######OpenITI# #META# text_id: The_Aims_of_the_Philosophers_ar.xml #META# url: https://www.arabic-latin-corpus.philosophie.uni-wuerzburg.de/text/The_Aims_of_the_Philosophers_ar.xml #META# title_short: The Aims of the Philosophers #META# title_latin: Summa theorice philosophie #META# title_transcription: Maqāṣid al-falāsifa #META# author_latin: Algazel #META# author_transcription: al-Ġazālī #META# responsibility: transcribed by Samer Alsaj #META# version: 0.2.0 #META# ed_info: al-Ġazālī (Algazel), Maqāṣid al-falāsifa , ed. Muḥyī ad-Dīn Ṣ. al-Kurdī (Cairo, 1936). #META#Header#End# # المقاصد الفلاسقة ~~فى المنطق والحكمة الالهية والحكمة الطبيعية # بسم الله الرحمن الرحيم ~~الحمد لله الذى عصمنا من الضلال، وعرفنا مزلة أقدام الجهال ~~والصلاة والسلام على المخصوص من ذى الجلال بالقبول والاقبال ~~محمد المصطفى خير خلقه وعلى آله خير آل. # (أما بعد): فانك التمست كلاما شافيا فى الكشف عن ~~تهافت الفلاسفة وتناقض آرائهم ومكامن تلبيسهم وإغوائهم، ولا ~~مطمع فى إسعافك إلا بعد تعريفك مذهبهم، وإعلامك معتقدهم؛ ~~فان الوقوف على فساد المذاهب قبل الاحاطة بمداركها محال بل هو ~~وهى فى العماية والضلال، فرأيت أن أقدم على بيان تهافتهم كلاما ~~وجيزا مشتملا على حكاية مقاصدهم من علومهم المنطقية والطبيعية ~~والالهية من غير تمييز بين الحق منها والباطل بل لا أقصد إلا تفهيم ~~غاية كلامهم من غير تطويل بذكر ما يجرى مجرى الحشو والزوائد ~~الخارجة عن المقاصد وأورده على سبيل الاقتصاص والحكاية مقرونا ~~بما اعتقدوه أدلة لهم ومقصود الكتاب حكاية: # (مقاصد الفلاسفة): وهو اسمه وأعرفك أولا أن علومهم ~~أربعة أقسام؛ الرياضيات، والمنطقيات، والطبيعيات، والالهيات ~~(أما الرياضيات): فهى نظر فى الحساب والهندسة، وليس فى ~~مقتضيات الهندسة والحساب ما يخالف العقل، ولا هى مما يمكن ~~أن يقابل بانكار وجحد، وإذا كان كذلك فلا غرض لنا فى ~~الاشتغال بايراده* ~~(وأما الالهيات): فأكثر عقائدهم فيها على خلاف الحق ~~والصواب نادر فيها. # (وأما المنطقيات): فأكثرها على منهج الصواب والخطأ نادر ~~فيها وإنما يخالفون أهل الحق فيها بالاصطلاحات والايرادات دون ~~المعانى والمقاصد إذ غرضها تهذيب طرق الاستدلالات وذلك مما ~~يشترك فيه النظار. # (وأما الطبيعيات): فالحق فيها مشوب بالباطل. والصواب ~~فيها مشتبه بالخطأ فلا يمكن الحكم عليها بغالب ومغلوب، وسيتضح ~~فى كتاب التهافت بطلان ما ينبغى أن يعتقد بطلانه ولنفهم الآن ~~ما نحن نورده على سبيل الحكاية مهملا مرسلا من غير بحث عن ~~الصحيح والفاسد حتى إذا فرغنا منه استأنفنا له جدا وتشميرا فى ~~كتاب مفرد نسميه: (تهافت الفلاسفة) إن شاء الله. # ولتقع البداية بتفهيم المنطق وإيراده. # ~~القول في المنطق # (مقدمة فى تمهيد المنطق وبيان فائدته واقسامه) ~~(أما التمهيد): فهو أن ms001 العلوم وإن انشبعت أقسامها، فهى ~~محصورة فى قسمين؛ التصور والتصديق. # (أما التصور): فهو إدراك الذوات التى يدل عليها بالعبارات ~~المفردة على سبيل التفهيم والتحقيق كادراك المعنى المراد بلفظ الجسم ~~والشجر والملك والجن والروح وأمثاله* ~~(وأما التصديق): فكعلمك بأن العالم حادث والطاعة يثاب ~~عليها والمعصية يعاقب عليها. وكل تصديق فمن ضرورتة ان يتقدمه ~~تصوران فان لم يفهم العالم وحده، والحادث وحده، لم يتصور ~~منه التصديق بأنه حادث بل لفظ الحادث إذا لم يتصور معناه صار ~~كلفظ المادث مثلا. ولو قيل العالم مادث لم يمكنك لا تصديق ولا ~~تكذيب لأن ما لا يفهم كيف ينكر أو كيف يصدق به وكذا لفظ ~~العالم إذا أبدل بمهمل. ثم كل واحد من التصور والتصديق ينقسم ~~إلى ما يدرك أولا من غير طلب وتأمل، وإلى ما لا يحصل إلا ~~بالطلب* ~~أما الذى يتصور من غير طلب فكالموجود والشىء وأمثالهما* ~~وأما الذى يتحصل بالطلب فكمعرفة حقيقة الروح والملك ~~والجن وتصور الأمور الخفية وذواتها. # وأما التصديق المعلوم أولا: فكالحكم بأن الاثنين أكثر من ~~واحد وأن الأشياء المساوية لشىء واحد متساوية ويضاف إليه ~~الحسيات والمقبولات وجملة من العلوم التى تشتمل النفوس عليها ~~من غير سبق طلب وتأمل فيها وينحصر في ثلاثة عشر نوعا وسيأتى ~~فى موضعه* ~~وأما الذى يدرك بالتأمل: فكالتصديق بحدوث العالم وحشر ~~الأجساد والمجازات على الطاعات والمعاصى وأمثالها وكل ما لا بد ~~فى تصوره من طلب فلا ينال إلا بذكر الحد وكل ما لابد فى تصديقه ~~من طلب فلا ينال إلا بالحجة وكل واحد منهما من ضرورته أن ~~يتقدم عليه علم لا محالة فانا إذا أنكرنا معنى الانسان وقلنا ماهو فقيل ~~لنا هو حيوان ناطق فينبغى أن يكون الحيوان معلوما عندنا وكذلك ~~الناطق حتى يحصل لنا بهما العلم بالانسان المجهول، ومهما لم نصدق ~~بأن العالم حادث فقيل لنا العالم مصور وكل مصور حادث فاذا ~~العالم حادث فهذا لا يفيدنا العلم بما جهلناه من حدوث العالم إلا إذا ~~سبق لنا التصديق بأن العالم مصور وبان المصور حادث فعند ms002 ذلك ~~نقتنص بهذين العلمين العلم بما هو مجهول عندنا فيثبت بهذا أن كل ~~علم مطلوب فانما يحصل بعلم قد سبق ثم لا يتسلسل الى غير النهاية ~~فلا بد وأن ينتهى الى اوائل هى حاصلة فى غريزة العقل بغير طلب ~~وفكرة هذا تمهيد القول فى المنطق * ~~(أما فائدة المنطق): فلما ثبت أن المجهول لا يحصل الا بمعلوم ~~وليس بخفى أن كل معلوم لا يمكن التوصل به إلى كل مجهول بل لكل ~~مجهول معلوم مخصوص يناسبه وطريق فى إيراده وإحضاره فى ~~الذهن يفضى ذلك الطريق إلى كشف المجهول فما يؤدى منه إلى ~~كشف التصورات يسمى حدا أو رسما، وما يفضى إلى العلوم ~~التصديقية يسمى حجة فنه قياس ومنه استقراء وتمثيل وغيره. # وينقسم كل واحد من الحد والقياس إلى ما هو صواب ليفيد ~~اليقين وإلى ماهو غلطولكنه شبيه بالصواب. فعلم المنطق هو القانون ~~الذى به يميز صحيح الحد والقياس عن فاسدهما فيتميز العلم اليقينى عما. ~~ليس يقينيا وكانه الميزان والمعيار للعلوم كلها وكل ما لم يوزن بالميزان ~~لم يتميز فيه الرجحان عن النقصان، ولا الربح عن الخسران. فان ~~قيل إن كانت فائدة المنطق تميز العلم عن الجهل فما فائدةالعلم ؟ قيل له ~~الفوائد كلها مستحقرة بالاضافة إلى السعادة الأبدية وهى سعادة ~~الآخرة وهى منوطة بتكميل النفس، وتكميلها بأمرين. الذكية ~~والتحلية * ~~(أما التذكية): فهى تطهيرها عن رذائل الأخلاق وتقديسها ~~عن الصفات المذمومة * ~~(وأما التحلية): فبأن ينتقش فيها حلية الحق حتى ينكشف لها ~~الحقائق الالهية بل الوجود له على ترتيبه انكشافا حقيقيا موافقا ~~للحقيقة لاجهل فيها ولا لبس. ومثالها المرآة التى كمالها فى أن يظهر ~~فيها الصور الجميلة على ما هى عليها من غير اعوجاج وتغيير وذلك ~~بتطهيرها عن الخبت والصدأ بأن يحاذى بها شطر الصور الجميلة. # فالنفس مرآة تنطبع فيهاصور الوجود كلها مهما ذكيت وصقلت ~~بتخليتها عن رذائل الأخلاق ولا يمكن التميز بين الأخلاق المذمومة ~~والمحمودة إلا بالعلم ولا معنى لتحصيل نقش الموجودات كلهافى النفس ~~إلا بالعلم ولا طريق إلى تحصيله إلا بالمنطق فاذا فائدة ms003 المنطق اقتناص ~~العلم. وفائدة العلم حيازة السعادة الأبدية فاذا صح رجوع السعادة ~~إلى كمال النفس بالتذكية والتحلية صار المنطق لا محالة عظيم الفائدة ~~أما أقسام المنطق وترتيبه فيتبين بذكر مقصوده ومقصوده الحد ~~والقياس وتميز الصحيح منهما عن الفاسد وأهمهما القياس وهو مركب ~~إذ لا ينتظم قياس إلا من مقدمتين كما سيأتى وكل مقدمة فيهاموضوع ~~ومحمول وكل موضوع ففيه لفظ ويدل لا محالة على معنى ومن أراد ~~تحصيل المركب إما فى الوجود أو فى العلم فلا سبيل له إلا بتقديم ~~المفردات والأجزاء المفردة أولا كما أن بانى البيت يفتقر إلى اعداد ~~الخشب واللبن والطين وإحضار المفردات والأجزاء أولا ثم ~~الاشتغال بالبناء ثانيا فكذلك العلم يحذو حذو المعلوم فانه مثال ~~مطابق للمعلوم فطالب العلم بالمركب ينبغى أن يحصل العلم أولا ~~بالمفردات فلزم من ذلك أن نتكلم فى الألفاظ ووجه دلالتها على ~~المعانى ثم فى المعانى وأقسامها ثم فى القضية المركبة من محمول وموضوع ~~وأقسامها ثم فى القياس المركب من قضيتين . ونتكلم في القياس فى ~~حين أحدهما فى مادته والآخر في صورته كما سيأتى فعلى هذا يشتمل ~~ما نريد إيراده من المنطق على فنون * ~~(الفن الاول فى دلالة الالفاظ) ~~ويتضح المقصود منها بتقسمات خمسة: ~~(الأول ايساغوجى): اعلم بأن دلالة اللفظ لى المعنى من ~~ثلاثه أوجه: ~~(أحدها) بطريق المطابقة كدلالة لفظ البيت على معناه. # (والآخر): بطريق التضمن كدلالة لفظ البيت على الحائط. # المخصوص فان لفظ الحائط موضوع للمسمى به بالمطابقة فيدل عليه ~~بذلك ولفظ البيت أيضا يدل عليه ولكن يفارقه في وجه الدلالة. # (والثالث): بطريق الالتزام كدلالة السقف على الحائط فانه يباين ~~طريق المطابقة والتضمن فلم يكن بد من اختراع اسم ثالث والمستعمل ~~فى العلوم والمعول عليه فى التفهيمات طريق المطابقة والتضمن أما ~~الالتزام فلا فان اللوازم أيضا لها لوازم ويتداعى إلى أمور غير ~~محدودة ولا يحصل التفاهم بها * ~~(قسمة ثانية): اللفظ ينقسم إلى مفرد ومركب. # (أمالمفرد): فهو الذى لا يراد بأجزائه أجزاء من المعنى كالانسان ~~فانه لا يرادبان ولا بسان معنى من أجزاء ms004 معنى الانسان بخلاف قولك ~~غلام زيد. وزيد يمشى إذيراد بالغلام الذى هو جزء من الكلام معنى ~~وبزيد معنى وإذا قلت عبد الله وكان اسم لقب كان مفردا لأنك ~~لاتقصد به إلا ما تقصد بقولك زيد. وان أردت النعت فهو مركب ~~وإذ كان كل مسمى بعبد الله عبد الله لا محالة صار هذا الاسم فى حقه ~~كالمشترك تارة بطلق لقصد التعريف فيكون اسما مفردا وتارة يراد ~~به الوصف فيكون مركبا * ~~(قسمة ثالثة): اللفظ ينقسم إلى جزئى وكلى، فالجزئى ما يمنع نفس ~~مفهومه من الشركة فيه كقولك زيد وهذا الفرس وهذه الشجرة ~~والكلي مالا يمنع نفس مفهومه من وقوع الشركة فيه كالفرس ~~والشجروالانسان وان لم يكن فى العالم إلا فرس واحد فقولك الفرس ~~كلى لأن الاشتراك فيه نمكن بالقوة وان لم يوجد بالفعل وإنما يصير ~~جزئيا بأن تقول هذا الفرس. ولهذا لوقلت الشمس فهو كلى لأنه لو ~~قدرت شموس لدخلت تحت الاسم بخلاف قولك هذه الشمس ~~(قسمة رابعة): اللفظ ينقسم إلى فعل واسموحرف، والمنطقيون ~~يسمون الفعل كلمة وكل واحد من الاسم والفعل يفارق الحرف ~~فى ان معناه تام بنفسه فى الفهم بخلاف الحرف فانه إذا قيل لك من ~~الداخل فقلت زيد فهم وتم الجواب. واذا قيل ماذا فعلت فقلت ~~ضربت تم الجواب ولوقيل أين زيد فقلت فى أوقلت على لم يتم ~~الجواب مالم تقل فى الدار أوعلى السطح فيظهر معنى الحرف فى غيره ~~لا في نفسه ،ثم يفارق الكلمة الاسم فى انه يدل على معنى وعلى زمان ~~وقوع ذلك المعنى كقولك ضرب فانه يدل على الضرب الواقع فى ~~الماضى والاسم كقولك الفرس فانه لا يدل على الزمان . فان قيل ~~فقولك أمس وعام أول يدل على الزمان فليكن فعلا. قيل الفعل ~~ما دل على معنى وعلى زمان ذلك المعنى، وقولك أمس يدل على زمان ~~هو نفس المعنى لاهو زمان المعنى فلو كان يدل أمس على معنى الأمس ~~وعلى زمان هو غير معنى الأمس لقيل انه فعل ولكان لازما ومنطبقا ~~على حد الفعل. # (قسمة ms005 خامسة ): الألفاظ من المعاني على خمسة منارل؛ ~~(المتواطئة والمترادفة والمتباينة والمشتركة والمتفقة) أما المتواطئة ~~فكقولك حيوان فانه ينطبق على الفرس والثور والانسان بمعنى ~~واحد من غير تفاوت في القوة والضعف ولا تقدم ولا تأخر بل ~~الحيوانية للكل واحد وكذلك الانسان على زيد وعمرو وخالد ~~وأما المترادفة فهى الاسامى المختلفة المتواردة على مسمى واحد كالليث ~~والأسد والخمر والعقار، والمتباينة هى الاسامى المختلفة للمسميات ~~المختلفة كالفرس والثور والسماء لمسمياته . والمشتركة هى اللفظ الواحد ~~المطلق على مسميات مختلفة كلفظ العين للذهب والشمس والميزان ~~وعين الماء، والمتفقة هى المترددة بين المشتركة والمتواطئة كالوجود ~~للجوهر والعرض فانه ليس كلفظ العين إذ مسمياتها لا تشترك فى أمر ~~والوجود حاصل للعرض كما أنه حاصل للجوهر وليس كالمتواطئة لأن ~~الحيوانية للفرس والانسان ثابت على وجه واحد من غير اختلاف ~~والوجود يثبت للجوهر أولا. ثم يثبت للعرض بواسطته فهو ثابت ~~بتقدم وتأخر. وقد يسمى هذا مشككا لتردده، ولنقتصر من فن ~~الألفاظ على هذا الفن * ~~(الفن الثانى فى المعانى الكلية واختلاف نسبها واقسامها) ~~إذا قلنا هذا الانسان حيوان وأبيض أدركنا تفرقة بين نسبة ~~الحيوانية اليه وبين نسبة الأبيضية اليه فما نسبته إلى الموضوعات ~~نسبة الحيوانية يسمى ذاتيا. وما نسبته يشبه نسبة الأبيضية يسمى ~~عرضيا فيقال كل معنى كلى نسب إلى جزئى تحته فاما أن يكون ذاتيا ~~واما أن يكون عرضيا ولا يكون المعنى ذاتيا مالم يجتمع فيه ثلاثة ~~أمور: ~~(الأول): أنك مهما فهمت الذاتى وفهمت ما هو ذاتى له لم ~~يمكنك أن يخطر بالك الموضوع أوتفهمه إلا أن تفهم أولا حصول ~~الذاتى له ولا يمكنك فهمه دون ذلك الذاتى فانك اذا فهمت الانسان ~~والحيوان لم يمكنك فهم الانسان دون فهم الحيوان أولا. واذا ~~فهمت العدد وفهمت الأربعة لم يمكنك أن تقدر الأربعة داخلة ~~فى فهمك دون أن تفهم العدد اولا ولو أبدلت الحيوان والعدد ~~بالموجود والأبيض امكنك أن تفهم الأربعة من غير ان يدخل فى ~~فهمك انها موجودة ام لا وانها ابيض اولا بل ربما يشك فى ان فى ~~العالم ms006 أربعة أم لا وذلك لا يقدح في فهم ذات الأربعة وكذلك تفهم ~~ماهية الانسان بعقلك من غير أن تحتاج الى فهم كونه أبيض أو فهم ~~كونه موجودا ولا يمكن دون كونه حيوانا، وان لم يساعدك الذهن ~~فى فهم هذا المثال لأنك انسان موجود ولكثرة وجود الانسان ~~فابدله بالتمساح أو بما شئت من الحيوانات وغيرها فبذلك يظهر أن ~~الوجود عرضى للماهيات كلها، وأما الحيوان للانسان فذاتى وكذلك ~~اللون للسواد والعدد للخمسة. # (والثانى): أنك تفهم أن الكلى لا بد أن يكون أولا حتى يكون ~~الجزئى الموضوع تحته حاصلا إما في الوجود أو فى الذهن اذ تفهم ~~أنه لا بد من حيوان أولا حتى يكون انسانا أو فرسا ولا بد من ~~عدد أولا حتى يكون أربعة أو خمسة ولا يمكنك أن تقول لا بد ~~من ضحاك أولا حتى يكون انسانا بل لا بد من انسان أولا حتى ~~يكون ضحاكا. وكون الانسان ضحاكا بالطبع وصف له عرضى تابع ~~لوجوده وهو مساو لكونه حيوانا فى أنه لازم لا يفارق ولكن ~~الفرق بينهما مدرك اذ لا بد من اتصال الروح بجسد الانسان أولا ~~ليكون انسانا ولا يمكن ان يقال لا بد من ضحاك أولا ليكون انسانا ~~بل لا بد من انسان أولا ليكون ضحاكا. ولا نعنى بهذه الأولية ترتيبا ~~زمانيا بل ترتيبا عقليا وان كان مساويا فى الزمان * ~~(والثالث): ان الذاتى لا يمكن أن يعلل فلا يمكن أن يقال أى ~~شىء جعل الانسان حيوانا والسواد لونا والأربعة عددا بل الانسان ~~حيوان بعينه وذاته لا بجعل جاعل اذ لو ان بحعل جاعل لتصور أن ~~يجعله انسانا ولا يجعله حيوانا ولا يمكن ذلك فى الوهم كما يمكن فى ~~الوهم أن يجعل انسانا ولا يجعل ضحاكا * ~~وأما العرضى فمعلل اذ يقال ما الذى جعل الانسان موجودا ~~فيصح السؤال ولا يصح أن يقال ما الذى جعله حيوانا بل كان ~~قولك ما الذى جعل الانسان حيوانا كقولك مالذى جعل الانسان ~~انسانا فيقال هو انسان لذاته وكذلك هو حيوان لذاته لأن ~~معنى ms007 الانسان حيوان ناطق فلافرق بين قوله ما الذى جعل الحيوان ~~الناطق حيوانا ناطقا وبين قوله ما الذى جعل الانسان حيوانا الا ~~أنه اقتصر فى أحد السؤالين على ذ كر احدى الذاتيين دون الأخرى ~~وبالجملة مهما لم يكن المحمول غير الموضوع وخارجا عن ذاته ~~بالكلية لم يمكن ان يطلب له علة فلا يقال لم كان الممكن ممكناوالواجب ~~واجبا ويقال لم كان الممكن موجودا * ~~(قسمة أخرى للعرض خاصة): العرض ينقسم إلى لازم لا يفارق ~~أصلا كالضحاك للانسان، وكالزوجية للاثنين، وككون الزوايا من ~~المثلث مساوية لقائمتين فانه لا يفارق المثلث وهو لازم وليس بذاتي ~~والذى يفارق ينقسم إلى ما هو بطئ، المفارقة ككونه صبيا وشابا ~~وإلى ما هو سريع المفارقة كصفرة الوجل وحمرة الخجل. والذى ~~يفارق ينقسم إلى ما يفارق فى الوهم دون الوجود كالسواد للزنجى ~~والى مالا يتصور ان يفارق أيضا في الوهم كالمحاذاة للنقطة والزوجية ~~للاربعة وقد يفارق فى الوهم دون الوجود ككون الزوايا من المثلث ~~مساوية لقائمتين إذ قد يفهم المثلث من لا يفهم ذلك ولا يمكن فهم ~~الأربعة إلا وان يقترن به فهم الزوجية وإن كانت من اللوازم. ولما ~~كان مثل هذا اللازم قريبا من الذاتي وملتبسا به جمعنا تلك المعانى ~~الثلاثة لتعتبر جميعها فتعرف باجتماعها كون الشىء ذاتيا ولا يعول على ~~آحادها ، وينقسم العرضى إلى ما يخص موضوعه كالضحاك للانسان ~~ويسمى خاصا وإلى ما يعم غيره كالأكل للانسان ويسمى عرضيا مطلقا ~~وعرضا عاما * ~~(قسمة أخرى للذاتى): الذاتي ينقسم باعتبار العموم والخصوص ~~الى ما لا أعم فوقه ويسمى جنسا والى ما لا أخص تحته ويسمى نوعا ~~والى ما هو متوسط ويسمى نوعا بالاضافة الى ما فوقه وجنسا بالاضافة ~~الى ماتحته و يسمى الذى لا نوع تحته نوع الأنواع والذى لا جنس ~~فوقه جنس الأجناس، والأجناس العالية التى لا جنس فوقها عشرة ~~كما سيأتى ، واحد جوهر وتسعة أعراض. فالجوهر جنس الأجناس ~~إذ ليس شىء أعم منه إلا الوجود وهو عرضى وليس بذاتى ، والجنس ~~عبارة عن الذاتي الأعم ، ثم ينقسم إلى ms008 الجسم وغير الجسم، والجسم ~~ينقسم إلى النامى وغير النامى . والنامى ينقسم إلى الحيوان وإلى النبات ~~والحيوان ينقسم الى الانسان وغيره فالجوهر جنس الأجناس ~~والانسان نوع الأنواع وما بينهما من النبات والحيوان يسمى نوعا ~~وجنسا بالاضافة، وإنما قيل للانسان نوع الأنواع لأنه لا ينقسم ~~إلا الى معان عرضية كالصبى والكهل والطويل والقصير والعالم ~~والجاهل وهذه عرضيات ليست بذاتيات اذ الانسان يفارق ~~الفرس بذاته. والسواد يفارق البياض بذاته وهذا السواد لا يفارق ~~ذلك السواد بذاته وطباعه ولكن يكون هذا فى المداد وذلك فى ~~الغراب واضافته الى الغراب عرضى له وزيد لا يفارق عمرا فى ~~الانسانية ولافى أمر ذاتى بل فى كونه ابن شخص آخر ومن بلد آخر ~~أوعلى لون آخر وقديوجد فيه حرفة وخلق آخر. وكل هذا عرضيات ~~للانسان كما سبق ذكره بتعريف العرضى* ~~(قسمة أخرى): الذاتى باعتبار آخر ينقسم الى ما يقال فى جواب ~~ماهو مهما كان مطلب السائل بقوله ما هو حقيقة الذات والى ما يقال ~~فى جواب أى شىء هو فالأول يسمى جنسا أونوعا. والآخر يسمى ~~فصلا، فمثال الأول الحيوان المقول فى جواب قول القائل بعد اشارته ~~الى فرس أو ثور أو انسان ماهو وكذا الانسان المقول فى جواب ~~من أشار الى زيد وعمرو وخالد وقال ماهم، ومثال الثانى الناطق فانه ~~اذا أشار الى انسان وقال ماهو فقلت حيوان لم ينقطع السؤال فان ~~الحيوان يشمل غير الانسان بل يحتاج الى مايفصل ذاته عن غيره ~~فيقول أى حيوان هو فجوابه انه الناطق فيكون الناطق فصلا ذاتيا ~~مقولا فى جواب أى شىء هو، ومجموع الحيوان والناطق حد حقيقي ~~اذ الحد عبارة عما يصوركنه ماهية الشىء فى نفس السائل فان أبدلت ~~الناطق بعرضى يفصله عن سائر الحيوانات كقولك حيوان مديد ~~القامة عريض الأظفار ضحاك بالطبع فان هذا يميزه ويفصله عن ~~سائر الحيوانات ولكن يسمى رسما، وفائدته التمييز فقط. وأما ~~الحد فيطلب به حقيقة ذات الشىء فلا يحصل الا بذكر الفصول ~~الذاتية. وأما التمييز فيحصل تبعا لها وقد يحصل التمييز بفصل واحد ~~وقد ms009 لا تتصور الحقيقة الا بذكر فصول فرب شىء له فصول تزيد على ~~تواحد، فيجب على المطلوب منه تصوير ماهية الشىء فى النفس ان يذكر ~~تلك الفصول فمن قال فى حد الحيوان انه جسم ذو نفس حساس فقد ~~أتى بأمور ذاتية مميزة مطردة منعكسة ولكنه ينبغي أن يضيف اليه ~~المتحرك بالارادة حتى يتم به ذكر الفصول الذاتية ويتم بسببه تصور ~~الحقيقة. واذا عرض الكلام فى الحد فلننبه على مثارات الغلط وهى ~~بعد الجمع بين الجنس الأقرب وجميع الفصول الذاتية على الترتيب ~~رجع الى تعريف الشىء بما ليس أوضح منه بأن تعرف الشىء بنفسه ~~أو بما هو مثله فى الغموض أو بما هو أغمض منه أو بما لا يعرف ~~الا به. مثال الأول قولهم فى حد الزمان انه مدة الحركة لأن الزمان ~~هو مدة الحركة ومن أشكل عليه الزمان فلم يشكل عليه الا مدة الحركة ~~وان معنى المدة ما هو. ومثال الثانى ان تقول فى حد البياض البياض ~~ما يضاد السواد فيعرف الشيء بضده، ومهما أشكل الشىء أشكل ~~ضده فضده فى الخفاء مثله فليس تعريف البياض بالسواد بأولى من ~~عكسه، ومثال الثالث قول بعضهم في حد النار انه العنصر الشبيه ~~بالنفس، ومغلوم أن النفس أغمض من النار فكيف تعرف به. # ومثال الرابع: أن يعرف الشىء بما لا يعرف إلا به كقولك فى حد ~~الشمس أنه الكوكب المضىء الذى يطلع نهارا فيذكر النهار فى حد ~~الشمس ولا يعرف النهار إلا بعد معرفة الشمس إذ حده الصحيح ~~هو أن تقول هو زمان كون الشمس فوق الأرض فهذه أمور ~~مهمة فى الحد يجب الاحتراز منها * ~~وقد تحصل مما سبق أن الذاتى ثلاثة أقسام: ~~(جنس، ونوع، وفصل) والعرضى قسمان: ~~(خاصة وعرض عام) فثبت أن أقسام الكليات خمسة يسمى ~~المفردات الخس وهى: ~~(الجنس والنوع والفصل والعرض العام والخاصة) ~~(الفن الثالث فى تركيب المفردات واقسام القضايا) ~~المعاني المفردة إذا ركبت حصلت منها أقسام ولسنا نقصد من ~~جملتها إلا قسما واحدا وهو الخبر، ويسمى قضية وقولا جازما وهو ~~الذى ms010 يتطرق إليه التصديق أو التكذيب, فانك إذا قلت العالم حادث ~~أمكن أن يقال إنك صادق، وإذا قلت الانسان حجر أمكن أن ~~تكذب، وإذا قلت إن كانت الشمس طالعة فالكوا كب خفية ~~صدقت، فان قلت فالكواكب ظاهرة كذبت، وإن قلت العالم إما ~~حادث وإما قديم صدقت، وإن قلت زيد إما بالعراق وإما بالحجاز ~~كذبت إذ قد يكون بالشام وهذه هى أقسام القضايا * ~~واما إذا قلت علمنى مسألة. أو قلت هل توافقنى فى الخروج إلى ~~مكة لم يمكن أن تصدق أو تكذب فهذا معنى القضية ولنشرحها ~~بذكر تقسيمات. # (القسمة الأولى): أن القضية تنقسم إلى حمليةكقولك العالم ~~حادث، وإلى شرطية متصلة كقولك إن كانت الشمس طالعة فالنهار ~~موجود، وإلى شرطية منفصلة كقولك العالم إما قديم وإما حادث ~~أما الأولى الجملى فيشتمل على جزئين يسمى أحدهما موضوعا ~~وهو المخبر عنه كالعالم من قولك العالم حادث. ويسمى الثانى محمولا ~~وهوالخبر كالحادث من قولك العالم حادث، وكل واحد من المحمول ~~والموضوع قد يكون لفظا مفردا كما ذكرناه وقد يكون لفظا مركبا ~~ولكن يمكن أن يدل عليه بلفظ مفرد كقولك الحيوان الناطق ~~منتقل بنقل قدميه. فالحيوان الناطق موضوع ويقوم مقامه لفط ~~الانسان وهو مفرد ، وقولك منتقل بنقل قدميه محمول ويقوم مقامه ~~قولك ماش * ~~(وأما الشرطية المتصلة): فلها أيضا جزآن ولكن كل جزء منهما ~~يشتمل على قضية * ~~"أما الجزء الأول"وهو قولك إن كانت الشمس طالعة فيسمى ~~مقدما ولو حذف منه حرف الشرط وهو قولك (إن) بقى قولك ~~الشمس طالعة وهو قضية فكأن حرف الشرط أخرجها عن كونها ~~قضية قابلة للتصديق والتكذيب* ~~"وأما الجزء الثانى": وهو قولك الكواكب خفية يسمى تالية ~~ولو حذف منه حرف الجزاء وهو الفاء لبقى قولك الكواكب خفية ~~وهى قضية والفرق بين هذا وبين الحملى ظاهر من وجهين* ~~"أحدهما": أن الشرطية المتصلة انتظمت من جزئين لا يمكن ~~أن يدل على كل واحد من جزئه بلفظ مفرد بخلاف الحملية * ~~"والثاني": أنه يمكن أن يسأل عن الموضوع أنه هو المحمول ~~فانك تقول الانسان حيوان، ويمكن أن يسأل ms011 فيقال هل الانسان ~~هو الحيوان، وأما المقدم فلا يكون هو التالى بل التالى ربما يكون ~~غيره ولكن يكون متصلا به لازما وتاليا فى وجوده لوجوده ~~وتفارق الشرطية المتصلة المنفصلة بوجهين* ~~"أحدهما": أن المنفصلة أيضا تشتمل على جزئين كل واحد ~~أيضا قضية إذا حذفت عنها كلمة الشرط، ولكن لا ترتيب بين جزئيه ~~إلا من حيث الذكر فانك تقول العالم إما حادث وإما قديم، ولو ~~عكست وقلت إما قديم وإما حادث لم يتبدل المعنى. أما التالى إذا ~~جعل مقدما تغير المعنى فى الشرطية المتصلة، وربما كذب احدهما ~~وصدق الآخر* ~~"والثاني": ان التالى موافق للمقدم بمعنى انه يتصل به ويلازمه ~~ولا يعانده، وأحد جزئى المنفصلة معاند للآخر ومنفصل عنه إذ ~~يوجب وجود أحدهما عدم الآخر ~~(قسمة أخرى): القضية باعتبار محمولها ينقسم الى موجبة ~~كقولك العالم حادث، وإلى سالبة كقولك العالم ليس بحادث. وليس ~~هو حرف السلب، والسلب فى الشرطية المتصلة أن تسلب الاتصال ~~بأن تقول ليس ان كانت الشمس طالعة فالليل موجود والسلب فى ~~المنفصلة أن تسلب الانفصال بأن تقول ليس الحمار إما ذكر وإما ~~أسود بل إما ذكر وإما أنثى، وليس العالم إما قديم واما جسم بل اما ~~قديم واما حادث وربما كان المقدم سالبا والتالى سالبا والشرطية ~~المركبة منهما موجبة كقولك ان لم تكن الشمس طالعة فالنهار ليس ~~بموجود فهذه موجبة لأنك أوجبت لزوم نفى النهار لنفى الطلوع وهو ~~معنى الانجاب فى هذه القضية وهنا مزلة القدم وكذلك قد يغلط فى ~~الحملية ويظن أن قولك: (زيدنا بينا است) بالعجمية سالبة وهى ~~موجبة إذ معناه أنه أعمى وربما يقال بالعربية: زيد غير بصير وهى ~~موجبة والعير البصير عبارة عن الأعمى، وهو بجملته محمول يمكن ~~أن يثبت، ويمكن أن ينفى بأن يقال زيد ليس غير بصير اذ سلب ~~الغير بصير عن زيد، وتسمى هذه قضية معدولة أى هو ايجاب ~~فى التحقيق عدل به الى صيغة السلب. وآية ذلك أن السلب يصح ~~على المعدوم فيمكن أن يقال: شريك الله ليس بصيرا اذ المحال ~~ليس ms012 عينا ولا يمكن أن يقال شريك الله غير بصير كما لا يقال أعمى ~~وهو في لغة العجم أظهز* ~~(قسمة اخرى): القضية باعتبار موضوعها تنقسم إلى شخصية ~~كقولك زيد عالم وإلى غير شخصية وهى تنقسم إلى مهملة ومحصورة ~~فالمهمل مالم يسور بسور يبين فيه أن الحكم محمول على كل الموضوع ~~أو بعضه كقولك الانسان فى خسر إذ يحتمل أنك تريد البعض ~~والمحصورة هى التى ذكر ذلك فيها وهى أربعة. إما موجبة كليةكقولك ~~كل إنسان حيوان. أو موجبة جزئية كقولك بعض الناس كاتب ~~أوسالبة كلية كقولك لا إنسان واحدحجر. أوسالبة جزئية كقولك ~~لا كل إنسان كاتب أوبعض الناس ليس بكاتب فتكون القضايابهذا ~~الاعتبار ثمانية: ~~(شخصية سالبه. شخصية موجبة. مهملة سالبة. مهملة موجبة) ~~وهذه الأربع لا تستعمل فى العلوم. أما الشخصى المعين فلا يطلب ~~حكمه فى العلوم إذ لا يطلب حكم زيد بل يطلب حكم الانسان. وأما ~~المهملة فهى فى قوة الجزئية لأنها حاكمة على الجزء لا محالة. وأما العموم ~~فمشكوك ولأجل تردده يجب أن يهجر فى التعليمات فيبقى المحصورات ~~الأربعة: ~~(موجبة كلية، وموجبة جزئية، وسالبة كلية، وسالبة جزئية) ~~والشرطية المتصلة أيضا تنقسم إلى كلية كقولك كلما كانت الشمس ~~طالعة فالنهار موجود وإلى جزئية كقولك ربما إن كانت الشمس طالعة ~~كان الغيم موجودا، وأما المنفصلة فالكلية منها أن تقول كلجسم فاما ~~متحرك وإما ساكن، والجزئية أن تقول الانسان إما أن يكون فى ~~السفينة وإما أن يغرق. فهذا الانقسام والتغاير ثابت للانسان ولكن ~~فى بعض الأحوال وهو أن يكون فى البحر لا فى البر، وعليك أن ~~تورد مثال السالبة الجزئية والكلية من الشرطية المتصلة والمنفصلة. ~~(قسمة أخرى وهى الرابعة): القضية باعتبار نسبة محمولها إلى ~~موضوعها تنقسم إلى ممكنة كقولك الانسان كاتب، الانسان ليس ~~بكاتب، وإلى ممتنعة كقولك الانسان حجر، الانسان ليس بحجر ~~اوالى واجبة كقولك الانسان حيوان، الانسان ليس بحيوان. فنسبة ~~الكتابة الى الانسان نسبة الامكان، ولايلتفت الى اختلاف السلب ~~والايجاب في اللفظ. فان المسلوب محمول بالسلب كما أن الموجب ~~محمول بالايجاب، ونسبة الحجر ms013 الى الانسان نسبة الامتناع، ونسبة ~~الحيوان اليه نسبة الوجوب، والممكن لفظ مشترك لمعنيين؛ اذ قد ~~يراد به كل ما ليس بممتنع فيدخل فيه الواجب وتكون الأمور بهذا ~~الاعتبار قسمين: ممكن وممتنع وقد يراد به ما يمكن وجوده ~~ويمكن عدمه أيضا وهو الاستعمال الخاص وتكون الأمور بهذا ~~الاعتبار ثلاثة: ~~(واجب، وممكن، وممتنع): ولا يدخل الواجب فى ~~الممكن بهذا المعنى، ويدخل فى الممكن بالمعنى الأول والممكن ~~بالمعنى الأول لا يجب أن يكون ممكن العدم بل ربما كان ممتنع ~~العدم كالواجب فانه غير ممتنع، والممكن بذلك المعنى عبارة عن غير ~~الممتنع فقط* ~~(قسمة أخرى وهى الخامسة): لكل قضية نقيض فى الظاهر ~~يخالفها بالايجاب والسلب ولكن إن قاسمها الصدق والكذب سميتا ~~متناقضتين وقيل إن إحداهما نقيضة الأخرى ونعنى به أن يكذب ~~إذا صدقت القضية، ويصدق إذا كذبت القضية، ولا يتحقق هذا ~~التناقض إلا بشروط: ~~(الأول): أن يكون الموضوع واحدا بالحقيقة كما أنه واحد ~~بالاسم، وإلا لم تناقضا فانك تقول الحل يذبح ويشوى والحمل لا ~~يذبح ولا يشوى، وتريد باحدهما برج الحمل، وبالآخر الحيوان ~~المعروف فلا يتناقضان* ~~(الثانى): أن يكون المحمول واحدا وإلا لم يتناقضا كقولك ~~المكره مختار أى له قدرة على الامتناع والمكره ليس بمختار أى ما ~~خلى وشهوته فكون اسم المختار مشتركا منع التناقض كاسم الحمل فى ~~الموضوع* ~~(الثالث): أن لا يختلفا فى الجزئية والكلية فانك لوقلت عين ~~فلان أسود، وأردت به الحدقة لم يناقضه قولك عينه ليس باسود ~~إذا أردت به نفى السواد عن جميع العين* ~~(الرابع): أن لا يختلفا فى القوة والفعل فانك لو تقول الخمر ~~فى الدن مسكر وتريد به أنه يسكر بالقوة لا يناقضه قولك الخمر فى ~~الدن ليس بمسكر إذا أردت به نفى الاسكار بالفعل* ~~(الخامس): أن يتساويا فى الاضافة فيما يقع فى جملة المضافات ~~فانك تقول العشرة نصف فلا يناقضه قولك العشرة ليس بنصف إلا ~~بالاضافة الى العشرين وغيره، وتقول زيد والد وزيد ليس بوالد ~~وهما صادقان بالاضافة الى شخصين* ~~(السادس): أن يتساويا في الزمان والمكان . وبالجملة ms014 فينبغى أن ~~لا يخالف احدى القضيتين الأخرى البتة فى شىء، الا في السلب ~~والايجاب فتسلب إحدى القضيتين ما توجبه الأخرى بعينه من ~~ذلك الموضوع على ذلك الوجه من غير تفاوت. فان كان الموضوع ~~كليا ولم يكن شخصيا زيد شرط سابع وهو: ~~أن يختلفا ف الكمية بأن يكون إحداهما كلية والأخرى جزئية ~~فانهما إذا كانتا جزئيتين أمكن أن يصدقا في مادة الامكان كقولك ~~بعض الناس كاتب وبعض الناس ليس بكاتب وإن كانتا كليتين أمكن ~~أن يكذبا في مادة الامكان كقولك كل إنسان كاتب وكل إنسان ~~ليس بكاتب * ~~(قسمة أخرى وهى السادسة): كل قضية فلها عكس من حيث ~~الظاهر ولكنه ينقسم إلى ما يلزم صدقه من صدق القضية، وإلى ~~ما لا يلزم، ونعنى بالعكس أن يجعل المحمول موضوعا والموضوع ~~محمولا فان بقى الصدق بعينه قيل هى قضية معكوسة. فان لم يلزم ~~قيل أنها لا تنعكس، وقد ذكرنا أن القضايا المحصورة اربع: ~~سالبة كلية: وهى تنعكس مثل نفسها سالبة كلية. فاذا صدق ~~قولنا لا إنسان واحد حجر صدق قولنا لا حجر واحد إنسان لأنه ~~لولم يصدق لصدق نقيضه وهو قوله بعض الحجر إنسان ولكان ~~ذلك البعض إنسانا وحجرا، وعند ذلك يكذب قولنالا إنسان ~~واحد حجر وهى القضية التى وضعناها أولا على أنها صادقة فيدل ~~هذا على أن السالبة الكلية تعكس سالبة كلية * ~~وأما السالبة الجزئية: فلا تنعكس فانه إذا صدق قولنا ليس. # بعض الناس كاتبا لم يلزم أن يصدق قولنا إن بعض الكاتب ليس ~~إنسانا * ~~وأما الموجبة الكلية: فتنعكس موجبة جزئية لا كلية فاذا صدق ~~قولنا كل إنسان حيوان صدق قولنا بعض الحيوان إنسان لا محالة ~~ولم يصدق قولنا كل حيوان إنسان* ~~وأما الموجبة الجزئية: فتنعكس أيضا مثل نفسها فاذا صدق قولنا ~~بعض الحيوان إنسان صدق قولنا لا محالة بعض الانسان حيوان فهذا ~~هو النظر فى قسمة القضايا* ~~(الفن الرابع فى تركيب القضايا) ~~لتصير قياسا وهو المقصود، ولكن أول الفكر آخر العمل ~~والنظر فيه ينحصر فى الركنين أحدهما فى الصورة والآخر فى المادة ms015 ~~(الركن الأول فى صورة القياس): قد ذكرنا أن العلم إما ~~تصور وإما تصديق، وإنما ينال التصور بالحد والتصديق بالحجة * ~~والحجة إما قياس وإما استقراء وإما تمثيل، واعتبار الغائب ~~بالشاهد يسمى مثالا ويدخل فيه والتعويل من هذه الجملة على القياس ~~ومن جملة القياس على القياس البرهانى، ولكن لا بد من ذكر حد ~~القياس فى الملة حتى ينقسم بعد ذلك إلى البرهانى وغيره * ~~والقياس عبارة عن أقاويل ألفت تأليفا يلزم من تسليمها بالذات ~~قولا آخر اضطرارا، ومثال ذلك العالم مصور وكل مصور حادث ~~فانهما قولان مؤلفان يلزم من تسليمهما بالضرورة قول ثالث، وهو ~~أن العالم حادث، وكذلك لو قلت ان كان العالم مصورا فهومحدث ~~ولكنه مصور. فلزم من تسليم هذه الأقاويل أن العالم حادث ~~وكذلك لو قلت العالم إما حادث وإما قديم لكنه ليس بقديم فيلزم ~~منه أنه حادث، والقياس ينقسم إلى ما سمى اقترانيا وإلى ما سمى ~~استثنائيا. # أما الاقترانى: فهو أن يجمع بين قضيتين بينهما اشتراك فى حد ~~واحد إذ كل قضية فلا محالة تشتمل على محمول وموضوع، وتشتمل ~~القضيتان على أربعة أمور لكنهما لو لم يشتركا في أحد المعانى لم ~~يحصل الازدواج والانتاج إذ لا ينتظم قياس من قولك العالم مصور ~~ومن قولك النفس جوهر بل لا بد وأن تكون القضيةالثانية مشاركة ~~للا ولى فى أحد حديها مثل أن تقول العالم مصور والمصور محدث ~~فيرجع مجموع أجزاء القضيتين إلى ثلاثة أجزاء تسمى حدودا ~~ومدار القياس عليها وهو مثل العالم والمصور والمحدث في مثالنا ~~والذي يقع مكررا في القضيتين ومشتركا يسمى الحد الأوسط ~~والذى يصير موضوعا فى النتيجة اللازمة وهوالقصود بان يخبر عنه ~~يسمى حدا أصغر كالعالم، والذى يصير محمولا فى النتيجة وهوالحكم ~~يسمى حدا أكبر كالمحدث فى قولنا العالم محدث وهو النتيجة اللازمة ~~من القياس، والقضية إذاجعلت جزء قياس سميت مقدمة والقضية ~~التى فيها الحد الأصغر يسمى المقدمة الصغرى، والتى فيها الحد ~~الأكبر يسمى المقدمة الكبرى، ولم يشتق الاسم للمقدمتين من ~~الأوسط فانه موجود فيهما جميعا. وأما الأصغر فلا ms016 يكون إلا فى ~~أحدهما، وكذا الأكبر واللازم من القياس يسمى بعد لزومه نتيجة ~~وقبل لزومه مطلوبا وتاليف المقدمتين يسمى اقترانا، وهيئة تأليف ~~المقدمتين يسمى شكلا فيحصل منه ثلاثة أشكال: ~~لأن الحد الأوسط إما أن يكون محمولا فى إحدى المقدمتين ~~موضوعا فى الأخرى (ويسمى الشكل الأول) ~~وإما أن يكون محمولا فيهما جميعا(ويسمى الشكل الثانى) ~~وإما أن يكون موضوعا فيهما (ويسمى الشكل الثالث) ~~وحكم القدم والتالى فى الشرطى المتصل حكم الموضوع ~~والمحمول فى انقسام تأليفه الى هذه الأشكال، وتشترك الأشكال ~~الثلاثة فى أنها لا يحصل قياس منتج عن سالبتين ولا عن جزئيتين ~~ولا عن صغرى سالبة وكبرى جزئية ويختص كل شكل بخصائص ~~نذكرها: ~~(الشكل الأول): هذا الشكل يفارق الآخرين بفصلين ~~أحدهما أنه لا يحتاج فى لزوم نتيجه الى الرد إلى شكل آخر وسائر ~~الأشكال ترد الى هذا الشكل حتى يظهر لزوم النتيجة ولذا سمى ~~هذا أولا والآخر أنه ينتج المحصورات الأربع أعنى الموجبة الكلية ~~والجزئية والسالبة الكلية والجرئية* ~~(وأما الشكل الثاني): فلا ينتج موجبة أصلا ~~(والشكل الثالث): لا تنتج كليا أصلا، وشرط انتاج هذا ~~الشكل أعني به الشكل الأول أمران. احدهما أن تكون الصغرى ~~موجبة والآخر أن تكون الكبرى كلية فان فقد الشرطان ربما ~~صدقت المقد متان ولم يلزم النتيجة موضع صدقهما بحال: وحاصلى ~~هذا الشكل أنك إذا وضعت قضية موجبة صادقة فالحكم على كل ~~محمولها حكم لا محالة على موضوعها لا يمكن أن يكون إلا كذلك ~~وسواء كان الحكم على المحمول سلبا أو إيحابا وسواء كان الموضوع ~~كليا أو جزئيا فيحصل من ذلك أربعة أضرب منتجة ولزوم هذه ~~النتيجة ظاهر فانه مهما صدق قولنا الانسان حيوان فكل ما صدق ~~على الحيوان الذى هو محمول من كونه حساسا أو كونه غير حجر ~~لابد وأن يصدق على الاسان لأن الانسان داخل لامحالة فى الحيون ~~وقد صدق الحكم على كل الحيوان فيكون صادقاعلى بعض جزئياته ~~لا محالة فهذا حاصل الشكل الأول، وتفصيل أضرب الأربعة ~~ما نذكره * ~~(الضرب الأول): من كليتين موجبتين مثاله هو أن ms017 كل جسم ~~مؤلف وكل مؤلف محدث فكل جسم محدث لا محالة * ~~(الضرب الثانى): كليتان كبراهما سالبة وهو الأول بعينه ولكن ~~يبدل قولك محدث بأنه ليس بقديم حتى يصير سالبا فتقول كل جسم ~~مؤلف ولا مؤلف واحد قديم فيلزم منه أنه لا جسم واحد قديم * ~~(الضرب الثالث): هو الأول بعينه ولكن يجعل موضوع ~~المقدمة الأولى جزئيا وذلك لا يوجب اختلاف الحكم لأن كل جزئى ~~هوكلى بالاضافة إلى نفسه فالحكم على كل محمول الجزئى حكم على ~~ذلك الجزئى مثاله أنك تقول بعض الموجودات مؤلف وكل مؤلف ~~محدث فيلزم لا محالة أن بعض الموجودات محدث وهذا قد انتظم ~~من موجبتين صغراهما جزئية وكبراهما كلية * ~~(الضرب الرابع): هو الثالث بعينه ولكن تجعل الكبرى ~~سالبة، وتبدل صيغة الايجاب بالسلب وتقول بعض الموجودات ~~مؤلف ولا مؤلف واحد أزلى فيلزم منه أنه لا كل موجود أزلى وقد ~~انتظم هذا من موجبة صغرى جزئية وكبرى سالبة كلية ويبق وراء ~~هذا من الاقترانات اثنى عشر اقترانا لا تنتج. لأنه تنتظم فى كل ~~شكل ستة عشر اقترانا. لأن الصغرى تحتمل أن تكون ~~موجبة كلية أو جزئية، وسالبة كلية أو جزئية فتكون أربعة ثم ~~تضاف إلى كل واحدة أربع كبريات أيضا فيحصل من ضرب أربعة ~~فى أربعة ستة عشر، وإذا شرطنا أن تكون الصغرى موجبة ~~خرجت سالبتان وما يبتنى عليهما من الانتاج فيتعطل به ثمانية وتبقى ~~موجبتان، ولكن الموجبة الكلية الصغرى ينضاف إليها أربع ~~كبريات اثناتن منها جزئيتان لا محالة. فيتعطل به اثنتان أيضا إذ ~~شرطنا في كبرى هذا الشكل أن تكون كلية فقد رجع إلى ستة * ~~وأما الموجبة الجزئية الصغرى. فلا ينضاف إليها جزئية كبرى ~~لا سالبة ولا موجبة. إذ لا قياس عن جزئيتين فسقط اقترانان ~~آخران من الستة الباقية وتبقى أربعة وإن أردت تصويره وتشكيله ~~(فهذه صورته) ~~(ضروب الشكل الأول منتجها وعقيمها) ~~فالصغرى الموجبة الكلية مع الكبرى الموجبة الكلية منتجة ~~وكذلك مع الكبرى السالبة الكلية، وأما مع الكبرين الجزئيتين ~~فلا، والصغرى الموجبة الجزئية مع الكبرى الموجبةالكلية والكبرى ~~السالبة الكلية ms018 منتجة أيضا، وأما مع الكبريين الجزئيتين فلا تنتج ~~أيضا فقدركبناعلى كل واحدة من صغرى موجبة كلية وصغرى موجبة ~~جزئية أربع كبريات وكان المجموع ثمانية بطل منها أربعة لأنهاجزئية ~~أعنى كبريانها إذ قد شرطنا أن يكون الكبرى كلية حتى يتعدى الحكم ~~الى الموضوع فيبقى ضغريان سالبتان جزئية وكلية وينضاف إلى كل ~~واحد أربع كبريات من المحصورات الأربع وكلها غير منتجة للخلل ~~فى الصغرى فانا شرطنا أن يكون الصغرى موجبة إذالحكم على المحمول ~~الثابت هو الذى يتعدى إلى الموضوع فأما المحمول المسلوب فمباين ~~للموضوع فالحكم عليه لا يتعدى إلى الموضوع المباين فاذا قلت الانسان: ~~ليس بحجر ثم حكمت على الحجر بحكم نفيا كان أواثباتا لم يتعد ذلك ~~إلى الانسان فانك أوقعت المباينة بين الحجر والانسان بالسلب فهذا ~~تعليل هذه الشروط وتعليل اختصاص النتيجة بأربعة أضرب من ~~جملة ستة عشرضربا. # (الشكل الثاني) يرجع حاصله إلى أن كل قضية أمكن ان تحمل ~~على محمولها مالم يوجد لموضوعها فهى قضية سالبة لا موجبة إذ لو كانت ~~موجبة لكان الحكم على محمولها على موضوعها كما سبق فى الشكل ~~الأول فانا إذا قلنا الحكم على كل محمول القضية الموجبة حكم على الموضوع ~~ثم وجدنا مايحكم به على محمول ولا يحكم به على الموضوع فنعلم به ~~أن القضية سالبة إذ لوكانت موجبة لوجد حكم المحمول على الموضوع ~~وشرط هذا الشكل أن تختلف المقدمتان فى الكيفية لتكون إحداهما ~~سالبة والأخرى موجبة وأن يكون الكبرى كلية بكل حال وهذان ~~الشرطان يردان أيضا ضروبه المنتجة إلى أربعة أضرب من جملة ~~ستة عشر ضربا كما سبق ذكره فى الشكل الأول. # (الضرب الأول): من صغرى موجبة كلية وكبرى سالبة كلية ~~كقولك كل جسم منقسم ولانفس واحدمنقسم ينتج فلا جسم واحد ~~نفس ويبين لزوم هذه النتيجة بالرد إلى الشكل الأول بعكس ~~الكبرى فانها سالبة كلية تنعكس مثل نفسها وهو أن تقول ولا شىء ~~مما هو منقسم واحد نفس فيصير المنقسم موضوعا للأكبر وقد ~~كان محمولا للاصغر فيرجع إلى الشكل الأول. # (الضرب الثانى): كليتان لكن ms019 الصغرى سالبة كقولك لا أزلى ~~واحد مؤلف وكل جسم مؤلف فلزم منه أنه لا أزلى واحد جسم لانا ~~نعكس الصغرى ونجعلها كبرى فنقول لا مؤلف واحد أزلى وكل ~~جسم مؤلف فيحضل منه أنه لا جسم واحد أزلى كما فى الشكل ~~الأول ثم نعكس هذه النتيجة لأنها سالبة كلية فيحصل ما ذكرناه ~~وهو أنه لا أزلى واحد جسم. # (الضرب الثالث): من جزئية موجبة صغرى وكلية سالبة ~~كبرى وهوالضرب الأول من هذا الشكل إلا أن الصغرى تجعل ~~جزئية فنقول بعض الموجودات منقسم ولا نفس واحد منقسم ~~فبعض الموجودت ليس بنفس لأنك إذا عكست الكبرى رجع ~~الى الشكل الاول. # (الضرب الرابع): جزئية سالبة صغرى وكلية موجبة كبرى ~~كقولك لا كل موجود مؤلف وكل جسم مؤلف فلا كل موجود ~~جسم وهذا لا يمكن أن يرد إلى الشكل الأول بالعكس لأن السالبة ~~فيها جزئية ولا عكس لها ولو عكست الكبرى الموجبة لانعكست ~~جزئية ولاقياس عن جزئيتين وإنما يصحح بطريقين يسمى أحدهما ~~الافتراض والآخر الخلف أما الافتراض فهو أنك إذا قلت بعض ~~الموجودات ليس بمؤلف فذلك البعض كل فى نفسه فافترضه كلا ~~ولقبه باى اسم تريده فينزل منزلة الضرب الثانى من هذا الشكل ~~وأما الخلف فهو أن تقول إن لم يكن قولنا لا كل موجود جسم ~~صادقا فنقيضه وهو قولنا كل موجود جسم صادق ومعلوم أن كل ~~جسم مؤلف فيلزم أن كل موجود مؤلف وقدكنا وضعنا فى المقدمة ~~الصغرى أنه لا كل موجود مؤلف على أنها صادقة فكيف يصدق ~~نقيضها هذا خلف محال فالمفضى اليه محال وإنما أفضى اليه فرض ~~الدعوى التى فى نقيض النتيجة صادقة فليست بصادقة. # (الشكل الثالث):هو أن يكون الأوسط موضوعا فى المقدمتين ~~ويرجع حاصله الى ان كل قضية موجبة فالحكم على موضوعها حكم على ~~بعض محمولها سواء كان الحكم سلبا أو إيجابا وسواء كانت القضية ~~موجبة جزئية أو كلية وذلك واضح وله شرطان (احدهما) أن ~~تكون الصغرى موجبة (والآخر) أن يكون إحداهما كلية إما ~~الصغرى وإما الكبرى فأيتهما كانت كلية كفى والمنتج ms020 من هذا الشكل ~~ستة أضرب. # (الضرب الأول): من كليتين موجبتين كقولك كل إنسان ~~حيوان وكل إنسان ناطق فيلزم أن بعض الحيوان ناطق لأن ~~الصغرى تنعكس جزئية فيصير كأنك قلت بعض الحيوان إنسان ~~وكل إنسان ناطق وهو الضرب الثالث من الشكل الأول ~~(الضرب الثانى): من كليتين والكبرى سالبة كقولك كل إنسان ~~حيوان ولا إنسان واحد فرس فلا كل حيوان فرس وذلك لأنك ~~إذا عكست الصغرى صارت جزئية موجبة ويرجع إلى الرابع من ~~الشكل الأول ~~(الضرب الثالث): من موجبتين والصغرى جزئية كقولك بعض ~~الناس بيض وكل إنسان حيوان فبعض البيض حيوان فانك ~~تعكس الصغرى جزئية موجبة ويرجع إلى الثالث من الشكل الأول ~~(الضرب الرابع): من موجبتين والكبرى جزئية كقولك ~~كل إنسان حيوان وبعض الناس كاتب فبعض الحيوان كاتب لأنك ~~إذا عكست الكبرى جزئية وجعلتها صغرى صار كأنك قلت ~~كاتب ما إنسان وكل إنسان حيوان فيلزم كاتب ما حيوان وتعكس ~~النتيجة فتصير حيوان ما كاتب ~~(الضرب الخامس): من كلية موجبة صغرى وجزئية سالبة ~~كبرى كقولك كل إنسان ناطق ولا كل إنسان كاتب فيلزم لا كل ~~كاتب ناطق ويتبين هذا بطريق الافتراض كان تقول مثلا كل إنسان ~~ناطق وبعض ما هو انسان أمى فبعض ما هو ناطق أمى ثم تقول ~~بعض ما هو ناطق أمى ولا شىء مما هو أمى بكاتب فلا كل ~~ناطق بكاتب. # (الضرب السادس): من صغرى موجبة جزئية وكبرى سالبة ~~كلية كقولك بعض الحيوان أبيض ولا حيوان واحد ثلج فبعض ~~الأبيض ليس بثلج ويظهر بعكس الصغرى لأنه يرجع إلى الرابع ~~من الشكل الأول هذا تفصيل الأقيسة الحملية * ~~(القول فى القياسات الاستثنائية) ~~القياس الاستثنائى نوعان شرطى متصل وشرطى منفصل ~~(أما الشرطى المتصل): فمثاله قولك إن كان العالم حادثا فله محدث ~~فهذه مقدمة إذا استثئيت هين المقدم منها لزم عين التالى وهو أن ~~تقول ومعلوم أن العالم حادث وهوعين المقدم فيلزم منه عين ~~التالى وهو أن له محدثا وإن استثنيت نقيض التالى لزم منه نقيض ~~المقدم وهو أن تقول ومعلوم أنه ليس له ms021 محدث فلزم أنه ليس ~~بحادث فأما إذا استثنيث نقيض المقدم لم يلزم منه لاعين التالى ~~ولا نقيضه فانك لو قلت لكنه ليس بحادث فهذا لا ينتج كما أنك ~~تقول إن كان هذا إنسانا فهو حيوان لكنه ليس بانسان فلا يلزم ~~منه أنه حيوان ولا أنه ليس بحيوان وكذلك إن استثنيت عين ~~التالى لم ينتج فانك إن قلت ومعلوم أن العالم له محدث لم يلزم منه ~~نتيجة لأنك إذا قلت إن كانت هذه الصلوة صحيحة فالمصلى مطهر ~~ولكنه مطهر فلا يلزم منه أن الصلاة صحيحة ولا أنها باطلة فهذه ~~أربع إستثاآت لا ينتج منها إلا إثنان وهى عين المقدم وينتج ~~عين التالى ونقيض التالى وينتج نقيض المقدم فأما نقيض المقدم ~~وعين التالى فلا ينتج إلا إذا أثبت أن التالى مساو للمقدم وليس باعم ~~منه فعند ذلك ينتج الاستثاآت الأربع فانك تقول إن كان هذا ~~جسما فهو مؤلف لكنه جسم فهومؤلف لكنه مؤلف فهوجسم ~~لكنه ليس بجسم فليس بمؤلف ولكنه ليس بمؤلف فليس بجسم ~~فاما إذا كان التالى أعم من المقدم كالحيوان بالنسبة إلى الانسان ~~ففى نفى الأعم نفى الأخص إذ فى نفى الحيوان نفى الانسان وليس ~~فى نفى الأخص نفى الأعم إذليس فى نفى الانسان نفى الحيوان نعم ~~فى إثبات الأخص إثبات الأعم إذ فى إثبات الانسان إثبات ~~الحيوان وليس فى إثبات الحيوان إثبات الانسان. # (النوع الثانى الشرطى المنفصل): وهو أن تقول العالم إما ~~حادث وإما قديم فهذا ينتج منه أربع استثنا آت فانك تقول لكنه ~~حادث فليس بقديم لكنه ليس بحادث فهو قديم لكنه قديم فليس ~~بحادث لكنه ليس بقديم فهو حادث فاستثناء عين كل واحد ينتج ~~نقيض الآخر واستثناء نقيض كل واحد ينتج عين الآخر وهذا ~~شرطه الحصر فى قسمين فان كان فى ثلاثة فاستثناء عين كل واحد ~~ينتج نقيض الآخرين كقولك هذا العدد إما أكثر أو أقل أومساو ~~ولكنه أكثرفبطل أن يكون أقل أو مساويا* فاما استثناء نقيض ~~الواحد يوجب أحد الباقين لا بعينه كقولك لكنه ليس بمساو ms022 ~~فيجب أن يكون إما أقل أو أكثر وإن لم تكن الأقسام حاصرة ~~كقولك زيد إما بالحجاز وإما بالعراق أو هذا العدد إما خمسة أو ~~إما عشرة وإما كيت وإما كيت فاستثناء عين واحد ينتج ~~بطلان عين الآخرين* وأما استثناء نقيض الواحد فلا ينتج إلا ~~الانحصار فى الباقى الذى لا ينحصر فهذه أصول الأقيسة ونكمل ~~الكلام بذكر أمور أربعة (قياس الخلف والاستقراء والمثال ~~والقياسات المركبة) أما قياس الخلف فصورته أن تثبت مذهبك ~~بابطال نقيضه بأن تلزم عليه محالات بأن تضيف إليه مقدمة ظاهرة ~~الصدق وينتج منه نتيجة ظاهرة الكذب ثم تقول النتجة الكاذبة ~~لا تحصل إلا من مقدمات كاذبة وإحدى المقدمتين ظاهرة الصدق ~~فيتعين الكذب فى المقدمة الثانية التى هى مذهب الخصم مثاله أن ~~يقول القائل كل نفس فهو جسم فنقول كل نفس فهو جسم وكل ~~جسم فهو منقسم فاذا كان كل نفس فهو منقسم وهذا ظاهر الكذب ~~فى نفس الانسان فلا بد أن يكون فى مقدماته المنتجة له قول ~~كذب لكن قولنا كل جسم منقسم ظاهر الصدق فبقى الكذب ~~فى قولنا كل نفس جسم فاذا بطل ذلك ثبت أن النفس ليس بجسم ~~(أما الاستقراء): فهو أن يحكم من جزئيات كثيرة على ~~الكلى الذى يشمل تلك الجزئيات كقولك: كل حيوان إما ~~إنسان أو فرس أو غيرهما، وكل إنسان يحرك فكه الأسفل عند ~~المضغ وكل فرس يحرك فكه الأسفل عند المضغ، وكل كذا وكذا ~~مما غايرهما يحرك فكه الأسفل عند المضغ. فينتج أن كل حيوان ~~يحرك فكه الأسفل عند المضغ فعند المضغ يحرك فكه الأسفل ~~لأنا رأينا الفرس والانسان والهرة وسائر الحيوانات كذلك فهذا ~~صحيح إن أمكن استقراء جميع الجزئيات حتى لا يشذ واحد فعند ~~ذلك ينتظم قياس من الشكل الأول ولكن إذا احتمل أن يشذ ~~واحد لم يفد اليقين كالتمساح الذى يحرك فكه الأعلى ولا يبعد أن ~~يطرد حكم فى ألف إلا فى واحد والاعتماد على الاستقراء يصلح فى ~~الفقهيات لا فى اليقينيات وفى الفقهيات كل ما كان الاستقراء أشد ~~استقصاء ms023 وأقرب إلى الاستيفاء كان آكد فى تغليب الظن ~~(وأما المثال): فهوالذى يسميه الفقهاء والمتكلمون قياسا وهو ~~نقل الحكم من جزئى على جزئى آخر لأنه يماثله فى أمر من الأمور ~~وهوكمن ينظر إلى البيت فيراه حادثا ومصورا ثم إنه ينظر إلى السماء ~~فيراها مصورة فينقل الحكم اليها فيقول السماء جسم مصور فهو حادث ~~قياسا على البيت. وهذا لا يفيد اليقين ولكنه يصلح لتطييب القلب ~~وإقناع النفس فى المحاورات وكثيرا ما يستعمل فى الخطابة ونعنى ~~بالخطابة المحاورات الجارية فى الخصومات والشكايات والاعتذارات ~~فى الذم والمدح وفى تفخيم الشىء وتحقيره وما يجرى هذا المجرى ~~فاذا قيل لمريض هذا الشراب ينفعك فيقول لم فيقال لأن المريض ~~الفلانى شربه فنفعه فاذا قيل له ذلك مالت نفسه إلى القبول ولم ~~يطالب بأن يصحح عنده أنه ينفع لكل مريض أو يصحح أن ~~مرضه كمرضه وحاله في السن والقوة والضعف وسائر الأموز ~~كحاله* ولما أحس الجدليون بضعف هذا الفن أحدثوا طرقا ~~وهو أن قالوانبين أن الحكم في الاصل معلل بهذا المعنى وسلكوا ~~فى إثبات المعنى والعلة طريقين (أحدهما) الطرد والعكس وهو ~~أنهم قالوا نظرنا فرأينا أن كل ما هو مصور فهو محدث وكل ماليس ~~بمصور فليس بمحدث وهذا يرجع إلى الاستقراء وهو غير مفيد ~~لليقين من وجهين (أحدهما) أن استيفاء جميع الآحاد غير ممكن ~~فلعله شذ عنه واحد (والآخر) أنه فى استقرائه هل تصفح السماء ~~فان كان ما تصفح فاذا لم يتصفح الكل بل تصفح ألفا مثلا إلا ~~واحدا ولا يبعد أن يخالف في الحكم الواحد والألف كما ذكرناه ~~فى التمساح وإن تصفح السماء وعرف أنه محدث لكونه مصورا ~~فهو محل النزاع وقد بان له قبل صحة مقدمة القياس يعنى قبل إطراده ~~فأى حاجة به الى القياس إن ثبت له ذلك. # (الطريقة الأخرى): السبر والتقسيم وهو أنهم قالوا نسبر او ~~أوصاف البيت مثلا ونقول انه موجود وجسم وقائم بنفسه ومصور ~~وباطل أن يكون محدثا لكونه موجودا أو قائما بنفسه أو كذا أو ~~كذا إذ يلزم أن يكون كل ms024 موجود قائم بنفسه محدثا فثبت أن ذلك ~~لأنه مصور وهذا فاسد من أربعة أوجه. # (الأول): أنه يحتمل أن يقال ليس الحكم معللا في الأصل بعلة. # من هذه العلل التى هى أعم بل بعلة قاصرة على ذاته لا تتعداه ككونه ~~بيتا مثلا وان ثبت ان غير البيت حادث فيكون معللا بما يجمع ~~البيت وذلك الشىء خاصة ولا يتعدى إلى السماء. # (والثانى): أن هذا إنما يصح إذا استقصى جميع أوصاف الأصل ~~حتى لا يشذ شىء والحصر والاستقصاء ليس يبين فلعله شذ وصف ~~عن السير ويكون هو العلة، وأكثر الجدليين لا يهتمون بالحصر بل ~~يقولون إن كانت فيه علة أخرى فابرزها أو يقولون لو كان لادركته ~~أنا وأنت كما انه لو كان بين يدينا فيل لادركناه وإذ لم ندركه حكمنا ~~بنفيه وهذا ضعيف إذ عجز الخصمين عن الادراك فى الحال ولا فى ~~طول العجز لا يدل على العدم أيضا وليس هذا كالفيل فانك قط ~~لم تعهد فيلا قائما بين أيدينا ولم نشاهده فى الوقت وكم من المعانى الموجودة ~~قد طلبناها ولم نعثر عليها فى الحال ثم عثرنا عليها. # (والثالث): أنه وإن سلم الاستقصاء فيها وكانت الأوصاف أربعة ~~فابطال ثلاثة لا يوجب ثبوت الرابع إذ الأقسام فى التركيب تزيد على ~~أربعة إذ يحتمل ان يكون حادثا لكونه موجود او جسما أو لكونه موجودا ~~وقائما بنفسه أو لكونه موجودا ومصورا، ويحتمل أن يكون حاد ~~لكونه جسما وقائما بنفسه أو لكونه جسما ومصورا، ويحتمل أن ~~يكون حادثا لكونه جسما ومصورا، ويحتمل أن يكون حادثا لكون ~~موجودا وجسما وقائما بنفسه، ويحتمل أن يكون حادثا لكون ~~موجودا وقائما بنفسه ومصورا أو غير ذلك من التركيبات من اثنين ~~اثنين أو من ثلاثة ثلاثة فكم من حكم لا يثبت ما لم تجتمع أمور كالسواد ~~للحبر يشترك فيه العفص والزاج والعجن بالماء وأكثر الأحكام ~~معللة بأمور مركبة فكيف يكفى ابطال المفردات. # (والرابع): أنه إن سلم الاستقصاء وسلم انه إذا بطل ثلاث ولم يبق ~~إلا رابع فهذا يدل على أن الحكم ليس ms025 فى الثلاث وانه لا يعدو ~~الرابع لكنه لا يدل على انه منوط بالرابع لا محالة بل يحتمل أن ينقسم ~~المعنى الرابع إلى قسمين ويكون الحكم فى أحد القسمين دون الآخر ~~فابطال ثلاث يدل على أن المعنى لا يعدو الرابع ولا يدل على أنه العلة ~~وهذا مزلة قدم فانه لو قسم أولا وقال وصفه أنه موجود وقائم بنفسه ~~وجسم ومصور بصفة كذا ومصور بصفة أخرى لكان إبطال ثلاثة ~~لا يوجب أن يتعلق الحكم بالمصور المطلق بل بأحد قسمى المصور ~~فهذا كشف هذه الأدلة الجدلية ولا يصير ذلك برهانا ما لم تقل كل ~~مصور محدث والسماء مصور فهو محدث فان نوزع فى قوله كل مصور ~~محدث فلا بد من اثباته ولا يثبت ذلك بأن يرى مصورا آخر محدثا ~~ولا ألف مصور محدثا بل صارت هذه المقدمة مطلوبة فيجب اثباتها ~~بمقدمتين مسلمتين أو بطريق من الطرق المذكورة لا محالة فهذا ~~حكم المثال. # (أما القياسات المركبة): فاعلم أن العادة فى الكتب والتعليمات ~~غير جارية بترتيب الأقيسة على النحو الذى رتبناه ولكن تورد فى ~~الكتب مشوشة إما مع زيادة مستعنى عنها، وإما مع حذف احدى ~~المقدمتين استغناء بظهورها أو قصدا إلى التلبيس وما يورد مشوش ~~الترتيب مما ليس على ذلك النظم وأمكن رده اليه فهو قياس منتج ~~وما هو على ذلك النظم فى ظاهره ولكنه ليس معه شروطه فهو غير ~~منتج، ومثال الترتيب هو الشكل الأول من أقليدس وهو انه إذا ~~كان معك خط. # (اب) وأردت أن تبنى عليه مثلثا متساوى الاضلاع وتقيم ~~البرهان على أنه متساوى الاضلاع فتقول مهما جعلنا نقطة ~~(ا) مركزا ووضعنا عليه طرف الفركار وفتحناه إلى نقطة ~~(ب) وتممنا دائرة حول مركز ~~(ا) ثم جعلنا نقطة ~~(ب) مركزا ووضعنا عليه طرف الفركار وفتحناه إلى نقطة ~~(ا) وتممنا دائرة على مركز ~~(ب) فالدائرتان متماثلتان لأنهما على بعد واحد ويتقاطعان ~~لا محالة فى ج فنخرج من موضع التقاطع خطا مستقيما إلى نقطة ~~(ا) وهو خط ~~(ج ا) ونخرج خطا آخرمستقيما من نقطة ~~(ج) ms026 إلى نقطة ~~(ب) وهو ~~(ج ب) فنقول هذا المثلث الحاصل من نقط ~~(ا ب ج) مثلث متساوى الاضلاع، ~~وبرهانها أن خطى ~~(ا ج) و ~~(ا ب) متساويان لانهما خرجا من مركز دائرة واحدة إلى ~~محيطها وكذا خطا ~~(ب ج) ~~و(ا ب) متساويان بمثل هذه العلة وخطا ~~(اج) و ~~(ب ج) متساويان لانهما ساويا خطا واحدا بعينه وهو خط ~~(ا ب) فاذن النتيجة أن المثلث متساوى الاضلاع فهكذا جرت ~~العادة باستعمال المقدمات ههنا، وإذا أردت الرجوع إلى الحقيقة ~~والترتيب لم يحصل النتيجة إلا من أربعة أقيسة كل قياس من مقدمتين ~~(الأول) ان خطى ~~(ا ب) و ~~(ا ج) متساويان لأنهما خرجا من مركز دائرة إلى محيطها ~~وكل خطين مستقيمين خرجا من المركز إلى المحيط فهما متساويان ~~فاذا هما متساويان ~~(الثانى) أن خطى ~~(اب) و ~~(ب ج) أيضا متساويان بمثل هذا القياس ~~(الثالث) ان خطى ~~(اج) و ~~(ب ج) متساويان لأنهما خطان ساويا خط ~~(ا ب) وكل خطين ساويا شيئا واحدا بعينه فهما متساويان ~~فاذا هما متساويان ~~(الرابع ) شكل ~~(ا ب ج) محاط بثلاثة خطوط متساوية وكل شكل محاط بثلاثة ~~خطوط متساوية فهو مثلث متساوى الأضلاع فشكل ~~(ا ب ج) الذى على خط ~~(ا ب) مثلث متساوى الأضلاع هذا ترتيبه الحقيقى ولكن ~~يتساهل بحذف بعض المقدمات لوضوحها بالنسبة لهذا هذا هو ~~القول في صورة القياس ~~(القول فى مادة القياس): مادة القياس هى المقدمات فان ~~كانت صادقة يقينية كانت النتائج صادقة يقينية وإن كان كاذبة لم ~~ينتج الصادقة وإن كانت ظنية لم ينتج اليقينية وكما أن الذهب مادة ~~الذينار والتدوير صورته وقد يحتمل تزيف الدينار تارة باعوجاج ~~صورته وبطلان استدارته بأن يكون مستطيلا فلا يسمى دينارا ~~وتارة بفساد مادته بأن يكون نحاسا أو حديدا كذلك القياس ~~تارة يفسد بفساد صورته وهو أن لا يكون على شكل من الأشكال ~~السابقة وتارة بفساد مادته وإن صحت صورته وهو أن تكون ~~المقدمة ظنية أو كاذبة وكما أن الذهب له خمس مراتب (الاول) أن ~~يكون إبريزا خالصا ms027 محققا (والثانى) أن لا يكون فى تلك الدرجة ~~ولكن يكون فيه غش ما لا يظهر البتة إلا للناقد البصير (والثالث) ~~أن يكون فيه عش يظهر لكل ناقد ويمكن أن يشعر به غير الناقد ~~أيضا وينبه عليه (والرابع) أن يكون زيفا من نحاس ولكن موه ~~تمويها يكاد يغلط فيه الناقد مع أنه لا ذهب فيه أصلا (والخامس) ~~أن يكون مموها تمويها يظهر لكل أحد أنه مموه* فكذلك المقدمات ~~لها خمسة أحوال (الأول) أن يكون يقينية صادقة بلا شك ولا شبهة ~~فالقياس الذى ينتظم منها يسمى برهانا (والثانى) أن تكون مقاربة ~~لليقين على وجه يعسر الشعور بامكان الخطأ فيها ولكن يتطرق ~~اليها إمكان إذا تأنق الناظر فيها والقياس المرتب منها يسمى جدليا ~~(والثالث) أن تكون المقدمات ظنية ظنا غالبا ولكن تشعر النفس ~~بنقيضها وتتسع لتقدير الخطأ فيها* والقياس المركب منها يسمى خطابيا ~~(والرابع) ما صور بصور اليقينيات بالتلبيس وليس ظنيا ولا يقينيا ~~والحاصل منه يسمى مغالطيا وسوفسطائيا (والخامس) هو الذى نعلم ~~أنه كاذب ولكن تميل النفس إليه بنوع تخيل والقياس الحاصل ~~منه يسمى شعريا ولا بد من شرح هذه المقدمات وكل مقدمة ~~ينتظم منها قياس ولم تثبت تلك المقدمة بحجة ولكنها أخذت على أنها ~~مقبولة مسلمة فانها لا تتعدى ثلاثة عشر قسما (الأوليات) ~~(والمحسوسات) (والتجربيات). (والمتواترات). و(القضايا التى لا يخلو ~~الذهن عن حدودها الوسطى وقياساتها). (والوهميات) (والمشهورات) ~~(والمقبولات) (والمسلمات). (والمشبهات) و(المشهورات فى الظاهر) ~~(والمظنونات) (والمخيلات) (أما الأوليات) فهى التى تضطر غريزة ~~العقل بمجردها إلى التصديق بها كقولك الاثنان أكثر من الواحد ~~والكل أعظم من الجزء والأشياء المساوية لشىء واحد متساوية ~~فان من قدر نفسه عاقلا ولم يتعلم إلا بمجرد العقل ولم يلقن تعليما ~~ولا عود تخلقا بخلق بل قدر أنه خلق دفعة واحدة عاقلا وعرضت ~~هذه القضايا عليه وثبت فى نفسه تصورها أعنى إذا تصور معنى الكل ~~ومعنى الجزء ومعنى الأكبر فلا يمكنه أن لا يصدق بأن الكل أكبر ~~من الجزء هذا فى كل كل كيفما كان وليس ذلك من الحس إذ ms028 الحس لا يدرك ~~إلا واحدا أو اثنين أو أشياء محصورة وهذا حكم ثابت في العقل ~~كليا ولا يمكن أن يقدر العقل منفكا عنه قط (والمحسوسات) ~~مثل قولنا الشمس مستنيرة وضوء القمر يزيد وينقص ~~(والتجربيات) ما يحصل من مجموع العقل والحس كعلمنا ~~بأن النار تحرق والسقمونيا تسهل الصفراء والخمر يسكر ~~فان الحس يدرك السكر عقيب شرب الخمر مرة بعد أخرى على التكرار ~~فينتبه العقل لكونه موجبا له إذ لو كان اتفاقيا لما اطرد فى الأكثر ~~فينتقش فى الذهن علم بذلك موثوقا به (والمتواترات) ما علم بأخبار ~~جماعة كعلمنا بوجود (مصر ومكة) وإن لم نبصرهما ومهما استحال ~~الشك فيه سمى متواترا ولا يجوز أن يقاس البعض على البعض فيقال ~~من شك فى وجود معجزة من نبى ينبغى أن يصدق بها لأن النقل فيه ~~متواتر كما فى وجود النبى لأنه يقول ليس يمكننى أن أشكك نفسى ~~فى وجود النبى لمشاهدتى له ويمكننى أن أشكك نفسى فى هذا ~~فلو كان هذا مثل ذلك لما قدرت على التشكك فلا بد وان يمهل ~~إلى أن يتواتر عنده تواترا يستحيل معه الشك إن كان متواترا (وأما ~~القضايا التى قياساتها فى الطبع معها) فهى القضايا التى لا تثبت فى النفس ~~إلا بحدودها الوسطى ولكن لا يعزب عن الذهن الحد الأوسط فيظن ~~الانسان أنها مقدمة أولية عرفت بغير وسط وهى على التحقيق معلومة ~~بوسط ولا معنى للقياس إلا طلب الحد الاوسط وإلا فالأكبر والأصغر ~~موجودان فى نفس المسئلة المطلوبة. مثاله انك تعلم أن الاثنين نصف ~~الأربعة على البداهة وهذا معلوم بوسط وهو أن النصف الآخر أحد ~~جزئى الكل المساوى للآخر والاثنان من الأربعة أحد الجزئين المتساويين ~~فكان نصفا الدليل عليه أنه لو قيل له كم سبعة عشر من أربع وثلاثين ~~ربما لم يقدر على أن يحكم على البداهة بأنه نصفه ما لم يقسم أربع وثلاثين ~~يقسمين متساويين ثم ينظر إلى كل قسم فيراه سبعة عشر فيعلم ~~أنه نصف وإن كان هذا حاضرا أيضا فى الذهن فاعتبر ذلك فى عدد ms029 ~~كثير أو أبدل النصف بالعشر والسدس وغيره فالمقصود المثال. # وبالجملة فلا يستبعد أن يكون الشىء معلوما بوسط ولكن ~~الذهن لا يتنبه لكونه معلوما بوسط وقياس فليس كل ما يثبت على ~~وجه يتنبه الانسان لوجهه، وثبوت الشىء للذهن شىء والشعور ~~بوجه ثبوته والتعبير عنه شىء آخر. # (والوهميات): هى مقدمات باطلة ولكنها قويت فى النفس ~~قوة تمنع من إمكان الشك فيه وذلك من أثر حكم الوهم فى أمور ~~خارجة عن المحسوسات لأن الوهم لا يقبل شيئا إلا على وفق ~~المحسوسات التى ألفها مثل حكم الوهم باستحالة موجود لا إشارة ~~فيه إلى جهة ولا هو داخل العالم ولا خارجه وكحكمه بأن الكل ينتهى ~~إلى خلاء أو ملاء أعنى وراء العالم؛ وكحكمه بأن الجسم لا يزيد عن ~~نفسه ولا يكثر إلا بأن يضاف إليه زيادة من خارج وإنما سبب ~~حكم الوهم بهذا إن هذه الأمور ليست موافقة للحس فلا يدخل فى ~~الوهم وإنما الحكم بطلانه من حيث أنه لو كان كل ما لا يدخل فى ~~الوهم باطلا لكان نفس الوهم باطلا فان الوهم لا يدخل فى الوهم بل ~~العلم والقدرة، وكل صفة لا يدركها الحواس الخسة لا يدركها الوهم ~~وإنما يعرف غلطه فى أمثال هذه المسائل المعينة من حيث أنها لازمة ~~عن أقيسة ترتبت من أوليات يساعد الوهم على قبولها ويسلم أن ~~القياس إذا رتب من الأوليات كانت النتيجة صادقة، ثم إذا حصلت ~~النتيجة كاع عن قبول النتيجة فعلم بذلك أن امتناعه عن القبول لمكان ~~طباعه فانه ينبو عن قبول ما ليس على نحو المحسوسات. # ص (وأما المشهورات): فهى القضايا التى لا يعول فيها إلا على ~~مجرد الشهرة ونظر العوام والظاهر بين أهل العلم أنها أوليات لازمة ~~فى غريزة العقل مثل قولك الكذب قبيح، والنبى ينبغى أن لا يعذب ~~ولا يدخل الحمام بغير مئزر بحيث تنكشف العورة، والعدل واجب ~~والظلم قبيح وأمثاله وهذه أمور تكرر على السمع من الصبا ويتفق ~~عليه أهل البلاد لمصالح معاشهم فتسارع النفوس إلى قبولها لكثرة ~~الألف وربما يؤيدها مقتضيات ms030 الأخلاق من الرقة والحنين والحياء ~~ولو قدر الانسان نفسه وقد خلق عاقلا ولم يؤدب باستصلاح ولم ~~يتشبث بخلق ولم يأنس باعتياد وأورد على عقله هذه القضايا أمكنه ~~الامتناع عن قبولها لا كقولنا: الاثنان أكثر من الواحد، وقد ~~يكون بعض هذه المقدمات صادقة ولكن بشرط دقيق أو برهان ~~فيظن أنها صادقة مطلقا كما يظن أن قول القائل إن الله قادر على كل ~~أمر صادق وهو مشهور وإنكاره مستقبح وليس بصادق فانه ليس ~~قادرا على أن يخلق مثل نفسه بل ينبغى أن يقال هو قادر على كل أمر ~~ممكن فى نفسه ويقال هو عالم بكل شىء وليس عالما بوجود مثل له ~~وهذه المشهورات قد تتفاوت فى القوة والضعف بحسب اختلاف ~~الشهرة واختلاف العادات والأخلاق، وقد تختلف فى بعض البلاد ~~وفى حق أرباب الصنائع فليس المشهور عند الأطباء مشهورا عند ~~النجارين ولا بالعكس، والمشهور ليس نقيضا للباطل بل نقيض ~~المشهور الشنيع؛ ونقيض الباطل الحق، ورب حق شنيع، ورب ~~باطل محبوب مشهور ولا شك فى أن الأوليات وبعض المحسوسات ~~والمتواترات والمجربات مشهورة ولكنا قصدنا بهذا ما ليس فيه إلا ~~الشهرة فقط. # (وأما المقبولات): فهى المقبول من أفاضل الناس وأكابر ~~العلماء ومشايخ السلف. إذا تكرر نقل ذلك منهم على ذلك الوجه ~~وفى كتبهم وانضاف إلى ذلك حسن الظن بهم فان ذلك يثبت فى ~~النفس ثبوتا ما. # (وأما المسلمات): فهى التى سلمها الخصم أو كان مشهورا بين ~~الخصمين فقط فانه يستعمل معه دون غيره فلا يفارق المشهور إلا ~~فى العموم والخصوص. فان المشهور تسلمه العامة، وهذا يسلمه ~~الخصم فقط. # (وأما المشبهات): فهى التى يحتال فى تشبيهها بالأوليات ~~والتجربيات والمشهورات، ولا تكون بالحقيقة كذلك ولكنها ~~تقاربها فى الظاهر. # (وأما المشهورات فى الظاهر): فهى كل قول يقبله كل من ~~يسمعه كافة ببادىء الرأى وأول النظر، وإذا تأمله وتعقبه وجده ~~غير مقبول وأحس بكونه فاسدا كقول القائل انصر أخاك ظالما ~~أو مظلوما فان النفس تسبق إلى قبوله ثم تنساق الى أن تأمل فتعلم ~~أن نصرته ظالما ليس بواجب. # (وأما ms031 المظنونات): فما يفيد غلبة الظن مع الشعور بامكان ~~نقيضه كما أن من خرج ليلا يقال إنه خائن. اذ لو لم يكن خائنا لم ~~يخرج ليلا وكما يقال إن فلانا يناجى العدو فهو عدو مثله أيضا مع ~~أنه يحتمل ان يكون مناجاته اياه خداعا له أو حيلة عليه لأجل ~~الصديق. # (وأما المخيلات): فهى مقدمات يعلم أنها كاذبة ولكنها تؤثر فى ~~النفس بالترغيب والتنفير كما يشبه الحلاوة بالعذرة فتنفر النفس ~~عنه مع العلم بأنه كذب. فهذه هى المقدمات. # فنذكر الآن مظان استعمالها* ~~(القول فى مجارى هذه المقدمات) ~~أما الخمسة الأولى: فانها تصلح للأقيسة البرهانية وهى الأولية ~~والحسية والتجربية والتواترية والتى قياساتها معها فى الطبع. # وفائدة البرهان ظهور الحق وحصول اليقين. # (وأما المشهورات والمسلمات): فهى مقدمات القياس الجدلى. # (وأما الأوليات) وما معها: لو وقعت فى الجدل كان أقوى ~~ولكن انما يستعمل فى الجدل من حيث أنها مسلمة بالشهرة إذ لا ~~تفتقر صناعة الجدل إلى أكثر منه وللجدل فوائد. # (الأول): إفحام كل فضولى ومبتدع يسلك غير طريق الحق ~~ويكون فهمه قاصرا عن معرفة الحق بالبرهان فيعدل معه إلى ~~المشهورات التى يظن أنها واجبة القبول كالحق، وبطل عليه رأيه ~~الفاسد. # (الثانى): أن من أراد أن يتلقن الاعتقاد الحق وكان مرتفعا ~~عن درجة العوام ولا يقنع بالكلام الخطابى الوعظى، ولم ينته إلى ~~ذروة التحقيق بحيث يطيق الاحاطة بشروط البرهان فانه يمكن أن ~~يغرس فى نفسه الاعتقاد الحق بالأقيسة الجدلية، وهو حال أكثر ~~الفقهاء وطلبة العلم. # (الثالث): أن المتعلمين للعلوم الجزئية مثل الطب، والهندسة ~~وغيرهما لا يذعن أنفسهم أن يعرفوا مقدمات تلك العلوم ومبادئها ~~هجوما بالبرهان في أول الأمر ولو صودرواعليها لم تسمح نفوسهم ~~بتسليمها فتطيب نفوسهم لقبولها بأقيسة جدلية من مقدمات مشهورة ~~إلى أن يمكن تعريفها بالبرهان. # (الرابع): أن من طباع الأقيسة الجدلية أنه يمكن أن ينتج ~~منها طرفا النقيض فى المسألة فاذا فعل ذلك وتأمل موضع الخطأ منهما ~~وبما انكشف له وجه الحق بذلك التفتيش، ويكفى هذا القدر من ~~صناعة الجدل، وإلا فهو كتاب برأسه، ms032 ولا حاجة إلى الاشتغال ~~بحكاية ذلك. # (وأما الوهميات والمشبهات): فانها مقدمات الأقيسة المغالطية ~~ولا فائدة لها أصلا إلا أن تعرف لتحذر وتتوقى وربما يمتحن بها فهم ~~من لا يدرى أنه قاصر فى العلم أو كامل حتى ينظر كيف يتقصى عنه ~~وإذ ذاك يسمى قياسا امتحانيا وربما يستعمل فى إفضاح من يخيل إلى ~~العوام أنه عالم ويستتبعهم فيناظر بذلك بين أيديهم ويظهر لهم عجزه ~~عن ذلك بعد أن يعرفوا فى الحقيقة وجه الغلط حتى يعرفوا به قصوره ~~فلا يعتدون به وعند ذلك يسمى قياسا عناديا. # (وأما المشهورات فى الظاهر، والمظنونات، والمقبولات): ~~فتصلح أن تكون مقدمات للقياس الخطابى والفقهى، وكل ما لا ~~يطلب به اليقين. فلا يخفى فائدة الخطابة فى استمالة النفوس وترغيبها ~~فى الحق وتنفيرها عن الباطل، وكذا فائدة الفقه، وفى الخطابة كتاب ~~برأسه ولا حاجة إلى حكايته. # (وأما المخيلات): فهى مقدمات الأقيسة الشعرية فان ~~استعملت الأوليات وما معها فى الخطابة أو الشعر لم يكن استعمالها ~~إلا من حيث الشهرة والتخيل وما وراء ذلك فليس بشرط فيها وليس ~~يحتاج إلا إلى البيان البرهانى ليطلب، والمغالطى ليتقى فلنقتصر فى ~~الحكاية عليها. # (خاتمة القول فى القياس) ~~نذكر مثارات الغلط لتحذر وهى عشرة: ~~(الأول): أن الاحتجاجات فى الأغلب تجرى مشوشة ويثور ~~فيها غلط كثير فينبغى أن يتعود الناظر ردها إلى الترتيب المذكور ~~ليعلم أنه قياس أم لا، وإن كان فهو من أى نوع، ومن أى شكل ~~من الأنواع، ومن أى ضرب من الأشكال حتى ينكشف موضع ~~التلبيس. # (الثانى): أن يلاحظ الحد الأوسط ويتأمله تأملا شافيا ليكون ~~وقوعه فى المقدمتين على وجه واحد فانه إن تطرق إليه أدنى تفاوت ~~بزيادة أو نقصان فسد القياس وأنتج غلطا. مثاله أنا ذكرنا أن ~~السالبة الكلية تنعكس مثل نفسها، ولو قال قائل لا دن واحد فى ~~شراب صدق وعكسه وهو أنه لا شراب واحد فى دن لا يصدق ~~وهذا سببه أنه لم يراع شرط العكس. بل الواجب أن يقال لا دن ~~واحد شراب فلا شراب واحد دن، وهذا صادق. ms033 فأما إذا زيد فى ~~وقيل لا دن واحد فى شراب فعكسه هو لا شىء واحد مما هو ~~فى الشراب دن وهو أيضا صادق، وموضع الغلط أن المحمول فى ~~هذه القضية هو قولك فى شراب لا مجرد الشراب. فينبغى أن ~~يصير هو بكماله موضوعا فى العكس، وإذا راعيت ذلك صدق ~~العكس. # (الثالث): أن يراعى الحد الأصغر والحد الأكبر حتى ~~لا يكون بينهما وبين طرفى النتيجة تفاوت البتة فان القياس يوجب ~~اجتماع الحدين من غير تفاوت وهذا يعرف بما ذكرناه فى شروط ~~النقيض. # (الرابع): أن يتامل فى الحدود الثلاثة وطرفى النتيجة حتى ~~لا يكون فيهما اسم مشترك فان الاسم ربما يكون واحدا والمعنى ~~متعدد فلا يصح القياس وهذا أيضا يعرف من شروط النقيض. # (الخامس): أن يراعى حروف الضمير مراعاة محققة فانه ~~يختلف جهات احتمالة ويثور منه غلط كما لو قال كل ما عرفه العاقل ~~فهو كما عرفه فقوله هو ربما يرجع إلى المعلوم وربما يرجع إلى العالم ~~إذ قد تقول وهو قد عرف الحجر فهو اذن حجر. # (السادس): أن لا تقبل المهملات فانها تخيل الصدق ولو حصر ~~المهمل تنبه العقل لكونه كاذبا فاذا قيل الانسان فى خسر قبلته النفس ~~وصدقت به ولو حصر وقيل كل إنسان لا محالة فى خسر تنبه العقل ~~لكون ذلك غير واجب على العموم فاذا قيل صديق عدوك عدوك ~~قبلته النفس وإذا حصر وقيل كل من هو صديق عدوك فلا بد وأن ~~يكون عدوك تنبه العقل لكون ذلك غير واجب بالضرورة على العموم ~~(السابع): أنك قد تصدق بمقدمة فى القياس ويكون سبب ~~التصديق أنك طلبت له نقيضا بذهنك فما وجدته وهذا لا يوجب ~~التصديق بل صدق إذا علمت أنه ليس له نقيض فى نفسه لا أنك لم ~~تجده فانه ربما يكون وأنت لا تجده فى الحال كتصديقك بقول ~~القائل ان الله قادر على كل أمر إذ لا يخطر ببالك شىء إلا وتصدق ~~إن الله قادر عليه إلى أن يخطر ببالك أنه لا يقدر على خلق مثله ~~فتتنبه لخطئك ms034 فى التصديق فالصادق أنه قادر على كل أمر ممكن ~~فى نفسه وهذا ليس له نقيض فى نفسه البتة. # (الثامن):أن يراعى حتى لا يجعل المسئلة مقدمة فى القياس فتكون ~~قد صادرت على نفس المطلوب كما يقال إن الدليل على أن كل حركة ~~تحتاج إلى محرك أن المتحرك لا يتحرك بنفسه فان هذه نفس الدعوى ~~وقد غير لفظه وجعل دليلا. # (التاسع): أن لا يصحح الشىء بأمر لا يصح ذلك الأمر إلا ~~بالشىء كما يقال إن النفس لا تموت لأنها فاعلة على الدوام ولا يعلم ~~أنها فاعلة على الدوام ما لم تعلم أنها لا تموت وبذلك يثبت دوام فعلها ~~(العاشر): أن يحترز عن الوهميات والمشهورات والمشبهات ~~فلا تصدق إلا بالأوليات والحسيات وما معها فاذا راعيت هذه ~~الشروط كان قياسك لا محالة صادق النتيجة وحصل به يقين لا شك ~~فيه وإن أردت أن تشكك نفسك فيه لم تقدر عليه. # (الفن الخامس من الكتاب فى لواحق القياس والبرهان) ~~"وما ينعطف فائدته عليها وهو فصول أربعه" ~~(الفصل الأول فى المطالب العلمية وأقسامها): ونعنى بها ~~الاسئلة التى تقع فى العلوم وهى أربعة. # (مطلب هل): وهو سؤال عن وجود الشىء. # (ومطلب ما): وهو سؤال عن ماهية الشىء ~~(ومطلب أى): وهو سؤال عن فصل الشىء الذى يفصله عن ~~شىء يشاركه فى جنسه. # (ومطلب لم): وهو طلب العلة. # (أما مطلب هل): فهو على وجهين: ~~(أحدهما): عن أصل الوجود كقولك هل الله موجود وهل ~~الخلاء موجود. # (والثانى): عن حال الشىء كقولك هل الله مريد وهل العالم حادث ~~(ومطلب ما): وهو على وجهين: ~~(أحدهما): ما يراد أن يعرف به مراد المتكلم بلفظ ما لم يفسره ~~كما إذا قال عقار فيقال ما الذى يراد به فيقول الخمر. # (والثانى): أن يطلب حقيقة الشىء فى نفسه كما يقال ما العقار ~~فيقول هو الشراب المسكر المعتصر من العنب. # (ومطلب ما) بالمعنى الأول يتقدم على مطلب هل فان من لم ~~يفهم الشىء لا يسأل عن وجوده وبالمعنى الثانى يتأخر عن مطلب هل ~~لأن ما لم يعلم وجوده ms035 لا يطلب ماهيته. # (وأما مطلب أى): فهو سؤال عن الفصل والخاصة. # (ومطلب لم): على وجهين: ~~(أحدهما): سؤال عن علة الوجود كقولك لم احترق هذا ~~الثوب فتقول لأنه وقع فى النار. # (والآخر): سؤال عن علة الدعوى وهو أن تقول لم قلت إن ~~الثوب قد وقع فى النار فتقول لأنى رأيته ووجدته محترقا. # (ومطلب ما وأى) :للتصور. # (ومطلب هل ولم): للتصديق. # (الفصل الثانى): فى أن القياس البرهانى ينقسم إلى ما يفيد علة ~~وجود النتيجة وإلى ما يفيد علة التصديق بالوجود فالأول يسمى ~~برهان لم والآخر يسمى برهان أن ومثاله أن من ادعى فى موضع ~~دخانا فقيل له لم قلت فقال لأن ثمة نار وحيث كان نار فثمة دخان ~~فاذا ثمة دخان فقد أفاد برهان لم وهو علة التصديق بأن ثمة دخان ~~وعلة وجود الدخان فأما إذا قال ثمة نار فقيل له لم وقال لأن ثمة ~~دخان وحيث كان دخان فثمة نار فقد أفاد علة التصديق بوجود ~~النار ولم يفد علة وجود النار وأنه بأى سبب حصل فى ذلك الموضع ~~(وبالجملة): المعلول يدل على العلة والعلة أيضا تدل على المعلول ~~ولكن المعلول لا يوجب العلة والعلة توجبه فهذا هو المراد بالفرق ~~بين برهان أن وبرهان لم بل أحد المعلولين قد يدل على المعلول ~~الآخر إن ثبت تلازمهما بأن كانا جميعا معلولى علة واحدة وليس ~~من شرط برهان لم ان يكون علة لوجود الحد الأكبر مطلقا بل إن ~~كان علة لاتصاف الحد الأصغر بالحد الأكبر كفى أعنى أن يكون ~~علة لكونه فيه فانك تقول الانسان حيوان وكل حيوان جسم ~~فالأنسان جسم فهذا برهان لم لأن الحد الأوسط علة وجود الأكبر ~~فى الأصغر فان الانسان كان جسما لأنه حيوان أى الجسمية صفة ~~ذاتية للحيوان تلحقه من حيث أنه حيوان لا لمعنى أعم ككونه ~~موجودا أو لا لمعنى أخص ككونه كاتبا وطويلا. # (الفصل الثالث): في الأمور التى عليها مدار العلوم البرهانية ~~وهى أربعة. # (الموضوعات، والاعراض الذاتية، والمسائل، والمبادئ) ~~(الأول الموضوعات): ونعنى بها أن لكل علم لا ms036 محالة موضوعا ~~ينظر فيه ويطلب فى ذلك العلم أحكامه كبدن الانسان للطب ~~والمقدار للهندسة والعدد للحساب والنغمة للموسيقى وأفعال المكلفين ~~للفقه وكل علم من هذه العلوم فلا يوجب على المتكفل به أن يثبت ~~وجود هذه الموضوعات فيه فليس على الفقيه أن يثبت أن ~~للانسان فعلا ولا على المهندس أن يثبت أن المقدار عرض موجود ~~بل يتكفل باثبات ذلك علم آخر* نعم عليه أن يفهم هذه الموضوعات ~~بحدودها على سبيل التصور. # (الثانى الاعراض الذاتية): ونعنى بها الخواص التى تقع فى ~~موضوع ذلك العلم ولا تقع خارجة منه كالمثلث والمربع لبعض ~~المقادير والانحناء والاستقامة لبعضها وهى أعراض ذاتية لموضوع ~~الهندسة وكالزوجية والفردية للعدد وكالاتفاق والاختلاف للنغمات ~~أعنى التناسب وكالمرض والصحة للحيوان ولا بد فى أول كل علم من ~~فهم هذه الأعراض الذاتية بحدودها على سبيل التصور فأما وجودها ~~فى الموضوعات فانما يستفاد من تمام ذلك العلم إذ مراد العلم أن يبرهن ~~عليه فيه. # (الثالث المسائل): وهى عبارة عن اجتماع هذه الأعراض ~~الذاتية مع الموضوعات وهى مطلوب كل علم ويسأل عنها فيه فمن ~~حيث يسأل عنها فيه تسمى مسائل ذلك العلم ومن حيث تطلب ~~تسمى مطالب ومن حيث أنها نتيجة البرهان تسمى نتائج ~~والمسمى واحد ويختلف هذه الأسامى والعبارات باختلاف ~~الاعتبارات وكل مسألة رهانية فى علم فاما أن يكون موضوعها ~~موضوع ذلك العلم أو الأعراض الذاتية فى ذلك العلم لموضوعه فان ~~كان هو الموضوع فاما أن يكون نفس الموضوع كما يقال فى الهندسة ~~كل مقدار مشارك لمقدار آخر يجانسه ولا يباينه وكما يقال فى الحساب ~~كل عدد فهو شطر طرفيه اللذين بعدهما بعدد واحد كالخمسة فانها ~~شطر مجموع الستة والأربعة ومجموع الثلاثة والسبعة ومجموع الاثنين ~~والثمانية ومجموع الواحد والتسعة وإما أن يكون هو الموضوع مع ~~أمر ذاتى أعنى العرض الذاتى كما يقال فى الهندسة المقدار المباين ~~لشىء مباين لكل مقدار يشاركه فقد أخذ المقدار المباين لا المقدار ~~المجرد والمباين عرض ذاتى للمقدار وكما يقال فى الحساب كل عدد ~~منصف فضرب نصفه فى نصفه ms037 ربع ضرب كله فى كله فانه أخذ العدد ~~المنصف لا العدد وحده وإما أن يكون نوعا من موضوع العلم كما ~~يقال الستة عدد تام فان الستة نوع من العدد وإما أن يكون نوعا ~~مع عرض ذاتى كما يقال فى الهندسة كل خط مستقيم قام على خط ~~مستقيم آخرحصل منهما زاويتان مساويتان لقائمتين فالخط نوع من ~~المقدار الذى هو موضوع والمستقيم عرض ذاتى فيه وإما أن يكون ~~عرضا كقولك فى الهندسة كل مثلث فزواياه مساوية لقائمتين فان ~~المثلث من الأعراض الذاتية لبعض المقادير فاذا لا يخلو موضوعات ~~المسائل البرهانية فى العلوم عن هذه الأقسام الخمسة وأما محمولها فهى ~~الأعراض الذاتية الخاصة بذلك الموضوع. # (الرابع المبادىء): ونعنى بها المقدمات المسلمة فى ذلك العلم ~~الذى يثبت بها مسائل ذلك العلم وتلك لا تثبت فى ذلك العلم ولكن ~~إما أن تكون أولية فتسمى علوما متعارفة كقولهم فى أول أقليدس ~~إذا أخذ من المتساويين متساويين كان الباقى متساويا، وإذا زيد ~~متساويان كانا متساويين، وإما أن لا تكون أولية ولكن تسلم من ~~المتعلم فان سلمها عن طيب نفس تسمى أصولا موضوعة وإن بقى ~~فى نفسه عناد تسمى مصادرات ويصبر عليها إلى أن تتبين له فى علم ~~آخر كما يقال فى أول أقليدس لا بد وأن نسلم أن كل نقطة يمكن أن ~~تكون مركزا فانه يمكن أن يعمل عليها دائرة، ومن الناس من ~~ينكر تصور الدائرة على وجه تكون الخطوط من المركز إلى المحيط ~~متساوية ولكن يصادر عليها فى ابتداء العلم. # (الفصل الرابع فى بيان جميع شروط مقدمات البرهان): وهى ~~أربعة أن تكون صادقة وضرورية وأولية وذاتية: ~~(أما الصادقة): فنعنى بها اليقينية كالأوليات والمحسوسات وما ~~معها وقد سبق هذا الشرط. # (وأما الضرورية): فنعنى بها أن تكون مثل الحيوان للانسان ~~لا مثل الكاتب للانسان هذا إن كان يطلب منها نتيجة ضرورية فان ~~المقدمة إذا لم تكن ضرورية لم تجب على العقل التصديق بالنتيجة ~~الضرورية. # (وأما الأولية): فنعنى بها ان يكون المحمول في المقدمة ثابتا ~~للموضوع لأجل الموضوع كقولك ms038 كل حيوان جسم فانه جسم لأنه ~~حيوان لا لمعنى أعم منه كقولك الانسان جسم فانه ليس جسما لأنه ~~إنسان بل لأنه حيوان ثم لكونه حيوانا كان جسما فالجسمية أولا ~~للحيوان ثم بواسطته للانسان ولا لمعنى أخص منه كالكاتب للحيوان ~~فانه ليس له ذلك للحيوانية بل للانسانية وهى أخص فالأولى ما ليس ~~بينه وبين الموضوع واسطة فيكون لتلك الواسطة أولا ثم بواسطته ~~له هذا شرط فى المقدمات الأولية فاما فى مقدمات كانت نتيجة أقيسة ~~ثم جعلت مقدمات فى قياس آخر فلا يشترط ذلك فيها بل تشترط ~~الضرورية والذاتية. # (وأما الذاتى): فهو احتراز من الأعراض الغريبة فان العلوم ~~لا ينظر فيها للأعراض الغريبة فلا ينظر المهندس فى أن الخط المستقيم ~~أحسن أو المستدير ولا فى أن الدائرة هل تضاد المستقيم لأن الحسن ~~والمضادة غريب عن موضوع علمه وهو المقدار فانه يلحق المقدار ~~لا لأنه مقدار بل بوصف أعم منه ككونه موجودا أو غيره والطبيب ~~لا ينظر فى أن الجراحة مستديرة أم لا لأن الاستدارة لا تلحق ~~الجرح لأنه جرح بل لأمر أعم منه وإذا قال الطبيب هذا الجرح ~~بطىء البرء لأنه مستدير والدوائر أوسع الأشكال لم يكن ما ذكره ~~علما طبيا ولم يدل ذلك على علمه بالطب بل بالهندسة فاذا لا بد وأن ~~يكون محمول المسئلة فى العلوم ذاتيا وفى المقدمات ذاتيا ولكن ~~بينهما فرق ما وهو ان الذاتى يطلق ههنا لمعنيين. # (أحدهما): أن يكون داخلا فى حد الموضوع كالحيوان ~~للانسان فانه ذاتى فيه لأنه يدخل فيه إذ معنى الانسان أنه حيوان ~~مخصوص* ~~(والثانى): أن يكون الموضوع داخلا فى حده لا هو داخلا ~~فى حد الموضوع كالفطوسة للانف والاستقامة للخط فان الأفطس ~~عبارة عن ذى أنف بصفة مخصوصة بالأنف فدخل فى حده لا محالة ~~والذاتى بالمعنى الأول محال أن يكون محمولا فى المسائل المطلوبة ~~فى العلوم لأن الموضوع لا يعلم إلا به. فيتقدم العلم به على العلم ~~بالموضوع فكيف يكون حصوله للموضوع مطلوبا فان من لا يفهم ~~المثلث بحده على سبيل التصور ms039 لا يطلب أحكامه فيجوز أن يطلب ~~أن زواياه مساوية لقائمتين أم لا وإما أن يطلب أنه شكل أم لا ~~فهو محال لأن الشكل يفهم أولا ثم يفهم انقسامه إلى ما يحيط به ~~ثلاثة أضلاع وهو المثلث أو أربع وهو المربع فالعلم به يتقدم عليه ~~(وأما المقدمات): فينبغى أن يكون محمولاتها ذاتية ويجوز أن ~~يكون محمولا المقدمتين ذاتيا بالمعنى الآخر ولا يجوز ان يكون ~~كلاهما ذاتيا بالمعنى الأول لأن النتيجة تكون معلومة قبل المقدمة ~~لأن ذات الذاتى بذلك المعنى ذاتى ولا يجوز أن يقال كل إنسان ~~حيوان وكل حيوان جسم فكل إنسان جسم على أن هذا مطلوب ~~لأن العلم بالجسمية يتقدم على العلم بالانسان فاذا كان موضوع المسئلة ~~هو الانسان فلا بد وأن يكون أولا متصورا حتى يطلب حكمه ~~إذ متصور الانسان متصور الحيوان والجسم من قبل لا محالة إذ ~~يفهم الجسم وإنه ينقسم إلى الحيوان وغيره ثم الحيوان ينقسم إلى ~~الناطق وغيره ولكن يجوز أن يكون محمول المقدمة الصغرى ذاتيا ~~بالمعنى الأول ومحمول الكبرى ذاتيا بالمعنى الثانى وكذا بالعكس هذا ~~ما أردنا تفهيمه وحكايته. # (فهرست القسم الأول إجمالا من) ~~مقاصد الفلاسفة ~~(لحجة الاسلام الغزالى) ~~صحيفة ~~م ~~2 خطبة الكتاب وفيها بيان أقسام الرياضيات والمنطقيات والطبيعيات ~~والالهيات ~~4 القول فى المنطق وبيان فائدته وأقسامه وتعريف التصور والتصديق ~~وبيان أن المنطق على خمسة فنون ~~8 الفن الأول فى دلالة الألفاظ ويتضح المقصود منها بتقسيمات خمسة ~~11 الفن الثاني فى المعانى الكلية واختلاف نسبها وأقسامها ~~17 الفن الثالث فى تركيب المفردات وأقسام القضايا وشرحها بذكر تقسيمات ~~25 الفن الرابع في تركيب القضايا وفيه بيان الأشكال والضروب ~~31 بيان جدول ضروب الشكل الأول منتجها وعقيمها ~~36 القول فى القياسات الاستثنائية وفيه بيان شرطى المتصل والمنفصل ~~45 القول فى مادة القياس ~~52 القول فى مجارى المقدمات ~~54 خاتمة القول فى القياس ~~57 الفن الخامس من الكتاب في لواحق القياس والبرهان وفيه أربعة فصول ~~00 الفصل الأول المطالب العلمية وأقسامها ~~59 الفصل الثانى فى تقسيم القياس ms040 البرهانى ~~60 الفصل الثالث فى الأمور التى عليها مدار العلوم البرهانية ~~62 الفصل الرابع فى بيان شروط مقدمات البرهان # ~~(الالهيات) ~~بسم الله الرحمن الرحيم ~~القسم الثانى ~~(الفن الثانى الالهيات) # اعلم أن عادتهم جارية بتقديم الطبيعى ولكن آثرنا تقديم هذا ~~لأنه أهم والخلاف فية أكثر ولأنه غاية العلوم ومقصدها وإنما يؤخر ~~لغموضه وعسر الوقوف عليه قبل الوقوف على الطبيعى ولكنا ~~نورد فى خلل الكلام من الطبيعى ما يتوقف عليه فهم المقصود ~~ونستوفى حكاية مقاصد هذا العلم فى مقدمتين وخمس مقالات. # (المقالة الأولى: فى أقسام الوجود وأحكامه). # (المقالة الثانية: فى سبب الوجود كله وهو الله تعالى). # (المقالة الثالثة: فى صفاته). # (المقالة الرابعة: فى أفعاله ونسبة الموجودات إليه). # (المقالة الخامسة: فى كيفية وجودها منه على مذهبهم). # (المقدمة الأولى في تقسيم العلوم) ~~لا شك فى أن لكل علم موضوعا يبحث فيه عن أحوال ذلك ~~الموضوع والأشياء الموجودة التى يمكن أن يكون منظورا فيها ~~فى العلوم ينقسم إلى ما وجوده بأفعالنا كالأعمال الانسانية من ~~السياسات والتدبيرات والعبادات والرياضات والمجاهدات وغيرها ~~وإلى ما ليس وجوده بأفعالنا كالسماء والأرض والنباتات والحيوان ~~والمغادن وذوات الملائكة والجن والشياطين وغيرها فلاجرم ينقسم ~~العلم الحكمى إلى قسمين. # (أحدهما): ما يعرف به أحوال أفعالنا ويسمى علما عمليا ~~وفائدته أن ينكشف به وجود الأعمال التى بها ينتظم مصالحنا فى ~~الدنيا ويصدق لأجله رجاؤنا فى الآخرة. # (والثانى): مانتعرف فيه أحوال الموجودات لتحصل فى نفوسنا ~~هيئة الوجود كله على ترتيبه كما تحصل الصورة المرئية فى المرآة ~~ويكون حصول ذلك فى نفوسنا كمالا لنفوسنا فان استعداد النفس ~~لقبولها هو خاصة النفس فتكون فى الحال فضيلة وفى الآخرة سببا ~~للسعادة كما سيأتى ويسمى علما نظريا وكل واحد من العلمين ينقسم ~~إلى ثلاثة أقسام. # (أما العملى): فينقسم إلى ثلاثة أقسام. # (أحدها): العلم بتديير المشاركة التى للانسان مع الناس كافة فان ~~الانسان خلق مضطرا إلى مخالطة الخلق ولا ينتظم ذلك على وجه ~~يؤدى إلى حصول مصلحة الدنيا وصلاح الآخرة إلا على وجه ~~مخصوص وهذا علم أصله العلوم الشرعية وتكمله ms041 العلوم السياسية ~~المذكورة فى ثديير المذن وترتيب أهلها. # (والثانى): علم تدبير المنزل وبه يعلم وجه المعيشة مع الزوجة ~~والولد والخادم وما يشتمل المنزل عليه. # (والثالث): علم الأخلاق وما ينبغى أن يكون الانسان عليه ~~ليكون خيرا فاضلا فى أخلاقه وصفاته ولما كان الانسان لا محالة ~~إما وحده وإما مخالطا لغيره وكانت المخالطة إما خاصة مع أهل المنزل ~~وإما عامة مع أهل البلد انقسم العلم بتدبير هذه الأحوال الثلاثة ~~إلى ثلاثة أقسام لامحالة. # (وأما العلم النظرى فثلاثة): ~~(أحدها) يسمى الالهى والفلسفة الأولى: ~~(والثانى): يسمى الرياضى والتعليمى والعلم الأوسط. # (والثالث): يسمى العلم الطبيعى والعلم الأدنى وإنما انقسم ~~إلى ثلاثة أقسام لأن الأمور المعقولة لا تخلو إما أن تكون برية عن ~~المادة والتعلق بالأجسام المتغيرة المتحركة كذات الله تعالى وذات ~~العقل والوحدة والعلة والمعلول والموافقة والمخالفة والوجود ~~والعدم ونظائرها فان هذه الأمور يستحيل ثبوت بعضها للمواد ~~كذات العقل وأما بعضها فلا يجب لها أن يكون فى المواد وإن كان ~~قد يعرض لها ذلك كالوحدة والعلة فان الجسم أيضا قد يوصف ~~بكونه علة واحدة كما يوصف العقل ولكن ليس من ضرورتها ~~أن تكون فى المواد وإما أن تكون متعلقة بالمادة وهذا لا يخلو ~~إما أن يكون بحيث يحتاج إلى مادة معينة حتى لا يمكن أن يتحصل ~~فى الوهم بريا عن مادة معينة كالانسان والنبات والمعادن والسماء ~~والأرض وسائر أنواع الأجسام وإما أن يمكن تحصيلها فى الوهم ~~بريا عن مادة معينة كالمثلث والمربع والمستطيل والمدور فان هذه ~~الأمور وإن كانت لا تتقوم وجودها إلا فى مادة معينة ولكن ليس ~~يتعين لها فى الوجود على سبيل الوجوب مادة خاصة إذ قد تعرض ~~فى الحديد والخشب والتراب وغيره لا كالانسان فان مفهومه ~~لا يمكن أن يحصل إلا فى مادة معينة من لحم وعظم وغيرهما ~~فان فرض من خشب لم يكن إنسانا والمربع مربع من لحم أوطين ~~أوخشب وهذه الأمور يمكن تحصيلها فى الوهم من غير التفات ~~إلى مادة والعلم الذى يتولى النظر فيما هو برى عن المادة بالكلية ms042 ~~هو الالهى والعلم الذى يتولى النظر فيما هو برى عن المادة فى الوهم ~~لا فى الوجود هو الرياضى والذى يتولى النظر فيما لا يستغنى عن. ~~المواد المعينة هو الطبيعى فهذا هو علة انقسام هذه العلوم إلى ثلاثة ~~أقسام ونظر الفلسفة فى هذه العلوم الثلاثة. # (المقدمة الثانية في بيان موضوعات هذه العلوم الثلاثة) ~~(ليخرج منه موضوع العلم الالهى الذى نحن بصدده) ~~(أما العلم الطبيعى): فموضوعه أجسام العالم من حيث أنها ~~وقعت فى الحركة والسكون والتغير لامن حيث مساحتها ومقدارها ~~ولا من حيث شكلها واستدارتها ولا من حيث نسبة بعض أجزائها ~~إلى بعض ولا من حيث كونها فعل الله تعالى فان النظر فى الجسم ~~يمكن من هذه الوجود كلها ولا ينظر الطبيعى فيه إلا من حيث ~~تغيره واستحالته فقط. # (وأما الرياضى): فموضوعه بالجملة الكمية وبالتفصيل المقدار ~~والعدد* وللعلم الطبيعى فروع كثيرة كالطب والطلسمات ~~والنارنجات والسحر وغيره* وللرياضى أيضا فروع كثيرة* ~~وأصوله علم الهندسة والحساب والهيئة أعنى هيئة العالم والموسيقى ~~وفروعه علم المناظر وعلم جر الأثقال وعلم الأكر المتحركة ~~وعلم الجبر وغيره. # (وأما العلم الالهى): فموضوعه أعم الأمور وهو الوجود ~~المطلق والمطلوب فيه لواحق الوجود لذاته من حيث أنه وجود ~~وفقط ككونه جوهرا وعرضا وكليا وجزئيا وواحدا وكثيرا وعلة ~~ومعلولا وبالقوة والفعل وموافقا ومخالفا وواجبا وممكنا وأمثاله ~~فان هذه تلحق الوجود من حيث أنه وجود لا كالمثلثية والمربعية ~~فانها تلحق الوجود بعد أن يصير مقدارا ولا كالزوجية والفردية ~~إذ تلحقه بعد أن يصير عددا ولا كالبياض والسواد إذ يلحقه بعد ~~ان يصير جسما طبيعيا. # (وبالجملة): كل وصف لا يلحق الوجود إلا بعد أن صار ~~موضوع أحد العلمين الرياضى والطبيعى فالنظر فيه ليس من هذا. # العلم* ويقع فى هذا العلم النظر فى سبب الوجود كله لأن الموجود ~~ينقسم إلى سبب ومسبب والنظر فى وحدة السبب وكونه واجب ~~الوجود وفى صفاته وفى تعلق سائر الموجودات به ووجه حصولها ~~منه* ويسمى النظر فى التوحيد من هذا العلم خاصة العلم الالهى ~~ويسمى علم الربوبية أيضا وأبعد العلوم ms043 الثلاثة عن التشويش ~~الرياضى* وأما الطبيعى فالتشويش فيه أكثر لأن الطبيعيات بصدد ~~التغيرات فهى بعيدة عن الثبات بخلاف الرياضيات فهذه هى ~~المقدماث. # (أما المقالات): فالمقالة الأولى فى أقسام الوجود وأحكامه ~~وأعراضه الذاتية ويظهر ذلك بتقسيمات. # (القسمة الأولى): ~~الوجود ينقسم إلى الجوهر والعرض وهذا يشبه الانقسام ~~بالفصول والأنواع وسبيل تفهيم التقسيم أن العقل يدرك الوجود. # على سبيل التصور بلا شك وهو مستغنى هن الرسم والحد إذ ليس ~~للوجود رسم ولا حد. # (أما الحد): فلأنه عبارة عن الجمع بين الجنس والفصل ~~وليس للوجود شىء أهم منه حتى ينضاف إليه فصله ويحصل منه ~~حد الوجود. # (وأما الرسم): فهو عبارة عن تعريف الخفى بالواضح ولا ~~شىء أوضح من الوجود وأعرف أشهر منه حتى يعرف الوجود به* ~~نعم أن ذكر الوجود بالعربية ولم يفهم فقد يبدل بالعجمية ليفهم ~~المراد باللفظ وأما الحد والرسم فممتنعان إذ غايتك فى الرسم ~~والتعريف أن تقول الوجود هو الذى ينقسم إلى الحادث والقديم ~~وهو فاسد لأنه تعريف الشىء بما يعرف به إذ الحادث يعرف بعد ~~معرفة الوجود وكذا القديم فان الحادث عبارة عن موجود ~~بعد عدم والقديم عبارة عن موجود غير مسبوق بعدم فاذا ظهر أن ~~الوجود يحصل فى العقل تصوره حصولا أوليا لا بطلب حد ~~ورسم فليس بخفى أنه ينقسم فى العقل إلى موجود يحتاج إلى محل ~~يحل فيه كالأعراض وإلى مالا يحتاج إلى ذلك والذى يحتاج ~~إلى محل ينقسم إلى مالا يحل فى محل ذلك المحل يتقوم بنفسه دون ~~ذلك العرض وليس يحتاج فى قوامه إلى العرض وحلول العرض ~~لا يبدل حقيقته فلا يغير جواب السؤال عن ماهيته كالسواد للثوب ~~والانسان وإلى ما يحل فى المحل فتقوم حقيقة المحل به فيتبدل بسبب ~~حلوله الحقيقية وجواب الماهية كصورة الانسان فى النطفة وصورة ~~الفارة فى التراب فان من أشار إلى ثوب وقال ماهو فجوابه أنه ثوب ~~فلو صار أسود اوحارا فسأل عنه كان الجواب انه ثوب لأن ~~السواد والحرارة لم يخرجه عن كونه ثوبا ولم تبطل حقيقته والنطفة إذا ~~استحالت ms044 إنسانا لم يمكن أن يقال نطفة فى جواب ما هو ولا التراب ~~إذا صار فارة فسئل عنه يمكن أن يقال أنه تراب فالحرارة واللون ~~وصف ينضاف إلى الثوب ويبقى الثوب ثوبا معه والتراب لا يبقى ~~ترابا مع صورة الفارة ولا النطفة تبقى نطفة اذا صارت انسانا وقد ~~استويا أعنى اللون وصورة الانسانية فى أن كل واحد يحتاج إلى محل ~~ولكن بين المحلين وبين الحالين فرق فلا بد من الاصطلاح على ~~عبارتين مختلفتين وقد اصطلحوا على تخصيص لفظ العرض بما ~~يجرى مجرى اللون الحرارة من الثوب وعلى تسمية محل العرض ~~موضوعا فمعنى العرض على هذا الاصطلاح هو الذى يحل فى ~~موضوع ومعنى الموضوع هو الذى يتقوم بنفسه دون المعنى الحال. # فيه وأما مايجرى مجرى الانسانية فيسمى صورة ويسمى محله هيولى ~~فالخشب موضوع لصورة السرير وهيولى لصورة الرماد فانه يبقى ~~خشبا مع صورة السرير ولا يبقى خشبا مع صورة الرماد والصورة ~~تسمى جوهرا إذ وضعوا الجوهر عبارة عن كل موجود لا فى ~~موضوع والصورة ليست فى موضوع كما سبق والهيولى أيضا جوهر ~~فانقسم الجوهر إلى أربعة أنواع. # (الهيولى والصورة والجسم والعقل المفارق): وهوالقائم بنفسه ~~وكل جسم فالجواهر الثلاثة الأول موجودة فيه فالماء مثلا جسم ~~مركب من صورة المائية ومن الهيولى الحاملة للصورة فمجرد الهيولى ~~جوهر ومجرد الصورة جوهر ومجموعهما وهو الجسم جوهر فهذا ~~شرح هذه الانقسامات فى العقل مع تفسير هذه الاصطلاحات فأما ~~إثبات الجواهر الثلاثة فبالبرهان على ما سيأتى إلا الجسم فانه يثبت ~~بالمشاهدة* أما العقل والصورة والهيولى فمطلوب بالدليل لا محالة ~~وحصل من هذا أنهم أطلقوا اسم الجوهر على ما هو محل وعلى ما هو ~~حال أيضا وخالفوا فى هذا المتكلمين فان الصورة عند المتكلمين ~~عرض تابع لوجود المحل وهم يستبدلون ويقولون كيف لا تكون ~~الصورة جوهرا وبها تقوم ذات الجوهر ويتقوم حقيقته وماهيته ~~وكيف يكون عرضا والعرض تابع للمحل بعد تقوم المحل بنفسه ~~والهيولى تابع للصورة فى التقوم وأصل الجوهر كيف لا يكون ~~جوهرا. # (القول فى حقيقة الجسم): لما ms045 قسم العقل الجوهر إلى جسم وغير ~~جسم وكان وجود الجسم من جملة الجواهر مدركا بالحس مستغنيا عن ~~البرهان وجبت البداية بيان حده وحقيقته فالجسم هو كل جوهر ~~يمكن أن يفرض فيه ثلاثة امتدادات متقاطعة على زوايا قائمة فانك ~~إذا لاحظت ذات العقل أو ذات البارى تعالى لم يمكنك أن تفرض ~~فيه بعدا أو امتدادا البتة فاذا نظرت إلى السماء والأرض وسائر ~~الأجسام أمكنك أن تفرض امتدادا على الاتصال وتقبل الانقسام ~~والانفصال والامتداد فى جهة واحدة يسمى طولا وهذا يوجد ~~للخط وحده والامتداد فى جهتين يسمى طولا وعرضا وهذا يوجد ~~للسطح وحده فانه ينقسم من جهتين والخط لا ينقسم إلا من جهة ~~واحدة ولا يوجد شىء ينقسم من ثلاثة جهات إلا الجسم فكل ~~ما يمكن أن يفرض بالوهم فيه ثلاث امتدادات متقاطعة على زوايا ~~قائمة فهو الجسم وإنما خصصنا الزوايا بالقائمة لأن ذلك إن لم يشترط ~~فكل جسم يمكن أن يفرض فيه امتدادات كثيرة متقاطعة لا على ~~زوايا قائمة مثل هذا فاذا فرضت الزوايا قائمة لم تزد ~~على الثلاث وهو الطول والعرض والعمق * ~~والزاوية القائمة هى التى تحصل بقيام خط منتصبا على وسط آخر ~~بحيث لا يميل الى أحد الجانبين وبحيث يتساوى الزاويتان. # الحاصلتين من الجانبين فاذا تساويتا سميت كل واحدة ~~قائمة مثل هذا ~~فاذا ميل به الى جانب اليمين مثلا مثل هذا ~~صارت الزاوية من الجانب الذى اليه الميل ~~أضيق من مقابلتها فتسمى حاده وتسمى الواسعة المقابلة منفرجة * ~~وقد قيل فى حد الجسم أنه الطويل العريض العميق وهذا فيه نوع ~~تساهل فان الجسم ليس جسما باعتبار ما فيه من الطول والعرض ~~والعمق بالفعل بل باعتبار قبوله للطول والعرض والعمق والابعاد ~~الثلاثة بدليل أنك لو أخذت شمعة فشكلتها بطول شبر وعرض ~~أصبعين وسمك أصبع واحد فهى جسم لا لما فيه من الطول ~~والعرض إذ لو جعلته مستديرا أو على شكل آخر زال ذلك ~~الامتداد المعين وذلك الطول المعين وحدث امتدادان آخران ~~بدلا عنهما والصورة الجسمية لم تتبدل أصلا فاذا المقادر الموجودة ms046 ~~فى الجسم أعراض خارجة عن ذات الجسمية وقد تكون لازمة ~~لا تفارق كشكل السماء ولكن العرضى قد يكون لازما وكذا ~~العرض كالسواد للحبشى فاذا الذاتى للجسم الذى هوالصورة الجسمية ~~كونه بحيث يقبل فرض الامتدادات لا وجود الامتدادات ~~بالفعل بل المقدار الحاصل بالفعل عرض ولذلك يجوز أن يقبل ~~جسم واحد مقدارا أصغر وأكبر فيكبر مرة ويصتغرأخرى من غير ~~زيادة من خارج بل فى نفسه من حيث أن المقدار عرض فيه وليس. # بعض المقادير متعينا له لذاته ويدل على كون المقدار غير حقيقة ~~الجسمية أن الأجسام متساوية فى الصورالجسمية لا يتصور بينها فرق ~~وهى مختلفة فى المقادير لا محالة ~~(القول فى الاختلاف الذى فى تركيب الجسم): قد اختلف ~~الناس فى تركيب الجسم ولا يحصل الوقوف على حقيقة الجسم ~~إلاببيان صحيح المذاهب فيه* وقد اختلفوا على ثلاثة مذاهب فقائل ~~يقول إنه متركب من أجزاء لا تجزأ لا بالوهم ولا بالفعل ويسمى ~~كل من تلك الآحاد جوهرا فردا والجسم هو المتألف من تلك ~~الجواهر* وقائل يقول إنه غير مركب أصلا بل هو موجود واحد ~~بالحقيقة والحد* وليس فى ذاته تعدد* وقائل يقول إنه مركب من ~~الصورة والمادة أما دليل بطلان المذهب الأول فابطال الجوهر ~~الفرد وبيان استحالته بستة أمور. # (الأول): أنه لو فرض جوهر بين جوهرين فكل واحد من ~~الطرفين يلقى من الأوسط ما يلقاه الآخر أو غيره فان كان غيره فقد ~~حصل الانقسام إذ ما شغله هذا الطرف بالمماسة غير ما شغله الآخر ~~وإن كان عينه فلا شك فى أنه محال ثم يلزم عليه أن يكون كل واحد ~~من الطرفين مداخلا للوسط بكليته إذ لقى جميعه وليس له جميع بل ~~هو واحد وقد لقى منه شيئا فقد لقى كله ولقى الآخر كله فيلزم أن ~~يكون مكان الكل ومكان الوسط واحدا وإلاصار الوسط حائلا ~~بين الطرفين وصار ملاقيا لكل واحد من الطرفين بغير ما يلاق ~~الآخر ولا يمكنه أن يلافيه بعين مايلاقى الآخر إلا بالتداخل ثم ~~إن جاء ثالث ورابع فهكذا يلزم فيجب أن ms047 لا يزيد حجم ألف جزء ~~على جزء واحد ولا شك فى استحالة هذا. # (دليل ثانى): وهو أنا نفرض خمسة أجزاء رتبت صفا واحدا ~~كأنه خط ووضعنا جزئين على طرفى الخط فالعقل يقبل تقدير حركة ~~الجزئين حتى يلتقيا لا محالة ويقبل تقديرالتقائهما بحركة متساوية من ~~الجزئين وإذا فرض ذلك كان كل واحد من الجزئين قد قطع جزءا ~~من الوسط فيكون الوسط قد انقسم والا فيلزم أن يقال ليس ~~فى مقدور الله إيصال أحدهما إلى الآخر بحركة متساوية بل اذا ~~ابتدأ بتحريكهما وانتهى أحدهما إلى الثانى وقفت القدرة عن تحريكه ~~حتى يتحرك الآخر إلى الثالث* وليت شعرى هل يكون وقوف ~~القدرة فى الجوهر المتيامن أو المتياسر ولم يتعذر على القدرة ذلك فى ~~أحدهما بعينه دون الآخر وذلك الآخر مثله فى قبول الحركة. # (دليل ثالث): هو أنا نفرض خطين كل واحد منهما من ~~ستة أجزاء أحدهما خط. # (اب) : والآخر خط (ج د): ~~على هذا المثال وفرصنا جزئين أحدهما. # يريد أن يتحرك من (ا) آلى ~~(ب) والآخر من (د) الى (ج) ~~ليكونا متقابلين فلا شك فى أنهما ~~يتقابلان أولا ويتحاذيان ثم يجاوز ~~أحدهما الآخر ويمكن أن نفرض ذلك بحركة متساوية من ~~الجزئين وإن ثبت الجوهر الفرد صار ذلك محالا لأن تحاذيهما ~~لا يمكن إلا على ثلاثة أوجه. # (أحدها): أن يكون على نقطتى (ه ح) فيكون أحدهما قطع ~~أربعة أجزاء والآخر جزئين* والثانى أن يكون على نقطتى (رط) ~~فيكون أحدهما أيضا قد قطع جزئين والآخر أربعة فلاتكون الحركة ~~متساوية* والثالث أن يكون أحدهما على نقطة (ح) والآخر على ~~نقطة (ط) وقد قطع كل واحد جزئين ولكن تقطتا (ح) و(ط) ليستا ~~بمتحاذيتين فاستحال التحاذى مع تساوى الحركة فاستحال التجاوز ~~ولا شك فى أن ذلك غير محال وإنما صار محالا بفرض الجوهر الفرد بل ~~يتحاذيان على الوسط فان كل طول فيقبل التنصيف بنصفين متساويين ~~فيكون المنتصف هو الوسط وهما متحاذيان. # (دليل رابع): وهو أنا نفرض ستة عشرجوهرا فردا وصنعت ~~متلاصقة متجاورة على شكل مربع وهى ذات أربعة ms048 أضلاع هكذا ~~وقد وضعناها متفرقة فلنفرضها ~~متلاصقة لا فرجة فيها فلا شك فى ~~أن أضلاعها متساوية لأن كل ضلع ~~مركب من أربعة أجزاء وقطره أيضا مركب من أربعة أجزاء. # فيجب أن يكون قطره مثل ضلعه وذلك محال فان القطر الذى. # يقطع المربع بمثلين متساويين أبدا يكون أكبر من الضلع وذلك ~~معلوم بالمشاهدة من جميع المربعات ودل عليه البرهان الهندسى ~~وذلك محال مع الجوهر الفرد. # (دليل خامس): اذا فرضنا خشبا منتصبا فى الشمس وقع له ظل ~~لا محالة وامتد من الشعاع خط مستقيم من حد الظل كرأس الخشبة ~~الى الشمس وواجب أن يتحرك مهما تحرك الشمس فان الشعاع ~~لا يقع إلا مستقيما فان تحركت الشمس ولم يتحرك الظل كان لخط ~~مستقيم طرفان طرف إلى الجزء الذى كان الشمس فيه أولا ~~وطرف إلى الجزء الذى انتقل اليه ثانيا وذلك محال فان فرضنا تحرك ~~الشمس جزءا واجدا فان تحرك الظل أقل من جزء فقد انقسم الجزء ~~وإن تحرك مثل ما تحرك الشمس فهذا محال إذ يقطع الشمس فراسخ ~~والظل لا يتحرك مقدار شعرة. # (دليل سادس): أن الرحا من الحديد أو الحجر إذا دارت ~~فلا شك فى أنه إذا تحرك طرفه تحرك أجزاء وسطه أقل من ذلك ~~لأن دوائر الوسط أصغر من دوائر الظرف وإذا تحرك الطرف ~~جزءا فاما أن يتحرك الوسط أقل منه فينقسم الجزء أولا يتحرك ~~فيلزم أن ينفصل جميع أجزاء الرحا حتى يتحرك البعض ويسكن ~~وهو محال من الحس فان أجزاء الحديد ليست تنفصل البتة. # (فأما دليل بطلان المذهب الثانى): وهو قول من قال إن ~~الجسم ليس مركبا أصلا بل هو موجود واجد بالحقيقة والحد فهو ~~أن الشىء الواحد من كل وجه لا يتصور أن يعبر عنه بعبارتين يصدق ~~على إحداهما مالا يصدق على الأخرى* ونحن نبين أن العقل يثبت ~~فى كل جسم أمرين يصدق على أحدهما ما لا يصدق على الآخر فان ~~الصورة الجسمية عبارة عن الاتصال لا محالة وهذا الجسم المتصل ~~قابل للانفصال الا محالة والقايل لا يخلو إما ms049 أن يكون عين الاتصال ~~أو غيره فان كان عين الالصال فهو محال لأن القابل هو الذى يبقى ~~مع المقبول إذ لا يقال المعدوم قبل الوجود فالاتصال لا يقبل ~~الانفصال فلا بد من أمر آخر هو القابل للاتصال والانفصال جميعا ~~وذلك القابل يسمى هيولى بالاصطلاح* والاتصال المقبول يسمى ~~صورة ولا يتصور جسم لا اتصال فيه ولا يتصور اتصال إلا فى ~~متصل ولا امتداد إلا فى ممتد والمتصل عين الاتصال بالحد والحقيقة ~~وليسا يتباينان بالمكان ولا يمكن أن يتميز أحدهما عن الآخر ~~باشارة الحس ولكن باشارة العقل يتميزان إذ يحكم العقل على ~~أحدهما بما لا يحكم به على الآخر وهو قبول الانفصال الذى حكم ~~باستحالته على الاتصال وقد حكم العقل بثبوته على شىء فذلك ~~الشىء هو غير الاتصال فقد أدرك العقل لا محالة تغايرا والشىء ~~لا يغايرنفسه بحال فهذا برهان إثبات الهيولى والصورة فى كل جسم. ~~وأما ذات الاله وذات العقل وذات النفس فلا يمكن أن يفرض ~~فيها اتصال وانفصال فلم يلزم أن يكون فيها تركيب وإنما الأجسام ~~هى المركبة بالضرورة من الصورة والهيولى لا محالة فاذا تحصل من ~~مجموع ماسبق أن الحق هو الرأى الثالث وهو أن الجسم غير مركب ~~من أجزاء لا تتجزء إلا متناهية ولا غير متناهية إذ لو كان أجزاء ~~غير متناهية لاستحال قطع الجسم مسافة من طرف إلى طرف إذ ~~لا ينتهى إلى النصف ما لم ينته إلى نصف النصف وكذلك نصف. # نصف النصف ويكون ثم أنصاف لانهاية لها فلا يمكن قطعها ولكن ~~الجسم ليس له جزء بالفعل ولكن بالقوة وإنما يحصل له جزء إذا ~~جزىء ويحصل فيه قطع إذا قطع ويحصل فيه قسمة إذا قسم. وقول ~~القائل الجسم منقسم إن لم يعن به أنه مستعد لأن يحدث فيه الانقسام ~~فهو خطأ كقوله إنه منقطع ومنفصل فان الجسم الواحد المتصل كيف ~~يكون منقطعا ومنفصلا. نعم. # يكون مستعدا له والانقسام والانقطاع والتجزؤ عبارات مترادفة ~~وكلها ثابتة فى الجسم الواحد بالقوة لابالفعل وإنما يصير بالفعل بأحد ~~أمور ثلاثة إما ms050 قطع بتفريق الأجزاء. وإما بأن يختلف فيه العرض ~~كالخشب الملون إذ يكون الأبيض غير الأسود. وإما بالوهم وهو أن ~~تصرف وهمك إلى طرف دون غيره فيكون ما صرفت إليه ~~توهمك غير ما قطعت الوهم عنه ويكون وضع الوهم عليه كوضع ~~الأصبع ومهما وضعت الأصبع على طرف كان المماس لأصبعك ~~غير المباين فيحدث به انقسام فكذا يتعلق وهمك بتميز عما لم ~~يتعلق به فمن هذا يعسر على الوهم أن يتصور الجسم واحد الأجزاء ~~له لأنه سباق إلى تعيين الأطراف وتخصيص بعض الأجزاء ~~بالتقديرات فيكون الجسم عند ذلك منقسما انقساما حاصلا من الوهم ~~ولم يكن له فى حد نفسه انقسام بل حدث بفعل الوهم. نعم كان ~~مستعدا لفعل الوهم ولظهور هذا الاستعداد وسهولة حصول المستعد ~~له وعجز انفكاك الخيال عنه لا يكاد الوهم يطمئن إلى التصديق بأن ~~الجسم الواحد المتشابه الأجزاء كالماء الواحد واحد بل نقول اعلم ~~أن الماء الذى فى أسفل الكوز غير الماء على سطح الكوز وهذا ~~صدق لأن الانقسام قد حصل باختلاف عرض المماسة. # ثم نقول: ~~الوهم يفرض جزئين غير مماسين للكوز فماعلى جانب اليمين ~~بالضرورة غير ما على جانب اليسار وهذا أيضا صدق وقد حصل ~~الانقسام باختلاف عرض الموازاة لليمين واليسار والقرب من ~~سطح الكوز أو وسطه وكل ذلك يوجب انقساما ولكن إذا نفى ~~هذه الاختلافات كلها واعتبر جسم واحد متشابه من كل وجه حكم ~~العقل بأنه واحد وليس له جزء بالفعل ولكنه قابل للتجزئة فهذا ~~كشف الغطاء فيه. # (القول فى ملازمة الهيولى والصورة) ~~الهيولى ليس لها وجود بالفعل بنفسها دون الصورة البتة بل ~~يكون أبدا وجودها مع الصورة وكذلك الصورة لا تقوم بنفسها ~~دون الهيولى* والدليل على أن الهيولى لا توجد خالية عن الصورة ~~أمران. # (الأول): أنه لو وجدت لكان لا يخلو إما أن تكون مشارا ~~إليها فى جهة باليد إشارة حسية أولم تكن فان كانت مشارا إليها فلها ~~إذا جهتان فما يلقى منها ما يأتيها من جهة غير الذى يلقى منها ما يأتيها ~~من الجهة الأخرى ms051 فتكون منقسمة وتكون صورة جسمية إذ لا معنى ~~للصورة الجسمية وحقيقتها إلا قبول القسمة وإن لم تكن مشارا ~~إليها فهو باطل من حيث أنه إذا حلت بها الصورة فاما أن تكون فى ~~كل مكان أولا تكون أصلا فى مكان أو تكون فى مكان دون ~~مكان والأقسام الثلاثة باطلة فالمفضى إليها باطل* أما بطلان ~~كونها فى كل مكان أولا فى مكان فظاهر* وأما بطلان اختصاصها ~~بمكان دون مكان فمن حيث أن الصورة الجسمية من حيث أنها ~~جسمية لا تستدعى مكانا معينا بل سائر الأما كن بالنسبة إليها واحدة ~~فيكون الاختصاص بأمر زائد على الجسمية وذلك بأن يقال الهيولى ~~كانت فى مكان مشار إليه فصادفتها الصورة فيه واختصت به فاذا لم ~~تكن الهيولى مشارا إليها استحال فيها اختصاص بمكان دون ~~مكان* فان قيل فهذا يلزم فى أصل الجسم فانه لم يختص بمكان دون ~~مكان وهو من حيث أنه جسم يناسب سائر الأماكن على وجه ~~واحد قيل لا جرم نقول أنه كما لا يتصور وجود هيولى قائمة ~~بالفعل من غير صورة حالة فيها لا يتصور وجود جسم مطلق ليس له ~~إلا صورة الجسمية مالم ينضم إليه أمر زائد على صورة الجسمية يتمم ~~نوعه كما لا يتصور حيوان مطلق لا يكون فرسا ولا إنسانا ولا غيرهما ~~بل لابد وأن ينضاف الفصل إلى الجنس حتى يتم النوع ويحصل ~~الوجود فاذا ليس فى الوجود جسم مطلق أصلا بل جسم خاص ~~كسماء وكوكب ونار وهواء وأرض وماء وما هو مركب من هذه ~~فيكون استحقاقها بعض الأماكن دون بعض بصورتها كالأرض ~~بصورة الأرضية استحقت المركز والنار بصورة النارية استحقت ~~مجاورة المحيط وكذا سائر الأنواع* فان قيل فيبقى الالزام فى أحد ~~أجزاء مكان نوع واحد وهو أن يشار إلى جزء من الماء فى البحر ~~ويقال هذا من حيث إنه ماء ليس يستحق هذا الجزء من المكان ~~بل لوكان إلى وسط البحر أقرب أو أبعد اكن ممكنا فما الذى خصصه ~~به فيقال إن صورة المائية التى فى ذلك الماء صادفت ms052 الهيولى التى ~~حلت فيها فى ذلك المكان لأن الهواء مثلا هو الذى ينقلب ماء وقد ~~كان ذلك الهواء موجودا ثم ملاقاة السبب كالبرد هو الذى أحاله ماء ~~فبقى ماء ثم ولم تكن الهيولى ثم من غير صورة بل مع صورة ~~الهوائية فخلعتها ولبست صورة المائية فهذا أحد الأسباب ومن ~~الأسباب أن ينتقل اليه بسبب محرك أوغيره فأما محض المائية فلا ~~يقتضى جزءا معينا من أجزاء حيز الماء بل أمر زائد عليه من جنس ~~ما ذكرناه فاذا بان أن الهيولى لا تقوم بنفسها دون الصورة. # (الدليل الثانى): أن الهيولى إذا فرضت مجردة عن الصورة فلا ~~تخلو أما أن تنقسم أو لا تنقسم فان كانت تنقسم فاذا فيها الصورة ~~الجسمية وإن كانت لا تنقسم فلا تخلو إما أن تكون نبوتها عن قبول ~~القسمة طبعا لها ذاتيا أو عرضاغريبا فان كان ذاتيا استحال أن ~~تقبل الانقسام كما يستحيل أن ينقلب العرض جسما والعقل جسما ~~وإن كان ذلك عارضا غريبا فيها فاذا فيها صورة وليست خالية عن ~~الصورة ولكن تلك الصورة مضادة للصورة الجسمية هذا مع أن ~~الصورة الجسمية لاضد لها كما سيأتى عند ذكر التضاد فان قيل فبم ~~تنكرون على من يسلم أن الصورة الجسمية تلازم الهيولى ولكن ~~يقول هى عرض فيها لازم لها يقال له هذا محال لأن الموضوع ~~متقوم بنفسه دون العرض فى العقل وإن كان قدلا يفارق فى الوجود ~~فللعقل طريق إلى أن يعتبر ذات ذلك الموضوع ويقول هل هو ~~مشار إليه أم لا وهل هو منقسم أم لا ويرجع الدليلان المذكوران ~~بعينهما مع زيادة أشكال وهو أن الهيولى فى نفسها إذا لم تكن مشارا ~~اليها وصارت الاشارة إلى الصورة التى هى عرض والعرض قائم فى ~~ذات الموضوع فان لم يكن الموضوع مشارا إليه فينبغى أن ~~يكون مباينا للعرض المشار اليه ولا يكون محلا له ولا يكون العرض ~~قائما به بل قائما فى ذاته إذ يصير مشارا اليه وذلك كله محال فلاح ~~أن الهيولى لا توجد دون الصورة وأن الصورة ms053 الجسمية والهيولى ~~أيضا لا توجدان دون أن ينضاف اليهما الفصل المتمم لنوع ذلك ~~الجسم لأن كل جسم إذا خلى وطبعه طلب موضعا يستقرفيه وليس ~~ذلك له لكونه جسما بل لزائد وكل جسم فاما أن يكون سريع ~~الانفصال أو عسره أو ممتنعه وكل ذلك ليس بمحض الجسمية بل ~~بزائد عليه فاذا لا بد من الزائد أيضا حتى يتم الوجود وقد تحصل ~~من ذلك أن الجسم جوهر مركب من جزئين صورة وهيولى ليس ~~تركيبهما بطريق الجمع بين مفترقين هما موجودان دون التلفيق بل ~~هو تركيب عقلى كما وقعت الاشارة اليه. # (القول فى الأعراض) ~~لا بد من قسمة الأعراض بعد قسمة الجوهر وهى منقسمة ~~أولا إلى قسمين. # (أحدهما): مالا يحتاج فى تصور ذاته إلى تصور أمر خارج منه. # (والثانى): ما يحتاج* فأما الأول فنوعان الكمية والكيفية. # (أما الكمية): فهى العرض الذى يلحق الجوهربسبب التقدير ~~والزيادة والنقصان والمساواة مثل الطول والعرض والعمق والزمان ~~فان هذا لا يحتاج فى تصوره إلى الالتفات إلى أمر خارج منه ويقع ~~بسببه قسمة الجواهر* والنوع الثانى الكيفية وهى التى لا يحوج ~~تصورها إلى تصور أمر خارج ولا يقع بسببها قسمة للجوهر ومثالها ~~من المحسوسات المدركات بالحواس الألوان والطعوم والروائح ~~والخشونة والملاسة واللين والصلابة والرطوبة واليبوسة والحرارة ~~والبرودة* ومن غير المحسوسات ما هواستعداد لكمال أو نقيضه كقوة ~~المصارعة والمصحاحية والضعف والممراضية ومنها ما هو كمال كالعلم ~~والعفة وأما القسم الآخر المحوج إلى الالتفات إلى أمر خارج فهو ~~سبعة. # (الاضافة وأين ومتى والوضع والجدة وأن يفعل وأن ينفعل). # (أما الاضافة): فهى حالة للجوهرتعرض بسبب كون غيره فى ~~مقابلته كالأبوة والبنوة والأخوة والصداقة والمجاورة والموازاة ~~وكونه على اليمين والشمال إذ الأبوة ليست للأب إلا من حيث وجد ~~الابن فى مقابلته. # (وأما الاين): فهو كون الشىء فى مكان مثل كونه فوق وتحت. # (وأما متى): فهو كون الشىء في الزمان ككونه بالأمس وعام ~~أول واليوم. # (وأما الوضع): فهونسبة أجزاء الجسم بعضها إلى بعض ككونه ~~جالسا ومضطجعا وقاعدا إذ باختلاف وضع الساقين من الفخذين ~~يختلف ms054 القيام والقعود. # (وأما الجدة): وتسمى الملك أيضا فهو كون الشىء بحيث ~~يحيط به ما ينتقل بانتقاله ككونه متطلسا ومتغمما ومتقمصا ومتنعلا ~~وكون الفرس مسرجا وملجما فان لم يكن محيطا وكان منتقلا ~~بانتقاله لم يكن منه فان من وضع القميص على رأسه لم يكن متقمصا ~~وإن كان محيطا ولم يكن متنقلا بانتقاله لم يلزم الملك فان البيت محيط ~~بالشخص والاناء بالماء ولكنهما لا ينتقلان بانتقال المحاط. # (وأما أن يفعل): فهو كون الشىء فاعلا فى حالة كونه مؤثرا فى ~~الغير بالفعل ككون النار محرقة فى وقت حصول الاحراق بالفعل ~~وكونها مسخنة. # (وأما الانفعال): فما يقابله وهو استمرار تاثر الشىء بغيره ~~كتسخن الماء وتبرده وتسوده وتبيضه والتسخن غير السخونة ~~والتسود غير السواد فان السخونة والسواد من الكيفية التى لا تحتاج ~~فى تصورها إلى الالتفات إلى الغير وإنما نعنى بالانفعال التأثر والتغير ~~والانتقال من حال إلى حال حيث تتزايد السخونة أو تنتقص فان ~~كان مستقرا كان متكيفا بالسخونة فلم يكن منفعلا فليفهم هذا الفرق ~~(القول فى أقسام آحاد هذه الأعراض) ~~(وإقامة الدليل على أنها أعراض) ~~(أما الكمية): فهى نوعان متصلة ومنفصلة والمتصلة أربعة ~~أقسام الخط، والسطح، والجسم، والزمان. # (أما الخط): فهو الطول وهو الذى لا يوجد فيه الامتداد ~~والمقدار إلا فى جهة واحدة ويكون فى الجسم بالقوة فاذا صار بالفعل ~~يسمى خطا. # (والثانى): ماهو امتداد من جهتين وهو الطول والعرض وهو ~~فى الجسم بالقوة وإنما يحصل بالفعل بقطع فيسمى سطحا ونعنى ~~بالسطح الوجه الظاهر من الجسم وهو منقطعه. # (والثالث): أن يكون له ثلاثة امتدادات وهو الجسم فالوجه ~~الذى يلاقيه المماس إذا لم يعتبر شىء من باطن الجسم سواه هو ~~السطح وهو عرض لأنه لم يكن وكان الجسم موجودا فلما قطع الجسم ~~ظهر فى الجسم وهذا معنى العرض وكما أن السطح عبارة عن منقطع ~~الجسم فالخط عبارة عن طرف السطح ومنقطعه والنقطة عبارة عن ~~طرف الخط ومنقطعه ومهما كان السطح عرضا فلا يخفى أن النقطة ~~والخط أولى بالعرضية نعم النقطة لا مقدار لها إذ لو ms055 كان لها قدر ~~وامتداد واحد صارت خطا فاذا كان لها قدران صارت سطحا وإن ~~كان لها قدر فى ثلاث جهات صارت جسما ويمكن أن يتصور الخط ~~والسطح والجسم بتوهم الحركة فالنقطة إذا تحركت حصل الخط * ~~والخط إذا تحرك لافى جهة امتداده حصل السطح* وإذاتحرك السطح ~~لا فى جهة امتداده حصل الجسم وهذا ربما يظن أنه تحقيق وأن ~~الخط يحصل من حركة النقطة وهو محال بل هو أمر توهمى إذ ~~النقطة لا تحرك مالم يكن مكان ولا يكون مكان ما لم يكن جسم ~~فيكون الجسم سابقا فى الحصول على السطح والسطح على الخط والخط ~~على النقطة والنقطة على فرض الحركة فى النقطة. # (وأما الزمان): فهو عبارة عن مقدار الحركة وسيأتى فى ~~الطبيعيات. # (وأما الكمية): المنفصلة فنعنى بها العدد وهوأيضا عرض لأن ~~العدد يحصل من تكررالآحاد فان كان الواحد والوحدة عرضا كان ~~العدد الحاصل منه أولى بالعرضية وإنما يفارق الكمية المنفصلة الكمية ~~المتصلة بشىء وهو أنه لا يوجد بين أجزاء المنفصلة جزء مشترك ~~يصل أحد الطرفين بالآخر إذ ليس بين الثانى والثالث اتصال ولا ~~بيهما جزء مشترك بين الطرفين يصل أحدهما بالآخر كما تصل النقطة ~~المشتركة الموهومة فى وسط الخط بين طرفى الخط وكما يصل الخط ~~بين طرفى السطح وكما يصل السطح الموهوم بين طرفى الجسم وكما ~~يصل الآن بين طرفي الزمان الماضى والمستقبل وآية أن الوحدة ~~عرض أنها تكون إما فى ماء أو إنسان أو فرس ومعنى المائية شىء ~~ومعنى الوحدة شىء ولذلك يصير الماء الواحد بالقسمة اثنين وبالجمع ~~واحدا فيطرأ عليه الوحدة والاثنينية فهو موضوع وهذا عارض ~~نعم الانسان الواحد لا يصير اثنين فان هذا عرض لازم له وذلك ~~لا ينافى كونه عرضا فاذا الوحدة معنى موجود فى موضوع ذلك ~~الموضوع متقوم فى ذاته بحقيقته دون فرض الوحدة وهو المراد ~~بالعرض. # (وأما الكيفية): فنورد منها مثالين الألوان والأشكال فنقول ~~السواد عرض لأنه لو فرض لا فى موضوع فلا يخلو إما أن يكون ~~مشارا اليه ومنقسما أو غير مشار اليه ولا ms056 منقسم فان لم يقبل الاشارة ~~والقسمة لم يقبل المقابلة ولم يدرك بالبصر وليس عبارة عن هيئة ~~تقع من الرائى فى جهة مخصوصة ويدركه البصر ويقبل الانقسام ~~وإن كان منقسما فكونه سوادا غير كونه منقسما إذ كونه منقسما ~~يشترك فيه البياض والسواد ويختلفان فى السوادية والبياضية ونحن ~~لانعنى بالجسم إلا المنقسم فهو إما أن يقال فى منقسم وهو العرض* ~~وإما أن يقال هو عين المنقسم وهو محال إذ حقيقة الانقسام هو ~~الجسمية إذ لانعنى بالجسمية سواه وحقيقة السواد غير حقيقة الانقسام ~~لا عينه* نعم لا يتميز السواد عن محله بالاشارة الحسية ولكن ~~يتميز باشارة العقل كما ذ كرناه فاذا هو عرض. # (وأما الأشكال): فهى أيضا أعراض لأن الشمعة تختلف عليها ~~الأشكال وهى مستمرة الوجود فاذا التدوير والتربيع والتثليث كل ~~ذلك من الكيفية وهى أعراض* وقد ينازع فى وجود الدائرة ~~ويقال لا يتصور شكل معين فى وسطه نقطة جميع الخطوط منها إلى ~~المحيط متساوية ويدل على إثباتها أن الجسم مدرك وجوده بالحس ~~وهو إما مركب وإما مفرد والمركب لا يكون إلا من مفرد ولا بد ~~من إثبات المفرد* والمفرد هو الذى ليس فيه طبايع مختلفة بل طبع ~~واحد متشابه كطبع الماء والهواء فهذا إذا خلى منه مقدار ونفسه ~~فأما أن يكون له من ذاته شكل أو لا يكون وباطل أن لا يكون له ~~شكل إذ يكون ذلك غير متناه وقد فرضنا قدرا متناهيا منه وإذا ~~حدث له شكل فهو إما كرة أو مربع أوغيرهما ومحال أن يكون غير ~~كرة لأن الطبع المتشابه فى محل متشابه لا يوجب شكلا مختلفا حتى ~~يقتضى فى بعضه خطا وفى بعضه زاوية ولا متشابه فى الأشكال إلا ~~الكرة فواجب أن يكون شكله كرويا ومهما قطعت الكرة قطعا ~~مستقيما كان المقطع دائرة بالضرورة فقد ثبت إمكان الدائرة وهى ~~أصل الأشكال فقد ثبت أن الكمية والكيفية عرضان* وأما ~~السبعة الباقية فلا تخفى عرضيتها لأنها لا تخلو عن إضافة شىء إلى شىء ~~ولا بد من شىء حتى يمكن إضافته فالفعل ms057 نسبة شىء إلى شىء بالتأثير ~~فلا بد من شىء موجود أولا حتى يؤثر والانفعال نسبة شىء إلى ~~غيره بالتأثير فلا بد من شىء أولا حتى ينفعل* وأما الأربعة البواقى ~~فهى محتاجة إلى الموضوع أيضا لأنها نسب إما إلى زمان أو مكان ~~أو إلى محيط أوجزء ولا بد من شىء حتى يكون إما فى زمان أو فى ~~مكان أو على وضع أو هيئة فاذا هذه التسعة أعراض فاذا الوجود ~~ينطلق على عشرة أشياء الأجناس العالية واحد جوهر وتسعة ~~أعراض ولا يمكن تعريفها بالحد إذ لا جنس أعم منها* والحد ~~مايجتمع فيه الجنس والفصل فهى مساوية للوجود فى أنها لا تقبل ~~الحد ولكنها تقبل الرسم دون الوجود إذ لا شىء أشهر من الوجود ~~حتى يعرف به* فأما هذه الأمور فغامضة فيمكن أن ترسم بما هو ~~أشهر منها وتسمى هذه العشرة المقولات العشرة فان قيل فاسم ~~الوجود لهذه العشرة بالاشتراك أو بالتواطؤ* قلنا لا بالاشتراك ~~ولا بالتواطؤ وقد ظن ظانون أنه بالاشتراك وأن العرض لا يشارك ~~الجوهر فى الوجود بل لا معنى لوجود الجوهر إلا نفس الجوهر ~~ولا لوجود الكمية إلا نفس الكمية وإنما الوجود اسم واحد ~~يتناول مختلفات لا تتشارك البتة في المعنى كلفظ العين لمسمياتها ~~وهذا فاسد من وجهين. # (أحدهما): أن قولنا الجوهر موجود كلام مفيد مفهوم ولو ~~كان وجود الجوهر عين الجوهر لكان كقولنا الجوهر جوهر* ~~وإذا قلنا الفعل والافعال ليسا بموجودين ربما يصدق فى بعض ~~الأحوال وقولنا الفعل والانفعال ليسا بفعل وانفعال لا يصدق قط ~~فلو كان قولنا موجود هو كقولنا فعل كان قولنا الفعل ليس بموجود ~~كقولنا الفعل ليس بفعل. # (والثانى): أن العقل قاض بأن القسمة لاتزيد فى كل شىء على ~~اثنين إذ يقال الشىء إما أن يكون موجودا أو معدوما فان لم يكن ~~للوجود معنى سوى هذه العشرة فلا تكون القسمة محصورة فى اثنين ~~بل لا يكون هذا الكلام مفهوما بل ينبغى أن يقال الشىء إما جوهر ~~وإما كيفية وإما كمية إلى بقية العشرة فتكون القسمة عشرة ms058 لا اثنين ~~وهذا يظهر بما ذكرناه من قبل من أن الأنية التى هى عبارة عن ~~الوجود غير الماهية ولذلك يجوز أن يقال ما الذى جعل الحرارة ~~موجودة وما الذى جعل السواد فى الحيز موجودا ولا يجوز أن يقال ~~ما الذى جعل السواد لونا وما الذى جعله سوادا ويعرف تغاير الأنية ~~والماهية باشارة العقل لا باشارة الحس كما يعرف تغاير الصورة ~~والهيولى فان قيل إن صح هذا فليكن متواطأ أعنى اسم الوجود على ~~العشرة قيل إنما أطلق اسم المتواطىء على ما يتناول مسمياته تناولا ~~واحدا من غير تفاوت ومن غير تقدم ولا تأخر كالحيوانية للانسان ~~والفرس والانسانية لزيد وعمرو إذ ليس أحدهما اولى من الآخر ~~فيه ولاهو فى أحدهما أقدم من الآخر والوجود يثبت للجوهر أولا ~~وللكمية والكيفية بواسطته ولبقية الأعراض بواسطتهما فقد ~~تطرق اليه التقدم والتأخر* وأما التفاوت فهو ان وجود السواد ~~وهو هيئة قارة ليس كوجود الحركة والتغير والزمان إذ لاثبات ولا ~~قرار لها بل وجود الحركة والزمان والهيولى أضعف من وجود ~~غيرها فاذا هذه العشرة اتفقت فى الوجود من وجه واختلفت من ~~وجه فكان بين المتواطىء والمشترك فلذلك سمى هذا الجنس من ~~الاسم إسما مشككا أو يسمى متفقا اذا قد ثبت أن الوجود عرضى ~~للأشياء كلها فالماهيات يعرض لها لوجود بعلة إذ ليس الوجود لها ~~من ذاتها وكل ماليس من ذات الشىء فهو له بعلة وكذلك كانت العلة ~~الأولى وجودا بلا ماهية زائدة كما سيأتى فليس الوجود إذا جنسا ~~لشىء من الماهيات* والعرض أيضا بالاضافة إلى التسعة هو كذلك ~~لأن لكل واحدة منها ماهية فى ذاتها وعرضيتها هى لها بالنسبة إلى ~~محلها فاسم العرضية لها بازاء إضافتها إلى محلها لا بازاء ماهيتها ولذلك ~~يمكن أن نتصور بعضها ونتشكك فى أنها أعراض أم لا ولا يمكن أن ~~نتصور النوع ونشك فى وجود الجنس له إذ لا يتصور الانسان ~~السواد ويشك فى كونه لونا أو الفرس ويشك فى كونه جسما أو ~~حيوانا وكذا لفظ الواحد وإن كان له عموم كلفظ ms059 الوجود فليس ~~ذاتيا لشىء من الماهيات فالوجود والعرض والوحدة ليست جنسا ~~ولا فصلا لشىء من الماهيات العشرة البتة فاذا قد قسمنا الموجود ~~إلى جوهر وعرض والجوهر إلى أربعة أقسام والعرض إلى تسعة ~~أقسام وقسمنا بعض أحاد التسعة ودللنا على أنها أعراض فلنرجع إلى ~~تقسيمات أخر للموجود. # (قسمة ثانية): الموجود ينقسم إلى كلى وجزئى أما حقيقتهما ~~فقد ذكرناها فى أول المنطق* ونذكر الآن أحكامهما ولواحقهما ~~وهى أربعة. # (الأول): أن المعنى المسمى كليا وجوده فى الأذهان لا فى ~~الأعيان ولما سمع قوم قولنا أن كل إنسان فهو واحد في الانسانية ~~وأن كل سواد فهو واحد فى السوادية ظنوا أن السواد الكلى معنى ~~واحد موجود والانسان الكلى معنى واحد موجود* والنفس ~~الكلى معنى واحد بالعدد موجود فى أشخاص متعددة كالأب الواحد ~~لعدة من البنين والشمس الواحدة لعدد من البقاع وهو خطأ محض ~~إذ لو كانت نفس واحدة بالعدد هى بعينها لزيد وهى بعينها لعمرو ~~وكان زيد عالما وعمرو جاهلا لزم أن تكون النفس الواحدة عالمة ~~وجاهلة بأمر واحد فى حالة واحدة وهو محال ولو كان الحيوان ~~الكلى موجودا واحدا فى أشخاص لكان ذلك الواحد بعينه ماشيا ~~وطائرا وماشيا برجلين وبأربع وهو محال ولكن الكلى وجوده فى ~~الأذهان ومعناه أن الذهن يقبل لا محالة صورة الانسان وحقيقته ~~بمشاهدة شخص واحد يسبق اليه فلو رأى بعد ذلك إنسانا غيره ~~لم يتجدد فيه أثر بل يبقى على ما كان وكذا إذا رأى ثالثا ورابعا ~~ويكون النقش الحاصل فى الذهن أولا من زيد نسبته إلى كل إنسان ~~فى عالم الله تعالى واحدة فان أشخاص الانسان لا تختلف فى حد ~~الانسانية البتة فلو رأى بعد ذلك سبعا حصل فيه ماهية أخرى ونقش ~~يخالف الأول فالحاصل من شخص زيد هو صورة شخصية فى ~~الذهن ومعنى كونه كليا أن نسبته إلى كل شخص كائن من الناس وما ~~سيكون وما كان واحدة وإن أى واحد سبق إلى الذهن حصل منه ~~هذا النقش وأن الآخر بعده لا يزيد عليه ومثاله إذا فرضت ms060 خواتم ~~على النقش الواحد فوضع واحد على شمعة فحصلت منه صورة فلو ~~وضعت الثانية والثالثة على ذلك الموضع بعينه لم يتغير النقش الأول ~~ولم يتأثر المحل فيقال النقش الذى فى الشمعة هو نقش كلى أى هو ~~نقش كل الخواتم بمعنى أنه يطابق الكل مطابقة واحدة فلا يتميز ~~بعضها بالنسبة اليه عن بعض فهذا معقول وإما أن يفرض نقش ~~واحد بعينه هو فى خاتم الذهب وفى خاتم الحديد وفى خاتم الفضة ~~فهذا محال إلا أن يقال هو واحد بالنوع وأما بالعدد فنقش كل خاتم ~~غير نقش الآخر* نعم تأثيراتها فى الشمعة تأثير واحد والنقش ~~الحاصل من جميعها فى الشمع واحد فهكذا ينبغى أن يفهم انطباع ~~حدود الأشياء فى الذهن ومعنى كليتها فاذا الكلى من حيث أنه كلى ~~موجود فى الأذهان لا فى الأعيان فليس فى الوجود الخارج إنسان ~~كلى وأما حقيقة الانسانية فموجودة فى الأعيان والأذهان جميعا. # (الحكم الثانى): أن الكلى لا يحوز أن يكون له جزئيات كثيرة ~~مالم يتميز كل جزئى عن الآخر بفصل أو عرض فان لم يفرض إلا ~~مجرد الكلى من غير أمر زائد ينضاف إليه لم يتصور فيه التعدد ~~والتخصص فالسوادان فى محل واحد فى حالة واحدة محال بل السواد ~~المطلق يصير اثنين بأن يكون بين الاثنين تغاير لا محالة اما فى المحل ~~كسوادين فى محلين أو فى الزمان كسوادين فى محل واحد فى زمانين ~~وأما إذا اتحد المحل والزمان لم يتصور التعدد وكذا لا يتصور إنسانان ~~إلا أن يفارق أحدهما الآخر بمعنى يزيد على مجرد الانسانية الكلية ~~من مكان أوصفة أو غيرهما لأنه لو لم يكن بينهما مغايرة بوجه وكانا ~~اثنين لجاز أن يقال لكل إنسان أنه إنسانان بل خمسة بل عشرة ولم ~~يتميز عدد عن عدد وكذا فى كل سواد وهو ظاهر الاحالة ولكن ~~برهانه أنه إذا فرض فى محل واحد سوادان حتى قبل ذلك السواد وهذا ~~السواد تميز كل واحد منهما عن الآخر فقولنا لذلك السواد بعينه إنه ~~سواد وإنه هو ذلك السواد بعينه ms061 هل هما واحد أم لا فان كانا واحدا ~~كان معنى قولنا هو ذلك السواد بعينه هو سواد بعينه فاذا كل ما قلنا له ~~أنه سواد فقد قلنا أنه ذلك السواد بعينه فاذا السواد الذى فرض ~~للآخر هو أيضا ذلك السواد بعينه فليس ثم تعدد وان كان تحت ~~قولنا هو ذلك السواد بعينه معنى يزيد على ما تحت قولنا سواد فقد ~~انضاف إلى السوادية أمر زائد لا محالة فصار غير الآخر بالمغايرة ~~فى ذلك المعنى الذى انضاف اليه وظهر أنه يستحيل أن تتعدد ~~جزئيات كل واحد إلا بأن ينضاف إلى الكلى أم زائد إما فصل ~~وإما عرض فان كانت العلة الأولى واحدة مجردة لا تركيب فيها ~~بفصل وعرض فلا يتصور فيها اثنينية البتة. # (الحكم الثالث): إن الفصل لا يدخل فى حقيقة الجنس ~~وماهية المعنى الكلى العام البتة وإنما يدخل فى وجوده والوجود ~~غير الماهية بيانه إن الانسانية لا مدخل لها فى حقيقة الحيوانية ~~بل حقيقة الحيوانية بكمالها تثبت فى العقل دون الانسانية والفرسية ~~وسائر الفصول لا كالجسمية فانها لو غابت عن الذهن بطلت ماهية ~~الحيوانية عن الذهن ولوكانت الانسانية شرطا لتكون الحيوانية ~~حيوانية كما كانت الجسمية شرطا لها لما كانت الحيوانية ثابتة للفرس ~~فانه لبس بانسان كما ليست الحيوانية ثابتة لما ليس بجسم والحيوانية ~~للفرس كاملة كما للانسان فلا مدخل إذا للفصل فى ماهيات المعانى ~~الكلية نعم لها مدخل فى صيرورة المعنى الكلى موجودا حاصلا إذ ~~لا يكون الحيوان موجودا إلا أن يكون فرسا أو إنسانا أو غيره ~~ويكون الحيوان حيوانا دون الفرسية والانسانية والوجود غير ~~والماهية غير كما سبق وإذا ثبت هذا فى الفصل فهو فى العرض أظهر ~~لا محالة فان الانسانية إذا لم تدخل فى حقيقة الحيوانية فبأن لا يدخل ~~الطول والعرض أولى. # (الحكم الرابع): إن كل عرضى للشىء فهو معلل وعلته إما ذات ~~الموضوع كالحركة إلى أسفل للحجر والتبريد للماء* وإما خارج ~~من ذاته كالسخونة للماء والحركة إلى فوق للحجر وإنما قلنا ذلك لأن ~~هذا العرض للذات إما ms062 أن يكون معللا أو لم يكن معللا فان لم يكن ~~معللا فهو إذا موجود بذاته وكل موجود بذاته فلا ينعدم بعدم غيره ~~ولا يشترط وجود غيره لوجوده والعرض يحتاج فى الوجود إلى ~~ما هو عرض له لا محالة فلا يكون موجودا بذاته فيكون معللا * ~~ثم علته لا تخلو إما أن تكون فى ذات الموضوع أوخارجة عنه. وهذا ~~تقسيم حاصر لا محالة فكان برهانا وكيفما كان السبب إما داخلا فى ~~الموضوع أو خارجا منه فلا بد أن يكون وجوده حاصلا أولا حتى ~~يكون سببا لغيره ولذلك يستحيل أن يكون الماهية سببا لوجود ~~نفسها فكل ماهية لها وجود زائد عليها فعلته غير الماهية إذ العلة ~~لا بد وأن تكون موجودة حتى توجب لغيرها وجودا والماهية ~~قبل الوجود لا تكون موجودة فكيف تكون علة للوجود* فيلزم ~~من هذا أنه إن كان فى الوجود ما ليس بمعلل فلا تكون إنيته غير ~~ماهيته بل تكون الانية هى الماهية إذ لو كان غيرها لكان عرضيا ~~لها ولكان معللا بأم سوى الماهية فيكون معلولا وقد وضعنا ~~أنه غير معلل وهذا محال* فان قيل المعنى الكلى للجزئيات قد يكون ~~نوعيا كالانسان لزيد وعمرو وقد يكون جنسيا كالحيوان للانسان ~~والفرس فبم يدرك الفرق وبم يعلم أن هذا الكلى هو النوعى الذى ~~الذى لا يقبل الانقسام إلا بالاعراض أو إنه هو الجنس الذى يقبل ~~الانقسام بالفصول الذاتية فيقال كل ما عرض عليك من الكليات ~~فأردت أن تقدره موجودا حاصلا معينا وافتقرت فى تقديره الى أن ~~تضيف اليه معنى غير عرضى فهو جنسى وإن لم تفتقر إلا إلى العرضى ~~فهو نوعى فكان إدراك التفرقة بين النوعى والجنسى موقوفا على ~~إدراك التفرقة بين الذاتى والعرضى كما سبق* مثاله أنه إذا قيل لك ~~أربعة أوخمسة لم تفتقر فى تقدير وجود الأربعة إلا أن تضيف اليها ~~كونها جوازا أو فرسا أو إنسانا وهذه الأمور عرضية للأربعة ~~بل للأعداد وليست ذاتية فيها فانا ذكرنا أن معنى الذاتى ما لا يتم ~~المعنى الذى له في الفهم ms063 إلا بفهم الذاتى أولا وأنت فى فهم الأربعة ~~لا تفتقر إلى أن يخطر ببالك الجوز والفرس وغيره من المعدودات ~~وإذا قيل لك عدد لم يمكنك أن تفرض العدد موجودا حاصلا بل ~~يتقاضى الطبع أن يعلم أنه أى عدد هو الموجود خمسة أو عشرة ~~أوغيرهما فاذا صارخمسة لم يفتقر بعده إلى شىء سوى تنويع المعدودية ~~وهو عرضى بالاضانة الى العدد لا ككونه خمسة فانه ليس زائدا ~~على العددية عارضا طارئا عليها بل هو حاصل عددية هذا العدد ~~وهذه المعانى هى جلية في النفس وربما يعسر طلبها من العبارات ~~المستعملة فى شرحها حتى توجب فيها تعقيدا فليكن الالتفات إلى ~~المعنى لا إلى اللفظ فهذا حكم الكلى* ~~(قسمة ثالثة للموجود): الموجود ينقسم إلى واحد وكثير ~~فلنذكر أقسام الواحد والكثير ولواحقهما* فأما الواحد فانه يطلق ~~حقيقة ومجازا والواحد بالحقيقة هو الجزئى المعين ولكنه على ~~ثلاث مراتب. # (المرتبة الأولى): هى الجزئي الواحد الذى لا كثرة فيه ~~لا بالقوة ولا بالفعل وذلك كالنقطة وذات البارى جلت قدرته فانه ~~ليس منقسما بالفعل ولا هو قابل له فهو خال عن الكثرة بالوجود ~~والامكان والقوة والفعل فهو الواحد الحق. ~~(الثانية): الواحد بالاتصال وهو الذى لا كثرة فيه ~~بالفعل ولكن فيه كثرة بالقوة أى هو قابل للكثرة كما إذا قيل لنا ~~هذا الخط واحدا أو اثنان وهذا الجسم واحد أو جسمان فان كان ~~فيه انقطاع حكمنا بالاثنينية وإن كان واحدا بالاتصال على سبيل ~~التشابه قلنا هو خط واحد وجسم واحد وماء واحد إذ ليس فيه ~~كثرة وانفصال بالفعل إلا أنه قابل للكثرة فمن هذا الوجه ربما ~~يظن أنه ليس بواحد حقيق لأن القوة القريبة من الفعل يظن أنه ~~بالفعل وإلا فهو بالحقيقة واحد وإنما الكثرة فيه بالقوة. # (الثالثة): أن يكون واحدا بنوع من الارتباط وفيه كثرة ~~بالفعل كالسرير الواحد والشخص الواحد المركب من أجزاء مختلفة ~~كتركب أجزاء الانسان من العظم واللحم والعروق فهذا واحد إذ ~~يقال سرير واحد وإنسان واحد وفيه كثرة حاصلة بالفعل باعتبار ~~الأجزاء لا كالماء الواحد والجسم ms064 الواحد المتشابه فبين الرتبتين ~~فرق هذا فى الجزئى الذى اسم الواحد عليه حقيقة. # (أما المجاز): فهو اطلاق اسم الواحد على أشياء كثيرة ~~لاندراجها تحت كلى واحد وذلك خمسة. # (الأول): الاتحاد بالجنس كقولك الانسان والفرس واحد ~~بالحيوانية. # (الثانى): اتحاد النوع كقولك زيد وعمرو واحدا بالانسانية. # (الثالث): الاتحاد بالعرض كما يقال الثلج والكافور واحد بالبياضية. ~~(الرابع): الاتحاد فى النسبة كقولك نسبة الملك الى المدنية ~~ونسبة النفس الى البدن واحدة. # (الخامس): فى الموضوع كقولك فى السكر انه أبيض وحلو ~~فتقول الأfيض والحلو واحد أى موضوعهما واحد فصار الواحد ~~مطلقا على ثمانية معان ثم الاتحاد فى العرض ينقسم بانقسام ~~الأعراض فان كان اتحادا فى عرض الكمية فيقال له المساواة وإن ~~كان فى الكيفية فيقال له المشابهة وإن كان بالوضع فيقال له الموازاة ~~وإن كان بالخاصية فيقال له المماثلة ومهما عرفت أن الواحد يطلق على ~~ثمانية أوجه فالكثير أيضا فى مقابلته يتعدد بتعدده لا محالة ومن ~~لواحق الواحد. # (ألهو هو): فان الشىء إذا كان واحدا فى نفهسه واختلف لفظه ~~أو نسبته فيقال هو هو كما يقال الليث هو الأسد ويقال زيد هو ابن ~~عمرو وأما لواحق الكثرة فالغيرية والخلاف والتقابل وكذا ~~التشابه والتوازى والتساوى والتماثل فان ذلك لا يعقل إلا فى اثنين ~~أوأكثر منه فهى من لواحق الكثرة ولا بد من بيان أقسام التقابل ~~وهى أربعة. # (أحدها): تقابل النفى والاثبات كقولك إنسان لا إنسان. # (والثانى): تقابل الاضافة كالأب والابن والصديق والصديق ~~إذ أحدهما يقابل الآخر. # (والثالث): تقابل العدم والملكة كما بين الحركة والسكون ~~(والرابع): تقابل الضدين كالحرارة والبرودة والفرق بين ~~الضد والعدم أن يقال العدم هو عبارة عن عدم الشىء عن الموضوع ~~فقط لاعن وجود شىء آخر فالسكون عبارة عن عدم الحركة ولو قدر ~~زوال السواد دون حصول لون آخرلكان هذا عدما فأما إذا حصل ~~حمرة أو بياض فهذا وجود زائد على عدم السواد فالعدم هو انتفاء ~~ذلك الشىء فقط والضد هو موجود حصل مع انتفاء الشىء ولذلك ~~يقال إن السبب الواحد لا يصلح للضدين ms065 بل لابد للضدين من سببين* ~~وأما الملكة والعدم فسببهما واحد وذلك الواحد إن حضر أوجب ~~الملكة وإن غاب أو عدم أوجب العدم فعلة العدم هو عدم علة ~~الوجود فعلة السكون هو عدم علة الحركة وأما تقابل المضاف ~~فخاصيته أن كل واحد يعلم بالقياس الى الآخر لا كالحرارة فانها ~~معلومة دون القياس الى البرودة ولا كالحركة فانها معلومة دون ~~القياس الى السكون* وأما تقابل النفى والاثبات فيفارق الضد والعدم ~~فى أنه إنما يكون فى القول ويعم كل شىء وأما اسم الضد فلا يقع ~~إلا على ما موضوعه وموضوع ضده واحد ولا يكفى هذا حتى ~~يكون بحيث لا يجتمعان ويتعاقبان ويكون بينهما غاية الخلاف ~~كالسواد والبياض لا كالسواد والحمرة فان الحمرة كانها لون سالك من ~~البياض إلى السواد فهو بينهما وليس على أقصى البعد منه وربما يكون ~~بين الضدين وسائط كثيرة بعضها أقرب الى أحد الطرفين من البعض ~~وربما لا يكون بينهما واسطة فاذا الضد يشارك الضد فى الموضوع ~~وكذا الملكة والعدم وهذا غير واجب فى السلب والايجاب وربما ~~يكون بينهما مشاركة فى الجنس كالذكورة والأنوثة فانهما لا يتواردان ~~على شخص واحد وربما يغلط فيوضع الجنس ويؤخد نفى المعنى ~~الذى تحته ويقرن به فصل أو خاصة فيوضع له اسم إثباتى فيظن أنه ~~ضد كما يقال العدد ينقسم الى زوج وفرد ويظن أنهما متضادان وهو ~~غلط إذ ليس الموضوع واحدا إذ الزوج قط لا يكون فردا والعدد ~~الموضوع لهذا لا يكون موضوعا لذاك بل بينهما تقابل النفى والاثبات ~~فان معنى الزوج أنه ينقسم بمتساويين ومعنى الفرد أنه لا ينقسم ~~بمتساويين* وقولنا لا ينقسم نفى محض ولكن وضع له اسم الفرد ~~بازاء الزوج فيظن أنه مقابل كالضد فان قيل وهل يجوز أن يكون ~~للشىء الواحد أكثر من ضد واحد* قيل مهما كان الضد عبارة عن ~~المتعاقبين على موضوع واحد بشرط أن يكون بينهما غاية الخلاف ~~فيلزم على هذا الاصطلاح أن لا يكون الضد إلا واحدا لأن الذى ~~فى أقصى رتب البعد يكون واحدا لا ms066 محالة ~~(قسمة رابعة): الموجود ينقسم إلى ماهو متقدم وإلى ماهو ~~متأخر* والتقدم والتأخر أيضا من الأعراض الذاتية للوجود ويقال ~~للمتقدم أنه قبل وللمتأخر إنه بعد* ويقال إن الله تعالى قبل العالم ~~والقبلية تطلق على خمسة أوجه إذ المتقدم ينقسم إلى خمسة أقسام. ~~(الأول): وهو الأظهر المتقدم بالزمان وكان اسم قبل له ~~حقيقى فى اللغة. # (والثانى): المتقدم بالمرتبة إما بالوضع كقولك بغداد قبل الكوفة ~~إذا قصدت مكة من خراسان وهذا الصف قبل هذا الصف بمعنى ~~أنه أقرب إلى الغاية المنسوبة اليه من القبلة أو غيرها* وإما بالطبع ~~كقولنا الحيوانية قبل الانسانية والجسمية قبل الحيوانية إذا ابتدأنا ~~من جهة الأعم* وخاصية هذا أنه ينقلب إذا أخذت من جانب الآخر ~~فان أخذت الاعتبار من جانب الأخص أولا صارت الحيوانية قبل ~~الجسمية وإن أخذت الاعتبار من مكة صارت الكوفة قبل بغداد. # (والثالث): المتقدم بالشرف كقولنا أبو بكر ثم عمرو وإن ~~أبا بكرقبل سائر الصحابة رضوان الله تعالى عليهم بالشرف والفضل. ~~(والرابع): المتقدم بالطبع وهو الذى لا يرتفع بارتفاع المتقدم ~~عليه ويرتفع المتقدم عليه بارتفاعه فانك تقول الواحد قبل الاثنين ~~فانه لو قدر عدم الواحد فى العالم يلزم عدم الاثنين إذ كل اثنين فهو ~~واحد وواحد وإن قدر عدم الاثنين لم يلزم عدم الواحد وقولك ~~الواحد قبل الاثنين لا نعنى به تقدما زمانيا بل يجوز أن يكون مع ~~الاثنين وتعقل قبليته مع ذلك. # (والخامس): المتقدم بالذات وهو الذى وجوده مع غيره ولكن ~~وجود ذلك الغير به وليس وجوده بذلك الغير وذلك كتقدم العلة ~~على المعلول وكتقدم حركة اليد على حركة الخاتم فانه يستحسن أن ~~يقال تحركت اليد فتحرك الخاتم ولا يستحسن أن يقال تحرك الخاتم ~~فتحركت اليد والفاء للتعقيب* ومعلوم أنهما معا فى الزمان ولكن ~~هذه القبلية بالعلية والايجاب. # (قسمة خامسة): الموجود ينقسم إلى سبب ومسبب أى معلول ~~وعلة وكل شىء له وجود فى نفسه لا عن وجود شىء آخر معلوم ~~وذلك المعلوم لاوجود له إلا بالشىء فانما يسمى ذلك الشىء علة ذلك ~~المعلوم وذلك ms067 الشىء المعلوم معلول ذلك الشىء وكل ما هو حاصل ~~من أجزاء فلا يكون وجود الجزء بسبب وجود الجملة بل وجود ~~الجملة بسبب وجود الاجزاء واجتماعها. # (فالسكنجبين): ليس علة السكر بل السكرعلة السكنجبين إذ به ~~يحصل السكنجبين وهذا فيما يتقدم فيه الجزء على الجملة بالزمان ظاهر ~~فان كانا لا يفترقان فى الزمان كاليد بالاضافة إلى الانسان فهو أيضا ~~كذلك فاذا كل ما هو جزء الجملة فهوعلة الجملة فالعلة تنقسم إلى ما يكون ~~جزءا من ذات المعلول وإلى ما يكون خارجا* والذى هو جزء من ~~المعلول ينقسم إلى ما لا يلزم بوجوده وجود المعلول كالخشب للكرسى ~~وإلى ما يلزم عند تقدير وجوده ذات المعلول كصورة الكرسى فانها ~~إذا فرضت موجودة كان الكرسى لا محالة موجودا لا كالخشب مع ~~أن الكرسى جملة لا يتقوم وجودها إلا باجتماع الصورة والخشب * ~~فما نسبته إلى المعلول نسبة الخشب إلى الكرسى يسمى علة عنصرية* ~~وما نسبته نسبة الصورة يسمى علة صورية* وأما الخارج فينقسم ~~إلى ما منه الشىء كالنجار للكرسى ويسمى علة فاعلية وكذا الأب ~~للابن والنار للحرارة* وإلى ما لأجله الشىء وليس منه ويسمى علة ~~تمامية وغائية وهو كالاستكنان للبيت والصلوح للجلوس للكرسى* ~~ومن خاصية العلة الغائية أن سائر العلل بها تصير علة فانه ما لم يتمثل ~~صورة الكرسى المستعد للجلوس والحاجة إلى الجلوس فى نفس ~~النجار لا يصير هو فاعلا ولا يصير الخشب عنصر الكرسى ولا يحل ~~فيه الصورة فالغائية حيث وجدت فى جملة العلل هى علة العلل * ~~والعلة الفاعلية إما أن تفعل بالطبع كالنار تحرق والشمس تنور وإما ~~أن يكون فعلها بالارادة كالانسان يمشى وكل فاعل له في الفعل غرض ~~فيجب أن لا يكون وجود ذلك الغرض وعدمه له بمثابة واحدة إذ ~~الغرض عبارة عما يجعل وجود الفعل أولى بالفاعل من عدمه فان لم ~~يكن كذلك لم يسم غرضا فان ما كان وجوده وعدمه بمثابة واحدة ~~فى حق الفاعل لم يكن اختيار وجوده على عدمه لفائدة وغرض وكل ~~ماهو كذلك فلا يكون غرضا* ويبقى ms068 السؤال فى أنه لم اختار ~~الوجود على العدم ولا ينقطع إلا بذكر الغرض ولا غرض إلا ~~ما يجعل وجود الفعل في حق الفاعل أولى من العدم فان لم يكن أولى ~~ساوى الوجود والعدم فيستحيل الميل إلى أحدهما وكل ماله غرض ~~فهو ناقص لأن حصول ذلك الغرض هو خير له من لا حصوله فاذا ~~له شىء فى نفسه من الخيرات مفقود ويحصل له بالفعل فيكمل ~~بحصوله فلا يكون كاملا بنفسه دون ذلك* وقول القائل إنه يفعل ~~لا لفائدة يرجع اليه بل إلى غيره غلط إذ يقال حصول الفائدة لغيره ~~هل هو فى حقه أولى من لا حصوله فان كانت إفادته أولى وأليق به ~~فقد استفاد فى نفسه بافادة غيره ما هو أولى به وأليق فكان منفكا ~~عنه قبله فكان ناقصا وإن لم يكن له في الافادة فائدة رجع السؤال بأنه ~~لم أفاد رجوعا لا محيص عنه فاذا كل فاعل له غرض والغرض مكمل ~~له ومزيل نقصا كان فيه بالكمال الحاصل بحصوله فان كان فى الامكان ~~ذات يلزم منه المعلول لذاته من حيث إن ذاته ذات يفيض منه وجود ~~غيره لا محالة من غير غرض فهذه العلة الفاعلية أعلى وأجل من الفاعلية ~~بغرض واختبار وكل مالم يكن فاعلا فصار فاعلا فلا بد وأن يكون ~~لطريان أمر وتجدده من شرط أو طبع أو إرادة أو غرض أو قدرة ~~أوحال أية حال شئت وإلا فان كان أحوال الفاعل كما كان ولم يتجدد ~~أمر لا فى ذاته ولا خارجا من ذاته الى الآن لم يكن وجود الفعل منه ~~أولى به من العدم بل كان العدم هو المستمر والأحوال كما كانت فيلزم ~~أن يستمر العدم فان كان العدم قبل هذا مستمرا لأنه لم يكن مرجح ~~للوجود عليه والآن فقد وجد فينبغى أن يكون سببه هو حصول ~~المرجح وإن كان لم يتجدد مرجح وانتفى المرجح كما كان استمرالعدم ~~بالضرورة كما كان* وسيأتى زيادة شرح لهذا * ~~ومما لا بد من ذكره أن العلة تنقسم إلى علة بالذات وإلى ms069 علة ~~بالعرض وتسمية العلة بالعرض علة مجاز محض وهو الذى لم يحصل ~~المعلول به بل بغيره ولكن ذلك الغيرلم يتهيأ له إيجاب المعلول إلاعنده ~~كما أن رافع العماد من تحت السقف يسمى هادما للسقف وهو مجاز ~~لأن علة سقوط السقف كونه ثقيلا إلا أنه كان ممنوعا عن فعله ~~بالعماد فرافع العماد مكنه من الفعل ففعل فعله وكما يقال. # (ألسقمونيا): يبرد بمعنى أنه يزيل الصفراء المانعة للطبيعة ~~من التبريد فيكون المبرد هو الطبع ولكن بعد زوال المانع ويكون ~~السقمونيا علة إزالة الصفراء لاعلة للبرودة الحاصلة بعدز والها بالطبيعة ~~(قسمة سادسة): الموجود ينقسم إلى متناه وغير متناه وغير ~~المنتاه يقال على أربعة أوجه. # (اثنان): منها محالان لا يوجدان. # (واثنان): منها دل القياس على وجودهما. # (أحدها): أن يقال حركة الفلك لا نهاية لها أى لا أول لها ~~وهذا قد دل عليه القياس. # (وثانيها): أن يقال النفوس الانسانية المفارقة للابدان أيضا ~~لا نهاية لها وهذا أيضا لازم بالضرورة على نفى النهاية عن الزمان ~~وحركة الفلك أعنى نفى الأولية. # (وثالثها): أن يقال الأجسام لا نهاية لها أو الأبعاد لا نهاية ~~لها من فوق ومن تحت وهذا محال. # (ورابعها): أن يقال العلل لا نهاية لها حتى يكون للشىء علة ~~ولعلته علة ثم لا ينتهى الى علة أولى لا علة لها وهذا أيضا محال * ~~والضبط فيه أن كل عدد فرضت آحاده موجودة معا وله ترتب بالطبع ~~وتقدم وتاخر فوجود مالا نهاية له منه محال لأن الترتيب بين العلة ~~والمعلول ضرورى طبيعى إن رفع بطل كونه علة وكذلك الأجسام ~~والأبعاد فانها أيضا مترتبة أى بعضها قبل البعض بالضرورة إذا ابتدأ ~~من جانب إلا أنه يترتب بالوضع لا بالطبع كما سبق الفرق بينهما فى ~~فى أقسام التقدم والتأخر* وأما ماوجد فيه أحد المعنين دون الآخر ~~فنفى النهاية عنه لا يستحيل كحركة الفلك فان لها ترتبا وتعاقبا ولكن ~~لا وجود لجميع أجزائها فى حالة واحدة* فان قيل حركة الفلك ~~لا نهاية لها لم يعن بها نفى النهاية عن حركات هى ms070 موجودة بل فانية ~~معدومة وكذلك النفوس البشرية المفارقة للأبدان بالموت بجوز ~~نفى النهاية عن أعدادها وإن كانت موجودة معا إذ ليس فيها ترتب ~~بالطبع بحيث لو قدر ارتفاعه بطل كونها نفوسا إذ ليس بعضها علة ~~للبعض ولكنها موجودة معا من غير تقدم وتأخر فى الوضع والطبع ~~وإنما يتخيل التقدم والتأخر في زمان حدوثها أما ذواتها من حيث ~~إنها ذوات ونفوس لاترتب فيها البتة بل هى متساوية في الوجود ~~بخلاف الأبعاد والأجسام والعلة والمعلول فأما إمكان نفوس لانهاية ~~لها وحركة لا أول لها فسيأتى ما ذكر فى أدلتها. # (وأما استحالة نفى النهاية): عن الاجسام والأبعاد وما له ~~ترتب بالوضع أو الطبع فنذكره الآن. # (أما استحالة نفى النهاية): عن الأبعاد فتعرف بدليلين. # (أحدهما): إنا لو فرضنا خط. # (زد) بلا نهاية فى جهة. # (ز) وحركنا خط ~~(ا ب) فى دائرته إلى جهة ~~(ز) من خط ~~(د ز) حتى صار فى موازاته كان هذا تحريكا ~~ممكنا بالضرورة فلو حركناه عن الموازاة إلى جهة القرب منه فلا بد ~~وإن تسامت نقطة منه هى أول نقط المسامتة ثم بعد ذلك تسامت بقية ~~النقط إلى أن يرجع عن المسامتة بالانتهاء إلى الموازاة من الجانب الآخر ~~وذلك محال لأنه إن قدر ميل اليه عن الموازاة من غير مسامتة فهو محال ~~والمسامتة محال لأن المسامتة تقع أولا على أول نقطة وليس على الخط ~~الذى لا يتناهى نقطة هى أول وكل نقطة فرضت للمسامتة أولا فلابد ~~وأن تكون قد سامتت ما قبلها قبل المسامتة لها بالضرورة فلا تسامتها ~~ما لم تسامت مالا نهاية له ثم لا يكون فيها أول نقطة هى نقط ~~المسامتة وهو محال وهذا برهان قاطع هندسى فى استحالة إثبات أبعاد ~~لا نهاية لها سواء فرضت الملاء أو الخلاء. # (الدليل الثانى): هو أنه إن أمكن خط بلانهاية فليكن ذلك خط ~~(ا ب) ا ز د ب ولا نهاية له فى جهة ~~(ب) ولنشر الى نقطة. # (د) فان كان من. # (د) إلى. # (ب) متناهيا فاذا زيد عليه ~~(زد) كان ms071 ~~(زب) متناهيا وإن كان من ~~(د) الى ~~(ب) غير متناه فان أطبقنا بالوهم ~~(دب) على ~~(ز ب) فاما أن يمتدا معا فى جهة ~~(ب) بلا تفاوت وهو محال إذ يكون الأقل مساويا للأكثر فان ~~(دب) أقل من ~~(زب) وإن قصر ~~(دب) عن ~~(زب) وانقطع دونه وبقى ~~(زب) مستمرا فقد تناهى ~~(دب) فى منقطعه من جهة ~~(ب) و ~~(زب) ليس يزيد عليه إلا بمقدار ~~(زد) المتناهى وما زاد على المتناهى بمتناه فهو متناه فاذا ~~(زب) متناه بالضرورة* وأما استحالة علل لا نهاية لها إنها ~~إذا فرضت مترتبة بحيث يكون بعضها علة للبعض فلا بد وإن ينتهى ~~إلى علة ليست بمعلوله وهى طرف فتتناهى فان كانت لا تنتهى الى ~~طرف بل تتهادى فلا شك فى أن جملة تلك العلل التى لا نهاية لها ~~حاصلة فى الوجود من حيث هى جملة موجودة معا فلا تخلو تلك الجملة ~~من حيث هى جملة إما أن تكون ممكنة معلولة أو واجبة وباطل أن ~~تكون واجبة لأن الجملة حصلت بآحاد معلولة والحاصل بالمعلول ~~لا يكون واجبا فلا بد وأن يكون معلولا فيفتقر إلى علة خارجة عن ~~تلك الجملة فان كل ما هو من تلك الآحاد فقد أخذناه فى الجملة وثبت ~~الحكم على الجملة المستوعبة للآحاد بأنها معلولة فافتقرت إلى علة ~~خارجة ليست بمعلولة فيكون طرفا لا محالة ويصير متناهيا فهذا هو ~~القول فى المتناهى وغير المتناهى. # (قسمة سابعة): الموجود ينقسم إلى ما هو بالقوة وإلى ~~ما هو بالفعل ولفظ القوة والفعل يطلق على وجوه مختلفة لاحاجة ~~بنا إلى بعضها* أما القوة فتنقسم إلى قوة الفعل وإلى قوة الانفعال* ~~أما قوة الفعل فهى عبارة عن المعنى الذى به يتهيأ الفاعل لكونه ~~فاعلا كالحرارة للنار في فعل التسخين* وأما قوة الانفعال فنعنى به ~~المعنى الذى به يستعد القابل للانفعال كاللين واللزوجة فى الشمع ~~لقبول الانتقاش والتشكلات وتقابل القوة الفعل على وجه آخر ~~فان كل موجود حاصل بالحقيقة يقال إنه بالفعل وليس المراد به ~~ما قدمنا من الفعل فانه يقال ms072 إن ذات المبدأ الأول بالفعل من كل ~~وجه وليس فيه شىء بالقوة والفعل بالمعنى الأول في حقه محال ولكن ~~معناه الموجود المحصل والقوة التى تقابل هذا الفعل هى عبارة عن ~~إمكان وجود الشىء قبل وجوده فما دام غير موجود فيقال إنه بالقوة ~~وربما يتسامح فيقال هو موجود بالقوة وتسميته موجودا مجاز كما ~~يقال الخمر مسكر والاسكار فى الخمر وهى فى الدن موجود بالقوة وهو ~~مجاز فانه ليس بمسكر ولكن لكون الاسكار ممكن الحصول منه ~~سمى بالقوة وكما يقال فى الجسم الواحد إنه منقسم أى الانقسام فيه ~~بالقوة وإلا فلا انقسام فيه بالحقيقة قبل فعل التقسيم وإيجاده بقطع ~~الجسم والتفريق بين أجزائه* ونتمم هذه القسمة بذكر حكمين. # (الأول): حكم هذه القوة الأخيرة التى ترجع إلى إمكان الوجود ~~إنها تستدعى محلا ومادة تكون فيه ويلزم منه إن كل حادث فتسبقه ~~مادة فلا يمكن أن تكون المادة الأولى حادثة بل قديمة لأن كل ~~حادث فهو قبل الحدوث بالقوة أى هو قبل الحدوث ممكن الحدوث ~~فامكان الحدوث سابق على الحدوث فلا يخلو هذا الامكان إما أن ~~يكون شيئا حاصلا أوعبارة عن لا شىء فان كان عبارة عن لا شىء ~~فليس لهذا الحادث إذا إمكان فاذا لا يمكن أن يكون فاذا هو ممتنع ~~أن يكون ولو كان ممتنعا أن يكون لم يكن قط وهذا محال* فاذا ثبت ~~أن الامكان أمر حاصل قضى العقل به فلا يخلو إما أن يكون قائما ~~بنفسه جوهرا وإما أن يكون مستدعيا لموضوع وباطل أن يقال ~~الامكان جوهر قائم بنفسه لأنه وصف مضاف إلى ماهو إمكانه ~~لا يعقل قيامه بنفسه فوجب لا محالة أن يكون له موضوع فيرجع ~~حاصل الامكان إلى وصف المحل بقبول التغير كما يقال هذا الصبى ~~ممكن له أن يتعلم فيكون العلم ممكنا لهذا الصبى وهذه النطفة ممكن ~~فيها أن تصير إنسانا فيكون إمكان وجود الانسانية وصفا فى النطفة ~~وهذا الهواء يمكن أن يصير ماء فأما إذا فرض حادث من غير أن ~~تسبقه مادة فلا يكون لقولك ان ms073 الحادث ممكن الحدوث قبل الحدوث ~~معنى لأن الامكان وصف يستدعى موجودا يقوم به والشىء قبل ~~وجوده لا يكون محلا لوصف فامكان كل حادث فى مادته وقوة ~~حدوثه فى محله وهو المعنى بقولنا إنه موجود بالقوة كما تقول العلم ~~موجود فى الصبى بالقوة والنخل موجود فى النواة بالقوة* والقوة ~~قد تكون قريبة وقد تكون بعيدة فالنطفة إنسان بالقوة القريبة ~~والتراب إنسان بالقوة البعيدة إذ لا يصير إنسانا إلا بعد أن يتردد فى ~~أطوار كثيرة. # (الحكم الثانى): قوة الفعل تنقسم إلى قسمين. # (الأولى): ما هو على الفعل لا على نقيضه كقوة النارعلى الاحراق ~~لا على عدم الاحراق. # (والثانية): ما هوعلى الفعل وتركه كقوة الانسان على الحركة ~~والسكون* والأولى تسمى قوة طبيعية والثانية قوة إرادية وهذه ~~القوة الثانية مهما انضافت اليها الارادة التامة ولم يكن ثم مانع كان ~~حصول الفعل منها لازما بالطبع كما يلزم من القوة الأولى فان القدرة ~~إذا حصلت وتمت الارادة انفكت عن التميل والتردد بل صارت ~~جازمة ثم لم يحصل الفعل فلا يكون ذلك إلا لمانع ومهما التقت القوة ~~الفعلية بالقوة الانفعالية وكل واحد من القوتين تامة كان الانفعال ~~حاصلا بالضرورة* وبالجملة فكل علة فانما يلزم معلولها على سبيل ~~الوجوب وما لم يجب وجود المعلول عن علته لا يوجد فانه ما دام ~~ممكنا أن لا يحصل لعدم حصول جميع شروط العلة فلا يحصل فاذا ~~تمت شروط العلة تعين حصول المعلول واستحال أن لا يحصل لأن ~~الموجب إذا حضر ولم يحضر الموجب وتأخر فلا يكون ذلك إلا ~~لقصور فى طبعه إن كان بالطبع أو فى إرادته إن كان بالارادة أو ~~لعدم ذاته إن كان فعله لذاته ومادام يجوز أن لا يحصل منه الموجب ~~فهو ليس علة بالفعل بل بالقوة ولا بد من أمر جديد يخرجه عن القوة ~~إلى الفعل فاذا حضر ذلك الأمر صار الخروج إلى الفعل واجبا. # (قسمة ثامنة): الموجود ينقسم إلى واجب وإلى ممكن ونعنى به ~~أن كل موجود فاما أن يتعلق وجوده بغير ذاته بحيث لو قدر ms074 عدم ~~ذلك الغير لانعدم ذاته كما أن الكرسى يتعلق وجوده بالخشب والنجار ~~وحاجة الجلوس والصورة فلو قدر عدم واحد من هذه الأربع لزم ~~بالضرورة عدم الكرسى* وإما أن لا يتعلق ذاته بغيره البتة بل لو ~~قدر عدم كل غير له لم يلزم عدمه بل ذاته كاف لذاته وقد اصطلح ~~على تسمية الأول ممكنا وعلى تسمية الثانى واجبا فنقول كل ماوجوده ~~من ذاته لا من غيره فهو واجب وما ليس له وجود بذاته فاما ~~أن يكون ممتنعا بنفسه فيستحيل وجوده أبدا وإما أن يكون ممكنا فى ~~ذاته فالواجب هو الضرورى الوجود والمحال هو الضرورى العدم ~~والممكن هو الذات التى لا يلزم ضرورة فى وجودها ولا عدمها ~~ولكن كل ممكن فى ذاته إن كان له وجود فوجوده بغيره لا محالة إذ لو ~~كان بذاته لكان واجبا لا ممكنا وله مع ذلك الغير ثلاثة اعتبارات. ~~(أحدها): أن يعتبر وجود ذلك الغير الذى هو علة فيكون ~~واجبا إذ ظهر من قبل أن وجود المعلول واجب عند وجود العلة. # (وثانيها): إن اعتبر عدم العلة فهو ممتنع لأنه لو وجد لكان ~~موجودا بذاته لا بعلة فيكون واجبا وإن لم يلتفت إلى اعتبار علته ~~وجودا وعدما بل التفت إلى مجرد ذاته فله من ذاته. # (الأمرالثالث): وهو الامكان وهذا كما أن علة وجود الأربعة ~~وجود اثنين واثنين فان اعتبر عدم اثنين واثنين استحال وجود ~~الأربعة في العالم وإن اعتبر وجودهما كانت الأربعة واجبة الوجود ~~وإن لم يلتفت إلى الاثنين ولكن التفت إلى ذات الأربع وجد ممكنا ~~فى ذاته أى لا ضروة لوجوده ولا ضرورة لعدمه فاذا كل ممكن ~~وجوده في ذاته إنما يحصل وجوده بعلته وما دام ممكن الحصول ~~بعلته فلا يحصل فاذا صار واجب الوجود بعلته حاصل لأنه ما دام ~~ممكنا استمر العدم فلا بد وأن يزول الامكان وهذا الامكان ~~الذى يزول ليس هو الامكان الذى هو له في ذاته لأن ذلك ليس ~~لعلة حتى يزول بل ينبغى أن يزول الامكان من علته ويتبدل ~~بالوجوب وذلك بأن ms075 يحضر جميع الشرائط وتصير العلة كما ينبغى ~~أن يكون حتى يصير علة ولابد الآن من معرفة أصل مهم فى ~~الممكن يبتنى عليه قاعدة كبيرة وهو إن العالم إن كان قديما هل يمكن ~~أن يكون فعلا لله تعالى أم لا وقد علم أن كل ممكن فانما يكون وجوده ~~بغيره وذلك الغير فاعل له وكون الشىء فاعلا له يفهم منه أمران. # (أحدهما): أن يحدثه بأن يخرجه من العدم إلى الوجود كما يبنى ~~الانسان بيتا لم يكن وهذا جلى مشهور* والآخر أن يكون وجود ~~الشىء به كما أن وجود النور بالشمس فتسمى الشمس فاعلة للنور ~~بالطبع* والذين اعتقدوا أن لا معنى للفعل إلا الاحداث ربما ظنوا ~~أنه إذا حصل الحادث استغنى عن المحدث حتى لو عدم لم ينعدم ~~الحادث وربما تجاسر بعضهم على أن يقول لو قدر عدم البارى تعالى ~~عما يقول الظالون لم يلزم منه عدم العام بعد وجوده ويستدل على ~~هذا بمثال وحجة. # (أما المثال): فهو أن البناء بعد بناء البيت لا يضر موته البيت ~~ولا ينعدم البيت بعدمه. # (وأما الحجة): فهو أن المعدوم هو المحتاج إلى موجد* أما ~~الموجود فلا يحتاج إلى موجد* أما المثال فهو باطل لأن البناء ليس ~~سبب وجود البيت إلا مجازا وإنما هو سبب حركة أجزاء البيت ~~بعضها إلى بعض وتلك الحركات معلول حركاته وينقطع بانقطاع ~~حركاته فالآن بقاء شكل البيت معناه إن الجذع وقف في الموضع ~~الذى وضع فهو لأنه ثقيل يطلب أسفل وما تحته كثيف يمنعه فالعلة ~~ثقلة وكثافة ما تحته فلو انعدمت الكثافة بطل شكل البيت* والحائط ~~المبنى من الطين بقى شكله لما فى الطين من اليبوسة فهى التى يتمسك ~~شكلها فلو بناه من مائع فى قالب لكان يبطل شكل الحائط مهما رفع ~~القالب لعدم اليبوسة فاذا البناء ليس فاعل البيت وكذا الأب ليس ~~فاعلا للابن بل هو سبب حركة الجماع وتلك الحركة سبب حركة ~~المنى إلى الرحم ثم حدوث صورة الانسان فى المنى سببه معان فى ~~ذات المنى موجودة مع الصورة وسبب ms076 النفس سبب موجود دائم ~~الوجود فلا معنى للاعتراض بهذا المثال فأما الحجة وهو أن الموجود ~~لا يحتاج إلى موجد فهو صحيح ولكن يحتاج إلى مديم لوجوده * ~~وبيانه إن الفعل الحادث له صفتان. # (إحداهما): إنه الآن موجود. # (والأخرى): إنه كان قبل هذا معدوما وكذا الفاعل له صفتان. # (إحداهما): إن الوجود الآن أعنى وجود الحدوث منه. # (والأخرى): إنه قبله لم يكن منه فلينظر فان تعلق الفعل بالفاعل ~~لا يخلو إما أن يكون من جهة وجوده أو من جهة عدمه السابق أو ~~من كليهما وباطل أن يكون من جهة عدمه لأن العدم السابق لا تعلق ~~له بالفاعل ولا تأثير للفاعل فيه وباطل أن يكون من كليهما لأنه ~~إذا بطل تعلق العدم بالفاعل فقد بطل أنه من كليهما فلا بد من تعلق ~~الفعل ولم يبق إلا وجوده فالمتعلق بالفاعل وجود الفعل لا عدمه * ~~فان قيل أنه متعلق به من حيث أنه موجود مسبوق بعدم فمعنى ~~ذلك إن وجوده بعد عدمه ولا تأثير للفاعل فى كونه وجودا بعد ~~عدم إذ هذا الوجود لا يمكن أن يكون إلا وجودا بعد عدم فهو بعد ~~العدم لذاته ولو أراد الفاعل أن يفعله وجودا لا يكون بعد عدم لم ~~يمكن فكونه بعد العدم ليس بجعل جاعل وإنما تأثير الجاعل فى ~~وجوده* نعم يقدر الفاعل على أن لا يفعل ولا يوجد فاما أن يوجده ~~لا بعد العدم فهذا محال فاذا افتقار الحادث إلى الفاعل من جهة ~~وجوده فقط فانه ممكن من هذه الجهة فقط فأما كونه موجودا بعد ~~العدم فهو واجب لا ممكن فلا حاجة فيه إلى الفاعل ومهما كان تعلقه ~~به من حيث الوجود فما دام موجودا لا يستغنى عن الفاعل بل يكون ~~متعلقا به أى وجوده به فى الأحوال كلها كما أن وجود النوربالشمس ~~فى الأحوال كلها. # (وأما الفاعل): فله صفتان أيضا كما ذكرنا فكون الفاعل علة ~~لا يخلو إما أن يكون من حيث أن لغيره وجودا به أو من حيث لم ~~يكن وجوده به ثم حصل به* ms077 والحق أنه علة من حيث أن لغيره ~~وجودا به لا من حيث إنه لم يكن ثم كان فانه إنما لم يكن الوجود ~~منه من قبل لأنه لم يكن علة فذلك فى حكم عدم كونه علة لافى حكم ~~كونه علة وفاعلا كما إن الانسان إذا لم يرد أن يكون الشىء الذى ~~لا يكون إلا بالارادة ثم أراد فاذا حصل المراد كان فاعلا من حيث ~~إن المراد حاصل والارادة حاصلة لا من حيث إن الارادة صارت ~~حاصلة بعد العدم فاذا وجود الشىء أمر وصيرورته موجودا أمر ~~آخر وكون الشىء علة وفاعلا أمر وصيرورته علة وفاعلا أمر آخر ~~فصيرورته موجودا بعد إن لم يكن فى مقابلة صيرورته علة وفاعلا ~~بعد إن لم يكن وكونه موجودا فى مقابلة كونه فاعلا فان من فهم من ~~الفعل أن يصير الشىء موجودا بعد إن لم يكن فليفهم من الفاعل ~~أن يصيرعلة بعد إن لم يكن فيتغير إلى العلية حتى يتغير عدم المعلول ~~إلى الوجود وإن فهم من الفعل أن يكون موجودا بالفاعل فليفهم ~~من الفاعل أن يكون علة للوجود لا لصيرورته موجودا وماهو علة ~~وجود أمر زائد على ذاته فهو فاعل فان كان علة على الدوام فهو فاعل ~~على الدوام وإن كان علة فى وقت فهو فاعل فى وقت وإن صار فاعلا ~~صار علة وإن كان على الدوام علة كان على الدوام فاعلا* نعم العوام ~~لا يفهمون الفرق بين كون الشىء فاعلا وبين صيرورته فاعلا فمن ~~هذا يتخيلون ما يتخيلون ويلزم على هذا أن يكون المعلول فى دوامه ~~وفى جميع أحواله قائما بالعلة لا يستغنى عنها فلو انعدمت العلة والفاعل ~~انعدم المعلول والفعل وإن كان قديما كان الفعل قديما لأن تعلقه به ~~من حيث وجوده فقط لامن حيث حدوثه الذى هو عبارة عن ~~وجود بعد عدم كما سبق. # (المقالة الثانية فى ذات واجب الوجود ولوازمه) ~~قد ذكرنا أن الموجود إما ان يتعلق وجوده بغيره بحيث يلزم ~~من عدم ذلك الغير عدمه أو لا يتعلق فان تعلق سميناه ms078 ممكنا وإن لم ~~يتعلق سميناه واجبا بذاته فيلزم من هذا فى ذات واجب الوجود ~~اثنى عشر أمرا. # (الأول): أنه لا يكون عرضا لأنه يتعلق بالجسم ويلزم عدمه ~~بعدم الجسم ونحن عبرنا بواجب الوجود عما لا علاقة له مع غيره ~~البتة فالعرض ممكن وكل ممكن موجود بغيره وذلك الغير علته ~~فيكون معلولا لا محالة. # (الثانى): انه لا يكون جسما لوجهين. # (أحدهما): ان كل جسم ينقسم بالكمية الى أجزاء فتكون الجملة ~~متعلقة بالأجزاء فلو قدر عدم الأجزاء لزم عدمه كالانسان الذى ~~يلزم عدمه بتقدير عدم أجزائه وقد ذ كرنا أن كل جملة فهى معللة ~~بالأجزاء فلهذا لا يجوز أن يكون واجب الوجود مركبا من أجزاء فانه ~~اذا قيل لنا لم كان الحبر موجودا قلنا لأنه كان الماء والعفص والزاج ~~والاجتماع فحصل من المجموع الحبر فهذه الأجزاء علة الجملة وهكذا ~~جزاء كل مركب علة للمركب. # (والآخر): إن الجسم قد ثبت أنه مركب من الصورة والهيولى ~~فلو قدر عدم الهيولى انعدم الجسم ولو قدر عدم الصورة انعدم ~~ونحن عبرناه بواجب الوجود ونعنى بالواجب مالا يلزم عدمه بعدم ~~غير ذاته وإنما يلزم عدمه اذا قدر عدم ذاته فقط. # (الثالث): إن واجب الوجود لا يكون مثل الصورة لأنها متعلقة ~~بالهيولى ولو قدر عدم الهيولى التى معها لزم عدمها ولا يكون أيضا ~~مثل الهيولى التى هى محل الصورة التى لا توجد إلا معها لأن الهيولى ~~توجد بالفعل مع الصورة ويلزم من عدم الصورة عدم الهيولى فلها ~~تعلق بالغير. # (الرابع): هو أنه لا يكون وجوده غير ماهيته بل ينبغى أن يتحد ~~إنيته وماهيته إذ قد سبق أن الماهية غير الانية وأن الوجود الذى ~~هو الانية عبارة عن عارض للماهية وأن كل عارض فمعلول لأنه لو ~~كان موجودا بذاته لما كان عارضا لغيره وإذ ما كان عارضا لغيره فله ~~تعلق بغيره إذ لا يكون إلا معه وعلة الوجود لا تخلو إما أن تكون ~~هى الماهية أو غيرها فان كانت غيرها فيكون الوجود عارضا معلولا ~~ولا يكون واجب الوجود وباطل ms079 أن تكون الماهية بنفسها سببا ~~لوجود نفسها لأن العدم لا يكون سببا للوجود والماهية لا وجود ~~لها قبل هذا الوجود فكيف يكون سببا له ولو كان لها وجود قبل ~~هذا الوجود لكانت مستغنية عن وجود ثان ثم كان هذا السؤال ~~لازما فى ذلك الوجود فانه عرضى فيها فمن أين عرض له ولزم فثبت ~~أن واجب الوجود أنيته ماهيته وكان وجوب الوجود له كالماهية ~~لغيره ومن هذا يظهر أن واجب الوجود لا يشبه غيره البتة فان كل ~~ما عداه ممكن وكل ما هو ممكن فوجوده غير ماهيته ووجوده من ~~واجب الوجود كما سيأتى. # (الخامس): أنه لا يتعلق بغيره على وجه يتعلق ذلك الغير به على ~~معنى كون كل واحد منهما علة الآخر فان هذا فى غير واجب الوجود ~~محال وهو أن يكون. # (ب) علة. # (ج) و. # (ج) علة. # (ب) لأن. # (ب) من حيث أنه علة فهو قبل. # (ج) و. # (ج) من حيث أنه علة فهو قبل. # (ب) فيكون قبل ما هو قبله وهو محال ويكون كل واحد منهما ~~قبل صاحبه من حيث أنه علة وبعده من حيث أنه معلول وذلك ~~ظاهر البطلان. # (السادس): هو أنه لا يتعلق بغيره على وجه يتعلق ذلك الغير ~~به لا بمعنى العلية ولكن على سبيل التضايف كما بين الأخوين فانا ~~نقول إن لم يلزم عدمه لعدم ذلك الغير فلا علاقة له مع ذلك الغير ~~ونحن نجوز أن يكون لغير واجب الوجود علاقة بواجب الوجود ~~فان المعلول يتعلق بالعلة والعلة لا تتعلق بالمعلول وإن كان يلزم عدمه ~~بعدم ذلك الغير فهو ممكن لا واجب فان كل ما يتعلق بغيره فهوممكن ~~لأنه لا يخلو إما أن يكفى فى وجوده ذلك الغير فيكون ذلك الغير وحده ~~علة وهو معلوله* وإما أن يحتاج مع ذلك الغير إلى شىء آخرفيكون ~~هو معلول الجميع وكل ذلك يناقض وجوب الوجود. # (السابع): هو أنه لا يجوز أن يكون شيآن كل واحد منهما واجب ~~الوجود حتى يكون للواجب ند ويكون كل واحد مستقلا بنفسه ~~لا ms080 يتعلق بالآخر لأنه لا يخلو إما أن يتشابها من كل وجه أويختلفا فان ~~تشابها من كل وجه بطل التعدد ولم تعقل الاثنينية كما ذكرنا من ~~استحالة سوادين فى محل واحد فى حالة واحدة بيان أن الكلى لا يصير ~~حاصلا إلا بفصل أوعارض يختص به لا محالة وإن كانا مختلفين بفصل ~~أوعارض فهو محال أيضا إذ قد سبق أن الفصل والعارض لا مدخل ~~لهما فى حقيقة ذات الكلى وأن لا مدخل للانسانية فى كون الحيوانية ~~حيوانية وإنما يدخل فى كونه موجودا وذلك فيما يكون الوجود ~~عارضا على الماهية وغيرها فاما ما إنيته وماهيته واحدة والفصل لم ~~يكن داخلا فى ما هيته لم يكن داخلا فى إنيته فيكون دون ذلك الفصل ~~واجب الوجود فيكون الفصل والعارض لغوا وإن كان لا يكون ~~واجب الوجود دون ذلك الفصل فقد صارالفصل داخلا فى حقيقة ~~المعنى أعنى معنى وجوب الوجود وقد سبق أن ذلك محال وإنه إنما ~~يدخل فى وجود الماهية والحقيقة إذا كانت الماهية غير الوجود. # (الثامن): أنه لا يجوز أن يكون له صفة زائدة على الذات لأنه ~~إن كان يتقوم وجوده بتلك الصفة حتى يبطل وجوده بتقدير عدمها ~~فقد تعلق بها وصار مركبا من أجزاء لا تلتئم ذاته إلا بمجموعها وكل ~~مركب من أشياء معلول كما سبق وإن كان لا يلزم عدمه من تقدير ~~عدم تلك الصفة فهى عرضية فيه كالعلم فى الانسان مثلا وذلك محال ~~لأن كل عرضى فمعلول كما سبق وعلته إن كان ذات واجب الوجود ~~كان الذات فاعلا وقابلا وكان كونه فاعلا غير كونه قابلا لأنه يقبل ~~لا من حيث يفعل ويفعل لام ن حيث يقبل فيكون فيه كثرة بوجه ما* ~~وقد بينا أن الكثرة فى ذات واجب الوجود محال لأنه يوجب ~~تعليل الجملة بالآحاد فهو واحد من كل وجه على أنه سنبين فى ~~الطبيعيات أن الجسم لا يتحرك بنفسه ويستحيل أن يكون الشىء ~~محركا ومتحرك من وجه واحد وأن الفاعل لا يكون قابلا بل يكون ~~الجسم قابلا والفاعل من خارج ms081 كتحريكه إلى فوق أو يكون ~~القابل هو الهيولى والفاعل هو الصورة كحركته إلى أسفل فيتصور ~~إذا اجتماع الفعل والقبول فى الجسم وما يجرى مجراه مما يتركب ~~من شىء هو كالصورة بها يفعل وشىء هو كالمادة بها يقبل* وقد ~~بينا أن واجب الوجود لا يكون كذلك وباطل أن يكون ذلك ~~العارض من غيره إذ يصير ذا علاقة مع الغير فان وجوده على تلك ~~الصفة يتعلق بوجود ذلك الغير ووجوده خاليا عن تلك الصفة يتعلق ~~بعدم ذلك الغير وهو إما أن يكون متصفا بها أو خاليا ويكون فى ~~كلتا حالتيه متعلقا والمتعلق وجوده بعدم غيره معلول كما أن المتعلق ~~وجوده بوجود غيره معلول لأنه لا يستغنى ذاته عن ذلك الغير حتى ~~لو قدر تبدله بالوجود لبطل ذاته فيكون ذاته متعلقا بالغير وواجب ~~الوجود لا علاقة له مع الغير البتة بل ذاته كاف فى ذاته فهو الذى ~~أردناه بواجب الوجود. # (التاسع): أن واجب الوجود يستحيل أن يتغير لأن التغير ~~عبارة عن حدوث صفة فيه لم تكن وكل حادث فيفتقر إلى سبب ~~ويستحيل أن يكون غيره لما سبق وأن يكون ذاته لأن كل صفة يلزم ~~من الذات يكون مع الذات لا يتأخر عنه وقد ذكرنا أن الفاعل ~~لا يكون قابلا فلا يفعل الشىء شيئا فى ذاته البتة. # (العاشر): أن واجب الوجود لا يصدر منه إلا شىء واحد ~~بغير واسطة وإنما يصدر منه أشياء كثيرة على ترتيب ووسائط ~~وذلك لأنه ثبت أنه واحد لا كثرة فيه بوجه إذ الكثرة إنما ~~تكون بكثرة الأجزاء التى يستقل آحادها ككثرة الجسم المؤلف ~~أو بكثرة المعنى بأن يقسم الشىء إلى أمرين لا يستقل أحدهما دون ~~الاخر كالصورة والهيولى أو كالوجود والماهية وقد نفينا كل ذلك ~~عنه فلا يبقى إلا الوحدة من كل وجه والواحد لا يصدر منه إلا ~~واحد وإنما يختلف فعل الواحد إما باختلاف المحل أو باختلاف ~~الآلة أو بسبب زائد على ذات الفاعل الواحد* وبرهانه أنا إذا ~~عرضنا جسما على شىء فسخنه فعرضناه على اخر فبرده فنعلم ms082 ضرورة ~~أن بينهما اختلافا لأنهما لوكانا متماثلين لتماثل فعلاهما فهما استحال ~~وجود شيئين مختلفين من ذاتين متماثلين فبأن يستحيل من ذات ~~واحدة أولى لأن الشىء من غيره أبعد منه عن نفسه فاذا كان مماثلة ~~الغير يوجب أن لا يخالف فعله فعله فمماثلته لنفسه أولى بذلك ~~والمماثلة فى النفس مجاز ولكن المقصود التفهيم. # (الحادى عشر): أن واجب الوجود كما لا يقال له عرض لما سبق ~~فلا يقال له جوهر وإن كان قائما بنفسه ولم يكن فى محل كما أن الجوهر ~~كذلك ولكن الجوهر فى اصطلاح القوم عبارة عن حقيقة وماهية ~~وجودها لافى موضوع نعنى إذا وجد فوجودها لافى موضوع لا إنه ~~موجود وجودا بالفعل حاصلا فانك تحكم ضربا للمثل بأن التمساح ~~جوهر ولا تشك فيه وتشك فى أنه هل هو فى الحال حاصل فى ~~الوجود أم لا وكذا جملة من الجواهر فاذا الجوهر يطلق على حقيقة ~~وماهية إذا عرض لها الوجود عرض لا فى الموضوع فيكون عبارة ~~عما يكون ماهيته غير إنيته فما ماهيته وإنيته واحدة لا يسمى جوهرا ~~بهذا الاصطلاح إلا أن يخترع مخترع اصطلاحا فيجعله عبارة عن ~~وجود لا محل له فلا نمنع إذ ذاك من إطلاقه عليه فان قيل أليس ~~يقال إن واجب الوجود موجود وغيره موجود والوجود شامل ~~فقد اندرج مع غيره تحت الجنس فلا بد وأن ينفصل عنه بفصل ~~فيكون له حد فيقال له لا لأن الوجود يقع عليه وعلى غيره على ~~سبيل التقدم والتأخر بل قد بينا أنه يقع على الجواهر والأعراض ~~أيضا كذلك فلا يكون على سبيل التواطؤ وماليس على سبيل التواطؤ ~~فلا يكون جنسا وإذا لم يكن الوجود جنسا فبأن ينضاف اليه نفى ~~وهو إنه لا فى الموضوع لا يصير جنسا لأنه لم ينضم اليه إلا سلب ~~مجرد فالوجود لا فى الموضوع الذى له ولغيره من الجواهر ليس على ~~سبيل الجنسية والجوهرية جنس لسائر الجواهر فحصل من هذا ~~إن واجب الوجود لا يقع في شىء من المقولات العشرة إذ لم يقع فى ~~مقولة ms083 الجوهر فكيف يقع فى مقولات الاعراض كيف ووجود ~~سائر المقولات زائد على الماهيات وعرضى فيها وخارج من ماهياتها ~~ووجود واجب الوجود وماهيته واحد فيظهر من هذا إن واجب ~~الوجود لا جنس له ولا فصل له فلا حد له وظهر إنه لا محل له ~~ولا موضوع فلا ضد له وظهر إنه لانوع له ولا ند له ولا شريك له ~~وظهر إنه لا سبب له ولا تغير له ولا جزء له بحال. # (الثانى عشر): إن كل ماسوى واجب الوجود ينبغى أن يكون ~~صادرا عن واجب الوجود على الترتيب وأن يكون وجود كل ~~ما سواه منه وبرهانه إنه إذا بان إن واجب الوجود لا يكون إلا ~~واحدا فما عداه لا يكون واجبا فيكون ممكنا فيفتقر إلى واجب ~~الوجود فيكون منه لأن الكل ممكنات ولا يخلو من أربعة أقسام ~~إما أن يكون بعضها من بعض ويتسلسل اإلى غير نهاية وإما أن ~~بنتهى إلى طرف وذلك الطرف علة ولا علة له فى نفسه وإما أن ~~ينتهى إلى طرف ولذلك الطرف علة من جملة معلولاته وإما أن ينتهى ~~إلى واجب الوجود ووجه حصر هذه الأقسام هو أنه لا يخلو إما ~~أن يتسلسل أو يتناهى فان تناهى إلى طرف فذلك الطرف إما واجب ~~الوجود أو غيره فان كان غيره فذلك الطرف إما أن يكون له علة ~~أو لا علة له أما القسم الأول وهو التسلسل إلى غير نهاية فقد أبطلناه ~~وأما الثانى وهو أن ينتهى إلى طرف غير واجب الوجود الذى فرضناه ~~وذلك الطرف لا علة له فهذا يؤدى إلى أن يكون واجب الوجود ~~اثنين إذ لا نعنى بواجب الوجود إلا ما لاعلة له أصلا وقد أبطلنا ذلك * ~~وأما الثالث وهو أن يكون علة ذلك الطرف شيئا من معلولاته ~~بالدور مثلا وهو أن يكون. # (ا) علة. # (ب) و. # (ب) علة. # (ج) و. # (ج) علة. # (د) ثم يعود ويكون. # (د) علة. # (ا) فهذا محال لأنه يؤدي إلى أن يكون المعلول علة إذ معلول ~~المعلول معلول فكيف يعود علته ms084 وعلة العلة علة فكيف يعود معلولا ~~وقد سبق إبطال ذلك فتعين الرابع وهو أن يرتقى إلى طرف هو ~~واجب الوجود* فان قيل قد قسمتم الموجود إلى ما يتعلق بغيره ~~وإلى ما لا علاقة له وسميتم ما لا علاقة له واجبا وادعيتم أن الواجب ~~يجب أن يكون كيت وكيت حتى يكون منقطع العلائق ولكن لم تدلوا ~~على أن في الوجود الحاصل موجودا بهذه الصفة فما الدليل على ~~إثبات واجب الوجود وهو الموجود الذى وصفه ما ذكرتموه* قيل ~~برهانه أن العالم المحسوس ظاهر الوجود وهو أجسام وأعراض ~~وهى بجملتها إنيتها غير ما هيتها وما كان كذلك فقد أثبتنا أنه ممكن ~~وكيف لا وقوام الأعراض بالأجسام فهى ممكنة وقوام الأجسام ~~بأجزائها وبالصورة والهيولى وقوام للصورة بالهيولى وقوام الهيولى ~~بالصورة إذ لا يستغنى البعض عن البعض وما هو كذلك فقد سبق ~~أنه لا يكون واجبا فانا بينا أنه لا واجب وجود هو صورة ولا هيولى ~~ولا جسم ولا عرض* والسالبة الكلية تنعكس مثل نفسها فشىء ~~من هذا لا يكون واجب الوجود فيكون ممكنا وقد ذكرنا أن ~~الممكن لا يكون موجودا بنفسه بل بغيره وهذا معنى كونه محدثا ~~فالعالم إذا ممكن الوجود فهو إذا محدث ومعنى كونه محدثا أن وجوده ~~من غيره وليس له من ذاته وجود فهو باعتبار ذاته لا وجود له وباعتبار ~~غيره له وجود وما للشىء بذاته قبل ما له بغيره قبلية بالذات والعدم ~~له بالذات والوجود بالغير فعدمه قبل وجوده فهو محدث أزلا وأبدا ~~لأنه موجود من غيره أزلا وأبدا وقد سبق أن دوام الشىء لا ينافى ~~كونه فعلا وما يوجد منه الشىء دائما فهو أفضل مما يتعطل مدة ~~لا نهاية لها ثم ينبعث للفعل وإذا ثبت أن الكل ممكن وقد سبق ~~أن كل ممكن يفتقر إلى علة وأن العلل بالضرورة ينبعى أن ترتقى ~~إلى واجب الوجود ولا بد أن يكون واحد فخرج منه أن للعالم ~~أولا واجبا بذاته واحدا من كل وجه وأن وجوده بذاته بل هو ~~حقيقة الوجود المحض ms085 في ذاته وهو ينبوع الوجود في حق غيره ~~فوجوده تام وفوق التمام حتى صارت الماهيات كلها موجودة به على ~~ترتيبها وتكون نسبة وجود سائر الأشياء إلى وجوده مثل نسبة ~~ضوء سائر الأجسام إلى ضوء الشمس فان الشمس مضيئة بنفسها ~~من ذاتها لا من مضىء آخر وغيرها يستضىء بها وهى ينبوع الضوء ~~لكل مستضىء أى يفيض الضوء من ذاتها على غيرها من غير أن ~~ينفصل من ذاتها شىء ولكن يكون ضوء ذاتها سببا لحدوث الضوء ~~فى غيرها وهذا المثال كان يستقيم لو كانت الشمس ضوءا بذاتها من ~~غير موضوع ولكن ضوءها فى جسم هو موضوع ووجود الأول ~~الذى هو ينبوع وجود الكل ليس فى موضوع ويفارق من وجه ~~وآخر وهو أن الضوء يلزم من ذات الشمس بالطبع المحض من غير أن ~~يكون للشمس علم وخبر بحصوله منها فليس علمها بوجود الضوء ~~منها مبدأ وجود الضوء منها وسنبين أن علم الأول بوجه النظام ~~العقول في الكل هو مبدأ النظام وإن النظام الموجود تبع للنظام ~~المعقول المتمثل في ذات الأول. # (المقالة الثالثة فى صفات الأول وفيها دعاوى ومقدمة) ~~(أما المقدمة): فهو أنه قد سبق أن واجب الوجود لا يجوز أن ~~يكون فى ذاته كثرة بحال ولا بد من وصف واجب الوجود بأوصاف ~~فلا بد أن يفرق بين الأوصاف المؤدية إلى كثرة فى الذات وبين ~~ما لا يؤدى حتى لا يثبت له إلا ما لا يؤدى إلى الكثرة والأوصاف ~~خمسة أصناف يجمعها قولنا للانسان المعين إنه جسم أبيض عالم جواد ~~فقير فهذه خمس صفات. # (أما الأول): وهو أنه جسم فهو ذاتى يدخل فى الماهيات وهو ~~جنس ومثل هذا لا يجوز أن يثبت فى ذات واجب الوجود لما سبق ~~من أنه لا جنس له ولا فصل له. # (الثانى): الأبيض وهو وصف عرضى للانسان ومثله أيضا ~~لا يجوز إثباته لواجب الوجود. # (الثالث): العالم فان العلم للانسان عرضى وله تعلق بالغير وهو ~~المعلوم والبياض عرض غير متعلق بالغير فهذا هو الفارق ولا يجوز ~~إثبات عرض فى ذات ms086 الواجب متعلقا كان أو لم يكن لما سبق. # (الرابع): الجواد وهذا يرجع إلى إضافة الذات إلى فعل صدر ~~منه وهذا مما يجوز إثباته للأول ويجوزكثرة الاضافات فيه بوجوه ~~مختلفة إلى الأفعال الصادرة منه وهذا لا يوجب كثرة فى الذات فانه ~~لا يرجع إلى وصف فى الذات فان تغير الاضافة لا يوجب تغير ~~الذات وهذا ككونك على يمين إنسان فانه وصف لك إضافى اليه ~~ولكن لو تحول ذلك الانسان الى يسارك كان التغير فيه بالحركة ~~وأما أنت فلا تتغيرذاتك به فلا بأس بكثرة هذا الجنس من الصفات. ~~(الخامس): الفقير وهو اسم لصفة سلب فان معناه عدم المال ~~فيتوهم من حيث اللفظ أنه وصف إثبات وهذا أيضا لا يبعد أن ~~يكون مسوغا فى حق الأول إذ سلب منه أشياء كثيرة ويتولد من ~~وصفى الاضافة والسلب أسامى كثيرة لا توجب كثرة فى ذاته فانه ~~إذا قيل واحد فمعناه سلب الشريك والنظير وسلب الانقسام* وإذا ~~قيل قديم فمعناه سلب البداية عن وجوده* وإذا قيل جواد وكريم ~~ورحيم فمعناه إضافته الى أفعال صدرت منه واذا قيل هو مبدأ ~~الكل فمعناه الاضافة أيضا فهذا هو المقدمة. # (أما الدعاوى): فأولها أن المبدأ الأول حى فان ما يعلم ذاته فهو ~~حى والأول يعلم ذاته فهو إذن عالم وحى* وبرهان كونه عالما بذاته ~~أن تعرف معنى قولنا إن الشىء عالم ما هو وإن معنى قولنا أنه علم ~~ومعلوم ما هو وسيأتى فى كتاب النفس من الطبيعيات أن النفس ~~منا تشعر بنفسها وبغيرها وتعلمه ومعنى كونه عالما أنه موجود ~~برىء من المادة ومعنى كون الشىء معقولا ومعلوما أنه مجرد عن المادة ~~فمهما فرض حلول مجرد فى برىء كان الحال علما وكان المحل عالما ~~إذ لا معنى للعلم إلا انطباع صورة مجردة من المواد فى ذات هى بريئة ~~عن المواد فيكون المنطبع علما والمنطبع فيه عالما ولا معنى للعلم إلا ~~هذا فمهما وجد هذا صدق اسم العلم والعالم ومهما انتفى لا يصدق ~~والمراد بالبرىء والمجرد واحد ولكن خصصنا المجرد بالمعلوم ~~والبرىء ms087 بالعالم حتى لا يلتبس فى ترديدات الكلام ثم الانسان إنما ~~علم بنفسه لأن نفسه مجرد وهو ليس غائبا عن نفسه حتى يحتاج إلى ~~حصول مثاله وصورته فيه ليعلمه بل نفسه حاضر لنفسه وذاته غير ~~غائب عن ذاته فكان عالما بنفسه* وقد سبق أن واجب الوجود ~~برىء عن المواد براءة أشد من براءة النفس الانسانية لأن النفس ~~تتعلق بالمادة تعلق الفعل فيها وذات الأول كما سنبين منقطع العلائق ~~عن المواد فذاته حاضر فى ذاته ويكون بالضرورة عالما بذاته لأن ~~ذاته المجردة غير غائبة عن ذاته البرئية والعلم عبارة عن مثل هذه ~~الحالة فقط. # (الدعوى الثانية): إن علمه بذاته ليس زائدا على ذاته حتى ~~يوجب فيه كثرة بل هو ذاته* وبيانه بأن نقدم عليه مقدمة وهى ~~إن كل ما يعرفه الانسان إما أن يكون معلوما له بمشاهدته فى نفسه ~~بحس ظاهر أو بحس باطن وإما أن لا يكون معلوما ولا سبيل إلى ~~إعلامه إلا بالمقايسة إلى شىء مما ثبت فى مشاهدته فى نفسه فما لم يشاهد ~~من نفسه له نظير بوجه ما لم يمكن تعريفه فاذا ثبت هذا فنقول لا يعرف ~~الانسان هذا فى حق الاله إلا بمقايسة إلى نفسه فانه يعلم نفسه فعلومه ~~غيره أو هو عينه فان كان غيره فهو إذا لا يعلم نفسه بل علم غيره وإن ~~كان معلومه هو عينه فالعالم هو نفسه والمعلوم هو نفسه فقد اتحد ~~العالم والمعلوم فنقيم الدليل على إن العلم هو المعلوم أيضا حتى إذا ~~جعلنا المعلوم أصلا وبينا إن العلم هو عين المعلوم وإن العالم أيضا ~~هو عين المعلوم كما سبق لزم منه بالضرورة إن للكل مبدأ واحدا ~~لا كثرة فيه ودليل إن العلم هو المعلوم وكذلك الحس هو المحسوس ~~إن الانسان يكون محسا باعتبار ما انطبع فى عينه من صورة المبصر ~~المحسوس ومثاله فهو مدرك بذلك الأثر المنطبع فيه ومحس له فقط ~~أما الشىء الخارج فهو مطابق لذلك الأثر وسبب حصول الأثر ~~حصوله وهو المدرك الثانى دون الأول بل الملاقى لك ms088 ما حصل فى ~~ذاتك والحس عبارة عن ذلك الأثرالمحسوس* والمحسوس الأول ~~هو ذلك الأثر أيضا فالحس والمحسوس واحد وكذلك العلم هو ~~نفس المعلوم ومثاله المطابق له وهو المدرك المعلوم أعنى المثال الذى ~~ينطبع فى النفس* وأما الموجود الخارج فمطابق له وسبب لحصوله ~~فى النفس فالمعلوم بالحقيقة تلك الصورة فاذا ثبت إن المعلوم مهما ~~كان نفس العالم اتحد العلم والعالم والمعلوم فاذا الأول عالم بنفسه ~~وعلمه ومعلومه هو وإنما تختلف العبارات باختلاف الاعتبارات ~~فمن حيث أن ذاته برىء عن المادة وان ذاته مجردة غير غائبة عنه فهو ~~عالم ومن حيث أن ذاته مجردة لذاته البرية فهو معلوم ومن حيث أن ~~ذاته لذاته وفى ذاته وغير غائب عن ذاته فهو علم بذاته وهذا كله ~~لأن العلم يستدعى معلوما فقط فاما أن يكون ذلك المعلوم هو غير ~~العالم أو عينه فلا يوجب العلم فيه تفصيلا بل يجوز أن يقال المعلوم ~~ينقسم إلى ما هو ذات العالم وإلى ما هو غيره فيكون اقتضاؤه لمعلوم ~~مطلق أعم من اقتضائه لمعلوم هو غيره أو عينه. # (الدعوى الثالثة): أن الأول عالم بسائر أنواع الموجودات ~~وأجناسها فلا يعزب عن علمه شىء وهذا الآن أدق وأغمض من ~~الأول وبيانه أنه ثبت أنه يعلم ذاته فينبغى أن يعلمه على ما هو عليه ~~لأن ذاته مجردة لذاته مكشوفة له على ما هو عليه بحقيقته وحقيقته ~~أنه وجود محض هو ينبوع وجود الجواهر والأعراض والماهيات ~~كلها على ترتيبها فان علم نفسه مبدأ لها فقد انطوى العلم بها فى علمه ~~بذاته وإن لم يعلم نفسه مبدأ لم يعلم نفسه على ما هو عليه وهو ~~محال لأنه إنما علم ذاته لأن ذاته ليس غائبا عن ذاته وهما مجردان ~~أعنى ذاته باعتبارين وهو كما هو عليه مكشوف لذاته فالواحد منا ~~إذا علم ذاته يعلمه حيا قادرا لا محالة لأنه كذلك فان لم يعلم كذلك ~~لم يكن علمه على ما هو عليه فالأول أيضا يعلم ذاته مبدأ للكل ~~فينطوى العلم بالكل تحت علمه بذاته على سبيل ms089 التضمن لا محالة. # (الدعوى الرابعة): أن هذا أيضا لا يؤدى إلى كثرة في ذاته ~~وعلمه وهذا أغمض من الأول فان المعلومات على كثرتها تستدعى ~~علوما كثيرة فعلم واحد بمعلومات مفصلة محال وجوده إذ معنى ~~الواحد أنه ليس فيه شىء غير شىء وأنه لو قدر عدم بعضه لزم عدمه إذ ~~لا بعض له والعلم إذا فرض بالجواهر والأعراض واحدا فلو قدر ~~زوال تعلقه بالأعراض بقى شىء غير ما قدر زواله وهو تعلقه بالجواهر ~~وكذا كل معلومين وهذا يناقض معنى الوحدة ولكن بيانه بالمقايسة ~~بمشاهدة النفس فان النفس نسخة مختصرة من كل العالم يوجد لكل ~~شىء فيها نظير وبها يتمكن من معرفة الكل فنقول للانسان فى العلم ~~ثلاثة أحوال. # (إحداها): أن يفصل صور المعلومات فى نفسه كما يتفكر ~~فى صورة فقهية مثلا مرتبا بعضها بعد بعض وهذا هوالعلم المفصل. ~~(والثانية): أن يكون قد مارس الفقه وحصله واستقل به ~~وحصل قوة الفقه بحيث يعلم كل صورة تورد عليه من غير حصر ~~فيقال له فى حال غفله عن التفصيل أنه فقيه وليس فى ذهنه علم ~~حاضر ولكنه اكتسب حالة وملكة تلك الملكة مبدأ فياض ~~للصور التى لا تتناهى من الفقه نسبة تلك الحالة إلى كل صورة ~~ممكنة واحدة وهذه حالة بسيطة ساذجة وهى واحدة لا تفصيل فيها ~~ولها نسبة إلى صور غير متناهية. # (الثالثة): وهى حالة بين الحالتين أن يسمع الانسان فى مناظرته ~~مثلا كلاما من غيره فى مسألة وهو مستقل بمعرفته فيعلم ان جوابه ~~حاضر عنده وأن ما يقوله باطل وإنه يقدر على إبطاله قطعا كما لو ~~سمعه يقول العالم قديم بشبهة كذا وكذا وهو عالم بأنه حادث وبوجه ~~الجواب عن تلك الشبهة مع أن ذكرها وإيرادها يستدعى تفصيلا ~~وتطويلا وهو فى الحال يعلم من نفسه يقينا أنه محيط بالجواب جملة ~~ولم يتفصل فى ذهنه ترتيب الجواب ثم يخوض فى الجواب مستمدا ~~من الأمر البسيط الكلى الذى كان يدركه من نفسه فلا يزال يحدث ~~من ذلك الأمر الكلى فى ذهنه صورة صورة مفصلة ms090 ويعبرعنه بعبارة ~~عبارة ويوردها مقدمة مقدمة إلى أن يستوفى إيضاح ما كان فى نفسه ~~من الجواب البسيط بمقدمات وتفاصيل لم يكن حاضرا ذلك الوقت ~~على تفصيله فى ذهنه بل كانت له حالة بسيطة كأنها مبدأ للتفصيل ~~خلاق له وهو أشرف من التفصيل فينبغى أن يقدر علم الأول ~~بالكل من قبيل الحالة الثالثة فأما أن يكون من قبيل الحالة الأولى ~~فهو محال لأن العلم المفصل هو العلم الانساني الذى لا يجتمع اثنان ~~منه فى النفس فى حالة واحدة بل يصادف واحدا واحدا فان العلم ~~نقش فى النفس وكما لا يتصور أن يكون فى الشمعة نقشان وشكلان ~~فى حالة واحدة لا يتصور أن يكون فى النفس علمان مفصلان ~~حاضران فى حالة واحدة بل يتعاقبا على القرب بحيث لا يدرك ~~تعاقبهما للطف الزمان إذ تصير المعلومات الكثيرة مجملة كالشىء ~~الواحد فيكون للنفس منها حالة واحدة ونسبتها إلى كل الصور ~~واحدة ويكون ذلك كالنقش الواحد وهذا التفصيل والانتقال ~~لا يكون إلا للانسان فان فرض وجودها معا مفصلا فى حق الله ~~تعالى كانت علوما متعددة بلا نهاية واقتضى كثرة ثم كان متناقضا لأن ~~اشتغال النفس بواحد مفصل يمنع من آخر فاذا معنى كون الأول ~~عالما أى انه على حالة بسيطة نسبتها إلى سائر المعلومات واحدة * ~~فمعنى عالميته مبدأيته لفيضان التفصيل منه فى غيره فعلمه هو المبدأ ~~الخلاق لتفاصيل العلوم فى ذوات الملائكة والأنس فهو عالم بهذا ~~الاعتبار وهذا أشرف من التفصيل لأن المفصل لا يزيد على واحد ~~إذ لا بد وأن يتناهى وهذه نسبته إلى ما لا يتناهى ونسبته إلى ما يتناهى ~~واحدة ومثاله أن يفرض ملك معه مفاتيح خزائن أموال الأرض ~~وهو مستغنى عنها ولا ينتفع بذهب ولا فضة ولا يأخذها ولكن ~~يفيضها على الخلق فكل من له ذهب فيكون منه أخذه وبواسطة ~~مفاتحه اليه وصل فكذلك الأول عنده مفاتيح الغيب ومنه يفيض ~~مبدأ العلم بالغيب والشهادة على الكل وكما يستحيل أن لا يسمى الملك ~~الذى بيده المفاتيح غنيا يستحيل أن لا يسمى الذى ms091 عنده مفاتيح ~~العلم عالما والفقير الذى يأخذ منه دنانير معدودة يسمى غنيا باعتبار ~~أن الدنانير بيده فالملك باعتبار أن الدنانير من يده وبافادته يفيض ~~منه الغنى على الكل كيف لا يسمى غنيا فكذا حال العلم فكان نسبة ~~تلك الحالة التى للأول إلى العلوم المفصلة نسبة الكيميا إلى الدنانير ~~المعينة والكيميا أنفس إذ يحصل منه ما لا يتناهى من الدنانير بحكم ~~التقدير وضرب المثال فينبغى أن يفهم علم الأول بسيطا وذلك ~~بالمقايسة إلى الحالة الثالثة فنسبة علم الأول إلى كل المعلومات ~~كنسبة حال المناظر إلى حاصل الجواب المفصل* فان قيل تلك ~~الحالة ترجع إلى أنه خال من العلم ولكنه مستعد لقبول العلم بالقوة ~~القريبة ولكن لقرب القوة يقال إنه عالم والا فهو منفك عن العلم ~~فالأول إذا منفك عن العلم بالفعل فلا يتصور أن يكون بالقوة قابلا ~~فلا يكون عالما لا بالفعل ولا بالقوة قيل ما ذكرت من السؤال هو ~~حقيقة الحالة الثانية لا حقيقة الحالة الثالثة وقد فارقت الحالة الثالثة ~~الثانية فى أن صاحب الحالة الثانية غافل عن العلم والمعلوم جملة ~~وتفصيلا وصاحب الحالة الثالثة عالم بطلان دعواه قدم العالم وبوجه ~~الجواب عن شبهته وواثق من نفسه بذلك ومتحقق بأن له حالة ~~حاضرة بالفعل لتلك الحالة نسبة إلى علوم مفصلة ليس تفصيلها حاضرا ~~فى ذهنه بل هو قادر على إحضارها فبهذه الحالة ينبغى أن يمثل حال ~~الأول حتى يتعلق بالفهم منه ما هو المطلوب من هذه الدعوى. # (الدعوى الخامسة): هو أن الله تعالى كما يعلم الأجناس والأنواع ~~يعلم الممكنات الحادثة وإن كنا نحن لا نعلمها لأن الممكن ما دام ~~يعرف ممكنا يستحيل أن يعلم وقوعه أو لا وقوعه لأنه إنما يعلم ~~منه وصف الامكان ومعناه أنه يمكن أن يكون ويمكن أن لا يكون ~~فان علمنا أن لا بد وأن يكون غدا مثلا قدوم زيد فقد صار واجبا ~~أن يكون وبطل قولنا أنه كان ممكنا أن لا يكون فاذا الممكن ما دام ~~لا يعلم منه إلا الامكان فلا يتصور أن يعلم ms092 أنه واقع أو غير واقع ~~ولكن قد ذكرنا أن كل ممكن فى نفسه فهو واجب بسبب فان علم ~~وجود سببه كان وجوده واجبا لا ممكنا وإن علم عدم سببه كان عدمه ~~واجبا لا ممكنا فاذا الممكنات باعتبار السبب واجبة فلو اطلعنا على ~~جميع أسباب شىء واحد وعلمنا وجودها قطعنا بوجود ذلك الشىء ~~كما أن وجدان زيد غدا كنزا ممكن أن يكون وممكن أن لا يكون ~~فاذا نحن عرفنا وجود أسباب العثور على الكنز زال الشك مثل ~~أن تعرف أنه لا بد وأن يجرى فى داره سبب يزعجه ويوجب خروجه ~~من الدار فى طريق كذا وأن يسير على خط كذا ويعلم أن على ~~ذلك الخط كنزا غطى رأسه بشىء خفيف لا يقاوم ثقل زيد فيعلم ~~أنه لا بد وأن يعثر عليه لأن ذلك صار واجبا باعتبار فرض وجود ~~أسبابه والأول سبحانه وتعالى يعلم الحوادث بأسبابها لأن العلل ~~والأسباب ترتقى إلى واجب الوجود فكل حادث وممكن فهو واجب ~~لأنه لو لم يجب بسببه لما وجد وسببه أيضا واجب إلى أن ينتهى إلى ~~ذات واجب الوجود فلما كان هو عالما بترتيب الأسباب كان عالما ~~لا محالة بالمسبات والمنجم لما تفحص عن بعض أسباب الوجود ~~ولم يطلع على جميعها لا جرم حكم بوجود الشىء ظنا لأنه يجوز أن ~~ما اطلع عليه ربما يعارضه مانع فلا يكون ما ذكره كل السبب بل ذلك ~~مع انتفاء المعارضات فان اطلع على أكثر الأسباب قوى ظنه وإن ~~اطلع على الكل حصل له العلم كما يعلم فى الشتاء أن الهواء سيحمى ~~بعد ستة أشهر لأن سبب الحمى كون الشمس فى وسط السماء بكونها ~~فى الأسد ويعلم ذلك بحكم العادة والدليل أن الشمس لا يتغير مسيرها ~~وأنها ستعود إلى الأسد بعد هذه المدة فهذا وجه العلم بالممكنات ~~(الدعوى السادسة): هو أن الأول سبحانه وتعالى لا يجوز ~~أن يعلم الجزئيات علما يدخل تحت الماضى والمستقبل والآن حتى ~~يعلم أن الشمس لم تنكسف اليوم وإنها ستنكسف غدا ثم إذا جاء ~~الغد فيعلم ms093 أنها الآن مكسوفة وإذا جاء بعد غد فيعلم أنها كانت بالأمس ~~مكسوفة فان هذا يوجب تغيرا فى ذاته لاختلاف هذه العلوم عليه ~~وقد سبق أن التغير محال عليه ووجه لزوم التغير إن المعلوم يتبعه ~~العلم فمهما تغير المعلوم تغير العلم ومهما تغير العلم تغير العالم إذ ~~العلم ليس من الصفات التى إذا اختلفت لم يتغير العالم ككونه يمينا ~~وشمالا بل العلم صفة فى الذات يوجب اختلافه اختلاف الذات ~~وليس نسبة العلم إلى المعلوم أيضا نسبة لا يوجب اختلاف المعلوم ~~اختلافا فيها حتى يفرض علم واحد هو علم بأن الكسوف سيكون ~~فاذا كان صار علما بأنه كائن فاذا انجلى صار علما بأنه قد كان والعلم ~~فى ذاته واحد والمعلوم يتغيرلأن العلم هو مثال المعلوم والمختلفات ~~أمثلتها مختلفة فاذا قدر أن الأول عالم بأن الكسوف سيكون فله ~~بهذا حالة فاذا كان الكسوف فان بقيت تلك الحالة صار جهلا لأن ~~الكسوف كائن وإن صار عالما بأنه كائن فان هذه الحالة تخالف ما قبلها ~~فهو تغير بل إنما يعلم الأول الجزئيات بنوع كلى يكون متصفا به ~~أزلا وأبدا ولا يتغير مثل أن يعلم أن الشمس إذا جاوزت عقدة ~~الذنب فانه يعود اليها بعد مدة كذا ويكون القمر قد انتهى اليها وصار ~~فى محاذاتها حائلا بينها وبين الأرض محاذاة غير تامة مثلا ولتكن ~~بثلثها فيوجب أن يرى ثلث الشمس مكسوفا فى إقليم كذا فهذا يعلمه ~~كذلك أزلا وأبدا ويكون صادقا سواء كان الكسوف موجودا أو ~~معدوما فاما أن يقول إن الشمس ليست مكسوفة الآن ثم يقول ~~غدا إنها مكسوفة الآن فيكون قد خالف الثانى الأول فهذا لا يليق ~~بمن لا يجوز التغير عليه فاذا ما من جزئى ولو فى مثقال ذرة إلا وله ~~سبب فيعرف سببه بنوع كلى فليس فيه إشارة إلى وقت وزمان ~~ويبقى عارفا به أبدا وأزلا فلا يعزب عن علمه مثقال ذرة ومع ذلك ~~فان جميع أحواله متشابهة ولا يتغير مهما فرض الأمر كذلك. # (الدعوة السابعة): إن الأول مريد وله إرادة وعناية ms094 وإن ~~ذلك لا يزيد على ذاته وبيانه أن الأول فاعل فانه ظهر أن كل الأشياء ~~حاصلة منه فهى فعله والفاعل إما أن يكون فاعلا بالطبع المحض ~~أو بالارادة والطبع المحض هو الفعل المنفك عن العلم بالمفعول ~~وبالفعل وكل فعل لا يخلو عن العلم فلا يخلو عن الارادة والكل ~~فائض من ذات الله تعالى مع علمه بأنه فائض منه وفيضانه منه غير ~~مناف لذاته حتى يكون كارها فلا كراهة فيه له فهو إذا راض بفيضانه ~~منه وهذه الحالة يجوز أن يعبر عنها بالارادة ومبدأ فيضان الكل منه ~~علمه بوجه النظام فى الكل فيكون علمه سبب وجود المعلوم فاذا ~~إرادته علمه وكل فعل إرادى فلا يخلو إما أن يكون عن اعتقاد ~~جزم أو علم أو ظن أو تخيل* أما العلم فكفعل المهندس بموجب ~~العلم الحقيقى وأما الظن فكفعل المريض فى الاحتراز عما يتوهمه ~~مضرا* وأما التخيل فكطلب النفس الشىء الذى يشبه المحبوب ~~مع علمه بأنه غيره وكامتناعه عن الشىء الذى له شبه بما يكرهه وفعل ~~الأول لا يجوز ان يكون بظن أو تخيل لأن هذه عوارض لا تثبت ~~ولا تدوم فينبغى أن يكون بعلم عقلى حقيقى والآن يبقى أنه كيف ~~يكون العلم سببا لوجود شىء وأنه بم عرف أن الأشياء حصلت ~~منه بعلمه أما الأول فلا يعلم إلا بمثال مشاهدة النفس فنحن إذا ~~وقع لنا تصور لشىء محبوب انبعث من التصور قوة الشهوة فان ~~استحكمت وتم الشوق وانضاف اليه تصورنا أنه ينبغى أن يكون ~~انبعثت القوة المنبثة فى العضلات وحركت الأوتار وحصل منه ~~حركة الأعضاء الآلية وحصل الفعل المطلوب كما نتخيل صورة ~~الخط الذى نريد كتبته ونتوهم انه ينبغى أن يكون فتنبعث قوة الشوق ~~اليه فيتحرك به اليد والقلم وتحصل صورة الخط كما تصورناه ومعنى ~~قولنا أنه ينبغى أن يكون أن نعلم أو نظن أنه نافع لنا أو لذيذ لنا أو ~~خير فى حقنا فاذا حركة اليد حصلت من القوة الشوقية وحركة ~~القوة الشوقية حصلت من التصور والعلم بأن الشىء ينبغى أن ms095 يكون ~~فقد وجدنا العلم فينا سببا لحصول شىء وأظهر من هذا أن الذى يمشى ~~على جذع ممدود بين حائطين مرتفعين غاية الارتفاع يتوهم فى نفسه ~~السقوط فيسقط أى يحصل السقوط بتوهمه ولو كان ممدودا على ~~الأرض فيمشى عليه ولا يسقط لأنه لا يتوهم السقوط ولا يستشعره ~~فيكون تصور السقوط وحضور صورته فى الخيال سببا لحصول ~~المتصور فقد صادفنا المثال من مشاهدة النفس فنعود إلى الأول ~~فنقول فعل الأول إما أن يصدر عنه كما تصدر الحركة من القوة ~~الشوقية وهو محال لأن الشوق والشهوة محال عليه فانه طلب لأمر ~~مفقود الأولى حصوله وليس فى واجب الوجود شىء بالقوة يطلب ~~حصوله بحال كما سبقت أدلته فلا يبقى إلا أن يقال أن تصوره ~~لنظام الكل سبب لفيضان النظام عنه وأما نحن فان تصورنا لصورة ~~الخط والنقش لا يكون كافيا لوجود صورة الخط من حيث أن ~~الأمور فى حقنا منقسمة إلى ما يوافقنا وإلى ما يخالفنا فافتقرنا إلى قوة ~~شوقية تخلق لنا فى بعض الآلات نعرف الموافقة والمخالفة بالاضافة ~~اليها فاذا انبعثت افتقرنا إلى آلات وأعضاء نحركها فى التحصيل ~~لمقصودنا وأما الأول فنفس تصوره كاف لحصول المتصور ويفارقنا ~~من وجه آخر وهو أنا لا بد أن نعلم أو نظن أو نتخيل أن ذلك الفعل ~~خير لنا وذلك فى حق الأول محال لأن ذلك يوجب الغرض وقد ~~بينا أن الغرض لا يحرك إلا ناقصا فيكون إرادتنا باعتبار تخيلنا أنه ~~خير لنا ويكون إرادته للنظام الكلى باعتبار علمه بأنه خير فى نفسه ~~وأن الوجود خير من العدم في ذاته وأن الوجود يمكن على أقسام ~~وأن الأتم والأكمل من جملة تلك الأقسام واحد وما عداه ~~ناقص بالاضافة اليه والأكمل خير من الأنقص وذات الأول ذات ~~يفيض منه لا محالة كل وجود على الوجه الأتم والأكمل على ترقيه ~~الممكن فيه إلى غاية النظام ويكون معنى عنايته بالخلق أنه علم مثلا ~~أن الانسان يفتقر إلى آلة باطشة لو لم تكن له لكان ناقصا ولكان ~~شرا في حقه وأن الآلة ms096 الباطشة ينبغى أن تكون مثل اليد والكف ~~وانه لا بد وأن تكون رؤوسها منقسمة بالأصابع إذ لو لم يكن لامتنع ~~البطش وأن الأصابع يمكن أن يكون لها أوضاع كثيرة وأن تكون ~~الخمسة فى صف واحد كما أن الأربعة فى صف واحد ويمكن أن ~~تكون الأربعة فى صف والابهام فى مقابلتها من حيث يدور على ~~جميعها ويمكن أن يكون فى صفين وعلى وجوه مختلفة وإن ما يراد ~~من اليد في اختلاف حركاتها ليكون باطشا مرة وضاربا أخرى ~~ودافعا تارة لا يكمل إلا بهذه الصورة المشاهدة فيكون علمه به ~~سببا لوجوده نعم نسبة علمه إلى سائر الأوضاع واحد ولكن يعين ~~هذا الوضع ويميزه عن سائر الأوضاع لأن الخير والكمال فيه وذاته ~~ذات يترجح فيه فيضان الخير منه على فيضان الشر ولست أريد الخير ~~والشر فى حقه بل فى نفسه وبالاضافة إلى الخلق فاذا جميع الموجودات ~~من عدد الكواكب ومقدارها وهيئة الأرض والحيوانات وكل ~~موجود فانما وجد على الوجه الذى وجد لأنه أكمل وجوه الوجود ~~وما عداه من الامكانات ناقص بالاضافة اليه بل لو خلق الأعضاء ~~الآلية للحيوانات ولم يهدها إلى وجه استعمالها كان أيضا معطلا فقد ~~خلق المنقار للفرخ الذى ينفلق منه البيض فلو لم يهده إلى استعماله ~~واشتغل فى الحال بالالتقاط لكان معطلا فتمت العناية بتمام الخير ~~وتم الخير بالهداية بعد الخلق كما أخبر عنه الله تعالى إذ قال (الذى ~~أعطى كل شىء خلقه ثم هدى) وقال عز وعلا (هو الذى خلقنى ~~فهو يهدين) وقال سبحانه (والذى قدر فهدى) فهذا معنى الارادة ~~والعناية وهو راجع إلى العلم لا يزيد عليه والعلم لا يزيد على الذات ~~كما سبق فاما أن يكون فعله لغرض أو من غير علم فلا فان قيل ~~وأى بعد فى أن يكون له قصد كما لنا قصد مع العلوم فيكون قصده ~~إفاضة الخير على الغير لا لأجل نفسه كما أنا قد نقصد إنقاذ غريق ~~لا لغرض بل نريد إفاضة الخير قيل القصد من ضرورته أن يكون ~~المقصود أولى بالقاصد ms097 من نقيضه وذلك يشعر بالغرض والغرض ~~يدل على النقص وأما نحن فلا يتصور منا قصد إلا لغرض وهو ~~طلب ثواب أو محمدة أو أن نكتسب خلق الفضيلة فى أنفسنا بفعل ~~الخير فلو كان الفعل وعدمه بمثابة واحدة فى حقنا استحال أن يكون ~~لنا قصد وانبعاث اليه إذ لا معنى للقصد إلا الميل إلى مايقدر موافقا ~~فان لم يعن بالقصد هذا فهو لفظ محض لا مفهوم له. # (الدعوى الثامنة): كونه قادرا وبرهانه إن القادر عبارة عمن ~~إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل وهو بهذه الصفة فانا قد بينا أن ~~مشيئته علمه وإن ما علم أن الخير فيه فقد كان وما علم أن الأولى به ~~أن لا يكون لم يكن* فان قيل كيف يصح هذا ولا يقدر على إفناء ~~السموات والأرض عند هؤلاء فيقال لو أراد لأفناهما إلا أنه ~~ليس يريد وقد سبقت مشيئته الأزلية بالوجود على الدوام ولأن ~~الخير فى الوجود الدائم لا فى الفناء والهلاك والقادر قادر باعتبار ~~أنه يفعل إن شاء لا باعتبار أنه لا بد وأن يشاء إذ يقال فلان قادر ~~على أن يقتل نفسه وإن علم أنه لا يقتل وهو صادق والله تعالى قادر ~~على إقامة القيامة الآن وإن كنا نعلم أنه ليس يفعله وعلى الجملة ~~خلاف المعلوم مقدور فاذا هو قادر على كل ممكن بمعنى أنه لو أراد ~~لفعل وقولنا لو أراد لفعل شرطى متصل وليس من شرط صدق ~~الشرطى أن تصدق الجملتان من جزئيه بل يجوز أن يكونا كاذبين أو ~~أحدهما ويكون هو صادقا فقول القائل الانسان لو طار لتحرك فى ~~الهواء فهو صادق وكلا جزئيه كاذبان ولو قال لو طار الانسان لكان ~~حيوانا فهوصادق ومقدمه كاذب وتاليه صادق* فان قيل قولكم لو ~~أراد لفعل يشعر بأنه يتصور أن يستأنف إرادة شىء وهذا يدل على ~~التغير قيل العبارة الصحيحة أن يقال هو قادر بمعنى أن كل ما هو ~~مريد له فهو كائن وما ليس مريدا له فغير كائن والذى هو مريد له لو ms098 ~~جاز أن لا يكون مريدا له لما كان والذى ليس هو مريدا له لو جاز ~~أن يريده لكان فهذا معنى قدرته وإرادته وقد رجعا جميعا إلى علمه ~~ورجع علمه إلى ذاته فلم يوجب شىء منه كثرة فيه. # (الدعوى التاسعة): إن الأول حكم لأن الحكمة تطلق على ~~شيئين. # (أحدهما): العلم وهو تصور الأشياء بتحقق الماهية والحد ~~والتصديق فيها باليقين المحض المحقق. # (والثانى): الفعل بأن يكون مرتبا محكا جامعا لكل ما يحتاج ~~اليه من كمال وزينة والأول عالم بالأشياء على ما هى عليه علما هو ~~أشرف أنواع العلوم فان علمنا ينقسم إلى ما لا يحصل به وجود ~~المعلوم كعلمنا بصورة السماء والكواكب والحيوان والنبات وإلى ~~ما يحصل به وجود المعلوم كعلم النقاش بصورة النقش الذى يخترعه ~~من تلقاء نفسه من غير مثال سابق يحتذيه فيوجد النقش منه فيكون ~~علمه سبب وجود المعلوم فاذا نظر اليه غيره وعرفه كان المعلوم فى ~~حقه سبب وجود العلم والعلم الذى يفيد الوجود أشرف من ~~العلم المستفاد من الوجود وعلم الأول بنظام الوجود هو مبدأ نظام ~~الكل كما سبق فهو أشرف العلوم وأما نظام أفعاله ففى غاية الاحكام ~~إذ أعطى كل شىء خلقه ثم هدى وأنعم عليه بما هو ضرورى له ~~وبكل ما هو محتاج اليه وإن لم يكن فى غاية الضرورة وبكل ما هو ~~زينة وتكملة وإن لم يكن فى محل الحاجة كتقويس الحاجبين وتقعير ~~أخمص القدمين وإنبات اللحية الساترة لتشنج البشرة فى الكبر الى ~~غير ذلك من لطائف تخرج عن الحصر فى الحيوان والنبات وجميع ~~أجزاء العالم. # (الدعوة العاشرة): إنه جواد لأن إفادة الخير والانعام به ~~منقسم إلى ما يكون لفائدة وغرض يرجع إلى المفيد وإلى ما ليس ~~كذلك والفائدة تنقسم إلى ما هو مثل المبذول كمقابلة المال بالمال ~~وإلى ما ليس مثلا كمن يبذل المال رجاء الثواب أو المحمدة أو ~~اكتساب صفة الفضيلة وطلب الكمال به وهذه أيضا معاوضة ~~ومعاملة وليس بجود كما أن الأول معاملة وإن كان العوام يسمون ~~هذا جودا بل الجود ms099 هو إفادة ما ينبغى من غير عوض فان واهب ~~السيف ممن لا يحتاج اليه ليس بمنعم والأول قد أفاض الوجود على ~~الموجودات كلها كما ينبعى وعلى ما ينبغى من غير ادخار ممكن من ~~ضرورة أو حاجة أو زينة وكل ذلك بلا عوض ولا فائدة بل ذاته ~~ذات يفيض منه على الخلق كلهم كل ما هو لائق بهم وهو الجواد ~~الحق واسم الجواد على غيره مجاز. # (الدعوى الحادية عشر): أن الأول مبتهج بذاته وإن عنده ~~من المعنى الذى يعبر عن نظيره فى حقنا باللذة والطرب والفرح ~~والسرور بجمال ذاته وكماله ما لا يدخل تحت وصف واصف وإن ~~الملائكة المقربين الذين سيقام البرهان على وجودهم من الابتهاج ~~واللذة بمطالعة جمال الحضرة الربوبية ما يزيد على ابتهاجهم بجمال ~~أنفسهم ويعرف هذا بتقدمة أصول. # (الأصل الأول): أن نعرف معنى اللذة والألم فان كان يرجع ~~إلى أمر زائد على إدراك مخصوص لم يتصور فى حقه وإن رجع إلى ~~إدراك موصوف بصفة وثبت أن إدراكه على تلك الصفة تثبت ~~الدعوى لا محالة واللذة والألم بالضرورة يرتبطان بالادراك فحيث ~~لا إدراك فلا لذة ولا ألم والادراك فى حقنا نوعان حسى وهو ~~الظاهر المتعلق بلذة الحواس الخس وباطنى وهو العقلى والوهمى ~~وكل واحد من هذه الادراكات ينقسم باعتبار نسبة متعلقها إلى ~~القوة المدركة بثلاثة أقسام. # (أحدها): إدراك ماهو ملائم للقوة المدركة وموافق لطبعها. # (والثانى): إدراك المنافى. # (والثالث): إدراك ما ليس بمناف ولا بملائم فاللذة عبارة عن ~~إدراك الملائم فقط والألم عبارة عن إدراك المنافى* وأما إدراك ~~ما ليس بملائم ولا بمناف فليس يسمى لا ألما ولا لذة ولا ينبغى أن ~~تظن أن الألم عبارة عن صفة تتبع إدراك المنافى بل هو عينه فلا ~~يتصور ملاقاة المنافى للقوة المدركة مع الادراك إلا ويصدق اسم ~~الألم ويتحقق معناه وإن قدر عدم كل ما سواه وكذا اللذة فالادراك ~~اسم عام وينقسم إلى لذة وإلى ألم وإلى ما ليس بألم ولا لذة فهما غير ~~زائدين عليه. # (الأصل الثانى): أن يعرف أن ملائم ms100 كل قوة فعلها الذى هو ~~مقتضى طبعها من غير آفة فان كل قوة خلقت ليصدر منها فعل من ~~الأفعال وذلك الفعل مقتضى طبعها فمقتضى طبع القوة الغضبية ~~الغلبة وطلب الانتقام ولذتها هى إدراك الغلبة ومقتضى طبع الشهوة ~~الذوق ومقتضى الخيال والوهم الرجا وبه يلتذ وهكذا لكل قوة من ~~القوى. # (الأصل الثالث): أن العاقل الكامل تقوى فيه القوى الباطنة ~~على القوى الظاهرة ويستحقر لذات القوى الحسية عند لذات القوى ~~العقلية والوهمية والناقص تقوى فيه القوى الحسية على القوى ~~العقلية والوهمية ولذلك إذا خير المرء بين الحلو الدسم وبين الاستيلاء ~~على الأعداء ونيل أسباب الرياسة والعلا فان كان الخير ساقط الهمة ~~ميت القلب خامد القوى الباطنة اختار الهريسة والحلاوة عليه وإن ~~كان المخير على الهمة رزين العقل استحقر لذة المطعوم بالاضافة إلى ~~ما ينال من لذة الرياسة والغلبة على الأعداء ونعنى بالساقط الهمة ~~الناقص فى نفسه الذى ماتت قواه الباطنة أو لم يتم بعد حياتها كالصبى ~~فان قواه الباطنة بعد لم تخرج من القوة الى الفعل. # (الأصل الرابع): إن كل قوة فانما لها لذة إدراك ما هى قوة عليه ~~إذا كان موافقا لها ولكن تتفاوت اللذات بحسب تفاوت ~~الادراكات والقوى المدركة والمعانى المدركة فهذه ثلاثة مثارات ~~لتفاوت اللذات المثارة. # (الأول): تفاوت القوى المدركة فكلما كانت القوى أقوى فى ~~نفسها وأشرف في جنسها كانت لذتها أتم فان لذة الطعام بحسب قوة ~~شهوة الطعام ولذة الجماع كذلك ولذة العقليات أشرف في جنسها من ~~لذة الحسيات فلذلك غلبتها حتى اختار العاقل اللذات العقلية على ~~المأكولات والمحسوسات. # (والثانى): تفاوت الادراكات فكلما كان الادراك أشد كانت ~~اللذة أتم ولذلك لذة النظر للوجه الجميل على قرب وفى موضع مضى ~~أتم من لذته في إدراكه من بعد لأن إدراكه من القرب أشد. # (والثالث): تفاوت المدرك فانه أيضا يتفاوت فى باب الملائمة ~~والمخالفة فكل ما كان أتم في جهته كانت اللذة أو الألم أتم كما تتفاوت ~~اللذة بتفاوت الوجوه فى الحسن والقبح فاللذة من الأحسن أكثر ~~لا محالة والألم من ms101 الأقبح أكثر. # (الأصل الخامس): وهو نتيجة الأصول السابقة أن اللذة ~~العقلية التى لنا لا بد وأن تكون أقوى من اللذات الحسية فانا إن ~~نظرنا إلى القوة وجدنا القوة العقلية أقوى وأشرف من الحسية ~~إذ سنبين فى كتاب النفس أن القوى الحسية لا تكون إلا فى آلات ~~جسمانية وأنها تفسد بادراك مدركاتها إذا قويت إذ لذة العين فى ~~الضوء وألمه فى الظلمة والضوء القوى يفسدها وكذا الصوت القوى ~~يفسد السمع ويمنعه من إدراك الخفى بعده والمدركات العقلية الجلية ~~تقوى العقل وتزيده نورا وكيف لا والقوة العقلية قائمة بنفسها ~~لا تقبل التغير والاستحالة والحسية فى جسم مستحيل وأقرب ~~الموجودات الأرضية إلى الأول وأشدها مناسبة هى القوة العقلية ~~م ~~كما سيأتى* وأما إدراك العقل فيفارق إدراك الحس من وجوه إذ ~~يدرك العقل الشىء على ما هو عليه من غير أن يقرن به ما هو غريب ~~عنه والحس لا يدرك اللون ما لم يدرك معه العرض والطول ~~والقرب والبعد وأمورا أخر غريبة عن ذات اللون والعقل يدرك ~~الأشياء مجردة كما هى ويجردها عن قرائنها الغريبة وأيضا فادراك ~~الحس يتفاوت فيرى الصغير كبيرا والكبير صغيرا وإدراك العقل ~~يطابق المدرك ولا يتفاوت بل إما أن يدركه كما هو عليه أو لا يدركه ~~وأما المدرك فمدركات الحس الأجسام والأعراض الخسيسة المتغيرة ~~ومدركات العقل الماهية الكلية الأزلية التى يستحيل تغيرها ومن ~~مدركاتها ذات الأول الحق الذى يصدر منه كل جمال وبهاء فى العالم ~~فاذا لا قياس للذة الحسية إلى العقلية. # (الأصل السادس): إنه لا يبعد أن يحضر المدرك الموجب للذة ~~ولا يشعر الانسان بلذته لكونه غافلا أو مشغولا بآفة غيرت ~~مزاجه عن طبعه كالمتفكر الغافل عن الألحان الطيبة أو لكونه ممنوا ~~بآفة غيرت مزاجه عن طبعه كالذى يستلذ أكل الطين أو شيئا ~~حامضا لطول إلفه فان طول الممارسة ربما يحدث ملائمة بين طبعه ~~وبينه فيستلذ ما هو مكروه بالاضافة إلى الطبع الأصلى وكالذى به ~~مرض (يوليموس) فان جميع أجزائه محتاج إلى الغذاء وفى معدته ~~آفة تمنعه من الاحساس ms102 بشهوة الطعام وتوجب كراهية له وذلك ~~لا يدل على أن الطعام ليس لذيذا فى نفسه بالاضافة إلى الطبع ~~الأصلى وقد يكون عدم إدرك اللذة لضعف القوة المدركة فالبصر ~~الضعيف قد يتأذى بازاء ضوء وإن كان ذلك موافقا ولذيذا بالاضافة ~~إلى الطبع السليم فاذن بهذا يندفع سؤال من يقول لو كانت العقليات ~~ألذ لكانت لذتنا بالعلوم وألمنا بفقدها يزيد على لذاتنا بالحسيات ~~وألمنا بفقدها فيقال سبب ذلك خروج النفس عن مقتضى الطبع ~~بالعادات الرديئة والآفات العارضة ووقوع الالف مع المحسوسات ~~واشتغال النفس بمقتضى الشهوات فان ذلك نازل في القلب والنفس ~~بمنرلة المرض والخدر في العضو وقد يصيب العضو الخدر نار ~~تحرقه وهو لا يحس بها فاذا زال الخدر أحس والنائم قد يعانقه ~~معشوقه وكذا المريض المغشى عليه فاذا أفاق أحس وعوارض ~~البدن أوجبت مثل هذا الخدر فاذا فارق النفس البدن بالموت ~~أدرك ما هو حاصل لنفس من ألم الجهل إن كان جاهلا ردىء الخلق ~~ولذة العلم إن كان عالما ذكى الطبع* فنرجع إلى المقصود ونقول ~~إن الأول مدرك لذاته على ما هو عليه من الجمال والبهاء الذى هو ~~مبدأ كل جمال وبهاء ومنبع كل خير ونظام فان نظرنا إلى المدرك ~~فهو أجل الأشياء وأعلاها وإن نظرنا إلى الادراك فهو أشرفها ~~وأتمها وإن نظرنا إلى المدرك فهو كذلك فهو إذا أقوى مدرك ~~الأجل مدرك بأتم إدراك لما هو عليه من العظمة والجلال فلينظر ~~الانسان إلى سروره بنفسه إذا استشعر كماله في الاستعلاء بالعلم ~~على الكل والاستيلاء بالغلبة والملك على جميع الأرض إذا انضاف ~~اليه صحة البدن وجمال الصورة وانقياد كافة الخلق فان ذلك لو ~~تصور اجتماعه لشخص لكان في غاية للذة مع إن كل ذلك مستعار ~~من الغير ومعرض للزوال ولا يرجع إلا الى معرفة بعض المعلومات ~~والاستيلاء على جزء من الكائنات وهو الأرض التى لا نسبة ~~لوجودها الى أجسام العالم فضلا عن الجواهر العقلية والنفسية* ~~فقياس لذة الأول الى لذاتنا كقياس كماله الى كمالنا اذا فرضت لنا ~~مثل هذه الحالة* وقد ms103 قال (ارسطاطاليس) لو لم يكن له من اللذة ~~بادراك جمال ذاته إلا ما لنا من اللذة بادراكه مهما التفتنا الى جماله ~~وقطعنا نظرنا عما دونه واستشعرنا عظمته وجماله وجلاله وحصول ~~الكل على أحسن النظام منه وانقيادها له على سبيل التسخير ودوام ~~ذلك أزلا وأبدا من غير إمكان تغير لكانت تلك اللذة لا يقاس ~~بها لذة كيف وإدراكه لذاته لا يناسب إدراكنا له فانا لا ندرك من ~~ذاته وصفاته إلا أمورا مجملة يسيرة وأما الملائكة فانها تعرف ~~أيضا أنفسها بالأول وهم على الدوام فى مطالعة ذلك الجمال على ~~ما سيأتى بيانه فلذتهم أيضا دائمة ولكنها دون لذة الأول بل لذتهم ~~بادراك الأول فوق لذتهم بادراك أنفسهم بل كانت لذتهم بأنفسهم ~~من حيث رأوا أنفسهم عبيدا له مسخرين ومثاله الذى يعشق ملكا ~~من الملوك فأقبل عليه وقبله لخدمته كان تبجحه وابتهاجه وتفاخره ~~بمشاهدة جمال الملك وكونه عبدا مقبولا عنده أكثر من تبجحه ~~بجسمه وقوته وأبيه ونسبه وكما أن سرورنا أكمل من سرور البهائم ~~لما بيننا وبينها من التفاوت فى الكمال بالقدرة والعقل واعتدال الخلقة ~~فسرور الملائكة أيضا أكثر من سرورنا وإن لم يكن لهم شهوة ~~البطن والفرج وذلك لقربهم من رب العالمين وأمنهم من زوال ~~ما هم فيه أبد الدهر والانسان له سبيل الى أن يكتسب سعادة أبدية ~~بأن يخرج القوة العقلية من القوة الى الفعل بأن ينتقش فيها ~~الوجود كله على ترتيبه فيدرك الأول والملائكة وما بعدها من ~~الموجودات وربما يحس بأدنى لذة من الاطلاع عليها فى هذه الحياة ~~مع اشتغاله بالبدن فاذا فارق البدن بالموت وارتفع المانع تكاملت ~~اللذة وانكشف الغطاء ودامت السعادة أبد الآبدين ويلتحق بالملأ ~~الأعلى ويكون رفيق الملائكة فى القرب من الأول الحق قربا ~~بالصفة لا بالمكان فهذا معنى السعادة فقط. # (خاتمة القول في الصفات) ~~قد ظهر لك من هذه الجملة أنك لا تعرف الغائب إلا بالشاهد ~~ومعناه أن كل ما سألت عن كيفيته فلا سبيل إلى تفهيمك إلا أن ~~يضرب لك مثال من مشاهداتك الظاهرة بالحس ms104 أو الباطنة فى نفسك ~~بالعقل فاذا قلت كيف يكون الأول عالما بنفسه فجوابك الشافى أن ~~يقال كما تعلم أنت نفسك فتفهم الجواب وإذا قلت كيف يعلم ~~الأول غيره فيقال كما تعلم أنت غيرك فتفهم فاذا قلت فكيف يعلم ~~بعلم واحد بسيط سائر المعلومات فيقال كما تعرف جواب مسألة ~~دفعة واحدة من غير تفصيل ثم تشتغل بالتفصيل فاذا قلت فكيف ~~يكون علمه بالشىء مبدأ وجود ذلك الشىء فيقال كما يكون توهمك ~~السقوط على الجذع عند المشى عليه مبدأ السقوط فاذا قلت فكيف ~~يعلم الممكنات كلها فيقال يعلمها بالعلم بأسبابها كما تعلم حرارة ~~الهواء فى الصيف القابل لمعرفتك تحقيقا بأسباب الحرارة فاذا قلت ~~كيف يكون ابتهاجه بكماله وبهائه فيقال كما يكون ابتهاجك به إذا ~~كان لك كمال تتميز به عن الخلق واستشعرت ذلك الكمال والمقصود ~~أنك لا تقدر على أن تفهم شيئا من الله إلا بالمقايسة إلى شىء فى ~~نفسك نعم تدرك من نفسك أشياء تتفاوت فى الكمال والنقصان ~~فتعلم مع هذا أن ما فهمته فى حق الأول أشرف وأعلى مما فهمته فى ~~حق نفسك فيكون ذلك إيمانا بالغيب محملا وإلا فتلك الزيادة التى ~~توهمتها لا تعرف حقيقتها لأن مثل تلك الزيادة لا يوجد فى حقك ~~فاذا إن كان فى الأول أمر ليس له نظير فيك فلا سبيل لك إلى فهمه ~~البتة وذلك هو ذاته فانه وجود بلا ماهية زائدة على الوجود وهو ~~منبع كل وجود فاذا قلت كيف يكون وجود بلا ماهية فلا يمكننا أن ~~نضرب لك مثلا من نفسك ولا يمكنك إذا فهم حقيقة الوجود بلا ~~ماهية وحقيقة ذات الأول وخاصيته هو أنه وجود بلا ماهية زائدة ~~على الوجود وإن إنيته وماهيته واحد وهذا لا نظير له فيما سواه ~~فان ما سواه جوهر أو عرض وهو ليس بجوهر ولا عرض وهذا ~~أيضا لا تحققه الملائكة فانهم أيضا جواهر وجودها غير ماهيتها ~~وإنما الوجود بلا ماهية ليس إلا الله تعالى فاذا لا يعرف الله إلا الله * ~~فان قلت فعلمنا أنه وجود ms105 بلا ماهية زائدة وإن حقيقته الوجود ~~المحض هو علم بماذا إن لم يكن علما به* قلنا هو علم بأنه موجود ~~وهذا أمر عام وقولك أنه ليس غير الماهية بيان أنه ليس مثلك فهو ~~علم بنفى المماثلة لا بالحقيقة المنزهة عن المماثلة كعلمك بأن زيدا ليس ~~بصائغ ولا نجار فانه ليس علما بصنعته بل هو علم بنفى شىء عنه ~~وعلمك بارادته وقدرته وحكمته يرجع كله إلى علمه بنفسه وبغيره ~~وعلمك بأنه عالم بنفسه كانه علم بلازم يحمل من لوازم ذاته ~~لا بحقيقة ذاته فان حقيقة ذاته هو الوجود المحض بلا ماهية زائدة * ~~فان قلت فكيف السبيل إلى معرفة الله تعالى فيقال أن تعرف ~~بالبرهان أن معرفته محال وأنه لا يعرفه غيره وأن الذى يتصور أن ~~يعلم منه افعاله وصفاته ووجوده المرسل ونفى المثل عنه وأن تفهم ~~وجود بلا ماهية لمن ليس فى نفسه وجودا بلا ماهية حتى يقيسه ~~به محال ووجود بلا ماهية زائدة ليس الا له فلا يعرفه سواه ولهذا ~~قال سيد الانس والجن (أنت كما أثنيت على نفسك لا أحصى ثناء ~~عليك) ولذلك قال الصديق الأكبر (العجز عن درك الادراك ~~إدراك) نعم الناس كلهم عاجزون عن إدراكه ولكن الذى يعلم ~~بالبرهان المحقق استحالة إدراكه فهوعارف مدرك أى مدرك لغاية ~~ما يتصور للبشر أن يدركه ومن عجز ولم يدر أن العجز ضرورى ~~بالبرهان الذى ذكرنا فهو جاهل به وهو كافة الخلق إلا الأولياء ~~والأنبياء والعلماء الراسخون فى العلم. # (المقالة الرابعة): إذ فرغنا من ذكر صفات الأول فلا بد من ~~ذكر أفعاله أعنى أقسام جميع الموجودات فان كل ما سواه هو فعله ~~حتى إذا عرفنا أقسام الموجودات ذكرنا فى المقالة الخامسة كيفية ~~صدورها منه وكيفية ترتب سلسلة الأسباب والمسببات منه مع ~~كثرتها ثم رجوعها بالآخرة إلى سبب واحد هو سبب الأسباب ~~والكلام فى هذه المقالة نحصره فى مقدمة وثلاثة أركان. # (الأول): القول فى الأجسام التى هى فى مقعر فلك القمر ~~وكيفية دلالتها على وجود السموات وحركاتها. # (والثانى): فى السموات وسبب حركاتها. ms106 # (والثالث): القول فى النفوس والعقول التى يعبر عنها بالملائكة ~~الروحانية السماوية والكروبيين. # أما المقدمة ففيها تقسيمات ثلاث. # (الأول): إن الجواهر الموجودة باعتبار التأثر والتأثير تنقسم ~~فى العقل بحسب الامكان الى ثلاثة أقسام مؤثر لا يتأثر ويعبر عنه ~~اصطلاحا بالعقول المجردة وهى جواهر ليست منقسمة ولا مركبة ~~ومتأثر لا يؤثر وهى الأجسام المتحيزة المنقسمة ومؤثر متأثر يتأثر ~~من العقول ويؤثر فى الأجسام وتسمى النفوس وهى أيضا لا تتحيز ~~وليست بجسم وأشرف الأقسام العقول التى لا تتغير ولا تحتاج ~~الى استعارة أثر وكمال من غيرها فكمالها حاضر معها وليس فيها ~~شىء بالقوة وأخسها الأجسام المستحيلة المتغيرة وأوسطها ~~النفوس التى هى واسطة بين العقول والأجسام والنفوس تتلقى من ~~العقول أثرا وتفيض على الأجسام أثرا وهذه أقسام يقضى العقل ~~بامكانها أما وجودها فيحتاج الى برهان* نعم الأجسام معلومة ~~الوجود بالحس وأما النفوس فيدل عليها حركات الأجسام وأما ~~العقول فيدل عليها النفوس كما سياتي. # (تقسيم ثانى): الموجودات باعتبار النقصان والكمال تنقسم ~~الى ما هو بحيث لا يحتاج الى أن يمده غيره ليكتسب منه وصفا بل كل ~~ممكن له فهو موجود له حاضر ويسمى تاما والى ما لا يحضر معه كل ~~ممكن له بل لا بد من أن يحصل له ما ليس حاصلا وهذا يسمى ناقصا ~~قبل حصول التمام له ثم الناقص ينقسم الى ما لا يحتاج الى أم خارج ~~من ذاته حتى يحصل له ما ينبغى أن يحصل وهذا يسمى مكتفيا والى ~~ما يحتاج اليه ويسمى الناقص المطلق* وأما التام فان كان قد حصل له ~~ما ينبغى وكان بحيث يحصل لغيره منه أيضا يسمى فوق التمام لأنه فى ~~نفسه تام وكأنه فضل منه لغيره. # (تقسيم ثالث للأجسام خاصة): قد سبق أن الأجسام أخس ~~أقسام الموجودات وهومنقسم إلى بسيط وإلى مركب أعنى انقساما ~~فى العقل بالامكان وإن كان فى الوجود أيضا هوكذلك ونعنى ~~بالبسيط الذى له طبيعة واحدة كالهواء والماء وبالمركب الذى يجمع ~~طبيعتين كالطين المركب من الماء والتراب وقد يحصل بالتركيب فائدة ~~ليس فى البسائط ms107 كفائدة الحبر فانها لا توجد فى العفص والزاج ~~ولكن البسيط هو أصل المركب وهو متقدم عليه فى الوجود لا محالة ~~بالرتبة وبالزمان والبسيط بالقسمة العقلية أيضا ينقسم إلى ما يتأتى منه ~~التركيب وإلى ما لا يتأتى ونعنى بما يقبل التركيب هو الذى يحصل ~~من تركيبه فائدة ليست فى بسائطه والذى لا يتركب هو الذى وجد ~~كما له فى بساطته فلا يتصور زيادة عليه فى تركيبه فاذا تمهدت هذه ~~المقدمات فلنرجع إلى الركن الأول وهو القول فيما يدل عليه ~~الأجسام السفلية فنقول وجود الأجسام تحت مقعر فلك القمر ~~معلوم بالمشاهدة وهى قابلة للتركيب فان الطين مثلا مركب من الماء ~~والتراب فنقول هذا التركيب المشاهد يدل على وجود الحركة ~~المستقيمة وتدل الحركة من حيث مسافتها على ثبوت جهتين ~~محدودتين مختلفتين بالطبع ويدل اختلاف الجهتين على وجود جسم ~~محيط بها وهو السماء وتدل الحركة من حيث حدوثها على أن لها ~~سببها ولسببها سببا إلى غير النهاية فلا يمكن ذلك إلا بحركة السماء ~~حركة دورية وتدل الحركة أيضا فى الجسم على ميل فيه طبيعى وعلى ~~طبع محرك وعلى زمان فيه الحركة* فلنذكر وجه هذه الدلالات ~~واللوازم. # (فاللازم الأول): من التركيب الحركة المستقيمة ووجهه ~~(فاللازم الأول): من التركيب الحركة المستقيمة ووجهه ~~أن الماء له حيز والتراب له حيز وكل واحد طبيعى إذ لا بد لكل ~~جسم من مكان طبيعى كما سيأتى في الطبيعيات فلا يحصل التركيب ~~إلا بحركة أحدهما إلى حيز الآخر إذ لو لازم كل واحد حيزه لبقيا ~~متجاوزين غير مركبين فهذا ظاهر فاذا العقل يقضى قبل النظر فى ~~الوجود إلى أنه إن كان فى الوجود تركيب من بسيطين فلا يمكن إلا ~~بحركة مستقيمة وإن كانت حركة فلا يمكن إلا عن جهة وإلى جهة ~~فيحتاج إلى جهتين وهذا ظاهر فلا بد أن يكون محدودتين ومختلفتين ~~بالطبع أما اختلافهما بالطبع والنوع فانما يلزم من حيث إن الحركة ~~إما أن تكون طبيعية أو قسرية كما سيأتى فالطبيعة كحركة الحجر ~~إلى أسفل وهى توجب أن يكون الحيز ms108 الذى يتركه مخالفا للذى ~~يطلبه إذ لو تشابها لاستحال أن يهرب من أحدهما ويطلب الآخر ~~ولهذا لا يتحرك الحجر طبعا على وجه الأرض إذ بسيط الأرض ~~متشابه فى حقه فبالضرورة ينبغى أن تكون الجهة المهروب عنها ~~مخالفة للجهة المطلوبة المقصودة وإن كانت قسرية كحركة الحجر الى ~~فوق فمعنى القسرية أن يكون على خلاف الطبع فينبغى أن يكون ~~فيه ميل طبيعى الى جهة دون جهة حتى يتصور القسر وكل قسر فهو ~~مرتب على الطبع وقد بان أن الميل الطبيعى الى جهة دون جهة ~~يوجب بالضرورة اختلاف الجهتين* وأما كونهما محدودتين فمعناه ~~أن جهة السفل مثلا ينبغى أن يكون لها مردا اذا انتهى اليه انقطع ~~فيكون منقطعه حده ونهايته وكذا جهة العلو وذلك لأدلة ثلاثة. # (أحدها): أن الجهة إنما تكون فى بعد لا محالة يشار اليه باليد ~~إشارة حسية إذ الأمرالعقلى الذى لا إشارة اليه لا يتصور أن يكون ~~فيه حركة الجسم وقد ذ كرنا أن بعدا بلا نهاية محال فرض فى الخلاء ~~أو فى الملاء. # (الثانى): أن المفهوم من الجهة يقتضى أن يكون إلى حد معين ~~فاذا قلت ينبغى أن يشير إلى جهة الشجر أو الجبل أو الشرق أو ~~الغرب فينبغى أن يكون الشجر الذى الجهة جهته مشارا اليه وكل ~~ما لا ينتهى اليه سلوك فلا إشارة اليه وما لا إشارة اليه فلا جهة له* نعم ~~يكون الشجر مردا واحدا لجهة الشجر فان فرض البعد بينك وبين ~~الشجر غير متناه لم يتصور الاشارة اليه وكذلك إذا قلت جهة السفل ~~اقتضى أن يكون للسفل مردا واحدا معينا ينتهى اليه أسفل السافلين ~~وأن يكون للعلو كذلك وإلا فلو تمادت إلى غير نهاية لم يمكن ~~اليها إشارة البتة. # (الثالث): هو أنك تعقل أن تكون الأشياء الواقعة فى جهة السفل ~~بعضها أسفل من بعض فان لم يكن للسفل مرد معين وحد مشار ~~اليه حتى يكون الأقرب اليه أسفل والأبعد منه أعلى فلا معنى لكون ~~البعض أسفل بل ينبغى أن يكون تلك الجهة متشابهة فلا يكون ms109 فيها ~~أسفل وأعلى فما لم يكن سفل لا يكون أسفل فاذا لا بد من جهتين ~~مختلفتين محدودتين لكل حركة مستقيمة والجهة بعد ولا بعد إلا فى ~~جسم كما سيأتى فى استحالة الخلاء فلا بد من جسم محدود يحدد ~~الجهات حتى يتصور الحركة. # (الدعوى الثانية اللازمة من الأول): أن الجسم المحدد للجهات ~~لا بد وأن يكون محيطا بالجسم المستقيم الحركة إحاطة السماء بما فيها ~~فانه لا يتصور اختلاف الجهتين بالنوع والطبع إلا بحسم محيط ليكون ~~المركز غاية البعد والمحيط غاية القرب ويكون بين القرب والبعد ~~غاية الاختلاف بالنوع والطبع* وبرهانه أن اختلاف الجهة لا يخلو ~~إما أن يكون فى خلاء أو فى ملاء وباطل أن يكون فى الخلاء لاستحالة ~~الخلاء ولأن الخلاء إن فرض فهو متشابه فلا يكون بعضه مخالفا ~~للبعض حتى يتعين لجسم منه جهة دون جهة وإذا كان فى ملاء أعنى فى ~~جسم فلا يخلو إما أن يكون اختلاف الجهة داخل الجسم أو خارجه ~~فاذا كان داخل الجسم فليس فى داخل الجسم اختلاف إلا بالمركز ~~والمحيط فان الجسم إذا كان مجوفا كان المحيط غاية القرب منه ~~والمركز غاية البعد فان فرض من المحيط إلى المحيط اختلاف جهة ~~بحيث لا يمر على المركز وهو الخط الذى يقطع الدائرة بقسمين ~~متفاوتين حتى يقال إحدى النقطتين مخالفة للأخرى فهو محال إذ ~~ليس بينهما إلا اختلاف العدد وإلا فهما بالطبع متشابهان إذ لكل ~~واحد منهما قرب من المحيط المتشابه وإذا فرض قطر مار على المركز ~~استحال تقدير اختلاف الجهتين عند نقطتى القطر فان كل واحد ~~قريب من المحيط المتشابه فلا يكون فيه اختلاف إلا بالمركز والمحيط ~~إذ لو جاوز المركز وقع من البعد فى القرب فيكون المركز حد البعد ~~والمحيط حد القرب وإن فرض اختلاف الجهة خارج الجسم فهو ~~محال لأنه لا يخلو إما أن يفرض جسم واحد كالمركز ويفرض ~~الجهات حواليه أو جسمان فان كان واحدا تعين القرب منه ولم ~~يتحدد جهة البعد فان الأحياز حواليه متشابهة لا يخالف بعضها ~~بعضا إلا ms110 بالعدد والبعد منه ليس له حد محدود وقد بينا أن الجهة ~~لا بد لها من الحد وإنما لم يتعين البعد لأن المركز يتصور أن يقع عليه ~~دوائر متفاوتة فى البعد إلى غير نهاية فالمركز لا يعين المحيط والمحيط ~~يعين مركزا واحدا بالضرورة وإن فرض جسمان وقيل قرب ~~أحدهما مخالف للآخر فهو محال لأن السؤال في اختصاص كل ~~واحد من الجسمين بالموضع الذى اختص به قائم لأنه ما لم يوجد ~~الجهة أولا لا يوجد مثل هذا الجسم على أنه لا يختلق بالطبع ~~القرب من أحدهما مع القرب من الآخر إن تشابه الجسمان وإن ~~اختلفا فاختلافهما لا يوجب تعين الجهتين وتحددهما بهما بل السؤال ~~يبقى فى اختصاص كل جسم فى الحيز الذى اختص به إنه لم اختص ~~به ولم يتميز حيز عن آخر بالقرب من شىء آخر والبعد منه والخلاء ~~متشابه و لأنه إن فرض ذلك ثم قدر تبديل الحيزين على الجسمين ~~حتى نقل كل واحد إلى مكان صاحبه لم يقتض ذلك زوال اختلاف ~~الجسمين وقد تبدل الجهتان ولو قدر عدم أحدهما بقى ما توهم من ~~اختلاف الجهتين مهما قدر بقاء البعد مع أحد الجهتين وبطل الجسم ~~ولو قدر تركيب الجسمين لبطل اختلاف الجسمين وبقى اختلاف ~~الجهتين فظهر أن اختلاف الجسمين لا يكون علة اختلاف الجهتين ~~وإن ذلك لا يتصور إلا بجسم محيط يحدد الجهتين بالمحيط والمركز ~~وذلك المحيط يستحيل أن يقبل حركة مستقيمة لأنه لا يحتاج إلى ~~اختلاف جهتين وإلى جسم آخر يحيط به فيحدد له الجهات والذى ~~يحدد الجهة يستغنى عن الجهة فلا يكون فيه حركة مستقيمة ويلزم ~~عليه أنه لا يقبل الانخراق إذ معنى الانخراق ذهاب الأجزاء طولا ~~وعرضا على الاستقامة فمن ضرورته حركة مستقيمة ومن ضرورة ~~الحركة المستقيمة اختلاف الجهتين ومن ضرورته محيط آخر يحدد ~~الجهتين كما سبق. # (الدعوة الثالثة): أنه يلزم من الحركة الزمان لا محالة فان كل ~~حركة ففى زمان والزمان هو مقدار الحركة فان لم يكن حركة لم يكن ~~زمان فى الوجود وإن لم تحس ms111 النفس بالحركة لم تحس بالزمان كما ~~كان فى حق أصحاب الكهف وكل نائم فى ضحوة وتنبه فى ضحوة ~~اليوم الثانى فلا يحس بانقضاء زمان إلا أن يحس فى نفسه بتغير علم ~~بالعادة إن ذلك لا يكون إلا فى زمان والمتنبه إذا أحس بظلمة أو ~~ضوء أو زوال خلل فيه يعرف زمان النوم مهما علم بالعادة من هذه ~~الأمور مقادير الزمان ولا بد من إشارة إلى تحقيق الزمان وإن كان ~~ذلك بالطبيعيات أليق ولكن نقول لا شك أن بين ابتداء كل حركة ~~وانفطاعها إمكان تقدير حركة أخرى تقطع مسافة معينة بسرعة ~~معينة أو بطؤ معين حتى أنه يقطع بمثل تلك الحركة مثل تلك المسافة ~~ولا يمكن أكثر منه ولا أقل ويمكن أن يقطع بحركة أسرع تبتدىء ~~معها مسافة أكثر وإن كانت أبطأ فمسافة أقل وإن ابتدأت معها ~~وساوتها فى السرعة لم تتخلف عنها فى أثناء المسافة وكان بين ابتداء ~~هذه الحركة إلى النصف وبين انقطاعها إمكان هو نصف الامكان ~~الذى بين نهايتى الحركة التامة وكذلك يمكن أن يفرص لهذا الامكان ~~ربع وسدس وهذه التحديدات لا ترد إلا على مقدار فقد حصل ~~ههنا مقدار وحد المقدار هو غير حد الحركة فليس المقدار هو ~~الحركة أعنى ذاتها بل هو فى الحركة وصفة لها فلكل حركة مقدار ~~من وجهين. # (أحدهما): من حيث المسافة كما يقال مشى فرسخا. # (والثانى): من حيث الامكان الذى ذكرناه ويسمى زمانا كما ~~يقال مشى ساعة فهذا الامكان المقدر هو الزمان وهو مقدار الحركة ~~من حيث انقسامه فى امتداده إلى متقدم وإلى متأخر إذ يستحيل أن ~~يكون مقدار الجسم المتحرك وقد يتساوى في الزمان حركة الفيل ~~والبقة ويستحيل أن يكون مقدار المسافة واحدا إذ قد يتساوى فى ~~الزمان ما يقطع فرسخا وما يقطع فرسخين ويستحيل أن يرد ذلك إلى ~~السرعة والبطؤ إذ الحركتان المتفقتان فى السرعة قد يختلفتان فى هذا ~~الامكان فان الحركة من الطلوع إلى الغروب يساوى الحركة من ~~الشروق إلى الزوال أعنى أنها تساوى نصف نفسها فى السرعة ولا ms112 ~~تساويها فى الزمان فاذا ليس ذلك إلا مقدار الحركة فى امتدادها إذ ~~تكون حركة أكثر امتدادا من حركة فكثرة الامتداد كثرة ~~الزمان وقلته قلته وأصل الامتداد أصل المدة والزمان إذ الزمان ~~عبارة عن مدة الحركة أى عن امتداد الحركة ولا يمكن أن يكون ~~الزمان إلا مدة الحركة المكانية لأنه عبارة عن أمر ينقسم الى متقدم ~~ومتأخر لا يبقى المتقدم مع المتأخر بحال فارتبط بالضرورة ما هو ~~على الانقضاء والتصرم حتى لا يجتمع منه جزآن ولا يتصرم بذاته ~~إلا الحركة فما يقارن المتقدم منها يقال إنه متقدم وما يقارن المتأخر ~~أنه متأخر واذا ظهر أنه مقدار الحركة ومست الحاجة الى أن ~~يكون للحركات معيار بقدرها والمعيار ينبغى أن يكون معروفا ~~معلوما حتى يقدر به غيره كالذراع الذى يذرع به الثياب كذلك ~~حركة الفلك الدورية هى أسرع الحركات وأظهرها للخلق فان ~~الشمس أظهر المحسوسات بل بها يحس سائر المحسوسات فاتخذ ~~ذلك معيارا يقدر به الحركات وحركة الفلك لها مقدار فى نفسها ~~وهى تقدر غيرها كالذراع له مقدار فى ذاته ويقدر غيره فالزمان ~~عبارة عن مقدار حركة الفلك من حيث انقسامه الى متأخر ومتقدم ~~لا يبقى المتقدم منه مع المتأخر. # (الدعوى الرابعة): أنه يلزم من حركة هذه الأجسام القابلة ~~للتركيب أن يكون فيها ميل إلى جهة لا محالة وأن يكون فيها طبع ~~موجب للميل فالحركة والميل والطبع ثلاثة أمور متباينة فاذا ملأت ~~زقا من الهواء وتركته تحت الماء صعد إلى حيز الهواء وفى حالة الصعود ~~فيه الحركة والميل والطبع فان أمسكته قهرا تحت الماء فلا حركة ~~وأنت تحس بميله وتحامله على يدك واعتماده عليك فى طلب جهته ~~فهو المراد بالميل فان كان فوق الماء فلا حركة ولا ميل ولكن فيه ~~الطبع الذى يوجب فيه الميل إلى حيزه مهما فارق حيزه والمقصود ~~أن نبين أن كل جسم مركب فهو قابل للحركة وكل قابل للحركة فلا ~~بد وأن يكون فيه ميل لا محالة وبرهانه فى هذه المركبات ظاهر لأنها ~~لا تتركب إلا بحركة فان كانت ms113 الجهة التى اليها الحركة للتحرك فيه ~~ميل اليها بالطبع فلو خلى وطبعه لتحرك فان كان لا يتحرك اليها لو خلى ~~وطبعه فاذا لا ميل فيه وإن لم يكن فيه ميل اليها فهو مائل إلى الحيز ~~الذى هو فيه فان فرض على البعد جسم فى حيز لا ميل له إلى ذلك ~~الحيز ولا إلى غيره فهو محال إذ يلزم عليه أن تكون حركته فى غير ~~زمان وهو محال فالمفضى اليه محال* فان قيل لا نسلم أن الحركة ~~فى غير زمان يلزم منه فنقول لا شك فى أن الجسم إذا كان له ميل ~~إلى أسفل مثلا وحركناه إلى فوق كان ذلك الميل مقاوما لميل ~~التحريك القهرى ويوجب ذلك بطأ في الحركة حتى أنه كلما كان الميل ~~أكثر كانت المقاومة أشد والحركة أبطأ وكلما كان الميل أقل كانت ~~الحركة أسرع ففاوت الحركة فى السرعة والبطء على نسبة تفاوت ~~الميل فقول إن فرضنا جسما لا ميل فيه وحركناه عشرة أذرع مثلا ~~فلا شك أنه فى زمان فلنسمه ساعة فلو فرضنا جسما فيه ميل وحركناه ~~كانت حركته أبطأ لا محالة فلنقدر أنه فى عشر ساعات مثلا فنقول يمكن ~~أن يقدر جسم فيه عشر ذلك الميل فيلزم أن يتحرك في ساعة لأن ~~نسبة زمان الحركة إلى زمان الحركة هو نسبة الميل إلى الميل فتكون ~~حركة الجسم الذى فيه عشر ذلك الميل مساويا لحركة الجسم الذى ~~لا ميل فيه وهذا محال بل كما يستحيل أن يتفاوتا في مقدار الميل ~~ويتساويا فى زمان الحركة كذلك يستحيل أن يتفاوتا فى أصل وجود ~~الميل وعدمه ويتساويا فى مقدار الحركة فهذا برهان قاطع على أنه ~~لا بد في كل جسم من ميل طبيعى إما إلى الجهة التى يتحرك اليها أو ~~إلى خلافها كيف ما كان* فان قيل فبم ينكرعلى من ينازع فى المقدمة ~~الثانية وهو استحالة حركة من غير زمان* فيقال الحركة لو فرضت ~~غير زمان لكان لا يخلو إما أن تكون في بعد أو لم تكن فى بعد فان لم ms114 ~~تكن فى بعد لم تكن حركة فان كان بعد ومسافة فقد ذكرنا أن الأبعاد ~~كلها منقسمة وأنه لا يتصور جوهر فرد ولا يتصور بعد فرد ولا ~~مسافة لا تنقسم فلا يتصور زمان لا ينقسم لأن الزمان مقدار ~~الحركة وضرورة كل حركة أن تنقسم بانقسام مسافة الحركة فيكون ~~الجزء الذى فى أول المسافة قبل الجزء الذى فيما بعده فهذا معنى كون ~~الحركة فى زمان وبالجملة كيف تكون حركة الشىء فى عشرة أذرع ~~من غير أن يتقدم حركته فى الشطر الأول على حركته في الشطر ~~الثانى وإذا حصل التقدم والتأخر فقد حصل الزمان وأما فرض ~~حركة فى بعد لا ينقسم فهو محال لأنه ثبت أن كل بعد منقسم فالبعد ~~والجسم والحركة والزمان وهذه الأربعة بالضرورة منقسمة ~~لا يتصور فيها جزء فرد كما سبق. # (الدعوى الخامسة): أن هذه المركبات لا تتحرك بالطبع إلا ~~حركة مستقيمة لأن كل جسم فلا بد له من مكان طبيعى لأن ~~حيزه الذى فرض له أن ترك فيه وطبعه استقر فيه فهو له طبيعى وميله ~~اليه أن تنحى عنه إلى موضع آخر فالموضع المطلوب له طبيعى ويكون ~~ميله الطبيعى إلى موضعه الطبيعى فيعرض عند المفارقة الحركة ~~اليه والسكون فيه عند وصوله اليه وإذا كان ميله اليه فلا يتحرك اليه ~~إلا بأقرب الطرق فانه إن انحرف عن أقرب الطرق اليه كان مائلا ~~عنه لا اليه وأقرب الطرق بين النقطتين هو الخط المستقيم فتكون ~~الحركة عليه بالضرورة وإذا ثبت أن لا جهة إلا الوسط والمحيط ~~فتنقسم الحركة الطبيعية لهذه الأجسام التى يحويها المحيط إلى حركتين ~~مستقيمتين. # (إحداهما): من المحيط إلى الوسط. # (والأخرى): من الوسط إلى المحيط. # (الدعوى السادسة): أن الحركة من حيت حدوثها أعنى حركة ~~هذه المركبات تدل على أن لها سببا ولسبها سببا إلى غير نهاية ولا يمكن ~~ذلك إلا بالحركة السماوية الدورية فكل حركة حادثة تدل على ~~حركة دائمة لا نهاية لها إن لم يفرض ذلك لم يتصورحدوث حادث* ~~واذ الحوادث كائنة فلا بد من حركة دائمة لا نهاية ms115 لها وبرهانه أن ~~حدوث الحادث بغير سبب محال وسببه لو كان موجودا من قبل ~~وكان لا يحدث فانما كان لا يحدث لافتقار السبب الى مزيد حالة ~~وشريطة يستعد بها للايجاد فاذا لا يحدث السبب ما لم تحدث تلك ~~الحالة لسبب والسؤال فى تلك الحالة لازم وإنها لم حدثت الآن ولم ~~تحدث قبلها فيفتقر الى السبب وكذلك يتسلسل فيفتقر الحادثات ~~بالضرورة الى أسباب لا نهاية لها ولا يخلو تلك العلل والأسباب إما ~~أن تكون على التساوق موجودة معا وإما على التعاقب ووجود علل ~~بلا نهاية معا محال وقد أبطلناه فلا يبقى إلا التلاحق وذلك لا يكون ~~إلا بحركة دائمة كل جزء منها كأنه حادث وجملتها مطردة لا حدوث ~~لها حتى يكون أجزاؤها سببا لما بعدها وكذا كل جزء ولو فرض ~~انقطاع هذه الحركة فى حالة لاستحال بعدها حدوث حادث فانه اذا ~~لم يحدث فى حالة لم يحدث بعدها فيفتقر الى حادث وذلك الحادث ~~أيضا يفتقر الى مثله فلا يتصور الحدوث ومهما فرضت حركة دائمة ~~انقطع السؤال مثاله أن يقال لم قبلت هذه الخشبة فى الأرض النفس ~~النباتى الآن ولم يكن قبله يقبله وكان مدفونا فى الأرض فيقال لفرط ~~البرودة فى الشتاء وعدم الاعتدال من قبل فيقال ولم حدث الاعتدال ~~الآن فيقال لحدوث حرارة الهواء فيقال ولم حدث الآن حرارة ~~الهواء فيقال لارتفاع الشمس وقربه من وسط السماء بدخولها برج ~~الحمل فيقال ولم دخل برج الحمل الآن فيقال لأن طبعها الحركة وإنما ~~انفصلت من آخر الحوت الآن ولم يمكن دخول الحمل إلا بمفارقة ~~الحوت وبعد الوصول اليه فيكون مفارقته الحوت سبب دخول ~~الحمل ويكون كونه متحركا بالطبع مع الوصول إلى الحوت سبب ~~الانفصال منه ويكون سبب الوصول إلى الحوت الانفصال مما قبله ~~وهكذا يتمادى إلى غير نهاية فترجع الحوادث بعد تسلسل أسبابها ~~الأرضية بالآخرة لا محالة إلى الحركة السماوية لا يمكن أن يكون إلا ~~كذلك وتكون حركة السماء سببا لحدوث الأشياء من وجهين. # (أحدهما): أن يكول السبب معه كالضوء الذى يكون مع ms116 ~~الشمس تدور معه ثم يحدث فى كل جزء من الأرض شيئأ فشيئا ~~فيحدث النهار فى كل قطر شيئا فشيئا ويحدث بسببه الابصار وزوال ~~الظلام ويحدث بسبب الابصار انتشار الناس فى أغراضهم بأصناف ~~الحركات ويحدث من تلك الحركات حوادث فى العالم لا تخفى. # (والآخر): أن تكون الحركة الدورية سببا لوصول الاستعداد ~~إلى الأسباب ولكن تتأخر المسببات من حيث لا تتم الشروط كما ~~أن الشمس توجب حرارة في الأرض تستعد بسببها للتأثير فى ~~البذر إن بذر فيها ولكن يتأخر لعدم البذر والبذر يتأخر لعدم ~~إرادة المتحرك للبذر وإرادته تبتنى على سبب آخر فاذا تيسر بث ~~البذر عملت الحرارة الآن وقبل هذا كان لا تؤثر لفقد المحل وكان ~~تأخرالحادث لمثل ذلك فهكذا يتصور حدوث الأشياء وقد ظهر أن ~~التركيب بين الماء والطين مثلا دل على الحركة والحركة دلت على ~~اختلاف الجهتين بالضرورة ولم يمكن اختلاف الجهتين إلا بجسم ~~محيط وهو السماء وأنه لا بد وأن يكون متحركا على الدوام حتى ~~يتصور حدوث الحوادث فاذا هذه الأدلة وافقت المحسوس وصار ~~بحيث إذا تأمله الأعمى الذى لا يشاهد السماء وحركتها وإحاطتها إذا ~~نظر بعقله في أدنى حركة يعلم أنه لا بد من وجود سماء تدور على ~~الدوام حتى يتصور الحركة وإلا فخلق الحركة دون ذلك محال ~~والمحال لا يكون مقدورا عليه فلا يكون له وجود البتة والآن فاذ ~~قد بينا حركة السماء برهان الآن وهو الدلالة عليه بالنتيجة فنذكر ~~سبب حركته وأنه لم يتحرك ولنذكر أحكامه. # (القول فى الأجسام السماوية): الدعاوى فيها أنها متحركة عن ~~نفس بالارادة وأن لها تصورا للجزئيات متجددا وأن لها فى الحركة ~~غرضا وأنه ليس غرضها الاهتمام بالسفليات وأن غرضها الشوق ~~والتشبه بجوهر شريف أشرف منها لا علاقة بينه وبين الأجسام ~~يسمى ذلك عقلا مجردا وبلسان الشرع ملكا مقربا وأن العقول ~~كثيرة وأن أجسام السموات مختلفة الطباع وأن بعضها ليس بسببا ~~لوجود البعض. # (الدعوى الأولى): أنها متحركة بالارادة أما أنها متحركة ~~فمشاهد وقد دللنا أيضا عليه ونزيد فنقول إن هذا الجسم ms117 المحيط إذا ~~فرض ساكنا كان له وضع مخصوص حتى يكون نصف معين منه ~~مثلا فوقنا الآن ولو قدر هذا تحتنا لم يكن محال لأن سائر أجزاء ~~الحول بالاضافة إلى سائر أجزائه واحد فيستحيل أن يتعين جزء من ~~الحول لجزء من أجزائه إذ لو تعين لبعضه جهة الفوق لكان ذلك ~~الجزء مخالفا للذى تعين له تحت ولكان مركبا والمركب إنما يجتمع ~~من حركة البسائط على الاستقامة وقد بان استحالة قبولها للحركة ~~المستقيمة والبسيط لا يتميز فيه بعض أجزاء الحول عن بعض فاذا ~~هى قابلة للحركة وكل قابل للحركة فقد ذكرنا أنة لا بد وأن يكون ~~فى طبعه ميل ولا يجوز أن يكون ذلك ميلا إلى الحركة المستقيمة ~~فانه لا يقبل الحركة المستقيمة إذ يحتاج إلى جسم آخر يحدد له ~~الجهات فيكون ميله إلى تبدل أجزاء الحول عليه وذلك بالدور ~~حول الوسط فواجب إذا أن يكون فى طبعه ميل إلى الحركة حول ~~الوسط إذ ليس بعض الحول أولى ببعض الأجزاء من بعض ~~ويستحيل أن يكون مثل هذه الحركة بطبع محض خال عن الارادة ~~لأن الحركة الطبيعية هرب من وضع لطلب وضع آخر فاذا وصل ~~إلى ذلك الوضع الطبيعى استقر فيه واستحال أن يعود بالطبع إلى ~~ما فارقه لأنه إن كان ملائما له فلم فارقه وإن كان منافيا فلم رجع اليه ~~وما من وضع للسماء يفارقه بالحركة إلا ويعود اليه وهو زائل عائد ~~على الدوام فلا يكون ذلك بالطبع بل بالارادة والاختيار ولا تكون ~~الارادة إلا مع تصور وكل ما له تصور وإرادة فانما نسميه نفسا إذ ~~ليس للجسم إرادة وتصور بمجرد كونه جسما بل بطبيعة خاصة ~~وصورة مخصوصة والعبارة عنها النفس فاذا حركة السماء بالارادة ~~حركة نفسانية. # (الدعوى الثانية): أنه لا يجوز أن يكون محرك السماء شيئا عقليا ~~محضا لا يقبل التغير كما لم يجز أن يكون طبعا محضا والعقلى عبارة عن ~~الجوهر الثابت الذى لا يقبل التغير والنفسى عبارة عما يقبل التغير ~~فنقول الثابت على حالة واحدة لا يصدر منه إلا ms118 ثابت على حالة ~~واحدة فيجوز أن يكون سكون الأرض مثلا عن علة ثابتة لأنه ~~دائم على حالة واحدة أما أوضاع السماء فانها دائما فى التبدل فيستحيل ~~أن يكون موجبه ما هو ثابت غير متغير فان الموجب للحركة من. # (ا) الى ~~(ب) لا يوجب الحركة من ~~(ب) الى ~~(ج) إن بقى على تلك الحالة لأن هذه الحركة غير الأولى ~~فان بقيت العلة على حالها فلا يلزم منها غير ما لزم أولا فاذا لا بد وأن ~~يكون اقتضاؤها للحركة من حد ثانى الى ثالث بسبب طرأ عليها ~~كالشيء الذى يختلف تحريكه لاختلاف كيفيته فانه اذا برد حرك ~~على وجه آخر يخالف تحريكه فى حالة الحرارة فاذا لا بد من تغير ~~الموجب عند تغير الموجب فان كان الموجب هو الارادة فلا بد من ~~تغير الارادات وتجددها فاذا لا بد من تجديد الارادات الجزئية ~~لأن الارادة الكلية لا توجب حركة جزئية فارادتك للحج لا توجب ~~حركة رجلك بالتخطى الى جهة معينة ما لم يتجدد لك إرادة جزئية ~~للتخطى إلى الموضع الذى تخطيت اليه ثم يحدث لك بتلك الخطوة ~~تصور لما وراء تلك الخطوة وينبعث منه إرادة جزئية للخطوة ~~الثانية وإنما ينبعث من الارادة الكلية الارادات الجزئية التى تقتضى ~~دوام الحركة الى الوصول إلى الكعبة فيكون الحادث حركة ~~وتصورا وإرادة فالحركة حدثت بالارادة والارادة حدثت بالتصور ~~الجزئى مع الارادة الكلية والتصور الجزئى مع الارادة الكلية ~~حدثت بالحركة ويكون مثاله من يمشى بسراج فى ظلمة لا يظهر له ~~السراج مثلا إلا مقدار خطوة بين يديه فيتصور خطوة واحدة ومعه ~~السراج فينبعث له من التصور والارادة الكلية للحركة إرادة جزئية ~~لتلك الخطوة بعينها فتحصل الخطوة بعينها وهى موجب الارادة التى ~~هى موجب التصور ثم تكون تلك الخطوة سببا لتصور الخطوة ~~الأخرى فيتصور وتحصل الخطوة فيحدث من الخطوة تصور آخر ~~ومن التصور إرادة خطوة أخرى ومن الارادة الخطوة الأخرى ~~وهكذا على الدوام ولا يمكن أن تكون حركة جزئية إلا كذلك ~~فهكذا يمكن أن تكون حركة السماء وكل ما ms119 هو متغير بتغير الارادات ~~والتصورات يسمى نفسا لا عقلا. # (الدعوى الثالثة): أنها ليست تتحرك اهتماما بالعالم السفلى وإن ~~أمر السفلى ليس يهمها بل غرضها أمر أجل وأشرف منها وبرهانه أن ~~كل حركة إرادية فانما تكون جسمانية حسية أو عقلية والحسية هى ~~الحركة بالشهوة والغضب ويستحيل أن تكون حركة السماء ~~لشهوة فان الشهوة عبارة عن طلب ما هو سبب لدوام البقاء ~~وما لا يخاف على نفسه النقصان والهلاك يستحيل أن يكون له ~~شهوة ويستحيل أن يكون له غضب فانه عبارة عن قوة تدفع المنافى ~~المضاد الموجب للهلاك أو النقصان فالشهوة طلب الملايم والغضب ~~لدفع المنافى والفلك يستحيل عليه الهلاك والنقصان فلا يمكن أن ~~يكون غرضه من هذا القبيل فلا بد أن يكون عقليا وبرهان استحالة ~~الهلاك والنقصان عليه إن ذلك لو كان لكان لا يخلو إما أن يكون ~~بزوال عرض منه وهو الاتصال بالانكسار والانخراق أو زوال ~~صورته وطبيعته أو عدمه من أصله بصورته ومادته وباطل أن ~~يكون له انخراق وانكسار فان معناه زوال الأجزاء طولا وعرضا ~~فى جهات مستقيمة فهو معنى التفرق أعنى أن ذلك من ضرورته ~~وقد بان أنها لا تقبل الحركة المستقيمة وباطل أن يعرض بطلان ~~صورته عن مادته لأن المادة لا تخلو إما أن تبقى خالية عن الصورة ~~وهو محال أو تلبس صورة أخرى فيكون ذلك كونا وفسادا وهو ~~محال لأن الكون والفساد من ضرورته قبول الحركة المستقيمة ~~فانه إنما يقبل صورة تخالف الصورة الأولى بالطبع فيستدعى مكانا ~~غير مكانه فيتحرك إلى ذلك المكان حركة مستقيمة كهيولى الهواء ~~فانه إذا خلع الصورة الهوائية ولبس صورة المائية لم يتصور ذلك ~~إلا بأن يتحرك إلى حيز الماء حركة مستقيمة وأما عدمه من أصله ~~أى عدم مادته فهو محال لأن كل ما ليس له مادة فيستحيل عدمه بعد ~~الوجود كما يستحيل وجوده بعد العدم إذ قد ثبت من قبل أن كل ~~حادث فله مادة إذ إمكان حدوثه قبل حدوثه وهو وصف ثابت فلا ~~بد له من محل فلذلك لا يعدم ms120 الشىء إلا من مادة حتى يبقى إمكان ~~وجوده بعد عدمه فى مادته وإلا ينعدم انعداما يستحيل بعد وجوده ~~ومحال أن ينقلب الموجود محالا وإذا بقى ممكنا استدعى الامكان ~~الذى هو وصف إضافى إلى جوهر يقوم به فاذا ثبت بهذا استحالة ~~التغير عليها لم تكن حركتها لشهوة ولا غضب فلا يبقى إلا غرض ~~عقلى ويستحيل أن يكون غرضها الاهتمام بهذه الكائنات ~~الفاسدات حتى يكون الغرض من وجودها وحركتها هذه السفليات ~~لأن ما يراد للشىء فهو أخس من ذلك الشىء لا محالة فيؤدى إلى أن ~~يكون العلويات أخس من السفليات مع إن العلويات أزلية غير قابلة ~~للهلاك وهذه السفليات ناقصة ومتغيرة وهى بالقوة وجملة الأرض ~~بما فيها جزء يسير من جرم الشمس فانها مثل الأرض مائة ونيف ~~وستين مرة فلا نسبة لجرم الشمس إلى فلكها فكيف الفلك ~~الأقصى فكيف يكون الغرض من مثل هذا الجسم هذه الأمور ~~الخسيسة وكيف يكون الغرض من تلك الحركة الأزليه الدائمة هذه ~~الأمور الخسيسة وكيف لا يكون هذه خسيسة بالاضافة اليها ~~وأشرف السفليات الحيوان وأشرفه الانسان وأكثره ناقص ~~والكامل منه قط لا ينال تمام الكمال فانه لا ينفك عن اختلاف ~~الأحوال فيكون أبدا ناقصا أى يكون فاقد الأمر الذى هو ممكن له ~~ولو حصل له لكان أكمل له والأجرام العلوية كاملة وهى بالفعل ~~ما فيها شىء بالقوة إلا ما يرجع إلى أخس أغراضها وهو الوضع كما ~~سيأتى ولا يقصد إلا شرف الأخس لأجل الأخس في نفسه البتة* ~~فان قيل فان كان ما يراد لغيره فهو أخس من ذلك الغير فليكن الراعى ~~أخس من الغنم والمعلم أخس من المتعلم والنبى من الأمة إذ لا يراد ~~الراعى إلا للغنم ولا المعلم إلا للمتعلم ولا النبى إلا لارشاد الأمة* ~~قيل أما الراعى فهو أخس من الغنم من حيث أنه راع وإنما هو ~~أشرف من حيث أنه إنسان وإنسانيته غير مطلوبة لأجل الرعاية ~~فقط فان لم يعتبر منه إلا وصف كونه راعيا فهو بهذا الاعتبار أخس ~~من الغنم كالكلب الحارس للغنم ms121 فانه أخس من الغنم بالضرورة إن ~~لم يكن له وصف سوى كونه راعيا فان كان يتأتى منه الصيد فهو بذلك ~~الوجه يجوز أن يكون أشرف فأما هو من حيث أنه حارس للغنم فقط ~~بالضرورة يكون أخس منه لأن ما يراد لغيره فهو تبع لذلك الغير ~~فكيف لا يكون أخس منه وهو الجواب عن المعلم والنبى فان ~~شرف النبى من حيث أنه كامل فى نفسه بصفات يكون بها شريفا وإن ~~لم يشتغل باصلاح الخلق فان لم يعتبر منه إلا وصف الاصلاح لزم ~~أن يكون المطلوب صلاحه أشرف من المستعمل فى الاصلاح* ~~فان قيل وأى بعد فى أن يكون غرضه إفادة الخير ليكون خيرا فاضلا ~~وليكون ما يصدر منه حسنا فان فعل الخير حسن ولا تكون السفليات ~~من حيث ذواتها مقصودة له* قيل قول القائل أن فعل الخير حسن ~~كلام مشهور والمصلحة أن تعتقده العوام لينزجروا عن القبائح فأما ~~إذا رد إلى التحقيق ففى محموله وموضوعه بحث وتفصيل أما الموضوع ~~وهو فعل الخير فهو ينقسم إلى ما يكون بالذات وإلى ما يكون بقصد ~~فالذى بالذات لا يدل على النقص ومعناه أن يكون ذاته بحيث يلزم ~~من ذاته أمر هو خير ولا يقصد منه أمر آخر البتة وهذا الفعل ~~لا يكون بارادة وغرض وقد ذكرنا أن الحركة الدورية إرادية والآخر ~~أن يكون بقصد وهو دليل نقصان القاصد إذ لا بد وأن يكون فعله ~~أولى به من لا فعله ليحصل له بالفعل ما لم يكن له ولو كان كاملا لما ~~افتقر إلى اكتساب أمر آخر فان لم يكن هذا لم يكن قصد وإرادة ~~البتة وأما المحمول وهو أنه حسن فينقسم إلى ما هو حسن فى ذاته ~~وإلى ما هو حسن فى حق القابل وإلى ما هو حسن فى حق الفاعل أما ~~الحسن فى ذاته فكما نقول أن وجود الكل إذا قوبل بعدمه كان ~~الوجود خيرا من العدم وذات الأول ذات يلزم منه ما هو خير ~~ولا يكون خيرا للأول إذ لا يستفيد منه شيئا ms122 ولا هو خير لقابل ~~إذ ليس ثم غير الكل حتى يقال الكل خير له* وأما الحسن للقابل ~~فهو حسن ودليل على نقصان القابل وافتقاره إلى أمر وجوده أكمل ~~له من عدمه* والحسن للفاعل يدل على نقصان الفاعل إذ لو كان ~~كاملا لاستغنى عن استفادة الخير والكمال بالفعل وإنما اشتهر أن ~~الفعل الخير فى حق الانسان فضيلة وكمال لا نقصان لأنه يتوقع منه ~~الشر فهو بالاضافة إلى مقتضى طبعه خير وإلا فهو فى الحقيقة ~~وبالاضافة إلى الكمال المطلق نقصان فاذا ثبت هذا فنقول إن لم ~~يكن إفادة الخير خيرا للفاعل لم يكن غرضا ولا يتصور أن يتوجه ~~اليه إرادة فلا بد وأن نبين وجه كونه خيرا له حتى يتصور أن ~~يكون غرضا. # (الدعوى الرابعة): إثبات العقول المجردة وهى أن الحركة ~~تدل على إثبات جوهر شريف غير متغير ليس بجسم ولا منطبع فيه ~~ومثل هذا يسمى عقلا مجردا وإنما يدل عليه بواسطة عدم التناهى ~~فانه قد سبق أن هذه الحركة دائمة لا نهاية لها أزلا وأبدا فلا بد وأن ~~يكون لها استمداد من قوة محركة إذ يستحيل أن يكون فى الجسم ~~قوة على ما لا نهاية له لأن كل جسم منقسم وينقسم بتقدير انقسامه ~~انقسام القوة فلو توهمنا الانقسام لكان بعض القوة لا يخلو إما أن ~~يحرك إلى غير نهاية فيكون الجزء مثل الكل من غير تفاوت وهو ~~محال وإما أن يحرك إلى غاية والبعض الآخر أيضا يحرك إلى غاية ~~فيكون المجموع متناهيا فثبت أنه لا يتصور أن يكون قوة على أمر ~~غير متناهى وتكون تلك القوة في جسم فاذا لا بد لهذه الحركة من ~~محرك مجرد عن المواد والمحرك قسمان. # (أحدهما): يحرك كما يحرك المعشوق العاشق والمراد المريد ~~والمحبوب المحب. # (والثانى): كما تحرك الروح البدن والثقل الجسم إلى أسفل ~~والأول هو ما لأجله الحركة والثانى هو ما منه الحركة والحركة ~~الدورية تفتقر إلى مباشر فاعل يكون منه الحركة وذلك لا يكون ~~إلا نفسا متغيرا لأن المجرد الذى لا يتغير لا يصدر ms123 منه الحركة ~~التغيرة كما سبق ذلك فتكون النفس الفاعل للحركة متناهى القوة ~~لكونه جسمانيا ولكن يمده موجود ليس بجسم بقوته التى لا تناهى ~~ويكون بريئا عن المادة لا محالة حتى تخرج قوته عن النهاية ولا يكون ~~فاعلا للحركة بل تكون لأجله الحركة من حيث كونه معشوقا ~~ومقصودا لا من حيث كونه مباشرا للحركة ولا يتصور محرك ~~لا يتحرك فى نفسه إلا بطريق العشق كتحريك المعشوق للعاشق* ~~فان قيل كيف يتصور أن يكون هذا العقل محركا بطريق العشق* ~~قيل المحرك بهذا الطريق إما أن يكون بحيث يطلب ذاته كالعلم فانه ~~يحرك طالب العلم بطريق عشقه له والمطلوب حصول ذاته وإما أن ~~يكون بحيث يطلب التشبه به والاقتداء كالأستاذ فانه معشوق التلميذ ~~ومحركه على معنى إنه يحب التشبه به وكذا كل مرغوب فيه متصف ~~بوصف عظيم يراد التشبه به ولا يجوز أن تكون هذه الحركة من ~~القسم الأول فان المعنى العقلى لا يتصور أن ينال الجسم ذاته فانه بان ~~أنه لا يحل في جسم فلا يبقى إلا أنه يحب التشبه والاقتداء به ~~باكتساب وصف يشبه وصفه ليقرب منه فى الوصف كتشبه الصبى ~~بأبيه والتلميذ بأستاذه ولا يمكن أن يكون بطريق الأمر والائتمار ~~فان الآمر ينبغى أن يكون له غرض في الأمر وذلك يدل على نقصان ~~وقبول تغير والموتر أيضا ينبغى أن يكون له غرض فى الائتمار ~~وذلك الغرض هو المقصود فاما امتثال الأمر لأجل أنه أمر فقط ~~لا فائدة فلا يمكن وإذا ثبت أنه لا يمكن إلا بطريق التشبه بالمعشوق ~~فيكون له ثلاثة شروط. # (الأول): أن يكون للنفس الطالبة للتشبه تصور لذلك الوصف ~~المطلوب ولذات المعشوق وإلا كان بارادته طالبا لما لا يعرفه ~~وهو محال. # (والثانى): أن يكون ذلك الوصف عنده جليلا عظيما وإلا لم ~~يتصور الرغبة فيه. # (والثالث): أن يكون ممكنا حصوله فى حقه فانه إن كان محالا لم ~~يتصور طلبه بارادة عقلية صادقة إلا بطريق الظن والتخيل الذى ~~هو عارض قريب الزوال ولا يدوم أبدا فاذا لا بد وأن يكون ms124 لنفس ~~الفلك إدراك لجمال ذلك المعشوق فينبعث بتصوره للجمال عشقه ~~الذى يقتضى نظره والتفاته إلى جهة العلو لينبعث منه الحركة الموصلة ~~إلى المطلوب من التشبه فيكون تصور الجمال سبب العشق* والعشق ~~سبب الطلب والطلب سبب الحركة ويكون ذلك المعشوق هو ~~الأول الحق أو ما يقرب منه من الملائكة المقربين أعنى العقول ~~المجردة الأزلية المنزهة عن قبول التغير التى لا يعوزها شىء من ~~الكمالات الممكنة لها* فان قيل فلا بد من تفصيل هذا العشق ~~والمعشوق والوصف المطلوب تحصيله بالحركة* قيل كل طلب فانه ~~توجه إلى ما هو خاصية واجب الوجود وهو أنه تام بالفعل ليس ~~فيه شى بالقوة فان كون الشىء بالقوة نقصان إذ معناه فقد كمال هو ~~ممكن حصوله له فكل موجود هو بالقوة من وجه فهو ناقص من ~~ذلك الوجه وطلبه أن يزول عنه ما بالقوة إلى الفعل فمطلوب الكل ~~الكمال ونيله وكل ما يكثر فيه ما بالقوة فهو أخس لا محالة وكل ما هو ~~بالفعل من كل وجه فهو كامل والانسان فى جوهره تارة يكون بالقوة ~~وتارة يكون بالفعل وإذا صار فى جوهره بالفعل فلا يزال فى ~~أعراضه بالقوة لا ينال غاية الكمال ما دام فى البدن ولا تفارقه القوة* ~~وأما الجسم السماوى فلا يكون بالقوة في جوهره البتة فانه ليس ~~بحادث ولا يكون بالقوة فى أعراضه الذاتية أيضا ولا فى شكله بل ~~هو بالفعل أى كل ما هو ممكن له فهو حاصل له إذ له من الأشكال ~~أفضلها وهى الكرة ومن الهيئات أفضلها وهى الاضاءة والشفيف ~~وكذا سائر الصفات وإنما يبقى لها أمر واحد لا يمكن أن يكون ~~بالفعل وهو الأوضاع فان كل وضع فرض له أمكن فرضه على وضع ~~آخر إذ لا يمكن أن يكون على وضعين في حالة واحدة ولو لم يمكن فيه ~~هذا القدر بالقوة لكان قريب الشبه بالعقول المجردة وليس بعض ~~الأوضاع أولى من بعض حتى يلزم ذلك ويترك البقية وإذ لم يمكن ~~الجمع بين جميع الأوضاع بالعدد وأمكن الجمع بينها بالنوع على ms125 سبيل ~~التعاقب قصد أن يكون كل وضع له بالفعل وأن يستديم جميعها ~~بطريق التعاقب ليكون نوع الأوضاع دائما بالفعل كما أن الانسان ~~لما لم يكن بقاء شخصه بالفعل دبر لبقائه حفظ نوعه بطريق التعاقب * ~~وللحركة الدورية أيضا خاصية فى كونه بالفعل وبعيدا عن التغير ~~والتفاوت فان الحركة المستقيمة إن كانت طبيعية تغيرت إلى ~~السكون فى آخرها وإن كانت قسرية تغيرت إلى الفتور فى آخرها ~~والدورية تستمرعلى وتيرة واحدة فاذا الجسم السماوى مهما تكلف ~~استبقاء نوع الأوضاع لنفسه بالفعل على الدوام فقد تشبه بالجواهر ~~الشريفة بغاية ما يمكن له فى نفسه ويكون طلبه للتشبه عبادة لرب ~~العالمين لأن معنى العبادات التقرب ومعنى التقرب طلب القرب ~~ومعنى طلب القرب أن يتقرب منه فى الصفات لا فى المكان فان ~~ذلك غير ممكن فهذا هو الغرض المحرك للسموات. # (الدعوى الخامسة): أن السموات قد دلت المشاهدة على ~~كثرتها فلا بد وأن تكون طباعها مختلفة وأن لا تكون من نوع ~~واحد بدليلين. # (أحدهما): أنها لو كانت من نوع واحد لكان نسبة بعض ~~أجزاء واحد منها إلى بعض أجزاء الآخر كنسبة بعض أجزائها إلى ~~جزء آخر منها ولو كان كذلك لكان الكل متواصلة لا متفاصلة ~~فالانفصال لا سبب له إلا تباين الطباع وهذا كما أن الماء لا يختلط ~~بالدهن إذا صب عليه بل يحاوره مباينا والماء يختلط بالماء ويتصل ~~به والدهن بالدهن وكما يعلم بمفارقة نسبة أجزاء الماء بعضه إلى ~~بعض لنسبة بعض أجزائه إلى أجزاء الدهن بالانفصال فكذلك ~~ههنا إذ لا مانع للاتصال مع تشابه الكل. # (والثانى): أن بعضها أسفل وبعضها أعلى وبعضها حاوية وبعضها ~~محوية وذلك يدل على تفاوت الطباع واختلاف الأنواع لأن ~~الأسفل لو كان من نوع الأعلى لجاز له أن يتحرك إلى مكان الأعلى ~~كما يجوز فى بعض أجزاء الماء والهواء أن يتحرك إلى أسفل وأعلى ~~من حيز الماء والهواء ولو جاز لكان قابلا للحركة المستقيمة إذ بها ~~يتحرك الأسفل إلى حيز الأعلى كما فى العناصر وقد بان أنه يستحيل ~~أن يكون فيها ms126 قبول الحركة المستقيمة. # (الدعوى السادسة): أن هذه الأجسام السماوية لا يجوز أن ~~يكون بعضها علة للبعض بل لا يجوز أن يكون جسم سببا فى وجود ~~جسم وعلة فيه لأن الجسم إنما يؤثر فى الشىء إذا وصل إلى مماسته أو ~~مجاورته أو موازاته* وبالجملة إذا ناسبه مناسبة كما تؤثر الشمس فى ~~إضاءة الجسم إذا حاذاها ولم يكن بينهما حائل وكما تؤثر النار فى ~~إحراق ما تلاقيه وتماسه فاذا لا بد أن يكون ثم موجود يلاقيه ~~الجسم الفاعل حتى يؤثر فيه فيحصل فيه بتأثيره شىء آخر وإذا لم ~~يكن موجود استحال أن يحصل بالجسم اختراع موجود آخر * ~~فان قيل أليس النار سبب لحدوث الهواء مهما أوقد تحت الماء ~~فيكون جسم الهواء حاصلا بسبب النار* قيل الهواء ليس بجسم ~~أول بل هو كائن من جسم آخر لاقاه النار فأثر فيه وإنما كلامنا فى ~~الأجسام السماوية وهى أجسام أول ليست متكونة عن جسم آخر ~~إذ بينا أنها لو كانت متكونة فاسدة لكانت قابلة للحركة المستقيمة ~~وذلك محال فى حقها فاذا ثبت أن الأجسام الأول لا يكون بعضها ~~سببا لوجود البعض* فان قيل فلم قلتم أن الجسم لا يصدر منه فعل ~~إلا بعد الوصول إلى ما فيه الفعل بمماسة أو غيرها* فيقال برهانه ~~أن الجسم لو فعل فاما أن يفعل بمجرد المادة أو بمجرد الصورة أو ~~بالصورة مع توسط المادة وباطل أن يفعل بمجرد المادة لأن حقيقة ~~المادة كونها قابلة للصورة فان كانت فاعلة لم تكن فاعلة من حيث أنها ~~قابلة بل من وجه آخر فيكون فيها شيئان أحدهما ما به القبول وباعتباره ~~هو مادة والآخر ما به الفعل وباعتباره هو صورة إذ لا نعنى بالصورة ~~غيره فتكون المادة فيها صورة ولا تكون مجردة* وباطل أن يفعل ~~بمجرد الصورة لأن مجرد الصورة لا وجود لها بنفسها بل وجودها فى ~~المادة وإن كان بتوسط المادة فاما أن تكون المادة واسطة حقيقية حتى ~~تكون الصورة علة المادة والمادة علة الشىء فتكون الصورة علة العلة ~~وهذا يرجع إلى ms127 أن المادة من حيث أنها مادة قد فعلت وقد أبطلنا ذلك ~~وإما أن يكون بتوسط المادة من حيث أنها بتوسطها يصل الجسم إلى ~~الشىء حتى يؤثر فيه كما أن صورة النار بتوسط المادة تكون مرة ههنا ~~وتؤثر فيما تلاقيه ومرة هناك وهذا يستدعى لا محالة شيئا يكون ههنا ~~وهناك حتى يؤثر الجسم فيه. # (الدعوى السابعة): أن العقول المجردة ينبغى أن لا تكون أقل ~~من عدد الأجسام السماوية وذلك لأنه ثبث أنها مختلفة الطباع وأنها ~~ممكنة فيحتاج وجودها إلى علة والواحد لا يصدر منه إلا واحد فلا ~~بد من عدد حتى يصدر عن كل واحد واحد وينبغى أن تختلف بالنوع ~~حتى يصدر منها أنواع مختلفة كيف وقد سبق أن الكثرة بالعدد ~~لا يتصور فى نوع واحد إلا بكثرة المادة وما ليس فى المادة لو كثر فلا ~~يكثر إلا باختلاف النوع وهو اختصاص كل بفصل يباين به الآخر ~~ولا يكون بعارض إذ يستحيل أن يلزم الشىء عارض لا يصدر من ~~نوعه فاذا لم تكن مادة لم يكن كثرة إلا بالنوع وهذه العقول ينبغى ~~أن يكون هى المعشوق لنفوس السموات فيكون التفات كل واحدة ~~إلى علتها وإلى طلب التشبه بها إذ يستحيل أن يكون معشوق الكل ~~واحدا وإلا لكان الكل فى حركتها واحدا وليس كذلك فانه بان فى ~~الرياضيات أن حركاتها مختلفة ولو كان المطلب واحدا لكان الطلب ~~واحدا فيكون لكل واحد نفس تخصه تحركه بطريق المباشرة والفعل ~~وعقل مجرد يخصه يحركه بطريق العشق وتكون النفوس هى الملائكة ~~السماوية لاختصاصها بأجسامها وتلك العقول هى الملائكة المقربة ~~لبراءتها عن علائق المواد وقربها فى الصفات من رب الأرباب. # (المقالة الخامسة): فى كيفية وجود الأشياء من المبدأ الأول ~~وكيفية ترتب الأسباب والمسببات وكيفية ارتقاءها إلى واحد هو ~~مسبب الأسباب* وكأن هذه المقالة هى زبدة الالهيات وحاصلها ~~وهى المطلوب الأخير من جملتها بعد معرفة صفات الأول الحق ~~وأول أشكال فيه أنه سبق أن الأول واحد من كل وجه وإن الواحد ~~لا يوجد منه إلا واحد والموجودات كثيرة ms128 وليس يمكن أن يقال ~~أنها مرتبة بعضها بعد بعض فان ذلك ليس يطرد فى جميع الأشياء* نعم ~~يمكن أن يقال الأجسام السماوية قبل العناصر بالطبع والعناصر ~~البسيطة قبل المركبات ولكن ليس يطرد هذا فى كل شىء فالطبائع ~~الأربعة لا ترتب فيها ولا ترتب بين الفرس والانسان وبين النخل ~~والكرم وبين السواد والبياض والحرارة والبرودة بل هى متساوية ~~فى الوجود فكيف صدرت عن واحد وإن صدرت عن مركب فيه ~~كثرة من أين حصلت وبالآخرة لا بد وأن تلتقى كثره بواحد وهو ~~محال فالخلص منه أن يقال الأول صدر منه شىء واحد يلزم ذلك ~~الواحد لا من جهة الأول حكم آخر فيحصل بسببه فيه كثرة ويكون ~~ذلك مبدأ حصول كثرة متساوقة ثم مرتبة ثم تجتمع المساوية والمترتبة ~~فى واحد فيوجب ذلك الواحد بما فيه من الكثرة كثرة وبهذا تكثر ~~فى واحد فيوجب ذلك الواحد بما فيه من الكثرة كثرة وبهذا تكثر ~~الأمور ولا يمكن إلا كذلك وأما وجه تلك الكثرة فهو أن الأول ~~هو الواحد الحق إذ وجوده وجود محض وإنيته عين ماهيته وما ~~عداه فهو ممكن وكل ممكن فوجوده غير ماهيته كما سبق لأن كل وجود ~~ليس بواجب فهو عرضى للماهية ولا بد من ماهية حتى يكون الوجود ~~عرضا لها فيكون بحكم الماهية ممكن الوجود وبقياس السبب واجب ~~الوجود إذ بان أن كل ممكن بنفسه فهو واجب بغيره فيكون له حكمان ~~الوجوب من وجه والامكان من وجه وهو من حيث أنه ممكن ~~بالقوة ومن حيث أنه واجب بالفعل والامكان له من ذاته والوجوب ~~له من غيره ففيه تركب من شىء يشبه المادة وآخر يشبه الصورة ~~فالذى يشبه المادة هو الامكان والذى يشبه الصورة هو الوجوب ~~الذى له من غيره فاذا يصدر من الأول عقل مجرد ليس له من الأول ~~الفرد إلا الوجود الفرد الواجب به فاما الامكان فله من ذاته لا من ~~الأول بل يعرف ذاته ويعرف مبدئه وإن كان يعرف ذاته من ~~مبدئه لأن وجوده منه ولكن يختلف حكمه بذلك ms129 فيحصل منه ~~باعتبار هذه الكثرة كثرة ثم لا يزال تكثر قليلا قليلا إلى أن تنتهى ~~إلى آخر الموجودات وإذا لم يكن بد من كثرة ولم يمكن إلا على هذا ~~الوجه وهى كثرة قليلة لم تكن الموجودات الأول فى غاية الكثرة ~~بل على التدريج تتداعى إلى الكثرة حتى توجد العقول والنفوس ~~والأجسام والأعراض وهى أقسام الموجودات كلها* فان قيل ~~فكيف يمكن أن يكون تفصيل ترتيبها وتركيبها قيل هو أن يصدر ~~من الأول عقل مجرد فيه إثنينية كما سبق أحدهما له من الأول ~~والآخر له من ذاته فيحصل منه ملك وفلك وأعنى بالملك العقل ~~المجرد وينبغى أن يحصل الأشرف من الوصف الأشرف والعقل ~~أشرف والوصف الذى له من الأول وهو الوجود أشرف فيحصل ~~منه عقل ثان باعتبار كونه واجبا والفلك الأقصى باعتبار الامكان ~~الذى هو له كالمادة ويلزم من العقل الثانى عقل ثالث وفلك البروج ~~ومن العقل الثالث رابع وفلك زحل ومن الرابع خامس وفلك ~~المشترى ومن الخامس سادس وفلك المريخ ومن السادس سابع ~~وفلك الشمس ومن السابع ثامن وفلك الزهرة ومن الثامن تاسع ~~وفلك عطارد ومن التاسع عاشر وفلك القمر وعند ذلك استوفت ~~السماويات وجودها وحصلت الموجودات الشريفة سوى الأول ~~تسعة عشر عشرة عقول وتسعة أفلاك وهذا صحيح إن لم يكن عدد ~~الأفلاك أكثرمن هذا فان كان أكثر فينبغى أن تزاد العقول إلى استيفاء ~~السمائيات كلها ولكن لم يوقف بالرصد الأعلى هذه التسعة ثم بعد ذلك ~~يبتدئ وجود السفليات وهى العناصر الأربعة أولا فلا شك فى ~~أنها مختلفة لأن أماكنها بالطبع مختلفة فيطلب بعضها الوسط وبعضها ~~المحيط فكيف تتحد طباعها وهى قابلة للكون والفساد كما سيأتى ~~فى الطبيعيات فلا بد وأن يكون لها مادة مشتركة ولأنه لا يتصور ~~أن يكون جسم عن جسم فلا يجوز أن يكون سبب وجودها الأجسام ~~السماوية وحدها ولأجل أن مادة الأربعة مشتركة لا يجوز أن تكون ~~علة وجود مادتها كثرة ولأجل أن صورها مختلفة لا يجوز أن تكون ~~علة صورها إلا كثرة مختلفة محصورة فى أربعة ms130 أشياء أوفى أربعة أنواع ~~لأنها أربع صور ولا يجوز أن تكون الصورة وحدها سببا لوجود ~~المادة إذ لو كان كذلك للزم عدم المادة بعدم الصورة وليس كذلك ~~بل تبقى المادة لابسة لصورة أخرى ولا يجوز ان لا يكون للصورة حظ ~~ومدخل فى وجود الهيولى إذ لو لم يكن لها مدخل لبقيت الهيولى ~~وحدها ببقاء علتها مع عدم الصورة وهذا محال فاذن يكون وجود ~~المادة بمشاركة أمور. # (أحدها): جوهر مفارق به يكون أصل وجودها ولكن ~~لا يكون به وحده بل بمشاركة الصورة كما إن القوة المحركة هى سبب ~~وجود الحركة ولكن بشرط قوة قابلة فى المحل وكما أن الشمس سبب ~~نضج الفواكه ولكن بشرط قوة طبيعية في الفاكهة قابلة للأثر ~~فكذلك وجود المادة يكون بالعقل المفارق ولكن كونه بالعقل ~~يكون بمشاركة الصورة وتخصص صورة دون صورة لا يكون من ~~ذلك المفارق بل لا بد من سبب آخر يجعل بعض المادة أولى بقبول ~~صورة دون صورة وإلا فالمادة مشتركة للعناصر وذلك بأن يجعلها ~~مستعدة لقبول صورة مخصوصة دون أخرى وهذا لا يكون فى ~~أول الأمر إلا من الأجسام السماوية إذ تستفيد المواد بسبب ~~القرب والبعد منها استعدادات مختلفة فاذا استعدت قبلت الصورة ~~من المفارق ولأجل أن هذه الأجسام السماوية متفقة فى طبيعة كلية ~~وهى التى تقتضى الحركة الدورية فى الكل فيفيد المادة الاستعداد ~~المطلق لقبول كل صورة ومن حيث أن لكل واحد منها طبع خاص ~~توجب لبعضها استعدادا خاصا لبعض الصور ثم تكون الصورة ~~لكل مادة من المفارق فاذن أصل المادة الجسمية من الجوهر العقلى ~~المفارق وكونها محدودة الجهات من الأجسام السماوية واستعدادها ~~أيضا يكون منها ويجوز أن يكون لبعضها أيضا من بعض استعداد ~~للجزئيات كما أن النار إذا لاقت الهواء أفادته الاستعداد لقبول ~~صورة النارية فتفيض عليه من المفارق وفرق بين كونه مستعدا ~~وبين كونه بالقوة إذ معنى القوة أنها تقبل الصورة ونقيضها ومعنى ~~الاستعداد أن يترجح صلاحه لقبول إحدى الصورتين على ~~الخصوص فتكون القوة على وجود الشىء وعدمه بالسواء ~~والاستعداد ms131 للوجود وحده بأن تصير إحدى القوتين أولى من ~~الأخرى كما ان مادة الهواء قابلة للصورة النارية والمائية بالسواء ~~ولكن غلبة البرد يجعلها لقبول صورة المائية أولى فينقلب ماء بقبول ~~صورة المائية من المفارق عند استفادة الاستعداد من السبب المبرد ~~ولمثل هذا كانت المادة المجاورة للجسم المتحرك على الدوام أولى ~~بصورة النار لمناسبة الحركة للحرارة والمادة التى هى أولى بالسكون ~~كانت هى البعيدة منه فعلى هذا الوجه يكون وجود هذه الأجسام ~~القابلة للكون والفساد أعنى العناصر فقد ظهر من هذا سبب ~~الاستعداد الأول الذى للهيولى بالاضافة إلى الصور كلها ثم سبب ~~استعدادها الخاص بالاضافة إلى الطبائع الأربعة ثم يحدث بامتزاج ~~هذه العناصر أجسام أخر أولها حوادث الجو من البخار والدخان ~~والشهب وغيرها وثانيها المعادن وثالثها النبات ورابعها الحيوان ~~وآخر رتبتها الانسان وكل هذا يحصل بامتزاج العناصر فمن امتزاج ~~صورة المائية والهوائيه يحدث البخار ومن امتزاج النارية والترابية ~~يحدث الدخان فيحصل بالاختلاط الأول حوادث الجو ويكون ~~سبب اختلاطها حركات تحصل فيها من الحرارة والبرودة الصادرة ~~من الأجسام السماوية وتستفيد الاستعداد منها ثم تفيض الصور ~~من واهب الصور فاذا حصل امتزاج أقوى من ذلك وأتم وانضاف ~~اليه شروط حصل استعداد لصور الجواهر المعدنية فتفيض تلك ~~الصور أيضا من واهبها وإن كان الامتزاج أتم من ذلك حصل ~~النبات فان كان أتم حصل الحيوان وأتم الامتزاجات مزاج نطفة ~~الانسان الذى له استعداد لقبول صورة الانسانية وسبب هذه ~~الاستعدادات الحركات السماوية والأرضية واشتباكها وسبب ~~الصور الجوهر المفارق فلا تزال السماويات مفيدة للاستعدادات ~~والمفارق مفيد للصور حتى يتم بهما دوام الوجود وليست هذه ~~الامتزاجات بالاتفاق بل أسبابها متسقة على نظام وهو الحركات ~~السماوية فلذلك يرى بعض الأشياء باقية بأعيانها وهى الكواكب ~~وبعضها لا يمكن بقاء عينها كالنبات والحيوان فدبر لبقائها بقاء نوعها ~~وذلك تارة بالتولد من التراب عند حصول الاستعداد بسبب سماوى ~~مخصوص وتارة يكون بالولادة وهو الأغلب إذ خلق فى كل نوع ~~قوة تنتزع منه جزءا يشبهه بالقوة فيكون سببا لوجود مثله منه فهذا ~~سبب حدوث ms132 هذه الحوادث ولا حادث إلا فى مقعر فلك القمر ~~فاما الأجسام السماوية فانها ثابتة على حالة واحدة فى ذواتها وأعراضها ~~إلا فما هو أخس أعراضها وهو الوضع والاضافة إذ بحركاتها المتقابلة ~~يحصل الثليث بين الكوا كب والتسديس والمقارنة والمقابلة ~~والتربيع واختلاف مطارح الشعاع وأنواع من الامتزاجات تذكر ~~فى علم النجوم وليس فى قوة البشر استيفاء جميعها فيكون تلك سببا ~~لاختلاف هذه الامتزاجات والاستعدادات لاستفادة الصور من ~~واهب الصور الذى لا يبخل بالافاضة والافادة وإنما لا تحصل ~~الصور منه فما لا يحصل لقصور فى القابل لا لمنع من جهته فاذا ~~اختلفت تلك المناسبات السماوية بالنوع حصلت استعدادات مختلفة ~~بالنوع وفاضت صور مختلفة كصورة الفرس والانسان والنبات ~~فان المادة القابلة لصورة الفرس لا تقبل صورة الانسان البتة ولذلك ~~لم يلد فرس إنسانا قط وإذا تفاوتت فى القوة مع اتحاد النوع أوجبت ~~تفاوتا فى صفة الاستعداد فتتفاوت صورة النوع الواحد فى الكمال ~~والنقصان فما من حيوان ناقص بعضو أو صفة إلا ونقصانه لسبب ~~فى رحم أمه أو فى وقت التربية أو فى أمر من الأمور المتعلقة به ~~ويكون ذلك السبب بسبب آخر وكذلك سببه ولا يتسلسل إلى غير ~~نهاية فترتقى بالآخرة إلى الحركات السماوية فحصل من هذا أن ~~الخير فائض على الكل من المبدأ الأول بواسطة الملائكة حتى ~~وجد كل ما كان فى الامكان وجوده على أحسن الوجوه وأكملها ~~فكل ما هو موجود فوجوده كما ينبغى ولا يمكن أن يكون أتم منه ~~والمادة التى منها الذباب لو قبلت صورة أكمل من صورة الذباب ~~لفاضت من واهبها إذ لا بخل ثمة ولا منع وإنما هو فياض بالطبع كما ~~يفيض النور من الشمس على الهواء والأرض والمرآة والماء ~~فيختلف أثره حتى لا يظهر فى الهواء ويظهر على الأرض ولا ينعكس ~~منه الشعاع ويظهر فى المرآة والماء وينعكس الاشراق لا لتفاوت جاء ~~من ناحية الشمس بل لاختلاف استعداد المواد وينبغى أن يعلم أن ~~الذباب خير من مادة الذباب لو تركت كذلك ولولا أنه كذلك لما ~~وجد* ms133 فان قيل نرى الدنيا طافحة بالشرور والآفات والفواحش ~~كالصواعق والزلازل والطوفانات وكالسباع وغيرها وكذا فى نفوس ~~الآدمين من الشهوة والغضب وغيرهما فكيف صدر الشر من ~~الأول أبقدر أم بغير قدر فان لم يكن بقدر فقد خرج عن قدرة ~~الأول ومشيئته شىء فهو مما ذا وإن كان بقدر فكيف قدر الشر ~~وهو خير محض لا يفيض منه إلا الخير فيقال لا ينكشف سر القدر ~~إلا بذكر معنى الخير والشر* أما الخير فيطلق على وجهين. # (أحدهما): أن يكون خيرا فى نفسه ومعناه أن يكون الشىء ~~موجودا ويوجد معه كماله فاذا كان الخير هذا فالشر فى مقابلته عدم ~~الشىء أو عدم كماله فالشر لا ذات له ولكن الوجود هو خير محض ~~والعدم شر محض وسبب الشر هو الذى يهلك الشىء أو يهلك كمالا ~~من كمالاته فيكون شرا بالاضافة إلى ما أهلكه. # (والآخر): أن الخير قد يراد به من يصدر منه وجود الأشياء ~~وكمالها والأول خير محض بهذا المعنى إلا أن الأشياء بهذا الاعتبار ~~أربعة أقسام. # (الأول): ما هو خير محض لا يتصور أن يصدر منه شر. # (والثانى): ما هو شر محض لا يمكن أن يكون منه خير. # (والثالث): ما يوجد منه الخير والشرولكن الخير ليس بأغلب. # (والرابع): ما يكون منه الخير أغلب. # (أما الأول): فقد فاض من الأول وهى الملائكة فانها أسباب ~~للخيرات لا يكون منها شر. # (وأما الثانى): لم يوجد منه وهو ما لا يتصور أن فيه خير بل ~~هو شر محض. # (وأما الثالث): فهو الذى غلب فيه الشر فحقه أن لا يوجد ~~أيضا إذ احتمال الشر الكثير لأجل الخير القليل شر وليس بخير. # (وأما الرابع): فينبغى أن يوجد وذلك مثل النار مثلا فان فيها ~~قواما عظيما للعالم إذ لو لم تخلق لاختل نظام العالم وعظم الشر فى ~~اختلاله ولو خلق لكان لا محالة يحترق ثوب الفقير لو انتهى اليه ~~بمصادمات الأسباب وكذلك المطر إن لم يخلق بطلت الزراعة ~~وخرب العالم ولو خلق فلا بد أن يخرب سطح بيت العجوز إذا ~~نزل ms134 عليه وليس يمكن خلق مطر يميز فى نزوله بين موضع وموضع ~~فلا يقع على السطوح ويقع على الزرع الذى فى جواره فان هذا ~~فعل من مختار وصورة الماء بمجردها من غير امتزاج لا تقبل صورة ~~الحياة ولو مزج بغيره وجعل حيوانا لكان لا يحصل منه فائدة الماء ~~بكمالها كما لم يحصل من هذه الحيوانات فالمفيد للخير بين أن يخلق ~~المطر لخير العالم ولا يعبأ بالشر النادر الذى يتولد منه ويلزمة ~~بالضرورة وبين أن لا يخلق المطر ليصير الشر عاما وإذا قوبل هذا ~~بذلك علم قطعا إن الخير فى أن يخلق ومن هذا خلق. # (زحل والمريخ والنار والماء والشهوة والغضب): فان هذه ~~أمور لو لم تكن لبطل بسبب فقدها خير كثير ولا يمكن خلقها إلا ~~ويلزم منها شر قليل وعلم أن ذلك مما يلزم منه مرضى به فالخير ~~مقضى به بالذات والشر مقضى به بالعرض ومرضى بالعرض وكل ~~بقدر* فان قيل كان ينبغى أن يخلق بحيث يكون خيرا محضا فيقال ~~معنى هذا السؤال أنه كان ينبغى أن لا يخلق هذا القسم لأن القسم ~~الذى هو خير محض فقد وجد وبقى فى الامكان ما لا يتمحض ~~خيره ولكن يكثر خيره ويقل شره وكان الخير فى وجوده لا فى ~~عدمه فلو لم يكن كذلك لم يكن هذا القسم فمعنى السؤال أن النار ~~ينبغى أن يخلق بحيث لا يكون نارا وزحل بحيث لا يكون زحلا ~~وهو محال فان قيل فلم قلتم إن الشر قليل قلنا لأن الشر عبارة عن ~~الهلاك والنقصان ومعناه عدم ذات أو عدم صفة ذات هو كمال ~~بالذات وهذا يستحيل فى حق الملك والفلك كما سبق ولا يوجد ~~هذا إلا من حيث توجد الصور المتضادة وهى العناصر إذ يعدم ~~بعض الصور بعضا لتضادها لا محالة فلا يكون ذلك إلا فى الأرض ~~ولو كان الشر عاما فى كل الأرض لكان قليلا إذ كل الأرض قليلا ~~بالاضافة إلى الوجود فكيف والسلامة غالبة وإنما توجد هذه ~~الشرور فى حق الحيوانات وهى أقل ما فى ms135 الأرض ثم لا يوجد إلا ~~فى أقل الحيوانات إذ أكثرها يسلم والذى لا يسلم فانه فى أكثر أحواله ~~يسلم وإنما يتغير فى بعض الأحوال أو فى بعض الصفات لا فى الكل ~~فلا يخفى أنه نادر بالاضافة إلى الخير* وعلى الجملة فكل هذا لا يرجع ~~إلا إلى فساد أحوال الذات والخوف من عدم الذوات حيث يتصور ~~الخوف أشد من الخوف من عدم الصفات فالشر هو عدم وإدراك ~~العدم هو الألم والخير هو الكمال وإدراكه هو اللذة فقد اتضح ~~كيفية صدور هذه الموجودات من الأول وكيفية ترتبها وكيفية ~~دخول الشر فيها وكيفية دخوله تحت القضاء والقدر وإنما منع من ~~ذكر سر القدر لأنه يوهم عند العوام عجزا فان الصواب فى أن ~~يلقى اليهم أن الأول قادر على كل شىء ليوجب ذلك تعظيما فى ~~صدورهم فلو فصل وقيل لا بل هو قادر على كل ممكن وقسمت ~~الأمور إلى ممكنة وغير ممكنة وقيل إن خلق النار بحيث يطبخ به ~~الطبيخ ويذاب به الجوهر ولكنه لا يحرق حطب الفقير إذا وقع فى ~~داره غير ممكن لظنوا أن ذلك عجز بل لو قيل لبعضهم أنه لا يقدر ~~على خلق مثل نفسه ولا على الجمع بين السواد والبياض لظن ذلك ~~عجزا فهذا هو سر القدر على ما قيل والله أعلم بالصواب. # ~~(الطبيعيات) ~~بسم الله الرحمن الرحيم ~~القسم الثالث ~~(الفن الثالث فى الطبيعيات) # قد ذكرنا أن الموجود ينقسم إلى جوهر وعرض والعرض ~~ينقسم إلى ما يفهم من غير إضافه إلى الغير كالكمية والكيفية وإلى ~~ما لا يفهم إلا بالاضافة وهو متفرع على الجوهر والكيفية والكمية ~~وأن العلم بالجوهر والعرض وأحكام الوجود من الالهيات وأن ~~التقسيم ينزل منه إلى الكمية التى هى موضوع الرياضيات وإلى ~~ما يتعلق بالمواد تعلقا لا يقبل التجريد عنها فى الوهم والوجود وهو ~~موضوع نظر الطبيعيات فانه يرجع إلى النظر فى جسم العالم من ~~حيث وقوعه فى التغير والحركة والسكون فينحصر مقصوده فى ~~أربع مقالات. # (واحدة): فيما يلحق سائر الأجسام وهى أعم أمورها كالصورة ~~والهيولى ms136 والحركة والمكان. # (والثانية): فيما هو أخص منه وهو نظر فى حكم البسيط من ~~الأجسام. # (والثالثة): النظر فى المركبات والمتزجات. # (والرابعة): النظر في النفس النباتى والحيوان والانسانى وبها ~~يتم الغرض. # (المقالة الأولى): فيما يعم سائر الأجسام وهى أربعة الصورة ~~والهيولى إذ لا ينفك عنهما جسم وقد ذكرناهما والحركة والمكان ~~فلا بد الآن من ذكرهما. # (القول فى الحركة): ولا بد من بيان حقيقتها وبيان أقسامها* ~~أما الحقيقة فالمشهور أن الحركة تطلق على الانتقال من مكان إلى ~~مكان فقط ولكن صارت باصطلاح القوم عبارة عن معنى أعم منه ~~وهو السلوك من صفة إلى صفة أخرى تصيرا اليه على التدريج* ~~وبيانه أن كل ما هو بالقوة وأمكن أن يصير بالفعل ينقسم إلى ما يصير ~~بالفعل دفعة واحدة كالأبيض يسود دفعة وكالمظلم يستنير دفعة ~~استنارة مستقرة واقفة لا تزيد وإلى ما يصير بالفعل تدريجا فيكون ~~له بين القوة المحضة وبين الفعل المحض سلوك ويتدرج فى الخروج ~~من القوة إلى الفعل ولا يكون هو محض القوة لأنه ابتدأ فى الخروج ~~منها ولا محض الفعل فانه لم ينته بعد إلى الحد الذى هو المقصود ~~واليه التوجه كالمظلم مثلا وقت الصبح يستنير تدريجا فلا يكون نيرا ~~بالقوة المحضة إذا ابتدأ بالوجود ولا يكون بالفعل المحض لأن الحد ~~الذى هو المقصود بالحصول لم يحصل وكذلك إذا ابتدأ الجسم ~~بالاسوداد مفارقا للبياض فما دام سالكا بين البياض والسواد يسمى ~~متحركا أى متغيرا على التدريج والانتقال من حال إلى حال إنما ~~يقع فى المقولات العشر لا محالة. # (قسمة أولى للحركة) ~~ولا تقع الحركة من جملتها إلا فى أربعة. # (الحركة المكانية والانتقال فى الكمية وفى الوضع وفى ~~الكيفية): أما المكان فلا يتصور منه الانتقال دفعة إذ المكان قابل ~~للانقسام والجسم كذلك فانما يفارق مكانه جزءا بعد جزء ويتقدم ~~البعض منه على البعض* لا يتصور إلا كذلك ففى الكون فى ~~المكان حركة وكذا في الوضع وهو الانتقال من الجلوس إلى ~~الاضطجاع وكذا الانتقال من الكمية بأن يكبر الشىء أو يصغر ~~وكأن كل واحدة ms137 من حركة الوضع والكمية أيضا لا يخلو عن ~~الحركة المكانية* وأما الكيفية فيجوز فيها الانتقال دفعة كما لو ~~اسود دفعة ويجوز فيه الحركة وذلك بأن يسود تدريجا* وأما ~~الانتقال فى الجوهر فلا يتصور فيه الحركة فالماء يستحيل هواء دفعة ~~والنطفة تستحيل إنسانا دفعة *وبرهانه أنه إذا ابتدأ فى التغير فلا ~~يخلو إما أن يبقى النوع الذى كان أو لم يبق فان بقى فهو بعد غير ~~زائل عما كان عليه إذ هو إنسان مثلا ولا يتصور تفاوت فى الجوهر ~~فلا يكون إنسان اشد إنسانية من آخر بخلاف السواد وإن زال ~~النوع بالكلية فهو زائل بالكلية فاذا الجوهرية تغيرت بها عن النوعية ~~والاستحالة من النوع مزيلة للنوع فان كان النوع باقيا كانت الاستحالة ~~فى العرض لا فى الفصل والجنس أعنى أنه لا فى الحد والحقيقة* ~~والحركة المستديرة حركة فى الوضع لا فى المكان لأنها لا تفارق ~~المكان بل تدور فى مكان نفسها والسماء الأقصى ليس له مكان كما ~~سيأتى وهى متحركة* وأما الكمية فيتصور فيها حركتان. # (إحداهما): بالغذاء وهو النمو والذبول. # (والأخرى): بغير عذاء وهو التخلخل والتكاثف والنمو ~~بالغذاء هو أن يستمد الجسم المغتذى من جسم آخر قريب منه بالقوة ~~فيتشبه به بالفعل وينمو به الجسم إلى تمام النشو* والذبول هو أن ~~ينقص الجسم لا بسبب تخلخل أجزائه بل بسبب فقد غذاء يسد مسد ~~ما يتحلل منه وإنما يحتاج إلى الغذاء جسم يتحلل منه على الدوام شىء ~~بسبب احتفاف الهواء المحيط به لرطوبته وبسبب إذابة الحرارة الغريزية ~~إياه فيكون الغذاء جابرا لما يتحلل منه دائما* وأما التخلخل فهو أن ~~يتحرك الجسم إلى الزيادة من غير مدد من خارج ولكن يكبر فى ~~نفسه من غير أن يقبل شيئا من خارج بأن يقبل مقدارا أكثر من ~~مقداره الأول كالماء يسخن فيكبر فاذا سد رأس الاناء لم يتسع له ~~فينكسر وكالطعام فى البطن ينتفخ ويتبخر فيعظم مقداره فيكبر ~~البطن بسببه منتفخا وإذا بان أن الهيولى ليس لها مقدار بذاتها وأن ~~المقدار عرضى لها لم يكن ms138 بعض المقادير أولى بها من بعض حتى يتعين ~~لها قبول مقدار مخصوص بل لا يستحيل أن تقبل أقل وأكثر وإن لم ~~يكن ذلك جزافا وكيف كان ولا إلى حد معلوم* وأما التكاثف ~~فهو حركة إلى النقصان لقبول مقدار أصغر من غير إبانة شىء منه ~~كالماء إذا جمد صار أصغر. # (قسمة ثانية للحركة باعتبار سببها) ~~الحركة تنقسم إلى ما هو بالعرض وبالقسر وبالطبع فالتى بالعرض ~~هو أن يكون الجسم فى جسم آخر فيتحرك الجسم المحيط ويحصل فى ~~الجسم المحاط حركة بمعنى أنه ينتقل من مكانه العام دون الخاص ~~كالكوز الذى فيه ماء إذا نقل فان الماء فى مكانه الخاص وهو ~~الكوز لم ينتقل ولكن لما انتقل الكوز من بيت إلى بيت صار الماء ~~أيضا منتقلا من بيت إلى بيت والمكان الخاص للماء هو الكوز ~~دون البيت فحركة الماء بالحقيقة هو أن يخرج من الكوز* وأما ~~القسرى فهو أن يترك مكانه الخاص ولكن بسبب خارج من ذاته ~~كانتقال السهم بالقوس وانتقال الشىء بما يجذبه أو يدفعه كما ينتقل ~~الحجر إلى فوق إذا رمى إلى فوق* وأما الطبعى فهو أن يكون له من ~~ذاته كحركة الحجر إلى أسفل والنار إلى فوق وكتبرد الماء طبعا إذا ~~سخن قسرا وهذا لأن الجسم إذا تحرك فلا بد له من سبب وسببه ~~إن كان خارجا من ذاته سمى قسرا وإن لم يكن خارجا من ذاته ~~سمى طبعا ولا شك فى أنه لا يتحرك من ذاته لكونه جسما إذ لو كان ~~كذلك لكان متحركا دائما ولكان لكل جسم على وجه واحد بل ~~لمعنى يزيد عليه يسمى ذلك المعنى طبيعة ثم ينقسم إلى ما يكون بغير ~~إرادة كحركة الحجر إلى أسفل فيخص باسم الطبع إن اتحد نوعه ~~وإن تحرك إلى جهات مختلفة يسمى نفسا نباتيا كحركة النبات وإن ~~كان مع إرادة وكان فى جهات مختلفة يسمى نفسا حيوانيا وإن كانت ~~الجهة متحدة كحركة الفلك يسمى نفسا ملكيا أو فلكيا فان قيل فلم ~~قلتم بأن حركة الحجر والنار طبيعى فلعل ms139 الحجر يدفعه الهواء إلى ~~أسفل أو تجذبه الأرض إلى نفسها والزق المملوء هواء فى الماء إنما ~~يصعد لأن الهواء يجذبه أو لأن الماء يدفعه فيقال برهان بطلان ~~ذلك إنه لو كان كذلك لكان الصغير أسرع حركة من الكبير فان ~~جذب الصغير ودفعه أيسر والأمر بضد هذا فدل أنه من ذاته والا ~~لما اشتد لكبر ذاته وضعف بصغر ذاته. # (قسمة ثالثة للحركة) ~~الحركة تنقسم إلى مستديرة كحركة الأفلاك وإلى مستقيمة ~~كحركة العناصر والمستقيمة تنقسم إلى ما هو إلى المحيط عن الوسط ~~ويسمى خفة وإلى ما هو إلى الوسط ويسمى ثقلا وكل واحد ينقسم ~~إلى ما هو إلى الغاية كحركة النار إلى المحيط والأرض إلى المركز ~~وإلى ما هو دونه كحركة الهواء من الماء إلى ما فوقه وكحركة الماء ~~من الهواء إلى ما فوق الأرض فالحركة باعتبار الوسط ثلاث حركات ~~حركة على الوسط وهى الدورية* وحركة عن الوسط* وحركة ~~إلى الوسط. # (القول فى المكان): القول في المكان طويل ووجيزه أن له ~~بالاتفاق أربع خواص. # (أحدها): أن الجسم ينتقل منه إلى مكان آخر ويستقر الساكن ~~فى أحدهما. # (والثانى): أن الواحد منه لا يجتمع فيه اثنان فلا يدخل الخل ~~فى الكوز ما لم يخرج الماء ولا يدخل الماء ما لم يخرج الهواء. # (والثالث): أن فوق وتحت إنما يكونان فى المكان لا غير. # (والرابع): أن الجسم يقال أنه فيه فبهذا غلط من ظن أن ~~المكان هو الهيولى لكون الهيولى قابلا لشىء بعد شىء كما أن المكان ~~كذلك وهو خطأ لأن الهيولى هو قابل للصورة والمكان عبارة عما ~~يقبل الجسم لا الصورة وظن فريق أنه الصورة لأن الجسم يكون فى ~~صورة غير مفارقة له وهو غلط لأن الصورة لا تفارق عند الحركة ~~وكذا الهيولى والمكان يفارق بالحركة وقال فريق مكان الجسم ~~هو مقدار البعد الذى بين طرفى الجسم فمكان الماء هو الذى بين ~~طرفى مقعر الكوز وهو الذى يشغله الماء ثم اختلف هؤلاء* فقال ~~فريق يستحيل تقدير هذا البعد خاليا بل لا يكون الاملاء* وقال ~~أصحاب ms140 الخلاء يجوز أن يفرغ هذا البعد عن جسم يملؤه فأثبتوا ~~خلاء وراء سطح العالم لا نهاية له وأنبتوا فى داخل العالم خلاء أيضا ~~ولا بد من إبطال تقدير إمكان الخلاء. # (أما المذهب الأول): وهو أن المكان هو البعد فانما يستقيم ~~لو فهم أن بين طرفي الكوز بعدا يستوى بعد الماء الذى فيه أو الهواء ~~فعند ذلك يكون مكانا للماء أو الهواء وذلك ليس بمعلوم فان المشاهدة ~~ليست تدل إلا على بعد الجسم الذى فى الكوز فاما بعد آخر مداخل ~~له فلا* فان قيل لو قدرنا خروج الماء من غير دخول الهواء لبقى ~~البعد بين الطرفين فهذا ليس بحجة وإن كان صادقا لأنه بناء على محال ~~إذ يستحيل أن يخرج الماء من غير دخول الهواء والصادق إذا ابتنى ~~على محال لم يكن صادقا دون ذلك المحال فانك لو قلت الخمسة لو ~~انقسمت بمتساويين لكان زوجا فهو صادق ولكن لا يجوز أن ~~يتوصل به إلى أنه زوج فكذلك لو خلا الكوز لكان فيه بعد ~~ولكن المقدم محال فالتالى لا يلزم منه فهذا من حيث المطابقة ليفهم ~~ما قالوه* وأما البرهان على استحالته فهو أن بعد الجسم بين طرفى ~~الكوز معلوم فان فرض بعد آخر فقد دخل فى بعد الجسم والابعاد ~~يستحيل تداخلها بدليل أن الأجسام لا تتداخل وليس ذلك لكونها ~~جوهرا لأن البعد عند هؤلاء قائم بنفسه فهو جوهر ومع هذا دخل ~~في الجسم ولا لكونه باردا أو حارا أو غيره من الأعراض إذ لو كان ~~كذلك لجاز التداخل عند عدم تلك الصفة فلا سبب له إلا أنه ~~ذو بعد والأبعاد لا تتداخل ومعناه أن ما بين طرفى الصندوق مثلا ~~ذراع من الهواء وهذا الجسم أيضا ذراع فلو دخل فيه دون خروج ~~الهواء لكان قد صار الذراعان ذراعا واحدا مع وجود الجسمين ~~المذروعين ويستحيل أن يصير ذراعان ذراعا واحدا وكما يستحيل ~~هذا فى ذراع هو هواء يستحيل فى غيره فاذن لا يتداخل بعد ان فانه إن ~~أريد بالتداخل أن أحدهما انعدم وبقى ms141 الآخر فهذا انعدام وإن أريد ~~بقاؤهما جميعا رجع إلى أن ذراعين ذراع واحد وهو محال ولأنه إذا قدر ~~البعدان جميعا موجودين فبم يعرف الاثنينية* والدليل الذى أبطل ~~دعوى سوادين فى محل واحد يبطل هذا فان الاثنينية لا تفهم إلا بعد ~~مفارقة الواحد الآخر بعرض من الأعراض كما سبق برهانه فاذا تداخل ~~البعدان جميعا وأحدهما لا يفارق الآخر فأى فرق بين قول القائل ~~أن ههنا بعدين وبين قوله ثلاثة أبعاد وأربعة أبعاد وهذا محال ولا ~~بجوز الفرق بوصف كان موجودا وعدم حالة التداخل لأن المعدوم ~~لا يوقع التفرقة بين الشيئين* أما بطلان الثانى وهو إبطال الخلاء فما ~~ذكرنا أيضا كفاية لأن فيه قولا بتداخل الأبعاد ولكنا نزيد أدلة ~~(الأول): أن الخلاء إنما يقع في الأوهام من الهوا لأن الحس ~~لا يدركه فيظن الانسان أن الكوز الذى لا ماء فيه فارغ خال فينغرس ~~فى الأوهام تصور الخلاء فان ما توهمه أرباب الخلاء هو شىء مثل ~~الهواء لأن له مقدارا مخصوصا وهو قائم بنفسه وهو منقسم* ونحن ~~لا نريد بالجسم إلا ما وجد فيه هذه الصفات وبهذا الاعتبار كان ~~الهواء جسما فالخلاء ليس عدما محضا فانه يوصف بأنه صغير وكبير ~~ومسدس ومربع ومستدير وأن هذا الخلاء يتسع لذراعين من ~~الملاء لا أكثر منه ولو كان أقل منه فلا يطابقه والنفى المحض ~~لا يوصف بمثل هذه الأوصاف فهو موجود قائم بنفسة ليس بعرض ~~وله مقدار ويقبل القسمة ونحن لا نعنى بالجسم إلا هذا بدليل الهواء ~~(الثانى): أنه لو كان الخلاء موجودا لكان الجسم فيه غير ساكن ~~ولا متحرك والتالى محال فالمقدم محال* وإنما قلنا أن السكون فى الخلاء ~~محال لأن السكون إما أن يكون بالطبع أو بالقسر فان فرض سكون ~~الجسم فى جزء من الخلا بالطبع فهو محال لأن أجزاء الخلاء متشابهة ~~لا اختلاف فيها وإن فرض بالقسر فانما يكون بالقسر إذا كان له ~~موضع آخر ملائم على خلاف ما هو فيه وإذا انتفى الاختلاف انتفى ~~الافتراق فى حق الطبع والقسر بعد الطبع* وأما ms142 الحركة فى الخلاء ~~فهو أيضا محال بدليلين. # (أحدهما): ما ذكرنا فانه إن كان بالطبع فكأنه يطلب موضعا ~~مخالفا لما كان فيه ولا اختلاف فيه وكذا القسر. # (والثانى): أنه لو كان فى الخلاء حركة لكان فى غير زمان وهو ~~محال فالمقدم محال ووجه استحالته ما قد سبق أن كل حركة ففى زمان ~~لأن كونه في الجزء الأول قبل كونه في الثانى لا محالة وإنما لزم هذا ~~المحال لأن الحجر يتحرك إلى أسفل فى الهواء أسرع من أن يتحرك ~~في الماء لأن الهواء أرق وممانعته ودفعه أقل ولو صار الماء ثخينا بدقيق ~~أو غيره لصارت حركة الحجر فيه أبطأ أيضا لما يحصل فيه من ~~الممانعة والدفع فنسبة الحركة إلى الحركة في السرعة والبطؤ كنسبة ~~الرقة إلى الثخانة فى الممانعة والدفع فاذا فرضنا حركة فى خلاء مائة ~~ذراع مثلا فى ساعة ثم فرضنا حركة ذلك الجسم مع تقدير وجود الهواء ~~أو الماء فى تلك المسافة فلا بد أن يكون أبطأ فليقدر أنه في عشر ~~ساعات فلو قدرنا الملاء بشىء بدل الماء أرق منه إلى حد يكون نسبته ~~فى الممانعة اليه العشر فتكون الحركة فى ساعة فيؤدى إلى مساواة ~~الحركة مع وجود أصل المنع للحركة في الخلاء مع عدم المنع وإذا ~~كان التفاوت فى قدر المنع يوجب التفاوت فى الحركة فالتفاوت ~~فى وجود المنع وعدمه كيف لا يوجب وهذا برهان قاطع يثبت ~~ما ذكرنا من لزوم اشتمال كل جسم على ميل فيه. # (الثالث): وهو من العلامات الطبيعية على إبطال الخلاء أن ~~الطاس من الحديد إذا ألقى على الماء لم يغص فيه ولا سبب له إلا ~~أن الهواء متشبث بمقعره فانه لو غاص الطاس فالهواء لا يساعده حتى ~~يحصل فى حيز الماء لأنه يطلب الصعود من حيزه ولو انفصل عنه ~~واستمسك فى حيزه وغاص الطاس حصل خلاء بين سطح الطاس ~~وسطح الهواء المنفصل وهو محال وعلى هذا بنيت السفينة ولذلك ~~لو خرج الهواء من الطاس أو السفينة وملىء بماء لرسب وكذلك ~~كوبة الحجام تخرج الهواء ms143 بالمص فينجذب معه بشرة المحجوم لأنه ~~لو لم ينجذب لحصل خلاء وهو محال وكذلك سراقة الماء يتماسك ~~الماء فيها مع التنكيس لذلك فلو خرج الماء لم يجد فى أسفل السراقة ~~ما يستخلفه فيخلو ويستحيل وجود الخلاء وانفصال سطوح ~~الأجسام بعضها من بعض من غير خلف وكذلك القارورة قد ~~توضع على الهاون وضعا مهندما ثم يرتفع الهاون برفعها إلى غير ~~ذلك من جملة الحيل التى بنيت على استحالة الخلاء فان قيل ما حقيقة ~~المكان قيل ما استقر عليه رأى أرسطاطاليس هو الذى أجمع عليه ~~الكل وهو أنه عبارة عن سطح الجسم الحاوى أعنى السطح الباطن ~~المماس للمحوى لأن العلامات الأربعة المذكورة موجودة فيه وكل ~~ما وجدت فيه تلك العلامات فهو مكان فقد وجدت فى السطح ~~الباطن من الجسم الحاوى فهو مكان ولم يوجد فى صورة ولا فى ~~هيولى ولا غيره فلا يكون مكانا فاذا جملة العالم ليس فى مكان أصلا ~~ولذلك لا يجوز أن يقال لم اختص بهذا الحيز فلم يكن أرفع منه أو ~~أسفل لأن الخلاء محال فليس ثمة أرفع وأسفل وأما النار فمكانها ~~محيط فلك القمر من الباطن ومكان الهواء السطح الباطن من النار ~~ومكان الماء السطح الباطن من الهواء وعلى هذا الترتيب ينبغى ~~أن نعتمد. # (المقالة الثانية): فى الأجسام البسيطة والمكان خاصة لا يخفى ~~انقسام الجسم إلى البسيط والمركب* والبسيط ينقسم إلى ما لا ~~يقبل الكون والفساد كالسماويات وإلى ما يقبل كالعناصر الأربعة ~~وقد سبق أن السماويات لا تقبل الانخراق ولا الفساد ولا الحركة ~~المستقيمة ولا تخلو عن الحركة المستديرة وأنها كثيرة وطباعها ~~مختلفة ولها نفوس تتصور وتتحرك بالارادة وكل ذلك سبق فى ~~الالهيات ونزيد ههنا أن موادها أعنى هيولياتها مختلفة بالطبع ليست ~~مشتركة كما أن صورها مختلفة لا كالعناصر فان موادها مشتركة إذ لو ~~كانت مادتها مشتركة لكانت مادة الواحد منها تصلح من حيث ذاتها ~~أن تتصور بصورة أخرى ولو كان يتصور ذلك لكان تخصيصها ~~بصورتها بالاتفاق وبسبب اتفق ملاقاته لها ولا يستحيل أن يفرض ~~ملاقاة سبب ms144 آخر فتقبل صورة أخرى فتفسد الأولى وتتكون ~~الثانية ويلزم منه أن يتحرك الحركة المستقيمة إلى حيز الطبيعة ~~الأخرى وهو محال والممكن لا يفضى إلى المحال فدل أنه لا يمكن ~~أن تكون مادتها مشتركة ولا مماثلة لمادة العناصر هذا حكم بسائط ~~السماوات* وأما العناصر فندعى فيها أنها لا بد وأن تنقسم إلى حار ~~يابس كالنار وحار رطب كالهواء وبارد رطب كالماء وبارد يابس ~~كالأرض ثم ندعى أن الحرارة والرطوبة واليبوسة والبرودة أعراض ~~فيها لا صور ثم ندعى أنه يتصور أن تستحيل وتتغير فى تلك الأعراض ~~كما يسخن الماء وأنه ينقلب بعض هذه العناصر إلى بعض وأنه يقبل ~~كل واحد مقدارا أكبر وأصغر مما هو عليه وأنها تقبل الآثار من ~~الأجسام السماوية وأنها لا بد وأن تكون فى وسط الأجسام السماوية ~~فهذه سبع دعاوى. # (الأولى): أن هذه الأجسام القابلة للتغير والكون والفساد ~~والتركيب لا تخلو عن الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة لأنها ~~إما تكون سهلة القبول للشكل سهلة الترك له وهو المراد بالرطوبة ~~وإما أن تكون عسرة القبول للشكل أو الاتصال حتى يجوز أن يتماس ~~منه أجزاء وتبقى غير متصلة فان كانت سريعة الاتصال عبر عنه بالرطب ~~مثل الماء والهواء وإن كانت لا تتصل عند التماس يسمى ذلك يابسا ~~كالتراب والنار ثم أنها لا تخلو عن الحرارة والبرودة لأنها قابلة للمزاج ~~كما سيأتى فلا بد أن تتفاعل وأن يؤثر بعضها فى بعض والا كان ~~مجاورة ولم يكن مزاجا وفعلها إما أن يكون بالتفريق ويسمى حرارة ~~~~أو بالتعقيد ويسمى برودة ولذلك يلحقها الانكسار وذلك عند شدة ~~امتزاج الرطوبة باليبوسة واللين إنما يكون من الرطوبة والصلابة ~~من اليبوسة والملاسة الطبيعية من الرطوبة والخشونة الطبيعية من ~~اليبوسة فاذن أصول هذه الطبايع هذه الأربعة وتلحقها البقية بعدها ~~ولا تخلو هذه الأجسام عن هذه الأربعة أما الرائحة والطعم واللون ~~فيجوز أن تخلو عنها فلا لون للهواء ولا طعم للمياه ولا للهواء ولا ~~رائحة للهواء ولا أيضا فى الحجر فاذن الكيفيات الملموسة تكون فى ~~الأجسام أولا وسابقة على المرئية ms145 والمشمومة والمذوقة والمسموعة ~~فاذن يكون الاختلاط الأول لهذه الطبائع الأربعة وأما الخفة فانها ~~مع الحرارة والثقل مع البرودة وكلما زادت اليبوسة مع واحدة من ~~الحرارة والبرودة زادت الخفة والثقل فالحار اليابس أشد خفة ~~والبارد اليابس أشد ثقلا وإذا لم يكن بد من اجتماع كيفيتين لكل ~~جسم كان التركيب أربعة حار يابس ولا شىء أبلغ فيهما من النار ~~وهو البسيط الحار اليابس وحار رطب وهو الهواء وبارد رطب ~~وهو الماء وبارد يابس وهو الأرض فاذا المركبات بعدها دونها فى ~~هذه المعاني ويقاربها من المركبات ما يغلب فيه هذه الطبايع ودليل ~~أن الهواء حار بالطبع أنه يطلب جهة فوق إذا حبس فى الماء وإذا ~~أوقد النار تحت الماء وحمى تبخر وصار هواء متصاعدا نعم الهواء ~~الذى يجاور أبداننا يحس منه البرودة لأنه يمتزج بأبخرة اختلطت به ~~من الماء المجاور له ولولا أن الأرض تحمى بالشمس ويحمى بسببها ~~الهواء المجاور لها لكان الهواء أبرد من هذا ولكنه يحمى الهواء ~~المجاور للأرض إلى حد ما فتقل البرودة ويكون ما فوقه أبرد إلى حد ما ~~ثم يترقي إلى ما هو حار وإن لم يكن مثل النار فى الحرارة وأما الأرض ~~فهو يابس بارد وبرودته من حيث أنه لو ترك بنفسه لكان باردا ~~ولولا البرودة لما كان ثقيلا كثيفا طالبا جهة تناقض جهة النار فى ~~البعد فاذن الأجسام البسيطة هذه الأربعة وهى أمهات الأجسام ~~وسائر الأجسام يحصل من امتزاجها. # (الدعوة الثانية): أن هذه الصفات الأربع أعراض وليست ~~بصور كما ظنه قوم لأن الصورة جوهر وهو لا يقبل الزيادة والنقصان ~~والأشد والأضعف وهذه الأجسام تتفاوت فى الحرارة والبرودة ~~فرب ماء أبرد من ماء ولأن صورة الماء لو كانت البرودة لكانت ~~تبطل صورته بالحرارة وكان يجب أن يفارق مكانه إلى مكان الحار ~~ولما كان تبقى حقيقة المائية بل كان يفسد بفساد البرودة ولو كانت ~~صورة الهواء الخفة والحركة إلى فوق لكان إذا حبس فى وسط ~~الماء فى زق لم يكن هواء لزوال صورته فهذه أعراض وإنما صورة ~~العنصر ms146 طبيعة أخرى أعنى أنها حقيقة حالة فى الهيولى لا تدرك فى ~~نفسها بالحواس وإنما المدرك بالحواس من اللون والبرودة والرطوبة ~~أعراض تصدر من تلك الطبيعة وإنما عرفت بفعلها فانها تفعل فى ~~جسمها السكون فى محله الطبيعى والرد اليه عند المفارقة ويوجب ~~الميل الذى يعبر عنه بالخفة والثقل ويوجب فى كل جسم كيفية خاصة ~~وكمية خاصة فطبيعة الماء تظهر فيه البرودة وإذا أزيلت البرودة ~~عنه بالقسر ردتها اليه عند انقطاع القاسر كما أنه يوجب حركة إلى ~~أسفل مهما رمى إلى فوق قهرا وذلك إذا زالت القوة القاهرة وكذلك ~~ربما يتغير مقدار الماء بالقهر إلى أصغر وأكبر فان زال القهر عاد ~~إلى مقداره الطبيعى فاذن لكل واحد من هذه الأربع صورة هى ~~حقيقته ووجوده وهذه الكيفيات المحسوسة أعراض. # (الدعوى الثالثة): إن هذه العناصر تقبل الاستحالة والتغير ~~فيجوز أن يصير الماء حارا أى تحدث صفة الحرارة فى نفس الماء ~~وكذا سائر العناصر وتحدث الحرارة بثلاثة أسباب. # (أحدها): أن يجاوره جسم حار مثل النار فانها تسخن الماء. # (والثانى): الحركة كما أن اللبن يحمى فى الممخض بالحركة ~~والماء الجارى أحر من الماء الراكد وإذا حك حجر بحجر حمى ~~وظهر منه النار. # (والثالث): الضوء فانه إذا صار جسم مضيئا حمى كما أن المرآة ~~الحراقة تحرق بضوئها وقد خالف قوم فى هذا فقالوا إن الماء لا يحمى ~~والأرض كذلك وإن الهواء لا يبرد فتكلفوا لهذه الأقسام وجها ~~فقالوا إذا جاور الماء النار انفصل من أجزاء النار ما يمتزج بأجزاء الماء ~~ن ~~فيكون الحار أجزاء النار ورودة الماء تصير مستورة لكون أجزاء ~~النار غالبة والا فهو فى نفسه بارد كما كان ومهما انقطع مدد النار ~~انفصلت منه أجزاء النار وعادت البرودة ظاهرة بعد أن كمنت لا أنها ~~عدمت فاما الشىء فانما يحمى بالحركة لأن باطنه لا يخلو عن أجزاء ~~من النار فالحركة تخرج الأجزاء إلى الظاهر وأما الضوء فانه ~~لا يجعل غيره حارا فانه ليس بعرض بل هو جسم حار فى نفسه وهو ~~لطيف ينتقل من موضع إلى ms147 موضع وإنما تكلفوا هذا لأنهم ظنوا ~~أن هذه الأعراض صور فلم يجدوا وجها لزوال برودة الماء مع بقاء ~~~~صورته فتكلفوا هذا القول لذلك* وقد أبطلنا هذا الأصل ونتكلم ~~على فساد استنباطهم فى هذه الثلاث. # (أما القسم الأول): وهو أن الحركة تخرج أجزاء النار من ~~الباطن فيدل على بطلانه أنه إن كان صحيحا يجب أن يحمى ظاهره ~~ويبرد باطنه بانتقال الحارمن باطنه وليس كذلك فان السهم إذا كان ~~نصله من رصاص فرمى ذاب كله ولو خرجت الحرارة إلى ظاهره ~~لازداد باطنه انعقادا وبقى كما كان كيف ولو كسر ولمس حال ~~حرارته بالحركة وجد باطنه أحر مما كان قبل ذلك وكذا ظاهره ~~وكذا الماء إذا حرك فى الزق زمانا طويلا وجد حارا بجميع أجزائه ~~حرارة متشابهة فى الظاهر والباطن فدل أن الحرارة حدثت فى جميع ~~الأجزاء ولم تنتقل* فان قيل الحركة جعلت أجزاء النار التى كانت ~~فيها حارة بعد أن لم تكن* قيل فهذا اعتراف بالاستحالة وهو أنها ~~كانت موجودة غير حارة أو ضعيف الحرارة ثم تجددت فان قيل ~~النصل يذوب عن حرارة النار التى فى الهواء لا من حرارة فى باطن ~~النصل وكذلك يذوب أجزائه* قيل هذا باطل لأن الهواء لا يزيد ~~الحرارة على النار الصرف واللابث فى النار أشد احتراقا من المتحرك ~~فيها بسرعة لأن المؤئر يحتاج إلى زمان حتى يؤثر فكأن المتأثر في ~~الهواء أولى باحتراقه من حركة خفيفة فيه فان قيل إذا تحرك فهو ~~بسرعة حركته يجتذب نيران الهواء إلى نفسه فيدخل فى باطنه فيجتمع ~~فيه نيران كثيرة قيل خروج أجزاء النار منها إلى الهواء أسهل من ~~الدخول فيه فكان ينبغى ان يصير أبرد وأشد انعقادا لخروج النار ~~منها فان النار تدخل فى مسامه لا محالة وتلك المسام يحتمل خروج ~~النار منها كما يحتمل الدخول فيها بل انفلات النار فى موضع غريب ~~أيسر من تولجها فى موضع غريب فان كانت الحركة تمنع من الخروج ~~فلتمنع من الدخول. # (وأما القسم الثانى): وهو دخول أجزاء النار في الماء والخشب ~~عند ms148 المجاورة فذلك لا يمكن إنكاره إذ يجوز أن يكون الاختلاط ~~أحد الأسباب ولكن إذا ثبت بما سبق جواز الاستحالة لم يبعد أيضا ~~أن يستحيل فى نفسه من غير دخول أجزاء النار فيه. # (وأما القسم الثالث): وهو دعوى كون الشعاع جسما حارا فهو ~~باطل بأمور. # (الأول): أنه كان ينبغى أن لو كان حارا كلهيب النار أن يستر ~~كلما وقع عليه كما يستر النار ومعلوم أنه يظهر الأشياء ولا يسترها ~~بخلاف النار. # (والثانى): أنه كان ينبغى أن يتحرك إلى جهة واحدة والضوء ~~يتفشى فى سائر الجهات. # (والثالث): أنه كان ينبغى أن يكون وصوله من موضع بعيد ~~أبطأ من وصوله من موضع قريب ولو أسرج سراج وقت انجلاء ~~كسوف الشمس وصل ضوئهما إلى الأرض فى وقت واحد من ~~غير تفاوت. # (الرابع): أنه إذا أشرق البيت من روزنه ثم سد فجأة ودفعة ~~واحدة كان ينبغى أن يبقى البيت مضيئا بتلك الأجسام التى كانت فيه ~~إذ منعت من الانفلات بسد الرزونة فان زعموا أنه زال ضوءها لما ~~سد الروزن فهو إذن جسم يقبل الضوء تارة والظلمة أخرى فصار ~~الضوء عرضا لجسم فلا حاجة اليه بل ينبغى أن يعترف بالحق وهو ~~أن الأرض يقبل الضوء مرة والظلمة أخرى بمقابلة الشمس ومفارقتها. ~~(الخامس): أن تلك الأجسام إن كانت متفرقة فكيف ~~يتواصل الضوء فى جميع الهواء والأرض وإن كانت متواصلة غير ~~متفرقه فكيف تداخل أجسام الهواء وإذا لم تداخل كانت متفرقة ~~فكيف يتواصل الضوء على وجه الأرض. # (السادس): أنه لو كان ينتقل من الشمس أو السراج أجسام ~~مضيئة لكانت أجزاء الشمس تتحلل وينقص ضوءها فى ثانى الحال ~~لفارقة الأجزاء المضيئة إياها فان قدر أن تلك الأجسام لا تخرج ~~منها بل هى ثابتة فيها ملازمة لها يتحرك معها عند حركتها وإنما تقع ~~على الأرض فى مقابلتها فقد تقدم الجواب عنه من موضعين حيث ~~قلنا أنها كانت تستر ما وراءها وأنها تكون مداخلة لأجسام الهواء ~~فينبغى أن لا يكون منها شىء فى الهواء لأن جسما واحدا لا يجوز ~~أن يبعد ms149 عن الأرض ويقرب منها فينبغى أن لا يخلو الهواء عنه فلو ~~أخرج جسم فى الهواء لكان يجب أن لا يقع الضوء عليه إذ يستحيل ~~أن يقال أن الضوء الذى على الأرض علم اعتراض جسم فانتقل اليه. # (السابع): أنه لو كان جسما لكان انعكاسه عن الأشياء الصلبة ~~كالحجر لا عن اللينة كالماء فظهر بهذه العلامات ان الشعاع عرض ~~ومعناه أن الشمس سبب لحدوث عرض فيما يقابلها إذا كان بينهما ~~جسم شفاف ويكون الجسم المستضىء أيضا سببا لحدوث الضوء ~~فيما يقابله مرة أخرى بالعكس أو بالانعطاف ومهما قبل الشىء ~~الضوء وكان قابلا للحرارة حدثت الحرارة فيه وهى عرض آخر. # زيادة من خارج كما يكبر الماء مرة ويتصغر أخرى فمهما صار حارا ~~صار أكبر ومهما برد جمد وصار أصغر وقدره وهو فاتر بينهما ~~وقد سبق أن المقدار عرض فى الهيولى فلا يلزم أن يكون وقفا ~~على مقدار واحد ولكن نستدل الآن بالمشاهدة على صحة ذلك ~~فان الخمر فى الدن ينتفخ حتى يشقه والقمقمة التى تسمى الصياحة ~~إذا كانت مشدودة الرأس مملوءة بالماء وأوقدت النار تحتها انكسرت ~~ولا سبب لذلك إلا أن الماء صار أكبر مما كان* فان قيل لعله كبر ~~بدخول أجزاء النار فيه* قيل فكيف يمكن دخول أجزاء النار فيه ~~ولم يخرج شىء من الماء ولو خرج شىء من الماء فدخل بدله لكان كما ~~كان ولم تنكسر الصياحة ولو قيل النار طلبت جهة الفوق بطبعها ~~فلذلك كسرت* قيل فكان ينبغى أن ترفع الاناء وتطيره لا أن ~~تكسره لأنه ربما يكون الرفع أسهل من الكسر إذا كان الاناء قويا ~~وكان وزنه خفيفا ثم كان ينبغى أن تكسر الموضع الذى تلاقيه ~~ولكن السبب فيه أن الماء ينبسط فى جميع الجوانب فيدفع سطح ~~الاناء من كل جانب فينفتق الموضع الذى كان هو أضعف من ~~الاناء من أى جانب كان فاذن المقدار عرض يزيد وينقص والطبيعة ~~المقتضية للمقدار لا تزول ولكن تقبل عرضا مخصوصا ما لم يكن ~~قاسر فان وجد قاسر فربما قسر فعلها عن غاية ms150 مقتضاه. # (الدعوى الخامسة): إن هذه العناصر الأربعة يستحيل بعضها ~~إلى بعض فينقلب الهواء ماء أو نارا والماء هواء أو أرضا وكذلك ~~باقيها وقد أنكر هذا قوم* وبرهانه المشاهدة وهو أن منفخ ~~الحدادين لو نفخ فيه زمانا متطاولا نفخا قويا حمى ما فيه من الهواء ~~واحترق وصار نارا ولا معنى للنار إلا هواء محترق ولو ركب كوز ~~من الزجاج مثلا في وسط الثلج تركيبا مهندما برد الهواء الذى فى داخله ~~واستحال ماء واجتمع قطرات على سطحه فاذا كثرت اجتمعت فى ~~اسفله وليس ذلك بدخول الماء فيه من المسام فان الماء الخارج ~~لا ينقص ولو كان بدل البارد ماء حار كان أولى بالدخول من المسام ~~وذلك لا يوجد مع الحار وإنما يوجد مع البارد المفرط أو الثلج ~~وأيضا لو كان ذلك بدخول الماء لكانت القطرات لا توجد إلا فى ~~الموضع الذى فيه الماء وهى قد توجد على طرف من الكوز هو ~~أعلى من الثلج وقد شوهد فى البلاد التى بردها مفرط استيلاء البرد ~~على الهواء الصافى القريب من الأرض فى وقت الضحو وانقلابه ~~ثلجا وسقوطه إلى الأرض حتى اجتمع منه شىء كثير من غير غيم* ~~وأما استحالة الماء هواء فهو ظاهر عند إيقاد النار تحته وتصاعد البخار ~~هواء* فأما استحالة الماء أرضا فقد شوهد ذلك في قطرات الماء الصافى ~~من المطر إذا وقعت على المواضع التى فيها قوة محجرة معقدة فتنعقد ~~فى الحال أحجارا وأما استحالة الحجر بالذوبان ماء فيدرك بالتجربة ~~من صناعة الكيمياء وتحليل الأحجار وهذا كله لأن الهيولى مشتركة ~~ولا يتعين لها صورة من هذه الصور بذاتها بل تقبل الصور بحسب ~~السبب الذى يلاقيها فاذا تغير السبب تغيرت الصورة وإنما يحصل ~~استعدادها لصورة أخرى بحدوث أعراض تناسب تلك الصورة ~~كالحرارة إذا غلبت على الماء فانه يستعد بها للصورة الهوائية فلا تزال ~~الحرارة تقوى والصورة المائية باقية إلى أن تتم قوتها فتصير القوة ~~الهوائية أولى منها فتخلع المائية وتلبس الهوائية من واهب الصور. ~~(الدعوى السادسة): إن هذه السفليات قابلة للتاثر من ms151 السماويات ~~فأظهر الكواكب تأثير الشمس والقمر إذ بهما يحصل نضج الفواكه ~~ومد البحار إذ بزيادة القمر تكون زيادة المد وزيادات الفواكه ~~وأمور أخرى يعرف تفصيلها فى الكتب الجزئية وأظهر آثارها فى ~~السفليات الضوء ثم الحرارة بواسطة الضوء وليس يلزم من ذلك كون ~~الشمس حارة ولو جعلت الحرارة منها بواسطة الضوء كما أن الشمس ~~إذا سخنت الماء حركته إلى فوق بالتبخر ولا يدل ذلك على أن الشمس ~~متحركة إلى فوق وكذلك حرارته لا تدل على حرارتها بل للسماويات ~~طبيعة خامسة خارجة عن هذه الطبايع كما سبق ولكن هذه الأعراض ~~متعاشقة ومتعاهدة ومتصاحبة فالحرارة يلازمها الحركة والضوء ~~تلازمه الحرارة بمعنى أن أحدهما يعطى الموضوع استعداده لقبول ~~الآخر حتى يفيض الآخر من واهب الصور فاذن لا يلزم بالضرورة ~~أن يكون فعل الشىء من جنسه لكن الأغلب أن الحاصل فى الجسم ~~من جسم آخر يناسب الفاعل فالسخونة من النار والبرودة من الماء ~~والضوء من الشمس وفعل الجسم فى الجسم تارة يكون بالمجاورة كما ~~أن النار تسخن بالمماسة جسما آخر والريح تحرك بالمماسة جسما آخر ~~وتارة بالمقابلة كما أن الأخضر إذا قابل حائطا فى موضع شروق الشمس ~~أوجب حصول خضرة فى الحائط مثل العكس وكما أن الصورة عند ~~المقابلة للمرآة توجب انطباع مثلها فيها ولو كان مماسا لم توجبه فكذلك ~~مقابلة المتلون للعين توجب حصول مثل صورته فى العين عند البعد ~~فأما مع المماسة فلا وليس حقيقة هذا امتداد جزء من المضىء أو ~~~~خروج صورة من الصور إلى العين أو المرآة فان ذلك محال لكن ~~وجود المضىء فى مقابلة الجسم الكثيف سبب لحصول مثل صورته ~~فيه بطريق التجدد مهما توسط بينهما جسم شفاف وإذا حدث الضوء ~~فيه بسبب استعد للحرارة فصار حارا ثم ربما يستعد بالحرارة للحركة ~~فيتصاعد بخارا إذا كان ذلك فى ماء والمرآة المحرقة إنما تحرق من حيث ~~أنها مقعرة مخروطة فتقبل النقطة التى هى مركزها الضوء من جميع أجزاء ~~المرآة بالرد والانعكاس اليها فيشتد ضوءها واستعدادها للحرارة ~~فتشتد حرارتها فتحرق ولذلك تغلب ms152 الحرارة فى الصيف لأن ضوء ~~الجسم المضىء إنما يقوى بتمام المقابلة لأنه إنما يفعل بالمقابلة فاذا كانت ~~المقابلة أشد كان الضوء أكثر والمقابلة التامة إنما تكون على العمود ~~والشمس فى الصيف تكون فى جانب الشمال قريبا من وسط رؤوسنا ~~ولذلك يكون نهار الصيف أضوء من نهار الشتاء ويكون أحر لا محالة ~~وفى الشتاء ينحرف العمود لميل الشمس عن سمة رؤوسنا إلى الجنوب ~~فيضعف الضوء فتضعف الحرارة وأعنى بالعمود الخط الذى يخرج من ~~مركز الشمس إلى مركز الأرض على زاويتين من الجانبين قائمتين ~~فما يميل عنه لتفاوت الزوايا فلا يكون عمودا. # .(الدعوى السابعة): إن هذه العناصر ينبغى أن تكون فى وسط ~~السماوات ولا يتصور أن تكون خارجة منها ولا يتصور أن ~~يكون لها فى داخل السماوات موضعان طبيعيان بل ينبعى أن يكون ~~مكان كل واحد من العناصر واحدا أما إنه لا يجوز أن يكون خارجا ~~من هذه السماوات فمن حيث أن هذه الأجسام تستدعى جهتين ~~مختلفتين كما سبق لقبولها الحركة المستقيمة فلا يتصور أن تكون ~~إلا حيث يحيط بها جسم يحدد جهتها فان فرضت خارجة عن السطح ~~الأعلى من العالم وليس يحيط بها جسم فهو محال وإن فرضت سماء ~~أخرى حتى يفرض عالمان متجاوران أو متباعدان هكذا ~~كان محالا لأنه يكون بينهما بعد وهو ~~خلاء والخلاء محال ولأنه يكون ذلك البعد ذا جهتين يتصور بينهما ~~حركة مستقيمة فيحتاج إلى ما يوجب اختلاف الجهة وقد بينا أن الجسم ~~لا يوجب الجهة من خارج فيحتاج إلى جسم ثالث محيط بهما ويحويهما ~~وذلك أيضا محال وهو أن يكونا فى موضعين يحويهما محيط واحد على ~~ما فى هذه الصورة مثل جسم القمر وجسم ~~العناصر فانهما جميعا فى فلك القمر ومثل ~~ذلك محال ولهذا نقول يجب أن يكون مكان ~~العنصر البسيط واحدا لأنه لو فرض له مكان طبيعى بين المكانين ~~وليكن العنصر الذى فرض له مكانان الماء لكان لا يخلو إما أن يميل ~~بالطبع إلى أحد المكانين فيكون هو المكان الطبيعى له دون الآخر أو ~~يقصد ms153 بعضه أحدهما وبعضه الآخر وهو محال لأن الماء بسيط متشابه ~~الأجزاء فينبغى أن تكون حركته متشابهة إذ لا مخصص لبعضها حتى ~~يجب أن يفارق البعض الآخر فالمكان الطبيعى للجسم هو المكان الذى ~~إذا قدر أجزاء ذلك الجسم فى مواضع متفرقة وخليت وطبعها تحركت ~~كلها إلى ذلك المكان واجتمع الجسم كله فيه بجميع أجزائه فمكان الكل ~~ما يجتمع فيه أجزاء الكل فلا يؤدى إلى المحال الذى ذكرناه فقد بان ~~من هذا أن العالم واحد لا يمكن أن يكون إلا كذلك وأن أجسامه ~~منقسمة إلى ما يستدعى الجهة وإلى ما يفيد الجهة فالذى يستدعى الجهة ~~لا بد أن يكون فى وسط المفيد حتى يتميز جهتاه بالقرب والبعد وأن ~~المستدعى الجهة لا بد أن يكون بعضه داخل البعض ولا يجوز أن ~~يكون خارجا عنه وكل هذا يبنى على أصول هى أن هذه الأجسام ~~بسيطة وكل جسم بسيط فله شكل طبيعى وهو الكرة ومكان واحد ~~طبيعى وقد بان أن الخلاء باطل فينبنى على مجموع هذه الأصول تلك ~~النتيجة التى ذكرناها وإنما قلنا أن كل جسم فله مكان طبيعى لأنه إذا ~~خلا من القواسر فاما أن يسكن فى مكان فنقول هو المكان الطبيعى ~~له أو يتحرك فيتوجه إلى الجهة التى فيها مكانه الطبيعى له لا محالة وإنما ~~قلنا ينبغى أن يكون واحدا لما ذكرناه حتى لا يلزم المحال وهو افتراق ~~أجراء البسيط إذا خلا من الحدين حتى يتوجه إلى المكانين بعضه ~~إلى ذا وبعضه إلى ذلك فانه لو توجه إلى أحدهما وترك الآخر ~~فالطبيعى ما توجه اليه. # (المقالة الثالثة): فى المزاج والمركبات ولا بد فيها من النظر فى ~~خمسة أمور. # (النظر الأول): فى حقيقة المزاج والمعنى به أن تمتزج هذه ~~العناصر بحيث يفعل بعضها فى بعض فتتغير كيفيتها حتى يستقر للكل ~~كيفية متشابهة ويسمى ذلك الاستقرار امتزاجا وذلك أن يكسر الحار ~~من برودة البارد والبارد من حرارة الحار وكذلك الرطب واليابس ~~حتى تصيرالكيفيات المحسوسة التى بينا أنها أعراض للصورة متشابهة ~~لتعادلها بالتفاعل فأما الصور وهى ms154 القوى الموجبة لهذه الكيفيات ~~فانها تكون باقية ببقاء التفاعل لأن الصور كلها لو بطلت لكان ذلك ~~فسادا لا مزاجا ولو بطلت الصور النارية مثلا وبقيت الصور الهوائية ~~لكان ذلك انقلاب النار هواء لا مزاجا ولو لم تتغير الكيفيات ~~بتصادم التأثيرات لكان تجاورا لا مزاجا وحيث قال أرسطو أن ~~قوى العناصر باقية فى المزاجات فانه لا يريد بها إلا القوى الفاعلة ~~فان نفى قوى التفاعل يدل على الفساد وهو إنما استدل بهذا على أن ~~المزاج لبس بفساد ثم كيف يقع فساد ولو كانت متكافية فلا يفسد ~~البعض البعض وإن غلب بعضها بقى الغالب وبطل المغلوب وانقلب ~~إلى الغالب وعلى الجملة فلا واسطة بين الجواهر والصور جواهر فلا ~~تقبل الزيادة والنقصان فيلزم من ذلك أن يعتقد حقيقة المزاج كما ~~ذكرناه والمزاج ينقسم فى الوهم إلى معتدل وإلى مائل فالمعتدل غير ~~ممكن الوجود إذ لو وجد لكان الجسم غير ساكن ولا متحرك فانه ~~إن سكن على الأرض فالأرض غالبة عليه وكذلك إن سكن فى الهواء ~~فان الهواء يكون غالبا عليه وإن تحرك من الهواء إلى النار فالنار ~~غالبة عليه وإن تحرك إلى الأرض فالأرض غالبة عليه وحقه أن ~~لا يسكن فى موضع وأن لا يتحرك إلى موضع وذلك محال. # (النظر الثانى): فى الاختلاط الأول بين العناصر التى تقدم ~~القول فى صفاتها وبساطتها فاعلم أن الأرض ينبغى أن تكون ثلاث ~~طبقات الطبقة السافلة وهى ما تكون حول المركزمائلة إلى البساطة ~~فتكون ترابا صرفا وفوقها طبقة تختلط بها رطوبة المياه المنجذبة اليه ~~فتكون طبقة الطين وفوقها طبقة هى وجه الأرض وينقسم إلى ~~ما يستوى عليه البخار وإلى ما تنكشف عنه فما تحت البحر يغلب ~~عليه المائية وما ينكشف عنه يغلب عليه اليبوسة بسبب حرارة ~~الشمس والسبب فى أن الماء غير محيط بالأرض أن الأرض تنقلب ~~ماء فيحصل فى ذلك الموضع وهدة والماء ينقلب أرضا فيحصل بسببه ~~ربوة والأرض صلبة ليست بمشاكلة للماء والهواء حتى ينصب بعض ~~أجزائها إلى بعض فيزيل عن نفسه التفاوت ويتشكل بالاستدارة ms155 ~~كما يكون ذلك فى الماء والهواء فيميل المرتفع منه إلى المنخفض ~~فينكشف بعض المواضع للهواء وهذا هو الذى اقتضته العناية ~~الالهية فان الحيوانات البرية لا بد لها من الاغتذاء بالهواء لدوام ~~روحها ولا بد أن تكون الأرضية غالبة عليها لتكون محكمة ثابتة فلم ~~يكن بد من أن تنكشف الأرض للهواء فى بعض المواضع ليتم ~~وجود الحيوانات البرية وأما الهواء فهو أربع طبقات الطبقة التى ~~تلى الأرض فيها مائية من البخارات التى ترتفع اليها من مجاورة المياه ~~وفيها حرارة لأن الأرض تقبل الضوء من الشمس فتحمى فتتعدى ~~الحرارة إلى ما يجاورها وفوقها طبقة لا تخلو عن رطوبة بخارية ~~ولكن تكون أقل حرارة لأن حرارة الأرض لا ترتفع اليها لبعدها ~~وفوقها طبقة هى هواء صاف لأن البخار والحرارة المنعكسة عن ~~الأرض لا يرتفعان اليها وفوقها طبقة فيها دخانية لأن الأدخنة من ~~الأرض ترتفع في الهواء وتقصد عالم الأثير أعنى النار فتكون ~~كالمنتشرة فى السطح الأعلى من الهواء إلى أن تتصاعد فتنحرق* ~~وأما النار فانها طبقة واحدة محرقة لا ضوء لها بل هى كالهواء وألطف ~~منه ولو كان لها لون منع رؤية الكواكب بالليل ولكان لها ضوء ~~كما للنيران المشتعلة ولون السراج وضوءه إنما يحصل من شوب النار ~~الصافية بالدخان المظلم فيحصل من مجموع ذلك اللون والضوء وإلا ~~فالنار الصافية لا لون لها وحيث تقوى النار فى السراج لا يكون لها ~~لون حتى يظن أنها كالثقبة الخالية ليس فيها إلا خلاء أو هواء فانما ~~النار بالحقيقة تلك وإذا حصل لها لون فلكونها مشوبة بالدخان ~~وبالحقيقة فانما ذلك لون الدهن المحترق لا لون النار أو لون الحطب ~~المحترق وإنما النار مثل الهواء لا لون لها ولا ضوء لها لأنها شفافة ~~حيث أنها هواء محترق. # (النظر الثالث): فيما يتكون في الجو من مادة البخار ليس يخفى ~~أن الشمس إذا سخنت الأرض بواسطة الضوء صعدت من الرطب ~~بخارا ومن اليابس دخانا ويتكون عما يحتبس منهما في باطن الأرض ~~المعادن وعما ينفلت منهما ويتصاعد فى الهواء أمور ms156 كثيرة لا بد من ~~ذكرها أما ما يتكون من مادة البخار فهو الغيم والمطر والثلج والبرد ~~وقوس قزح والهالة وغير ذلك فمهما ارتفع من الطبقة الحارة من ~~الهواء إلى الباردة شىء تكاثف بالبرد وانعقد به وصار غيما لأن البرد ~~أسرع تأثيرا في قلب البخار الحار ماء في الهواء وذلك للطف البخار ~~بسبب الحرارة أما ترى أنه إذا دخل الشتاء اشتد حمو الحمام فأظلم ~~هواء الحمام وتكاثف البخار لتكاثف الغيم ولذلك يترك الماء وقت ~~العصر فى الشمس لتلطف الشمس بخاره مهما أريد تبريده بالشمال ~~ليلا وكذلك إذا صب الماء البارد والحار على الأرض فى الشتاء ~~كان الحار أسرع جمودا من البارد ويظهر ذلك فيمن يتوضأ بالماء ~~الحار فى البلاد الباردة فينجمد فى الحال على شعر لحيته ولا يكون ~~البارد كذلك وهذه الأبخرة إنما تتصاعد من باطن الأرض لما سرى ~~فيها من حرارة الشمس ولكنها تنفد وتقوى على الخروج من مسام ~~الأرض إلا ما يقع تحت الجبال الصلبة فانها تمنعه من النفوذ إذ تجرى ~~الجبال منها مجرى الانبيق الذى يمسك البخار ثم إذا احتبس فيها ~~صار مادة للمعادن وإذا قوى ثم وجد منفذا فى شعوب الجبال ~~ارتفع منه قدرصالح ثم يختلف فان كان ضعيفا بددته حرارة الشمس ~~فى الجبال وأحالته هواء ولذلك قل ما يجتمع فى نهار الصيف منه ~~غيم ويجتمع فى الليل والشتاء إذا كانت الشمس ضعيفة الحرارة منه ~~أكثر وإن كان ذلك البخار قويا أو كانت حرارة الشمس ضعيفة ~~أو اجتمع الأم إن لم تؤثر فيه الشمس فاجتمع وربما تعين الريح ~~أيضا على جمعه بأن تسوق البعض إلى البعض حتى يتلاحق فمهما ~~انتهى إلى الطبقة الباردة تكاثف وعاد ماء وتقاطر ويسمى مطرا ~~كالبخار يتصاعد عن القدر فينتهى إلى غطائها وعندما يلاقى أدنى ~~برودة ينزل فينعقد قطرات عليه فان أدركه برد شديد قبل أن يجتمع ~~ويصير قطرات جمدت وتفرقت أجزائه ونزل كالقطن المندوف ~~ويسمى ذلك ثلجا وإن لم تدركه برودة حتى كان منه قطرات ثم ~~أدركتها حرارة من الجوانب فانهزمت برودتها ms157 إلى بواطنها وتوفر ~~عليها برد الجو الذى كانت منتشرة فيه وانعقدت سميت حينئذ بردا ~~ولذلك لا يكون البرد إلا فى الخريف والربيع فتجتمع البرودة فى ~~بواطنها باحاطة حرارة ما بظواهرها ومهما صار الهواء رطبا بالمطر ~~رطوبة مع أدنى صقالة صار كالمرآة فالمحازى له إذا كانت الشمس ~~وراءه يرى الشمس فى الهواء كما يراها فى المرآة إذا قابلها بها ويشتبك ~~ذلك الضوء بالبخار الرطب فيتولد منه قوس قزح وله ثلاثة ألوان ~~وربما لا يكون اللون المتوسط ويكون مستديرا حتى يكون بعد ~~أجزاء المرآة من الشمس واحدا فان المرآة إنما ترى الصورة إذا ~~كانت على نسبة مخصوصة من الرائى والمرئى ويستقصى ذلك فى علم ~~المناظر ولا تتم الدائرة إذ لو تمت لوقع شطرها تحت الأرض إذ ~~الشمس تكون في قفا الناظر كالقطب لتلك الدائرة ويكون مرتفعا ~~عن الأرض ارتفاعا قريبا فان كان قبل الزوال رئى قوس قزح فى ~~المغرب وإن كان بعده رئى فى المشرق وإن كانت الشمس فى وسط ~~السماء لم يمكن أن يرى إلا قوس صغيرة في الشتاء إن اتفق والهالة ~~وهى الدائرة المحيطة بالقمر من مثل هذا السبب أيضا فان الهواء ~~المتوسط بين القمر وبين البصر صقيل رطب فيرى القمر فى جزء ~~منه وهو الجزء الذى لو كان فيه مرآة لرأى القمر فيها ثم الشىء الذى ~~يرى فى مرآة من موضع لو كانت مرايا كثيرة محيطة بالمبصر وكانت ~~موضوعة على تلك النسبة لرأى الشىء فى كل واحدة من المرايا فاذا ~~تواصلت المرايا يرى فى الكل فيرى دائرة لا محالة* وأما وسطها ~~فانما يرى مظلما لأن البخار المتوسط لطيف فاذا قرب من المضىء انمحق ~~وصار لا يرى وإذا بعد منه صار مرئيا وليس هو كالذرة ترى فى ~~الشمس لا فى الظل بل هو كالكواكب تختفى بالنهار وتظهر بالليل ~~فلهذا يرى وسط الدائرة كأنه خال عن الغيم وهذه الدائرة ربما تحصل ~~من مجرد برودة الهواء وإن لم يكن مطر إذ يحصل في الهواء بها أدنى ~~رطوبة ولم يكن غبار ودخان يمنع ms158 صقالة تلك الرطوبة. # (النظر الرابع): فيما يتكون من مادة الدخان وهو الريح ~~والصواعق والشهب والكواكب ذوات الأذناب والرعد والبرق ~~فاذا تصاعد الدخان ارتفع من وسط البخار لأنه أميل إلى جهة ~~الفوق وأقوى حركة من البخار فان ضربه البرد فى ارتفاعه ثقل ~~وانتكس وتحامل على الهواء دفعة وحرك الهواء بشدة كتحريك ~~المروحة العظيمة للهواء فحصلت الريح من ذلك فانها عبارة عن هواء ~~متحرك وإن لم يضر به البرد تصاعد إلى الأثير واشتعلت النار فيه ~~فيكون منه نار تشاهد وربما يستطيل بحسب طول الدخان فيسمى ~~كوكبا منقضا ثم إن كان لطيفا فاما أن ينقلب نارا صرفة أو ينطفى ~~فلا يرى فينمحى لأن الدخان يخرج عن كونه مبصرا بأن يصير ~~نارا صرفة وهى النار المحضة أو ينطفى بالبرد فى ارتفاعه فينقلب ~~هواء فيصير شفافا فان كان الملاقى له البرد المؤثر فى الأطفاء فانه ~~يستحيل هواء وإن قويت النار أثرت فى التخليص من شوب الدخان ~~فيستحيل كله نارا إذ لا يبرد ثم وأن كان الدخان كثيفا واشتعل ~~ولكن لم يكن يستحيل على القرب بقى ذلك زمانا فيرى أنه كوكب ~~ذو ذنب وربما يدور مع الفلك إذ النار متشبثة الأجزاء بأجزاء ~~مقعر الفلك فيدور فى مشايعتها فيدور هذا الدخان الحاصل فى حيزها ~~وإن لم يشتعل ولكن كان كالفحم الذى انطفت النار المشتعلة فيه ~~فانه يرى أحمر فيظهر منه علامات حمر فى الجو وبعضه تزايله الحمرة ~~فيكون كالفحم الذى انمحت ناره فيرى كأنه ثقبة مظلمة فى الهواء ~~ثم إن بقى شىء من الدخان فى تضاعيف الغيم وبرد صار ريحا وسط ~~الغيم فيتحرك فيه بشدة ويحصل من حركته صوت يسمى الرعد وإن ~~قويت حركته وتحريكه اشتعل من حرارة الحركة الهواء والدخان ~~معا فصار نارا مضيئة فيسمى البرق وإن كان المشتعل كثيفا ثقيلا ~~محرقا اندفع بمصادمات الغيم إلى جهة الأرض فيسمى صاعقة ولكنها ~~نارا لطيفة تنفذ فى الثياب والأشياء الرخوة وتنصدم بالأشياء الصلبة ~~كالحديد والذهب فتذيبها حتى تذيب الذهب فى الكيس ولا يحترق ~~الكيس وتذيب ذهب المذهب ولا ms159 يحترق الشىء ولا يخلو برق ~~عن رعد لأنهما جميعا عن الحركة ولكن البصر أحد إدراكا فقد ~~يرى البرق ولا ينتهى صوت الرعد إلى السمع لأن البصر يدرك بغير ~~زمان والسمع لا يدرك ما لم يتحرك الهواء الذى بين السمع والمسموع ~~حتى ينتهى أثره إلى السمع وكذلك إذا نظر الناظر إلى القصار من ~~بعد رأى حركته قبل سماع صوته بزمان ما. # (النظرالخامس): فى المعادن وهى إنما تتكون مما يختفى فى الأرض ~~من البخار والدخان فتمتزج فتستعد بسبب أمزجتها المختلفة لقبول صور ~~مختلفة يفيض عليها من واهب الصور فان غلب الدخان كان الحاصل منه ~~مثل النوشادر والكبريت وربما يغلب البخار فى بعضه فيصير كالماء ~~الصافى والمنعقد المتحجر يكون منه الياقوت والبلور وغيرهما وتعسر ~~إذابة هذا النوع بالنار ولا ينطرق تحت المطارق فان الانطراق ~~والذوبان برطوبة لزجة تسهى دهنية وما فيها من الرطوبة نفدت ~~فجمدت وانعقدت فأما الذى يذوب وينطرق كالذهب والفضة ~~والنحاس والرصاص فهو الذى استحكم امتزاج الدخان منه بالبخار ~~وقلة الحرارة المخفية فى جوهرها وبقيت فيها رطوبة ودهنية وذلك ~~لكثرة تأثير حرارته فى رطوبته حتى انكسرت به برودته ~~وامتزجت به الهوائية وبقى فيه شىء من الأرضية مع الهوائية فهذا ~~يذوب فى النار لأن ما فيه من الكبريت يعين النار على الاذابة ~~فتسيل الرطوبة ويقصد التصاعد فتجذبها الأرضية المتشبثة به ~~فيحصل من تصعد ذلك وجذب هذا حركة دورية لا يتفرق أجزاؤها ~~لاستحكام امتزاجها فان كان الامتزاج ضعيفا تصعد البخار وانفصل ~~من الثقيل الجاذب إلى أسفل فاذا كثرت عليه النار ينقص لانفصال ~~البخار فصار كلسا كالرصاص وكلما كانت الدهنية فيه ابعد عن ~~الانعقاد كان أقبل للانطراق تحت المطارق وما انعقد ولم يقبل ~~الاذابة إذا طرح عليه الكبريت والزرنيخ وخلطا به وسريا فيه ~~تسارعت اليه الاذابة مثل سحالة الحديد والطلق والخارصينا وكل ~~ما عقده البرودة ألانه الحرارة مثل الشمع وكلما عقده الحر أذابه ~~البرد مثل الملح فانه ينعقد بالحر مع مشاركة من يبوسة الأرض ~~فان الحرارة تعين الرطوبة واليبوسة جميعا ويزيد فيهما وكل ما ms160 كانت ~~المائية فيه غالبة ينعقد بالبرودة وكل ما غلبت فيه الأرضية انعقد ~~بالحرارة فاذا كان فى الشىء أرضية ورطوبة والأرضية أشد مناسبة ~~للحرارة ينعقد بالبرد وتعسر إذابته كالحديد وتفصيل هذا يستدعى ~~تطويلا ومنه تتفرع صناعة الكيميا وصناعات كثيرة سواها. # (المقالة الرابعة فى النفس النباتى والحيوانى والانسانى) ~~(القول في النفس النباتى): كما أن اختلاط الدخان والبخار ~~يوجب استعدادا لقبول صورة المعادن فكذلك العناصر قد يقع ~~لها امتزاج أتم من ذلك واحسن وأقرب إلى الاعتدال وأبعد من ~~بقاء التضاد فى الكيفيات الممتزجة فيستعد لقبول صورة أخرى ~~أشرف من صورة الجمادات حتى يحصل فيه النمو الذى لا يكون ~~فى الجمادات وتسمى تلك الصورة نفسا نباتية وهى التى تكون فى ~~النجم وفى الشجر وهذه النفس لها ثلاثة أفعال. # (أحدها): التغذية بقوة مغذية. # (والثانى): التنمية بقوة منمية. # (والثالث): التوليد بقوة مولدة والغذاء عبارة عن جسم يشبه ~~الجسم المغتذى بالقوة لا بالفعل وإذا وصل إلى المغتذى أثرت فيه ~~القوة المغذية وهى قوة محيلة للغذاء تخلع صورته وتكسوه صورة ~~المغتذى فينتشر فى أجزائه ويلتصق به ويسد مسد ما تحلل من ~~أجزائه* وأما النمو فهو عبارة عن زيادة الجسم بالغذاء فى أقطاره ~~الثلاثة على التناسب اللائق بالنامى حتى ينتهى إلى منتهى النشوء مع ~~التفاوت الذى يليق به أعنى فيما ينخفض من أجزاء النامى ويرتفع ~~ويستدير ويستطيل والقوة التى يليق لها هذا الفعل تسمى منمية ~~فان هذه القوى لا تدرك بالحس بل يستدل عليها بالفعل إذ كل فعل ~~فلا بد له من فاعل فيشتق لها الاسم من الفعل. # (والقوة المولدة): هى التى تفصل جزأ من جسم شبيها به بالقوة ~~ليستعد لقبول صورة مثله كالنطفة من الحيوان والبذرة من الحبوب ~~ثم القوة الغاذية لا تزال عاملة إلى آخر العمر ولكن تضعف فى ~~آخره لعجزها عن سد ما تحلل لضعفها عن إحالة جسم الغذاء. # (وأما القوة المنمية): فانها تفعل إلى وقت البلوغ وكمال النشوء ~~ثم تقف فاذا وقفت النامية من حيث الزيادة فى المقدار لا من حيث ~~الزمان انتهضت المولدة وقويت. ms161 # (القول في النفس الحيوانى): فان اتفق مزاج اقرب إلى الاعتدال ~~وأحسن مما قبله استعد لقبول النفس الحيوانى وهو أكمل من النباتى ~~إذ فيه قوى النباتى وزيادة قوتين. # (أحدهما): المدركة. # (والأخرى): المحركة فان الحيوان عبارة عما يدرك ويتحرك ~~بالارادة وهاتان قوتان هما والنفس واحدة فترجعان إلى أصل واحد ~~ولذلك يتصل فعل بعضها بالبعض فمهما حصل الادراك انبعثت ~~الشهوة حتى يتولد منها الحركة إما إلى الطلب وإما إلى الهرب* ~~والقوة المحركة لا بد لها من الارادة ولا تكون الارادة إلا من الشهوة ~~والنزوع إما أن يكون إلى الطلب ويحتاج اليه لطلب الملائم الذى ~~به بقاء الشخص كالغذاء أو بقاء النوع كالجماع ويسمى هذا النوع ~~من النزوع قوة شهوانية وإما أن يكون إلى الهرب والدفع ويحتاج ~~اليه لدفع ما ينافى ويضاد دوام البقاء ويسمى القوة الغضبية والخوف ~~عبارة عن ضعف القوة الغضبية والكراهة عن ضعف القوة ~~الشهوانية وهما متحركتان للقوة المحركة المنبثة فى العضلات ~~والأعصاب على سبيل البعث والاستحثاث على مباشرة الحركة ~~فالقوة التى في العضلات مؤتمرة والقوة النزوعية باعثة آمرة وأما ~~القوة المدركة فتنقسم إلى ظاهرة كالحواس الخمس وإلى باطنة كالقوة ~~الخيالية والمتوهمة والذاكرة والمتفكرة كما سيأتى تحقيقها ولولا ~~أن للحيوان قوة باطنة سوى الحواس لكان إذا تصور أكل شىء ~~مثلا دفعة واحدة استبشعه لا يمتنع منه ثانيا ما لم يذقه دفعة أخرى ~~بالأكل فانه أكل في الأول لأنه لم يعرف أنه مضر فلولا أنه بقى ~~فى ذكره تلك الصورة لكان لا يعرفه إذا رآه ثانيا أنه مضر وذلك ~~الذكر أمر وراء الرؤية والشم وسائر الحواس فلولا أن هذه ~~الحواس الخمس تؤدى ما تدرك من الصور إلى قوة أخرى واحدة ~~جامعة للكل تسمى حسا مشتركا لكنا إذا رأينا شيئا أصفر لا ندرك ~~أنه حلو ما لم نجد إدراك ذلك المذوق أولا أعنى العسل فان العين ~~لا تدرك الحلاوة والذوق لا يدرك الصفرة فلا بد من حاكم يجتمع ~~عنده الأمران حتى يحكم بأن الأصفر حلو وليس هذا الحكم ~~للذوق ولا العين وإنما ذلك ms162 لقوة أخرى باطنة ليست واحدة من ~~الحواس الظاهرة ولولا وجود قوة باطنة لم تكن الشاة تدرك ~~العداوة من الذئب فتهرب منه فان العداوة لا ترى* وهذه مجامع ~~القوى ولا بد من تفصيلها. # (القول فى تحقيق الادراكات الظاهرة) ~~أما حس اللمس فظاهر وهو قوة مبثوثة فى جميع البشرة واللحم ~~يدرك بها الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة والصلابة واللين ~~والخشونة والملاسة والخفة والثقل وهذه القوة تصل إلى أجزاء ~~اللحم والجلد بواسطة جسم لطيف كالحامل لها يسمى روحا ~~ويجرى فى شباك العصب وبواسطة العصب يصل وإنما يستفيد ~~ذلك الجسم اللطيف تلك القوة من الدماغ والقلب كما سيأتى وما ~~لم تستحيل كيفية البشرة إلى شبه المدرك من البرودة والحرارة أو ~~غيرها لم تكن مدركة ولذلك لا تدرك إلا ما هو أبرد منه وأسخن ~~فأما المساوى لها فى الكيفية فلا تؤثر فيه فلا تدركه* وأما الشم ~~فانه قوة في زائدتى الدماغ الشبيهتين بحلمتى الثديين وإنما تدرك ~~بواسطة جسم ينفعل من الروائح ويمتزج أو يختلط به أجزاء ذى ~~الرائحة وذلك مثل الهواء والماء وليس يلزم أن يكون أجزاء ذى ~~الرائحة مختلطة بالهواء بل لا يبعد أن يستحيل الهواء فيقبل الرائحة ~~ويستعد لقبولها من واهب الصور بسبب المجاورة منه لا بأن تنتقل ~~الرائحة اليه فان ذلك محال في العرض وقد بينا استحالة انتقال ~~الأعراض ولو لم يكن اختلاط أجزاء الرائحة بأجزاء الهواء لما ~~انتشرت الرائحة فراسخ وقد حكى اليونانيون أن الرخمة انتقلت ~~برائحة الجيف التى حصلت من حرب وقعت بينهم من مسافة ~~مائتى فرسخ إلى المعركة في بلدة لم تكن حواليها رخمة بل كانت ~~الرخمة منه على مائتى فرسخ وذلك بقوة حواس الطير وانفعال ~~الهواء وقبوله لرائحة الجيف* وأما البخار المتصاعد من الجيف فلا ~~يمكن أن ينتشر أجزاؤه إلى هذا الحد* وأما السمع فانه قوة مودعة ~~فى عصبة مفروشة فى أقصى الصماخ ممدودة عليه مد الجلد على الطبل ~~وهى تدرك الصوت والصوت عبارة عن تموج الهواء بحركة شديدة ~~يحصل من قرع بعنف أو قلع بحدة فان كان من ms163 قرع اصطك منه ~~الجسمان وانفلت الهواء بشدة وإن كان من قلع تولج الهواء بين ~~الجسمين المنفصلين بشدة وحدث الصوت عند التموج فى الهواء ~~ويصل إلى حيث تصل حركة التموج فاذا انتهت تلك الحركة إلى ~~الهواء الراكد الذى فى الصماخ انفعل بها ذلك الهواء الراكد المجاور ~~لتلك العصبة وهى مفروشة على أقصى الصماخ فحدث فيها ما يحدث ~~فى جلد الطبل من الطنين فتشعر بذلك الطنين القوة المودعة فى ~~تلك العصبة والحركة تحدث فى الهواء موجا مستديرا كما يحدث ~~الموج المستدير فى الماء إذا ألقى فيه حجر فتنتشر منه دوائر صغار ~~ولا تزال تلك الدوائر تتسع وتضعف فى حركتها إلى أن تنمحى ~~فكذلك يحدث فى الهواء وكما أن الطاس إذا كان فيه ماء وألقى فيه ~~حجر نشأت عنه دائرة إلى أطراف الطاس المحيطة بالماء انصدمت ~~بها تلك الدائرة ثم انعطفت إلى الوسط إلى موضع ابتدأت فيه ~~فكذلك موج الهواء إذا انصدم بجسم صلب ربما انعطف فيكون ~~منه الصدى ويكون بتلاحق الانعطاف وتزيده دوام الصوت فى ~~الطشت والحمام والصريخ تحت الجبل* فأما الذوق فهو بقوة ~~مودعة في العصبة المفروشة على ظاهر اللسان بواسطة الرطوبة ~~اللعابية التى لا طعم لها المنبسة على ظهر اللسان فانها تأخذ طعم ذى ~~الطعم وتستحيل اليه وتتصل بتلك العصبة فتدركها القوة المودعة ~~فى العصبة وأما البصر فهو قوة دراكة للألوان والأشكال مودعة ~~فى ملتقى تجويف العينين من مقدم الدماغ والابصار هو عبارة ~~عن أخذ صورة المدرك أعنى انطباع مثل صورته فى الرطوبة ~~الجليدية من العين التى تشبه البرد والجمد أى الجليد وهى مثل المرآة ~~فاذا قابلها متلون انطبع مثل صورته فيها كما ينطبع صورة الانسان ~~المقابل للمرآة فيها بتوسط جسم شفاف بينهما لا بأن ينفصل من ~~المتلون شىء ويمتد إلى العين ولا بأن ينفصل من العين شعاع فيمتد ~~إلى الصورة فان كليهما محالان فى الابصار وفى المرآة ولكن ~~يحدث مثال صورته فى المرآة وفى عين الناظر ويكون استعداد ~~حصوله بالمقابلة المخصوصة مع توسط الشفاف* وأما حصوله فمن ~~واهب الصور ms164 وكل إدراك فى الحواس الخمس بل وغيرها إنما هو ~~عبارة عن أخذ صورة المدرك فاذا حصلت الصورة فى الجليدية ~~أفضت إلى القوة الباصرة المودعة فى ملتقى العصبتين الجوفتين. # النابتتين من مقدم الدماغ على هذه الصورة ~~فأدركته النفس بتوسط الحس المشترك ~~كما سيأتى شرحه ولو كان للمرآة نفس لأدركت مما يقابلها ويحصل ~~فيها مثال صورته* وأما سبب تأثير البعد في أن يرى الصغير كبيرا ~~فهو أن الرطوبة الجليدية كرية ومقابلة الكرة إنما تكون بالمركز ~~فاذا فرضنا سطحا مستديرا كالترس في مقابلة كرة العين أدركت ~~العين السطح المستدير بانفعال الهواء الذى بين السطح والعين ~~وانفعال طبقة العين عن الهواء إلى أن ينتهى إلى الروح الباصر ~~ويكون المنفعل وهو الهواء مخروط الشكل قاعدته سطح المدرك ~~ورأسه ينتهى إلى الروح الباصر ورأسه زاوية مجسمة هى المدرك ~~بالحقيقة فاذا ازداد سطح المرئى الذى هو قاعدة المخروط بعدا من ~~العين طال المخروط وصغرت زاويته أعنى رأسه الذى ينتهى إلى ~~الحدقة وكلما بعد سطح المرئى أعنى قاعدة المخروط طال المخروط ~~وبطوله يدق رأسه أى يصغر الزاوية المدركة في الحقيقة إلى أن ~~ينتهى من الصغر إلى حد لا تقوى القوة الباصرة على إدراكه فيغيب ~~المرئى عن الادراك وهذه ~~صورته ولو كان المرئى غير ~~مستدير لكان أيضا الهواء ~~المنفعل بينه وبين الحدقة شكلا ~~مخروطا يحيط به أضلاع وزوايا بحسب شكل المرئى وينتهى رأسه ~~إلى الحدقة على زاوية أو زوايا ويستقصى علم ذلك من الكتب ~~الموضوعة في علم المناظر من الرياضات وفى هذا القدر كفاية ~~لغرضنا وهذا الذى استقر عند (ارسطاطاليس) في كيفية الادراك ~~وأما من قبله فقالوا لا بد من اتصال بين الحس والمحسوس حتى ~~يحصل الاحساس قالوا وإذا استحال أن ينفصل من المبصر صورة ~~ويمتد إلى العين فلا بد وأن ينفصل من العين جسم لطيف هو ~~الشعاع ويتصل بالمبصر وبواسطته يحصل الابصار وهذا محال إذ ~~متى تتسع العين لأجسام تنبسط على نصف العالم ونصف كرة السماء ~~فاستبشع هذا طائفة من الأطباء فاحتالوا له وقالوا إن الهواء المتصل ~~بالعين ms165 يحدث فيه الانفعال بسبب خروج شعاع يسير من العين ~~واشتباكه بشعاع الهواء حتى يصيرا كالشىء الواحد في أقل من ~~طرفة العين ويصير بمجموعهما آلة فى الابصار وهذا أيضا محال ~~من وجوه. # (الأول): أن الهواء إن كان يصير آلة يبصر بها حتى يكون هو ~~المبصر (كالحدقة) مثلا حينئذ إذا اجتمع جماعة من ذوى الأبصار ~~فينبغى أن يقوى إدراك الضعيف البصر الذى معهم فان شعاعه أن ~~ضعف عن إحالة الهواء فهذه الأشعة الكثيرة اشتبكت بالهواء ~~فيجب أن يستعين الضعيف بكثرة أشعة الابصار كما يستعين بقوة ~~ضوء السراج وإن كانت الصورة المبصرة لا تظهر في الهواء بل فى ~~العين ولكن بواسطة الهواء يصل اليها فأى حاجة في خروج ~~الشعاع والهواء متصل بجرم العين والمبصر متصل بالهواء فينبغى ~~أن يوصل الهواء الصورة بغير شعاع. # (الوجه الثانى): وهو مبطل لأصل الشعاع وأن الشعاع لا يخلو ~~إما أن يكون عرضا فيستحيل عليه الانتقال أو جسما فيلزم منه محال ~~لأنه إن كان لا يبقى متصلا بالعين ممتدا مثل الخطوط فلا يؤثر فى ~~العين ما انفصل عنها وإن بقى متصلا به فينبغى أن يتفرق ويدرك ~~الشىء متفرقا وينبغى أن يكون مثل خيط ممدود فاذا هبت ريح أمالته ~~إلى موضع آخر وأخرجته عن استقامته فيجب أن يرى ما ليس على ~~مقابلته بامالة الريح إياه أو يقطع اتصاله فيمنع الرؤية. # (والثالث): أنه لو كان ينفصل من العين مائلا فى المبصر لكان ~~يدرك المبصر قريبا وبعيدا على وجه واحد من غير تفاوت فى القدر ~~لأن الملاقى مطابق للملاقى فى الحالين مهما لم يقدر مقابلة فى مثل ~~مخروط كما سبق ولا يمكن أن يقال أن الشعاع يقع على بعضه إذا بعد ~~لأنه يبصر جميع المرئى بعيدا أو قريبا وقد يرى في بعض الأحوال ~~أكثر فهذه هى الادراكات فالمدركات الخاصة بها هى الألوان ~~والروايح والطعوم والأصوات وما ذكر فى اللمس ويدرك بواسطة ~~هذه الأشياء خمسة أمور أخر وهى الصغر والكبر والبعد والقرب ~~وعدد الأشياء وشكلها مثل الاستدارة والتربيع والحركة والسكون ~~وتطرق الغلط إلى ms166 هذه التوابع أكثر من تطرقه إلى تلك الأصول. # (القول فى الحواس الباطنة) ~~اعلم أن الحواس الباطنة أيضا خمسة* الحس المشترك والقوة ~~المتصورة والقوة المتخيلة والقوة الوهمية والقوة الذاكرة* أما الحس ~~المشترك فهو حاسة منها ينتشر تلك الحواس واليها يرجع أثرها وفيها ~~يجتمع وكأنها جامع لها إذ لو لم يكن لنا ما يجتمع فيه البياض والصوت ~~لما كنا نعلم أن ذلك الأبيض هو ذاك المغنى الذى سمعنا صوته فان الجمع ~~بين اللون والصوت ليس للعين ولا للأذن* وأما القوة المتصورة ~~فعبارة عن الحافظة لما ينطبع في الحس المشترك فان الحفظ غير الانطباع ~~والقبول ولذلك كان الماء يقبل الصورة والشكل وينطبع فيها ولا ~~يحفظها والشمع يقبل الشكل بقوة اللين ويحفظ بقوة اليبوسة ومهما ~~حلت آفة بمقدم الدماغ بطل حفظ المتخيلات وحصل النسيان للصوره ~~وأما الوهمية فهى التى تدرك من المحسوس ما ليس بمحسوس كما تدرك ~~الشاة عداوة الذئب وليس ذلك بالعين بل بقوة أخرى وهى للبهائم ~~مثل العقل للانسان* وأما الذاكرة فعبارة عما يحفظ هذه المعانى ~~التى أدركتها الوهمية فهى خزانة المعاني كما أن المتصورة الحافظة ~~للصور المنطبعة فى حس المشترك خزانة للصور وهاتان أعنى الوهمية ~~والذاكرة في مؤخر الدماغ والمشترك والمصورة في مقدمه* وأما ~~المتخيلة فهى قوة فى وسط الدماغ شأنها التحريك لا الادراك أعنى ~~أنها تفتش عما فى خزانة الصور وعما في خزانة المعانى فانها مركوزة ~~بينهما وتعمل فيها بالتركيب والتفصيل فقط فتصور إنسانا يطير ~~وشخصا واحدا نصفه إنسان ونصفه فرس وأمثال ذلك وليس لها ~~اختراع صورة من غير مثال سابق بل تركب ما ثبت فى الخيال متفرقا ~~أو تفرق مجموعا وهذه تسمى مفكرة فى الانسان والمفكرة بالحقيقة ~~هى العقل وإنما هذه آلته فى الفكر لا أنها المفكرة فانه كما أن ماهيات ~~الأسباب هى التى بها تتحرك العين فى الجحر من جميع الجوانب حتى ~~يتيسر بها الأبصار والتفتيش عن الغوامض فكذلك ماهيات الأسباب ~~هى التى بها يتأتى التفتيش عن المعانى المودعة فى الخزانتين فطبع هذه ~~القوة الحركة فلا تفتر ولا ms167 فى حالة النوم فمن طبعها سرعة الانتقال من ~~الشىء إلى ما يناسبه إما بالمشابهة وإما بالمضادة أو بأن كان مقترنا به ~~فى الوقوع الاتفاقى عند حصوله فى الخيال ومن طبعها المحاكاة والتمثيل ~~حتى إذا قسم عقلك الشىء إلى أقسام حاكاه بشجرة ذات أغصان وإن ~~رتب شيئا عل درجات حاكاه بالمراقى والسلالم وبها يتذكر ما نسى ~~فانها لا تزال تفتش عن الصور التى فى الخيال وينتقل من صورة ~~إلى صورة قربت منها حتى تعثر على الصورة التى منها أدرك المعنى ~~المنسى فيتذكر بواسطتها ما نسيه وتكون نسبة تلك الصورة إلى ~~حضور ما يقارنها ويتعلق بها نسبة الحد الأوسط إلى النتيجة إذ ~~بحضوره يستعد لقبول النتيجة فهذه هى القوى الظاهرة والباطنة ~~وهى بجملتها آلات إذ المحركة ليست إلا لجلب المافع أو دفع المضار ~~والمدركة ليست إلا كالجواسيس التى تقتنص بها الأخبار فالمصورة ~~والذاكرة لحفظها والمتخيلة لاحضارها بعد الغيبة فلا بد من أصل ~~يكون هذه كلها آلة له وتجتمع اليه وتكون مسخرة له وسببه يعبر ~~عن ذلك الأصل بالنفس وليس هو الجسم إذ كل عضو من الجسم ~~هو أيضا آلة وإنما أعد لغرض يرجع إلى النفس فلا بد إذا من نفس ~~تكون هذه القوة والأعضاء آلات لها. # (القول في النفس الانسانى) ~~إذا كان مزاج العناصر أحسن واتم اعتدالا بلغ إلى الغاية التى ~~لا يمكن أن يكون اتم وألطف وأحسن منها مثل نطفة الانسان ~~التى حصل نضجها في بدن الانسان من أغذية هى ألطف من أغذية ~~الحيوان ومن أغذية النبات وبقوى ومعادن أحسن من قواهما ~~ومعادنهما فيستعد لقبول صورة من واهب الصور هى أحسن الصور ~~وتلك الصورة هى نفس الانسان وللنفس الانسانى قوتان. # (إحداهما): عالمة. # (والأخرى): عاملة والقوة العالمة تنقسم إلى القوة النظرية ~~كالعلم بأن الله تعالى واحد والعالم حادث وإلى القوة العملية وهى ~~التى تفيد علما يتعلق بأعمالنا مثل العلم بأن الظلم قيح لا ينبغى أن ~~يفعل وهذا العلم قد يكون كليا كما ذكرناه وقد يكون جزئيا مثل ~~قولنا زيد لا ينبغى أن ms168 يظلم والقوة العاملة هى التى تنبعث باشارة ~~القوة العلمية التى هى نظرية متعلقة بالعمل وتسمى العاملة عقلا عمليا ~~ولكن تسميتها عقلا بالاشتراك فانها لا إدراك لها وإنما لها الحركة ~~فقط ولكن بحسب مقتضى العقل وكما أن القوة المحركة الحيوانية ~~ليست إلا لطلب أو هرب فكذا القوة العاملة فى الانسان إلا أن ~~مطلبها عقلى وهو الخير والثواب متصل بما بعده والنفع فى العاقبة ~~وإن كان مؤلما فى الحال بحيث تنفر منه الشهوة الحيوانية وللنفس ~~الانسانى وجهان وجه إلى الجنبة العالية وهى الملأ الأعلى إذ منها ~~يستفيد العلوم وإنما القوة النظرية للنفس الانسانى باعتبار هذه ~~الجهة وحقه أن يكون دائم القبول ووجه إلى الجنبة السافلة وهى ~~جهة تدبير بدنه وإنما يكون له القوة العملية باعتبار هذه الجهة ~~ولأجل البدن ولا يمكن شرح القوة العقلية الانسانية إلا بذكر ~~حقيقة الادراكات وأقسامها ليتبين أن هذه القوة خارجة عنها ~~وزائدة عليها فنقول قد ذكرنا أن معنى الادراك هو أخذ صورة ~~المدرك إلا أن هذا الأخذ على مراتب. # (الأول): إدراك البصر فانه يدرك الانسان مثلا مركبا مع ~~لوازمه وتوابعه ولا يدركه مجردا بل يدرك معه لونا مخصوصا ووضعا ~~مخصوصا وقدرا خصوصا وهذه توابع لو لم تكن هى بأعيانها لكان ~~هو إنسانا مع عدمها فانه ليس إنسانا بها بل هى عوارض غريبة ~~التحقت بالانسان وليس للبصر قوة تجريد الانسانية عن اللواحق ~~الغريبة ثم يحصل منه صورة فى الخيال يطابق صورته فى الابصار ~~أعنى أن صورته أيضا فى الخيال مع الوضع والقدر واللون وجميع ~~لواحقه الغريبة كما كانت في الابصار غير مجردة عن اللواحق البتة ~~ولا تخالف إلا فى أمر واحد وهو أن الجسم المبصر لو انعدم أو ~~غاب بطل الابصار ولم تبطل صورته الباقية في الخيال أعنى فى القوة ~~التى تسمى مصورة فكائنها صارت أبعد عن المادة قليلا حيث لم ~~يستدع وجودها المادة وحضورها كما يستدعيها الابصار ولما كانت ~~الصورة بقدرها ووضعها وأطرافها ووسطها وسائر أجزائها تحصل ~~فى الخيال لم يمكن أن يحصل إلا في آلة جسمانية ms169 لأن أجزاء المقدر ~~بمقدار وأطراف لا يتميز إلا في جسم كما لا يتميز الصورة إلا فى ~~جسم هو مرآة أو ماء فهاتان القوتان أعنى البصر والخيال جسمانيتان* ~~وأما الوهمية فهى عبارة عن قوة تدرك من المحسوسات معانى ~~غير محسوسة مثل عداوة السنور للفأرة والشاة للذئب وموانقة الشاة ~~لسخلتها وهى أيضا متعلقة بالمادة لأنه لو قدر عدم إدراك صورة ~~الذئب بالحس لم يتصور إدراك هذه فهذه القوة أيضا جسمانية ~~وملتصقة بأمور غريبة عن حقيقة المدرك زائدة على ماهية غيرمجردة ~~عنها ومعلوم أنا ندرك الانسانية بحدها وحقيقتها أو مجردة بحيث ~~لا يقترن بها شىء غريب إذ لو لم يدرك ذلك مجردا لما حكمنا عليه ~~بأن القدر واللون والوضع غريب كلها في حقه وعوارض له ليست ~~داخلة في ماهيته فاذن لها فينا قوة تدرك الماهية غير مقترنة بشىء ~~من هذه الأمور الغريبة بل مجردة عن كل أمر سوى الانسانية ~~وندرك السواد المطلق مجرداعن كل أمر سوى السوادية فكذلك ~~سائر المعانى* وهذه القوة تسمى عقلا وهذه المجردات لا يقدرالخيال ~~على إدراكها فانا لا نقدرعلى أن نتخيل إنسانا إلا على بعد منا ~~أو قرب أو على قدر فى الصغر أو الكبر أو قاعدا أو قائما أو ~~عاريا أو كاسيا وهذه الأمور غريبة عن ماهية الانسان فليس للخيال ~~هذا الادراك ولا أيضا للابصار وهو حاصل فينا فهو إذن بقوة ~~أخرى وتلك القوة هى المطلوب المسمى عقلا وبهذه القوة يقتنص ~~الانسان العلم بالمجهولات بواسطة الحد الأوسط فى التصديقات ~~وبواسطة الحد والرسم فى التصورات وتكون الادراكات الحاصلة ~~فيها كلية لأنها مجردة فتكون نسبتها إلى آحاد جزئيات المعنى نسبة ~~واحدة وليس ذلك الشىء لسائر الحيوانات سوى الانسان ولهذا ~~كانت كلها على نمط واحد فى جهلها بوجه الحيلة للخلاص مما يشق ~~عليها مع اختلاف أنواعها وليس لها إلا مقدار حاجتها فانها تخص ~~بالطبع على سبيل الالهام والتسخير فاذن خاصية الانسان التى ~~لا يشاركه فيها الحيوانات هى التصور والتصديق بالكليات وله ~~استنباط المجهول بالمعلوم فى الصناعات وغيرها وهاتان القوتان مع ~~سائر ms170 القوى كلها لنفس واحدة كما سبق* ثم نقول أن للقوة العقلية ~~مراتب ولها بحسبها أسامى فالمرتبة الأولى أن لا يحصرها شىء من ~~المعقولات بالفعل بل ليس لها الاستعداد والقبول كما فى الصبى ~~وتسمى حينئذ عقله عقلا هيولانيا وعقلا بالقوة ثم بعد ذلك يظهر ~~فيه نوعان من الصور المعقولة. # (أحدهما): نوع الأوليات الحقيقية التى تقتضى طبعها أن تنطبع ~~فيه من غير اكتساب بل تقبلها بالسماع من غير نظر كما بيناه. # (والثانى): نوع المشهورات وهى فى الصناعات والأعمال أبين ~~فاذا ظهر فيه ذلك سمى عقلا بالملكة أى قد ملك كسب المعقولات ~~النظرية قياسا فان حصل بعد ذلك فيه شىء من المعقولات النظرية ~~باكتسابه إياها سمى عقلا بالفعل كالعالم الغافل عن العلوم القادر ~~عليها مهما أراد فان كانت صورة العلوم حاضرة فى ذهنه سميت تلك ~~الصورة عقلا مستفادا أى علما مستفادا من سبب من الأسباب ~~الالهية يسمى ذلك السبب ملكة أوعقلا فعالا ولا يجوز أن تكون ~~هذه الادراكات بآلة جسمانية بل المدرك لهذه المعقولات الكلية جوهر ~~قائم بنفسه ليس بجسم ولا هو منطبع فى جسم ولا يفنى بفناء الجسم ~~بل يبق حيا أبد الآبدين إما متلذذا وإما متألما وذلك الجوهر هو ~~النفس ويدل على كون إدراك العقل بغير جسم عشرة أمور سبعة ~~هى علامات قوية مقنعة بعدمها وثلاثة هى براهين قاطعة. # (العلامة الأولى): أن الحواس المدركة بآلة جسمانية إذا أصاب ~~الآلة آفة فاما أن تدرك وأما أن يضعف إدراكها أو يغلط فيه. # (الثانية): أنها لا تدرك آلتها إذ البصر لا يدرك نفسه ولا آلته. ~~(الثالثة): أنها لو كان فيها كيفية ما لم يدركها وإنما يدركها أبدا ~~غيرها حتى أن سوء المزاج إذا صار متمكنا فى البدن جوهر بآلته مثل ~~الدق لم يدرك ذلك قوة اللمس. # (الرابعة): أنها لا تدرك نفسها فان الوهم لو أراد أن يتوهم نفسه ~~وهو الوهم لم يمكنه. # (الخامسة): أنها إذا أدركت شيئا قويا لم يمكنها الادراك ~~للضعيف بعده وعقيبه بل بعد زمان فلا تسمع الصوت الخفى عقيب ~~القوى الهائل ms171 ولا ذا اللون الضعيف عقيب الضوء الظاهر ولا طعم ~~الحلاوة الضعيفة عقيب الحلاوة القوية فانها إذا انفعلت بمدركها ~~القوى لم تقبل سرعة الانفعال بمدركها الضعيف لاشتغال المحل ~~بذلك المدرك القوى واشتباكه به. # (السادسة): أنها لو هجم عليها مدرك قوى ضعفت الآلة ~~وفسدت فقد تفسد العين بقوة الشعاع ويفسد السمع بالصوت ~~الهائل. # (السابعة): أن القوى الجسمانية تضعف بعد الأربعين وذلك ~~عند ضعف مزاج البدن وهذا الذى ذكرناه كله ينعكس فى القوة ~~العقلية فانها تدرك نفسها وتدرك إدراكها لنفسها وتدرك ما يقدر ~~أنه آلتها كالقلب والدماغ وتدرك الضعيف بعد القوى والخفى بعد ~~الجلى وربما تقوى بعد الأربعين فى غالب الأمر* فان قيل القوة ~~العقلية أيضا قد تقصر عن الادراك بالمرض الذى يظهر فى مزاج ~~البدن قيل قصورها أو تعطلها عند تعطيل آلاتها لا يدل على أنها ~~لا فعل لها فى نفسها بل يجوز أن تكون فساد الآلة مؤثرا فيها من ~~وجهين. # (أحدهما): أنه إذا فسدت اشتغلت النفس بتدبيرها وانصرف ~~عن جهة المعقولات فان النفس إذا اشتغلت بالخوف لم تدرك اللذة ~~وإذا اشتغلت بالغضب لم تدرك الألم وإذا اشتغلت بفن معقول لم ~~تدرك في حال الشغل غيره فيشغلها شىء عن شىء فلا يبعد أن يشغلها ~~ضعف الآلة والحاجة إلى إصلاحها. # (والوجه الثانى): أن الآلة الجسمانية ربما تحتاج القوة اليها ابتداء ~~ليتم لها الفعل بنفسها بعد حصولها كما يحتاج من يقصد بلدة مثلا إلى ~~دابة فاذا وصل استغنى عنها فاذا فعل واحد بغير آلة يدل على أن له ~~فعلا فى نفسه وتعطل الفعل بتعطيل الآلة يحتمل هذين الوجهين ~~الذين ذكرناهما فلا حجة فيه. # (الثامنة): وهى البرهان أن العلم المجرد الكلى لا يجوزأن يحل ~~فى جسم منقسم لأن العلم الكلى لا ينقسم والجسم ينقسم وما لا ينقسم ~~لا يحل فيما ينقسم والعلم لا ينقسم فاذا لا يحل العلم في جسم وهذه ~~المقدمات لا يمكن النزاع فيها إذ الجزء الذى لا يتجزى قد بطل فلا ~~يكون العلم فيه وإذا كان في جسم منقسم انبسط فيه كالحرارة ms172 ~~واللون فاذا قسم الجسم انقسم العلم بالمجهول بزعم الزاعم والعلم ~~الواحد بالمعلوم الواحد لا ينقسم إذ ليس له بعض البتة فاستحال أن ~~يحل فى الجسم وإن قيل فلم قلتم أن العلم الواحد لا ينقسم قيل العلم ~~بالمعقول المجرد ينقسم إلى ما لا يمكن أن يتوهم فيه كثرة وقبول قسمة ~~كالعلم المجرد بالوجود وكالعلم بالوحدة فانه لا بعض للمعلوم فلا ~~بعض للعلم الذى هو مثال مطابق له وإلى ما يتوهم فيه كثرة كالعلم ~~بالعشرة والعلم بالانسان الذى هو متقوم من الحيوان والناطق ~~وهما الجنس والفصل وهذا النوع ربما يظن أن له أجزاء إذ يقول ~~القائل العشرة لها جزء والعلم بها مثال لها ومطابق إياها فالعلم بها ~~له جزء وكذلك العلم بالانسان وهو محال فان العشرة من حيث هى ~~عشرة لا جزء لها إذ ما دون العشرة ليس بعشرة فليست كالماء الكثير ~~فان بعضه إذا قسم فهو ماء بل هى كالرأس مثلا فانه واحد لكل ~~إنسان ولا جزء له من حيث هو رأس بل له جزء من حيث هو جلد ~~ولحم وعظم وكونه جلدا ولحما وعظما غير كونه رأسا وكونه رأسا ~~لا يقتضى أن يكون له جزء فان الرأس من حيث هو رأس لا ينقسم ~~وكل معلوم لم يتحد بهذا النوع من الاتحاد فلا يكون معلوما واحدا* ~~وأما الانسان فهو معلوم واحد لأنه من حيث أنه إنسان شىء ~~واحد وله صورة واحدة كلية ولأجل وحدتها تصير معقولا فيكون ~~واحدا لا يقبل القسمة على أنا نقيم برهانا على استحالة القسمة وهو ~~أنه لو انقسم العلم بانقسام الجسم لكان أحد القسمين فى جزء ~~وهذا الجزء المفروض فيه قسم العلم الواحد لا يخلو إما أن يخالف ~~الكل أو لا يخالف فان لم يخالف أحدهما الآخر فى شىء أصلا كان ~~الجزء مثل الكل وذلك محال إذ يخرج عن كونه جزءا وإن كان مخالفا ~~فلا يخلو إما أن يخالفه مخالفة النوع للنوع ومخالفة الشكل للون ~~وهو محال إذ لا يكون الشكل داخلا فى اللون وكل جزء فهو ms173 داخل ~~فى الكل وإما أن يخالفه بعد كونه داخلا فيه مخالفة الحيوان للانسان ~~وهى مخالفة الجنس للنوع وإن كان داخلا فيه أو مخالفة الواحد ~~للعشرة وباطل أن يخالفه مخالفة الجنس للنوع لأنه يؤدى إلى أن ~~يكون العلم بالحيوان في جزء والعلم بالناطق في جز آخر فليس فى ~~كل واحد منهما علم للانسان فيؤدى إلى نأ لا يكون العلم ~~بالانسان حاصلا بل ليت شعرى إذا قدرنا الجزئين أحدهما فوق ~~مثلا والآخر أسفل فالعلم بالجنس بأنهما يختص ولم يستحق ~~أحدهما أن يكون محلا للجنس والآخر محلا للفصل ثم أن تركب ~~الانسان من الحيوان والناطق فلا يتركب الحيوان من عدد يتمادى ~~إلى غير نهاية بل ينتهى إلى أول واحد وإلا فيؤدى إلى أن لا يعلم ~~الشىء إلا بعد علوم غير متناهية وذلك محال وإن كان يخالفه فى ~~المقدار مخالفة الواحد للعشرة فلا يخلو إما أن يكون ذلك الجزء علما ~~أو لا يكون علما فان لم يكن علما أدى ذلك إلى أن يحصل من أجزاء ~~ليست علوما وهو كما يقال حصل من جزئين هما شكل وسواد ~~وهو محال وإن كان ذلك الجزء علما فمعلومه إن كان هو معلوم الكل ~~كان الجزء مساويا للكل وان كان معلوم آخر استحال أن يكون ~~الكل علما غير العلم بالأجزاء إذ لا يحصل من العلم بالشكل والعلم ~~بالسواد العلم بالقدرة وإن كان العلم بالجزء معلوم الكل فقد ~~فرضنا ذلك في معلوم واحد لا جزء له فدل على أن القسمة محال. # (والتاسعة): وهى برهان أيضا المعقول المجرد يحصل في النفس ~~للانسان كما سبق ويكون مجردا عن الوضع وعن المقدار فتجريده ~~لا يخلو إما أن يكون باعتبار محله أو باعتبار ما منه حصل وباطل أن ~~يكون باعتبار ما منه حصل فان الانسان إنما يتلقى حد الانسان ~~وحقيقته ويحصل ماهيته فى عقله من انسان شخصى له قدر ~~مخصوص لكن العقل يجرده عن القدر والوضع فبقى انه منزه عن ~~الوضع والقدر لمحله لا لما منه أخذ وحصل وذلك أن محله أعنى ~~نفس الانسان ms174 يميزه عن القدر والوضع وإلا فكل حال في ذى ~~وضع وقدر يكون له قدر ووضع بسبب محله لا محالة. # (والعاشرة): اعلم أن كل ما يقدر آلة للعقل من قلب أو دماغ ~~فالعقل قادر على إدراكه فاذا أدركه فادراكه لا يكون إلا بحصول ~~صورة فيه إذ هذا معنى كل إدراك فالصورة الحاصلة لا تخلو إما أن ~~تكون عين صورة الآلة أو غيرها بالعدد ولكن تماثلها وباطل أن ~~يكون هى عين صورة الآلة فانها حاضرة أبدا فيها فينبغى أن يكون ~~أبدا مدركا لها وليس كذلك فانه تاره يعقلها وتارة يعرض عن ~~إدراكها والأعراض عن الحاضر محال وإن كان غيرها بالعدد فاما ~~أن يحل فى نفس القوة من غير مشاركة الجسم فيدل ذلك على أنها ~~قائمة بذاتها وليست فى الجسم وإما أن يكون بمشاركة الجسم حتى ~~يكون هذه الصورة المغايرة فى التعين فى القوة فى الجسم الذى هو ~~الآلة وهى مثل الجسم فيؤدى إلى اجتماع صورتين متماثلتين فى ~~جسم واحد وذلك محال كما يستحيل اجتماع سوادين في محل واحد ~~فانا بينا ان الاثنينية لا تكون إلا بنوع مفارقة وههنا لا مفارقة فان ~~كل عارض يذكر لاحدى الصورتين فهى للصورة الأخرى موجود ~~وبذلك يصيران متطابقين وقد ظهر استحالته. # (دليل حادى عشر): هو انا قد ذكرنا فيما تقدم أن كل قوة ~~جسمانية فلا تكون الا قوة على متناه والقوة على ما لا يتناهى لا تكون ~~فى الجسم البتة والقوة العقلية قوة على صور عقلية وجسمانية وغيرها ~~لا نهاية لها إذ ما يمكن أن يدركه العقل من الحسيات والمعقولات ~~ليس محصور فيستحيل أن تكون القوة العقلية جسمانية أما برهان ~~أنها لا تفنى بفناء الجسم فيتقدم عليه أنها حادثة مع الجسم لأنها لو ~~كانت موجودة قبل الجسم لكانت النفوس اما واحدة وأما كثيرة ~~وباطل أن تكون كثيرة فان الكثرة لا تكون إلا باختلاف وتغاير ~~بالعوارض وإذا لم تكن مواد وعوارض يقع بها الاختلاف فلا ~~يتصور الاختلاف وإن كانت واحدة فهو محال أيضا لأنها فى ~~الأبدان كثيرة والواحد ms175 لا يصير كثيرا كما لا يصير الكثير واحدا ~~إلا إذا كان له حجم ومقدار فيتصل مرة وينفصل أخرى ودليل ~~كثرته في الأبدان أن معلوم زيد ليس معلوم عمرو ولو كان نفسا ~~واحدا لما كان الشىء معلوما لنفس ومجهولا بعينه لنفس أخرى إذ ~~يكون الشىء معلوما لنفس الواحدة ومجهولا لها وذلك محال ولكنا ~~نقول مع أنها حدثت مع الأجسام فليست حادثة بالأجساد إذ قد ~~سبق أن الجسم لا يكون سببا لاختراع شىء البتة لا سيما ما ليس ~~بجسم بل سببها واهب الصور وهو جوهر عقلى أزلى ويبقى المعلول ~~ببقاء العلة وذلك الجوهر باق* فان قيل كما يفتقر حدوثها إلى البدن ~~فكذلك بقاؤها* قيل البدن شرط لحدوث النفس لا علته وكأنه ~~شبكة بها يقتنص من العلة هذا المعلول أو يستخرج من هذه العلة ~~فبعد الوقوع في الوجود بواسطة الشبكة لا يحتاج إلى بقاء الشبكة ~~ووجه كونه شرطا لا علة أن العلة لو صدرت منها نفس لكانت اما ~~واحدة أو اثنتين او عددا غير متناه فى كل لحظة وكل ذلك محال إذ ~~ليس عدد أولى من عدد فلا ترجيح لواحد من الأعداد ولو اقتصر ~~على واحد لم يكن له مخصص أيضا فان امكان الثانى منه كامكان ~~الأول فلما لم يترجح إمكان الوجود على إمكان العدم بقى العدم ~~مستمرا إلى أن تستعد النطفة لأن تكون آلة لنفس يشتغل بها ~~فصار وجود النفس حينئذ أولى من عدمها واختص عددها بعدد ~~النطف المستعدة فى الأرحام وهذا شرط الابتداء ليترجح الوجود ~~على العدم فبعد الوجود يكون بقاؤه بعلته لا بالمرجح* وأما برهان ~~بطلان التناسخ فان النفس إذا تركت تدبير البدن بفساد المزاج ~~وخروجه عن قبول التدبير فلا يخلو إما أن يكون مشتغلة بتدبير ~~حجر أو خشب وما لا يستعد لقبول التدبير فيصير نفسا له وهو ~~محال أو يشتغل بتدبير نطفة استعدت لقبول التدبير لأية نطفة ~~سواء كانت نطفة انسان أو حيوان أو غيره وهو الذى ظنه قوم ~~وذلك محال لأن كل نطفة استعدت لقبول النفس استحقت ~~حدوث ms176 نفس من الجوهر العقلى الذى هو مبدأ النفوس استحقاق ~~بالطبع لا بالانحراف والاختيار فيؤدى الى اجتماع نفسين لبدن ~~واحد وهو محال فان استعداد النطفة لقبول نور النفس من واهب ~~النفوس بازاء منزلة استعداد الجسم لقبول نور الشمس إذا رفع ~~الحجاب من وجهه فان كان عند ارتفاع الحجاب ثم سراج حاضر ~~أشرق نور السراج ونور الشمس جميعا ولا يمتنع نور الشمس بنور ~~السراج فكذلك لا يمتنع تأثير النطفة لقبول النفس من مبدئها ~~بوجود النفس فى العالم غير مشغولة ببدن فيؤدى ذلك إلى اجتماع ~~نفسين فى بدن واحد وما من شخص إلا وهو يشعر بنفس واحدة ~~فالتناسخ محال. # (المقالة الخامسة) ~~(فيما يفيض على النفوس من العقل الفعال): لا شك أن النظر ~~فى العقل الفعال يليق بالالهيات وقد سبق اثباته وصفته وليس النظر ~~فيه من حيث ذاته الآن بل من حيث تأثيره في النفوس بل ليس ~~النظر في تأثيره وإنما هو فى النفس من حيث تأثرها به ولنذكر فى ~~هذه المقالة دلالة النفس على العقل الفعال ثم كيفية فيضان العلوم ~~عليها منه ثم وجه سعادة النفس به بعد الموت ثم وجه شقاوة النفس ~~المحجوبة عنه بالأخلاق المذمومة ثم سبب الرؤيا الصادقة ثم الرؤيا ~~الكاذبة ثم سبب إدراك النفس علم الغيب ثم اتصالها بعالم العلوم ~~ثم سبب مشاهدتها ورؤيتها في اليقظة صورا لا وجود لها من خارج ~~ثم معنى النبوة والمعجزات وطبقاتها ثم وجود الأنبياء ووجه الحاجة ~~اليهم فهذه عشرة أمور. # (الأول): دلالة النفس على العقل الفعال ووجه أن النفس ~~الانسانية تكون عالمة بالمعقولات المجردة والمعاني الكلية في الصبى ~~بالقوة ثم تصير عالمة بالفعل وكل ما خرج من القوة إلى الفعل فلا بد ~~له من سبب يخرجه إلى الفعل فاذا لا بد للنفس فى خروجها فى حال ~~الصبى من القوة إلى الفعل من سبب وهذا أيضا لا بد له من سبب ~~ويستحيل أن يكون ذلك السبب جسما لأن الجسم لا يكون سببا لما ~~ليس بجسم كما سبق والعلوم العقلية تقوم بالنفس التى ليست بجسم ms177 ~~ولا هى منطبعة فى جسم فلا تدخل فى المكان والحيز حتى يحاورها ~~جسم آخر أو يحاذيها فيؤثر فيها فاذن يكون السبب جوهرا مجردا ~~عن المادة وهو المعنى بالعقل الفعال لأن معنى العقل كونه مجردا ومعنى ~~الفعال كونه فاعلا فى النفوس على الدوام ولا شك فى أن هذا من ~~الجواهر العقلية التى سبق إثباتها فى الالهيات وأولاها بأن تنسب اليه ~~العقل الأخير من العقول العشرة التى ذ كرناها والشرع أيضا مصرح ~~بأن هذه المعارف في الناس وفى الأنبياء بواسطة الملائكة. # (الثانى): كيفية حصول العلوم فى النفس فذلك أن المتخيلات ~~المحسوسة ما لم تحصل فى الخيال لا يحصل منها المعانى الكلية المجردة ~~ولكنها في ابتداء الصبى تكون في حكم صورة مظلمة فاذا كمل استعداد ~~النفس أشرق نور العقل الفعال على الصور الحاضرة في الخيال ~~فوقع منها فى النفوس المجردات الكلية حتى يأخذ من صورة زيد ~~صورة الانسان الكلى ومن صورة هذا الشجر صورة الشجر الكلى ~~وغير ذلك كما تقع من صور المتلونات عند إشراق الشمس عليها ~~مثلها في الأبصار السليمة والشمس مثال العقل الفعال وبصيرة النفس ~~مثال قوة الأبصار والمتخيلات مثل المحسوسات فانها محسوسة مرئية ~~بالقوة فى الظلام فى العين مبصرة بالقوة فلا يخرج إلى الفعل إلا ~~بسبب آخر وهو إشراق الشمس فكذلك هذا ومهما أشرق هذا ~~النورميزت القوة العقلية من الصور المنتقشة فى الخيال العرضى عن ~~الذاتي وميزت الحقائق عن الأمور الغريبة التى ليست ذاتية فيكون ~~مجردة ويكون كلية أيضا إذ أبطل وجود العقل الجزئية بحذف ~~المخصصات التى هى عرضية خارجة عن الذات فبقى أمر واحد مجرد ~~نسبته إلى جميع الجزئيات نسبة واحدة. # (الثالث): السعادة وهى أن النفس إذا استعدت بالاستعداد ~~لقبول فيض العقل الفعال وأنست بالاتصال به على الدوام انقطعت ~~حاجتها عن النظر إلى البدن ومقتضى الحواس ولكن لا يزال البدن ~~يجاذبها ويشغلها ويمنعها عن تمام الاتصال فاذا انحط عنها شغل البدن ~~بالموت ارتفع الحجاب وزال المانع ودام الاتصال لأن النفس باقية ~~والعقل الفعال باق أبدا والفيض من جهته مبذول ms178 فانه لذاته ~~والنفس مستعدة للقبول بجوهرها إذا لم يكن مانع وقد زال المانع ~~فدام الوصال لأن البدن وإن كان تحتاج اليه النفس لما فيه من ~~الحواس والقوى فى الابتداء لتحصل بواسطة التخيلات حتى تلتقط ~~من الخيالات المجردات الكلية وتقتنصها بواسطتها إذ ليس يمكنها ~~فى الابتداء كسب المعقولات إلا بواسطة الحواس فالحاسة نافعة فى ~~الابتداء كالشبكة وكالمركوب الموصل إلى المقصد ثم بعد الوصول ~~إلى المقصد يصير عين ما كان شرطا وبالا عليها بحيث تكون الفائدة ~~فى الخلاص منه لكونه مانعا للنفس من التمتع بالمقصود بعد الوصول ~~وشاغلا لها وكذلك هذا وإنما كانت هذه سعادة لأنها لذة عظيمة ~~لا تدخل تحت الوصف وإنما كانت لذة لما بينا من قبل أن معنى اللذة ~~إدراك كل قوة لما هو مقتضى طبعها بغير آفة وخاصية طبع النفس ~~المعارف والعلم بحقائق الأشياء على ما هى عليه فان هذه العقليات ليست ~~للحس أصلا وقد ظهر أنه لا قياس للذة القوة العقلية إلى لذة القوة ~~الحسية وظهر أن سبب خلونا عن إدراك لذة العلوم ونحن فى شغل ~~البدن ماذا وقد سبق هذا فى الالهيات فاذا كانت المعارف التى هى مقتضى ~~طباع القوة العقلية وخاصيتها المعرفة بالله وملائكته وكتبه ورسله ~~وكيفية صدور الوجود منه إلى غير ذلك من المعارف حاضرة حتى ~~اشتغلت النفس بها وهى فى البدن عن أن تصير مستغرقة بالبدن ~~وعوارضه مستوعبة لهمتها ما دام اتصالها وكمل حالها بعد فراق ~~البدن والتذت بها لذة لا يدرك الوصف كنهها وإنما ليس يشتد ~~الشوق والرغبة فى هذا الآن لعدم ذوقه كما لو وصفت لذة ~~الجماع للصبى وليست له شهوة لم يرغب فيه بل ربما يعاف صورة ~~الجماع وهذه اللذة العقلية إنما تكون لنفس كملت في هذا العالم فان ~~كانت منزهة عن الرذائل ولكنها منفكة عن العلوم وهمها مصروف ~~إلى المتخيلات فلا يبعد أن يتخيل الصورة الملذة كما فى النوم ~~فيتمثل لها وصف فى الجنة من المحسوسات فيكون بعض الأجرام ~~السماوية موضوعا لتخيلها إذ لا يمكن التخيل إلا بجسم. # (الرابع ms179 القول فى الشقاوة): وهى أن تكون النفس محجوبة عن ~~عن هذه السعادة التى هى مقتضى طبعها فاذا حيل بينها وبين ما تشتهيه ~~فقد تشقى وإنما تصير محجوبة بأن تتبع الشهوات وتقصر الهمة على ~~مقتضى الطبع البدنى وتؤثر هذا العالم الخسيس الفانى فترسخ بالعادة ~~تلك الهيئة فيها ويتأكيد شوقه اليها فيفوته بالموت آلة درك المشوق ~~واقتناص العلوم ويبقى الشوق والنزوع وهى الألم العظيم الذى ~~لا حد له وذلك يمنع من الوصال والاتصال بالعقل الفعال ~~لأن النفس في هذا العالم لا يمنع دوام اتصالها لكونها منطبعة فى ~~البدن وإن كانت ليست في البدن كما بينا ولكن لاشتغالها بعوارضه ~~وشهواته ونزوعه اليه وعشقه الطبيعى الذى يحول بين النفس ~~ومقتضى طبعها ولكن لا يحس فى هذا العالم بالم ذلك لشغل البدن ~~إياها كالمشغول بالقتال أو الخوف فانه قد لا يشعر بالألم وقد شرحنا ~~أسباب ذلك فاذا فارقت البدن بالموت ارتفع ذلك الشاغل وبقى ~~الشوق وفاتت الآلة أعنى الحواس والقوى البدنية التى يفيض بها ~~المعقولات وعدم المركب الذى يوصل إلى المقصد وصار الشوق ~~إلى ما تعوده وألفه من الحس صارفا له إلى ما فاته ومانعا إياه عن ~~الاتصال بمقتضى طبعه وهو البلاء العظيم المخلد وهذه النفس ناقصة ~~بفقد العلم ملطخة باتباع الشهوة وأما الذى استكمل القوة العقلية ~~فحصل المعارف ولكنه اتبع الشهوات فذلك يبقى هيئة الشهوات ~~والنزوع اليها فى نفسه فيجاذبها إلى جهة الطبيعة السفلى وما حصله ~~من المعارف فى جوهره يجذب نفسه إلى الملأ الأعلى ويحصل من ~~تصاد المتجاذبين ألم عظيم هائل ولكنه ينقطع ولا يخلد لأن الجوهر ~~قد كمل وهذه الهيئة عارضة وقد انقطع أسبابها بالموت فلم يبق ~~ما يؤكدها ويجددها فتمحى بعد زمان ولا يتعذب أبدا ويكون ~~قرب الزوال وبعده بحسب قوة تلك الصفة وضعفها وعن هذا ~~أخبرتك الشريعة بأن المؤمن الفاسق لا يخلد فى النار وأما من ~~اكتسب شوق الاستكمال بالعلم بممارسة مباديه ثم تركه يتضاعف ~~عقابه لأنه ينضاف إلى آلامه تحسره على ما فاته مع كونه مشتاقا اليه ~~وان ما ms180 لا يعرف قدره لا يشتاق اليه فلا يشعر بفواته ولا يتحسر ~~عليه كما لو قتل ملك وأخذ الملك من أولاده وله ولدان. # (أحدهما): صبى لا يعرف ما الملك. # (والآخر): أكبر قد عرف الملك ومارسه ولم يصل بعد إلى ~~استكماله واستدامته فانه لا شك يكون أعظم حسرة وأشد من أخيه ~~الذاهل عن قدر ما فاته ألما وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم فى هذا. ~~(أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه): وقال ~~النبى صلى الله عليه وسلم. # (من ازداد علما ولم يزدد هدى لم يزدد من الله إلا بعدا). # (الخامس فى سبب الرؤيا الصادقة): وليعلم أولا أن معنى النوم ~~انحباس الروح من الظاهر إلى الباطن والروح عبارة عن جسم ~~لطيف مركب من بخار الاخلاط معتصبة القلب وهو مركب ~~القوى النفسانية والحيوانية وبها تتصل القوى الحساسة المتحركة ~~إلى آلاتها ولذلك مهما وقعت سدة فى مجاريها من الأعصاب المؤدية ~~إلى الحس بطل الحس وحصل الصرع والسكتة وكذلك إذا شدت ~~يد الانسان شدا محكما أحس بخدر فى أطراف اليد مما يلى الأنامل ~~وبطل فى الحال حسه إلى أن يحل فيعود الحس بعد زمان وهذا ~~الروح بواسطة العروق الضوارب منتشر إلى الظاهر من البدن ~~وقد يتحجز فى الباطن بأسباب مثل طلب الاستراحة من كثرة الحركة ~~ومثل اشتغال الباطن لنضج الغذاء ولذلك يغلب النوم عند الامتلاء ~~ومثل أن يكون الروح قليلا ناقصا فلا يفى أثره فى الباطن والظاهر ~~جميعا ولنقصانه ولزيادته أسباب طبية والاعياء معناه نقصان الروح ~~بالتحلل بسبب الحرارة وميل الرطوبة والثقل الذين يظهران فيه ~~فيمنعانه عن سرعة الحركة كما يغلب وقوعه عن من أطال المقام فى ~~الحمام وبعد الخروج منه وتناوله الشىء المرطب للدماغ فاذا ركدت ~~الحواس بسبب انحباس الروح الحاملة لقوة الحس عنها بسبب من ~~هذه الأسباب بقيت النفس فارغة عن شغل الحواس لأنها لا تزال ~~مشغولة بالتفكر فيما تورده الحواس عليها فاذا وجدت فرصة للفراغ ~~وارتفع عنها المانع استعدت للاتصال بالجواهر الروحانية الشريفة ~~العقلية التى فيها نقش الموجودات ms181 كلها المعبر عنها فى الشرع باللوح ~~المحفوظ فانطبع فيها أعنى فى النفس ما فى تلك الجواهر من صورة ~~الأشياء لا سيما ما يناسب أغراض النفس ويكون مهما لها ويكون ~~انطباع تلك الصورة فى النفس منها عند الاتصال كانطباع صورة ~~مرآة فى مرآة أخرى يقابلها عند ارتفاع الحجاب بينهما وكل ~~ما يكون فى إحدى المرآتين يظهر فى الأخرى بقدرها فان كانت ~~تلك الصورة جزئية وقعت من النفس فى الصورة وحفظتها الحافظة ~~على وجهها ولم تتصرف القوة المتخيلة الحاكية للأشياء بتمامها فتصدق ~~هذه الرؤيا ولا يحتاج إلى التعبير إذ يكون ما رآه بعينه وإن كانت ~~المتخيلة غالبة وإدراك النفس للصورة ضعيفا سارعت المتخيلة ~~بطبعها إلى تبديل ما رأته النفس بمثال كتبديل الرجل بشجرة ~~والعدو بحية أو إلى تبديله بما يشبهه ويناسبه مناسبة ما أو بما يضاده ~~كما أن من رأى أنه ولد له ابن فولدت له بنت وكذا بالعكس وهذه ~~الرؤيا تحتاج إلى تعبير ومعنى التعبير أن يتفكر المعبر فى أن هذا ~~الذى بق فى حفظه من الصور التى رآها ما الذى يمكن أن تكون ~~النفس قد رأته حتى انتقل الخيال منه إلى هذا الباقى فى الحفظ ~~ويكون ذلك لمن يتفكر فى شىء فينتقل خياله إلى غيره ثم منه إلى ~~غيره حتى نسى ما كان يتفكر فيه أولا فيكون طريقه فى التذكر ~~والتخيل وذلك بأن يقول هذا الخيال الحاضر لماذا تذكرته فيتذكر ~~السبب الموجب له ثم يتأمل فى ذلك حتى يتذكر بسببه وهكذا ~~وربما يعثر فى تخيله على الأول الذى انجر به إلى هذا الأخير ولما ~~كانت انتقالات الخيال غير مضبوطة بنوع مخصوص انشعبت وجوه ~~التعبير وصارت تختلف بالأشخاص والأحوال والصناعات ~~وفصول السنة وصحة النائم ومرضه وصار لا ينال إلا بضرب من ~~الحدس ويغلط فيه ويغلب عليه الالتباس. # (السادس): أضغاث الأحلام وهى المنامات التى لا أصل لها ~~وسببها حركة القوة المتخيلة وشدة اضطرابها فانها فى أكثر الأحوال ~~لا تفتر عن المحاكاة والانتقالات وكذلك فى حال النوم لا تفتر أيضا ~~فى أكثر الأحوال ms182 فمهما كانت النفس ضعيفة فتبقى مشغولة بمحاكاتها ~~كما تكون فى حال اليقظة مشتغلة بالحواس فلا تستعد للاتصال ~~بالجواهر الروحانية والمتخيلة باضطرابها إذا كانت قد قويت بسبب ~~من الأسباب فلا تزال تحاكى وتخترع صورا لا وجود لها وتبقى فى ~~الحافظة إلى أن يتيقظ النائم فيتذكر ما رآه فى المنام ويكون لمحاكاتها ~~أيضا أسباب من أحوال البدن ومزاجه فان غلب على مزاجه ~~الصفراء حاكاها بالأشياء الصفر وإن كان فيه إفراط الحرارة ~~حاكاها بالنار والحمام الحار وإن غلبت عليه البرودة حاكاها بالثلج ~~والشتاء وإن غلبت السوداء حاكاها بالأشياء السود والأمور ~~الهائلة وإن كانت النفس مشغولة تفكر نسيت بخيال بقية التفكر ~~فلا يزال الخيال يتردد فيما يتعلق بالهمة فيها وإنما حصلت صورة ~~النار مثلا فى المتخيلة عند غلبة الحرارة لأن الحرارة التى فى موضع ~~يتعدى إلى غيره إذا كان مجاورا له ومناسبا كما يتعدى نور الشمس ~~إلى الأجسام بمعنى أنه يكون سببا لحدوثها إذا علقت الأشياء ~~موجودة وجودا فائضا بأمثاله على غيره فالقوة المتخيلة منطبعة فى ~~الجسم الحار ويؤثر به تأثيرا يليق بطبعه وهى ليست بجسم أعنى ~~المتخيلة حتى يقبل الحرارة نفسها لكن يقبل من الحرارة المقدار ~~الذى فى طبعها قبوله وهى صورة الحار وصورة النار وأمثاله هذا ~~هو السبب فيه. # (السابع فى سبب معرفة الغيب فى اليقظة): اعلم أن سبب ~~الحاجة إلى النوم لادراك علم الغيب بالرؤيا ما أوردناه من ضعف ~~النفس وكون الحواس شاغلة لها حتى إذا ركدت الحواس اتصلت ~~النفس بالجواهر العقلية واستعدت للقبول منها ويمكن أن يكون ~~ذلك لبعض النفوس فى اليقظة من وجهين. # (أحدهما): أن لقوى النفس قوة لا يشغلها الحواس ولا يستولى ~~عليها بحيث يستغرقها ويمنعها من شغلها بل يتسع ويقويها للنظر إلى ~~جانب العلو وجانب السفل جميعا كما يقوى بعض النفوس فيجمع ~~فى حالة واحدة بين أن يتكلم ويكتب فمثل هذه النفوس يجوز أن ~~يفتر عنها فى بعض الأحوال شغل الحواس ويطلع إلى عالم الغيب ~~فيظهر لها منه بعض الأمور فيكون مثل البرق الخاطف وهذا ~~النوع من ms183 النبوة ثم إن ضعفت المتخيلة بقى فى الحفظ ما انكشف ~~من الغيب بعينه وكان وحيا صريحا وإن قويت المتخيلة اشتغلت ~~بطبيعة المحاكاة فيكون هذا الوحى مفتقر إلى التأويل كما يفتقر تلك ~~الرؤيا إلى التعبير. # (والسبب الثانى): أن يغلب على المزاج اليبس والحرارة حتى ~~يصرفه بغلبة السواد عن موارد الحواس فيكون مع فتح العينين ~~كالمبهوت الغافل الغائب عما يرى ويسمع وذلك لضف خروج ~~الروح إلى الظاهر فهذا أيضا لا يستحيل أن ينكشف لنفسه من ~~الجواهر الروحانية شىء من الغيب فيتحدث به ويجرى على لسانه ~~وكأنه أيضا غافل عما يحدث به وهذا يوجد فى بعض المجانين ~~والمصروعين وبعض الكهان من الأعراب فيحدثون بما يكون ~~موافقا لما سيكون وهذا النوع نقصان والسبب الأول نوع كمال. # (الثامن فى سبب رؤية الانسان فى اليقظة صورا لا وجود لها): ~~وذلك أن النفس قد تدرك الغيب إدراكا قويا فيبقى عين ما أدركه ~~فى الحفظ وقد تقبله قبولا ضعيفا يستولى عليه المتخيلة فتحاكيه ~~بصورة محسوسة فاذا قويت تلك الصورة فى المصورة استصحب الحس ~~المشترك وانطبعت الصورة فى الحس المشترك سراية اليه من المصورة ~~والمتخيلة* والابصار هو وقوع صورة فى حس المشترك فان ~~الصورة الموجودة من خارج ليست بمحسوسة بل هى بسبب صورة ~~تماثلها فى الحس المشترك فالمحسوس فى الحقيقة هى الصورة الحادثة ~~فى الحس بسبب الصورة الخارجة فالخارجة تسمى محسوسة بمعنى ~~آخر فلا فرق بين أن تقع الصورة فى الحس المشترك من خارج أو ~~من داخل فانها كيف ما يكون محسوسة يكون حصولها إبصارا فمهما ~~وقع ذلك فى المشترك صار صاحبه مبصرا له وإن كانت الأجفان ~~مغمضة أو كان فى ظلمة أيضا والذى يرى الانسان فى اليقظة إنما ~~لا ينطبع فى الحس المشترك حتى يصير مبصرا لأن الحس المشترك ~~مشغول بما يؤدى اليه الحواس من الظاهر وهى أغلب ولأن العقل ~~يكسر على المتخيلة اختراعها ويكذبها فلا يقوى تصورها فى اليقظة ~~فمهما ضعف العقل عن ردها وتكذيبها بسبب مرض من الأمراض ~~لم يبعد أن ينطبع فى الحس المشترك ما ms184 يقع فى المتخيلة فيرى المريض ~~صورا لا وجود لها بل إذا غلب الخوف واشتد توهم الخائف للمخوف ~~وتخيله إياه وضعفت النفس والعقل المكذب فربما يمثل للحس ~~صورة المخوف منه حتى يشاهد ويبصر ما يخافه ولهذا يرى الجبان ~~الخائف صورا هائلة والقول الذى يحدث به فى الصحارى وبما ~~يسمع من كلامه هذا سببه وقد تشتد شهوة هذا العليل الضعيف ~~فيشاهد ما يشتهيه ويمد اليه يده كأنه يأكله ويرى صورا لا وجود ~~لها بسبب ذلك. # (التاسع فى أصول المعجزات والكرامات): وهى ثلاث خواص. # (الخاصة الأولى فى قوة النفس فى جوهرها): بحيث يؤثر فى ~~هيولى العالم بازالة صورة وإيجاد صورة بأن يؤثر فى استحالة غيرها ~~ويؤثر فى استحالة الهواء غيما ويحدث مطرا كالطوفان أو بقدر ~~الحاجة للاستسقاء أو ما يجرى مجرى ذلك وهو ممكن فانه قد ثبت ~~فى الالهيات أن الهيولى مطيعة للنفوس ومتأثرة بها وإن هذه الصور ~~تتعاقب عليها من آثار النفوس الفلكية وهذه النفس الانسانية من ~~جوهر تلك النفوس وشديدة الشبه بها وهى التى كانت نسبتها اليه ~~نسبة السراج إلى شمس فان ذلك لا يمنع من تأثير كما لا يمنع ضعف ~~السراج من كونه مؤثرا فى التسخين والاضاءة كالشمس فكذلك ~~نفس الانسان تؤثر فى هيولى العالم ولكن الغالب عليها أن يقتصر ~~تاثيرها على عالمها الخاص وذلك بدنها وكذلك إذا حصلت فى ~~النفس صورة مكروهة استحال مزاج البدن وحدثت رطوبة ~~العرق وإذا حدثت فى النفس صورة الغلبة حمى مزاج البدن ~~واحمر الوجه وإذا حصلت صورة مشتهاة فى النفس حدثت فى ~~أوعية المنى حرارة مبخرة مهيجة للريح حتى يمتلئ. به عروق آلة ~~الوقاع فتستعد له وهذه الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة التى ~~تحدث فى البدن من هذه التصورات ليست عن حرارة وبرودة ~~ورطوبة ويبوسة أخرى بل عن مجرد التصور فاذا صار مجرد التصور ~~سببا لحدوث هذه التغيرات فى هيولى البدن وليس ذلك لكون ~~النفس منطبعة فيه إذ ليست فى البدن فيجوز أن يؤثر فى بدن غيره ~~مثل هذا التأثير أو دونه ولكن فيه أولى ms185 وأكثر إذ لها ببدنها بحكم ~~علاقة البعثة لحدوثها معه وعشقها له بالطبع ميل اليه ولا ينكر مثل ~~هذا العشق الطبيعى فان الصبى ربما وقع فى نار أو فى ماء فألقت أمه ~~نفسها فى النار وراءه بالطبع فاذا لم يبعد عشق نفسها لبدن آخر هو ~~فرع بدنها فمن أين يبعد عشقها لبدنها بالطبع وإن لم يكن حالة فى ~~بدنها ولا فى بدن الولد وهذه العلاقة العشقية هى التى يقصر تأثيرها ~~عليه وقد يتعدى أثر بعض النفوس إلى بدن آخر حتى يفسد الروح ~~بالتوهم ويقتل الانسان بالتوهم ويعبر عن ذلك بأنه إصابة العين ~~ولذلك قال عليه الصلاة والسلام. # (إن العين لتدخل الرجل القبر والجمل القدر): وقال عليه الصلاة ~~والسلام أيضا. # (العين حق): ومعنى ذلك أن المصيب بالعين يستحسن الجمل ~~مثلا ويتعجب منه ويتفق أن يكون نفسه خبيثة حسودة فيتوهم ~~سقوط الجمل فينفعل الجمل عن توهمها ويسقط في الحال وإذا كان ~~هذا ممكنا لم يبعد أن تقوى نفس من النفوس على الندور قوة أكثر ~~من هذا فيؤثر فى هيولى العالم باحداث حرارة وبرودة وحركة وجميع ~~تغاير العالم السفلى بنشعب عن الحرارة والبرودة والحركة كما سبق ~~فى حوادث الجوهر وغيره ومثل هذا يعبر عنه بالكرامة والمعجزة. # (الخاصة الثانية للقوة النظرية): هى أن تصفو النفس صفاء ~~يكون شديد الاستعداد والاتصال بالعقل الفعال حتى يفيض عليها ~~العلوم فان النفوس منقسمة إلى ما يحتاج إلى التعليم وإلى ما يستغنى ~~عنه والمحتاج إلى التعليم منه ما يؤثر فيه التعليم وإن طال تعبه ومنه ~~ما يتعلم سريعا وقد يوجد من يستنبط الشىء من نفسه من غير معلم ~~بل العلوم كلها لو تؤملت لوجدت مستنبطة من النفوس فان المعلم ~~الأول لم يكن متعلما من معلم بل يرتقى ذلك إلى من عرف من نفسه ~~وما من ناظر إلا وهو يذكراستنباطات كثيرة وقد استنبطها من نفسه ~~من غير معلم وذلك بأن تخطر النتيجة بباله فيتنبه للحد الأوسط كأنه ~~الذى فى نفسه من حيث لا يدرى أو يبتدر للحد الأوسط فتحضر ~~النتيجة كمن ms186 نظر إلى سقوط الحجر إلى أسفل فيخطر له أنه لولا ~~اختلاف الجهتين لما كان الحجر ينزل من أعلى إلى أسفل ثم يخطر ~~له أن اختلاف الجهتين لا يكون إلا فى البعد من جسم والقرب منه ~~وذلك لا يتصور إلا بمحيط ومركز فينكشف له بذلك أن السماء هى ~~محيطة ولا بد من وجودها أو ينظر فى حدوث الحركة فيخطر له ~~أن كل حادث فلا بد له من سبب حادث ويتسلسل ذلك إلى غير ~~نهاية ويعرف أن ذلك لا يمكن إلا بحركة دورية ثم يسبق له أن ~~الحركة الدورية لا تكون بالطبع فانها رجوع الى ما فارقته من ~~الوضع فيحتاج الى النفس والنفس إلى العقل كما سبق فهذا وأمثاله ~~غير محال وإذا خطر فليس بمحال أن يتمادى إلى آخر المعقولات إما ~~في زمان طويل أو قصير ومن انكشفت له هذه المعقولات كلها ~~فى زمان قصير من غير تعلم فيقال أنه نبى أو ولى ويسمى ذلك كرامة ~~أو معجزة للنبى وهو ممكن وليس بمحال وإذا كان يمكن التصور إلى ~~حد يمتنع عن الفهم من التعلم جاز أن يترقى الكمال إلى حد يغنى عن ~~التعليم وكيف لا يمكن هذا وكم من متعلمين في مدة واحدة يسبق ~~أحدهما الآخر بحقائق العلوم مع أن اجتهاده أقل من اجتهاد ~~المسبوق ولكن شدة الحدس وقوة الذكاء أعطته ذلك فالزيادة فى ~~فى هذا من الممكنات. # (الخاصة الثالثة للقوة المتخيلة): أن النفس قد تتقوى كما سبق ~~وتتصل فى اليقظة بعالم الغيب كما سبق وتحاكى المتخيلة ما أدركت ~~بصور جميلة وأصوات منظومة فيرى فى اليقظة ويستمع ما كان يراه ~~ويسمعه في النوم للسبب الذى ذكرناه فتكون الصور المحاكية المتخيلة ~~للجوهر الشريف صورة عجيبة فى غاية الحسن وهو الملك الذى ~~يراه النبى أو الولى أو يكون المعارف التى تصل إلى النفس من ~~اتصالها بالجواهر الشريفة يتمثل بالكلام الحسن المنظوم الواقع فى ~~الحس المشترك فيكون مسموعا فهذا أيضا ممكن غير مستحيل فهذه ~~طبقات النبوة ومن اجتمعت له هذه الثلاثة فهو النبى الأفضل وهو ms187 ~~فى الدرجة القصوى من درجات الانسان وهى متصلة بدرجات ~~الملائكة لكن الأنبياء فى هذه يتفاضلون يكون للواحد منهم ~~خاصيتان من هذه الثلاث وقد يكون له خاصة واحدة وقد لا يكون ~~إلا مجرد الرؤيا وقد يكون له من كل واحدة شىء ضعيف وبه يتفاوت ~~منازلهم فى القرب من الله تعالى وملائكته. # (العاشر): فى إثبات أن النبى لا بد له أن يدخل تحت الوجود ~~وأن يصدق بدخوله فى الوجود وذلك أن العالم لا ينتظم إلا بقانون ~~مسموع بين كافة الخلق يحكمون به بالعدل والا تقاتلوا وهلك العالم ~~وكما لا بد لنظام العالم من المطر مثلا والعناية الالهية لم تقتصر عن ~~إرسال السماء مدرارا فنظام العالم لا يستغنى عمن يعرفهم وجه ~~صلاح الدنيا والآخرة ولا يشتغل بذلك كل واحد وهذا النظام ~~موجود فى العالم فاذن سبب النظام موجود ومن هو سبب النظام ~~فى العالم فهو خليفة الله فى أرضه إذ بواسطته يتم فى خلق الله تعالى ~~الهداية إلى مصاح الدنيا والآخرة وإلا فالخلق دون الهداية لا يفضى ~~إلى خير ولذلك قال تعالى (قدر فهدى) وقال عز وجل (أعطى كل ~~شىء خلقه ثم هدى) فالملك واسطة بين الله تعالى والنبى* والنبى ~~واسطة بين الملك والعلماء* والعلماء واسطة بين النبى والعوام والعالم ~~قريب من النبى* والنبى قريب من الملك والملك قريب من الله ~~سبحانه وتعالى ثم تفاوت درجات الملائكة والأنبياء والعلماء فى ~~مراتب القرب تفاوتا لا يحصى فهذا ما أردنا أن نحكيه من علومهم ~~(المنطقية والالهية والطبيعية) من غير اشتغال فى تميز الغث من ~~السمين والحق من الباطل ولنفتح بعد هذا بكتاب (تهافت ~~الفلاسفة) حتى يتضح بطلان ما هو باطل من هذه الآراء والله ~~الموفق لدرك الحق بمنه وحوله* والحمد لله حمد الشاكرين والصلاة ~~والسلام على سيد المرسلين محمد وآله أجمعين آمين ~~(تم بعون الله وحسن توفيقه) PageV01P000 ms188