العبد. وتوق كثر الكحل والإسراف في ~~الدهن. ولا تلح في الحاجات ، ولا تشجع أحدا على الظلم. # ولا تعلم أحدا من أهلك وولدك فضلا عن غيرهم. مقدار مالك ، فإنهم إن رأوه ~~قليلا هنت عليهم ، إن رأوه كثيرا لم تبلغ قط رضاهم. واجفهم من غير عنف ، ~~ولن لهم من غير PageV01P401 # ضعف. ولا تهازل أمتك ولا عبدك فيسقط وقارك من قلوبهم. وإذا خاصمت فتوقر ، ~~وتحفظ من جهلك وعجلتك ، وتفكر في حجتك ؛ ولا تكثر الإشارة بيدك ، ولا تكثر ~~الالتفات إلى من ورائك ، ولا تجث على ركبتيك ؛ وإذا هدأ غضبك فتكلم. وإذا ~~قربك السلطان فكن منه على حد السنان. وإياك وصديق العافية ، فإنه أعدى ~~الأعداء. ولا تجعل مالك أكرم من عرضك. # فهذا القدر يا فتى يكفيك من بداية الهداية ، فجرب بها نفسك ، فإنها ثلاثة ~~أقسام : قسم في آداب الطاعات ، وقسم في ترك المعاصي ، وقسم في مخالطة ~~الخلق. وهي جامعة لجملة معاملة العبد مع الخالق والخلق ؛ فإن رأيتها مناسبة ~~لنفسك ورأيت قلبك مائلا إليها راغبا في العمل بها ، فاعلم أنك عبد نور الله ~~تعالى بالإيمان قلبك ، وشرح به صدرك. # وتحقق أن لهذه البداية نهاية ، ووراءها أسرارا وأغوارا وعلوما ومكاشفات ms530 ، ~~وقد أودعناها في كتاب إحياء علوم الدين ، فاشتغل بتحصيله. وإن رأيت نفسك ~~تستثقل العمل بهذه الوظائف ، وتنكر هذا الفن من العلم ، وتقول لك نفسك : ~~أنى ينفعك هذا العلم في محافل العلماء؟ ومتى يقدمك هذا على الأقران ~~والنظراء؟ وكيف يرفع منصبك في مجالس الأمراء والوزراء؟ وكيف يوصل إلى الصلة ~~والأرزاق وولاية الأوقاف والقضاء؟ فاعلم أن الشيطان قد أغواك ، وأنساك ~~منقلبك ومثواك ، فاطلب لك شيطانا مثلك ليعلمك ما تظن أنه ينفعك ويوصلك إلى ~~بغيتك. ثم اعلم أنه قط لا يصفو لك الملك في محلتك فضلا عن قريتك وبلدتك ، ~~ثم يفوتك الملك المقيم والنعيم الدائم في جوار رب العالمين. # والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا ~~، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله ~~وصحبه وسلم. PageV01P402 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الأدب في الدين # الحمد لله الذي خلقنا فأكمل خلقنا ، وأدبنا فأحسن أدبنا ، وشرفنا بنبيه ~~محمد صلى الله عليه وسلم فأحسن تشريفنا ؛ ثم أقول وبالله التوفيق : # إن أكمل الأخلاق وأعلاها ، وأحسن الأفعال وأبهاها ، هو الأدب في الدين ، ~~وما يقتدي به المؤمن من فعل رب العالمين ، وأخلاق النبيين والمرسلين. وقد ~~أدبنا الله تعالى في القرآن بما أرانا فيه من البيان ، وأدبنا بنبيه محمد ~~صلى الله عليه وسلم في السنة بما أوجب علينا ، فله المنة ، وكذلك بالصحابة ~~والتابعين ومن بعدهم من أهل الأدب من المؤمنين بما أوجب علينا من الاقتداء ~~بهم ؛ وذلك جليل خطره ، كثير عدده ، نذكر بعضه ، لئلا يطول شرحه فيعسر فهمه. ### ||| * الآداب بين يدي الله تعالى ### ||| * أدب المؤمن بين يدي الله تعالى # إطراق الطرف ، وجمع الهم ، ودوام الصمت ، وسكون الجوارح ، ومبادرة امتثال ~~الأوامر ، واجتناب المناهي ، وقلة الاعتراض ، وحسن الخلق ، ودوام الذكر ، ~~وتنزيه الفكر ، وتقييد الجوارح ، وسكون القلب ، وتعظيم الرب ، وقلة الغضب ، ~~وكتمان الحب ، ودوام الإخلاص ، وترك النظر إلى الأشخاص ، وإيثار الحق ، ~~واليأس من جميع الخلق ، وإخلاص العمل ، وصدق القول ، وتنزيه الاطلاع ، ~~وإحياء القربات ، وقلة الإشارة ، وكتمان الفائدة ، والغيرة على تبديل ~~الاسم. والغضب عند انتهاك ms531 المحارم ، ودوام الهيبة ، واستشعار الحياء ، ~~واستعمال الخوف ، والسكون ثقة بالضمان ، والتوكل معرفة بحسن الاختيار ، ~~وإسباغ الوضوء على المكاره ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة ، وارتعاش القلب ~~خوف فوت الفرض ، ودوام التوبة خوف الإصرار ، ودوام التصديق بما غاب ، ووجل ~~القلب عند الذكر ، وزيادة الأنوار عند الوعظ ، واستشعار التوكل عند الفاقة ~~، وإخراج الصدقة من غير بخل مع الإمكان. ### ||| * آداب العالم # لزوم العلم ، والعمل بالعلم ، ودوام الوقار ، ومنع التكبر وترك الدعاء به ~~، والرفق بالمتعلم ، والتأني بالمتعجرف ، وإصلاح المسألة للبليد ، وبرك ~~الأنفة من قول لا أدري ، وتكون همته عند السؤال خلاصة PageV01P403 # من السائل لإخلاص السائل ، وترك التكلف ، واستماع الحجة والقبول لها وإن ~~كانت من الخصم. ### ||| * آداب المتعلم مع العالم # يبدؤه بالسلام ، ويقل بين يديه الكلام ، ويقوم له إذا قام ، ولا يقول له ~~: قال فلان خلاف ما قلت ، ولا يسأل جليسه في مجلسه ، ولا يبتسم عند مخاطبته ~~، ولا يشير عليه بخلاف رأيه ، ولا يأخذ بثوبه إذا قام ، ولا يستفهمه عن ~~مسألة في طريقه حتى يبلغ إلى منزله ، ولا يكثر عليه عند ملله. ### ||| * آداب المقرئ # يجلس جلسة الخشية ، واستماع الأمر ، وإنصات الفهم ، وانتظار الرحمة ، ~~والإصغاء إلى المتشابه وإشارة الوقف ، وتعريف الابتداء ، وبيان الهمزة ، ~~وتعليم العدد ، وتجويد الحرف ، وفائدة الخاتم ، والرفق بالبادي ، والسؤال ~~عن المتعلم إذا غاب ، والحث له إذا حضر ، وترك الحديث ، ويبدأ بالمتلقن ~~يلقنه ما يصلي به لنفسه ، أو احتاج إلى أن يؤم غيره. ### ||| * آداب القارئ # يجلس بين يديه جلسة التواضع ، وجمع الفهم ، وخفض الرأس ، والاستئذان قبل ~~القراءة ، ثم الاستعاذة والتسمية ، والدعاء عند الفراغ. ### ||| * آداب معلم الصبيان # يبدأ بصلاح نفسه ؛ فإن أعينهم إليه ناظرة ، وآذانهم إليه مصغية ، فما ~~استحسنه فهو عندهم الحسن ، وما استقبحه فهو عندهم القبيح ، ويلزم الصمت في ~~جلسته ، والشزر في نظره ، ويكون معظم تأديبه بالرهبة ، ولا يكثر الضرب ~~والتعذيب ، ولا يحادثهم فيجترءوا عليه ، ولا يدعهم يتحدثون فينبسطون بين ~~يديه ، ولا يمازح بين أيديهم أحدا! ويتنزه عما يعطونه ، ويتورع عما بين ~~يديه يطرحونه ، ويمنعهم من التحريش ، ويكفهم من التفتيش ، وي. بح عندهم ~~الغيبة ، ويوحش عندهم ms532 الكذب والنميمة ، ولا يسألهم عن أمر ينوبهم فيثقلوه ، ~~ولا يكثر الطلب من أهلهم فيملوه ، ويعلمهم الطهارة والصلاة ، ويعرفهم بما ~~يلحقهم من النجاسة. ### ||| * آداب المحدث # يقصد الصدق ، ويجتنب الكذب ، ويحدث بالمشهور ، ويروي عن الثقات ، ويترك ~~المناكير ولا يذكر ما جرى بين السلف ، ويعرف الزمان ، ويتحفظ من الزلل ~~والتصحيف واللحن والتحريف ، ويدع المداعبة ، ويقل المشاغبة ، ويشكر النعمة ~~؛ إذ جعل في درجة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ويلزم التواضع ، ويكون معظم ما ~~يحدث به ما ينتفع المسلمون به من فرائضهم وسننهم وآدابهم في معاني كتاب ~~ربهم عز وجل . ولا يحمل علمه إلى الوزراء ، ولا يغشى أبواب الأمراء ؛ فإن ~~ذلك يزري بالعلماء ، ويذهب بهاء PageV01P404 # علمهم إذا حملوه إلى ملوكهم ومياسيرهم ، ولا يحدث بما لا يعلمه في أصله ، ~~ولا يقرأ عليه ما لا يراه في كتابه ، ولا يتحده إذا قرئ عليه ، ويحذر أن ~~يدخل حديثا في حديث. ### ||| * آداب طالب الحديث # يكتب المشهور ولا يكتب الغريب ، ولا يكتب المناكير ، ويكتب عن الثقات ، ~~ولا يغلبه شهرة الحديث على قرينه ولا يشغله طلبه عن مروءته وصلاته ؛ يجتنب ~~الغيبة ، وينصت للسماع ، ويلزم الصمت بين يدي محدثه ، ويكثر التلفت عند ~~إصلاح نسخته ، ولا يقول : سمعت ، وهو ما سمع ، ولا ينشره لطلب العلو فيكتب ~~من غير ثقة ، ويلزم أهل المعرفة بالحديث من أهل الدين ، ولا يكتب عمن لا ~~يعرف الحديث من الصالحين. ### ||| * آداب الكاتب # حسن الخط ، وجودة البري ، وإعراب اللفظ ومعرفة الحساب ، وسداد الرأي ، ~~وحسن اللباس ، وطيب الرائحة ، والمعرفة بأخبار المتقدمين من الوزراء ~~المتصرفين ، والتخوف من المصادرات ، والعلم بأمر الخراج ، والمسامحة ~~والخبرة في السدادات ، وترك الانخرام والتنزه عن الحرام ، واستعمال المروءة ~~وحسن العشرة والتحفظ عن الذلة ، وترك الرفث في المجالس ، ونفي المداعبة ~~والمحادثة والمداراة للحاشية. ### ||| * آداب الواعظ # ترك التكبر ، ودوام الحياء من سيده وإظهار الفاقة إلى خالقه ، وشهوة ~~المنفعة لمستمعه ، والإزراء على نفسه لمعرفة عيبه ، والنظر إلى المستمعين ~~إليه بعين السلامة ، وحسن الظن بهم بباطن الديانة ، والإياس منهم طلبا ~~للصيانة ، والرفق بالتأديب ، والعطف على المبتدئ ، واعتقاد فعل ما يقول ؛ ~~لينتفع الناس ms533 بما يقول. ### ||| * آداب المستمع # إظهار الخشوع ، ودوام الخضوع ، وسلامة الصدر ، وحسن الظن ، واعتقاد القول ~~، ودوام السكوت ، وقلة التقلب ، وجمع الهم ، وترك التهمة. ### ||| * آداب الناسك # يكون وقته معلوما ، وو رده مفهوما ، وكلامه مقسوما ، ودمعه مسجوما ، ~~دائما خشوعه ، لازما خضوعه ، غاضا لطرفه ، عاقا لقلبه ، مفكرا في دينه ، ~~مراقبا لوقته ، مداوما لصومه ، ساهرا في ليله ، متورعا في مسكنه ، متقللا ~~في مطعمه ومشربه ، متوقعا لنزول أجله ، مجانبا لقرنائه ، تاركا لشهواته ، ~~محافظا على صلواته ، عالما بزيادة حاله ونقصانه ، لا يحتاج إلى علم غيره مع ~~علمه بحاله. ### ||| * آداب اعتزال الناس # يكون فقيها في دينه ، عارفا بأمر صلاته وصيامه وزكاته وحجه ، يعتقد في ~~اعتزالهم دفع شره عنهم، PageV01P405 # ويحضر الجمع والجماعات ، ويشهد الجنائز ، ويعود المرضى ؛ ولا يخوض في ~~حديثهم ، ولا يسأل عما يفسد قلبه من أخبارهم ؛ ولا يطمع نفسه في نائلهم ، ~~حتى لا يكون له حاجة إلى جيرانه ؛ تكون أوقاته ثلاثة : إما أن يصلي ويدرس ~~فيغنم ، أو ينظر في كتبه فيتعلم ، أو ينام فيسلم. يدمن الذكر ، ويكثر الشكر ~~حتى يتم له الأمر ، فإن كان له أهل يتحدث معهم ، ويجتهد في خلوته حتى يرى ~~ميزان عزلته. ### ||| * آداب الصوفي # قلة الإشارة ، وترك الشطح في العبارة ، والتمسك بعلم الشريعة ، ودوام ~~الكد ، واستعمال الجد ، والاستيحاش من الناس ، وترك الشهرة في اللباس ، ~~وإظهار التجمل ، واستشعار التوكل ، واختيار الفقر ، ودوام الذكر ، وكتمان ~~المحبة ، وحسن العشرة في الصحبة ، والغض عن المردان وترك مؤاخاة النسوان ، ~~ودوام درس القرآن. ### ||| * آداب الشريف # يصون شرفه ، ولا يأكل بنسبه ؛ ولا يتعدى بحسبه ، همته التواضع لربه ، ~~والخوف من سيده ، ويأخذ بالفضل على من دونه ، ولا يساوي من هو مثله. يعرف ~~الفضل لأهل العلم وإن كان مثلهم في العلم أو أعلم ، يلازم أهل الدين من أهل ~~الفقه والقرآن ، ويهذب أخلاقه ، ويتحفظ في ألفاظه عند غضبه وخطابه ، يكرم ~~جلساءه ، ويواصل إخوانه ، ويصون أقاربه ، ويعين جيرانه ، ويزين بنفسه ~~أخدانه. ### ||| * آداب النوم # يتطهر قبل النوم ، وينام على يمينه ، ويذكر الله عز وجل حتى يأخذه النوم ، ~~ويدعو إذا استيقظ ، ويحمد الله تعالى. ### ||| * آداب التهجد # تقليل الغذاء ms534 ، ونقصان الماء ، وإصلاح النهار باجتناب الغيبة والكذب ~~واللغو ، وترك النظر في المحرمات ، والقيام من النوم بفزع وخوف ، وإسباغ ~~الوضوء ، والنظر في ملكوت السماوات ، والدعاء والحضور في الصلاة لفهم ~~التلاوة. ### ||| * آداب الخلاء # التسمية ثم الاستعاذة قبل الدخول ، وكشف الثوب برفق بعد قربه من الأرض ، ~~ومسح اليد بالتراب بعد الاستنجاء مع الغسل ، والاستتار قبل الخروج ، والحمد ~~والشكر بعد الخروج. ### ||| * آداب الحمام # ستر العورة ، وغض البصر عن العورات ، وطلب الخلوة ، وترك التكلم ، وقلة ~~التلفت ، ومنع السلام ، وقلة الجلوس ، وغسل الجنابة من قبل الدخول ، وغسل ~~القدمين إذا خرج بالماء البارد فإنه يذهب الصداع. PageV01P406 ### ||| * آداب الوضوء # السواك ودوام الذكر مع الغسل ، واستشعار الهيبة ممن يقصد والتوبة مما كان ~~، والسكوت بعد الطهارة حتى يدخل في الصلاة ، والطهارة في إثر الطهارة وأخذ ~~الشارب ، ونتف الإبط ، وحلق العانة ، وتقليم الأظفار ، والاختتان وغسل ~~البراجم ، وتعاهد الأنف ، ونظافة الثوب والبدن. ### ||| * آداب دخول المسجد # يبدأ باليمنى ، ويزيل ما في نعله من الأذى ، ويذكر اسم الله عز وجل ، ~~ويسلم على من حضر ، فإن كان خاليا سلم على نفسه ، ويسأل الله تعالى أن يفتح ~~له أبواب رحمته ، ويجلس في مواجهة القبلة ، ويلزم المراقبة ، ويقل المخاطبة ~~، ويترك الملاعنة ، ولا يرفع فيه صوته ، ولا يشهر فيه سيفه ، ويمسك بنصال ~~نبله ، ولا يصنع صنعة ، ولا ينشد ضالة ، ولا يبايع ولا يشاري ولا يجامع ، ~~فإذا انصرف بدأ باليسرى ، وسأل الله تعالى من فضله ما يعطي. ### ||| * آداب الاعتكاف # دوام الذكر ، وجمع الهم ، وترك الحديث ، ولزوم الموضع ، وترك التنقلات ، ~~وحبس النفس عن مرادها ، ومنعها في محابها ، وجبرها على طاعة الله عز وجل . ### ||| * آداب الأذان # يكون المؤذن عارفا بوقته في الصيف وفي الشتاء ، غاضا لطرفه عند صعوده ~~المنارة ، ويلتفت في أذانه عند النداء بالصلاة والفلاح. ويرتل الأذان ، ~~وينحدر في الإقامة. ### ||| * آداب الإمام # يكون عارفا بالصلاة وفرائضها وسننها ، فقيها بما يحدث له في صلاته وما ~~يفسدها ، ولا يؤم قوما وهم له كارهون ، يجعل من يليه من أهل العلم ويأمرهم ~~بتسوية الصفوف ، ويشير إليهم بلطف ، ولا يقرأ بطوال السور فيضجروا ، ولا ~~يطيل ms535 التسبيح فيملوا ، ولا يخفف بحيث يفوت الكمال ، بل يرتب الصلاة على قدر ~~قوة ضعفتهم ، ويترفق في ركوعه وسجوده حتى يطمئنوا ، ويسكت سكتة قبل الحمد ~~وبعد الحمد وإذا فرغ من السورة ، وينتظر في ركوعه من أحس به ما لم يجحف بمن ~~ورائه ، وينتظر قبل الصلاة من فقد من جيرانه ما لم يخف فوت وقته ، ويفرق ~~بين التسليمتين بوقفة خفيفة ، وإذا فرغ نظر إلى ستر الله ومنته ، وازداد ~~شكرا لسيده ، وأدام له في كل حالاته الذكر. ### ||| * آداب الصلاة # خفض الجناح ، ولزوم الخشوع ، وإظهار التذلل ، وحضور القلب ، ونفي الوساوس ~~، وترك التقلب ظاهرا وباطنا ، وهدوء الجوارح ، وإطراق الطرف ، ووضع اليمين ~~على الشمال والتفكر PageV01P407 # في التلاوة ، والتكبير بالهيبة ، والركوع بالخضوع ، والسجود بالخشوع ، ~~والتسبيح بالتعظيم ، والتشهد بالمشاهدة ، والتسليم بالإشفاق ، والانصراف ~~بالخوف ، والسعي بطلب الرضاء. ### ||| * آداب القراءة # مداومة الوقار والحياء ، ومجانبة العبث والخناء ، ولزوم التواضع والبكاء. ### ||| * آداب الدعاء # خشوع القلب ، وجمع الهم ، وإظهار الذل ، وحسن النظر ، وخفض الجناح ، ~~وسؤال الفاقة ، ولجأ الغريق ، ومعرفته بقدر نفسه ، وعظيم حرمة المسئول ، ~~وبسط الكف عند الرغبة ، واليقين بالإجابة والخوف من الخيبة ، وانتظار الفرج ~~، وترك العدوان ، وصحة القصد واللجإ ، ومسح الوجه بباطن الكف بعد الدعاء. ### ||| * آداب الجمعة # التأهب للوقت قبل دخوله ، والطهارة عند حضوره والبكور ، وغسل الجسد ~~ونظافة الثوب ، وطيب الرائحة ، وترك التخطي ، وقلة الكلام ، ودوام الذكر ، ~~والقرب من الإمام ، والإنصات للخطيب ، والانتشار لطلب العلم ، والمشي ~~بالسكينة والوقار ، وترك تشبيك الأصابع ، وتقارب الخطى ، ودوام الإطراق ، ~~وكثرة الشكر للرزاق ، ودخول المسجد بالخشوع ، ورد السلام ، وترك الصلاة بعد ~~جلوس الخطيب على المنبر. ورد السلام عليه بعد إشارته ، وترك الكلام ، ~~واعتقاد القبول للموعظة ، وترك الالتفات عند إقباله ومخاطبته ، وترك القيام ~~إلى الصلاة حتى ينزل من المنبر ويفرغ المؤذن من الإقامة. ### ||| * آداب الخطيب # يأتي المسجد وعليه السكينة والوقار. ويبدأ بالتحية ويجلس وعليه الهيبة. ~~ويمتنع عن التخاطب ، وينتظر الوقت ؛ ثم يخطو إلى المنبر وعليه الوقار ، ~~كأنه يحب أن يعرض ما يقول على الجبار. ثم يصعد بالخشوع ، ويقف على المرقاة ~~بالخشوع ويرتقي بالذكر ، ويلتفت إلى مستمعيه باجتماع الفكر ms536 ، ثم يشير إليهم ~~بالسلام ليستمعوا منه الكلام ، ثم يجلس للأذان فزعا من الديان ، ثم يخطب ~~بالتواضع ، ولا يشير بالأصابع ، ويعتقد ما يقوله لينتفع به ، ثم يشير إليهم ~~بالدعاء ، وينزل إذا أخذ المؤذن في الإقامة ، ولا يكبر حتى يسكتوا ، ثم ~~يفتتح الصلاة ، ويرتل ما يقرأ. ### ||| * آداب العيد # إحياء ليلته والاغتسال في صبيحة يومه ؛ ونظافة البدن ، وطيب الرائحة ، ~~وإدامة التكبير ، وكثرة الذكر ، واستعمال الخشوع ، والتسبيح والحمد بين ~~تضاعيف التكبير ، والإنصات للخطبة بعد الصلاة ، وأكل اليسير قبل الخروج إن ~~كان فطرا ، والذهاب في طريق والرجوع في أخرى ، والانصراف بالإشفاق خوف ~~الغيبة. PageV01P408 ### ||| * آداب الخسوف # دوام الفزع ، وإظهار الجزع ، ومبادرة التوبة ، وترك الملل ، وسرعة القيام ~~إلى الصلاة ، وطول القيام فيها ، واستشعار الحذر. ### ||| * آداب الاستسقاء # الصيام قبله ، وتقديم التوبة ، ورد المظالم ، وبذل الهمة ، وترك المفاخرة ~~والاغتسال قبل الخروج ، ودوام الصمت ورؤية الحال التي أوجبت المنع ، ~~والاعتراف بالذنب الذي نزلت به العقوبة ، واعتقاد ترك العود ، والإنصات ~~للخطبة ، والتسبيح بين التكبير ، وكثرة الاستغفار وتحويل الإزار مع الدعاء. ### ||| * آداب المريض # الإكثار من ذكر الموت ، والاستعداد له بالتوبة ، ودوام الحمد والثناء لله ~~، واستعمال التضرع والدعاء ، وإظهار العجز والفاقة ، والتداوي مع الاستعانة ~~بخالق الدواء ، وإظهار الشكر عند القوة ، وقلة الشكوى ، وإكرام الجلساء ، ~~وترك المصافحة. ### ||| * آداب المعزي # خفض الجناح ، وإظهار الحزن ، وقلة الحديث ، وترك التبسم فإنه يورث الحقد. ### ||| * آداب المشي في الجنازة # دوام الخشوع ، وغض البصر ، وترك الحديث ، وملاحظة الميت بالاعتبار ، ~~والتفكر فيما يجيب به من السؤال ، والعزم على المبادرة فيما يخاف به من ~~المطالبة ، وخوف حسرة الفوت عند هجوم الموت. ### ||| * آداب المتصدق # ينبغي له أداؤها قبل المسألة ، وإخفاء الصدقة عند العطاء ، وكتمانها بعد ~~العطاء ، والرفق بالسائل ، ولا يبدؤه برد الجواب ، ويرد عليه بالوسوسة في ~~الوسوسة ، ويمنع نفسه البخل ، ويعطيه ما سأل أو يرده ردا جميلا ، فإن عارضه ~~العدو إبليس لعنه الله أن السائل ليس يستحق ، فلا يرجع بما أنعم الله به ~~عليه ، بل هو مستحق لها. ### ||| * آداب السائل # يبدي الفاقة بصدق الحقيقة ، ويظهر السؤال بلطافة القول ، ويأخذ ما أعطي ~~بمقابلة الشكر ms537 ، وإن قل ، وحسن الدعاء ، فإن رد عليه رجع بجميل قبول العذر ~~، وترك المعاودة والإلحاح. ### ||| * آداب الغني # لزوم التواضع ، ونفي التكبر ، ودوام الشكر ، والتوصل إلى أعمال البر ، ~~والبشاشة بالفقير والإقبال عليه ، PageV01P409 # ورد السلام على كل أحد ، وإظهار الكفاية ، ولطافة الكلمة ، وطيب المؤانسة ~~، والمساعدة على الخيرات. ### ||| * آداب الفقير # لزوم القناعة ، وكتمان الفاقة ، وترك البذالة والتضعضع ، وإلقاء الطمع ، ~~وإيثار الصيانة ، وإظهار الكفاية لأهل المروءة من أهل الديانة ، وإجلال ~~الأغنياء مع قلة الاستبشار لهم ، وإظهار الكفاية لهم مع الإياس منهم ، وترك ~~الكبر عليهم ، مع نفي التذلل وحفظ القلب عند رؤيتهم ، والتمسك بالدين عند ~~مشاهدتهم. ### ||| * آداب المهدي # رؤية الفضل للمهدى إليه ، وإظهار السرور بالقبول منه لها ، والشكر عند ~~رؤية المهدى إليه ، والاستقلال لها وإن كثرت. ### ||| * آداب المهدى إليه # إظهار السرور بها وإن قلت ، والدعاء لصاحبها إذا غاب ، والبشاشة إذا حضر ~~، والمكافأة إذا قدر ، والثناء عليه إذا أمكن ، وترك الخضوع له ، والتحفظ ~~من ذهاب الدين معه ، ونفي الطمع معه ثانيا. ### ||| * آداب اصطناع المعروف # البداءة به قبل السؤال ، والمبادرة به عند الوعد ، والتوفير له عند ~~العطاء ، والستر له بعد الأخذ ، وترك المنة بعد القبول ، والمداومة على ~~اصطناعه ، والحذر من انقطاعه. ### ||| * آداب الصيام # طيب الغذاء ، وترك المراء ، ومجانبة الغيبة ، ورفض الكذب ، وترك الأذى ، ~~وصون الجوارح عن القبائح. ### ||| * آداب الحج ### ||| * آداب الطريق # طيب النفقة ، والإحسان إلى المكاري ، ومعاونة الرفقة والرفق بالمنقطع ، ~~وبذل الزاد ، وحسن الخلق ، وطيب الكلمة ، والمزاح من غير معصية ، واختيار ~~التعديل ، والاستبشار به عند رؤيته ، والإصغاء عند محادثته ، وقلة المماراة ~~له عند ضجره ، والتغافل عن زلته ، والشكر له عند خدمته ، والتوصل إلى ~~إيثاره ومساعدته. PageV01P410 ### ||| * آداب الإحرام # غسل الجسد ، ونظافة الإزارين ، وطيب الرائحة ، وتعاهد الجياع ، والتلبية ~~بالهيبة ، ورفع الصوت بحلاوة الإجابة ، والطواف بتعظيم الحرمة ، والسعي ~~بطلب الرضاء ، والوقوف بمشاهد القيامة ، وشهود المشعر برؤية الرحمة والحلق ~~برؤية العتق ، والذبح برؤية الكفارة ، والرمي برؤية الطاعة ، وطواف الزيادة ~~بمشاهدة المرور وهو من غير حد ، والرد بحقيقة الأسف ، والانصراف بمحبة ~~الرجوع. ### ||| * آداب دخول مكة # دخول الحرم بالتعظيم ، والنظر إلى مكة بالتحسر ، ورؤية ms538 المسجد بالتفضيل ، ~~ونظر البيت بالتكبير والتهليل ، ودوام الطواف ، ومواصلة العمرة ، ودخول ~~البيت بتعظيم الحرمة ، ودوام التوبة بعد دخوله. ### ||| * آداب دخول المدينة # يدخلها بالوقار مع السكينة ، والمشاهدة لما كان فيها من الشريعة ، والنظر ~~إليها بالعين الرفيعة ، ثم يأتي مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ومنبره كأنه ~~مشاهد لصلاته وخطبته ، ثم يأتي قبره وكأنه ناظر إلى شخصه الكريم ، ومخاطبته ~~مع خفض الصوت بحضرته كأنه معاين لجلسته ، فيبدؤه بالسلام ، ثم يسلم على ~~ضجيعيه ، ويشاهد محبتهما له ، ومشيته بينهما ، وإقباله عليهما ، ويعاين ~~هيبتهما له وإقبالهما عليه ، وإذا ودع القبر فلا يوليه الظهر. ### ||| * آداب التاجر # لا يجلس في طريق المسلمين فيضيق عليهم ، ويستعمل غلاما كيسا لا يبخس في ~~كيله ، ولا ينقص في وزنه ، يأمره بالرجحان ، وترك العجلة في الميزان ، يكون ~~ميزان دراهمه في حدته كالطيار ، ومن اعتداله كالمعيار ، طويلة خيوطه دقيقة ~~ذوائبه ، معبرة صنجاته ، معتدلة حباته ، يبتدئ كل يوم بمسح ميزانه ، ~~ويتعاهد نقص أرطاله وصنجاته ، يأمر غلامه بالتوقف في كيله الأدهان ، وإذا ~~وقف عليه شريف أكرمه ، أو جار فضله ، أو ضعيف رحمه ، أو غير هؤلاء أنصفه ، ~~يبيع على قدر أسعاره ، إن نقص سعره زاد زبونه ، كما إنه إن زاد سعره نقص زبونه. # وتكون همته في جلوسه درس القرآن ، وغض الطرف عن المحارم والغلمان ، يشتري ~~عرضه باليسير من سفيه يقف عليه ، ولا يرد السائل ، ولا يمنع البشر من ~~النائل. # فإن كان هو المتولي لأمره كان ما يلزم غلامه هو أولى به ، ويشتري الأرطال ~~والصنجات والمكيال من الثقات معبرات ، ويترك المدح للسلعة عند البيع ، ~~والذم لها عند الشراء ، ويلزم الصدق عند الإخبار ، ويحذر الفحش عند ~~المزايدة ، والكذب عند المحادثة ، ويقل الخوض مع أهل الأسواق ، ومداعبة ~~الأحداث ويقصر في الخصومات. PageV01P411 ### ||| * آداب الصيرفي # يعتقد الصحة ، ويؤدي الأمانة ، ويحذر الربا ، ويقرب النسيئة ، ولا ينفق ~~الرديئة ، ويوفي الوزن ، ولا يعتقد الغش والغبن ، متفقدا لمعياره ، خائفا ~~من نقصان صنجاته ومثاقيله. ### ||| * آداب الصائغ # استعمال النصحية ، والاجتهاد في الجودة ، وقلة المطل ، ووفاء الوعد ، ~~وترك التعدي في الأجرة. ### ||| * آداب الأكل # غسل اليدين قبل الطعام وبعده ms539 ، والتسمية ، والأكل باليمين ومما يليه ، ~~ويصغر اللقمة ، وإجادة المضغ ، وقلة النظر إلى وجوه الحاضرين ، ولا يأكل ~~متكئا ولا يأكل فوق الشبع عند الجوع ، ويعتذر إذا شبع حتى لا يخجل الضيف أو ~~من به حاجة ، ويأكل من جوانب القصعة ولا يأكل من ذروتها ، ويلعق الأصابع ~~بعد الفراغ ، ويحمد الله ، ولا يذكر الموت عند الأكل لئلا ينغص على ~~الحاضرين. ### ||| * آداب الشرب # ينظر في إنائه قبل شربه ، ويسمي الله تعالى قبله ، ويحمده بعده ، ويمصه ~~مصا ، ولا يعبه عبا ، ويتنفس في شربه ثلاثا ، ويتبعه بالتحميد ، ويرد ~~بالتسمية ، ولا يشرب قائما ، ويناول من كان على يمينه إن كان معه غيره. ### ||| * آداب الرجل إذا أراد النكاح # يطلب الدين ، ثم بعده الجمال والمال إن أراده ، ولا يشارط على ما يأتيه ، ~~ولا يضمره ، ولا يخطب على خطبة أخيه ، ولا يأذن في إملاكه وعرسه بما يباعده ~~من ربه ويزريه ، ولا يجلس في خلواته حيث يرى غيره حرمته ، ولا يقبلها بين ~~أهله ، ويبدؤها إذا خلا في سؤاله ، ولا يكون سفيره كذابا ، ولا المخبر له ~~نماما بل من خاصتها ، ويسأله عن دينها ومواظبتها على صلاتها ، ومراعاتها ~~لصيامها ، وعن حيائها ونظافتها ، وحسن ألفاظها وقبحها ، ولزوم بيتها ، ~~وبرها بوالديها ، ويتلطف قبل العقد في النظر إليها ، وبعده بما يبلغها ~~بالكلام الجميل. ويبحث عن خصال والدها ودينه ، وحال والدتها ودينها ~~وأعمالها. ### ||| * آداب المرأة إذا خطبها الرجل # تأمر من تأمن به من أهلها إن كان صدوقا أن يسأل عن مذهب الخاطب ودينه ~~واعتقاده ومروءته في نفسه وصدقه في وعده ، وتنظر من أقرباؤه ، ومن يغشاه في ~~بيته ، وعن مواظبته على صلواته وجماعته ، ونصيحته في تجارته وصنعته ، ويكون ~~رغبتها في دينه دون ماله ، أو في سيرته دون شهرته ، تعزم معه على القناعة ~~وتكون لأوامره مطيعة ، فهو آكد للألفة ، وأثبت للمودة. PageV01P412 ### ||| * آداب الجماع # طيب الرائحة ، ولطافة الكلمة ، وإظهار المودة ، وتقبيل الشهوة ، والتزام ~~المحبة ، ثم التسمية ، وترك النظر إلى الفرج ، فإنه يورث العمى ، والستر ~~تحت الإزار ، وترك استقبال القبلة. ### ||| * آداب الرجل مع الزوجة # حسن العشرة ، ولطافة الكلمة ، وإظهار المودة ، والبسط ms540 في الخلوة ، ~~والتغافل عن الزلة ، وإقالة العثرة ، وصيانة عرضها ، وقلة مجادلتها ، وبذل ~~المئونة بلا بخل لها ، وإكرام أهلها ، ودوام الوعد الجميل ، وشدة الغيرة عليها. ### ||| * آداب المرأة مع زوجها # دوام الحياء منه ، وقلة المماراة له ، ولزوم الطاعة لأمره ، والسكون عند ~~كلامه ، والحفظ له في غيبته ، وترك الخيانة في ماله ، وطيب الرائحة ، وتعهد ~~الفم ونظافة الثوب ، وإظهار القناعة ، واستعمال الشفقة ، ودوام الزينة ، ~~وإكرام أهله وقرابته ، ورؤية حاله بالفضل ، وقبول فعله بالشكر ، وإظهار ~~الحب له عند القرب منه ، وإظهار السرور عند الرؤية له. ### ||| * آداب الرجل في نفسه # لزوم الجمعة والجماعة ، ونظافة الملبس ، وإدامة السواك ، ولا يلبس ~~المشهور ولا المحقور ، ولا يطيل ثيابه تكبرا ، ولا يقصرها تمسكنا ، ولا ~~يكثر التلفت في مشيته ، ولا ينظر إلى غير حرمته ، ولا يبصق في حال محادثته ~~، ولا يكثر القعود على باب داره مع جيرانه ، ولا يكثر لإخوانه الحديث عن ~~زوجته وما في بيته. ### ||| * آداب المرأة في نفسه # أن تكون لازمة لمنزلها ، قاعدة في قعر بيتها ، ولا تكثر صعودها ولا ~~اطلاعها الكلام لجيرانها ، ولا تدخل عليهم إلا في حال يوجب الدخول ، تسر ~~بعلها في نظره ، وتحفظه في غيبته ، ولا تخرج من بيتها وإن خرجت فمتخبئة ، ~~تطلب المواضع الخالية ، مصونة في حاجاتها ، بل تتناكر ممن يعرفها ، همتها ~~إصلاح نفسها ، وتدبير بيتها ، مقبلة على صلاتها وصومها ، ناظرة في عيبها ، ~~متفكرة في دينها ، مديمة صمتها ، غاضة طرفها ، مراقبة لربها ، كثيرة الذكر ~~له ، طائعة لبعلها ، تحثه على طلبه الحلال ، ولا تطلب منه الكثير من النوال ~~، ظاهرة الحياء ، قليلة الخناء ، صبور شكور ، مؤثرة في نفسها ، مواسية من ~~حالها وقوتها. وإذا استأذن بابها صديق لبعلها ، وليس بعلها حاضرا ، لم ~~تستفهمه ، ولا في الكلام تعاوده ، غيرة منها على نفسها وبعلها منه. ### ||| * آداب الاستئذان # المشي بجانب الجدار ، ولا يقابل الباب ، والتسبيح والتحميد قبل الدق ، ~~والسلام بعده ، وترك السمع إلى من في المنزل ، واستئذان بعد السلام ، فإن ~~أذن له وإلا رجع ولم يقف ، ولا PageV01P413 # يقول : أنا ، بل يقول : فلان ، إذا استفهم. ### ||| * آداب الجلوس على الطريق # غض البصر ، ونصر ms541 المظلوم ، وإغاثة الملهوف ، وإعانة الضعيف ، وإرشاد ~~الضال ، ورد السلام ، وإعطاء السائل ، وترك التلفت ، والأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر بالرفق واللطف ، فإن أصر فبالرهبة والعنف ، ولا يصغي إلى ~~الساعي إلا ببينة ، ولا يتجسس ، ولا يظن بالناس إلا خيرا. ### ||| * آداب المعاشرة # إذا دخل مجلسا أو جماعة سلم وجلس حيث امتنع وترك التخطي ، وخص بالسلام من ~~قرب منه إذا جلس ، وإن بلي بمجالسة العامة ترك الخوض معهم ، ولا يصغي إلى ~~أراجيفهم ، ويتغافل عما يجري من سوء ألفاظهم ، ويقل اللقاء لهم إلا عند ~~الحاجة ، ولا يستصغر أحدا من الناس فيهلك ، ولا يدري لعله خير منه ، وأطوع ~~لله منه ؛ ولا ينظر إليهم بعين التعظيم في دنياهم ؛ لأن الدنيا صغيرة عند ~~الله ، صغير ما فيها ، ولا يعظم قدر الدنيا في نفسه ، فيعظم أهلها لأجلها ، ~~فيسقط من عين الله ؛ ولا يبذل لهم دينه ، لينال من دنياهم ، فيصغر في ~~أعينهم ؛ ولا يعاديهم ، فتظهر لهم العداوة ، ولا يطيق ذلك ولا يصبر عليه ~~إلا أن تكون معاداة في الله عز وجل ، فيعادي أفعالهم القبيحة ، وينظر إليهم ~~بعين الشفقة والرحمة ، ولا يستكثر إليهم في مودتهم له ، وإكرامهم إياه ، ~~وحسن بشاشتهم في وجهه ، وثنائهم عليه ، فإنه من طلب حقيقة لك لم يجده إلا ~~في الأقل ، وإن سكن إليهم وكله الحق إليهم فهلك ، ولا يطمع أن يكونوا له في ~~الغيب كما هم له في العلانية ، فإنه لا يجد ذلك أبدا ، ولا يطمع فيما في ~~أيديهم فيذل لهم ، ويذهب دينه معهم ، ولا يتكبر عليهم ، وإذا سأل أحدا منهم ~~حاجة فقضاها فهو أخ مستفاد ، وإن لم يقضها فلا يذمه فيكتسب عداوته ، ولا ~~يعظ أحدا منهم إلا أن يرى فيه أثر القبول ، وإلا عاداه ولم يسمع منه. # وإذا رأى منهم خيرا أو كرامة أو ثناء فليرجع بذلك إلى الله عز وجل ، ~~ويحمده ويسأله أنه لا يكله إليهم. وإذا رأى منهم شرا أو كلاما قبيحا أو ~~غيبة أو شيئا يكرهه ، فليكل الأمر إلى الله تعالى ، ويستعيذ به من شرهم ، ~~ويستعينه عليهم. ولا يعاتبهم ، فإنه لا يجد عندهم ms542 للعتاب موضعا ، ويصيرون ~~له أعداء ، ولا يشفي غيظه ، بل يتوب إلى الله تعالى من الذنب الذي به سلطهم ~~عليه ، ويستغفر الله منه ، وليكن سميعا لحقهم أصم عن باطلهم. ### ||| * آداب الولد مع والديه # يسمع كلامهما ، ويقوم لقيامهما ، ويمتثل لأمرهما ، ويلي دعوتهما ، ويخفض ~~لهما جناح الذل PageV01P414 # من الرحمة ولا يبرمهما بالإلحاح ، ولا يمن عليهما بالبر لهما ، ولا ~~بالقيام بأمرهما ، ولا ينظر إليهما شزرا ولا يعصي لهما أمرا. ### ||| * آداب الوالد مع أولاده # يعينهم على بره. ولا يكلفهم من البر فوق طاقتهم ، ولا يلح عليهم في وقت ~~ضجرهم ولا يمنعهم من طاعة ربهم ، ولا يمن عليهم بتربيتهم. ### ||| * آداب الإخوان # الاستبشار بهم عند اللقاء ، والابتداء بالسلام ، والمؤانسة والتوسعة عند ~~الجلوس ، والتشييع عند القيام ، والإنصات عند الكلام. وتكره المجادلة في ~~المقال. وحسن القول للحكايات ، وترك الجواب عند انقضاء الخطاب ، والنداء ~~بأحب الأسماء. ### ||| * آداب الجار # ابتداؤه بالسلام ، ولا يطيل معه الكلام ، ولا يكثر عليه السؤال ، ويعوده ~~في مرضه ، ويعزيه في مصيبته ، ويهنيه في فرحه ، ويتلطف لولده وعبده في ~~الكلام ، ويصفح عن زلته ، ومعاتبته برفق عند هفوته ، ويغض عن حرمته ، ~~ويعينه عند صرخته ، ولا يديم النظر إلى خادمته. ### ||| * آداب السيد مع عبده # لا يكلفه ما لا يطيق من خدمته ، ويرفق به عند ضجره ، ولا يكثر ضربه ، ولا ~~يديم سبه فيجرأ عليه ، ويفصح عن زلته ، ويقبل معذرته ، وإذا أصلح له طعاما ~~أجلسه معه على مائدته ، أو أعطاه لقما من طعامه. ### ||| * آداب العبد مع سيده # يأتمر لأمره ، وينصحه في غيبته ، ويبذل له خدمته ، ويحفظه في حرمته ، ~~ويرق على ولده ، ولا يخونه في ماله. ### ||| * آداب السلطان مع الرعية # استعمال الرفق ، وترك التعنيف ، والفكر قبل الأمر ، وترك التكبر على ~~الخاصة مع منع العدوان منهم ، والتودد إلى العامة مع مزج الرهبة لهم ، ~~والتطلع على أمور الحاشية ، واستعمال المروءة مع أهل العلم ، والتوسعة ~~عليهم وعلى الأصحاب والأقارب ، والرفق في الجناية ، ودوام الحماية. ### ||| * آداب الرعية مع السلطان # قلة الغشيان لبابه ، وترك الاستعانة به إلا لشيء يلزم أمره ، ودوام ~~الهيبة له وإن كان ذا رفق ، وترك ms543 الاستجراء عليه وإن كان ذا لين ، وقلة ~~السؤال وإن كان مجيبا ، والدعاء له إذا ظهر ، PageV01P415 # وترك الكلام فيه والإنشاد إذا غاب. ### ||| * آداب القاضي # إدمان السكوت ، واستعمال الوقار ، وهدوء الجوارح ، ومنع الحاشية من ~~الفساد والطغيان ، والرفق بالأرامل ، والاحتياط لليتيم ، والتوقف في الجواب ~~، والرفق بالخصوم ، ومنع الميل إلى أحد الخصمين ، والموعظة للمخالف ، ودوام ~~اللجإ إلى الله في صواب القضاء. ### ||| * آداب الشاهد # استشعار الأمانة ، وترك الخيانة ، والتثبت في الشهادة ، والتحفظ من ~~النسيان ، وقلة المجادلة للسلطان. ### ||| * آداب الجهاد # صدق النية ، والغيرة لله تعالى ، وبذل المجهود ، والسخاء بالمهجة ، ونفي ~~شهوة الرجوع ، والقصد في أن تكون كلمة الله هي العليا ، وترك الغلول ، ~~وقضاء دينه قبل الخروج ، واستصحاب ذكر الله عند القتال وفي كل حال. ### ||| * آداب الأسير # لا يؤمل فرجا من غير الله تعالى ، ولا يذل نفسه في معصية الله تعالى ، ~~ولا ييأس من روح الله تعالى ، ويجمع همه بين يدي الله تعالى ، ويعلم أنه ~~بعين الله ، ولا ينبسط في مال العدو بما لا يبيحه الله ، ولا يفزع إلى غير ~~الله تعالى. ### ||| * آداب جامعة # قال بعض الحكماء : # من الأدب : الق صديقك وعدوك بوجه الرضاء من غير ذلة لهم ، ولا هيبة منهم ~~، وتوقر من غير كبر ، وكن في جميع أمورك في أوساطها ، ولا تنظر في عطفيك ~~ولا تكثر الالتفات ، ولا تقف على الجماعات ، وإذا جلست فترفع وتحذر من ~~تشبيك أصابعك ، والعبث بخاتمك ، وتخليل أسنانك ، وإدخال يدك في أنفك ، وطرد ~~الذباب عن وجهك ، وكثرة التمطي والتثاؤب. وليكن مجلسك هادئا ، وكلامك ~~مقسوما ، واصغ إلى الكلام الحسن ممن يحدثك ، بغير إظهار عجب منك ولا مسكنة ~~ولا إعادة ، وغض عن المضاحك والحكايات ، ولا تحدث عن إعجابك بولدك ولا ~~جاريتك ، ولا تتصنع كما تتصنع المرأة ، ولا تتبذل كما يتبذل العبد. # وكن معتدلا في جميع أمورك ، وتوق كثرة الكحل والإسراف في الدهن ، ولا تلح ~~في الحكايات. PageV01P416 # ولا تعلم أهلك وولدك ، فضلا عن غيرهم ، عن مالك ؛ فإنهم إن رأوه قليلا ~~هنت عليهم ، وإن رأوه كثيرا لم تبلغ إلى رضاهم ؛ وأحبهم من غير عنف ، ولن ~~لهم ms544 من غير ضعف. # وإذا خاصمت فتوفر ، وتفكر في حجتك ، ولا تكثر الإشارة بيدك ، ولا تجث على ~~ركبتيك ، وإذا هدأ غضبك فتكلم. # وإن بليت بصحبة السلطان فكن منه على حذر ، ولا تأمن من انقلابه عليك ، ~~وارفق به رفقك بالصبي ، وكلمه بما يشاء ، وإياك أن تدخل بينه وبين أهله ~~وولده وحشمه ولو كان مستمعا لذلك. # وإياك وصديق العافية ، فإنه أحد الأعداء لك. ولا تجعل مالك أكرم عليك من عرضك. # وإياك وكثرة البصاق بين الناس ، فإن صاحبه ينسب إلى التأنيث ، ولا تظهر ~~لصديقك كل ما يؤذيك فإنه متى رأى منك وقعة أعقبك العداوة. # ولا تمازح لبيبا فيحقد عليك ، ولا سفيها فيجترئ عليك ؛ لأن المزاح يخرق ~~الهيبة ، ويسقط المنزلة ، ويذهب ماء الوجه ، ويعقب الحزن ، ويزيل حلاوة ~~الود ، ويشين فقه الفقيه ، ويجرئ السفيه ، ويميت القلب ، ويباعد من الرب ، ~~ويعقب الذم ، ويفسخ العزم ، ويظلم السرائر ، ويميت الخواطر ، ويكثر الذنوب ~~، ويبين العيوب. # نسأل الله تعالى أن يهدينا فيمن هدى ، ويعافينا فيمن عافى ويتولانا فيمن ~~تولى ، ويبارك لنا فيما أعطى ، ويقينا شر ما قضى ، فإنه لا راد لما قضى ، ~~ولا يعز من عادى ، ولا يذل من والي. # تبارك ربنا وتعالى ، نستغفره ونتوب إليه ، ونسأله أن يصلي بأفضل الصلوات ~~كلها على عبده المصطفى ، وعلى آله وأصحابه أعلام الهدى ، وسلم تسليما كثيرا. # والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي ، آمين. PageV01P417 ### ||| * كيمياء السعادة PageV01P418 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي أصعد قوالب الأصفياء بالمجاهدة ، وأسعد قلوب الأولياء ~~بالمشاهدة ، وحلى ألسنة المؤمنين بالذكر ، وجلى خواطر العارفين بالفكر ، ~~وحرس سواد العباد عن الفساد ، وحبس مراد الزهاد على السداد ، وخلص أشباح ~~المتقين من ظلم الشهوات ، وصفى أرواح الموقنين عن ظلم الشبهات ، وقبل أعمال ~~الأخيار بأداء الصلوات ، وأيد خصال الأحرار بأسد الصلات. # أحمده حمد من رأى آيات قدرته وقوته ، وشاهد الشواهد من فردانيته ~~ووحدانيته ، وطرق طوارق سره وبره ، وقطف ثمار معرفته من شجر مجده وجوده ، ~~وأشكره شكر من اخترق واغترف من نهر فضله وإفضاله. # وأومن به إيمان من آمن بكتابه وخطابه ms545 وأنبيائه وأصفيائه ووعده ووعيده ~~وثوابه وعقابه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن ~~محمدا عبده ورسوله بعثه لأصلاب الفسقة والفجرة قاصما ، ولعرى الجاحدين ~~والمارقين فاصما ، ولباغي الشك والشرك قاهرا ، ولأتباع الحق والإحسان ناصرا ~~؛ فصلوات الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. ### ||| * عنوان معرفة النفس # اعلم أن الكيمياء الظاهرية لا تكون في خزائن العوام وإنما تكون في خزائن ~~الملوك ، فكذلك كيمياء السعادة لا تكون إلا في خزائن الله سبحانه وتعالى ؛ ~~ففي السماء جواهر الملائكة ، وفي الأرض قلوب الأولياء العارفين ، فكل من ~~طلب هذه الكيمياء من غير حضرة النبوة فقد أخطأ الطريق ، ويكون عمله ~~كالدينار البهرج ، فيظن في نفسه أنه غني وهو مفلس في القيامة كما قال ~~سبحانه وتعالى : ( @QUR@06 فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ) [ق : 22] ~~ومن رحمة الله سبحانه وتعالى لعباده أن أرسل إليهم مائة ألف وأربعة وعشرين ~~ألف نبي يعلمون الناس نسخة الكيمياء ، ويعلمونهم كيف يجعلون القلب في كور ~~المجاهدة ، وكيف يطهرون القلب من الأخلاق المذمومة ، وكيف يؤدونه لطرق ~~الصفاء كما قال سبحانه وتعالى : ( @QUR@014 هو الذي بعث في الأميين رسولا ~~منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ) [الجمعة : 2] أي ~~يطهرهم من الأخلاق المذمومة ومن صفات البهائم ، ويجعل صفات الملائكة لباسهم ~~وحليتهم. # ومقصود هذه الكيمياء أن كل ما كان من صفات النقص يتعرى منه ، وكل ما يكون ~~من صفات الكمال يلبسه ، وسر هذه الكيمياء أن ترجع من الدنيا إلى الله كما ~~قال سبحانه وتعالى : ( @QUR@03 وتبتل إليه تبتيلا ) [المزمل : 8] وفضل هذه ~~الكيمياء طويل. PageV01P419 ### ||| * فصل في معرفة النفس # اعلم أن مفتاح معرفة الله تعالى هو معرفة النفس كما قال سبحانه وتعالى : ~~( @QUR@011 سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ) ~~[فصلت : 53] وقال النبي صلى الله عليه وسلم : «من عرف نفسه فقد عرف ربه» وليس ~~شيء أقرب إليك من نفسك ، فإذا لم تعرف نفسك فكيف تعرف ربك؟ # فإن قلت إني أعرف نفسي ، فإنما تعرف الجسم الظاهر الذي هو اليد والرجل ~~والرأس والجثة ، ولا تعرف ما في باطنك ms546 من الأمر الذي به إذا غضبت طلبت ~~الخصومة ، وإذا اشتهيت طلبت النكاح ، وإذا جعت طلبت الأكل ، وإذا عطشت طلبت ~~الشرب ؛ والدواب تشاركك في هذه الأمور ، فالواجب عليك أن تعرف نفسك ~~بالحقيقة حتى تدري أي شيء أنت ، ومن أين جئت إلى هذا المكان ، ولأي شيء ~~خلقت ، وبأي شيء سعادتك ، وبأي شيء شقاؤك. # وقد جمعت في باطنك صفات ، منها صفات البهائم ، ومنها صفات السباع ، ومنها ~~صفات الملائكة ؛ فالروح حقيقة جوهرك وغيرها غريب منك وعارية عندك ، فالواجب ~~عليك أن تعرف هذا ، وتعرف أن لكل واحد من هؤلاء غذاء وسعادة ؛ فإن سعادة ~~البهائم في الأكل والشرب والنوم والنكاح ، فإن كنت منهم فاجتهد في إعمال ~~الجوف والفرج. وسعادة السباع في الضرب والفتك ، وسعادة الشياطين في المكر ~~والشر والحيل ، فإن كنت منهم فاشتغل باشتغالهم. وسعادة الملائكة في مشاهدة ~~جمال الحضرة الربوبية وليس للغضب والشهوة إليهم طريق ، فإن كنت من جوهر ~~الملائكة فاجتهد في معرفة أصلك حتى تعرف الطريق إلى الحضرة الإلهية ، وتبلغ ~~إلى مشاهدة الجلال والجمال ، وتخلص نفسك من قيد الشهوة والغضب ، وتعلم أن ~~هذه الصفات لأي شيء ركبت فيك ، فما خلقها الله تعالى لتكون أسيرها ولكن ~~خلقها حتى تكون أسراك ، وتسخرها للسفر الذي قدامك ، وتجعل إحداها مركبك ~~والأخرى سلاحك حتى تصيد بها سعادتك ، فإذا بلغت غرضك فقاوم بها تحت قدميك ، ~~وارجع إلى مكان سعادتك ، وذلك المكان قرار خواص الحضرة الإلهية ، وقرار ~~العوام درجات الجنة ، فتحتاج إلى معرفة هذه المعاني حتى تعرف من نفسك شيئا ~~قليلا ، فكل من لم يعرف هذه المعاني فنصيبه من القشور ، لأن الحق يكون عنه ~~محجوبا. ### ||| * فصل # إذا شئت أن تعرف نفسك فاعلم أنك من شيئين : الأول هذا القلب ، والثاني ~~يسمى النفس والروح. والنفس هو القلب الذي تعرفه بعين الباطن. وحقيقتك ~~الباطن ؛ لأن الجسد أول وهو الآخر والنفس آخر وهو الأول ؛ ويسمى قلبا ، ~~وليس القلب هذه القطعة اللحمية التي في الصدر من الجانب الأيسر ، لأنه يكون ~~في الدواب والموتى ، وكل شيء تبصره بعين الظاهر فهو من هذا العالم الذي ~~يسمى عالم الشهادة ms547 ، وأما حقيقة القلب فليس من هذا العالم ، لكنه من عالم ~~الغيب فهو في هذا العالم غريب ، PageV01P420 # وتلك القطعة اللحمية مركبة ، وكل أعضاء الجسد عساكره وهو الملك ، ومعرفة ~~الله ومشاهدة جمال الحضرة صفاته ، والتكليف عليه والخطاب معه ، وله الثواب ~~وعليه العقاب ، والسعادة والشقاء تلحقانه والروح الحيواني في كل شيء تبعه ~~ومعه. ومعرفة حقيقته ومعرفة صفاته مفتاح معرفة الله سبحانه وتعالى ، فعليك ~~بالمجاهدة حتى تعرفه لأنه جوهر عزيز من جنس جوهر الملائكة ، وأصل معدنه من ~~الحضرة الإلهية ، من ذلك المكان جاء وإلى ذلك المكان يعود. ### ||| * فصل # أما سؤالك ما حقيقة القلب ، فلم يجيء في الشريعة أكثر من قول الله تعالى ~~: ( @QUR@08 ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ) [الإسراء : 85] لأن ~~الروح جزء من جملة القدرة الإلهية وهو من عالم الأمر ، قال الله عز وجل : ( ~~@QUR@04 ألا له الخلق والأمر ) [الأعراف : 54] فالإنسان من عالم الخلق من ~~جانب ، ومن عالم الأمر من جانب ، فكل شيء يجوز عليه للمساحة والمقدار ~~والكيفية فهو من عالم الخلق ؛ وليس للقلب مساحة ولا مقدار ، ولهذا لا يقبل ~~القسمة ، ولو قبل القسمة لكان من عالم الخلق ، وكان من جانب الجهل جاهلا ~~ومن جانب العلم عالما ، وكل شيء يكون فيه علم وجهل فهو محال. وفي معنى آخر ~~هو من عالم الأمر ؛ لأن عالم الأمر عبارة عن شيء من الأشياء لا يكون ~~للسماحة والتقدير طريق إليه. وقد ظن بعضهم أن الروح قديم فغلطوا. وقال قوم ~~إنه عرض فغلطوا ، لأن العرض لا يقوم بنفسه ويكون تابعا لغيره. فالروح هو ~~أصل ابن آدم ، وقالب ابن آدم نبع له ، فكيف يكون عرضا! وقال قوم إنه جسم ~~فغلطوا ، لأن الجسم يقبل القسمة. فالروح الذي سميناه قلبا وهو محل معرفة ~~الله تعالى ليس بجسم ولا عرض بل هو من جنس الملائكة. # ومعرفة الروح صعبة جدا ، لأنه لم يرد في الدين طريق إلى معرفته لأنه لا ~~حاجة في الدين إلى معرفته ، لأن الدين هو المجاهدة والمعرفة علامة الهداية ~~كما قال سبحانه وتعالى : ( @QUR@05 والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ) ~~[العنكبوت : 69] ومن ms548 لم يجتهد حق اجتهاده لم يجز أن يتحدث معه في معرفة ~~حقيقة الروح. وأول أس المجاهدة أن تعرف عسكر القلب ، لأن الإنسان إذا لم ~~يعرف العسكر لم يصح له الجهاد. ### ||| * فصل # اعلم أن النفس مركب القلب ، وللقلب عساكر كما قال سبحانه وتعالى : ( ~~@QUR@06 وما يعلم جنود ربك إلا هو ) [المدثر : 31] والقلب مخلوق لعمل ~~الآخرة طلبا لسعادته ، وسعادته معرفة ربه عز وجل ، ومعرفة ربه تعالى تحصل له ~~من صنع الله وهو من جملة عالمه. ولا تحصل له معرفة عجائب العالم إلا من ~~طريق الحواس ، والحواس من القلب والقالب مركبه ، ثم معرفة صيده ومعرفة ~~شبكته ، والقالب لا يقوم إلا بالطعام والشراب والحرارة والرطوبة ، وهو ضعيف ~~على خطر من الجوع والعطش في الباطن ، وعلى خطر من الماء والنار في الظاهر ، ~~وهو مقابل أعداء كثيرة. PageV01P421 ### ||| * فصل # وتحتاج أن تعرف العسكرين ؛ وذلك أن العسكر الظاهر هو الشهوة والغضب ~~ومنازلهم في اليدين والرجلين والعينين والأذنين وجميع الأعضاء ؛ وأما ~~العسكر الباطن فمنازله في الدماغ وهو قوى الخيال والتفكر والحفظ والتذكر ~~والوهم ، ولكل قوة من هذه القوى عمل خاص ، فإن ضعف واحد منهم ضعف حال ابن ~~آدم في الدارين. وجملة هذين العسكرين في القلب وهو أميرهما ، فإن أمر ~~اللسان أن يذكر ذكر ، وإن أمر اليد أن تبطش بطشت ، وإن أمر الرجل أن تسعى ~~سعت ، وكذلك الحواس الخمس حتى يحفظ نفسه كيما يدخر الزاد للدار الآخرة ~~ويحصل الصيد وتتم التجارة ويجمع بذر السعادة ، وهؤلاء طائعون للقلب كما أن ~~الملائكة طائعون للرب سبحانه وتعالى لا يخالفون أمره. ### ||| * فصل في معرفة القلب وعسكره # اعلم أنه قيل في المثل المشهور : إن النفس كالمدينة ، واليدين والقدمين ~~وجميع الأعضاء ضياعها ، والقوة الشهوانية واليها ، والقوة الغضبية شحنتها ، ~~والقلب ملكها ، والعقل وزيرها. والملك يدبرهم حتى تستقر مملكته وأحواله ، ~~لأن الوالي وهو الشهوة ، كذاب فضولي مخلط ، والشحنة وهو الغضب شرير قتال ~~خراب ، فإن تركهم الملك على ما هم عليه هلكت المدينة وخربت. فيجب أن يشاور ~~الملك الوزير ويجعل الوالي والشحنة تحت يد الوزير ، فإذا فعل ذلك استقرت ~~أحوال ms549 المملكة وتعمرت المدينة. وكذلك القلب يشاور العقل ويجعل الشهوة ~~والغضب تحت حكمه حتى تستقر أحوال النفس ويصل إلى سبب السعادة من معرفة ~~الحضرة الإلهية ، ولو جعل العقل تحت يد الغضب والشهوة هلكت نفسه وكان قلبه ~~شقيا في الآخرة. ### ||| * فصل # اعلم أن الشهوة والغضب خادمان للنفس جاذبان ، يحفظان أمر الطعام والشراب ~~والنكاح لحمل الحواس. ثم النفس خادم الحواس شبكة العقل وجواسيسه يبصر بها ~~صنائع البارئ جلت قدرته ، ثم الحواس خادم العقل وهو القلب سراج وشمعة يبصر ~~بنوره الحضرة الإلهية ، لأن الجنة وهي نصيب الجوف أو الفرج محتقرة في جنب ~~تلك الجنة. ثم العقل خادم القلب ، والقلب مخلوق لنظر جمال الحضرة الإلهية. ~~فمن اجتهد في هذه الصنعة فهو عبد حق من غلمان الحضرة ، كما قال سبحانه ~~وتعالى : ( @QUR@06 وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) [الذاريات : 56] ~~معناه أنا خلقنا القلب وأعطيناه الملك والعسكر ، وجعلنا النفس مركبه حتى ~~يسافر عليه من عالم التراب إلى أعلى عليين ، فإذا أراد أن يؤدي حق هذه ~~النعمة جلس مثل السلطان في صدر مملكته ، وجعل الحضرة الإلهية قبلته ومقصده ~~، وجعل الآخرة وطنه وقراره ، والنفس مركبه ، والدنيا منزله ، واليدين ~~والقدمين خدامه ، والعقل وزيره ، والشهوة عامله ، والغضب شحنته ، PageV01P422 # والحواس جواسيسه. وكل واحد موكل بعالم من العوالم يجمع له أحوال العوالم. ~~وقوة الخيال في مقدم الدماغ كالنقيب يجمع عنده أخبار الجواسيس ، وقوة الحفظ ~~في وسط الدماغ مثل صاحب الخريطة يجمع الرقاع من يد النقيب ويحفظها إلى أن ~~يعرضها على العقل ، فإذا بلغت هذه الأخبار إلى الوزير يرى أحوال المملكة ~~على مقتضاها. # فإذا رأيت واحدا منهم قد عصى عليك مثل الشهوة والغضب ، فعليك بالمجاهدة ، ~~ولا تقصد قتلهما ؛ لأن المملكة لا تستقر إلا بهما. فإذا فعلت ذلك كنت سعيدا ~~، وأديت حق النعمة ، ووجبت لك الخلعة في وقتها ، وإلا كنت شقيا ووجب عليك ~~النكال والعقوبة. ### ||| * فصل # تمام السعادة مبني على ثلاثة أشياء : قوة الغضب وقوة الشهوة وقوة العلم ، ~~فيحتاج أن يكون أمرها متوسطا لئلا تزيد قوة الشهوة فتخرجه إلى الرخص فيهلك ~~، أو تزيد قوة الغضب فتخرجه ms550 إلى الحمق فيهلك ؛ فإذا توسطت القوتان بإشارة ~~قوة العدل دل على طريق الهداية. وكذلك الغضب إذا زاد سهل عليه الضرب والقتل ~~، وإذا نقص ذهبت الغيرة والحمية في الدين والدنيا ، وإذا توسط كان الصبر ~~والشجاعة والحكمة. وكذا الشهوة إذا زادت كان الفسق والفجور ، وإن نقصت كان ~~العجز والفتور ، وإن توسطت كان العفة والقناعة وأمثال ذلك. ### ||| * فصل # اعلم أن للقلب مع عسكره أحوالا وصفات بعضها يسمى أخلاق السوء ، وبعضها ~~أخلاق الحسن ، فبالأخلاق الحسنة يبلغ درجة السعادة ، والأخلاق السيئة هلاكه ~~وخروجه للشقاء ، وهذه كلها تبلغ أربعة أجناس : أخلاق الشياطين ، وأخلاق ~~البهائم ، وأخلاق السباع ، وأخلاق الملائكة. فأعمال السوء من الأكل والشرب ~~والنوم والنكاح هي أخلاق البهائم ، وكذلك أعمال الغضب من الضرب والقتل ~~والخصومة هي أخلاق السباع ، وكذلك أعمال النفس وهي المكر والحيلة والغش ~~وغير ذلك هي أخلاق الشياطين ، وكذلك أعمال العقل التي هي الرحمة والعلم ~~والخير هي أخلاق الملائكة. ### ||| * فصل # واعلم أن في جلد ابن آدم أربعة أشياء : الكلب ، والخنزير ، والشيطان ، ~~والملك. والكلب مذموم في صفاته ، وليس بمذموم في صورته. وكذلك الشيطان ~~والملائكة ذمهم ومدحهم في صفاتهم ، وليس ذلك في صورهم وخلقهم. وكذلك ~~الخنزير مذموم في صفاته ، وليس بمذموم في خلقته. # وقد أمر ابن آدم بأن يكشف ظلم الجهل بنور العقل خوفا من الفتنة كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم : " ما PageV01P423 # من أحد إلا وله شيطان ولي شيطان ، وإن الله قد أعانني على شيطاني حتى ~~ملكته" وكذلك الشهوة والغضب ينبغي أن يكونا تحت يد العقل ، فلا يفعلا شيئا ~~إلا بأمره ، فإن فعل ذلك صح له حسن الأخلاق ، وهي صفات الملائكة وهي بذر ~~السعادة ، وإن عمل بخلاف ذلك فخدم الشهوة والغضب صح له الأخلاق القبيحة ، ~~وهي صفات الشياطين وهو بذر الشقاء ، فيتبين له في نومه كأنه قائم مشدود ~~الوسط يخدم الكلب والخنزير ، وكان مثله كمثل رجل مسلم يأخذ رجالا مسلمين ~~يحبسهم عند كافرين. فكيف يكون حالك يوم القيامة إذا حبست الملك وهو العقل ~~تحت يد الشهوة والغضب وهما الكلب والخنزير؟ ### ||| * فصل # واعلم أن الإنسان ms551 في صورة ابن آدم اليوم ، وغدا تنكشف له المعاني فتكون ~~الصور في معنى المعاني ؛ فأما الذي غلب عليه الغضب فيقوم في صورة الكلب ، ~~وأما الذي غلب عليه الشهوة فيقوم في صورة الخنزير ؛ لأن الصور تابعة ~~للمعاني ، وإنما يبصر النائم في نومه ما صح في باطنه. وإنما عرفت أن ~~الإنسان في باطنه هذه الأربعة ، فيجب أن يراقب حركاته وسكناته ، ويعرف من ~~أي الأربعة هو ، فإن صفاته تحصل في قلبه وتبقى معه إلى يوم القيامة ، وإن ~~بقي من جملة الباقيات الصالحات شيء فهو بذر السعادة ، وإن بقي معه غير ذلك ~~فهو بذر الشقاء ، وابن آدم لا ينفك ولا ينفصل عن حركة أو سكون ، وقلبه مثل ~~الزجاج. وأخلاق السوء كالدخان والظلمة ، فإذا وصل إليه ذلك أظلم عليه طريق ~~السعادة وأخلاق الحسن كالنور والضوء ، فإذا وصل إلى القلب طهره من ظلم ~~المعاصي كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أتبع السيئة الحسنة تمحها". ~~والقلب إما مضيء أو مظلم ، ولا ينجو إلا من أتى الله بقلب سليم. ### ||| * فصل # واعلم أن الشهوة والغضب اللتين في البهائم جعلتا أيضا في ابن آدم ، ولكنه ~~أعطي شيئا آخر زيادة عليها للشرف والكمال ، وبذلك تحصل له معرفة الله تعالى ~~، وجملة عجائب صنعه ، وبه يخلص نفسه من يد الشهوة والغضب وتحصل له صفات ~~الملائكة ، ولذلك يظفر بالسباع والبهائم وتصير كلها مسخرة له كما قال ~~سبحانه وتعالى : ( @QUR@09 وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا ) ~~[الجاثية: 13]. ### ||| * فصل في عجائب القلب # اعلم أن للقلب بابين للعلوم : واحد للأحلام ، والثاني لعلم اليقظة ، وهو ~~الباب الظاهر إلى الخارج ؛ فإن نام غلق باب الحواس ، فيفتح له باب الباطن ، ~~ويكشف له غيب من عالم الملكوت ومن اللوح المحفوظ فيكون مثل الضوء ، وربما ~~احتاج كشفه إلى شيء من تعبير الأحلام ، وأما ما كان من الظاهر فيظن الناس ~~أن به اليقظة وأن اليقظة أولى بالمعرفة مع أنه لا PageV01P424 # يبصر في اليقظة شيء من عالم الغيب ، وما يبصر بين النوم واليقظة أولى ~~بالمعرفة مما يبصر من طريق الحواس. ms552 ### ||| * فصل # وتحتاج أن تعرف في ضمن ذلك أن القلب مثل المرآة ، واللوح المحفوظ مثل ~~المرآة ايضا ؛ لأن فيه صورة كل موجود ؛ وإذا قابلت المرآة بمرآة أخرى حلت ~~صور ما في إحداهما في الأخرى ، وكذلك تظهر صور ما في اللوح المحفوظ إلى ~~القلب إذا كان فارغا من شهوات الدنيا ، فإن كان مشغولا بها كان عالم ~~الملكوت محجوبا عنه ، وإن كان في حال النوم فارغا من علائق الحواس طالع ~~جواهر عالم الملكوت فظهر فيه بعض الصور التي في اللوح المحفوظ ، وإذا أغلق ~~باب الحواس كان بعده الخيال ، لذلك يكون الذي يبصره تحت ستر القشر ، وليس ~~كالحق الصريح مكشوفا. فإذا مات ، أي القلب ، بموت صاحبه لم يبق خيال ولا ~~حواس ، وفي ذلك الوقت يبصر بغير وهم وغير خيال ، ويقال له : ( @QUR@06 ~~فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ) [ق : 22]. ### ||| * فصل # واعلم أنه ما من أحد إلا ويدخل في قلبه الخاطر المستقيم وبيان الحق على ~~سبيل الإلهام ، وذلك لا يدخل من طريق الحواس بل يدخل في القلب لا يعرف من ~~أين جاء ؛ لأن القلب من عالم الملكوت ، والحواس مخلوقة لهذا العالم ، عالم ~~الملك ، فلذلك يكون حجابه عن مطالعة ذلك العالم إذا لم يكن فارغا من شغل ~~الحواس. ### ||| * فصل # ولا تظنن أن هذه اللطافة تنفتح بالنوم والموت فقط ، بل تنفتح باليقظة لمن ~~أخلص الجهاد والرياضة ، وتخلص من يد الشهوة والغضب والأخلاق القبيحة ~~والأعمال الرديئة. فإذا جلس في مكان خال وعطل طريق الحواس ، وفتح عين ~~الباطن وسمعه ، وجعل القلب في مناسبة عالم الملكوت ، وقال دائما : «الله ~~الله الله» بقلبه دون لسانه ، إلى أن يصير لا خبر معه من نفسه ولا من ~~العالم ، ويبقى لا يرى شيئا إلا الله سبحانه وتعالى ، انفتحت تلك الطاقة ، ~~وأبصر في اليقظة الذي يبصره في النوم ، فتظهر له أرواح الملائكة والأنبياء ~~، والصور الحسنة الجميلة الجليلة ، وانكشفت له ملكوت السماوات والأرض ، ~~ورأى ما لا يمكن شرحه ولا وصفه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : " زويت لي ~~الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها" وقال الله عز وجل ms553 : ( @QUR@06 وكذلك نري ~~إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ) [الأنعام : 75] لأن علوم الأنبياء ~~عليهم السلام كلها كانت من هذا الطريق لا من طريق الحواس كما قال الله ~~سبحانه وتعالى : ( @QUR@06 واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا ) [المزمل : 8] ~~معناه الانقطاع عن كل شيء ، وتطهير القلب من كل شيء ، والابتهال إليه ~~سبحانه وتعالى بالكلية ؛ وهو طريق الصوفية في هذا الزمان. وأما طريق ~~التعليم فهو طريق العلماء ، وهذه الدرجة الكبيرة مختصرة من طريق النبوة ، ~~وكذلك علم الأولياء لأنه وقع في قلوبهم بلا واسطة من حضرة الحق كما قال ~~سبحانه وتعالى : PageV01P425 # ( @QUR@08 آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما ) [الكهف : 65] ~~وهذه الطريقة لا تفهم إلا بالتجربة ، وإن لم تحصل بالذوق لم تحصل بالتعليم ~~؛ والواجب التصديق بها حتى لا تحرم شعاع سعادتهم ، وهو من عجائب القلب. ومن ~~لم يبصر لم يصدق كما قال سبحانه وتعالى : ( @QUR@09 بل كذبوا بما لم يحيطوا ~~بعلمه ولما يأتهم تأويله ) [يونس : 39] وقوله : ( @QUR@08 وإذ لم يهتدوا به ~~فسيقولون هذا إفك قديم ) [الأحقاف : 11]. ### ||| * فصل # ولا تحسب أن هذا خاص بالأنبياء والأولياء ؛ لأن جوهر ابن آدم في أصل ~~الخلقة موضوع لهذا كالحديد لأن يعمل منه مرآة ينظر فيها صورة العالم ، إلا ~~الذي صدأ فيحتاج إلى إجلاء ، أو جدب فيحتاج إلى صقل أو سبك ، لأنه قد تلف ، ~~وكذلك كل قلب إذا غلب عليه الشهوات والمعاصي لم يبلغ هذه الدرجة ، وإن لم ~~تغلب عليه تلك الدرجة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : " كل مولود يولد على ~~فطرة الإسلام" وقال الله تعالى : ( @QUR@07 وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ~~قالوا بلى ) [الأعراف : 172] وكذلك بنو آدم في فطرتهم التصديق بالربوبية ~~كما قال سبحانه وتعالى : ( @QUR@06 فطرت الله التي فطر الناس عليها ) ~~[الروم : 30] والأنبياء والأولياء هم بنو آدم ، قال سبحانه وتعالى : ( ~~@QUR@05 قل إنما أنا بشر مثلكم ) [فصلت : 6] فكل من زرع حصد ، ومن مشى وصل ~~، ومن طلب وجد. والطلب لا يحصل إلا بالمجاهدة طلب شيخ بالغ عارف قد مشى في ~~هذا الطريق وإذا حصل هذان الشيئان لأحد فقد أراد الله له التوفيق والسعادة ~~بحكم أزلي حتى ms554 يبلغ إلى هذه الدرجة. ### ||| * فصل ### ||| * في أن اللذة والسعادة لابن آدم في معرفة الله سبحانه وتعالى # اعلم أن سعادة كل شيء ولذته وراحته ولذة كل شيء تكون بمقتضى طبعه ، وطبع ~~كل شيء ما خلق له ؛ فلذة العين في الصور الحسنة ، ولذة الأذن في الأصوات ~~الطيبة ، وكذلك سائر الجوارح بهذه الصفة ؛ ولذة القلب الخاصة بمعرفة الله ~~سبحانه وتعالى ، لأنه مخلوق لها ، وكل ما لم يعرفه ابن آدم إذا عرفه فرح به ~~، مثل الشطرنج إذا عرفها فرح بها ، ولو نهي عنها لم يتركها ولا يبقى له ~~عنها صبر. وكذلك إذا وقع في معرفة الله سبحانه وتعالى فرح بها ، ولم يصبر ~~عن المشاهدة ، لأن لذة القلب المعرفة وكلما كانت المعرفة أكبر كانت اللذة ~~أكبر ؛ ولذلك فإن الإنسان إذا عرف الوزير فرح ، ولو علم الملك لكان أعظم فرحا. # وليس موجود أشرف من الله سبحانه وتعالى ، لأن شرف كل موجود به ومنه ، وكل ~~عجائب العالم آثار صنعته ، فلا معرفة أعز من معرفته ، ولا لذة أعظم من لذة ~~معرفته ، وليس منظر أحسن من منظر حضرته. وكل لذات شهوات الدنيا متعلقة ~~بالنفس وهي تبطل بالموت ، ولذة معرفة الربوبية متعلقة بالقلب فلا تبطل ~~بالموت ؛ لأن القلب لا يهلك بالموت بل تكون لذته PageV01P426 # أكثر وضوؤه أكبر لأنه خرج من الظلمة إلى الضوء. ### ||| * فصل # واعلم أن نفس ابن آدم مختصرة من العالم ، وفيها من كل صورة في العالم أثر ~~منه ؛ لأن هذه العظام كالجبال ، ولحمه كالتراب ، وشعره كالنبات ، ورأسه مثل ~~السماء وحواسه مثل الكواكب ، وتفصيل ذلك طويل ؛ وأيضا فإن في باطنه صناع ~~العالم ، لأن القوة التي في المعدة كالطباخ ، والتي في الكبد كالخباز ، ~~والتي في الأمعاء كالقصار ، والتي تبيض اللبن وتحمر الدم كالصباغ. وشرح ذلك ~~طويل ، والمقصود أن تعلم كم في باطنك من عوالم مختلفة كلهم مشغولون بخدمتك ~~، وأنت في غفلة عنهم ، وهم لا يستريحون ، ولا تعرفهم أنت ولا تشكر من أنعم ~~عليك بهم. ### ||| * فصل في معرفة تركيب الجسد ### ||| * ومنافع الأعضاء التي يقال عنها في علم التشريح # وهو علم عظيم ms555 ، والخلق غافلون عنه ، وكذلك علم الطب. فكل من أراد أن ينظر ~~في نفسه وعجائب صنع الله تعالى فيها ، يحتاج إلى معرفة ثلاثة أشياء من ~~الصفات الإلهية : # الأولى : أن يعرف أن خالق الشخص قادر على الكمال وليس بعاجز ، وهو الله ~~سبحانه وتعالى. وليس عمل في العالم بأعجب من خلق الإنسان من ماء مهين ، ~~وتصوير هذا الشخص بهذه الصورةالعجيبة كما قال الله سبحانه وتعالى : ( ~~@QUR@07 إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه ) [الإنسان: 2] فإعادته ~~بعد الموت أهون عليه ؛ لأن الإعادة أسهل من الابتداء. # الثانية : معرفة علمه سبحانه وتعالى وأنه محيط الأشياء كلها ؛ لأن هذه ~~العجائب والغرائب لا تمكن إلا بكمال العلم. # الثالثة : أن تعلم أن لطفه ورحمته وعنايته متعلقة بالأشياء كلها ، وأنها ~~لا نهاية لها ، لما ترى في النبات والحيوان والمعادن في سعة القدرة وحسن ~~الصور والألوان. ### ||| * فصل في تفصيل خلقة بني آدم ### ||| * لأنها مفتاح معرفة الصفات الإلهية وهو علم شريف # وذلك معرفة عجائب الصنائع الإلهية ، ومعرفة عظم الله سبحانه وتعالى ~~وقدرته ، وهو مختصر معرفة القلب. وهو علم شريف إذ هو معرفة الصنائع الإلهية ~~، لأن النفس كالفرس ، والعقل كالراكب ، وجماعهما الفارس ، ومن لم يعرف نفسه ~~وهو يدعي معرفة غيره فهو كالرجل المفلس الذي ليس له طعام لنفسه وهو يدعي ~~أنه يقوت فقراء المدينة ، فهذا محال. PageV01P427 ### ||| * فصل # إذا عرفت هذا العز والشرف والكمال والجمال والجلال ، بعد أن عرفت جوهر ~~القلب أنه جوهر عزيز قد وهب لك وبعد ذلك خفي عنك ، فإن لم تطلبه وغفلت عنه ~~وضيعته كان ذلك حسرة عظيمة عليك يوم القيامة ؛ فاجتهد في طلبه ، واترك ~~أشغال الدنيا كلها! وكل شرف لم يظهر في الدنيا فهو في الآخرة فرح بلا غم ، ~~وبقاء بلا فناء ، وقدرة بلا عجز ، ومعرفة بلا جهل ، وجمال وجلال عظيمان ؛ ~~وأما اليوم فليس شيء أعجز منه لأنه مسكين ناقص ؛ وإنما الشرف غدا إذا طرح ~~من هذه الكيمياء على جوهر قلبه حتى يخلص منه شبه البهائم ، ويبلغ درجة ~~الملائكة ، فإن رجع إلى شهوات الدنيا فضلت عليه البهائم يوم القيامة لأنها ~~تصير ms556 إلى التراب ، ويبقى هو في العذاب. نعوذ بالله من ذلك ، ونستجير به ، ~~وهو نعم المولى ونعم النصير ، والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على ~~سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. PageV01P428 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * القواعد العشر # الحمد لله الموفق ، الذي وفق قلوب الأحباب لموافقة مراسيم السنة وأحكام ~~الكتاب ، الفتاح الذي فتح بصائر أبصارهم فأبصروا مواقع نبال الارتياب في ~~مقاتل أهل الحجاب ، الملهم الذي ألهمهم الحجة البيضاء بالمحجة الخضراء ~~فأصابوا أبكار الصواب ، ناداهم بلسان شأن المحبة من جنان المودة كيف ينام ~~المحب عن مشاهدة الأحباب! فأكحلوا نواظرهم بإثمد السهاد ، وجفوا من مضاجعهم ~~أطيب الرقاد ، وجدوا في أثر الإطلاب مع الطلاب ، وجعلوا نهارهم ليلا ، ~~وأفراحهم ويلا ، وأرخوا لعز مولاهم ذيلا ، وتذللوا على الأعتاب ، فأقامهم ~~في الحاضرة والبادية ، وأسمعهم أوامرهم ونواهيه ، فيا سعادتهم بتوفيقهم ~~لوقوفهم على الأبواب! # وكشف لهم الحجاب عن جماله ، وكشط الضباب عن محاسن أثواب مقاله ، فردوا ~~حيارى بمحاسن الأتراب. أجروا مدامعهم جريان الأنهار ، وأبدوا فجائعهم عن ~~زمن تولى من جر الإزار على الأوزار ، وطرقوا الباب فأتاهم الجواب يا عبادي ~~أنا التواب على من أقلع عن الحوبة وإلي أناب. # روق لهم في دار الوصال شراب الاتصال ، فناهيك به من شراب! فتلذذوا ~~بمناجاته ، وغابوا عن حضورهم في حضراته ، وغدا كل بعقله المصاب. فأين ~~المهاجر في الهواجر ، ومن أكحل المحاجر بالحناجر. طوباه قد فاز بطيب ~~الخطاب! # قد كشف المولى منيع الحجاب %~% وأسمع الأحباب طيب الخطاب وأحضروا حضرة أنس بها %~% غابوا فعاشوا بعد موت العقاب وفي مقام القرب أدناهم %~% لما سقاهم في المقام الشراب وأتحفوا من فضله بالوفا %~% محضا من الأمن أجل الكتاب هم الملوك الشم من خلقه %~% ضنائن الحق لعز الحجاب قد تبعوا نهج سبيل الهدى %~% واتبعوا حكم نصوص الكتاب واستمسكوا بسنة خير الورى %~% وحاسبوا من قبيل يوم الحساب وناقشوا أنفسهم خيفة %~% من غضب الحق وهول العقاب إذا أتى الليل تراهم به %~% فرحى لجمع الفرق تحت النقاب يحيونه بالذكر كي يحييهم %~% بذكره في جمع أهل الثواب PageV01P429 يراهم الحق يباهي بهم %~% بهم عن الخلق ms557 يزول العذاب عليهم مني سلام سما %~% ما لمع البرق أو أهل السحاب # أحمده حمدا أستوجب به الثواب ، وأشكره شكرا تزيد به زيادات أولي الألباب ~~، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، شهادة تنزهه عن الحلول ~~والانحياز ، والظهور ، والبطون ، والابتداء والانتهاء ، والاشتهار ~~والاحتجاب ؛ وتقدست ذاته المقدسة عن مقالات أولي الجهالات من الكم والكيف ~~والأين والمكان والزمان والإياب والذهاب ، وأمجده بما أبرزه بحكمته من ~~الأكوان عن التفكر والتدبر والمعاونة والمشاورة والراحة والنصب والانتصاب ، ~~وأعظمه عن التشبيه والتمثيل والتعديل والتحويل والتبديل والتركيب ~~والارتكاب. وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله أشرف محبوب ، وأعظم الأشراف ، ~~وأخص الأحباب ؛ أرسله بفضل الكتاب وفصل الخطاب ، وأيده بأفضل كتاب وأجمل ~~خطاب ؛ أفصح الأعراب بالإعراب والاختصار والإسهاب ، واعجز بلغاء الأحزاب ~~ببدائع النفي والإيجاب ، فأنقذ الأحباب من مهاوي الارتياب ومغاوي الأعراب ، ~~بالعقاب على الأعقاب ، وكشف عن وجه نور الإسلام مكفرات ظلمات الإشراك ~~والضباب ؛ صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والأحباب ، وعلى الخلفاء ~~الراشدين الأقطاب : أبي بكر وأبي حفص وأبي عمرو وأبي تراب ، صلاة تحلنا دار ~~النعيم وتخرجنا عن دار العذاب. # أما بعد : نفحنا الله وإياك بنسائم قربه ، وسقانا وإياك من كاسات حبه ؛ ~~فإن بيان كيفية طريقنا ، وبرهان أهل تحقيقنا ، مبني على عشرة قواعد توقظ ~~النائم وتقيم القاعد : ### ||| * القاعدة الأولى # النية الصادقة الواقعة من غير التواء ، لقوله عليه الصلاة والسلام : ~~«وإنما لكل امرئ ما نوى». # والمراد بالنية عزم القلب ، وبالصادقة إنهاؤها للفعل والترك للرب ، ~~وبالواقعة استمرارها على هذه الخلة الأثيرة ؛ لأن التكرار تأثيرا ليس لغيره ~~، وعلامتها عدم تغيير جزمه بأعراض فانية وباقية في عزمه ، فإن العمل للحق ~~ولا بد من الحق فلا يترك ما عزم عليه للخلق. ### ||| * القاعدة الثانية # العمل لله من غير شريك ولا اشتراك لقوله عليه السلام : «اعبد الله كأنك ~~تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» وعلامته أن لا يرضى بغير الحق ، ويرى ما ~~سواه قاطعا ، فيجتنب الخلق لقول النبي المختار : " تعس عبد الدينار". # وليترك لله سبحانه وتعالى جميع أمانيه ، لقوله عليه السلام : «من حسن ~~إسلام ms558 المرء تركه ما لا يعنيه» وآكدها الشبهات فاحذرها أن تصيبك ، لقوله ~~عليه السلام : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». # فإذا صحت هذه الأصول الثلاثة أثمرت أغصانها لك القربى ، فتكون بالصورة في ~~الدنيا وبالمعنى في العقبى ، وعلى قدر همك وثباتك على الفعل والترك تحظى من الحديث PageV01P430 # المشهور : «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وعد نفسك من أصحاب ~~القبور». # وعلامة القناعة الاكتفاء بما يذهب الحر والبرد والمسغبة لقوله ~~صلى الله عليه وسلم : «حسب ابن آدم لقيمات يقمن بها صلبه» فلا يميل إلى صاحب ~~القمح صاحب الشعير ، وإلى النقرة صاحب النقير. والمستغني بالحلال لا يقصد ~~المباح ، ولا يخفض إلى الشبهة الجناح. وعلامة الغريب الحمل الخفيف ، وعدم ~~الائتلاف بالثقيل ، وترك السؤال فإنه يؤوي إلى ظل الدخيل. وعلامة عابر ~~السبيل إسراع الإجابة ، ورضاه بما سبق إليه واستطابه. وعلامة الميت إيثار ~~مهمات دينه والمسألة في غوالب حينه. ### ||| * القاعدة الثالثة # موافقة الحق بالاتفاق والوفاق ومخالفة النفس بالصبر على الفراق والمشاق ، ~~وترك الهوى ، وجفاء الملاذ والمكان والخلاف. ومن تعوده خرج عن الحجاب ودخل ~~في الانكشاف ، فعاد نومه سهرا ، واختلاطه عزلة ، وشبعه جوعا ، وعزته ذلة ، ~~ومكالمته صمتا ، وكثرته قلة. ### ||| * القاعدة الرابعة # العمل بالاتباع لا الابتداع ، لئلا يكون صاحب هوى ، ولا يزهو برأيه زهوا ~~، فإنه لا يفلح من اتخذ لنفسه في فعله وليا بقوله عليه السلام : «عليكم ~~بالسمع والطاعة ولو كان عبدا حبشيا». ### ||| * القاعدة الخامسة # الهمة العليا عن تسويف يفسدك ؛ فقد جاء : لا تترك عمل يومك للغد ؛ لأن ~~بعض الأعمال من بعضها ، وإلا فمن رضي بالأدنى حرم الأعلى. والكامل المتبع ~~هو السني لا المتشيع والمعتزل والمبتدع ، لقوله عليه السلام : «يا أحبابي ~~عليكم بالسواد الأعظم» قالوا : يا رسول الله وما السواد الأعظم؟ قال : «ما ~~أنا عليه وأصحابي». ### ||| * القاعدة السادسة # العجز والذلة ؛ لا بمعنى الكسل في الطاعات وترك الاجتهاد ، بل عجزك عن كل ~~فعل إلا بقدرة الحق الجواد ، وأن ترى الخلق بعين التوقير والاحترام ، فإن ~~بعضهم وسائط بعض ، إجلالا لحضرة ذي الجلال والإكرام ؛ لأن سنة الله سبحانه ~~وتعالى إذا ms559 أراد شيئا ما أضافه إليه بنفي الوسائط ، وإن أراد جلال حضرته ~~تعظيما أضافه لغيره رعاية للضوابط. فإذا علمت أن الكل بيد الله سبحانه ~~وتعالى والمرجع إليه وتكبرت ، فقد تكبرت عليه إلا بأمر وصل إليك من لديه. ~~فاجعل عجزك في جنبه ومسكنتك له بالاعتذار ، ولا تتصور قدرة لك فإنها منازعة ~~في الاقتدار. PageV01P431 ### ||| * القاعدة السابعة # الخوف والرجاء معنى ، وعدم الاطمئنان بجلال الإحسان إلا عند العيان ، ~~فحسن ظنك منك بالجواد الحسان. ### ||| * القاعدة الثامنة # دوام الورد إما في حق الحق أو حق العباد ، فإن من ليس له ورد فماله من ~~الموارد إمداد ، فالمديم يمل الحل بملاله بخلاف الذي يغيب بأعماله وأقواله ~~، فإن النفس تنبسط بذلك جهرا وسرا ، وتراعي حقوق العباد كما يتوقع منهم ~~خيرا وشرا ، فيحب ويبغض لهم ما يحب ويبغض لنفسه خيرا وشرا ، ويعلم لله ~~تعالى ما يرضى كما يحب أن يفعل الله ما يرضى. ### ||| * القاعدة التاسعة # المداومة على المراقبة ولا يغيب عن الله سبحانه وتعالى طرفة عين ؛ فمن ~~داوم على مراقبة قلبه لله سبحانه وتعالى ونفى غير الله وجد الله وإحسانه ~~وعلم اليقين يحصل ذلك لك بجملته وهو أن ترى الحركات والسكنات والأعيان ~~بتحريكه وتسكينه وقدرته سبحانه لا يستغنى عنه شيء. ثم تزيد مراقبته إلى أن ~~تترقى إلى علم اليقين ، ثم يفنى عن ذلك به ، وذلك حقيقة اليقين فيقول : ما ~~رأيت شيئا إلا ورأيت الله فيه سبحانه وتعالى ، هو القيوم على كل شيء ~~بقيوميته ، وذلك الشيء هو القائم بأمره وبقدرته على حسب المشاهدة والمحاضرة ~~، فتأدب مع الخلق وعاشر أحسن المعاشرة ؛ قال صلى الله عليه وسلم : «أدبني ربي ~~فأحسن تأديبي». ### ||| * القاعدة العاشرة # علم ما يجب الاشتغال به ظاهرا وباطنا اجتهادا ؛ لأن من ظن أنه استغنى عن ~~الطاعة فهو مفلس معادا لقوله سبحانه لا رب إلا سواه ( @QUR@08 قل إن كنتم ~~تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) [آل عمران : 31] فهذا ما بنيت على أعمدة ~~قواعده قصورا من غير قصور ، وأسست عليه شوامخ الحجار لربات الحجور ، وحرثته ~~بمحراث فدن ، وبذرته بصنوف حبوب السعادة ، وغرست في فرادسه الأذكار ms560 ، ~~وأجريت في جناته من الأوراد والأنهار ، وفرشته بشقائق نعمان المجاهدة ، ~~ومهدته بحدائق حقائق المكابدة ؛ راجيا حصاد زرعي بمناجل الهمم ، وقاصدا ~~غنيمة إنفاقي من مواهب الكرم ، والله تعالى يزكيه ويربيه ، ويرتع فيه من ~~ظهر فيه ، ومن التحق به ممن يحييه ، إنه الجواد الكريم البر الرحيم. # والسلام على من اتبع الهدى ، فما ابتدع ونفع وانتفع ولحق بعباد الله ~~الصالحين وحزبه المفلحين ورحمته وبركاته ، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد ~~نور أنوار المعارف وسر أسرار العوارف ، وعلى آله وصحبه وتابعي سبيله وحزبه ~~، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وتعم البركات آمين. PageV01P432 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الكشف والتبيين ### ||| * في غرور الخلق أجمعين # وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم آمين! وبه ثقتي. # الحمد لله وحده ، وصلى الله على خير خلقه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه. # وبعد : فهذا كتاب الكشف والتبيين في غرور الخلق أجمعين. # اعلم أن الخلق قسمان : حيوان وغير حيوان. والحيوان قسمان : مكلف وغير ~~مكلف ؛ فالمكلف من خاطبه الله بالعبادة ، وأمره بها ، ووعده بالثواب عليها ~~، ونهاه عن المعاصي ، وحذره العقوبة ؛ وغير المكلف من لم يخاطبه بذلك. ثم ~~المكلف قسمان : مؤمن وكافر. والمؤمن قسمان : طائع وعاص ؛ وكل واحد من ~~الطائعين والعاصين ينقسم إلى قسمين : عالم وجاهل. # ثم رأيت الغرور لازما لجميع المكلفين والمؤمنين والكافرين إلا من عصمه ~~الله رب العالمين. وأنا إن شاء الله تعالى أكشف عن غرورهم ، وأبين الحجة ~~فيه ، وأوضحه غاية الإيضاح ، وأبينه غاية البيان ، بأوجز ما يكون من ~~العبارة ، وأبدع ما يكون من الإشارة ؛ فأقول وما توفيقي إلا بالله : # واعلم أن المغرورين من الخلق ما عدا الكافرين أربعة أصناف : صنف من ~~العلماء ، وصنف من العباد ، وصنف من أرباب الأموال ، وصنف من المتصوفة. ~~فأول ما نبدأ به غرور الكفار ، وهم في غرورهم قسمان : منهم من غرته الحياة ~~الدنيا ، ومنهم من غره بالله الغرور. فأما الذين غرتهم الحياة الدنيا فهم ~~الذين قالوا : النقد خير من النسيئة ، ولذات الدنيا يقين ولذات الآخرة شك ، ~~ولا يترك اليقين بالشك ؛ وهذا قياس فاسد ، وهو قياس إبليس ms561 لعنه الله في ~~قوله أنا خير منه ، فظن أن الخيرية في السبب. # وعلاج هذا الغرور شيئان إما بتصديق وهو الإيمان ، وإما ببرهان. أما ~~التصديق فهو أن يصدق الله تعالى في قوله : ( @QUR@05 وما عند الله خير ~~وأبقى ) [القصص : 60] وقوله تعالى : ( @QUR@06 وما الحياة الدنيا إلا متاع ~~الغرور ) [آل عمران : 185 ، الحديد : 20] وتصديق الرسول فيما جاء به. وأما ~~البرهان فهو أن يعرف وجه فساد قياسه أن قوله : «الدنيا نقد والآخرة نسيئة» ~~مقدمة صحيحة ، وأما قوله : «النقد خير من النسيئة» فهو محل التلبيس ؛ وليس ~~الأمر كذلك ، بل إن كان النقد مثل النسيئة في المقدار والمقصود فهو خير ، ~~وإن كان أقل منها فالنسيئة خير منه ؛ ومعلوم أن الآخرة أبدية والدنيا غير ~~أبدية. وأما قولهم : «لذات الدنيا يقين ولذات الآخرة شك» فهو أيضا باطل ؛ PageV01P433 # بل ذلك يقين عند المؤمنين ، وليقينه مدركان : أحدهما الإيمان والتصديق ~~على وجه التقليد للأنبياء والعلماء كما يقلد الطبيب الحاذق في الدواء ، ~~والمدرك الثاني الوحي للأنبياء والإلهام للأولياء. ولا تظن أن معرفة النبي ~~صلى الله عليه وسلم لأمور الآخرة ولأمور الدنيا تقليد لجبريل عليه السلام ، فإن ~~التقليد ليس بمعرفة صحيحة ، والنبي صلى الله عليه وسلم حاشاه من ذلك ، بل قد ~~انكشفت له الأشياء وشاهدها بنور البصيرة كما شاهد المحسوسات بالعين ~~الظاهرة. ### ||| * فصل # والمؤمنون بألسنتهم وعقائدهم إذا ضيعوا أوامر الله ، وهي الأعمال الصالحة ~~، وتدنسوا بالشهوات ، فهم مشاركون الكفار في هذا الغرور ، فالحياة الدنيا ~~للكافرين والمؤمنين جميعا غرور. # فأما غرور الكافرين بالله فمثاله قول بعضهم في أنفسهم بألسنتهم : إنه إن ~~كان الله معيدنا فنحن أحق به من غيرنا ؛ كما أخبر الله عنهم في سورة الكهف ~~[الآيتان : 35 و36] حيث قال : ( @QUR@018 ما أظن أن تبيد هذه أبدا. وما أظن ~~الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا ) وسبب هذا الغرور ~~قياس من أقيسة إبليس لعنه الله ، وذلك أنهم ينظرون مرة إلى نعم الله عليهم ~~في الدنيا فيقيسون عليها نعم الآخرة ، ومرة ينظرون إلى تأخير عذاب الله ~~عنهم في الدنيا فيقيسون عليه عذاب الآخرة. كما ms562 أخبر الله عنهم أنهم يقولون ~~: ( @QUR@06 لو لا يعذبنا الله بما نقول ) [المجادلة : 8] ومرة ينظرون إلى ~~المؤمنين وهم فقراء فيزدرونهم ويقولون : ( @QUR@06 أهؤلاء من الله عليهم من ~~بيننا ) [الأنعام : 53] ويقولون : ( @QUR@06 لو كان خيرا ما سبقونا إليه ) ~~[الأحقاف : 11] وترتيب القياس الذي نظم في قلوبهم أنهم يقولون : " قد أحسن ~~الله إلينا بنعيم الدنيا ، وكل محسن فهو محب وكل محب فهو محسن» وليس كذلك ، ~~بل يكون محسنا ولا يكون محبا ، بل ربما يكون الإحسان سبب هلاكه على التدريج ~~؛ وذلك محض الغرور بالله تعالى ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : " إن الله ~~يحمي عبده المؤمن من الدنيا كما يحمي أحدكم مريضه من الطعام والشراب وهو ~~يحبه». وكذلك كان أرباب البصائر إذا أقبلت عليهم الدنيا حزنوا ، وإذا أقبل ~~عليهم الفقر فرحوا وقالوا مرحبا بشعائر الصالحين ، وقد قال تعالى : ( ~~@QUR@011 فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن ) ~~[الفجر : 15] وقال تعالى : ( @QUR@014 أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين* ~~نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون ) [المؤمنون : 55 ، 56] وقال تعالى : ( ~~@QUR@05 سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ) [الأعراف : 182 ، القلم : 44] ( ~~@QUR@05 وأملي لهم إن كيدي متين ) [الأعراف 183 ، القلم : 45] وقال تعالى : ~~( @QUR@020 فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا ~~بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ) [الأنعام : 44] فلم يؤمن بالله من ~~آمن بهذا الغرور. ومنشأ هذا الغرور الجهل بالله وبصفاته ، فمن عرف الله فلا ~~يأمن من مكره. ولا ينظرون إلى فرعون وهامان والنمرود ما ذا حل بهم مع ما ~~أعطاهم الله من المال ، وقذ حذر الله تعالى من مكره فقال تعالى : ( @QUR@07 ~~فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ) [الأعراف : 99] وقال تعالى : ( ~~@QUR@04 ومكروا ومكر الله والله PageV01P434 # @QUR@02 خير الماكرين ) [آل عمران : 54] وقال تعالى : ( @QUR@04 فمهل ~~الكافرين أمهلهم رويدا ) [الطارق : 17] فمن أولاه الله نعمة فليحذر أن تكون نقمة. ### ||| * فصل # وأما غرور العصاة من المؤمنين فقولهم : " غفور رحيم وإنما نرجو عفوه". ~~فاتكلوا على ذلك وأهملوا الأعمال وذلك من قبل الرجاء محمود في الدين وإن ~~رحمة الله واسعة ، ونعمته شاملة ، وكرمه ms563 عميم ، إنا موحدون مؤمنون ، نرجو ~~بوسيلة الإيمان ، والكرم والإحسان. وربما كان منشأ حالهم التمسك بصلاح ~~الآباء والأمهات ، وذلك نهاية الغرور ، فإن آباءهم مع صلاحهم وورعهم كانوا ~~خائفين ، ونظم قياسهم الذي سول لهم الشيطان : أن من أحب إنسانا أحب أولاده ~~، فإن الله قد أحب آباءكم فهو يحبكم ، فلا تحتاجون إلى الطاعة ، فاتكلوا ~~على ذلك واغتروا بالله. ولم يعلموا أن نوحا عليه السلام أراد أن يحمل ابنه ~~في السفينة ، فمنع ، وأغرقه الله بأشد ما أغرق به قوم نوح ، وأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم استأذن في زيارة قبر أمه وفي الاستغفار لها ، فأذن له في ~~الزيارة ولم يؤذن له في الاستغفار ونسوا قوله تعالى : ( @QUR@05 ولا تزر ~~وازرة وزر أخرى ) [فاطر : 18] وقوله تعالى : ( @QUR@06 وأن ليس للإنسان إلا ~~ما سعى ) [النجم : 39] فإن من ظن أنه ينجو بتقوى أبيه ، كمن ظن أنه يشبع ~~بأكل أبيه أو يروى بشرب أبيه ، والتقوى فرض عين لا يجزى فيها والد عن والده ~~، وعند جزاء التقوى يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه إلا على ~~سبيل الشفاعة. ونسوا قوله صلى الله عليه وسلم : «الكيس من دان نفسه وعمل لما ~~بعد الموت ، والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني» ، وقوله ~~تعالى : ( @QUR@016 إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله ~~أولئك يرجون رحمت الله والله غفور رحيم ) [البقرة : 218] وقال تعالى : ( ~~@QUR@04 جزاء بما كانوا يعملون ) [السجدة : 17] وهل يصح الرجاء إلا إذا ~~تقدمه عمل؟ فإن لم يتقدمه عمل فهو غرور لا محالة ، وإنما ورد الرجاء لتبريد ~~حرارة الخوف واليأس ، ولتلك الفائدة نطق به القرآن والترغب في الزيادة لا محالة. ### ||| * فصل # ويقرب منهم غرور طوائف لهم طاعات ومعاص ، إلا أن معاصيهم أكثر ، وهم ~~يتوقعون المغفرة ويظنون أن ترجح كفة حسناتهم ، وكفة سيئاتهم أكثر. وهذا ~~غاية الجهل ، فترى الواحد يتصدق بدراهم عديدة من الحلال والحرام ، ويكون ما ~~يتناوله من أموال الناس والشبهات أضعافه ، فهو كمن وضع في كفة الميزان عشرة ~~دراهم ووضع في الكفة الأخرى ألفا وأراد أن تميل الكفة التي فيها ms564 العشرة ، ~~وذلك غاية الجهل. ### ||| * فصل # ومنهم من يظن أن طاعته أكثر من معاصيه ، لأنه لا يحاسب نفسه ولا يتفقد ~~معاصيها ، وإذا PageV01P435 # عمل طاعة حفظها واعتد بها ، كالذي يستغفر الله بلسانه ويسبح بالليل ~~والنهار مثلا مائة مرة وألف مرة ، ثم يغتاب المسلمين ويتكلم بما لا يرضاه ~~الله طول النهار ، ويلتفت إلى ما ورد من فضل التسبيح ويغفل عما ورد في ~~عقوبة الكذابين والنمامين والمنافقين ؛ وذلك محض الغرور ، فحفظ لسانه عن ~~المعاصي آكد من تسبيحه ، فسبحان من صدنا عن التنبيه. ### ||| * فصل ### ||| * بيان أصناف المغرورين وأقسام كل صنف ### ||| * الصنف الأول من المغرورين : العلماء. # وهم فرق : # (فرقة منهم) لما أحكمت العلوم الشرعية والعقلية ، تعمقوا فيها ، واشتغلوا ~~بها ، وأهملوا تفقد الجوارح وحفظها عن المعاصي وإلزامها الطاعات ، واغتروا ~~بعلمهم ، وظنوا أنهم عند الله بمكان ، وأنهم قد بلغوا من العلم مبلغا لا ~~يعذب الله مثلهم ، بل يقبل شفاعتهم في الخلق ولا يطالبهم بذنوبهم وخطاياهم. ~~وهم مغرورون ، فإنهم لو نظروا بعين البصيرة لعلموا أن العلم علمان : علم ~~معاملة ، وعلم مكاشفة وهو العلم بالله تعالى وبصفاته ؛ فلا بد من علوم ~~المعاملة لتتم الحكمة المقصودة ، وهي المعاملة بمعرفة الحلال والحرام ، ~~ومعرفة أخلاق النفس المذمومة والمحمودة. ومثلهم مثل طبيب يطبب غيره وهو ~~عليل قادر على طب نفسه فلم يفعل ، وهل ينفع الدواء بالوصف؟ هيهات لا ينفع ~~الدواء إلا من شربه بعد الحمية ؛ وغفلوا عن قوله تعالى : ( @QUR@08 قد أفلح ~~من زكاها وقد خاب من دساها ) [الشمس : 9 ، 10] ولم يقل : «من يعلم تزكيتها ~~وكتب علمها وعلمها الناس». # وغفلوا عن قوله صلى الله عليه وسلم : «من ازداد علما ولم يزدد هدى لم يزدد ~~من الله إلا بعدا" ، وقوله صلى الله عليه وسلم : «إن أشد الناس عذابا يوم ~~القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه» ، وغير ذلك كثير. وهؤلاء مغرورون نعوذ ~~بالله من حالهم ، وإنما غلب عليهم حب الدنيا وحب أنفسهم وطلب الراحة ~~العاجلة ، وظنوا أن علمهم ينجيهم في الآخرة من غير عمل. # (وفرقة أخرى) أحكموا العلم والعمل الظاهر ، وتركوا المعاصي الظاهرة ، ~~وغفلوا عن قلوبهم ، فلم ms565 يمحوا منها الصفات المذمومة عند الله كالكبر ~~والرياء والحسد وطلب الرئاسة والعلو وإرادة السوء بالأقران والشركاء وطلب ~~الشهرة في البلاد والعباد ، وذلك غرور سببه غفلتهم عن قوله صلى الله عليه وسلم ~~: «الرياء الشرك الأصغر» وقوله صلى الله عليه وسلم : «الحسد يأكل الحسنات كما ~~تأكل النار الحطب» وقوله صلى الله عليه وسلم : «حب المال والشرف ينبتان النفاق ~~في القلب كما ينبت الماء البقل» ، إلى غير ذلك من الأخبار ، وغفلوا عن قوله ~~تعالى : ( @QUR@06 إلا من أتى الله بقلب سليم ) [الشعراء : 89] PageV01P436 # فغفلوا عن قلوبهم واشتغلوا بظواهرهم ؛ ومن لا يصغي قلبه لا تصح طاعاته ، ~~وهو كمريض ظهر به الجرب فأمره الطبيب بالطلاء وشرب الدواء ، فاشتغل بالطلاء ~~وترك شرب الدواء ، فأزال ما بظاهره ولم يزل ما بباطنه ، وأصل ما على ظاهره ~~مما في باطنه ، فلا يزال جربه يزداد أبدا مما في باطنه ، فلو زال ما في ~~باطنه استراح الظاهر ؛ فكذلك الخبائث إذا كانت كامنة في القلب يظهر أثرها ~~على الجوارح. # (وفرقة أخرى) علموا هذه الأخلاق الباطنة وعلموا أنها مذمومة من جهة الشرع ~~، إلا أنهم لأجل تعجبهم بأنفسهم يظنون أنهم منفكون عنها ، وأنهم أرفع عند ~~الله من أن يبتليهم بذلك ، وإنما يبتلي به العوام دون من بلغ مبلغهم في ~~العلم ، فأما هم فهم أبلغ عند الله من أن يبتليهم بذلك ، وظهرت عليهم مخايل ~~الكبر والرئاسة ، وطلب العلو والشرف ، وغرورهم أنهم ظنوا أن ذلك ليس بكبر ~~وإنما هو عز للدين وإظهار لشرف العلم ونصرة دين الله ، وغفلوا عن فرح إبليس ~~به ، وعن نصرة النبي صلى الله عليه وسلم بما ذا كانت وبما ذا أرغم الكافرين ، ~~وغفلوا عن تواضع الصحابة وتذللهم وفقرهم ومسكنتهم ، حتى عوتب عمر رضي الله ~~عنه على بذاذته عند قدومه الشام فقال : إنا قوم أعزنا الله بالإسلام لا ~~نطلب العز في غيره. # ثم هذا المغرور يطلب عز الدين بالثياب الرفيعة ، ويزعم أنه يطلب عز العلم ~~وشرف الدين ، ومهما أطلق اللسان بالحسد في أقرانه أو فيمن رد عليه شيئا من ~~كلامه لم يظن بنفسه أن ذلك ms566 حسد ويقول : إنما هو غضب للحق ، ورد على المبطل ~~في عداوته وظلمه ، وهذا مغرور ، فإنه لو طعن على غيره من العلماء من أقرانه ~~ربما لم يغضب بل ربما يفرح ، وإن أظهر الغضب عند الناس فقلبه ربما يحبه ، ~~وربما يظهر العلم ويقول : غرضي به أفيد الخلق ؛ وهو به مراء ، لأنه لو كان ~~غرضه صلاح الخلق لأحب صلاحهم على يد غيره ممن هو مثله أو فوقه أو دونه. # وربما يدخل على السلاطين ويتودد إليهم ويثني عليهم ، فإذا سئل عن ذلك قال ~~: إنما غرضي أن أنفع المسلمين وأدفع عنهم الضرر ؛ وهو مغرور ، فلو كان غرضه ~~ذلك لفرح به إذا جرى على يد غيره ، ولو رأى من هو مثله عند السلطان يشفع في ~~أحد لغضب. # وربما أخذ من أموالهم ، فإذا خطر بباله أنه حرام قال له الشيطان : هذا ~~مال بلا مالك ، وهو لمصالح المسلمين ، وأنت إمام المسلمين وعالمهم ، وبك ~~قوام الدين. وهذه ثلاث تلبيسات : أحدها أنه مال لا مالك له ، والثاني أنه ~~لمصالح المسلمين ، والثالث أنه إمام ؛ وهل يكون إماما إلا من أعرض عن ~~الدنيا كالأنبياء والصحابة وأفاضل علماء هذه الأمة؟ ومثله كما قال عيسى ~~عليه السلام : العالم السوء كصخرة وقعت في فم الوادي ، فلا هي تشرب الماء ، ~~ولا هي تترك الماء يخلص إلى الزرع. # وأصناف غرور أهل العلم كثيرة وما يفسد هؤلاء أكثر مما يصلحونه. PageV01P437 # (وفرقة أخرى) أحكموا العلوم ، وطهروا الجوارح ، وبينوها بالطاعات ، ~~واجتنبوا ظاهر المعاصي ، وتفقدوا أخلاق النفس وصفات القلب من الرياء والحسد ~~والكبر والحقد وطلب العلو ، وجاهدوا أنفسهم في التبري منها ، وقلعوا من ~~القلب منابتها الجلية القوية ؛ ولكنهم مغرورون ، إذ في زوايا القلب بقايا ~~من خفايا مكايد الشيطان ، وخبايا خدع النفس ما دق وغمض ، فلم يتفطنوا لها ~~وأهملوها. ومثلهم كمثل من يريد تنقية الزرع من الحشيش ، فدار عليه وفتش عن ~~كل حشيش فقلعه ، إلا أنه لم يفتش عما لم يخرج رأسه بعد من تحت الأرض ويظن ~~أن الكل قد ظهر وبرز ، فلما غفل عنها ظهرت وأفسدت عليه الزرع ؛ فهؤلاء إن ~~غيروا ms567 تغيروا ، وربما تركوا مخالطة الخلق استكبارا عنهم ، وربما نظروا إلى ~~الخلق بعين الحقارة ، وربما يجتهد بعضهم في تحسين منظره كيلا ينظر إليه ~~بعين الركاكة. # (وفرقة أخرى) تركوا المهم من العلوم ، واقتصروا على علم الفتاوى في ~~الحكومات والخصومات ، وتفاصيل المعاملات الدنيوية الجارية بين الخلق لمصالح ~~المعايش ، وخصصوا اسم الفقيه ، وسموه الفقه وعلم المذهب ، وربما ضيعوا مع ~~ذلك علم الأعمال الظاهرة والباطنة ، ولم يفتقدوا الجوارح ، ولم يحرسوا ~~اللسان عن الغيبة ، والبطن عن الحرام ، والرجل عن السعي إلى السلاطين ، ~~وكذا سائر الجوارح ، ولم يحرسوا قلوبهم عن الكبر والرياء والحسد وسائر ~~المهلكات. # وهؤلاء مغرورون من وجهين : # أحدهما : من حيث العلم ؛ وقد ذكرنا وجه علاجه في كتاب الإحياء ، وأن ~~مثلهم كمثل المريض الذي تعلم الداء من الحكماء ولم يعلمه أو يعلمه ، فهؤلاء ~~مشرفون على الهلاك من حيث إنهم تركوا تزكية أنفسهم وتخليها ، واشتغلوا ~~بكتاب الحيض والديات واللعان والظهار ، وضيعوا أعمارهم فيها. وإنما غرهم ~~تعظيم الخلق لهم وإكرامهم ، ورجوع أحدهم قاضيا ومفتيا ؛ ويطعن كل واحد منهم ~~في صاحبه ، فإذا اجتمعوا زال الطعن. # والثاني : من حيث العلم ؛ وذلك لظنهم أنه لا علم إلا بذلك وأنه الموصل ~~المنجي ، وإنما الموصل المنجي حب الله تعالى ؛ ولا يتصور حب الله تعالى إلا ~~بمعرفته ؛ ومعرفته ثلاث : معرفة الذات ، ومعرفة الصفات ، ومعرفة الأفعال. ~~وهؤلاء مثل من اقتصر على بيع الزاد في طريق الحاج ولم يعلموا أن الفقه هو ~~الفقه عن الله ، ومعرفة صفاته المخوفة والمزجرة ، ليستشعر القلب الخوف ، ~~ويلازم التقوى ، كما قال تعالى: ( @QUR@018 فلو لا نفر من كل فرقة منهم ~~طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ) ~~[التوبة : 122]. # ومن هؤلاء من اقتصر من علم الفقه على الخلافيات ، ولا يهمه إلا تعلم طريق ~~المجادلة والإلزام وإفحام الخصم ودفع الحق لأجل الغلبة والمباهاة ، فهو طول ~~الليل والنهار في التفتيش في مناقضات أرباب المذاهب ، والتفقد لعيوب ~~الأقران ، وهؤلاء لم يقصدوا العلم وإنما قصدوا PageV01P438 # مباهاة الأقران ، ولو اشتغلوا بتصفية قلوبهم كان خيرا لهم من علم لا ينفع ~~إلا في الدنيا والتكبر ، وذلك ms568 ينقلب في الآخرة نارا تلظى. # وأما أدلة المذهب فيشتمل عليها كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فما ~~أقبح غرور هؤلاء! # (وفرقة أخرى) اشتغلوا بعلم الكلام والمجادلة ، والرد على المخالفين وتتبع ~~مناقضاتهم ، واستكثروا من علم المقولات المختلفة ، واشتغلوا بتعليم الطريق ~~في مناظرة أولئك وإفحامهم ، ولكنهم على فرقتين : إحداهما ضالة مضلة والأخرى ~~محقة ، أما غرور الفرقة الضالة فلغفلتها على ضلالتها وظنها بنفسها النجاة ، ~~وهم فرق كثيرة يكفر بعضهم بعضا ؛ وإنما ضلوا من حيث إنهم لم يحكموا لشروط ~~الأدلة ومنهاجها ، فرأوا الشبهة دليلا والدليل شبهة. وأما غرور الفرقة ~~المحقة فمن حيث إنهم ظنوا الجدل أنه أهم الأمور وأفضل القربات في دين الله ~~، وزعموا أنه لا يتم لأحد دينه ما لم يبحث ، وأن من صدق الله من غير بحث ~~وتحرير لدليل فليس بمؤمن ولا بكامل ولا بمقرب عند الله تعالى. ولم يلتفتوا ~~إلى القرن الأول ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم شهد لهم بأنهم خير الخلق ولم ~~يطلب منهم الدليل. وروى أبو أمامة الباهلي رضي الله عنه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال : «ما ضل قوم قط إلا أوتوا الجدل». # (وفرقة أخرى) اشتغلوا بالوعظ ، وإعلاء رتبة من يتكلم في أخلاق النفس ~~وصفات القلب ، من الخوف والرجاء والصبر والشكر والتوكل والزهد واليقين ~~والإخلاص والصدق. وهم مغرورون لأنهم يظنون أنهم إذا تكلموا بهذه الصفات ~~ودعوا الخلق إليها فقد اتصفوا بها ، وهم منفكون عنها إلا من قدر يسير لا ~~ينفك عنه عوام المسلمين. وغرور هؤلاء أشد الغرور ، لأنهم يعجبون بأنفسهم ~~غاية الإعجاب ، ويظنون أنهم ما تبحروا في علم المحبة إلا وهم من الناجين ~~عند آ ، وأنهم مغفور لهم بحفظهم لكلام الزهاد مع خلوهم من العمل. # وهؤلاء أشد غرورا ممن كان قبلهم ، لأنهم يظنون أنهم يحببون في الله ~~ورسوله ، وما قدروا على تحقيق دقائق الإخلاص إلا وهم مخلصون ، ولا وقفوا ~~على خفايا عيوب النفس إلا وهم عنها منزهون ، وكذلك جميع الصفات ، وهم أحب ~~في الدنيا من كل أحد ، ويظهرون الزهد في الدنيا لشدة حرصهم ms569 عليها وقوة ~~رغبتهم فيها ، ويحثون على الإخلاص وهم غير مخلصين ، ويظهرون الدعاء إلى ~~الله وهم منه فارون ، ويخوفون بالله وهم منه آمنون ، ويذكرون بالله وهم ~~ناسون ، ويقربون إلى الله وهم منه متباعدون ، ويذمون الصفات المذمومة وهم ~~بها متصفون ، ويصرفون الناس عن الخلق وهم على الخلق أشدهم حرصا ، لو منعوا ~~عن مجالسهم التي يدعون فيها الناس إلى الله لضاقت عليهم الأرض بما رحبت. ~~ويزعمون أن غرضهم إصلاح الخلق ، ولو ظهر من أقران أحدهم من أقبل الخلق عليه ~~ومن صلحوا على يديه لمات غما وحسدا ، ولو أثنى واحد من المترددين إليه على ~~بعض أقرانه لكان أبغض خلق الله إليه. فهؤلاء أعظم غرورا ، وأبعد عن التنبيه ~~والرجوع إلى السداد. PageV01P439 # (وفرقة أخرى) عدلوا عن المهم الواجب في الوعظ وهم وعاظ أهل هذا الزمان ~~كافة ، إلا من عصمه الله ، فاشتغلوا بالطاعات والشطح وتلفيق كلمات خارجة عن ~~قانون الشرع والعدل طلبا للإغراق. وطائفة اشتغلوا بتيارات النكت وتسجيع ~~الألفاظ وتلفيقها ، وأكثر همهم في الأسجاع والاستشهاد بأشعار الوصال ~~والفراق. وغرضهم أن يكثر في مجلسهم التواجد والزعقات ولو على أغراض فاسدة. ~~فهؤلاء شياطين الإنس ضلوا وأضلوا ، فإن الأولين إن لم يصلحوا أنفسهم فقد ~~أصلحوا غيرهم وصححوا كلامهم ووعظهم ؛ وأما هؤلاء فإنهم يصدون عن سبيل الله ~~، ويجرون الخلق إلى الأغراض والغرور بالله بلفظ الخرافة ، جراءة على ~~المعاصي ورغبة في الدنيا ، لا سيما إذا كان الواعظ متزينا بالثياب والخيلاء ~~والمرائي ، ويعظهم بالقنوط من رحمة الله حتى ييأسوا من رحمته. # (وفرقة أخرى منهم) قنعوا بكلام الزهاد وأحاديثهم في ذم الدنيا ، ~~فيعيدونها على نحو ما يحفظون من كلام من حفظوه من غير إحاطة بمعانيه ، ~~فيعظهم الواحد منهم بذلك على المنابر ، وبعضهم يعظون الناس في الأسواق مع ~~الجلساء ، ويظن أنه ناج عند الله وأنه مغفور له بحفظه كلام الزهاد مع خلوه ~~من العمل. وهؤلاء أشد غرورا ممن كان قبلهم. # (وفرقة أخرى) استغرقوا أوقاتهم في علم الحديث ، أعني في سماعه ، وجمع ~~الروايات الكثيرة منه ، وطلب الأسانيد الغريبة العالية. فهم أحدهم أن يدور ~~في البلاد ويروي ms570 عن الشيوخ ليقول : أنا أروي عن فلان ، ولقيت فلانا ، ومعي ~~من الأسانيد ما ليس مع غيري. # وغرورهم من وجوه : منها أنهم كحملة الأسفار ، فإنهم لا يصرفون العناية ~~إلى فهم السنة وتدبر معانيها ، وإنما هم مقتصرون على النقل ، ويظنون أن ذلك ~~يكفيهم ؛ وهيهات! بل المقصود من الحديث فهمه وتدبر معانيه ، فالأول في ~~الحديث السماع ثم الحفظ ثم الفهم ثم العمل ثم النشر ، وهؤلاء اقتصروا على ~~السماع ثم لم يحكموه ، وإن كان لا فائدة في الاقتصار عليه والحديث في هذا ~~الزمان يقرأه الصبيان ، وهم غرة غافلون ، والشيخ الذي يقرأ عليه ربما يكون ~~غافلا حتى يصحف الحديث ولا يعلم ، وربما ينام ويروى عنه الحديث وهو لا ~~يعلم. وكل ذلك غرور ، وإنما الأصل في استماع الحديث أن يسمعه من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ، فيحفظه كما سمعه ويؤديه كما حفظه ، فتكون الرواية عن ~~الحفظ والحفظ عن السماع ، فإن عجز عن سماعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سمعه من الصحابة أو من التابعين ، فيصير سماعه منهم كسماعه من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ، وهو أن يصغي ويحفظ ويرويه كما حفظه حتى لا يشك في حرف ~~واحد منه ، وإن شك فيه لم يجز له أن يرويه أو يعلم به ويخطئ به إن أخطأ. # وحفظ الحديث يكون بطريقين : أحدهما بالقلب مع الاستدامة والذكر. والثاني ~~يكتب ما يسمع ويصحح المكتوب ويحفظه كيلا تصل إليه يد من يغيره ، ويكون حفظه ~~للكتاب أن يكون في خزانته محروسا حتى لا تمتد إليه يد غيره أصلا. ولا يجوز ~~أن يكتب سماع الصبي والغافل PageV01P440 # والنائم ، ولو جاز ذلك لجاز أن يكتب سماع الصبي في المهد. # وللسماع شروط كثيرة ، والمقصود من الحديث العمل به ومعرفته ، وله مفهومات ~~كثيرة كما للقرآن ، وروي عن أبي سفيان بن أبي الخير المنهى أنه حضر في مجلس ~~زاهر بن أحمد السرخسي ، فكان أول حديث روي قوله صلى الله عليه وسلم : " من حسن ~~إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" ، فقام وقال : يكفيني هذا حتى أفرغ منه ms571 ثم ~~أسمع غيره. فهكذا هو سماع الناس. # (وفرقة أخرى) اشتغلوا بعلم النحو واللغة والشعر وغريب اللغة ، واغتروا به ~~وزعموا أنهم قد غفر لهم وأنهم من علماء الأمة ، إذ قوام الدين والسنة بعلم ~~النحو واللغة ، فأفنوا أعمارهم في دقائق النحو واللغة. وذلك غرور عظيم ، ~~فلو عقلوا لعلموا أن لغة العرب كلغة الترك ، والمضيع عمره في لغة العرب ~~كالمضيع عمره في لغة الترك والهند وغيرهم ، وإنما فارقهم من أجل ورود ~~الشرع. وكفى من اللغة علم الغريب في الكتاب والسنة ، ومن النحو ما يتعلق ~~بالكتاب والسنة ، وأما التعمق فيه إلى درجة لا تتناهى فهو فضول مستغنى عنه ~~وصاحبه مغرور. ### ||| * الصنف الثاني من المغرورين أصحاب العبادات والأعمال # والمغرورون منهم فرق كثيرة : # منهم من غروره في الصلاة. # ومنهم من غروره في تلاوة القرآن. # ومنهم من غروره في الحج. # ومنهم من غروره في الجهاد. # ومنهم من غروره في الزهد. # (ومنهم فرقة) أهملوا الفرائض واشتغلوا بالنوافل ، وربما تعمقوا فيها حتى ~~يخرجوا إلى السرف والعدوان ، كالذي تغلب عليه الوسوسة في الوضوء ، فيبالغ ~~ولا يرتضي الماء المحكوم بطهارته في الشرع ، ويقدر الاحتمالات البعيدة ~~قريبة في النجاسة ؛ وإذا آل الأمر إلى أكل الحرام ، قدر الاحتمالات القريبة ~~بعيدة ، وربما أكل الحرام المحض. ولو انقلب هذا الاحتياط من الماء إلى ~~الطعام لكان أولى ، بدليل سير الصحابة رضي الله عنهم ، فقد توضأ عمر رضي ~~الله عنه بماء في جرة نصرانية مع احتمال ظهور النجاسة ، وكان مع هذا يدع ~~أبوابا من الحلال خوفا من الوقوع في الحرام. # (وفرقة أخرى) غلبت عليهم الوسوسة في نية الصلاة ، فلا يدعه الشيطان يعقد ~~نية صحيحة ، بل يوسوس عليه حتى تفوته الجماعة ، وربما أخرج الصلاة عن الوقت ~~؛ وإن أتم تكبيرة الإحرام يكون في قلبه تردد في صحة نيته. وقد يتوسوس في ~~التكبير حتى يغير صفة التكبير PageV01P441 # لشدة الاحتياط ويفوته الاستماع للفاتحة ، ويفعل ذلك في أول الصلاة ثم ~~يغفل في جميعها ، ولا يحضر قلبه ويغتر بذلك ، ولم يعلم أن حضور القلب في ~~الصلاة هو الواجب ، وإنما غره إبليس وزين له ms572 ذلك وقال له : ذلك الاحتياط ~~تتميز به عن العوام وأنت على خير عند ربك. # (وفرقة أخرى) غلبت عليهم الوسوسة في إخراج حروف الفاتحة من مخارجها وكذلك ~~سائر الأذكار ، فلا يزال يحتاط في التشديدات والفرق بين الضاد والظاء ، لا ~~يهمه غير ذلك ، ولا يتفكر في أسرار فاتحة الكتاب ولا في معانيها ؛ ولم يعلم ~~أنه لم يكلف الخلق في تلاوة القرآن من تحقيق مخارج الحروف إلا بما جرت به ~~عادتهم في الكلام ؛ وهذا غرور عظيم. ومثلهم من حمل الرسالة إلى مجلس ~~السلطان وأمر أن يؤديها على وجهها ، فأخذ يؤدي الرسالة ويتأنق في مخارج ~~الحروف ويعيدها مرة بعد أخرى ، وهو مع ذلك غافل عن مقصود الرسالة ومراعاة ~~حرمة المجلس ؛ فهذا لا شك أنه تقام عليه السياسة ، ويرد إلى دار المجانين ، ~~ويحكم عليه بفقد العقل. # (وفرقة أخرى) اغتروا بتلاوة القرآن ، فيهدروا به هدرا ، ربما يختمون في ~~اليوم والليلة ختمة ، وألسنتهم تجري به وقلوبهم تتردد في أودية الأماني ~~والتفكر في الدنيا ، ولا تتفكر في معاني القرآن لينزجر بزواجره ، ويتعظ ~~بمواعظه ، ويقف عند أوامره ونواهيه ، ويعتبر بمواضع الاعتبار منه ، ويتلذذ ~~به من حيث المعنى لا من حيث النظم. فمن قرأ كتاب الله في اليوم والليلة ~~مائة مرة ثم ترك أوامره ونواهيه ، يستحق العقوبة. وربما كان له صوت طيب ، ~~فهو يقرأ ويتلذذ به ويغتر باستلذاذه ، ويظن أن ذلك لذة مناجاة الله سبحانه ~~وسماع كلامه ، وهيهات ما أبعده! إذ لذته في صوته ، فلو أدرك لذة كلام الله ~~ما نظر إلى صوته وطيبه ، ولا تعلق خاطره به ؛ ولذة كلام الله إنما هي من ~~حيث المعنى ؛ فهو في غرور عظيم. # (وفرقة أخرى) اغتروا بالصوم ، وربما صاموا الدهر وصاموا الأيام الشريفة ، ~~وهم في ذلك لا يحفظون ألسنتهم عن الغيبة ، ولا خواطرهم عن الرياء ، ولا ~~بطونهم عن الحرام عند الإفطار ولا من الهذيان بأنواع الفضول. فهؤلاء تركوا ~~الواجب ، واتبعوا المندوب ، وظنوا أنهم يسلمون ، وهيهات! إنما يسلم من أتى ~~الله بقلب سليم ؛ فهم مغرورون أشد الغرور. # (وفرقة أخرى) اغتروا بالحج من غير خروج ms573 عن المظالم وقضاء الديون واسترضاء ~~الوالدين وطلب الزاد الحلال ، وربما ضيعوا الصلاة المكتوبة في الطريق ، ~~وربما عجزوا عن طهارة الثوب والبدن ، ويتعرضون لمكس الظلمة حتى يؤخذ منه ، ~~ولا يحترزون في الطريق من الرفث والخصام. وربما جمع بعضهم الحرام فأنفقه ~~على الرفقاء في الطريق وهو يطلب به الرياء والسمعة ، فيعصي الله في كسب ~~الحرام أولا ، وفي إنفاقه للرياء ثانيا. ثم يبلغ إلى الكعبة ويحضرها بقلب ~~ملوث برذائل الأخلاق وذميم الصفات ، وهو مع ذلك يظن أنه على خير من ربه ، ~~وهو مغرور. PageV01P442 # (وفرقة أخرى) أخذت في طريق الخشية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ~~وينكر أحدهم على الناس ويأمرهم بالخير وينسى نفسه ، وإذا أمرهم بالخير عنف ~~وطلب الرئاسة والعزة ، وإذا باشر منكرا وأنكره عليه أحد غضب وقال : أنا ~~المحتسب فكيف تنكر علي! وقد يجمع الناس في المسجد ، ومن تأخر عنه أغلظ عليه ~~في القول. وربما عرض له الرياء والسمعة والرئاسة ، وعلامته أنه لو قام ~~بالمسجد غيره تجرأ عليه ، ومنهم من يؤذن ويظن أنه يؤذن لله ، ولو جاء غيره ~~وأذن في وقت غيبته قامت عليه القيامة وقال : لم آخذ حقي وزوحمت. ومنهم من ~~يتقيد إمام مسجد يظن أنه خير ، وغرضه أن يقال إنه إمام مسجد كذا وكذا ؛ ~~وعلامته أنه لو قدم غيره وإن كان أورع منه وأعلم ثقل عليه ذلك. # (وفرقة أخرى) جاوروا بمكة والمدينة واغتروا بهما ، ولم يراقبوا قلوبهم ~~ولم يطهروا ظواهرهم وبواطنهم ، وربما كانت قلوبهم متعلقة ببلادهم ومنازلهم. ~~وتراهم يتحدثون بذلك ويقولون جاورت بمكة كذا وكذا سنة. وهذا مغرور ، لأن ~~الأقوم له أن يكون في بلده وقلبه متعلق بمكة. وإن جاور فليحفظ حق الجوار ؛ ~~فإن جاور بمكة حفظ حق الله ، وإن جاور بالمدينة حفظ حق النبي ~~صلى الله عليه وسلم ، ومن يقدر على ذلك. وهؤلاء مغرورون بالظواهر ، فظنوا أن ~~الحيطان تنجيهم ، وهيهات! وربما لم تسمح نفسه بلقمة يتصدق بها على فقير. ~~وما أصعب المجاورة في حق الخلق ، فكيف مجاورة الخالق! وما أحسن مجاورته ~~بحفظ جوارحه وقلبه. # (وفرقة أخرى) زهدت في المال ، وقنعت ms574 من الطعام واللباس بالدون ، ومن ~~المسكن بالمساجد ، وظنوا أنهم أدركوا رتبة الزهاد ، وهم مع ذلك راغبون في ~~الرئاسة والجاه. والرئاسة إنما تحصل بأحد أشياء : إما بالعلم ، أو بالوعظ ، ~~أو بمجرد الزهد ؛ فقد تركوا أهون الأمرين وبادروا إلى أعظم المهلكات ؛ لأن ~~الجاه أعظم من المال ، ولو ترك أحدهم الجاه وأخذ المال كان إلى السلام أقرب. # وهؤلاء مغرورون ، ظنوا أنهم من الزهاد في الدنيا وهم لم يعلموا معنى ~~الدنيا ، وربما يقدم الأغنياء على الفقراء. ومنهم من يعجب بعلمه ، ومنهم من ~~يؤثر الخلوة والعزلة وهو عن شروطها خال ، ومنهم من يعطى له المال فلا يأخذه ~~خيفة أن يقال بطل زهده ، وهو راغب في المال والناس ، خائف من ذمهم. ومنهم ~~من شدد على نفسه في أعمال الجوارح حتى يصلي في اليوم والليلة مثلا ألف ركعة ~~ويختم القرآن ، وهو في جميع ذلك لا تخطر له مراعاة القلب وتفقده من الرياء ~~والكبر والعجب وسائر المهلكات. وربما يظن أن العبادات الظاهرة ترجح بها كفة ~~الحسنات ، وهيهات! ذرة من ذي تقوى ، وخلق واحد من خلق الأكياس ، أفضل من ~~أمثال الجبال عملا بالجوارح. ثم قد يغتر بقول من يقول له : إنك من أوتاد ~~الأرض ، أو من أولياء الله وأحبابه ؛ فيفرح بذلك ويظهر له تزكية نفسه ، ولو ~~شوتم يوما واحدا مرتين أو ثلاثا لكفر وجاهد من فعل ذلك به ، وربما قال لمن ~~سبه : لا يغفر الله لك أبدا. PageV01P443 # (وفرقة أخرى) حرصت على النوافل ولم يعظم اعتدادها بالفرائض ؛ فترى أحدهم ~~يفرح بصلاة الضحى وصلاة الليل وأمثال هذه النوافل ، ولا يجد لصلاة الفرض ~~لذة ولا خيرا من الله تعالى ، لشدة حرصه على المبادرة بها في أول الوقت ، ~~وينسى قوله صلى الله عليه وسلم : " ما تقرب المتقربون بأفضل من أداء ما افترضه ~~الله عليهم". # وترك الترتيب بين الخيرات من جملة الشرور ، بل قد يتعين على الإنسان ~~فرضان : أحدهما يفوت والآخر لا يفوت ، أو نفلان : أحدهما يضيق وقته والآخر ~~يتسع وقته ، فإن لم يحفظ الترتيب كان مغرورا ونظائر ذلك أكثر من أن تحصى ~~فإن ms575 المعصية ظاهرة ، وإنما الغامض تقديم بعض الطاعات على بعض كتقديم ~~الفرائض كلها على النوافل ، وتقديم فروض الأعيان على فروض الكفايات التي لا ~~قائم بها على ما قام بها غيره ، وتقديم الأهم من فروض الأعيان على ما دونه ~~، وتقديم ما يفوت مثل تقديم حق الوالدة على الوالد ، وتقديم نفقة الأبوين ~~على الحج ، وتقديم الجمعة إذا حضر وقتها على العيد ، وتقديم الدين على فروض ~~غيره. وما أعظم العبد أن ينفذ ذلك ويتنبه ، ولكن الغرور في الترتيب دقيق ~~خفي لا يقدر عليه إلا العلماء الراسخون في العلم. ### ||| * الصنف الثالث من المغرورين أرباب الأموال # وهم فرق كثيرة : # (فرقة منهم) يحرصون على بناء المساجد والمدارس والرباطات والقناطر ~~والصهاريج للماء وما يظهر للناس ، ويكتبون أسماءهم بالآجر عليه ليتخلد ~~ذكرهم ويبقى بعد الموت أثرهم ، وهم يظنون أنهم استحقوا المغفرة بذلك ؛ وقد ~~اغتروا فيه من وجهين : # أحدهما : أنهم اكتسبوها من الظلم والشبهات والرشا والجاهات المحظورة ؛ ~~فهؤلاء قد تعرضوا لسخط الله في كسبها ، فإذا عصوا الله في كسبها فالواجب ~~عليهم التوبة ورد الأموال إلى أهلها إن كانوا أحياء ، وإلى ورثتهم إن لم ~~يبق منهم أحد وانقرضوا. فإن لم يبق لهم ورثة فالواجب عليهم أن يصرفوها في ~~أهم المصالح ، وربما يكون الأهم التفرقة على المساكين ؛ فأي فائدة في بنيان ~~يستغني عنه ويموت ويتركه؟ وإنما غلب على هؤلاء الرياء والشهرة ولذة الذكر. # والوجه الثاني : أنهم يظنون بأنفسهم الإخلاص وقصد الخير في الإنفاق وعلو ~~الأبنية ، ولو كلف واحد منهم أن ينفق دينارا على مسكين لم تسمح نفسه بذلك ، ~~لأن حب المدح والثناء مستكن في باطنه. # (وفرقة أخرى) ربما اكتسبوا المال الحلال ، واجتنبوا الحرام ، وأنفقوه على ~~المساجد. وهم أيضا مغرورون من وجهين : # أحدهما : الرياء وطلب السمعة والثناء ؛ فإنه ربما يكون في جواره أو بلده ~~فقراء وصرف المال إليهم PageV01P444 # أهم ، فإن المساجد كثيرة والغرض منها الجامع وحده فيجزئ عن غيره ، وليس ~~الغرض بناء مسجد في كل سكة وفي كل درب ؛ والمساكين والفقراء محتاجون. وإنما ~~خف عليهم دفع المال في بناء المساجد لظهور ذلك بين ms576 الناس ، ولا يسمع في ~~الثناء عليه من عند الخلق ، فيظن أنه يعمل لله وهو يعمل لغير الله (ونيته ~~أعلم بذلك ، وإنما نيته عليه غضب ، وقال إنما قصدت الله عز وجل ). # والثاني : أنه يصرف في زخرفة المساجد وتزيينها بالنقوش المنهي عنها ~~الشاغلة قلوب المصلين ، لأنهم ينظرون إليها فتشغلهم عن الخضوع في الصلاة عن ~~حضور القلب وهو المقصود من الصلاة ؛ فكل ما طرأ في صلاتهم وفي غير صلاتهم ~~فهو في ميزان الذي بناه ، إذ لا يحل تزيين المسجد بوجه. قال الحسين رضي ~~الله عنه : لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبني مسجده بالمدينة ~~أتاه جبريل وقال : ابنه سبعة أذرع طولا في السماء فلا تزخرفه ، ولا تنقشه ، ~~فهؤلاء رأوا المنكر معروفا واتكلوا عليه فهم مغرورون في ذلك. # (وفرقة أخرى) ينفقون الأموال في الصدقات على الفقراء والمساكين ويطلبون ~~به المحافل الجامعة ، ومن الفقراء من عادته الشكر وإفشاء المعروف ، فيكرهون ~~التصدق في السر ، ويرون إخفاء الفقير لما يأخذ منهم خيانة عليهم وكفرانا ~~للمعروف ، وربما تركوا جيرانهم جائعين ؛ ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما ~~: في آخر الزمان يكثر الحاج بلا سبب ؛ يهوى لهم السفر ، ويبسط لهم في الرزق ~~، ويرجعون مجرمين مسلوبين يهوى بأحدهم بعيره بين القفار والرمال ، وجاره ~~مأثور إلى جنبه فلا يواسيه ولا يتفقده. # (وفرقة أخرى) من أرباب الأموال ؛ يحتفظون بالأموال ويمسكونها بحكم البخل ~~، ويشتغلون بالعبادة البدنية التي لا يحتاجون فيها إلى نفقة كصيام النهار ~~وقيام الليل وختم القرآن. وهم مغرورون ، لأن البخل المهلك قد استولى على ~~بواطنهم ، فهم محتاجون إلى قمعه بإخراج المال ، فاشتغلوا بطلب فضائل وهم ~~مشتغلون عنها. ومثلهم كمثل من دخلت في ثوبه حية وقد أشرف على الهلاك ، ~~فاشتغل بطلب السكنجبين ليسكن به الصفراء ؛ ومن لدغته الحية كيف يحتاج إلى ~~ذلك؟ وقيل لبشر الحافي : إن فلانا كثير الصوم والصلاة ؛ فقال : المسكين ترك ~~حاله ودخل في حال غيره ، إنما حال هذا إطعام الطعام للجائع والإنفاق على ~~المساكين ، فهو أفضل له من تجويع نفسه ومن صلاته مع جمعه الدنيا ومنعه ms577 ~~الفقراء. # (وفرقة أخرى) غلب عليها البخل ، فلا تسمح نفوسهم إلا بأداء الزكاة فقط ، ~~ثم إنهم يخرجونها من المال الخبيث الرديء الذين يرغبون عنه. ويطلبون من ~~الفقراء من يخدمهم ويتردد في حوائجهم ، أو من يحتاجون إليه في المستقبل ~~للاستئجار له في الخدمة ، ومن لهم فيه على الجملة غرض ، ويسلمونها إلى شخص ~~يعينه واحد من الكبار ممن يستظهر بخشيته لينال بذلك عنده منزلة فيقوم ~~بحاجته ، وكل ذلك مفسد للنية ومحبط للعمل ، وصاحبه مغرور ويظن أنه مطيع لله ~~وهو فاجر ، إذ يطلب بعبادة الله غرضا من غيره. فهذا وأمثاله مغرورون ~~بالأموال. PageV01P445 # (وفرقة أخرى) من عوام الخلق وأرباب الأموال والفقراء ، اغتروا بحضور ~~مجالس الذكر واعتقدوا أن ذلك يغنيهم ويكفيهم ، فاتخذوا ذلك عادة ، ويظنون ~~أن لهم أجرا على مجرد سماع الوعظ دون العمل ودون الاتعاظ ؛ فهم مغرورون ، ~~لأن فضل مجالس الذكر إنما يحصل لكونها مرغبة في الخير ، فإن لم تهيج الرغبة ~~فلا خير فيها. والرغبة محمودة لأنها تبعث على العمل ، فإن لم تبعث على ~~العمل فلا خير فيها. وربما يغتر بما يسمعه من الوعظ ، وربما تداخله رقة ~~كرقة النساء فيبكي ، وربما يسمع كلاما مخوفا فلا يزال يصفر بين يديه ويقول ~~: يا سلام سلم ، ونعوذ بالله ، وحسبي الله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، ~~ويظن أنه قد أتى بالخير كله وهو مغرور. وإنما مثله كمثل المريض الذي يحضر ~~مجالس الأطباء ويسمع ما يصفونه من الأدوية ولا يفعلها ولا يشتغل بها ويظن ~~أنه يجد الراحة بذلك ؛ وكذلك الجائع الذي يحضر عند من يصف الأطعمة اللذيذة ~~، فكل وعظ لا يغير منك صفة تغييرا تتغير به أفعالك ، حتى تقبل إلى الله ~~عز وجل وتعرض عن الدنيا وتقبل إقبالا قويا وإن لم تفعل بذلك الوعظ كان زيادة ~~حجة عليك ، فإذا رأيته وسيلة لك كنت مغرورا. ### ||| * الصنف الرابع من المغرورين المتصوفة # وما أغلب الغرور على هؤلاء! وما المتصوفة من أهل هذا الزمان إلا من عصمه ~~الله. اغتروا بالزي والمنطق والهيئة ، فشابهوا الصادقين من الصوفية في زيهم ~~، وهيئتهم ، وألفاظهم ، وآدابهم ، ومراسمهم ، واصطلاحاتهم ms578 ، وأحوالهم ~~الظاهرة في السماع ، والرقص ، والطهارة ، والصلاة ، والجلوس على السجادة مع ~~إطراق الرأس ، وإدخاله في الجيب كالمتفكر مع تنفيس الصعداء ، وفي خفض الصوت ~~في الحديث ، وفي الصياح ، إلى غير ذلك. فلما تعلموا ذلك ظنوا أن ذلك ينجيهم ~~، فلم يتعبوا أنفسهم قط بالمجاهدة ، والرياضة ، والمراقبة للقلب ، وتطهير ~~الباطن والظاهر من الآثام الجلية والخفية ؛ وكل ذلك من منازل التصوف. ثم ~~إنهم يتكالبون على الحرام والشبهات وأموال السلاطين ، ويتنافسون في الرغيف ~~والفلس والحبة ، ويتحاسدون على النقير والقطمير ، ويمزق بعضهم أعراض بعض ~~مهما خالفه في شيء من غرضه. # فهؤلاء غرورهم ظاهر ، فمثلهم كمثل عجوز سمعت أن الشجعان والأبطال ~~والمقاتلين ثبتت أسماؤهم في الديوان ، فتزيت بزيهم ، ووصلت إلى الملك ، ~~فعرضت على ميزان العرض فوجدت عجوز سوء ، فقيل لها : أما تستحي في استهزائك ~~بالملك؟ اطرحوها حول الفيل! فطرحت حول الفيل فركضها حتى قتلها. # (وفرقة أخرى) زادت على هؤلاء في الغرور ، إذ صعب عليها الاقتداء في بذالة ~~الثياب والرضا بالدون في المطعم والمنكح والمسكن ، وأرادت أن تتظاهر ~~بالتصوف ، ولم تجد بدا من التزيي بزيهم ، فتركت الخز والإبريسم وطلبت ~~المرقعات النفيسة والفوط الرفيعة PageV01P446 # والسجادات المصوغات ، وقيمتها أكثر من قيمة الخز والإبريسم. ولا يجتنبون ~~معصية ظاهرة فكيف بالباطنة! وإنما غرضهم رغد العيش وأكل أموال السلاطين ، ~~وهم مع ذلك يظنون بأنفسهم الخير. وضرر هؤلاء على المسلمين أشد من ضرر ~~اللصوص ، لأن هؤلاء يسرقون القلوب بالزي ، فيقتدي بهم غيرهم فيكونون سبب ~~هلاكهم ، فإن اطلع على فضائحهم فيظنون أن أهل التصوف كذلك ، فيصرحون بذم ~~الصوفية على الإطلاق. # (وفرقة أخرى) ادعت علم المكاشفة ، ومشاهدة الحق ، ومجاوزة المقامات ، ~~والوصل والملازمة في عين الشهود ، والوصول إلى القرب ؛ ولا يعرف ذلك ~~والوصول إليه إلا باللفظ والاسم ، فتلقف من الألفاظ الطامة كلمات ، فهو ~~يرددها وهو يظن أن ذلك من أعلى علم الأولين والآخرين. فهو ينظر إلى الفقهاء ~~والمقرئين والمحدثين وأصناف العلماء بعين الازدراء فضلا عن العوام ، حتى إن ~~الفلاح ليترك فلاحته والحائك حياكته ويلازمهم أياما معدودة ، فيتلقف تلك ~~الكلمات الزائفة فتراه يرددها كأنه يتكلم عن الوحي ، ويخبر ms579 عن أسرار ، ~~ويستحقر بذلك جميع العباد والعلماء ، فيقول في العباد : أجراء متعبون ؛ ~~ويقول في العلماء : إنهم بالحديث محجوبون ، ويدعي لنفسه أنه الواصل إلى ~~الحق وأنه من القربين ، وهو عند الله من الفجار المنافقين ، وعند أرباب ~~القلوب من الحمقاء الجاهلين ؛ لم يحكم قط علما ، ولم يهذب خلقا ، ولم يرتب ~~علما ، ولم يراقب قلبا سوى اتباع الهوى وتلقف الهذيان ، ولو اشتغل بما ~~ينفعه كان أحسن له. # (وفرقة أخرى) جاوزت هؤلاء ، فأحسنت الأعمال وطلبت الحلال ، واشتغلت بتفقد ~~القلب ، وصار أحدهم يدعي المقامات من الزهد والتوكل والرضا والحب ، من غير ~~وقوف على حقيقة هذه المقامات وشروطها وعلاماتها وآفاتها. فمنهم من يدعي ~~الوجد ويحب الله ، ويزعم أنه وإله بالله ، ولعله قد يخيل بالله خيالات ~~فاسدة هي بدعة أو كفر ، فيدعي حب الله قبل معرفته ، وذلك لا يتصور قط. ثم ~~إنه لا يخلو قط ما يفارقه ما يكرهه الله ، وإيثار هوى نفسه على أوامر الله ~~، وعن ترك بعض الأمور حياء من الخلق ؛ ولو خلا بنفسه لما تركها حياء من ~~الله ، وليس يدري أن كل ذلك يناقض الحب. وبعضهم يميل إلى القناعة والتوكل ، ~~فيخوض البوادي من غير زاد ليصحح التوكل ، وليس يدري أن ذلك بدعة لم تنقل عن ~~الصاحبة وسلف هذه الأمة ، وقد كانوا أعلم بالتوكل منه ، ما فهموا من التوكل ~~المخاطرة بالروح وترك الزاد ، بل كانوا يأخذون الزاد وهم متوكلون على الله ~~لا على الزاد ، وهذا ربما يترك الزاد وهو متوكل على سبب من الأسباب واثق به. # وما مقام من المقامات المنجية إلا وفيه غرور قد اغتر بها قوم ؛ وقد ذكرنا ~~مداخل الآفات فيها في ربع المنجيات من كتاب الإحياء. # (وفرقة أخرى) ضيقت على أنفسها أمر القوت ، حتى طلبت منه الحلال الخالص ، وأهملت PageV01P447 # تفقد القلب والجوارح من غير هذه الخصلة الواحدة. # ومنهم من استعمل الحلال في مطعمه وملبسه ومكسبه ويتعمق في ذلك ، ولم يدر ~~أن الله لم يرض من العباد إلا بالكمال في الطاعات ، فمن اتبع البعض وأهمل ~~البعض فهو مغرور. # (وفرقة أخرى) ادعت حسن الخلق ms580 والتواضع والسماحة ، فقصدوا لخدمة الصوفية ، ~~فجمعوا قوما وتكلفوا خدمتهم ، واتخذوا ذلك شبكة لحطام الدنيا وجمعا للمال ؛ ~~وإنما غرضهم التكثير والتكبير ، وهم يظهرون الخدمة والتواضع ، ويطلبون أن ~~غرضهم الارتفاق وغرضهم الاستتباع ، ويظهرون أن غرضهم الخدمة ، وهم يجمعون ~~الحرام والشبهات لينفقوا عليهم فتكثر أتباعهم وينتشر بتلك الخدمة ذكرهم. ~~ومنهم من يأخذ من أموال السلاطين وينفق عليهم ، ومنهم من يأخذ من أموال ~~السلاطين والظلمة لينفق ذلك بطريق الحج على الصوفية ، ويزعم أن غرضه البر ~~والإنفاق. والباعث للجميع إنما هو الرياء والسمعة ، وذلك إهمالهم لجميع ~~أوامر الله ورضاهم بأخذ الحرام والإنفاق منه ؛ ومثال الذي ينفق المال ~~الحرام في طريق الحج ، كمن يعمر مسجدا ويطينه بالعذرة وغيرها من النجاسات ~~ويزعم أن قصده العمارة. # (وفرقة أخرى) اشتغلت بالمجاهدة وتهذيب الأخلاق وتطهير النفس من عيوبها ، ~~فصاروا يتعمقون فيها ، فاتخذوا البحث عن عيوب النفس ومعرفة خدعها علما ~~وحرفة لهم ؛ فهم في جميع أحوالهم مشتغلون بالتحفظ من عيوب النفس باستنباط ~~دقيق الكلام في آفاتها ، فيقولون : هذا في النفس عيب ، والغفلة عن كونه ~~عيبا عيب ، ويستعفون فيه بكلمات مسلسلة ، فضيعوا في ذلك أوقاتهم ، لأنهم ~~وقعوا مع أنفسهم ولم يتعلقوا بخالقهم. ومثلهم من اشتغل بأوقات الحج وعوائقه ~~ولم يسلك طريق الحج ، وذلك لا يغنيه عن الحج ؛ فهو مغرور. # (وفرقة أخرى) جاوزت هذه المرتبة وابتدؤوا سلوك الطريق وانفتحت لهم أبواب ~~المعرفة ، فلما شموا من مبادئ المعرفة رائحة ، تعجبوا منها وفرحوا بها ~~وأعجبتهم غرائبها ، فتعلقت قلوبهم بالالتفات إليها والتفكر فيها ، وفي ~~كيفية انفتاح بابها عليهم وانسداده على غيرهم. وذلك غرور ، لأن عجائب طريق ~~الله ليس لها نهاية ، فمن وقف مع كل أعجوبة وتقيد قصرت خطاه وحرم الوصول ~~إلى المقصد ، ومثال ذلك كمن قدم على ملك فرأى على باب ميدانه روضة فيها ~~أزهار وأنوار ، ولم يكن قد رآها قبل ذلك ولا رأى مثلها ، فوقف ينظر إليها ~~حتى فاته الوقت الذي يكون فيه لقاء الملك ، فانصرف خائبا. # (وفرقة أخرى) جاوزت هؤلاء ولم تلتفت إلى ما يفيض عليها من الأنوار في ~~الطريق ، ولا إلى ما تيسر ms581 لهم من العطايا الجزيلة ، ولم يلتفتوا إليها ولا ~~عرجوا عليها ، بل أخذوا جادين في السير ، فلما قاربوا الوصول ظنوا أنهم ~~وصلوا ، فوقفوا ولم يتعدوا ذلك ، فغلطوا ؛ فإن لله سبحانه وتعالى سبعين ~~حجابا من نور وظلمة ، ولا يصل السالك إلى حجاب من تلك الحجب إلا ويظن أنه ~~قد وصل ؛ وإليه الإشارة بقوله تعالى إخبارا عن إبراهيم عليه السلام : ( ~~@QUR@02 فلما جن PageV01P448 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * سر العالمين وكشف ما في الدارين ### ||| * خطبة الكتاب # الحمد لله الأول في ربوبيته ، والقديم في أزليته ، والحكيم في سلطنته ، ~~والكريم في عزته ، لا شبيه له في ذاته وصنعته ، ولا نظير له في مملكته ، ~~صانع كل شيء مصنوع بقدرته ، المتكلم بكلامه الأزلي ليس بخارج من صفته ، ~~أحمده على نعمته ، وأستعين به على دفع نقمته ، هو الله ربي وحده لا شريك له ~~الواحد في ربوبيته ، الذي يختص من يشاء برحمته ، ختم الأنبياء بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم وعلى آله وعترته. ### ||| ** أما بعد : # فلما رأيت أهل الزمان هممهم قاصرة على نيل المقاصد الباطنة والظاهرة ، ~~وسألني جماعة من ملوك الأرض أن أضع لهم كتابا معدوم المثل لنيل مقاصدهم ~~واقتناص الممالك وما يعينهم على ذلك ، استخرت الله فوضعت لهم كتابا ، ~~وسميته بكتاب" سر العالمين وكشف ما في الدارين" وبوبته أبوابا ، ومقالات ~~وأحزابا ، وذكرت فيه مراتب صوابا ، وجعلته دالا على طلب المملكة وحاثا ~~عليها ، وواضعا لتحصيلها أساسا جامعا لمعانيها ، وذكرت كيفية ترتيبها ~~وتدبيرها ، فهو يصلح للعالم الزاهد ، وشريك شرك المالك بتطييب قلوب الجند ~~وجذبهم إليه بالمواعظ. فأول من استحسنه وقرأه علي بالمدرسة النظامية سرا من ~~الناس في النوبة الثانية بعد رجوعي من السفر رجل من أرض المغرب يقال له ~~محمد بن تومرت من أهل سلمية ، وتوسمت منه الملك. وهو كتاب عزيز لا يجوز ~~بذله ، لأن تحته أسرارا تفتقر إلى كشف ، إذ طباع العالم نافرة عنها ، وتحته ~~علوم عزيزة وإشارات كثيرة دالة على غوامض أسرار لا يعرفها إلا فحول ~~الحكماء. فالله يوفقك للعمل به فإنه دال على كل ما تريد إن شاء الله تعالى. ms582 ### ||| * ترجمة الأبواب وهي ثلاثون مقالة ### ||| * فصل # اعلم أن الملك عظيم وعقيم ، عليه وقع الاشتباك والمناقشة بين الصالح ~~والطالح ، والخاسر والرابح ، فمنه يتشعب الحسد وكل عرض وغرض مزعزع. فلا بد ~~من أصل ومرتبة ، PageV01P449 # وتحصيل وصبر ، وجمع أموال لبلوغ الآمال. وأم الغرر في تحصيله هو علو ~~الهمة ، كما قال معاوية رضي الله تعالى عنه : هموا بمعالي الأمور لتنالوها! ~~فإني لم أكن للخلافة أهلا فهممت بها فنلتها. وقد سرت بك قصص الأولين ، ~~فانظر في أخبارهم وآثارهم! فما بلغ أحد درجة الملك بأب وأم غير قليل ، وكم ~~نزع الملك من يد وارث مستحق مثل بيت نبينا محمد صلى الله عليه وسلم . # وسنتلو عليك نبذا من قصة ذي القرنين : وهو صعب بن جبل ، وأبوه نساج واسم ~~أمه هيلانة : كان يتيما في بني حمير ، سمعت أمه ببيت الصنائع في مدينة ~~قسطنطين فحملت ابنها إلى ذلك البيت ، فشاهد صورة الملك فوق الصنائع فقالت ~~أمه : يا بني اختر منها ما تريد! فوضع يده على تاج الملك فانتهرته مرارا ~~فلم ينته ، فنظر إليها يونان فقال لها : أنت هيلانة وهذا ابنك صعب بن جبل؟ ~~فقالت : نعم ، فقال : آخذ عهد ذي القرنين وزمامه على أني وذريتي في أمانك ، ~~فأنت الملك الذي تسحب ذيلك بطريق التملك شرقا وغربا. فحملته أمه الى أرض ~~بابل كاتمة أمره ، فكان من بدو أمره وشواهد سعادته ثلاث منامات رآهن في ~~ثلاث ليال : فأولهن أنه رأى كأن الأرض صارت خبزا فأكلها ، وفي الثانية رأى ~~كأنه قد شرب البحار وأكل طينها ، وفي الثالثة رأى كأنه رقي في السماء فقد ~~نجومها ورماهن إلى الأرض ، وركب الشمس وسحب ناصية القمر ، فلما اجتمع ~~بالخضر عليه السلام فسره عليه فبشره بنيل الملك الأعظم ، وستصحب نبيا وحكيما ~~وكم من مثله إن اعتبرت ، فاركب بسر علو الهمة وحصل الانتهاء ليتم لك ~~كيمياؤها ، وصير عندك نديما كاتما مطلعا على كتبها أعني بها كتب سر ~~العالمين ثم حصل أرباب صناعة التقليب الذين هم علماء تقلب الكيمان قادرين ~~على صبغ الأحمر والأبيض ، فإن كنت قليل الحجال ضعيف العضد ms583 وقليل المال فكن ~~كثير الفضل والعلم ، واتخذ لنفسك زاوية على طريق التزهد ، واجذب إليك ~~تلاميذ وكثر عددهم ، واتخذ طريق الكرامات لينصبوا إليك ، واستهو الكبار ، ~~واسلك طريق الصلاح وزنها لنفسك ، واختل فإذا هب نسيم سعادتك فاكشف لتلاميذك ~~ما الناس عليه من الفسق والفجور وارتكاب ما لا يجوز من كل أمر منكر ، وأمر ~~أصحابك تستهوي وتجذب كل طائفة منهم لطائفة قوم آخرين ، فإذا استقوت شرذمتك ~~فخذ الخواص من الناس باللين والموعظة ، والمعاندين بالجدل ، وأولي الغلظة ~~بالغلظة ، ألم تر إلى بدو الإسلام ( @QUR@04 قل يا أيها الكافرون ) ~~[الكافرون : 1] فلما وصل إلى قمة السعادة قر سيفه ( @QUR@06 فإذا لقيتم ~~الذين كفروا فضرب الرقاب ) [محمد : 4] وعند الضعف والمسالمة أخذ الجزية ~~والصلح ( @QUR@05 وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ) [الأنفال : 61] وعند ربح ~~السعادة ، وارتفاع أطناب خيم الإرادة ( @QUR@011 ما كان لنبي أن يكون له ~~أسرى حتى يثخن في الأرض ) [الأنفال : 67] فكن أيها الطالب للملك على هذه ~~الوتائر ، وخاطب الناس على قدر عقولهم ، وأظهر العدل ، واحترم أولي الفضل ، ~~وأشبع الجند ، واجبر الكسير ، وأنصف ولو من نفسك ، وأشبع حجابك وحكامك ~~وعمالك فإن لم تفعل سرت الرشوة إلى بطلان الحق وتعطيله ، وفشا ظلمك في PageV01P450 # الرعية ، ومالت القلوب عنك ، وربما ذهبت باطنا وظاهرا. واعلم أن المظلوم ~~له همة تكون وافية في عكس أغراضك ، مثل همم أرباب الاستقامة ، فإنها مؤثرة ~~في الفلك لاستجلاب ماء الغمام. وسأتلو عليك قصة السلطان ابن سملتكين وقد ~~نفذ رسولا إلى ملك الهند وقال : ما سبب طول أعماركم مع جحودكم للصانع ~~وتكذيبكم للرسل والوسائط ، ونحن قصار الأعمار مع تصديقنا وإيماننا؟ فقال ~~ملك الهند لرسوله : انظر إلى هذه الشجرة التي فوقها ثمرة ، لا أعطيك الجواب ~~حتى تنقطع. ثم أمر بالإدرار عليه وحسن الإقامة ، فضاق صدره وتعلقت همته ~~بقلعها ، فلم يك إلا مدة قريبة إذ سمع هزة وقعت والناس يهرعون ، ومشى معهم ~~، فإذا الشجرة واقعة والملك مفكر ، فلما بصر الملك بالرسول قال له : اذهب ~~فهذا جوابك ، وقل للسلطان هذه همة واحدة أثرت في قلع شجرة مثمرة ، فكيف همم ~~جماعة من المظلومين لا تؤثر في ms584 قلع الظالمين! إذ دعاء المظلوم محمول فوق ~~الغمام ، وقد ورد في بعض الكتب السالفة : أنا الظالم إن لم أنتقم من ~~الظالم. واعلم أن العدل وبسط باع السلطنة بالهيبة مثل القتل والصلب والقطع ~~يثمر الأمن وتمهيد الأرض وطمأنينة قلوب الرعية ، إذ السلطان ظل ربه في ~~الأرض وملجؤها ، يأوي إليه كل مظلوم. ولا تستهب وضع الشيء في مكانه إذ" ~~القتل أنفى للقتل" ( @QUR@04 ولكم في القصاص حياة ) [البقرة : 179] وكان ~~عمرو بن العاص صحابيا بدريا نبه معاوية رضي الله عنه وجسره على فظائع ~~الأفعال بقصائده اللامية والنونية التي قال فيها : # معاوي في الخلق لا نفد له %~% معاوي إني لم أبايعك فلته فينا ولو مرة في الدهر واحده %~% وكم للشيخ عندي من خزايا # تدل لها المغازي والمخازي # وطريق آخر في استدعاء المملكة وترتيبها وهو بذل الأموال ، وطريق آخر وهو ~~بالسيف معقود ، لكنه مفتقر إلى ترك الشح مع الجند وإجلاء دعوة المظلوم ، ~~ولا يتعرض إلى الشقوص الموقوفة. # ولتجعل للرعية والسواد في كل يوم مدة لمطالعة أحوالهم ، فقد يتشعب الظلم ~~مع الغفلة لا سيما مع الحجاب والعمال ، ولتنظر في مخازي الكتاب فما كذبت ~~بنت كسرى إذ سمته ديوانا ، ولتنظر في وقت العشي ما كتبه الكتاب بالنهار ، ~~لا يتم عليه حيل أرباب الدساتير ، فكم من مظلوم عن حقه صد لغفلة الملك عنه. ~~فإذا أردت أن لا تنحجب عنك حال فامنع الكلام ، وأمر بأخذ القصاص ، ووقع ~~فيها بما تراه والله تعالى أعلم. ### ||| * باب [وهو المقالة الثانية] الترتيب في قعود الملك وسياسته ونومه وليلته # إذا صليت صبحك تقعد في ذكر الله تعالى إلى طلوع الشمس ، ثم تأمر أهل دارك ~~ومن حولك بما تريده من حوائجك من مأكل ومشرب ، ثم تركب لتسمع أو يلقاك ~~محجوب أو تلبي مظلوما أو تطلع على الحوادث ، ثم تعود وأنت محفوف بالقعقعة ~~والسلاح والتحرز من طمع الأعداء ، ثم تقعد في دار PageV01P451 # عيد لك لكشف المظالم وسماع الرسل : تترك الناس صفين يمينا وشمالا والوسط ~~مفتوح لئلا يحجب عنك منظور وصاحب حاجة وتسأل عمن تنكره ، ولا تستخدم من ms585 لا ~~تعرفه إلا بخبرة أو ضمان أو تسليم إلى عقيدة. وليكن لك جماعة من أرباب ~~العلم والعقل والتجارب في الرأي والمشورة ، ووزراء خير لا فسقة ، فمن ليس ~~بأمين لنفسه فكيف على سواه؟ ثم تنهض من مجلسك في الظهر ، وليكن للملك عين ~~في الديوان لما يجري فإذا دخل منزله بسط الطعام ومد الخوان للجند والإخوان. ~~وليكن كثير التعهد والتفقد وجبر القلوب المنكسرة. وليكن على الطبيخ أمين ما ~~أساء إليه ، فإن القلع ثمر الإساءة ، ثم يأخذ طعم الطبيخ طابخه ، ثم حامله ~~، ثم واضعه عند الملك ، يغمس اللقمة في جميعه ، فقد مات شهريار بن ذار بنصف ~~تفاحة قطعت ، وقد مات شاسان بنصف قدح شراب سلم شريكه مع عطبه ، وقد سم ~~النبي صلى الله عليه وسلم بذراع مشوي للسر في محبته له لقرب المشرع من المسعى ~~، وقد سم أبو لؤلؤة السكينة التي قتل بها ابن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، ~~وسم عبد الرحمن بن ملجم سيفا ضرب به قمة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم ~~الله وجهه ، وسمت حصار بنت خوجة بنت كعب الغساني زوجها الحسن بن علي رضي ~~الله عنهما ، وكان الأصل أنه شاء يوما حب عنب غير مغسول. # وكم مثل ذا في الدهر ما ليس يحصر # وتحترز من السموم في طعامك وشرابك ولباسك ومنامك حتى منديل فراشك ، وليكن ~~خارج العالم مجردا مسودا مداخلا في معرفة غوامض أحوالهم بالترسل والتجسس ~~وكشف علوم من البلاد بجواسيس شارحة متنكرة مختلفة مثل فقير وصوفي وتاجر ~~وطبيب وكتبة ، وقد كان المأمون له أصحاب خير يستجلبون له أخبارا من ~~الطريقة. هكذا سنن الملوك. ### ||| * فصل وهو المقالة الثالثة # ويستحب للملك سهر أول الليل إلى نصفه لقضاء المهمات والقصص المستورات ، ~~ونوم النهار عون على سهر الليل يذهب تعب السهر ، والحمام من غير إطالة ~~محبوب ، والتعهد بالأشربة الموافقة للأمزجة. وليحترز من تزوير العلائم ~~ويمتحن ويستدرك ، فالخطوط تشتبه ، فأول داهية عثمان بن عفان رضي الله عنه ~~كانت من توقيع محمد بن أبي بكر رضي الله عنهما وهي مذكورة في سير الناس ms586 ~~يتداول بها القصاص. ولا يفضل السراري والنساء ، فقد يحصل من مراجيح الغيرة ~~ما لا طاقة به ، فكم محمول على الغيرة ثمرتها أعظم من ثمرة الحسد. ويجب على ~~الملك أن يكون وحيدا لا أحد له من حيث السياسة ، ولا يركن إلى الأمن من خوف ~~الذم ، فبرهان الشعر ظاهر من قوله : # فلم تزل قلة الإنصاف قاطعة %~% بين الأنام ولو كانوا ذوي رحم # ويجب عليه التعهد لأصحاب أبيه ولو كان فقيرا ، ومراعاة أصحابه الذين ~~كانوا معه قبل سلاسل التمليك ، فمن لطافة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~كانت تتردد إليه امرأة يهودية فنهض لها قائما فقالت له في ذلك عائشة رضي ~~الله عنها : أتقوم لامرأة يهودية قائما؟ قال : " هذه كانت تتردد PageV01P452 # إلينا في زمن خديجة رضي الله عنها وحسن العهد من الإيمان" وبزيادة الشعر قادح. # لا تلق في بئر شربت زلالها %~% قذرا فمنه يقال إنك غادر ### ||| * باب [وهو المقالة الرابعة] في ترتيب الخلافة والمملكة # اختلف العلماء في ترتيب الخلافة وتحصيلها لمن أمرها إليه ، فمنهم من زعم ~~أنها بالنص ، ودليلهم قوله تعالى : ( @QUR@010 قل للمخلفين من الأعراب ~~ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد ) الى قوله : ( @QUR@01 أليما ) [الفتح : 16] ~~وقد دعاهم أبو بكر رضي الله عنه إلى الطاعة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأجابوه. وقال بعضالمفسرين في قوله تعالى : ( @QUR@07 وإذ أسر النبي إلى ~~بعض أزواجه حديثا ) [التحريم : 3] قال في الحديث : " إن أباك هو الخليفة من ~~بعدي" وقالت امرأة : إذا فقدناك فإلى من نرجع؟ فأشار إلى أبي بكر رضي الله ~~عنه ولأنه أم بالمسلمين على بقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والإمامة ~~عماد الدين. هذا جملة ما يتعلق به القائلون بالنصوص ، ثم تأولوا لو كان علي ~~أول الخلفاء لا نسحب عليه ذيل الفتى ولم يأتوا بفتوح ولا مناقب. ولا يقدح ~~في كونه رابعا كما لا يقدح في نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ كان آخرا. ~~والذين عدلوا عن هذه الطريق زعموا أن هذا تعلق فاسد جاء على زعمكم وأهويتكم ~~، فقد وقع الميزان ms587 في الخلافة والأحكام مثل داود وسليمان وزكريا ويحيى ، ~~قالوا لأزواجه : لمن الخلافة؟ فبهذا تعلقوا وهذا باطل ، ولو كان ميراثا ~~لكان العباس ، لكن أسفرت الحجة وجهها وأجمع الجماهير على متن الحديث من ~~خطبته في يوم عيد غدير خم باتفاق الجميع وهو يقول : " من كنت مولاه فعلي ~~مولاه" فقال عمر : بخ بخ يا أبا الحسن لقد أصبحت مولاي ومولى كل مولى ، ~~فهذا تسليم ورضى وتحكيم. ثم بعد هذا غلب الهوى لحب الرئاسة ، وحمل عمود ~~الخلافة وعقود النبوة وخفقان الهوى في قعقعة الرايات واشتباك ازدحام الخيول ~~وفتح الأمصار ، وسقاهم كأس الهوى فعادوا إلى الخلاف الأول ، فنبذوه وراء ~~ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا. ولما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قبل ~~وفاته : " ائتوا بدواة وبيضاء لأزيل لكم إشكال الأمر وأذكر لكم من المستحق ~~لها بعدي" قال عمر رضي الله عنه : دعوا الرجل فإنه ليهجر ، وقيل يهدر. فإذا ~~بطل تعلقكم بتأويل النصوص فعدتم إلى الإجماع : وهذا منصوص أيضا ، فإن ~~العباس وأولاده ، وعليا وزوجته وأولاده لم يحضروا حلقة البيعة ، وخالفكم ~~أصحاب السقيفة في متابعة الخزرجي. ودخل محمد بن أبي بكر على أبيه في مرض ~~موته فقال : يا بني ائت بعمك لأوصي له بالخلافة! فقال : يا أبت أكتب على حق ~~أو باطل؟ فقال : على حق ، فقال : وص بها لأولادك إن كان حقا ، أو لا فقد ~~مكنتها بك لسواك ، ثم خرج إلى علي. فجرى قوله على منبر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : قوموني لست خيركم. أفقال هزلا أو جدا أو امتحانا؟ فإن ~~كان هزلا فالخلفاء منزهون عن الهزل ، وإن قاله جدا فهذا نقض للخلافة ، وإن ~~قاله امتحانا ... ( @QUR@06 ونزعنا ما في صدورهم من غل ) [الأعراف : 43] ~~فإذا ثبت هذا فقد صارت إجماعا منهم وشورى بينهم. هذا الكلام في PageV01P453 # الصدر الأول ، أما في زمن علي رضي الله عنه ومن نازعه فقد قطع المشرع ~~صلى الله عليه وسلم طول كم الخلافة بقوله عليه الصلاة والسلام : " إذا بويع ~~للخليفتين فاقتلوا الأخرى منهما" والعجب كل العجب من حق واحد كيف ينقسم ms588 ~~ضربين ، والخلافة ليست بجسم ينقسم ، ولا بعرض يتفرق ، ولا بجوهر يحد ، فكيف ~~يوهب ويباع. وفي حديث أبي حازم : أول حكومة تجري في المعاد بين علي ومعاوية ~~فيحكم الله لعلي بالحق والباقون تحت المشيئة. وقول المشرع صلى الله عليه وسلم ~~لعمار بن ياسر : " تقتلك الفئة الباغية" فلا ينبغي للإمام أن يكون باغيا. ~~والإمامة لا تليق لشخصين كما لا تليق الربوبية لاثنين. إنما الذين بعدهم ~~طائفة تزعم أن يزيد لم يكن راضيا بقتل الحسين ، فسأضرب لك مثلا في ملكين ~~اقتتلا فملك أحدهما أفتراه يقتله العسكر على غير اختيار صاحبها إلا غلطا؟ ~~ومثل الحسين لا يحتمل حاله الغليظة لما جرى من القتال والعطش وحمل الرأس ~~إجماعا من جماهير المشيرين. وقالت الأمة المغنية حيث مدحت عليا في غنائها ، ~~أفتراه قتلها بغضا لعلي أم لها؟ وقول يزيد بن معاوية لعلي بن الحسين زين ~~العابدين : أنت ابن الذي قتله الله ، قال : أنا ابن الذي قتله الناس ، ثم ~~تلا قوله تعالى : ( @QUR@04 ومن يقتل مؤمنا متعمدا ) [النساء : 93] أفتراك ~~يا يزيد تجعل لربك جزاء جهنم وتخلد فيها وتغضبه عليه وتلعنه وتعد له عذابا ~~أليما؟ فإن قلت إن هذه البراهين معطلة لا يحكم بصحتها حاكم الشرع ، فنقول ~~في حججكم مثل ما تقولون. ثم إجماع الجماهير بشتم علي ألف شهر على المنابر ~~أمركم الكتاب أم السنة أم الرسول؟ ثم الذين من بعدهم ممن غيرهم أخذوها نصا ~~أم سنة أم إجماعا؟ لكن قد أخذوها بسيف أبي مسلم الخراساني ، فانظروا إلى ~~قطع أعمالكم بسيف المشرع حيث قال لكم : " الخلافة بعدي ثلاثون ثم يتولى ~~ملكا جبروت" بقوله للعباس رضي الله عنه : " يا أبا الأربعين ملكا" ولم يقل ~~خليفة. والملوك كثير واحد في زمانه فيا أيها الطالب للملك حصل الإله وحمل ~~الإله وابذل واصبر واحذر واقرب وطول واحتمل وصالح حتى تقدر والله تعالى أعلم. ### ||| * فصل وهي المقالة الخامسة # إذا أردت ترتيب ملك في الملك فاشتهر رجال الدول بعد تحصيلك المال ، ثم ~~تابع وشايع ، وأدلك بعضا على بعض للجذب فهو كما قال المتقدمون : # إذا هبت رياحك ms589 فاغتنمها %~% فعقبى كل خافقة سكون # واجعل قواعد المملكة على الكبار على هيئة ترتيب الجسور والقناطر لتجوز ~~عليها ، أن تناول أغراضك ، فإن وجدت مشاركا فداوه بأنواع المعالجة وآخر ~~الدواء الكي ، ثم انظر إلى دستور عدد الجند وعدد القرباء ومعرفة الداخل ~~والخارج والزيادة ، واستعرض الجيش في سنتك ثلاث مرات ، واجعل طلائعك ~~أربعمائة نفر من أمنائك. وإذا أردت الغزو فأشع الخبر ، فإذا وجدت أو طفقت ~~إلى مضاق ترتب جيشك صفوفا وراء صفوف ، وحمل مع أصحابك ليبذلوا السيف في ~~الصف المنهزم من أصحابك ، وكن مشرفا عليهم من نشز ولو نصبت أعلامك زورا من ~~غير حمل ، وادخر لنفسك PageV01P454 # أجود الخيل والرجال ، واعلم أن من خامرك في الأول هو يخامرك في الآخر ~~ويؤفك معك ، وبددها وإن شئت في العسكر ، وأبرك كمينا من أجود رجالك ، فإذا ~~وجدت الفيء في القتال فاستجر الأعداء إلى قريب الكمين ، وليكن بينكم علامة ~~، فإذا عزمت إلى قتال قومك فعجل ولا تطل في مكث مكان خوف الفشل والمفاسخة ~~كما عمل ذو القرنين في عسكر دارا فأفشلهم وبذلهم وفسخهم وبرطلهم. فتقدم ~~واعلم وكن بذالا لا متأخرا ، وانظر في دساتير الرحيل فكثر إن شئت وقلل ، ~~وليكن لك عين على معرفة القائلين والغم على من قاتل ، واعزل عن الجبان على ~~الهوينا ، ثم احتسب على خزائنك وخزانك بمعرفة ما فيها وما ينقص ويزداد. وإن ~~لم يكن لك بد من التزويج فاستبد إلى أموال ورجال ودين وجمال ، وإن كان ~~الشرع قد أمر بذات الدين. واعلم أن الملك بغير جواسيس وأخذ أخباره كالجسد ~~الذي لا روح فيه. وحصل آلات الحصون مما يحتاج إليه في الضيق فإنك لا تدري ~~لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا. ولا تتم لهيئة الرعية واختلاف الجند. وامنع ~~الفقهاء عن الكلام في الفتن ، وأمر نوابك أن ينظروا ما عند الخلق من ~~الأطعمة في المحل ، ولا تمنع الناس من تحصيل الأطعمة فإنه لك وللناس عند ~~الحاجة. وانظر فيمن امتنع عن الزراعة إن كان لفقر فقوة وإن كان لظلم فانصره ~~، كما قال ملك الهند : أنا أفرح لكثرة دجاج ms590 البلد ، فإنه فرع الأمارة. ~~واغتم لكثرة الخاطبين خوفا من ظلم المقاطع ، وقد كان ذو القرنين يحوي ~~دساتيره على أعداء الغرباء وتسلم عليه المرأة بقدر من اللبن فإذا رآه سمنا ~~ضحك لجودة الربيع ، وكان يقول أنا أمسك الفلاح إذا أخذ مثله وأميل المقطع ~~فأخذ معناه إنما المقطع بالخير فإن لم يجده انتقل ، والملك بفلاحه إذ هو ~~خزانه وبه يسطو ويجيد وينعم ويطلق وينظر في الخزائن والأمراء. وإذا قدر على ~~تبديل الطعام بغيره فليفعل ، فقد كان المأمون يستعرض السلاح والآلات مثل ~~الخيم والمجانيق حتى قال لأمير دوابه : رتب مخاليك كما ترتب معاليك. ### ||| * فصل وهو المقالة السادسة ### ||| * في ترتيب الولاة # لا ترتب في الحصون إلا وليا شفيقا رفيقا بالخلق ، ولا تكلفه ثقلا فتستقضه ~~من بلدك ، وأشبعه وجند الحصن ، وانظر في مراكز خيره ومائة وحرسه وسوره ، ~~وتذلل حراسك في البروج ، وطف بنفسك أيها الوالي على أعلى سورك ، ولا تخالط ~~جندك بالليل خوف المخامرة ، واسأل عن أعدائك ولا تحقر القليل فإن الذبابة ~~تقتل جملا ، وكم من عقرب أمات الأفعى لسعها كما قيل : # ولا تحقرن أبدا صغيرا فربما %~% تموت الأفاعي من سموم العقارب # واحذر من مكر ذي الإحن فقد قيل : # وإن الجرح ينغض بعد حين %~% إذا كان البناء على فساد # ولا يكون الوالي شريب خمر ، وهكذا الأمير ، فلو حضر في مجالسهم فليحاكم ~~بالجلاب ، ففي PageV01P455 # الخمر بلايا وآفات وزلازل عقل وحدوث بلايا وإظهار حقود ، إذ صاحب الملك ~~مرموق بالحسد ، قال النجاشي لجعفر بن أبي طالب رضي الله عنه : كيف سيرة ~~نبيكم في الأكل مع أصحابه؟ فقال : يأكل على الأرض ، فقال : ذلك تواضع لجذب ~~قلوب أصحابه ، فقال النجاشي : لو كان ملكا لأكل وحده على خوانه في مجمع ~~معروف له ، وزبادي مخصوصة. ثم الورق إن كان مقطعا فمعروف ، وإن كان ذهبا ~~فشهر بشهر. ولا بأس بالسلام عليه وهو موصول بهم والمعاهدة لرسل الملك ~~وإقامة ناموسه عند الغرباء والمنشدين والقصاد. وكان سليمان يقسم أسبوعه ~~بعضه للجند وبعضه للقضايا وبعضه للعبادة وتذكار الحكم والنساء ، كما يقول : ~~يا أرباب المملكة عليكم بأهل ms591 العلم والصلاح ، فإنهم يرشدونكم إذا ضللتم ، ~~ويعرفونكم إذا جهلتم ، ويستعطفونكم إذا غضبتم ، وينفقونكم إذا حرمتم. وقال ~~أمير المؤمنين علي بن أبي طالب : # فلا تصحب أخا الجهل %~% وإياك وإياه فكم من جاهل أردى %~% حليما حين آخاه يقاس المرء بالمرء %~% إذا ما المرء ماشاه وللشيء على الشيء %~% مقاييس وأشباه وللقلب على القلب %~% دليل حين يلقاه # وليقل الملك المنادمة والمسامرة والقليل من الهزليات والمضحكات ، وليكن ~~وزيره قابلا قائلا بالعلم والصلاح ، منزلا للناس في طبقاتهم ، فلا تنظروا ~~في حسن البزة مع عموم الجهل ، فقد نقل إلينا أن بهلولا دخل إلى مجلس هارون ~~فجلس في أدنى المجلس فقال له هارون : ارفع رأسك إلى صدر المجلس! فقال ~~البهلول : مجلسي يفنى فأين صدره؟ ثم أنشد : # كن رجلا وارض بصف النعال %~% لا يطلب الصدر بغير الكمال فإن تصدرت بلا آلة %~% جعلت ذاك الصدر صف النعال # ومن جملة قبول الملك أن يختار لنفسه طعاما يخصه ، وقد كان المأمون يحب ~~المأمونية ، ومهلب العراق يحب المهلبية ، وكان بنو أمية يكثرون من أكل ~~الهرايس والزلابيا ، ولم يغسلوا اللحم ، بل يكشفون الجلد فيأخذون من تحت ~~الجلد ما يختارون فيتداوون الأيدي بزفر اللحم. وقد روى أبو طالب المكي أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال : " شكوت إلى أخي جبريل حين ضعف الوقاع فأمرني ~~بأكل الهرايس فوجدت لظهري بها خيرا". وقد كان ذو القرنين يحب الزرباح ~~لتسكينها للخلط الصفراوي ، ووجد بخارا حارا تولد عن صفراء ، فانزعج له ~~جبينه فمزج بالبطيخ ماء وعسلا وخلا فشربه فقال : سكن جبيني ، فسمي بذلك ~~الاسم ، وكان يخلط خشن الدقيق وناعمه فيتخذ له منه خبزا ، فقال الحكيم من جوشك : # أراد الخبز الجريش للمعدة الضعيفة أو الحلقة البلغمية أجود وأعود ، ~~والخبز السميد يورث الخفق وهذا مشاهد عيانا من عمل الفقاع. PageV01P456 ### ||| * فصل وهو المقالة السابعة ### ||| * في ترتيب حاشية الدولة # يستحب للفراش أن يكون رشيقا ، خفيف النفس ، ظاهر القوة ، طيب الريح ، ~~عارفا بترتيبه الخبز والخضروات ، كامل العدة ؛ وهكذا تقول في الطباخ ~~والشاربي ، ويكون دار شربة كامل المشارب من الماء البارد والأشربة والفقاع ~~السك السكنجبيني ms592 ، وشربه نافع بإذن الله تعالى على الريق ، وهو محمص للطعام ~~مفتح للجوف. واعلم أن آداب أهل التصوف في المآكل والمشارب هي آداب الملوك ؛ ~~وترك إبراهيم بن أدهم كبر الملك. ومسك آداب الطعام والائتدام بالحوامض ~~أولى. والركابية والسعاة خفاف السرعة شباب ، وهكذا جميع المقاتلين والشيوخ ~~المعنية بالرأي. ويحط العسكر في نشز من الصدر أولى للتحصين واغتنام ~~الأهوية. والخمول في الشتاء أجمل ، والتهيئة لما يختاره في الصيف ، ورحل ~~السلطان لقلاقل السفر عند نزول الشمس في السرطان ، وسكونه عند نزولها آخر ~~القوس ، إذ فصول السنة أربعة : فمن نصف حزيران إلى نصف أيلول صيف ، ثم إلى ~~نصف كانون الأول خريف ، ثم إلى نصف آذار شتاء ، ثم إلى نصف حزيران ربيع ، ~~وهكذا أقسام منازل الشمس ، والخبر النبوي يؤيده : " إذا انتصفت الشهور ~~تغيرت الدهور". فإن ركب بعد صلاة العصر وإلا قعد لكشف المظالم أو لكتب ~~القصص وهو يسمعهم في عزلة ، كان السابقون من الملوك إذا قعدوا للسلام ~~يقعدون وراء شباك ويدخل من شاء إليهم خوف الاغتيال في المزاحمة ، ويفتش على ~~غوامض ما يجري حتى يكون له صاحب خبر في البلد يرفع الغث والسمين. ويستحب أن ~~يطالع كتب الطب والتواريخ وشاهنامة العجم وقصص التابعين للعجم والديلم مثل ~~ما جرى للشهرباز درستم زاد وكان النبي يومئذ سليمان عليه السلام فأوقع ~~الوقائع بينهم حتى هلك بعضهم ببعض. وليكن مع الملك جنود لحذر ما يجري ، ~~وحفظه في الحمام فكثير هلكوا فيه ، وحمام داره أجمل. وعليكم بكتم مرضه ~~وموته حتى يستقر الملك فيمن شاء الله من عباده بعد البيعة والمتابعة وتقرير ~~القواعد. وكن أيها الملك مسارعا في الثناء والثواب فإنه الذكر المخلد ، ~~وأكثر ما تنظر في كتب ابن أبي الدنيا ، وتواريخ الطبري ، ومذهب الشافعي ، ~~أو ما تختار من المذاهب. ولا تظهر البدعة ولو كانت فيك ، كالأكاسرة وسوبويه ~~هلكوا بمتابعة الأهواء. وللنعم أجنحة الأجر فقوها بالشكر. واجعل بينك وبين ~~الله طريقا إلى الصلاح ، فقد حكي أن ملكا قمع ملك الموت عنانه فقبضه على ما ~~يريد ، وأن ملكا صالحا أتاه ملك الموت فأسر ms593 إليه في أذنه فقال : مرحبا بك ~~فأنت أطيب القادمين وخير النازلين وأحب المنتظرين فافعل ما أمرت به! فقال ~~ملك الموت : لا أقبضك إلا على ما تختار ، فتوضأ وسجد فقبضه في سجوده والله ~~تعالى أعلم. # ومن لطائف الحكايات الملكية أن محمود بن بويه لما ملك أرض العراق أعطى ~~ألف دينار PageV01P457 # لفراش له ، وقال : اذهب إلى مدينة أصفهان إلى شارع السلطان ففي صدر الدرب ~~بيت فيه شيخ وعجوز ، ادخل إليهما فسلم عليهما وقل لهما ابنكما يقول لكما ~~كيف أنتما من وحشة فراقه! فلما وصل إليهما فأخبرهما قال : خذ ما جئت به لك ~~، قال الغلام : أنتما فقيران وبكما حاجة إليه ، فقال الشيخ : غنى النفس باق ~~، ثم تنفس وتمثل بهذه الأبيات : # علي ثياب لو يقاس جميعها %~% بفلس لكان الفلس منهن أكثرا وفيهن نفس لو تقاس ببعضها %~% نفوس الورى كانت أجل وأكبرا وما ضر نصل السيف إخلاق عهده %~% إذا كان عضبا حيث وجهته فرى # ويستحب أن يكون مغني الملك مغنيا ندي الصوت شجيا ، لا خارجا ولحانا ، ~~عالما بالأصوات ثقيلها وخفيفها وهزجها ورملها وصوفيها ، وأصواتها الثقال ~~مثل قول أبي الشيص : # أجد الملامة في هواك لذيذة %~% حبا لذكرك فليلمني اللوم # ومثل قول أبي نواس في الوزن : # شرك النفوس وعصمة ما مثلها %~% للمطمئن وعقلة المستوفز إن طال لم يهلك وإن هي أوجزت %~% ود المحدث أنها لم توجز # وفي المستهل والعمل شعر عاشق بني عامر مجنون ليلى : # خليلي قوما في عطالة فانظرا %~% أنار ....................... فإن تك نارا فهي في جنب ملتقى %~% من الريح يذروها ويصفقها صفقا لأم عدي أوقدتها طماعة %~% لأوبة سفر أن يكون لها وفقا وحط بها رحلي قليلا فإنها %~% لأول أطلال عرفت به العشقا # وليكن المغني عالما بطريق الأغاني ، مطلعا على كتاب الموسيقى الموضوع ~~للرئيس أبي علي بن سينا ، وقد شرحناه في : " كتاب السبيل لأبناء السبيل" ~~وسأذكر لك نكتة منه فأقول كما قيل : إن لدوران الفلك أصواتا لو سمعها عاقل ~~أو لبيب لما ثبت ، ومنها أخذ موسى ترجيع النغمات من المربع والمسدس والمثمن ~~، والنصارى عملوا ببعضه ، فالألحان للروم ms594 ، والتجنيس للعراق ، والزقالق ~~للعجم ، والطبول للزنج أو الحبشة ، والبوق لليهود ، وهو سبعون دستا مثل ~~دستان الرحيل يقول في وزنه : اركب فأنت المظفر. اركب فالله أكبر. ودستان ~~الحرب والنزول وغيره. وقال سقراط : اشتباك نغمات الأصوات من هياكل العبادات ~~تحل وتعقد في الأفلاك الدائرة ، مثل همة إصابة العين والسحر والاستسقاء ~~وسنذكرها في مواضعها. وكن مع الملك كما قال بعض الحكماء : # إذا خدمت الملك فالبس %~% من التوقي أشد ملبس وادخل إذا ما دخلت أعمى %~% واخرج إذا ما خرجت أخرس PageV01P458 ### ||| * فصل وهو المقالة الثامنة # يعقد الوزير في دسته وحاجبه على رأسه ، ولا يلاصقه أحد في المنعة ، ~~وكتابه لديه والمجلس ملآن هيبة ووقارا. والحوائج إلى الحاجب ، والرفع إلى ~~الكتاب ، والاطلاع إلى الوزير ، ورفع الأمر إلى الملك ، فأول ما يبدأ ~~بمصالح الحاشية بعد الملك والوزير حتى إلى التقليد ، وقيل لا يحضر الملك ~~الجمعة إلا في مكان معزول في مقصورة له خاصة ، وأصحابه في دائرة المقصورة ~~من خارج ، والباب مغلق ، وعنده من يكون إليه ، ويخرج هو وأصحابه في آخر ~~الناس في باب له. وليكن له يومان في الأسبوع للختم والزيارة ، ثم يقرأ له ~~بعد الصبح فلا يعجلون حتى يفرغ الآخر ، ثم يقرأ التوبة فإذا فرغوا وعظ ~~وأنشد المنشد ، ثم يقرؤون : قل هو الله أحد ، والمعوذتين ، والفاتحة ، والم ~~إلى المفلحون. ثم يختم الإمام بتصديقه حقيقة ويدعو للملك والمسلمين. وليكن ~~للملك في الأسبوع خلوة عبادة وتذكار ، والنظر في الحساب والأموال ، والنظر ~~في دساتير البلاد. والله أعلم. ### ||| * فصل وهو المقالة التاسعة ### ||| * في ترتيب الخباز والطباخ والقصاب # لا يكن القصاب عدوا في الدين فإنه لا يتحرى من النجاسة ، وهكذا الخباز ~~والطباخ ، ويتفقد المعاجن وآلات الطبخ والدقيق واللحم. وليكن الطباخ عالما ~~بصناعته وعنده كتب الطبائخ لكشاجم ، والأشربة والأدهان والحلاوات والريح ~~الطيب والالوان الغريبة ، وأحسن المآكل وأطيبها وأنفعها وأقواها للعافية ، ~~وهو لحم مرضوض مقلو مرشوش بالمياه الحامضة يحشى به العجين فيقلى. وأطيب ~~الحلاوات ما كثر خبزه. وأنفع الهرايس لمن به حرارة المزاج ، وهو اللون ~~النوني من البزرة يقلى ، وقد هجرت الألوان الظريفة باستيلاء ms595 الترك واتخاذهم ~~السنبرشح والعرائس والسالة والطظماج والسسترك والبورك المعمول باللحم ~~والحوائج الحادة المعمولة في العجين. # فإذا كنت ذا فنون في طلب الطبائخ فاتجه لكتبها ، وقد ذكرنا طرفا منها في ~~آخر كتاب السبيل ، وإذا أردت العقلية فعليك بكتاب المقاصد وكتاب النجاة ~~للرئيس ، وإن شئت فيه الغاية القصوى فاطلع على الكتب الأصولية الدينية خاصة ~~كتب شيخنا إمام الحرمين مثل" المحيط"" والإرشاد" ، ومن كتبنا النافعة في ~~ذلك" كتاب الاقتصاد في الاعتقاد" ، " وكتاب قواعد العقائد" من أول" كتاب ~~الإحياء"" والرسالة القدسية". وإذا أردت الطب فكثير ، وأنفعها ما عمل به من ~~الكتب. واطلع على جميع العلوم الشرعية لتعلم الحق من الغي والهوى والله ~~تعالى أعلم. # ثم نرجع إلى تحرير مقامات العمال : # لا تستخدم في العمالة إلا عارفا بفنون الحساب والجبر والمقابلة والمساحة ~~، بحيث لو قيل PageV01P459 # له : ما تقول في أرض ذات زوايا لا يقدر حفظها بحائط ولا قصب؟ قال : تذرع ~~بالذراع والشبر. ويمتحن في علم الحساب كما يمتحن الكتاب ، والرسالة ~~والأجوبة وكتب الدساتير ، فإن ولعت برسالة ابن عباد والصابي فلا بأس بأخذ ~~الزبد. وليكن صاحب الإنشاء كثير الفضل والتوقف في الديوان في الزمان القصير ~~وفي الزمان الطويل إلى النزول من الركوب ، ثم يحاسبهم على ما إليهم ، ~~ويستوعب من كل القرباء ، ويسأل عن المظالم ، ولا يكن ملوما ولا ضجورا ، ولا ~~صخابا ولا طياشا ولا لقابا ، وقالوا يجوز له لعب الشطرنج ولا يلعب بالزهر ، ~~لأنه يخرق الحرمة بالقمار ، فقد ذكر أن أزدشير لما أخرج النرد قيل له : ما ~~يستحق إلا قطع اليد ، قال : سأقطعها بتركه. كما قيل للحجاج بن يوسف وقد شكي ~~إليه من أكل التراب : ألق عليه من همتك وعزيمتك! فلم يأكله بعدها أبدا. # واعلم أيها الملك أن علو الهمة مع الصبر حتى في الصفوف واختلافه في الثمن ~~كل ذلك بالهمة والخدمة ، ألا ترى إلى قول أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه : # بقدر الكد تكتسب المعالي %~% ومن طلب العلا سهر الليالي تروم العز ثم تنام ليلا %~% يخوض البحر من طلب اللآلي لنقل الصخر من قلل الجبال ms596 %~% أحب إلي من منن الرجال وقالوا للفتى في الكسب عار %~% فقلت العار في ذل السؤال إذا عاش الفتى ستين عاما %~% فنصف العمر تمحقه الليالي وربع العمر يمضي ليس يدرى %~% أيقضي في يمين أو شمال وربع العمر أمراض وشيب %~% وشغل بالتفكر والعيال فحب المرء طول العمر قبح %~% وقسمته على هذا المثال ### ||| * فصل وهو المقالة العاشرة # اعلم أيها الملك إذا أردت معاندة الملك فاعتبر جيشك وخلصه من المواطاة ~~والنفاق ، ثم زن مالك فإن قدرت على مشاركته فلا تبدده بالغي ، وقلل ذلك ~~وافتح له أبوابا موجبة ، وإن خفته ولا طاقة لك به فمل إلى مصالحته فالزمان ~~يدور كالكواكب ، وحبب من قدرت من أصحابه ولو برشوة ، وفاسخهم وألق بينهم ، ~~وكاتب بعضهم على بعض ، وإن خفت أحدا من دولتك فداهن وسلم وتواضع ، فربما ~~تجد الأمل ، وإذا كشر الزمان فاصبر لعضه فلا بد أن يبتسم لك. وإن عزمت على ~~حصار مكان فأوقع الخلاف في الحصن ، كتب سليمان إلى رستم : " أما بعد فإني ~~لأخشى عليك من مخامرة الذين معك ، فربما يسلمونك لأعدائك" ثم كتب إلى كبار ~~أصحاب رستم : " خافوا على أنفسكم ، وهذه خطة إلي في اغتيالكم ، وقد زعم ~~أنكم نافقتموه ، فإن سلم حصنه إلى شهرباز فلا تكون الدائرة إلا عليكم". ~~فلما قام القتال بينهما فروا جميعا إلى شهرباز ، وكمن PageV01P460 # سليمان عليهما بعد الكسر ، وسهم بأصحابه فقتل رستم وقبض على شهرباز ، ومر ~~السيف على الفئتين فأصابهم مثل نوبة بني إسرائيل مع بختنصر : أوقع الخلاف ~~في الحصن ، فتحمل النساء على فجأة المبارزة ، ثم تسجن على ذلك أو أقطعه ~~للذين لا خير لهم. ولا تنهبهم فتنصف بنفسك من نفسك ، فتكون كالذي طابت له ~~حلاوة العسل فعمد إلى خراب كوارة النحل ، فتكون أشقى الثلاثة : يروح ~~المظلوم بالثواب ، والظالم بالانتهاب ، وتظفر أنت بمرارة الحساب ، ومتى يعم ~~الخراب يا غراب. ثم تكتب إلى أهل الحصن ولو في نشابة : من أراد خيره فلينزل ~~إلينا! في قدر فلك الحصار فيكون في حزيران. واحفظ البلد بالمقطعين من ~~السياسة واللائذين بالدواب ، وليكن لك في كل قرية علامة ms597 ، وعاقب المخالف ~~بأنواع ما تريد ما لم تجاوز النصفة ، ومد المشتري ، ثم انصب الأخواص ، وشرع ~~الثياب وصواني فيها ذهب ، وفرق القتال في حنيات الحصن ، وامنع خروجهم ~~ودخولهم خوف الاغتيال ، وقد كان صلى الله عليه وسلم عام خيبر مكنهم من الخروج ~~، أطعمهم ، وخرج الأكثر منهم ثم منعهم من الدخول. فإن اتفق له جهة أخرى ترك ~~على الحصن مقطعين مع طائفة من خواصه ؛ فإن اتفق قتال نقب ورزق ومنجنيق ، ~~فافعل ورهب وغزغز رمحك وتقعقع ، وليكن باطنك على أهل السواد سليما ، والله ~~تعالى أعلم. ### ||| * فصل وهو المقالة الحادية عشرة # افتقد آلات سفرك قبل خروجك ، وناد في سفرك لعسكرك بالإعلام قبل الخروج ~~بمدة ، واترك بعدك من يتفقد الناس ، وليكن عندك صناع فيما تحتاج إليه ، ~~وليكن لسوق عسكرك أمناء تحفظه بالتغليظ في السياسة ، وليكن وزيرك عالما ~~بكتب أرباب السياسات مثل الممالك والمسالك وسياسات المعري التي أودعها ~~الرئيس في آخر كتابه المسمى بالأدوية القلبيه ، وكتاب قوانين الملك لابن ~~مرة. ويقتني مثل كتب البيزرة لكشاجم ، وكتب البيطرة لابن قتيبة ، والمنهل ~~الروي ، فهذا يحتوي على أصناف البزاة وأدويتها ودائها. وأصناف الخيول ستون ~~صنفا ، وكان الإسكندر ينظر الدابة فيعرف مرضها ، وهذا هو الطب الأصعب ، إذ ~~لا يمكن فيه من المساءلة. وكان يقف في شباك له أو خيمة مشرفة على الدواب ~~وعلفها فقيل له : أتباشر هذا الأمر بنفسك؟ فقال : نعم ، لأنها لنفسي. وأمغص ~~له فرس فسقاه ماء الأشنان مبردا فهدأ. ومن جملة الخواص تمشيتها على قبور ~~أهل الذمة ، فقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال : " تسمع من ~~قبور أهل الذمة صعقات الانتقام وصراخ من تحت فتفزع وتشفى" وهذه الخواص ~~كثيرة من الحيوان والنبات والجماد ، فقد ذكرنا أشياء منها في فصول هذا ~~الكتاب ، وقد روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه قال : " لما فتح عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه مدينة القدس وأمر فيها عبد الله بن مسعود ، فأتيته ~~مهاجرا إليها ، فدخلت عليه فلم أر له حاجبا ولا بوابا ، فسألته عن ذلك ، ~~فقال : سيظهرها عثمان ثم تسمعون ms598 بمنزلها ، ثم رأيته ينقي شعير فرسه بيده ~~فقلت له في ذلك ، فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من افتقد ~~قضيم دابته بيده ونقاه بيده كان له بكل حبة عشر حسنات ، أفتراني أعطي هذا ~~الثواب لغيري! افتقد نفسك وما ينجيك هو PageV01P461 # خير لك من كبرك الذي يطغيك". ومثل هذا نقل عن أبي حازم قال : دخلت على ~~عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى ، فأخذ المصباح ينطفئ فقلت : أما أنبه ~~غلامك؟ فقال لا ، فقلت : أقوم أنا؟ فقال لا ، ثم قام عمر وأصلحه ثم قعد وهو ~~يقول : قمت وأنا عمر وقعدت وأنا عمر ، قبحا لوجوه المتكبرين! ثم أنشد: # إذا عظم الإنسان زاد تواضعا %~% وإن لؤم الإنسان زاد ترفعا كذا الغصن إن تقو الثمار تناله %~% وإن يعر عن حمل الثمار تمنعا ### ||| * فصل وهو المقالة الثانية عشرة ### ||| * في ذكر صفات منامك # أيها الملك ، إذا كنت في سفر فبرجا أو حرسا حادا أو مشاعل ، وكن متيقظا ~~لنفسك ، واشبع بالنهار واسهر بالليل بالمنادمة والقصص والسير وتدبير ~~الأشغال. وإن كنت في الحصن فشد حراسة الباب والسور ، وليكن البواب من جملة ~~البراني ، ونم وحدك في مقصورة لطيفة ، وأهلك خارجها والمفتاح عندك ، فإذا ~~استدعت نفسك بعض جواريك فلا تستدع الباردة الثقيلة ، فمعاشرة الوحش الخفيف ~~خير من حسن الثقيل ، قيل لجعفر الصادق رحمه الله تعالى : لم تختار السود على ~~البيض؟ فقال : مصيف ومشتى ، وأخونة شتى. قال عبد الملك ابن مروان : أطيب ~~الجماع أفحشه. وقد شكا بعض الملوك من قلة الإنعاظ ، وكان يخاف الأدوية ~~الحارة ، فاتخذوا له كتاب الباه بطريق الحكايات فعلت فلانة وفعل بفلانة كما ~~قال ابن الحجاج : # ما كرهن النساء للشيب إلا %~% أنه مؤذن بنوم الذكور # وانظر البيت الذي في القصيدة اليتيمة : # ولها هن راب مجسته %~% ضيق المسالك حره وقد وإذا طعنت طعنت في لبد %~% وإذا جذبت يكاد ينشد # واختلف جاريتان عند المأمون سوداء وبيضاء ، فقالت البيضاء : الثلج يصلح ~~للدواء ، وبياض الشمس عجب ، وخير الثياب البيض ، والبيض أحسن من الفحم. ~~فقالت السوداء : # عنبر أشهب وعود قماري %~% يتعاطى ms599 عند العناق لذيذا # وفحم الشتاء خير من حمأة الصيف الباردة ، وعيب الشيب شديد ، والبياض في ~~العين عمى ، وليلة القدر خير من ألف شهر : # وسواد الشباب يطلبه %~% الغانيات حقا عجولا # وسواد ثياب بني العباس أهيب ، وعندنا مجامر الشتاء بساتين المصيف. ثم ~~أنشدت : # أحب لحبها السودان حتى %~% أحب لأجلها سود الكلاب # وهو لكثير عزة. PageV01P462 # وحكى لي من أثق به أن المنصور أغرى بقتل العلويين حتى نفر أكثرهم إلى ~~اليمن ، فلما وصلت النوبة إلى المأمون وكان يتولى محبة أهل البيت ، فسأل ~~عمن بقي من الأشراف الفاطميين ، فأخبروه عن قوم منهم بأرض اليمن ، فنفذ ~~إليهم ليستعطفهم ، فأجمعوا رأيهم على أن كل واحد منهم يبعث شخصا يشبه به من ~~وكيله أو غلامه ، فإن كان خيرا فما يضره ، وإن كانت الأخرى فلهم الأسوة ~~بالسادات ، فلما وصلوا إلى المأمون أكرمهم وأعطاهم وتزوجوا وتوطنوا. فإذا ~~وجدت شريفا مفتخرا غير ذاك ولا زكي فهو منهم ، إذ هذا البيت المعظم لا ~~انبساط للفحشاء على منازلهم ، وهو معنى قوله : " نحن أهل البيت لا نفجر ولا ~~يفجر بنا". والله أعلم. ### ||| * فصل وهو المقالة الثالثة عشرة ### ||| * في حيل اليمين # اعقد على نفسك عقد الدور لابن سريج ، وقد كنت لا أقول به ، ثم رأيت الخمر ~~المغلي بالثوم له منفعة لأرباب القولنج البارد ، وجماعة من أصحابنا يقولون ~~به ، وكل مسألة خلاف إذا حكم الحاكم بصحتها زال خلافها. ويشترط في نسخة ~~اليمين معاني تؤول منهم إلى الفسخ بالتأويل ، واليمين على نية المستحلف. ~~واحترز في عقد الوكيل وأعم الألفاظ : كلما وقع عليك طلاقي وطلاق وكيلي فأنت ~~طالق ثلاثا. ولا تمنع أيها الملك قول الحكماء والفتوى بها ، وإذا اخترتها ~~فليكن باطنا ، وخطوط الشهود والحكام عندك ، وإن ادعى نفيه فسلم إليه ولا ~~تسلم إلى العامي عنانه ، فهو جهول باليمين والعنان. واحذر اليمين بكل ما ~~يتعلق بالله وبكلماته وصفاته ، واختلف العلماء فيما له حرمة غير هذا ، وأما ~~اليمين الغموس فإنها تذر الديار بلاقع ، وذلك أن يحلف على ما يعلم كذبه. ~~واقعد أيها الملك قعود المتأدبين ، وكن قليل الكلام ، إذ لا ms600 يصلح الكلام ~~الكثير للملك ولا للزاهد ، وقد يحصل إظهار الفوائد للعلماء بالكلام. ولا ~~تخطئ المفتين ، ولكن قابل بعضهم ببعض ، وقد سمعت ما قال عليه الصلاة ~~والسلام : " استفت نفسك وإن أفتوك ، فالحلال بين ، والحرام بين ، وبينهما ~~أمور متشابهات ، فذر ما يريبك إلى ما لا يريبك" وقال عليه الصلاة والسلام : ~~" من جعل الحلال له قوتا أجيبت دعوته ، وعلمت مروءته ، وحسنت سريرته ، وعلت ~~كلمته ، وحصلت أمنيته ، وطابت هيئته ، وطهرت ذريته ، وتنورت نطفته ، وذرفت ~~دمعته ، وظهرت حكمته ، وقل غضبه ، ورق قلبه ، وخف ذنبه. يا علي رد درهم ~~مظلمة أفضل عند الله من أربعة آلاف حجة مقبولة ، يا علي من غضب غضب الله ~~عليه ، ومن ظلم ظلم ، ومن أكثر من الصدقة نصر في ذريته". في الحرام هو أن ~~معاد النفوس واحد ، ومرجعها إليه بعد القبض ، فإذا ظلم بعضها سرى الظلم في ~~كلها ، وهو معنى قوله تعالى : ( @QUR@015 من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في ~~الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها PageV01P463 # @QUR@04 فكأنما أحيا الناس جميعا ) [المائدة : 32] فإذا أوصلت إلى النفوس ~~برا وصدقة وخيرا وعدلا وإشفاقا ، سرى ذلك إلى جميع النفوس بعد القبض فصار ~~خيرا ، فإذا وصل بهم كان ذلك خيرا للجميع ، ألا ترى قول الرجل لامرأته : ~~بعضك طالق ، كيف يسري الطلاق في الكل؟ إذ الطلاق لا يتبعض. # وليكن لك أيها الملك إمام يؤم بك ، وليكن عالما دينا يعرف بذلك ، وليكن ~~شيخا أو أعمى. وعلم مماليكك خطا ورموزا ، فإن اتفق أن يكون المعلم خادما أو ~~شيخا فأولى. وللنساء امرأة دينة. واعلم أيها الملك أن أهل الزمان فاسدون ~~لتشاغل الرجال بالرجال والنساء بالنساء ، وهو أعظم المقت والسخط ، ومنه ~~حصلت الإباحة لبعض الطوائف حتى بسطوا فيه وأقاموا لهم فيه شبها نقلية ~~وعقلية : أما النقلية فقوله تعالى : ( @QUR@08 هو الذي خلق لكم ما في الأرض ~~جميعا ) [البقرة : 29] قالوا : هكذا كان الناس على المنهج القديم ليس تحليل ~~ولا تحريم ، ولكن الأنبياء حللوا أشياء وحرموا أشياء. وقال تعالى : ( ~~@QUR@06 وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة ) [فصلت : 7] وقد تعلقوا ~~بإباحة أبي بكر رضي الله ms601 عنه أموال بني حنيفة ، وزعموا أن الخطاب من الرسل ~~إما أن يكون لموجود أو لمعدوم ، فالمعدوم لا يخاطب ، والموجود المخاطب في ~~زمانهم فقد درج معهم. فمن هذه الشبهة تمسك أرباب الإباحة مثل النصيرية ~~وغيرهم ، وسنذكر تعلقاتهم في أماكنها. وقد عرفتك أيها الطالب طريقك النفيسة ~~مثل لبس النظيف والطيب وقلة الكلام بطريق الاختصار. # وأدب أصحابك أن لا يشكو منهم قريب ولا بعيد مثل قول الحكماء : ثلاثة إن ~~لم تظلمهم ظلموك : ولدك وزوجتك والمملوك. وإياك وقرب الملوك ، فإن قربوك ~~فتنوك ، وإن بعدوك أحزنوك. # وهذه وصايا الملوك ، فإن هممت بتحصيله فربما أعانتك السعادة ، وإن أراد ~~الله أمرا هيأ أسبابه وحرك القضاء بتحريكه ، وقد كان الله قادرا على تحصيل ~~الرطب لمريم من غير هز كما قال في النظم البديع: # ألم تر أن الله قال لمريم %~% وهزي إليك الجذع يساقط الرطب ولو شاء أحنى الجذع من غير هزها %~% ولكنما الأشياء تجري لها سبب # فإن وقع لك صناعة الحجرين الأحمر والأبيض فحصله ، ولكن ذاك عنك بعيد ، ~~وبالهمة يفتح عليك بعض هذه الطريق ، أما سمعت في رموز أمير المؤمنين رضي ~~الله عنه أن في الزئبق الرجراج مع الشب المصعد لمالا هنيا؟ فذوو الهمم ~~القصيرة يقصرونك عن نيل مقاصدك ، وإلا فمن طلب وجد ومن جد وجد ، ولهذه مثل ~~، وهو أن بعض المتصوفة سمع هذا الحديث فقال : سأجرب نفسي في طلب المملكة ، ~~وكان فيه آلة من علم وأدب ، وكان محلا قابلا للملك ، فتقرب إلى الفراشين ~~فخدم معهم ففشا أمره في السيرة الحميدة ، ثم مات مهتارهم فصار مكانه ، ثم ~~عبث في الديوان حتى انتقل إلى مكان زمامهم ، فلما انتشر شكره وذاع خبره ~~وذكره قبض الوزير ورتب مكانه ، فساس الرعية وأظهر العدل واستراح الناس من ~~ثقل ما كانوا PageV01P464 # فيه ، حتى مات الملك فتصور مكانه وتزوج ابنته ، فاجتهد في التدريج ~~والتطويل وحصل. وقد شاهدت محمد بن صباح إذ تزهد تحت حصن الموت وكان أهل ~~الحصون يشتهون أن يطلع إليهم فلم يفعل ، وهو يحصل المريدين ويعلم طريق ~~الإرادة والتلمذة وشيئا من الجدل ، ثم ms602 جعل يمهذر بكلام على قدر عقولهم من ~~جملته : ما تقول في قائل لا إله إلا الله هل هو محق أو غير محق؟ فإن قلت ~~محق فيلزمونك باليهود والنصارى ، وإن قلت غير محق ، قالوا فلم تتعلق بها؟ ~~ثم جذب الناس وجعل يقول للمريدين : أما ترون الناس قد تركوا الشريعة! فلما ~~كبر الأمر خرج إليهم بطريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فصبا إليه ~~خلق كثير ، وخرج صاحب القلعة إلى الصيد والتلامذة أكثرهم أهل القلعة ، ~~ففتحوا الحصن ، ودخله وقتل الملك في الصيد ، وفشا أمره ومذهبه حتى صنفت في ~~الرد عليهم كتابا وسميته قواصم الباطنية ومنتظرهم فلا بد في آخر الزمان أن ~~يهجروا الشرائع ويبيحوا المحرمات فانظر هذه الطريق التي شرعنا لك أيها ~~الملك وجعلناها إشارة وسلما تنال بها مقاصدك. # وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر الحطيئة أن يجمع حديث عبس وذبيان ، ~~ولا بأس بجمع هذه الكتاب ، حتى تنور نيران النخوة ، فتمد باع همتك إلى أسنى ~~طلبتك وأقصاها وأعلاها. وقصص الأنبياء تكفيك إن غفلت ، وقد علمت صبر ~~الأنبياء على نيل المقاصد مع الأعداء حتى فازوا بالنيل. وقد سمعت حديث داود ~~بن شعيا ولد سليمان عليهما الصلاة والسلام ، وكان صبيا ، فلما حاول وعضدته ~~يد السعادة فقتل جالوت حتى تزوج ابنة طالوت ، وكان طالوت دباغا. وهكذا سير ~~الملوك ، فانظر في كتاب: " الأسباب والمعارف" لابن قتيبة ودع النظر في ~~الصغر ، وانظر الشاعر كيف يقول : # لا تأمنن إذا ما كنت ذا أدب %~% مع الخمول بأن ترقى إلى الفلك بينا ترى الذهب الإبريز مطرحا %~% في الأرض إذ صار إكليلا على الملك # وبطعم الحديد وذوقه يتأدب الكرم عند كسحه ، وإذا ترك عجمه سنة هلك ، ألا ~~ترى إلى الحيوان البهم كيف بالضرب والأدب يتعلم الرقص والتطاير؟ ولما مات ~~هارون استخلف الأمين وفر المأمون إلى مدينة أصفهان ومعه الحسن بن سهل ، ~~وكان المأمون ذا فنون وعلوم وآداب ، فقعد المأمون في المسجد الجامع وقد ~~فرشه باللبد زهدا والناس يهرعون إليه لتعلم العلوم ، وابن سهل يومئ إلى ~~الطوائف ويقول لهم : أليس هذا ms603 هو الخليفة حقا؟ فبايعوه! ويقول لهم : سنة ~~هذا سنة الأولين الطاهرين ، فلم يزل يستدرج الناس حتى حوى عسكره ثمانين ~~ألفا. وكانت الأعاجم تسمع بطريق الأمين الفاسد ففروا وطلبوا المأمون ، حتى ~~عقد الجيوش لطاهر بن الحسين فدخل على الأمين فقتله ، واستولى المأمون. فكم ~~من هذه السير المنقولة! وإنما نسمعك بعضها تقوية وإعانة لهمتك. PageV01P465 # والولع بكتب الأولين مثل كليلة ودمنة والمغازي وحديث عبد الوهاب ، ولا ~~يلزمك من سقمها وصحتها شيء ، قال الشافعي رضي الله عنه : مسقط الرأس مسقط ~~الإنسان. فكن وفي العهد والكلام ، وليكن لك محتسب يحتسب عليك وعلى من في ~~دارك من المسلمين ، ثم ينظر في مشارع البلد ومصالحه والأسعار ، وإن كان قد ~~نهي عن التسعير لكنه ليس به بأس ، فقد فسدت الناس وقلت الأمانات كما ذكر في ~~كتب الملاحم لرسول الله صلى الله عليه وسلم . وخطبة الإمام فيما يتجدد. ويكون ~~للسعادة مباد وتناه ، فقد نقل أن الله تعالى لما بعث نبيه موسى عليه الصلاة ~~والسلام قيل لفرعون : تلميذك موسى يخاطب علة العلل ، فأمر بإحضاره وقال : ~~يا بني تزعم أنك تخاطب علة العلل؟ قال : نعم ، قال : بم نلت هذا؟ قال : ~~بسهم السعادة ، فقال : من أي جهاتك تسمع كلامه؟ فقال : من جهاتي الست ، ~~فقال : إن لكل نبي معجزة فما معجزتك؟ فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ، فقال ~~بعض الحسدة الحاضرين : إن عصي سرنديب إذا نقلت إلى هذه البلاد تكون حيات ، ~~فقال له موسى : خذها إليك ، فإن كان كما تقول فستكون وإلا فتبطل ، فبهت ~~الرجل وبطل ، فقال فرعون : اتبعوه فقد جاء بخرق العادات. # والسعادة الكلية هي من الفيض الأول ، ثم يفيض من طريق التحري إلى كل محل ~~بما يقبله. والفيض الأول من العلة الأولى يتناشى بطريق الفيض الوهمي الذي ~~عجزت العقول عن تحصيل كنهه. والذي صدر عن علة العلل من الفيض الأول هو ~~العقل الفعال الصادر بالكلية عنه ، والنفس الكلية هي التي تفيض النفوس عنها ~~، والذي يتجلى للخلق من العقل هو بقدر نزول الشعاع للشمس في النوافذ ~~والنور. ومثل تجلي العقل للأنبياء كمثل ms604 الشمس المنخرقة في الأرض الفلاة ، ~~وهو معنى قوله عليه الصلاة والسلام : " خلق الله الخلق في ظلمة ثم رش عليهم ~~شيئا من نوره ، فمن أصابه شيء من ذلك النور اهتدى ، ومن لم يصبه فظلمات ~~بعضها فوق بعض" وهو معنى قوله تعالى : ( @QUR@04 ألم نشرح لك صدرك ) [الشرح ~~: 1] وقوله تعالى : ( @QUR@010 أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ~~ربه ) [الزمر : 22] وهو النور الذي تجلى لإبراهيم عليه الصلاة والسلام. ~~وكان في بدئه ضعيف شاهد من نوره الكوكب ، فلما تجلى لإبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام ، وتقوى جناح همته بطريق المجاهدة ، وانخرقت له الأنوار القدسية من ~~رؤية حالة باطنه وسره ، شاهد الشمس والقمر ، فلما صفت العلة وخلصت الخلة ~~شاهد بمقياس الحظ أصل العلة الأولى التي فيها مبدأ فيض السعادة ، فقال عند ~~وجود سهم السعادة والحظ ( @QUR@06 وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض ) ~~[الأنعام : 79] فلما وجد انخراق النور الإلهي لم يلتفت إلى مال ولا ولد ، ~~فنهب يد الانتقاد ماله وولده ، فجعل ذلك غرامة بطريق التصوف لوجود حاله ~~فقال في رفض ترك نقصه عند وجود حقه ورؤيته الكمال : ها هو ذا جسدي للنيران ~~وولدي للقربان ، ومالي للفيضان. # فكن أيها الملك على هذه الطريقة والوتيرة حتى ينكشف لك ستر الباطن عن ~~منهج الحق ، PageV01P466 # فتقعد على كرسي طب أحوال العالمين ، فتجس بمقياس الفراسة طريق معرفة ~~الظالم من المظلوم. واعلم أن الغنى والأموال هي مدخرة لتحصيل المملكة ~~الدنيوية والأخروية ، فإذا صح لك هذا الطريق غلبت بسهم السعادة من عصاك ، ~~ومنه يحصل لك تسخير الهمم العلوية. ولا يراد الخلق إلا للثواب والثناء وإلا ~~فما هي إلا أرواح سائرة عن أجساد خالية. وقد ورد في لطائف الحكايات أن ~~الملائكة قال بعضهم لبعض : اتخذ ربنا من نطفة رديئة خليلا وقد أعطاه ملكا ~~عظيما ، فأوحى الله تعالى للملائكة اعهدوا إلى أزهدكم ورئيسكم! فوقع ~~الاتفاق على جبريل وميكائيل فنزلا إلى إبراهيم في يوم جمع غنمه عند رابية ~~للحلب ، وكان لإبراهيم أربعة آلاف راع ، وأربعة آلاف كلب ، في عنق كل كلب ~~طوق من ذهب أحمر ، وأربعون ألف غنمة ms605 حلابة ، وما شاء الله من الخيل والجمال ~~، فوقف الملكان في طريق الجمع فقال أحدهما بلذاذة صوت : سبوح قدوس ، فجاوبه ~~الآخر : رب الملائكة والروح ، فقال : أعيداها ولكما نصف مالي! ثم قال : ~~أعيداها ولكما مالي وولدي وجسدي! فنادت ملائكة السماوات : هذا هو الكرم ، ~~فسمعوا مناديا من العرش يقول : الخليل موافق لخليله. فكن أيها الملك غير ~~مبال بوجود المال وعدمه إذا سلمت لك نفس رئاستك وقلة مملكتك. وسنذكر حكايات ~~الكرم في مواضعها من كتاب : " السلسبيل" وكتب" إحياء علوم الدين". فإذا ~~أردت اقتفاء آثار السابقين فقد ذكر في كتاب فتوح سيف الدين الكوفي أن أهل ~~الشام لما أثقلهم الحصار وقالوا لا نسلم إلا لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه ، فلما علم عمر ذلك حصل فرسا وحمارا ، فقال له كبار أهل ~~المدينة : المملكة بناموسها ، فأجابهم بأن المملكة معطيها صاحب السماء ، ~~فصفوا خواطركم وعلوا هممكم لتبصروا السعادة بمقاييس الأنوار من وراء ~~الأفلاك. ثم سار إلى الشام فاتفق له أن وقع به الحمار في غدير ماء متغير ~~وحمأة ، فابتلت مرقعته ، وكانت نوبته ، فعرضوا عليه ركوب الفرس فأبى ، ~~وقالوا : قد أقبلت العساكر والرهابين لتسلم عليك ، فغير ما عليك! فلم يلتفت ~~حتى أقبل عليه جملة الشاميين بنواقيسهم وقبعاتهم ، فلما رأوه في تلك الحالة ~~قالوا بأجمعهم : أنت عمر ولك نسلم ولك نطيع وندين ، كما قال المسيح : " إذا ~~وصلكم صاحب المرقعة المبلولة بالماء والتراب فسلموا إليه". فهذا خبر سر ~~معارف رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف صفا ووفى ، فعرفه سر ما كان وما يكون. ~~ومن تلك الأنوار اعتصر الناس ملاحم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقمر ~~النبوة الذي هو أخوه وشريكه في نوره اعتصر كتيبا مثل الجفر والجامعة وكتاب ~~خطبة البيان وهي حاوية على أكثر ما يكون في الزمان. # وإن طلب أحد الهدنة فهادنه إن كان مسلما ، وإن كان كافرا وقدرت عليه فلا ~~تهادن كيلا تفوت الفرصة ، ولتكن الهدنة إلى أمد معلوم وأقلها أربعة أشهر ~~فإن صفت همتك وكانت روحانية لها مجانسة في الملكوت الأعلى ، وعلو همتك ms606 ~~ظاهرة ، فخذ طريقا صالحا من تثليث وتسديس من نجم ناظر إليك لا إلى سواك ~~ويخر له ، فإن تونست به صار لك وزيرا ، والأصل PageV01P467 # في البخور هو علو الهمة ، وتزكية النفس ، وتقليل المأكل ، والانقطاع في ~~الخلوة ، ودوام الذكر ، ينخرق لك من رؤية الغيب من علم الباطن أنوار ~~المكاشفة ، فتصير الأملاك والأفلاك حديثا يغلب لاهوتك على ناسوتك ، فتصير ~~زيتا لمصباح مشكاة الأنوار الإلهية كما قيل (شعر): # ثقلت زجاجات أتتنا فرغا %~% حتى إذا ملئت بصرف الراح خفت فكادت أن تطير بما حوت %~% وكذا الجسوم تخف بالأرواح # وإذا حصل لك خمير السعادة من العلة الأولى التي هي مبدأ كل علة بطريق ~~المجاهدة في تحصيلها ، أفرغت عليك أنوار المحبة ، فصار الخلق لك طائعين بلا ~~سيف يسيف بينهم ، ثم يبسط باع فيهم كما كتب بعض الملوك على درع له (شعر): # علي درع تلين المرهفات له %~% من الشجاعة لا من نسج داود وإنني فيه أمر الله صيرني %~% نارا من البأس في بحر من الجود # فإن انسد عليك باب المجاهدة وغلقت ، ورأيت باب الطلب مسدودا فلا ترض ~~بالمناقصة ، بل تميل إلى الزهد فإن الناس رجلان ناسك ومالك ، كما تمثل عمر ~~رضي الله عنه ببيت الفرزدق استشهادا به ثم أنشد (شعر): # إما ذبابا فلا تعبأ بمنقصة %~% أو قمة الرأس واحذر أن تقع وسطا # ومثلها قال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه (شعر): # إذا ما لم تكن مطاعا %~% كما ترضى فكن عبدا مطيعا فإن لم تملك الدنيا جميعا %~% كما تختار فاتركها جميعا هما شيئان من نسك وملك %~% ينيلان الفتى شرفا رفيعا إذا المرء عاش بكل شيء %~% سوى هذين عاش به وضيعا # وكتب معاوية إلى ابنه يزيد : إن فاتك يا بني الملك فلا يفوتنك المحراب ~~وبهذا الطريق نال الناس مطالبهم حتى رأينا الملوك متقاطرين على باب الزهاد ~~، ولهذا قال القشيري : # إذا ما الفقير لباب الأمير %~% فبئس الأمير وبئس الفقير وأما الأمير بباب الفقير %~% فنعم الأمير ونعم الفقير # واعلم أنه إذا حصلت القلوب بمعرفة صمديتها ، وانكشف لها نور الجلال ~~بالبراهين الباطنة ، وحصلت ms607 التخلية والتصفية ، كوشف بالعالم العلوي ~~والأخروي وعلم سر معانيها ، فهو الذي كوشف بمعرفة الكيمياء الأكبر ، فتصير ~~الملائكة له خداما ، فيشاهد أساور الجنة وأسرها كما قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : " كيف أصبحت يا حارث؟ قال : أصبحت بالله مؤمنا حقا ، ~~فقال عليه السلام : إن لكل حق حقيقة فما حقيقة إيمانك؟ فقال : أعرضت نفسي عن ~~الدنيا فاستوى عندي ذهبها ومدرها ، وكأني بأهل الجنة في الجنة يتزاورون ، ~~وبأهل النار في النار يتعاورون ، وكأني PageV01P468 # بعرش ربي بارزا. فقال عليه السلام : مؤمن نور الله قلبه الآن عرفت فالزم! ~~واقسم عمرك وأيامك ودهرك أثلاثا : ثلثا لنفسك ، وثلثا لرعيتك ، وثلثا لربك». # واعلم أن الناس بك لائذون لطلب منافعهم ، وكل أحد يريدك لنفسه إلا الله ، ~~فإنه يريدك لك ، فكن معه ولازمه ولا تستهويك الأماني ، فالظل لا بد أن يزول ~~ولو عمرت ما عاش آدم ، أخبرني الأستاذ الجويني عن مشايخه : قيل لمحمود بن ~~بويه : كيف عمدت إلى طلب المملكة ولم تكن لها أهلا؟ فقال : سمعت امرأة تنقر ~~دفا وتقول بيتا لعمر بن سبطي (شعر): # من هاب خاب وجاسر بلغ المنا %~% والدهر فيه عذوبة وعذاب # فحملني ذلك على طلبها فطلبتها ونلتها. # وقد تحالى المتنبي حيث قال (شعر): # فثب واثقا بالله وثبة حازم %~% يرى الموت في الهيجا جنا النخل في الفم # وانظر إلى علو همة الحلاج ، وإن كان قد قال الحاسدون فيه ورجموه بالحلول ~~، وقد تلقى الموت غير خائف ، ونطق ظاهره بما أعمى جهلتهم ، حتى قيل لأبي ~~العباس بن شريح : ما تقول في الحلاج؟ قال : ما أقول في رجل هو أفقه مني في ~~الفقه ، وفي الحقيقة ما أفهم ما يقول ، فقيل له : ما سمعت منه من جملة ما ~~سمعت؟ قال : سمعت في بعض كلامه وهو يشير إلينا : من حضر بطلت شهادته ، ومن ~~غاب صحت ، وفي مثل هذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " حسنات الأبرار ~~سيئات المقربين" لأنهم واقعون مع صف التجلي ، فما لهم والندم على ما كان ~~والخوف مما يكون ، صفت أحوالهم في راووق المجاهدة ، فامتنعوا بطريق الدلال ms608 ~~لا عن الالتفات إلى غيره ، فطاروا بأجنحة علومهم المجموعة في المجاهدة ~~والتصفية والتزكية فخرقوا حجاب الناسوت حتى وصلوا إليه ، ضاقت بهم العبودية ~~فخرجوا عن حيز العالمين ، فمزجت الناسوتية بصفات اللاهوتية ، ثم عادت ~~النفوس الطاهرة إلى معادنها ، فهبت عليهم نسمات واجب الوجود ، فحلوا في ~~خيام الراحة بعد البعث في مقعد صدق عند مليك مقتدر كما قال السكران من ~~العشق (شعر): # إنما الحب فناء كله %~% رحم الله امرأ قال به إن من أضحى بقلبي سالما %~% لم يذر منه سوى قالبه في ظلال الشوق قلبي راقد %~% من هجير الهجر قد قال به # فإن لم تكن أيها الملك الطالب لا بهمة علوية ولا بيد باسطة سبعية فأنت ~~كما قيل (شعر): # إذا كنت لا ترجى لدفع ملمة %~% ولا لذوي الحاجات عندك مطمع ولا أنت ذو جاه يعاش بجاهه %~% ولا أنت يوم الحشر ممن يشفع فعيشك في الدنيا وموتك واحد %~% وعود خلال من حياتك أنفع PageV01P469 # ومثله (شعر): # كتب القتل والقتال علينا %~% وعلى الغانيات جر الذيول # وقد مر بك شعر آخر : # إن لم يكن بد من الموت فمت %~% تحت ظلال الأسل الذوابل # وكن آخذا بقلوب الناس بكتب وهدايا ، واستجلاب مودات الكبار ، والخدمة ~~للأخيار ، وإكرام العلماء ، وإمدادات أحوال الناس ، وسد خللهم ، والصفح عن ~~زلاتهم ، وانظر كيف أدبك المصطفى عليه السلام حيث قال : " أمرت أن أعفو عمن ~~ظلمني وأصل من قطعني وأعطي من حرمني ، وأن أجعل سكوتي فكرة وكلامي عبرة". ~~إن أردت الجواب فلا تعجل ، واستعرض كلام الرسل متفرقين غير مجمعين ، وأعط ~~الجواب على تؤدة ، وأرض الرسل ينبسط ثناؤك ، فقد قيل إنه لما دخل حكيم ~~العرب على كسرى أجزل له العطاء ، فلامه بعض الكبار ، فقال الملك : مملكة ~~وجمع لؤم داءان ودواء فالغلبة للأكثر. واتعظ بقول الله تعالى : ( @QUR@05 ~~وتلك الأيام نداولها بين الناس ) [آل عمران : 140] فهكذا قد انتقلت من سواك ~~إليك ، وستنتقل منك إلى سواك ، وانظر إلى الأمثال المضروبة في شعر أمير ~~المؤمنين عليه السلام (شعر): # الناس في زمن الإقبال كالشجره %~% وحولها الناس ما دامت لها ثمره حتى إذا ما ms609 عرت من حملها انصرفوا %~% عنها عقوقا وقد كانوا بها برره وحاولوا قطعها من بعد ما شفقوا %~% دهرا عليها من الأرياح والغبره قلت مروءات أهل الأرض كلهم %~% إلا الأقل فليس العشر من عشره لا تحمدن امرأ حتى تجربه %~% فربما لم يوافق خبره خبره # واصطف لك من الناس من تركن إليه ، فقد اصطفى الله من الناس رسلا ومن ~~الملائكة ، والله أعلم حيث يجعل رسالته. وإذا عزمت على دخول الحمام فالأفضل ~~يوم الأربعاء ، ففي الأثر" من دخل أربعين أربعاء الحمام أمن من الفقر" واخل ~~ليلة الخميس والجمعة لطلب حاجاتك من الله الكريم ، ففيها بلغ الأنبياء ~~والعلماء وأرباب المقاصد والرئاسة (شعر): # وكان ما كان مما لست أذكره %~% فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر # وفي يوم الجمعة ساعة من أدركها بلغ حاجته ، فقد قيل هي في أول النهار ، ~~وقيل وسطه ، وقيل آخره ، وهكذا نقل عن فاطمة صلوات الله عليها أنها كانت ~~تترك جارية لها لتعرفها غروب الشمس من يوم الجمعة. واقرأ فيها سورة الأنعام ~~ولا تكلم فيها أحدا ، فإذا وصلت إلى قوله تعالى : ( @QUR@05 الله أعلم حيث ~~يجعل رسالته ) [الأنعام : 124] فاسأل ، لأن الله ما رد قسم من أقسم عليه من ~~النبيين. وكل من الأنبياء كان له خاصية في يومه ، مثل السبت لموسى ، والأحد ~~لعيسى ، والاثنين لإبراهيم ، وفي يوم الثلاثاء جاءت البشارات لنوح ~~عليه السلام بالنصرة ، وفي يوم PageV01P470 # الأربعاء انتصر زرادشت على أهل أرمينية ، وكان الخميس والجمعة لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم . وقد قال المنجمون في أيام الأسبوع ما قالوا وجعلوا لكل ~~كوكب يوما : فالسبت عندهم لزحل ، والأحد للشمس ، والاثنين للقمر ، ~~والثلاثاء للمريخ ، والأربعاء لعطارد ، والخميس للمشتري ، والجمعة للزهرة. ~~وقد ذكر الجمهور منهم أن طالع رسول الله صلى الله عليه وسلم تولاه الزهرة ، ~~وهم لم يطلعوا على الأسرار ، ونحن نكشف نبذا من ذلك فنقول بأن موسى دعا إلى ~~المغرب لتحكيم زحل في تلك الجهة ، وقبلة عيسى إلى المشرق نحو الشمس ، وقبلة ~~نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلى جهة الكعبة وهذا سر لم يطلع عليه أحد ms610 إلا ~~من شاء الله ، وذلك أنه إذا قام مستقبل القبلة الحرام كان سهم زحل يمينا ، ~~وسهم الشمس شمالا ، والجدي في مقابلة وسط الكتفين ، والنسر الطائر وسعد بلغ ~~في جهة العلوية ، فتم مع السعادة ما تم ، فأصيب بسهم السعادة ما لم يصبه ~~أحد سواه ، فبلغت حجته ، وعلت كلمته ، ودامت دولته ، وسعدت أمته ، وعضدت ~~شريعته ، فنصرها الترك من المشرق وأهل المغرب حتى بلغ أنهم آمنوا لا بالسيف ~~بل بالكتب (شعر): # أوائل الركب ما لي منهم خبر # وهكذا البيت الثاني. # واسمع قصة عيسى عليه السلام مع جالينوس ملك الساحل وطبيبهم ، حين نفذ إلى ~~عيسى : إنا لا نطلب منك إحياء الموتى بل هذا الرجل المسلول اشفه لنا في هذا ~~الشهر كانون وأنا أومن بك! قال المسيح : ائتوني ببطيخة ، فسقاه منها ، فقاء ~~الرجل شيئا أسود على هيئة الخبز المحرق ، فقام بقدرة الله تعالى سليما لا ~~مرض به. ثم قال عيسى عليه السلام : يهددني جالينوس ، ثم دخل هيكل العبادة ~~فما انتصف الليل إلا وثار على جالينوس علة اساطوريا والكراثية ، فمات بها ~~قبل الصبح. وحدثني يوسف بن علي بأرض الهركان التي بنبات أرضها خواص عظيمة ~~نذكر نبذا منها في أماكن من هذا الكتاب ، وشيئا في كتاب" السلسبيل" قال ~~يوسف شيخ الإسلام : دخلت المعرة على زمان المعري وقد وشيء به الوزير إلى ~~الملك محمود بن صالح ، وقال إن المعري رجل برهمي لا يرى إفساد الصورة وأكل ~~الحيوان ، وإنه يزعم أن الرسالة تحصل بصفاء العقل ، ولم يزل الوزير جاهدا ~~حتى حمل الملك على إحضار الشيخ أبي العلاء المعري ، فأنفذ وراءه خمسين ~~فارسا ، فدخل إلى الشيخ رجلان من أصحابه وأعلماه بالقصة ، فدخل المعري ~~المسجد وأنزل الفرسان في دار الضيافة ، فدخل مسلم عم المعري على الشيخ وقال ~~: يا ابن أخي قد نزلت بنا حادثة ، يطلبك الملك ، فإن مانعنا عنك عجزنا ، ~~وإن سلمناك كنا عارا عند ذوي الذمام وتكون الذمام على آل تنوخ ، فقال ~~المعري : خفف عنك غمك وأكرم أضيافك ، فلي سلطان يذب عني ويحامي عمن هو في ~~حماه ، ثم قال الشيخ ms611 لغلامه : قدم الماء! فقدمه إليه واغتسل به ، فلم يزل ~~يصلي حتى انتصف الليل ومر أكثره ، ثم قال لغلامه : أين المريخ؟ فقال : هو ~~في منزلة كذا وكذا فقال : ارقبه واضرب وتدا تحته ، وعقد خيطا في يدي متصلا ~~بالوتد! ففعل به ذلك فسمعناه يقول : يا علة العلل ، يا قديم الأزل ، يا ~~صانع المصنوعات ، أنا في حماك الذي لا يضام ، ثم PageV01P471 # جعل يقول الوزير الوزير حتى برق بارق الصبح ، فسمعنا هدة عظيمة ، فسألنا ~~عنها فقيل هي دار الضيافة وقعت على ثمانية وأربعين رجلا. وعند طلوع الشمس ~~جاءنا كتاب الطائر يقول فيه : لا تزعجوا الشيخ فقد وقع الحمام على الوزير. ~~ثم التفت الشيخ إلي وقال : من أي أرض أنت؟ فقلت : من أرض الله تعالى ، فقال ~~: أنت من أرض الهركاز ، أنت يوسف بن علي ، حملوك على قتلي وزعموا أني زنديق ~~، وكان حجتنا بالشام ، ثم قال لي : اكتب على صفة الحالة (شعر): # باتوا وحتفي أماني لنيتهم %~% وبت لم يحضروا مني على بال وفوقوا لي إشارات سهامهم %~% فأصبحت وقعا مني بأميال فما ظنونك أن جندي ملائكة %~% وجندهم بين طواف وحجال لقيتهم بعصا موسى التي منعت %~% فرعون ملكا ونجت آل إسرال أقيم خمسين صوم الدهر ألفه %~% واد من الذكر أبكارا لآصال عيدين أفطر في عامي إذا حضرا %~% عيد الأضاحي ويقفو عيد شوال إذا تنافست الجلاس في حلل %~% رأيتني من خسيس القض سربالي لا آكل الحيوان الدهر مأثرة %~% أخاف من سوء أعمالي وآمالي نهيتهم عن حرام الشرع كلهم %~% ويأمروني بترك المنزل العالي وأعبد الله لا أرجو مثوبته %~% لكن تعبد إكرام وإجلال أصون ديني عن جعل أؤمله %~% إذا تعبد أقوام بأجعال # فإذا كنت أيها الملك على هذا الوصف بلغت المقاصد ، ووصلت إلى المشرب ~~الهنيء ، ونكبت أعداءك ، وتصير مثل دعاء القلنسوة والنجاشي ، وربما تكون ~~أنت الملك السفياني يفتح لك الحصون من غير تعب ، ويجود بك الذرع والضرع ~~والزرع ، إذ الناس بالمال ، وربما تسعد بهذه الحالات كما سعد الإسكندر. فما ~~قد كان يجوز أن يكون ، وقد قال في خطبة البيان : لا بد ms612 من ظهور ملك عادل ~~زاهد خائف ، يمهد البلاد ويحسن إلى العباد وهذا بعد ثلاث وسبعين بما شاء ~~الله. وهذه من الخواطر الربانية كيف ظهرت فراشتها في كشف الأمور المغيبة ، ~~فإذا رق حجاب القلب يرتفع السد ، يتبين له ما في اللوح المحفوظ فيخبر بما ~~في عالم الغيب من غير ريب ، والله عالم الغيب يعلمه من يشاء ، والملوك تودع ~~سرها عند من تحبه وتختاره ، وقد سمعت حكاية أياز مع السلطان محمود ، فانتبه ~~أيها الملك لهذه النكت والإشارات ، وقد نصحت لكم إن كنتم تحبون الناصحين. ~~والملك بالعلماء أليق من الفجرة الفاسقين ، ولكن ليقضي الله أمرا كان ~~مفعولا ، ولا بد للأرض من ناصر ووارث يورثها من يشاء من عباده. PageV01P472 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # اعلم أن الناموس هو مفتقر إليه في بعض الأحيان كالدواء ، لكن نكشف شرح ~~مشقة الأحوال عند العوام ، فإن صاحب الشرع خاطب الناس على قدر عقولهم ، ~~والمنزه ذكره خاطب كل أحد بما يستحقه ويعقله : فلقوم ولدان مخلدون ، ولقوم ~~سدر مخضود وطلح منضود ، ولأرباب الهمم العالية ( @QUR@06 وجوه يومئذ ناضرة ~~إلى ربها ناظرة ) [القيامة : 22 ، 23] والمنشد قد نبه في نظمه (شعر): # إما ذبابا فلا تعبأ بمنقصة %~% أو قمة الرأس واحذر أن تقع وسطا # واعلم أن الزمان حبيب أهله ، وطائفة تخترع لها مذهبا في الناموس بطريق ~~الزهد ، كالسبح ، والمرقعات ، وجلود الغنم ، والبرانس ، وأذان الليل ، ~~والانقطاع في الكهفان ، وكبر الأمور بحيث أن يقول لصاحبه اذهب ففي الموضع ~~الفلاني كذا وكذا. وطائفة تظهر النور ، وأخرى تقعد بين القبور ، وإظهار ~~الخزعبلات والنيرنجيات بمعرض الكرامات ، ودهن الأقدام ، والخوض في النور ، ~~وإظهار الخرق من سمندل الصين التي يذهب وسخها النار ، وإظهار الخفف ، ومد ~~الشعبذة ، وضرب طلسم على النعل فيعبر الماء ، ووقوف السجادة في الهواء ، ~~وشعلة القناديل ، وإشعال السراج بالماء دون الدهن ، وكثير من ذلك لا عدد ~~لها. والفرق بين المعجزة والسحر والكرامة هو دواء الشيء وإظهاره للناس ، ~~كالقرآن المجيد ، فهو المعجز الأكبر ، والناموس الأعظم ، فلا تطلى على ~~الملك حالات المبرهن. وأما أرباب الكرامات والمكاشفات فهم الذين استخدموا ~~وخدموا ، واستعملوا وعملوا ms613 ، فكشف لهم العمل سد الغفلة ، وضرب جهة الذكر ما ~~في الشبه القلبية فأزال زرقتها وسوادها ، ووقعت المشاهدة عقيب المجاهدة ، ~~فتنورت القلوب بنور الصدق والتصديق ، فهامت النفوس المقدسة في مهامه المروج ~~الصمدية ، وانكشف سر اللوح والمحفوظ من دار الديمومية ، وظهرت الخواطر ~~الصافية عن الأجسام الرذلة المعلولة فأغرقت في قلب كمال الوجود ، ووافت من ~~صحبة أهل الجود ، وبزغت لهم أقمار الحقائق من فلك الطرائق ، فكان باب بدو ~~البداية رؤية كوكب ضعيف ، ثم انبسط النور الرباني من نقش عرش الإيمان فصار ~~قمرا إبراهيميا ، ثم انبجست عيون المحبة الربانية عن فيض شمس الحقيقة ~~البرهانية ، ثم رق القلب الصادق الصافي الوافي على براق علو الهمة فصادفت ~~فلكا وملكا ، ثم صفقت أجنحة الاشتياق فصادفت عقار المحبة ممزوجا بمياه ~~الخوف ، شربت لما قربت ، وطربت وتقربت ، وشقت ثياب البشرية والتحقت به ~~بالكلية ، وأنشدت في سكرها (شعر): # ولقد خلعت على العواذل سلوتي %~% وحلفت بالحرمين لا أنساكم # ففتحت أبواب مجالس الطرب ، ونادى العاشق الصادق من عظيم الويل. والحرب عجز PageV01P473 # عن حمل حلاوة الخلاة فنادى بين شوارع دروب الكروب : # بالله ربكما عوجا على سكني %~% وعاتباه لعل العتب يعطفه وعرضا بي وقولا في حديثكما %~% ما بال عبدك بالهجران تتلفه فإن تبسم قولا في ملاطفة %~% ما ضر لو بوصال منك تسعفه وإن بدا لكما من مالكي غضب %~% فغالطاه وقولا لسنا نعرفه # فإذا شوهد منه ضعف الحمل أماتته يد القدرة تحمل التنين ، فهو معروف في ~~البداية بالجنون ، وفي النهاية بالفنون ، فنراه في حال بدايته يتشبب ~~بالنغمات والسماع ، إن اتخذه دأبه وعادته صرف وجهه عن الباب فضرب بينهم ~~بسور له باب ، وإن جعل ذلك جسرا يجوز به من العلم الأصغر إلى العلم الأكبر ~~وهو علم المعارف ، فيدخل في حالات العاشقين ومقامات الصادقين ، فيقيل تحت ~~أشجار الحكم اللاهوتية عند رب العالمين ، فتنكسر زجاجات جسمانية ويدور به ~~دولاب سعادته ، فأقل مقامه إظهار كرامته ، فإذا رأى أحدا من أحبائه وضع خده ~~تحت نعله وترابه ، كما نقل في الحكايات المجنونية في ليلى العامرية أنه رئي ~~على كتفه كلب يطعمه ms614 ويسقيه ، وقيل له في ذلك ، فقال : رأيته يحرس باب ليلى ~~، ثم أنشد حين تأود (شعر): # رأى المجنون في الفلوات كلبا %~% فضم إليه بالإحسان ذيلا فلاموه على ما كان منه %~% وقالوا لم منحت الكلب نيلا فقال ذروا ملامكم فعيني %~% رأته مرة في باب ليلى # وهذا يعضده ما روي" أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قيل له : ألا تصلي على ~~فلان وقد مات؟ فقال : لا أصلي على من لم يصل ، فقال عمر : أنا رأيته يصلي ~~ركعتي العيد ، فقال عليه السلام : كيف أصلي على من لم يصل إلا نافلة! فجاءه ~~جبريل عليه السلام أمين الحضرة وقال له : يا محمد أليس رأوه في بابنا مرة ~~إذا رددته من بابي فبباب من يقف؟ يا محمد إني قد غفرت له فصلت عليه ملائكتي ~~، إن الله لغني عن العالمين". ### ||| * المقالة الرابعة عشرة ### ||| * في المواعظ التي تجلب قلوب الناس إلى طاعة الملك # إنا قد عرفناك بطرق ثلاثة داعية إلى الملك ، وها نحن نعرفك بطريقة أخرى ~~فنقول : يا أيها المعيب القائل من فلان حتى يثبت على الملك بماله وآله ~~وملكه ومقاله وأبيه وأمه ، فنقول له : من كان نمرود بن كنعان ، وعاد صاحب ~~الجنان؟ فإدريس مخيط الخيام ، ونوح نجار الأيام ، وإبراهيم راعي الضأن ، ~~وداود زراد ، وطالوت دباغ ، وصالح تاجر ، وسليمان خواص ، وعيسى سراج ، وآدم ~~حراث ، أما تتعظ بقوله تعالى : ( @QUR@014 تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ~~ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء ) [آل عمران : 26] واعلم أنه لا بد لك ~~من ملك تقتدي به وتميل إليه ، PageV01P474 # فللحيوان أمير ومقدم كالنحل والنمل وغيره. إن فهمت بآذان العقل فكن أطوع ~~من ضيف ، وإلا هامتك والسيف. أما سمعت قول المشرع عليه السلام : " أطيعوا ~~أميركم ولو كان عبدا حبشيا". قال الله تعالى : ( @QUR@07 أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) [النساء : 59] فإن فهمت المواعظ فقد قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تشابكوا المساعيد فإني سيدهم" فإن عربد ~~الجهل فانظر إلى البازي والعقاب والنسر والذباب كما نظمه ذوو الألباب (شعر): # يا طالب الرزق ms615 السني بقوة %~% هيهات أنت بباطن مشغوف رعت النسور بقوة جيف الفلا %~% ورعى الذباب الشهد وهو ضعيف # وأنت أيها العاقل لا تشابك الزمان والدول ، ولا تفتن بما جرى للقوم الأول ~~، وإذا سمعت بالمرتاضين فكن بهم ملما فإن خواص أنفاس القوم فيها جذب ~~مغناطيسي ، أما سمعت بذي القرنين لما سمع بأرباب الهمم الهندية ، وهم ~~أربعون رجلا ، اتخذ لهم ما أزعجهم وفرق هممهم ، مثل زعجة الطبول والأبواق ، ~~فتفرقت هممهم فداسهم. وانظر إلى المعاني التي أودعناها في كتاب الملك فإنها ~~كافية ، واستزد من الإشارات ولا تكذب الكلمات فإنها أخوات المعجزات ، واعلم ~~أنه لا يستقيم جسم من غير رأس ، ولا سماء من غير شمس ، ولا تحسن أرض من غير ~~عمارة ، وفلاحة وتجارة ، وموت وحياة ، وغنى وفقر ، وملك وسياسة ، وإمارة ~~ووزارة ، فالأمور منظومة بعضها ببعض ، كما سنبين لك فيما بعد. ### ||| * المقالة الخامسة عشرة ### ||| * في قطع دليل المستدل # مسألة ما يقول في الدليل : ما أخذ منكم يا معاشر المناظرين إلا وقد تمسك ~~بدليل يصلح عقده أن يكون دليلا ، فيعارضه مناظرة بما يناقضه ، والمنقوض كيف ~~يكون دليلا والناقض إذا نقض بغيره فقد دخلته العلة فبطل عن منهج الدليل ، ~~وعارضه العلة بالنقض فصار كل دليل مزلزلا معلولا غير مقطوع ، فإن كان ~~منقولا أو معقولا وعارضه النقض فقد بطل حكمه أو قوله ، فإن قلت بطل قوله ~~فقد هدرت الشرع ، لأن الحكم والقول معا ، فأين آثار فقه المستدل؟ وإن كان ~~دليلك معقولا قياسا فكيف يستند بالقياس إلى منقول منقوض؟ وإن كان غير قياس ~~فكيف يمشي به السؤال؟ فبطل الكلام في النظر ، وإذا علمت أن كلامك مدخل تحت ~~العلة والمعلول ، فما العلة التي تنفصل عن المعلول؟ أم هي غير منفصلة عن ~~المعلول؟ فإن كانت العلة غير منفصلة عن المعلول فكيف يجوز أن يكون دليلا؟ ~~وإن كانت داخلة في المعلول فإما أن تكون جنسه أو غيره ، فإن قلت إنها غيره ~~فأين دليلك لتبيان القول؟ وإن قلت بأنها جنسه فكيف يأتي بعد مبين من غير ~~نتيجة بأنها علية ومعلول؟ وكل من فقهت نفسه لشيء ms616 فهو فقيه ، فكيف خص الفقه؟ ~~وأين آثار التخصيص به والدليل المقطوع له؟ وما النظر وما معنى المناظرة ~~والمجاورة؟ فإن قلت المجاورة هو زوال الإشكال من الحجة بطريق التبيين ، كما ~~يقال التبعيض إن PageV01P475 # فلانا أعرب حين بين ، وفلان بيض قصيدته ورسالته ، فأين آثار تبيين حجتك ~~إذا قطع الدليل والبرهان؟ وإن قلت الجدال المتشابكة أو جدال الجبل حين ~~حاستك بعضه ببعض ، فما ينفعك هذه المقالة اللغوية واللفظات الاصطلاحية إذا ~~كان متن دليلك مقطوعا بالنقض والعلة الداخلة عليه من الخصوم. فلا بد من ~~جواب فخور يفهم الخاطر ، فما هذا مقام أو مقال يحتمل المغالطة والمدافعة ، ~~فإن كان جوابك من غير السؤال فهو مداخله ضعيفة به ، وإن كان من نفس المسألة ~~فلا بد من برهان قاطع غير منقوض ، فالمنقوض معلول لا يصلح أن يكون جوابا. ~~وإذا سئلت عن الحجة والمعرفة بالشيء فإما أن يكون معرفتك برهان قاطع نقلا ~~أو عقلا غير منقوض ، فمشه وكن به مستدلا ، فالمعرفة بالشيء إما بنفسه أو ~~بغيره ، فإن كان بنفسه فهو البرهان المقطوع به إذا لم يكن سبيل البعض داخلا ~~عليه ، فالبراهين التصديقية كان برهانها تصديقها مثل ما تقول : هذا رجل ، ~~فلا تفتقر أن تبرهنه ، وهذا ليل أو نهار ، أو عشرة أكثر من خمسة ، فهذا لا ~~يطرد عليه معنى في بعض ولا ينعكس ، لأن تصديقه ينقسم ولا يفتقر إلى برهان ، ~~فأت بدليل على مثل هذا المعنى! فقد علمت أن هذه العلة لا تفارق معلولها ، ~~وأن المعل لا يكون لجهل أو لفهم أو قبحه ، وإنما يكون براهين تصديقية أو ~~براهين معلولة أو منقولة غير منقوضة ، فإذا دخل النقض أزال حكم الدليل ، ~~فهذا معنى قولنا قطع الدليل. ثم تستدلون بأخبار الآحاد والمراسيل وقد علمتم ~~بالملزم فيها من الطعن والتشكيك ، ثم المتواتر بنفسه عندكم فهو دليل ، ولا ~~يعتبرون فيه العلم ، إذ هممكم إنما هو وقائع وخصومات وإظهار مناقشات في ~~رياسات ، والباحث عن إظهار الحق قليل. ### ||| * المقالة السادسة عشرة ### ||| * في كتاب الطهارة وآدابها وأسبابها # واعلم أن الطهارة فرض ظاهرا أو باطنا ، فأما الباطن ms617 فطهارة القلب من كل ~~شيء سوى الله ، فإذا وجدت من القلب هذه الطهارة الصافية الكاملة صار القلب ~~محلا للفيض الرباني والعلوم اللدنية الإلهية ، وكشف أغطية الأسرار عن نير ~~نهار القدس ، فانبجست عيون الكرامات ، وترقى العقل من حضيض الشهوات إلى ~~سماء الخاصة ومعارفها ، ثم إلى سماء كشف أسرار الربوبية ، ثم يترقى العقل ~~الجوهر الكامل إلى كرسي المراقبة ، ثم إلى عرش حضرة القدس ، ثم تقدم له ~~موائد فوائد تحف المحبة فيشرق أنوارها على هياكل الطباع المظلمة ، ويجري ~~قلم التوحيد فوق لوح التمجيد بطريق التأييد ، فمنهم شقي وسعيد. وإذا كشفت ~~لك هذه المملكة الباطنة لم تلتفت على الموت ، فإن الموت هو جامع بين ~~الأحباب ، وفي الطباع المتنافرات مفرق بينهم ( @QUR@05 فتمنوا الموت إن ~~كنتم صادقين ) [البقرة : 94] وقد سمعت النظم فيه شعرا : # سهل عليك الذي تلقاه من ألم %~% إن كان شملك بالأحباب يجتمع # فإذا طلعت عليك كاسات الوصال في دار التخلية ، وهبت ريح النسيم ، ونادى ~~منادي التقديم ( @QUR@04 وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ) [المطففين : 26] ~~فعند ذلك تصير روحك ملكا يضيء ، ولو لم تمسسه نار. PageV01P476 # واعلم أن الله تعالى خلق الخلق وصنفهم ثلاثة أصناف : فطائفة عقل مجرد وهم ~~الملائكة ، وطائفة شهوة مجردة وهم البهائم ، وطائفة عقل وشهوة وهم بنو آدم ~~وهم وسط بين الطائفتين. فمن غلب عقله شهوته التحق بالملائكة ، ومن غلبت ~~شهوته عقله التحق بالبهائم ( @QUR@03 فاستقم كما أمرت ) [هود : 112]. # ثم نعود إلى الطهارة الظاهرة ، قدم الماء الطاهر في الإناء المخمر ، ~~واغسل يديك قبل الوضوء ثلاثا ، واستقبل لوضوئك القبلة ، وكن على نشز خوف ~~النضح ، وعليك بالتسمية والسواك والنية في مبدأ الفرض ، ففرض الوضوء ستة : ~~النية عند أول جزء من الوجه ، ثم غسل الوجه ، ثم غسل اليدين إلى المرفقين ، ~~ومسح المقبل من الرأس ، وغسل الرجلين مع الكعبين ، ثم الترتيب في الموالاة ~~في أصح الوجهين ، ثم غسل الحيض والجنابة بوضوء ، وغسل ثلاثا ثلاثا ، ونيته ~~ونية غسل الجنابة أو الحيض. ثم مناقض الوضوء وهي : النوم قاعدا متمكنا ، ثم ~~زوال العقل بأي فن كان ، ثم لمس الرجل المرأة ولا حائل بينهما ، وينتقض ms618 طهر ~~اللامس دون الملموس في أصح الوجهتين ، ولمس الفرج ثم آداب دخول المسجد ~~بالقدم اليمنى في الدخول واليسرى في الخروج ، ولا يستدبر ولا يستقبل القبلة ~~ولا الشمس والقمر إلا من وراء ستر وحائل ، وينحي ما عليه اسم الله من عليه ~~، ويجوز الاستنجاء بكل طاهر إلا ما له حرمة كالمطعم وغيره ، ولا يجوز ~~الاستنجاء بعظم أو جارح أو بما يؤذي المحل ، فقد قال صلى الله عليه وسلم : " ~~لا تستنجوا بالعظم فإنه طعام إخوانكم الشياطين" فإن الله يكسوه لحما ~~فيأكلوه. والأفضل أن يعقب الاستجمار بالماء وهي طهارة أهل فناء ، ويقول في ~~دخوله : " اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث ، ومن الشيطان الرجس النجس" ~~فإن خرج يقول : " غفرانك الحمد لله الذي أخرج عني الأذى وعافاني" ولا يجوز ~~البول في الماء الراكد ، ولا ثقب أرض ، ولا على قارعة طريق أو شاطئ ، وتحت ~~شجرة مثمرة وغيره. ثم يجوز التيمم من عذر طارئ ، أو برد مخوف طارئ ، أو ~~جراح ، أو حدوث ثمين ، فيجوز التيمم بتراب وغبار تعلق باليد ، ويجوز عن ~~الحيض والجنابة مع الأعذار المخوفة الموجودة ، بضربتين لوجهه ويديه. قال ~~غيرنا : يجوز التيمم بكل ما صعد عن الأرض من حجر أو جدار ، ولكن بعد دخول ~~الوقت ، ونزع الخاتم من اليد. ويجوز للمتيمم أن يصلي بالمتوضئ ، فقد فعل ~~ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويجوز المسح على الجبائر بشرط ~~الطهارة. ### ||| * كتاب الصلاة وهو مقالتان ### ||| * مقالة في الأحكام الظاهرة ، والمقالة الأخرى في الأحكام الباطنة وما يجد فيها العارفون # اعلم أن الصلوات الفرض هي خمس صلوات وركعاتها سبع عشرة ركعة ، وأكمل ~~سنتها ثماني عشرة ركعة. وأحكامها الظاهرة مثل كمال الوضوء بالماء الطاهر ، ~~وطهارة الثوب والبدن والمكان ، واستقبال القبلة ، والإتيان بتشديدات ~~الفاتحة ، والطمأنينة في الركوع والسجود ، والاعتدال بين السجدتين ، والرفع PageV01P477 # من الركوع ، وقولك في الركوع ثلاث مرات : " سبحان ربي العظيم وبحمده" ~~وتقول في السجود : " سبحان ربي الأعلى وبحمده" مثلها ، وهو أقل الكمال ، ثم ~~الاكتناف ، ومعرفة الأوقات : فوقت الصبح إذا تبين الفجر الثاني ويبقى وقت ~~الأداء إلى طلوع الشمس ms619 ، ووقت الظهر إذا غربت الشمس من وسط الفلك ويبقى وقت ~~الأداء إلى وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثله وزاد عليه أدنى زيادة ، ويبقى ~~وقت الأداء إلى غروب الشمس والمغرب مع طلوع الليل ، ووقت العشاء إذا غاب ~~الشفق الأحمر ، وعند أبي حنيفة والمزني إذا غاب الشفق الأبيض ، وهو وقت ~~صلاة المتقين والأبرار. والأذان شرط لا فرض إلا على الكفاية. ثم تلزم ~~قوانين الآداب ، وتستحي من الله كما تستحي من سلطانك ، أما سمعت الخبر : لا ~~تجعلني أهون الناظرين إليك ، قال الله تعالى : ( @QUR@05 أيحسب أن لم يره ~~أحد ). وتعظم شعائر الله وتأتي بها في أوقاتها إلا الظهر في شدة الحر كما ~~قال : " أبردوا بالظهر ، ونوروا في الفجر ، وأخروا في العصر". ثم تأتي ~~بكوامل النوافل مثل الضحى ، والتراويح ، والصلاة بين المغربين ، وأوراد ~~الليل والسحر ، وسنن يوم الجمعة العشرة وآدابها مثل الاغتسال ، والسبق ~~إليها ، وقراءة الكهف ، وكثرة الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~وتواظب فيها على الصلاة السبعينية قبل الزوال ، وتطلب فعلها في الإحياء ، ~~وتأتي فيها بصلاة الحاجة من اثنتي عشرة ركعة بست تسليمات تقرأ بعد الفاتحة ~~آية الكرسي مرة ، وثلاث مرات : ( @QUR@04 قل هو الله أحد ) فإذا فرغت من ~~جميع الصلاة تسجد بعد السلام فتقول في سجودك : " سبحان الذي لبس العز وقال ~~به ، سبحان الذي تعطف بالمجد وتكرم به ، سبحان الذي أحصى كل شيء بعلمه ، ~~سبحان الذي لا ينبغي التسبيح إلا له ، سبحان ذي العز والكرم ، سبحان ذي ~~الطول والرحمة ، أسألك اللهم بمعاقد العز من عرشك ، ومنتهى الرحمة من كتابك ~~، وباسمك الأعظم ، وجدك الأعلى ، وبكلماتك التامات كلها التي لا يجاوزهن بر ~~ولا فاجر ، أن تصلي على محمد وآل محمد" ثم يسأل حوائجك الجائزة. ولا تصل في ~~المواضع النجسة والمواضع المغصوبة ، ولا في ثوب حرير ، ولا في خاتم ذهب. ~~وتقوم بالمسكنة به والذل والصغار ، فإذا اجتمع الناس تحسبه القيامة ، وتحسب ~~صوت المؤذن كنفخ الصور ، فظهور الخطيب في الموعظة كتجلي الحق بعتب الخلق ~~والتوبيخ ، وقيام الناس في الصلاة كقيامهم في الموقف ثم الانصراف ms620 في المسجد ~~كتفرقهم يوم المعاد : فريق في الجنة ، وفريق في السعير. # والسر في الوضوء هو طهارة الأعضاء وتنبيهها. والشجرة الآدمية كغيرها من ~~الشجر لا بد لها من خدمة ، فتقليم فروعها كقص الأظفار والحلق ، وشربها ~~الماء كالوضوء والغسل ، وتنظيفها وخدمتها كحسن آدابها ، وترك الفضلات ~~الدنيوية إنبات بقول العلوم عن سواقي الخدمة ، وصون النفوس عن القبائح ~~والرذائل سباطها وحرمتها ، وجريان مياه الفضل في مجاري أنهار العقول يكسب ~~في الشجرة نوح حمام المحبة وصفير بلبل التوحيد ، وتمام المعرفة وأنوار ~~اليقين في برك البركات ، وصفاء نسيم الصدق في جواز أحداق المعرفة. وأهداب ~~الشجرة مخاطبة بأنوار الإيمان ، ومنادي الأزل ينادي بقلوب المريدين : سيروا ~~من قواليب الأغيار إلى الشجرة الزيتونة المباركة التي ليست بشرقية ولا ~~غربية ( @QUR@03 يكاد زيتها يضيء PageV01P478 # @QUR@04 ولو لم تمسسه نار ) [النور : 35] هذا معنى قوله تعالى : " لا ~~يزال عبدي المؤمن يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته صرت سمعه الذي ~~يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، فبي يسمع وبي يبصر ، فمن يبصر ويسمع بي أقل ~~ما أعطيه أن أخرق بيني وبينه روزنة يراني بها ، وينظر من غير مثال ، وأعطيه ~~نورا يفرق به بين حقائق معلومات". معناه تحمل قلوبهم في صلاتهم إلى حظيرة ~~القدس فيشاهدون جلال الربوبية من الديمومية ، وتظهر لهم شموس المعرفة من ~~صفاء سماء حقائق القلوب ، وتنجلي لهم حالات الآخرة بذاتها مثل ميزان العقل ~~وصراط اليقين ، وهو معنى قوله عليه السلام : " أرحنا بها يا بلال" ومعنى ~~قوله تعالى : ( @QUR@02 واسجد واقترب ) [العلق : 19] قال جعفر الصادق رضي ~~الله عنه : " عند سجود العارف لذي المعارج يرفع الحجاب فيرفع القلوب ~~الطاهرة إلى سدرة المنتهى ، فيتجلى لها أنوار القدس ويفتح لها أبواب جنات ~~حرم الحق ، فيعطي ما تريد لتابعتها لما تريد" كما تمثل فيه بعض أهل التوحيد ~~(شعر): # أريد عطاءها وتريد مني %~% فأترك ما أريد لما تريد # وإذا صفت القلوب في الصلاة من الوساوس المرذلة ، حظيت بالمشاهدة لرفع ~~غمام الغم وظلم الوساوس عن عرصات القلوب ، فهناك نشاهد الأفلاك والأملاك ~~مثل ما نظمه القاضي البستي : # رؤية الحق بالعمى عن ms621 سواه %~% وعيون ترنو به ستراه هو في الكل ظاهر غير أن ال %~% لهو بالعيش والهواء ستراه # وسأضرب لك مثلا فأقول : اعلم أن القلب كعرصة فيها شجرة أراد أحد أن يصلي ~~تحتها فوجد فيها عشاش طيور بزقازق وهدير منعته عن لذة قراءته ومناجاته ، ~~فإن تشاغل بطرد الطيور فاته الوقت ، فلا سبيل إلى وجود اللذة إلا قطعها ، ~~وأنت قد غرست في قلبك شجرة حب الدنيا ، وملأت الشجرة بوسواس اكتسابك وهمك ~~وغمك ، فإن قطعتها صفا حالك وعظم إجلالك وتجلى جلالك كما قال الجنيد : # تركت هم الدنيا فصفا عيشي %~% وتركت هم الآخرة فصفا قلبي # والسر في الصلاة إنما هو كتقرب الخادم إلى المخدوم إذ يراه في قواليب ~~الذل والانكسار ( @QUR@06 عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ) [الإسراء : 79] ~~وهو معنى قول سقراط : اشتباك نغمات الأصوات من هياكل العبادات ، تحل ما ~~يعقد في الأفلاك الدائرات. إذ باب خواص الأدعية مفتوح ترجم عنه القرآن: ( ~~@QUR@07 إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ) [فاطر : 10] وصفة ~~داود مع المزامير معروفة ، كان إذا كان له حاجة جاء بزهاد المجاهدة ، ~~وأقامهم في محاريبهم ، ووكل بكل واحد منهم صاحب مزمار ليقطع بلذة نغمه قلب ~~المريد إلى حاجة داود ، فتسرع الإجابة كإجابة الاستسقاء ، والسحر المعول به ~~متأثرة من الهمة. PageV01P479 # واعلم أن الأوزان القلبية لا تظهر إلا بطهارة المحل ، فإذا ارتفع السد من ~~القلب بانت موازين معارف القلوب ، وامتد فيها صراط الحق ، وفتحت أبواب ~~المعرفة بالله ، وبانت أنفاس حميم حب الدنيا ، كما قيل : هناك حميمها ~~القاسي ، حميمها جنة فيها الحمام. فإذا كان على هذه الوتيرة ، فاجعل حوائجك ~~من مولاك في خدمتك ، وتطيب بطيب المعرفة ، والبس ثياب شعار الندم ، وضع خدك ~~على تراب التواضع ، واعلم أن لكل شيء وزنا : ووزن الشعر بعروضه ، وأوزان ~~المميز بالنظر ، وأوزان المأكول والمشروب بالكفتين والقبان ، وميزان ~~الصوفية بأوقات النهار ، وميزان الخطب بتعديل الكلام ، وميزان القيمة بقصاص ~~الأفعال ، فكفة ظلمة ظلمك وكفة نور طهارة أعمالك. فاعلم حالك واستقم في ~~أحوالك ، فإبراهيم لما بان له ميزان النظر قال بطريق التشكيك : هذا ربي ، ~~فلما استقام ms622 بين كفتي الأحوال قال : وجهت وجهي. ### ||| * المقالة السابعة عشرة # اعلم أن الخواص غير محصورة وليس لها تأويل يحل فتؤخذ بذواتها ، كالصبر ~~المسهل ، والسقمونيا ، والشيء المقبض ، ليس علينا أن نسأل لم أسهل هذا أو ~~قبض هذا ، فكيف نعترض طبيب الشرع فيما جاء به من التحليل والتحريم ، أو ليس ~~حجر يشم يذهب النفخة! فكيف تشك في شفاء خواص القرآن وما فيه من التحرير ، ~~وفيه قوارع مخصوصة لمعاني مخصوصة مثل سورة الواقعة للغناء والمال ، وإذهاب ~~الغم بسورة الدخان ، ورفع البلاء والتحرز بسورة الكهف ، وخاصيتها ( @QUR@08 ~~فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا ) [الكهف : 97] ولا يجوز قراءة ~~الآية وحدها إلا بإضافة السورة إليهم كما قلتم لا يجوز استعمال الأدوية ~~المفردة. ### ||| * مسألة في تعجيز المنجم # تقول : يا حكيم هذا النجم الفاعل المتصرف في العبد ، المولد في نقطة ~~الكرة ، كيف تصرف فيه بطبعه أم بجنسه أم بخاصيته؟ فإن قلت بالطبع فالطباع ~~مختلفة ، وإن قلت بالجنس فذاك سماوي وهذا ترابي ، وإن قلت بالخاصية ~~فالخاصية عرض لا بقاء له ، وإن سلمنا إليك بالخاصية فهل هي في نفس النجم أم ~~في نفس الشخص؟ فلا بد من الكشف والتبيين وإقامة البرهان. أما السحر فهو عمل ~~وكلام قد تداولوه بينهم في أوقات معلومة وطوالع معروفة وطلسمات مضروبة ، ~~فإذا أردت أن تولد طلسما يصلح لما تريد فخذ من كل ثلاثة أحرف حرفا ، فإذا ~~اجتمعت لك في التأليف ثلاثة أحرف من تسعة فهو طلسم يصلح لما تريد ، فانظر ~~في الأوسطرلاب عند ساعة التأليف فهو يصلح لما دلت عليه الدقيقة من الساعة ، ~~ومثاله ا ب ت ث فتأخذ الجيم والثاء أليق عوضا عن الجيم ج ح خ خذ الصاد ص ط ~~ظ خذ العين فيصير عقربا لتدوير الحروف فضع صورتها على خاتم والقمر في ~~العقرب ، تكف خاصيتها عنك أذى النساء ، ترمي الخاتم في الماء فينفع سقياه ~~الملسوع ، وتلقي به سوءا بين من أردت ، وترش PageV01P480 # من مائة على سطح المبغض أو طريقه أو داره فإنه يستضر من سنة. وخذ صورة ~~أسد والقمر في الأسد ، وانقشه ms623 على خاتم بسواد ومعه كلمة وهي : " أتينا ~~طائعين" ، فتدخل به إلى الملك فيذله الله لك. # ذكر كلمات تذل الملوك : ( @QUR@07 ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ) " ~~ذل البحر لبني إسرائيل". " شاهت الوجوه". فهم لا يبصرون ولا يعقلون ولا ~~يسمعون. # ذكر كلمات يأمن بها الخائف من السلطان بقدرة الله : لا تزال تقول وأنت ~~داخل إليه أو قاعد عنده في نفسك : يا قديم الإحسان بإحسانك القديم. # ذكر كلمات تصدق بها عند لسان السلطان : تقول عند الدخول عليه : ( @QUR@04 ~~اليوم نختم على أفواههم ) [يس : 65] ( @QUR@04 ولا يؤذن لهم فيعتذرون ) ~~[المرسلات 36] ( @QUR@06 صم بكم عمي فهم لا يرجعون ) [البقرة : 18] ولا ~~يعقلون. # ذكر كلمات تفرق بها بين جماعة فاسدة تخافهم : تأخذ أفرادا من شعير حزام ~~وتقول عليه أربع مرات : هاطاش ماطاش هطاشنة ( @QUR@07 وألقينا بينهم ~~العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ) [المائدة : 64] وترميه من حيث لا ~~يشعرون وتنظر ما يصنع الله. # ذكر ما يبغض بين الشخصين : يكتب على بيضة وتشوى وتطعم ( @QUR@03 ومزقناهم ~~كل ممزق ) [سبأ : 19] ( @QUR@02 وحيل بينهم ) [سبأ : 54] قطعا ، بغضا. ~~ويكتب على بيضة مخيط عليها بخام مضيق سبع ضادات وتوضع في مجمرة ملة ، فإنها ~~تستوي ولا تحترق الخرقة ، وتطعم البيضة للمحموم ، وكثير مثل هذا. وقد ~~حصرناها وشرحناها في كتاب عين الحياة ، وهو صغير الحجم كثير الفوائد ، وفيه ~~المقالة الإلهية التي هي سبب الجمع بين الأجساد والأرواح بطريق بعث ~~الإكسير. اعلم أن الصناعة الإلهية لا تخلق ، إن كانت فتكون وإن لم تكن فليس ~~بصحيح ، لأن جماهير الناس أجمعوا على : إن كانت فلا شك أن تكون. ودلالات ~~المنقول والمعقول قائمة دالة على الجواز ، فالمنقول قوله تعالى : ( ~~@QUR@011 ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله ) [الرعد ~~: 17] وقوله تعالى : ( @QUR@05 إنما أوتيته على علم عندي ) [القصص : 78] ~~وأما المعقود دل عليه عمل الصابون ، فإنه جامع بين الأضداد ، ماسك الطباع ~~الدهنية والمائية والنارية ، فلما حصل تجميده على تجميده ، دل بتجميده على ~~تجميده ، ولو لم تكن صناعة صحيحة لما كان الإبريز كثيرا لبعد المعدن ، وهي ~~حالة مصنوعة كسائر المصنوعات ، وقد ضاع العالم فيها ، وضيعت الأموال ms624 في ~~تحصيلها ، فلم يظفر بها إلا الرجال الأفراد المطلعون على علوم خواص النبات ~~وخواص الحيوان. ولكن يا موسى لا بد لك من خضر يعلمك معنى خرق السفينة وقتل ~~الغلام وإقامة الجدار ، مع معرفة الخصال الثلاثة حصل له كشف الكنز ( ~~@QUR@04 وكان تحته كنز لهما ) [الكهف : 82] فإذا خرقت سفينة الصنعة ، وقتلت ~~غلام الزئبق الآبق حتى يصير ماء زلالا ، فأضف إليه جدار تصعيد الزرنيخ ، ~~فإذا صح لك قوامه وملكت إكسيره فهي الحالة PageV01P481 # الفضية ، ولكن بشرط نشر الفلوس الرومية حتى تصير على هيئة التراب فتوضع ~~وزنا بوزن ، فبعد حسن السبك وقوام التصعيد وصارت الأرض فضة يتخذ منها دراهم ~~معدودة وكانوا فيها من الزاهدين. واعلم أن الزرنيخ اسم مركب فأوله زر ~~بالعجمية ، فإذا صح لك فأنخ بجمال غنائك على باب أستاذك ومعلمك ، وسر بذي ~~القرنين من عقلك إلى مغرب الشمس الذهبية عند عين حيوان من نبات طأطأ ، ~~فبياضها للأبيض ، وصفارها للأصفر ، هي دواء العيون إذا نامت العيون ، ثم سر ~~إلى مطلع شمس حرارة زئبق الآبق وحصله ، فإذا بلغت بين السدين فانفخ عليه من ~~نار لطيفة طيبة ، فإذا صح إكسيرها أو لم يصح فارجع إلى حد الطلق ، فإن صح ~~لك فهو الإكسير اللؤلؤ الكبير فحصله فإنه موجود ، وإن لم تقدر على تحصيله ، ~~والعمل بها قد ذكرناه في كتاب عين الحياة ، فعليك بمداراته والصبر على ~~التطويل. # واعلم أن هذه الصناعة هي صناعة ربانية لا يقدر عليها إلا الأبدال والرجال ~~والأبطال الذين كشف الله الرين عن عيون قلوبهم ، وهذه لا تصح إلا للطائع ~~الذي يريد به عونا على الآخرة أو وفاء دين أو دفع شين ، وهي حريزة غريزة ، ~~ولها أربعون صناعة قبلها ليكون عونا عليها : مثل عمل الأكحال والأبراد ~~والأدوية والدوانيق ، ونحن نذكر خواصا دالة مظهرة لبدائعها وصناعتها مذكورة ~~في كتاب عين الحياة ، وأعظم ملكها الأكبر هو تصاعد الزرنيخ ، ومعرفة أجزائه ~~، وزمانه المعتدل الصالح النافع للأبدان ، غير مضر من حر وبرد ، وهذه ~~الصناعة الفضية التي يسميها أرباب الصنعة القمرية ، فقد تعمل فيما يتصعد من ~~إكسير بياض البيض ، وأصلح ms625 ذلك هو الزرنيخ المصعد قواما معتدلا ووزنا واحدا ~~معروف الصفة. فافهم واعرف زمانه المعتدل وخف عليه من الحر المحرق والبرد ~~الممزق والمفرق ، فتربيته كتربية الأطفال مفتقر إلى الاعتدال. فابدأ أولا ~~بصنائع الأبراد والأكحال ، مثل الغريزي الصغير والكبير ، والجلاء الصدفي ، ~~وبرود الحسك ، وبرود المياه ، وهو أن يجتمع المياه مثل مياه التفاح والحصرم ~~والرمان وتضيف إليه عرق الماميرون وعرق الريح ودوادي جعفران وبهمني سهر ~~وماء الرازيانج وتوتيا أخضر رقيق وهو المرادني ، فإذا صح هذا كله فاجبله ~~بهذه المياه مع ماء الرازيانج وماء الحسك ثم نشفه بين الشمس والظل ، فإذا ~~أمسكت نفسه وزالت رطوبته فاعمل منه فصوصا أو تصحنه جلا ، فهذا هو التوتيا ~~الهندي الذي يساوي مثقاله مثقالا ، ولا بأس معه بماء الماميثا. وما حي ~~العالم هذا هو البرود الجامع والجلاء النافع والتوتيا الهندي القاطع ، فإن ~~عملت منه شيئا فلما يكون وهو رطب حار ، هذا هو كيمياء الأبراد وبه يحصل لك ~~إن شئت مكسبا تستريح من تعب غيره. # إذا أردت عمل الادن : خذ ما شئت من الادن الخرق الصحيح وتضيف إليه لكل ~~جزء ثلاثة أجزاء من شمع صافي ، وتطبخه بنار لطيفة بقدر ما يمتزج وتحطه ، ~~فهو الادن. وكل مصنوع لا بد له من خمير خالص وهو إكسيره. # صفة عمل الزعفران : تأخذ أصفر لحم البقر ، وليكن من فخذه لا سمينا ، ~~وتطبخه بالخل والزعفران ثم تبرده وتغسله شعرات زعفرانية ، ثم تضيف إلى كل ~~أربعة أجزاء جزءا من PageV01P482 # الزعفران الخالص. # فأما عمل المسك والزيادة : تأخذ من الخالص خمسة أجزاء وتضيف إليه مثله من ~~الخبز المحترق ، أو الكبد المشوية المحترقة ، أو جزء فأرة مسكية ، من كل ~~واحد جزءا يضاف إلى الجزء الأصلي من مسك أو زباد. # فهو الإشارة كافية إن عقلت بصدق العمل ، فقد قالت الشطيات : لقمة من ~~القدر تكفي لمن يشم الرائحة وفضل لقمة يتحتم لمن لم يكن شبعان ، والصنائع ~~مغطاة فإذا كشفت بان سرها. والعجائب ظاهرة في كتاب عين الحياة ، # واعلم أن المسك هو من دم غزال بري يأكل من أطائب الأفاويه البرية كالفلفل ~~والقرنفل ms626 وغير ذلك ، وقد قيل في العنبر إنه ينبع من عين بأرض مدينة عنصوريا ~~، والكافور هو من عين ، فيعجن العنبر بأوراق بحرية بين أشهب وأبيض وما شئت ~~من الألوان ، وقد نزل من السماء عشرة أشياء كالمن والشيرخشك والترنجبين ~~واللاذن ، وقيل هو عين في جبال مرعش ، وينزل من السماء القطر مع السحاب ، ~~يضاف إليه شيء من الزوائد فيطبخ بماء الشعير فيسقى للمرأة التي لا لبن لها ~~ولا حيض فتحيض هذه ويدر لبن هذه ، وقد ينزل من السماء ضفدع أخضر يصلح ~~للبواسير ، وقد ينزل من السماء بأرض سقسين حنطة حمراء لينة باردة على طعم ~~الزبد والعسل والثلج ، إذا أخذ من دقيقها وكحلت بها العيون المعيبة زال ~~عيبها ، ومن هاهنا أخذ من أخذ ، وإذا بخر بعضها تحت أحد أبصر الملائكة ، ~~وبه يبخر لعطارد فيكلمه. وقد قويت عزائم المنجمين بأن الأنبياء بخروا ، ~~فالكليم بخر لزحل أول ساعة من يوم السبت ، والمسيح بخر للمشتري ، وإبراهيم ~~بخر يوم الأحد للشمس وللمريخ يوم الثلاثاء ، وقد بخر زرادشت للمريخ وعطارد ~~، وقد بخر محمد رسولنا للزهرة يوم الجمعة ، واختفى في غار حراء ، فكانت ~~تأتيه في صورة جبرائيلية وهو تمثال لدحية الكلبي. # ومن أراد أن يبصر الجن مشاهدة ومصادقة ومخاطبة ، ويسمع كلامهم ويعينونه ~~على ما يريد ، فليقرأ سورة الجن في بيت خال من يوم بطالة في أحد أو أربعاء ~~، وبين يديه بخور اللبان ، ويخط له مندلا يقعد فيه ولا ينقطع عنه البخور ~~وهو يقرأ ( @QUR@08 قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن ) أربعين مرة ، وهو ~~يمثلهم ويحدث إليهم ، فإذا خرجوا إليه لا يخافهم ، ويستخدم منهم من شاء على ~~ما يشاء من سحر وطلسم وهياج وتسخير وإظهار كنوز وحب وتبغيض. # واعلم أن من الخواص النباتية ما يطول شرحه ، ونحن نشير إلى بعضه : # من أراد أن لا يبصره ولا تراه العيون فليزرع الخروع عند بدو زراعة القطن ~~في رأس سنور أسود ، فإذا طلع يخيط عليه كيسا ، ويربيه حتى يجني القطن ، ثم ~~يقطف العنقود كما هو بكيسه ويشقه حجرة ، ويأخذ مرآة بيده ، ثم يقطف ms627 منه حبة ~~حبة ويضعها في فمه وينظر صورته في المرآة ، فأي حبة لم يشاهد فيها نفسه عند ~~نظر المرآة فليمسك عليها. PageV01P483 # ولهم الأبهر الضم وهو نبت في الأرض على صورة ابن آدم ، فهذا يصلح لمن ~~عقله على نفسه لو مر بحجر لتبعه الحجر. # ولهم حشيشة تسمى بحشيشة الراسن ، تبخر من أوراقها على اسم من تريد فيأتيك ~~وإن لم يرد ، ولكن بشرط أن تقول هذه الكلمات على البخور ، تقول : " يا جامع ~~يا جن اجمعوا وقدموا لاق لاق عاجلا عاجلا اشروثا كبيبا ال صبي : ائتنا كرها ~~أو طوعا : قالتا أتينا طائعين". وليكن في يوم الأحد أو أربعاء. وهذا حشيش ~~الراسن يعمل منه شراب يسمى شراب الملائكة يصلح لأرباب الأخلاط المتساوية ، ~~ويصلح للنساء العجفاوات من شدة الحرارة ، وتجفف ورقه ويعمل منه برود يصلح ~~للعين التي ارتخت أجفانها ، وقد يعمل منه دواء يقوي اللثة ، وقد يبخر منه ~~تحت صاحب الحمى فيبرأ ، أو يبخر تحت النفساء ذات المشيمة المعلقة فتنزل ، ~~وقد يسلق ورقه بالخل مع ورق الزيتون فينفع الأسنان الضاربة. # ولهم نبات لا أصل له في الأرض وهو على هيئة العنقود على شجر البطم ~~والبلوط ويسمى حب العصفور ، ويسمى حب دبق صيد العصافير ، يصلح بخوره للبيوت ~~، خاصيته طرد الشيطان ، ويبطل السحر المدفون مثل مشاقة الشعر المقعد ، ~~وبرادات الأمشاط والأوتار المعقدة ، فبهذه دخل السحر على محمد ~~صلى الله عليه وسلم ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم : " ضيعوا مشاقات الشعور فبها ~~يعقد أكثر السحور ، وأعظم العبر في الأولياء والإبر التي تترك قريب النار ~~يا عائشة". وعزيمتها عشر آيات من آخر سورة الرعد. وهذا الحب يعمل منه الند ~~فيؤخذ منه جزء ، وجزء من عروق القسط وعروق الزعفران ، وشيء من برادة العود ~~القماري ، يدق ويطبخ جميعا إلا حب العصفور ، فيطبخ جميعا بماء الورد الجيد ~~العرق الغاية ، فإذا تجبل وصار طينا يحط إلى الأرض ، وإذا برد عمل منه الند ~~على ما تريد. # أما صفة عمل الدرانيق النافعة فقد سبقنا إلى ذكرها وعملها ، ولكن أقرب ما ~~تأخذه هو أن تضيف البندق ms628 المدقوق مع الجوز واللوز والسمسم القليل والفستق ، ~~فيعجن جميع هذا بالعسل الشهد مع قليل من ماء الورد ويرفع ، ففيه منفعة ~~وخاصية لسم العقرب ، وفيه خاصية للوقاع. # وجوف الجوز الهندي الحديث على الهريسة والحنطة نافع في الوقاع ويصلح لمن ~~وثبت عليه الأرياح الباردة. أما الترياق الأكبر فهو أربعون حاجة مع لحوم ~~الحيات مشروحة في كتاب عين الحياة. # واعلم أن في النبات والأدهان والحيوان ما يطول شرحه ولا يشغل كتابنا به ، ~~لكني أذكر لك عمل إساءة وهي الظنبوث : تأخذ من بصاصات الربيع ما تريد على ~~ما تريد واسم من تريد في ساعة محمومة ، فتضعها في قارورة زيت بأعلى النار ، ~~فتعمله ظنبوث إن شئت حبشية للبعض ، وإن شئت قرشية للمحبة ، وإن شئت فارسية ~~للسلطان ، وإن شئت كرمانية للخروج من المضرة والأمراض ، وتعلقها في الشمس ~~وكلما نقصت تزيدها دهنا ، ثم تتركها في نافذة ظاهرة وتربيها وتخدمها ~~وتبخرها ، وتقول عندها في كل يوم هذه الكلمات" أيها الظنبوث الطاهرة كوني ~~لما أريد" وهو يبخرها ، ولا يبخرها إلا طاهرا لا حائضا ولا جنبا ، فهي تنقص ~~عند نقص الهلال وتزداد بزيادته. فهذا من جملة الخواص الدهنية ، وفي الدهن ~~ما يطلى به الجسم فلا يعمل PageV01P484 # فيه النار ، وفي الأحجار ما يعمل منها فأس أو قدوم فإذا نقر به لا يسمع ~~صوته ، وفي الأحجار ما إذا وضع في التنور سقط خبزه. وقد عرفت خاصية ~~المغناطيس وأما خواص الحيوان فتطلبه في كتابه. ### ||| * المقالة الثامنة عشرة ### ||| * في عزائم التسخير # تقف أول ساعة من يوم السبت مستقبل الغرب بثياب سوداء وزرق بأبخرة مذكورة ~~مثل اللبان والحرمل وقشور الرمان والخردل البري ، ثم تقول في وقت سعيد من ~~تثليث أو تسديس مناط إلى شرف فتقول : " أيها السلطان الأعظم والملك العرمرم ~~، مالك الفلك التابعة له النجوم ، الخاسف المزلزل : زحل أنت أشرف الكواكب ~~وسيدها وقائدها ومؤيدها ، أسألك أن تعطيني وأن تمنحني ما يصلح منك لي" ~~وتقول يوم الأحد عند طلوع الشمس وأنت مستقبلها بهمة مصروفة إليها : " أيتها ~~السيدة الرفيعة والملائكية المطيعة والمدبرة الكبيرة التي جادت بفيضها على ms629 ~~الظلام فصارت نورا ، ذاتها طاهرة وسلطنتها قاهرة ، أسألك أن تعطيني ما يصلح ~~منك لي ، واصرفي همتك إلي وأنت الملكة العزيزة والسلطانة الحريزة بحق من ~~سخرك وهو الملك العظيم". وتقول أول ساعة من يوم الاثنين : " أيها الكوكب ~~الأظهر ، والقمر الأبهر ، البارد الرطب الحال في الفلك المعتدل البارد ~~اللطيف ، أسألك بحقك وبحق الملك المعطيك من نوره ، أسألك أن تعطيني ما يصلح ~~منك لي" وتقول في يوم الثلاثاء مخاطب المريخ : " أيها السلطان الحاد النوري ~~النار النوراني المزعج المدهش ، أنت بهرم السلطان صاحب السيف والسفك ، ذو ~~الحربة النارية والفتن الأرضية ، صاحب الحرب والصلاح والدم ، أسألك بحق ~~سلطنتك ودولتك وقهرك أن تعطيني ما يصلح لي منك" وتخاطب يوم الأربعاء فتقول ~~: " أيها الكوكب اللطيف الشريف ، والكوكب الكاتب الحاسب العالم ، ممازج ~~الفلك ووزيره وملاطفه ومشيره بلطافة أخلاقك وطيب أعراقك وحسن سمعتك وصفاتك ~~الحميدة وأخلاقك المجيدة الحسنة الطيبة أن تعطيني ما يصلح لي منك ، ولتكن ~~على الماء في فروج من حشيش أخضر وهواء لطيف بنفس فرحة وريح طيب وأنت متصف ~~بصفات الكتاب وتبخر في يوم الخميس للمشتري فتقول في دعائك : " أيها الكوكب ~~الدين الصالح التقي الرفيع البديع المطيع السميع السريع الذاكر الشاكر ~~الناشر والحامد الباهر الخائف المستغفر عندك أكثر أحياء الأموات والذي يبرئ ~~من كل داء أسألك بحق دينك وأمانتك ومودتك ومروءتك وطاعتك أن تعطيني ما يصلح ~~لي منك" وتقول في يوم الجمعة مخاطبا للزهرة : " أيتها النفس الطاهرة ~~والزهرة الزاهدة الباهرة ذات اللهو والطرب والرقص واللعب والشرب والأكل ، ~~الفرحة النزهة الناظرة المزينة الطائعة لربها الحرة الطاهرة ، أسألك أن ~~تعطيني ما يصلح منك لي" فأما يوم السبت فهو مخصوص عندهم لموسى لأنه زحلي ، ~~والأحد مخصوص بسليمان وجماعة من الأنبياء وصاحبة الشمس وفيه يتبخر الملوك ~~لها ، ويوم الاثنين هو للقمر يصلح للوزارات والوزراء ، ويوم الثلاثاء ~~للمريخ وفيه بخر إبراهيم الخليل ، ويوم الأربعاء لعطارد وفيه بخر زرادشت ~~وهو نبي المجوس PageV01P485 # صاحب كتاب سبطا ، ويوم الخميس مخصوص به عيسى ، وأما يوم الجمعة فهو لمحمد ~~صلى الله عليه وسلم . فالذي يطلب من زحل ms630 وهو كيوان مثل المنافع الأرضية وإظهار ~~الكنوز وشق الأنهار والأشجار ، وأما ما يخص الشمس فمثل الملك والملكة ، ~~والقمر لائق بالوزارات ، والمريخ بالحروب والبأس ، وعطارد للكتابة والنقش ~~والحساب والهندسة والعلوم الدقائق والعزائم ومخاطبات الجن كما سبق ذكره ، ~~وأما المشتري فهو للزهد والديانة وحل الطلسمات السماوية ، ثم الجمعة ~~للزهرة. قالوا : إنما أمر باجتماع الخلق عند نصف النهار في هيكل العبادات ~~لاجتماع خواص الأنفاس ليؤثر ذلك في حصول المطالب لشرف نفسه الفياض منه على ~~تابعيه من قولهم في لحظة واحدة اللهم صل على محمد وآل محمد. # واعلم أن الناس قد اختلفوا في الخاصية كما ذكرناه في أول الكتاب ، وخواص ~~النبات والحيوان كثيرة ، وقد ذكرنا منها فصلا طويلا زائدا خارجا عن الحاجة. ~~وكم في الحيوان من خواص لا تعرفه مثل مرارة الدب للسمن وشحمها أيضا ولحمها ~~مع تحريمه يذهب بالأرياح ، وأكباد الأرانب تنفع الأكباد ، وعيونها للعيون ، ~~وشحمها أيضا ولحمها مع تحريمه يذهب بالأرياح ، وأكباد الأرانب تنفع الأكباد ~~، وعيونها للعيون ، وشحمها للأرياح ، ويصلح منه طلا لمعنى. وشحم الخنزير في ~~علف الدواب ، ودهن البيض للشعر ، وما قطع من الكرم ينفع في الشعر ، ودهن ~~الشوك والحنطة للثواليل. وشحم القنفذ للأرياح ، وقصبه مع السكر للطحال وزنا ~~وسفا. ومخ الحمار قاتل. وفي الهدهد منافع ذكره صاحب كتاب الحيوان. والجوز ~~الهندي في الهرايس نافع للجماع ، ومعاجين وأدهان للقيام. والحرارات الغالبة ~~قاتلة ، وهكذا البرودات والماء عقيب الطعام متلف ، وحقن البول أتلف. والفصد ~~محمود والحجامة أحمد. والقيء ينظف. والقليل من لباب الخيار نافع. والشوذاج ~~للمبرود أجمل. والحنطيات لصاحب الجماع يغني. وأكل الهرايس أفضل. وشراب ~~الرمان في المعدة موحل. والبطيخ فيه فوائد : مطعم ومشرب ، وريح طيب ، ومقطع ~~سال ، ومدر البول ، ومقطر لغسل المثانة ، ويذهب مع القيء الخلط. وفيه مضار ~~: ينشف الخلق ، ويزيد الصفراء ، ويورث الحكاك ، ودفعه بالسكنجبين. والقبيت ~~المحلى يقطع الشهوات ، ويعصم ويسمن مع الريح الطيب. وخير الفواكه أنضجها ، ~~وأجودها قبل الطعام إلا الكمثرى فقليله نافع بعد الطعام. وتقليل النرد أجود ~~لعينك : عن صفة الطبيب فدت. والجائع درهم أو أقل. وقد تصعب مداواة ms631 المتخوم. ~~ويكره تعجيل الماء عقيب الطعام ، ويستحب امتصاصه ، ويكره عبه ، وأكل ~~الحوامض في الصيف أنفع ، والسوداج في الشتاء. وأنفع الفواكه الغدي مثل ~~التين والعنب ، وأنفع الرمان الملاسي قليله بعد الطعام أو عند النوم ، وهو ~~مضر بأصحاب الجماع لا سيما حامضه. ### ||| * فصل وهو المقالة التاسعة عشرة في الأشربة # أما السكنجبين فهو أول ما صنع لذي القرنين ، وأجوده المعتد ، وإبقاء ~~المنعقد. وشراب الرمان يوحل المعدة وفيه تبريد الكبد. وشراب الخشخاش ~~والبنفسج والنيلوفر فوائد عملها في الرأس. وشراب الراسن يعمل في الخلط ~~السوداوي حتى زعم أبو نصر الفارابي أنه يغني عن المفرح الصفير. وأما شراب ~~التفاح وما يتخذ منه ففيه الفوائد القلبية. وأما شراب الورد فهو PageV01P486 # يسهل الخلط الصفراوي ، فإن أعنته بدرهم ونصف ثريد ، ودرهمين سورنجان ، ~~فيكون سفوفا قبل شراب الورد أو بعده. وأما الأرباب فرب السفرجل يعصم ~~المحرور ، ورب التفاح يعمل في النميجة الواردة عن ضعف القلب إذا كان من ~~حرارة ، ورب التوت فخاصيته في الحلق. وجميع الأشربة والربوب فالغناء عنها ~~بالحمية مع العود إلى العادة القديمة كما جاء في حديث" المعدة بيت الداء ~~والحمية رأس الدواء ، وعودوا كل بدن ما اعتاد" ولا بأس لمن اعتاد الشربة أن ~~يتعهدها عند الحاجة إليها ، قال أبو طالب المكي رضي الله عنه : لا تتعرضوا ~~مع العافية إلى الدواء فربما يفضها. وشرب الدواء في الخريف أولى من الربيع ~~، لقربه من المآكل التي تحدث السهولة. وأما البقول فأنفعها الهليون ~~والاسفناج. روى ابن قتيبة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أربع حشائش من ~~الجنة يقطر عليها في كل ليلة قطرة من ماء الجنة ، وهي الاسفناج والهندبا ~~والهليون والخس ، ففي الهندباء تبريد ، وفي الاسفناج والهليون ترطيب ، ~~والخس يولد دما صالحا. وأنفع الهليون ما عمل بمخاض البيض والزيرباج ، وأنفع ~~البيض مخاخه ، وأجود الخيار القليل من باطنه. وأما الكرفس فإنه يفتح السدد ~~قليله ، وقد يتبرك به الناس في بعض البلاد. والسداب يورث الجذام إذ أصله من ~~خرء الذباب. قال صلى الله عليه وسلم في التين : " كل التين رطبا كان أو ms632 يابسا ~~فإنه ينفع في الجذام والنقرس والبرص". زعم الأطباء أن في التين خاصية قطع ~~الناسور ويدر دم الحيض ، وأنفعه الغدي الصغير الأزرق البالغ ، وأكله على ~~الريق أنفع وآخره أجود من أوله. وأول البطيخ أجود من آخره. وخيار الخريف ~~حمى ، وريحان الخريف زكام. والشرب في كوز الجماعة يورث الآلام ، وسره من ~~أبخرة الأفواه. وحقن البول يورث حصاة المثانة. وشرب بذر البطيخ السقي يعمل ~~في عسر البول ، وغديه إذا دق مع الكشنة أو العدس ينعم البدن ويزيل الزهكة. ~~ويكره الغسل في الحمام بالعدس والمواضع النجسة ، ويجوز الغسل بالعدس في ~~الأواني ، ودارك الأشنان ينشف رطوبات الأبدان ويسمن ويسمر الألوان. ومعجون ~~السمسم فيه ترطيب الشعر وتنعم البدن وشقاق القدمين أمان من الجذام. وأكل ~~اليقطين يعمل في الخلط السوداوي. وحلاوة القرع تزيل التجفيف. والزيرباج ~~فأعدل الألوان ، لكن بشرط أن يضاف إليه الخشخاش المرضوض. واللوز المحمص ~~المرضوض مع الدارجيني والزعفران يحل بالماء الورد والعسل يوضع في رأس ~~البطيخ ، هذه حيلتهم على السكنجبين. وأنفع الحلوة ما كثر خبزه ، وأرطبها ~~حلوة البيض ، والقطائف أميرها. والمسير ثقيل في المعدة ، وأجوده السهل ~~الناعم مثل الصابونية والكافورية. وأما خبيص اللوز فثقيل ، وأجوده الناضج ~~الكثير الخشخاش. وأما الهرايس فأجودها أنضجها وأحقها بلحم الحديث من المعز ~~والضأن قال صلى الله عليه وآله وسلم " شكوت إلى أخي جبرائيل ضعف الوقاع فأمرني ~~بأكل الهرايس فوجدت لأمري جبرا". والإكثار من لحم الدجاج يورث الحرارة في ~~الأطراف. والمأمونية بالخروف المشوي أجمل لكنها أثقل. هذا فصل إشارة في ~~الأدوية والأطعمة وأنفعها ما دام PageV01P487 # وقل حسابه ، فهذا طعام المترفين ، فقد قدم عثمان إلى النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قطائفا بالقند والفستق ودهن القرع ، ففرك وجهه ~~صلى الله عليه وسلم ثم قال : " آه من طعام المترفين وحساب المترفين" وقدم قعب ~~من حليب وتمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " كليه يا عائشة بالسمن يكن ~~أليق". وكان يأكل النيت بعسل العرفط والمعافير. فمن ترك شهوات الدنيا وهو ~~قادر عليها كتب له من الأجر ما لا يعد ، والسر فيه أنه ms633 أوقع بينه وبين نفسه ~~فسكت عن اللذات والشهوات ، فإذا فارقت هذا العالم الخسيس والحبس المظلم ~~والجسد المعتم لم تتأسف على مفارقة المحقورات ، رقت على عالمها وشرفت ~~بعلمها ، مثل العلوم المرسومة المنتقشة فيها ، مثل علم التوحيد ، وهو العلم ~~بالله وحده بالبراهين النقلية والعقلية ، يحدث به لك جناح تخرق به عالم ~~الملكوت ، إذ الأرواح ثلاثة : نفس العارف ، والناسك ، والزاهد ، إذا اجتمعت ~~خلالها الثلاثة فلا يضرها الموت ولا الفوت ، لأنها كاملة رقت إلى عالم ~~الكمال فهي تحظى بما ليس في الجنة من المقامات العلوية والأنوار القدسية في ~~الحضرة الصمدية ، مجاورة للملائكة الروحانية ، تجتمع إليها وتسمع عليها من ~~العلوم المودعة عندها ، فهي تنفصل عن عالم الكون والفساد وتلتحق بعالم ~~البقاء الذي ليس فيه نقص ولا نفاد" أعددت لعبادي في جنتي ما لا عين رأت ولا ~~أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" اعلم أن هذا الحديث يدل على أن وراء نعيم ~~الجنة نعيما لا تدركه النفوس إلا مع مشاهدة ، فهذا يعجز عن صفة مشاهدة ، ~~لأنها لذة ذاتية تجوز عن حد التعبير والتفسير ، كما لو قيل للعنين عن لذة ~~الجماع لما عقل ، ومدرك اللذة لا يقدر على تعبيره ، فهذا لا يدركه إلا ~~شاهده وهو النظر إلى الله الكريم. وأنت تريد أن تعرف لذة المشاهدة من غير ~~إبصار ، كما لا ينتفع الجبان بذكر الحرب من غير مشاهدة ولا مواقعة ، وكيف ~~تطمع مع الغفلة برفع الحجاب وقد سمعت أن زين العابدين عليه صلوات الله كان ~~إذا قام في صلاته يرفع السد بينه وبين محبوبه فيطاف بقلبه في عالم الملكوت ~~الأعلى؟ وهو معنى قول أمير المؤمنين علي عليه السلام : سلوني عن طريق ~~السماوات فإني أخبركم بها. وأنت أيها المبطل الغافل عبد نفسك وأسير شهوتك ~~وتريد أن تلحق بالأبرار والمقربين ، أو تطعن مع حجتك وجهلك في كرامات ~~الصالحين! (شعر): # تريدين إدراك المعالي رخيصة %~% ولا بد دون الشهد من إبر النحل تريدين أن أرضى وأنت بخيلة %~% فمن ذا الذي يرضي الأحبة بالبخل # فجاهد ولا تجاهد ، واركب فرس حسن ظنك ، واقطع ms634 الغاية حتى تكون آية ، ~~والبس ثوب الشفاء إن أحببت اللقاء ، وارض بالعيش الطفيف إن أحببت أن ترقى ~~في عالم المجد إلى قلة حمى الملكوت ، قال صلى الله عليه وآله وسلم " ظفر ~~الزاهدون بعز الدنيا ونعيم الآخرة" ، وسلم المجنون على ليلى فأبت رد السلام ~~فقال لها : ولم؟ فقالت : أخبرت أنك نمت البارحة لحظة ، ولو كنت صادقا لما ~~نمت عنا ، فقال : عسر علي زيارتكم فأحببت أن أراكم في المنام PageV01P488 # فنمت ، فقالت له ليلى : كأن شخصي قد زال عن قلبك ومثالي ، فقال : عزمت عن ~~المثال فاستفقت إلى التمثال ، فأنشدت ليلى : # لم يكن المجنون في حالة %~% إلا وقد كنت كما كانا بل لي عليه الفضل من أجل ما %~% باح وإني مت كتمانا # قالوا : يا رسول الله إن بشرا وهندا ماتا في حبهما ، فقال ~~صلى الله عليه وسلم : عجزا عن حمل المحبة فماتا ، ثم قالت عائشة : حتى لك ~~يورثك شوقا وفقرا؟ فقالت : أو أبقى بعدك لا كنت إن بقيت ، فقال : ستبقين ~~ولكن تشقين حتى تلقين ، ثم قال : يا عائشة إذا مات الزوجان المتحابان ~~فلينظر أحدهما رفيقه كانتظار الغائب. (شعر): # نرى تقدم الغياب حتى نراهم %~% ونأخذ شوقا منهم حين نأنس لقد ضاقت الدنيا علينا ببعدكم %~% كمن غص بالماء الفرات فييأس لئن غبتم عن ظاهر الأمر بيننا %~% فما أنا إلا للمحبة أدرس إذا ما جلسنا نذكر البين بيننا %~% تضيق القوافي منكم حيث أجلس # ولما حضر الموت الصديق قالت زوجته : وا فراقاه! فقال الصديق : بل أنا وا ~~فرحاه بلقاء الأحباب! فلا تخف الموت إن كنت مشتاقا إلى أحبابك ، فلا بد من ~~اللقاء في دار البقاء ، فشمر عليك ، وقدم بين يديك عساك تظفر بسهرك ، فمن ~~أدلج بلغ المنزل ، ومن جعل الليل له جملا قطع عليه مفاوز الهلكات. (شعر): # فثب واثقا بالله وثبة ماجد %~% ترى الموت في الهيجا جنى النحل في الفم # وشق الجنيد جبيبته لما سمع صبيا يترنم ويقول : أرى زماني يمر بخشن وينقضي ~~بالمغالطة ، وقد تركني زماني بحال مالي حال ، إذا صحت الأعمال وطينت ~~الأجسام وسهر العاشقون وقللوا ms635 الزاد والرقاد ، فتحت أبواب بساتين الاشتياق ~~، ونزعت شموس المعرفة ، وأزهرت مزاهر القرب من وراء الحجب ، وأشرقت هياكل ~~القلب من أنوار جمال الرب ، ورفع الحجاب وقطعت الأماني ، ونادى العاشق ~~بمعشوقه ، كوشف بالكائنات ، وشاهد حقائق الموجودات ، وحظي بأنواع المكاشفات ~~، ونثر عليه نثار الكرامات ، وبشر بأعلى المقامات. وقال أبو الحسن النوري : ~~دخلنا على أبي يزيد البسطامي فوجدنا لديه رطبا ، فقال كلوه فإنه هدية الخضر ~~جاء بها من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنا ما طلبتها إلا من الله ~~تعالى ، ما طلبتها بواسطة الخضر ، أكلها على يدي الخضر. ثم دخلنا عليه في ~~الجمعة الثانية فوجدنا بين يديه رطبا في طبق ذهب أحمر ، فقلنا : ما تطعمنا ~~منه؟ فقال لا هي لي ولا لكم ، فقلنا : كيف حديثها؟ فقال : كنت قاعدا بالليل ~~أتلو القرآن فسمعت خذ الهدية منا لا واسطة بيننا. واعلم أيها الغافل ~~المحجوب عن لذة المعرفة أن أحباب الله يتدللون عليه كما يتدلل المعشوق على ~~عاشقه ، كما قالت رابعة : بحق ما كان بيني وبينك البارحة اجمع اليوم PageV01P489 # بيني وبين شيخنا يونس بن عبيد! فدخل يونس فقال : يا رابعة ضيعت دعوة فيما ~~لا بد أن يكون ، فقالت : يا شيخ دع عنك هذا فأين آثار دلال الأحباب وأنت ~~تريد سببا بلاش ، فهذا طلب الأوباش. قال الجنيد لرجل يعطي أجرة الفعلة : ~~أما تعطيني معهم يا شيخ؟ فقال الرجل : يا أحمق تمني نفسك بالبطالة لو عملت ~~لأخذت. وقد مر الشبلي بدار فسمع صاحبة الدار تقول لزوجها : لا نمن عليك إلا ~~بقدر فعلك ، تريد بلاش عناق وزقاق ، فقال الزوج الكسل يعمل أكثر من هذا ، ~~وأنشد : # قد فاتني مقصدي فذبت جوى %~% حطت لدينا مصائب الكسل |لو علمت لرضيت عني خليلة| ### ||| * المقالة العشرون ### ||| * في المأكل والمشرب وآداب المائدة # اعلم أن الله تعالى خلق هذه الصورة الآدمية وجعل لها غذاء وهو سبب بقائها ~~، فالناس فيه ضروب : فطائفة تقنع بالقليل من المأكل ، وهي المتقنعة التي ~~يصلح أن يكون منها متعبدون ، والتي هي شبيه الملائكة بخصالها وخلالها ~~ونومها ومأكلها ، فكلما قل الغذاء كنت ms636 مشبها لسكان السماء ، وثمرته العافية ~~والغناء عن الطبيب ، ومن قلة الأكل يحصل رقة القلب وقلة المخرج ، فمن كانت ~~همته ما يدخل في بطنه كانت قيمته ما يخرج منها ، والإقلال من الأمراق ~~والفواكه أسلم. واعلم أن كثرة المأكل ككثرة الرفاق لا تربح من كثرتهم خيرا ~~، ألم تر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يجمع بين الإدامين؟ فهذا ~~فيه زهد وطب. وفي البطون بطون نارية تأكل ما يلقى إليها ، والنار لها سبعة ~~أبواب ، وللبطون مثلها ، مثل باب الحرص ، وباب الشره ، وباب النميمة ، وباب ~~شدة الجوع ، وقلة المبالاة بالخطايا والمأكل الحرام أشد الذنوب وأعظمها. ~~وللجسد سبعة أبواب دالة على أبواب جهنم ، مثل السمع والبصر واللسان والبطن ~~والفرج واليدان والقدمان. فهذه أبواب السعاية الدالة على القبائح وأعظمها ~~البطون ، وأعظم الأفعال القبيحة مظالم العبيد ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~: " من أكل لقمتين من حرام حجبت دعوته أربعين صباحا ، ومن ملأ بطنه كانت ~~النار أولى به". والحرام هو مثل المغصوب والسرقة ، وأخذ القصاص والجناية ~~بغير إذن ربها ، وقطع الطريق ، وقوب الرشوة ، والإجارات على الطاعات ، ~~وابتياع الحرام ، وأجرة الحجامات ، وأخذ ما لا يستحق حتى نوبة الماء ، ~~وأنواع كثيرة ذكرناها في كتب" الإحياء" من الحلال والحرام. وأما المكاسب ~~الحلال فأصلها الحلال مثل البيض والبلوط والمن والحشيش والحطب. وأما الصيد ~~ففيه كلام بين العلماء فتركه أجمل ، وعملك بيدك مع النصح أجل وأكسب. اجتمع ~~أبو الحسين النوري وأبو يزيد وسفيان بن عيينة فأخذوا ببعض أجرتهم خبزا ~~وتصدقوا بالباقي ، فلما قعدوا لأكل الزاد قال سفيان : هل تعلمون منكم النصح ~~في الحصاد؟ فقالوا : لا نعلم ، فتركوا الخبز مكانه وراحوا. واعلم أن سر ~~الحرام غامض نكشف بعضه فنقول : إن الصانع واحد والخلق من فيضه ، فالمعتدي ~~على بعض PageV01P490 # أجزاء الفيض يسري بعدوانه إلى الكل كما قال تعالى في القاتل ( @QUR@010 ~~فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ) [المائدة : ~~32] والقياس إذا قال : شعرك طالق ، سرى الطلاق في جميع جسدها ، وهكذا إذا ~~تصدقت فقد أرضيت به الصانع والمصنوع. واللقمة الطيبة ms637 وهي الحلال أفضل عند ~~الله من صدقات كثيرة ، فإذا أردت الأكل فكل ما دنا من الأرض بالأصابع ~~الثلاثة بعد الجوع ، وقم قبل الشبع ، واقعدوا كقعودك بين يدي شيخك للتعليم. ~~واعلم أن الله سبحانه وتعالى قد نزع البركة من الحار والحرام ، وفي المأكل ~~الحار أربع مضار : يهدم الأسنان ، ويصفر الألوان ، ويزيل الكبد ، وربما ~~يخاف عليه من أذى المصران. وغسل اليدين من قبل الطعام وبعده. ولا يجوز أكل ~~المنتن للزوجين إلا بإذن بعضهم بعضا ، والسر فيه أنه يورث النفرة بين ~~الزوجين. والريح الطيب مؤلف ومحبب. وترك غسل اليدين يقمل الثوب ويولد رائحة ~~كريهة وربما على ما ورد أن الشيطان يسترضع اليد ويستحسن الصورة فيألفها. ~~ولما كان المقصود من الحلال تصفية القلوب وتقليل الذنوب ، صار طلبه فرضا ~~كطلب العلم فإن العلم إذا لم يدل على خير فهو ضرر ، وفي الحديث" من أكل ~~الحلال سنة كشف له عن طراز العرش وصفت أنوار خواطره". وهو كيمياء السعادة ~~الأبدية ، ينشرح به الصدور ، وتصفو به أنوار المعرفة ، ويثبت في القلب عين ~~الحكم ، وبه تكشف غشاوة الغفلة ، وترفع سدود الغرور ، فيبين صفاء سماء ~~التوحيد ، وينكشف له عن اللوح المجيد ، وتسمع بأذن صفا خاطرك هدير تسبيح ~~الملائكة المقربين. # واعلم أن النفوس لا تكون مرهونة بعد الموت إلا بمظالم العبيد ، والسر فيه ~~مطالبة حاضرة بين غريمين بين يدي حاكم عدل عليم باق. والمساواة واقعة بين ~~العبدين إلا من أتى الله بقلب سليم ، تخلصت الذمم من المظالم ، وانفك قيد ~~النفوس ، فصارت الأرواح أين تختار ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم : " إن ~~الأرواح لتزور بيوتها وأهلها ، فإن رأتهم بخير شكرت وإلا نفرت وهي تنادي يا ~~أهلي إياكم والدنيا فلا تغرنكم كما غررت بي" وهذا هو سر نداء الندم وأما ~~الأرواح الطيبة الطاهرة من الدنس والآثام والمظالم فهي تطير أين شاءت ~~واختارت على صور ما ذكرها الناس ، إما جوهر ، أو هيئة ملك ، أو جسم لطيف ، ~~والكل مدرك حساس عليم بمفارقة الجسد. فبقدر انتقاش علمك يا هادي سيرقى ~~العليم فوق الجهول ، وفي الحديث : «إن ms638 رد درهم مظلمة أفضل عند الله من ~~أربعة آلاف حجة مقبولة» فإذا كان حجك واجتهادك خوفا من الآثام فاقطع ~~أصولها. ### ||| * المقالة الحادية والعشرون ### ||| * في تهذيب النفوس # اعلم أن نفسك أشد عداوة لك كما في الحديث : " نفسك التي بين جنبيك هي ~~أعدى عدوك تدعوك إلى الوبال ، وترشدك على الضلال ، وتوقعك في الدناءة ، ~~وتركبك نفس الهوى ، PageV01P491 # وتوقعك ، وتطمعك ، وتهلكك ، وتملكك ، فاقطع خصالها وخلالها وشرهها وشركها ~~وطمعها وولعها وشبعها". وفي الحديث : " أن الله تعالى لما خلق النفس قال ~~لها : من أنا؟ فقالت : وأنا من أنا؟ فعذبها بأنواع العذاب ، فكلما قال لها ~~من أنا فتقول وأنا من أنا ، حتى عذبها بالجوع والتواضع ، فقالت : أنت الله ~~الذي لا إله إلا أنت" فنفسك زنجية تطالبك بالشهوات ، فإذا شبعت طمعت ، وإذا ~~عصيت رفضت ، هي الموقعة في البلايا وهي أم الرزايا ، هي الذئب الكلب ، ~~والأسد الحرب ، والكلب النهم ، والعدو القرم ، داؤها كثير ودواؤها قليل ، ~~وأعظم وسائل السلامة منها الخلاف لها (شعر): # إذا طالبتك النفس يوما بشهوة %~% وكان عليها للهواء طريق فخالف هواها ما استطعت فإنما %~% هواها عدو والخلاف صديق # ولا يجد المريض حسن الشفاء إلا بالصبر على مر الدواء ، فعذبها بما تهذبها ~~، فقد أنشد البستي لنفسه (شعر): # العاقل يهزابي %~% والخلوة تهذيبي ما أصعب أحوالي %~% ونفسي كالذيب # فإذا عزمت على تهذيبها فاضربها بسياط تعذيبها ، واقمع بالتواضع كبرها ، ~~واطبخها بنار الامتحان ، واجعل العلم لها سيد الأخدان ، والعمل الصالح لها ~~مولى الخلان. وتعلم الأخلاق اللطيفة ، وتكسب الأعمال الصالحة ، والطف واظرف ~~، وتكايس ولا تتيابس. واعلم أن الله لطيف ، وليس من شأن اللطيف أن يعذب ~~اللطيف والمهذب لنفسه والمعذبها بنيران المجاهدة. واعلم أن الخير عادة ~~والشر لجاجة. فربها بالنوافل ، وهذبها بين يدي شيخك بالسمع والطاعة ، واعلم ~~أن حرمة الشيخ أعظم من حرمة الوالدين ، والشيخ هو الوالد على الحقيقة ، ~~والمرشد إلى الطريقة ، والمخرج للمريد من ظلم الجهل إلى نور المعرفة ، وإلى ~~السعادة الأبدية ، والنجاة الحاصلة ، والالتحاق بالملائكة ، لأن الشيخ هو ~~الطبيب للذنوب ، وأما الوالدان فهاجت نيران شهواتهما لقضاء الوطر ، وجنيت ~~أنت من ثمار الشهوة ms639 ما تقدمت نيتهما بإيجادك عند الوطء وكان سببا لإخراجك ~~من ظلم العدم إلى ظلم الجهل ودار المكايدة والعناء ، فقد أجادا نقلا وقصرا ~~عقلا. وأنشدني المعري لنفسه وأنا شاب في صحبة يوسف بن علي شيخ الإسلام : # أنا صائم طول الحياة وإنما %~% فطري الحمام ويوم ذاك أعيد قد فاز من صبح وليل أو دنا %~% شعري وأيدني الزمان الأيد قالوا فلان جيد لصديقه %~% كذبا أتوا ما في البرية جيد فأميرهم نال الإمارة بالخنا %~% ونقيبهم بصلاته يتصيد كن من تشاء مهجنا أو خالصا %~% فإذا رزقت حجى فأنت السيد PageV01P492 والله ما سمعوا مقالة صادق %~% إلا وظنوا أنه متزيد # هذا الشعر في بحر لزوم ما لا يلزم. # ومن علامة علمك أنهم إذا مرجوا لا تلتفت ، وإذا مزحوا لا تتزلزل ، وإذا ~~كابروك لا تحول. وكابد نفسك عن المزاعقة والمصايحة ، فالكبر مطيب النفس ، ~~فإذا أردت الغاية الكبرى في تهذيبها فاقصرها في بيت أربعين صباحا أو أربعة ~~أشهر ، وهو الأفضل ، وانقطع كأنك ميت ، ولا تبق لك حاجة ، وحصل من الزاد ما ~~وافقك وأعانك كما تحصل طريق مكة ، ثم اركب مطية متابعة الشرع ، ثم سر في ~~فلوات قمع النفس ، وليكن البيت مظلما وزمان الشتاء أولى. ولا تأت بغير ~~الفرائض من الصلوات ، ولا تنم إلا عن غلبة ، وكل ثلثي أكلك بعد الجوع ، ~~ومقداره من اللقم الوسيطة ستة وثلاثون لقمة. وليكن ذكرك لا إله إلا الله ~~الحي القيوم ، فإذا كل اللسان فقل بقلبك ولا تخف من الواردات عليك فقد ~~يجيئك صورة قبيحة ، وخيالات قاطعة ، وجن وشياطين وملائكة ومعلمون ، فواحد ~~يقول أعلمك الكيمياء ، وآخر يمنيك بالكنوز ، وهذا يوعدك ، وهذا يهددك ، فلا ~~تلتفت ، فإنه سيظهر لك مع الصدق وترك التجربة عجائب وفنون ، فعند ذلك تذوب ~~كثائف الحجب عن القلب ، وترفع ستور الغفلة بين قلبك وبين اللوح المحفوظ ~~فتشاهد ما فيه ، وتنقل إلى الخلائق معاينة ، وينكشف لك في اليقظة ما كنت ~~تشاهده في المنام ، فيستنير القلب ، وينشرح الصدر بأنوار الجلال ، وتنخرق ~~الكائنات ، وتنكشف المستورات ، وتظهر الكرامات التي هن أخوات المعجزات ، ~~وبينهما فرق في التحدي والإظهار ms640 والاستتار ، بل إذا وصل العبد إلى درجة ~~التمكين صار الكل بحكمه ، ما شاء فعل أو قال : ( @QUR@04 وأما بنعمة ربك ~~فحدث ) [الضحى : 11] وكل ما تجده في الخلوة تعرفه شيخك ، فالشيخ في قومه ~~كالنبي في أمته ، ومن ليس له شيخ فالشيطان شيخه ، ومن مات بغير شيخ فقد مات ~~ميتة الجاهلية ، فيعلمه ويدله ويعرفه طريق الوصول إلى الله تعالى. وصاحب ~~الخلوة يهب عليه نسيم القرب من دواخل الحجب ، وينكشف له أسرار قلوب ~~المخلوقين ، ويزوره الأبدال ، فتراه فرحا طيب الخلق حسن العشرة ، دعب لعب ، ~~لأن الله يكون قد تجلى بقلبه ، فيسمع كلامه ، ويبلغ منه مرامه ، ويكاشف ~~شموس المشاهدة ، ويعلم المخفيات ، ويطلع على الكائنات. ومن علامات الواصل ~~بالله : حسن الخلق ، وكثرة العلم ، وحلاوة الكلام ، والتواضع ، وصاحب هذا ~~الطريق مع علمه العزيز لا عبوس ، ولا حقود ، ولا متكبر ، ولا ظالم ، ولا ~~متجبر ، ولا أكول ، ولا شروب ، ولا نؤوم ، نفسه ملكوتية ، قوى جبرائيل همته ~~، ونفخ إسرافيل سعادته في صور همته ، فحدا به حادي محبته ، وسار به في ~~بيداء معرفته ، حتى تجلى له بيت الجلال ، فانكشف منه خاصية يمشي بها على ~~الماء والهواء ويطوي له بها البعيد. فاقربوا من هذا الرجل تكتسبون من قربه ~~وفيض خاصيته ما اكتسبه الهلال من قرب الشمس. وربما ينتقل أحوال الأبدال إلى ~~التلاميذ والمريدين كما انتقلت النبوة من موسى إلى يوشع بن نون. PageV01P493 # واعلم أن هذه الأحوال والمقامات لا يصدقها إلا من عرفها ، كما لا يصدق ~~علم الكيمياء إلا من عالجه وعرفه ، فكل من يكلم عند الصانع الواصل العليم ~~فقد هدي ، فإن الأعمى لا يبصر القمر ، والزمن لا يعدو خلف الطريدة. وأنت ~~تغيب وليس فيك نصيب ، ولا أنت محب ولا حبيب ، بطنك ملاءة وعينك محيطة ~~ولسانك معقود ، وعلمك قليل وأملك طويل ، وذنبك عزيز وربك بصير. فاسمع ~~مناديك في جانب واديك قال : لا تعب الحرائر حتى تكون مثلهم ، واخش بمفلح ~~نادى من وراء اللوح. فأحسن الظن فإنك قد طرحت فطرحت ، وجرحت فجرحت ، ولو ~~أوصلت لوصلت ، ولو خدمت لخدمت ، لكنك متشبت تجعل ط م ع ms641 وهي خالية من النقط ~~فهلكت وما ملكت ، وما فاتك فاتك والندم تجده عند وفاتك. واعلم أن الله مع ~~الذين اتقوا والذين هم محسنون (شعر): # قل للكئيب المعنى %~% إلى متى تتعنى فلا حياتك تصفو %~% ولا بنا تتهنى ### ||| * المقالة الثانية والعشرون ### ||| * في الأذكار # واعلم أن الآيات الدالات على الذكر والأخبار كثيرة ، فمن ذلك قوله تعالى ~~: ( @QUR@02 فاذكروني أذكركم ) [البقرة : 152] وقوله : ( @QUR@04 اذكروا ~~الله ذكرا كثيرا ) [الأحزاب : 41] وقوله : ( @QUR@03 ولذكر الله أكبر ) ~~[العنكبوت : 45] وقوله : ( @QUR@016 واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون ~~الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين ) [الأعراف : 205] بين ~~المراتب والأوقات. والذكر الخفي أجمل ، إذ ليس فيه أذى لسامعه ، وهو خالص ~~عن الرياء والنفاق ، مثل صوم السر وصدقته ، والحث عليه كثير. وقد سئل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في رجل يتصدق بمال حلال وآخر يذكر الله من صلاة الصبح ~~إلى طلوع الشمس فأي الرجلين أفضل؟ فقال : " ولذكر الله أكبر". وفي الحديث : ~~" أنه من ذكر الله من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس فله أجر من تصدق بمائة ~~ناقة حمراء حملها من ذهب أحمر ، وكأنه قد أعتق ثمانية رقاب من بني عبد ~~المطلب". ثم الذكر له ثلاث وظائف : فذكر الظاهر بلقلقة اللسان ، فهذا يستحب ~~في التلاوات من هياكل العبادات ، والذكر الخفي أعلى ضروب العبادات والصدقات ~~، وذكر القلب ، ومنه يحدث الغناء من العالم والاشتغال بالمحبوب : " أنا ~~ذاكر من ذكرني ، وجليس من شكرني ، وحبيب من أحبني. من ذكرني في نفسه ذكرته ~~في نفسي ، ومن ذكرني في ملأ من قومه ذكرته في ملإ من ملائكتي" ثم يحصل من ~~الفناء الأول فناء ثان وهو أن يغيب عن النفس لمشاهدة حضرة القدس ، فيصير ~~الذكر لك عادة وعبادة. كشف الموت عنك أعباء الأثقال عدت في عادة ذكرك مع ~~الملائكة الذاكرين ، إذ الخير عادة. ويطاف بك في ساحة حظيرة القدس وتحظى ~~بقرب من ذكرت ، وهو قرب إكرام ومنزل احتشام. ومن هذا الذكر ما هو قرآن ، ثم ~~بعده تسبيح ، ثم PageV01P494 # صلوات النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم استغفار ودعاء. فهذه وظائفه ، فواظب ms642 ~~عليه فإنه يكشف لك من سر الربوبية ما يغنيك عن ملتمس كل حال ، تشاهد ~~الملائكة ، ويخدمك مؤمن الجن ، ويطيعك أعضاؤك ويزول وقر أذنك فتسمع تسبيح ~~الجمادات ( @QUR@010 وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ) ~~[الإسراء : 44] وقد يحصل من ثمر الذكر أكثر ما مر بك في تهذيب النفوس ، ~~ويثمر عليك أيضا ما أثمر على زين العابدين ذي الثفنات السجاد ، فإنه كان ~~يسجد بين الليل والنهار ألف سجدة فأثمر عليه ، كان إذا قام في صلاته يكشف ~~له الكائنات فيطلع على حومة حظيرة القدس. وبه بلغ أصحاب المقامات درجات ~~المكاشفات والسير على الماء والهواء ، وبه سمت الملائكة إلى أعلى قلل الشرف ~~، واستحقوا دوام البقاء للتنزه عن المأكل والمشرب مع مداومات الذكر وشراب ~~الفكر ، وهو التنزيه والتسبيح من الملائكة ، وبه تجذب الملوك إلى المتزهدين ~~، وبه تنال مراتب العاشقين ، ويحدث منه خاصة جذب القلوب ، وقد يقف الذاكر ~~الصادق على باب حسن الآداب ، وينحل بالذكر طريق الأسباب ، فتخلع نعل حب ~~الدنيا عن قدم إقدامه ، ويقطع عوسج وساوسهم ببلوغ مرامه ، ويقف على طور ~~صفاء قلبه في وادي تقديس لبه هناك فيسمع كلام ربه : ( @QUR@05 إني أنا الله ~~رب العالمين ) [القصص : 30] ويكفيك ما مر بك من قصة أمية بن أبي الصلت ~~الثقفي : كان يترشح إلى طلب النبوة فقال لأخيه : ها أنا أنا فاصطنع لي ~~طعاما! قال فبينا هو نائم إذ رأيت قد نزل طائران من النافذة فشق أحدهما ~~صدره ثم أخرج منه نكتة سوداء ، فقال أحدهما : أوعى؟ قال : نعم وعى علوم ~~الأولين ، فقال : أو زكى؟ فقال : لا ، فقال : رد فؤاده إليه فليست النبوة ~~له إنما هي لسلالة آل عبد المطلب. فلما انتبه أخبرته بالقصة فبكى وتمثل : # باتت همومي تسري طوارقها %~% أغض عيني والدمع سابقها مما أتاني من اليقين ولم %~% أوت براءة يقض ناطقها إما لظى عليه واقدة %~% النار محيط بهم سرادقها أم أسكن الجنة التي وعد الأب %~% رار حفت بهم حدائقها هما فريقان فرقة تدخل ال %~% جنة مصفوفة نمارقها وفرقة منهما قد أدخلت الن %~% ار وسيئاتهم مرافقها ms643 لا يستوي المنزلان ثم ولا ال %~% أعمال لا يستوي طرائقها تعاهدت هذه النفوس إذا %~% همت بخير عاقت عوائقها وصدها للشفاء عن طلب الجن %~% ة دنيا الله ما حقها عبد وعى نفسه فعاتبها %~% يعلم أن البصير رامقها ما رغبة النفس في الحياة لتح %~% يا طويلا فالموت لاحقها يوشك من فر من منيته %~% يوما على غرة يوافقها PageV01P495 إن لم تمت غبطة تمت هرما %~% الموت كأس والمرء ذائقها # وبها مات مصدوع الكبد : منعه شركه عن نيل مقصده ، إذ الشهوات قاطعة ، ~~واللذات مانعة. ومن رام الماء صبر على الكدر ، ومن قطع الليل خلص عن حر ~~الطريق ، ومن جعل نفسه ذات الشهوات كان مسقطه الكنيف والخلوات ، ومن قطع ~~العلو بهمة المجاهدات نال أعظم المراتب بالصبر على المصائب والنوائب. وما ~~صاحب المأكل الكثير يحظى بسوء التدبير وهو مستور لا يفلح أبدا. ### ||| * المقالة الثالثة والعشرون ### ||| * في جهاد النفس والتدبير # قال النبي صلى الله عليه وسلم : " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد ~~الأكبر" قالوا : يا رسول الله وما الجهاد الأكبر؟ فقال : «هي مجاهدة النفس» ~~وقال صلى الله عليه وسلم : «أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك». وقال ~~صلى الله عليه وسلم : «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق». واعلم أن النفس أخلاقها ~~ذميمة غير مستقيمة ، فإن فيها مع صغر حجمها كما قلناه. ما في السماوات ~~والأرضين ، وهي النار الموصدة فيها ذئاب الغيبة ، وكلاب الشهوة ، وسباع ~~الغضب ، ونمور المخالفة ، وثعالب الحيلة ، وكمين الشياطين بعسكر الهوى ، ~~ومناجيق الامتحان ، ووساوس القبيح ، كل هذا ممكن تحت قلة قلعة النفوس محيط ~~بربضها وحصنها. واعلم أن القلب مدينة وساكنها الملك ، وهي النفس اللطيفة ، ~~المدركة ، العالمة ، الطاهرة ، الربانية ، الخارجة عن صفة النفخة المشار ~~بها إلى الروح ، وهي محجوبة بالأبخرة الظاهرة المتولدة من دم القلب الذي هو ~~الشكل الصنوبري واللحم المجوف. وما هذا هو القلب المخاطب وإنما العقل ، فهو ~~المخاطب من قوله تعالى : ( @QUR@04 واتقون يا أولي الألباب ) [البقرة : ~~197] وقوله تعالى : ( @QUR@08 إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب ) [ق : 37] ~~وهو معنى قوله : ( @QUR@02 أذن واعية ) [الحاقة : 12] والنفس المشار إليها ~~هي أسيرة ms644 الشهوات ، مقيدة بقيد الغفلات ، مشوهة مستورة بالخيالات ، عاشقة ~~للدنيا قد أطمعت ببخسها ، فأصبحت محبطة ، سكرى ، قلقة ، حيرانة ، مشغولة ~~بخدمة الجسد الترابي تحمله للكنيف ، مشغولة بتربيته وتغذيته ، ألفته فعشقته ~~، فإذا فرق بينهما تأسف ، حتى إذا مر عليها بمثل ما خدمته بطول المدة نسبته ~~وأنكرته كأنها ما عرفته ، فإذا ردت إليه نفرت حتى تسمع إشارة القدس ( ~~@QUR@07 يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك ) [الفجر : 27 ، 28] هذا ~~خطاب موجد لموجود غير مفقود إذ لا يجوز خطاب المعدوم ، ومن شواهد ذلك قوله ~~صلى الله عليه وسلم : " تعرض علي أعمال أمتي في كل اثنين وخميس ، فما كان من ~~حسنة أسر بها ، وما كان من سيئة أستغفر لها ، اشتد غضب الله على الزناة". ~~وقوله صلى الله عليه وسلم : " أكثروا من الصلاة علي فإن صلاتكم علي معروضة" ~~فأيها المكذب المذبذب الغافل المتأول ، أتراك تعجز الصانع القادر؟ تزعم يا مسكين PageV01P496 # أن لا عود للأجسام والأرواح إلى الصانع القديم القادر ، أهو ذاك أم غيره ~~سواه؟ أتتجحد عليه وتتحكم وتعجزه في قدرته وآيته ونبوته؟ أفمن رباك في بطن ~~أمك أفلا يربيك في بطن قبرك؟ ثم تقول : تختلط العظام بعضا ببعض ، فكيف ~~السبيل إلى تخليصها؟ فانظر إلى الصانع كيف يخلص التراب وبرادات الذهب ~~والفضة والحديد ، وهو أجزاء تعجز أنت خلاصها ، فالصانع القادر ليس بمعجز ~~ولا يدخل تحت طوق ما تريد ، وإنما أنت عاجز تعجز وتغتر بمقالات أبي علي بن ~~سينا ، أقد صار عندك أصدق من محمد صلى الله عليه وسلم ؟ فانظر إلى فعل هذا ~~وهذا ، ثم احكم بالفسق والعدالة ، وارفع الحكومة إلى حاكم عقلك في التصديق ~~والتعديل واحسبهما حكمين ، فإن قلت هذا عقل وهذا نقل فانظر ما يذكرون لك من ~~حوائج طلبك ، ألا تسأله عن خواصها وبراهينها وتقول : لم يقبض هذا ويسهل ~~هذا؟ فيكون جوابك عنده إنما أنت معارض أم مريض ، فكيف تعارض طبيب آخرتك وقد ~~كان الذين قبلك أكثر منك بصيرة وعقلا ، علموا أن الاعتراض والتعجيز كفر ~~فأسلموا منه وآمنوا. فجاهد نفسك واتبع شرعك فلا تخالف نبيك ، وأكرم كتابك ~~فهو ms645 هدية الله إليك. وقبيح بمن أكرمه ملكه بهديته أن يستهين بها. وعن قليل ~~تلتقي وتتواقف وتستحيي ، وإن كانت الروح راجعة إلى مبادئها عند بارئها ، ~~فإن صدق الشرع فهناك يتبين غليظ التوبيخ. والجماهير أكثر منك ، إذ أنت ~~منخرط في سلك نظام الآحاد لا التواتر. تبعت طاعة نفسك فأردتك إلى البلايا ، ~~وإلا فانظر الليل والنهار ، والصيف والشتاء والربيع والخريف ، وتنقل ~~الأحوال فيهما ، وإحياء الأرض بعد موتها ، ونومك وانتباهك بغير اختيارك ، ~~وآيات كثيرة أنت عنها غافل ، ثم ارجع إلى مجاهدة نفسك تمح صفاتها الذميمة ~~وتثبت صفاتها الحميدة المستقيمة. فاقمع الغضب بالرضا ، والكبر بالتواضع ، ~~والبخل بالبذل ، والإمساك بالصدقة ، والصمت بالذكر ، والنوم باليقظة ، ~~والشبع بالجوع ، والغفلة بالانتباه ، والخلطة بالخلوة ، والاشتراك بالعزلة ~~، والمداهنة بالصدق ، والشهوة بالقمع ، والباطل بالحق ، فإذا محوت صفات ~~آفاتك بان لك عند رفع ستر الغفلة كيف يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير. ~~لكنك شيطان مريد ، وتزعم أنك لله مريد ، فأين آثار حلاوة التوحيد؟ نام واحد ~~من بني إسرائيل في موعظة داود عليه السلام ، فأوحى الله تعالى أن يا داود من ~~ادعى محبتي ثم ينام عند ذكري فقد كذب. لما أمر إبراهيم عليه السلام بذبح ~~إسماعيل عليه السلام في منامه فقال : يا أبت هذا جزاء من نام عن خليله. وآدم ~~لما نام خلقت حواء. قال الشاعر (شعر): # عجبا للمحب كيف ينام %~% كل نوم على المحب حرام # واعلم أن قلبك هو المدينة التي أشرنا ، فيقدم شيطان نفسك إلى تعبئة جيوش ~~الهوى ، وعساكر حب الدنيا ، ونقاب الوساوس ، ونقاب التمني ، ومشاغل سوء ~~الظن ، ومناجيق المخالفة ، وبوق الكبر ، وطبول إساءة السمعة ، وأسياف خيل ~~الشره ، وزحف رجل المكر ( @QUR@04 وأجلب عليهم بخيلك ورجلك ) [الإسراء : ~~64] فإذا أحاطت هذه الجيوش بهذه المدينة ، ولم PageV01P497 # يكن لها زاد ولا رجال من الأخلاق الحميدة ، هلكت المدينة إن لم يدفع عنها ~~البلاء ، وسلب الملك وخربت مدينته ، ونام عنها حارس الذكر ، وتهدمت أبراج ~~الصدق ، وقعد شيطان النفس على سدة أسرار القلب ، وهتك أستار خزائن الأعمال ~~، ودارت في المدينة عوانية الشك ، وقطعت أشجار المعاملة ، ونهبت أموال ~~الأعمال ms646 ، وأكلت ثمار الآمال ، ووقع الشك في الكتاب ، ونفرت النفوس عن ~~مصاحبات الأصحاب ، وعصى كل مولاه ، وتبع كل منهم هواه ، وكبكبوا على ~~مناخرهم في النار وقالوا يا ويلنا ( @QUR@015 ما لنا لا نرى رجالا كنا ~~نعدهم من الأشرار أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الأبصار ) [ص : 62. 63] وكل ~~ما الناس فيه من التشكيك والبلايا هي الشبه والحرام ، وإلا فصف زادك وانظر ~~لشرح نور الإيمان في سرك وفؤادك ينكشف لك زادك ليوم بعثك ومعادك. هي النفس ~~ما عودتها تتعود ، واعلم أنك نفس المجاهدة تهذب نفسك حتى تصير ملكا روحانيا ~~، وبمتابعة الغفلة والشهوات تصير شيطانا رجيما. فجاهد النفس الأمارة بالسوء ~~تمح صفات آفاتها حتى تصير لوامة ، ثم انقل اللوامة إلى مقام المطمئنة كما ~~ينقل السلطان فراشه إلى مقام الكاتب ، ثم إلى مقام الوزير ، ثم يتصرف مع ~~نصحه في ملكه فينظر إلى حسناته فيكون عنده سيئات هذا مقام حسنات سابقه كما ~~قيل : حسنات الأبرار سيئات المقربين. والطريق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق ~~، والمقامات تعلو مع الأنفاس ، كان صلى الله عليه وسلم يعلو من مقام إلى مقام ~~، وهي مقامات الكشف والمعارف بها نبه حيث قال : " إنه ليغان على قلبي ، ~~وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة" والرين أشد من الغين. واسمع نظم أمير ~~المؤمنين علي عليه السلام في النفس : # صبرت عن اللذات حتى تولت %~% وألزمت نفسي صبرها فاستمرت وكانت على الأيام نفسي عزيزة %~% فلما رأت عزمي على الذل ذلت وقلت لها يا نفس موتي كريمة %~% فقد كانت الدنيا لنا ثم ولت فلا الجود يفنيها إذا هي أقبلت %~% ولا البخل يبقيها إذا ما تولت وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى %~% فإن أطعمت تاقت وإلا تسلت # فهذبها وعذبها ، وقربها من بابها ، وانظر مقام الأنبياء والأولياء فيها ، ~~واغتنم الثواب والثناء فما ذكر الصادقين كذكر الفاسقين ( @QUR@04 ولتعلمن ~~نبأه بعد حين ) [ص : 88] وقد سمعت مقالات اللعابات ، وكم لي كرارا ، فلك ~~لذا التواني غائلة وللقبيح خميرة ، يتبين بعد قليل والناس نيام فإذا ماتوا ~~انتبهوا. ولكنك كالعود النخر لا يحمل ثمرا ولا يظل بشرا ، وكالمرأة ms647 القرعاء ~~التي باهت صاحبات الشعور بشعرها الزور فإذا كشفت عن رأسها هتكت بين جلاسها ~~، وأنت قد رضيت بقعقعة ثيابك ونذل ثوابك. غدا ترحل القوافل ، وتبقى على ~~الطريق يا غافل ، وتقعد بغير زاد وتقول لشاويش القافلة ارجعون لعلي أعمل ~~صالحا فيما تركت ، هيهات غلق الرهن فلا يقال. قالوا : يا رسول الله ما السر ~~في نقطة دمعة الميت على خده؟ فقال : " أما الصغير لما PageV01P498 # يشاهد من حال أبويه في اللوح ، وأما الكبير فيكاشف بأعماله وانتقال زوجته ~~وأمواله" فبم تتنبه وهذا الحال أنت فيه وبه ، كما قيل : عود نخر ما يحمل ، ~~وأقرع ما يمتشط ، وما يجيء من مربح مزبلة لسبيل. فأنا أرفعك وهمتك تضعك ، ~~لا شك أن الغلبة لك. فمن كانت همته ما يدخل في بطنه كانت قيمته ما يخرج ~~منها. إن فهمت فانتبه ، وإلا فأنت بنفسك أخبر ، ونصحت ولكن لا تحبون ~~الناصحين. ### ||| * المقالة الرابعة والعشرون ### ||| * في المحبة والشوق والمشاهدة والمكاشفة والمواعظ ### ||| * والزواجر النقلية والعقلية # اعلم أن المحبة جائزة وجارية أولا بين الله وأوليائه وقد نوه بها القرآن ~~من قوله : ( @QUR@05 والذين آمنوا أشد حبا لله ) [البقرة : 165] وقوله : ( ~~@QUR@02 يحبهم ويحبونه ) [المائدة : 54] فإن قلت وثارت نفسك الخبيثة : كيف ~~تحب من تراه وليس من جنسك؟ فقد تحب الصانع لما يظهر من حسن صناعته ، فانظر ~~إلى بساطه وما فيه من بدائع النقوش والخضر والأشجار والثمار والأنهار ، ~~وإلى الفلك وما فيه من الليل والنهار وشموس وأقمار وكواكب كبار وصغار ، ~~فهذه آيات صناعة الصانع دالات على استمرار وجوده ، فسبحان صانع المصنوعات! ~~فترتيب نفسك إن عقلت أعظم مما رأيت وسمعت. والذي يدلك وهو من أقوى الدلائل ~~في محبته لذة سامع كلامه ، إذ هو معجز لا نظير له ، فيه يستدل على محبة ~~المتكلم ، أما سمعت نظم الشعراء : # وكاعب قالت لأترابها %~% يا قوم ما أعجب هذا الضرير أيعشق الإنسان من لا يرى %~% فقلت والدمع بعيني غزير إن كان طرفي لا يرى شخصها %~% فإنها قد صورت في الضمير # وقال جرير : # يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة %~% والأذن تعشق قبل العين أحيانا إن العيون ms648 التي في طرفها مرض %~% قتلننا ثم لم يحيين قتلانا يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به %~% وهن أضعف خلق الله أركانا # وأما الأخبار فكثيرة وقد ذكرناها في كتب الإحياء ، وإشارة من جملتها ~~كافية مثل قوله : " كذب من ادعى محبتي ، وإذا جن الليل نام عني" ومثل قوله ~~: " لا يزال عبدي المؤمن يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته صرت ~~سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به" الحديث. واعلم أن الحب والعشق واحد ~~، والأفضل فيه هو هيام العاشق بالمعشوق ، وهو النظر لاستحسان بعض الصور ~~بطريقة الولع به نار عن طريق بخار حاد من خاطر ذكي لوذعي سبك نيران ~~المجاهدة فطهرت أبخرة نيرانها من وراء مؤخرات الدماغ ، وظهرت ملوحات الفكر PageV01P499 # في العشق من متقدمات اليافوخ ، وفتحت مصاريع خلوة القلب فأقعد خيال ~~المعشوق قبالة عين اليقين ، والنفس تصقل مرآة المجاهدة في نظر جمال المحبوب ~~، والأصل في المحبة هو المنادمة والألفة واستحسان كلام المعشوق ، فعند ذلك ~~تثور همة الطلب بقدح نيران الشوق ، فتستغلب عليه حالة العشق فيصير في ~~الشوارع مجنونا ما صارت نيران الماليخوليا ، فخلط الكلام ، واحترق البلاغم ~~والأخلاط ، وصفقت سماء القلب لتجلي قمر المعشوق ، فيبقى العاشق والها والعا ~~تائها في تجلي جلال المعشوق ، فإذا انكشفت البلاغم فارت عرائس القلب تحمل ~~صواني نثار الأشعار ، ورقصت عرائس الآمال في مجالس الأصوال ، فزمر مزمار ~~التمني ، وضرب مزهر التأني كما قال سابق الرجال : # تمنيتها حتى إذا ما تمثلت %~% طربت كأني قد دعوت ولبت تمنيتها حتى إذا ما رأيتها %~% رأيت المنايا شرعا قد أظلت تمنت أحاليب الرعايا وخيمة %~% بنجد وما يقض لها ما تمنت فلا تنسيا أن يعفو الله عنكما %~% ولو ما إذا صليتما حيث صلت فيا ليتني أحجار حائط مسجد %~% لعزة إذ فيه تصلي وولت # ثم هيج الغبار فترى بخار التمني ، ويقوى بخار العناء ، فترى التقسيم ~~الواقع في القلوب ، فهنالك لا نوح ولا قرار ، ويظهر مبادي النحول والصفار ، ~~ويبرز أعراض السهر ، وتقدح نيران العشق لهزال سمان الأبدان ، وينشد المغني ~~من غير توان : # وجه الذي يعشق معروف %~% لأنه ms649 أصفر منحوف ليس كمن أضحى له جثة %~% كأنه للذبح معلوف # في الحديث" ينادي مناد في كل ليلة : ألا لعن الله الأكول النئوم" ابن آدم ~~لهذا خلقت؟ تقنع ليخف حسابك ، ويصح جسدك ، ويقل أمراضك ، وينصلح أغراضك ، ~~ويقل منامك ، ويكثر ذكرك ، فيهديك محبوبك إليه ، فيجذبك إلى طاعته ويعصمك ~~عن معصيته. فأكثر من النوافل تفلح والسلام. ### ||| * ذكر الشوق والمكاشفة # اعلم أن الشوق هو الداعي إلى حالة المكاشفة ، والشوق هو التمني للقاء ~~المعشوق ، ولقاء المعشوق لا يحصل إلا بالمكاشفة ، والمكاشفة إما أن تكون ~~عيانا أو قلبية وهو تجلي المعشوق بحالة يحملها قلب العاشق ، لكن العيان هو ~~أفضل ، بل بشرط جامع بين القلب والعين كحالة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~فإنه كاشفه ليلة إسرائه بالتجلي القلبي والنظري لصحة الروايتين عن عائشة ~~وعلي وابن عباس. واعلم أن حقيقة المكاشفة هي عين النظر إلى المحبوب ، ولكن PageV01P500 # يتفاوت على قدر درجات المحبين ، وليس نظر الخلق كله واحدا ، فأدنى ~~درجاتهم النظر القلبي ، أما النظر البصري فهو عند قوم عرض غير دائم ، وأعظم ~~المنزلين هو الجمع بين النظر والقلب ، فإذا رفعت ستور الغفلة والهواء تجلى ~~المحبوب فتلاشى المحب حتى يخرج من الستور والبشرية والحجاب الجسماني فيرى ~~الحجاب ويسمع الخطاب ( @QUR@012 وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ~~وراء حجاب ) [الشورى : 51] فعند ذلك يمتد له خطاب من الهواء في جميع ما ~~يحدث في الكائنات فيصير عيسوي الحال ( @QUR@07 وأنبئكم بما تأكلون وما ~~تدخرون في بيوتكم ) [آل عمران : 49] فيصير الملائكة ومؤمنو الجن بحكمه ~~وطاعته ، وينخرق بينه وبين الله روزنة يعلم بها خلاصة صفاء أسرار الكائنات ~~، ولكن بشرط خير العلم ، والعمل بصدق من غير تجربة. فإذا هبت نسمات اللطف ~~برفع حجاب الغفلة انقلبت له الكائنات على ما يريد ، إذ الإرادتان امتزجتا : ~~واحدة كما سبق في أحوال الصوفية من قولهم : # فإذا أبصرتنا أبصرته %~% وإذا أبصرته أبصرتنا # فيصير الناسوت معنى لطيفا يحدث له من الغيب قوة يقبل بها جميع الواردات ~~عليه ، فمنه ثمار الكرامات والتحدث بالأمور الغيبيات ، يعرفه الباحث من ~~جنسه وسائر الطير ms650 له منكر ، فتتجوهر النفس بزوال الأعراض الفاسدة عنها ، ~~فتصير قدسية لا يخفى عليها الأمور الغيبية. فإن قلت : هذا نوع مشاركة عزت ~~على الأنبياء فكيف ينالها الأولياء؟ فاعلم أن أصل الغيب هو من الله القديم ~~، فمنته عليهم اطلاعهم على شيء من علوم الغيب ، أما سمعته يقول : ( ~~@QUR@012 عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول ) [الجن ~~: 26] وقوله ( @QUR@02 من رسول ) وهو ستر على الحال لئلا يحسب أجلاف العامة ~~أنها مشاركة غيبية ، وهذا غير بعيد إذ خزائن الملوك يطلع عليها المملوك ، ~~والأمور المستورة من المعشوق فقد يشاهدها العاشق الصادق قياسا بالصورة ~~الحسناء يشاهدها مالكها وهي مستورة عن الغير ( @QUR@08 وتلك الأمثال نضربها ~~للناس وما يعقلها إلا العالمون ) [العنكبوت : 43] وقد سمعت الجنيد يقول : ~~كل أحد حلاج لكن ليس كل أحد خراج ، وقال أبو يزيد البسطامي : من وصل درجة ~~التمكين فهو طبيب يقعد على سرير أسرار الخلق ، فيطلع بإذن مالكه على خواطر ~~أسرار الملوك مثل اطلاع مملوكك المحبوب عليك في حالاتك ، أليس فاطمة ~~السلماسية كانت تخرج وقد أذن مؤذن الظهر من سلماس فتصلي الظهر جماعة في ~~بسطام؟ فإن قلت : هذا غير ممكن ، فإنها حالة لم تنخرق للأنبياء فكيف ~~لغيرهم؟ الجواب أنك تحكم على الله أو على نفسك ، فإن كان على نفسك فأنت ~~أخبر ، وإن كان على الله فأنت أصغر. فمن عجز عن عدد عروقه وعظامه ولا يحصر ~~عدد أدوار عمامته على هامته ، فكيف يدخل بين الله وبين غلامه؟ ثم ما علمت ~~ما أعطى الله للأنبياء ، فإن علمت بعض علومهم من طريق النقل فالمعجز يكذب ~~العقل ويحكم عليه ، فبواطن أسرارك لا يطلع عليها ولدك ولا جارك ، فكيف ~~مليكك وجبارك ، وقد قال لك ( @QUR@010 فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى ~~من رسول PageV01P501 # @QUR@05 إلا من ارتضى من رسول ) [الجن : 26] وأنت غير واصل إلى كشف ستور ~~الوصول ، فإذا بلغت المنى والسؤال تعرف ما بين الله والرسول. وقد قلنا لك ~~سابقا : جاهد ولا تجاحد ، فالمجاهدة تزيل غبار الشكوك مع المشاهدة ، وأنت ~~معصب العين بعصابة حطام الدنيا ، وهمتك ms651 ضعيفة خسيسة ، فأين خنافسة الكنيف ~~من المقام الشريف! وحسن الظن وهو الإكسير العظيم الذي به يقلب كل جهل علما ~~، فمن تمسك به فقد استراح. فهذا نوع المحبة والشوق والمكاشفة على وجه ~~الاختصار. ### ||| * فصل # وأما الزواجر والوعظيات فمثل الآيات الرادعة المذكرة للوعد والوعيد ، ~~والأخبار المذكرة للفزعة ، والحكايات الجاذبة والأشعار المخوفة والمشوقة ، ~~فخوفوا المبتدئ وشوقوا المنتهي ، لأن المبتدئ هو قريب من خروج دار الجهل ~~فيضرب عليه سور من التخويف خوفا من الزيغ والميل ، وأما المنتهي فقد غفر ~~الذنب ورق القلب وأصابه عناء المجاهدة ، فلا بد للجمل من حاد لقطع الوادي. ~~فالمجاهدة قلاشية ، والنغمات تنشية ، قياسا بأرض ميتة تحيا بوابل المطر ~~فتهتز وتربو وتنبت وتثبت وتنثر على المريد نثار الهمم. انظر كيف قال أبو ~~حيان التوحيدي : إن كنت تنكر أن للنغمات فائدة ونفعا ، فانظر إلى الإبل ~~اللواتي هن أغلظ منك طبعا ، تصغي إلى قول الحدأة فتقطع الفلوات قطعا. فعليك ~~بالخلوات الأربعينية التي يسميها مشايخ العجم جله ، فهي عند العجم الجلاء ، ~~واعتد بها ، وليكن زادك وزنا تنقص كل يوم منه لقمة ، أو تزن مأكلك بعود ندي ~~فهو ينقص على قدر جفافه. فقلل ولا تتعلل ، خفف وطفف في مأكلك تلتحق بعالم ~~الملائكة ففي الحديث «أكثركم شبعا في الدنيا أطولكم جوعا يوم القيامة». ~~وإذا فعلت ذلك تستغني النفس بالقدس وتصير لك بها أنس ، فلا تتخذ على محبة ~~الدنيا والفلس ، فينتقل إليك حالة الصفة المحمدية صلى الله عليه وسلم من قوله" ~~لست كأحدكم ، أنا أظل وأبيت عند ربي فيطعمني ويسقيني" فهو حالات الصادقين ~~ومنازل المتقين ، فلا تكن من المكذبين الضالين ، فإن عجزت عن مقام المقربين ~~، فكن من أصحاب اليمين ، والحمد الله رب العالمين. ### ||| * المقالة الخامسة والعشرون ### ||| * في العلم والعمل # اعلم أن الخواص من خلق الله تعالى ثلاثة : عالم وعارف وناسك ، فأما ~~العالم فهو الذي علم واطلع على العلوم الظاهرة فعمل بها فورثه الله بعلمه ~~العلوم الباطنة : مثل علم المحبة ، وعلم الشوق والرضى ، وعلم القدر ، وعلم ~~المكاشفة والمراقبة ، وعلم القبض والبسط. فهذه علوم الصوفية الصافية ~~الصادقة الوافية ، مثل ms652 الحسن ، وسفيان ، والفضيل بن عياض ، وأبي يزيد ~~البسطامي ، وأبي الحسين النوري ، وحبيب العجمي ، ومعروف الكرخي ، وشقيق البلخي PageV01P502 # ومحمد بن حفيف وبشر بن سعيد وأحمد الخوارزمي وأحمد الداراني ، وحارث ~~المحسابي ، وسرى السقطي ، وأبي الحسين بن المنصور الحلاج ، والجنيد ، ~~والشبلي ، وأبي نعيم القاضي. فهذه الطائفة الإلهية الذين نبغ ذكرهم ليسوا ~~كالطائفة المشغولة بالعلوم والشهوات ، وصرفوا همومهم إلى الزيدية والقرصين ~~فأتتهم المعاملات: بيضوا الثياب وسودوا الكتاب ، صقلوا الخرق ولا نقلوا عن ~~الخرق ، وجعلوا المرقعات شركا على الشهوات. فهؤلاء هم الزنابيل وأولئك هم ~~القناديل ، وأولئك تمسكوا بالواحد الشاهد ، وهؤلاء انصبوا إلى محبة الشاهد. ~~أولئك هجروا المناصب وهؤلاء دبوا إلى المناصب ، أكثر كلامهم اذهبوا لمذهب ~~حتى يذهب ، والخلاف عندهم كورق الخلاف. الأصول عندهم فضول ، والنحو عندهم ~~محو. أكثر علومهم الرقص والشبابة ، لا يفرقون بين القرابة والصحابة. فما ~~أكثر عيوبهم ، لقد نسوا محبوبهم. تشاغلوا بمأكل الدويرات ، ونسوا مدارج ~~الطاعات. نصبوا السجادات لأجل الخلق ، ونسوا الله والحق. فهؤلاء الذين جاء ~~فيهم الحديث : «إن الله ينزع مرقعاتهم ويعلقها على أبواب الجنة ويكتب عليها ~~مرقعات زور». تركوها مناصب للاكتساب ، ووهبوها لكلب أهل الكهف واقتسموا ~~جلده عليهم عوضا من مرقعاتهم. فهؤلاء صوفية الدنيا وأولئك صوفية الأخرى ، ~~جمعوا بين العلم والعمل ، وسهروا حتى ظفروا ، قالوا فنالوا ، صدقوا فحققوا ~~، علموا ثم عملوا ، فجمعوا بين المقال والحال ، فهم أهل العلم والمغفرة ، ~~والنسك والزهادة ، فأحدثت لهم جميع هذه الحالات خاصية قوة الهيئة ، فطاردوا ~~بأجنحة الاشتياق إلى رياض القدس وحظيرة الصمدية ، فاقتطفوا علوم الغيب ، ~~فقالوا هؤلاء فقراء الآخرة وصوفيتها الذين علموا أن النعمة هي من المنعم ~~فتركوا الأسباب جوانب. وأما علماء الآخرة فمثل الحسن البصري ، وسفيان بن ~~عيينة ، والثوري صاحب المذهب ، والطائي الطاهري ، وأبو سعيد الخدري ، وأبو ~~حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي ، ومالك بن أنس المدني ، ومحمد بن إدريس ~~الشافعي المطلبي ، وأحمد بن حنبل الشيباني ، والمزني ، وابن شريح ، والحداد ~~، والقفال ، وأبو الطيب ، وأبو حامد ، وأستاذنا إمام الحرمين أبو المعالي ~~الجويني ، والشيخ الإمام أبو إسحاق إبراهيم الفيروزآبادي المعروف بالشيرازي ~~، فقد جرى له مع شيخنا نوبة عند ms653 السلطان وكنت أحضرها ، فما رأيتهم طلبوا ~~بالمناظرة غير إظهار الحق ، لا غلبة ولا صقل كلام ، ولا نقص في الخبر ~~النبوي ، ولا تأويل باطل في متن آية ، ولا مزاعقة ولا مخاصمة ، بل هو على ~~طريق الفائدة والمباحثة. فأولئك من علماء الآخرة الذين شبهوا صحب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بترديد الفتاوى من واحد إلى واحد ، وقالوا أميركم أحق ~~بالتقليد ونحن علماء السوء نشتغل بسواد الليقة وبري القلم والتصدي والتحدي ~~وذرب اللسان وسواد الطيلسان وقعقعة الثياب وطول الأردان وسعة الأكمام ~~والصيحة والدهشة وذكور إناث العجم ( @QUR@04 ولا ينبئك مثل خبير ) [فاطر : ~~14] فانظر الفرق بين الطوائف والفرق : أليس في الحديث «من ترك المراء وهو ~~محق بني له بيت في أعلى PageV01P503 # الجنة». فنحن لا بيوت ولا تخوت ، ولا حور ولا سخوت ، رأى الشافعي مناما ~~وكان قد تكلم في المسألة مع أبي يوسف ، فرأى كأنه قد أدخل الجنة ، فرأى ~~حورا وهي تشرق العرصة من نورها ، قال : لمن أنت؟ فقالت : لمن ترك المراء ~~وهو محق ، ثم ولت وهي تقول : # خلطوا الحق بالقبائح زورا %~% ثم مالوا إلى المراء نسورا ثم راموا من الإله بدورا %~% قد فجرتم من المقال قبورا أيا مالكم تنالون دورا %~% سوف تجزون في المعاد فجورا وطلبتم من الإله أجورا %~% سوف تلقون في الجحيم أجورا # ثم قالت : يا شافعي ما تنال بالقال والقيل هذه الثياب والخلاخيل ، إن كنت ~~صادقا وتريد أن تكون للجنة مالكا فعليك بالعلم والعمل مثل مالك ، فمن أراد ~~الممالك يصير على المهالك. ثم انتبهت فعلمت أن مراء هؤلاء لا يقود إلا إلى ~~الهوى ، والآخرة عند ربك للمتقين. وفي الحديث" إن العلم يهتف بالعمل ، فإن ~~أجاب وإلا ارتحل" فهؤلاء علماء الدنيا وعلماء الآخرة ، وفقراء الدنيا ~~وفقراء الآخرة ، وأنت مشغول بالكرم عن الكرامات ، وبالقصور عن القصور ~~العاليات ، أنت مثل الذيب وهمك في التشكيك والتكذيب. # سوف ترى إذا انجلى الغبار %~% أسابق تحتك أم حمار # أما العلوم فكثيرة ، وأقربها ما دل على الآخرة : مثل علم الشريعة ، ~~وتفاسير الواحدي ، وأمتان الصحاح ، وقراءة القرآن ، ومحافظات الأوراد ~~المذكورة في ms654 كتب الإحياء. وإن أردت حسن العقيدة على وجه الاختصار فعليك ~~بلواقح الأدلة وهو لشيخنا إمام الحرمين ، وإلا قواعد العقائد. وإن أردت ~~سلوك طريق السلف الصالح فعليك بكتاب نجاة الأبرار ، وهو آخر ما صنفناه في ~~أصول الدين. وقد ذكرنا لك التصانيف في معرض هذا الكتاب ، فاقرأ ما شئت ~~واعمل ما شئت فإن اللقاء قريب. واعلم أن فصول السنة معروفة : مثل صيفها ~~وخريفها ، وشتائها وربيعها ، فمن الحمل إلى الجوزاء ربيع ، ومن السرطان إلى ~~آخر السنبلة صيف ، ومن الميزان إلى آخر القوس خريف ، ومن الجدي إلى آخر ~~الحوت شتاء ( @QUR@06 وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ) قال أمير ~~المؤمنين علي عليه السلام : هذا الهواء إذا أقبل فتلقوه ، وإذا أدبر فتوقوه ~~، فإنه يفعل بأبشاركم كما يفعل بأشجاركم ، أوله مورق وآخره محرق. ففي ~~العلوم ما يضر مثل العمل بالسحر والكهانة ، وصبغ الصفر فضة يضر في الآخرة ~~إذا قلبها فضة بالصناعة وباعها ، وفي المكاسب مكاسب خسيسة تأباها النفوس : ~~كالغسال ، والحفار ، والكناس ، والحجام. والصنائع من جملة العلوم المفهومة ~~التي تعينك على طلب العلم الأخروي ، فكن عالما عاملا تنال المقصد الأسنى في ~~دار الله الحسنى ، هنالك تستقر نفسك من غير ضجر ( @QUR@09 في جنات ونهر في ~~مقعد صدق عند مليك مقتدر ) [القمر : 54 ، 55]. PageV01P504 ### ||| * فصل في أعاجيب الفنون والأسفار # قال صلى الله عليه وآله وسلم «إن بالمغرب هاهنا لأرضا بيضاء من وراء قاف لا ~~تقطعها الشمس في أربعين سنة ، قالوا : يا رسول الله أو فيها خلق؟ قال : نعم ~~، فيها مؤمنون لا يعصون الله طرفة عين ، لا يعرفون آدم ولا إبليس ، بينهما ~~الملائكة يعلمونهم شريعتنا ويحكمون بينهم ويدرسونهم الكتاب العزيز ، قالوا ~~: يا رسول الله زدنا من هذه الأعاجيب! فقال : إن لي صديقة من مؤمني الجن ~~غابت عني سنين فسألتها أين كنت ، فقالت : كنت عند أختي من وراء الأرض ~~البيضاء التي وراء قاف بهزد ، فقلت : أوهم مؤمنون؟ فقالت : نعم ، قرأت ~~عليهم كتابك فآمن به قومنا. فقلت : وما وراء تلك الأرض؟ فقالت جبال ثلج ~~وماء وهواء وظلماء ، ثم وراء ذلك جهنم ، فقلت : أو تصعد ms655 الشمس في تلك ~~البلاد؟ فقالت نعم». # وأما حديث تميم بن حبيب الداري فعجيب ، حيث اختطفته الجن ، فشاهد من ~~عجائبها حتى رأى القصر الذي فيه الدجال مقيدا ، فقال له : من أي الأمم أنت؟ ~~فقال : من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، فقال : أوقد بعث؟ فقال نعم ، فقال : ~~آن أوان خروجي. # وأما حديث جن العقبة فأعجب ، قال عبد الله بن مسعود : «مشيت مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وعلي ابن أبي طالب عليه السلام في ليلة مظلمة حتى وقف بنا ~~على ثقب ، فظهر منه رجل فقال : انزل بنا يا رسول الله! فناولني فاضل ثيابه ~~، ثم أخذ بيد علي عليه السلام ونزلا في الثقب وأقعدني مكاني ، فلما برق بارق ~~الصبح عادا ومعهما رجال يشبهون الزط ، فقال : هؤلاء إخوانك المؤمنون ، وكان ~~معي ماء فيه منبوذ شيء من التمر ، فشرب منه ثم توضأ». صح ذلك من غير نزاع ، ~~وقد أوله أرباب الهوى على اختيار ما يريدون ، فمن أراد أن يعلم حقيقة هذا ~~وغيره فلينظرن في كتاب" مغايب المذاهب" وهو من جملة تصانيفنا. # وأما قصة زعيم بن بلعام فهي عجيبة ، قد أراد أن ينظر من أين منبع النيل ، ~~فلم يزل يسير حتى وجد الخضر فقال له : ستدخل مواضع ، ثم أعطاه علائمها ، ~~فوصل إلى جبل وفيه قبة من ياقوت على أربعة أعمدة ، والنيل يخرج من تحتها ~~وفيه فاكهة لا تتغير ، قال : فرقيت رأس الجبل فرأيت وراءه بساتين وقصورا ~~ودورا وعالما غزيرا ، وكنت شيخا أبيض الشعر ، فهب علي نسيم سود شعري وأعاد ~~شبابي ، فنوديت من تلك القصور : إلينا يا زعيم إلينا ، فهذه دار المتقين! ~~فجذبني الخضر ومنعني ، فهذا سر قوله صلى الله عليه وسلم سبعة أنهار من الجنة : ~~جيحون وسيحون ودجلة وفرات ونيل وعين بالبردن وبالمقدس عين سلوان ، لأن منها ~~ماء زمزم. وأعجب من هذا الحديث حديث بلوقيا وعفان ، فحديثهما طويل ، وإشارة ~~منه كافية ، فقد بلغ من سفرهما حتى وصلا إلى المكان الذي فيه سليمان ، ~~فتقدم بلوقيا ليأخذ الخاتم من إصبعه ، فنفخ فيه التنين الموكل معه ، فأحرقه ms656 ~~فضربه عفان بقارورة فأحياه ، ثم مد يده ثانية وثالثة فأحياه بعد PageV01P505 # ثلاث ، فمد يده رابعة فاحترق وهلك فخرج عفان وهو يقول : أهلك الشيطان ~~أهلك الشيطان ، فناداه التنين : ادن أنت وجرب ، فهذا الخاتم لا يقع في يد ~~أحد إلا في يد محمد صلى الله عليه وسلم إذا بعث ، فقل له إن أهل الملأ الأعلى ~~قد اختلفوا في فضلك وفضل الأنبياء قبلك ، فاختارك الله على الأنبياء ، ثم ~~أمرني فنزعت خاتم سليمان فجئتك به ، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأعطاه عليا فوضعه في إصبعه ، فحضر الطير والجان والناس يشاهدون ويشهدون ، ~~ثم دخل الدمرياط الجني ، وحديثه طويل ، فلما كانوا في صلاة الظهر تصور ~~جبرائيل عليه السلام بصورة سائل طائف بين الصفوف ، فبينا هم في الركوع إذ ~~وقف السائل من وراء علي عليه السلام طالبا ، فأشار علي بيده فطار الخاتم إلى ~~السائل ، فضجت الملائكة تعجبا ، فجاء جبرائيل مهنيا وهو يقول أنتم أهل بيت ~~أنعم الله عليكم ( @QUR@07 ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) ~~فأخبر النبي بذلك عليا فقال علي عليه السلام : ما نصنع بنعيم زائل ، وملك ~~حائل ، ودنيا في حلالها حساب ، وفي حرامها عقاب؟ فإن اعترض المفتي وقال : ~~كيف قاتل معاوية على الدنيا ، فالجواب أنه قاتل على حق هو له يصل به إلى حق ~~، وأما التحكيم فباطل غير صحيح ، لأن التحكيم إنما يكون على موجود ومحدود ~~ومعروف ومعلوم غير مجهول ، هذا فقه وشرع ، ثم قولوا ما تريدون ، فمن أراد ~~أن ينظر في كشف ما جرى فيطلع في كتاب صنفته وسميته" كتاب نسيم التسنيم" ، ~~وفي قصص ذي القرنين كفاية ، وكتاب رياض النديم لابن أبي الدنيا ، وانظر في ~~كتاب الأقاليم ، وانظر في كتاب المسالك والممالك ، وكتب الماوردي الموصلي. # ثم إذا أردت أن تعرف سعة الأفلاك بعضها على بعض ، فاعلم أن سعة الأرض قطع ~~الكوكب في ليلة واحدة ، وأما الفلك الهوائي فقد يقطعه القمر في شهر ، فانظر ~~الفرق في ليلة وشهر. ثم الفلك الناري يقطعه الشمس في سنة ، ثم فلك زحل وهو ~~الأعلى يقطع فلكه في ms657 ست وثلاثين سنة ، ثم فوقه الكرسي والعرش الذي هو سقف ~~الجنان الثمانية التي واحدة منهن بعرض السماوات والأرضين. وخذ دليلك من هذا ~~المساق المذكور ، فما لهمتك ناقصة لا ترفعها إلى درج المعالي ، ولا تكسوها ~~سهم السعادة ، بل أنت مشغول بعلف النفس وخدمتها ، فأنت كالذي عشق حمارة ~~فاشتغل بها ، ففاته سير القافلة ، فظهر له قاطع الطريق. وهذه دار أحلام ، ~~والأنبياء مفسرو المنام ، فعند الانتباه يتبين لك صحة التأويل. أما سمعت ~~الإشارة : " والناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا"؟ ومثلك في دنياك كمثل طفلين ~~في بطن واحد قال أحدهما لصاحبه : أما أخرج ، عسى أن أرى غير هذا المكان ~~والعالم! فلما خرج رأى سعة الدنيا ، هل يطيب له أن يعود إلى ضيق بطن أمه؟ ~~وهكذا إذا خرجت إلى سعة آخرتك لا يطيب لك العود إلى دنيا حملتك كضيق حمل ~~أمك. ومثلك في باب مولاك كرجل أراد الدخول إلى ملك وهو جائع ، فوجد على باب ~~الملك كلبا ورغيفا ، فالكلب يصده عن الدخول ؛ فإن كان ذا همة عالية آثر ~~حضرة الملك على الرغيف ، فيدخل إلى الملك فيحظى بالمآكل اللينة وينسى جوعه ، لأنه PageV01P506 # شغل الكلب برغيفه فتشاغل الكلب بالرغيف ، ودخل الرجل إلى الملك ، وإن ~~كانت همته في بطنه أكل رغيفه فصده الكلب عن دخول الملك ، ثم يتعفن الرغيف ~~في بطنه ، فبعد ساعة رماه. فدنياك هو الرغيف ، والكلب هو الشيطان يصادك عن ~~دخول الملك ، فارم الرغيف إلى الكلب تستريح. واكتسب من جواهر الأعمال تشرف ~~بها عند عرض البضائع ، ونيل المدخر الباقي في دار زفاف الحور وفتح أبواب ~~القصور ، فأنت مثالك كجماعة سافرت إلى وادي الظلمات فقال لهم الخبير ~~بالمكان : احملوا من حصاها تظفروا! فصاحب حسن الظن حمل فأوقر ، والمتشكك ~~بطل فتحقر ، فلما خرجوا من ضياء الشمس إلى الوادي وشاهدوا بضائعهم ، فإذا ~~هي در ويواقيت ، فندم البطال وفاز الحمال. فهذه صورة أعمالك في دنياك ، ~~فإما أن تنادم فتصير غلاما ، وإما أن تعمل فتحظى من الله تحية وسلاما. فدع ~~كبرك ، وقلل شبعك ، ونظف بطنك ، ومن النوم عينك ، عساك أن تقطع شينك ms658 ، ~~وتوفي دينك ، فأنت الذي تنتنك العرقة ، وتوهنك البقة ، وتقتلك الشرقة ، ~~وملابسك من قزة ، وحلاوتك من نحلة ، وخبزك من طينة ، وأنت غدا مستور ~~باللبنة تؤاخذ بنعيمك ، أما سمعت النبي حاسبه الله على شبعه مرة واحدة من ~~خبز شعير وتمر وقال له ( @QUR@05 ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم ). ### ||| * فصل في علو الهمم ونيلها لمقاصدها # اعلم أن الهمة هي إجماع قلب المهتم وجمعه لنيل مقصده بالتوجه إليه دون ~~غيره ، من غير قلب قاصده لسواه. وصاحب الهمة لا يكون همه في مقصده لنيل ~~أغراض متفرقة ، كمن أراد أعمالا لا يقع في يده غير عمل واحد. الهمم هي فروع ~~من فروع النفس على قدر وضع النفس وارتفاعها. إن همة كل أحد على قدر نفسه في ~~علوها وطهارتها ، ألا ترى إلى أصحاب الصنائع الخسيسة كالكناس والزبال ~~والإسكاف والدباغ والغسال ، فهؤلاء هممهم على قدر خسائس أنفسهم النازلة ، ~~لسابق ما قدر لهم عند اعتصار خمير السعادة من عجين الطالع في خمير الولادة ~~، وهذا حال يتعلل به العاجز ، إذ الملك معشوقك فلا تألف الخسائس ؛ فليس هذا ~~أنسابا معروفة بأب وأم ، وإنما هي بعلو الهمة كما كانت من أول الفيض الصادر ~~عن النفس الكلية همم العلماء والملوك ، ثم كلما تباعد الفيض عن النفس ~~الكلية رذلت الهمم كما رذل الحيوان بعد فيض الإنسان ، ألا ترى إلى همة ~~الفيل والحمار في المأكل والمشرب؟ فهذا همه بريح ، وهذا تبن وشعير ، وانظر ~~إلى همة ذي القرنين وهو ابن هيلانة وأبوه نساج كيف تعرض بعلو الهمة إلى ~~الملك ولم ينزل إلى الصنائع ، فمثله في العالم كثير. ومن جملة علو همته ~~إظهار اليغزن الذي أشاع بذكره المسافرون ، واتخذ المتقدمون ألحان الموسيقى ~~التي زعموا أنها معتصرة من دورات ألحان الأفلاك حين تدور ، ويسمع له نغمات ~~بطرائق وأوزان غير خارجة نقلوها عن موسى وإدريس. وطائفة أخرى زعمت أن العود ~~متخذ من شكل طائر معلق في جبل ، في أنفه أنقاب مخارج العود. وهذا من جملة ~~فروع الهمم ، فنيل المقاصد من غير همة غم عمن تعلق بها ، فاكتساب الهمم ~~ونيل مقاصدها ms659 للعلماء بالدرس والمواظبة والجوع والصبر. PageV01P507 # ونيل مقصد المملكة ، هو بالاشتغال فيما يجذبها من التهاب وما يشاكلها. ~~فإن قلت هذه سعادات أزلية ، فمن قدر له في السابق شيء أخذه وبلغه ولا يمحى ~~ما سطر على جبين العبد ، فقد صدقت ، ولكن مت تحت غبار طلب العز لا على ~~مزابل الشهوات بالذل كما مر بك الإنشاد السابق (شعر): # اطلب العز في لظى وذر الذل %~% ولو كان في جنان الخلود # وقد سمعت كلاما لمعاوية إذ قال : هموا بمعالي الأمور لتنالوها ، فإني لم ~~أكن للخلافة أهلا فهممت بها فنلتها. وقد ذكرت حكاية في كتاب" سر خزانة ~~الهدى والأمد الأقصى إلى سدرة المنتهى" أنه مات بعض الملوك ، فغلقت المدينة ~~وقالوا : لا نملكها إلا لملك كان في ساعده علامة نور شعشعاني ، فورد إليهم ~~رجل فقير وفي ساعده نور كما كان في ساعد الملك المتقدم ، وكان ينظر إليه ~~وزير المدينة بعين الدراية بعد أن ملكوه البلد ، فدخل الوزير إليه بهدية ~~وهي قشرة من عود قناري كجفنة كبيرة ، فقال الملك : من أين لك هذا؟ فقال ~~الوزير : كثير مثل هذا يجيء في نهرنا ، فقال الملك : لا تستقر في الوزارة ~~حتى تأتيني بخبره وفي أي بلد يكون ، فاتخذ الوزير له مركبا فسار حتى دخل ~~تحت جبل ، فلما قطعه بخروجه إلى جانبه الآخر رأى بلادا أشجارها كلها مثل ~~هديته ، ثم رأى جماعة قائمة منقطعين في جبل فقال : ما الذي يريد هؤلاء ~~ويفعلون؟ فقالوا كلهم في طلب الملك يتجرعون سنة مع أنواع المجاهدات فمن رقي ~~على ساعده نور أبيض فهو مستحق الملك ، فلما عاد الوزير أخبر الملك بقصة ما ~~رآه فقال الملك : لا تحتقر فتحتقر ، وسافر واعمل لتذكر ، فهذا علو الهمة ~~بالجوع والمجاهدات ، ثم قال : لا يغرنك الجواشن والبيض. # وقد رأيت بعينيك مشار علو الهمة فإن أردت ذلك فعليك بالجوع والعلم ~~والخلوات يكشف لك العلامات بسرائر الكائنات ، فاطلب وجد واجتهد ، فنيل ~~مقاصد الرجال من غير تعب هذيان. والحمد لله رب العالمين ، وصلاة الله ~~وسلامه على سيد المرسلين آمين. PageV01P508 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الدرة ms660 الفاخرة في كشف علوم الآخرة ### ||| * خطبة الكتاب # الحمد الله الذي خص نفسه بالدوام ، وحكم على من سواه بالانصرام ، وجعل ~~الموت حال أهل الكفر والإسلام ، وفصل بعلمه بين تفاصيل الأحكام ، وجعل حكم ~~الآخرة خلفا للمعهود من الأيام ، وأنهج ذلك لمن يشاء من خلقه أهل الإكرام ، ~~وصلى الله على سيدنا محمد رسول الملك العلام ، وعلى آله وصحبه الذين خصهم ~~بجزيل الإنعام في دار السلام. # أما بعد ، فقد قال الله تعالى ( @QUR@04 كل نفس ذائقة الموت ) [آل عمران ~~: 185] وثبت ذلك في كتابه العزيز في ثلاثة مواضع. وإنما أراد الله سبحانه ~~وتعالى الموتات الثلاث للعالمين ، فالمتحيز إلى العالم الدنيوي يموت ، ~~والمتحيز إلى العالم الملكوتي يموت ، والمتحيز إلى العالم الجبروتي يموت. ~~فالأول آدم وذريته وجميع الحيوانات على ضروبه الثلاث ، والملكوتي وهو ~~الثاني أصناف الملائكة والجن ، وأهل الجبروتي فهم المصطفون من الملائكة. ~~قال الله تعالى : ( @QUR@07 الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس ) [الحج ~~: 75] فهم كروبيون وروحانيون وحملة العرش وأصحاب سرادقات الجلال الذين ~~وصفهم الله تعالى في كتابه وأثنى عليهم حيث يقول : ( @QUR@013 ومن عنده لا ~~يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون ) ~~[الأنبياء : 19 ، 20] وهم أهل حظيرة القدس المعينون المنعوتون بقول الله ~~تعالى: ( @QUR@06 لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين ) [الأنبياء : 17] وهم ~~يموتون على هذه المكانة من الله تعالى والقربى ، وليس زلفاهم بمانعة لهم من ~~الموت. فأول ما أذكر لك عن الموت الدنيوي فألق أذنيك لتعي ما أورده وأصفه ~~لك بنقل عن الانتقال من حال إلى حال إن كنت مصدقا بالله ورسوله واليوم ~~الآخر ، فإني ما آتيك إلا ببينة ، شهد الله على ما أقول ويصدق مقالتي ~~القرآن ، وما صح من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم . ### ||| * فصل # لما قبض الله القبضتين اللتين قبضهما عند ما مسح على ظهر آدم عليه السلام ~~، فكل ما جمعه في جمعه الأول إنما جمع من شقه الأيمن ، وكل ما جمع في الآخر ~~إنما جمع من شقه الأيسر ، ثم بسط قبضته سبحانه فنظر إليهم آدم في راحتيه ~~الكريمتين وهم أمثال الذر ms661 ثم قال : PageV01P509 # هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي فهم بعمل أهل الجنة يعملون وهؤلاء إلى النار ~~ولا أبالي فهم بعمل أهل النار يعملون. فقال آدم عليه السلام : يا رب وما عمل ~~أهل النار؟ قال : الشرك بي ، وتكذيب رسلي ، وعصيان كتابي في الأمر والنهي. ~~قال آدم عليه السلام : أشهدهم على أنفسهم عسى أن لا يفعلوا! فأشهدهم على ~~أنفسهم : ألست بربكم؟ قالوا : بلى شهدنا! وأشهد عليهم الملائكة وآدم أنهم ~~أقروا بربوبيته ثم ردهم إلى مكانهم. وإنما كانوا أحياء أنفسا من غير أجسام ~~، فلما ردهم إلى صلب آدم عليه السلام أماتهم وقبض أرواحهم وجعلها عنده في ~~خزانة من خزائن العرش ، فإذا سقطت النقطة المتعوسة أقرت في الرحم حتى تمت ~~صورتها والنفس فيها ميتة. فلجوهرها الملكوتي منعت الجسد من النتن ، فإذا ~~نفخ الله تعالى فيها الروح رد إليها سرها المقبوض منها الذي خبأه زمانا في ~~خزانة العرش فاضطرب المولود. فكم من مولود دب في بطن أمه فربما سمعته ~~الوالدة أو لم تسمعه! فهذه موته أولى وحياة ثانية. ### ||| * فصل # ثم إن الله عز وجل أقامه في الدنيا أيام حياته حتى استوفى أجله المحدود ~~ورزقه المقدور وآثاره المكتوبة. فإذا دنت موتته ، وهي الموتة الدنيوية ، ~~فحينئذ نزل عليه أربعة من الملائكة : ملك يجذب النفس من قدمه اليمنى ، وملك ~~يجذبها من قدمه اليسرى ، وملك يجذبها من يده اليمنى ، وملك يجذبها من يده ~~اليسرى. وربما كشف للميت عن الأمر الملكوتي قبل أن يغرغر ، فيعاين الملائكة ~~على حقيقة عمله على ما يتحيزون إليه من عالمهم ، فإن كان لسانه منطلقا تحدث ~~بوجودهم ، فربما أعاد على نفسه الحديث بما رأى ، وظن أن ذلك من فعل الشيطان ~~، فسكن حتى يعقل لسانه ، وهم يجذبونها من أطراف البنان ورءوس الأصابع ~~والنفس تنسل انسلال القذارة من السقاء ، والفاجر تسل روحه كالسفود من الصوف ~~المبلول ، هكذا حكى صاحب الشرع عليه الصلاة والسلام. والميت يظن أن بطنه ~~ملئت شوكا كأنما نفسه تخرج من خرم إبرة ، وكأنما السماء انطبقت على الأرض ~~وهو بينهما ، ولهذا سئل كعب رضي الله عنه عن ms662 الموت فقال : كغصن شوك أدخل في ~~جوف رجل فجذبه إنسان ذو قوة فقطع ما قطع وأبقى ما أبقى. وقال عليه الصلاة ~~والسلام : لسكرة من سكرات الموت أشد من ثلاثمائة ضربة بالسيف. فعندها يرشح ~~جسده عرقا ، وتزور عيناه ، وتمتد أرنبته ، وترتفع أضلاعه ، ويعلو نفسه ، ~~ويصفر لونه. ولما عاينت عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الحالة وهو ~~مستلق في حجرها وهي تكفكف الدمع جعلت تقول شعرا : # بنفسي أفدي ما غصك %~% من الهايعات وما توجع وما مسك الجن من قبل ذا %~% وما كنت ذا روعة تفزع وما لي أنظر في وجهك %~% كمثل الصباغ إذا ينقع إذا شحب اللون من ميت %~% فأنوار وجهك قد تسطع PageV01P510 # فإذا احتضرت نفسه إلى القلب خرس لسانه عن النطق ، وما أحد ينطق والنفس ~~مجموعة في صدره لوجهين : أحدهما أن الأمر عظيم قد ضاق صدره بالنفس المجتمعة ~~فيه ألا ترى أن الإنسان إذا أصابته ضربة في صدره بقي مدهوشا ، فتارة يتكلم ~~وتارة لا يقدر على الكلام ؛ وكل مطعون يطعن بصوت إلا مطعون الصدر فإنه يخر ~~ميتا من غير تصويت؟. وأما الآخر فإن السر الذي فيه حركة الصوت المندفعة من ~~الحرارة الغريزية قد ذهب فصار نفسه متغير الحالتين : حال الارتفاع والبرودة ~~، لأنه فقد الحرارة ، فعند هذا الحال تختلف أحوال الموتى ، فمنهم من يطعنه ~~الملك حينئذ بحربة مسمومة قد سقيت سما من نار ، فتفر النفس وتفيض خارجة ~~فيأخذها في يده ترعد أشبه شيء بالزئبق على قدر النحلة شخصا إنسانيا ، ثم ~~الملائكة تناولها الزبانية ، ومن الموتى من تحذف نفسه رويدا حتى تنحصر في ~~الحنجرة وليس يبقى في الحنجرة إلا شعبة متصلة بالقلب ، فحينئذ يطعنها بتلك ~~الحربة الموصوفة ، فإن النفس لا تفارق القلب حتى يطعن. وسر تلك الحربة أنها ~~تغمس في بحر الموت ، فإذا وضعت على القلب صار سرها في سائر الجسد كالسم ~~الناقع ، لأن سر الحياة إنما هو موضوع في القلب ويؤثر سره فيه عند النشأة ~~الأولى ، وقد قال بعض المتكلمين : الحياة غير النفس ، ومعناها اختلاط النفس ~~بالجسد. وعند استقرار ms663 النفس في الترقي والارتفاع يعرض عليه الفتن ، وذلك أن ~~إبليس قد أنفذ أعوانه إلى هذا الإنسان خاصة ، واستعملهم عليه ، ووكلهم به ، ~~فيأتون المرء وهو في تلك الحال فيتمثلون له في صورة من سلف من الأحباء ~~الميتين الباغين له النصح في دار الدنيا كالأب والأم والأخ والأخت والصديق ~~الحميم ، فيقول له : أنت تموت يا فلان ونحن قد سبقناك في هذا الشأن ، فمت ~~يهوديا فهو الدين المقبول عند الله تعالى! فإن انصرفوا عنه وأبى جاءه آخرون ~~وقالوا له : مت نصرانيا فإنه دين المسيح ونسخ به دين موسى! ويذكرون له ~~عقائد كل ملة. فعند ذلك يزيغ الله من يريد زيغه ، وهو معنى قوله تعالى : ( ~~@QUR@015 ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت ~~الوهاب ) [آل عمران : 8]. أي لا تزغ قلوبنا عند الموت وقد هديتنا من قبل ~~هذا إلى الإيمان. فإذا أراد الله تعالى بعبده هداية وتثبيتا جاءته الرحمة ، ~~وقيل هو جبريل عليه السلام ، فيطرد عنه الشيطان ويمسح الشحوب عن وجهه فيتبسم ~~الميت ضاحكا لا محالة. وكثير من يرى مبتسما في هذه الحالة فرحا مسرورا ~~بالبشير الذي جاء رحمة الله من تعالى يقول : يا فلان ما تعرفني؟ أنا جبريل ~~وهؤلاء أعداؤك من الشياطين ، مت على الملة الحنيفية والشريعة المحمدية! فما ~~شيء أحب إلى الإنسان وأفرح منه بذلك الملك ، وهو قوله تعالى : ( @QUR@08 ~~وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ) [آل عمران : 8]. ثم الموت على ~~الفطرة. ومن الناس من يطعن وهو قائم يصلي ، أو نائم ، أو مار في بعض أشغاله ~~، أو منعكف على اللهو ، وهو البغتة ، فتقبض نفسه مرة واحدة. ومن الناس من ~~إذا بلغت نفسه الحلقوم كشف له عن أهله السابقين ، وأحدق به جيرانه من ~~الموتى ، وحينئذ يكون له خوار يسمعه كل شيء إلا PageV01P511 # الإنسان ، ولو سمعه لصعق. وآخر ما يفقد من الميت السمع ، لأن الروح إذا ~~فارقت القلب بأسرها فسد البصر ، وأما السمع فلا يفقد حتى تقبض النفس ، ~~ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : «لقنوا موتاكم شهادة أن لا ms664 إله إلا الله ~~وأن محمدا رسول الله» ونهى عن الإكثار بها عليهم لما يجدونه من الهول ~~الأعظم والكرب الأقصم. فإذا نظرت إلى الميت قد سال لعابه وتقلصت شفتاه ~~واسود وجهه وازرقت عيناه فاعلم بأنه شقي ، قد كشف له عن حقيقة شقوته في ~~الآخرة ، وإذا رأيت الميت جاف الفم كأنه يضحك ، منطلق الوجه ، مكسورة عينه ~~، فاعلم أنه بشر بما يلقاه في الآخرة من السرور ، وكشف له عن حقيقة كرامته. ~~فإذا قبض الملك النفس السعيدة تناولها ملكان حسان الوجوه ، عليهما أثواب ~~حسنة ، ولهما روائح طيبة ، فيلفونها في حريرة من حرير الجنة وهي على قدر ~~النحلة شخصا إنسانيا ما فقد من عقله ولا من علمه المكتسب في دار الدنيا ، ~~فيعرجون به في الهواء ، منهم من يعرف ومنهم من لا يعرف ، فلا تزال تمر ~~بالأمم السالفة والقرون الخالية كأمثال الجراد المنتشر حتى تنتهي إلى سماء ~~الدنيا ، فيقرع الأمين الباب ، فيقال للأمين : من أنت؟ فيقول : أنا ~~صلصيائيل. أي جبريل. وهذا فلان معي بأحسن أسمائه وأحبها إليه ؛ فيقولون له ~~: نعم الرجل كان فلان وكانت عقيدته حسنة غير شاك. ثم ينتهي إلى السماء ~~الثانية فيقرع الأمين الباب فيقال : من أنت؟ فيقول مقالته الأولى فيقال : ~~أهلا وسهلا بفلان ، كان محافظا على صلاته وجميع فرائضها. ثم يمر حتى ينتهي ~~إلى السماء الثالثة فيقرع الأمين الباب فيقال : من أنت؟ فيقول الأمين ~~مقالته الأولى والثانية ، فيقال : كان يرعى الله في حق ماله ولا يتمسك منه ~~بشيء ثم يمر حتى ينتهي إلى السماء الرابعة فيقرع الباب فيقال : من أنت؟ ~~فيقول كدأبه في مقالته ، فيقال : أهلا بفلان كان يصوم فيحسن الصوم ويحفظه ~~من إدراك الرفث وحرام الطعام. ثم ينتهي إلى السماء الخامسة فيقرع الباب ~~فيقال : من أنت؟ فيقول كعادته ، فيقال : أهلا وسهلا به أدى حجة الله ~~الواجبة عليه من غير سمعة ولا رياء. ثم ينتهي إلى السماء السادسة فيقرع ~~الباب فيقال : من أنت؟ فيقول الأمين مقالته ، فيقال : مرحبا بفلان كان كثير ~~الاستغفار بالأسحار ويتصدق بالسر ويكفل الأيتام. ثم يفتح له فيمر حتى ينتهي ms665 ~~إلى سرادقات الجلال فيقرع الباب فيقول الأمين مثل قوله ، فيقال : أهلا ~~وسهلا بالعبد الصالح والنفس الطيبة ، كان كثير الاستغفار وينهى عن المنكر ~~ويأمر بالمعروف ويكرم المساكين. ويمر بملإ من الملائكة كلهم يبشرونه بالجنة ~~ويصافحونه حتى ينتهي إلى سدرة المنتهى فيقرع الباب فيقول الأمين كدأبه في ~~مقالته ، فيقال : أهلا وسهلا ومرحبا بفلان ، كان عمله عملا صالحا لوجه الله ~~تعالى. ثم يفتح له فيمر في بحر من نار ، ثم يمر في بحر من نور ، ثم يمر في ~~بحر من ظلمة ، ثم يمر في بحر من ماء ، ثم يمر في بحر من ثلج ، ثم يمر في ~~بحر من برد ، طول كل بحر منها ألف عام ، ثم يخترق الحجب المضروبة على عرش ~~الرحمن وهي ثمانون ألفا من السرادقات ، لكل سرادق ثمانون ألف شرافة ، على ~~كل شرافة قمر PageV01P512 # يهلل الله تعالى ويسبحه ويقدسه ، ولو برز منها قمر واحد إلى سماء الدنيا ~~لعبد من دون الله ولأحرقها نوره ، فحينئذ ينادي مناد من الحضرة القدسية من ~~وراء السرادقات : من هذه النفس التي جئتم بها؟ فيقول : فلان بن فلان ، ~~فيقول الجليل جل جلاله : قربوه فنعم العبد كنت يا عبدي! فإذا وقفه بين يديه ~~الكريمتين أخجله ببعض اللوم والمعاتبة حتى يظن أنه قد هلك ثم يعفو عنه ~~سبحانه. كما روي عن يحيى بن أكثم القاضي وقد رئي في المنام فقيل له : ما ~~فعل الله بك؟ فقال : وقفني بين يديه ثم قال يا شيخ السوء فعلت كذا وفعلت ~~كذا ، فقال يا رب ما بهذا حدثت عنك ، قال : فبما ذا حدثت عني يا يحيى؟ فقلت ~~: حدثني الزهري عن معمر عن عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~جبريل عنك سبحانك أنك قلت إني لأستحي أن أعذب شيبة شابت في الإسلام. فقال : ~~يا يحيى صدقت وصدق الزهري وصدق معمر وصدق عروة وصدقت عائشة وصدق محمد وصدق ~~جبريل ، وقد غفرت لك. وعن ابن بنانة وقد رئي في المنام فقيل له : ما فعل ~~الله بك؟ فقال : وقفني بين يديه الكريمتين وقال ms666 أنت الذي تلخص كلامك حتى ~~يقال ما أفصحه؟ قلت : سبحانك إني كنت في الدنيا أصفك ، قال قل كما كنت تقول ~~في دار الدنيا! قلت : أماتهم الذي خلقهم ، وأسكتهم الذي أنطقهم ، وسيوجدهم ~~كما أعدمهم ، وسيجمعهم كما فرقهم. قال لي : صدقت اذهب قد غفرت لك. # وعن منصور بن عمار أنه رئي في المنام فقيل له : ما فعل الله بك؟ قال : ~~وقفني بين يديه الكريمتين وقال لي بما ذا جئتني يا منصور؟ قلت : بستة ~~وثلاثين حجة ، قال لي : ما قبلت منها ولا واحدة ، ثم قال : بما ذا جئتني؟ ~~قلت : بثلاثمائة وستين ختمة قرأتها لوجهك الكريم ، قال : ما قبلت منها ~~واحدة ، ثم قال لي : بما ذا جئتني يا منصور؟ فقلت : جئتك برحمتك ، قال ~~سبحانه : الآن جئتني ، اذهب فقد غفرت لك! وكثير من هذه الحكايات تخبز بهذه ~~الأمور. وإنما حدثتك شيئا ليقتدي به المقتدي والله المستعان. # ومن الناس من إذا انتهى إلى الكرسي وسمع النداء ردوه ، فمنهم من يرد من ~~الحجب ، وإنما يصل إلى الله تعالى عارفوه ، ولا يقف بين يديه إلا أهل ~~المقام الرابع فصاعدا. ### ||| * فصل # وأما الفاجر فتؤخذ نفسه عنفا ، فإذا وجهه كآكل الحنظل ، والملك يقول : ~~اخرجي أيتها النفس الخبيثة من الجسد الخبيث! فإذا له صراخ أعظم ما يكون ~~كصراخ الحمير ، فإذا عزرائيل ناولها زبانية قباح الوجوه ، سود الثياب ، ~~منتني الريح ، بأيديهم مسوح من شعر ، فيلفونها فيه ، فتستحيل شخصا إنسانيا ~~على قدر الجرادة ، فإن الكافر أعظم جرما من المؤمن ، يعني الجسم في الآخرة. ~~وفي الصحيح أن ضرس الكافر في النار مثل أحد. قال فيعرج به حتى ينتهي إلى ~~باب سماء الدنيا ، فيقرع الأمين الباب ، فيقال : من أنت؟ فيقول : أنا ~~قياييل ، فيقال : من PageV01P513 # معك؟ فيقول : فلان بن فلان ، بأقبح أسمائه وأبغضها إليه في دار الدنيا ، ~~فيقال : لا أهلا ولا سهلا! ولا يفتح له أبواب السماء : ( @QUR@014 لا تفتح ~~لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ) فإذا سمع ~~الأمين هذه المقالة طرحه من يده فتهوي به الريح في مكان سحيق ، أي ms667 بعيد ، ~~وهو قوله عز وجل ( @QUR@016 ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه ~~الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق ) فيا له من خزي حل به! فإذا انتهى به ~~إلى الأرض ابتدرته الزبانية وسارت به إلى سجين وهي صخرة عظيمة تأوي إليها ~~أرواح الفجار. وأما اليهود والنصارى فمردودون من الكرسي إلى قبورهم ، هذا ~~من مات منهم على شريعته ويشاهد غسله ودفنه ، وأما المشرك فلا يشاهد شيئا من ~~ذلك لأنه قد هوى به ، وأما المنافق فمثل الثاني يرد ممقوتا مطرودا إلى ~~حفرته ، وأما المقصرون من المؤمنين فتختلف أنواعهم : فمنهم من ترده صلاته ، ~~لأن العبد إذا نقر في صلاته سارقا لها تلف كما يتلف الثواب الخلق ويضرب بها ~~وجهه ثم تعرج وهي تقول ضيعك الله كما ضيعتني. ومنهم من ترده زكاته ، لأن ~~إنما يزكي ليقال فلان متصدق ، وربما وضعها عند النسوان فاستجلب بها محبتهن ~~، ولقد رأيناه ، عافانا الله مما حل به. ومن الناس من يرده صومه ، لأنه صام ~~عن الطعام ولم يصم عن الكلام ، فهو رفث وخسران ، فخرج الشهر عنه وقد لهوجه. ~~ومن الناس من يرده حجه ، لأنه إنما حج ليقال فلان حج أو يكون حج بمال خبيث. ~~ومن الناس من يرده العقوق. # وسائر أحوال البر كلها لا يعرفها إلا العلماء بأسرار المعاملات وتخصيص ~~العمل الذي للملك الوهاب. فكل هذه المعاني جاءت بها الآثار والأخبار كالخبر ~~الذي رواه معاذ بن جبل رضي الله عنه في رد الأعمال وغيرها. وإنما أردت ~~تقريب الأمر ، ولو لا الاختصار لكنت ملأت الدواوين من تصحيح ذلك ، وأهل ~~الشرع يعرفونه صحة ذلك كما يعرفون أبناءهم. فإذا ردت النفس إلى الجسد ~~ووجدته قد أخذ في غسله إن كان قد غسل ، فتقعد عند رأسه حتى يغسل ، فيكشف ~~الله عن بصر من يشاء من الصالحين فينظرها على صورتها الدنيوية. وقد حدث شخص ~~ابنا له فإذا هو بشخص قاعد عند رأسه ، فأدركه الوهم ، فترك الجهة التي رأى ~~فيها الشخص وتحول إلى الجهة الأخرى ، فلم يزل ينظره حتى أدرج الميت في كفنه ms668 ~~، فعاد إليه ذلك الشخص فشاهده العالم وهو على النعش. كما روي عن غير واحد ~~من الصالحين أنه نادى ميتا وهو في النعش : أين فلان وأين الروح؟ فانتقض ~~الكفن من تلقاه صدره مرتين أو ثلاثة. وعن الربيع بن خيثم أنه اضطرب في يد ~~غاسله. وقد علم أن الميت تكلم في نعشه على عهد الصديق وذكر فضله وفضل ~~الفاروق. وإنما هي النفس تشاهد أمرا ملكوتيا ويكشف الله عن سمع من يشاء ، ~~فإذا أدرج الميت في أكفانه صارت الروح ملتصقة بالصدر خارجة ولها خوار وعجيج ~~وهي تقول أسرعوا بي إلي أي رحمة ربي لو علمتم ما أنتم حاملوني إليه! فإن ~~كان ممن يبشر بالشقاء يقول رويدا بي إلى أي عذاب لو تعلمون ما أنتم حاملوني ~~إليه. ولأجل PageV01P514 # ذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمر به جنازة إلا قام لها قياما. ~~وفي الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم مرت به جنازة فقام لها تعظيما فقيل : يا ~~رسول الله إنه يهودي ، فقال : أليست نفسا؟ وإنما كان يفعله لأنه كشف له عن ~~أسرار الملكوت ، فكان يسر بالميت إذا مر به لأنه من أهل فهمه ومعانيه. فإذا ~~دخل الميت القبر وأهيل عليه التراب ناداه القبر كنت تفرح على ظهري والآن ~~تأكلك الديدان في بطني ، ويكثر عليه مثل هذه الألفاظ الموبخة حتى يسوى عليه ~~التراب ، ثم يناديه ملك يقال له رومان. وقد روي عن ابن مسعود رضي الله عنه ~~أنه قال : يا رسول الله ما أول ما يلقى الميت إذا دخل قبره؟ قال : يا ابن ~~مسعود ما سألني عنه أحد إلا أنت ، فأول ما يناديه ملك اسمه رومان يجوس خلال ~~المقابر فيقول : يا عبد الله اكتب عملك! فيقول : ليس معي دواة ولا قرطاس ، ~~فيقول : هيهات! كفك قرطاسك ، ومدادك ريقك ، وقلمك إصبعك ، فيقطع قطعة من ~~كفنه ثم يجعل العبد يكتب ، وإن كان غير كاتب في الدنيا فيكتب حينئذ حسناته ~~وسيئاته كيوم واحد ، ثم يطوي الملك الرقعة ويعلقها في عنقه. ثم قرأ رسول ~~الله صلى الله عليه ms669 وسلم ( @QUR@06 وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ) ~~[الإسراء : 13]. فإذا فرغ من ذلك دخل عليه فتانا القبر وهما ملكان أسودان ~~يخرقان الأرض بأنيابهما ، لهما شعور مسدولة يجرانها على الأرض ، كلامهما ~~كالرعد القاصف ، وأعينهما كالبرق الخاطف ، ونفسهما كالريح العاصف ، وبيد كل ~~واحد منهما مقمع من حديد لو اجتمع عليه الثقلان ما رفعاه ، ولو ضرب به أعظم ~~جبل لجعله دكا ، فإذا أبصرتهما النفس ارتعدت وولت هاربة ، فتدخل في منخر ~~الميت ، فيحيا الميت من الصدر ويكون كهيئته عند الغرغرة ، ولا يقدر على ~~حركة ، غير أنه يسمع وينظر. قال : فيسألانه بعنف ، وينهرانه بجفاء ، وقد ~~صار التراب له كالماء حيثما تحرك انفتح فيه ووجد فيه فرحة ، فيقولان له : ~~من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ وما قبلتك؟ فمن وفقه الله وثبته بالقول الثابت ~~قال : من وكلكما علي ومن أرسلكما إلي؟ ثم يقول : الله ربي ، ومحمد نبيي ، ~~والإسلام ديني ، وهذا ما يقوله ، إلا العلماء الأخيار فيقول أحدهما للآخر ~~صدق لقد كفي شرنا ولقن حجته ، ثم يضربان عليه القبر كالقبة العظيمة ويفتحان ~~له بابا إلى الجنة من تلقاء يمينه ، ثم يفرشان له من حريرها وريحانها ، ~~ويدخل عليه من نسيمها وروائحها ، ويأتيه عمله في صورة أحب الأشخاص إليه ~~يؤنسه ويحدثه ويملأ قبره نورا ، ولا يزال في فرح وسرور ما بقيت الدنيا حتى ~~تقوم الساعة فليس شيء أحب إليه من قيامها. ودونه في المنزلة المؤمن القليل ~~العلم والعمل ، ليس معه حظه من العلم ولا أسرار الملكوت ، يلج عليه عمله ~~عقيب رومان في أحسن صورة طيبة الريح ، حسن الثياب ، فيقول له : أما تعرفني؟ ~~فيقول : من أنت الذي من الله علي بك في غربتي؟ فيقول : أنا عملك الصالح لا ~~تحزن ولا توجل! فعما قليل يلج عليك منكر ونكير يسألانك فلا تدهش ، ثم يلقنه ~~حجته ، فبينما هو كذلك إذ دخلا عليه كما تقدم ذكرهما فينهرانه ويقعدانه ~~مستندا ويقولان له : من ربك؟ فيسبق إلى القول الأول فيقول : الله ربي ، ~~ومحمد نبيي PageV01P515 # والقرآن إمامي ، والكعبة قبلتي ، وإبراهيم أبي ، وملته ملتي ، غير مستعجم ~~، فيقولان له : صدقت! ويفعلان ms670 به كالأول ، إلا أنهما يفتحان له بابا من ~~النار من تلقاء شماله ، فينظر إلى حياتها وعقاربها وأغلالها وسلاسلها ~~وحميمها وجميع ما فيها من صديدها وزقومها ، فيفزع فيقولان له : لا عليك سوء ~~، هذا موضعك كان من النار قد أبدله الله تعالى به موضعك هذا من الجنة ، نم ~~سعيدا! ثم يغلقان عنه باب النار ولم يدر ما مر عليه من الشهور والأعوام ~~والدهور. ومن الناس من ينعجم في مسألته ، وإن كانت عقيدته مختلفة امتنع أن ~~يقول الله ربي ، وأخذ يذكر غيرها من الألفاظ ، فيضربانه ضربة يشتعل قبره ~~منها نارا ، ثم يطفأ عنه أياما ، ثم يشتعل عليه أيضا ، ثم دأبه ما بقيت ~~الدنيا. ومن الناس من يعتاص عليه ويعسر أن يقول الإسلام ديني ، بشك كان ~~يتوهمه ، أو فتنة تقع به عند الموت ، فيضربانه ضربة واحدة فيشتعل عليه قبره ~~نارا كالأول. ومن الناس من يعسر عليه أن يقول القرآن إمامي ، لأنه يتلوه ~~ولا يتعظ به ولا يعمل بأوامره ولا ينتهي بنواهيه ، يطوف عليه دهره ولا يعظ ~~نفسه خيره ، فيفعل به ما فعل بالأولين. ومن الناس من يستحيل عمله جروا يعذب ~~به في قبره على قدر جرمه. في الأخبار أن من الناس من يستحيل عمله خنوصا وهو ~~ولد الخنزير. ومن الناس من يعتاص عليه أن يقول محمد نبيي ، لأنه كان ناسيا ~~لسنته. ومن الناس من يعتاص عليه أن يقول الكعبة قبلتي ، لقلة تحريه في ~~صلاته ، أو فساد في وضوئه ، أو التفات في صلاته ، أو اختلال في ركوعه ~~وسجوده ، ويكفيك ما روي في فضائلها أن الله لا يقبل صلاة ممن عليه صلاة ومن ~~عليه ثوب حرام. ومن الناس من يعتاص عليه أن يقول أبي إبراهيم ، لأنه سمع ~~كلاما يوما أوهمه أن إبراهيم كان يهوديا أو نصرانيا ، فإذا هو شاب مرتاب ، ~~فيفعل به ما فعل بالآخرين. وكل هذه الأنواع كشفناها في كتاب الإحياء. ### ||| * فصل # وأما الفاجر فيقولان له : من ربك؟ فيقول : لا أدري ، فيقولان له : لا ~~دريت ولا عرفت! ثم يضربانه بتلك المقامع الحديد حتى يتجلجل في ms671 الأرض ~~السابعة ، ثم تنقضه الأرض في قبره ، ثم يضربانه سبع مرات ، ثم تختلف ~~أحوالهم فمنهم من يستحيل عمله كلبا ينهشه حتى تقوم الساعة ، وهم المرتابون ~~، وهي أنواع تعتري أهل القبور ، وإنما آثرنا الاختصار في ذكرها ، وأصلها أن ~~الرجل إنما يعذب في قبره بالشيء الذي كان يخافه في الدنيا ، فمن الناس من ~~يخاف الجرو أكثر ، وطبائع الخلق مفترقة. نسأل الله السلامة والغفران قبل ~~الندامة. # وقد روي عن غير واحد من الموتى أنه رئي في المنام فقيل له : كيف كان ~~حالك؟ فقال : صليت بلا وضوء فوكل الله علي ذئبا يروعني في قبري ، فحالي معه ~~أسوأ حال. وآخر رئي في المنام فقيل : ما فعل الله بك؟ فقال دعني فإني لم ~~أتمكن في غسل يوم من الجنابة فألبسني الله ثوبا من نار أتقلب فيها إلى يوم ~~القيامة. ورئي آخر فقيل : ما فعل الله بك؟ فقال : الغاسل الذي PageV01P516 # غسلني حملني بعنف فخدشني مسمار كان في المغتسل قائما فتألمت منه ، فلما ~~أصبح الصباح سئل الغاسل فقال : كان ذلك من غير اختياري. ورئي آخر في المنام ~~فقيل له : كيف حالك أو لم تمت؟ قال : نعم ، وأنا بخير ، غير أن الحجر كسر ~~ضلعي عند ما سوي علي التراب فأضرني. ففتح القبر فوجدوه كما قال. وآخر جاء ~~إلى ولده في النوم فقال له : يا ولد السوء أصلح قبر أبيك ، لقد آذاه المطر! ~~فلما أصبح بعث الرجل إلى قبر أبيه فوجد جدولا من الماء وقد أتى عليه من سيل ~~، وإذا بالقبر مملوء من الماء. وعن أعرابي أنه قال لولده : ما فعل الله بك؟ ~~قال ما ضرني إلا أن دفنت بإزاء فلان وكان فاسقا قد روعني ما يعذب به من ~~أنواع العذاب. # وكثيرا ما جاء في مثل هذه الأخبار حكايات تبين أهل القبور يؤلمون في ~~قبورهم ، وكفى بالخبر دلالة حيث يقول صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم : " يؤلم ~~الميت في قبره كما يؤلم الحي في بيته" وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن كسر عظام الميت. # وقد مر برجل ms672 قاعد على فناء قبر فنهاه وقال : لا تؤذوا الموتى في قبورهم. ~~وقد زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه آمنة فبكى وأبكى من كان معه ثم قال ~~: «استأذنت ربي في الاستغفار لها فلم يأذن لي ، ثم استأذنت أن أزور قبرها ~~فأذن لي ، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت». وكان إذا حضر إلى المقابر ~~ليزورها يقول صلى الله عليه وسلم : «سلاما على أهل الديار من المسلمين ~~والمؤمنين ، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ، أنتم لنا فرط ونحن لكم تبع ، ~~اللهم اغفر لنا ولهم وتجاوز بعفوك عنا وعنهم» فكان يعلم نساءه ~~صلى الله عليه وسلم إذا خرج النساء إلى المقابر يقول لهن قولوا هذا الكلام ، ~~ويعلمهن إياه. وقال صالح المزني : سألت بعض العلماء لأي شيء نهي عن الصلاة ~~في المقبرة؟ فقال : ورد حديث ، فاستدل بحديث" لا تصلوا بين القبور فإن ذلك ~~حسرة لا منتهى لها". وروي عن بعضهم أنه قال : قمت أصلي ذات يوم في المقابر ~~وقد اشتد الحر وقوي ، إذ رأيت شخصا يشبه أبي جالسا على ظهر قبره ، فسجدت ~~فزعا ، فسمعته يقول : ضاقت عليك الأرض رحبا حتى جئت تؤذينا بصلاتك منذ ~~زمان. وفي الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بيتيم يبكي على ~~قبر أبيه فبكى رحمة له ثم قال : " إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه" أي إن ~~ذلك يحزنه ويسوؤه. فكم من ميت رئي في المنام فقيل له كيف حالك يا فلان ~~فيقول حال سوء ساء حالي من فلان وفلانة كانا يكثران البكاء والنواح علي. ~~إلا أن الزنادقة ينكرون ذلك قبله. ورسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما ~~من أحد منكم يمر بقبر أخيه المؤمن ممن يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ~~ورد عليه" وكذا حدث عليه الصلاة والسلام وقد انصرف عن جنازة دفنوها أنه ~~يسمع قرع نعالهم وهم بغيره أسمع وأسمع. ومات بعض الفقهاء ولم يوص بشيء ثم ~~طاف على أهل بيته بالليل وقال : أعطوا فلانا كيت وكيت من الزرع! وادفعوا ~~لفلان كتابه الذي ms673 كان عندي مودوعا منذ زمان! فلما أصبحوا ذكر كل واحد منهم ~~لأخيه ما رأى ، ثم إنهم وجدوه بعد زمان في زوايا البيت. وعن بعضهم قال : ~~اتخذ أبونا لنا مؤدبا يعلمنا الكتابة في الدار PageV01P517 # فمات ، فخرجنا إلى قبره بعد ستة أيام وجعلنا نتذاكر أمر الله عز وجل ، فمر ~~بنا طبق من تين فاشتريناه وأكلناه ورمينا الأذناب على القبر ، فلما كان تلك ~~الليلة رأى أبونا الشيخ في المنام فقال له : كيف حالك؟ فقال : بخير ، غير ~~أن أولادك اتخذوا قبري مزبلة ، وتحدثوا علي بكلام هو كفر ، فخاصمنا أبونا ~~للشيخ وقال : إن الشيخ قال لي إنهم قالوا عند قبري شيئا يشبه الكفر ، فقلنا ~~: يا سبحان الله لا يزال يؤدبنا في الدنيا والآخرة. ومن هذه الحكايات كثير ~~إلا أني ذكرت هذا القدر أمثالا ومواعظ ليعتبر بالأقل. ### ||| * فصل # وأما أهل القبور فعلى أربعة أحوال : فمنهم القاعد على عقبه حتى تنتثر ~~العين ، وتورم الجثة ، ويعود الجسم ترابا ، ثم لا يزال بعد ذلك طوافا في ~~الملكوت دون سماء الدنيا ، ومنهم من يرسل الله عليه نعسة فلا يدري ما فعل ~~حتى ينتبه مع النفخة الأولى ثم يموت ، ومنهم من لا يقوم على قبره إلا شهرين ~~أو ثلاثا ، ثم تركب نفسه على طير يهوي به في الجنة ، وهو الحديث الصحيح حيث ~~يقول صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم : «نسمة المؤمن من طائر يعلق في شجرة ~~الجنة» وفي المعنى الصحيح والوجه الحسن. وكذلك سئل عن أرواح الشهداء فقال : ~~«الشهداء في حواصل طيور خضر تعلق بهم في شجرة الجنة». ومن الناس من إذا ~~بادت عينه عرج به إلى الصور فلا يزال لازما له حتى ينفخ في الصور. والنوع ~~الرابع خص به الأنبياء والأولياء ولهم الخيار ، فمنهم من يكون طوافا في ~~الأرض حتى تقوم الساعة ، وكثيرا ما يرى في الليل ، وأظن الصديق منهم ~~والفاروق. والرسول صلى الله عليه وسلم له الخيار في طواف العوالم الثلاثة. وعن ~~هذه الإرادة قال يوما تنبيها وإشارة صلى الله عليه وسلم «إني أكرم على الله من ~~أن يدعني ms674 في الأرض أكثر من ثلاث» وكانت ثلاث عشرات ، لأن الحسين قتل على ~~رأس الثلاثين سنة فغضب على أهل الأرض وعرج إلى السماء ، وقد رآه بعض ~~الصالحين في النوم فقال : يا رسول الله بأبي أنت وأمي ما ترى في فتن أمتك؟ ~~قال : زادهم الله فتنة! قتلوا الحسين ولم يحفظوني فيه. ثم جعل يعدد كلاما ~~اشتبه على الراوي. ومنهم من اختار السماء السابعة كإبراهيم عليه السلام ، ~~وفي الحديث أنه أمر به صلى الله عليه وسلم وهو مسند ظهره إلى البيت المعمور ~~وقد أحدق به أولاد المسلمين. وعيسى عليه السلام في السماء الخامسة ، وفي كل ~~سماء رسل وأنبياء لا يخرجون منها ولا يبرحون حتى الصعقة ، وليس منهم من له ~~الخيار إلا الخليل والكليم والروح والحبيب ، هؤلاء ينتهون حيث أرادوا من ~~العالمين ، وأما الأولياء فمنهم من وقف على البعثة الدنيوية كما روي عن أبي ~~يزيد أنه تحت العرش يأكل من مائدة. وعلى هذه الأنواع الأربعة حال أهل ~~القبور يعذبون ويرحمون ويهانون ويكرمون ، فالذين هم منهم يحدقون بالميت إذا ~~احتضر حتى يضيق بهم رحاب المنازل ، وربما كشف له فيراهم ويفطن بهم ، وقد ~~رأيت من حدث بهذا النوع ، وقد رأيت بعض الأصحاب كشف عن بصيرته فنظر إلى ~~ولده الميت قد ولج البيت والميت PageV01P518 # يفيق ويتصور. وهذه الفوائد الملكوتية إنما تكون لكريم أو نسيب. نسأل الله ~~أن يجود لنا بمعرفة ما نخوض به بحر أسرارها حتى يرتفع الشك والارتياب. # ومع هذه الأنواع الموصوفة لا يعقل منهم تكوين الليل والنهار إلا من كان ~~عينه باقية لم يعرج به علوا. فمنهم من يعرف الجمعة والأعياد وإذا خرج أحد ~~من الدنيا اجتمعوا إليه وعرفوه ، فهذا يسأل عن زوجته وهذا يسأل عن والده ، ~~وكل واحد يسأل عن أربه. وربما مات الميت فلم يلق أحد معارفه لزيغ يصيبه عند ~~الموت ، فيموت يهوديا أو نصرانيا فيصير إلى عساكرهم ، فإذا قدم أحد من ~~الدنيا سأله جيرانه : ما علمك بفلان؟ فيقول لهم : قد مات ، فيقال : إنا لله ~~وإنا إليه راجعون! ما رأيناه سلك به إلى ms675 أمه الهاوية. وقد رئي بعض الناس ~~فقيل له : ما فعل الله بك؟ قال : أنا وفلان وفلان ، وعد خمسة من أصحابه ، ~~في خير كثير ونعمة ، وكان قتله الخوارج مع أصحابه المعروفين. وسئل عن جار ~~له ما فعل الله به ، فقال : ما رأيناه ، وإنما كان هذا المنكور ألقى نفسه ~~في اليم حتى مات غرقا ، وأظنه والله مع قاتلي أنفسهم. وفي الصحيح أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال «من قتل نفسه بحديدة جاء يوم القيامة وحديدته في ~~يده يتوجأ بها في بطنه في بطن جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ، ومن تردى من ~~جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم» الحديث. وكذلك المرأة تموت بحد ، لا ~~تزال تجد ذلك الألم حتى النفخة ، فهذه حياة ثانية. وقد صح أن آدم ~~عليه السلام لقي موسى عليه السلام فقال له : أنت الذي خلقك الله بيده ، ونفخ ~~فيك من روحه ، وأسجد لك ملائكته ، وأسكنك جنته فلم عصيته؟ قال له : يا موسى ~~نعم ، فقال له : في كم سنة وجدت الذنب قدر علي قبل فعله؟ قال له : كتب عليك ~~قبل أن تفعله بخمسين ألف سنة ، قال : يا موسى أفتلومني على ذنب قدر علي قبل ~~أن أفعله بخمسين ألف عام؟ وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ~~بالمرسلين ليلة أسري به ركعتين ، وأنه سلم على هارون عليه السلام ، فدعا له ~~بالرحمة ولأمته ، وأنه سلم على إدريس فدعا له بالرحمة ولأمته ، وكان أولئك ~~قد ماتوا وبادت أعينهم. وإنما هي الحياة الأنفس ، وبعد هذا الإحياء حياة ~~ثالثة ، والحياة الأولية يوم أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى ~~شهدنا! ولا يعتد بالحياة الدنيوية ، فإنها مسخرة للتنعم. ويروى عنه عليه ~~الصلاة والسلام أنه قال «الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا». # فهذه أحوال الأموات إذا بادت أعينهم : منهم المستقر ، ومنهم الطواف ، ~~ومنهم المضروب عليه ، ومنهم المعذب ، والدليل على صحة ذلك قوله تعالى ( ~~@QUR@013 النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون ~~أشد العذاب ) [غافر : 46]. واليوم بيان عذاب البرزخ. ### ||| * فصل ms676 # فإذا أراد الله تعالى قيام الساعة دون النفخ في الصور على السر الذي ~~بيناه في الإحياء ، فإذا PageV01P519 # الجبال تتطاير وتسير مثل السحاب ، وإذا البحار قد تفجرت بعضها في بعض ، ~~وتكورت الشمس فعادت سوداء مزبرة ، وسجرت الجبال على أمثال عالم الهواء ، ~~ودخل العالم بعضه في بعض ، وانتثرت النجوم كالسلك إذا انتثر من نظمه ، ~~وعادت السماء كدهن الورد تدور كدوران الرحى ، والأرض قد زلزلت زلزالا شديدا ~~تارة تنقبض وتارة تنبسط كالأديم ، حتى أن الله يأمر بخلع الأفلاك ، فلا ~~يبقى في الأرضين السبع ولا السماوات السبع ولا في الكرسي حي كائن إلا وقد ~~ذهبت نفسه ، وإن كان روحانيا ذهبت روحه ، وقد خلت الأرض من عمارها ، ~~والسماء من سكانها على ضروب الموحدين. ثم إن الله جل جلاله يتجلى في المقام ~~فيقبض السماوات السبع في يمينه ، والأرضين السبع الأخرى ، ثم يقول الله ~~عز وجل : يا دنيا يا دنية أين أربابك وأين أصحابك ، منيتهم ببهجتك وشغلتهم ~~عن آخرتهم بزهوك ، ثم يثني على نفسه بما شاء ، ويفتخر بالبقاء المستمر ، ~~والعز الدائم ، والملك الباقي ، والقدرة القاهرة ، والحكمة الباهرة ، ثم ~~يقول تعالى : لمن الملك اليوم ، فلا يجيبه أحد ، فيجيب نفسه بنفسه بأن يقول ~~: لله الواحد القهار. ثم يفعل فعلا أعظم من الأول وهو أن يأخذ السماوات على ~~إصبع والأرضين على إصبع ثم يهزها ويقول سبحانه : أنا الملك الديان أين عبدة ~~الأوثان الذين عبدوا غيري من دوني ، وأشركوا بي وأكلوا رزقي ، أين الذين ~~تقووا برزقي على المعاصي ، أين الجبابرة ، أين من تكبر وافتخر ، لمن الملك ~~اليوم ، كالمرة الأولى. ثم يمكث كذلك سبحانه وتعالى ما شاء الله وليس من ~~العرش إلى المقام نسمة تلوح تعقل ، وقد ضرب الله على آذان الحور والولدان ~~في جنتهم. ثم يكشف الله سبحانه وتعالى عن بئر في سقر ، فيخرج منها لهيب ~~النار ، فتشتعل في الأربعة عشر بحرا كما تشتعل النار في الصوف المنفوش ، ~~فما تدع منها قطرة واحدة ، وتدع الأرضين جملة سوداء والسماوات كأنها عكر ~~الزيت والنحاس المذاب ، فإذا دنا اللهيب إن يتعلق بعنان السماء زجر ms677 الله ~~النار زجرة فخمدت ، ثم لا يرفع لها لهيب ، ثم يفتح الله سبحانه وتعالى ~~خزانة من خزائن العرش فيها بحر الحياة ، فتمطر الأرض ، فإذا هو كمني الرجال ~~، فيلقى الأرض عطشى ميتة هامدة فتحيا وتهتز ولا يزال المطر عليها حتى يعمها ~~، ويكون الماء أربعين ذراعا ، فإذا جاء الأجسام تنبت من العصعص. وفي الحديث ~~أن الإنسان يبدأ من عجب الذنب ومنه يعود ، وفي رواية أخرى «يبلى المرء كله ~~إلا عجب الذنب منه بدئ ومنه يعود» وهو عظم على قدر الحمصة ليس له مخ ، فمنه ~~تنبت الأجسام في مقابرها كما ينبت البقل ، حتى يشتبك بعضها في بعض ، فإذا ~~رأس هذا عند منكب هذا ، ويد هذا عند عجز هذا ، لكثرة البشر. وفي معنى قوله ~~عز وجل ( @QUR@09 قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ ) [ق : 4]. ~~نبهنا عليه في كتابنا الإحياء. فإذا تمت النشأة على حسبها : الصبي صبي ، ~~والشيخ شيخ ، والكهل كهل ، والفتى فتى ، والشاب شاب ، أمر الجليل جل جلاله ~~أن تهب ريح من تحت العرش فيها نار لطيفة ، فيكشف ذلك عن الأرض ، وتبقى ~~الأرض بارزة ليس فيها حدب ولا عوج ولا أمت ، PageV01P520 # وقد عادت الجبال رمالا ، وهو الكثيب المهيل ، ثم يحيي الله سبحانه وتعالى ~~إسرافيل فينفخ في الصور من صخرة ببيت المقدس ، والصور قرن من نور له أربعة ~~عشر دارة ، الدارة الواحدة فيها ثقوب بعدد أرواح البرية ، فتخرج أرواح ~~البرايا لها دوي كدوي النحل فتملأ ما بين الخافقين ، ثم تذهب كل نسمة إلى ~~جثتها. فسبحان ملهمهم إياها! حتى الوحش والطير وكل ذي روح ، فإذا الكل كما ~~قال تعالى ( @QUR@08 ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ) [الزمر : 68]. ~~والزجرة العظيمة هي الصيحة كما قال الله تعالى : ( @QUR@07 فإنما هي زجرة ~~واحدة فإذا هم بالساهرة ) [النازعات : 13 ، 14]. والساهرة هي الأرض السفلى ~~، لأنهم فتحوا أبصارهم عند قيامهم فنظروا إلى جبال منسوفة ، وبحار منزوفة ، ~~والأرض لا عوج فيها ولا أمت ، والأمت الشيء المرتفع كالربوة ، والعوج الأرض ~~المنخفضة كالوهدة والأودية ، وإنما صارت مستوية كأنها صحفة قاعدة. فتعجبوا ~~لما نظروا ms678 من الساهرة وقعد كل واحد منهم على قبره عريانا منتظرا متعجبا ~~متفكرا معتبرا كما قال صلى الله عليه وسلم في الصحيح «عراة غرلا» أي غير ~~مختونين ، إلا قوما ماتوا في الغربة مؤمنين لم يكفنوا ، فإنهم يحشرون وقد ~~كسوا ثيابا من الجنة ، وأقواما ماتوا شهداء فيقومون وقد كسوا من الجنة ، ~~وأقواما أيضا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم متحرين السنة ما خافوا عنها سم ~~الخياط ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «بالغوا في أكفان موتاكم فإن ~~أمتي تحشر بأكفانها وسائر الأمم عراة» رواه أبو سفيان مسندا. وقال ~~صلى الله عليه وسلم : «يحشر الميت في ثيابه» وبعض الموتى لما احتضر قال : ~~اكسوني الثوب الفلاني ، فمنع منه حتى مات في غلالة ليس عليه غيرها ، فرئي ~~في المنام بعد أيام قلائل كأنه حزين فقال له : ما بالك؟ فأعرض عن خطابه ثم ~~قال : منعتموني ثوبي وجعلتموني أحشر في هذه الغلالة لا غير. ### ||| * فصل في الإقامة التي بين النفختين # وهي الموتة الثانية ، لأنها منعت من الحواس الباطنة ، والموت الجسماني ~~منع من الحواس الظاهرة ، لأن الأجرام هي الفاعلة للحركة ، ولأنهم لا يصلون ~~ولا يصومون ولا هم يتعبدون ، ولو أدخل الله ملكا في جثة لأقام فيها ، لأنه ~~ذو حرص على التحيز إلى عالمه. والنفس جوهر بسيط ، فإذا ركبت في الجسد صحت ~~حياته وأفعاله. # واختلف الناس في هذه المدة الكائنة بين النفختين ، واستقر جمهورهم على ~~أنها أربعون سنة ، وحدثني من لا أشك في علمه ولا معرفته أن أمر ذلك لا ~~يعلمه إلا الله تعالى لأنه من أسرار الربوبية ، وكذلك حدثني أن الاستثناء ~~واقع عليه سبحانه وتعالى خاصة ، فقلت : ما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~: «أنا أول من تنشق الأرض عنه يوم القيامة ، فإذا أخي موسى آخذ بقائمة ~~العرش فلا أدري أبعث قبلي أم كان ممن استثناه الله عز وجل ؟» فلا يخرج من ~~هذا الحديث على ما نقدره إلا غير أجسام ، وإن كان موسى الآن لا جثة له ، ~~وبعد الاستثناء الذي عن رسول الله صلى ms679 الله عليه وسلم في أمر الفزع ، لأن ~~البرايا عند الصعقة وعند الفزعة كما قال كعب وقد حدث في مجلس عمر PageV01P521 # ابن الخطاب رضي الله عنه عن هول المقام حيث قال : فلو كان ذلك يا بن ~~الخطاب عمل سبعين نبيا لظننت أنك لا تنجو من ذلك اليوم إلا قوما استثناهم ~~الله في هول الفزع والصعق وهم أهل المقام الرابع. لا شك أن موسى أحدهم ~~والاستثناء من بلوغ الأمر ، ولو كان هناك أحد لأجاب الله تعالى حين يقول ~~لمن الملك اليوم لقال : لك يا واحد يا قهار. ### ||| * فصل # فإذا استوى كل أحد قاعدا على قبره فمنهم العريان والمكسو والأسود والأبيض ~~، ومنهم من يكون له نور كالمصباح العظيم ، ومنهم من يكون له نور كالشمس ، ~~إلا أن كل واحد منهم لا يزال مطرقا برأسه ما يدري ما يصنع ألف عام ، حتى ~~تظهر نار من المغرب لها دوي تسوق الخلق إلى المحشر ، فيندهش لها رءوس ~~الخليقة إنسا وجنا ، ووحشا وطيرا ، فيأخذ كل واحد عمله ويقول قم وانهض إلى ~~المحشر ، فمن كان له حينئذ عمل جيد تشخص عمله بغلا ، ومنهم من تشخص عمله له ~~حمارا ، ومنهم من تشخص له عمله كبشا ، تارة يحمله وتارة يلقيه. ويجعل لكل ~~واحد نور شعاعي بين يديه ، وعن يمينه مثله ، يسري بين يديه في الظلمات وهو ~~قوله تعالى ( @QUR@05 نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم ) [التحريم : 8]. ~~وليس عن شمائلهم نور بل ظلمة حالكة لا يستطيع أحد ينظر فيها ، يختار فيها ~~الكفار ويتردد المرتابون ، والمؤمن ينظر إلى قوة حلكها وشدة حندسها ويحمد ~~الله على ما أعطاه من النور المهتدى به في تلك الشدة ، ويسعى بين أيديهم ، ~~لأن الله يكشف للعبد المؤمن المتنعم عن أحوال أهل الشقاء المعذبين ليستبين ~~له سبل الفائدة ، كما فعل أهل الجنة وأهل النار حيث يقول ( @QUR@05 فاطلع ~~فرآه في سواء الجحيم ) [الصافات: 55]. وكما قال سبحانه وتعالى ( @QUR@013 ~~وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم ~~الظالمين ) [الأعراف : 47]. لأن أربعا لا يعرف قدرها إلا أربعة : لا يعرف ~~قدر الحياة ms680 إلا الموتى ، ولا يعرف قدر الشدة إلا أهل النعم ، ولا يعرف قدر ~~الغنى إلا الفقراء ، ولا يعرف قدر الصحة إلا المرضى. ومن الناس من يسعى على ~~قدميه وعلى أطراف بنانه ، ومنهم من له نور ينطفئ تارة ويشتعل أخرى ، وإنما ~~نورهم عند البعث على قدر إيمانهم ، وسرعة خطواتهم على قدر أعمالهم. قيل ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح «كيف نحشر يا رسول الله؟ قال : ~~اثنان على بعير ، وخمسة على بعير ، وعشرة على بعير» ومعنى هذا الحديث والله ~~أعلم أن قوما يتلاقون في الإسلام في رحمهم الله تعالى ، خلق لهم من أعمالهم ~~بعيرا يركبون عليه ، وهذا من ضعف العمل ، لأنهم مشتركون معهم ، فهم كقوم ~~خرجوا في سفر بعيد وليس معهم أحد ، منهم من يشتري مطية توصله ، فاشترك في ~~ثمنها رجلان أو ثلاثة ، فاشتروا مطية يتعقبون عليها في الطريق وقد يبلغ ~~بعير مع عشرة. فهذا العجز في العمل معناه قبض اليد في المال ، أي منع ~~التصرف فيه ، ومع هذا يحكم له بالسلامة. فاعمل هداك الله عملا يكون لك ~~بعيرا خالصا من الشركة ، واعلم أن ذلك هو المتجر الرابح ، فالمتقون وافدون PageV01P522 # كما قال الجليل جل جلاله : ( @QUR@06 يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا ) ~~[مريم : 85]. وفي غريب الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوما ~~لأصحابه : «كان رجل من بني إسرائيل كثيرا ما يفعل الخير حتى إنه ليحشر ~~فيكم. قالوا له : وما كان يصنع؟ قال : ورث من أبيه مالا كثيرا فاشترى ~~بستانا فحبسه للمساكين وقال هذا بستاني عند الله ، وفرق دنانير عديدة في ~~الضعفاء وقال بهذا أشتري جارية من الله تعالى وعبيدا ، وأعتق رقابا كثيرة ~~وقال هؤلاء خدمي عند الله ، والتفت ذات يوم إلى رجل ضرير البصر فرآه تارة ~~يمشي وتارة يكبو فابتاع له مطية يسير عليها وقال هذه مطيتي عند الله تعالى ~~أركبها. والذي نفسي بيده لكأنني أنظر إليها وقد جيء بها مسرجة ملجمة ~~لأركبها في الموقف». وقيل في تفسير قوله تعالى ( @QUR@012 أفمن يمشي مكبا ~~على وجهه أهدى أمن يمشي ms681 سويا على صراط مستقيم ) [الملك : 22]. أنه مثل ضربه ~~الله ليوم القيامة في حشر المؤمنين والكافرين ، كما قال الله تعالى : ( ~~@QUR@05 ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا ) [مريم : 86]. أي مشاة على وجوههم ، ~~هذا قول بعض المفسرين ، وليس الأمر كما حكاه ، وإنما السر في ذلك أنه تارة ~~يمشي وتارة يكبو على وجهه ، والذي تأوله بعيد ، لأن الله تعالى ذكر الأرجل ~~فقال تعالى ( @QUR@04 وأرجلهم بما كانوا يعملون ) [النور : 24]. وقوله ( ~~@QUR@03 عميا وبكما وصما ) [الإسراء : 97]. تفسير غير المقصد الذي أرادوه ، ~~وترك الإشارة التي نبأك عليها ، فقد رأيت العرب يتمثلون بها ويقولون : هذا ~~يمشي على وجهه ، إذا كان يكبو ، ومعناه : عميا عن النور الذي يشعشع بين ~~أيدي المؤمنين وعن أيمانهم ، وليس العمى الكلي إرادتهم ، لأنه لا خلاف أنهم ~~ينظرون السماء تنشق بالغمام ، والملائكة تنزل ، والجبال تسير ، والكواكب ~~تنثر. وكل أهوال يوم القيامة تفسير قوله تعالى ( @QUR@06 أفسحر هذا أم أنتم ~~لا تبصرون ) [الطور : 25]. فمعنى العمى في القيامة الخوض في الظلمة والمنع ~~عن النظر إلى الكريم ، إذ نور الله سبحانه وتعالى تشرق به الأرض البيضاء ، ~~وهم قد ضرب على أبصارهم غشاوة لا ينظرون إلى شيء من ذلك. كذلك ضرب على ~~آذانهم فلا يسمعون كلام الله تعالى والملائكة الذين ينادون ( @QUR@07 لا ~~خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون ) [الأعراف : 49]. ( @QUR@05 ادخلوا الجنة ~~أنتم وأزواجكم تحبرون ) [الزخرف : 70]. وكذلك منعوا من الكلام كأنهم بكم ، ~~يفسره قوله تعالى ( @QUR@08 هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون ) ~~[المرسلات : 35 ، 36]. والممنوع من الشيء موصوف بالضعف عن قدرته وإن كانت ~~الصفة فيه موجودة كأنها معدومة الوجود في حال دون حال. # ومن الناس من يحشر بفتنته الدنيوية ، فقوم مفتونون بالعود وعاكفون عليه ~~دهرهم ، فعند قيام أحدهم من قبره يأخذه بيمينه فيطرحه من يده ويقول سحقا لك ~~شغلتني عن ذكر الله! فيعود إليه ويقول أنا صاحبك حتى يحكم الله بيننا وهو ~~خير الحاكمين. وكذلك يبعث السكران سكرانا والزامر زامرا وكل أحد على الحال ~~الذي صده عن سبيل الله ، ومثله الحديث الذي روي في الصحيح «إن شارب الخمر ~~يحشر والكوز معلق في ms682 عنقه والقدح بيده ، وهو أنتن من PageV01P523 # كل جيفة على الأرض ، يلعنه كل من يمر عليه من الخلق». والميت أيضا يحشر ~~بظلامته ، وفي الصحيح أن المقتول في سبيل الله يأتي يوم القيامة وجرحه يشخب ~~دما. اللون لون الدم ، والريح ريح المسك ، حتى يقف بين يدي الله عز وجل . ~~فإذا ساقتهم الملائكة زمرا وأفواجا تحت كل واحد ما قدر له ، وجمعوا في صعيد ~~واحد من إنس وجن وشيطان ووحش وسبع وطير ، تحولهم الملائكة إلى الأرض ~~الثانية وهي أرض بيضاء من فضة نورية ، وصارت الملائكة من وراء العالمين ~~حلقة واحدة فإذا هم أكثر من أهل الأرض بعشر مرات. ثم إن الله سبحانه وتعالى ~~يأمر ملائكة السماء الثانية فيحدثون حلقة واحدة فإذا هم مثلهم عشرين مرة. ~~ثم تنزل ملائكة السماء الرابعة فيحدقون بالكل حلقة واحدة فإذا هم مثلهم ~~ثلاثين ضعفا. ثم تنزل ملائكة السماء الرابعة فيحدقون من وراء الكل فتكون ~~حلقة واحدة أكثر منهم بأربعين ضعفا. ثم تنزل ملائكة السماء الخامسة فيحدقون ~~من ورائهم حلقة واحدة فيكونون مثلهم خمسين مرة. ثم تنزل ملائكة السماء ~~السادسة فيحدقون من وراء الكل حلقة واحدة وهم مثلهم ستين مرة. ثم تنزل ~~ملائكة السماء السابعة فيحدقون من وراء الكل حلقة واحدة وهم مثلهم سبعين ~~مرة. والخلق تتداخل ويندرج بعضهم في بعض حتى يعلو القدم ألف قدم لشدة ~~الزحام ، ويخوض الناس في العرق على أنواع مختلفة إلى الآذان وإلى الصدر ~~وإلى الحلقوم وإلى المنكبين وإلى الركبتين ، ومنهم من يصيبه الرشح اليسير ~~كالقاعد في الحمام ، ومنهم من يصيبه البلل كالعطش إذا شرب الماء. وأصحاب ~~الرأي هم أصحاب الكراسي ، وأصحاب الكعبين قوم يموتون غرقى ، والملائكة ~~تناديهم ( @QUR@07 لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون ) [الأعراف : 49]. ~~وحدثني بعض العارفين أنهم الأوابون كالفضيل بن عياض وغيره إذ النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال : " التائب من الذنب كمن لا ذنب له" فإن دليل ذلك قول مطلق. # وهذه الأصناف الثلاثة : أهل الرأي ، والرشح ، وأهل الكعب ، هم الذين تبيض ~~وجوههم ومن دونهم تسود وجوههم. وكيف لا يكون القلق ms683 والعرق والأرق وقد قربت ~~الشمس من رءوسهم حتى لو أن أحدا مد يده يضاعف حرها سبعين مرة! وقال بعض ~~السلف : لو طلعت الشمس على الأرض كهيئتها يوم القيامة لأحرقت الأرض ، ~~وأذابت الصخر ، ونشفت الأنهار. فبينما الخلائق يمرحون وهم في تلك الأرض ~~البيضاء التي ذكرها الله تعالى حيث يقول : ( @QUR@010 يوم تبدل الأرض غير ~~الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار ) [إبراهيم : 48]. وهم على أنواع ~~في المحشر ، وملوك أهل الدنيا كالذر كما روي في الخبر في صفة المتكبر. وليس ~~هم كهيئة الذر عينا ، غير أن الأقدام تطأ عليهم حتى صاروا كالذر في مذلتهم ~~وانخفاضهم. # وقوم يشربون ماء باردا عذبا صافيا ، لأن الصبيان يطوفون على آبائهم بكئوس ~~من أنهار الجنة يسقونهم. وعن بعض السلف الصالحين أنه نام فرأى القيامة قد ~~قامت وكأنه في الموقف عطشان ، ورأى صبيانا صغارا يسقون الناس ، قال ~~فناديتهم : ناولوني شربة ماء! فقال لي واحد PageV01P524 # منهم : ألك فينا ولد؟ قلت : لا ، قال : فلا إذا. وفي هذا فضل التزويج. ~~ولهذا الولد الساقي شروط ذكرناها في كتابنا" الإحياء". # وقوم قد دنا على رءوسهم ظل يمنعهم من الحر وهي الصدقة الطيبة ، ولا ~~يزالون كذلك ألف عام حتى إذا سمعوا نقر الناقور الذي وصفناه في كتابنا" ~~الإحياء" ، وهو من بعض أسرار القرآن ، فتوجل له القلوب وتخشع له الأبصار ~~لعظم نقره ، وتساق الرؤوس من المؤمنين والكافرين يظنون ذلك عذابا يزداد في ~~هول القيامة ، فإذا بالعرش يحمله ثمانية أملاك يسير قدم الملك منهم مسيرة ~~عشرين ألف سنة ، وأفواج الملائكة وأنواع الغمام بأصوات التسبيح لا تطيقه ~~العقول ، حتى يستقر العرش في تلك الأرض البيضاء التي خلقها الله تعالى لهذا ~~الشأن خاصة ، فتطرق الرؤوس وتحصر وتنحبس ، وتشفق البرايا ، وترعب الأنبياء ~~، وتخاف العلماء ، وتفزع الأولياء والشهداء من عذاب الله الذي لا يطيقه ~~شيء. فبينما هم كذلك إذ غشيهم نور غلب على نور الشمس التي كانوا في حرها ، ~~فلا يزالون يموج بعضهم في بعض ألف عام والجليل لا يكلمهم كلمة واحدة ، ~~فحينئذ تذهب الناس إلى آدم عليه السلام فيقولون : يا آدم ms684 يا أبا البشر الأمر ~~علينا شديد. وأما الكافر فيقول : يا رب ارحمني ولو إلى النار ، من شدة ما ~~يرى من الهول. ويقولون : يا آدم أنت الذي خلقك الله بيده ، وأسجد لك ~~ملائكته ، ونفخ فيك من روحه ، اشفع لنا في فصل القضاء! فيؤمر بكل حيث يشاء ~~سبحانه وتعالى فيفعل بهم ما يشاء فيقول : عصيت الله حيث نهاني عن أكل ~~الشجرة ، وأنا أستحي أن أكلمه في هذه الحالة ، ولكن اذهبوا إلى نوح ~~عليه السلام فإنه أول المسلمين! فيقيمون ألف عام يتشاورون فيما بينهم ، ثم ~~يذهبون إلى نوح فيقولون له : أنت أول المرسلين ، فيذكرون له مثل ذلك ، ثم ~~يطلبون منه الشفاعة في فصل القضاء بينهم ، فيقول : إنني دعوت دعوة أغرقت ~~بها أهل الأرض ، وإني أستحي من الله تعالى أن أسأله مثل ذلك ، ولكن انطلقوا ~~إلى إبراهيم خليل الله تعالى ، هو سماكم المسلمين من قبل فلعله يشفع لكم! ~~فيتشاورون فيما بينهم ألف عام ثم يأتونه عليه السلام فيقولون له : يا ~~إبراهيم يا أبا المسلمين أنت الذي اتخذك الله خليلا فاشفع لنا إلى الله ~~لعله يفصل فيما بين خلقه! فيقول لهم : إني كذبت في الإسلام ثلاث كذبات ~~جادلت بهن عن دين الله ، فأنا أستحي من الله أن أسأله الشفاعة في مثل هذا ~~المقام ، ولكن اذهبوا إلى موسى عليه السلام فإنه اتخذه الله كليما وقربه ~~نجيا عسى أن يشفع لكم. فيتشاورون فيما بينهم ألف عام والحال يزيد شدة ~~والموقف ضيقا فيأتون موسى فيقولون له : يا بن عمران أنت الذي اتخذك الله ~~كليما وقربك نجيا وأنزل إليك التوراة ، فاشفع لنا في فصل القضاء فقد طال ~~المقام واشتد الزحام وتراكمت الأقدام ونادى أهل الكفر الإسلام من طول ~~المقام! فيقول لهم موسى : إني سألت الله تعالى أن يأخذ آل فرعون بالسنين ~~وأن يجعلهم مثلا للآخرين ، وأنا استحي من الله تعالى أن أسأله الشفاعة في ~~مثل هذا المقام مع أسباب جرت بيني وبينه في PageV01P525 # المناجاة يلوح فيها تعريض الهلاك ، إلا أنه ذو رحمة واسعة ورب غفور ، لكن ~~اذهبوا إلى عيسى ms685 عليه السلام فإنه من أصح المرسلين يقينا ، وأكثرهم معرفة ~~بالله تعالى ، وأشدهم زهدا ، وأبلغهم حكمة ، فلعله يشفع لكم! فيتشاورون ~~فيما بينهم ألف عام والحال يزيد شدة والموقف يزداد ضيقا ، وهم يقولون : حتى ~~متى نحن من رسول إلى رسول ومن كريم إلى كريم؟ فيأتون عيسى عليه السلام ~~فيقولون له : أنت روح الله وكلمته ، وأنت الذي سماه الله وجيها في الدنيا ~~والآخرة ، اشفع لنا إلى ربك في فصل القضاء! فيقول إن قومي اتخذوني وأمي ~~إلهين من دون الله ، فكيف أشفع عند من عبدت معه وسميت له ابنا وسمي لي أبا ~~، ولكن أرأيتم لو كان لأحدكم كيس فيه نفقة وعليه خاتم أكان يبلغ إلى ما في ~~الكيس حتى يفض الخاتم؟ قالوا : نعم يا نبي الله ، قال لهم : اذهبوا إلى سيد ~~المرسلين وخاتم النبيين أخي العرب ، فإنه ادخر دعوته شفاعة لأمته ، وكثيرا ~~ما آذاه قومه : شجوا جبينه ، وكسروا رباعيته ، وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ~~، وإنه لأحسنهم فخارا ، وأكبرهم شرفا ، وهو يقول كما قال الصديق لإخوته ( ~~@QUR@010 لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين ) [يوسف : ~~92]. وجعل يتلو عليهم من فضائله صلى الله عليه وسلم ما لم تمجه آذانهم حتى ~~امتلأت نفوسهم حرصا على الذهاب إليه ، فساروا حتى أتوا إلى منبره ~~صلى الله عليه وسلم وقالوا له : أنت حبيب الله والحبيب أوجه الوسائط ، اشفع ~~لنا إلى ربك! فقد ذهبنا إلى أبينا آدم فأحالنا على نوح ، فذهبنا إلى نوح ~~فأحالنا على إبراهيم ، وذهبنا إلى إبراهيم فأحالنا على موسى ، فذهبنا إلى ~~موسى فأحالنا على عيسى ، فذهبنا إلى عيسى فأحالنا عليك صلى الله عليك وسلم ~~، وليس بعدك مطلب ولا عنك مهرب ، فيقول صلى الله عليه وسلم : أنا لها حتى يأذن ~~الله لمن يشاء ويرضى. ثم ينطلق صلى الله عليه وسلم إلى سرادقات الجلال فيستأذن ~~فيؤذن له ، ثم يرفع الحجاب ويلج إلى العرش ويخر ساجدا يمكث فيها ألفا ، ثم ~~يحمد الله تعالى بمحامد ما حمده بها أحد قط. قال بعض العارفين : إن تلك ~~المحامد التي أثنى الله بها ms686 على نفسه يوم فراغه من خلقه. فيتحرك العرش ~~تعظيما وقد حاز صحيفة من الصحف التي تقدم ذكرها في" الإحياء" والناس في تلك ~~المدة قد ضاق مكانهم ، وساءت أحوالهم ، وترادفت أهوالهم ، وقد طوق كل واحد ~~منهم ما بخل به في الدنيا : فمانع زكاة الإبل يحمل بعيرا على كاهله له رغاء ~~وثقل يعدل الجبل العظيم ، ومانع زكاة البقر يحمل ثورا على كاهله له خوار ~~وثقل يعدل الجبل العظيم. والرغاء والخوار كالرعد القاصف. ومانع زكاة الزرع ~~يحمل على كاهله أعدالا قد ملئت من الجنس الذي كان يبخل به ، برا كان أو ~~شعيرا ، أثقل ما يكون ، ينادي تحته بالويل والثبور ، ومانع زكاة المال يحمل ~~شجاعا أقرع له زبيبتان ، وذنبه قد صب في منخره ، واستدار بجيده ، وثقل على ~~كاهله ، حتى كأنه طوق به كل رحى في الأرض. وكل واحد ينادي ما هذا فتقول لهم ~~الملائكة : هذا ما بخلتم به رغبة فيه وشحا عليه ، وهو قوله تعالى ( @QUR@06 ~~سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ) [آل عمران : 180]. وآخرون قد عظمت ~~فروجهم وهي تسيل صديدا تتأذى بنتنهم PageV01P526 # جيرانهم ، وآخرون قد صلبوا على جذوع النيران ، وآخرون قد خرجت ألسنتهم ~~على صدورهم أقبح ما يكون ، وهم الزناة واللاطة والكاذبون ، وآخرون قد عظمت ~~بطونهم كالجبال الرواسي ، وهم آكلوا الربا. وكل ذنب قد بدا سوء ذنبه ظاهرا عليه. ### ||| * فصل # فينادي الجليل جل جلاله يا محمد ارفع رأسك ، وقل يسمع لك ، واشفع تشفع ، ~~فيقول صلى الله عليه وسلم : يا رب افصل بين عبادك! فقد طال مقامهم ، وقد أفصح ~~كل واحد بذنبه في عرصات يوم القيامة. فيأتي النداء نعم يا محمد ، ويأمر ~~الله بالجنة فتزخرف ويؤتى بها ولها نسيم طيب أعبق ما يكون وأزكى ، فيوجد ~~ريحها مسيرة خمسمائة عام ، فتبرد القلوب ، وتحيا النفوس ، إلا من كانت ~~أعمالهم خبيثة فإنهم منعوا من ريحها ، فتوضع عن يمين العرش. ثم يأمر الله ~~تعالى أن يؤتى بالنار ، فترعب وتفزع ، وتقول للمرسلين إليها من الملائكة : ~~أتعلمون أن الله خلق خلقا يعذبني به؟ فيقولون : لا وعزته! وإنما أرسل إليك ~~لتنتقمي من ms687 عصاة ربك ، ولمثل هذا اليوم خلقت ، فيأتون بها تمشي على أربع ~~قوائم ، تقاد بسبعين ألف زمام ، في كل زمام سبعون ألف حلقة لو جمع حديد ~~الدنيا كله ما عدل منها حلقة واحدة ، على كل حلقة سبعون ألف زباني لو أمر ~~زباني منهم أن يدك الجبال لدكها وأن يهد الأرض لهدها ، وإذا لها شهيق ودوي ~~وشرر ودخان ، تفور حتى تسد الأفق ظلمة ، فإذا كان بينها وبين الخلق مقدار ~~ألف عام انفلتت من أيدي الزبانية حتى تأتي إلى أهل الموقف ولها صلصلة ~~وتصفيق وسحيق فيقال : ما هذا؟ فيقال: جهنم انفلتت من أيدي سائقيها ولم ~~يقدروا على إمساكها لعظم شأنها ، فيجثو الكل على الركب ، حتى المتوسلون ، ~~ويتعلق إبراهيم وموسى وعيسى بالعرش ، هذا قد نسي الذبيح ، وهذا قد نسي ~~هارون ، وهذا قد نسي مريم ، ويجعل كل واحد منهم يقول : يا رب نفسي لا أسألك ~~اليوم غيرها. وهو الأصح عندي. ومحمد عليه الصلاة والسلام يقول : أمتي أمتي ~~سلمها ونجها يا رب! وليس في الموقف من تحمله ركبتاه وهو قوله تعالى : ( ~~@QUR@09 وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها ) [الجاثية : 28]. وعند ~~تفلتها تكبو من الحنق والغيظ وهو قوله تعالى : ( @QUR@09 إذا رأتهم من مكان ~~بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا ) [الفرقان : 12] أي تعظيما وحنقا ، يقول ~~سبحانه وتعالى تكاد تميز أي تكاد تنشق نصفين من شدة غيظها فيبرز ~~صلى الله عليه وسلم ويأخذ بخطامها ويقول لها ارجعي مدحورة إلى خلفك حتى تأتيك ~~أفواجك! فتقول : خل سبيلي فإنك يا محمد علي حرام ، فينادي مناد من سرادقات ~~العرش : اسمعي منه وأطيعي له! ثم تجذب وتجعل عن شمال العرش ، ويتحدث أهل ~~الموقف بجذبها ، فيخف وجلهم وهو قوله تعالى : ( @QUR@05 وما أرسلناك إلا ~~رحمة للعالمين ) [الأنبياء : 107]. فهناك ينصب الميزان ، وهو كفتان : كفة ~~من نور عن يمين العرش ، وكفة عن يساره من ظلمة ، ثم يكشف الجليل عن ساقه ~~فيسجد الناس تعظيما له وتواضعا ، إلا الكفار فإن أصلابهم تعود حديدا فلا ~~يقدرون على السجود وهو قوله تعالى ( @QUR@01 يوم PageV01P527 # @QUR@08 يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا ms688 يستطيعون ) [القلم : 42]. ~~وروى البخاري في تفسيره مسندا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «يكشف ~~الله عن ساقه يوم القيامة فيسجد كل مؤمن ومؤمنة» وقد أشفقت من تأويل الحديث ~~وعدلت عن منكريه ، وكذا أشفقت من ذكر صفة الميزان وزيفت قول واضعيه بالمثل ~~وجعلته محيزا إلى العالم الملكوتي ، فإن الحسنات والسيئات أعراض ، ولا يصح ~~وزن الأعراض إلا بالميزان الملكوتي. فبينما الناس ساجدون إذ نادى الجليل ~~بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب : أنا الملك أنا الديان حكاه البخاري ~~لا يجاوزني ظلم ظالم ، فإن جاوزني فأنا الظالم. ثم يحكم بين البهائم ، ~~ويقتص للجماء من القرناء ، ويفصل بين الوحش والطير ، ثم يقول لها : كوني ~~ترابا! فتسوى بها الأرض. ويتمنى الكافر فيقول يا ليتني كنت ترابا! ثم يخرج ~~النداء من قبل الله : أين اللوح المحفوظ ، فيرى به هوج عظيم فيقول الله : ~~أين ما سطرت فيك من توراة وإنجيل وفرقان ، فيقول : سلبني الروح الأمين ، ~~فيؤتى به يرعد وتصطك ركبتاه فيقول الله : يا جبريل هذا اللوح يزعم أنك نقلت ~~منه كلامي ووحيي أصدق؟ فيقول : نعم يا رب! فيقول له : فما فعلت فيه؟ فيقول ~~: أنهيت التوراة إلى موسى ، والإنجيل إلى عيسى ، والفرقان إلى محمد ~~صلى الله عليه وسلم ، وأنهيت إلى كل رسول رسالته ، وإلى أهل الصحف صحائفهم. ~~فإذا بالنداء : يا نوح! فيؤتى به يرعد وتصطك فرائصه فيقول له : يا نوح زعم ~~جبريل أنك من المرسلين ، قال : صدق ، فيقول له : ما فعلت مع قومك؟ قال : ~~دعوتهم ليلا ونهارا فلم يزدهم دعائي إلا فرارا. فإذا بالنداء : يا قوم نوح! ~~فيؤتى بهم زمرة واحدة فيقال هذا أخوكم نوح يزعم أنه بلغكم الرسالة ، ~~فيقولون : يا ربنا كذب ما بلغنا من شيء ، وينكرون الرسالة ، فيقول الله : ~~يا نوح ألك بينة عليهم؟ فيقول : نعم يا رب بينتي عليهم محمد وأمته ، فيؤتى ~~بالنبي فيقول الله عز وجل : يا محمد هذا نوح يستشهدك ، فيشهد له بتبليغ ~~الرسالة ويقرأ صلى الله عليه وسلم ( @QUR@03 إنا أرسلنا نوحا ) [نوح : 1]. إلى ~~آخرها فيقول الجليل : قد وجب عليكم ms689 الحق وحقت عليكم كلمة العذاب ، فقد حقت ~~على الكافرين ، فيؤمر بهم زمرة واحدة إلى النار من غير وزن عمل ولا حساب. ~~ثم ينادى : أين عاد؟ فيفعل قوم هود مع هود كما فعل قوم نوح مع نوح ، فيشهد ~~عليهم النبي وخيار أمته فيتلو ( @QUR@03 كذبت عاد المرسلين ) [الشعراء : ~~123]. فيؤمر بهم إلى النار. ثم ينادي : يا صالح ويا ثمود! فيأتون فيستشهدون ~~عند ما ينكرون النبي صلى الله عليه وسلم ، فيتلو ( @QUR@03 كذبت ثمود المرسلين ~~) [الشعراء : 141]. إلى آخر القصة ، فيفعل بهم مثلهم. ولا يزال يخرج أمة ~~بعد أمة قد أخبر عنهم القرآن بيانا ، وذكرهم فيه إشارة ، كقوله تعالى ( ~~@QUR@04 وقرونا بين ذلك كثيرا ) [الفرقان : 38]. وقوله ( @QUR@010 ثم ~~أرسلنا رسلنا تترا كل ما جاء أمة رسولها كذبوه ) [المؤمنون : 44]. وقوله ( ~~@QUR@09 والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم ) [إبراهيم : 9]. ~~وفي هذا تنبيه على أولئك القرون الطاغية كقوم يارخ ومارخ ودوح وأسر وما ~~أشبه ذلك ، حتى ينتهي النداء إلى أصحاب الرس وتبع وقوم إبراهيم ، وفي كل ~~ذلك لا يروج ، أي يرتفع لهم ميزان ، ولا يوضع لهم حساب ، وهم عن ربهم يومئذ ~~محجوبون ، والترجمان يكلمهم ، لأن من نظر إليه الله وكلمه لم يعذب. ثم ~~ينادى بموسى فيأتي وهو كأنه ورقة في ريح PageV01P528 # عاصف فيقول له : يا موسى إن جبريل زعم أنه بلغك الرسالة والتوراة ، فتشهد ~~له بالبلاغ؟ قال : نعم ، قال : فارجع إلى منبرك واتل ما أوحي إليك! فيرقى ~~المنبر ويقرأ فينصت كل من في الموقف ، فيأتى بالتوراة غضة طرية على حسبها ~~يوم أنزلت حتى يتوهم الأخبار أنهم ما عرفوها يوما. ثم ينادى : يا داود! ~~فيأتي وهو يرعد كأنه ورقة في ريح عاصف ، ويقول جل ثناؤه : يا داود زعم ~~جبريل أنه بلغك الزبور ، فتشهد له بالبلاغ؟ فيقول : نعم يا رب ، فيقول له : ~~ارجع إلى منبرك واتل ما أوحي إليك! فيرقى ويقرأ وهو أحسن صوتا. وفي الصحيح ~~أنه صاحب مزامير أهل الجنة. فيسمع صوته أمام تابوت السكينة ، فيقتحم الجموع ~~ويتخطى الصفوف حتى يصل إلى داود ، فيتعلق به فيقول : أما وعظك الزبور حتى ms690 ~~نويت لي شرا؟ فيخجله ويسكته مفحما ، فيرتج الموقف لما يرى الناس من شأن ~~داود عليه السلام . ثم يتعلق به فيسوقه إلى الله ، فيرخى عليهم الستر ، ~~فيقول : يا رب أنصفني منه! فإنه تعمدني بالهلاك ، وجعلني أقاتل حتى قتلت ، ~~وتزوج امرأتي وعنده يومئذ تسع وتسعون امرأة غيرها ، فيلتفت الجليل إلى داود ~~فيقول له : أصدق فيما يقول؟ فيقول له : نعم يا رب ، وهو منكس رأسه حياء ~~وتوقعا لما ينزل به من العذاب ، ورجاء فيما وعده الله من المغفرة ، فكان ~~إذا خاف نكس رأسه ، وإذا طمع ورجا رفعه ، فيقول الله تعالى : قد عوضتك عن ~~ذلك كذا وكذا من القصور والولدان ، فيقول : رضيت يا رب. ثم يقول لداود : ~~اذهب قد غفرت لك. # وكذا شأنه سبحانه وتعالى مع من أكرمه ، يعطى عنه من سعة رفده وعظيم عفوه ~~، ثم يقول له : ارجع إلى منبرك واقرأ بما بقي من الزبور! فيفعل حينئذ ، ~~فيؤمر ببني إسرائيل أن ينقسموا قسمين : قسم مع المؤمنين ، وقسم مع ~~المجرمين. ثم ينادي المنادي : أين عيسى ابن مريم؟ فيؤتى به فيقول له : أنت ~~قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟ فيحمد ما شاء الله ، ويثني عليه ~~كثيرا ، ثم يعطف على نفسه بالذم والاحتقار ويقول ( @QUR@028 سبحانك ما يكون ~~لي أن أقول ما ليس لي بحق ، إن كنت قلته فقد علمته ، تعلم ما في نفسي ولا ~~أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب ) [المائدة : 116]. فيضحك الله تعالى ~~ويقول ( @QUR@05 هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم ) [المائدة : 119]. صدقت يا ~~عيسى ارجع إلى منبرك واتل الإنجيل الذي بلغك جبريل! فيقول : نعم ، ثم يقرأ ~~فتشخص إليه الرؤوس من حسن ترديده وترجيعه ، فإنه أحكم الناس به رواية ، ~~فيأتي به غضا طريا حتى يظن الرهبان أنهم ما علموا منه آية قط. ثم ينقسم ~~النصارى فرقتين : المجرمون مع المجرمين ، والمؤمنون مع المؤمنين. ثم يخرج ~~النداء : أين محمد؟ فيؤتى به صلى الله عليه وسلم فيقول له : يا محمد هذا جبريل ~~يزعم أنه بلغك القرآن ، فيقول : نعم يا رب ، فيقال له : ارجع إلى منبرك ~~واقرأ! ms691 فيتلو صلى الله عليه وسلم القرآن فيأتي به غضا طريا عليه حلاوة يستبشر ~~بها المتقون ، وإذا وجوههم ضاحكة مستبشرة ، والمجرمون وجوههم مغبرة. ويستدل ~~على السؤال المتقدم للرسل والأمم بقوله تعالى ( @QUR@06 فلنسئلن الذين أرسل ~~إليهم ولنسئلن المرسلين ) [الأعراف : 6]. وقيل بقوله تعالى ( @QUR@015 يوم ~~يجمع الله الرسل فيقول ما ذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام PageV01P529 # @QUR@01 الغيوب ) [المائدة : 109]. والأول أصح ، حكيناه في" الإحياء" لأن ~~الرسل يتفاضلون والمسيح عليه السلام من أجلهم لأنه روح الله وكلمته. فإذا ~~تلا النبي صلى الله عليه وسلم القرآن توهمت الأمة أنهم ما سمعوه قط ، وقد ~~قالوا للأصمعي : تزعم أنك أحفظهم لكتاب الله تعالى ، قال : يا ابن أخي يوم ~~أسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم كأني ما سمعته قط. فإذا فرغت قراءة الكتب ~~خرج النداء من قبل سرادقات الجلال : ( @QUR@04 وامتازوا اليوم أيها ~~المجرمون ) [يس : 59]. فيرتج الموقف ويقوم فيه روع عظيم ، والملائكة قد ~~امتزجت بالجن والجن ببني آدم. ولج الكل لجة واحدة. ثم يخرج النداء : يا آدم ~~ابعث من نبيك بعثا إلى النار! فيقول : كم يا رب؟ فيقول له : من كل ألف ~~تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار وواحدا إلى الجنة. فلا يزال يستخرج من سائر ~~الملحدين والغافلين والفاسقين حتى لا يبقى إلا قدر حفنة الرب كما قال ~~الصديق : نحو حفنة من حفنات الرب. ثم يقرب اللعين بالشياطين فمنهم من يزيغ ~~له الميزان فإذا سيئاته ترجح على حسناته ؛ وكل من وصلت له الشريعة لا بد له ~~من الميزان. فإذا اعتزلوا وأيقنوا أنهم هالكون قالوا : آدم ظلمنا ومكن ~~الزبانية من نواصينا ، فإذا النداء من قبل الله تعالى : ( @QUR@07 لا ظلم ~~اليوم إن الله سريع الحساب ) [غافر : 17]. فيستخرج لهم كتاب عظيم يسد ما ~~بين المشرق والمغرب فيه جميع أعمال الخلائق ، فما من صغيرة ولا كبيرة إلا ~~أحصاها ( @QUR@04 ولا يظلم ربك أحدا ) [الكهف : 49]. وذلك أن أعمال الخلائق ~~كل يوم تعرض على الله فيأمر الكرام البررة أن ينسخوها في ذلك الكتاب العظيم ~~وهو قوله تعالى : ( @QUR@06 إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ) [الجاثية : ~~29]. ثم ms692 ينادى بهم فردا فردا فيحاسب كل واحد منهم ، فإذا الأقدام تشهد ، ~~واليدان تشهدان وهو قوله تعالى : ( @QUR@09 يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم ~~وأرجلهم بما كانوا يعملون ) [النور : 24]. وقد جاء في الخبر أن رجلا منهم ~~يوقف بين يدي الله تعالى فيقول له : يا عبد السوء كنت مجرما عاصيا ، فيقول ~~: ما فعلت ، فيقال له : عليك بينة ، فيؤتى بحفظته فيقول : كذبوا علي ، ~~ويجادل على نفسه وهو قوله تعالى : ( @QUR@07 يوم تأتي كل نفس تجادل عن ~~نفسها ) [النمل : 111]. ويختم على فيه وهو قوله تعالى : ( @QUR@011 اليوم ~~نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون ) [يس : ~~65]. فتشهد جوارحه عليه فيؤمر به إلى النار ، فيجعل يلوم جوارحه فتقول له : ~~ليس عن اختيارنا ، أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء. ثم يدفعون بعد الفراغ إلى ~~خزنة جهنم فترتج أصواتهم بالبكاء والضجيج ، ويكون لهم رجة عظيمة حين يعرض ~~الموحدون المؤمنون ، فتحدق بهم الملائكة تلقى كل واحد منهم يقول : ( ~~@QUR@05 هذا يومكم الذي كنتم توعدون ) [الأنبياء : 103]. والفزع الأكبر في ~~أربعة مواضع : عند نقر الناقور ، وعند تفلت جهنم من الخزنة ، وعند إخراج ~~بعث آدم ، وعند دفعهم إلى الخزنة. فإذا بقي الموقف ليس فيه إلا المؤمنون ، ~~والمسلمون المحسنون ، والعارفون ، والصديقون ، والشهداء ، والصالحون ، ~~والمرسلون ، ليس فيهم مرتاب ولا منافق ولا زنديق فيقول الله تعالى: يا أهل ~~الموقف من ربكم؟ فيقولون : الله ، فيقول لهم : تعرفونه؟ فيقولون : نعم ، PageV01P530 # يسار العرش لو جعلت البحار السبعة في نقرة إبهامه ما ظهرت فيقول لهم : ~~أنا ربكم ، بأمر الله ، فيقولون: نعوذ بالله منك! فيتجلى لهم ملك عن يمين ~~العرش لو جعلت البحار الأربعة عشر في نقرة إبهامه ما ظهرت فيقول لهم : أنا ~~ربكم ، فيتعوذون بالله منه. ثم يتجلى لهم الله تعالى في الصورة التي كانوا ~~يعرفونها وسمعوه وهو يضحك فيسجدون له جميعهم فيقول أهلا بكم ، ثم ينطلق بهم ~~سبحانه إلى الجنة فيتبعونه فيمر بهم على الصراط والناس أفواج ، أعني ~~المرسلين ثم النبيين ثم الصديقين ثم المحسنين ثم الشهداء ثم المؤمنين ثم ~~العارفين ، ويبقى المسلمون منهم المكبوب على وجهه ، ومنهم المحبوس في ms693 ~~الأعراف ، ومنهم قوم قصروا عن تمام الأيمان ، ومنهم من يجوز الصراط على ~~مائة عام ، وآخر يجوز على ألف عام ، ومع ذلك كله تحرق النار كل من رأى ربه ~~عيانا لا يضام في رؤيته. وأما المسلم والمحسن والمؤمن فقد كشفنا عن مقام كل ~~واحد منهم في كتابنا المسمى «بالاستدراج» وهم في زمرة الانطلاق قد كثر ~~مرورهم وترددهم بالجوع والعطش ، قد تفتتت أكبادهم ، لهم نفس كالدخان ، ~~يشربون من الحوض بكئوس عدد نجوم السماء ، وماؤه من نهر الكوثر ، وقدره من ~~إيلياء إلى صنعاء طولا ، وعرضه من عدن إلى يثرب ، وهو قوله عليه الصلاة ~~والسلام «منبري على حوضي» أي على أحد حافتيه في المكيال والمقدار ، ~~والمذادون عنه هم المشتغلون في حبس الصراط بمساوي قبائح ذنوبهم ، فكم من ~~متوضئ لا يحسن أن يسبغ وضوءه ، وكم من مصل لم يسأل عن صلاته اتخذ صلاته ~~حكاية قد عريت من الخضوع والخشوع لو قرصه نملة لالتفت ، والعارفون بجلال ~~الله لو قطعت أيديهم وأرجلهم ما ارتجوا ، لذلك شغلتهم الهيبة والفكرة ~~لعملهم بقدر من قاموا بين يديه ، فربما رجل لسعته العقرب في مجلس أمير من ~~الأمراء لم يتحرك صبرا عليها وتعظيما للأمير في المجلس ، فهذه حالة ~~الآدميين مع المخلوق لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ، فكيف حال من يكون قائما ~~بين يدي الله عز وجل وهيبته وسلطانه وعظمته وجبروته! وحكى الظالم العارف أنه ~~يؤتى به إلى الله تعالى فتخرج عليه المظالم ويتعلق به المظلوم فيقول له : ~~التفت أيها المظلوم فوق رأسك! فإذا بقصر عظيم تحار فيه الأبصار فيقول : ما ~~هذا يا رب؟ فيقول : إنه للبيع فاشتره مني! فيقول : ليس معي ثمنه ، فيقول : ~~إن ثمن هذا أن تبرئ مظلمة أخيك فالقصر لك ، فيقول : قد فعلت يا رب. هكذا ~~يفعل الله بالظالمين الأوابين وهو قوله تعالى : ( @QUR@04 فإنه كان ~~للأوابين غفورا ) [الإسراء : 25]. والأواب الذي أقلع عن الذنب فلم يعد أبدا ~~، وقد سمي داود عليه السلام أوابا وغيره من المرسلين. ### ||| * فصل في كيفية دعاء أهل الموقف وذكر الاختلاف فيما ### ||| * جاء في تفسيره # وفي الصحيح ms694 أن أول ما يقضي الله تعالى في الدماء ، وأول من يعطي الله ~~أجورهم : الذين ذهبت أبصارهم. نعم ينادى يوم القيامة بالمكفوفين فيقال لهم ~~: أنتم أحرى ، أي أحق من ينظر إليه ، ثم يستحي الله منهم فيقول لهم : ~~اذهبوا إلى ذات اليمين! ويعقد لهم راية ، وتجعل في يد PageV01P531 # شعيب عليه السلام ، فيصير أمامهم ومعهم من ملائكة النور ما لا يحصي عددهم ~~إلا الله ، يزفونهم كما تزف العروس ، فيمر بهم على الصراط كالبرق الخاطف ، ~~وصفة أحدهم في الصبر والحلم كابن عباس ومن ضاهاه من هذه الأمة. ثم ينادي : ~~أين أهل البلاء؟ ويريد المجذومين ، فيؤتى بهم فيحييهم الله بتحية طيبة ~~بالغة ، فيؤمر بهم إلى ذات اليمين ويعقد لهم راية خضراء وتجعل بيد أيوب ~~عليه السلام فيصير أمامهم إلى ذات اليمين ، وصفة المبتلى صبر وحلم : كعقيل ~~بن أبي طالب ومن ضاهاه من هذه الأمة. ثم ينادي : أين الشباب المتعففون؟ ~~فيؤتى بهم إلى الله فيترحب بهم ويقول ما شاء الله أن يقول ، ثم يأمر بهم ~~إلى ذات اليمين ويعقد لهم راية خضراء ، ثم تجعل في يد يوسف عليه السلام ~~ويصير أمامهم إلى ذات اليمين ، وصفة الشباب صبر وحلم كراشد بن سليمان ومن ~~ضاهاه من هذه الأمة. ثم يخرج النداء : أين المتحابون في الله؟ فيؤتى بهم ~~إلى الله فيترحب بهم ويقول ما شاء الله ، ثم يأمر بهم إلى ذات اليمين ، ~~وصفة المتحابين الله في صبر وحلم لا يسخط ولا يسيء من توارد الأحوال ~~الدنيوية كأبي تراب أعني علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومن ضاهاه من هذه ~~الأمة. ثم يخرج النداء : أين الباكون من خشية الله؟ فيؤتى بهم إلى الله ~~فتوزن دموعهم ودماء الشهداء ومداد العلماء فيرجع الدمع ، فيؤمر بهم إلى ذات ~~اليمين ويعقد لهم راية ملونة لأنهم بكوا في أنواع مختلفة : هذا بكى خوفا ، ~~وهذا بكى طمعا ، وهذا بكى ندما ، وتجعل بيد نوح عليه السلام فتهم العلماء ~~بالتقدم عليهم ويقولون علمنا أبكاهم ، فإذا النداء : على رسلك يا نوح! ~~فتوقف الزمرة ثم يوزن مداد العلماء ودم ms695 الشهداء فيرجع دم الشهداء على مداد ~~العلماء ، فيؤمر بهم إلى ذات اليمين ويعقد لهم راية مزعفرة وتجعل في يد ~~يحيى ثم ينطلق أمامهم ، فهم العلماء بالتقدم ، ويقولون : عن علمنا قاتلوا ، ~~فنحن أحق منهم بالتقدم فيضحك الله عز وجل ويقول : هم عندي كأنبيائي اشفعوا ~~فيمن تشاؤون! فيشفع العالم في أهل بيته وجيرانه وإخوانه ، ويأمر كل واحد ~~منهم ملكا ينادي في الناس : ألا إن فلانا العالم قد أمره الله أن يشفع فيمن ~~قضى له حاجة أو أطعمه لقمة أو سقاه شربه ماء حين عطش ، فيقوم إليه من فعل ~~معه شيئا من ذلك فيشفع له. وفي الصحيح «إن أول من يشفع المرسلون ثم النبيون ~~ثم العلماء» ، ويعقد لهم راية بيضاء تجعل في يد إبراهيم عليه السلام فإنه ~~أشد المرسلين مكاشفة. ونضرب عن هذا الفن. ثم ينادي مناد : أين الفقراء؟ ~~فيؤتى بهم إلى الله تعالى ، فيقول لهم : مرحبا بمن كانت الدنيا سجنهم ، ثم ~~يأمر بهم إلى ذات اليمين وتعقد لهم راية صفراء وتجعل في يد عيسى عليه السلام ~~ويصير أمامهم إلى ذات اليمين. ثم ينادى : أين الأغنياء؟ فيؤتى بهم إلى الله ~~تعالى فيعدد لهم ما خولهم خمسمائة عام ، ثم يأمر بهم إلى ذات اليمين وتعقد ~~لهم راية ملونة وتجعل بيد سليمان عليه السلام ويصير أمامهم إلى ذات اليمين. ~~وفي الحديث «إن أربعة يستشهد عليهم بأربعة : ينادى بالأغنياء وأهل الغبطة ~~فيقال لهم : ما شغلكم عن عبادة الله؟ فيقولون : أعطانا ملكا وغبطة شغلتنا عن PageV01P532 # القيام بحقه ، فيقال : من أعظم ملكا أنتم أم سليمان؟ فيقولون : سليمان ، ~~فيقال : ما شغله ذلك عن القيام بحقي. ثم يقال : أين أهل البلاء؟ فيؤتى بهم ~~فيقولون لهم : أي شيء شغلكم عن عبادة الله؟ فيقولون : ابتلانا الله في ~~الدنيا فشغلنا عن ذكره والقيام بحقه ، فيقال لهم : من أشد بلاء أنتم أم ~~أيوب؟ فيقولون : أيوب ، فيقال لهم : ما شغله ذلك عن القيام بحق الله. ثم ~~ينادى أين الشباب والمماليك؟ فيؤتى بهم ، فيقال لهم : ما شغلكم عن عبادة ~~الله؟ فيقولون : أعطانا جمالا وحسنا فتنا به ms696 فكنا مشغولينعن القيام بحقه ، ~~وتقول المماليك : شغلنا رق العبودية ، فيقال لهم : أنتم أكثر جمالا أم ~~يوسف؟ فيقولون : يوسف ، فيقال لهم : ما شغله ذلك وهو في الرق عن القيام بحق ~~الله. ثم ينادى : أين الفقراء؟ فيؤتى بهم ، فيقال لهم : ما شغلكم عن القيام ~~بحق الله؟ فيقولون : ابتلينا في الدنيا بالفقر فشغلنا عن القيام بحق الله ، ~~فيقال لهم : من أشد فقرا عيسى أم أنتم؟ فيقولون : عيسى ، فيقال : ما شغله ~~عن ذكرنا». فمن ابتلي بشيء من هذه الأربع فليذكر صاحبه. وقد كان ~~صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه «اللهم إني أعوذ بك من فتنة الغنى والفقر» ~~فاعتبروا بالمسيح فقد صح أنه ما كان يملك شيئا قط ، وقد لبس جبة صوف عشرين ~~سنة ، وما كان له في سياحته إلا كوز وسبحة ومشط ، فرأى يوما رجلا يشرب بيده ~~فرمى الكوز ولم يمسكه بعد ، ورأى رجلا آخر يخلل لحيته بيده فرمى المشط من ~~يده ولم يمسكه بعد. وكان يقول عليه السلام : دابتي رجلاي ، وبيوتي كهوف ~~الأرض ، وطعامي نباتها ، وشرابي أنهارها. وفي بعض الصحف المنزلة : يا بن ~~آدم حسنة وسيئة من أنواع الحياة والقتل متعمدا والخطأ أيضا إذا استهين ~~بكفارته ولم يقتص ، فاحذرهما فإنهما فعل عظيم ، والكبائر قد يرجى لصاحبها ~~الشفاعة بعد التخليص ، فأكرمهم يخرج من النار بعد ألف سنة وقد امتحش. وكان ~~الحسن البصري رحمه الله تعالى يقول في كلامه : يا ليتني ذلك الرجل! ولا شك ~~أنه كان رحمه الله تعالى عالما بأحكام الآخرة. ويؤتى يوم القيامة برجل فلم ~~يجد حسنه ترجح بها ميزانه أو قد اعتدلت بالسوية فيقول الله تعالى له رحمة ~~منه : اذهب في الناس من يعطيك حسنة أدخلك بها الجنة ، فيسير يجوس خلال ~~الناس فما يجد أحدا يكلمه في ذلك ، وكل من كلمه وسأله يقول : أخشى أن يخف ~~ميزاني أنا أحوج إليها منك ، فييأس فيقول له رجل : ما الذي تطلب؟ فيقول له ~~: حسنة واحدة ، فلقد مررت بقوم لهم منها ألوف فبخلوا علي ، فيقول له الرجل ~~: لقد لقيت الله تعالى فما وجدت في ms697 صحيفتي إلا حسنة واحدة وما أظن أنها ~~تغني عني سيأخذها هبة مني إليك ، فينطلق بها فرحا مسرورا فيقول الله له : ~~كيف جاء لك؟ وهو سبحانه أعلم ، فيقول ما كان منه مع الرجل ، فيدعى بالرجل ~~الذي أعطاه الحسنة فيقول الله تعالى : كرمي أوسع من كرمك ، خذ بيد أخيك ~~وانطلق إلى الجنة! وإذا استوى كفتا الميزان لرجل فيقول الله : لا هو من أهل ~~الجنة ولا هو من أهل النار ، فيأتي الملك بصحيفة يضعها في كفة السيئات فيها ~~مكتوب «أف» فترجع على الحسنة لأنها كلمة عقوق ، فيؤمر به إلى النار ، ~~فيلتفت الرجل PageV01P533 # ويطلب أن يرده الله إليه ، فيقول : ردوه! ثم يقول له : أيها العبد العاق ~~لأي شيء تطلب الرد؟ فيقول : إلهي إني رأيت أني سائر إلى النار لا بد لي ~~منها ، وكنت عاقا لأبي فضعف علي عذاب أبي وأنقذه منها! قال فيضحك الله ويقول ~~: عققته في الدنيا وبررته في الآخرة ، خذ بيد أبيك وانطلق به إلى الجنة! ~~فما من أحد يذهب به إلى النار إلا والملائكة توقفه لعلمهم بسر أحكام الآخرة ~~، حتى لقد ينادى بقوم لا خلاق لهم خلقوا حطبا لها وحشوا فيقال ( @QUR@03 ~~وقفوهم إنهم مسؤلون ) [الصافات : 24]. فتحبس تلك الزمرة حتى يخرج النداء ~~فيهم : ( @QUR@04 ما لكم لا تناصرون ) [الصافات : 25]. فيستسلمون ويعترفون ~~بالذنب كما قال الله تعالى ( @QUR@02 فاعترفوا بذنبهم ) [الملك : 11]. ~~فيدفعون دفعة واحدة إلى النار. وكذا يؤتى بأهل الكبائر من الأمة شيوخا ~~وعجائز ونساء وشبابا ، فإذا نظر إليهم مالك خازن جهنم قال : أنتم معاشر ~~الأشقياء ما لي أرى أيديكم لا تغسل ولم تسود وجوهكم؟ ما ورد علي أحسن حالا ~~منكم ، فيقولون : يا مالك نحن أشقياء أمة محمد دعنا نبكي على ذنوبنا! فيقول ~~لهم : ابكوا فلن ينفعكم البكاء ، فكم من شيخ وضع يده على لحيته يقول وا ~~شيبتاه وا طول حزناه! وكم من كهل ينادي واطول مصيبتاه واذل مقاماه! وكم من ~~شاب ينادي وا شباباه! وكم من امرأة قد قبضت على شعرها وهي تنادي وا سوأتاه ~~وا فضيحتاه! فإذا النداء من قبل الله تعالى : يا ms698 مالك أدخلهم النار من ~~الباب الأول! فإذا همت النار أن تأخذهم يقولون بأجمعهم : لا إله إلا الله ، ~~فتفر النار منهم مسيرة خمسمائة عام ، فيأخذون في البكاء ، وإذا النداء : يا ~~نار خذيهم يا مالك أدخلهم الباب الأول! فعند ذلك يسمع صلصلة كصلصلة الرعد ~~فإذا النار همت أن تحرق القلوب زجرها مالك وجعل يقول : لا تحرقي قلبا فيه ~~القرآن ، وكان وعاء للإيمان ، ولا تحرقي جباها سجدت للرحمن! فيعودون فيها ، ~~وإذا برجل يعلو صوته على صوت أهل النار فيخرج وقد امتحش فيقول الله له : ما ~~لك أكثر أهل النار صياحا؟ فيقول : يا رب حاسبتني ولم أقنط من رحمتك ، وعلمت ~~أنك تسمعني فأكثرت الصياح ، فيقول الله تعالى : ( @QUR@07 ومن يقنط من رحمة ~~ربه إلا الضالون ) [الحجر : 56]. اذهب فقد غفرت لك وكذا يخرج من النار ~~فيقول الله له : خرجت من النار فبأي عمل تدخل الجنة؟ فيقول : يا رب ما ~~أسألك منها إلا يسيرا ، فترفع له شجرة منها فيقول الله : أرأيت إن أعطيتك ~~هذه الشجرة تسألني غيرها؟ فيقول : لا وعزتك يا رب! فيقول الله : هي هبة مني ~~إليك ، فإذا أكل منها واستظل بظلها رفعت له شجرة أخرى أحسن منها فيجعل يكثر ~~النظر إليها فيقول الله تعالى : مالك لعلك أحببتها؟ فيقول : نعم يا رب ، ~~فيقول له : إن أعطيتك إياها هل تسألني غيرها؟ فيقول : لا يا رب ، فإذا أكل ~~واستظل بظلها رفعت له شجرة أحسن منها فيجعل ينظر إليها فيقول الله له : إن ~~أعطيتك إياها تسألني غيرها؟ فيقول : لا وعزتك يا رب لا أسألك غيرها ، فيضحك ~~الله عز وجل فيدخله الجنة. ومن غريب حكم الآخرة أن الرجل يؤتى به إلى الله ~~فيحاسبه ويوبخه وتوزن له حسناته وسيئاته وهو في ذلك كله يظن يقينا أن الله ~~ما اشتغل إلا PageV01P534 # بحسابه ووزنه ، ولعل في تلك اللحظة حاسب فيها آلاف ألوف ما لا يحصي عدتهم ~~إلا الله ، كل منهم يظن أن الحساب له وحده ، وكذا لا يرى بعضهم بعضا ، ولا ~~يسمع أحدهم كلام الآخر ، بل كل واحد تحت أستاره. فسبحان من هذا ms699 شأنه وهو ~~قوله تعالى : ( @QUR@07 ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة ) [لقمان : 28]. ~~وهو في قوله سر عجيب من أسرار الملكوت ، إذ ليس لملكه حد محدود ، فسبحان من ~~لا يشغله شأن عن شأن! وفي هذه الحالة يأتي الرجل إلى ولده فيقول له : يا ~~بني إني كسوتك حيث لا تقدر تكسو نفسك ، وأطعمتك طعاما وسقيتك شرابا حيث كنت ~~عاجزا عن ذلك ، وكفلتك صغيرا حيث كنت لا تستطيع دفع الضراء ولا جلب السراء ~~، فكم من فاكهة تمنيتها فابتعتها لك ، حسبك ما ترى من هول يوم القيامة ~~وسيئات أبيك كثيرة فتحمل عني منها ولو سيئة فيخف عني ، وأعطني ولو حسنة ~~أزيدها في الميزان! فيفر منه الولد ويقول له : أنا أحوج منك إليها. وكذا ~~يفعل الفصيل مع الفصيلة والصاحب والأخ وهو قوله تعالى ( @QUR@09 يوم يفر ~~المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه ) [عبس : 34 ، 35 ، 36]. ( @QUR@03 ~~وفصيلته التي تؤويه ) [المعارج : 13]. وفي الحديث «يحشر الناس عراة ، قالت ~~عائشة رضي الله عنها : ووا سوأتاه ينظر بعضهم إلى بعض؟ فقرأ النبي ~~صلى الله عليه وسلم : لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه». لأن شدة الهول وعظم ~~الكرب تشغلهم أن ينظر بعضهم إلى بعض. فإذا استقر الناس في صعيد واحد طلعت ~~عليهم سحابة سوداء فأمطرتهم صحفا منشرة ، فإذا صحيفة المؤمن ورقة ورد ، ~~وإذا صحيفة الكافر ورقة سدر ، والكل مكتوب ، فتتطاير الصحف فإذا هي ~~بالميامن والمياسر ، وليس عن اختيار ، وإنما هي تقع بيمينه وبشماله وهو ~~قوله تعالى : ( @QUR@07 ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا ) ~~[الإسراء : 13]. وحكى بعض السلف من أهل التصنيف أن الحوض يورد بعد جواز ~~الصراط ، وهو غلط من قائله فإنه تعين أنه يرده من قد جاز الصراط ، ففي ~~السبعة جسور يهلك الناس. والسبعون ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب لا ~~يرفع لهم ميزان ولا يأخذون صحفا ، وإنما هي براءة مكتوب فيها «لا إله إلا ~~الله محمد رسول الله هذه براءة فلان بن فلان بدخول الجنة ونجاته من النار» ~~فإذا غفرت له ذنوبه أخذ الملك بعضده وجاس به خلال الموقف ونادى ms700 : هذا فلان ~~بن فلان قد غفر الله له ذنوبه وسعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا ، فما مر عليه ~~شيء أسر من ذلك المقام. والرسل يوم القيامة على المنابر والأنبياء والعلماء ~~على منابر صغار دونهم ، ومنبر كل رسول على قدره ، والعلماء العاملون على ~~كراسي من نوره ، والشهداء والصالحون كقراء القرآن والمؤذنون على كثبان ~~المسك. وهذه الطائفة العاملة أصحاب الكراسي هم الذين يطلبون الشفاعة من آدم ~~عليه السلام ونوح حتى ينتهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد جاء أن ~~القرآن يأتي يوم القيامة في صورة رجل حسن الوجه والخلق فيشفع ، فيشفع ~~الإسلام مثله ، فيخصم ويخاصم عن صاحبه ، وقد ذكرنا حكاية الإسلام مع عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه في كتاب" الإحياء" بعد مخاصمته ، فيتعلق به من شاء ~~الله فيهوي بهم PageV01P535 # إلى الجنة. وكذلك تأتي الدنيا في صورة عجوز شمطاء أقبح ما يكون فيقال ~~للناس : أتعرفون هذه؟ فيقولون : نعوذ بالله من هذه! فيقال لهم : هذه الدنيا ~~التي كنتم تتحاسدون عليها وتتباغضون فيها. وكذلك يؤتى بالجمعة في صورة عروس ~~تزف ، فيحدق بها المؤمنون ، ويحوط بهم كثبان المسك والكافور ، عليهم نور ~~يتعجب منه كل من رآه في الموقف ، فلم تزل بهم حتى تدخلهم الجنة. فانظر إلى ~~رحمة الله تعالى وجود القرآن والإسلام والجمعة ، وكيف هم أشخاص : القرآن ~~موجود جبروتي ، والإسلام ملكوتي كالصيام والصلاة والصبر. ولا يلتفت إلى من ~~احتج في تلاشي الأنفس عند الموت بقوله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق : «اللهم ~~رب الأجسام البالية والأرواح الفانية» فإن ذلك كله يحوج إلى العلوم وقد ~~نبهنا عليه في غير هذا الكتاب وقصدنا الاختصار لسلوك طريق السنة ، ولا ~~يلتفت إلى البدع الطارئة على الشريعة من شياطين الإنس. فبشر المؤمنين ~~بالرشاد وسلوك المراد. # نسأل الله العصمة والتوفيق بمنه وكرمه آمين. وحسبنا الله ونعم الوكيل ، ~~وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. PageV01P536 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * كتاب المنقذ من الضلال ### ||| * المدخل # الحمد لله الذي يفتتح بحمده كل رسالة ومقالة ، والصلاة على محمد المصطفى ~~صاحب النبوة ms701 والرسالة ، وعلى آله وأصحابه الهادين من الضلالة. # أما بعد : فقد سألتني أيها الأخ في الدين ، أن أبث إليك غاية العلوم ~~وأسرارها ، وغائلة المذاهب وأغوارها ، وأحكي لك ما قاسيته في استخلاص الحق ~~من بين اضطراب الفرق ، مع تباين المسالك والطرق ، وما استجرأت عليه من ~~الارتفاع عن حضيض التقليد إلى يفاع الاستفسار ، وما استفدته أولا من علم ~~الكلام وما اجتويته ثانيا من طرق أهل التعليم القاصرين لدرك الحق على تقليد ~~الإمام ، وما ازدريته ثالثا من طرق التفلسف ، وما ارتضيته آخرا من طريقة ~~التصوف ، وما انجلى لي في تضاعيف تفتيشي عن أقاويل الخلق من لباب الحق ، ~~وما صرفني عن نشر العلم ببغداد مع كثرة الطلبة ، وما دعاني إلى معاودتي ~~نيسابور بعد طول المدة ، فابتدرت لإجابتك إلى مطلبك بعد الوقوف على صدق ~~رغبتك ، وقلت مستعينا بالله ومتوكلا عليه ، ومستوثقا منه ، وملتجئا إليه : # اعلموا أحسن الله تعالى إرشادكم ، وألان للحق قيادكم أن اختلاف الخلق في ~~الأديان والملل ، ثم اختلاف الأئمة في المذاهب على كثرة الفرق وتباين الطرق ~~، بحر عميق غرق فيه الأكثرون ، وما نجا منه إلا الأقلون. وكل فريق يزعم أنه ~~الناجي ، و ( @QUR@05 كل حزب بما لديهم فرحون ) [الروم : 32] هو الذي وعدنا ~~به سيد المرسلين ، صلوات الله عليه ، وهو الصادق الصدوق حيث قال : " ستفترق ~~أمتي ثلاثا وسبعين فرقة ، الناجية منها واحدة" فقد كان ما وعد أن يكون. # ولم أزل في عنفوان شبابي ، منذ راهقت البلوغ قبل بلوغ العشرين إلى الآن ~~وقد أناف السن على الخمسين ، أقتحم لجة هذا البحر العميق ، وأخوض غمرته خوض ~~الجسور ، لا خوض الجبان الحذور ، وأتوغل في كل مظلمة ، وأتهجم على كل مشكلة ~~، وأتقحم كل ورطة ، وأتفحص عن عقيدة كل فرقة ، وأستكشف أسرار مذهب كل طائفة ~~؛ لأميز بين محق ومبطل ، ومتسنن ومبتدع لا أغادر باطنيا إلا وأحب أن أطلع ~~على بطانته ، ولا ظاهريا إلا وأريد أن أعلم حاصل ظهارته ، ولا فلسفيا إلا ~~وأقصد الوقوف على كنه فلسفته ، ولا متكلما إلا وأجتهد في PageV01P537 # الاطلاع على غاية كلامه ومجادلته ، ولا صوفيا إلا وأحرص على ms702 العثور على ~~سر صوفيته ، ولا متعبدا إلا وأترصد ما يرجع إليه حاصل عبادته ، ولا زنديقا ~~معطلا إلا وأتجسس وراءه للتنبه لأسباب جرأته في تعطيله وزندقته. # وقد كان التعطش إلى درك حقائق الأمور دأبي وديدني من أول أمري وريعان ~~عمري ، غريزة وفطرة من الله وضعتا في جبلتي ، لا باختياري وحيلتي ، حتى ~~انحلت عني رابطة التقليد وانكسرت علي العقائد الموروثة على قرب عهد شرة ~~الصبا ؛ إذ رأيت صبيان النصارى لا يكون لهم نشوء إلا على التنصر ؛ وصبيان ~~اليهود لا نشوء لهم إلا على التهود ، وصبيان المسلمين لا نشوء لهم إلا على ~~الإسلام. وسمعت الحديث المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : # «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه» فتحرك ~~باطني إلى حقيقة الفطرة الأصلية وحقيقة العقائد العارضة بتقليد الوالدين ~~والأستاذين ، والتمييز بين هذه التقليدات ، وأوائلها تلقينات ، وفي تمييز ~~الحق منها عن الباطل اختلافات ، فقلت في نفسي : إنما مطلوبي العلم بحقائق ~~الأمور ، فلا بد من طلب حقيقة العلم ما هي ؛ فظهر لي أن العلم اليقيني هو ~~الذي يكشف فيه المعلوم انكشافا لا يبقى معه ريب ، ولا يقارنه إمكان الغلط ~~والوهم ، ولا يتسع القلب لتقدير ذلك ، بل الأمان من الخطأ ينبغي أن يكون ~~مقارنا لليقين مقارنة لو تحدى بإظهار بطلانه مثلا من يقلب الحجر ذهبا ~~والعصا ثعبانا ، لم يورث ذلك شكا وإنكارا ، فإني إذا علمت أن العشرة أكثر ~~من الثلاثة ، فلو قال لي قائل : لا ، بل الثلاثة أكثر بدليل أني أقلب هذه ~~العصا ثعبانا وقلبها ، وشاهدت ذلك منه ، لم أشك بسببه في معرفتي ، ولم يحصل ~~لي منه إلا التعجب من كيفية قدرته عليه ؛ فأما الشك فيما علمته فلا. # ثم علمت أن كل ما لا أعلمه على هذا الوجه ولا أتيقنه هذا النوع من اليقين ~~فهو علم لا ثقة به ولا أمان معه ، وكل علم لا أمان معه فليس بعلم يقيني. ### ||| * (1) مداخل السفسطة وجحد العلوم # ثم فتشت عن علومي فوجدت نفسي عاطلا من علم موصوف بهذه الصفة إلا في ~~الحسيات والضروريات. ms703 قلت : الآن بعد حصول اليأس لا مطمع في اقتباس المشكلات ~~إلا من الجليات ، وهي الحسيات والضروريات ، فلا بد من إحكامها أولا لأتيقن ~~أثقتي بالمحسوسات وأماني من الغلط في الضروريات ، من جنس أماني الذي كان من ~~قبل في التقليديات ، ومن جنس أماني أكثر الخلق في النظريات ، أم هو أمان ~~محقق لا غدر فيه ولا غائلة له؟ فأقبلت بجد بليغ أتأمل في المحسوسات ~~والضروريات ، وأنظر هل يمكنني أن أشكك نفسي فيها ، فانتهى بي طول التشكيك ~~إلى أن لم تسمح نفسي بتسليم الأمان في المحسوسات أيضا ؛ وأخذ يتسع هذا الشك ~~فيها ويقول : من أين الثقة بالمحسوسات ، وأقواها حاسة البصر؟ وهي تنظر PageV01P538 # إلى الظل فتراه واقفا غير متحرك ، وتحكم بنفي الحركة ، ثم بالتجربة ~~والمشاهدة بعد ساعة تعرف أنه متحرك وأنه لم يتحرك دفعة بغتة ، بل على ~~التدريج ذرة ذرة ، حتى لم تكن له حالة وقوف. وتنظر إلى الكوكب فتراه صغيرا ~~في مقدار الدينار ، ثم الأدلة الهندسية تدل على أنه أكبر من الأرض في ~~المقدار. وهذا وأمثاله من المحسوسات يحكم فيها حاكم الحس بأحكامه ، ويكذبه ~~حاكم العقل ويخونه ، تكذيبا لا سبيل إلى مدافعته. # فقلت : قد بطلت الثقة بالمحسوسات أيضا ، فلعله لا ثقة إلا بالعقليات التي ~~هي من الأوليات كقولنا : العشرة أكثر من الثلاثة ، والنفي والإثبات لا ~~يجتمعان في الشيء الواحد ، والشيء الواحد لا يكون حادثا قديما ، موجودا ~~معدوما ، واجبا محالا. فقالت المحسوسات : بم تأمن أن تكون ثقتك بالعقليات ~~كثقتك بالمحسوسات وقد كنت واثقا بي ، فجاء حاكم العقل فكذبني ، ولو لا حاكم ~~العقل لكنت تستمر على تصديقي؟ فلعل وراء إدراك العقل حاكما آخر ، إذا تجلى ~~كذب العقل في حكمه ، كما تجلى حاكم العقل فكذب الحس في حكمه ، وعدم تجلي ~~ذلك الإدراك لا يدل على استحالته. فتوقفت النفس في جواب ذلك قليلا ، وأيدت ~~إشكالها بالمنام وقالت : أما تراك تعتقد في النوم أمورا ، وتتخيل أحوالا ، ~~وتعتقد لها ثباتا واستقرارا ولا تشك في تلك الحالة فيها ، ثم تستيقظ فتعلم ~~أنه لم يكن لجميع متخيلاتك ومعتقداتك أصل وطائل ؛ فبم تأمن ms704 أن يكون جميع ما ~~تعتقده في يقظتك بحس أو عقل هو حق بالإضافة إلى حالتك التي أنت فيها ؛ لكن ~~يمكن أن تطرأ عليك حالة تكون نسبتها إلى يقظتك كنسبة يقظتك إلى منامك ، ~~وتكون يقظتك نوما بالإضافة إليها؟ فإذا وردت تلك الحالة تيقنت أن جميع ما ~~توهمت بعقلك خيالات لا حاصل لها ، ولعل تلك الحالة ما تدعيه الصوفية أنها ~~حالتهم ؛ إذ يزعمون أنهم يشاهدون في أحوالهم التي لهم ، إذا غاصوا في ~~أنفسهم وغابوا عن حواسهم أحوالا لا توافق هذه المعقولات ؛ ولعل تلك الحالة ~~هي الموت إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «الناس نيام فإذا ماتوا ~~انتبهوا» فلعل الحياة الدنيا نوم بالإضافة إلى الآخرة ، فإذا مات ظهرت له ~~الأشياء على خلاف ما يشاهده الآن ، ويقال له عند ذلك : ( @QUR@06 فكشفنا ~~عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ) [ق : 22] فلما خطرت لي هذه الخواطر وانقدحت ~~في النفس ، حاولت لذلك علاجا فلم يتيسر ، إذ لم يكن دفعة إلا بالدليل ، ولم ~~يكن نصب دليل إلا من تركيب العلوم الأولية ، فإذا لم تكن مسلمة لم يمكن ~~ترتيب الدليل. فأعضل هذا الداء ، ودام قريبا من شهرين أنا فيهما على مذهب ~~السفسطة بحكم الحال ، لا بحكم النطق والمقال ، حتى شفى الله تعالى من ذلك ~~المرض وعادت النفس إلى الصحة والاعتدال ورجعت الضروريات العقلية مقبولة ~~موثوقا بها على أمن ويقين ؛ ولم يكن ذلك بنظم دليل وتركيب كلام ، بل بنور ~~قذفه الله تعالى في الصدر. وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف ، فمن ظن أن ~~الكشف موقوف على الأدلة المحررة فقد ضيق رحمة الله تعالى الواسعة ؛ ولما ~~سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن «الشرح» PageV01P539 # ومعناه في قوله تعالى : ( @QUR@08 فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره ~~للإسلام ) [الأنعام : 125] قال : «هو نور يقذفه الله تعالى في القلب» فقيل ~~: «وما علامته»؟ فقال «التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود» وهو ~~الذي قال عليه السلام فيه : «إن الله تعالى خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم ~~من نوره» فمن ذلك النور ينبغي أن ms705 يطلب الكشف. وذلك النور ينبجس من الجود ~~الإلهي في بعض الأحايين ، ويجب الترصد له كما قال عليه السلام : " إن لربكم ~~في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها". # والمقصود من هذه الحكايات أن يعمل كمال الجد في الطب حتى ينتهي إلى طلب ~~ما لا يطلب ؛ فإن الأوليات ليست مطلوبة ، فإنها حاضرة والحاضر إذا طلب فقد ~~واختفى ، ومن طلب ما لا يطلب فلا يتهم بالتقصير في طلب ما يطلب. ### ||| * القول في أصناف الطالبين # ولما شفاني الله تعالى من هذا المرض بفضله وسعة جوده ، انحصرت أصناف ~~الطالبين عندي في أربع فرق : # 1 المتكلمون : وهم يدعون أنهم أهل الرأي والنظر. # 2 الباطنية : وهم يزعمون أنهم أصحاب التعليم والمخصصون بالاقتباس من ~~الإمام المعصوم. # 3 الفلاسفة : وهم يزعمون أنهم أهل المنطق والبرهان. # 4 الصوفية : وهم يدعون أنهم خواص الحضرة وأهل المشاهدة والمكاشفة. # فقلت في نفسي : الحق لا يعدو عن هذه الأصناف الأربعة ، فهؤلاء هم ~~السالكون سبل طلب الحق ، فإن شذ الحق عنهم ، فلا يبقى في درك الحق مطمع ، ~~إذ لا مطمع في الرجوع إلى التقليد بعد مفارقته ، إذ من شرط المقلد أن لا ~~يعلم أنه مقلد فإذا علم ذلك انكسرت زجاجة تقليده ، وهو شعب لا يرأب ، وشعث ~~لا يلم بالتلفيق وبالتأليف ، إلا أن يذاب بالنار ويستأنف لها صيغة أخرى ~~مستجدة. # فابتدرت لسلوك هذه الطرق ، باستقصاء ما عند هذه الفرق ، مبتدئا بعلم ~~الكلام ، ومثنيا بطريق الفلسفة ، ومثلثا بتعليمات الباطنية ، ومربعا بطريق ~~الصوفية. ### ||| * 1 علم الكلام مقصوده وحاصله # ثم إني ابتدأت بعلم الكلام ، فحصلته وعقلته ، وطالعت كتب المحققين منهم ، ~~وصنفت فيه ما أردت أن أصنف ، فصادفته علما وافيا بمقصوده ، غير واف بمقصودي ~~؛ وإنما مقصوده حفظ عقيدة أهل السنة وحراستها عن تشويش أهل البدعة ؛ فقد ~~ألقى الله تعالى إلى عباده على لسان رسوله عقيدة هي الحق على ما فيه صلاح ~~دينهم ودنياهم ، كما نطق بمعرفته القرآن والأخبار ، PageV01P540 # ثم ألقى الشيطان في وساوس المبتدعة أمورا مخالفة للسنة ، فلهجوا بها ~~وكادوا يشوشون عقيدة الحق على أهلها ، فأنشأ الله تعالى طائفة المتكلمين ms706 ، ~~وحرك دواعيهم لنصرة السنة بكلام مرتب ، يكشف عن تلبيسات هل البدعة المحدثة ~~على خلاف السنة المأثورة ؛ فمنه نشأ علم الكلام وأهله. فلقد قام طائفة منهم ~~بما ندبهم الله تعالى إليه ، فأحسنوا الذب عن السنة ، والنضال عن العقيدة ~~المتلقاة بالقبول من النبوة والتغيير في وجه ما أحدث البدعة ؛ ولكنهم ~~اعتمدوا في ذلك على مقدمات تسلموها من خصومهم ، واضطرهم إلى تسليمها إما ~~التقليد ، أو إجماع الأمة ، أو مجرد القبول من القرآن والأخبار. وكان أكثر ~~خوضهم في استخراج مناقضات الخصوم ، ومؤاخذتهم بلوازم مسلماتهم ، وهذا قليل ~~النفع في جنب من لا يسلم سوى الضروريات شيئا أصلا ؛ فلم يكن الكلام في حقي ~~كافيا ، ولا لدائي الذي كنت أشكوه شافيا. نعم ، لما نشأت صنعة الكلام وكثر ~~الخوض فيه وطالت المدة ، تشوف المتكلمون إلى مجاوزة الذب عن السنة بالبحث ~~عن حقائق الأمور ، وخاضوا في البحث عن الجواهر والأعراض وأحكامها ؛ ولكن ~~لما لم يكن ذلك مقصود علمهم ، لم يبلغ كلامهم فيه الغاية القصوى ، فلم يحصل ~~منه ما يمحو بالكلية ظلمات الحيرة في اختلافات الخلق ؛ ولا أبعد أن يكون قد ~~حصل ذلك لغيري! بل لست أشك في حصول ذلك لطائفة ولكن حصولا مشوبا بالتقليد ~~في بعض الأمور التي ليست من الأوليات. والغرض الآن حكاية حالي ، لا الإنكار ~~على من استشفى به ، فإن أدويته الشفاء تختلف باختلاف الداء ، وكم من دواء ~~ينتفع به مريض ويستضر به آخر!. ### ||| * 2 الفلسفة # محصولها. # المذموم منها وما لا يذم. # وما يكفر به قائله وما لا يكفر به. # وما يبتدع فيه وما لا يبتدع. # وبيان ما سرقه الفلاسفة من كلام أهل الحق. # وبيان ما مزجوه بكلام أهل الحق لترويح باطلهم في درج ذلك. # وكيفية عدم قبول البشر وحصول نفرة النفوس من ذلك الحق الممزوج بالباطل. # وكيفية استخلاص الحق الخالص من الزيف والبهرج من جملة كلامهم. # ثم إني ابتدأت بعد الفراغ من علم الكلام بعلم الفلسفة ، وعلمت يقينا أنه ~~لا يقف على فساد نوع من العلوم ، من لا يقف على منتهى ذلك العلم ، حتى ~~يساوي أعلمهم ms707 في أصل العلم ، ثم يزيد PageV01P541 # عليه ويجاوز درجته ، فيطلع على ما لم يطلع عليه صاحب العلم من غوره ~~وغائله ، فإذ ذاك يمكن أن يكون ما يدعيه من فساده حقا. ولم أر أحدا من ~~علماء الإسلام صرف عنايته وهمته إلى ذلك. # ولم يكن في كتب المتكلمين من كلامهم ، حيث اشتغلوا بالرد عليهم إلا كلمات ~~معقدة مبددة ، ظاهرة التناقض والفساد ، لا يظن الاغترار بها بغافل عامي ~~فضلا عمن يدعي دقائق العلوم. فعلمت أن رد المذهب قبل فهمه والاطلاع على ~~كنهه رمي في عماية ، فشمرت على ساق الجد في تحصيل ذلك العلم من الكتب بمجرد ~~المطالعة من غير استعانة بأستاذ ، وأقبلت على ذلك في أوقات فراغي من ~~التصنيف والتدريس في العلوم الشرعية وأنا ممنو بالتدريس والإفادة لثلاثمائة ~~نفر من الطلبة ببغداد. # فأطلعني الله سبحانه وتعالى بمجرد المطالعة في هذه الأوقات المختلسة على ~~منتهى علومهم في أقل من سنتين. ثم لم أزل أواظب على التفكر فيه بعد فهمه ~~قريبا من سنة ، أعاوده وأردده وأتفقد غوائله وأغواره ، حتى اطلعت على ما ~~فيه من خداع وتلبيس ، وتحقيق وتخييل ، اطلاعا لم أشك فيه. # فاسمع الآن حكايته وحكاية حاصل علومهم ؛ فإني رأيتهم أصنافا ، ورأيت ~~علومهم أقساما ، وهم على كثرة أصنافهم يلزمهم سمة الكفر والإلحاد ، وإن كان ~~بين القدماء منهم والأقدمين ، وبين الأواخر منهم والأوائل ، تفاوت عظيم في ~~البعد عن الحق والقرب منه. ### ||| * أصناف الفلاسفة ### ||| * واتصاف كافتهم بالكفر # اعلم أنهم على كثرة فرقهم واختلاف مذاهبهم ، ينقسمون إلى ثلاثة أقسام : ~~الدهريون ، والطبيعيون ، والإلهيون. # الصنف الأول : الدهريون : وهم طائفة من الأقدمين جحدوا الصانع المدبر ، ~~العالم القادر ، وزعموا أن العالم لم يزل موجودا كذلك بنفسه لا بصانع ، ولم ~~يزل الحيوان من النطفة ، والنطفة من الحيوان كذلك كان ، وكذلك يكون أبدا ~~وهؤلاء هم الزنادقة. # الصنف الثاني : الطبيعيون : وهم قوم أكثروا بحثهم عن عالم الطبيعة وعن ~~عجائب الحيوان والنبات ، وأكثروا الخوض في تشريح أعضاء الحيوانات ، فرأوا ~~فيها من عجائب صنع الله تعالى وبدائع حكمته ما اضطروا معه إلى الاعتراف ~~بقادر حكيم ، مطلع على غايات ms708 الأمور ومقاصدها. ولا يطالع التشريح وعجائب ~~منافع الأعضاء مطالع ، إلا ويحصل له هذا العلم الضروري بكمال تدبير الباني ~~لبنية الحيوان ؛ لا سيما بنية الإنسان. إلا أن هؤلاء لكثرة بحثهم عن ~~الطبيعة ، ظهر عنهم. لاعتدال المزاج. تأثير عظيم في قوام قوى الحيوان به ~~فظنوا أن القوة العاقلة من الإنسان تابعة لمزاجه أيضا ، وأنها تبطل ببطلان ~~مزاجه فينعدم ، ثم إذا انعدم فلا يعقل إعادة المعدوم كما زعموا ؛ فذهبوا ~~إلى أن النفس تموت ولا تعود ، فجحدوا الآخرة PageV01P542 # وأنكروا الجنة والنار ، والحشر والنشر ، والقيامة والحساب ، فلم يبق ~~عندهم للطاعة ثواب ، ولا للمعصية عقاب ، فانحل عنهم اللجام ، وانهمكوا في ~~الشهوات انهماك الأنعام. # وهؤلاء أيضا زنادقة : لأن أصل الإيمان حد الإيمان بالله واليوم الآخر ، ~~وهؤلاء جحدوا اليوم الآخر ، وإن آمنوا بالله وبصفاته. # الصنف الثالث : الإلهيون : وهم المتأخرون منهم ، مثل سقراط وهو أستاذ ~~أفلاطون ، وأفلاطون أستاذ أرسطاطاليس. وأرسطاطاليس هو الذي رتب لهم المنطق ~~، وهذب لهم العلوم ، وحرر لهم ما لم يكن محررا من قبل ، وأنضج لهم ما كان ~~فجا من علومهم. وهم بجملتهم ردوا على الصنفين الأولين من الدهرية والطبيعة ~~، وأوردوا في الكشف عن فضائحهم ما أغنوا به غيرهم ( @QUR@04 وكفى الله ~~المؤمنين القتال ) بتقاتلهم. ثم رد أرسطاطاليس على أفلاطون وسقراط ومن كان ~~قبله من الإلهيين ردا لم يقصر فيه حتى تبرأ من جميعهم ؛ إلا أنه استبقى ~~أيضا من رذائل كفرهم وبدعتهم بقايا لم يوفق للنزع منها ؛ فوجب تكفيرهم ، ~~وتكفير متبعيهم من المتفلسفة الإسلاميين ، كابن سينا والفارابي وغيرهما. ~~على أنه لم يقم بنقل علم أرسطاطاليس أحد من متفلسفة الإسلاميين كقيام هذين ~~الرجلين ؛ وما نقله غيرهما ليس يخلو عن تخبيط وتخليط يتشوش فيه قلب المطالع ~~حتى لا يفهم ، وما لا يفهم كيف يرد أو يقبل؟ ومجموع ما صح عندنا من فلسفة ~~أرسطاطاليس ، بحسب نقل هذين الرجلين ، ينحصر في ثلاثة أقسام : # 1. قسم يجب التكفير به. # 2. وقسم يجب التبديع به. # 3. وقسم لا يجب إنكاره أصلا. ### ||| * أقسام علومهم # اعلم أن علومهم بالنسبة إلى الغرض الذي نطلبه ست أقسام : رياضية ، ~~ومنطقية ، وطبيعية ، وإلهية ms709 ، وسياسية ، وخلقية. # 1 أما الرياضية : فتتعلق بعلم الحساب والهندسة وعلم هيئة العلم ، وليس ~~يتعلق شيء منها بالأمور الدينية نفيا وإثباتا ، بل هي أمور برهانية لا سبيل ~~إلى مجاحدتها بعد فهمها ومعرفتها. وقد تولدت منها آفتان : # الأولى : من ينظر فيها يتعجب من دقائقها ومن ظهور براهينها ، فيحسن بسبب ~~ذلك اعتقاده في الفلاسفة ، ويحسب أن جميع علومهم في الوضوح ووثاقة البرهان ~~كهذا العلم. ثم يكون قد سمع من كفرهم وتعطيلهم وتهاونهم بالشرع ما تناولته ~~الألسن ، فيكفر بالتقليد المحض ويقول : لو كان الدين حقا لما اختفى على ~~هؤلاء مع تدقيقهم في هذا العلم! فإذا عرف بالتسامع كفرهم وجحدهم ، فيستدل ~~على أن الحق هو الجحد والإنكار للدين. وكم رأيت ممن ضل عن الحق PageV01P543 # بهذا القدر ولا مستند له سواه! وإذا قيل له : الحاذق في صناعة واحدة ليس ~~يلزم أن يكون حاذقا في كل صناعة ، فلا يلزم أن يكون الحاذق في الفقه ~~والكلام حاذقا في الطب ، ولا أن يكون الجاهل بالعقليات جاهلا بالنحو ، بل ~~لكل صناعة أهل بلغوا فيها رتبة البراعة والسبق ؛ وإن كان الحمق والجهل قد ~~يلزمهم في غيرها ، فكلام الأوائل في الرياضيات برهاني ، وفي الإلهيات ~~تخميني ، لا يعرف ذلك إلا من جربه وخاض فيه ، فهذا إذا قرر على هذا الذي ~~اتخذ بالتقليد ، لم يقع منه موقع القبول بل تحمله غلبة الهوى ، وشهوة ~~البطالة ، وحب التكايس ، على أن يصر على تحسين الظن بهم في العلوم كلها. # فهذه آفة عظيمة لأجلها يجب زجر كل من يخوض في تلك العلوم ، فإنها وإن لم ~~تتعلق بأمر الدين ، لكن لما كانت من مبادئ علومهم ، يسري إليه شرهم وشؤمهم ~~، فقل من يخوض في آفة إلا وينخلع من الدين وينحل عن رأسه لجام التقوى. # الآفة الثانية : نشأت من صديق للإسلام جاهل ، ظن أن الدين ينبغي أن ينصر ~~بإنكار كل علم منسوب إليهم ، فأنكر جميع علومهم وادعى جهلهم فيها ، حتى ~~أنكر قولهم في الكسوف والخسوف ، وزعم أن ما قالوه على خلاف الشرع ، فلما ~~قرع ذلك سمع من عرف ذلك بالبرهان القاطع ms710 ، لم يشك في برهانه ، لكن اعتقد أن ~~الإسلام مبني على الجهل وإنكار البرهان القاطع فيزداد للفلسفة حبا وللإسلام ~~بغضا. ولقد عظم على الدين جناية من ظن أن الإسلام ينصر بإنكار هذه العلوم ، ~~وليس في الشرع تعرض لهذه العلوم بالنفي والإثبات ، ولا في هذه العلوم تعرض ~~للأمور الدينية. وقوله عليه السلام : " إن للشمس والقمر آيتان من آيات ذكر ~~الله تعالى لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته. فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ~~ذكر الله تعالى وإلى الصلاة" وليس في هذا ما يوجب إنكار علم الحساب المعرف ~~بمسير الشمس والقمر واجتماعهما أو مقابلتهما على وجه مخصوص. أما قوله ~~عليه السلام : " لكن الله إذا تجلى لشيء خضع له" فليس توجد هذه الزيادة في ~~الصحاح أصلا. فهذا حكم الرياضيات وآفتها. # 2 وأما المنطقيات : فلا يتعلق شيء منها بالدين نفيا وإثباتا ، بل هو ~~النظر في طرق الأدلة والمقاييس وشروط مقدمات البرهان وكيفية تركيبها ، ~~وشروط الحد الصحيح وكيفية ترتيبه. وأن العلم إما تصور وسبيل معرفته الحد ، ~~وإما تصديق وسبيل معرفته البرهان ؛ وليس في هذا كل ما ينبغي أن ينكر ، بل ~~هو من جنس ما ذكره المتكلمون وأهل النظر في الأدلة ، وإنما يفارقونهم ~~بالعبارات والاصطلاحات ، وبزيادة الاستقصاء في التعريفات والتشعيبات ، ~~ومثال كلامهم فيها قولهم : إذا ثبت أن كل" أ"" ب" لزم أن بعض" ب"" أ" أي ~~إذا ثبت أن كل إنسان حيوان لزم أن بعض الحيوان إنسان. ويعبرون عن هذا بأن ~~الموجبة الكلية تنعكس موجبة جزئية. وأي لهذا بمهمات الدين حتى يجحد وينكر؟ ~~فإذا أنكر لم يحصل من إنكاره عند أهل المنطق إلا سوء الاعتقاد في عقل ~~المنكر ، بل في دينه الذي يزعم أنه موقوف على مثل هذا الإنكار. نعم ، لهم نوع PageV01P544 # من الظلم في هذا العلم ، وهو أنهم يجمعون للبرهان شروطا يعلم أنها تورث ~~اليقين لا محالة ، لكنهم عند الانتهاء إلى المقاصد الدينية ما أمكنهم ~~الوفاء بتلك الشروط ، بل تساهلوا غاية التساهل ، وربما ينظر في المنطق أيضا ~~من يستحسنه ويراه واضحا فيظن أن ما ينقل عنهم من ms711 الكفريات مؤيدة بمثل تلك ~~البراهين ، فاستعجل بالكفر قبل الانتهاء إلى العلوم الإلهية. # فهذه الآفة أيضا متطرقة إليه. # 3 وأما علم الطبيعيات : فهو يبحث عن عالم السماوات وكواكبها وما تحتها من ~~الأجسام المفردة : كالماء والهواء والتراب والنار ، ومن الأجسام المركبة : ~~كالحيوان والنبات والمعادن ، وعن أسباب تغيرها واستحالتها وامتزاجها. وذلك ~~يضاهي بحث الطبيب عن جسم الإنسان وأعضائه الرئيسية والخادمة ، وأسباب ~~استحالة مزاجه. # وكما أنه ليس من شرط الدين إنكار علم الطب ، فليس من شرطه أيضا إنكار ذلك ~~العلم إلا في مسائل معينة ذكرناها في كتاب" تهافت الفلاسفة" وما عداها مما ~~يجب المخالفة فيها ؛ فعند التأمل يتبين أنها مندرجة تحتها ، وأصل جملتها : ~~أن يعلم أن الطبيعة مسخرة لله تعالى ، لا تعمل بنفسها ، بل هي مستعملة من ~~جهة فاطرها ؛ والشمس والقمر والنجوم والطبائع مسخرات بأمره لا فعل لشيء ~~منها بذاته. # 4 وأما الإلهيات : ففيها أكثر أغاليطهم ، فما قدروا على الوفاء بالبراهين ~~على ما شرطوه في المنطق ؛ ولذلك كثر الاختلاف بينهم فيها ، ولقد قرب ~~أرسطاطاليس مذهبه فيها من مذاهب الإسلاميين ، على ما نقله الفارابي وابن ~~سينا. ولكن مجموع ما غلطوا فيه يرجع إلى عشرين أصلا ، يجب تكفيرهم في ثلاثة ~~منها ، وتبديعهم في سبعة عشر. ولإبطال مذهبهم في هذه المسائل العشرين ، ~~صنفنا كتاب" التهافت" أما المسائل الثلاث ، فقد خالفوا فيها كافة المسلمين ~~، وذلك في قولهم : # 1 إن الأجساد لا تحشر ، وإنما المثاب والمعاقب هي الأرواح المجردة ، ~~والمثوبات والعقوبات روحانية لا جسمانية. # ولقد صدقوا في إثبات الروحانية ، فإنها كائنة أيضا ، ولكن كذبوا في إنكار ~~الجسمانية ، وكفروا بالشريعة فيما نطقوا به. # 2 ومن ذلك قولهم : " إن الله تعالى يعلم الكليات دون الجزئيات" وهذا أيضا ~~كفر صريح ، بل الحق أنه : ( @QUR@010 لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ~~ولا في الأرض ) [سبأ : 3]. # 3 ومن ذلك قولهم بقدم العالم وأزليته ؛ فلم يذهب أحد من المسلمين إلى شيء ~~من هذه المسائل. وأما ما وراء ذلك من نفيهم الصفات وقولهم إنه عليم بالذات ~~، لا بعلم زائد على الذات وما يجري مجراه ، فمذهبهم فيه ms712 قريب من مذهب ~~المعتزلة ولا يجب تكفير المعتزلة بمثل ذلك ، وقد ذكرنا في كتاب" فيصل ~~التفرقة بين الإسلام والزندقة" ما يتبين فيه فساد رأي من يتسارع إلى PageV01P545 # التكفير في كل ما يخالف مذهبه. # 5 وأما السياسيات : فجميع كلامهم فيها يرجع إلى الحكم المصلحية المتعلقة ~~بالأمور الدنيوية والإيالة السلطانية ، وإنما أخذوها من كتب الله المنزلة ~~على الأنبياء ، ومن الحكم المأثور عن سلف الأنبياء. # 6 وإما الخلقية : فجميع كلامهم فيها يرجع إلى حصر صفات النفس وأخلاقها ، ~~وذكر أجناسها وأنواعها ، وكيفية معالجتها ؛ ومجاهدتها ؛ وإنما أخذوها من ~~كلام الصوفية ، وهم المتألهون المثابرون على ذكر الله تعالى وعلى مخالفة ~~الهوى وسلوك الطريق إلى الله تعالى بالإعراض عن ملاذ الدنيا. وقد انكشف لهم ~~في مجاهداتهم من أخلاق النفس وعيوبها وآفات أعمالها ما صرحوا بها ، فأخذها ~~الفلاسفة ومزجوها بكلامهم ، توسلا بالتجمل بها إلى ترويج باطلهم. ولقد كان ~~في عصرهم ، بل في كل عصر جماعة من المتألهين ، لا يخلي الله سبحانه العالم ~~عنهم ، فإنهم أوتاد الأرض ، ببركاتهم تنزل الرحمة إلى أهل الأرض كما ورد في ~~الخبر حيث قال عليه السلام : «بهم تمطرون وبهم ترزقون ، ومنهم كان أصحاب ~~الكهف». # وكانوا في سالف الأزمنة ، على ما نطق به القرآن ، فتولد من مزجهم كلام ~~النبوة وكلام الصوفية بكتبهم آفتان : آفة في حق القابل ، وآفة في حق الراد. # 1 أما الآفة التي هي في حق الراد فعظيمة : إذ ظنت طائفة من الضعفاء أن ~~ذلك الكلام إذا كان مدونا في كتبهم ، وممزوجا بباطلهم ، ينبغي أن يهجر ولا ~~يذكر ، بل ينكر على كل من يذكره ؛ لأنهم إذ لم يسمعوه أولا إلا منهم ، فسبق ~~إلى عقولهم الضعيفة أنه باطل ، لأن قائله مبطل ، كالذي يسمع من النصراني ~~قول" لا إله إلا الله عيسى رسول الله" فينكره ويقول : " هذا كلام ~~النصراني". ولا يتوقف ريثما يتأمل أن النصراني كافر باعتبار هذا القول ، أو ~~باعتبار إنكاره نبوة محمد عليه السلام ! فإن لم يكن كافرا إلا باعتبار ~~إنكاره ، فلا ينبغي أن يخالف في غير ما هو به كافر مما هو ms713 حق في نفسه ، وإن ~~كان أيضا حقا عنده. وهذه عادة ضعفاء العقول يعرفون الحق بالرجال ، لا ~~الرجال بالحق. والعاقل يقتدي بقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه حيث قال : " لا تعرف الحق بالرجال ، بل اعرف الحق تعرف أهله" والعاقل ~~يعرف الحق ، ثم ينظر في نفس القول ، فإن كان حقا قبله ، سواء كان قائله ~~مبطلا أو محقا ، بل ربما يحرص على انتزاع الحق من أقاويل أهل الضلال عالما ~~بأن معدن الذهب الرغام. ولا بأس على الصراف إن أدخل يده في كيس القلاب ~~وانتزع الإبريز الخالص من الزيف والبهرج ، مهما كان واثقا ببصيرته ؛ فإنما ~~يزجر عن معاملة القلاب القروي دون الصير في البصير ؛ ويمنع من ساحل البحر ~~الأخرق ، دون السباح الحاذق ؛ ويصد عن مس الحية الصبي ، دون المعزم البارع. # ولعمري! لما غلب على أكثر الخلق ظنهم بأنفسهم الحذاقة والبراعة وكمال ~~العقل وتمام PageV01P546 # الآلة في تمييز الحق عن الباطل ، والهدى عن الضلالة ، وجب حسم الباب في ~~زجر الكافة عن مطالعة كتب أهل الضلالة ما أمكن ، إذ لا يسلمون عن الآفة ~~الثانية التي سنذكرها أصلا ، وإن سلموا عن هذه الآفة التي ذكرناها. # ولقد اعترض على بعض الكلمات المبثوثة في تصانيفنا في أسرار علوم الدين ~~طائفة من الذين لم تستحكم في العلوم سرائرهم ، ولم تنفتح إلى أقصى غايات ~~المذاهب بصائرهم ، وزعمت أن تلك الكلمات من كلام الأوائل ، مع أن بعضها من ~~مولدات الخواطر ولا يبعد أن يقع الحافر على الحافر ، وبعضها يوجد في الكتب ~~الشرعية ، وأكثرها موجود معناه في كتب الصوفية. وهب أنها لم توجد إلا في ~~كتبهم ، فإذا كان ذلك الكلام معقولا في نفسه ، مؤيدا بالبرهان ، ولم يكن ~~على مخالفة الكتاب والسنة ، فلم ينبغي أن يهجر ويترك؟ فلو فتحنا هذا الباب ~~، وتطرقنا إلى أن نهجر كل حق سبق إليه خاطر مبطل ، للزمنا أن نهجر كثيرا من ~~الحق ، ولزمنا أن نهجر جملة آيات من آيات القرآن ، وأخبار الرسول وحكايات ~~السلف ، وكلمات الحكماء والصوفية ، لأن صاحب كتاب" إخوان الصفا" أوردها في ~~كتابه مستشهدا ms714 بها ، ومستدرجا قلوب الحمقى بواسطتها إلى باطله ، ويتداعى ~~ذلك إلى أن يستخرج المبطلون الحق من أيدينا بإيداعهم إياه في كتبهم. وأقل ~~درجات العالم ، أن يتميز عن العامي الغمر ، فلا يعاف العسل ، وإن وجده في ~~محجمة الحجام ، ويتحقق أن المحجمة لا تغير ذات العسل ، فإن نفرة الطبع منه ~~مبنية على جهل عامي منشؤه أن المحجمة إنما صنعت للدم المستقذر ، فيظن أن ~~الدم مستقذر لكونه في المحجمة ، ولا يدرى أنه مستقذر لصفة في ذاته ، فإذا ~~عدمت هذه الصفة في العسل فكونه في ظرفه لا يكسبه تلك الصفة ، فلا ينبغي أن ~~يوجب له الاستقذار. وهذا وهم باطل ، وهو غالب على أكثر الخلق. فمهما نسبت ~~الكلام وأسندته إلى قائل حسن فيه اعتقادهم قبلوه وإن كان باطلا ، وإن ~~أسندته إلى من ساء فيه اعتقادهم ردوه وإن كان حقا. فأبدا يعرفون الرجال ~~بالحق ، وهو غاية الضلال! هذه آفة الراد. # 2 آفة القبول : فإن من نظر في كتبهم" كإخوان الصفا" وغيره ، فرأى ما ~~مزجوه بكلامهم من الحكم النبوية والكلمات الصوفية ، ربما استحسنها وقبلها ، ~~وحسن اعتقاده فيها ، فيسارع إلى قبول باطلهم الممزوج به لحسن ظن حصل فيما ~~رآه واستحسنه وذلك نوع استدراج إلى الباطل. # ولأجل هذه الآفة يجب الزجر عن مطالعة كتبهم لما فيها من الغدر والخطر. ~~وكما يجب صون من لا يحسن السباحة عن مزالق الشطوط ، يجب صون الخلق عن ~~مطالعة تلك الكتب. وكما يجب صون الصبيان عن مس الحيات ، يجب صون الأسماع عن ~~مختلط تلك الكلمات. وكما يجب على المعزم أن لا يمس الحية بين يدي ولده ~~الطفل ، إذا علم أنه سيقتدي به ويظن أنه مثله ، بل يجب عليه أن يحذره : بأن ~~يحذر هو في نفسه ولا يمسها بين يديه ، فكذلك يجب على العالم الراسخ مثله. ~~وكما أن المعزم الحاذق إذا أخذ الحية وميز بين الترياق والسم ، فاستخرج منه ~~الترياق وأبطل PageV01P547 # السم ، فليس له أن يشح بالترياق على المحتاج إليه. وكذلك الصراف الناقد ~~البصير ، إذا أدخل يده في كيس القلاب ، وأخرج منه الإبريز الخالص ، واطرح ~~الزيف ms715 والبهرج فليس له أن يشح بالجيد المرضي على من يحتاج إليه ، كذلك ~~العالم. وكما أن المحتاج إلى الترياق ، إذا اشمأزت نفسه منه ، حيث علم أنه ~~مستخرج من الحية التي هي مركز السم ، وجب تعريفه ؛ والفقير المضطر إلى ~~المال إذا نفر عن قبول الذهب المستخرج من كيس القلاب ، وجب تنبيهه على أن ~~نفرته جهل محض ، وهو سبب حرمانه عن الفائدة التي هي مطلبه ، وتحتم تعريفه ~~أن قرب الجوار بين الزيف والجيد لا يجعل الجيد زيفا كما لا يجعل الزيف جيدا ~~؛ فكذلك قرب الجوار بين الحق والباطل لا يجعل الحق باطلا ، كما لا يجعل ~~الباطل حقا. # فهذا مقدار ما أردنا ذكره من آفة الفلسفة وغائلتها. ### ||| * 3 القول في مذهب التعليم وغائلته # ثم إني فرغت من علم الفلسفة وتحصيله وتفهيمه وتزييف ما يزيف منه ، علمت ~~أن ذلك أيضا غير واف بكمال الغرض ، وأن العقل ليس مستقلا بالإحاطة بجميع ~~المطالب ، ولا كاشفا للغطاء عن جميع المعضلات. وكان قد نبغت نابغة ~~التعليمية ، وشاع بين الخلق تحدثهم بمعرفة معنى الأمور من جهة الإمام ~~المعصوم القائم بالحق ، عن لي أن أبحث عن مقالاتهم لأطلع على ما في كتبهم. ~~ثم اتفق أن ورد علي أمر جازم من حضرة الخلافة ، بتصنيف كتاب يكشف عن حقيقة ~~مذهبهم ، فلم يسعني مدافعته ، وصار ذلك مستحثا من خارج ، ضميمة للباعث ~~الأصلي من الباطن ، فابتدأت بطلب كتبهم وجمع مقالاتهم. وكان قد بلغني بعض ~~كلماتهم المستحدثة التي ولدتها خواطر أهل العصر لا على المنهاج المعهود من ~~سلفهم ، فجمعت تلك الكلمات ، ورتبتها ترتيبا محكما مقارنا للتحقيق ، ~~واستوفيت الجواب عنها ، حتى أنكر بعض أهل الحق مني مبالغتي في تقرير حجتهم ~~، وقال : «هذا سعي لهم ، فإنهم كانوا يعجزون عن نصرة مذهبهم بمثل هذه ~~الشبهات لو لا تحقيقك لها وترتيبك إياها» وهذا الإنكار من وجه حق ، فلقد ~~أنكر أحمد بن حنبل على الحارث المحاسبي رحمهما الله تصنيفه في الرد على ~~المعتزلة ، فقال الحارث : " الرد على البدعة فرض" فقال أحمد" نعم ، ولكن ~~حكيت شبهتهم أولا ثم أجبت عنها ، فبم تأمن ms716 أن يطالع الشبهة من يعلق ذلك ~~بفهمه ولا يلتفت إلى الجواب ، أو ينظر إلى الجواب ، ولا يفهم كنهه؟». # وما ذكره أحمد حق ، ولكن في شبهة لم تنشر ولم تشتهر ، فأما إذا انتشرت ، ~~فالجواب عنها واجب ولا يمكن الجواب عنها إلا بعد الحكاية. نعم ، ينبغي ألا ~~يتكلف إيرادها ، ولم أتكلف أنا ذلك ، بل كنت قد سمعت تلك الشبهة من واحد من ~~أصحابي المختلفين إلي ، بعد أن كان قد التحق بهم ، وانتحل مذهبهم ، وحكى ~~أنهم يضحكون على تصانيف المصنفين في الرد PageV01P548 # عليهم ، بأنهم لم يفهموا بعد حجتهم. وذكر تلك الحجة وحكاها عنهم. فلم أرض ~~لنفسي أن يظن في الغفلة عن أصل حجتهم ؛ فلذلك أوردتها ، ولا أن يظن بي أني ~~وإن سمعتها لم أفهمها ؛ فلذلك قررتها. # والمقصود أني قررت شبهتهم إلى أقصى الإمكان ، ثم أظهرت فسادها بغاية ~~البرهان. # والحاصل : أنه لا حاصل عند هؤلاء ، ولا طائل لكلامهم. ولو لا سوء نصرة ~~الصديق الجاهل ، لما انتهت تلك البدعة. مع ضعفها. إلى هذه الدرجة ؛ ولكن ~~شدة التعصب ، دعت الذابين عن الحق إلى تطويل النزاع معهم في مقدمات كلامهم ~~، وإلى مجادلتهم في كل ما نطقوا به ، فجادلوهم في دعواهم" الحاجة إلى ~~التعليم والمعلم" ودعواهم" لا يصلح كل معلم ، بل لا بد من معلم معصوم". # وظهرت حجتهم في إظهار الحاجة إلى التعليم وإلى المعلم ، وضعف قول ~~المنكرين في مقابلتهم ، فاغتر بذلك جماعة وظنوا أن ذلك من قوة مذهبهم ، ~~وضعف مذهب المخالفين لهم ، ولم يفهموا أن ذلك لضعف ناصر الحق وجهله بطريقه ~~؛ بل الصواب الاعتراف بالحاجة إلى المعلم ، وأنه لا بد وأن يكون المعلم ~~معصوما ؛ ولكن معلمنا المعصوم هو محمد عليه الصلاة والسلام ، فإذا قالوا : ~~" هو ميت" فنقول" ومعلمكم غائب" فإذا قالوا : " معلمنا قد علم الدعاة وبثهم ~~في البلاد وهو ينتظر مراجعتهم إن اختلفوا أو أشكل عليهم مشكل" ، فنقول : " ~~ومعلمنا قد علم الدعاة وبثهم في البلاد وأكمل التعليم إذ قال الله تعالى : ~~( @QUR@07 اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ) [سورة المائدة : ~~الآية 3] وبعد كمال التعليم لا يضر موت ms717 المعلم كما لا يضر غيبته. # فبقي قولهم : " كيف تحكمون فيما لم تسمعوه؟ أبا النص ولم تسمعوه ، أم ~~بالاجتهاد والرأي وهو مظنة الخلاف؟» فنقول : نفعل ما فعله معاذ إذ بعثه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن ، إذ كان يحكم بالنص عند وجود النص ~~وبالاجتهاد عند عدمه ؛ بل كما يفعله دعاتهم إذا بعدوا عن الإمام إلى أقاصي ~~البلاد ؛ إذ لا يمكنهم أن يحكموا بالنص ، فإن النصوص المتناهية لا تستوعب ~~الوقائع الغير المتناهية ، ولا يمكنهم الرجوع في كل واقعة إلى بلدة الإمام ~~، وإلى أن يقطع المسافة ويرجع فيكون المستفتي قد مات وفات الانتفاع ~~بالرجوع. فمن أشكلت عليه القبلة ليس له طريق إلا أن يصلي بالاجتهاد ، إذ لو ~~سافر إلى بلدة الإمام لمعرفة القبلة ، لفات وقت الصلاة ، فإذن جازت الصلاة ~~إلى غير القبلة بناء على الظن. ويقال" إن المخطئ في الاجتهاد له أجر واحد ~~وللمصيب أجران" فكذلك في جميع المجتهدات ، وكذلك أمر صرف الزكاة إلى الفقير ~~، وربما يظنه فقيرا باجتهاده وهو غني باطنا بإخفاء ماله ، ولا يكون هو ~~مؤخذا به وإن أخطأ ، لأنه لم يؤاخذ إلا بموجب ظنه. فإن قال : " ظن مخالفه ~~كظنه" فنقول" هو مأمور باتباع ظن نفسه ، كالمجتهد في القبلة يتبع ظن نفسه ~~وإن خالفه غيره" ، فإن قال : " فالمقلد يتبع أبا حنيفة أو الشافعي ~~رحمهما الله ، أم غيرهما" فأقول : " فالمقلد في القبلة عند الاشتباه ، إذا ~~اختلف عليه PageV01P549 # المجتهدون كيف يصنع"؟. فسيقول : " له مع نفسه اجتهاد في معرفته الأفضل ~~الأعلم بدلائل القبلة ، فيتبع ذلك الاجتهاد ، فكذلك في المذاهب". # فرد الخلق إلى الاجتهاد. ضرورة. الأنبياء والأئمة مع العلم بأنهم قد ~~يخطئون ، بل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنا أحكم بالظاهر والله ~~يتولى السرائر" أي : أنا أحكم بغالب الظن الحاصل من قول الشهود وربما أخطئ ~~فيه. ولا سبيل إلى الأمن من الخطأ للأنبياء في مثل هذه المجتهدات فكيف نطمع ~~في ذلك؟ # ولهم هاهنا سؤالان : أحدهما قولهم هذا : وإن صح في المجتهدات فلا يصح في ~~قواعد العقائد ، إذ المخطئ فيها غير معذور. ms718 فكيف السبيل إليه؟ فأقول : " ~~قواعد العقائد يشتمل عليها الكتاب والسنة وما وراء ذلك من التفصيل ، ~~والمتنازع فيه يعرف الحق فيه بالوزن بالقسطاس المستقيم ، وهي الموازين التي ~~ذكرها الله تعالى في كتابه ، وهي خمسة ذكرتها في كتاب القسطاس المستقيم". ~~فإن قال : " خصومك يخالفونك في ذلك الميزان" فأقول : " لا يتصور أن يفهم ~~ذلك الميزان ثم يخالف فيه ، إذ لا يخالف فيه أهل التعليم ، لأني استخرجته ~~من القرآن وتعلمته منه. ولا يخالف فيه أهل المنطق ، لأنه موافق لما شرطوه ~~في المنطق غير مخالف له. ولا يخالف فيه المتكلم ، لأنه موافق لما يذكره في ~~أدلة النظريات ، وبه يعرف الحق في الكلاميات». فإن قال : " فإن كان في يدك ~~مثل هذا الميزان ، فلم لا ترفع الخلاف بين الخلق؟ " فأقول" لو أصغوا إلي ~~لرفعت الخلاف بينهم ؛ وذكرت طريق رفع الخلاف في كتاب" القسطاس المستقيم" ~~فتأمله لتعلم إنه حق وأنه يرفع الخلاف قطعا لو أصغوا ، ولا يصغون إليه ~~بأجمعهم! بل قد أصغى إلي طائفة فرفعت الخلاف بينهم وإمامك يريد رفع الخلاف ~~بينهم مع عدم إصغائهم فلم لم يرفع إلى الآن؟ ولم لم يرفع علي رضي الله عنه ~~وهو رأس الأئمة؟ أو يدعي أنه يقدر على حمل كافتهم على الإصغاء قهرا ، فلم ~~لم يحملهم إلى الآن؟ ولأي يوم أجله؟ وهل حصل بين الخلق بسبب دعوته إلا ~~زيادة خلاف وزيادة مخالف؟ نعم! كان يخشى من الخلاف نوع من الضر لا ينتهي ~~إلى سفك الدماء ، وتخريب البلاد ، وإيتام الأولاد ، وقطع الطرق ، والإغارة ~~على الأموال. وقد حدث في العالم من بركات رفعكم الخلاف ما لم يكن بمثله ~~عهد" فإن قال : " ادعيت أنك ترفع الخلاف بين الخلق ولكن المتحير بين أهل ~~المذاهب المتعارضة والاختلافات المتقابلة لم يلزمه الإصغاء إليك دون خصمك ~~وأكثر الخصوم يخالفونك ولا فرق بينك وبينهم". # وهذا هو سؤالهم الثاني فأقول : هذا أولا ينقلب عليك ، فإنك إذا دعوت هذا ~~المتحير إلى نفسك فيقول المتحير : بم صرت أولى من مخالفيك وأكثر أهل العلم ~~يخالفونك؟ فليت شعري بما ذا تجيب! تجيب بأن تقول ms719 إمامي منصوص عليه؟ فمن ~~يصدقك في دعوى النص وهو لم يسمع النص من الرسول؟ وإنما لم يسمع دعواك مع ~~تطابق أهل العلم على اختراعك PageV01P550 # وتكذيبك. ثم هب أنه سلم لك النص ، فإن كان متحيرا في أصل النبوة فقال : ~~هب أن إمامك يدلي بمعجزة عيسى فيقول : الدليل على صدقي أني أحيي أباك ، ~~فأحياه فناطقني بأنه محق ، فبما ذا أعلم صدقه؟ ولم يعرف كافة الخلق صدق ~~عيسى بهذه المعجزة ، بل عليه من الأسئلة المشكلة ما لا يدفع إلا بدقيق ~~النظر العقلي ؛ والنظر العقلي لا يوثق به عندك ، ولا يعرف دلالة المعجزة ~~على الصدق ما لم يعرف السحر والتمييز بينه وبين المعجزة ، وما لم يعرف أن ~~الله لا يضل عباده. وسؤال الإضلال وعسر تحرير الجواب عنه مشهور. فبما ذا ~~تدفع جميع ذلك؟ ولم يكن إمامك أولى بالمتابعة من مخالفيه! فيرجع إلى الأدلة ~~النظرية التي تنكرها ، فخصمه يدلي بمثل تلك الأدلة وأوضح منها. # وهذا السؤال قد انقلب عليهم انقلابا عظيما ، لو اجتمع أولهم وآخرهم على ~~أن يجيبوا عنه جوابا لم يقدروا عليه. وإنما نشأ الفساد من جماعة من الضعفة ~~ناظروهم فلم يشتغلوا بالقلب بل بالجواب ؛ وذلك مما يطول فيه الكلام ، ولا ~~يسبق سريعا إلى الأفهام ، فلا يصلح للإفحام. # فإن قال قائل : " فهذا هو القلب فهل عنه جواب؟ " فأقول : نعم ، جوابه أن ~~المتحير لو قال أنا متحير ولم يعين المسألة التي هو متحير فيها ، يقال له : ~~أنت كمريض يقول أنا مريض ، ولا يذكر عين مرضه ، ويطلب علاجه ، فيقال له : ~~ليس في الوجود علاج للمرض المطلق ، بل لمرض معين من صداع أو إسهال أو ~~غيرهما. فكذلك المتحير ينبغي أن يعين ما هو متحير فيه ، فإن عين المسألة ~~عرفته الحق فيها بالوزن بالموازين الخمسة التي لا يفهمها أحد إلا ويعترف ~~بأنه الميزان الحق الذي يوثق بكل ما يوزن به ، فيفهم الميزان ، ويفهم أيضا ~~صحة الوزن ، كما يفهم متعلم الحساب نفس الحساب ، وكون المحاسب المعلم عالما ~~بالحساب وصادقا فيه. وقد أوضحت ذلك في كتاب" القسطاس المستقيم" في مقدار ms720 ~~عشرين ورقة ؛ فليتأمل!. # وليس المقصود الآن بيان فساد مذهبهم ، فقد ذكرت ذلك في كتاب المستظهري ~~أولا ، وفي كتاب حجة الحق ثانيا ؛ وهو جواب كلام لهم عرض علي ببغداد ، وفي ~~كتاب" مفصل الخلاف" الذي هو اثنا عشر فصلا ثالثا ؛ وهو جواب كلام عرض علي ~~بهمذان ؛ وفي كتاب" الدرج" المرقوم بالجداول رابعا ، وهو من ركيك كلامهم ~~الذي عرض علي بطوس ؛ وفي كتاب" القسطاس المستقيم" خامسا ، وهو كتاب مستقل ~~بنفسه مقصوده بيان ميزان العلوم وإظهار الاستغناء عن الإمام المعصوم لمن ~~أحاط به. # بل المقصود أن هؤلاء ليس معهم شيء من الشفاء المنجي من ظلمات الآراء ، بل ~~هم مع عجزهم عن إقامة البرهان على تعيين الإمام ، طال ما جاريناهم فصدقناهم ~~في الحاجة إلى التعليم وإلى المعلم المعصوم ، وأنه الذي عينوه ؛ ثم سألناهم ~~عن العلم الذي تعلموه من هذا المعصوم ، وعرضنا عليهم إشكالات فلم يفهموها ، ~~فضلا عن القيام بحلها ؛ فلما عجزوا أحالوا على الإمام الغائب وقالوا : إنه ~~لا بد من السفر إليه. والعجب أنهم ضيعوا عمرهم في طلب المعلم وفي التبجح ~~بالظفر به ، ولم يتعلموا منه شيئا أصلا ، PageV01P551 # كالمتضمخ بالنجاسة يتعب في طلب الماء حتى إذا وجده لم يستعمله وبقي ~~متضمخا بالخبائث. # ومنهم من ادعى شيئا من علمهم ، فكان حاصل ما ذكره شيئا من ركيك فلسفة ~~فيثاغورس ، وهو رجل من قدماء الأوائل ، ومذهبه أرك مذاهب الفلاسفة ، وقد رد ~~عليه أرسطاطاليس ، بل استرك كلامه واسترذله ؛ وهو المحكي في كتاب إخوان ~~الصفا ، وهو على التحقيق حشو الفلسفة. # فالعجب ممن يتعب طول العمر في طلب العلم ثم يقنع بمثل ذلك العلم الركيك ~~المستغث ، ويظن بأنه ظفر بأقصى مقاصد العلوم! فهؤلاء أيضا جربناهم وسبرنا ~~ظاهرهم وباطنهم ، فرجع حاصلهم إلى استدراج العوام وضعفاء العقول ببيان ~~الحاجة إلى المعلم ، ومجادلتهم في إنكارهم الحاجة إلى التعليم بكلام قوي ~~مفحم ، حتى إذا ساعدهم على الحاجة إلى المعلم مساعد وقال : هات علمه وأفدنا ~~من تعليمه! وقف وقال : الآن إذا سلمت لي هذا فاطلبه ، فإنما غرضي هذا القدر ~~فقط. إذ علم أنه لو زاد على ms721 ذلك لافتضح ولعجز عن حل أدنى الإشكالات ؛ بل ~~عجز عن فهمه فضلا عن جوابه. # فهذه حقيقة حالهم فاخبرهم تقلهم فلما خبرناهم نفضنا اليد عنهم أيضا. ### ||| * 4 طرق الصوفية # ثم إني فرغت من هذه العلوم أقبلت بهمتي على طريق الصوفية وعلمت أن ~~طريقتهم إنما تتم بعلم وعمل ؛ وكان حاصل عملهم قطع عقبات النفس ، والتنزه ~~عن أخلاقها المذمومة وصفاتها الخبيثة ، حتى يتوصل بها إلى تخلية القلب عن ~~غير الله تعالى وتحليته بذكر الله. # وكان العلم أيسر علي من العمل ، فابتدأت بتحصيل علمهم من مطالعة كتبهم ~~مثل قوت القلوب لأبي طالب المكي رحمه الله ، وكتب الحارث المحاسبي ، ~~والمتفرقات المأثورة عن الجنيد والشبلي وأبي يزيد البسطامي قدس الله ~~أرواحهم ، وغير ذلك من كلام مشايخهم ، حتى اطلعت على كنه مقاصدهم العلمية ، ~~وحصلت ما يمكن أن يحصل من طريقها بالتعلم والسماع ، فظهر لي أن أخص خواصهم ~~ما لا يمكن الوصول إليه بالتعلم بل بالذوق والحال وتبدل الصفات. وكم من ~~الفرق بين أن يعلم حد الصحة وحد الشبع وأسبابهما وشروطهما ، وبين أن يكون ~~صحيحا وشبعانا ، وبين أن يعرف حد السكر وأنه عبارة عن حالة تحصل من استيلاء ~~أبخرة تتصاعد من المعدة على معادن الفكر ، وبين أن يكون سكرانا. بل السكران ~~لا يعرف حد السكر ، وعلمه وهو سكران وما معه من علمه شيء ، والصاحي يعرف حد ~~السكر وأركانه وما معه من السكر شيء. والطبيب في حالة المرض يعرف حد الصحة ~~وأسبابها وأدويتها وهو فاقد الصحة. فكذلك فرق بين أن تعرف حقيقة الزهد ~~وشروطها وأسبابها ، وبين أن يكون حالك الزهد وعزوف النفس عن الدنيا. # فعلمت يقينا أنهم أرباب الأحوال لا أصحاب الأقوال ، وأن ما يمكن تحصيله ~~بطريق العلم فقد PageV01P552 # حصلته ، ولم يبق إلا ما لا سبيل إليه بالسماع والتعلم بل بالذوق والسلوك. ~~وكان قد حصل معي من العلوم التي مارستها والمسالك التي سلكتها في التفتيش ~~عن صنفي العلوم الشرعية والعقلية إيمان يقيني بالله تعالى وبالنبوة وباليوم ~~الآخر. فهذه الأصول الثلاثة من الإيمان كانت رسخت في نفسي لا بدليل معين ms722 ~~محرر بل بأسباب وقرائن وتجاريب لا تدخل تحت الحصر تفاصيلها. # وكان قد ظهر عندي أنه لا مطمع لي في سعادة الآخرة إلا بالتقوى وكف النفس ~~عن الهوى ، وأن رأس ذلك كله قطع علاقة القلب عن الدنيا بالتجافي عن دار ~~الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود ، والإقبال بكنه الهمة على الله تعالى ؛ ~~وأن ذلك لا يتم إلا بالإعراض عن الجاه والمال ، والهرب من الشواغل ~~والعلائق. # ثم لاحظت أحوالي ، فإذا أنا منغمس في العلائق وقد أحدقت بي من الجوانب ، ~~ولاحظت أعمالي وأحسنها التدريس والتعليم ، فإذا أنا فيها فيها مقبل على ~~علوم غير مهمة ولا نافعة في طريق الآخرة. ثم تفكرت في نيتي في التدريس ، ~~فإذا هي غير خالصة لوجه الله تعالى ، بل باعثها ومحركها طلب الجاه وانتشار ~~الصيت ، فتيقنت أني على شفا جرف هار ، وأني قد أشفيت على النار إن لم أشتغل ~~بتلافي الأحوال. # فلم أزل أتفكر فيه مدة وأنا بعد على مقام الاختيار ، أصمم العزم على ~~الخروج من بغداد ومفارقة تلك الأحوال يوما ، وأحل العزم يوما ، وأقدم فيه ~~رجلا وأؤخر عنه أخرى ، لا تصدق لي رغبة في طلب الآخرة بكرة إلا ويحمل عليها ~~جند الهوى حملة فتفترها عشية. فصارت شهوات الدنيا تجاذبني بسلاسلها إلى ~~المقام ، ومنادي الإيمان ينادي : الرحيل! الرحيل! فلم يبق من العمر إلا ~~قليل ، وبين يديك السفر الطويل ، وجميع ما أنت فيه من العلم والعمل رياء ~~وتخييل ، فإن لم تستعد الآن للآخرة فمتى تستعد؟ وإن لم تقطع الآن هذه ~~العلائق فمتى تقطع؟ فعند ذلك تنبعث الداعية ، وينجزم العزم على الهرب ~~والفرار. # ثم يعود الشيطان ويقول هذه حال عارضة إياك أن تطاوعها ، فإنها سريعة ~~الزوال ، فإن أذعنت لها وتركت هذا الجاه العريض ، والشأن المنظوم الخالي عن ~~التكدير والتنغيص ، والأمن المسلم الصافي عن منازعة الخصوم ، ربما التفتت ~~إليه نفسك ولا يتيسر لك المعاودة. # فلم أزل أتردد بين تجاذب شهوات الدنيا ودواعي الآخرة قريبا من ستة أشهر ، ~~أولها رجب سنة ثمان وثمانين وأربعمائة ؛ وفي هذا الشهر جاوز الأمر حد ~~الاختيار إلى الاضطرار ، إذ ms723 أقفل الله على لساني حتى اعتقل عن التدريس ، ~~فكنت أجاهد نفسي أن أدرس يوما واحدا تطييبا لقلوب المختلفين إلي ، فكان لا ~~ينطق لساني بكلمة واحدة ولا أستطيعها البتة ، حتى أورثت هذه العقلة في ~~لساني حزنا في القلب بطلت معه قوة الهضم ومراءة الطعام والشراب ، فكان لا ~~ينساغ لي ثريد ، ولا تنهضم لي لقمة ؛ وتعدى إلى ضعف القوى ، حتى قطع ~~الأطباء طمعهم من العلاج ، وقالوا : هذا أمر نزل بالقلب ومنه سرى إلى ~~المزاج ، فلا سبيل إليه بالعلاج ، إلا PageV01P553 # بأن يتراوح السر عن الهم الملم. # ثم لما أحسست بعجزي وسقط بالكلية اختياري ، التجأت إلى الله تعالى التجاء ~~المضطر الذي لا حيلة له ، فأجابني الذي يجيب المضطر إذا دعاه ، وسهل على ~~قلبي الإعراض عن الجاه والمال والأولاد والأصحاب ، وأظهرت عزم الخروج إلى ~~مكة وأنا أدبر في نفسي سفر الشام حذرا أن يطلع الخليفة وجملة الأصحاب على ~~عزمي في المقام بالشام ؛ فتلطفت بلطائف الحيل في الخروج من بغداد على عزم ~~ألا أعاودها أبدا. واستهدفت لأئمة أهل العراق كافة ، إذ لم يكن فيهم من ~~يجوز أن يكون الإعراض عما كنت فيه سببا دينيا ؛ إذ ظنوا أن ذلك هو المنصب ~~الأعلى في الدين وكان ذلك مبلغهم من العلم. # ثم ارتبك الناس في الاستنباطات ، وظن من بعد عن العراق أن ذلك كان ~~لاستشعار من جهة الولاة ؛ وأما من قرب من الولاة فكان يشاهد إلحاحهم في ~~التعلق بي والانكباب علي وإعراضي عنهم وعن الالتفات إلى قولهم ، فيقولون : ~~هذا أمر سماوي ، وليس له سبب إلا عين أصابت أهل الإسلام وزمرة العلم. ~~ففارقت بغداد ، وفرقت ما كان معي من المال ، ولم أدخر إلا قدر الكفاف وقوت ~~الأطفال ، ترخصا بأن مال العراق مرصد للمصالح لكونه وقفا على المسلمين ؛ ~~فلم أر في العالم ما لا يأخذه العالم لعياله أصلح منه. # ثم دخلت الشام وأقمت به قريبا من سنتين لا شغل لي إلا العزلة والخلوة ~~والرياضة والمجاهدة ، اشتغالا بتزكية النفس وتهذيب الأخلاق وتصفية القلب ~~لذكر الله تعالى ، كما كنت حصلته من علم الصوفية. ms724 وكنت أعتكف مدة في مسجد ~~دمشق أصعد منارة المسجد طول النهار وأغلق بابها على نفسي. # ثم رحلت منها إلى بيت المقدس ، أدخل كل يوم الصخرة وأغلق بابها على نفسي. ~~ثم تحركت في داعية فريضة الحج والاستمداد من بركات مكة والمدينة ، وزيارة ~~رسول الله تعالى عليه السلام بعد الفراغ من زيارة الخليل صلوات الله عليه ؛ ~~فسرت إلى الحجاز. # ثم جذبتني الهمم ودعوات الأطفال إلى الوطن ، فعاودته بعد أن كنت أبعد ~~الخلق عن الرجوع إليه ؛ فآثرت العزلة به أيضا حرصا على الخلوة وتصفية القلب للذكر. # وكانت حوادث الزمان ومهمات العيال وضرورات المعاش تغير في وجه المراد ، ~~وتشوش صفوة الخلوة. وكان لا يصفو لي الحال في أوقات متفرقة ؛ لكني مع ذلك ~~لا أقطع طمعي منها ، فتدفعني عنها العوائق وأعود إليها. فدمت على ذلك مقدار ~~عشر سنين ، وانكشف لي في أثناء هذه الخلوات أمور لا يمكن إحصاؤها ~~واستقصاؤها. والقدر الذي أذكره لينتفع به : أني علمت يقينا أن الصوفية هم ~~السابقون لطريق الله تعالى خاصة ، وأن سيرتهم أحسن السير ، وطريقهم أصوب ~~الطرق ، وأخلاقهم أزكى الأخلاق ؛ بل لو جمع عقل العقلاء ، وحكمة الحكماء ، وعلم PageV01P554 # الواقفين على أسرار الشرع من العلماء ، ليغيروا شيئا من سيرهم وأخلاقهم ~~ويبدلوه بما هو خير منه ، لم يجدوا إليه سبيلا ؛ فإن جميع حركاتهم وسكناتهم ~~، في ظاهرهم وباطنهم ، مقتبسة من نور مشكاة النبوة ؛ وليس وراء نور النبوة ~~على وجه الأرض نور يستضاء به. # وبالجملة فما ذا يقول القائلون في طريق طهارتها. هي أول شروطها. تطهير ~~القلب بالكلية عما سوى الله تعالى ، ومفتاحها الجاري منها مجرى التحريم من ~~الصلاة استغراق القلب بالكلية بذكر الله ، وآخرها الفناء بالكلية في الله ، ~~وهذا آخرها بالإضافة إلى ما لا يكاد يدخل تحت الاختيار والكسب من أوائلها ، ~~وهي على الحقيق أول الطريقة ، وما قبل ذلك كالدهليز للسالك إليه. # ومن أول الطريقة تبتدئ المشاهدات والمكاشفات ، حتى إنهم في يقظتهم ~~يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء ، ويسمعون منهم أصواتا ويقتبسون منهم ~~فوائد. ثم يترقى الحال من مشاهدة الصور والأمثال إلى درجات يضيق عنها ms725 نطاق ~~النطق ، فلا يحاول معبر أن يعبر عنها إلا اشتمل لفظه على خطأ صريح لا يمكنه ~~الاحتراز عنه. وعلى الجملة ينتهي الأمر إلى قرب يكاد يتخيل منه طائفة ~~الحلول وطائفة الاتحاد وطائفة الوصول وكل ذلك خطأ ، وقد بينا وجه الخطأ في ~~كتاب المقصد الأسنى. بل الذي لا بسته تلك الحالة لا ينبغي أن يزيد على أن يقول : # وكان ما كان مما لست أذكره %~% فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر!! # وبالجملة فمن لم يرزق منه شيئا بالذوق ، فليس يدرك من حقيقة النبوة إلا ~~الاسم ؛ وكرامات الأولياء على التحقيق هي بدايات الأنبياء ؛ وكان ذلك أول ~~حال رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث تبتل حين أقبل إلى جبل حراء حين كان ~~يخلو فيه بربه ويتعبد ، حتى قالت العرب" إن محمدا عشق ربه". وهذه حالة ~~يتحققها بالذوق من سلك سبيلها ، فمن يرزق الذوق فيتقنها بالتجربة والتسامع ~~إن أكثر معهم الصحبة ، حتى يفهم ذلك بقرائن الأحوال يقينا. ومن جالسهم ~~استفاد منهم هذا الإيمان ، فهم القوم لا يشقى جليسهم. ومن لم يرزق صحبتهم ~~فليعلم إمكان ذلك يقينا بشواهد البرهان على ما ذكرناه في كتاب" عجائب ~~القلب" من كتب" إحياء علوم الدين". # والتحقيق بالبرهان علم ، وملابسة عين تلك الحالة ذوق ، والقبول من ~~التسامح والتجربة بحسن الظن إيمان ؛ فهذه ثلاث درجات ( @QUR@09 يرفع الله ~~الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ) [المجادلة : 11] ووراء هؤلاء ~~قوم جهال ، هم المنكرون لأصل ذلك ، المتعجبون من هذا الكلام ، يستمعون ~~ويسخرون ويقولون : العجب! إنهم كيف يهذون! وفيهم قال الله تعالى ( @QUR@025 ~~ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ما ذا ~~قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم ) [محمد : 16] ~~فأصمهم وأعمى أبصارهم. # ومما بان لي بالضرورة من ممارسة طريقتهم حقيقة النبوة وخاصيتها ولا بد من ~~التنبيه على أصلها لشدة مسيس الحاجة إليها. PageV01P555 ### ||| * حقيقة النبوة واضطرار كافة الخلق إليها # اعلم أن جوهر الإنسان في أصل الفطرة خلق خاليا ساذجا لا خبر معه عوالم ~~الله تعالى ، والعوالم كثيرة ms726 لا يحصيها إلا الله تعالى كما قال ( @QUR@06 ~~وما يعلم جنود ربك إلا هو ) [المدثر : 31] وإنما خبره عن العوالم بواسطة ~~الإدراك ، وكل إدراك من الإدراكات خلق ليطلع الإنسان به على عالم من ~~الموجودات ، ونعني بالعوالم أجناس الموجودات. # فأول ما يخلق في الإنسان حاسة اللمس ، فيدرك بها أجناسا من الموجودات ~~كالحرارة والبرودة ، والرطوبة واليبوسة ، واللين والخشونة وغيرها. واللمس ~~قاصر عن الألوان والأصوات قطعا ، بل هي كالمعدومة في حق اللمس. # ثم تخلق له حاسة البصر ، فيدرك بها الألوان والأشكال ؛ وهو أوسع عوالم ~~المحسوسات. # ثم ينفخ فيه السمع ، فيسمع الأصوات والنغمات. # ثم يخلق له الذوق. وكذلك إلى أن يجاوز عالم المحسوسات ، فيخلق فيه ~~التمييز وهو قريب من سبع سنين ، وهو طور آخر من أطوار وجوده ، فيدرك فيه ~~أمورا زائدة على عالم المحسوسات ، لا يوجد منها شيء في عالم الحس. # ثم يترقى إلى طور آخر ، فيخلق له العقل ، فيدرك الواجبات والجائزات ~~والمستحيلات ، وأمورا لا توجد في الأطوار التي قبله. ووراء العقل طور آخر ~~تنفتح فيه عين أخرى يبصر بها الغيب وما سيكون في المستقبل ، وأمورا أخرى ~~العقل معزول عنها كعزل قوة التمييز عن إدراك المعقولات ، وكعزل قوة الحس عن ~~مدركات التمييز. وكما أن المميز لو عرضت عليه مدركات العقل لأباها ~~واستبعدها ، فكذلك بعض العقلاء أبى مدركات النبوة واستبعدها ؛ وذلك عين ~~الجهل ، إذ لا مستند له إلا أنه طور لم يبلغه ولم يوجد في حقه ، فيظن أنه ~~غير موجود في نفسه. والأكمه لو لم يعلم بالتواتر والتسامع الألوان والأشكال ~~، وحكي لو ذلك ابتداء ، لم يفهمها ولم يقر بها. وقد قرب الله تعالى ذلك على ~~خلقه بأن أعطاهم أنموذجا من خاصية النبوة وهو النوم ، إذ النائم يدرك ما ~~سيكون من الغيب إما صريحا وإما في كسوة مثال يكشف عنه التعبير. وهذا لو لم ~~يجربه الإنسان من نفسه وقيل له : " إن من الناس من يسقط مغشيا عليه كالميت ~~ويزول عنه إحساسه وسمعه وبصره فيدرك الغيب" لأنكره ، وأقام البرهان على ~~استحالته وقال : القوى الحساسة أسباب الإدراك ، فمن لا يدرك ms727 الأشياء مع ~~وجودها وحضورها ، فبأن لا يدركها مع ركودها أولى وأحق. وهذا نوع قياس يكذبه ~~الوجود والمشاهدة ؛ فكما أن العقل طور من أطوار الآدمي يحصل فيه عين يبصر ~~بها أنواعا من المعقولات ، والحواس معزولة عنها ، فالنبوة أيضا عبارة عن ~~طور يحصل فيه عين لها نور يظهر في نورها الغيب ، وأمور لا يدركها العقل. # والشك في النبوة إما أن يقع في إمكانها ، أو في وجودها ووقوعها ، أو في حصولها PageV01P556 # لشخص معين. ودليل إمكانها وجودها ، ودليل وجودها وجود معارف في العالم لا ~~يتصور أن تنال بالعقل كعلمي الطب والنجوم ؛ فإن من بحث عنها علم بالضرورة ~~أنها لا تدرك إلا بإلهام إلهي وتوفيق من جهة الله تعالى ، ولا سبيل إليها ~~بالتجربة ؛ فمن الأحكام النجومية ما لا يقع إلا في كل ألف سنة مرة ، فكيف ~~ينال ذلك بالتجربة؟ وكذلك خواص الأدوية. فتبين بهذا البرهان أن الإمكان ~~وجود طريق لإدراك هذه الأمور التي لا يدركها العقل ؛ وهو المراد بالنبوة ، ~~لا أن النبوة عبارة عنها فقط ، بل إدراك هذا الجنس الخارج عن مدركات العقل ~~إحدى خواص النبوة ، ولها خواص كثيرة سواها ؛ وما ذكرناه قطرة من بحرها ، ~~وإنما ذكرناها لأن معك أنموذجا منها وهو مدركاتك في النوم ، ومعك علوم من ~~جنسها في الطب والنجوم ، وهي معجزات الأنبياء ولا سبيل إليها للعقلاء ~~ببضاعة العقل أصلا. # وأما ما عدا من خواص النبوة إنما يدرك بالذوق من سلوك طريق التصوف ؛ لأن ~~هذا إنما فهمته بأنموذج رزقته وهو النوم ، ولولاه لما صدقت به. فإن كان ~~للنبي خاصة ليس لك منها أنموذج فلا تفهمها أصلا ، فكيف تصدق بها؟ وإنما ~~التصديق بعد الفهم ؛ وذلك الأنموذج يحصل في أوائل طريق التصوف ، فيحصل به ~~نوع من الذوق بالقدر الحاصل ، ونوع من التصديق بما لم يحصل بالقياس إليه. ~~هذه الخاصية الواحدة تكفيك للإيمان بأصل النبوة. # فإن وقع لك الشك في شخص معين أنه نبي أم لا ، فلا يحصل اليقين إلا بمعرفة ~~أحواله ، إما بالمشاهدة أو بالتواتر والتسامع ، فإنك إذا عرفت الطب والفقه ~~يمكنك أن تعرف الفقهاء ms728 والأطباء بمشاهدة أحوالهم وسماع أقوالهم وإن لم ~~تشاهدهم ، ولا تعجز أيضا عن معرفة كون الشافعي رحمه الله فقيها ، وكون ~~جالينوس طبيبا ، معرفة بالحقيقة لا بالتقليد عن الغير ، بل بأن تتعلم شيئا ~~من الفقه والطب وتطالع كتبهما وتصانيفهما ، فيحصل لك علم ضروري بحالهما. ~~فكذلك إذا فهمت معنى النبوة فأكثرت النظر في القرآن والأخبار يحصل لك العلم ~~الضروري بكونه صلى الله عليه وسلم على أعلى درجات النبوة ، وعضد ذلك بتجربة ما ~~قاله في العبادات وتأثيرها في تصفية القلوب ، وكيف صدق في قوله : " من عمل ~~بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم" وكيف صدق في قوله : " من أعان ظالما ~~سلطه الله عليه" وكيف صدق في قوله : " من أصبح وهمومه هم واحد كفاه الله ~~تعالى هموم الدنيا والآخرة" فإذا جربت ذلك في ألف وألفين وآلاف حصل لك علم ~~ضروري لا تتمارى فيه. # فمن هذا الطريق اطلب اليقين بالنبوة ، لا من قلب العصا ثعبانا وشق القمر ~~، فإن ذلك إذا نظرت إليه وحده ولم تنضم إليه القرائن الكثيرة الخارجة عن ~~الحصر ، ربما ظننت أنه سحر وتخييل ، وأنه من الله إضلال فإنه ( @QUR@06 يضل ~~من يشاء ويهدي من يشاء ) [فاطر : 8]. # وترد عليه أسئلة المعجزات ، فإن كان مستندا إيمانك إلى كلام منظوم في وجه ~~دلالة المعجزة ، فينجزم إيمانك بكلام مرتب في وجه الإشكال والشبهة عليها ؛ ~~فليكن مثل هذه الخوارق إحدى الدلائل والقرائن في جملة نظرك ، حتى يحصل لك ~~علم ضروري لا يمكنك ذكر مستنده على PageV01P557 # التعيين ، كالذي يخبره جماعة بخبر متواتر لا يمكنه أن يذكر أن اليقين ~~مستفاد من قول واحد معين بل من حيث لا يدري ، ولا يخرج عن جملة ذلك ولا ~~بتعيين الآحاد ؛ فهذا هو الإيمان القوي العلمي. وأما الذوق فهو كالمشاهدة ~~والأخذ باليد ، ولا يوجد إلا في طريق الصوفية. # فهذا القدر من حقيقة النبوة كاف في الغرض الذي أقصده الآن ، وسأذكر وجه ~~الحاجة إليه. ### ||| * سبب نشر العلم بعد الإعراض عنه # ثم إني لما واظبت على العزلة والخلوة قريبا من عشر سنين ، وبان لي في ~~أثناء ms729 ذلك على الضرورة من أسباب لا أحصيها ، مرة بالذوق ، ومرة بالعلم ~~البرهاني ، ومرة بالقبول الإيماني : أن الإنسان خلق من بدن وقلب ، وأعني ~~بالقلب حقيقة روحه التي هي محل معرفة الله ، دون اللحم والدم الذي يشارك ~~فيه الميت والبهيمة ، وأن البدن له صحة بها سعادته ومرض فيها هلاكه ، وأن ~~القلب كذلك له صحة وسلامة ، ولا ينجو ( @QUR@06 إلا من أتى الله بقلب سليم ~~) [الشعراء : 89] وله مرض فيه هلاكه الأبدي الأخروي ، كما قال تعالى ( ~~@QUR@03 في قلوبهم مرض ) [البقرة : 10 ، والمائدة : 52 ، والأنفال : 49 ، ~~والتوبة : 125 ، والحج : 53 ، والأحزاب : 12 ، 60 ، ومحمد : 20 ، 29 ، ~~والمدثر : 31. ] وأن الجهل بالله سم مهلك ، وأن معصية الله بمتابعة الهوى ~~داؤه الممرض ، وأن معرفة الله تعالى ترياقه المحيي ، وطاعته بمخالفة الهوى ~~دواؤه الشافي ، وأنه لا سبيل إلى معالجته بإزالة مرضه وكسب صحته إلا بأدوية ~~، كما لا سبيل إلى معالجة البدن إلا بذلك. وكما أن أدوية البدن تؤثر في كسب ~~الصحة بخاصية فيها ، لا يدركها العقلاء ببضاعة العقل ، بل يجب فيها تقليد ~~الأطباء الذين أخذوها من الأنبياء ، الذين اطلعوا بخاصية النبوة على خواص ~~الأشياء ، فكذلك بان لي ، على الضرورة ، أن أدوية العبادات بحدودها ~~ومقاديرها المحدودة المقدرة من جهة الأنبياء ، لا يدرك وجه تأثيرها ببضاعة ~~عقل العقلاء ، بل يجب فيها تقليد الأنبياء الذين أدركوا تلك الخواص بنور ~~النبوة لا ببضاعة العقل. وكما أن الأدوية تركبت من أخلاط مختلفة ، وبعضها ~~ضعف البعض في الوزن والمقدار ، فلا يخلو اختلاف مقاديرها عن سر هو من قبيل ~~الخواص ، فكذلك العبادات التي هي أدوية داء القلوب ، مركبة من أفعال مختلفة ~~النوع والمقدار ، حتى أن السجود ضعف الركوع ، وصلاة الصبح نصف صلاة العصر ~~في المقدار ، ولا يخلو عن سر من الأسرار ، هو من قبيل الخواص التي لا يطلع ~~عليها إلا بنور النبوة. ولقد تحامق وتجاهل جدا من أراد أن يستنبط بطريق ~~العقل لها حكمة ، أو ظن أنها ذكرت على سبيل الاتفاق ، لا عن سر إلهي فيها ~~يقتضيها بطريق الخاصية. وكما أن في الأدوية أصولا هي أركانها ، وزوائد ms730 هي ~~متمماتها ، لكل واحد منها خصوص تأثير في أعمال أصولها ، كذلك النوافل ~~والسنن متممات لتكميل آثار أركان العبادات. # وعلى الجملة : فالأنبياء أطباء أمراض القلوب ، وإنما فائدة العقل وتصرفه ~~إن عرفنا ذلك ، ويشهد للنبوة بالتصديق ولنفسه بالعجز عن درك ما يدرك بعين ~~النبوة ، وأخذ بأيدينا وسلمنا إليها تسليم العميان إلى القائدين ، وتسليم ~~المرضى المتحيرين إلى الأطباء المشفقين. وإلى هاهنا PageV01P558 # مجرى العقل ومخطاه وهو معزول عما بعد ذلك ، إلا عن تفهم ما يلقيه الطبيب ~~إليه. فهذه أمور عرفناها بالضرورة الجارية مجرى المشاهدة ، في مدة الخلوة ~~والعزلة. # ثم رأينا فتور الاعتقادات في أصل النبوة ، ثم في حقيقة النبوة ، ثم في ~~العمل بما شرحته النبوة ، وتحققنا شيوع ذلك بين الخلق ؛ فنظرت إلى أسباب ~~فتور الخلق ، وضعف إيمانهم ، فإذا هي أربعة : # 1 سبب من الخائضين في علم الفلسفة. # 2 وسبب من الخائضين في طرق التصوف. # 3 وسبب من المنتسبين إلى دعوى التعليم. # 4 وسبب من معاملة الموسومين بالعلم بين الناس. # فإني تتبعت مدة آحاد الخلق ، أسأل من يقصر منهم في متابعة الشرع ، وأسأله ~~عن شبهته وأبحث عن عقيدته وسره ، وقلت له : " ما لك تقصر فيها؟ فإن كنت ~~تؤمن بالآخرة ولست تستعد لها وتبيعها بالدنيا ، فهذه حماقة! فإنك لا تبيع ~~الاثنين بواحد ، فكيف تبيع ما لا نهاية له بأيام معدودة؟ وإن كنت لا تؤمن ، ~~فأنت كافر ، فدبر نفسك في طلب الإيمان ، وانظر ما سبب كفرك الخفي الذي هو ~~مذهبك باطنا ، وهو سبب جرأتك ظاهرا ، وإن كنت لا تصرح به تجملا بالإيمان ~~وتشرفا بذكر الشرع! ". # فقائل يقول : هذا أمر لو وجبت المحافظة عليه ، لكان العلماء أجدر بذلك ، ~~وفلان من المشاهير بين الفضلاء لا يصلي ، وفلان يشرب الخمر ، وفلان يأكل ~~أموال الأوقاف وأموال اليتامى ، وفلان يأكل إدرار السلطان ولا يحترز عن ~~الحرام ، وفلان يأخذ الرشوة على القضاء والشهادة! وهلم إلى أمثاله ... # وقائل ثان يدعي علم التصوف ، ويزعم أنه قد بلغ مبلغا ترقى عن الحاجة إلى ~~العبادة وقائل ثالث يتعلل بشبهة أخرى من شبهات أهل الإباحة! وهؤلاء هم ~~الذين ms731 ضلوا عن التصوف. # وقائل رابع لقي أهل التعليم فيقول : " الحق مشكل ، والطريق إليه منسد ، ~~والاختلاف فيه كثير ، وليس بعض المذاهب أولى من بعض ، وأدلة العقول متعارضة ~~، فلا ثقة برأي أهل الرأي ، والداعي إلى التعليم متحكم لا حجة له ، فكيف ~~أدع اليقين بالشك؟ ". # وقائل خامس يقول : " لست أفهل هذا تقليدا ، ولكني قرأت علم الفلسفة ، ~~وأدركت حقيقة النبوة ، وأن حاصلها يرجع إلى الحكمة والمصلحة ، وأن المقصود ~~من تعبداتها ضبط عوام الخلق وتقيدهم عن التقاتل والتنازع والاسترسال في ~~الشهوات ؛ فما أنا من العوام الجهال حتى أدخل في حجر التكليف ، وإنما أنا ~~من الحكماء اتبع الحكمة وأنا بصير بها مستغن فيها عن التقليد!؟. PageV01P559 # هذا منتهى إيمان من قرأ مذهب فلسفة الإلهيين منهم ، وتعلم ذلك من كتب ابن ~~سينا وأبي نصر الفارابي هؤلاء هم المتجملون بالإسلام. وربما ترى الواحد ~~منهم يقرأ القرآن ، ويحضر الجماعات والصلوات ، ويعظم الشريعة بلسانه ، ~~ولكنه مع ذلك لا يترك شرب الخمر ، وأنواعا من الفسق والفجور! وإذا قيل له" ~~إذا كانت النبوة غير صحيحة فلم تصلي؟ " فربما يقول : " لرياضة الجسد ، ~~ولعادة أهل البلد ، وحفظ المال والولد! " وربما قال" الشريعة صحيحة ، ~~والنبوة حق" فيقال : فلم تشرب الخمر؟ فيقول : إنما نهي عن الخمر لأنها تورث ~~العداوة والبغضاء ، وأنا بحكمتي محترز عن ذلك ، وإني أقصد به تشحيذ خاطري". ~~حتى إن ابن سينا ذكر في وصية له كتب فيها : أنه عاهد الله تعالى على كذا ~~وكذا ، وأن يعظم الأوضاع الشرعية ، ولا يقصر في العبادات الدينية ولا يشرب ~~تلهيا بل تداويا وتشافيا ، فكان منتهى حالته في صفاء الإيمان والتزام ~~العبادات ، أن استثنى الخمر لغرض التشافي. # فهذا إيمان من يدعي الإيمان منهم. وقد انخدع بهم جماعة ، زادهم انخداعهم ~~ضعف اعتراض المعترضين عليهم ، إذ اعترضوا بمجاحدة علم الهندسة والمنطق ، ~~وغير ذلك مما هو ضروري لهم ، على ما بينا علته من قبل. # فلما رأيت أصناف الخلق قد ضعف إيمانهم إلى هذا الحد بهذه الأسباب ، ورأيت ~~نفسي لازمة مجتهدة ملبة بكشف هذه الشبهة ، حتى كان فضح هؤلاء أيسر عندي من ~~شربة ms732 ماء لكثرة خوضي في علومهم وطرقهم ، أعني طرق الصوفية والفلاسفة ~~والتعليمية والمتوسمين من العلماء ، انقدح فو نفسي أن ذلك متعين في الوقت ~~محتوم. فما ذا تغنيك الخلوة والعزلة وقد عم الداء ، ومرض الأطباء ، وأشرف ~~الخلق على الهلاك؟ ثم قلت في نفسي : متى تشتغل أنت بكشف هذه الغمة ومصادمة ~~هذه الظلمة ، والزمان زمان الفترة ، والدور دور الباطل؟ ولو اشتغلت بدعوة ~~الخلق عن طرقهم إلى الحق لعاداك أهل الزمان في جمعهم. وأنى تقاومهم ، فكيف ~~تعايشهم ، ولا يتم ذلك إلا بزمان مساعد وسلطان متدين قاهر؟ فترخصت بيني ~~وبين الله تعالى بالاستمرار على العزلة ، تعللا بالعجز عن إظهار الحق ~~بالحجة ؛ فقدر الله تعالى أن حرك داعية سلطان الوقت من نفسه لا بتحريك من ~~خارج ؛ فأمر أمر إلزام بالنهوض إلى نيسابور لتدارك هذه الفتنة ، وبلغ ~~الإلزام حدا كاد ينتهي لو أصررت على الخلاف إلى حد الوحشة ، فخطر لي أن سبب ~~الرخصة قد ضعف ، فلا ينبغي أن يكون باعثك على ملازمة العزلة الكسل ~~والاستراحة ، وطلب عز النفس وصونها عن أذى الخلق ، ولم ترخص نفسك لعسر ~~مقاساة الخلق ، والله تعالى يقول : بسم الله الرحمن الرحيم ( @QUR@022 الم ~~أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من ~~قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ) [العنكبوت : 1 ، 2 ، 3]. # ويقول عز وجل لرسوله وهو أعز خلقه ( @QUR@022 ولقد كذبت رسل من قبلك ~~فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد ~~جاءك من نبإ المرسلين ) [الأنعام : 34] PageV01P560 # ويقول عز وجل : بسم الله الرحمن الرحيم ( @QUR@062 يس ، والقرآن الحكيم ، ~~إنك لمن المرسلين ، على صراط مستقيم ، تنزيل العزيز الرحيم ، لتنذر قوما ما ~~أنذر آباؤهم فهم غافلون ، لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون ، إنا ~~جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون ، وجعلنا من بين ~~أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون ، وسواء عليهم أأنذرتهم ~~أم لم تنذرهم لا يؤمنون ، إنما تنذر من اتبع الذكر ) [يس : 1. 11] فشاورت ~~في ذلك جماعة من أرباب القلوب ms733 والمشاهدات ، فاتفقوا على الإشارة بترك ~~العزلة والخروج من الزاوية ، وانضاف إلى ذلك منامات من الصالحين كثيرة ~~متواترة تشهد بأن هذه الحركة مبدأ خير ورشد ، قدرها الله سبحانه على رأس ~~هذه المائة ، وقد وعد الله سبحانه بإحياء دينه على رأس كل مائة ؛ فاستحكم ~~الرجاء ، وغلب حسن الظن بسبب هذه الشهادات ، ويسر الله تعالى الحركة إلى ~~نيسابور للقيام بهذا المهم في ذي القعدة سنة تسع وتسعين وأربعمائة. وكان ~~الخروج من بغداد في ذي القعدة سنة ثمان وثمانين وأربعمائة ، وبلغت مدة ~~العزلة إحدى عشرة سنة ، وهذه حركة قدرها الله تعالى ، وهي من عجائب ~~تقديراته التي لم يكن لها انقداح في القلب في هذه العزلة ، كما لم يكن ~~الخروج من بغداد والنزوع عن تلك الأحوال مما يخطر إمكانه أصلا بالبال والله ~~تعالى مقلب القلوب والأحوال و" قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن" ~~وأنا أعلم أني وإن رجعت إلى نشر العلم فما رجعت ، فإن الرجوع عود إلى ما ~~كان ، وكنت في ذلك الزمان أنشر العلم الذي يكسب الجاه ، وأدعو إليه بقولي ~~وعملي ، وكان ذلك قصدي ونيتي ؛ وأما الآن فأدعو إلى العلم الذي به يترك ~~الجاه ، ويعرف به سقوط رتبة الجاه. # هذا الآن هو نيتي وقصدي وأمنيتي ، يعلم الله ذلك مني ، وأنا أبغي أن أصلح ~~نفسي وغيري ، ولست أدري أأصل إلى مرادي ، أم أخترم دون غرضي؟ ولكني أومن ~~إيمان يقين ومشاهدة أنه لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، وأني لم ~~أتحرك لكنه حركني ، وأني لم أعمل لكنه استعملني ، فأسأله أن يصلحني أولا ، ~~ثم يصلح بي ويهديني ، ثم يهدي بي ؛ وأن يريني الحق حقا ويرزقني اتباعه ، ~~ويريني الباطل باطلا ويرزقني اجتنابه. # ونعود الآن إلى ما ذكرناه من أسباب ضعف الإيمان فيمن ذكر بذكر طريق ~~إرشادهم وإنقاذهم من مهالكهم : # أما الذين ادعوا الحيرة بما سمعوه من أهل التعليم ، فعلاجه ما ذكرناه في ~~كتاب" القسطاس المستقيم" ولا نطول بذكره في هذه الرسالة. # وأما ما توهمه أهل الإباحة ، فقد حصرنا شبههم في سبعة أنواع وكشفناها في ~~كتاب" ms734 كيمياء السعادة". # وأما من فسد إيمانه بطريق الفلسفة حتى أنكر أصل النبوة ، فقد ذكرنا حقيقة ~~النبوة ووجودها بالضرورة ، بدليل وجود علم خواص الأدوية والنجوم وغيرهما ، ~~وإنما قدمنا هذه المقدمة لأجل ذلك ، وإنما أوردنا الدليل من خواص الطب ~~والنجوم لأنه من نفس علمهم. ونحن نبين لكل عالم PageV01P561 # بفن من العلوم ، كالنجوم والطب والطبيعة والسحر والطلسمات مثلا من نفس ~~علمه برهان النبوة. # وأما من أثبت النبوة بلسانه وسوى أوضاع الشرع على الحكمة ، فهو على ~~التحقيق كافر بالنبوة ، مؤمن بحكم له طابع مخصوص ، يقتضي طابعه أن يكون ~~متبوعا ؛ وليس هذا من النبوة في شيء ، بل الإيمان بالنبوة أن يقر بإثبات ~~طور وراء العقل تنفتح فيه عين يدرك بها مدركات خاصة والعقل معزول عنها ، ~~كعزل السمع عن إدراك الألوان ، والبصر عن إدراك الأصوات ، وجميع الحواس عن ~~إدراك المعقولات ؛ فإن لم يجوز هذا ، فقد أقمنا البرهان على إمكانه بل على ~~وجوده ، وإن جوز هذا ، فقد أثبت أن هاهنا أمورا تسمى خواص لا يدور تصرف ~~العقل حواليها أصلا ، بل يكاد العقل يكذبها ويقضي باستحالتها ؛ فإن وزن ~~دانق من الأفيون سم قاتل ، لأنه يجمد الدم في العروق لفرط برودته. والذي ~~يدعي علم الطبيعة ، يزعم أن ما يبرد من المركبات إنما يبرد بعنصري الماء ~~والتراب ، فهما العنصران الباردان. ومعلوم أن أرطالا من الماء والتراب لا ~~يبلغ تبريدها في الباطن إلى هذا الحد ، فلو أخبر طبيعي بهذا ولم يجربه لقال ~~: " هذا محال ، والدليل على استحالته أن فيه نارية وهوائية والهوائية ~~والنارية لا تزيد بها برودة ، فنقدر الكل ماء وترابا فلا يوجب هذا الإفراط ~~بالتبريد ، فإن انضم إليه حاران فبأن لا يوجب أولى". ويقدر هذا برهانا. ~~وأكثر براهين الفلاسفة في الطبيعيات والإلهيات مبني على هذا الجنس ، فإنهم ~~تصوروا الأمور على قدر ما وجدوه وعقلوه. وما لم يألفوه قدروا استحالته. ولو ~~لم تكن الرؤيا الصادقة مألوفة ، وادعى مدع أنه عند ركود الحواس يعلم الغيب ~~، لأنكره المتصفون بمثل هذه العقول. ولو قيل لواحد : " هل يجوز أن يكون في ~~الدنيا شيء هو بمقدار ms735 حبة يوضع في بلدة ليأكل تلك البلدة بجملتها ثم يأكل ~~نفسه ، فلا يبقي شيئا من البلدة وما فيها ولا يبقى هو في نفسه"؟ لقال : " ~~هذا محال وهو من جملة الخرافات! " وهذه حالة النار ينكرها من لم ير النار ~~إذا سمعها ؛ وأكثر إنكار عجائب الآخرة هو من هذا القبيل. فنقول للطبيعي : " ~~قد اضطررت إلى أن تقول : في الأفيون خاصية في التبريد ليس على قياس المعقول ~~بالطبيعة ، فلم لا يجوز أن يكون في الأوضاع الشرعية من الخواص في مداواة ~~القلوب وتصفيتها ما لا يدرك بالحكمة العقلية ، بل لا يبصر ذلك إلا بعين ~~النبوة؟ " بل قد اعترفوا بخواص هي أعجب من هذا فيما أوردوه في كتبهم ، وهي ~~من الخواص العجيبة المجربة في معالجة الحامل التي عسر عليها الطلق بهذا ~~الشكل : # يكتب على خرقتين لم يصبهما ماء ، وتنظر إليهما الحامل بعينها ، وتضعهما ~~تحت قدميها ، فيسرع الولد في الحال إلى الخروج. وقد أقروا بإمكان ذلك ~~وأوردوه في كتاب" عجائب الخواص" وهو شكل فيه تسعة بيوت يرقم فيها رقوم ~~مخصوصة ، يكون مجموع ما في جدول واحد خمسة عشر ، قرأته في طول الشكل أو في ~~عرضه أو جوانبه. # فيا ليت شعري! من يصدق بذلك ثم لا يتسع عقله للتصديق بأن تقدير صلاة ~~الصبح بركعتين ، PageV01P562 # والظهر بأربع ، والمغرب بثلاث ، هي لخواص غير معلومة بنظر الحكمة؟ وسببها ~~اختلاف هذه الأوقات ؛ وإنما تدرك هذه الخواص بنور النبوة. والعجب أنا لو ~~غيرنا العبارة إلى عبارة المنجمين لعللوا اختلاف هذه الأوقات ، فنقول : " ~~أليس يختلف الحكم في الطالع بأن تكون الشمس في وسط السماء ، أو في الطالع ~~أو في الغارب ، حتى يبنوا على هذا في تسييراتهم اختلاف العلاج وتفاوت ~~الأعمار والآجال ، ولا فرق بين الزوال وبين كون الشمس في وسط السماء ، وبين ~~المغرب وبين كون الشمس في الغارب ، فهل لتصديقه سبيل؟ " إلا أن ذلك يسمعه ~~بعبارة المنجم ، لعله جرب كذبه مائة مرة ؛ ولا يزال يعاود تصديقه ، حتى لو ~~قال المنجم له : إذا كانت الشمس في وسط السماء ، ونظر إليها الكوكب الفلاني ~~، والطالع هو ms736 البرج الفلاني ، فلبست ثوبا جديدا في ذلك الوقت ، قتلت في ذلك ~~الثوب! فإنه لا يلبس الثوب في ذلك الوقت ، وربما يقاسي فيه البرد الشديد ، ~~وربما سمعه من منجم وقد عرف كذبه مرات. # فليت شعري! من يتسع عقله لقبول هذه البدائه ويضطر إلى الاعتراف بأنها ~~خواص ، معرفتها معجزة لبعض الأنبياء ، فكيف ينكر مثل ذلك فيما يسمعه من قول ~~نبي صادق مؤيد بالمعجزات لم يعرف قط بالكذب! فإن أنكر فلسفي إمكان هذه ~~الخواص في أعداد الركعات ورمي الجمار وعدد أركان الحج وسائر تعبدات الشرع ، ~~لم يجد بينها وبين خواص الأدوية والنجوم فرقا أصلا. فإن قال : " قد جربت ~~شيئا من النجوم وشيئا من الطب ، فوجدت بعضه صادقا ، فانقدح في نفسي تصديقه ~~، وسقط من قلبي استبعاده ونفرته وهذا لم أجربه ، فبم أعلم وجوده وتحقيقه إن ~~أقررت بإمكانه؟ " فأقول : " إنك لا تقصر على تصديق ما جربته ، بل سمعت ~~أخبار المجربين وقلدتهم ، فاسمع أقوال الأنبياء فقد جربوا شاهدوا الحق في ~~جميع ما ورد به الشرع ، واسلك سبيلهم تدرك بالمشاهدة بعض لك". على أني أقول ~~: وإن لم تجربه فيقضي عقلك بوجوب التصديق والاتباع قطعا ؛ فإنا لو فرضنا ~~رجلا بلغ وعقل ولم يجرب المرض فمرض ، وله والد مشفق حاذق بالطب ، يسمع ~~دعواه في معرفة الطب منذ عقل ، فعجن له والده دواء فقال : " هذا يصلح لمرضك ~~، ويشفيك من سقمك" فما ذا يقتضيه عقله ، وإن كان الدواء مرا كريه المذاق ، ~~أيتناوله؟ أو يكذب ويقول : أنا لا أعقل مناسبة هذا الدواء لتحصيل الشفاء ، ~~ولم أجربه؟ فلا شك أنك تستحمقه إن فعل ذلك! وكذلك يستحمقك أهل البصائر في ~~توقفك! فإن قلت : فبم أعرف شفقة النبي عليه الصلاة والسلام ومعرفته بهذا ~~الطب؟ فأقول : وبم عرفت شفقة أبيك وليس ذلك أمرا محسوسا؟ بل عرفتها بقرائن ~~أحواله وشواهد أعماله في مصادره وموارده علما ضروريا لا تتمارى فيه. # ومن نظر في أقوال رسول الله عليه الصلاة والسلام ، وما ورد من الأخبار في ~~اهتمامه بإرشاد الخلق ، وتلطفه في جر الناس بأنواع الرفق واللطف إلى تحسين ~~الأخلاق وإصلاح ms737 ذات البين ، وبالجملة إلى ما لا يصلح إلا به دينهم ودنياهم ~~، حصل له علم ضروري بأن شفقته على أمته أعظم من شفقة الوالد على ولده. وإذا ~~نظر إلى عجائب ما ظهر عليه من الأفعال ، وإلى عجائب الغيب الذي PageV01P563 # أخبر عنه القرآن على لسانه وفي الأخبار ، وإلى ما ذكره في آخر الزمان ~~فظهر ذلك كما ذكره ، علم علما ضروريا أنه بلغ الطور الذي وراء العقل ، ~~وانفتحت له العين التي يكتشف منها الغيب الذي لا يدركه إلا الخواص ، ~~والأمور التي لا تدركها العقول. فهذا هو منهاج تحصيل العلم الضروري بتصديق ~~النبي عليه الصلاة والسلام. فجرب وتأمل القرآن وطالع الأخبار تعرف ذلك ~~بالعيان. # وهذا القدر يكفي في تنبيه المتفلسفة ، ذكرناه لشدة الحاجة إليه في هذا ~~الزمان. # وأما السبب الرابع. وهو ضعف الإيمان بسبب سوء سيرة العلماء. فيداوى هذا ~~المرض بثلاثة أمور: # أحدها : أن تقول إن العالم الذي تزعم أنه يأكل الحرام ، معرفته بتحريم ~~ذلك الحرام كمعرفتك بتحريم الخمر ولحم الخنزير والربا ، بل بتحريم الغيبة ~~والكذب والنميمة. وأنت تعرف ذلك وتفعله لا لعدم إيمانك بأنه معصية ، بل ~~لشهواتك الغالبة عليك ؛ فشهواته كشهواتك ، وقد غلبته كما غلبتك ، فعلمه ~~بمسائل وراء هذا يتميز به عنك ، لا يناسبه زيادة زجر عن هذا المحظور ~~المعين. وكم من مؤمن بالطب لا يصبر عن الفاكهة وعن الماء البارد ، وإن زجره ~~الطبيب عنه! ولا يدل على ذلك أنه غير ضار ، أو على أن الإيمان بالطب غير ~~صحيح ، فهذا محمل هفوات العلماء. # الثاني : أن يقال للعامي : ينبغي أن تعتقد أن العالم اتخذ علمه ذخرا ~~لنفسه في الآخرة ، ويظن أن علمه ينجيه ، ويكون شفيعا له حتى يتساهل معه في ~~أعماله لفضيلة علمه. وإن جاز أن يكون زيادة حجة عليه ، فهو يجوز أن يكون ~~زيادة درجة له ، وهو ممكن ، فهو وإن ترك العمل يدلي بالعلم. أما أنت أيها ~~العامي إذا نظرت إليه ، وتركت العمل وأنت عن العلم عاطل ، فتهلك لسوء عملك ~~ولا شفيع لك. # الثالث : وهو الحقيقة ، أن العالم الحقيقي لا يصادف معصية إلا ms738 على سبيل ~~الهفوة ، ولا يكون مصرا على المعاصي أصلا ؛ إذ العلم الحقيقي ما يعرف أن ~~المعصية سم مهلك ، وأن الآخرة خير من الدنيا ، ومن عرف ذلك لا يبيع الخير ~~بما هو أدنى منه. وهذا العلم لا يحصل بأنواع العلوم التي يشتغل بها أكثر ~~الناس ؛ فلذلك لا يزيدهم ذلك العلم إلا جرأة على معصية الله تعالى. وأما ~~العلم الحقيقي فيزيد صاحبه خشية وخوفا ورجاء ، وذلك يحول بينه وبين المعاصي ~~، إلا الهفوات التي لا ينفك عنها البشر في الفترات ؛ وذلك لا يدل على ضعف ~~الإيمان ، فالمؤمن مفتن تواب ، وهو بعيد عن الإصرار والإكباب. # هذا ما أردت أن أذكره في ذم الفلسفة والتعليم وآفاتهما ، وآفات من أنكر ~~عليهما لا بطريقة. # ونسأل الله العظيم أن يجعلنا ممن آثره واجتباه ، وأرشده إلى الحق وهداه ، ~~وألهمه ذكره حتى لا ينساه ، وعصمه عن شر نفسه حتى لم يؤثر عليه سواه ، ~~واستخلصه لنفسه حتى لا يعبد إلا إياه. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه. PageV01P564 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * كتاب ### ||| * حجة الإسلام الإمام الغزالي ### ||| * المواعظ في الأحاديث القدسية # الحمد لله تذكرة للعباد ، وتقوية للمتقين من المسلمين إلى العبادة ، ~~والصلاة على صاحب الملة الطاهرة ، والرضوان على آله وأصحابه وآلهم ، وعلى ~~من تبعهم بإحسان ، وعلماء الأمة في كل زمان. # كتاب الموعظة فيه حسنة نافعة ، نفعنا الله بها. ### ||| * الموعظة الأولى # يقول الله تعالى : «يا بن آدم! عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح ، وعجبت ~~لمن أيقن بالحساب كيف يجمع المال ، وعجبت لمن أيقن بالقبر كيف يضحك ، وعجبت ~~لمن أيقن بالآخرة كيف يستريح ، وعجبت لمن أيقن بالدنيا وزوالها كيف يطمئن ~~إليها ، وعجبت لمن هو عالم باللسان جاهل بالقلب ، وعجبت لمن يطهر بالماء ~~وهو غير طاهر بالقلب ، وعجبت لمن يشتغل بعيوب الناس وهو غافل عن عيوب نفسه ~~، أو لمن يعلم أن الله تعالى مطلع عليه كيف يعصيه ، أو لمن يعلم أنه يموت ~~وحده ، ويدخل القبر وحده ، ويحاسب وحده ، كيف يستأنس بالناس ، لا إله إلا ~~أنا حقا ، وأن محمدا عبدي ورسولي". ### ||| * الموعظة الثانية # يقول ms739 الله تعالى : " شهدت نفسي ، أن لا إله إلا أنا وحدي ، لا شريك لي ، ~~محمد عبدي ورسولي. من لم يرض بقضائي ، ولم يصبر على بلائي ، ولم يشكر على ~~نعمائي ، ولم يقنع بعطائي ، فليعبد ربا سوائي ، ومن أصبح حزينا على الدنيا ~~فكأنما أصبح ساخطا علي ، ومن اشتكى على مصيبة فقد شكاني ، ومن دخل على غني ~~فتواضع له من أجل غنائه ذهب ثلثا دينه ، ومن لطم وجهه على ميت فكأنما أخذ ~~رمحا يقاتلني به ، ومن كسر عودا على قبر فكأنه هدم باب كعبتي بيده ، ومن لم ~~يبال من أي باب يأكل ، ما يبالي من أي باب يدخله الله تعالى جهنم ، ومن لم ~~يكن في الزيادة في دينه فهو في النقصان ، ومن كان في النقصان فالموت خير PageV01P565 # له ، ومن عمل بما علم أورثه الله تعالى علم ما لم يعلم ، ومن أطال أمله ~~لم يخلص عمله". ### ||| * الموعظة الثالثة # يقول الله تعالى : " يا بن آدم! اقنع تستغن ، واترك الحسد تسترح ، واجتنب ~~الحرام تخلص دينك ، ومن ترك الغيبة ظهرت له محبتي ، ومن اعتزل الناس سلم ~~منهم ، ومن قل كلامه كمل عقله ، ومن رضي بالقليل فقد وثق بالله تعالى. يا ~~بن آدم! أنت بما تعلم لا تعمل ، فكيف تطلب علم ما لا تعلم؟ يا بن آدم! تعمل ~~في الدنيا كأنك لا تموت غدا ، وتجمع المال كأنك مخلد أبدا. يا دنيا احرمي ~~الحريص عليك ، وابتغي الزاهد فيك ، وكوني حلوة في عين الناظرين". ### ||| * الموعظة الرابعة # يقول الله تعالى : " يا بن آدم! من أصبح حزينا على الدنيا لم يزدد من ~~الله إلا بعدا ، وفي الدنيا إلا كدا ، وفي الآخرة إلا جهدا ، وألزم الله ~~تعالى قلبه هما لا ينقطع عنه أبدا ، وشغلا لا يفرع عنه أبدا ، وفقرا لا ~~ينال غنى أبدا ، وآمالا تشغله أبدا. يا بن آدم! تنقص كل يوم من عمرك وأنت ~~لا تدري ، وآتيك كل يوم برزقك وأنت لا تحمد ؛ فلا بالقليل تقنع ، ولا ~~بالكثير تشبع. يا بن آدم! ما من يوم إلا ويأتيك رزقك من عندي ، وما من ليلة ms740 ~~إلا ويأتيني الملائكة من عندك بعمل قبيح ؛ تأكل رزقي وتعصيني ، وأنت تدعوني ~~فأستجيب لك ، وخيري إليك نازل ، وشرك إلي واصل ؛ فنعم المولى أنا لك! وبئس ~~العبد أنت لي! تستلني ما أعطيك ، وأستر عليك سوأة بعد سوأة فضيحة ، وأنا ~~أستحيي منك وأنت لا تستحي مني ، تنساني وتذكر غيري ، وتخاف الناس وتأمن مني ~~، وتخاف مقتهم ، وتأمن غضبي". ### ||| * الموعظة الخامسة # يقول الله تعالى : " يا بن آدم! لا تكن ممن يقصر التوبة ، ويطول الأمل ، ~~ويرجو الآخرة بغير عمل ؛ يقول قول العابدين ويعمل عمل المنافقين. إن أعطي ~~لم يقنع ، وإن منع لم يصبر. يأمر بالخير ولا يفعله. وينهى بالشر ولم ينته ~~عنه. يحب الصالحين وليس منهم ، ويبغض المنافقين وهو منهم. يقول ما لا يفعل ~~، ويفعل ما لا يؤمر ، ويستوفي ما لا يوفي. يا بن آدم! ما من يوم جديد إلا ~~والأرض تخاطبك في قولها تقول لك : يا بن آدم! تمشي على ظهري ، ثم تحزن في ~~بطني ، وتأكل الشهوات على ظهري ، ويأكلك الدود في بطني. يا بن آدم! أنا بيت ~~الوحشة ، وأنا بيت المساءلة ، وأنا بيت الوحدة ، وأنا بيت الظلمة ، وأنا ~~بيت الحيات والعقارب ، فاعمرني ولا تخربني". ### ||| * الموعظة السادسة # يقول الله تعالى : " يا بن آدم! ما خلقتكم لأستكثر بكم من قلة ، ولا ~~لأستأنس بكم من PageV01P566 # وحشة ، ولا لأستعين بكم على أمر عجزت عنه ، ولا لجلب منفعة ، ولا لدفع ~~مضرة ، بل خلقتكم لتعبدوني طويلا ، وتشكروني كثيرا ، وتسبحوني بكرة وأصيلا. ~~يا بن آدم! لو أن أولكم وآخركم ، وجنكم وإنسكم ، وصغيركم وكبيركم ، وحركم ~~وعبدكم ، اجتمعوا على طاعتي ما زاد ذلك في ملكي مثقال ذرة. ومن جاهد فإنما ~~يجاهد لنفسه ، إن الله لغني عن العالمين. يا بن آدم! كما تؤذي يؤذى بك ، ~~وكما تعمل يعلم بك» ### ||| * الموعظة السابعة # يقول الله تعالى : " يا بن آدم! يا عبيد الدينار والدراهم! إني خلقتهما ~~لكم لتأكلوا بهما رزقي ، وتلبسوا بهما ثيابي ، وتسبحوني وتقدسوني ؛ ثم ~~تأخذون كتابي وتجعلونه وراءكم ، وتأخذون الدينار والدراهم وتجعلونها فوق ~~رءوسكم ، ورفعتم بيوتكم وخفضتم بيوتي ، فلا أنتم أخيار ولا أنتم أحرار ms741 ؛ ~~أنتم عبيد الدنيا ، واجتماع مثلكم كمثل القبور المجصصة ، يرى ظاهرها مليحا ~~وباطنها قبيحا ، وكذا تصلحون للناس وتحبون إليهم بألسنتكم الحلوة ، ~~وأفعالكم الجميلة ، وتباعدون بقلوبكم القاسية وأحوالكم الخبيثة. يا بن آدم! ~~أخلص عملك واسألني! فإني أعطيك أكثر مما يطلب السائلون". ### ||| * الموعظة الثامنة # يقول الله تعالى : " يا بن آدم! ما خلقتكم عبثا ، ولا خلقتكم سدى ، وما ~~أنا بغافل ، وإني بكم خبير. ولن تنالوا ما عندي إلا بالصبر على ما تكرهون ~~في رضائي ، والصبر لكم على طاعتي أيسر لكم من الصبر على معصيتي ، وترك ~~الذنب أيسر لكم من اعتذاري من حر النار ، وعذاب الدنيا أيسر لكم من عذاب ~~الآخرة ، يا بن آدم! كلكم ضال إلا من هديته ، وكلكم مسيء إلا من عصمته ، ~~وتوبوا إلي أرحمكم ، ولا تهتكوا أسراركم عند من لا يخفى عليه سركم". ### ||| * الموعظة التاسعة # يقول الله تعالى : " يا بن آدم! لا تلعنوا المخلوقين فترد اللعنة عليكم. ~~يا بن آدم! استقامت السماوات في الهواء بلا عمد باسم واحد من أسمائي ، ولم ~~تستقم قلوبكم بألف موعظة من كتابي. يا أيها الناس! كما لا يلين الحجر في ~~الماء ، كذلك لا تؤثر الموعظة في القلوب القاسية. يا بن آدم! كيف تشهدون ~~أنكم عباد الله ثم تعصونه؟ وكيف تزعمون أن الموت حق وأنتم له كارهون ، ~~وتقولون بألسنتكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم. " ### ||| * الموعظة العاشرة # يقول الله تعالى : ( @QUR@012 يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم ~~وشفاء لما في الصدور ) [سورة يونس : 57] ، فلم لا تحسنون إلا لمن أحسن ~~إليكم ، ولا تصلون إلا من وصلكم ، ولا تكلمون PageV01P567 # إلا من كلمكم ، ولا تطعمون إلا من أطعمكم ، ولا تكرمون إلا من أكرمكم؟ ~~وليس لأحد على أحد فضل ، إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ، الذين ~~يحسنون إلى من أساء إليهم ، ويصلون من قطعهم ، ويعفون عمن حرمهم ، ويأتمنون ~~من خانهم ، ويكلمون من هجرهم ، ويكرمون من أهانهم ، وإني بكم لخبير". ### ||| * الموعظة الحادية عشرة # يقول الله تعالى : " يا أيها الناس! إنما الدنيا دار لمن لا دار له ، ~~ومال ms742 لمن لا مال له ، ولها يجمع من لا عقل له ، وبها يفرح من لا فهم له ، ~~وعليها يحرص من لا توكل له ، ويطلب شهواتها من لا معرفة له ؛ فمن أراد نعمة ~~زائلة ، وحياة منقطعة ، فقد ظلم نفسه وعصا ربه ، ونسي الآخرة وغرته دنياه ، ~~وأراد ظاهر الإثم وباطن هذا. ( @QUR@08 إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما ~~كانوا يقترفون ). [سورة الأنعام : 120] يا بن آدم! راعوني وتاجروني ، ~~وعاملوني وأسفلوني في ربحكم. عندي ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر ~~على قلب بشر ، ولا تنفد خزائني ولا تنقص ، وأنا الوهاب الكريم". ### ||| * الموعظة الثانية عشرة # يقول الله تعالى : " يا بن آدم ( @QUR@011 اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ~~وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ، وإياي فارهبون ) [سورة البقرة : 40] كما لا ~~تهتدي السبيل إلا بدليل ، كذلك لا طريق إلى الجنة إلا بعمل. وكما لا يجمع ~~المال إلا بنصب ، كذلك لا تدخلون الجنة إلا بالصبر على عبادتي. فتقربوا إلى ~~الله بالنوافل ، واطلبوا رضائي برضا المساكين عنكم ، وارغبوا إلى رحمتي ~~بمجالس العلماء ، فإن رحمتي لا تفارقهم طرفة عين. قال الله تعالى : يا موسى ~~، اسمع ما أقول ، فالحق أنه من تكبر على مسكين حشرته يوم القيامة على صورة ~~الذر ، ومن تواضع له رفعته في الدنيا والآخرة ، ومن تعرض لهتك سر مسكين ~~حشرته يوم القيامة غير مستور سره ، ومن أهان فقيرا فقد بارزني بالمحاربة ، ~~ومن يؤمن بي صافحته الملائكة في الدنيا والآخرة". ### ||| * الموعظة الثالثة عشرة # يقول الله تعالى : " يا بن آدم! كم من سراج قد أطفأته ريح الهوى ، وكم من ~~عابد قد أفسده العجب ، وكم من غني أفسده الغناء ، وكم من فقير أفسده الفقر ~~، وكم من صحيح أفسدته العافية ، وكم من عالم أفسده العلم ، وكم من جاهل ~~أفسده الجهل ؛ فلو لا مشايخ ركع ، وشباب خشع ، وأطفال رضع ، وبهائم رتع ، ~~لجعلت السماء من فوقكم حديدا ، والأرض صفصفا ، والتراب رمادا ، ولما أنزلت ~~عليكم من السماء قطرة ، ولما أنبتت في الأرض من حبة ، ولصببت عليكم العذاب صبا". PageV01P568 ### ||| * الموعظة الرابعة عشرة # يقول الله تعالى : " يا بن آدم! ms743 اطلبوني بقدر حاجتكم إلي ، واعصوني بقدر ~~صبركم على النار ، ولا تنظروا إلى آجالكم المستأخرة ، وأرزاقكم الحاضرة ، ~~وذنوبكم المستترة و ( @QUR@09 كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون ~~). [سورة القصص : 88 ، سورة الرحمن : 26 ، 27] ". ### ||| * الموعظة الخامسة عشرة # يقول الله تعالى : " يا بن آدم! إن صلح دينكم ولحمكم ودمكم ، صلح عملكم ~~ولحمكم ودمكم ، وإن فسد دينكم فسد عملكم ولحمكم ودمكم فلا تكن كالمصباح ~~يحرق نفسه ويضيء للناس ، وأخرج حب الدنيا من قلبك ، فإني لا أجمع حب الدنيا ~~وحبي في قلب واحد أبدا ، وارفق بنفسك في جمع الرزق ، فإن الرزق مقسوم ، ~~والحريص محروم ، والبخيل مذموم ، والنعمة لا تدوم ، والاستقصاء شؤم ، ~~والأجل معلوم ، والحق معلوم ، وخير حكمة الله الخشوع ، وخير الغناء القناعة ~~، وخير الزاد التقوى ، وخير ما أتى في القلوب اليقين ، وخير ما أعطيتم ~~العافية». ### ||| * الموعظة السادسة عشرة # يقول الله تعالى : ( @QUR@09 يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ~~)، [سورة الصف : 2] وكم تقولون وتخلفون ، وكم تنهون عما لستم عنه تنتهون ، ~~وكم تأمرون ولا تفعلون ، وكم تجمعون ما لا تأكلون ، وكم توبة يوما بعد يوم ~~تؤخرون ، عاما بعد عام ثم لم تنظرون ، أعندكم من الموت أمان؟ أم بيدكم ~~براءة من النار؟ أم تحققتم الفوز بالجنان؟ أم بينكم وبين الرحمن رحمة؟ ~~أبطرتكم النعم ، وأفسدكم الإحسان ، وغركم من الدنيا طول الأمل. ولا تغتنموا ~~الصحة والسلامة ، فأيامكم معلومة ، وأنفاسكم معدودة ، وقدموا لأنفسكم لما ~~بقي في أيديكم. يا بن آدم! إنك تقدم على عملك ، وإن كل يوم يهدم من عمرك ، ~~من يوم خرجت من بطن أمك ، وتدنو كل يوم من قبرك حتى تدخله. يا بن آدم! ~~مثلكم في الدنيا كمثل الذباب ، كلما وقع في العسل انتشب فيه ، فكذلك أنت ، ~~لا تكن كالحطب الذي يحرق نفسه لغيره بالنار". ### ||| * الموعظة السابعة عشرة # يقول الله تعالى : " يا بن آدم! اعمل كما أمرتك ، وانته عما نهيتك عنه ، ~~أجعلك حيا لا تموت أبدا ، وأنا حي لا أموت أبدا ، وإذا قلت للشيء كن فيكون. ~~يا بن آدم! إن كان قولك مليحا ، وعملك قبيحا ms744 ، فأنت رئيس المنافقين ؛ وإذا ~~كان ظاهرك مليحا وباطنك قبيحا ، فأنت من الهالكين. يخادعون الله وهو خادعهم ~~، ( @QUR@06 وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون ). [سورة البقرة : 9] يا بن ~~آدم! لا يدخل الجنة إلا من تواضع لعظمتي ، وقطع النهار بذكري ، وكف نفسه عن PageV01P569 # الشهوات من أجلي ؛ فإني آوي الغريب وأؤمن الفقير ، وأكرم اليتيم ، وأكون ~~له كالأب الرحيم ، وللأرامل كالزوج العطوف الشفوق. فمن كانت هذه صفته كنت ~~مجيبا له ، إذا دعاني شيئا أستجيبه ، وإذا سألني أعطيته". ### ||| * الموعظة الثامنة عشرة # يقول الله تعالى : " يا بن آدم! إلى من تشكوني وليس لمثلي تشكو؟ وإلى متى ~~تنسوني ولم أستوجب منكم ذلك؟ وإلى متى تكفروني ولست بظلام للعبيد؟ وإلى متى ~~تجحد نعمتي؟ وإلى متى تستخف بكتابي ، ولم أكلفك ما لا تطيق؟ وإلى متى ~~تجفوني؟ وإلى متى تجحدوني وليس لكم رب غيري؟ وإذا مرضتم فأي طبيب من دوني ~~يشفيكم؟ فقد شكوتموني وسخطتم قضائي ، وأنا الذي أرسلت السماء عليكم مدرارا ~~فقلتم مطرنا بهذا النجم ، فقد كفرتموني وآمنتم بالنجم ، وأنا الذي أنزلت ~~عليكم رحمتي قدرا مقدورا مكيولا معدودا موزونا مقسوما ، فإذا جاء أحدكم قوت ~~ثلاثة أيام ، قال : أنا بشر ولست بخير ، فقد جحد نعمتي ، ومن منع الزكاة من ~~ماله فقد استخف بكتابي ، وإذا علم بوقت الصلاة لم يفرغ لها فقد غفل عني". ### ||| * الموعظة التاسعة عشرة # يقول الله تعالى : " يا بن آدم! اصبر وتواضع أرفعك ، واشكرني أزدك ، ~~واستغفرني أغفر لك ، وإذا دعوتني أستجيب لك ، وتب إلي أتب عليك ، واسألني ~~أعطك ، وتصدق أبارك لك في رزقك ، وصل رحمك أزد في أجلك ، واطلب مني العافية ~~بطول الصحة ، والسلامة في الوحدة ، والإخلاص في الرغبة ، والورع إلى الله ~~في التوبة ، والغناء في القناعة. يا بن آدم! كيف تطمع في العبادة مع الشبع؟ ~~وكيف تطمع في حب الله مع حب المال؟ وكيف تطمع في الخوف مع خوف الفقر؟ وكيف ~~تطمع في الورع مع الحرص على الدنيا؟ وكيف تطمع في مرضاة الله بغير ~~المساكين؟ وكيف تطمع في الرضا مع البخل؟ وكيف تطمع في الجنة مع حب الدنيا ~~ومع ms745 المدح؟ وكيف تطمع في السعادة مع قلة العلم؟ ". ### ||| * الموعظة العشرون # يقول الله تعالى : " يا أيها الناس! لا عيش كالتدبير ، ولا ورع كالكف عن ~~الأذى ، ولا حب أرفع من الأدب ، ولا شفيع كالتوبة ، ولا عبادة كالعلم ، ولا ~~صلاة كالخشية ، ولا ظفر كالصبر ، ولا سعادة كالتوفيق ، ولا زين أزين من ~~العقل ، ولا رفيق آنس من الحلم. يا بن آدم! تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى ، ~~وأبارك في رزقك ، وأحل في جسمك راحة ، ولا تغفل عن ذكري ، فإن غفلت أملأ ~~قلبك فقرا ، وبدنك تعبا ونصبا ، وصدرك هما ، ولو أبصرت ما بقي من عمرك ~~لزهدت فيما بقي من أملك. يا بن آدم! بعافيتي قويت على طاعتي ، وبتوفيقي ~~أديت فريضتي ، وبرزقي قويت على معصيتي ، وبمشيئتي تشاء ما تشاء ، وبإرادتي ~~تريد ما تريد لنفسك ، PageV01P570 # وبنعمتي قمت وقعدت ورجعت ، وبكنفي أمسيت وأصبحت ، وفي فضلي عشت ، وفي ~~نعمتي تقلبت ، وبعافيتي تجملت ، ثم تنساني وتذكر غيري ، فلم لا تؤدي حقي ~~وشكري؟ ". ### ||| * الموعظة الحادية والعشرون # يقول الله تعالى : " يا بن آدم! الموت يكشف أسرارك ، والقيامة تبلو ~~أخبارك ، والعذاب يهتك أسرارك ، فإذا أذنبت ذنبا فلا تنظر إلى صغره ، ولكن ~~انظر إلى من عصيت ، وإذا رزقت رزقا قليلا فلا تنظر إلى قلته ، ولكن انظر ~~إلى من رزقك ؛ ولا تحقر الذنب الصغير ، فإنك لا تدري بأي ذنب عصيته ؛ ولا ~~تأمن من مكري ، فإن مكري أخفى عليك من دبيب النمل على الصفا في الليلة ~~المظلمة. يا بن آدم! هل عصيتني فذكرت غضبي؟ وهل انتهيت عما نهيتك؟ وهل أديت ~~فريضتي كما أمرتك؟ وهل واسيت المساكين من مالك؟ وهل أحسنت إلى من أساء ~~إليك؟ وهل عفوت عمن ظلمك؟ وهل وصلت من قطعك؟ وهل أنصفت من خانك؟ وهل كلمت ~~من هجرك؟ وهل أدبت ولدك؟ وهل أرضيت جيرانك؟ وهل سألت العلماء عن أمر دينك ~~ودنياك؟ فإني لا أنظر إلى صوركم ، ولا إلى محاسنكم ، ولكن أنظر إلى قلوبكم ~~، وأرضى بهذه الخصال منكم". ### ||| * الموعظة الثانية والعشرون # يقول الله تعالى : " يا بن آدم! انظر إلى نفسك وإلى جميع خلقي ، فإن وجدت ~~أعز ms746 عليك من نفسك ، فاصرف كرامته إليك ، وإلا أكرم نفسك بالتوبة والعمل ~~الصالح إن كانت نفسك عليك عزيزة. واذكر نعمة الله عليك وميثاقه الذي واثقكم ~~به ، إذ قلتم سمعنا وأطعنا [سورة المائدة : 7] واتقوا الله قبل يوم القيامة ~~، يوم التغابن ، يوم الحاقة ، ( @QUR@06 يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ) ~~[سورة المعارج : 4] ( @QUR@07 يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون ) ~~[المرسلات : 35 ، 36] ، يوم الطامة ، يوم الصيحة ( @QUR@03 يوما عبوسا ~~قمطريرا ) [الإنسان : 10] ، ( @QUR@09 يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر ~~يومئذ لله ) [الانفطار : 19] ، يوم الديمومة ، يوم الزلزلة ، يوم القارعة ، ~~يوم فيه ترجف مواقع الجبال ، وحلول النكال ، وتعجيل الزوال ، يوم الصيحة ~~والدرك ، يوم فيه تشيب الولدان ، ( @QUR@08 ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا ~~وهم لا يسمعون ) [الأنفال : 21] ". ### ||| * الموعظة الثالثة والعشرون # يقول الله تعالى : ( @QUR@011 يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا ~~كثيرا ، وسبحوه بكرة وأصيلا ). [الأحزاب : 41 ، 42] يا موسى بن عمران ، يا ~~صاحب البيان ، اسمع كلامي! فأنا الله الملك الديان ، ليس بيني وبينك ترجمان ~~، بشر آكل الربا بغضب الرحمن ، ومضعفات النيران. يا بن آدم! إذا وجدت قساوة ~~في قلبك ، وسقما في بدنك ، وحرمانا في رزقك ، ونقيصة في مالك ، فاعلم بأنك ~~تكلمت بما لا يعنيك. يا بن آدم! ما يستقيم دينك حتى يستقيم لسانك ، ولا ~~يستقيم لسانك حتى PageV01P571 # تستحيي من ربك. يا بن آدم! إذا نظرت في عيوب الناس ونسيت عيبك ، فقد ~~أرضيت الشيطان وأغضبت الرحمن. يا بن آدم! لسانك أسد ، إن أطلقته قتلك ، ~~فهلاكك في إطلاق لسانك". ### ||| * الموعظة الرابعة والعشرون # يقول الله تعالى : " يا بن آدم! ( @QUR@06 إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه ~~عدوا ). [فاطر : 6] اعلموا اليوم الذي تحشرون فيه فوجا فوجا ، وتقومون بين ~~يدي الرحمن صفا صفا ، وتقرؤون الكتاب حرفا حرفا ، وتسألون عما عملتم سرا ~~وجهرا. ( @QUR@011 يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا ، ونسوق المجرمين إلى ~~جهنم وردا )، [مريم : 85 ، 86] لكم وعد ووعيد ، فإني أنا الله لا شبيه لي ~~، وليس سلطان كسلطاني. من صام لي في دهره خالصا أفطرته بألواني ، ومن بات ~~في ليلة قائما كان له شأن من شأني ، ومن غض عينه عن ms747 محارمي أمنته من ~~نيراني. فأنا الرب فاعرفوني ، وأنا المنعم فاشكروني ، وأنا الحافظ فاحفظوني ~~، وأنا الناصر فانصروني ، وأنا الغافر فاستغفروني ، وأنا المقصود فاقصدوني ~~، وأنا المعطي فاسألوني ، وأنا المعبود فاعبدوني ، وأنا العالم فاحذروني". ### ||| * الموعظة الخامسة والعشرون # يقول الله تعالى : " يا بن آدم! ( @QUR@023 شهد الله أنه لا إله إلا هو ~~والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط ، لا إله إلا هو العزيز الحكيم ، إن ~~الدين عند الله الإسلام ) [آل عمران : 18 ، 19] ( @QUR@013 ومن يبتغ غير ~~الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ) [آل عمران : 85]. ~~وبشر كل شيء أحسن بالجنة. ومن عرف الله خالصا فأطاعه نجا ، ومن عرف الشيطان ~~فعصاه سلم ، ومن عرف الحق فاتبعه أمن ، ومن عرف الباطل فاتقاه فاز ، ومن ~~عرف الشيطان والدنيا ثم رفضهما سعد ، ومن عرف الآخرة ثم طلبها هدي. وإن ~~الله يهدي من يشاء وإليه تقلبون. يا بن آدم! إذا كان الله تعالى قد تكفل لك ~~بالرزق ، فطول اهتمامك لما ذا؟ وإذا كان الخلف من الله فالبخل لما ذا؟ وإذا ~~كان إبليس عدو الله تعالى فالغفلة لما ذا؟ وإذا كانت العقوبة بالنار ، ~~فالاستراحة لما ذا؟ وإذا كان ثواب الله الجنة ، فالمعصية لما ذا ، وإذا كان ~~كل شيء بقضائي فالجزع لما ذا؟ ( @QUR@015 لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا ~~تفرحوا بما آتاكم ، والله لا يحب كل مختال فخور ) [الحديد : 23] ". ### ||| * الموعظة السادسة والعشرون # يقول الله تعالى : " يا بن آدم! أكثروا من الزاد فإن الطريق بعيد ، وجدد ~~القيام لله فإن البحر عميق ، وحققوا العمل فإن الصراط دقيق ، وأخلص الفعل ~~فإن الناقد بصير. فشهواتك في الجنة ، وراحتك إلى الآخرة ، ولديك الحور ~~العين ، وكن لي أكن لك ، وتقرب إلي في هوان الدنيا وحب الأبرار ، فإن الله ~~لا يضيع أجر المحسنين". PageV01P572 ### ||| * الموعظة السابعة والعشرون # يقول الله تعالى : " يا بن آدم! كيف تعصون وأنتم تجزعون من حر الشمس ، ~~وجهنم لها سبع طبقات ، فيها نيران يأكل بعضها بعضا ، في كل طبقة منها سبعون ~~ألف شعب من النار ، في كل شعب سبعون ألف دار ، وفي كل دار سبعون ألف ms748 بيت ، ~~في كل بيت سبعون ألف بئر ، وفي كل بئر سبعون ألف تابوت من نار ، وفي كل ~~تابوت سبعون ألف عقرب من نار ، على كل تابوت سبعون ألف شجرة من زقوم تحت كل ~~شجرة سبعون ألف قائد من نار ، مع كل قائد سبعون ألف ملك من نار ، وسبعون ~~ألف ثعبان من نار ، طول كل ثعبان سبعون ألف ذراع من نار ، في جوف كل ثعبان ~~بحر من السم الأسود ، ولكل عقرب ألف ذنب ، طول كل ذنب سبعون ألف ذراع ، في ~~كل ذنب سبعون ألف رطل من السم الأحمر ، فبنفسي أحلف ، ( @QUR@012 والطور ، ~~وكتاب مسطور ، في رق منشور ، والبيت المعمور ، والسقف المرفوع ، والبحر ~~المسجور ) [الطور : 1. 6]». يا بن آدم! ما خلقت النيران إلا لكل كافر ، ~~ونمام ، وعاق الوالدين ، والمرائي ، ومانع الزكاة من ماله ، والزاني ، وآكل ~~الربا ، وشارب الخمر ، وظالم اليتيم ، والأجير الغادر ، والنائحة ، ولكل ~~مؤذي الجيران ، ( @QUR@016 إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا ، فأولئك يبدل ~~الله سيئاتهم حسنات ، وكان الله غفورا رحيما ) [الفرقان : 70] ، فارحموا ~~أنفسكم يا عبادي! فإن الأبدان ضعيفة ، والسفر بعيد ، والحمل ثقيل ، والصراط ~~دقيق ، والناقد بصير ، والقاضي رب العالمين". ### ||| * الموعظة الثامنة والعشرون # يقول الله تعالى : " يا أيها الناس كيف رغبتم في دنيا فانية زائلة ، ~~وحياة منقطعة؟ فإن للطائعين الجنان يدخلون من أبوابها الثمانية ، في كل جنة ~~سبعون ألف روضة ، في كل روضة سبعون ألف قصر من الياقوت ، في كل قصر سبعون ~~ألف دار من الزمرد ، في كل دار سبعون ألف بيت من الذهب الأحمر ، في كل بيت ~~سبعون ألف مقصورة من الفضة البيضاء ، في كل مقصورة سبعون ألف مائدة من ~~الغبر ، على كل مائدة سبعون ألف صحفة من الجواهر ، في كل صحفة سبعون ألف ~~لون من الطعام ، حول كل مقصورة سبعون ألف سرير من الذهب الأحمر ، على كل ~~سرير سبعون ألف فراش من الحرير والإستبرق والديباج ، حول كل سرير سبعون ألف ~~نهر من ماء الحياة واللبن والعسل والخمر ، في وسط كل نهر سبعون ألف لون من ~~الثمار ، في كل بيت سبعون ألف ms749 خيمة من الأرجوان ، على كل فراش حوراء من ~~الحور العين ، بين يديها سبعون ألف وصيفة كأنهن بيض مكنون ، على رأس كل قصر ~~سبعون ألف قبة ، في كل قبة سبعون ألف هدية من الرحمن ، ما لا عين رأت ، ولا ~~أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، ( @QUR@016 وفاكهة مما يتخيرون ، ولحم ~~طير مما يشتهون ، وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون ، جزاء بما كانوا يعملون ~~) [الواقعة : 20. 24] ، لا يموتون PageV01P573 # فيها ولا يهرمون ، ولا يحزنون ولا يصومون ، ولا يصلون ولا يمرضون ، ولا ~~يبولون ولا يتغوطون ( @QUR@04 وما هم منها بمخرجين ) [الحجر : 48]. فمن ~~طلبها وذكر كرامتي ، وجواري ونعمتي ، فليتقرب إلي بالصدق ، والاستهانة ~~بالدنيا ، والقناعة بالقليل". ### ||| * الموعظة التاسعة والعشرون # يقول الله تعالى : " يا بن آدم! المال مالي وأنت عبدي ، فما لك من مالي ~~إلا ما أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت ، أو تصدقت فأبقيت. فأنا وأنت ثلاثة ~~أقسام : فواحد لي ، وواحد لك ، وواحد بيني وبينك ؛ فأما الذي لي فروحك ، ~~وأما الذي لك فعملك ، وأما الذي بيني وبينك ، فمنك الدعاء ومني الإجابة. يا ~~بن آدم! تورع واقنع ترني ، واعبدني تصر إلي ، واطلبني تجدني. يا بن آدم! ~~إذا كنت مثل الأمراء الذين دخلوا النار بالفجور ، والعرب بالمعصية ، ~~والعلماء بالحسد ، والتجار بالخيانة ، والجبرية بالجهالة ، والصناع والعباد ~~بالرياء ، والأغنياء بالكبر ، والفقراء بالكذب ، فأين من يطلب الجنة؟ ". ### ||| * الموعظة الثلاثون # يقول الله تعالى : ( @QUR@013 يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ~~ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) [آل عمران : 102] يا بن آدم! إنما مثل العلم ~~بلا عمل كمثل البرق والرعد بلا مطر ، ومثل العمل بلا علم كمثل شجرة بلا ~~ثمرة ، ومثل العالم بلا عمل كمثل قوس بلا وتر ، ومثل المال بلا زكاة كمثل ~~من يزرع الملح على الصفا ، ومثل الموعظة عند الأحمق كمثل الدر والجواهر عند ~~البهائم ، ومثل القاسي مع العلم كمثل حجر باقع. ومثل الموعظة عند من لا ~~يرغب فيها كمثل المزمار عند القبور ، ومثل الصدقة من الحرام كمثل من يغسل ~~القذر على ثوبه ببوله ، ومثل الصلاة بلا زكاة كمثل جثة بلا روح ، ومثل ~~العالم بلا ms750 توبة كمثل البناء بلا أساس ، ( @QUR@010 أفأمنوا مكر الله ، فلا ~~يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ) [الأعراف: 99]. ### ||| * الموعظة الحادية والثلاثون # يقول الله تعالى : " يا بن آدم! بقدر ميلك إلى الدنيا ومحبتي من قلبك ، ~~فإني لا أجمع حبي وحب الدنيا في قلب واحد أبدا ، يا بن آدم! تورع تعرفني ، ~~وتجوع ترني ، وتجرد لعبادتي تصل إلي ، وأخلص من الرياء عملك ، ألبسك محبتي ~~، وتفرغ لذكري ، أذكرك عند ملائكتي. يا بن آدم! في قلبك غير الله ، وترجو ~~غير الله ، الى متى تقول الله تعالى وتخاف غير الله؟ ولو عرفت حقا لما همك ~~غير الله ، ولم تخف إلا الله ، ولم تفتر لسانك عن ذكر الله ، فإن الاستيصال ~~عن الإصرار بتوبة الكاذبين. يا بن آدم! لو خفت من النار كما خفت من الفقر ~~لأغنيتك من حيث لم تحتسب. يا بن آدم! ولو رغبت في الجنة كما ترغب في الدنيا ~~، أسعدتك في الدارين ، ولو ذكرتموني كما يذكر بعضكم بعضا ، لسلمت عليكم ~~الملائكة بكرة وعشيا ، ولو أحببتم عبادتي PageV01P574 # كما تحبون الدنيا لأكرمتكم كرامة المرسلين ، فلا تملئوا قلوبكم بحب ~~الدنيا ، فزوالها قريب". ### ||| * الموعظة الثانية والثلاثون # يقول الله تعالى : " صبرك على قليل من المعصية أيسر عليك من صبرك على ~~كثير من عذاب جهنم ، ( @QUR@04 إن عذابها كان غراما ) [الفرقان : 65] " ، ~~وصبرك على قليل من الطاعة يعقبك راحة طويلة فيها نعيم مقيم. يا بن آدم! ~~عليك بالثقة بما ضمنت لك قبل أن أطعم رزقك لغيرك ، وازهد في الدنيا من قبل ~~أن أزهد فيك ، وتخلص من الشبهات قبل أن تفنى حسناتك يوم الحساب ، واعمر ~~قلبك بذكر الآخرة ، فليس لك مسكن غير القبر. يا بن آدم! من اشتاق إلى الجنة ~~سارع إلى الخيرات ، ومن خاف النار كف عن الشر ، ومن نهى نفسه عن الشهوات ~~نال الدرجات العلى. ويا موسى بن عمران! إذا أصابتك مصيبة وأنت على غير ~~طهارة فلا تلومن إلا نفسك. يا موسى! الفقر من الحسنات هو الموت الأكبر. يا ~~موسى! من لم يشاور ندم ، ومن استخار لا يندم". ### ||| * الموعظة الثالثة والثلاثون # يقول الله تعالى ms751 عز وجل : " من طلب السمعة بعمله كان كمن ينقل الماء على ~~ظهره إلى الجبل ، يناله التعب والنصب ولا يقبل من عمله شيء ، وكلما اتحد ~~بالماء لا يلين. يا بن آدم! اعلم أني لم أقبل من العمل إلا ما كان خالصا ~~لوجهي ، فطوبى للمخلصين! يا بن آدم! إذا رأيت الفقر مقبلا فقل : مرحبا ~~بشعائر الصالحين ، وإذا رأيت الغنى مقبلا فقل : ذنوب عجلت عقوبة ، وإذا ~~رأيت الضيف محبوسا هناك فقل : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. يا بن آدم! ~~المال لي ، وأنت عبدي ، والضيف رسولي ، أما تخشى أن أسلبك نعمتي؟ الرزق ~~رزقي ، والشكر لك ، ونفعه عائد عليك ، أفلا تحمدني على ما أنعمت عليك؟ يا ~~بن آدم! ثلاث واجبات عليك : زكاة مالك ، وصلة رحمك ، وأمر عائلتك وأضيافك ، ~~فإذا لم تفعل ما أوجبته عليك ، جعلتك نكالا للعالمين. يا بن آدم! إذا لم ~~ترع حق جارك كما ترعى حق عيالك ، لم أنظر إليك ، ولم أقبل عملك ، ولم أستجب ~~لدعائك. يا بن آدم! لا تتكل على مخلوق مثلك فأتكلك إليه ، ولا تتكبر على ~~خلقي فإن أولك من نطفة ، وإني أخرجتها من مخرج البول ، ( @QUR@04 من بين ~~الصلب والترائب ) [الطارق : 6 ، 7] ، ولا تنظر إلى ما حرمت عليك ، فإن ~~الدود أول ما يأكل منك عينيك ؛ واعلم أنك محاسب على النظرة والمحبة ، واذكر ~~مقامك غدا بين يدي ، فإني لا أغفل عن سريرتك طرفة عين ، إني عليم بذات ~~الصدور". ### ||| * الموعظة الرابعة والثلاثون # يقول الله عز وجل : " يا بن آدم! اخدمني ، فإني أحب من خدمني ، وأستخدم له ~~عبادي ، فإنك لا PageV01P575 # تدري قدر ما عصيتني فيما مضى من عمرك ، ولا قدر ما تعصيني فيما بقي منه ؛ ~~فلا تنس ذكري ، فإني فعال لما أريد ، واعبدني ، فإنك عبد ذليل وأنا رب ~~جليل. لو أن إخوانك ومحبيك من بني آدم وجدوا رائحة ذنوبك ، واطلعوا منك على ~~ما أعلمه منها ، لما جالسوك ولا قاربوك ، فكيف وهي في كل يوم زائدة ، وعمرك ~~في كل يوم في نقصان منذ ولدتك أمك! يا بن آدم! ليس من انكسر مركبه وعاد على ms752 ~~لوح من خشب ، وأحاطته الأمواج في البحر بأعظم مصيبة منك ؛ فكن من ذنوبك على ~~ويقين ومن عملك على خطر. يا بن آدم! إني أنظر إليك بالعافية ، وأستر عليك ~~ذنوبك ، وأنا غني عنك وأنت إلي بالمعاصي مع حاجتك إلي. يا بن آدم! تداري ~~إلى متى؟ تعمر الدنيا وهي فانية ، وتخرب الآخرة وهي باقية. يا بن آدم! ~~تداري خلقي وتخافهم خوفا من مقتهم. يا بن آدم! لو أن أهل السماوات والأرض ~~استغفروا لك لكان ينبغي لك أن تبكي على ذنوبك ، لأنك لا تدري على أي حال ~~تلقاني. يا موسى بن عمران! اسمع ما أقول ، والحق أقول : إنه لا يؤمن بي عبد ~~من عبادي حتى يأمن الناس من شره وظلمه وكيده ونميمته وبغيه وحسده. يا موسى ~~، ( @QUR@010 وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ، ومن شاء فليكفر ) [الكهف : 29]. ### ||| * الموعظة الخامسة والثلاثون # يقول الله عز وجل : " يا بن آدم! إنك أصبحت بين نعمتين ، لا تدري أيهما ~~أعظم ضدك ، أذنوبك المستورة عن الناس أم الثناء والحسن عليك ولو علم الناس ~~منك ما أعلمه ، ما سلموا عليك ، وأعظم من ذلك العافية ، وغناك عنهم ، ~~وحاجتهم إليك ، وكف أذاهم عنك. فاحمدني واعرف قدر نعمتي عليك ، وأخلص عملك ~~من الرياء ، وتزود كزاد المسافر الخائف ، واجعل خيرك تحت عرشي. يا بن آدم! ~~قلوبكم القاسية تبكي من أعمالكم ، وأعمالكم تبكي من أبدانكم ، وأبدانكم ~~تبكي من ألسنتكم ، وألسنتكم تبكي من أعينكم. يا بن آدم! خزائني لا تنفذ ~~أبدا ، فبقدر ما تنفق أنفق عليك ، وبقدر ما تمسك أمسك عليك ، وإنما بخلك ~~على المساكين بما رزقتك لسوء ظنك وخوفك الفقر ، وعدم ثقتك في ، لأني جعلت ~~أصل خلقتك الاهتمام بالرزق ، فإذا اهتممت بالرزق ورزقتك ، فأنفق ولا تبخل ~~برزقي على عبادي ، فقد ضمنت لك الخلف ، ووعدتك الأجر ، فلم تشك في كتابي؟ ~~ومن لم يصدق بوعدي ، ومن لم يصدق بأنبيائي ، فقد جحد ربوبيتي ، ومن جحد ~~ربوبيتي كببته في النار على وجهه". ### ||| * الموعظة السادسة والثلاثون # قال الله تعالى : " يا بن آدم! أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدوني واشكروا ms753 ~~لي ولا تكفرون. يا بن آدم! من عادى لي وليا ، فقد بارزني بالمحاربة. واشتد ~~غضبي على من ظلم من ليس له ناصر غيري ؛ من رضي بما قسمت له ، باركت له في ~~رزقه ، وأتته الدنيا راغمة وإن كان لا يريدها". PageV01P576 ### ||| * الموعظة السابعة والثلاثون # يقول الله عز وجل : " يا بن آدم! ضع يدك على صدرك فما أحببته لنفسك ، ~~فأحبه لغيرك. يا بن آدم! جسدك ضعيف ، ولسانك خفيف وقلبك جبار. يا بن آدم! ~~غايتك الموت ، فاعمل له قبل أن يأتيك. يا بن آدم! لم أخلق عضوا من أعضائك ~~حتى خلقت له رزقا. يا بن آدم! لو خلقتك أبكم لتحسرت على البصر ، ولو خلقتك ~~أصم لتحسرت على السمع ؛ فاعرف قدر نعمتي عليك ، واشكر لي ولا تكفرني. فإلي ~~المصير. يا بن آدم! ما قسمته لك فلا تتعب في طلبه ، وكل ما قسمته لك فهو ~~يطلبك حتى تستوفيه. يا بن آدم! لا تحلف بي كاذبا ، فمن حلف بي كاذبا أدخلته ~~النار. يا بن آدم! إذا أكلت رزقي ، فاتبع طاعتي. يا بن آدم! لا تطالبني ~~برزق غد ، فإني لا أطالبك بعمل غد. يا بن آدم! لو تركت الدنيا لأحد من ~~عبادي ، لتركتها على أنبيائي حتى يدعوا عبادي إلى طاعتي ، وإلى إقامة أمري. ~~يا بن آدم! اعمل لنفسك قبل نزول الموت بك ، ولا تغرنك الخطيئة ، فإن على ~~آثارها السفر ، ولا تلهك الحياة وطول الأمل عن التوبة ، فإنك تندم على ~~تأخيرها حين لا ينفعك الندم يا بن آدم! إذا لم تخرج حقي من المال الذي ~~رزقتك إياه ، ومنعت منه الفقراء حقوقهم ، سلط عليك جبار يأخذه منك ، ولا ~~أثيبك عليه. يا بن آدم! إن أردت رحمتي فالزم طاعتي ، وإن خشيت عذابي فاحذر ~~من معصيتي يا بن آدم! رضيت منك بالعمل القليل ، وأنت لا ترضى بالرزق ~~الكثير. يا بن آدم! إذا كسبت المال فاذكر الحساب ، وإذا جلست على الطعام ~~فاذكر الجائع ، وإذا دعتك نفسك على القدرة على الضعيف فاذكر قدرة الله عليك ~~، ولو شاء لسلطه ، وإذا نزل بك بلاء فاستعن بلا ms754 حول ولا قوة إلا بالله ~~العلي العظيم ، وإذا مرضت فعالج نفسك بالصدقة ، وإذا أصابتك مصيبة فقل : ~~إنا لله وإنا إليه راجعون". ### ||| * الموعظة الثامنة والثلاثون # يقول الله عز وجل : " يا بن آدم! افعل الخير ، فإنه مفتاح الجنة ويقود ~~إليها ، واجتنب الشر فإنه مفتاح النار ويقود إليها. يا بن آدم! اعلم أن ~~الذي تبنيه للخراب ، وأن عمرك للخراب وجسدك للتراب ، وما جمعته للورثة ؛ ~~فالنعيم لغيرك ، والحساب عليك ، والعقاب لك والندم ، والصاحب لك في القبر ~~العمل ؛ فحاسب نفسك قبل أن تحاسب ، والزم طاعتي ، واحذر معصيتي ، وارض بما ~~آتيتك ، وكن من الشاكرين. يا بن آدم! من أذنب ذنبا وهو ضاحك ، أدخلته النار ~~وهو باك ، ومن جلس باكيا من خشيتي أدخلته الجنة وهو ضاحك. يا بن آدم! كم من ~~غني يتمنى الفقر يوم حسابه ، وكم من جبار أذله الموت ، وكم من حلو مره ~~الموت ، وكم من مسرور بنعمته كدرها عليه الموت ، وكم من فرحة أورثت حزنا ~~طويلا. يا بن آدم! لو تعلم البهائم ما تعلمون من الموت ، لامتنعت من الأكل ~~والشرب حتى تموت جوعا وعطشا. يا بن آدم! لو لم يقدر عليك إلا الموت وشدته ~~لكان يجب عليك أن لا تهدأ بالليل ، PageV01P577 # ولا تقر بالنهار ، فكيف وما بعده أشد منه؟ يا بن آدم! اجعل سره وراءك بما ~~تناله من النعم في آخرتك ، وليكن أسفك على ما فاتك منها خيرات ، وما آتيك ~~من دنياك فلا تفرح به ، وما فاتك منها فلا تأس عليه. يا بن آدم! من التراب ~~خلقتك ، وإلى التراب أعيدك ، ومن التراب أبعثك ، فودع الدنيا وتهيأ للموت ، ~~واعلم أني إذا أحببت عبدا زويت عنه الدنيا واستعملته للآخرة ، وأريته عيوب ~~الدنيا فيحذرها ، ويعمل بعمل أهل الجنة فأدخله الجنة برحمتي ؛ وإذا بغضت ~~عبدا أشغلته عني بالدنيا واستعملته بعملها ، فيكون من أهل النار فأدخله ~~النار. يا بن آدم! كل عمر فان وإن طال ، والدنيا كفيء الظلال ، [يمكث] ~~قليلا ثم يذهب فلا يعود إليك. يا بن آدم! أنا الذي خلقتك ، وأنا الذي رزقتك ~~، وأنا الذي أحييتك ، وأنا الذي ms755 أميتك ، وأنا الذي أبعثك ، وأنا الذي ~~أحاسبك ، فإن عملت شرا رأيته ، مع أنك لا تملك لنفسك ضرا ولا نفعا ولا موتا ~~ولا حياة ولا نشورا. يا بن آدم! أطعني واخدمني ولا تهتم بالرزق ، فقد كفيتك ~~أمره ، ولا تحمل هم شيء قد كفيته. يا بن آدم! كيف تحمل أمر شيء لم يقدر لك ~~ولم تدركه ، كما أنك لم تأخذ ثواب عمل لم تعمله. يا بن آدم! من كان سبيله ~~الموت فكيف يفرح بالدنيا؟ ومن كان بيته القبر فكيف يسر في بيته في دار ~~الدنيا؟ يا بن آدم! رزق قليل وأنت شاكر خير من كثير [وأنت] غير شاكر. يا بن ~~آدم! خير مالك ما قدمته ، وشر مالك ما خلفته في الدنيا ، فقدم لنفسك خيرا ~~تجده عندي قبل أن يأخذك الموت. يا بن آدم! من كان مهموما ، فأنا الذي فرجت ~~همه ، ومن كان مستغفرا ، فأنا الذي أغفر له ، ومن كان تائبا ، فأنا الذي ~~نهيته ، ومن كان عاريا ، فأنا الذي كسوته ، ومن كان خائفا ، فأنا الذي أمن ~~خوفه ، ومن كان جائعا ، فأنا الذي أشبعه ، وإذا كان عبدي على طاعتي وأرضى ~~أمري ، يسرت له أمره وشددت أزره ، وشرحت صدره. يا موسى! من استغنى بأموال ~~الفقراء واليتامى أفقرته في الدنيا وعذبته في الآخرة ، ومن تجبر على ~~الفقراء والضعفاء أعقبت بناءه الخراب ، وأسكنته النار ( @QUR@08 إن هذا لفي ~~الصحف الأولى ، صحف إبراهيم وموسى ) [الأعلى : 18 ، 19]". PageV01P578 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * قانون التأويل # الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة ~~للعالمين ، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد : فقد سئل الإمام الزاهد أبو حامد ~~محمد بن محمد [بن محمد] الغزالي الطوسي رحمه الله عن بيان معنى قول رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : إن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم" ، هل هو ~~ممازجة كالماء بالماء ، أم هو مثل الإحاطة بالعود؟ وهل هو مباشرته للقلوب ~~بتخايل من خارج تنقلها القلوب إلى الحواس فتثبت فيها فيكون منها الوسواس ، ~~أم يباشر جوهره جوهر القلوب؟ وهل يمكن جمع بين ما رسمته النبوة ms756 من هذا ~~الوصف ، ومثله في ترائي الجن لبني آدم في صور الحيوانات ، وفي أشكال سواها ~~مختلفة ، كترائي الملائكة عليهم الصلاة والسلام للأنبياء في صور بني آدم؟ ~~أم صورتهم على تلك الأمثلة فينكشف الغطاء عنها لمن قدر له رؤيتها ، ثم يحدث ~~فيها كثافة جسمانية كما أحدث في الملائكة؟. # وهل من سبيل إلى الجمع بين هذا القول من الشرع في الجن والشياطين ، وبين ~~قول الفلاسفة إنها أمثلة وعبارة عن الأخلاط الأربعة التي في داخل الأجسام ~~لتدبيرها ، أم لا؟ # وما يظهر من المصروعين هل هو كلام الجني الذي يصرعه ، أم هو لسان المصروع ~~ببرسام يعتريه من شدة ما يناله منه؟. # وكيف إخبارهم بالغوائب التي في القوى ولم تخرج بعد إلى الفعل؟ والطبيعيون ~~يقولون في ذلك ما تعلمه من ثوران خلط السوداء وغلبته فيكون منه ذلك ~~ويسمونهم بخلط الريح ، وهل بينهما علة جامعة أم لا؟ # وكيف المثل الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم في إدبار الشيطان عند ~~الأذان وله حصاص ؛ هل أريد بذلك المثل كما تقول العرب : مضرط الحجارة ، ~~وفلان يحدث من الشدة ، أم يتصور في ذلك الوقت جسم يكون عنه الحصاص؟ فإن ~~الشيطان بسيط على علمه لا يتغذى ، فكيف يكون منه ما يكون من التغذي؟ وكيف ~~يكون أيضا الروث والعظم لهم غذاء وقد يكون بالشم ، والبسيط لا تصح فيه ~~الحواس المركبة؟ # وكيف الحقيقة في البرزخ؟ وهل أهله من قبيل أهل الجنة ، أم من قبيل أهل ~~النار؟ فليس هناك منزلة تتصور إلا في الجنة والنار ، وإن قيل إنه الفصل ~~المشترك المعبر عنه بالسور الذي PageV01P579 # له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ، هل هو صحيح ، أم هو غيره؟ # ومن المستوجب للبرزخ؟ فإن من رجع ميزانه صار إلى الجنة ومن خف ميزانه صار ~~إلى النار ، ومن استوى ميزانه كان في المشيئة. فهل هو عبارة عن التوقيف إلى ~~أن تنفذ له الكرامة ، أو غلبته الشقاوة؟ # والملائكة هل هم من المنعمين مع بني آدم في الجنة أم في غيرها؟ وهل هم ~~المعبر عنهم بالولدان ms757 أم الولدان صنف رابع غير الملائكة ، وبني آدم والجن ~~والحور العين نوع خامس ، أم كيف هم ، وما صفتهم؟. # وقد أفصح الكتاب أن عرض الجنة كعرض السماء والأرض ، وفي هذا أيضا ما ~~يحتاج إلى النظر أن يكون السماء لها وعاء وظرف ، ويزيد عرضها على عرضها. # وحوض رسول الله صلى الله عليه وسلم هل هو الفوز في أرض الموقف أم في الجنة؟ ~~والذي يظهر من الحديث أن من سبق له الفوز من النار شرب منه في شدائد الموقف ~~قبل الفصل ، وقبل الشفاعة ؛ وهل ماؤه من الجنة أو غيرها؟ ولا يصح أن يكون ~~من غيرها لقوله صلى الله عليه وسلم : " من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا" ~~وهل يكون شيء من الجنة في الأرض؟ وهل لجميع الأنبياء عليهم السلام حياض ، أم ~~هو من خصائص نبينا عليه السلام مع الشفاعة؟. # فلينعم بالجواب المشروح عن هذه الأسئلة بطريق الاستيفاء ، مثابا متطولا ~~إن شاء الله تعالى. # فقال مجيبا عنها : # أسئلة أكره الخوض فيها والجواب ، لأسباب عدة ؛ لكن إذا تكررت المراجعة ~~أذكر قانونا كليا ينتفع به في هذا النمط وأقول : # بين المعقول والمنقول تصادم في أول النظر وظاهر الفكر ؛ والخائضون فيه ~~تحزبوا إلى مفرط بتجريد النظر إلى المنقول ، وإلى مفرط بتجريد النظر إلى ~~المعقول ، وإلى متوسط طمع في الجمع والتلفيق. # والمتوسطون انقسموا إلى من جعل المعقول أصلا ، والمنقول تابعا ، فلم تشتد ~~عنايتهم بالبحث عنه ، وإلى من جعل المنقول أصلا ، والمعقول تابعا ، فلم ~~تشتد عنايتهم بالبحث عنه ، وإلى من جعل كل واحد أصلا ويسعى في التأليف ~~والتوفيق بينهما. فهم إذن خمس فرق : # الفرقة الأولى : هم الذين جردوا النظر إلى المنقول ، وهم الواقفون على ~~المنزل الأول من منازل الطريق القانعون بما سبق إلى أفهامهم من ظاهر ~~المسموع ؛ فهؤلاء صدقوا بما جاء به النقل تفصيلا وتأصيلا ، وإذا شوفهوا ~~بإظهار تناقض في ظاهر المنقول وكلفوا تأويلا امتنعوا وقالوا : إن الله قادر ~~على كل شيء. فإذا قيل لهم مثلا : كيف يرى شخص الشيطان في حالة واحدة في ~~مكانين ، وعلى صورتين مختلفتين؟ ms758 قالوا : إن ذلك ليس عجبا في قدرة الله ، ~~فإن الله قادر على كل شيء. وربما لم يتحاشوا أن يقولوا : إن كون الشخص ~~الواحد في مكانين في PageV01P580 # حالة واحدة مقدور لله تعالى. # والفرقة الثانية : تباعدوا عن هؤلاء إلى الطرف الأقصى المقابل لهم ، ~~وجردوا النظر إلى المعقول ، ولم يكترثوا بالنقل ، فإن سمعوا في الشرع ما ~~يوافقهم قبلوه ، وإن سمعوا ما يخالف عقولهم زعموا أن ذلك صوره الأنبياء ، ~~وأنه يجب عليهم النزول إلى حد العوام ، وربما يحتاج أن يذكر الشيء على خلاف ~~ما هو عليه. فكل ما لم يوافق عقولهم حملوه على هذا المحمل. فهؤلاء غلوا في ~~المعقول حتى كفروا ، إذ نسبوا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلى الكذب ~~لأجل المصلحة. # ولا خلاف بين الأمة أن من جوز ذلك على الأنبياء صلوات الله عليهم يجب حز ~~رقبته. وأما الأولون فإنهم قصروا طلبا للسلامة من خطر التأويل والبحث ، ~~فنزلوا بساحة الجهل ، واطمأنوا بها. إلا أن حال هؤلاء أقرب من حال أولئك ، ~~فإن تخلص هؤلاء عن المضايق بقولهم : إن الله على كل شيء قدير ، ونحن لا نقف ~~على كنه عجائب أمر الله ؛ ومخلص أولئك بأن قالوا : إن النبي إنما ذكر ما ~~ذكره على خلاف ما علمه للمصلحة. ولا يخفى ما بين المخلصين من الفرق في ~~الخطر والسلامة. # والفرقة الثالثة : جعلوا المعقول أصلا ، فطال بحثهم عنه وضعف عنايتهم ~~بالمنقول ، فلم تجتمع عندهم الظواهر المتعارضة المتصادمة في بادئ الرأي ، ~~وأول الفكر المخالفة للمعقول ، فلم يقعوا في غمرة الإشكال ؛ لكن ما سمعوه ~~من الظواهر المخالفة للمعقول جحدوه وأنكروه وكذبوا راويه ، إلا ما يتواتر ~~عندهم كالقرآن ، أو ما قرب تأويله من ألفاظ الحديث ؛ وما شق عليهم تأويله ~~جحدوه حذرا من الإبعاد في التأويل ، فرأوا التوقف عن القبول أولى من ~~الإبعاد في التأويل. ولا يخفى ما في هذا الرأي من الخطر في رد الأحاديث ~~الصحيحة المنقولة عن الثقات الذين بهم وصل الشرع إلينا. # والفرقة الرابعة : جعلوا النقول أصلا ، وطالت ممارستهم له فاجتمع عندهم ~~الظواهر الكثيرة ، وتطرفوا من المعقول ولم يغوصوا فيه ms759 ، فظهر لهم التصادم ~~بين المنقول والظواهر في بعض أطراف المعقولات. ولكن لما لم يكثر خوضهم في ~~المعقول ، ولم يغوصوا فيه ، لم يتبين عندهم المحالات العقلية ؛ لأن ~~المحالات بعضها يدرك بدقيق النظر وطويله الذي ينبني على مقدمات كثيرة ~~متوالية ، ثم انضاف إليه أمر آخر وهو : أن كل ما لم يعم استحالته حكموا ~~بإمكانه. ولم يعلموا الأقسام ثلاثة : قسم على استحالته بالدليل ، وقسم علم ~~إمكانه بالدليل ، وقسم لم يعلم استحالته ولا إمكانه. وهذا القسم الثالث جرت ~~عادتهم بالحكم بإمكانه ؛ إذ لم يظهر لهم استحالته ؛ وهذا خطأ ، كمن يحكم ~~باستحالته إذا لم يظهر إمكانه ؛ بل من الأقسام ما لم يعلم إمكانه ولا ~~استحالته ، إما لأنه موقف العقل وليس في القوة البشرية الإحاطة به ، وإما ~~لقصور هذا الناظر خاصة وعدم عثوره على دليله بنفسه وفقده لمن ينبهه عليه. PageV01P581 # ومثال الأول من حس البصر : قصور الحس البصري عن أن يعرف عدد الكواكب أنه ~~زوج أو فرد ، وأن يدرك عظم الكواكب مع بعدها على ما هي عليه. # ومثال الثاني ، وهو القصور الخاص : قصور حس بعض الناس عن أن يدرك منازل ~~القمر ، وظهور أربع عشرة منها في كل حال ، وخفاء أربع عشرة مقابل درج ~~المنازل في الغروب والشروق ، وغير ذلك مما وقف عليه بعض الناس بحس البصر ~~دون بعض. كذلك يتطرق إلى إدراك العقل مثل هذا النوع من التفاوت. # وهؤلاء لما قل خوضهم في المعقولات لم يكثر عندهم المحالات ، فكفوا مؤونة ~~عظيمة في أكثر التأويلات ، إذ لم ينتبهوا للحاجة إلى التأويل كالذي لم يظهر ~~له أن كون الله بجهة محال ، إذ استغنى عن تأويل الفوق والاستواء وكل ما ~~يشير إلى الجهة. # والفرقة الخامسة : هي الفرقة المتوسطة الجامعة بين البحث عن المعقول ~~والمنقول ، الجاعلة كل واحد منهما أصلا مهما ، المنكرة لتعارض العقل والشرع ~~وكونه حقا ؛ ومن كذب العقل فقد كذب الشرع ، إذ بالعقل عرف صدق الشرع ؛ ولو ~~لا صدق دليل العقل لما عرفنا الفرق بين النبي والمتنبي ، والصادق والكاذب ؛ ~~وكيف يكذب العقل بالشرع ، وما ثبت الشرع إلا بالعقل. ms760 # وهؤلاء هم الفرقة المحقة. وقد نهجوا منهجا قويما ؛ إلا أنهم ارتقوا مرتقى ~~صعبا ، وطلبوا مطلبا عظيما ، وسلكوا سبيلا شاقا ؛ فلقد تشوفوا إلى مطمع ما ~~أعصاه ، وانتهجوا مسلكا ما أوعره. ولعمري إن ذلك سهل يسير في بعض الأمور ، ~~ولكن شاق عسير في الأكثر. # نعم ، من طالت ممارسته للعلوم ، وكثر خوضه فيها ، يقدر على التلفيق بين ~~المعقول والمنقول في الأكثر بتأويلات قريبة ، ويبقى لا محالة عليه موضعان : ~~موضع يضطر فيه إلى تأويلات بعيدة تكاد تنبو الأفهام عنها ، وموضع آخر لا ~~يتبين له فيه وجه التأويل أصلا ، فيكون ذلك مشكلا عليه من جنس الحروف ~~المذكورة في أول السور إذا لم يصح فيها معنى بالنقل. ومن ظن أنه سلم عن ~~هذين الأمرين فهو إما لقصوره في المعقول وتباعده عن معرفة المحالات النظرية ~~، فيرى ما لا يعرف استحالته ممكنا ؛ وإما لقصوره عن مطالعة الأخبار ليجتمع ~~له من مفرداتها ما يكثر مباينتها للمعقول. فالذي أوصيه به ثلاثة أمور : # أحدها : أن لا يطمع في الاطلاع على جميع ذلك ؛ وإلى هذا الغرض كنت أسوق ~~الكلام ، فإن ذلك في غير مطمع ، وليتل قوله تعالى : ( @QUR@06 وما أوتيتم ~~من العلم إلا قليلا ) [الإسراء : 85]. # ولا ينبغي أن يستعبد استتار بعض هذه الأمور على أكابر العلماء فضلا عن ~~المتوسطين. وليعلم أن العالم الذي يدعي الاطلاع على مراد النبي ~~صلى الله عليه وسلم في جميع ذلك فدعواه لقصور عقله لا لوفوره. # والوصية الثانية : أن لا يكذب برهان العقل أصلا ، فإن العقل لا يكذب ، ~~ولو كذب العقل فلعله كذب في إثبات الشرع ، إذ به عرفنا الشرع. فكيف يعرف ~~صدق الشاهد بتزكية المزكي PageV01P582 # الكاذب ، والشرع شاهد بالتفاصيل ، والعقل مزكي الشرع؟. # وإذا لم يكن بد من تصديق العقل لم يمكنك أن تتمارى في نفي الجهة عن الله ~~، ونفي الصورة. وإذا قيل لك" إن الأعمال توزن" علمت أن الأعمال عرض لا يوزن ~~فلا بد من تأويل. وإذا سمعت" أن الموت يؤتى به في صورة كبش أملح فيذبح» ~~علمت أنه مؤول ؛ إذ الموت عرض لا يؤتى به ، إذ الإتيان ms761 انتقال ولا يجوز على ~~العرض. ولا يكون له صورة كصورة كبش أملح ؛ إذ الأعراض لا تنقلب أجساما. ولا ~~يذبح الموت ؛ إذ الذبح فصل الرقبة عن البدن ، والموت ماله رقبة ولا بدن ، ~~فإنه عرض أو عدم عند من يرى أنه عدم الحياة. فإذا لا بد من التأويل. # والوصية الثالثة : أن يكف عن تعيين التأويل عند تعارض الاحتمالات ، فإن ~~الحكم على مراد الله سبحانه ، ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم بالظن والتخمين ~~خطر ، فإنما تعلم مراد المتكلم بإظهار مراده ، فإذا لم يظهر فمن أين تعلم ~~مراده إلا أن تنحصر وجوه الاحتمالات ويبطل الجميع إلا واحدا فيتعين الواحد ~~بالبرهان. # ولكن وجوه الاحتمالات في كلام العرب وطرق التوسع فيها كثير ، فمتى ينحصر ~~ذلك فالتوقف في التأويل أسلم ؛ مثاله : إذا بان لك أن الأعمال لا توزن ، ~~وورد الحديث بوزن الأعمال ، ومعك لفظ الوزن ، ولفظ العمل ، وأمكن أن المجاز ~~لفظ العمل ، وقد كنى به عن صحيفة العمل التي هي محله حتى توزن صحائف ~~الأعمال ، واحتمل أن يكون المجاز هو لفظ الوزن ، وقد كنى به عن ثمرته وهو ~~تعريف مقدار العمل إذ هو فائدة الوزن ، والوزن والكيل أحد طرق التعريف ؛ ~~فحكمك الآن بأن المؤول لفظ العمل دون الوزن ، أو الوزن دون العمل ، من غير ~~استرواح فيه إلى عقل أو نقل حكم على الله وعلى مراده بالتخمين. # والتخمين والظن جهل ، وقد رخص فيه لضرورة العبادات والأعمال والتعبدات ~~التي تدرك بالاجتهاد. وما لا يرتبط به عمل إنما هو من قبيل العلوم المجردة ~~والاعتقادات ، فمن أين يتجاسر فيها على الحكم بالظن؟ وأكثر ما قيل في ~~التأويلات ظنون وتخمينات ، والعقل فيه بين أن يحكم بالظن ، وبين أن يقول : ~~أعلم أن ظاهره غير مراد ؛ إذ فيه تكذيب للعقل ، وأما عين المراد فلا أدري ~~ولا حاجة إلى أن أدري ؛ إذ لا يتعلق به عمل ولا سبيل فيه إلى حقيقة الكشف ~~واليقين ؛ ولست أرى أن أحكم بالتخمين. # وهذا أصوب وأسلم عند كل عاقل ، وأقرب إلى الأمن في القيامة ؛ إذ لا يبعد ~~أن يسأل في ms762 القيامة ويطالب ويقال : حكمت علينا بالظن ، ولا يقال له لم لم ~~تستنبط مرادنا الخفي الغامض الذي لم يؤمر فيه بعمل؟ وليس عليك فيه من ~~الاعتقاد إلا الإيمان المطلق ، والتصديق المجمل ، وهو أن تقول : ( @QUR@06 ~~آمنا به كل من عند ربنا ) [آل عمران : 7] # فهذه المطالبة في القيامة بعيدة ، وإن كانت فالجواب عنها أسهل ؛ ولأجله ~~قال الإمام مالك PageV01P583 # رضي الله عنه لما سئل عن الاستواء : " الاستواء معلوم ، والكيف غير معقول ~~، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة". # وبهذه الوصايا يستبين عذري في كراهيتي للجواب عن مثل هذه الأسئلة ؛ لكن ~~مع هذا أوثر مساعدته في بعض ما أورده فأقول : # أما قوله صلى الله عليه وسلم : " إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم" ~~فإشارة إلى سريان أثره في جميع باطن الإنسان كما تجري أجزاء الدم وتسري في ~~جميع باطنه ، وليس المراد أن جسمه يمازج جسم الإنسان ممازجة الماء للماء ؛ ~~وهذا قول عن تحقيق يطول شرح مقدماته وأدلتها عقلية. وأما كيفية مباشرته ~~للقلوب فليس بتخايل يظهره الحس ، فإني أصادف الوساوس في قلبي ، ولست أتخيل ~~شيئا ولا أشاهده بعيني عند اختلاج الوساوس. وهذا الحكم مقدمات دليله أكثرها ~~حسية ؛ بل الوسواس من الشيطان كالإلهام من الملك. ونحن نصادف في قلوبنا ~~خواطر مختلفة ، إذ يدعو بعضها إلى اتباع الهوى ، وبعضها إلى مخالفته ؛ وهذه ~~خواطر مختلفة بدليل اختلاف مقتضياتها. وهي مفترقة إلى أسباب لأنها حادثة ، ~~والمختلفات أسبابها مختلفة ، فسمى الشرع السبب الذي يحصل منه إلهام ملكا ، ~~والذي منه يحصل الوسواس شيطانا. والإلهام عبارة عن الخاطر الباعث على الخير ~~، والوسواس عبارة عن الباعث عن الشر ، والملك والشيطان عبارة عن أسبابهما. ~~وكما أن النار يستنير بها جوانب البيت ويسود بها أيضا سقفه ، فنعلم أن ~~النور يخالط السواد ، ونعلم أن سببه مخالط لسببه ، وأن سبب النور ضوء النار ~~، وسبب السواد دخانه ، فبذلك يعلم أن سبب الوسواس غير سبب الإلهام ؛ نعم ، ~~يبقى النظر في أن ذلك السبب عرض أو جوهر قائم بنفسه ؛ وقد ظهر أنه ليس بعرض ~~بل هو جوهر ، فبقي النظر في أنه ms763 حي أو ليس بحي ، وظهر أيضا أنه حي بأدلة ~~شرعية ، وللعقل أيضا فيه مدخل ما. # فأما قول الفلاسفة والطبيعيين إنه الأخلاط فهو جهل محض ، لأن تأثير ~~الأخلاط لا يعدو مقتضى الطبائع الأربع من الحرارة ، والبرودة ، والرطوبة ، ~~واليبوسة. والخواطر ، والاعتقادات ، والعلوم لا يجوز إن تكون من آثار ~~الطبائع التي هي أعراض جمادات ، بل هي نازلة من فوق الأرضيات بالرتبة ؛ ~~فينتج أنه جوهر غير متحيز ، أو هو جسم متحيز ، ويمنع أن يوجد غيره بحيث هو ~~لطيف كالهواء ، وكثيف كجسم آخر. وهذا النظر في الملك والجن ، والشيطان ؛ ~~فذهبت طائفة إلى أن كل ما هو قائم بنفسه جسم ، ووصفوا به الخالق ، تعالى ~~الله عن قولهم ، إذ لم يعقلوا إلا جسما. # وقالت طائفة : كل قائم بنفسه جسم إلا الله تعالى ، وأحالوا أن يكون في ~~الوجود سواه جوهر قائم بنفسه لا يتخيل. # وقال قوم : إن الملك والجن والشيطان ، كل هؤلاء جواهر حسية قائمة بنفسها ~~وليست بأجسام ولا متحركات ؛ وإنما استعمال النزول والانتقال والمجيء ~~والذهاب عليها استعارة كما في حق الله ؛ بل ثار هذا الخلاف بينهم أيضا في ~~الجوهر العالم المدرك من الإنسان ، فقال قوم : هو جزء لا يتجزأ ولا يتحيز. ~~فلا هو داخل البدن ، ولا هو خارجه ، ولا هو متصل ، ولا هو منفصل ؛ بل PageV01P584 # لا يجوز عليه هذه الصفات. ولست أذكر ما انكشف لي فيه ، فإن الصورة ~~المجملة لا تفيد كشفا بل تقليدا ؛ ولست بالتقليد أولى من غيري ، ولا منفعة ~~في التقليد في المعقولات. وأما كشفه ففيه طول ، ولو لم يطل أيضا لكان ~~الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في الكف عن ذكره أولى ، وأنه لم يذكر ~~سر الروح وهذا بحث عنه ، فلا ينبغي أن يزاد عليه في الإيضاح. # وأما ما شاهده الأنبياء والأولياء من صورة الملائكة والشياطين فهي في ~~الأكثر أمثلة تنافي معانيها وتقوم مقام مشاهدة عين المعاني ، كما يرى ~~الأنبياء في المنام ويستفاد منهم ؛ وإنما المشاهد في المنام مثلهم ، فأما ~~أشخاصهم فلم تنتقل عن مواضعهم ، فذكرت تفصيل ذلك في كتاب" عجائب القلب". ~~وكذلك ms764 القول في الجن ؛ ولذلك ترى صورا مختلفة ، إذ التمثيلات لا تنحصر ~~وجوهها ، كما أن من يرى النبي صلى الله عليه وسلم لا يراه على صورة واحدة. إلا ~~أن هذه التمثيلات تكون للأنبياء والأولياء في اليقظة ، ولغيرهم تكون في ~~المنام فقط. وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير جبريل على صورته ~~إلا مرتين مع كثرة رؤيته له في كل حين. # وأما الكلام المسموع من المصروع فهو كلامه ، وقول القائل تكلم الجني ~~بلسانه كلام غير معقول. نعم ، الجن سبب لوقوع خواطر وتمثيلات وخيالات في ~~قلبه ، تنبعث بسببه داعية الكلام والحركة ؛ وكلامه مثل كلام النائم ، ~~والنائم هو المتكلم لا غيره. وأما إخبار المصروع بالغيب فسببه أن جميع ما ~~كان وما يكون مسطور ثابت في شيء خلقه الله ، تارة يسمى لوحا ، وتارة إماما ~~، وتارة كتابا ، كما قال الله تعالى: ( @QUR@03 في كتاب مبين ) [الأنعام : ~~59 ، يونس : 61 ، هود : 6 ، النمل : 75 ، سبأ : 3] ( @QUR@03 في إمام مبين ~~) [يس : 12]. وثبوت الأشياء فيه كثبوت القرآن في دماغ الحافظ للقرآن ، وليس ~~مثل الرقوم المكتوبة المرتبة في جسم متناه ؛ لأن غير المتناهي لا يمكن أن ~~يكتب في المتناهي كهذه الكتب الظاهرة. والقلب مثل مرآة ، واللوح مثل مرآة ، ~~ولكن بينهما حجاب ، فإذا ارتفع تراءى في القلب الصور التي في اللوح. ~~والحجاب هو الشاغل ، والقلب في الدنيا مشغول ، وأكثر اشتغاله التفكر فيما ~~يورده الحس عليه ؛ فإنه من الحواس في شغل دائم. فإذا ركدت الحواس بالنوم أو ~~الصرع ، ولم يكن من فساد الأخلاط شاغل آخر في الباطن ، ربما يرى القلب بعض ~~تلك الصور المكتوبة في اللوح ؛ وتحقيق هذا يطول ، وقد أشرت إلى ملامح منه ~~في كتاب" عجائب القلب". وكذلك ما يظهر عند سكرات الموت حتى ينكشف للإنسان ~~موضعه من الجنة فيكون بشرى ، أو من النار والعياذ بالله فيكون نذيرا ؛ لأن ~~الحواس تركد في مقدمات الموت قبل زهوق الروح. # وأما حديث غذاء الشيطان من العظم ، وحصاصه ، وحديث الحوض ، والبرزخ فما ~~عندي في تفصيل المراد به تحقيق ؛ بل بعض ذلك مما أوصي بالكف ms765 فيه عن التأويل ~~، وبعضه مدركه النقل المحض ، وبضاعتي في علم الحديث مزجاة ، فموضع الحوض لا ~~يعرف إلا بمجرد النقل فليرجع فيه إلى الأحاديث. والبرزخ يمكن أن يكون ~~المراد به مرتبة بين الجنة والنار لمن ليست له حسنة ولا سيئة ، كالمجنون ، ~~والذي لم تبلغه الدعوة. والحكم بأن المراد إحداهما دون الأخرى تخمين إلا أن ~~يدل عليه النقل ، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. PageV01P585 ### ||| * الفهرس # مقدمة الناشر.......................................................... ~~.......... 5 # الحكمة في مخلوقات الله عز وجل ~~...................................................... 7 # معراج ~~السالكين................................................................ 47 # روضة الطالبين وعمدة ~~السالكين.................................................. 92 # قواعد العقائد في ~~التوحيد....................................................... 160 # خلاصة التصانيف في ~~التصوف................................................. 165 # القسطاس ~~المستقيم............................................................ 180 # منهاج ~~العارفين................................................................ 212 # الرسالة ~~اللدنية................................................................ 222 # فصل ~~التفرقة................................................................. 236 # أيها الولد............................................................ ~~........ 256 # مشكاة ~~الأنوار................................................................ 268 # رسالة ~~الطير.................................................................. 293 # الرسالة ~~الوعظية............................................................... 296 # إلجام العوام عن علم ~~الكلام.................................................... 300 # المضنون به على غير ~~أهله...................................................... 334 # الأجوبة الغزالية في المسائل ~~الأخروية............................................. 359 # بداية الهداية......................................................... ~~......... 368 # الأدب في ~~الدين.............................................................. 403 # كيمياء ~~السعادة............................................................... 418 # القواعد ~~العشر................................................................ 429 # الكشف ~~والتبيين.............................................................. 433 # سر العالمين وكشف ما في ~~الدارين................................................ 449 # الدرة الفاخرة في كشف علوم ~~الآخرة............................................. 509 # المنقذ من ~~الضلال............................................................. 537 # المواعظ في الأحاديث ~~القدسية.................................................. 565 # قانون ~~التأويل................................................................. 579 PageV01P586 ### |EDITOR| ENDNOTES: ms766