######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0012421 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي (المتوفى: 505هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 505 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: مشكاة الأنوار #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الرقاق والآداب والأذكار #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0012421 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-12421 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/12421 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: الدكتور أبو العلا عفيفي #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | تصدير عام ### | 1- # نحن في أمس الحاجة إلى نشر علمى دقيق لأصول تراثنا العربى القديم، فإنه ~~عن طريق هذا النوع من النشر تحيا النصوص وتستبين، ويسهل على المشتغلين ~~بموضاعاتها قراءتها والإفادة منها. وليس أجدى على الباحث من أن تكون بين ~~يديه الوثائق الأولى مضبوطة محققة خالية من شوائب التحريف والتصحيف. # وقد ابتليت كتبنا القديمة بأن قام على نشر الكثير منها والإشراف على ~~إخراجها ناشرون من غير العلماء المتخصصين، لا هم لهم سوى جنى الربح المادى ~~من طبعها. ونحن نعانى من نشراتهم ما نعانى من أخطاء مطبعية ولغوية، ونقص في ~~النصوص هنا وزيادة هناك، وخلو تام من التحقيق والتعليق والتفسير والفهارس ~~العلمية بشتى أنواعها. وكثيرا ما نقف من نص من النصوص حيارى مكتوفي الأيدى ~~لا نفهم له معنى ولا نستطيع له توجيها، أو نوجهه توجيها خاطئا لم يخطر ~~للمؤلف ببال، لا لسبب سوى أن في النص تحريفا أو نقصا أو إضافة من ناسخ، أو ~~خلطا بين متن النص وشرح وضع عليه. ويكفى أن يسقط حرف النفى "لا" من جملة من ~~الجمل، أو توضع كلمة "إذ" بدلا من "إذا" أو العكس، أو تكتب كلمة "العارفين" ~~بدلا من "العراقيين" أو نحو ذلك من التحريفات، لكى يضطرب النص ويفسد معناه؛ ~~وكثيرا ما يؤدى بالباحث إلى فهم خاطئ قد يفضى إلى رأى باطل أو نظرية لا ~~أساس لها. # ولا يختلف حظ رسالة "مشكاة الأنوار" التى ننشرها اليوم كثيرا عن حظ غيرها ~~من الكتب التى نشرت على النحو غير العلمى الذى أشرنا إليه. فقد طبعت في مصر ~~عدة طبعات: سنة 1322 ه، 1325 ه، 1929 م، # PageV01P001 # 1352 ه وضمن مجموعة "الجواهر الغوالى من رسائل حجة الإسلام الغزالى" سنة ~~1343 ه. # وقد قابلت هذه الطبعة - التى هى الآن أكثر الطبعات تداولا - على ~~المخطوطات التى تيسر لى الاطلاع عليها، فوجدتها حافلة بالأخطاء والتحريفات ~~الخطيرة؛ كما وجدت فيها إضافات كثيرة على النص الأصلى، ونقصا يبلغ الصفحة ~~في موضع من المواضع: وذلك من قوله "بمنزلة البهائم بل أخس" إلى قوله: "بمحض ms01 ~~الظلمة وهى نفوسهم المظلمة". # يظهر أن الأصل الذى أخذت عنه هذه النسخة كان مختلطا ببعض الشروح ~~والتعليقات، فنقل الناسخ كل ذلك ولم يفرق بين المتن وغيره. # ويكفى أن أذكر بعض نماذج من التحريفات التى وقعت في هذه النسخة ليظهر ما ~~فيها من خطورة: ### | 1- # ورد في ص 129 "سر الكلبية" بالسين: والصحيح "شر الكلبية" بالشين. ### | 2- # ورد في ص 130 "وقس عليه الضوء والنهار": والصحيح "وقس عليه الطور والنار" ~~لأن الكلام عن موسى الذى آنس من جانب الطور نارا. ### | 3- # ورد في ص 131: "وهذا الحظ من الوحى"، والصحيح: "وهذا النمط من الوحى". ### | 4- # ورد في ص 143: "وهو الذى يكتب ما أوردته الحواس". والصحيح: "وهو الذى ~~يستثبت ما أوردته الحواس". ### | 5- # ورد في ص 134: "أجلى وأسنى"، والصحيح: "أجل وأسنى". # PageV01P002 ### | 6- # وفي ص 134: "فلنرجع إلى غرض الأمثلة"، والصحيح: "إلى عرض الأمثلة" بالعين ~~المهملة. ### | 7- # وفي ص 135: "كون الأنبياء سراجا منيرا"، والصحيح: "سرجا منيرة". ### | 8- # وفي ص 137: "والحوادث الرديئة"، والصحيح: والأشغال المردية". ### | 9- # وفي ص 138: "وأصناف هذه الأقسام كثيرة"، والصحيح: "وأقسام هذه الأصناف ~~كثيرة". ### | 10- # وفي ص 139: "فأحاله الطبع": والصحيح: "فأحاله إلى الطبع". # هذا قليل من كثير من أمثلة الأخطاء التى لاحظتها في هذه الطبعة بالإضافة ~~إلى العيوب الأخرى التى أشرت إليها؛ ولذلك كانت إعادة نشر هذه الرسالة ونشر ~~غيرها من مؤلفات الغزالى واجبا تقتضيه الأمانة العلمية كما يقتضيه إنصاف ~~المؤلف الذى من حقه علينا أن نفهم مؤلفاته على النحو الصحيح الذى قصد إليه. ~~وهذا ما اعتزم المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية ~~القيام به عندما قرر نشر مؤلفات الغزالى ما طبع منها وما لا يزال مخطوطا. ### | 2- # اسم الرسالة ومنزلتها من مؤلفات الغزالى: ### | 1- # أطلق عليها اسم "مشكاة الأنوار" كما ورد في "كشف الظنون" لحاجى خليفة وفي ~~النسخ المطبوعة. ### | 2- # وأطلق عليها كذلك اسم "مشكاة الأنوار ومصفاة الأسرار" كما ورد في مخطوطة ~~باريس وفي آخر مخطوطة بلدية الإسكندرية. ### | 3- # وسميت باسم "كتاب المشكاة والمصباح" كما هو وارد في مخطوطة شهيد على ~~باشا. # وينسب للغزالى كتاب آخر بعنوان "مشكاة الأنوار في لطائف الأخبار" # PageV01P003 # لا صلة له ms02 بهذه الرسالة؛ وإنما هو كتاب ضخم توجد منه مخطوطات بدار الكتب ~~المصرية؛ وفي صفحة عنوان المخطوطة رقم 237 تصوف يرد اسم المؤلف الحقيقى وهو ~~علاء الدين على بن محمد الشهير بابن الفقيه الحافظ المصرى المتوفي سنة 877. # ولا شك في أن رسالة مشكاة الأنوار من مؤلفات الغزالى المتأخرة التى تمثل ~~عصر النضج الفكرى والروحى؛ ولكنا لا نستطيع أن نضع تاريخا محدودا لتأليفها ~~كما فعل الأستاذ ماسنيون في كتابه "مجموع نصوص غير منشورة خاصة بتاريخ ~~التصوف في الإسلام: باريس 1929" حيث يقول إنها ألفت في الفترة ما بين 495 ب ~~505، وهى الفترة التى قضاها الغزالى في طوس وعكف فيها على التأليف ~~والعبادة. ويذكر ماسنيون من مؤلفات الغزالى في هذه الفترة كتاب "معيار ~~العلم" وكتاب "محك النظر" وكتاب "المقصد الأسنى" ورسالة "مشكاة الأنوار". ~~ولكنا نرى في "مشكاة الأنوار" إحالات على هذه الكتب جميعها مما يدل على أن ~~الغزالى ألفها قبل المشكاة، ولا ندرى إذا كان ألفها كلها في نفس الفترة ~~التى يحددها ماسنيون. ولا نظن أن للأستاذ ماسنيون من السند التاريخى ما ~~يعتمد عليه في تحديد سنوات تأليف كتب الغزالى على النحو الذى رسمه. ### | 3- # مخطوطات الرسالة: # يوجد للرسالة ما لا يقل عن ست وثلاثين مخطوطة مبعثرة في جميع أنحاء ~~العالم؛ نذكر منها ما يلى: # (1) بلدية الإسكندرية وتاريخها 907ه (2) قوله ح 1 ص 262. (3) الموصل 176 ~~[8] (4) بتنا 2: 412 [برقم 2580 (8) ] (5) برلين رقم 3207 (6) ليدن رقم ~~1988. (7) مخطوطات بريل 2: 1053 (8) الأمبروزيانا (RSO III 573) A 64. V ~~(9) # PageV01P004 # الفاتيكان بورجيرى 65. Vat. Borgh (10) مانشستر i 71 (11) برنستون، ~~مجموعة جارت رقم 1892 وتاريخه 937 ه (12) المكتب الهندى بلندن رقم 1237 ~~فهرس آربرى بتاريخ 1096؛ ورقم 1238 بتاريخ 1107. (13) طهران: مجلس شوراى ~~ملى رقم 9015 بتاريخ 1320. (14) آصفية 1: 388 [14 (5) تصوف عربى] (15) ~~طهران 2: 77. (16) رامفور 1: 697. (17) الظاهرية: عام 7621. # وفي استانبول: (18) شهيد على 1712، 1377. (19) بشير أغا 650 (20) ~~السليمانية 734. (21) كوبرلى برقمى 860، 1603: (22) أياصوفيا 2075، 1711 ~~[3] ، 4801. (23) جار الله 1092 [1] ، 2075. (24) ولى الدين 1829. (25) ~~سليم أغا: المجموع رقم 108. (26) أسعد 1717ر18. وفي دار الكتب المصرية، ~~(27) 2673 تصوف: بتاريخ 1065، (28) برقم 184 تصوف (ضمن مجموعة) ، (29) ~~مجاميع طلعت بأرقام 274، 513، 326، 822، 826. # وفي باريس (30) برقم ms03 1331. (31) وفي الأسكوريال 2 برقم 631. (32) جوتا ~~(فهرس برتش ق 3 ح 2 ص 378) برقم 1166 بتاريخ 1188. ### | 4- # مخطوطتا شهيد على وبلدية الإسكندرية اللتان اتخذتا أساسا لهذه النشرة: # (ا) مخطوطة شهيد على. رقم 1712 بمكتبة شهيد على باستانبول، وتوجد منها ~~صورة شمسية بدار الكتب المصرية تحت رقم 3662 تصوف. تقع في 22 ورقة في 43 ~~صفحة مسطرتها 23 سطرا بخط كبير واضح. وفي صفحة العنوان: # PageV01P005 # "كتاب المشكاة والمصباح صنفه الشيخ الإمام الزاهد حجة الإسلام أبو حامد ~~محمد بن محمد بن محمد الغزالى قدس الله روحه". # وتحت ذلك اسم الناسخ وهو "عبد المجيد بن الفضل الفزارى الطبرى". # وأول الرسالة: "بسم الله الرحمن الرحيم. رب أنعمت فزد بفضلك. الحمد لله ~~فائض الأنوار الخ. # وأكبر ميزة لهذه المخطوطة أنها - فيما نعلم - أقدم مخطوطة موجودة ~~للرسالة؛ إذ أنها كتبت سنة 509ه أى بعد وفاة الغزالى بأربع سنوات. يقول ~~ناسخها في آخرها: # "نجز الكتاب وصادف فراغ صاحبه عبد المجيد بن الفضل الفزارى الطبرى ليلة ~~الجمعة وهى الليلة التاسعة من شهر رمضان سنة تسع وخمسمائة. وهو يحمد الله ~~تعالى كثيرا على نعمته، ويصلى على محمد النبى وزمرته". # وعلى الرغم من هذه الميزة التى تجعل مخطوطة شهيد على أقرب النسخ من نسخة ~~المؤلف الأصلية، لاحظنا فيها - لسوء الحظ - كثيرا من الأخطاء والتحريفات ~~والأغلاط النحوية حتى في اسم الغزالى، مما يدل على أن الناسخ لم يكن على حظ ~~كبير من الثقافة اللغوية. # (ب) مخطوطة بلدية الإسكندرية: رقم 1782- د بقلم فارسى دقيق جميل؛ نسخت ~~سنة 907 ه وهى تقع في 17 ورقة من 34 صفحة، ومسطرتها 19 سطرا. # وهى على الجملة أدق من نسخة شهيد على، وبها كلمات، وأحيانا جمل قصيرة، ~~هامة ساقطة من المخطوطة الأخرى. وفي صفحة العنوان "كتاب مشكاة الأنوار ~~للإمام الغزالى رحمه الله تعالى". # والصفحة مملوءة بأدعية وآيات قرآنية وأحاديث مكتوبة بخط ناسخ الرسالة. # PageV01P006 # وتبدأ المخطوطة بأول الرسالة وهو "الحمد لله فائض الأنوار وفاتح الأبصار ~~وكاشف الأسرار الخ. # وتنتهى بقول الناسخ: # "تمت كتابة مشكاة الأنوار ومصفاة الأسرار. اللهم اغفر ms04 لنا مع الأبرار. ~~يسر العسر يا ميسر الأعسار ويا خارق الأستار بحرمة محمد سيد شفيع الأشرار ~~وقامع الكفار. تاريخه سبع وتسعمائة من هجرة النبوة". # وقد اعتمدنا في تحقيق هذه الرسالة على هاتين المخطوطتين، واعتبرنا مخطوطة ~~شهيد على أصلا، وسجلنا القراءات المخالفة الواردة في مخطوطة بلدية ~~الإسكندرية في الهوامش. ولكن هذا لم يمنعنا في كثير من الأحيان أن نأخذ ~~بقراءات مخطوطة بلدية الإسكندرية ونثبتها في المتن ونذكر ما يخالفها من ~~قراءات مخطوطة شهيد على في الهامش؛ فقد كان رائدنا في تحقيق النص الأخذ ~~بأفضل القراءات. ### | 5- # ترجمات المشكاة والدراسات التى وضعت حولها: # لم تلق رسالة "مشكاة الأنوار" من عناية الباحثين ما لقيه بعض كتب الغزالى ~~الأخرى على الرغم من أهميتها ومنزلتها العالية بين كتب المؤلف التى كتبها ~~في عصر نضجه. والرسالة جديرة بالدراسة والتحليل العميق لما تلقيه من ضوء ~~على بعض المسائل التى عالجها الغزالى في كتب سابقة عليها، ولأنها تصور ~~الموقف النهائى الذى وقفه من هذه المسائل. وقد جرؤ فيها على ما يجرؤ ~~بالتصريح بمثله في أى مؤلف آخر: فقد أشرف فيها على القول بوحدة الوجود، ~~وخلص بعد مناقشات طويلة إلى القول بأنه ليس في الوجود موجود حقيقى إلا ~~الله؛ لأن كل ما سواه مستمد وجوده منه؛ وما كان وجوده عارية فهو في حكم ~~المعدوم. فالعالم في حقيقته لا وجود له. وأقصى ما صرح به في كتبه الأخرى ~~قوله "إنه ليس في الوجود إلا الله وآثاره والكون كله من آثاره". # ولعل السر في عدم إقبال الباحثين على دراسة هذه الرسالة أنها تدور حول ~~موضوع خاص ضيق في مظهره وإن كان واسعا عميقا في حقيقته. # PageV01P007 # فقد يتوهم الناظر فيها نظرة عابرة أنها ليست إلا تفسيرا لآية قرآنية خاصة ~~هي آية النور، ولا يدرك أن الغزالى قد لخص في هذا التفسير فلسفة إشراقية ~~كاملة، ونظرية في حقيقة الوجود كما يتصوره. ويتجلى في الرسالة إلى جانب هذا ~~المنهج الذى التزمه الغزالى في تأويله للقرآن وتخريجه للمعانى الباطنية ~~فيه، وهو المنهج الذى لا شك في ms05 أن ابن عربى قد حاكاه فيه عندما استخلص ~~مذهبه الفلسفى الصوفى كاملا من طائفة محدودة من الآيات القرآنية، وإن كان ~~الغزالى قد قصر منهجه التأويلى في الأغلب على الآيات التى يضرب فيها الله ~~الأمثال للناس في حين أن ابن عربى التزم هذا المنهج في تفسيره للقرآن ~~برمته. # ويستوى في عدم العناية بدراسة المشكاة الباحثون العرب والغربيون. أما ~~الباحثون العرب فقد شغلوا أنفسهم بموقف الغزالى من الفلاسفة ورده عليهم؛ أو ~~بالرد عليه في نقده للفلاسفة كما فعل ابن رشد في تهافت التهافت، وكأنه لم ~~يخطر ببالهم أن الغزالى الذى حارب الفلسفة وحاول هدمها فيلسوف من طراز آخر ~~غير طراز الفارابى وابن سينا؛ وأن المصادر الخصبة في فلسفته هى رسائله ~~القصار كالمشكاة والرسالة اللدنية وبعض أجزاء كتبه المطولة كالإحياء ومقدمة ~~المستصفى. # وأما علماء الغرب فقد جذبتهم في الغزالى شخصيته العالمية فعنوا بدراسة ~~كتبه من حيث صلتها بعلم الأديان المقارن، وبالغزالى الصوفي لا الغزالى ~~الفيلسوف. # ولا تزيد البحوث المطولة التى وضعها الغربيون حول "مشكاة الأنوار" على ~~ثلاثة: # الأول: مقال كتبه فنسنك في ليدن سنة 1944 في عشر صفحات. # الثاني: بحث نشره جيردنر بمجلة "الإسلام" Der Islam بالإنجليزية بعنوان ~~"مشكاة الأنوار ومشكلة الغزالى" سنة 1914. # الثالث: بحث نشره مونتجومرى وات بمجلة الجمعية الملكية الآسيوية J R. A. ~~S سنة 1945. # PageV01P008 # وقد عرضنا لهذه البحوث وناقشناها في تحليلنا للكتاب. # وكذلك لم تحظ المشكاة من الترجمات إلى اللغات الأوروبية إلا بثلاث: ~~الأولى ترجمة إلى اللاتينية قام بها إسحاق بن يوسف الفاسى؛ والثانية إلى ~~اللاتينية أيضا وقد قام بها مترجم مجهول؛ والثالثة إلى الإنجليزية قام بها ~~جيردنر سنة 1924. # PageV01P009 ### | تحليل نقدى للرسالة ### | الفصل الأول # يبدأ الفصل الأول بمناقشة معنى "النور" فى عرف العامة وعرف الخاصة، ثم فى ~~عرف خاصة الخاصة وذلك تمهيدا لبيان أن الله تعالى هو نور الأنوار أو النور ~~الأعلى الأقصى، وأنه النور الحق والحقيقى الذى تنبعث منه سائر # PageV01P011 # الأنوار التى لا تسمى أنوارا إلا على طريق المجاز. فكأن الغزالى بدأ ~~بقضية اعتبرها بديهية أو مسلمة، وهى أن ms06 للعالم أصلا مغايرا له وأن هذا ~~الأصل هو النور الحقيقي أو النور بالذات، ثم اتخذ خطوات تدريجية لا لإثبات ~~وجود ذلك النور بل لتقرير وجوده. # والنور بالمعنى العامى هو ما يبصر بنفسه ويبصر به غيره كنور الشمس والقمر ~~والسراج والنار المشتعلة. ولكن لما كان هذا النور لا يبصر ولا يدرك إلا إذا ~~وجدت عين تبصره، اعتبر الروح الباصر ركنا في إدراكه وكان أولى بأن يطلق ~~عليه اسم النور من النور الظاهر. # هذه أول خطوة خطاها الغزالى في الترقى في معنى النور وفي تجريده، إذ ~~انتقل من النور الظاهر المحسوس إلى نور آخر غير ظاهر وغير محسوس: وهذا ~~النور الآخر هو النور في عرف الخاصة. # ثم نظر الغزالى في "نور العين" فإذا به موسوم بأنواع كثيرة من النقصان: ~~فهو يبصر غيره ولا يبصر نفسه، وهو لا يبصر من الأشياء إلا ظاهرها، ولا يبصر ~~الأشياء المفرطة في القرب والبعد، ولا يبصر إلا المتناهى؛ ويرى الصغير ~~كبيرا والكبير صغيرا، والساكن متحركا والمتحرك ساكنا وهكذا. # ولكن في الإنسان "عينا" ليس فيها شىء من هذه النقائص وهى "العقل" أو ~~الروح أو النفس الإنسانية: لذلك كانت أولى باسم النور من العين الباصرة. ~~هذه هى الخطوة الثانية التى خطاها الغزالى في تجريد النور حيث وصل إلى نور ~~عقلى به يبصر الإنسان نفسه وغيره، ويدرك المتناهى واللامتناهى، والأشياء ~~المفرطة في البعد والقرب، ويدرك ما وراء الحجب، وينفذ إلى بواطن الأمور ~~وأسرارها وحقائقها، والعالم أعلاه وأسفله؛ بل يدرك الخالق جل شأنه ويدرك ~~نسبته إليه. # إلا أن العقل على الرغم من كل هذه الكمالات التى من أجلها استحق اسم ~~النور أكثر مما استحقه نور البصر لا يدرك مدركاته على درجة واحدة؛ فمن ~~الأشياء ما يدركه إدراكا مباشرا في جلاء ووضوح، وبعضها مالا يدركه إلا إذا ~~نبه إليه من مصدر حكيم. والقرآن أعظم منبه للعقل لأنه أعظم حكمة. # PageV01P012 # ومن هنا كان القرآن أولى باسم النور من العقل، وورد وصفه بالنور في قوله ~~تعالى: {والنور الذي أنزلنا} ، وفي قوله: {وأنزلنآ إليكم نورا ms07 مبينا} . # هذه هى الخطوة الثالثة في تجريد النور إذ نحن الآن بإزاء نور ليس من ~~أنوار هذا العالم، بل من أنوار عالم الملكوت الذى منه القرآن. وعالم ~~الملكوت هو العالم العلوى الذى تسكنه الملائكة وتعرج إليه نفوس السالكين. ~~وهو عالم الغيب الذى يعتبر عالم الشهادة أثرا من آثاره وظلا له ومسببا عنه. ~~وهو عالم مشحون بالأنوار. # ثم إن أنوار عالم الملكوت التى تقتبس منها الأنوار الأرضية مرتبة بحسب ~~قربها وبعدها من منبع النور الأول الذى يمثله الغزالى بضوء القمر عندما ~~يدخل في كوة بيت فيقع على مرآة منصوبة على حائط، ثم ينعكس منها على مرآة ~~على حائط آخر، ثم ينعطف إلى الأرض فينيرها. فهو نور واحد ظهر عنه بواسطة ~~الانعكاسات أنوار كثيرة مستعيرة وجودها منه لأنه لا يمكن أن يشتق بعضها من ~~بعض إلى غير نهاية، بل لا بد أن ترتقى إلى منبع النور الأول الذى هو النور ~~بالذات أو النور الحقيقى أو النور المحض (الله) الذى لا يسمى غيره باسم ~~النور إلا مجازا. # هذا النور الحق هو الذى بيده الخلق والأمر، ومنه الإنارة أولا وإدامة ~~الإنارة ثانيا، ولا شركة لنور غيره في حقيقة اسم النور ولا استحقاقه. # ويقابل النور الظلمة. وإذا كان النور هو الوجود المحض، فالظلمة هى العدم ~~المحض، لأن المعدوم ليس موجودا لنفسه ولا لغيره. ولكن الغزالى لا يستعمل ~~كلمتى النور والظلمة كما يستعملان في مذهب الثنوية الفارسية بمعنى مبدأين ~~متعارضين متصارعين. وإنما النور عنده هو الوجود الإيجابى والعدم هو سلب ~~الوجود. ولما كان الوجود ينقسم إلى ما له هذه الصفة من ذاته وإلى ما هى له ~~من غيره؛ ولما كانت نسبة الوجود إلى هذا الأخير إنما هى من حيث إضافته إلى ~~غيره لا من حيث ذاته، اعتبر في حكم # PageV01P013 # العدم المحض. وهذا هو شأن العالم أو كل ما يطلق عليه اسم "ما سوى الله". ~~فهو في ذاته عدم محض، والوجود الحق هو الله تعالى كما أنه هو النور الحق. ~~وليس هذا الكلام ضربا من المجاز في ms08 التعبير في نظر الغزالى، بل هو الحق ~~الصريح؛ كما أنه ليس نتيجة لمقدمات نظرية وضعها العقل، بل هو حقيقة يشاهدها ~~العارفون مشاهدة عيانية عندما يرقون في معراجها الروحي "من حضيض المجاز إلى ~~يفاع الحقيقة" فيدركون ذوقا معنى قوله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} لا ~~بمعنى أن كل شىء سوى الله يصير هالكا في وقت من الأوقات، بل بمعنى أن كل ~~شىء سوى الله هالك أزلا وأبدا ولا يتصور إلا كذلك. أما الموجود فهو وجه ~~الحق وحده؛ والله تعالى هو المتفرد بالملك أزلا وأبدا، في هذه الدنيا وفي ~~الآخرة. وليس نداء الله في المخلوقات يوم القيامة بقوله {لمن الملك اليوم ~~لله الواحد القهار} قاصرا على يوم القيامة، بل إنه لا يفارق سمع المخلوقات ~~أبدا في هذه الدنيا. # وهكذا وصل الغزالى في نهاية تفكيره إلى نظرية أشبه ما تكون بنظرية وحدة ~~الوجود؛ ومن العسير صرفها عن هذا المعنى إلا إذا اعتبرت أقواله من قبيل ~~الشطح الصوفي، ولم يؤثر عن الغزالى أنه كان من أصحاب الشطحات. فهو يقرب ~~قربا عجيبا من أصحاب وحدة الوجود حينما يقول "إن العالم بأسره مشحون ~~بالأنوار.. ثم ترقي جملتها إلى نور الأنوار ومعدنها ومنبعها الأول؛ وأن ذلك ~~هو الله تعالى وحده لا شريك له، وأن سائر الأنوار مستعارة، وإنما الحقيقى ~~نوره فقط، وأن الكل نوره، بل هو الكل؛ بل لا هوية لغيره إلا بالمجاز.. بل ~~كما أنه لا إله إلا هو، فلا هو إلا هو، لأن "هو" عبارة عما إليه إشارة ~~كيفما كان، ولا إشارة إلا إليه". إنه لا يقول صراحة إن الحق هو الخلق ~~وإنهما وجهان لحقيقة واحدة لا فرق بينهما إلا بالاعتبار كما قال ابن عربى ~~من بعده، ولكنه يقول لا موجود على الحقيقة إلا الله، وإن العالم لا وجود له ~~إلا من حيث انعكاس وجود الحق فيه كانعكاس ضوء القمر على صفحة المرايا ~~المتعددة. وهذه في نظره حقيقة يقرها العقل ويؤيدها الكشف الصوفي. وهو يفرق ~~في نهاية المطاف بين # PageV01P014 # توحيد العوام وهو القول بلا ms09 إله إلا الله، وتوحيد الخواص وهو لا إله إلا ~~هو، و "هو" - كما قلنا - هو كل ما يشار إليه. وتوحيد الخواص عنده "أتم وأخص ~~وأشمل وأحق وأدق وأدخل بصاحبه في الفردانية المحضة والوحدانية الصرفة. ~~ومنتهى معراج الخلائق مملكة الفردانية". # ولم نجد في كتب الغزالى الأخرى - فيما نذكر - مثل هذا التصريح بالوحدة ~~الوجودية؛ وكل ما قاله في الإحياء "ليس في الوجود إلا الله وآثاره والكون ~~كله من آثاره" وفي ذلك اعتراف منه بوجود الكون إلى جانب وجود الله، وفيه ~~إغلاق للباب في وجه وحدة الوجود. فهل نرى في "المشكاة" تحولا في موقف ~~الغزالى من الحقيقة الوجودية، وميلا واضحا نحو نزعة الصوفية القائلين بوحدة ~~الوجود؟ إننا إذا أخذنا بمثال ضوء القمر والمرايا التى ينعكس عليها ضوؤه، ~~قد نسلم له بأن الأنوار المنعكسة على المرايا لا وجود ولا حقيقة لها في ~~ذاتها، مع أنها موجودة ونراها رؤيا العين، وإنما هى في الحقيقة انعكاسات ~~للنور الأول الذى هو نور القمر. ولكن ما قوله في المرايا نفسها، وأي شىء ~~يقابلها في تمثيله؟ هل يفكر الغزالى في شىء أشبه بالهيولى الأولى التى قال ~~بها الفلاسفة لكى تنعكس عليها الأنوار الإلهية؟ ولكن الغزالى ينكر كل ~~الإنكار وجود مادة قديمة للعالم ويقرر أن العالم مخلوق حادث من عدم. # والظاهر لى أن الغزالى باستعماله هذا التمثيل (تمثيل ضوء القمر والأنوار ~~المنعكسة منه) يعقد مشكلة صدور العالم عن الله ولا يحلها على أساس عقلى، ~~فهل أسعفته التجربة الصوفية في حلها؟ إنه يذكر العارفين الذين لا يرون في ~~الوجود إلا الواحد الحق لأنهم يشعرون في حال وجدهم أو فنائهم بوحدة شاملة ~~لا يشهدون فيها إلا الله، ولا يكون في تجربتهم متسع لذكر غير الله ولا لذكر ~~أنفسهم؛ ولذلك يصيح بعضهم بقوله "أنا الحق" كما فعل الحلاج، ويصيح الآخر ~~بقوله "سبحانى ما أعظم شانى! ". ولكن هذه "وحدة شهود" لا وحدة وجود. ~~والشعور بوحدة الشهود حال عارضة سرعان ما تزول عند ما يرد الصوفي إلى سلطان ~~العقل ويعرف "أن # PageV01P015 # ذلك لم يكن حقيقة ms10 الاتحاد بل شبه الاتحاد مثل قول العاشق في حال فرط ~~عشقه: "أنا من أهوى ومن أهوى أنا". ويقول الغزالى إن شعور العارف في حال ~~فنائه عن نفسه وعن الخلق وبقائه بالحق يسمى اتحادا مجازا وتوحيدا على ~~الحقيقة: أى توحيدا بمعنى أنه لا يشهد في الوجود إلا الله وحده. ولعل مما ~~يرفع عن الغزالى شبهة القول بوحدة الوجود ما يذكره في نهاية هذا الفصل في ~~معنى قولنا "إن الله مع كل شىء كالنور مع الأشياء" حيث يقرر أنه "مع كل ~~شىء" بمعنى أنه قبل كل شىء، وفوق كل شىء ومظهر لكل شىء. فقوله "قبل كل شىء" ~~إقرار بقدم الله تعالى؛ وقوله "فوق كل شىء" معناه تنزيهه تعالى، والتنزيه ~~بمعناه الدينى الحقيقى لا يتفق مطلقا مع القول بوحدة الوجود. # هذا وقد أثار "فنسنك" موضوع الصلة بين هذا الفصل من المشكاة وتساعات ~~أفلوطين في مقال له نشر سنة 1941 في Semietische Studien uit de ~~nalatenschap ذهب فيه إلى أن الغزالى استمد مادة هذا الفصل من الفصل الخامس ~~من التساع الرابع، وهو الفصل الذى يعالج فيه أفلوطين موضوع الإبصار. وقد ~~نشر الدكتور عبد الرحمن بدوى في كتابه "أفلوطين عند العرب: ص 189 - 192" ~~شذرات من ترجمة عربية قديمة لهذا الفصل منسوبة إلى الشيخ اليونانى ~~(أفلوطين) وقال إن هذا يدل على أن الفصل قد ترجم إلى اللغة العربية وأن في ~~الإمكان اطلاع الغزالى عليه. # ولكن فصل أفلوطين يعالج نظريته في الرؤية البصرية وكيفية انتقال الصورة ~~المرئية إلى العين، ويناقش فكرة الوسيط الذى تنتقل الصورة بواسطته، ولا صلة ~~لهذا كله بمسائل الفصل الأول من المشكاة. # أما الدكتور عبد الرحمن بدوى فيرى أن المصدر الذى يمكن أن يكون الغزالى ~~قد تأثر به هو الفصل الخامس من التساع الخامس لأفلوطين؛ وأن هذا الفصل قد ~~ورد ملخصا في "رسالة العلم الإلهى" المنسوبة إلى الفارابى وهى في نظره ~~مقتطفات من هذا التساع. # وقد نشر الدكتور بدوى رسالة الفارابى المزعومة في كتابه "أفلوطين عند ~~العرب". وبالرجوع إليها لم أجد ما يدل على ms11 انتفاع الغزالى بها في رسالة ~~المشكاة فيما عدا فقرة قصيرة تشير إلى أن فعل الفاعل الأول هو العقل، وأن ~~العقل ضوء سائح من ذلك الجوهر كما يسيح ضوء الشمس على الأشياء من الشمس. ~~على العكس وجدت أن برسالة العلم الإلهى ما يتعارض تعارضا صريحا مع آراء ~~الغزالى، لأنها تنزع نزعة واضحة نحو مذهب الفيوضات الذى قال به أفلوطين، ~~والغزالى ينكر نظرية الفيوضات في كتاب "تهافت الفلاسفة" ويصف القائلين بها ~~بالخبل العقلى. وقد بينت كيف يصور الغزالى الصلة بين نور الأنوار (الله) و ~~"المطاع"، ثم بين "المطاع" وسائر الموجودات، وأوضحت أن هذه الأخيرة صلة خلق ~~لا صلة فيض بالمعنى الأفلوطينى. نعم يستعمل الغزالى كلمات النور والانبثاق ~~والفيض ونحوها في تصوير عملية الخلق، ولكن الأنوار التى ترقي في جملتها إلى ~~نور الأنوار ومعدنها ومنبعها الأول أنوار مستعارة من هذا النور الأول ولا ~~حقيقة لها في ذاتها في حين أن الفيوضات الأفلوطينية موجودات حقيقية لكل ~~منها وجوده الخاص. ولا يقول أفلوطين إنها على الحقيقة هى الواحد الأول. # وأى مبرر يحملنا على القول بأن الغزالى قد تأثر في لغته الفلسفية في ~~المشكاة برسالة "العلم الإلهى" المنسوبة إلى # PageV01P016 # الفارابى أكثر من تأثره بكتاب أثولوجيا أرسطاطاليس وقد كان المصدر الأول ~~لعلم الإسلاميين بالفلسفة الأفلاطونية الحديثة؟. إن الغزالى وكثيرين غيره ~~من فلاسفة المسلمين يستعملون مصطلحات الأفلاطونية الحديثة ولكنهم يقرءون ~~فيها معانى جديدة ويوجهونها توجيها جديدا يخرجها عن معناها الأصلى. وفي هذا ~~كان ابتكار المسلمين وأصالتهم لا تبعيتهم. # PageV01P017 ### | الفصل الثانى # يشرح الغزالى في هذا الفصل بعض الألفاظ الواردة في آية النور: {الله نور ~~السماوات والأرض} الخ. وهذه الألفاظ هى "المشكاة"، و"المصباح" و "الزجاجة" ~~و "الشجرة" و "الزيت" و "النار" باعتبارها رموزا تشير إلى معان مستترة ~~وراءها. ويمهد لهذا الشرح بمبحثين: الأول في طبيعة الرمز أو (التمثيل) ~~ومنهاج استعماله، والثانى فى درجات الأرواح البشرية ومراتب أنوارها، وينتهى ~~إلى أن الألفاظ السبعة المذكورة رموز لهذه الأرواح البشرية. # "تقوم نظريته في طبيعة الرمز على افتراض وجود موازاة تامة بين عالم ~~الشهادة ms12 وعالم الغيب: العالم الجسمانى والعالم الروحانى؛ وأنه ما من شىء في ~~عالم الشهادة إلا وهو رمز (أو مثال) لشىء في عالم الملكوت؛ وأن عالم ~~الشهادة مرقاة إلى عالم الغيب، وإلا استحالت معرفتنا بالعالم العلوى وتعذر ~~السفر إلى الحضرة الربوبية والقرب من الله. والله وحده هو الذى لا مثال له ~~لأن شرط المماثلة المطابقة بوجه ما، والله تعالى لا يطابقه شىء فلا يماثله ~~شىء. وإذا كان الأمر كذلك، يجب أن نعتبر ألفاظ التمثيل الواردة في القرآن ~~بمثابة مفاتيح أسرار الغيب فنؤولها كما تؤول رموز الأحلام. فكما أن الشمس ~~في علم تعبير الرؤيا مثال لصاحب السلطان، والقمر مثال للوزير المنفذ لرغبات ~~السلطان، كذلك للموجودات العالية الروحانية أمثلة في العالم المحسوس. وهنا ~~يسرد الغزالى طائفة من الأمثال المقتبسة من القرآن الكريم ليوضح بها ~~نظريته. "فالطور" مثال للموجودات العظيمة الثابتة في عالم الملكوت ~~و"الوادى" مثال للموجودات العلوية التى تتلقى المعارف الغيبية، ومنها تجرى ~~هذه المعارف إلى النفوس البشرية. و"الوادى الأيمن" مثال للمنبع الأول ~~للمعرفة. و"النار" مثال لروح النبى الذى وصفه القرآن بأنه سراج منير. و ~~"الجذوة والقبس والشهاب" أمثلة لمن يتبع النبى على استبصار لا على مجرد ~~تقليد. و "الاصطلاء" مثال للمشاركة بين النبى # PageV01P018 # وتابعيه. و"الوادى المقدس" مثال لأول منزلة من منازل ترقي النبى: و"خلع ~~النعلين" مثال لهجر الدارين: الدنيا والآخرة. و"القلم" مثال لانتقاش علم ~~الغيب في النفوس القابلة، و"اللوح المحفوظ والرق المنشور" مثال للنفس التى ~~يسجل فيها هذا العلم. و"اليد" مثال للملك المسخر لكتابة العلوم، و"الصورة" ~~مثال لمجموع اليد والقلم واللوح، وهى في الإنسان صورة الرحمن لأن رسول الله ~~يقول "خلق الله آدم على صورة الرحمن". و"الماء" الذى قال الله فيه {أنزل من ~~السماء مآء} مثال للمعرفة؛ و"الأودية" الواردة في نفس الآية في قوله {فسالت ~~أودية بقدرها} مثال للقلوب وهكذا. # هنا يشعر الغزالى أن منهجه في التأويل على هذا النحو قد يدخله في عداد ~~الباطنية الذين يصرفون الآيات القرآنية عن معانيها الظاهرة. فيبادر إلى ~~القول بأنه ليس باطنيا يبطل الظاهر ولا حشويا يبطل ms13 أسرار الباطن ولكنه يجمع ~~بين الظاهر والباطن، ويأخذ بالمعنى المحسوس كما يراقب "السر" المختفى ~~وراءه. فموسى عليه السلام رأى "نارا" في "الوادى المقدس" وناداه ربه بقوله ~~{فاخلع نعليك} و "خلع بالفعل نعليه"؛ ولكنه أدرك في الوقت نفسه أنه في ~~ابتداء معراجه النبوى وأن الله يطلب منه أن يتجه إليه وحده فيخلع من قلبه ~~حب الدنيا والآخرة أى كل ما سوى الله. فالمثال في نظر الغزالى حق وأداؤه ~~إلى السر الباطن حقيقة. والأمثلة "تنبيهات" تستخدم في إثارة الحس والخيال ~~اللذين هما طبيعيان في الإنسان؛ ولكنها تنبيهات إلى أسرار وراءها، أو إلى ~~أنوار يحجبها الحس والخيال. # ولسائل أن يسأل عمن لهم الحق في هذا التأويل الذى لا يخضع لقاعدة لغوية ~~ولا لعرف خاص؟ وهل هو ميدان للتكهنات والتخمينات يقول فيه العقل ما بدا له ~~أن يقول؟ إذا كان الأمر كذلك فالمسألة جد خطيرة، إذ يصبح التأويل بابا ~~يتسرب منه إلى الإسلام كل أنواع البدع والضلالات. وقد كان كذلك في أيدى ~~الباطنية ومن نحا نحوهم. ولكن الذى يفهم من كلام الغزالى أنه يقصر هذا ~~التأويل على أصحاب البصيرة من الأنبياء والأولياء فإن فيهم # PageV01P019 # وحدهم "القوة" التى يبصرون بها المعانى المستترة وراء الصور المحسوسة، ~~كما وقع للنبى عليه السلام من أنه رأى عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة ~~"حبوا". رأى ذلك ببصره، ولكنه رأى ببصيرته أن عبد الرحمن بن عوف ومن على ~~شاكلته قد وجد عسرا وهو يغالب نفسه ويجاهدها لكى يتغلب إيمانه على شهواته ~~ويدخل العالم الروحى الخالص المعبر عنه بالجنة، ولكنه يدخله "حبوا" بعد طول ~~الجهاد والمقاومة. ويسمى الغزالى هذا النوع من الرؤية وحيا قد يحصل في ~~اليقظة وقد يحصل في النوم: فإذا حصل في اليقظة احتاج إلى التأويل، وإن حصل ~~في النوم احتاج إلى التعبير. # والبحث الثانى الذي يضعه الغزالى تمهيدا لتأويل آية النور هو المراتب ~~الروحية البشرية وهى عنده خمس مراتب: # أولا: الروح الحساس الذى يدرك المحسوسات، وهو موجود في الصبى والبالغ. # والثانى: الروح الخيالى وهو الذى يتلقى ما تورده ms14 الحواس ويخزنه في ~~خزانته، وهذا لا يوجد للصبى الرضيع ويوجد له بعد ذلك، وقد يوجد لبعض ~~الحيوانات. # الثالث: الروح العقلى الذى يدرك المعانى المجردة عن الحس والخيال. وهو ~~جوهر الإنسان، ومدركاته المعلومات الضرورية الكلية. # الرابع: الروح الفكرى أو النظرى وهو الذى يدرك العلاقات المنطقية بين ~~الأفكار وينتقل من المقدمات إلى النتائج. # الخامس: الروح القدسى النبوى، وهو للأنبياء والأولياء خاصة، وفيه تتجلى ~~لوائح الغيب؛ وهو المشار إليه في قوله تعالى {وكذلك أوحينآ إليك روحا من ~~أمرنا} . # هذه الأرواح الخمسة أنوار تظهر بها أصناف الموجودات المحسوسة، والمعقولة، ~~وهى في نظر الغزالى في موازاة الأشياء الخمسة التى ورد ذكرها في الآية: ~~أعنى "المشكاة والزجاجة والمصباح والشجرة والزيت". فالروح # PageV01P020 # الحساس في موازاة المشكاة لأن أنواره تنفذ من خلال ثقوب الحواس كما ينفذ ~~النور من المشكاة. والروح الخيالى في موازاة الزجاجة لأن كلا منهما من أصل ~~كثيف ولكنه قابل للتصفية والترقيق والتهذيب؛ ولأن الخيال يضبط المعارف ~~العقلية بحيث لا تضطرب ولا تنتشر على غير هدى. كما تضبط الزجاجة نور ~~المصباح وتحفظه من الانطفاء بالرياح وغيرها. والروح العقلى في موازاة ~~المصباح لأنه مركز الإشعاع العقلى كما أن المصباح مركز الإشعاع النورانى ~~الحسى. والروح الفكرى في موازاة الشجرة لأن الحياة الفكرية بمثابة الشجرة ~~متعددة الأغصان كثيرة الثمر، تنمو كلها من أصل واحد هو بمثابة الجذر من ~~الشجرة. وقد ذكرت شجرة الزيتون خاصة لأن زيتها أنقى الزيوت وأصفاها وأكثرها ~~اشتعالا، فهو بذلك أصلح الزيوت للمصابيح. والروح القدسى النبوى في موازاة ~~الزيت الذى بلغ من الصفاء مبلغا يجعله يكاد يضىء ولو لم تمسسه نار. وكذلك ~~نفوس بعض الأنبياء والأولياء قد بلغت من الصفاء مبلغا بحيث تستغنى عن مدد ~~علمى خارجى يأتيها بواسطة الملائكة أو غيرهم. # والآن ما صلة كل هذا بالآية التى تصف الله بأنه نور السماوات والأرض ~~وتمثل هذا النور بهذه الصورة الرمزية المعقدة؟ إن هذا التأويل الذى وضعه ~~الغزالى لا يستقيم في نظرى إلا إذا فهم الآية فهما خاصا فقرأها على النحو ~~الآتى: "الله نور السماوات والأرض، ms15 مثل نوره (المتجلى في الإنسان) كمشكاة ~~فيها مصباح، المصباح في زجاجة" الخ.. وبدون هذه الإضافة تنقطع الصلة بين ~~تأويل الغزالى والآية الكريمة. وعلى أساس هذا الافتراض نستطيع أن نفهم ما ~~يذكره الغزالى من مراتب الأرواح في الإنسان وهى - المراتب الخمس السالفة ~~الذكر - لأنه يعتبرها أنواعا من الأنوار الإلهية المختلفة الدرجات، مقتبسة ~~من نور الأنوار (الله) ، وأن الله تعالى قد ضرب لها أمثلة من العالم ~~المحسوس بالمشكاة والزجاجة والمصباح والشجرة والزيت. أما لماذا قصر الغزالى ~~التشبيه الوارد في الآية على النور الإلهى الظاهر في الإنسان دون سائر ~~المخلوقات مع أنها تنص على أن الله نور السماوات # PageV01P021 # والأرض، أى نور كل ما في الوجود من أعلاه إلى أسفله، فذلك لأن الإنسان في ~~نظره هو الموجود الوحيد الذى يتجلى فيه النور الإلهى في جميع مراتبه في حين ~~أنه لا يتجلى في غير الإنسان إلا في بعض المراتب. من أجل هذا اختص الله ~~الإنسان من بين الخلق بأنه الموجود الذي خلقه الله على صورته وأنه وحده ~~الذى استحق الخلافة عن الله. # وهكذا يكشف الغزالى عن الجانب الإلهى في الإنسان ويصله بصلة مباشرة ~~بالعالم العلوى ويضع نظرية جديدة في طبيعة النبوة والولاية تستغنى في تفسير ~~وصول الوحى إلى الإنسان عن وساطة ملك الوحى، أو أى مدد خارجى آخر خارج عن ~~النفس الإنسانية ذاتها. ولماذا يحتاج النبى أو الولى إلى ملك الوحى وهو ~~يحمل مصباح النور الإلهى في قلبه؟ # هكذا يتبين أن هذا الفصل من رسالة مشكاة الأنوار متمم الفصل الأول لأن ~~الله الذى صوره الغزالى في الفصل الأول تصويرا انطولوجيا باعتباره نور ~~الأنوار الذى هو أصل الوجود، قد صوره في هذا الفصل تصويرا إبستمولوجيا ~~باعتبار ذلك النور نفسه أصل المعرفة، وأنه يبلغ غاية الظهور في الإنسان، ~~وفي طبقة الأنبياء والأصفياء بوجه خاص، وهى الطبقة المعنية بالإنسان في ~~حديث # "خلق الله الإنسان على صورة الرحمن". ### | الفصل الثالث # هذا الفصل تتمة طبيعية للفصلين الأول والثانى وليس مقحما على الرسالة غير ~~متصل بها كما ذهب إليه بعض الكتاب ms16 على نحو ما سنشير إليه فيما بعد. وذلك أن ~~الغزالى بعد أن قرر في الفصلين السابقين أن أولى الأنوار وأحقها باسم النور ~~هو النور الإلهى، وأن هذا النور متجل بجميع مراتبه في الإنسان، أخذ يشرح في ~~هذا الفصل الحجب التى قد تستر هذا النور وتحول دون معرفة الله وحقيقة ~~الوجود، وأدار محور كلامه حول الحديث القائل "إن لله سبعين حجابا من نور ~~وظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل من أدركه بصره". وهو يحصر المحجوبين ~~في ثلاثة أنواع: # PageV01P022 # (ا) المحجوبين بالظلمة المحضة،. # (ب) المحجوبين بنور مقرون بظلمة. # (ج) المحجوبين بمحض الأنوار. # والظاهر أنه يقصد بالحجاب الظلمانى كل ما كان ماديا أو متصلا بالمادة من ~~طريق ما؛ وبالحجاب النورانى كل ما كان عقليا. ولذلك يدخل تحت المحجوبين ~~بالحجب الظلمانية البحتة الملاحدة والدهرية الذين استولى عليهم سلطان الحس ~~فأنكروا الأديان والبعث، وفسروا وجود العالم على أساس مادى بحت؛ كما يدخل ~~معهم المحجوبون بنفوسهم الكثيفة الكدرة وشهواتهم وملاذهم مما جعلهم يتخذون ~~الهوى إلها من دون الله ويعتبرون اللذة البهيمية ونيل الشهوات الغاية ~~القصوى من الحياة، فإذا ارتفعوا عن هذا الحضيض درجة اعتبروا التسلط والغلبة ~~والاستيلاء، أو ذيوع الصيت واتساع الجاه غايتهم. هذه كلها من الحجب ~~الظلمانية البحتة. # أما المحجوبون بالنور المشوب بظلمة فيدخل فيهم كل من غلب على تفكيره ~~الدينى نزعة حسية، أو خيالية تحول بينه وبين رؤية الحقيقة خالصة. من هؤلاء ~~عبدة الأوثان الذين يفكرون في صفات الألوهية ولكنهم يخلعونها على المخلوقات ~~المادية المحسوسة. ومنهم من يرتفع بإلهه عن معنى الحصر والتقييد في صورة ~~معينة ويعبد الجمال المطلق في أي صورة من صوره: الجمال المطبوع لا المصنوع. ~~ومنهم عبدة النار الذين يرون فيها معنى القهر والسلطان والقوة والبهاء، وهى ~~كلها من صفات الله وأنواره، ولكنهم يصفون بها مخلوقا ماديا محسوسا. ومنهم ~~عبدة الكواكب كالشعرى، والمشترى والشمس. أو عبدة النور المطلق وهم ثنوية ~~الفرس. هؤلاء جميعا محجوبون بظلمة ممزوجة بنور؛ أما الظلمة فراجعة إلى ~~ماديتهم في تصورهم للألوهية، وأما النور فراجع إلى الصفات ms17 الإلهية التى ~~يخلعونها على معبودهم المادى. # ومن هذه الطائفة أيضا من غلب على تفكيرهم ظلمة الخيال كالمجسمة والكرامية ~~الذين قالوا بوجود إله متجسم جالس على العرش؛ أو الذين # PageV01P023 # يثبتون لله الجهة - وجهة فوق بوجه خاص. وهنالك صنف ثالث محجوب بالأنوار ~~الإلهية مقرونة بأدلة عقلية فاسدة؛ وهؤلاء هم الصفاتية الذين يثبتون لله ~~صفات كالكلام والسمع والبصر ونحوها، ويقيسونها على الصفات الإنسانية، ~~فيقولون إن لله كلاما هو صوت، أو هو حديث نفس مثل كلامنا النفسى. # أما المحجوبون بالأنوار المحضة فمنهم الفلاسفة الذين تحاشوا إطلاق اسم ~~الكلام والسمع والبصر والإرادة على الله على نحو إطلاقها على البشر، ونزهوه ~~عن هذه الصفات فلم يعرفوه بها بل عرفوه بالإضافة إلى أثره في الكون بأن ~~قالوا "إنه محرك السماوات". ومنهم من أدركوا أن وصف الله بأنه محرك ~~السماوات يقتضى كثرة في ذاته لتعدد الأفلاك وتنوعها، فنسبوا حركة الأفلاك ~~إلى عقول (ملائكة) كل منها خاص بفلكه، ولكنها كلها تتحرك بحركة الفلك ~~الأقصى الذي يحركه الله تحريكا مباشرا. # ولكن من هذه الطبقة من المحجوبين من ترقوا عن هؤلاء وزعموا أن تحريك ~~الأفلاك بطريق المباشرة ينبغى ألا يكون من فعل الله، بل من فعل عقل أو ملك ~~يقوم بهذا الفعل طاعة لله وعبادة. وعلى زعمهم هذا يصح أن يسمى الله باسم ~~"المطاع" من جهة أنه يحرك الكل بطريق الأمر لا بطريق المباشرة. هذه هى ~~أصناف المحجوبين التى عددها الغزالى، وهى تشمل - على نحو ما ذكرنا - ~~الوثنيين والدهريين والماديين وغيرهم من الملاحدة، كما تشمل المجسمة ~~والمشبهة والصفاتية من المتكلمين وتشمل الفلاسفة الذين أخذوا بمذهب أرسطو ~~أو بمذهب أرسطو ممزوجا بمذهب أفلوطين. # أما الرأى الذى يرتضيه الغزالى نفسه، وهو الرأى الذى يقول به "الواصلون" ~~كما يسميهم، فهو أن "المطاع" على الحقيقة هو "الأمر الإلهى" الذى ورد ذكره ~~في القرآن في قوله تعالى: {ألا له الخلق والأمر} وقوله {إنما قولنا لشيء ~~إذآ أردناه أن نقول له كن فيكون} . فهو ليس ملكا من الملائكة (بالمعنى ~~الدينى) ولا هو العقل الأول الذى قال به ms18 فلاسفة الأفلاطونية الحديثة، ولا ~~هو الله نفسه، ولا هو شىء من العالم، بل هو # PageV01P024 # واسطة بين الله والعالم، تعمل الإرادة الإلهية عن طريقه. "ونسبة هذا ~~المطاع إلى الوجود الحق (الله) نسبة الشمس إلى النور المحض". # أما قول الغزالى "إن "المطاع" موصوف بصفة تنافي الوحدانية المحضة" فذلك ~~لأن الأمر الإلهى مبدأ الكثرة والتعدد في الوجود؛ والوحدانية المحضة لا ~~تعدد فيها وهى من صفات الله وحده. وهنا يلتقى الغزالى في وصفه للمطاع مع ~~أفلوطين في وصفه للعقل الأول مع الاختلاف الجوهرى بين نظريتى هذين ~~المفكرين: إذ الأمر الإلهى عند الغزالى قديم قدم الله لأنه من كلام الله ~~القديم، والعقل الأول عند أفلوطين موجود فاض عن الواحد الأول وليس من ~~الواحد الأول في شىء. # ونظرية الغزالى في "المطاع" امتداد لنظرية الأشاعرة في الكلام الإلهى وفي ~~القرآن من حيث هو كلام الله، إلا أن الغزالى تجاوز نظرية الأشاعرة البسيطة ~~وعمقها ووضعها في صورة نظرية جديدة من نظريات الإسلاميين في "الكلمة" Iogos ~~ووجد لها أصولا مقررة في نصوص القرآن. # لم يرض الغزالى عن قول من قال إن الرب المقدس عن معانى الصفات هو ~~"المطاع"، ولا عن قول من قال إن المطاع هو الرب المحرك للفلك الأقصى ~~والمسيطر على العقول المحركة للأفلاك الأخرى؛ ولا عن قول من قال إن الله هو ~~المحرك على الحقيقة، ولكن لا على سبيل المباشرة، بل بوساطة ملك (عقل) محرك ~~للأفلاك. وإنما رضى بقول الواصلين، وهو أن المطاع شىء غير الذات الإلهية، ~~متصف بصفات تنافي الوحدانية المحضة والكمال البالغ الذى لا يتصف به غير ~~الله؛ وأن هذا "المطاع" يحرك الأفلاك ويدبر الكون وعن طريقه يتوجه الواصلون ~~من الذي يحرك السموات ومن الذى أمر بتحريكها إلى الذى فطر السماوات؛ أى أنه ~~عن طريق معرفة الأمر الإلهى يصل الواصلون إلى الله. # وهكذا نرى الغزالى في سبيل محافظته على تنزيه الله تنزيها مطلقا ووصفه ~~بالوحدانية المحضة التى لا تتضمن أى معنى من معانى التعدد، يشخص "الأمر ~~الإلهى" كما شخص الأشاعرة الكلام الإلهى، وينسب إليه دور ms19 تحريك الأفلاك ~~وتدبير الكون. إن الغزالى بهذا قد بالغ في التنزيه إلى الحد الذى جعل من ~~الله جوهرا مجردا عن كل نسبة إلى خلقه، أى مجردا عن صفات الإلهية، وهذا ما ~~لا أظنه يرضاه وإن ساق إليه منطق كلامه. # ويستبعد الأستاذ نيكولسون أن يكون "المطاع" في نظرية الغزالى هو قطب ~~الصوفية على أساس أن هذا من أقوال الاسماعيلية الباطنية والغزالى يرفض ~~مذهبهم جملة: ويقول في مقال له عن فكرة الشخصية في الإسلام: # "أما أنا فأميل إلى الاعتقاد بأن نظرية الغزالى في "المطاع" تتفق مع ~~نظرية المتأخرين من الصوفية، وأن "المطاع" يمثل الصورة المثالية التى ~~يسمونها "الحقيقة المحمدية" أو "الروح المحمدى" -الإنسان السماوى الذى خلقه ~~الله على صورته - ويعتبرونه قوة كونية يتوقف عليها نظام العالم وحفظه". # ولعل الذى أوحى إلى الأستاذ نيكولسون بهذه الفكرة ما ورد في القرآن من ~~آيات عن "المطاع" في مثل قوله تعالى {مطاع ثم أمين} [التكوير: 21] وقوله: ~~{من يطع الرسول فقد أطاع الله} [النساء: 80] وقوله: {يا أيها الذين آمنوا ~~أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} [النساء: 59] . ولكن الذى أراه هو أنه ربما ~~كان لهذه الآيات مغزاها الفلسفى في نظريات الصوفية المتأخرين التى تأثرت ~~بالأفلاطونية الحديثة، ولكن لا أثر لها في نظرية الغزالى. وأغلب الظن أن ~~الغزالى كان يفهم من إطاعة رسول الله المعنى الدينى لا أى معنى فلسفى، وأنه ~~أراد بالمطاع "الأمر الإلهى" الذى به تنفذ الإرادة الإلهية وبه يحدث الخلق. # نظرية المطاع ومشكلة الصفات الإلهية: # اتخذ الغزالى في الفصل الثالث مسألة الصفات الإلهية محورا لتفكيره ورفض ~~أقوال عدد كبير من الفرق الإسلامية وأصحاب المذاهب الأخرى غير الإسلامية ~~ممن أطلق عليهم اسم المحجوبين، فظهر له أن منهم من قال بالتشبيه أو بالغ ~~فيه حتى وقع في التجسيم الصريح، ومنهم من جنح إلى التنزيه المطلق كالمعتزلة ~~وبعض فلاسفة الإسلام. والغزالى أشعرى المذهب؛ والأشاعرة يثبتون لله الصفات ~~التى وصف بها نفسه ولكنهم يقولون إنها مغايرة لذاته وقديمة قدم ذاته كما ~~أنها مختلفة الواحدة عن الأخرى. وينتهون من ذلك إلى تقرير أن ms20 صفات الله لا ~~هى هو ولا هى غيره. فالله عالم بعلم وقادر بقدرة ومتكلم بكلام، ولكن علمه ~~وقدرته وكلامه غير ذاته، وهى في الوقت نفسه ليست أمورا منقطعة الصلة تماما ~~بذاته؛ بل هى بوجه من الوجوه متصلة بالذات غير منفكة عنها. # والذى يعنينا من مشكلة الصفات هنا هو صفة "الكلام" التى نشأ عن الخوض ~~فيها خلاف عنيد بين المعتزلة وأهل السنة ثم بينهم وبين الأشاعرة: وذلك لأن ~~البحث عن صفة الكلام جرهم إلى البحث في "الأمر الإلهى" الذى فسرنا به ~~"المطاع" في نظرية الغزالى. فالأشاعرة يذهبون إلى القول بقدم كلام الله - ~~ومنه "الأمر الإلهى" ويستندون في ذلك إلى آيات وردت في القرآن مثل قوله ~~تعالى: {ومن آياته أن تقوم السمآء والأرض بأمره} وقوله: {ألا له الخلق ~~والأمر} وقوله {لله الأمر من قبل ومن بعد} . # وهذه الآيات صريحة في أن أمر الله "المطاع" قديم قدم الله، وأنه سابق على ~~الخلق، وأن به تقوم السماوات والأرض. والأمر الإلهى ليس هو الله، ولا هو ~~غيره على حد قولهم. # كل هذا من مذهب الأشاعرة الذى ظل الغزالى أمينا عليه لا يتعداه في رسالة ~~المشكاة أو في غيرها من كتبه. غير أنه أضاف إليه إضافة جوهرية في الفقرة ~~الأخيرة من المشكاة، وهى فقرة صوفية النزعة لا صلة لها بالمشكلة الكلامية ~~سابقة الذكر: وذلك حين يقرر أن "الواصلين" يدركون الله # PageV01P025 # إدراكا آخر غير إدراك المحجوبين: إذ يدركونه مقدسا منزها عن جميع ما وصفه ~~به المحجوبون، عندما يتجلى لهم الحق بذاته فتحرق سبحات وجهه الأعلى كل ما ~~أدركه بصر الناظرين وبصيرتهم. # وهذه منزلة في التصوف شبيهة بما يسميه ابن عربى "منزلة تنزيه التوحيد"، ~~وهى منزلة يتعالى فيها الحق عن أن يوصف بأية صفة حتى صفة التوحيد، لأن ~~الوصف حتى بالتوحيد تقييد، والتقييد مناف للتنزيه المطلق. # الظاهر أن الفقرات الأخيرة من مشكاة الأنوار قد أثارت شيئا من الحيرة في ~~فهم نظرية الغزالى في المطاع، بل أثارت الشك في عقيدته: يدل على ذلك أن ابن ~~طفيل يقول في رسالته ms21 حى بن يقظان: "وقد توهم بعض المتأخرين من كلامه (أى ~~كلام الغزالى) الواقع في آخر كتاب المشكاة أمرا عظيما أوقعه في مهواة لا ~~مخلص له منها: وهو قوله بعد أن ذكر أصناف المحجوبين بالأنوار ثم انتقاله ~~إلى ذكر الواصلين "إنهم وقفوا على أن هذا الموجود العظيم متصف بصفة تنافي ~~الوحدانية المحضة، فأراد أن يلزمه من ذلك بأنه يعتقد أن الأول الحق سبحانه ~~في ذاته كثرة ما، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا" والظاهر أن ابن ~~طفيل يقصد ببعض المتأخرين ابن رشد، ويتهمه بالوهم وعدم فهم المقصود من ~~عبارة الغزالى؛ إذ أنه فهم من "الموجود العظيم المتصف بصفة تنافي الوحدانية ~~المحضة" الله سبحانه وتعالى، مع أن الغزالى يقصد به "المطاع" لا الذات ~~الإلهية المنزهة عن كل وصف. # أما ابن رشد نفسه فيتهم الغزالى بأنه أورد في فصل المحجوبين كلاما يتناقض ~~مع ما قرره في كتبه الأخرى في مسألة حركة الأفلاك وموقف الله منها. يقول: # "ثم جاء في كتابه المعروف بمشكاة الأنوار فذكر فيه مراتب العارفين بالله ~~فقال: إن سائرهم محجوبون إلا الذين اعتقدوا أن الله سبحانه غير محرك # PageV01P028 # السماء الأولى، وهو الذى صدر عنه هذا المحرك. وهذا تصريح منه باعتقاد ~~مذاهب الحكماء في العلوم الإلهية. وهو قد قال في غير ما موضع إن علومهم ~~الإلهية تخمينات بخلاف الأمر في سائر علومهم. وأما في كتابه "المنقذ من ~~الضلال" فأنحى فيه على الحكماء وأشار إلى أن العلم إنما يحصل بالخلوة ~~والفكرة، وأن هذه المرتبة هى من جنس مراتب الأنبياء. وكذلك صرح بذلك بعينه ~~في كتابه الذى سماه "كيمياء السعادة". # وليست هذه الجملة نصا من نصوص المشكاة، وإنما هى تلخيص لما فهمه ابن رشد ~~وأورده بعبارته، فإن الغزالى لم يذكر صراحة أن المحرك لجرم الفلك الأقصى ~~صدر عن الله وإنما ذكر أن "نسبة هذا المحرك (المطاع) إلى الوجود الحق نسبة ~~الشمس في الأنوار"، فهل فهم ابن رشد من هذا معنى الصدور؟ إن الشمس لا يقال ~~إنها صادرة عن النور المحض، وإنما يقال إنها ms22 تعين من تعيناته، أو مجلى من ~~مجاليه. وكذلك يقال في المطاع (المحرك للأفلاك الذى فهمناه على أنه الأمر ~~الإلهى) : أنه ليس صادرا عن الواحد الحق، وإنما هو مجلى من مجاليه. وعلى ~~هذا لا يقول الغزالى بنظرية الصدور التى يقول بها الحكماء. ثم إن الغزالى ~~يرفض فكرة المحرك الأول الذى يقول به الفلاسفة استنادا إلى أن الطبيعة لا ~~تعمل بنفسها عملا، بل هى مسخرة ومستعملة من جهة فاطرها. وإذا قيل إنها تفعل ~~شيئا، فذلك على سبيل المجاز: لأن "الفاعل" في نظر الغزالى لا يسمى فاعلا ~~بمجرد كونه سببا، بل لوقوع الفعل منه على وجه الإرادة والاختيار. # وإذن فلا محل للقول بأن الغزالى يأخذ بفكرة المحرك الأول بالمعنى الفلسفى ~~في المشكاة وينكرها في غيرها من كتبه. وإنما المحرك الأول عنده هو "المطاع" ~~(الأمر الإلهى) وهو ليس محركا طبيعيا ولا هو عين ذات الواحد الأول. # PageV01P029 # هذا وقد ذهب الأستاذ "مونتجومرى وات" في مقال له نشر في المجلة الآسيوية ~~الملكية سنة 1954 إلى أن الفصل الثالث من مشكاة الأنوار فصل منتحل، وأن ~~مؤلفه كان أحد الكتاب المتأثرين بفلسفة ابن سينا في إثبات وحدة الأول على ~~نحو ما فسرها ابن سينا في كتاب النجاة؛ وذلك على أساس أن الإسلام السنى كان ~~يفهم "التوحيد" دائما بمعنى نفى الشريك لله لا بمعنى الوحدة الذاتية، وأن ~~هذا المعنى الأخير هو ما ذهب إليه أصحاب الأفلاطونية الحديثة الذين نفوا كل ~~معنى من معانى التعدد في ذات الواحد: وبذلك نفوا الصفات الإلهية. وهذه كلها ~~مقدمات لا أرى فيها ما يبرر استنتاج الأستاذ مونتجومرى وات أن فصل الحجب في ~~جملته منحول ومقحم على رسالة المشكاة، لأن الغزالى لم ينكر صفات الله في ~~هذا الفصل وإنما أنكر كيفية إطلاقها على الله عند مختلف فرق المتكلمين ~~والفلاسفة. فهو لم ينكر أن الله عالم قادر مريد متكلم.. الخ، ولكنه أنكر ~~إطلاق هذه الصفات على الله على النحو الذى يطلقها عليه المشبهة. ولم ينكر ~~أن الله نور، ولكنه أنكر أن يطلق هذا الوصف على معبود ms23 آخر كالشمس أو القمر ~~أو الكواكب الأخرى؛ ولم ينكر أن الله قهار ولكنه أنكر أن تطلق هذه الصفة ~~الإلهية على موجود مادى كالنار عند من يعبدونها. # ولم يكن هم الغزالى وهو يتكلم عن تنزيه الله أن ينفى الشريك للبارى فقط، ~~بل كان همه أيضا أن يقرر الوحدة الذاتية لله. ومشكلة الصفات عند متكلمى ~~الإسلام وفلاسفتهم هى مشكلة الوحدة الذاتية الإلهية. # ثم إن "وات" لم ينتبه إلى أن الغزالى في هذا الفصل حاول أن يحل مشكلة ~~الصفات على أساس صوفي بعد أن بحثها من الوجهة الكلامية والفلسفية. ~~"فالواصلون" في اصطلاح الغزالى هم الصوفية أصحاب الذوق الذين يدركون الله ~~إدراكا مباشرا، ويرونه مقدسا ومنزها عن جميع ما يخطر ببالنا # PageV01P030 # وصفه به. أما "وات" فيقول إن الواصلين الذين يتكلم عنهم الغزالى لا ~~يمتازون عن غيرهم من المحجوبين إلا في أنهم يأخذون بنظرية "المطاع". ثم ~~يقول إن فصل الحجب ليس له توطئة تمهد له في الرسالة: وأى توطئة للكلام عن ~~الحجب أقوى من ذكر النور وأنواعه ودرجاته: لأن الحجب التى تكلم عنها ~~الغزالى حواجز تخفى هذا النور وتحول دون ظهوره وجلائه. فإذا ارتفعت الحجب ~~بجميع أنواعها ظهر النور الإلهى القاهر وأحرقت سبحات وجه الله كل ما أدركه ~~بصر الناظرين وبصيرتهم كما يقول الحديث. # وفيم الشك في نسبة الفصل الثالث من الرسالة إلى الغزالى وهو يقرر فيها ~~أنها مؤلفة من ثلاثة فصول - لا من فصلين، ويشير صراحة إلى حديث الحجب الذى ~~هو موضوع الفصل الثالث، ويحيل في الفصلين الأول والثانى على الفصل الثالث، ~~وفي الفصل الثالث عليهما؟ # ومما يثبت صحة نسبة الفصل الثالث إلى الرسالة أنه ورد برمته في مخطوطة ~~شهيد على التى كتبت سنة 509 أى بعد وفاة المؤلف بأربع سنوات. # وأخيرا نرى ابن طفيل يقتبس فقرة طويلة هامة من هذا الفصل في رسالة "حى بن ~~يقظان" من غير أن يثير شكا أو إشكالا حول صحة نسبته إلى الغزالى. # فالشواهد كلها مجمعة على أن فصل الحجب في رسالة المشكاة جزء أصيل منها ~~متمم للفصلين ms24 السابقين عليه، وأنه من حيث المادة والأسلوب متمش مع بقية ~~الرسالة غير مقحم عليها. # PageV01P031 ### | خاتمة # ظهر مما ذكرنا من تحليل لمضمون رسالة "مشكاة الأنوار" أننا بإزاء عمل ~~فلسفى له قيمته وطابعه المميز، وأنها بمثابة اللبنة التى يمكن أن يضاف ~~إليها لبنات أخرى ليتألف منها مذهب فلسفى كامل ومتناسق. ومعنى هذا أن ~~الغزالى الذى كثيرا ما وصف بأنه هادم الفلسفة، كانت له فلسفة - كما كان ~~لغيره ممن ظهروا بعده فلسفة، ولكنها كانت من نوع جديد. # كانت الفلسفة المشائية العربية - أى الفلسفة الأرسطية المنصبغة بصبغة ~~الأفلاطونية الحديثة - قد استنفدت جميع أغراضها قبل الغزالى. وكانت قد بلغت ~~ذروتها في مؤلفات الشيخ أبى على بن سينا ومدرسته بحيث لم يكن مقدرا لها إلا ~~الهبوط والتراجع، والتخلى عن مكانها لغيرها من المذاهب في الميدان الفكرى ~~الإسلامى. ولم تكن الطعنة التى وجهها الغزالى لهذه الفلسفة - ممثلة في ~~كتابات ابن سينا خاصة - إلا عاملا جديدا زاد من سرعة هذا الهبوط. # كان لا بد للفكر الفلسفى الإسلامى أن يشق لنفسه طريقا آخر غير الطريق ~~المشائى؛ طريقا يمكن أن ينفذ المفكر من خلاله إلى صميم نفسه ودينه، ويتحول ~~فيه من النظر إلى العالم نظرة موضوعية إلى النظر إلى النفس نظرة ذاتية؛ ~~ويتحول من عالم المادة والأجرام الكثيفة إلى عالم النور والأكوان اللطيفة. ~~وكان هذا الطريق هو طريق الإشراق الذى وضع أفلاطون اليونانى وفلاسفة إيران ~~أصوله الأولى. في هذا الطريق الجديد سارت الفلسفة الإسلامية وأنتجت نتاجا ~~خصبا رائعا لا يقل في هاتين الصفتين عن إنتاجها في العصر المشائى. ولا ينكر ~~هذا الجانب من التفكير الإسلامى، ويدعى أن الفلسفة الإسلامية لم تقم لها ~~قائمة بعد ابن سينا، إلا من يقصر الفلسفة الإسلامية - # PageV01P033 # دون مبرر - على الفلسفة المشائية التى يمثلها الفارابى وابن سينا. وهو إذ ~~يفعل ذلك، لا يعترف بالخصب والعمق والأصالة التى يتميز بها التفكير الفلسفى ~~الصوفى الذى نراه واضحا في مؤلفات الغزالى وشهاب الدين السهروردى الحلبى ~~ومحيي الدين بن عربي وأمثالهم. # ولعل الغزالى كان أسبق فيلسوف إسلامى إلى الأخذ بمذهب ms25 الإشراق الذى نرى ~~أثره واضحا في رسالة "مشكاة الأنوار"؛ فإن تمييزه بين النور والظلمة، وبين ~~عالم الأنوار وعالم الظلمات، هو المحور الذى تدور حوله هذه الرسالة؛ وهو ~~تمييز أساسى في فلسفة إيران القديمة على نحو ما وردت في كتاب الأبستاق ~~Avesta، وكذلك في الفلسفة الأفلاطونية الحديثة. ولكن الغزالى لم يبن على ~~هذه التفرقة مذهبا ثنويا في طبيعة الوجود كما بنى ثنوية الفرس؛ بل على ~~العكس نقض مذهبهم في المشكاة وغيرها، واعتبرهم في جملة المحجوبين. ولعله ~~ومن سبقه من كبار متصوفة الإسلام كانوا أكثر تأثرا فيما قالوه عن النور ~~والإدراك الذوقي المنبعث من العالم النورانى بالأفلاطونية الحديثة التى ~~وردت إليهم ملخصة في كتاب الربوبية المنسوب خطأ إلى أرسطو. # وفي رسالة "مشكاة الأنوار" نواة لمذهب فلسفى إشراقي أهم جوانبه الجانب ~~الأنطولوجى الذى يشرح ماهية الوجود، والأبستمولوجى الذى يشرح ماهية ~~المعرفة. والسيكولوجى الذى يشرح ماهية النفس، وإن كان الجانب الأول هو ~~الغالب عليها. # بهذا سبق الغزالى كبار فلاسفة الإشراق المتأخرين من أمثال السهروردى ~~الحلبى وقطب الدين الشيرازى ومهد أمامهم الطريق إلى فلسفة إشراقية كاملة ~~مفصلة؛ وعلى الأخص في النواحى التى تتصل بالمعرفة والنفس كما تدل عليه ~~عبارة قطب الدين الشيرازى في مقدمة شرحه على "حكمة الإشراق" للسهروردى فإنه ~~يقول إن حكمة الإشراق هى "الحكمة المؤسسة على الإشراق الذى هو الكشف، أو ~~حكمة المشارقة الذين هم أهل فارس، وهو أيضا يرجع إلى # PageV01P034 # الأول: لأن حكمتهم كشفية ذوقية فنسبت إلى الإشراق الذى هو ظهور الأنوار ~~العقلية ولمعانها وفيضانها بالإشراقات على النفوس عند تجردها. وكان اعتماد ~~الفارسيين في الحكمة على الذوق والكشف. وكذا قدماء يونان خلا أرسطو وشيعته ~~فإن اعتمادهم كان على البحث والبرهان لا غير". # PageV01P035 ### | مقدمة # بسم الله الرحمن الرحيم. رب أنعمت فزد بفضلك # الحمد لله فائض الأنوار وفاتح الأبصار. وكاشف الأسرار ورافع الأستار. ~~والصلاة على محمد نور الأنوار وسيد الأبرار وحبيب الجبار وبشير الغفار ~~ونذير القهار، وقامع الكفار وفاضح الفجار؛ وعلى آله وأصحابه الطيبين ~~الطاهرين الأخيار. # أما بعد فقد سألتنى أيها الأخ الكريم قيضك ms26 الله لطلب السعادة الكبرى، ~~ورشحك للعروج إلى الذروة العليا، وكحل بنور الحقيقة بصيرتك، ونقى عما سوى ~~الحق سريرتك، أن أبث إليك أسرار الأنوار الإلهية مقرونة بتأويل ما يشير ~~إليه ظواهر الآيات المتلوة والأخبار المروية مثل قوله تعالى {الله نور ~~السماوات والأرض} ومعنى تمثيله ذلك بالمشكاة والزجاجة والمصباح والزيت ~~والشجرة، مع قوله عليه السلام "إن لله سبعين حجابا من نور وظلمة وأنه لو ~~كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل من أدركه بصره". # ولقد ارتقيت بسؤالك مرتقى صعبا تنخفض دون أعاليه أعين الناظرين؛ وقرعت ~~بابا مغلقا لا يفتح إلا للعلماء الراسخين. ثم ليس كل سر يكشف ويفشى، ولا كل ~~حقيقة تعرض وتجلى؛ بل صدور الأحرار قبور الأسرار. # ولقد قال بعض العارفين "إفشاء سر الربوبية كفر". بل قال سيد # PageV01P039 # الأولين والأخرين صلى الله عليه [وسلم] "إن من العلم كهيئة المكنون لا ~~يعلمه إلا العلماء بالله. فإذا نطقوا به لم ينكره إلا أهل الغرة بالله، ~~ومهما كثر أهل الاغترار وجب حفظ الأسرار على وجه الإسرار". لكنى أراك مشروح ~~الصدر بالله بالنور، منزه السر عن ظلمات الغرور (و 2 - ا) فلا أشح عليك في ~~هذا الفن بالإشارة إلى لوامع ولوائح؛ والرمز إلى حقائق ودقائق. فليس الخوف ~~في كف العلم عن أهله بأقل منه في بثه إلى غير أهله. # فمن منح الجهال علما أضاعه ... ومن منع المستوجبين فقد ظلم # فاقنع بإشارات مختصرة وتلويحات موجزة؛ فإن تحقيق القول فيه يستدعى تمهيد ~~أصول وشرح فصول ليس يتسع الآن لها وقتى، وليس ينصرف إليه همى وفكرتى. ~~ومفاتيح القلوب بيد الله يفتحها إذا شاء كما شاء بما يشاء. وإنما الذى ~~ينفتح في الوقت فصول ثلاثة. # PageV01P040 ### | الفصل الأول: في بيان أن النور الحق هو الله تعالى وأن اسم النور لغيره مجاز محض لا حقيقه له # وبيانه بأن يعرف معنى النور بالوضع الأول عند العوام، ثم بالوضع الثانى ~~عند الخواص، ثم بالوضع الثالث عند خواص الخواص. ثم تعرف درجات الأنوار ~~المذكورة المنسوبة إلى خواص الخواص وحقائقها لينكشف لك عند ظهور درجاتها أن ~~الله ms27 تعالى هو النور الأعلى الأقصى، وعند انكشاف حقائقها أنه النور الحق ~~الحقيقى وحده لا شريك له فيه. # أما الوضع الأول عند العامى فالنور يشير إلى الظهور، والظهور أمر إضافي: ~~إذ يظهر الشىء لا محالة لإنسان ويبطن عن غيره: فيكون ظاهرا بالإضافة وباطنا ~~بالإضافة. وإضافة ظهوره إلى الإدراكات لا محالة. وأقوى الإدراكات وأجلاها ~~عند العوام الحواس، ومنها حاسة البصر. # والأشياء بالإضافة إلى الحس البصرى ثلاثة أقسام: # منها ما لا يبصر بنفسه كالأجسام المظلمة. # (و 2 ب) ومنها ما يبصر بنفسه ولا يبصر به غيره كالأجسام المضيئة كالكواكب ~~وجمرة النار إذا لم تكن مشتعلة. # PageV01P041 # ومنها ما يبصر بنفسه ويبصر به أيضا غيره كالشمس والقمر والسراج والنيران ~~المشتعلة. # والنور اسم لهذا القسم الثالث. تم تارة يطلق على ما يفيض من الأجسام على ~~ظواهر الأجسام الكثيفة، فيقال استنارت الأرض ووقع نور الشمس على الأرض ونور ~~السراج على الحائط والثوب. وتارة يطلق على نفس هذه الأجسام المشرقة لأنها ~~أيضا في نفسها مستنيرة. # وعلى الجملة فالنور عبارة عما يبصر بنفسه ويبصر به غير كالشمس. هذا حده ~~وحقيقته بالوضع الأول. # دقيقة # لما كان سر النور وروحه هو الظهور للإدراك، وكان الإدراك موقوفا على وجود ~~النور وعلى وجود العين الباصرة أيضا: إذ النور هو الظاهر المظهر؛ وليس شىء ~~من الأنوار ظاهرا في حق العميان ولا مظهرا. فقد تساوى الروح الباصرة والنور ~~الظاهر في كونه ركنا لا بد منه للإدراك ثم ترجح عليه في أن الروح الباصرة ~~هى المدركة وبها الإدراك. وأما النور فليس بمدرك ولا به الإدراك، بل عنده ~~الإدراك. فكان اسم النور بالنور الباصر أحق منه بالنور المبصر. # وأطلقوا اسم النور على نور العين المبصرة فقالوا في الخفاش إن نور عينه ~~ضعيف، وفي الأعمش إنه ضعيف نور بصره، وفي الأعمى إنه فقد نور البصر، وفي ~~السواد إنه يجمع نور البصر ويقويه، وإن الأجفان إنما خصتها الحكمة الإلهية ~~بلون السواد وجعل العين محفوفة بها لتجمع ضوء # PageV01P042 # العين. وأما البياض فيفرق ضوء العين ويضعف نوره، حتى إن إدامة النظر ms28 إلى ~~البياض المشرق، بل إلى نور الشمس يبهر نور العين ويمحقه كما ينمحق الضعيف ~~في جنب القوى. فقد عرفت بهذا أن (و 3 ا) الروح الباصر سمى نورا، وأنه لم ~~سمى نورا، وأنه لم كان بهذا الاسم أولى. وهذا هو الوضع الثانى وهو وضع ~~الخواص. # دقيقة # إعلم أن نور بصر العين موسوم بأنواع النقصان: فإنه يبصر غيره ولا يبصر ~~نفسه، ولا يبصر ما بعد منه، ولا يبصر ما هو وراء حجاب. ويبصر من الأشياء ~~ظاهرها دون باطنها؛ ويبصر من الموجودات بعضها دون كلها. ويبصر أشياء ~~متناهية ولا يبصر ما لا نهاية له. ويغلط كثيرا في إبصاره: فيرى الكبير ~~صغيرا والبعيد قريبا والساكن متحركا والمتحرك ساكنا. فهذه سبع نقائص لا ~~تفارق العين الظاهرة. فإن كان في الأعين عين منزهة عن هذه النقائص كلها ~~فليت شعرى هل هو أولى باسم النور أم لا؟ # واعلم أن في قلب الإنسان عينا هذه صفة كمالها وهى التى يعبر عنها تارة ~~بالعقل وتارة بالروح وتارة بالنفس الإنسانى. ودع عنك العبارات فإنها إذا ~~كثرت أوهمت عند ضعيف البصيرة كثرة المعانى. فنعنى به المعنى الذى يتميز به ~~العاقل عن الطفل الرضيع وعن البهيمة وعن المجنون. ولنسمه "عقلا" متابعة ~~للجمهور في الاصطلاح فنقول: # PageV01P043 # العقل أولى بأن يسمى نورا من العين الظاهرة لرفعة قدره عن النقائص السبع ~~وهو أن العين لا تبصر نفسها، والعقل يدرك غيره ويدرك صفات نفسه: إذ يدرك ~~نفسه عالما وقادرا: ويدرك علم نفسه ويدرك علمه بعلم نفسه وعلمه بعلمه بعلم ~~نفسه إلى غير نهاية. وهذه خاصية لا تتصور لما يدرك بآلة الأجسام. ووراءه سر ~~يطول شرحه. # والثانى أن العين لا تبصر ما بعد منها ولا ما قرب منها قربا مفرطا: ~~والعقل يستوى عنده القريب والبعيد: يعرج في تطريفة إلى أعلى السماوات رقيا، ~~وينزل في لحظة إلى تخوم الأرضين هويا. بل إذا حقت الحقائق (و 3 ب) يكشف أنه ~~منزه عن أن تحوم بجنبات قدسه معانى القرب والبعد الذى يفرض بين الأجسام، ~~فإنه أنموذج من نور الله ms29 تعالى، ولا يخلو الأنموذج عن محاكاة، وإن كان لا ~~يرقي إلى ذروة المساواة. وهذا ربما هزك للتفطن لسر قوله عليه السلام "إن ~~الله خلق آدم على صورته" فلست أرى الخوض فيه الآن. # الثالث أن العين لا تدرك ما وراء الحجب، والعقل يتصرف في العرش والكرسى ~~وما وراء حجب السماوات، وفي الملأ الأعلى والملكوت الأسمى كتصرفه في عالمه ~~الخاص ومملكته القريبة أعنى بدنه الخاص. بل الحقائق كلها لا تحتجب عن ~~العقل. وأما حجاب العقل حيث يحجب فمن نفسه لنفسه # PageV01P044 # بسبب صفات هى مقارنة له تضاهى حجاب العين من نفسه عند تغميض الأجفان. ~~وستعرف هذا في الفصل الثالث من الكتاب. # الرابع أن العين تدرك من الأشياء ظاهرها وسطحها الأعلى دون باطنها؛ بل ~~قوالبها وصورها دون حقائقها. والعقل يتغلغل إلى بواطن الأشياء وأسرارها ~~ويدرك حقائقها وأرواحها، ويستنبط سببها وعلتها وغايتها وحكمتها، وأنها مم ~~خلق، وكيف خلق، ولم خلق، ومن كم معنى جمع وركب، وعلى أى مرتبة في الوجود ~~نزل، وما نسبته إلى خالقها وما نسبتها إلى سائر مخلوقاته، إلى مباحث أخر ~~يطول شرحها نرى الإيجاز فيها أولى. # الخامس أن العين تبصر بعض الموجودات إذ تقصر عن جميع المعقولات وعن كثير ~~من المحسوسات: إذ لا تدرك الأصوات والروائح والطعوم والحرارة والبرودة ~~والقوى المدركة: أعنى (و 4 ا) قوة السمع والبصر والشم والذوق، بل الصفات ~~الباطنة النفسانية كالفرح والسرور والغم والحزن والألم واللذة والعشق ~~والشهوة والقدرة والإرادة والعلم إلى غير ذلك من موجودات لا تحصى ولا تعد؛ ~~فهو ضيق المجال مختصر المجرى لا تسعه مجاوزة الألوان والأشكال وهما أخس ~~الموجودات: فإن الأجسام في أصلها أخس أقسام الموجودات، والألوان والأشكال ~~من أخس أعراضها. # فالموجودات كلها مجال العقل؛ إذ يدرك هذه الموجودات التى عددناها # PageV01P045 # وما لم نعدها، وهو الأكثر: فيتصرف في جميعها ويحكم عليها حكما يقينيا ~~صادقا. فالأسرار الباطنة عنده ظاهرة، والمعانى الخفية عنده جلية. فمن أين ~~للعين الظاهرة مساماته ومجاراته في استحقاق اسم النور؟ كلا إنها نور ~~بالإضافة إلى غيرها؛ لكنها ظلمة بالإضافة إليه. بل هى ms30 جاسوس من جواسيسه؛ ~~وكله بأخس خزائنه وهى خزانة الألوان والأشكال لترفع إلى حضرته أخبارها ~~فيقضى فيها بما يقتضيه رأيه الثاقب وحكمه النافذ. والحواس الخمس جواسيسه. ~~وله في الباطن جواسيس سواها من خيال ووهم وفكر وذكر وحفظ؛ ووراءهم خدم ~~وجنود مسخرة له في عالمه الخاص يستسخرهم ويتصرف فيهم استسخار الملك عبيده ~~بل أشد. وشرح ذلك يطول. # وقد ذكرناه في كتاب "عجائب القلب" من كتب الإحياء. # السادس أن العين لا تبصر ما لا نهاية له، فإنها تبصر صفات الأجسام ~~والأجسام لا تتصور إلا متناهية. # والعقل يدرك المعلومات؛ والمعلومات لا يتصور أن تكون متناهية. نعم إذا ~~لاحظ العلوم المفصلة فلا يكون الحاضر الحاصل عنده إلا متناهيا. لكن في قوته ~~إدراك ما لا نهاية له. وشرح ذلك يطول. (و 4 ب) فإن أردت له مثالا فخذه من ~~الجليات، فإنه يدرك الأعداد ولا نهاية لها؛ بل يدرك تضعيفات الاثنين ~~والثلاثة وسائر الأعداد ولا يتصور لها نهاية. ويدرك أنواعا من النسب بين ~~الأعداد لا يتصور التناهى عليها: بل يدرك علمه بالشىء وعلمه بعلمه بالشىء، # PageV01P046 # وعلمه بعلمه بعلمه. فقوته في هذا الواحد لا تقف عند نهاية. # السابع أن العين تبصر الكبير صغيرا. فترى الشمس في مقدار مجن والكواكب في ~~صور دنانير منثورة على بساط أزرق. والعقل يدرك أن الكواكب والشمس أكبر من ~~الأرض أضعافا مضاعفة؛ والعين ترى الكواكب ساكنة، بل ترى الظل بين يديه ~~ساكنا. وترى الصبى ساكنا في مقداره، والعقل يدرك أن الصبى متحرك في النشوء ~~والتزايد على الدوام. والظل متحرك دائما، والكواكب تتحرك في كل لحظة أميالا ~~كثيرة كما قال صلى الله عليه لجبريل عليه السلام: "أزالت الشمس"؟ فقال لا: ~~نعم! قال كيف؟ قال "منذ قلت، لا إلى أن قلت، نعم،: قد تحرك مسيرة خمسمائة ~~سنة". # وأنواع غلط البصر كثيرة، والعقل منزه عنها. فإن قلت: نرى العقلاء يغلطون ~~في نظرهم فاعلم أن فيهم خيالات وأوهاما واعتقادات يظنون أحكامها أحكام ~~العقل؛ فالغلط منسوب إليها. وقد شرحنا مجامعها في كتاب "معيار العلم" وكتاب ~~"محك النظر". # فأما العقل ms31 إذا تجرد عن غشاوة الوهم والخيال لم يتصور أن يغلط؛ بل رأى ~~الأشياء على ما هى عليه، وفي تجريده عسر عظيم. وإنما يكمل تجرده عن هذه ~~النوازع بعد الموت، وعند ذلك ينكشف الغطاء وتنجلى الأسرار # PageV01P047 # ويصادف كل أحد ما قدم من خير أو شر محضرا؛ ويشاهد كتابا لا يغادر صغيرة ~~ولا كبيرة إلا أحصاها، وعنده يقال (و 5 ا) {فكشفنا عنك غطآءك فبصرك اليوم ~~حديد} . وإنما الغطاء غطاء الخيال والوهم وغيرهما؛ وعندما يقول المغرور ~~بأوهامه واعتقاداته الفاسدة وخيالاته الباطلة {ربنآ أبصرنا وسمعنا فارجعنا ~~نعمل صالحا} الآية. # فقد عرفت بهذا أن العين أولى باسم النور من النور المعروف، ثم عرفت أن ~~العقل أولى باسم النور من العين. بل بينهما من التفاوت ما يصح معه أن يقال ~~إنه أولى بل الحق أنه المستحق للاسم دونه. # دقيقة # اعلم أن العقول وإن كانت مبصرة، فليست المبصرات كلها عندها على وتيرة ~~واحدة، بل بعضها يكون عندها كأنه حاضر كالعلوم الضرورية مثل علمه بأن الشىء ~~الواحد لا يكون قديما حادثا ولا يكون موجودا معدوما، والقول الواحد لا يكون ~~صدقا وكذبا، وأن الحكم إذا ثبت للشىء جوازه ثبت لمثله، وأن الأخص إذا كان ~~موجودا كان الأعم واجب الوجود: فإذا وجد السواد فقد وجد اللون، وإذا وجد ~~الإنسان فقد وجد الحيوان. وأما عكسه فلا يلزم في العقل، إذ لا يلزم من وجود ~~اللون وجود السواد ولا من وجود الحيوان وجود الإنسان إلى غير ذلك من # PageV01P048 # القضايا الضرورية في الواجبات والجائزات والمستحيلات. ومنها ما لا يقارن ~~العقل في كل حال إذا عرض عليه بل يحتاج إلى أن يهز أعطافه ويستورى زناده ~~وينبه عليه بالتنبيه كالنظريات. وإنما ينبهه كلام الحكمة. فعند إشراق نور ~~الحكمة يصير العقل مبصرا بالفعل بعد أن كان مبصرا بالقوة. وأعظم الحكمة ~~كلام الله تعالى. ومن جملة كلامه القرآن خاصة، فتكون منزلة آيات القرآن عند ~~عين العقل منزلة نور الشمس عند العين الظاهرة إذ به يتم الإبصار. فبالحرى ~~أن يسمى القرآن نورا كما يسمى نور الشمس نورا ms32 (و 5 ب) فمثال القرآن نور ~~الشمس ومثال العقل نور العين. وبهذا نفهم معنى قوله: {فآمنوا بالله ورسوله ~~والنور الذي أنزلنا} ، وقوله: {قد جآءكم برهان من ربكم وأنزلنآ إليكم نورا ~~مبينا} . # تكملة هذه الدقيقة # فقد فهمت من هذا أن العين عينان: ظاهرة وباطنة: فالظاهرة من عالم الحس ~~والشهادة، والباطنة من عالم آخر وهو عالم الملكوت. ولكل عين من العينين شمس ~~ونور عنده تصير كاملة الإبصار إحداهما ظاهرة والأخرى باطنة؛ والظاهرة من ~~عالم الشهادة وهى الشمس المحسوسة. والباطنة من عالم الملكوت وهو القرآن ~~وكتب الله تعالى المنزلة. # ومهما انكشف لك هذا انكشافا تاما فقد انفتح لك أول باب من أبواب الملكوت. ~~وفي هذا العالم عجائب يستحقر بالإضافة إليها عالم الشهادة. وإن من لم يسافر ~~إلى هذا العالم، وقعد به القصور في حضيض # PageV01P049 # عالم الشهادة فهو بهيمة بعد، محروم عن خاصية الإنسان؛ بل أضل من البهيمة ~~إذا لم تسعد البهيمة بأجنحة الطيران إلى هذا العالم. ولذلك قال الله تعالى: ~~{أولائك كالأنعام بل هم أضل} . # واعلم أن الشهادة بالإضافة إلى عالم الملكوت كالقشر بالإضافة إلى اللب، ~~وكالصورة والقالب بالإضافة إلى الروح، وكالظلمة بالإضافة إلى النور، ~~وكالسفل بالإضافة إلى العلو. ولذلك يسمى عالم الملكوت العالم العلوى ~~والعالم الروحانى والعالم النورانى. وفي مقابلته السفلى والجسمانى ~~والظلمانى. # ولا تظن أنا نعنى بالعالم العلوى السماوات فإنها علو وفوق في حق عالم ~~الشهادة والحس، ويشارك في إدراكه البهائم. وأما العبد فلا يفتح له باب ~~الملكوت ولا يصير ملكوتيا إلا (و 6 ا) ويبدل في حقه الأرض غير الأرض ~~والسماوات فيصير كل داخل تحت الحس والخيال أرضه ومن جملة السماوات، وكل ما ~~ارتفع عن الحس فسماؤه. وهذا هو المعراج الأول لكل سالك ابتدأ سفره إلى قرب ~~الحضرة الربوبية. فالإنسان مردود إلى أسفل السافلين، ومنه يترقي إلى العالم ~~الأعلى. وأما الملائكة فإنهم جملة عالم الملكوت عاكفون في حضرة القدوس، ~~ومنها يشرفون إلى العالم # PageV01P050 # الأسفل. ولذلك قال عليه السلام "إن الله خلق الخلق في ظلمة ثم أفاض عليهم ~~من نوره" وقال: ms33 "إن لله ملائكة هو أعلم بأعمال الناس منهم". والأنبياء إذا ~~بلغ معراجهم المبلغ الأقصى وأشرفوا منه إلى السفل ونظروا من فوق إلى تحت ~~اطلعوا أيضا على قلوب العباد وأشرفوا على جملة من علوم الغيب: إذ من كان في ~~عالم الملكوت كان عند الله تعالى - {وعنده مفاتح الغيب} - أى من عندها تنزل ~~أسباب الموجودات في عالم الشهادة؛ وعالم الشهادة أثر من آثار ذلك العالم، ~~يجرى منه مجرى الظل بالإضافة إلى الشخص، ومجرى الثمرة بالإضافة إلى المثمر، ~~والمسبب بالإضافة إلى السبب. ومفاتيح معرفة المسببات لا توجد إلا من ~~الأسباب؛ ولذلك كان عالم الشهادة مثالا لعالم الملكوت كما سيأتى في بيان ~~المشكاة والمصباح والشجرة: لأن المسبب لا يخلو عن موازاة السبب ومحاكاته ~~نوعا من المحاكاة على قرب أو على بعد. وهذا لأن له غورا عميقا. ومن اطلع ~~على كنه حقيقته انكشف له حقائق أمثلة القرآن على يسر. # دقيقة ترجع إلى حقيقة النور # فنقول إن كان ما يبصر نفسه وغيره أولى باسم النور، فإن كان من جملة ما ~~يبصر (به) غيره أيضا مع أنه يبصر نفسه وغيره، فهو أولى، باسم النور من (و 6 ~~ب) الذى لا يؤثر في غيره أصلا، بل بالحرى أن يسمى سراجا منيرا لفيضان ~~أنواره على غيره. وهذه الخاصية توجد # PageV01P051 # للروح القدسى النبوى إذ تفيض بواسطته أنواع المعارف على الخلائق. وبهذا ~~نفهم معنى تسمية الله محمد عليه السلام سراجا منيرا. والأنبياء كلهم سرج، ~~وكذلك العلماء، ولكن التفاوت بينهم لا يحصى. # دقيقة # إذا كان اللائق بالذى يستفاد منه نور الإبصار أن يسمى سراجا منيرا فالذى ~~يقتبس منه السراج في نفسه جدير بأن يكنى عنه بالنار. وهذه السرج الأرضية ~~إنما تقتبس في أصلها من أنوار علوية. فالروح القدسى النبوى يكاد زيته يضىء ~~ولو لم تمسسه نار. ولكن إنما يصير نورا على نور إذا مسته النار. # وبالحرى أن يكون مقتبس الأرواح الأرضية هى الروح الإلهية العلوية التى ~~وصفها على وابن عباس رضى الله عنهما فقالا: "إن لله ملكا له سبعون ألف وجه ~~في ms34 كل وجه سبعون ألف لسان يسبح الله بجميعها" وهو الذي قوبل بالملائكة كلهم ~~فقيل يوم القيامة {يوم يقوم الروح والملائكة صفا} فهى إذا اعتبرت من حيث ~~يقتبس منها السرج الأرضية لم يكن لها مثال إلا النار، وذلك لا يؤانس إلا من ~~جانب الطور. # PageV01P052 # دقيقة # الأنوار السماوية التى تقتبس منها الأنوار الأرضية إن كان لها ترتيب بحيث ~~يقتبس بعضها من بعض، فالأقرب من المنبع الأول أولى باسم النور لأنه أعلى ~~رتبة. ومثال ترتيبه في عالم الشهادة لا تدركه إلا بأن يفرض ضوء القمر داخلا ~~في كوة بيت واقعا على مرآة منصوبة على حائط، ومنعكسا منها إلى حائط آخر في ~~مقابلتها، ثم منعطفا منه إلى الأرض بحيث تستنير الأرض. فأنت تعلم أن ما على ~~الأرض من النور تابع لما على الحائط (و 7 ا) وما على الحائط تابع لما على ~~المرآة، وما على المرآة تابع لما في القمر، وما في القمر تابع لما في ~~الشمس: إذ منها يشرق النور على القمر. وهذه الأنوار الأربعة مرتبة بعضها ~~أعلى وأكمل من بعض، ولكل واحد مقام معلوم ودرجة خاصة لا يتعداها. # فاعلم أنه قد انكشف لأرباب البصائر أن الأنوار الملكوتية إنما وجدت على ~~ترتيب كذلك، وأن المقرب هو الأقرب إلى النور الأقصى. فلا يبعد أن تكون رتبة ~~إسرافيل فوق رتبة جبريل، وأن فيهم الأقرب لقرب درجته من حضرة الربوبية التى ~~هى منبع الأنوار كلها، وأن فيهم الأدنى، وبينهما درجات تستعصى على الإحصاء. ~~وإنما المعلوم كثرتهم وترتيبهم في مقاماتهم وصفوفهم، وأنهم كما وصفوا به ~~أنفسهم إذا قالوا: {وإنا لنحن الصآفون * وإنا لنحن المسبحون} . # PageV01P053 # دقيقة # إذا عرفت أن الأنوار لها ترتيب فاعلم أنه لا يتسلسل إلى غير نهاية، بل ~~يرتقى إلى منبع أول هو النور لذاته وبذاته، ليس يأتيه نور من غيره. ومنه ~~تشرق الأنوار كلها على ترتيبها. فانظر الآن اسم النور أحق وأولى بالمستنير ~~المستعير نوره من غيره، أو بالنير في ذاته المنير لكل ما سواه؟ فما عندى ~~أنه يخفى عليك الحق فيه. وبه يتحقق أن ms35 اسم النور أحق بالنور الأقصى الأعلى ~~الذى لا نور فوقه، ومنه ينزل النور إلى غيره. # حقيقة # بل أقول ولا أبالى إن اسم النور على غير النور الأول مجاز محض: إذ كل ما ~~سواه إذا اعتبر ذاته فهو في ذاته من حيث ذاته لا نور له: بل نورانيته ~~مستعارة من غيره ولا قوام لنورانيته المستعارة بنفسها، بل بغيرها. ونسبة ~~المستعار إلى المستعير مجاز محض. أفترى أن من استعار ثيابا وفرسا ومركبا ~~وسرجا، وركبه في الوقت الذى أركبه المعير، وعلى الحد الذى رسمه، غنى ~~بالحقيقة أو بالمجاز؟ وأن المعير هو الغنى أو المستعير؟ كلا، بل المستعير ~~فقير في نفسه (و 7 ب) كما كان. وإنما الغنى هو المعير الذى منه الإعارة ~~والإعطاء، وإليه الاسترداد والانتزاع. فإذن النور الحق هو الذى بيده الخلق ~~والأمر، ومنه الإنارة أولا والإدامة ثانيا. فلا شركة لأحد معه في حقيقة هذا ~~الاسم ولا في استحقاقه إلا من حيث يسميه به ويتفضل عليه بتسميته تفضل ~~المالك على عبده إذا أعطاه مالا ثم سماه مالكا. وإذا انكشف للعبد الحقيقة ~~علم أنه وماله لمالكه على التفرد لا شريك له فيه أصلا وألبتة. # PageV01P054 # حقيقة # مهما عرفت أن النور يرجع إلى الظهور والإظهار ومراتبه، فاعلم أنه لا ظلمة ~~أشد من كتم العدم: لأن المظلم سمى مظلما لأنه ليس للإبصار إليه وصول، إذ ~~ليس يصير موجودا للبصير مع أنه موجود في نفسه. فالذى ليس موجودا لا لغيره ~~ولا لنفسه كيف لا يستحق أن يكون هو الغاية في الظلمة؟ وفي مقابلته الوجود ~~فهو النور: فإن الشىء ما لم يظهر في ذاته لا يظهر لغيره. # والوجود ينقسم إلى ما للشىء من ذاته وإلى ماله من غيره. وماله الوجود من ~~غيره فوجوده مستعار لا قوام له بنفسه. بل اعتبر ذاته من حيث ذاته فهو عدم ~~محض. وإنما هو موجود من حيث نسبته إلى غيره، وذلك ليس بوجود حقيقى كما عرفت ~~في مثال استعارة الثوب والغنى. فالموجود الحق هو الله تعالى، كما أن النور ~~الحق هو الله تعالى. ms36 # حقيقة الحقائق # من هنا ترقي العارفون من حضيض المجاز إلى يفاع الحقيقة، واستكملوا ~~معراجهم فرأوا بالمشاهدة العيانية أن ليس في الوجود إلا الله تعالى، وأن ~~{كل شيء هالك إلا وجهه} لا أنه يصير هالكا في وقت من الأوقات؛ بل هو هالك ~~أزلا وأبدا لا يتصور إلا كذلك؛ فإن كل شىء سواه إذا اعتبر ذاته من حيث ذاته ~~فهو عدم محض؛ وإذا اعتبر من الوجه الذى # PageV01P055 # يسرى إليه الوجود من الأول الحق رؤى موجودا لا في ذاته لكن من الوجه الذى ~~يلى موجده (و 8 ا) ، فيكون الموجود وجه الله تعالى فقط. فلكل شىء وجهان: ~~وجه إلى نفسه ووجه إلى ربه؛ فهو باعتبار وجه نفسه عدم وباعتبار وجه الله ~~تعالى موجود. فإذن لا موجود إلا الله تعالى ووجهه. فإذن كل شىء هالك إلا ~~وجهه أزلا وأبدا. ولم يفتقر هؤلاء إلى يوم القيامة ليسمعوا نداء البارى ~~تعالى {لمن الملك اليوم لله الواحد القهار} . بل هذا النداء لا يفارق سمعهم ~~أبدا. ولم يفهموا من معنى قوله "الله أكبر" أنه أكبر من غيره، حاش لله، إذ ~~ليس في الوجود معه غيره حتى يكون أكبر منه؛ بل ليس لغيره رتبة المعية، بل ~~رتبة التبعية. بل ليس لغيره وجود إلا من الوجه الذى يليه. فالموجود وجهه ~~فقط. ومحال أن يقال إنه أكبر من وجهه. بل معناها أنه أكبر من أن يقال له ~~أكبر بمعنى الإضافة والمقايسة، وأكبر من أن يدرك غيره كنه كبريائه، نبيا ~~كان أو ملكا. بل لا يعرف الله كنه معرفته إلا الله. بل كل معروف داخل في ~~سلطة العارف واستيلائه دخولا ما؛ وذلك ينافي الجلال والكبرياء. وهذا له ~~تحقيق ذكرناه في كتاب "المقصد الأسنى في معانى أسماء الله الحسنى". # PageV01P056 # إشارة # العارفون - بعد العروج إلى سماء الحقيقة - اتفقوا على أنهم لم يروا في ~~الوجود إلا الواحد الحق. لكن منهم من كان له هذه الحال عرفانا علميا، ومنهم ~~من صار له ذلك حالا ذوقيا. وانتفت عنهم الكثرة بالكلية واستغرقوا ~~بالفردانية المحضة واستوفيت فيها عقولهم فصاروا ms37 كالمبهوتين فيه ولم يبق ~~فيهم متسع لا لذكر غير الله ولا لذكر أنفسهم أيضا. فلم يكن عندهم إلا الله، ~~فسكروا سكرا دفع دونه سلطان عقولهم، فقال أحدهم "أنا الحق" وقال الآخر ~~"سبحانى ما أعظم شانى! " وقال آخر "ما في الجبة إلا الله". وكلام العشاق في ~~حال السكر يطوى ولا يحكى. فلما خف عنهم سكرهم وردوا إلى سلطان العقل الذى ~~هو ميزان الله في أرضه، عرفوا أن ذلك لم يكن حقيقة الاتحاد بل شبه الاتحاد ~~مثل قول العاشق في حال فرط عشقه "أنا من أهوى ومن أهوى أنا" (و 8 ب) ولا ~~يبعد أن يفاجىء الإنسان مرآة فينظر فيها ولم ير المرآة قط، فيظن أن الصورة ~~التى رآها هى صورة المرآة متحدة بها، ويرى الخمر في الزجاج فيظن أن الخمر ~~لون الزجاج. وإذا صار ذلك عنده مألوفا ورسخ فيه قدمه استغفر وقال: # رق الزجاج وراقت الخمر ... فتشابها فتشاكل الأمر # فكأنما خمر ولا قدح ... وكأنما قدح ولا خمر # وفرق بين أن يقول: الخمر قدح، وبين أن يقول: كأنه قدح. وهذه الحالة إذا ~~غلبت سميت بالإضافة إلى صاحب الحالة "فناء"، بل "فناء # PageV01P057 # الفناء": لأنه فنى عن نفسه وفنى عن فنائه، فإنه ليس يشعر بنفسه في تلك ~~الحال ولا بعدم شعوره بنفسه. ولو شعر بعدم شعوره بنفسه لكان قد شعر بنفسه. ~~وتسمى هذه الحالة بالإضافة إلى المستغرق به بلسان المجاز اتحادا أو بلسان ~~الحقيقة توحيدا. ووراء هذه الحقائق أيضا أسرار يطول الخوض فيها. # PageV01P058 # خاتمة # لعلك تشتهى أن تعرف وجه إضافة نوره إلى السماوات والأرض؛ بل وجه كونه في ~~ذاته نور السماوات والأرض، فلا ينبغى أن يخفى ذلك عليك بعد أن عرفت أنه ~~النور ولا نور سواه وأنه كل الأنوار، وأنه النور الكلى، لأن النور عبارة ~~عما ينكشف به الأشياء، وأعلى منه ما ينكشف به وله، وأعلى منه ما ينكشف به ~~وله ومنه، وأن الحقيقى منه ما ينكشف به وله ومنه وليس فوقه نور منه اقتباسه ~~واستمداده: بل ذلك له في ذاته من ذاته لذاته ms38 لا من غيره. ثم عرفت أن هذا لن ~~يتصف به إلا النور الأول. ثم عرفت أن السماوات والأرض مشحونة نورا من طبقتى ~~النور: أعنى المنسوب إلى البصر والبصيرة: أى إلى الحس والعقل. أما البصرى ~~فما نشاهده في السماوات من الكواكب والشمس والقمر، وما نشاهده في الأرض من ~~الأشعة المنبسطة على (و 9 ا) كل ما على الأرض حتى ظهرت به الألوان المختلفة ~~خصوصا في الربيع، وعلى كل حال في الحيوانات والمعادن وأصناف الموجودات. ~~ولولاها لم يكن للألوان ظهور، بل وجود. ثم سائر ما يظهر للحس من الأشكال ~~والمقادير يدرك تبعا للألوان ولا يتصور إدراكها إلا بواسطتها. # وأما الأنوار العقلية المعنوية فالعالم الأعلى مشحون بها، وهى جواهر ~~الملائكة، والعالم الأسفل مشحون بها وهى الحياة الحيوانية ثم الإنسانية. ~~وبالنور الإنسانى السفلى ظهر نظام عالم السفل كما بالنور الملكى ظهر نظام ~~عالم العلو. وهو المعنى بقوله {أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها} وقال ~~تعالى: {ليستخلفنهم في الأرض} وقال: {ويجعلكم خلفآء الأرض} ، وقال: {إني ~~جاعل في الأرض خليفة} . # PageV01P059 # فإذا "عرفت هذا عرفت أن العالم بأسره مشحون بالأنوار الظاهرة البصرية ~~والباطنة العقلية، ثم عرفت أن السفلية فائضة بعضها من بعض فيضان النور من ~~السراج وأن السراج هو الروح النبوى القدسى، وأن الأرواح النبوية القدسية ~~مقتبسة من الأرواح العلوية اقتباس السراج من النور؛ وأن العلويات بعضها ~~مقتبسة من البعض، وأن ترتيبها ترتيب مقامات. ثم ترقي جملتها إلى نور ~~الأنوار ومعدنها ومنبعها الأول؛ وأن ذلك هو الله تعالى وحده لا شريك له، ~~وأن سائر الأنوار مستعارة، وإنما الحقيقى نوره فقط؛ وأن الكل نوره، بل هو ~~الكل، بل لا هوية لغيره إلا بالمجاز. فإذن لا نور إلا نوره، وسائر الأنوار ~~أنوار من الذى يليه لا من ذاته. فوجه كل ذى وجه إليه ومول شطره: {فأينما ~~تولوا فثم وجه الله} . فإذن لا إله إلا هو: فإن الإله عبارة عما الوجه ~~موليه نحوه بالعبادة والتأله: أعنى وجوه القلوب فإنها الأنوار. بل كما لا ~~إله إلا هو، فلا هو إلا هو: لأن ms39 "هو" عبارة عما إليه إشارة كيفما كان، ولا ~~إشارة إلا إليه. (و 9 ب) بل كل ما أشرت إليه فهو بالحقيقة إشارة إليه وإن ~~كنت لا تعرفه أنت لغفلتك عن حقيقة الحقائق التى ذكرناها. ولا إشارة إلى نور ~~الشمس بل إلى الشمس. فكل ما في الوجود فنسبته إليه في ظاهر المثال كنسبة ~~النور إلى الشمس. فإذن "لا إله إلا الله" توحيد العوام، "ولا إله إلا هو" ~~توحيد الخواص، لأن هذا أتم وأخص وأشمل وأحق وأدق وأدخل بصاحبه في الفردانية ~~المحضة والوحدانية الصرفة. ومنتهى معراج الخلائق مملكة # PageV01P060 # الفردانية. وليس وراء ذلك مرقي: إذ الترقي لا يتصور إلا بكثرة: فإنه نوع ~~إضافة يستدعى ما منه الارتقاء وما إليه الارتقاء. وإذا ارتفعت الكثرة حقت ~~الوحدة وبطلت الإضافات وطاحت الإشارات ولم يبق علو وسفل ونازل ومرتفع: ~~واستحال الترقي فاستحال العروج. فليس وراء الأعلى علو، ولا مع الوحدة كثرة، ~~ولا مع انتفاء الكثرة عروج. فإن كان من تغير حال. فالنزول إلى سماء الدنيا: ~~أعنى بالإشراف من علو إلى سفل لأن الأعلى له أسفل وليس له أعلى. فهذه هى ~~غاية الغايات ومنتهى الطلبات: يعلمه من يعلمه وينكره من يجهله. وهو من ~~العلم الذى هو كهيئة المكنون الذى لا يعلمه إلا العلماء بالله. فإذا نطقوا ~~به لم ينكره إلا أهل الغرة بالله. ولا يبعد أن قال العلماء إن النزول إلى ~~السماء الدنيا هو نزول ملك: فقد توهم العلماء ما هو أبعد منه؛ إذ قال هذا ~~المستغرق بالفردانية أيضا له نزول إلى السماء الدنيا: فإن ذلك هو نزوله إلى ~~استعمال الحواس أو تحريك الأعضاء. وإليه الإشارة بقوله "صرت سمعه الذى يسمع ~~به وبصره الذى يبصر به ولسانه الذى ينطق به". فإذا كان هو سمعه وبصره ~~ولسانه، فهو السامع والباصر والناطق إذن لا غيره؛ وإليه الإشارة بقوله: ~~"مرضت فلم تعدنى" الحديث. # فحركات هذا الموحد (و 10 ا) من السماء الدنيا، وإحساساته كالسمع والبصر ~~من سماء فوقه، وعقله فوق ذلك. وهو يترقي من سماء العقل إلى منتهى معراج ~~الخلائق. ومملكة ms40 الفردانية تمام سبع طبقات ثم # PageV01P061 # بعده يستوى على عرض الوحدانية، ومنه يدبر الأمر لطبقات سماواته. فربما ~~نظر الناظر إليه فأطلق القول بأن الله خلق آدم على صورة الرحمن، إلى أن ~~يمعن النظر فيعلم أن ذلك له تأويل كقول القائل "أنا الحق" و"سبحانى" بل ~~كقوله لموسى عليه السلام: "مرضت فلم تعدنى" و"كنت سمعه وبصره ولسانه". وأرى ~~الآن قبض البيان فما أراك تطيق من هذا القدر أكثر من هذا القدر. (مساعدة) ~~لعلك لا تسمو إلى هذا الكلام بهمتك، بل تقصر دون ذروته همتك، فخذ إليك ~~كلاما أقرب إلى فهمك وأوفق لضعفك. # واعلم أن معنى كونه نور السماوات والأرض تعرفه بالنسبة إلى النور الظاهر ~~البصرى. فإذا رأيت أنوار الربيع وخضرته مثلا في ضياء النهار فلست تشك في ~~أنك ترى الألوان. وربما ظننت أنك لست ترى مع الألوان غيرها، فإنك تقول لست ~~أرى مع الخضرة غير الخضرة. ولقد أصر على هذا قوم فزعموا أن النور لا معنى ~~له، وأنه ليس مع الألوان غير الألوان، فأنكروا وجود النور مع أنه أظهر ~~الأشياء، وكيف لا وبه تظهر الأشياء، وهو الذى يبصر في نفسه ويبصر به غيره ~~كما سبق. لكن عند غروب الشمس وغيبة السراج ووقوع الظل أدركوا تفرقة ضرورية ~~بين محل الظل وبين موقع الضياء فاعترفوا بأن النور معنى وراء الألوان يدرك ~~مع الألوان حتى كأنه لشدة انجلائه لا يدرك، ولشدة ظهوره يخفى. وقد كان ~~الظهور سبب الخفاء. والشىء إذا جاوز حده انعكس على ضده. # PageV01P062 # فإذا عرفت هذا فاعلم أن أرباب البصائر ما رأوا شيئا إلا رأوا الله معه. ~~وربما زاد على هذا بعضهم فقال "ما رأيت شيئا إلا رأيت الله قبله" لأن منهم ~~من يرى الأشياء به (و 10 ب) . ومنهم من يرى الأشياء فيراه بالأشياء. وإلى ~~الأول الإشارة بقوله تعالى: {أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد} ؛ وإلى ~~الثانى الإشارة بقوله تعالى: {سنريهم آياتنا في الآفاق} فالأول صاحب ~~مشاهدة، والثانى صاحب الاستدلال عليه: والأول درجة الصديقين، والثانى درجة ~~العلماء الراسخين، وليس بعدهم إلا ms41 درجة الغافلين المحجوبين. # وإذ قد عرفت هذا فاعلم أنه كما ظهر كل شىء للبصر بالنور الظاهر، فقد ظهر ~~كل شىء للبصيرة الباطنة بالله. فهو مع كل شىء لا يفارقه ثم يظهر كل شىء، ~~كما أن النور مع كل شىء وبه يظهر. ولكن بقى ها هنا تفاوت: وهو أن النور ~~الظاهر يتصور أن يغيب بغروب الشمس ويحجب حتى يظهر الظل، وأما النور الإلهى ~~الذى به يظهر كل شىء، لا يتصور غيبته بل يستحيل تغيره. فيبقى مع الأشياء ~~دائما، فانقطع طريق الاستدلال بالتفرقة. ولو تصور غيبته لانهدت السماوات ~~والأرض. ولأدرك به من التفرقة ما يضطر معه إلى المعرفة بما به ظهرت ~~الأشياء. ولكن ما تساوت الأشياء كلها على نمط واحد في الشهادة على وحدانية ~~خالقها ارتفع # PageV01P063 # التفريق وخفى الطريق: إذ الطريق الظاهر معرفة الأشياء بالأضداد؛ فما لا ~~ضد له ولا تغير له تتشابه الأحوال في الشهادة له. فلا يبعد أن يخفى ويكون ~~خفاؤه لشدة جلائه والغفلة عنه لإشراق ضيائه. فسبحان من اختفى عن الخلق لشدة ~~ظهوره، واحتجب عنهم لإشراق نوره. وربما لم يفهم أيضا كنه هذا الكلام بعض ~~القاصرين، فيفهم من قولنا "إن الله مع كل شىء كالنور مع الأشياء" أنه في كل ~~مكان؛ تعالى وتقدس عن النسبة إلى المكان. بل لعل الأبعد عن إثارة هذا ~~الخيال أن نقول إنه قبل كل شىء؛ وإنه فوق كل شىء؛ وإنه مظهر كل شىء. ~~والمظهر لا يفارق المظهر في معرفة صاحب البصيرة. فهو الذى (و 11 ا) نعنى ~~بقولنا إنه مع كل شىء. ثم لا يخفى عليك أيضا أن المظهر قبل المظهر وفوقه مع ~~أنه معه بوجه: لكنه معه بوجه وقبله بوجه. فلا تظنن أنه متناقض، واعتبر ~~بالمحسوسات التى هى درجتك في العرفان؛ وانظر كيف تكون حركة اليد مع حركة ظل ~~اليد وقبلها أيضا. ومن لم يتسع صدره لمعرفة هذا فليهجر هذا النمط من العلم، ~~فلكل علم رجال؛ وكل ميسر لما خلق له. # PageV01P064 ### | الفصل الثاني: في بيان مثال المشكاة والمصباح والزجاجة والشجرة والزيت والنار # ومعرفة ms42 هذا يستدعى تقديم قطبين يتسع المجال فيهما إلى غير حد محدود. لكنى ~~أشير إليهما بالرمز والاختصار: أحدهما في بيان سر التمثيل ومنهاجه ووجه ضبط ~~أرواح المعانى بقوالب الأمثلة، ووجه كيفية المناسبة بينها، وكيفية الموازنة ~~بين عالم الشهادة التى منها تتخذ طينة الأمثال، وعالم الملكوت الذى منه ~~تستنزل أرواح المعانى. والثانى في طبقات أرواح الطينة البشرية ومراتب ~~أنوارها؛ فإن هذا المثال مسوق لبيان ذلك؛ إذ قرأ ابن مسعود "مثل نوره في ~~قلب المؤمن كمشكاة" وقرأ أبى بن كعب: "مثل نور قلب من آمن". # الأول في سر التمثيل ومنهاجه. # اعلم أن العالم عالمان: روحانى وجسمانى: وإن شئت قلت: حسى وعقلى؛ وإن شئت ~~علوى وسفلى. والكل متقارب، وإنما تختلف باختلاف الاعتبارات: فإذا اعتبرتهما ~~في أنفسهما قلت جسمانى وروحانى، وإن اعتبرتهما بالإضافة إلى العين المدركة ~~لهما قلت حسى وعقلى. وإن اعتبرتهما بإضافة أحداهما إلى الآخر قلت علوى ~~وسفلى. وربما سميت أحدهما عالم الملك والشهادة والآخر عالم الغيب والملكوت. ~~ومن نظر إلى الحقائق من # PageV01P065 # الألفاظ ربما تحير عند كثرة الألفاظ تخيل كثرة المعانى. والذى تنكشف له ~~الحقائق (و 11 ب) يجعل المعانى أصلا والألفاظ تابعا. وأمر الضعيف بالعكس؛ ~~إذ يطلب الحقائق من الألفاظ. وإلى الفريقين الإشارة بقوله تعالى: {أفمن ~~يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم} ؟. # وإذ قد عرفت معنى العالمين فاعلم أن العالم الملكوتى عالم غيب؛ إذ هو ~~غائب عن الأكثرين. والعالم الحسى عالم شهادة إذ يشهده الكافة. والعالم ~~الحسى مرقاة إلى العقل. فلو لم يكن بينهما اتصال ومناسبة لانسد طريق الترقي ~~إليه. ولو تعذر ذلك لتعذر السفر إلى حضرة الربوبية والقرب من الله تعالى. ~~فلم يقرب من الله تعالى أحد ما لم يطأ بحبوحة حظيرة القدس. والعالم المرتفع ~~عن إدراك الحس والخيال هو الذى نعنيه بعالم القدس. فإذا اعتبرنا جملته بحيث ~~لا يخرج منه شىء ولا يدخل فيه ما هو غريب منه سميناه حظيرة القدس. وربما ~~سمينا الروح البشرى الذى هو مجرى لوائح القدس "الوادى المقدس". ثم هذه ~~الحظيرة ms43 فيها حظائر بعضها أشد إمعانا في معانى القدس. ولكن لفظ الحظيرة ~~يحيط بجميع طبقاتها. فلا تظنن أن هذه الألفاظ طامات غير معقولة عند أرباب ~~البصائر. # PageV01P066 # واشتغالى الآن بشرح كل لفظ مع ذكره يصدنى عن المقصد. فعليك التشمير لفهم ~~هذه الألفاظ. فأرجع إلى الغرض وأقول: # لما كان عالم الشهادة مرقاة إلى عالم الملكوت، وكان سلوك الصراط المستقيم ~~عبارة عن هذا الترقي؛ وقد يعبر عنه بالدين وبمنازل الهدى - فلو لم يكن ~~بينهما مناسبة واتصال لما تصور الترقي من أحدهما إلى الآخر - جعلت الرحمة ~~الإلهية عالم الشهادة على موازنة عالم الملكوت: فما من شىء من هذا العالم ~~إلا وهو مثال لشىء من ذلك العالم. وربما كان الشىء الواحد مثالا لأشياء من ~~عالم الملكوت. وربما كان للشىء الواحد من الملكوت (و 12 ا) أمثلة كثيرة من ~~عالم الشهادة. وإنما يكون مثالا إذا ماثله نوعا من المماثلة، وطابقه نوعا ~~من المطابقة. وإحصاء تلك الأمثلة يستدعى استقصاء جميع موجودات العالمين ~~بأسرها، ولن تفى به القوة البشرية وما اتسع لفهمه القوة البشرية. فلا تفى ~~بشرحه الأعمار القصيرة. فغايتى أن أعرفك منها أنموذجا لتستدل باليسير منها ~~على الكثير، وينفتح لك باب الاستعبار بهذا النمط من الأسرار فأقول: # إن كان في عالم الملكوت جواهر نورانية شريفة عالية يعبر عنها بالملائكة، ~~منها تفيض الأنوار على الأرواح البشرية، ولأجلها قد تسمى أربابا، ويكون ~~الله تعالى رب الأرباب لذلك، ويكون لها مراتب في نورانيتها متفاوتة، ~~فبالحرى أن يكون مثالها من عالم الشهادة الشمس والقمر والكواكب. والسالك ~~للطريق أولا ينتهى إلى ما درجته درجة الكواكب فيتضح له إشراق نوره وينكشف ~~له أن العالم الأسفل بأسره تحت سلطانه وتحت إشراق نوره؛ ويتضح له من جماله ~~وعلو درجته ما يبادر فيقول: "هذا ربى" # PageV01P067 # ثم إذا اتضح له ما فوقه مما رتبته رتبة القمر، رأى دخول الأول في مغرب ~~الهوى بالإضافة إلى ما فوقه فقال: {لا أحب الآفلين} وكذلك يترقي حتى ينتهى ~~إلى ما مثاله الشمس فيراه أكبر وأعلى، فيراه قابلا للمثال بنوع مناسبة له ~~معه. ms44 والمناسبة مع ذى النقص نقص وأفول أيضا. فمنه يقول: {وجهت وجهي للذي ~~فطر السماوات والأرض حنيفا} . ومعنى "الذى" إشارة مبهمة لا مناسبة لها: إذ ~~لو قال قائل ما مثال مفهوم "الذى" لم يتصور أن يجاب عنه. فالمنتزه عن كل ~~مناسبة هو الأول الحق. ولذلك لما قال بعض الأعراب لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "ما نسب الإله؟ " نزل في جوابه {قل هو الله أحد * الله الصمد * لم ~~يلد ولم يولد} إلى آخرها (و 12 ب) معناه أن التقديس والتنزه عن النسبة ~~نسبته. ولذلك لما قال فرعون لموسى: "وما رب العالمين" كالطالب لماهيته، لم ~~يجب إلا بتعريفه بأفعاله، إذ كانت الأفعال أظهر عند السائل، فقال: {رب ~~السماوات والأرض} ، فقال فرعون لمن حوله {ألا تستمعون} كالمنكر عليه في ~~عدوله في جوابه عن طلب الماهية، فقال موسى: {ربكم ورب آبآئكم الأولين} ، ~~فنسبة فرعون إلى الجنون إذ كان مطلبه المثال والماهية؛ وهو يجيب عن ~~الأفعال، فقال: {إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون} . # PageV01P068 # ولنرجع إلى الأنموذج فنقول. علم "التعبير" يعرفك منهاج ضرب المثال؛ لأن ~~الرؤيا جزء من النبوة. أما ترى أن الشمس في الرؤيا تعبيرها السلطان، لما ~~بينهما من المشاركة والمماثلة في معنى روحانى - وهو الاستعلاء على الكافة ~~مع فيضان الآثار على الجميع. والقمر تعبيره الوزير لإفاضة الشمس نورها ~~بواسطة القمر على العالم عند غيبتها كما يفيض السلطان أنواره بواسطة الوزير ~~على من يغيب عن حضرة السلطان. وأن من يرى أنه في يده خاتم يختم به أفواه ~~الرجال وفروج النساء فتعبيره أنه مؤذن يؤذن قبل الصبح في رمضان. وأن من يرى ~~أنه يصب الزيت في الزيتون فتعبيره أن تحته جارية هى أمه وهو لا يعرف. ~~واستقصاء أبواب التعبير يزيدك أنسا بهذا الجنس، فلا يمكننى الاشتغال بعدها: ~~بل أقول: # كما أن في الموجودات العالية الروحانية ما مثاله الشمس والقمر والكواكب، ~~فكذلك فيها ما له أمثلة أخرى إذا اعتبرت منه أوصاف أخر سوى النورانية. فإن ~~كان في تلك الموجودات ما هو ثابت لا يتغير (و 13 1) وعظيم ms45 لا يستصغر، ومنه ~~ينفجر إلى أودية القلوب البشرية مياه المعارف ونفائش المكاشفات فمثاله ~~"الطور"؛ وإن كان ثم موجودات تتلقى تلك النفائس بعضهم أولى من بعض فمثالها ~~الوادى. وإن كانت تلك النفائس بعد اتصالها بالقلوب البشرية تجرى من قلب إلى ~~قلب، فهذه القلوب أيضا أودية. ومفتتح الوادى قلوب الأنبياء ثم العلماء ثم ~~من بعدهم. فإن كانت هذه الأودية دون الأول وعنها تغترف، فبالحرى أن يكون ~~الأول هو الوادى الأيمن لكثرة يمنه وعلو درجته. وإن كان الوادى الأدون ~~يتلقى # PageV01P069 # من آخر درجات الوادى الأيمن فمغترفه شاطئ الوادى الأيمن دون لجته ومبدئه. ~~وإن كان روح النبى سراجا منيرا، وكان ذلك الروح مقتبسا بواسطة وحى كما قال: ~~{أوحينآ إليك روحا من أمرنا} فما منه الاقتباس مثاله النار، وإن كان ~~المتلقنون من الأنبياء بعضهم على محض التقليد لما سمعه، وبعضهم على حظ من ~~البصيرة، فمثال حظ المقلد الخبر، ومثال حظ المستبصر الجذوة والقبس والشهاب. ~~فإن صاحب الذوق مشارك للنبى في بعض الأحوال. ومثال تلك المشاركة الاصطلاء. ~~وإنما يصطلى بالنار من معه النار، لا من يسمع خبرها. وإن كان أول منزل ~~الأنبياء الترقي إلى العالم المقدس عن كدورة الحس والخيال، فمثال ذلك ~~المنزل الوادى المقدس. وإن كان لا يمكن وطء ذلك الوادى المقدس إلا باطراح ~~الكونين - أعنى الدنيا والآخرة - والتوجه إلى الواحد الحق، ولأن الدنيا ~~والآخرة متقابلتان متحاذيتان (و 13 ب) وهما عارضان للجوهر النورانى البشرى ~~يمكن اطراحهما مرة والتلبس بهما أخرى، فمثال اطراحهما عند الإحرام للتوجه ~~إلى كعبة القدس خلع النعلين. بل نترقي إلى حضرة الربوبية مرة أخرى ونقول: # إن كان في تلك الحضرة شىء بواسطته تنتقش العلوم المفصلة في الجواهر ~~القابلة لها فمثاله "القلم". وإن كان في تلك الجواهر القابلة ما بعضها سابق ~~إلى التلقى، ومنها تنتقل إلى غيرها، فمثالها "اللوح المحفوظ" # PageV01P070 # و"الرق المنشور". وإن كان فوق الناقش للعلوم شىء هو مسخر فمثاله "اليد". ~~وإن كان لهذه الحضرة المشتملة على اليد واللوح والقلم والكتاب ترتيب منظوم ~~فمثاله "الصورة". وإن كان يوجد للصورة الإنسية نوع ms46 ترتيب على هذه الشاكلة، ~~فهى على صورة الرحمن. وفرق بين أن يقال "على صورة الرحمن" وبين أن يقال ~~"على صورة الله" لأن الرحمة الإلهية هى التى صورت الحضرة الإلهية بهذه ~~الصورة. # ثم أنعم على آدم فأعطاه صورة مختصرة جامعة لجميع أصناف ما في العالم حتى ~~كأنه كل ما في العالم أو هو نسخة من العالم مختصرة. وصورة آدم - أعنى هذه ~~الصورة - مكتوبة بخط الله. فهو الخط الإلهى الذى ليس برقم حروف، إذ تنزه ~~خطه عن أن يكون رقما وحروفا كما تنزه كلامه (عن) أن يكون صوتا وحرفا، وقلمه ~~عن أن يكون خشبا وقصبا، ويده عن أن تكون لحما وعظما. ولولا هذه الرحمة لعجز ~~الأدمى عن معرفة ربه: إذ لا يعرف ربه إلا من عرف نفسه. فلما كان هذا من ~~آثار الرحمة صار على صورة الرحمن لا على صورة الله: فإن حضرة الإلهية غير ~~حضرة الرحمة وغير حضرة الملك وغير حضرة الربوبية. ولذلك أمر بالعياذ (و 14 ~~ا) بجميع هذه الحضرات فقال: {قل أعوذ برب الناس * ملك الناس * إلاه الناس} ~~ولولا هذا المعنى لكان ينبغي أن يقول "على صورته" واللفظ الوارد في ~~(الحديث) الصحيح (على صورة الرحمن) . # ولأن تمييز حضرة الملك عن الإلهية والربوبية يستدعى شرحا طويلا، # PageV01P071 # فلنتجاوزه، ويكفيك من الأنموذج هذا القدر، فإن هذا بحر لا ساحل له. فإن ~~وجدت في نفسك نفورا عن هذه الأمثال فآنس قلبك بقوله تعالى: {أنزل من السمآء ~~مآء فسالت أودية بقدرها} الآية، وأنه كيف ورد في التفسير أن الماء هو ~~المعرفة والقرآن، والأودية القلوب. # PageV01P072 # خاتمة واعتذار # لا تظنن من هذا الأنموذج وطريق ضرب المثال رخصة منى في رفع الظواهر ~~واعتقادا في إبطالها حتى أقول مثلا لم يكن مع موسى نعلان، ولم يسمع الخطاب ~~بقوله {فاخلع نعليك} . حاش لله! فإن إبطال الظواهر رأى الباطنية الذين ~~نظروا بالعين العوراء إلى أحد العالمين ولم يعرفوا الموازنة بين العالمين، ~~ولم يفهموا وجهه. كما أن إبطال الأسرار مذهب الحشوية. فالذى يجرد الظاهر ~~حشوى، والذى يجرد الباطن باطنى. والذى يجمع ms47 بينهما كامل. ولذلك قال عليه ~~السلام: "للقرآن ظاهر وباطن وحد ومطلع" وربما نقل هذا عن على موقوفا عليه. ~~بل أقول فهم موسى من الأمر بخلع النعلين اطراح الكونين فامتثل الأمر ظاهرا ~~بخلع نعليه، وباطنا باطراح العالمين. وهذا هو "الاعتبار" أى العبور من ~~الشىء إلى غيره، ومن الظاهر إلى السر. وفرق بين من يسمع قول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "لا يدخل الملائكة بيتا فيه كلب" فيقتنى الكلب من البيت ~~ويقول ليس الظاهر مرادا، بل المراد تخلية بيت القلب عن كلب الغضب لأنه يمنع ~~المعرفة التى هى من أنوار الملائكة: إذ الغضب غول العقل، (و 14 ب) وبين من ~~يمتثل الأمر في الظاهر ثم يقول: الكلب ليس كلبا لصورته بل لمعناه - وهو ~~السبعية والضراوة - وإذا كان حفظ البيت الذى هو مقر الشخص والبدن # PageV01P073 # واجبا عن صورة الكلب، فبأن يجب حفظ بيت القلب - وهو مقر الجوهر الحقيقى ~~الخاص - عن شر الكلبية أولى. فأنا أجمع بين الظاهر والسر جميعا، فهذا هو ~~الكامل: وهو المعنى بقولهم "الكامل من لا يطفىء نور معرفته نور ورعه". ~~ولذلك ترى الكامل لا تسمح نفسه بترك حد من حدود الشرع مع كمال البصيرة. ~~وهذه مغلطة منها وقع بعض السالكين إلى الإباحة وطى بساط الأحكام ظاهرا، حتى ~~أنه ربما ترك أحدهم الصلاة وزعم أنه دائما في الصلاة بسره. وهذا سوى مغلطة ~~الحمقى من الإباحية الذين مأخذهم ترهات كقول بعضهم "إن الله غنى عن عملنا"، ~~وقول بعضهم إن الباطن مشحون بالخبائث ليس يمكن تزكيته، ولا يطمع في استئصال ~~الغضب والشهوة؛ لظنه أنه مأمور باستئصالهما: وهذه حماقات. # فأما ما ذكرناه فهو كبوة جواد وهفوة سالك حسده الشيطان فدلاه بحبل ~~الغرور. وأرجع إلى حديث النعلين فأقول: ظاهر خلع النعلين منبه على ترك ~~الكونين. فالمثال في الظاهر حق وأداؤه إلى السر الباطن حقيقة. وأهل هذا ~~التنبيه هم الذين بلغوا درجة الزجاجة كما سيأتى معنى الزجاجة؛ لأن الخيال ~~الذى من طينته يتخذ المثال صلب كثيف يحجب الأسرار ويحول بينك وبين الأنوار؛ ~~ولكن إذا صفا ms48 حتى صار كالزجاج الصافى غير حائل عن الأنوار، بل صار مع ذلك ~~مؤديا للأنوار، بل صار مع ذلك حافظا للأنوار عن الانطفاء بعواصف الرياح. ~~وستأتيك قصة الزجاجة. # فاعلم (و 15 ا) أن العالم الكثيف الخيالى السفلى صار في حق الأنبياء ~~زجاجة ومشكاة للأنوار ومصفاة للأسرار، ومرقاة إلى العالم الأعلى. وبهذا # PageV01P074 # يعرف أن المثال الظاهر حق ووراءه سر. وقس على هذا "الطور" و"النار" ~~وغيرهما. # دقيقة # إذا قال الرسول عليه السلام: "رأيت عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبوا" ~~فلا تظنن أنه لم يشاهده بالبصر كذلك، بل رآه في يقظته كما يراه النائم في ~~نومه؛ وإن كان عبد الرحمن مثلا نائما في بيته بشخصه، فإن النوم إنما أثر في ~~أمثال هذه المشاهدات لقهره سلطان الحواس عن النور الباطن الإلهى، فإن ~~الحواس شاغلة له وجاذبة إياه إلى عالم الحس، وصارفة وجهه عن عالم الغيب ~~والملكوت. وبعض الأنوار النبوية قد يستعلى ويستولى بحيث لا تستجره الحواس ~~إلى عالمها ولا تشغله، فيشاهد في اليقظة ما يشاهد غيره في المنام. ولكنه ~~إذا كان في غاية الكمال لم يقتصر إدراكه على محض الصورة المبصرة، بل عبر ~~منها إلى السر فانكشف له أن الإيمان جاذب إلى العالم الذى يعبر عنه بالجنة؛ ~~والغنى والثروة جاذب إلى الحياة الحاضرة وهى العالم الأسفل. فإن كان الجاذب ~~إلى أشغال الدنيا أقوى أو مقاوما للجاذب الآخر صد عن المسير إلى الجنة. وإن ~~كان جاذب الإيمان أقوى أورث عسرا وبطئا في سيره؛ فيكون مثاله من عالم ~~الشهادة "الحبو". فكذلك تتجلى له أنوار الأسرار من وراء زجاجات الخيال. ~~ولذلك لا يقتصر في حكمه على عبد الرحمن وإن كان إبصاره مقصورا عليه، بل ~~يحكم به على كل من قويت # PageV01P075 # بصيرته واستحكم إيمانه، وكثرته ثروته كثرة تزاحم الإيمان لكن لا تقاومه ~~لرجحان قوة الإيمان. # فهذا يعرفك كيفية إبصار الأنبياء الصور وكيفية مشاهدتهم المعانى من وراء ~~الصور. والأغلب أن يكون المعنى سابقا إلى المشاهدة الباطنة (و 15 ب) ثم ~~يشرق منها على الروح الخيالى فينطبع الخيال بصورة موازنة ms49 للمعنى محاكية له. ~~وهذا النمط من الوحى في اليقظة يفتقر إلى التأويل، كما أنه في النوم يفتقر ~~إلى التعبير. والواقع منه في النوم نسبته إلى الخواص النبوية نسبة الواحد ~~إلى ستة وأربعين. والواقع في اليقظة نسبته أعظم من ذلك. وأظن أن نسبته إليه ~~نسبة الواحد إلى الثلاثة. فإن [الذى] انكشف لنا من الخواص النبوية ينحصر ~~شعبها في ثلاثة أجناس، وهذا واحد من تلك الأجناس الثلاثة. # القطب الثانى في بيان مراتب الأرواح البشرية النورانية. # إذ بمعرفتها تعرف أمثلة القرآن. # فالأول منها الروح الحساس، وهو الذى يتلقى ما تورده الحواس الخمس، وكأنه ~~أصل الروح الحيوانى وأوله، إذ به يصير الحيوان حيوانا. وهو موجود للصبي ~~الرضيع. # الثانى الروح الخيالى، وهو الذى يستثبت ما أورده الحواس ويحفظه مخزونا ~~عنده ليعرضه على الروح العقلى الذى فوقه عند الحاجة إليه. وهذا لا يوجد ~~للصبى الرضيع في بداية نشوئه: ولذلك يولع بالشىء ليأخذه، فإذا غاب عنه ~~ينساه ولا تنازعه نفسه إليه إلى أن يكبر قليلا فيصير بحيث إذا غيب عنه بكى ~~وطلب [ذلك] لبقاء صورته محفوظة في خياله. وهذا قد يوجد لبعض الحيوانات دون ~~بعض، ولا يوجد للفراش المتهافت على النار لأنه يقصد النار # PageV01P076 # لشغفه بضياء النهار: فيظن أن السراج كوة مفتوحة إلى موضع الضياء فيلقى ~~نفسه عليه فيتأذى به. ولكنه إذا جاوزه وحصل في الظلمة عاوده مرة بعد مرة. ~~ولو كان له الروح الحافظ المستثبت لما أداه الحس إليه من الألم لما عاوده ~~بعد أن تضرر مرة به. (و 16 ا) فالكلب إذا ضرب مرة بخشبة، فإذا رأى الخشبة ~~بعد ذلك من بعد هرب. # الثالث الروح العقلى الذى به تدرك المعانى الخارجة عن الحس والخيال، وهو ~~الجوهر الإنسى الخاص، ولا يوجد لا للبهائم ولا للصبيان. ومدركاته المعارف ~~الضرورية الكلية كما ذكرناه عند ترجيح نور العقل على نور العين. # الرابع الروح الفكرى، وهو الذى يأخذ العلوم العقلية المحضة فيوقع بينها ~~تأليفات وازدواجات ويستنتج منها معارف شريفة. ثم إذا استفاد نتيجتين مثلا، ~~ألف بينهما مرة أخرى واستفاد نتيجة ms50 أخرى. ولا يزال يتزايد كذلك إلى غير ~~نهاية. # الخامس الروح القدسى النبوى الذى يختص به الأنبياء وبعض الأولياء، وفيه ~~تتجلى لوائح الغيب وأحكام الآخرة وجملة من معارف ملكوت السماوات والأرض، بل ~~من المعارف الربانية التى يقصر دونها الروح العقلى والفكرى. وإليه الإشارة ~~بقوله تعالى: {وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا ~~الإيمان ولاكن جعلناه نورا نهدي به} الآية. فلا يبعد أيها العاكف في عالم ~~العقل أن يكون وراء العقل طور آخر يظهر فيه ما لا يظهر في العقل، كما لا ~~يبعد كون العقل طورا وراء التمييز # PageV01P077 # والإحساس تنكشف فيه غرائب وعجائب يقصر عنها الإحساس والتمييز. ولا تجعل ~~أقصى الكمال وقفا على نفسك. وإن أردت مثالا مما نشاهده من جملة خواص بعض ~~البشر فانظر إلى ذوق الشعر كيف يختص به قوم من الناس وهو نوع إحساس وإدراك، ~~ويحرم عنه بعضهم حتى لا تتميز عندهم الألحان الموزونة من المنزحفة. وانظر ~~كيف عظمت قوة الذوق في طائفة حتى استخرجوا بها الموسيقى والأغانى والأوتار ~~وصنوف الدستانات (و 16 ب) التى منها المحزن ومنها المطرب ومنها المنوم ~~ومنها المضحك ومنها المجنن ومنها القاتل، ومنها الموجب للغشى. وإنما تقوى ~~هذه الآثار فيمن له أصل الذوق. وأما العاطل عن خاصية الذوق فيشارك في سماع ~~الصوت وتضعف فيه هذه الآثار، وهو يتعجب من صاحب الوجد والشغى. ولو اجتمع ~~العقلاء كلهم من أرباب الذوق على تفهيمه معنى الذوق لم يقدروا عليه. فهذا ~~مثال في أمر خسيس لكنه قريب إلى فهمك. فقس به الذوق الخاص النبوى واجتهد أن ~~تصير من أهل الذوق بشىء من ذلك الروح: فإن للأولياء منه حظا وافرا. فإن لم ~~تقدر فاجتهد أن تصير بالأقيسة التى ذكرناها والتنبيهات التى رمزنا إليها من ~~أهل العلم بها. فإن لم تقدر فلا أقل من أن تكون من أهل الإيمان بها: و ~~{يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} . والعلم فوق ~~الإيمان، والذوق فوق العلم. فالذوق وجدان والعلم قياس. والإيمان قبول مجرد ~~بالتقليد. وحسن ms51 الظن بأهل الوجدان أو بأهل العرفان. # فإذا عرفت هذه الأرواح الخمسة فاعلم أنها بجملتها أنوار لأنها تظهر أصناف ~~الموجودات، والحسى والخيالى منها، وإن كان يشارك البهائم # PageV01P078 # في جنسها، لكن الذى للإنسان منه نمط آخر أشرف وأعلى؛ وخلق الإنسان لأجل ~~غرض أجل وأسمى. أما الحيوانات فلم يخلق ذلك لها إلا ليكون آلتها في طلب ~~غذائها في تسخيرها للآدمى. وإنما خلق للآدمى ليكون شبكة له يقتنص بها من ~~العالم الأسفل مبادئ المعارف الدينية الشريفة. إذ الإنسان إذا أدرك بالحس ~~شخصا معينا اقتبس عقله منه معنى عاما مطلقا كما ذكرنا في مثال حبو عبد ~~الرحمن بن عوف. وإذا عرفت هذه الأرواح الخمسة (و 17 ا) فلنرجع إلى عرض ~~الأمثلة. # بيان أمثلة هذه الآية # اعلم أن القول في موازنة هذه الأرواح الخمسة للمشكاة والزجاجة والمصباح ~~والشجرة والزيت يمكن تطويله، لكنى أوجزه وأقتصر على التنبيه على طريقة ~~فأقول: # أما الروح الحساس فإذا نظرت إلى خاصيته وجدت أنواره خارجة من ثقب عدة ~~كالعينين والأذنين والمنخرين وغيرها. وأوفق مثال له من عالم الشهادة ~~المشكاة. وأما الروح الخيالى فنجد له خواص ثلاثا: إحداها: أنه من طينة ~~العالم السفلى الكثيف: لأن الشىء المتخيل ذو مقدار وشكل وجهات محصورة ~~مخصوصة. وهو على نسبة من المتخيل من قرب أو بعد. ومن شأن الكثيف الموصوف ~~بأوصاف الأجسام أن يحجب عن الأنوار العقلية المحضة التى تتنزه عن الوصف ~~بالجهات والمقادير والقرب والبعد. # الثانية: أن هذا الخيال الكثيف إذا صفى ودقق وهذب وضبط صار موازيا ~~للمعانى العقلية ومؤديا لأنوارها، غير حائل عن إشراق نورها منها. # الثالثة: أن الخيال في بداية الأمر محتاج إليه جدا ليضبط به المعارف ~~العقلية فلا تضطرب ولا تتزلزل ولا تنتشر انتشارا يخرج عن الضبط. فنعم # PageV01P079 # المعين المثالات الخيالية للمعارف العقلية. وهذه الخواص الثلاث لا نجدها ~~في عالم الشهادة بالإضافة إلى الأنوار المبصرة إلا للزجاجة: فإنها في الأصل ~~من جوهر كثيف لكن صفى ورقق حتى لا يحجب نور المصباح بل يؤديه على وجهه، ثم ~~يحفظه عن الانطفاء بالرياح العاصفة والحركات العنيفة. ms52 فهى أول مثال له. # وأما الثالث وهو الروح العقلى الذى به إدراك المعارف الشريفة الإلهية فلا ~~يخفى عليك وجه تمثيله بالمصباح. وقد عرفت هذا فيما سبق من بيان كون ~~الأنبياء سرجا منيرة (و 17 ب) . # وأما الرابع وهو الروح الفكرى فمن خاصيته أنه يبتدئ من أصل واحد ثم تتشعب ~~منه شعبتان، ثم من كل شعبة شعبتان وهكذا إلى أن تكثر الشعب بالتقسيمات ~~العقلية، ثم يفضى بالآخرة إلى نتائج هى ثمراتها. ثم تلك الثمرات تعود فتصير ~~بذورا لأمثالها: إذ يمكن أيضا تلقيح بعضها بالبعض حتى يتمادى إلى ثمرات ~~ورائها كما ذكرناه في كتاب القسطاس المستقيم. فبالحرى أن يكون مثاله من هذا ~~العالم الشجرة. وإذ كانت ثمراته مادة لتضاعف أنوار المعارف وثباتها وبقائها ~~فبالحرى ألا تمثل بشجرة السفرجل والتفاح والرمان وغيرها، بل من جملة سائر ~~الأشجار بالزيتونة خاصة: لأن لب ثمرها هو الزيت الذى هو مادة المصابيح، ~~ويختص من سائر الأدهان بخاصية زيادة الإشراق مع قلة الدخان. وإذا كانت ~~الماشية التى يكثر نسلها والشجرة التى تكثر ثمرتها تسمى # PageV01P080 # مباركة، فالتى لا يتناهى ثمرتها إلى حد محدود أولى أن تسمى شجرة مباركة. ~~وإذا كانت شعب الأفكار العقلية المحضة خارجة عن قبول الإضافة إلى الجهات ~~والقرب والبعد، فبالحرى أن تكون لا شرقية ولا غربية. # وأما الخامس: وهو الروح القدسى النبوى المنسوب إلى الأولياء إذا كان في ~~غاية الصفاء والشرف وكانت الروح المفكرة منقسمة إلى ما يحتاج إلى تعليم ~~وتنبيه ومدد من خارج حتى يستمر في أنواع المعارف، وبعضها يكون في شدة ~~الصفاء كأنه يتنبه بنفسه من غير مدد من خارج، فبالحرى أن يعبر عن الصافى ~~البالغ الاستعداد بأنه يكاد زيته يضيىء، ولو لم تمسسه نار: إذ من الأولياء ~~من يكاد يشرق نوره حتى يكاد يستغنى عن مدد الأنبياء؛ وفي الأنبياء من يكاد ~~يتسغنى عن مدد الملائكة. فهذا المثال موافق لهذا القسم (و 18 ا) . # وإذا كانت هذه الأنوار مترتبة بعضها على بعض: فالحسى هو الأول، وهو ~~كالتوطئة والتمهيد للخيالى، إذ لا يتصور الخيالى إلا ms53 موضوعا بعده؛ والفكرى ~~والعقلى يكونان بعدهما؛ فبالحرى أن تكون الزجاجة كالمحل للمصباح والمشكاة ~~كالمحل للزجاجة: فيكون المصباح في زجاجة، والزجاجة في مشكاة. # وإذا كانت هذه كلها أنوارا بعضها فوق بعض فبالحرى أن تكون نورا على نور. # PageV01P081 # خاتمة # هذا المثال إنما يتضح لقلوب المؤمنين أو لقلوب الأنبياء والأولياء لا ~~لقلوب الكفار: فإن النور يراد للهداية. فالمصروف عن طريق الهدى باطل وظلمة، ~~بل أشد من الظلمة: لأن الظلمة لا تهدى إلى الباطل كما لا تهدى إلى الحق. ~~وعقول الكفار انتكست، وكذلك سائر إدراكاتهم وتعاونت على الإضلال في حقهم. ~~فمثالهم كرجل في {بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها ~~فوق بعض} . والبحر واللجى هو الدنيا بما فيها من الأخطار المهلكة والأشغال ~~المردية والكدورات المعمية. والموج الأول موج الشهوات الداعية إلى الصفات ~~البهيمية والاشغال بالذات الحسية وقضاء الأوطار الدنيوية، حتى [إنهم] ~~يأكلون ويتمتعون كما تأكل الأنعام. وبالحرى أن يكون هذا الموج مظلما لأن حب ~~الشىء يعمى ويصم. والموج الثانى موج الصفات السبعية الباعثة على الغضب ~~والعداوة والبغضاء والحقد والحسد والمباهاة والتفاخر والتكاثر. وبالحرى أن ~~يكون مظلما لأن الغضب غول العقل. وبالحرى أن يكون هو الموج الأعلى: لأن ~~الغضب في الأكثر مستول على الشهوات حتى إذا هاج أذهل عن الشهوات وأغفل عن ~~اللذات المشتهاة. وأما الشهوة فلا تقاوم الغضب الهائج أصلا. # وأما السحاب فهو الاعتقادات الخبيثة، والظنون الكاذبة، والخيالات # PageV01P082 # الفاسدة (18 ب) التى صارت حجبا بين الكافرين وبين الإيمان ومعرفة الحق ~~والاستضاءة بنور شمس القرآن والعقل: فإن خاصية السحاب أن يحجب إشراق نور ~~الشمس. # وإذا كانت هذه كلها مظلمة فبالحرى أن تكون ظلمات بعضها فوق بعض. وإذا ~~كانت هذه ظلمات تحجب عن معرفة الأشياء القريبة فضلا عن البعيدة، ولذلك حجب ~~الكفار عن معرفة عجائب أحوال النبى عليه السلام مع قرب متناوله وظهوره ~~بأدنى تأمل، فبالحرى أن يعبر عنه بأنه لو أخرج يده لم يكد يراها. وإذا كان ~~منبع الأنوار كلها من النور الأول الحق كما سبق بيانه، فبالحرى أن يعتقد ms54 كل ~~موحد أن {ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} . فيكفيك هذا القدر من ~~أسرار هذه الآية فاقنع به. # PageV01P083 ### | الفصل الثالث: في معني قوله عليه السلام: "أن لله سبعين حجابا من نور وظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل من أدركه بصره" # [في بعض الروايات سبعمائة، وفي بعضها سبعين ألفا: فأقول: إن الله تعالى ~~متجل في ذاته لذاته، ويكون الحجاب بالإضافة إلى محجوب لا محالة؛ وإن ~~المحجوبين من الخلق ثلاثة أقسام: منهم من حجب بمجرد الظلمة؛ ومنهم من حجب ~~بالنور المحض؛ ومنهم من حجب بنور مقرون بظلمة. # وأصناف هذه الأقسام كثيرة أتحقق كثرتها، ويمكنني أن أتكلف حصرها في ~~سبعين، لكن لا أثق بما يلوح لي من تحديد وحصر، إذ لا أدري أنه المراد ~~بالحديث أم لا. أما الحصر إلى سبعمائة وسبعين ألفا فذلك لا يستقل به إلا ~~القوة النبوية، مع أن ظاهر ظني أن هذه الأعداد مذكورة للتكثير لا للتحديد؛ ~~وقد تجري العادة بذكر عدد ولا يراد به الحصر بل التكثير. والله أعلم بتحقيق ~~ذلك، فذلك خارج عن الوسع. # وإنما الذي يمكنني الآن أن أعرفك هذه الأقسام وبعض أصناف كل قسم فأقول:] # PageV01P084 ### | القسم الأول # وهم المحجوبون بمحض الظلمة، وهم الملحدة الذين لا يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر. وهم الذين استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة لأنهم لا يؤمنون ~~بالآخرة أصلا (و 19 ا) وهؤلاء صنفان: صنف تشوف إلى طلب سبب لهذا العالم ~~فأحاله إلى الطبع: والطبع عبارة عن صفة مركوزة في الأجسام حالة فيها؛ وهى ~~مظلمة إذ ليس لها معرفة وإدراك ولا خبر لها من نفسها ولا مما يصدر منها؛ ~~وليس لها نور يدرك بالبصر الظاهر أيضا. # والصنف الثانى: هم الذين شغلوا بأنفسهم ولم يفرغوا لطلب السبب أيضا، بل ~~عاشوا عيش البهائم، فكان حجابهم نفوسهم الكدرة، وشهواتهم المظلمة، ولا ظلمة ~~أشد من الهوى والنفس: ولذلك قال الله تعالى: {أفرأيت من اتخذ إلاهه هواه} ~~وقال [رسول الله صلى الله عليه وسلم] "الهوى أبغض إله عبد في الأرض". ~~وهؤلاء انقسموا فرقا: ms55 فرقة زعمت أن غاية الطلب في الدنيا هى قضاء الأوطار ~~ونيل الشهوات وإدراك اللذات البهيمية من منكح ومطعم وملبس. فهؤلاء عبيد ~~اللذة، يعبدونها ويطلبونها ويعتقدون أن نيلها غاية السعادات: رضوا لأنفسهم ~~أن يكونوا بمنزلة البهائم بل أخس منها. وأى ظلمة أشد من ذلك؟ فقد حجب هؤلاء ~~بمحض الظلمة. # وفرقة رأت أن غاية السعادات هى الغلبة والاستيلاء والقتل والسبى والأسر، ~~وهذا مذهب الأعراب والأكراد وكثير من الحمقى، وهم محجوبون # PageV01P085 # بظلمة الصفات السبعية لغلبتها عليهم وكون إدراكها مقصودها أعظم اللذات. ~~وهؤلاء قنعوا بأن يكونوا بمنزلة السباع بل أخس. # وفرقة ثالثة رأت أن غاية السعادات كثرة المال واتساع اليسار لأن المال هو ~~آلة قضاء الشهوات كلها، وبه يحصل للإنسان الاقتدار على قضاء الأوطار. ~~فهؤلاء همتهم جمع المال واستكثار الضياع والعقار والخيل المسومة والأنعام ~~والحرث وكنز الدنانير تحت الأرض. فترى الواحد يجتهد طول عمره يركب الأخطار ~~في البوادى والأسفار والبحار ويجمع الأموال ويشح بها على نفسه فضلا عن ~~غيره: وهم المرادون بقوله عليه السلام: "تعس عبد الدراهم، تعس عبد ~~الدنانير". وأى ظلمة أعظم مما يلبس على الإنسان؟. إن الذهب والفضة حجران (و ~~19 ب) لا يرادان لأعيانهما. وهى إذا لم يقض بهما الأوطار ولم تنفق فهى ~~والحصباء بمثابة، والحصباء بمثابتها. # وفرقة رابعة ترقت عن جهالة هؤلاء وتعاقلت، وزعمت أن أعظم السعادات في ~~اتساع الجاه والصيت وانتشار الذكر وكثرة الأتباع ونفوذ الأمر المطاع. ~~فتراها لا هم لها إلا المراءاة وعمارة مطارح أبصار الناظرين: حتى إن الواحد ~~قد يجوع في بيته ويحتمل الضر ويصرف ماله إلى ثياب يتجمل بها عند خروجه كى ~~لا ينظر إليه بعين الحقارة. وأصناف هؤلاء لا يحصون، وكلهم محجوبون عن الله ~~تعالى بمحض الظلمة وهى نفوسهم المظلمة. # PageV01P086 # ولا معنى لذكر آحاد الفرق بعد وقوع التنبيه على الأجناس. ويدخل في جملة ~~هؤلاء جماعة يقولون بلسانهم "لا إله إلا الله"، لكن ربما حملهم على ذلك خوف ~~أو استظهار بالمسلمين وتجمل بهم أو استمداد من مالهم؛ أو لأجل التعصب لنصرة ~~مذهب الآباء. فهؤلاء إذا لم ms56 تحملهم هذه الكلمة على العمل الصالح فلا تخرجهم ~~الكلمة من الظلمات إلى النور، بل "أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى ~~الظلمات". أما من أثرت فيه الكلمة بحيث ساءته سيئته وسرته حسنته فهو خارج ~~عن محض الظلمة وإن كان كثير المعصية. ### | القسم الثاني # طائفة حجبوا بنور مقرون بظلمة وهم ثلاثة أصناف: صنف منشأ ظلمتهم من الحس، ~~وصنف منشأ ظلمتهم من الخيال، وصنف منشأ ظلمتهم من مقايسات عقلية فاسدة. # الصنف الأول المحجوبون بالظلمة الحسية، وهم طوائف لا يخلو واحد منهم عن ~~مجاوزة الالتفات إلى نفسه وعن التأله والتشوف إلى معرفة ربه. وأول درجاتهم ~~عبدة الأوثان وآخرهم الثنوية، وبينهما درجات. فالطائفة الأولى عبدة ~~الأوثان: علموا على الجملة أن لهم ربا يلزمهم إيثاره على نفوسهم المظلمة، ~~واعتقدوا أن ربهم أعز من كل شىء (و 20 ا) ولكن حجبتهم ظلمة الحس على أن ~~يجاوزوا العالم المحسوس فاتخذوا من أنفس الجواهر كالذهب والفضة والياقوت ~~أشخاصا مصورة بأحسن الصور واتخذوها آلهة. فهؤلاء محجوبون بنور العزة ~~والجمال. والعزة والجمال من صفات الله وأنواره، ولكنهم ألصقوها بالأجسام # PageV01P087 # المحسوسة وصدهم عن ذلك ظلمة الحس، فإن الحس ظلمة بالإضافة إلى العالم ~~الروحانى العقلى كما سبق. # الطائفة الثانية جماعة من أقاصى الترك ليس لهم ملة ولا شريعة يعتقدون أن ~~لهم ربا وأنه أجمل الأشياء، فإذا رأوا إنسانا في غاية الجمال أو شجرا أو ~~فرسا أو غير ذلك سجدوا له وقالوا إنه ربنا. فهؤلاء محجوبون بنور الجمال مع ~~ظلمة الحس، وهم أدخل في ملاحظة النور من عبدة الأوثان لأنهم يعبدون الجمال ~~المطلق دون الشخص الخاص فلا يخصصونه بشىء؛ ثم يعبدون الجمال المطبوع لا ~~المصنوع من جهتهم وبأيديهم. # وطائفة ثالثة قالوا ينبغى أن يكون ربنا نورانيا في ذاته بهيا في صورته، ~~ذا سلطان في نفسه، مهيبا في حضرته، لا يطاق القرب منه، ولكن ينبغى أن يكون ~~محسوسا؛ إذ لا معنى لغير المحسوس عندهم. ثم وجدوا النار بهذه الصفة فعبدوها ~~واتخذوها ربا. فهؤلاء محجوبون بنور السلطنة والبهاء: وكل ذلك من أنوار الله ~~تعالى. # وطائفة رابعة ms57 زعموا أن النار نستولى عليها نحن بالإشعال والإطفاء، فهى ~~تحت تصرفنا فلا تصلح للإلهية، بل ما يكون بهذه الصفات ولم يكن تحت تصرفنا ~~ثم نكون نحن تحت تصرفه ويكون مع ذلك موصوفا بالعلو والارتفاع. ثم كان ~~المشهور فيما بينهم علم النجوم وإضافة التأثيرات إليها. فمنهم من عبد ~~الشعرى، ومنهم من عبد المشترى إلى غير ذلك من الكواكب بحسب ما اعتقدوه في ~~النجوم من كثرة التأثيرات. فهؤلاء محجوبون بنور العلو والإشراق والاستيلاء، ~~وهى من أنوار الله تعالى. # وطائفة خامسة ساعدت هؤلاء في المأخذ ولكن قالت لا ينبغى أن يكون ربنا ~~موسوما بالصغر والكبر بالإضافة إلى الجواهر النورانية، بل ينبغى أن يكون ~~أكبرها، فعبدوا الشمس وقالوا هى أكبر. فهؤلاء محجوبون بنور الكبرياء مع ~~بقية الأنوار مقرونا بظلمة الحس. # PageV01P088 # وطائفة سادسة ترقوا عن هؤلاء فقالوا: النور كله لا ينفرد به الشمس بل ~~لغيرها أنوار، ولا ينبغى للرب شريك في نورانيته فعبدوا النور المطلق الجامع ~~لجميع أنوار العالم وزعموا أنه رب العالم والخيرات كلها منسوبة إليه. ثم ~~رأوا في العالم شرورا فلم يستحسنوا إضافتها إلى ربهم تنزيها له عن الشر، ~~فجعلوا بينه وبين الظلمة منازعة، وأحالوا العالم إلى النور والظلمة، وربما ~~سموهما "يزدان" و"أهرمن"، وهم الثنوية. فيكفيك هذا القدر تنبيها على هذا ~~الصنف، فهم أكثر من ذلك. # الصنف الثانى المحجوبون ببعض الأنوار مقرونا بظلمة الخيال، وهم الذين ~~جاوزوا الحس، وأثبتوا وراء المحسوسات أمرا، لكن لم يمكنهم مجاوزة الخيال، ~~فعبدوا موجودا قاعدا على العرش. وأخسهم رتبة المجسمة ثم أصناف الكرامية ~~بأجمعهم. ولا يمكننى شرح مقالاتهم ومذاهبهم فلا فائدة في التكثير. لكن ~~أرفعهم درجة من نفى الجسمية وجميع عوارضها إلا الجهة المخصوصة بجهة فوق: ~~لأن الذى لا ينسب إلى الجهات ولا يوصف بأنه خارج العالم ولا داخله لم يكن ~~عندهم موجودا إذا لم يكن متخيلا. ولم يدركوا أن أول درجات المعقولات تجاوز ~~النسبة إلى الجهات. # الصنف الثالث المحجوبون بالأنوار الإلهية مقرونة بمقايسات عقلية فاسدة ~~مظلمة (و 21 ا) فعبدوا إلها سميعا بصيرا متكلما عالما قادرا مريدا ms58 حيا، ~~منزها عن الجهات، لكن فهموا هذه الصفات على حسب # PageV01P089 # مناسبة صفاتهم. وربما صرح بعضهم فقال: "كلامه صوت وحرف ككلامنا". وربما ~~ترقى بعضهم فقال: "لا بل هو كحديث نفسنا ولا هو صوت ولا حرف". وكذلك إذا ~~طولبوا بحقيقة السمع والبصر والحياة رجعوا إلى التشبيه من حيث المعنى وإن ~~أنكروها باللفظ إذ لم يدركوا أصلا معانى هذه الإطلاقات في حق الله تعالى. ~~ولذلك قالوا في إرادته إنها حادثة مثل إرادتنا. وإنها طلب وقصد مثل قصدنا. ~~وهذه مذاهب مشهورة فلا حاجة إلى تفصيلها. فهؤلاء محجوبون بجملة من الأنوار ~~مع ظلمة المقايسات العقلية. فهؤلاء كلهم أصناف القسم الثانى الذين حجبوا ~~بنور مقرون بظلمة. وبالله التوفيق. ### | القسم الثالث # ثم المحجوبون بمحض الأنوار وهم أصناف ولا يمكن إحصاؤهم: فأشير إلى ثلاثة ~~أصناف منهم. # الأول - طائفة عرفوا معانى الصفات تحقيقا وأدركوا أن إطلاق اسم الكلام ~~والإرادة والقدرة والعلم وغيرها على صفاته ليس مثل إطلاقه على البشر؛ ~~فتحاشوا عن تعريفه بهذه الصفات وعرفوه بالإضافة إلى المخلوقات كما عرف موسى ~~عليه السلام في جواب قول فرعون: {وما رب العالمين} فقالوا إن الرب المقدس ~~المنزه عن معانى هذه الصفات هو محرك السماوات ومدبرها. # PageV01P090 # والصنف الثانى ترقوا عن هؤلاء من حيث ظهر لهم أن في السماوات كثرة، وأن ~~محرك كل سماء خاصة موجود آخر يسمى ملكا، وفيهم كثرة، وإنما نسبتهم إلى ~~الأنوار الإلهية نسبة الكواكب. ثم لاح لهم أن هذه السماوات في ضمن فلك آخر ~~يتحرك الجميع بحركته في اليوم والليلة مرة. فالرب هو المحرك للجرم الأقصى ~~المنطوى على الأفلاك كلها (و 21 ب) إذ الكثرة منفية عنه. # والصنف الثالث ترقوا عن هؤلاء وقالوا: إن تحريك الأجسام بطريقة المباشرة ~~ينبغى أن يكون خدمة لرب العالمين وعبادة له وطاعة من عبد من عباده يسمى ~~ملكا: نسبته إلى الأنوار الإلهية المحضة نسبة القمر في الأنوار المحسوسة. ~~فزعموا أن الرب هو المطاع من جهة هذا المحرك؛ ويكون الرب تعالى محركا للكل ~~بطريق الأمر لا بطريق المباشرة. ثم في تقسيم ذلك الأمر وماهيته غموض ms59 يقصر ~~عنه أكثر الأفهام ولا يحتمله هذا الكتاب: # فهؤلاء الأصناف كلهم محجوبون بالأنوار المحضة. وإنما الواصلون صنف رابع ~~تجلى لهم أيضا أن هذا "المطاع" موصوف بصفة تنافى الوحدانية المحضة والكمال ~~البالغ لسر لا يحتمل هذا الكتاب كشفه: وأن نسبة هذا "المطاع" نسبة الشمس في ~~الأنوار. فتوجهوا من الذى يحرك السماوات ومن الذى يحرك الجرم الأقصى، ومن ~~الذى أمر بتحريكها # PageV01P091 # إلى الذى فطر السماوات وفطر الجرم الأقصي وفطر الآمر بتحريكها، فوصلوا ~~إلى موجود منزه عن كل ما أدركه بصر من قبلهم، فأحرقت سبحات وجهه الأول ~~الأعلى جميع ما أدركه بصر الناظرين وبصيرتهم فإذ وجدوه مقدسا منزها عن جميع ~~ما وصفناه من قبل. # ثم هؤلاء انقسموا: فمنهم من احترق منه جميع ما أدركه بصره وانمحق وتلاشى، ~~لكن بقى هو ملاحظا للجمال والقدس وملاحظا ذاته في جماله الذى ناله بالوصول ~~إلى الحضرة الإلهية. فانمحقت فيه المبصرات دون المبصر. وجاوز هؤلاء طائفة ~~هم خواص الخواص فأحرقتهم سبحات وجهه وغشيهم سلطان الجلال فانمحقوا وتلاشوا ~~في ذاتهم ولم يبق لهم لحظ إلى أنفسهم لفنائهم عن أنفسهم. ولم يبق (و 22 ا) ~~إلا الواحد الحق. وصار معنى قوله: {كل شيء هالك إلا وجهه} لهم ذوقا وحالا. ~~وقد أشرنا إلى ذلك في الفصل الأول، وذكرنا أنهم كيف أطلقوا الاتحاد وكيف ~~ظنوه. فهذه نهاية الواصلين. # ومنهم من لم يتدرج في الترقي والعروج على التفصيل الذى ذكرناه ولم يطل ~~عليهم الطريق فسبقوا في أول وهلة إلى معرفة القدس وتنزيه الربوبية عن كل ما ~~يجب تنزيهه عنه، فغلب عليهم أولا ما غلب على الآخرين آخرا، وهجم عليهم ~~التجلى دفعة فأحرقت سبحات وجهه جميع ما يمكن # PageV01P092 # أن يدركه بصر حسى وبصيرة عقلية. ويشبه أن يكون الأول طريق "الخليل" ~~والثانى طريق الحبيب صلى الله عليه وسلم، والله أعلم بأسرار أقدامهما ~~وأنوار مقامهما. # فهذه إشارة إلى أصناف المحجوبين، ولا يبعد [أن يبلغ] عددهم إذا فصلت ~~المقالات وتتبع حجب السالكين سبعين ألفا. ولكن إذا فتشت لا تجد واحدا منها ~~خارجا عن الأقسام التى حصرناها: فإنهم ms60 إنما يحجبون بصفاتهم البشرية، أو ~~بالحس أو بالخيال أو بمقايسة العقل، أو بالنور المحض كما سبق. فهذا ما ~~حضرنى في جواب هذه الأسئلة، مع أن السؤال صادفنى والفكر متقسم، والخاطر ~~متشعب، والهم إلى غير هذا الفن منصرف. ومقترحى عليه أن يسأل الله تعالى ~~العفو عما طغى به القلم، أو زلت به القدم؛ فإن خوض غمرة الأسرار الإلهية ~~خطير، واستشفاف الأنوار الإلهية من وراء الحجب البشرية عسير غير يسير. ~~PageV01P093 ms61