######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_009289 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: أبو حامد الغزالي #META# 010.AuthorNAME :: أبو حامد محمد بن محمد الغزالي #META# 011.AuthorBORN :: - #META# 011.AuthorDIED :: 505 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: ميزان العمل #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب الأخلاق والسلوك :: كتب متفرقة في الأخلاق والسلوك #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: ميزان العمل #META# 030.LibURI :: JK_009289 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: لا يوجد #META# 041.EdNUMBER :: لا يوجد #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتاب العربي #META# 044.EdPLACE :: بيروت/ لبنان #META# 045.EdYEAR :: 1403هـ-1983م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم قال الشيخ الإمام الهمام ، حجة الإسلام ، زين ~~الدين أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي ، رضي الله تعالى عنه ~~وأرضاه : لما كانت السعادة التي هي مطلوب الأولين والآخرين لا تنال إلا ~~بالعلم والعمل ، وافتقر كل واحد منهما إلى الإحاطة بحقيقته ومقداره ، ووجب ~~معرفة العلم والتمييز بينه وبين غيره بمعيار ، وفرغنا منه ، وجب معرفة ~~العمل المسعد ، والتمييز بينه وبين العمل المشقي . فافتقر ذلك أيضا إلى ~~ميزان ، فأردنا أن نخوض فيه ونبين أن الفتور عن طلب السعادة حماقة ، ثم ~~نبين العلم وطريق تحصيله ، ثم نبين العمل المسعد وطريقه . وكل ذلك بطريقة ~~تترقى عن حد طريق التقليد إلى حد الوضوح ، لو استقصى بحقيقته وطول الكلم ~~فيه ارتقى إلى حد البرهان على الشروط التي ذكرناها في ' معيار العلم ' . ~~وإن كنا لسنا نطول الكلام به ، ولكن نرشد إلى أصوله وقوانينه . # | بيان أن الفتور عن طلب السعادة حماقة # السعاة الآخروية التي نعني بها بقاء بلا فناء ، ولذة بلا عناء ، وسرور ~~بلا حزن ، وغنى بلا فقر ، وكمال بلا نقصان ، وعز بلا ذل ، وبالجملة كل ما ~~يتصور أن يكون مطلوب طالب ومرغوب راغب ، وذلك أبد الآباد ، وعلى وجه لا ~~تنقصه تصرم الأحقاب والآماد ، بل لو قدرنا الدنيا مملوءة بالدرر ، وقدرنا ~~طائرا PageV01P005 يختطف في كل ألف سنة حبة واحدة منها ، لفنيت الدرر ولم ~~ينقص من أبد الآباد شيء ، فهذا لا يحتاج إلى استحثاث على طلبه ، وتقبيح ~~الفتور فيه بعد اعتقاد وجوده ، إذ كان عاقل يتسارع إلى أقل منه ، ولا يصرف ~~عنه كون الطريق إليه متوعرا ، ومحوجا إلى ترك لذات الدنيا ، واحتمال أنواع ~~من التعب هنا . فإن المدة في احتمال التعب منحصرة ، والفائت فيها قليل . ~~واللذات الدنيوية منصرمة منقضية . والعاقل يتيسر عليه ترك القليل نقدا في ~~طلب أضعافه نسيئة . ولذلك ترى الخلق كلهم في التجارات والصناعات ، وحتى في ~~طلب العلم ، يحتملون من الذل والخسران ، والتعب والنصب ، ما يعظم مقاساته ~~طمعا في حصول لذة لهم في المستقبل ، تزيد على ما يفوتهم في الحال زيادة ~~محدودة ms001 ، فكيف لا يسمحون بتركه في الحال للتوصل إلى مزايا غير مقدرة ولا ~~محدودة . ولم يخلق في الدنيا عاقل هو حريص على طلب المال ، كلف بذل الدينار ~~وانتظار شهر ليعتاض منه بعد مضي الشهر الإكسير الأعظم الذي يقلب النحاس ~~ذهبا إبريزا ، إلا تسمح نفسه ببذله ، وإن كان ذلك فواتا في الحال . حتى أن ~~من لم يحتمل ألم الجوع مثلا ، في مثل هذه المدة ليتوصل به إلى هذه النعم ~~الجسيمة ، لم يعد عاقلا ، ولعل ذلك لا يتصور وجوده في الخلق ، مع أن الموت ~~وراء الإنسان بالمرصاد ، والذهب لا ينفع في الآخرة . وربما يموت في الشهر ~~أو بعد الشهر بيوم فلا ينتفع بالذهب . وكل ذلك لا يفتر رأيه في البذل ، ~~طمعا في هذا العوض . فكيف يفتر رأي العاقل في مقاساة الشهوات ، في أيام ~~العمر وأقصاها مائة سنة ، والعوض الحاصل عنها سعادة لا آخر لها ؟ ولكن فتور ~~الخلق عن سلوك طريق السعادة لضعف إيمانهم باليوم الآخر ، وإلا فالعقل ~~الناقص قاض بالتشمير لسلوك طريق السعادة فضلا عن الكامل . PageV01P006 بيان ~~أن الفتور عن طلب الإيمان به حماقة أقول أن فتور الإيمان أيضا مع أنه من ~~الحماقة ، فليس يقتضي الفتور في سلوك سبل السعادة ، لولا الغفلة . فإن ~~الناس في أمر الآخرة أربع فرق : فرقة اعتقدت الحشر والنشر والجنة والنار ، ~~كما نطقت به الشرائع ، وأفصح عنه وصفه القرآن ، وأثبتوا اللذات الحسية التي ~~ترجع إلى المنكوح والمطعوم والمشموم والملموس والملبوس والمنظور إليه ، ~~واعترفوا بأنه يضاف إلى ذلك أنواع من السرور ، وأصناف من اللذات التي لا ~~يحيط بها وصف الواصفين ، فهي ' مما لا أعين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على ~~قلب بشر ' . وأن ذلك يجري أبدا بلا انقطاع ، وأنه لا ينال إلا بالعلم ~~والعمل . وهؤلاء هم المسلمون كافة ، بل المتبعون للأنبياء على الأكثر من ~~اليهود والنصارى ، وفرقة ثانية ، وهم بعض الإلهيين الإسلاميين من الفلاسفة ~~، اعترفوا بنوع من اللذة لا تخطر على قلب بشر كيفيتها ، وسموها لذة عقلية . ~~وأما الحسيات فأنكروا وجودها من خارج . ولكن أثبتوها على طريق التخيل في ms002 ~~حالة النوم . ولكن النوم يتكدر بالتنبه ، وذلك لا تكدر له بل هو على ~~التأبيد . وزعموا أن ذلك يثبت لطائفة من المشغوفين بالمحسوسات ، والذين ~~التفات نفوسهم مقصور عليها ، ولا يسمون إلى اللذات العقلية . وهذا لا يفضي ~~إلى أمر يوجب فتورا في الطلب ، فإن الالتذاذ إنما يقع بما يحصل في نفس ~~الإنسان من التأثر بالملموس والمنظور والمطعوم وغيره . والشيء الخارج سبب ~~في حصول الأثر ، وليست اللذة من الأثر الخارج بل من الأثر الحاصل عند حضور ~~الخارج . فإذا أمكن حصول الأثر في النفس دون الشيء الخارج ، كما في حالة ~~النوم ، فلا أرب في الشيء الخارج . وفرقة ثالثة ذهبوا إلى إنكار اللذة ~~الحسية جملة ، بطريق PageV01P007 الحقيقة والخيال ، وزعموا أن التخيل لا ~~يحصل إلا بآلات جسمانية ، والموت يقطع العلاقة بين النفس والبدن ، الذي هو ~~آلته في التخيل وسائر الاحساسات ، ولا يعود قط إلى تدبير البدن بعد أن ~~أطرحه ، فلا يبقى له إلا آلام ولذات ليست حسية ولكنها أعظم من الحسية . فإن ~~الإنسان في هذا العالم أيضا ميله إلى اللذات العقلية ، ونفرته عن الآلام ~~العقلية أشد ، ولذلك يكرهون في الطلب إراقة ماء الوجه ، ويؤثرون الاحتزاز ~~عن الافتضاح ، والاستتار في قضاء شهوة الفرج ، ومقاساة الآلام والمشقات . ~~بل قد يؤثر الإنسان ترك الطعام يوما أو يومين ، ليتوصل به إلى لذة الغلبة ~~في الشطرنج ، مع حسيته ، ولذة الغلبة عقلية . وقد يهجم على عدد كبير من ~~المقاتلين ليقتل ويعتاض عنه ما يقدره في نفسه من لذة الحمد والوصف بالشجاعة ~~. وزعموا أن الحسيات ، بالإضافة إلى اللذات الكائنة في الدار الآخرة في ~~غاية القصور . وتكاد يكون نسبتها كنسبة إدراك رائحة المطعوم اللذيذ إلى ~~ذوقه ونسبة النظر في وجه المعشوق إلى مضاجعته ومجامعته ، بل أبعد منه نسبة ~~. وزعموا أن ذلك لما بعد عن فهم الجماهير مثلت لهم تلك اللذات بما عرفوها ~~من الحسيات ، كما أن الصبي يشتغل بالتعلم لينال به القضاء أو الوزارة ، وهو ~~لا يدرك في الصبي لذاتهما ، فيوعد بأمور يلتذ بها كثيرا كصولجان يلعب به ، ~~أو عصفور يعبث به وأمثاله ، وأين ms003 لذة اللعب بالعصفور من لذة الملك والوزارة ~~؟ ولكن لما قصر فهمه عن درك الأعلى مثل بالأخس ، ورغب فيه تلطفا باستدراجه ~~إلى ما فيه سعادته . وهذا أيضا إذا صح ، فلا يوجب فتورا في الطلب ، بل يوجب ~~زيادة الجد . وإلى هذا ذهبت الصوفية والإلهيون من الفلاسفة من عند آخرهم ، ~~حتى أن مشايخ الصوفية صرحوا ولم يتحاشوا ، وقالوا : من يعبد الله لطلب ~~الجنة أو للحذر من النار فهو لئيم . وإنما مطلب القاصدين إلى الله أمر أشرف ~~من هذا . PageV01P008 ومن رأى مشايخهم وبحث عن معتقداتهم وتصفح كتب ~~المصنفين منهم ، فهم هذا الإعتقاد من مجاري أحوالهم على القطع . وفرقة ~~رابعة وهم جماهير من الحمقى ، لا يعرفون بأسمائهم ولا يعدون في زمرة النظار ~~، ذهبوا إلى أن الموت عدم محض ، وإن الطاعة والمعصية لا عاقبة لهما ، ويرجع ~~الإنسان بعد موته إلى العدم ، كما كان قبل وجوده . وهؤلاء لا يحل تسميتهم ~~فرقة ، فإن الفرقة عبارة عن جمع ، وليس هذا مذهب جمع ، ولا منسوبا إلى ناظر ~~معروف ، بل هو معتقد أحمق بطال غلبت عليه شهوته ، واستولى عليه شيطانه ، ~~فلم يقدر على قمع هواه ، ولم تسمح له رعونته بأن يعترف بالعجز عن مقاومة ~~الهوى ، فيتعلل لنقصانه بأن ذلك واجب وأنه الحق . ثم أحب أن يساعده غيره ، ~~فدعا إلى البطالة وما جلبت عليه النفس من اتباع الهوى الذي هو أشد حامل ~~للأحمق على المسارعة إلى التصديق به ، لا سيما وقد يحتال بعض الفسقة بنسبة ~~هذا المعتقد إلى معروف بدقائق العلوم ، كأرسطو طاليس وافلاطون ، أو إلى ~~فرقة كالفلاسفة ، ويستدرج السامع بأن معرفتك لا تزيد على معرفتهم ، وقد ~~بحثوا زمانا وما تحصلوا على طائل . ولا يشعر ذلك المسكين بتلبيسه ، فيصدقه ~~لموافقته طبعه ، ولا يطالبه بالبرهان في نقل المذهب عمن نقله . ولو أخبره ~~بأثر يتعلق به خسران درهم ، لكان لا يصدقه إلا ببرهان ، ولو قال : إن أباك ~~أقر لفلان بعشرة الدراهم التي خلفها لك ، ومعه به سجل فيه خط الشهود ، لقال ~~: ما الحجة فيه وأين الشاهد الحي الذي يشهد به ؟ وأي خبر في السجل ms004 المكتوب ~~، وفي نقل الخطوط ؟ ثم يصدقه في نقل مذهب من سماه من غير شاهدين يشهدان على ~~سماعه ، ومن غير عرض خط ذلك المذكور ، ومن غير عرض تصنيف من تصانيفه ، ولو ~~بخط غيره . ثم لو سمع ذلك المذكور بإذنه يصرح بذلك ، لكان ينبغي أن يتوقف ~~في القبول زاعما أنه لا برهان عليه ، وأن كان أخذه تقليدا . فتقليد ~~الأنبياء والأولياء والعلماء ، بل تقليد الجماهير PageV01P009 والدهماء من ~~الخلق أولى من تقليد واحد ليس معصوما من الخطأ . فأنت الآن أيها المسترشد ، ~~بعد أن عرفت هذه المعتقدات ، لا يخلو حالك في اعتقاد الفرقة الضالة عن ~~أربعة أقسام : إما أن تكون قاطعا ببطلانه ، أو ظانا لبطلانه ، أو ظانا ~~لصحته ظنا غالبا ، ومجوزا لبطلانه بطريق الإمكان البعيد ، أو قاطعا بصحته . ~~وكيف ما كنت فعقلك يوجب عليك الاشتغال بالعلم والعمل ، والإعراض عن ملاذ ~~الدنيا ، إن سلم عليك عقلك ، وصحت خبرتك . وذلك لا يخفى إن كنت قاطعا ~~ببطلانه . وإن كنت تظن بطلانه ظنا غالبا ، تقاضاك عقلك التشمير في طلبه ، ~~كما يتقاضى العقل تجشم المصاعب في ركوب البحر ، لطلب الربح ، وفي تعلم ~~العلم في أول الشباب ، لطلب الرياسة عند من يطلبها ، وفي نيل الوزارة أو ~~باب من أبواب الكرامة بمقاساة مقدماتها . وعواقب تلك الأمور مظنونة ، وليست ~~مقطوعا بها ، بل إذا غلب على ظن الحريص على الدنيا أن الكيمياء له وجود ، ~~ويحتمل عنده عدمها ، وعلم أن تعب شهر يوصله إليها ، إن كان لها وجود ، ثم ~~يتنعم بها بقية عمره الذي يمكن أن يكون أقل من شهر ، وأن يكون كثيرا ، ~~تقاضاه عقله أن يحتمل التعب في ذلك الشهر ويستحقره ، وإن كان معلوما وعاجلا ~~، بالإضافة إلى ما يظنه وإن كان آجلا ولم يكن مقطوعا به . وإن كنت تظن صحته ~~ظنا غالبا ، ولكن بقي من نفسك تجويز صدق الأنبياء والأولياء وجماهير ~~العلماء ، ولو على بعد ، فعقلك أيضا يتقاضاك سلوك طريق الأمن ، واجتناب مثل ~~هذا الخطر العائل . فإنك لو كنت في جوار ملك وأمكنك أن تتعاطى في واحد من ~~محارمه مثلا عملا من الأعمال ، تظن ms005 ظنا غالبا أن يقع منه موقع الرضا ، ~~فيعطيك عليه خلعة ودينارا ، ويحتمل احتمالا على خلاف الظن الغالب أنه يقع ~~منه موقع السخط ، فيتكل بك ويفضحك ، ويديم عقوبتك طول عمرك ، PageV01P010 ~~أشار عليك عقلك بأن الصواب أن لا تقتحم هذا الخطر . فإنك إن فعلت وأصبت ، ~~فمزيته دينار لا يطول بقاؤه معك ، وإن أخطأت فنكاله عظيم ، يبقى معك طول ~~عمرك ، ليس تفي ثمرة صوابه بغائله خطئه . ولذلك إذا وجدت طعاما وأخبرك ~~جماعة بأنه مسموم ، أو شخص واحد حاله دون حال نبي واحد ، فضلا عن أن يقدر ~~على التأييد بالمعجزة ، وغلب على ظنك كذبه ، كما غلب على ظنك الآن كذب ~~الأنبياء كلهم ، ولكن جوزت مع ذلك صدقه وعلمت أنه ليس في أكله إلا التلذذ ~~بطعمه وحلاوته وقت الذوق ، وإن كان مسموما ففيه الهلاك ، فعقلك أيضا يشير ~~عليك باجتناب الخطر ، إن كنت من زمرة العقلاء . ولهذا قال علي رضي الله ~~تعالى عنه لمن كان يشاغبه ويماريه في أمر الآخرة : ' إن كان الأمر على ما ~~زعمت تخلصنا جميعا . وإن كان الأمر كما قلت ، فقد هلكت ونجوت ' . ولا ينبغي ~~أن تظن أن هذا تشكيك منه في اليوم الآخر ولكنه زجر على حد جهل المخاطب ~~القاصر عن معرفة ذلك بطريق البرهان . وهو الذي جرأنا على سلوك هذا المنهاج ~~ليسهل تأمله على أهل البطالة والتقصير في الطاعة لله تعالى . وقد تبين على ~~القطع أن العظيم الهائل إن لم يكن معلوما فبالاحتمال يتقدم على اليقين ~~المستحقر ، لأن كون الشيء مستحقرا أو عظيما بالإضافة . فلتنظر إلى منتهى ~~العمر وما يصفو من الدنيا للمترفهين ، وتسير إلى ما أعتقده الفرق الثلاث من ~~كمال السعادة الآخروية ودوامها ، وتعرف بالبديهة استحقار ما ترك من الدنيا ~~في عظيم ما يعتاض عنها بالإضافة إليها . وإن كنت في الحالة الرابعة ، وهي ~~اعتقاد صحة مذهب الفرقة الرابعة ، فنخاطبك على حد جهلك وقصورك ، بوجهين : ~~أحدهما أنك لم تعتقد هذا المعتقد ببرهان حقيقي ضروري ، لا يمكن الغلط فيه ~~حتى يقال تنبهت لنوع من الدليل ، غفل عنه الأنبياء والأولياء والحكماء ~~وكافة العقلاء ms006 . فإن PageV01P011 الغلط إذا تطرد لهؤلاء ، مع كثرتهم وغزارة ~~علومهم ، وطول نظرهم ، وكثرة معجزات أنبيائهم ، فماذا تأمن الغلط في ~~اعتقادك ، وما الذي عصمك ؟ وأقل درجاتك أن يجوز الغلط على نفسك . وإن احتمل ~~عندك صدق الجماهير وغلطك ، التحقت بالحالة الثالثة . وإن لم تتسع نفسك لهذا ~~التجويز حتى زعمت أنك عرفت بطلان اعتقاد الجماهير واستحالة كون النفس جوهرا ~~باقيا بعد الموت ، أو معادا بطريق البعث والنشور ، كما عرفت أن الاثنين ~~أكثر من الواحد ، وأن السواد والبيان لا يجتمعان ، فهذا الآن من سوء المزاج ~~وركاكة العقل . ويبعد مثل هذا الأحمق عن قبول العلاج ، ولمثل هذا قال الله ~~تعالى فيهم ( أولئك كالأنعام بل هم أضل ) . الوجه الثاني : أن هذه الفرقة ~~وإن أنكروا السعادة الآخروية ، فلم ينكروا السعادة الدنيوية . وأعلى ~~السعادات الدنيوية العزة والكرامة ، والمكانة والقدرة ، والسلامة من الغموم ~~والهموم ، ودوام الراحة والسرور . وهذا أيضا لا يفوز به الإنسان إلا بالعلم ~~والعمل ، بعزل الولاة وأبطالهم . ولا يخفي لذة العالم في علمه ، وفيما ~~ينكشف له في كل لحظة من مشكلات الأمور ، لا سيما إذا كان في ملكوت السموات ~~والأرض ، والأمور الآلهية . وهذا لا يعرفه من لم يذق لذة انكشاف المشكلات . ~~ثم أنها لذة لا نهاية لها ، لأن العلوم لا نهاية لها ، ولا مزاحمة فيها ، ~~لأن المعلومات تتسع للطلاب وإن كثروا ، بل استئناس العالم يزيد بكثرة ~~شركائه ، إذا كان يقصد ذات العلم ، لا حطام الدنيا ورئاستها ، فإن الدنيا ~~هي التي تضيق بالمزاحمة ، بل يزداد سعة بكثرة الطلاب . ثم مع أنها أوفى ~~اللذات عن عمن أنس بها ، فهي أدومها ، إذ المنعم بها عليه هو الله وملائكته ~~، ولكن عند اكبابه على الطلب وتجرده له . ولذلك لا PageV01P012 ترى جماعة ~~من الرؤساء والولاة ، إلا وهم في خوف العزل يتشوقون أن يكون عزهم كعز ~~العلماء . وأما العمل فلسنا نعني به إلا رياضة الشهوات النفسانية ، وضبط ~~الغضب ، وكسر هذه الصفات ، لتصير مذعنة للعقل ، غير مستولية عليه ، ~~ومستسخرة له في ترتيب الحيل الموصلة إلى قضاء الأوطار . فإن من قهر شهواته ~~، فهو الحر على التحقيق ، بل ms007 هو الملك . ولذلك قال بعض الزهاد لبعض الملوك ~~: ' ملكي أعظم من ملك ' ، فقال كيف : قال : ' من أنت عبده عبدي ' ، وأراد ~~به أنه عبد شهواته ، وشهواته صارت مقهورة له . فعبد الشهوات ، العاجز عن ~~كسرها وقهرها ، رقيق وأسير بالطبع ، لا يزال في عناء دائم وتعب متواتر ، إن ~~قضى وطره يوما عجز عنه أياما . ثم لا يخلو في قضائها عن أخطار ، وعلائق ~~ومشاق ، يضطر إلى تقلدها . فتقليل الشهوات تقليل لأسباب الغموم ، ولا سبيل ~~إلى إماطتها إلا بالرياضة والمجاهدة ، وهو المراد بالعمل . فإذن العالم ~~العامل أحسن الناس حالا ، عند من رأى السعادة مقصورة على الدنيا . فإن ~~الدنيا ليست تصفو لأحد ، وليس يفي جدواها بمشاقها . فالممعن في اتباع ~~الشهوات ، والمعرض عن النظر في المعقولات ، شقي في الدنيا باتفاق ، وشقي في ~~الآخرة عن الفرق الثلاث ، إلا عند شرذمة من الحمقى ، لا يؤبه لهم ، ولا ~~يعبأ بهم ، ولا يعدون في جملة العقلاء رأسا . فقد تبين أن الاستعداد للآخرة ~~بالعلم والعمل ضروري في العقل ، وإن المقصر فيه جاهل . فإن قلت : فما بال ~~أكثر الناس مقصرين فيه وهم مؤمنون بالآخرة ؟ فاعلم أن سبب ذلك الغفلة عن ~~التفكير في هذه الأمور التي ذكرناها فإن تلك الغفلة مطردة عليهم ، مستغرقة ~~لأوقاتهم ، لا ينتهون عنها ما دامت الشهوات متوالية ، وهي كذلك . وإنما ~~المنبه عليها واعظ ، زكي السيرة ، وقد خلت البلاد عنه ، وإن فرض على ندور ~~لم يلتفت إليه ، وإن التفت إليه ووقع الإحساس به في الحال ، وحسن العزم على ~~التجرد للطاعة في PageV01P013 الاستقبال ، هجمت عقب ذلك شهوة من الشهوات ~~وأزالت أثر التنبيه ، وأعادت حجاب الغفلة ، وعاد العاقل لما نهى عنه . ولا ~~يزال هكذا شأن كل واحد إلى الموت ، وعند ذلك لا يبقى له إلا التحسر بعد ~~الفوت ، ولا يغني ذلك عنه شيئا فنعوذ بالله من الغفلة ، فإنها منشأ كل ~~شقاوة . # | بيان أن طريق السعادة العلم والعمل # فإن قلت : قد اتضح لي أن سلوك سبيل السعادة حزم العقلاء ، والتهاون بها ~~غفلة الجهال ، ولكن كيف يسلك الطريق من لا يعرفه ، فبماذا أعلم بأن العلم ms008 ~~والعمل هو الطريق ، حتى أشتغل به ؟ فلك في معرفته طريقان : أحدهما جملى ، ~~يناسب المنهاج السابق ، وهو أن تلتفت إلى ما اتفق عليه آراء الفرق الثلاث ، ~~وقد أجمعوا على أن الفوز والنجاة لا تحصل إلا بالعلم والعمل جميعا ، وأن ~~اتفقوا على أن العلم أشرف من العمل . وكأن العمل متمم له وسائق بالعلم إلى ~~أن يقع موقعه ، ولأجله قال الله تعالى : ( إليه يصعد الكلم الطيب والعمل ~~الصالح يرفعه ) ، والكلم الطيب يرجع إلى العلم عند البحث ، فهو الذي يصعد ~~ويقع الموقع ، والعمل كالخادم له يرفعه ويحمله . وهذا تنبيه على علو رتبة ~~العلم . ومذهب الفرقة الأولى ، وهم المتمسكون بالمفهوم الأول للجماهير من ~~ظواهر الشرع ، غير خاف ربطه النجاة بالعلم والعمل ، وبيانه لا يمكن أن يحصى ~~. والصوفية والفلاسفة ، الذين آمنوا بالله واليوم الآخر على الجملة ، وإن ~~اختلفوا في الكيفية ، كلهم متفقون على أن السعادة في العلم والعبادة . ~~وإنما نظرهم في تفصيل العلم PageV01P014 والعمل ، والتوقف مع هذا الاتفاق ~~حمق . فمن استولت عليه علة ، واتفق كتب الأطباء وأقوالهم ، مع اختلاف ~~أصنافهم ، على أن النافع لهذه العلة المبردات ، فتوقف المريض فيه سفه في ~~عقله ، بل يقتضي العقل المبادرة إليه . نعم ، ربما يكون له طريق بعد ذلك ~~إلى أن يتحقق ذلك ، لا عن تقليد للجماهير بل عن تحقيق لحقيقة العلة ، ووجه ~~مناسبة المبردات لإزالتها ، فينتهض بصيرا إذا نظر واستقل ، وترقى عن حضيض ~~التقليد والاتباع ، إلى ذروة الاستبصار . فكذلك قد ادعى الصوفية وفرق سواهم ~~أنه يمكن الوصول إلى درك ذلك بالبصيرة والتحقيق ، وذلك أن تعرف حقيقة الموت ~~، وأنه يرجع إلى خروج الآلة عن الصلاة للاستعمال ، لا إلى انعدام المستعمل ~~. ثم تعلم أن سعادة كل شيء ولذته وراحته في وصوله إلى كماله الخاص به . ثم ~~تعلم أن الكمال الخاص بالإنسان هو إدراك حقيقة العقليات ، على ما هي عليه ، ~~دون المتوهمات والحسيات التي يشاركه الحيوانات فيها . ثم تعلم أن النفس ~~بالذات متعطشة إليه ، وبالفطرة مستعدة له ، وإنما يصرفها عنه اشتغالها ~~بشهوات البدن وعوارضه مهما استولت عليه ومهما كسر الشهوة وقهرها وخلص العقل ms009 ~~عن رقها واستعبادها إياه ، وأكب بالتفكر والنظر على مطالعة ملكوت السموات ~~والأرض ، بل على مطالعة نفسه وما خلق فيها من العجائب ، فقد وصل إلى كماله ~~الخاص ، وقد سعد في الدنيا إذ لا معنى للسعادة إلا نيل النفس كمالها الممكن ~~لها ، وإن كانت درجات الكمال لا تنحسر . ولكن لا يشعر بتلك اللذة ما دام في ~~العالم ممنوعا بالحس والتخيل وعوارض النفس ، كالذي عرض للمطعم الألذ ، وفي ~~ذوقه خدر فيزول ، فيشعر باللذة المفرطة . فالموت مثل زوال الخدر ، فقد سمعت ~~مقدما من متوعي الصوفية يصرح بأن السالك PageV01P015 إلى الله تعالى يرى ~~الجنة وهو في الدنيا ، والفردوس الأعلى معه في قلبه ، إن أمكنه الوصول إليه ~~. وإنما الموصول إليه . بالتجرد عن علائق الدنيا ، والإكباب بجملة همته على ~~التفكر في الأمور الآلهية ، حتى ينكشف له بالإلهام الآلهي جليها ، وذلك عند ~~تصفية نفسه عن هذه الكدورات . والوصول إلى ذلك هو السعادة ، والعمل هو ~~المعين على الوصول إليه . فهؤلاء فرقة ادعوا المعرفة بمناسبة العلم والعمل ~~للسعادة ، فهذا هو المنهج الثاني في الوصول إلى اليقين ، فما قالوه سديد ، ~~وهو بزعمهم لا يعرف إلا بالمجاهدة والرياضة ، كما قال الله تعالى : ( ~~والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ) . فعليك بالمجاهدة والتجرد للطلب ، ~~فربما ينكشف لك حقيقة الحال بالنفي أو الإثبات . ويكفيك في الشروع في العلم ~~والعمل اتفاق الثلاث عليه ، إذ لم يكن غرضك من السؤال الجدال ، بل كان غرضك ~~طلب الفوز ، كالمريض الذي يطلب الشفاء دون الجدال إذ بغيته اتفاق أصناف ~~الأطباء فيه . # | بيان تزكية النفس وقواها وأخلاقها على سبيل المثال والإجمال # : فإن قلت : قد اتضح لي أن الاشتغال بالعلم والعمل واجب ، ولكن العلوم ~~كثيرة ، وكذلك الأعمال فهي مختلفة بالنوع ثم المقدار ، وليس يكفي العلم بأن ~~العلة يلائمها المبردات ، ما لم يعلم نوع المبرد وقدره ووقت استعماله ، في ~~الموالاة أو التفريق ، إلى غير ذلك مما يتطرق إلى تفاصيل اضطرارية ، فلا بد ~~من بيان النوع وبيان الكمية ثم PageV01P016 الكيفية في الاشتغال به . فأعلم ~~أن الناس فيما سألته فريقان : قانع بالتقليد ، وهو مستغن عن البحث ms010 ، ولكن ~~ينهج السبيل الذي رسمه له مقلده ، وفريق آخر لا يقلدون تقليد المريض للطبيب ~~، بل يتشوقون إلى أن ينالوا رتبة الأطباء . والخطب في هذا عظيم ، والمدى ~~طويل ، وشروط هذا الأمر لا تظهر في الإعصار ، إلا لواحد فرد شاذ . ولكنا ~~ننبئك بما يرقيك عن حضيض التقليد ، ويهديك إلى سواء الطريق . فإن ساعدك ~~التوفيق ، وانبعث من نفسك داعية الاستتمام ، توصلت إليه بالمجاهدة ولا ~~يمكنك معرفة ما تطلبه ، إلا بأن تعرف أولا نفسك وقواها وخواصها ، فكيف ~~يشتغل بمخالطة زيد من لا يعرف زيدا ؟ والمجاهدة معالجة للنفس بتزكيتها ، ~~لتفضي إلى الفلاح ، كما قال الله تعالى : ( قد أفلح من زكاها ، وقد خاب من ~~دساها ) ، ومن لم يعرف الثوب لا يتصور منه إزالة وسخه . ولما كان ملاك ~~الأمر معرفة النفس ، عظم الله أمره ونسبه إلى نفسه تخصيصا وإكراما ، فقال ~~تعالى : ( إني خالق بشرا من طين ، فاذا سويته ونفخت فيه من روحي ) فنبه على ~~أن الإنسان مخلوق من جسم مدرك بالبصر ونفس مدركة بالعقل والبصيرة لا ~~بالحواس ، وأضاف جسده إلى الطين وروحه إلى نفسه . وأراد بالروح ما نعنيه ~~بالنفس ، منبها لأرباب البصائر أن النفس الإنسانية من الأمور الآلهية ، ~~وإنها أجل وأرفع من الأجسام الخسيسة الأرضية ولذلك قال تعالى : ( ويسئلونك ~~عن الروح قل الروح من أمر ربي ) ، وقيل : ' كان في كتب الله المنزلة إعرف ~~نفسك يا إنسان تعرف ربك ' . وقال عليه السلام : ' أعرفكم بنفسه أعرفكم بربه ~~' . وقال تعالى : ( ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم ) ، تنبيها ~~على تلازم الأمرين ، وأن نسيان PageV01P017 أحدهما مع نسيان الآخر . ولذلك ~~قال تعالى : ( سنريهم آياتتنا في الآفاق وفي أنفسهم ) ، وقال تعالى : ( وفي ~~أنفسكم أفلا تبصرون ) . وما أراد به ظاهر الجسد ، فإن ذلك يبصره البهائم ، ~~فضلا عن الناس . وعلى الجملة ، من جهل نفسه فهو بغيره أجهل ، ومن رحمه الله ~~على عباده أن جمع في شخص الإنسان على صغر حجمه من العجائب ما يكاد بوصفه ~~يوازي عجائب كل العالم ، حتى كأنه نسخة مختصرة من هيئة العالم ، ليتوصل ~~الإنسان بالتفكر فيها إلى العلم بالله عز وجل ms011 . فإن قلت : فصف لي من أمر ~~النفس جملة مشوقة إلى التفصيل ، إن لم تقدر على استقصاء القول فيه ، حذرا ~~من التطويل ، فأعلم أن للنفس الحيوانية بالجملة قوتين : إحداهما محركة ~~والأخرى مدركة . والمحركة قسمان : باعثة ومباشرة للحركة . فالمباشرة للحركة ~~هي القوة التي تنبث في الأعصاب والعضلات ، ومن شأنها أن تشنج العضلات ، ~~فتجذب الأوتار والرباطات المتصلة بالأعصاب إلى نحو جهة المبدأ ، أو ترخيها ~~فتصير الأعصاب والرباطات إلى خلاف جهة المبدأ . وهذه خادمة للمحركة الباعثة ~~. والمراد بالباعثة القوة النزوعية الشوقية ، التي تبعث على الحركة مهما ~~حصل في الخيال صورة شيء مطلوب أو مهروب عنه ، فتحمل القوة المباشرة للحركة ~~على التحريك . ولهذه الباعثة شعبتان : شعبة تسمى شهوانية ، وهي تبعث على ~~تحريك يقرب من الأشياء التي يعتقدها صاحبها ضرورية أو نافعة ، طلبا للذة ، ~~والأخرى تسمى غضبية ، وهي قوة تبعث على تحريك يدفع به الشيء الذي يعتقد فيه ~~أنه ضار أو مفسد ، طلبا للغاية . وأما المدركة فقسمان : ظاهرة وباطنة . أما ~~الظاهرة ، فهي الحواس الخمس ، ولسنا نخوض في PageV01P018 تحقيقها ، وإن كان ~~القول في معرفة حقائقها طويلا جدا ، ولكن غرضنا ذكر الجملة . وأما الباطنة ~~فخمسة : الأولى الخيالية ، وهي التي تبقى فيها صورة الأشياء المحسوسة بعد ~~غيبتها ، فإن صورة المرئي تبقى في الخيال بعد تغميض العين . فتلك القوة ~~التي فيها انطبعت صورة المرئي تسمى خيالا ، وتسمى حسا مشتركا ، إذ يبقى فيه ~~أثر مدركات الحواس الخمس كلها . الثانية الحافظة لذلك ، فإن ما يمسك الشخص ~~به صورة الشيء غير ما يقبله به ، والشمع يمسك النقش بيبوسته ، ويقلبه ~~برطوبته والماء يقبله ولا يمسكه . وهذه القوى ، أعني القابلة لمدركات ~~الحواس الخمس والحافظة لها في التجويف الأول من مقدم الدماغ ، فهو مسكنها ، ~~وبحلول آفة فيه تختل هذه القوة ، وعرف ذلك بعلم الطلب . الثالثة القوة ~~الوهمية ، وهي قوة مترتبة في نهاية التجويف الأوسط من الدماغ ، تدرك معاني ~~غير محسوسة من المحسوسات الجزئية ، كالقوة الحاكمة في الشاة بأن الذئب ~~مهروب عنه ، وأن الولد معطوف عليه . الرابعة الحافظة لهذه المعاني التي ~~ليست محسوسة ، كما كانت الثانية حافظة ms012 للصور ، فهي حافظة للمعاني ، وتسمى ~~ذاكرة ، ومسكنها التجويف المؤخر من الدماغ . ولقد بقي الأوسط وهو مسكن ~~القوة المفكرة وهي مرتبة بين خزانة الصور وخزانة المعاني ، وشأنها أن تركب ~~بعض ما في الخيال مع بعض ، وتفصل عن بعض ، بحسب الاختيار . والعادة جارية ~~بذكر هذا في القوى المدركة ، والأولى أن يذكر في جملة القوى المحركة ، إذ ~~ليس لها إدراك شيء ، إلا بنوع حركة بتفصيل مركب وتركيب مفصل ، مما هو حاصل ~~في الخيال . ولا يقدر على وضع شيء مستجد ليس هو موجودا في الخيال بحال ، ~~إلا بمجرد التفصيل والتركيب . وهذه القوى التي ذكرناها يشارك فيها ~~الحيوانات الإنسان إلا المفكرة ، فإن في الحيوانات شيئا يقاربه يسمى ~~المتخيلة ، ولا تنتهي قوته إلى حد قوة المتفكرة في PageV01P019 الإنسان . ~~وأما النفس الإنسانية ، من حيث هي إنسانية ، فينقسم قواها إلى قوة عالمة ~~وقوة عاملة . وقد تسمى كل واحدة منهما عقلا ، ولكن على سبيل الاسم المشترك ~~، إذ العاملة سميت عقلا لكونها خادمة للعالمة ، مؤتمرة لها فيما ترسم . ~~فأما العاملة ، فهي قوة ومعنى للنفس ، هو مبدأ حركة بدن الإنسان إلى ~~الأفعال المعينة الجزئية ، المختصة بالفكر والروية ، على ما تقتضيه القوة ~~العالمة النظرية التي سنذكرها . وينبغي أن يكون سائر قوى البدن مقموعة ~~مغلوبة ، دون هذه القوة العملية بحيث لا تنفعل هذه القوة عنها . وتلك القوى ~~كلها تسكن وتتحرك ، بحسب تأديب هذه القوة وإشارتها ، فإن صارت مقهورة ، ~~حدثت فيها هيآت انقيادية للشهوات ، تسمى تلك الهيآت أخلاقا رديئة ، وإن ~~كانت متسلطة حصلت لها هيئة استيلائية ، تسمى فضيلة وخلقا حسنا . ولا يبعد ~~أن يجعل الخلق اسما لما يحصل في سائر الشهوات والقوى من الانقياد والتأدب ، ~~أو هذه القوة من الاستيلاء والتأديب . وبالجملة لا يبعد أن يكون الخلق ~~واحدا ، وله نسبتان ، إذ هيئة الاستيلاء من هذه القوة يلازمها هيئة ~~الانقياد من سائر القوى ، وهو المراد بالخلق المحمود . وبالجملة فالنفس أعز ~~من أن تدرك بالحواس الخمس بل تدرك بالعقل ، أو يستدل عليها بآثارها ~~وأفعالها . ولها نسبتان نسبة إلى الجنبة تلك الجنبة . فهذه القوة العملية ~~هي القوة ms013 التي لها بالقياس إلى الجنبية التي دونها وهي البدن وتدبيره ~~وسياسته . وأما القوة العالمة النظرية التي سنذكرها فهي لها بالقياس إلى ~~الجنبة التي فوقها لتفعل وتستفيد منها ، أعني بالجنبة الملائكة الموكلة ~~بالنفوس الإنسانية ، لإفاضة العلوم عليها ، فإن العلوم إنما تحصل فيها من ~~الله تعالى بواسطة . قال الله تعال : ( وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا ~~وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل سولا ) ، فكأن PageV01P020 للنفس منا وجهين : ~~وجه إلى البدن ، ويأبى أن يكون هذا الوجه مستوليا غير قابل البتة ، ولا ~~منفعل عن عوارض البدن وشهواته ، ووجه إلى الجنبة الشريفة العالية ، ويجب أن ~~يكون هذا الوجه دائم القبول عما هنالك ، مستمدا التأثير فإنها مهبط أسباب ~~سعادته . وهذه القوة النظرية العالمة هي التي من شأنها أن تتلقى المعاني ~~الكلية المجردة عن العوارض التي تجعلها محسوسة جزئية ، فما ذكرنا معنى ~~الكلي في كتاب ' معيار العلم ' . ثم هذه القوة بالنسبة إلى العلوم التي ~~تحصل فيها على ثلاث مراتب . أولاها كنسبة حال الطفل إلى الكتابة ، فإن ~~الطفل فيه قوة للكتابة ، ولكن قوة بعيدة من الفعل ، فكذا قوة العلم له . ~~المرتبة الثانية أن يحصل فيها جملة من المعقولات الأولية الضرورية ، كحال ~~الصبي المميز المراهق للبلوغ ، ويكون نحو هذه القوة للصبي بالإضافة إلى ~~الكتابة بعد أن عرف الدواة والقلم والحروف المفردة دون المركبة ، فإنه لم ~~يكن كذلك في المهد إذ ليس فيه على الكتابة إلا قوة مطلقة بعيدة من الفعل ، ~~المرتبة الثالثة أن تحصل المعقولات الكسبية كلها بالفعل وتكون كالمخزونة ~~عنده ، فإذا شاء رجع إليها ومهما رجع تمكن منها . وحاله في العلوم حال ~~الكاتب الحاذق الصانع الغافل عن الكتابة ، فإنه مستعد لها بالقوة القريبة ~~استعدادا في غاية الكمال ، وهذه نهاية الدرجة الإنسانية . ولكن في هذه ~~الرتبة درجات لا تحصى ، تختلف بكثرة المعلومات وبقلتها ، وبشرف المعلومات ~~وخستها ، وبطريق تحصيلها وأنها تحصل بالإلهام الإلهي وبتعلم واكتساب ، وإنه ~~سريع الحصول أو بطيء الحصول . وفي هذا العلم تتباين منازل العلماء والحكماء ~~الأولياء والأنبياء ، وبحسب التفاوت فيه تتفاوت مناصبهم ، ودرجات الرقي فيه ms014 ~~غير محدودة ولا محصورة . وأقصى الرتب درجة النبي الذي ينكشف له كل الحقائق ~~أو أكثرها من غير اكتساب PageV01P021 وتكلف ، بل بكشف إلهي في أسرع وقت . ~~وهذه هي السعادة التي تحصل للإنسان ، فتقربه إلى الله تعالى تقريبا ، لا ~~بالمكان والمسافة ، ولكن بالمعنى والحقيقة . والأدب يقتضي قبض عنان البيان ~~في هذا المقام ، فقد انتهى الأمر بطائفة إلى أن ادعوا اتحادا وراء القرب ، ~~فقال بعضهم : ' سبحاني ما أعظم شأني ' ، وقال آخر : ' أنا الحق ' ، وعبر ~~آخر بالحلول ، وعبر النصارى باتحاد اللاهوت والناسوت ، حتى قالوا في عيسى ~~صلوات الله عليه أنه نصف الله ، تعالى الله عن قول الظالمين علوا كبيرا ، ~~وبالجملة فمنازل السائرين إلى الله تعالى لا تنحصر ، وإنما يعرف كل سالك ~~المنزل الذي قد بلغه في سلوكه ، فيعرف ما خلفه من المنازل . فأما ما بين ~~يديه فلا يحيط بحقيقته ، إلا بطريق الجملة ، والإيمان بالغيب ، فلا يعرف ~~حقيقة النبوة إلا النبي . وكما لا يعرف الجنين حال الطفل ، ولا الطفل حال ~~المميز وما افتح له من العلوم الضرورية ، ولا المميز حال العاقل وما اكتسبه ~~من العلوم النظرية ، فلا يعرف عاقل ما انفتح لأولياء الله وأنبيائه من ~~مزايا لطفه ورحمته ، ( ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ) . فهذه ~~الرحمة مبذولة بحكم الجود الإلهي غير مضنون بها على أحد . ولكن لا بد من ~~الاستعداد للقبول بتزكية النفس وتطهيرها عن الخبث والكدورة . وكما أن ~~الصورة المتلونة ليس فيها منع من أن تنطبع في الحديد الخبيث ، إلا الحجاب ~~من جهة الحديد في صدأه وخبثه ، وافتقادره إلى صيقل يجلوه ويزيل خبثه ويجليه ~~، فهكذا ينبغي أن تعتقد أن الحجاب من جانبك لا من جانب الرحمة الإلهية . ~~ولذلك قال عليه السلام : ' إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها ' ~~. ولذلك عبر عن غاية الجود والبذل من ذلك الجانب ، بأدل العبارات على الشوق ~~والرغبة ، فقال : ' ينزل الله PageV01P022 كل ليلة إلى سماء الدنيا ، حين ~~يبقى ثلث الليل الأخير فيقول : هل من داع فأستجيب له ، هل من مسترحم فأرحمه ~~' . وقال : ' طال شوق الأبرار ms015 إلى لقائي وأنا إلى لقائهم أشد شوقا ' وقال : ~~' من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة ' . ~~وعليك أن تستقرئ من القرآن والأخبار ما يناظر ذلك فإنه خارج عن الحصر ~~والإحصاء . # | بيان ارتباط قوى النفس بعضها ببعض # اعلم أن هذه القوى متفاوتة الرتب ، فإن بعضها أريدت لنفسها ، وبعضها ~~أريدت لغيرها ، وبعضها خادمة ، وبعضها مخدومة . والرئيس المطلق منها هي ~~التي تراد لنفسها ، ويراد غيرها لها ، وليس ذلك إلا الرتبة الأخيرة ، وفيها ~~تفاوت رتب الأولياء والأنبياء . فإن الإنسان لم يخلق إلا لما هو من خاصيته ~~، وما عدا القوى المخصومة بالنفس الإنسانية يشاركها فيها الحيوانات ، فإن ~~الإنسان خلق على رتبة بين البهيمية والملك ، وفيه جملة من القوى والصفات . ~~فهو من حيث يتغذى وينسل فنبات ، ومن حيث يحس ويتحرك فحيوان ، ومن حيث صورته ~~وقامته فكالصورة المنقوشة على حائط . وإنما خاصته التي لأجلها خلق قوة ~~العقل ، ودرك حقائق الأشياء . فمن استعمل جميع قواه على وجه التوصل بها إلى ~~العلم والعمل ، فقد تشبه بالملائكة ، فحقيق بأن يلحق بهم وجدير بأن يسمى ~~ملكا وربانيا ، كما قال : ( إن هذا إلا ملك كريم ) ومن صرف همته إلى اتباع ~~اللذات البدنية ، يأكل كما يأكل الأنعام ، PageV01P023 فقد نزل إلى أفق ~~البهائم ، فيصير إما غمرا كثور ، وإما شرها كخنزير ، وإما صرعة ككلب ، وأما ~~حقودا كجمل ، أو متكبرا كنمر ، أو ذا روغان كثعلب . أو يجمع ذلك كله كشيطان ~~مريد . وبالجملة من تصفح القوى التي ذكرناها ، عرف أن مقتضيات العقل أرفعها ~~وأعلاها ، فينظر بعين التعجب كيف يخدم بعضها لبعض خدمة ضرورية عليها فطرت ، ~~ولا تستطيع مخالفة أمر الله تعالى فيها . فإن العقل هو الرئيس المخدوم ، ~~ويخدمه وزيره وهو أقرب الأشياء إليه ، وهو العقل العملي ، الذي سميناه قوة ~~عاملة بحسب مراسم العقل . لأن العقل العملي لأجل تدبير البدن ، والبدن آلة ~~النفس ومركبها ، تقتنص به بواسطة الحواس مبادئ العلوم التي تستنبط منها ~~حقائق الأمور . ثم العقل العملي يخدمه الوهم ، والوهم يخدمه قوتان : قوة ~~بعده وقوة قبله . فالقوة التي بعده هي القوة الحافظة لما ms016 أدركه وأداه إليه ~~، والقوة التي قبله هي جميع القوى الحيوانية على الترتيب الذي سنذكره ، ومن ~~جملتها المتخيلة ، أعني المفكرة ، ويخدمها قوتان مختلفتا المأخذ ، فالقوة ~~الرغبية الشوقية تخدمها بالانبعاث ، لأن انبعاثها إلى الحركة ، بالتخيل ~~والفكر . والقوة الحافظة للصور التي في الحس المشترك تخدمها بقبول التركيب ~~والتفصيل ، فيما فيها من الصور . ثم هذان رئيسان لطائفتين ، أما الحافظة ~~للصور فيخدمها ( الحس ) المشترك ، برفع االصور إليها حتى تحفظ . وأما القوة ~~النزوعية فتخدمها الشهوة والغضب ، والشهوة والغضب تخدمهما القوة الحركة ~~للعضل ، وعندها تنتهي القوى الحيوانية . والقوى الحيوانية بالجملة يخدمها ~~النباتية ، والنباتية ثلاث ، المولدة والمربية والغاذية ، ورأسها المولدة ، ~~وتخدمها المربية والغاذية تخدمها . ثم يخدم هذه قوى أربع ، وهي الجاذبة ~~PageV01P024 والماسكة والهاضمة والدافعة ، إذ لا بد في النبات من قوة جاذبة ~~للغذاء إليه ، ثم ماسكة ، ثم هاضمة تهضم ما أمسكته الماسكة ، ثم دافعة تدفع ~~فضله ، والدافعة هي الخادمة التي لا خادم لها ، وكأنها كالكناس في نظام أمر ~~البلد ، ثم الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة تخدم القوى الهاضمة ~~والجاذبة والماسكة والدافعة ، وهذه آخر درجات القوى في الأجسام . وقد ضرب ~~للقوى المذكورة مثال يقربها إلى إفهام العوام ، فقيل القوة المفكرة مسكنها ~~وسط الدماغ بمنزلة الملك ، يسكن وسط المملكة . والخيالية مسكنها مقدم ~~الدماغ ، جارية مجرى صاحب بريدة ، أو مجتمع الأخبار عنده . والحافظة التي ~~مسكنها مؤخر الدماغ ، جارية مجرى خادمه ، والقوى الناطقة جارية مجرى ~~ترجمانه ، والعاملة جارية مجرى كاتبه ، والحواس جارية مجرى الجواسيس وأصحاب ~~الأخبار الصادقة اللهجة ، فيما يرفعونه من الأخبار ، فيلتقط كل واحد الخبر ~~من الصق الذي وكل به ، إذ البصر موكل بعالم الألوان والسمع بالأصوات ، ~~وهكذا الجميع . فيرفعون هذه الأخبار إلى صاحب البريد وصاحب البريد يسقط ما ~~يراه حشوا ، ويرفع الباقي صافيا إلى حضرة الملك ، فيميزه ويعرف منافعه ~~ومضاره ، ويسلمه لخادمه إلى وقت الحاجة ، فحينئذ يتقدم بإخراجه ، وكما أن ~~الأعمال التي يتولاها الملك بنفسه أشرف مما يستعمل فيه غيره ، فكذلك ما ~~تتولاه النفس التي هي الملك بالحقيقة ، بواسطة المفكرة ، من الروية ~~والاعتبار والقياس والفراسة واستنباط المجهول ، أشرف مما تستعمل فيه ms017 الخدم ~~. وهذا المثال قريب مما روي أن حبر الأمة قال : ' دخلت على عائشة ، فقالت : ~~الإنسان عيناه مهاد ، وأذناه قمع ، ولسانه ترجمان ، ويداه جناحان ، ورجلاه ~~بريدان ، والقلب ملك . فإذا طاب طاب جنوده ' . فقالت : PageV01P025 ' هكذا ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ' . فهذه جمل من أحوال النفس ~~تلوناها عليك على سبيل الاقتصار ، وإنها بعض عجائب النفس . ولو نظرت في ~~تشريح الأعضاء ، وفحصت عن عدد العروق والأعصاب والعضل والعظام والشرايين ~~والأوردة ، ثم إلى الأعضاء الآلية التي أعدت للنفس ، ولجذب الطعام ثم لهضمه ~~ثم لدفعه ، وإلى الآلات التي خلقت للتناسل ، ورأيت العجائب في خدمة بعضها ~~بعضا بالضرورة ، ثم بعد فراغك من تشريح الأجسام نظرت في تفصيل قوى تلك ~~الأجسام ، واستقصيته بمعرفة حقائق العلوم الطبيعية ، لقضيت منها آخر العجب ~~. فتعسا لمن كفر بالله وغفل عن قوله : ( وفي الأرض آيات للموقنين ، وفي ~~أنفسكم أفلا تبصرون ) ، بل في كل شيء دليل على أنه واحد . ومن لم يؤمن ~~بالله على الجملة ، فليس من العقلاء ، وهو أخس من أن يخاطب بمثل هذه ~~الكلمات . وإنما كلامنا مع من صدق بالجملة ، فندعوه إلى البحث عن صنع الله ~~، ليزداد بسببه يقينه وإيمانه ، ويتفاقم به تعظيمه وإجلاله . فكل ما لا ~~يدرك بالحواس ، وإنما يدرك بالعقل بواسطة آثاره ، فسبيل استقصاء معرفته ~~استقصاء النظر في آثاره . بل نضرب مثالا يقرب من فهم الخلق كافة ، فما من ~~فقيه إلا وقد اعتقد في المذكورين من العلماء مثل أبي حنيفة والشافعي ~~وغيرهما ، رتبة تتقاضاه التعظيم . وهذا يشترك فيه الخلق ، ولكن ليس من ~~يتصفح تصنيف مصنف ، فيرى فيه من عجائب صنعه وبدائع حذقه ، يبقى اعتقاده في ~~التعظيم على ما كان عليه قبل معرفته ، بل لا يزال يطلع على صفة غريبة له في ~~كلامه وتصنيفه أو شعره ، وتزداد PageV01P026 نفسه له تعظيما وتوقيرا ~~واعتقادا . فمن عرف أن الله صانع العالم ، كمن عرف أن زيدا متميز عن غيره ، ~~بكونه ناظم ديوان ، ومصنف كتاب . وأين هذا من اعتقاد من تصفح الشعر ، فرأى ~~فيه غرائبه ؟ فهذا يعتقد عظمته ورتبته اعتقادا راسخا عن تحقيق ms018 وبصيرة ~~والآخر يعتقد اعتقادا مجملا ضعيفا ، غير مدرك بالبصيرة والتحقيق . وهذا فرق ~~بين رتبة العوام وذوي البصائر في هذا الأمر الواحد . والعالم بما فيه من ~~العجائب تصنيف الله وتأليفه وإبداعه واختراعه ، والنفس جزء من أجزاء العالم ~~، وكل جزء من أجزاء العالم مشحون بالعجائب ، فلا يزال الباحث عنها مستفيدا ~~زيادة اعتقاد ، وتأكيد إيمان ، ولذلك حث الله على التفكر في الأنفس والآفاق ~~وملكوت السموات والأرض . # | بيان نسبة العمل من العلم وإنتاجه السعادة التي اتفق عليها المحققون من ~~الصوفية بأجمعهم ، وساعدهم من النظار طوائف سواهم # : إن تأثير العمل لإزالة ما لا ينبغي ، والسعي في العلم ، سعي في تحصيل ~~ما ينبغي وإزالة ما لا ينبغي ، شرط لتفريغ المحل لما ينبغي ، والمشروط هو ~~المقصود ، وهو أشرف من الشرط . ومثاله من أراد استيلاد إمرأة بها علة ، ~~تمنع العلوق ، فعليه وظيفتان : إحداهما إماطة العلة المفسدة للحمل ، ~~المانعة من العلوق ، والأخرى إيداع النطفة PageV01P027 بعد إزالة العلة ~~المانعة . فالأولى شرط للثانية ، والثانية هي الغاية المطلوبة . وإذا فرضت ~~دارا بنيت لملك ، رتبة تلك الدار نزول الملك فيها ، وقد اغتصبها القردة ~~والخنازير ، فجمال تلك الدار وكمالها موقوف على أمرين : أحدهما إزعاج ~~القردة النازلين فيها بغير حق والآخر نزول المستحق . وإذا فرضنا مرآة صدئة ~~قد ستر الخبث صفاها ، ومنع انطباع صورنا فيها ، فكمال المرآة أن تستعد ~~لقبول الصور ، فتحكيها كما هي عليها ، وعلى مكملها وظيفتان : إحداهما ~~الجلاء والثقل ، وهي إزالة الخبث الذي ينبغي أن لا يكون ، والثانية أن ~~يحاذي بها نحو المطلوب حكاية صورته . فكذلك نفس الآدمي مستعدة لأن تصير ~~مرآة ، يحاذي بها شطر الحق في كل شيء ، فتنطبع به كأنها هو من وجه ، وإن ~~كانت غيره من وجه آخر ، كما في الصورة والمرآة . وكمالها في مثل هذه الدرجة ~~وهذه الخاصة التي فارقت بها ما تحتها من الحيوانات ، إذ هذا الاستعداد ~~مسلوب عن الحيوانات كلها ، سوى الآدمي بالقوة والفعل جميعا ، كما انسلب عن ~~التراب والخشب الاستعداد لحكاية الصور ، وأن يكون مرآة لها ، وهو موجود ~~بالفعل أبدا للملائكة ، لا يفارقها ، كما أنه موجود ms019 للماء الصافي ، فإنه ~~يحكي الصورة بطبعه حكاية مخصوصة ، وهو موجود للآدمي بالقوة لا بالفعل . فإن ~~جاهد نفسه التحق بأفق الملائكة ، وإن استمر على الأسباب الموجبة لتراكم ~~الخبث على مرآة النفس ، باتباع الشهوات ، اسود قلبه وتراكمت ظلمته ، وبطل ~~بالكلية استعداده ، والتحق بأفق البهائم ، وحرم سعادته وكماله حرمانا أبديا ~~، لا تدارك له . فإذن العمل معناه كسر الشهوات بصرف النفس عن صوبها ، إلى ~~الجنبة PageV01P028 العالية الآهلية ، ليمحي عن النفس الهيئات الخبيثة ، ~~والعلائق الردية التي ربطتها بالجنبة السافلة . حتى إذا محقت تلك العلائق ، ~~أو ضعفت حوذي بها نحو النظر في الحقائق الآلهية ، ففاضت عليه من جهة الله ~~تعالى تلك الأمور الشريفة ، كما فاضت على الأولياء والأنبياء والصديقين . ~~وذلك صيد ينفق على قدر الرزق ، وبأحكام الأصل فيه يزيد الاسترزاق ، كما ~~يعرضن من زيادة الاسترزاق بالأسباب في اقتناص الصيد ، بل في اقتناص الربح ~~والتجارة ، بل في اقتناص فقه النفس . فإن القليل بالاجتهاد قد يجاوز حد ~~المجتهدين بمزيد ذكاء فطري ، فكذا طهارة النفس عن هذه العلائق في أول ~~الفطرة في غاية الاختلاف . ثم الجهد أيضا يختلف وينشأ من ذلك تفاوت لا ~~ينحصر ، فكذا سعادة الآخرة . ففيضان هذه الرحمة من الله عز وجل على النفس ~~غاية المطلوب ، وهو عين السعادة التي للنفس بعد الموت ، ولكنها مشروطة ~~بإزالة العلائق ومحو الصفات الردية التي تأكدت للنفس باتباع الشهوات . فإذن ~~العمل يرجع إلى مجاهدة النفس بإزالة ما لا ينبغي . وإذا نسب إلى اتباع ~~الشهوات ظهرت فضيلتها ، وإذا نسب إلى تحصيل ما ينبغي كانت رتبتها منه مرتبة ~~الشرط من المشروط ، والخادم من المخدوم ، وما أريد لغيره بالنسبة إلى ما ~~أريد لنفسه ، وعليه نبه النبي صلى الله عليه وسلم إذا قال : ' الإيمان بضع ~~وسبعون بابا ، أدناها إماطة الأذى من الطريق . والمجاهدة بالعبادات أكثر ~~أغراضها إماطة الأذى عن الطريق . ولقائل أن يقول المراد بالحديث التقاط ~~الزجاج العظم والحجارة من الشوارع ، وأن هذا هو السابق إلى فهم الأكثرين . ~~ولقائل آخر : أن يقول إن الناس يتفاوتون في فهم معاني الألفاظ ، على حسب ~~تفاوت رتبهم ، ولذلك قال ms020 عليه السلام : ' نضر الله أمرا سمع مقالتي فوعاها ~~، ثم أداها PageV01P029 كما سمعها ، فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه ~~إلى من هو أفقه منه ' . فلولا أن في ألفاظه ما يسبق إلى فهم غير الفقيه ~~خلاف ما يسبق إلى فهم الفقيه ، لما أكد الوصية بذلك . ثم ليت شعري إذا فهم ~~غير الفقيه خلاف ما يسبق إلى فهم الفقيه ، لما أكد الوصية بذلك . ثم ليت ~~شعري إذا فهم غير الفقيه خلاف ما يسبق إلى فهم الفقيه أو الأفقه أو في جانب ~~غيرهم ؟ ولا شك أن هذا عزيز نادر ، والغالب خلافه . فالسابق إلى فهم ~~الجماهير يكاد الحق يجانبه ، وينحاز إلى ما يفهمه الفقيه والأفقه ، ولا ~~سيما في لفظ لا يصرح بالتخصيص . فإن لفظ الأذى عام ، ولفظ الطريق عام . ولو ~~أريد الخاص لذكر الزجاج أو المدر ونبه على أمثاله . وذلك الظاهر أيضا مندرج ~~تحت العموم ، فإنه بذلك العمل أيضا مصلح نفسه ، ومهذب خلقه ، ومميط عن ~~النفس رذيلة الغفلة والغشاوة ، وقلة الشفقة ، على ما سنذكره في تفصيل سوء ~~الأخلاق وحسنها . فقد عرفت أن سعادة النفس وكمالها أن تنتقش بحقائق الأمور ~~الآلهية وتتحد بها حتى كأنها هي ، وأن ذلك لا يكون إلا بتطهير النفس عن ~~هيئات ردية تقتضيها الشهوة والغضب ، وذلك بالمجاهدة والعمل . فالعمل ~~للطهارة ، والطهارة شرط ذلك الكمال . ولذلك قال عليه السلام : ' بني الدين ~~على النظافة ' . # | بيان مفارقة طريق الصوفية في جانب العلم طريق غيرهم # : اعلم أن جانب العمل متفق عليه ، وأنه مقصود لمحو الصفات الردية ، ~~وتطهير النفس من الأخلاق السيئة . ولكن جانب العلم مختلف فيه ، وتباين فيه ~~طرق الصوفية طرق النظار ، من أهل العلم . فإن الصوفية لم يحرضوا على تحصيل ~~العلوم ودراستها ، وتحصيل ما PageV01P030 صنفه المصنفون في البحث عن حقائق ~~الأمور ، بل قالوا : الطريق تقديم المجاهدة بمحو الصفات المذمومة وقطع ~~العلائق كلها ، والإقبال بكل الهمة على الله تعالى . ومهما حصل ذلك فاضت ~~عليه الرحمة ، وانكشف له سر الملكوت ، وظهرت له الحقائق . وليس عليه إلا ~~الاستعداد بالتصفية المجردة ، وإحضار النية ، مع الإرادة الصادقة والتعطش ms021 ~~التام ، والترصد بالانتظار لما يفتحه الله تعالى من الرحمة . إذ الأولياء ~~والأنبياء انكشفت لهم الأمور ، وسعدت نفوسهم بنيل كمالها الممكن لها ، لا ~~بالتعلم بل بالزهد في الدنيا والإعراض والتبري عن علائقها ، والاقبال بكل ~~الهمة على الله تعالى . فمن كان لله كان الله له ، حتى أن في الوقت الذي ~~صدقت فيه رغبتي لسلوك هذا الطريق ، شاورت متبوعا مقدما من الصوفية في ~~المواظبة على تلاوة القرآن ، فمنعني وقال : السيل أن تقطع علائقك من الدنيا ~~بالكلية ، بحيث لا يلتفت قلبك إلى أهل وولد ومال ووطن وعلم وولاية ، بل ~~تصير إلى حالة يستوي عندك وجودها وعدمها ، ثم تخلو بنفسك في زاوية تقتصر من ~~العبادة على الفرائض والرواتب ، وتجلس فارغ القلب مجموع الهم ، مقبلا بذكرك ~~على الله تعالى . وذلك في أول الأمر ، بأن تواظب باللسان على ذكر الله ~~تعالى ، فلا تزال تقول : الله الله ، مع حضور القلب وإدراكه ، إلى أن تنتهي ~~إلى حالة لو تركت تحريك اللسان ، لرأيت كأن الكلمة جارية على لسانك ، لكثرة ~~اعتياده . ثم تصير مواظبا عليه إلى أن يمحى أثر اللسان ، فتصادف نفسك وقلبك ~~مواظبين على هذا الذكر ، من غير حركة اللسان . ثم تواظب إلى أن لا يبقى في ~~قلبك إلا معنى اللفظ ، ولا يخطر ببالك حروف اللفظ ، وهيئات الكلمة ، بل ~~يبقى المعنى المجرد حاضرا في قلبك على اللزوم والدوام . ولك اختيار إلى هذا ~~الحد فقط ، ولا اختيار بعده لك ، إلا PageV01P031 في استدامة لدفع الوساوس ~~الصارفة . ثم ينقطع اختيارك ، فلا يبقى لك إلا الانتظار لما يظهر من فتوح ، ~~ظهر مثله للأولياء ، وهو بعض ما يظهر للأنبياء ، قد يكون أمرا كالبرق ~~الخاطف لا يثبت ثم يعود ، وقد يتأخر . فإن عاد فقد يتظاهر أمثاله على ~~التلاحق ، وقد لا يقتصر على فن واحد ، ومنازل أولياء الله فيه لا تحصى ، ~~لتفاوت خلقهم وأخلاقهم . فهذا منهج الصوفية ، وقد ردوا الأمر إلى تطهير محض ~~من جانبك ، وتصفية وجلاء ، ثم استعداد وانتظار فقط . وأما النظار فلم ~~ينكروا وجود هذا الطريق ، وافضاءه إلى المقصد ، وهو أكبر أحوال الأولياء ~~والأنبياء ، ولكن ms022 استوعروا هذا الطريق ، واستبعدوا فضاءه إلى المقصود ، ~~وزعموا أن محو العلائق إلى ذلك الحد بالاجتهاد كالممتنع ، وإن حصل في حالة ~~، فثباته أبعد منه ، وأدنى إلى ذلك الحد بالاجتهاد كالممتنع ، وإن حصل في ~~حالة ، فثباته أبعد منه ، وأدنى وسواس وخاطر يشوش . وفي أثناء هذه المجاهدة ~~قد يفسد المزاج ، ويختلط العقل ويمرض البدن ، ويفضي إلى الماليخوليا . فإذا ~~لم تكن النفس قد ارتاضت بالعلوم الحقيقة البرهانية ، اكتسبت بالخاطر خيالات ~~تظنها حقائق تنزل عليها . فكم من صوفي بقي في خيال واحد عشر سنين ، إلى أن ~~تخلص عنه . ولو كان قد أتقن العلوم أولا ، لتخلص منه على البديهة . ~~فالاشتغال بتحصيل العلوم بمعرفة معيار العلم ، وتحصيل براهين العلوم ~~المفصلة أولى ، فإنه يسوق إلى المقصود سياقة موثوقا بها ، كما يوثق ~~بالاجتهاد ، في أن يحصل فقه النفس . وقد كان ، عليه السلام ، فقيه النفس من ~~غير اجتهاد ، لكن لو أراد مريد أن ينال رتبته بمجرد الرياضة ، فقد توقع ~~بعيدا ، فيجب تحصيل نفس العلوم الحقيقة في النفس ، بطريق البحث والنظر على ~~غاية الإمكان ، وذلك بتحصيل ما حصله الأولون أولا . ثم لا بأس بعد ذلك لما ~~لم PageV01P032 ينكشف بالانتظار للخلق الباحثين عن الأمور الآلهية ، فما لم ~~ينكشف للخلق أكثر مما انكشف . وهذا تباين الفريقين . وقد خطر لي مثال لا ~~يبعد أن يكون منبها للافهام الضعيفة ، المفتقرة إلى الأمثلة المحسوسة ، في ~~درك الحقائق العقلية ، ومعرفا لوجه الفرق بين الفريقين . فقد حكي أن أهل ~~الصين والروم تباهوا بحسن صناعة النقش والتصوير ، بين يدي بعض الملوك ، ~~فاستقر رأي الملك على أن يسلم إليهم صفة ينقش أهل الصين منها جانبا ، وأهل ~~الروم جانبا ، ويرخي بينهم حجاب ، بحيث لا يطلع كل فريق على صاحبه ، فإذا ~~فرغوا رفع الحجاب ، ونظر إلى الجانبن ، وعرف رجحان من رجح من الفريقين ، ~~ففعل ذلك ، فجمع أهل الروم من الأصباغ الغريبة ما لا ينحصر ، ودخل أهل ~~الصين وراء الحجاب من غير صبغ ، وهم يجلون جانبهم ويصقلونه ، والناس ~~يتعجبون من توانيهم في طلب الصبغ . فلما فرغ أهل الروم ادعى أهل الصين أننا ~~أيضا ms023 قد فرغنا . فقيل لهم : كيف فرغتم ولم يكن معكم صبغ ، ولا اشتغلتم بنقش ~~؟ فقالوا : ما عليكم ارفعوا الحجاب ، وعلينا تصحيح دعوانا . فرفعوا الحجاب ~~، وإذا بجانبهم وقد تلألأ فيه جميع الأصباغ الرومية الغريبة ، إذ قد صار ~~كالمرآة لكثرة التصفية والجلاء ، فازداد حسن جانبهم بمزيد الصفاء ، وظهر ~~فيه ما سعى من تحصيله غيرهم . فقدر كأن النفس محل نقش العلوم الآلهية ، ولك ~~في تحصيله طريقان : أحدهما تحصيل عين النقش ، كطريق أهل الروم والثاني ~~الاستعداد لقبول النقش من خارج . والخارج ههنا اللوح المحفوظ ، ونفوس ~~الملائكة ، فإنها منقوشة بالعلوم الحقيقية نقشا بالفعل على الدوام ، كما أن ~~دماغك منقوش بالقرآن كله ، إن كنت حافظا له ، وكذلك جملة علومك ، لا نقشا ~~يحس ويبصر ، ولكن نوعا من الانتقاش عقليا ، ينكره PageV01P033 من اقتصرت به ~~خساسة نفسه على المحسوسات ولم يترق عنها . # | بيان الأولى من الطريقين # فإن قلت : فقد مهدت للسعادة طريقين متباينين ، فأيهما أولى عندك ؟ فاعلم ~~أن الحكم في مثل هذه الأمور بحسب الاجتهاد الذي يقتضيه حال المجتهد ، ~~ومقامه الذي هو فيه . والحق الذي يلوح لي ، والعلم عند الله فيه ، إن الحكم ~~بالنفي أو الإثبات في هذا على الإطلاق خطأ ، بل يختلف بالإضافة إلى الأشخاص ~~والأحوال . فكل من رغب في السلوك ، فقد كبر شأنه ، فالأولى به أن يقتنع ~~بطريق الصوفية ، وهو المواظبة على العبادة ، وقطع العلائق . فإن البحث عن ~~العلوم الكسبية لتحصل ملكة كتابته في النفس شديد ، ولا يتيسر إلا في عنفوان ~~العمر ، والتعلم في الصغر كالنقش على الحجر . ومن العناء رياضة الهرم . ~~وقيل لأحد الأكابر : من أراد أن يتعلم شيخا ، ما يفعل ؟ فقال : إغسل مسخا ~~فعساه يبيض . وقد خرج من هذا أن الأولى بأكثر الخلق الاشتغال بالعمل ~~والاقتصاد من العلم على القدر الذي يعرف به العمل . فإن الأكثر لا ينتبهون ~~لهذا الأمر في عنفوان الشباب ، وإن تنبه في عنفوان شبابه ، نظر إلى طبعه ~~وذكائه . فإن علم أنه لا يستعد لفهم الحقائق العقلية الدقيقة ، وجب عليه أن ~~يشتغل بالعمل أيضا ، فلا فائدة في اشتغاله بالعلوم النظرية ، وهم الأكثرون ~~من ms024 الأقل ، الذي تتبعناه . فإن ذكيا قابلا للعلوم ، فإن لم يكن في بلده أو ~~في العصر مستقل بالعلوم النظرية ، مترق عن رتبة تقليد من سبقه ، ~~PageV01P034 فالأولى به العمل . فإن هذه لا يمكن تحصيلها إلا بمعلم ، فليس ~~في القوة البشرية ، في شخص واحد ، الوصول إليها إلا قليل بطول الزمن . ~~ولذلك لو لم يكن علم الطب مثلا صار متقنا بالخواطر المتعاونة ، في الأزمنة ~~المتطاولة ، لافتقر أذكى الناس إلى عمر طويل ، في معرفة علاج علة واحدة ، ~~فضلا عن الجميع . والغالب في البلاد الخلو عن مثل هذا العالم المستقل . ~~فإذن لم يبق إلا قليل من قليل وهو ذكي تنبه في عنفوان عمره لهذا الأمر ، ~~وهو مستعد لفهم العلوم ، وصادف عالما مستقلا بالعلوم تحقيقا لا إسما ، ~~وحسبة لا رسما ، كما ترى أكثر العلماء ، فهم إما مقلدون في أعيان المذاهب ، ~~أو في أعيان المذاهب وأدلة تلك المذاهب جميعا ، على الوجه الذي تلقوه من ~~أرباب المذاهب . ومن قلد أعمى ، فلا خير في متابعة العميان وأتباعهم أو شاب ~~نشأ في طلب العلم وهو زكي في نفسه ، وتنبه له بعد الارتياض بأنواع العلوم ، ~~ولكن بهذا النوع من العلم الذي تنبه له ، فمثل هذا الشخص مستعد للطريقين ~~جميعا . فالأولى به أن يقدم طريق التعلم ، فيحصل من العلوم البرهانية ما ~~للقوة البشرية إدراكه بالجهد والتعلم ، فقد كفى المؤنة فيه تعب من قبله ، ~~فإذا حصل ذلك على قدر إمكانه ، حتى لم يبق علم من جنس هذه العلوم ، إلا وقد ~~حصله ، فلا بأس بعده أن يؤثر الاعتزال عن هذا الخلق ، والإعراض عن الدنيا ، ~~والتجرد لله وأن ينتظر ، فعساه ينفتح له بذلك الطريق ما التبس على سالكي ~~هذا الطريق . هذا ما أراه ، والعلم عند الله . وقد يخرج منه أن الصواب ~~لأكثر الاشتغال بالعمل ، ومن العمل العلم العملي أعني ما يعرف به كيفيته . ~~فإن العلم العملي ليس بأشرف من العمل ، بل هو دونه ، فإن مراد له دون العلم ~~الذي يراد منه المعلوم ، كالعلم بالله وملائكته وكتبه ورسله والعلم ~~PageV01P035 بالنفس وصفاتها . والعلم بملكوت السموات والأرض وغيره . فهذه ms025 ~~العلوم نظرية ، وليست بعملية وإن كان قد ينتفع بها في العمل ، على سبيل ~~العرض ، لا على سبيل القصد ، ولكون الصواب في العمل لأكثر الخلق استقصاء ~~النبي صلى الله عليه وسلم ، تفصيلا وتأصيلا ، حتى علم الخلق الاستنجاء ~~وكيفيته ، ولما آل الأمر إلى العلوم النظرية أجمل ولم يفصل ، ولم يذكر من ~~صفات الله إلا أنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير . نعم بعد إجمال العلم ~~، ذكر من تعظيمه وتشريفه وتقديمه على العمل ما لا يكاد يحصى كقوله : ' تفكر ~~ساعة خير من عبادة سنة ' وكقوله : ' فضل العالم على العابد ، كفضل القمر ~~ليلة البدر ' إلى غير ذلك مما ورد فيه . ثم ذلك العلم المقدم على العمل لا ~~يخلو أما أن يكون هو العلم بكيفية العمل وهو الفقه وعلم العبادات وأما أن ~~يكون علما سواه . وباطل أن يكون الأول هو المراد لوجهين : أحدهما أنه فضل ~~العالم على العابد ، والعابد هو الذي له العلم بالعبادة وإلا فهو عابد فاسق ~~. والثاني : أن العلم بالعمل لا يكون أشرف من العمل لأن العلم العملي لا ~~يراد لنفسه ، وإنما يراد للعمل . وما يراد لغيره يستحيل أن يكون أشرف منه . # | بيان جنس العلم والعمل الموصلين إلى جنة المأوى # فإن قلت : العلوم أصنافها كثيرة ، والأعمال وأنواعها مختلفة ، وليس الكل ~~مطلوبا ، فما الصنف النافع حتى اشتغل به ؟ فأقول : أما العلم فمنقسم إلى ~~العملي والنظري . أما النظري فكثير ، ولكن كل علم يتصور أن يختلف بالاعصار ~~والبلدان والأمم ، فلا يورث كمالا يبقى في النفس أبد الدهر . ونحن نبتغي من ~~العلم تبليغ النفس كمالها ، لتسعد بكمالها ، مبتهجة بما لها من البهاء ~~والجمال أبد الدهر ، PageV01P036 فخرج عن هذا البيان العلم باللغات ، ~~وموجبات الألفاظ ، كالعلم باللغة والإعراب والنحو والشعر والترسل وشرح ~~الألفاظ وتفصيلها . فإن افتقر إلى شيء منها ، فيطلب لا لنفسه ، بل ليكون ~~ذريعة للعلم المقصود . لكننا الآن في بيان العلم المقصود ، فإنا إن نعرف ~~ذات الحج ، لم يلزمنا ذكر الخف والمطهرة ، وإن كان يحتاج إليهما في التوصل ~~إليه . وإنما نميز العلوم التي تبقى معلوماتها أبد الآبدين ، لا ms026 تزول ولا ~~تحول . ومثل ذلك لا يختلف باختلاف الإعصار والأمم ، وذلك يرجع إلى العلم ~~بالله وصفاته ، وملائكته وكتبه ورسله ، وملكوت السموات والأرض ، وعجائب ~~النفوس الإنسانية والحيوانية ، من حيث أنها مرتبطة بقدرة الله عز وجل ، لا ~~من حيث ذواتها . فالمقصود الأقصى العلم بالله ، وملائكة الله لا بد من ~~معرفتهم ، لأنهم واسطة بين الله وبين النبي . وكذا معرفة النبوة والنبي ، ~~لأن النبي واسطة بين الخلق والملائكة ، كما أن الملك واسطة بين الله والنبي ~~. وهكذا يتسلسل إلى آخر العلوم النظرية ، وغايتها وأقصاها العلم بالله عز ~~وجل . ولكن يتشعب القول فيه اشتعابا كثيرا ، إذ يدل بعضها على بعض . ولذلك ~~يكثر التفصيل فيه . القسم الثاني العلم العملي ، وهو ثلاثة علوم : علم ~~النفس بصفاتها وأخلاقها ، وهو الرياضة ومجاهدة الهوى ، وهو أكبر مقصود هذا ~~الكتاب ، وعلمها بكيفية المعيشة مع الأهل والولد والخدم والعبيد ، فإنهم ~~خدمك أيضا كأطرافك وأبعاضك وقواك . وكما لا بد من سياسة قوى بدنك ، من ~~الشهوة والغضب وغيرهما ، فلا بد من سياسة هؤلاء ، وعلم سياسة أهل البلد ~~والناحية ، وضبطهم . ولأجله يراد علم الفقه في الأكثر ، إلا ما يتعلق بربع ~~العبادات من جملة العبادات الخاصة بالنفس . ومنه آداب القضاء ولا يتم ~~بمعرفة ربع النكاح والبيع والخراج . وأهم هذه الثلاثة تهذيب النفس ، وسياسة ~~البدن ، ورعاية العدل من هذه الصفات ، حتى إذا PageV01P037 اعتدلت تعدت ~~عدالتها إلى الرعية البعيدة من الأهل والولد ، ثم إلى أهل البلد . ' فكلكم ~~راع وكلكم مسؤول عن رعيته ' . وما سواه يجري منه مجرى الزكاة من النصاب ، ~~والضوء من الشمس ، والظل من الشجر . وكيف يتوقع استقامة الظل ، مع اعوجاج ~~ذي الظل ؟ فإذا لم يقدر الإنسان على سياسة نفسه ، وضبطها ، فكيف يقدر على ~~سياسة نفسه وضبطها فكيف يقدر على سياسة غيره . فهذه مجامع العلوم العملية . ~~ولنذكر جمل العلم الأخص من هذه العلوم السياسية ، فإنه المقصود بالبيان . ~~ومجامع القوى التي لا بد من تهذيبها ثلاث : قوة التفكير ، وقوة الشهوة ، ~~وقوة الغضب ، ومهما هذبت قوة الفكر وأصلحت كما ينبغي ، حصلت بها الحكمة ، ~~التي أخبر الله عنها حيث قال : ( ومن ms027 يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ) . ~~وثمرتها أن يتيسر له الفرق بين الحق والباطل في الاعتقادات وبين الصدق ~~والكذب في المقال ، وبين الجميل والقبيح في الأفعال ، ولا يلتبس عليه شيء ~~من ذلك ، مع أنه الأمر الملتبس على أكثر الخلق ، ويعين على إصلاح هذه القوة ~~وتهذيبها ما أودعناه ' معيار العلم ' . والقوة الثانية هي الشهوة ، ~~وبإصلاحها تحصل العفة ، حتى تنزجر النفس عن الفواحش ، وتنقاد للمواساة ~~والإيثار المحمود بقدر الطاقة . والثالثة الحمية الغضبية ، وبقهرها ~~وإصلاحها يحصل الحلم ، وهو كظم الغيظ ، وكف النفس عن التشفي ، وتحصل ~~الشجاعة ، وهي كف النفس عن الخوف والحرص المذمومين في كتاب الله تعالى . ~~ومهما أصلحت القوى الثلاث وضبطت على الوجه الذي ينبغي ، وإلى الحد الذي ~~ينبغي وجعلت القوتان منقادتين للثالثة ، التي هي الفكرية العقلية ، فقد ~~حصلت العدالة . وبمثل هذا العدل قامت السموات والأرض ، وهي جماع مكارم ~~الشريعة ، وطهارة النفس وحسن الخلق المحمود ، بقوله عليه السلام : ' أكمل ~~المؤمنين إيمانا أحسنهم أخلاقا وألطفهم بأهله ' . وقوله عليه السلام : ' ~~أحببكم إلي أحسنكم أخلاقا ، PageV01P038 الموطؤون أكنافا ، الذين يألفون ~~ويؤلفون ' . وثناء الشرع على الخلق الحسن خارج عن الحصر ومعناه إصلاح هذه ~~القوى الثلاث . وقد جمعه الله سبحانه في قوله : ( إنما المؤمنون الذين ~~آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ~~أولئك هم الصادقون ) ، فدل الإيمان بالله ورسوله ، مع نفي الارتياب ، وعلى ~~العلم اليقين والحكمة الحقيقة التي لا يتصور حصولها ، إلا بإصلاح قوة الفكر ~~، ودل بالمجاهدة بالأموال على العفة والجود ، اللذين هما تابعان بالضرورة ~~لإصلاح الشهوة ، ودل بالمجاهدة بأنفسهم على الشجاعة والحلم ، اللذين هما ~~تابعان بالضرورة لإصلاح الحمية وإسلالها للدين والعقل حتى تنبعث مهما ~~انبعثت ، وتسكن مهما سكن . وعليه دل قوله تعالى : ( خذ العفو وأمر بالعرف ~~وأعرض عن الجاهلين ) . وقال عليه السلام في تفسيره : ' هو أن تعفو عمن ظلمك ~~، وتعطي من حرمك ، وتصل من قطعك ، وتحسن لمن أساء إليك ' . فالعفو عمن ظلمك ~~هو نهاية الحلم والشجاعة ، وإعطاء من حرمك هو نهاية الجود ، ووصل من قطعك ~~هو نهاية الإحسان . # | بيان مثال النفس مع ms028 هذه القوى المتنازعة # مثل نفس الإنسان في بدنه كمثل وال في مدينته ومملكته . وقواه وجوارحه ~~الخادمة للبدن بمنزلة الصناع والعملة ، والقوة العقلية المفكرة له ، ~~كالمشير الناصح والوزير العاقل . والشهوة له كعبد سوء يجلب الميرة والطعام ~~، والحمية كصاحب شرطته . والعبد الجالب للميرة مكار خداع خبيث ملبس ، يتمثل ~~بصورة الناسح ، وتحت نصحه الداء العضال ، والشر الشمر ، وديدنه منازعة ~~الوزير في التدبير PageV01P039 حتى لا يغفل عن منازعته ومعارضته في آرائه ~~ساعة . فكما أن الوالي في مملكته ، متى استشار في تدبيرات لوزيره ، معرضا ~~عن إشارة هذا العبد الخبيث ، بل مستدلا باشارته على أن الصواب في نقيض رأيه ~~، ودأب صاحب شرطته ، وأسلسه لوزيره وجعله مؤتمرا له ، مسلطا من جهته على ~~هذا العبد الخبيث ، وأتباعه وأنصاره ، حتى يكون العبد مسوسا لا سايسا ، ~~ومأمورا ومدبرا لا آمرا مدبرا ، استقام أمر بلده ، وانتظم لقيام العدل ~~بسببه . كذلك النفس متى استعانت بالعقل ، وأدبت الحمية الغضبية ، وسلطتها ~~على الشعوة ، واستعانت بالعقل على الأخرى ، تارة بأن تقلل من تيه الغضب ~~وغلوائه ، بخلابة الشهوة وتقهرها بتسليط الغضب والحمية عليها ، وتقبيح ~~مقتضياتها استشاطة عليها ، اعتدلت قواه وحسنت أخلاقه . ومن عدل عن هذه ~~الطريقة فهو كما قال الله تعالى : ( أفرأيت من اتخذ إلهه وأضله الله على ~~علم ) . وقال : ( واتبع هواه فمثله كمثل الكلب ) . وقال عليه السلام : ' ~~أعدى عدوك نفسك ، التي بين جنبيك ' . وقال تعالى لمن قهر هواه : ( وأما من ~~خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى ، فإن الجنة هي المأوى ) . وليس الأمر ~~كما ظنه فريق من لزوم قمع الغضب وإماطته بالكلية ، وقلع الشهوة وإماطتها ~~بالكلية ، بل الواجب ضبطها وتأديبها ، فإن العقل لا يقدر على التأديب دون ~~الحمية الغضبية ، إذ ليس له إلا الإشارة بالصواب وهو أشرف القوى . وبه صار ~~الإنسان خليفة الله في أرضه ، ولكنه كطبيب مشير إلى ما فيه البر ، فإن لم ~~يستعن بالغضب والحمية التي ترهق الشهوة إلى الطاعة وتنتهض خادمة للعقل في ~~الزجر والكسر لم تفد إشارته . ولذلك لا يتبين فضيلة العقل لمن لا حمية له ، ~~ولكن ينبغي أن يتأدب بحيث ms029 لا ينبعث إلا بإشارة العقل . وكذلك الشهوة ~~PageV01P040 فإن إماتتها عن الجماع عسرة ، وقاطعة للتناسل الذي به بقاء ~~النوع ، وعن الطعام صعب ، وينقطع به بقاء الشخص . ولكن بكسر الشره في ~~الطعام ، حتى لا يكون المقصود من الطعام التلذذ بالتناول ، بل استيفاء ~~القوة للتوصل به إلى العلم والعمل ، فيكون في أكله كهو في أعلافه دابته ، ~~إذا انتهض للجهاد فمقصوده التوصل فقط ، ويود لو استغنى عن الطعام وبقيت ~~قوته على العلم والعمل . مثال آخر : الإنسان حيث خلق بنفسه عالما ، كبيرا ~~في المعنى صغيرا في الحجم ، فبدنه كمدينة ، وعقله كملك مدبر لها . وقواه ~~المدركة من الحواس الظاهرة والباطنة كجنوده وأعوانه ، وأعضاؤه كرعيته . ~~والنفس الأمارة بالسوء ، التي هي الشهوة والغضب ، كعدو ينازع في مملكته ، ~~ويسعى في إهلاك رعيته . فصار بدنه كرباط وثغر ، ونفسه كمقيم فيه مرابط ، ~~فإن جاهد عدوه وأسره وقهره على ما يجب ، حمد أثره إذا عاد إلى حضرته تعالى ~~، كما قال : ( فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا ~~وعد الله الحسنى ) . وإن ضيع ثغره وأهل رعيته ، ذم أثره وانتقم منه عند ~~لقاء الله تعالى . وقال اللهيوم القيامة كما ورد في الخبر : ' يا راعي ~~السوء أكلت اللحم ، وشربت اللبن ، ولم ترد الضالة ، ولم تجبر الكسير ، ~~اليوم أنتقم منك ' . وهذا الجهاد ذكره باللسان مفرح ، وغذاء للروح ، ~~وتحقيقه بالعمل بالحقيقة هو نزع الروح . ولن يعرف ذلك إلا من طالب نفسه ~~بترك شهواته . ولذلك قالت الصحابة : ' رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد ~~الأكبر ' . فسموا مجاهدة الكفار بالسيف الجهاد الأصغر . وكذلك سئل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : ' أي الجهاد أفضل يا رسول الله ؟ ' فقال عليه ~~السلام : ' جهادك هواك ' . ولذلك قال : ' ليس الشديد بالصرعة ، إنما ~~PageV01P041 الشديد من ملك نفسه عن الغضب ' . مثال آخر : مثل العقل مثل ~~فارس متصيد ، وشهوته كفرسه ، وغضبه ككلبه ، فمتى كان الفارس حاذقا وفرسه ~~مروضا ، وكلبه مؤدبا معلما منقادا ، صار حريا بالنجح . ومتى كان هو في نفسه ~~أحمق ، وكان الفرس جموحا ، والكلب عقورا ، فلا فرسه ينبعث تحته منقادا ، ~~ولا كلبه يسترسل بإشارته مطيعا ms030 ، فهو خليق بأن يعطب ، فضلا عن أن ينال ما ~~طلب . # | بيان مراتب النفس في مجاهدة الهوى والفرق بين إشارة الهوى والعقل # : إعلم أن للإنسان في مجاهدة الهوى ثلاثة أحوال : الأولى أن يغلبه الهوى ~~، فيملكه ولا يستطيع له خلافا ، وهو حال أكثر الخلق ، وهو الذي قال الله ~~تعالى فيه : ( أرأيت من اتخذ إلهه هواه ) . إذ لا معنى للإله إلا المعبود ، ~~والمعبود هو المتبوع إشارته . فمن كان تردده في جميع أطواره خلف أغراضه ~~البدنية وأوطاره ، فقد اتخذ إلهه هواه الثانية أن يكون الحر بينهم سجالا ، ~~تارة لها اليد وتارة عليها اليد . فهذا الرجل من المجاهدين . فإن اخترمته ~~المنية في هذه الحالة ، فهو من الشهداء ، لأنه مشغول بامتثال قوله صلى الله ~~عليه وسلم : ' جاهدوا أهواءكم ، كما تجاهدون أعداءكم ' ، وهذه الرتبة ~~العليا للخلق ، سوى الأنبياء والأولياء . الثالثة أن يغلب هواه فيصير ~~مستوليا عليه لا يقهره بحال من الأحوال . وهذا هو الملك الكبير ، والنعيم ~~الحاضر ، والحرية التامة ، والخلاص عن الرق . ولذلك قال عليه السلام : ' ما ~~من أحد إلا وله شيطان ، ولي شيطان . وإن الله قد أعانني على شيطاني ، حتى ~~ملكته ' . وقال في حق عمر : ' ما سلك عمر فجا ، إلا وسلك الشيطان فجا غيره ~~' . وهذا الآن مزلة قدم ، فكم من إنسان PageV01P042 يظن أنه نال هذه الرتبة ~~، وهو في الحقيقة شيطان مريد ، فإنه يتبع أغراضه ، ولكن يتعلل لأغراضه أنها ~~من الدين ، وأن طلبه لها لأجل الدين ، حتى رأيت جماعة اشتغلوا بالوعظ ~~والتدريس ، والقضاء والخطابة ، وأنواع الرياسة ، وهم فيه متبعون للهوى . ~~ويزعمون أن باعثهم الدين ومحركهم طلب الثواب ، ومنافستهم عليها من جهة ~~الشرع ، وهي نهاية الحمق والغرور . وإنما يعرف حقيقة ذلك بأمر ، وهو أن ~~الوعظ المقبول ، إن كان يعظ الله ، لا لطلب القبول وقصده دعوة الخلق إلى ~~الله ، فعلامته أنه لو جلس على مكانه واعظ أحسن منه سيرة ، وأغزر منه علما ~~، وأطيب منه لهجة ، وتضاعف قبول الناس به بالنسبة إلى قبوله ، فرح به وشكر ~~الله على إسقاط هذا الفرض عنه بغيره ، وبمن هو أقوم به منه . كمن تعين ms031 عليه ~~جهاد كافر ، وقتله لارتداده ، فنزلت بالكافر صاعقة أحرقته ، وكفا مؤنته ، ~~والجهاد معه ، فرح به وشكر الله تعالى . وهذه الحالة لا يصادفها من نفسه ~~إلا الأولياء ، وتكون إحدى آثارها الاحتراز بأقصى الإمكان كل ساعة ، ~~وتصريحه بقوله : ' اقتلوني فلست بخيركم ' ، كما نقل عن الصديق رضي الله عنه ~~. فإن قلت فإذا كنا لا نأمن مثل التلبيس والخداع ، بتزوير الشيطان والتدلي ~~بحبل الغرور ، كما حكي عن هؤلاء ، فبم تميز بين إشارة العقل وإشارة الهوى ؟ ~~فاعلم أن هذا مطلب عويص ، ولا خلاص منه إلا بالعلوم الحقيقية ، ولا مغني ~~فيه مثل ما اودعناه ' معيار العلم ' ، إذ به ينكشف التلبيس عن الحق . ولكن ~~القدر الذي ينبغي أن يفزع إليه عند التحير أن يعلم أن العقل في أكثر الأمر ~~يشير بالأصلح للعواقب ، وإن كان فيه كلفة ومشقة في الحال ، والهوى يشير ~~بالاستراحة وترك التكلف . فمهما عرض لك أمر ، ولم تدر أيهما أصوب ، فعليك ~~بما تكرهه لا بما تهواه . فأكثر الخلق في الكراهة . قال عليه السلام : ' ~~حفت الجنة بالمكاره ، وحفت النار بالشهوات ' . وقال تعالى : ( فعسى أن ~~تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا ) . وقال تعالى : ( وعسى أن ~~PageV01P043 تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم ) . ~~فكلما يشير عليك بالدعة والرفاهية ، وحظر الكلف وإيثار الراحة في الحال ، ~~فاتهم فيه نفسك ، فإن حبك الشيء يعمي ويصم . وبالجملة فما يشير إليه العقل ~~بقوته أفزع إلى العبادة والاستخارة فيه حتى ينشرح الصدر ويعضده الاستشارة ، ~~إذا استشير فيه أهله . وأكثر ما يلبس به الهوى معاذير مزخرفة . والعقل يرشد ~~بحجج حقيقية . والعاشق لشخص قبيح ، أو المتناول لطعام بشع شغف به لعادته ، ~~لو روجع لزخرف فيه معاذير مموهة ، يشهد عليه العقل بأنه متصنع متكلف . ~~وبالجملة إدراك هذه الحقيقة لا يكون إلا بنور إلهي ، وتأييد سماوي . فليكن ~~الفزع إلى الله في مضان الحيرة . فقد قال بعض العلماء : إذا مال العقل إلى ~~مؤلم في الحال ، نافع في العاقبة ، ومال الهوى نحو نقيضه الملذ في الحال ، ~~الوخيم في العقبى ، وتنازعا وتحاكما إلى القوة المدبرة ms032 المفكرة ، سارع نور ~~الله تعالى إلى نصرة العقل ، وبادر وسواس الشيطان وأولياؤه إلى نصرة الهوى ~~، وقام صف القتال بينهما . فإن كانت القوة المدبرة من حزب الشيطان وأوليائه ~~، ذهلت عن نور الحق ، وعميت عن نفع الآجل ، واغترت بلذة العاجل ، وجنحت ~~إليه ، وقهر أولياء الله . وإن كانت من حزب الله وأوليائه ، اهتدت بنوره ، ~~واستهانت بالعاجلة ، وطلبت الآجلة . قال الله تعالى : ( الله ولي الذين ~~آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور ، والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت ~~يخرجونهم من النور إلى الظلمات ) . وشبه الله العقل بشجرة طيبة ، والهوى ~~بشجرة خبيثة ، فقال : ( ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة ~~أصلها ثابت وفرعها في السماء ) . فعند قيام الصف والتحام القتال بين هذين ~~الجندين اللذين أحدهما من أعداء الله ، والآخر من PageV01P044 أوليائه ، لا ~~سبيل إلا الفزع إلى الله تعالى ، والاستعاذة من الشيطان الرجيم ، كما قال ~~تعالى : ( وأما ينزغنك من الشيطان نزغ ، فاستعذ بالله إنه سميع عليم ، إن ~~الذين أتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ) . فإن قلت ~~فهل من فرق بين الهوى والشهوة ؟ قلنا لا حجر في العبارات ، ولكن نعني الهوى ~~المذموم من جملة الشهوات ، دون المحمود . والمحمود من فعل الله تعالى ، وهي ~~قوة جعلت في الإنسان لتنبعث بها النفس لنيل ما فيه صلاح بدنه ، إما بإبقاء ~~بدنه أو بإبقاء نوعه ، وإصلاحها جميعا . والمذموم من فعل النفس الأمارة ~~بالسوء ، وهو استحبابها لما فيه لذتها البدنية . وهذه الشهوة إذا غلبت سميت ~~هوى ، فإنها ستتبع الفكرة وتستخدمها لتستغرق وقتها في الامتثال لأمرها . ~~والفكرة مترددة بين الشهوة والعقل ، يخدمها العقل فوقها ، والشهوة تحتها . ~~فمتى مالت الفكرة نحو العقل ارتفعت وشرفت وولدت المحاسن ، وإذا مالت إلى ~~الشهوة تسفلت إلى أسفل السافلين ، وولدت القبائح . # | بيان إمكانية تغير الخلق # لقد ظن بعض المائلين إلى البطالة أن الخلق كالخلق ، فلا يقبل التغيير . ~~والتفت إلى قوله عليه السلام : ' فرغ الله من الخلق ' . وظن أن المطمع في ~~تغيير الخلق ، طمع في تغيير خلق الله عز وجل ، وذهل عن قوله عليه السلام : ~~' حسنوا ms033 أخلاقكم ' . وإن ذلك لو لم يكن ممكنا ، لما أمر به ، ولو امتنع ذلك ~~لبطلت الوصايا والمواعظ والترغيب والترهيب ، فإن الأفعال نتائج الأخلاق ، ~~كما أن الهوي إلى أسفل نتيجة الثقل الطبيعي ، فلم يتوجه الملام إلى أحدهما ~~دون الآخر . بل كيف ينكر تهذيب الإنسان مع استيلاء عقله ، وتغيير خلق ~~البهائم ممكن ، إذ ينتقل الصيد من التوحش إلى التأنس ، والكلب من الأكل إلى ~~PageV01P045 التأدب ، والفرس من الجماح إلى السلاسة ، وكل ذلك تغيير خلق ؟ ~~والقول الشافي فيه أن ما خلق الله سبحانه قسمان : قسم لا فعل لنا فيه ، ~~كالسماء والكواكب ، بل أعضاء أبداننا وأجزائها ، وما هو حاصل بالفعل ، ~~والقسم الثاني ما خلق وجعلت فيه قوة لقبول كمال بعده ، إذا وجد شرط التربية ~~. وتربيته قد تتعلق بالاختيار ، فإن النواة ليست بتفاح ، ولا نخل ، ولكنها ~~قابلة بالقوة لأن تصير نخلا بالتربية ، وغير قابلة لأن تصير تفاحا ، وإنما ~~تصير نخلا إذا تعلق بها اختيار الآدمي في تربيتها . فلذلك لو أردنا أن نقلع ~~بالكلية الغضب والشهوة من أنفسنا ، ونحن في هذا العالم عجزنا عنه ، ولكن لو ~~أردنا قهرهما ، واسلاسهما بالرياضة والمجاهدة قدرنا عليه . وقد أمرنا بهذا ~~، وصار ذلك شرط سعادتنا ونجاتنا . نعم الجبلات مختلفة ، فبعضها سريعة ~~القبول ، وبعضها بطيئة القبول . ولاختلافهما سببان : أحدهما باعتبار التقدم ~~في الوجود ، فإن قوة الشهوة ، وقوة الغضب ، وقوة التفكر موجودة في الإنسان ~~، وأصعبها تغييرا وأعصاها على الإنسان قوة الشهوة ، فإنها أقدم القوى وجودا ~~وأشدها تشبثا والتصاقا ، فإنها توجد معه في أول الأمر ، حتى توجد في ~~الحيوان الذي هو جنسه ، ثم توجد قوة الحمية والغضب بعده . وأما قوة الفكر ، ~~فإنها توجد آخرا . والسبب أنه يتأكد الخلق بكثرة العمل بموجبه والطاعة له ، ~~وباعتقاد كونه حسنا مرضيا والناس فيه أربع مراتب : الأولى هو الإنسان الغفل ~~، الذي لا يعرف الحق من الباطل ، والجميل من القبيح ، فيبقى خاليا عن ~~الإعتقاد ، وخاليا أيضا عن تشمير شهواته ، باتباع اللذات . فهذا أقبل ~~الأقسام للعلاج ، فلا يحتاج إلا إلى تعليم مرشد وإلى باعث في نفسه يحمله ~~على الاتباع ، فيحسن خلقه في أقرب ms034 وقت . والثانية أن يكون قد عرف قبح ~~PageV01P046 القبيح ، ولكنه لم يتعود العمل الصالح بل زين له شر عمله ، ~~يتعاطاه انقيادا لشهواته ، وإعراضا عن صواب رأيه ، فأمره أصعب من الأول ، ~~إذ تضاعفت علته . فعليه وظيفتان : إحداهما قلع ما رسخ فيه من كثرة التعود ~~للفساد ، والآخر صرف النفس إلى ضده . وعلى الجملة هو في محل قبول الرياضة ، ~~إن انتهض لها عن جد كامل والثالثة أن يعتقد الأخلاق القبيحة أنها الواجبة ~~المستحسنة ، وأنها حق وجميل ، ثم تربى عليها . فهذا يكاد تمتنع معالجته ، ~~ولن يرجى صلاحه إلا على الندور ، إذ تضاعفت عليه أسباب الضلال . الرابعة أن ~~يكون ، مع وقوع نشوئه على الإعتقاد الفاسد ، وتربيته على العمل به ، ويرى ~~فضله في كثرة الشر ، واستهلاك النفوس ، ويتباهى به ، ويظن أن ذلك يرفع من ~~قدره . وهذا أصعب المراتب وفي مثله قيل : من التعذيب تهذيب الذئب ، ليتأدب ~~وغسل المسخ ليبيض ، فالأول من هؤلاء يقال له جاهل ، والثاني جاهل وضال ، ~~والثالث جاهل وضال وفاسق ، والرابع جاهل وضال وفاسق وشرير . ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ # | بيان الطريق الجملي في تغير الأخلاق ومعالجة الهوى # اعلم أن المقصود من المجاهدة والرياضة بالأعمال الصالحة تكميل النفس ~~وتزكيتها وتصفيتها لتهدي بأخلاقها . وبين النفس وبين هذه القوى نوع من ~~العلاقة ، تضيق العبارة عن تعريفه على وجه يتشكل في خزانة التخيل ، لأن هذه ~~العلاقة ليست محسوسة بل معقولة . وليس من غرضنا بيان تلك العلاقة ، ولكن كل ~~واحد من النفس والبدن متأثر بسبب صاحبه . فإن النفس إن كملت وكانت زاكية ، ~~حسنت أفعال البدن ، وكانت جميلة ، وكذا البدن ، إن جملت آثاره ، حدث منها ~~في النفس هيئات حسنة وأخلاق مرضية . فإذن الطريقة إلى تزكية النفس اعتياد ~~الأفعال الصادة من النفوس الزاكية الكاملة ، حتى إذا صار PageV01P047 ذلك ~~معتادا بالتكرر ، مع تقارب الزمان ، حدث منها هيئة للنفس راسخة تقتضي تلك ~~الأفعال ، وتتقاضاها بحيث يصير ذلك له بالعادة كالطبع ، فيخف عليه ما كان ~~يستثله من الخير . فمن أراد مثلا أن يحصل لنفسه خلق الجود ، فطريقة أن ~~يتكلف تعاطي فعل الجواد ، وهو بذل المال ، ولا يزال يواظب عليه ms035 حتى يتيسر ~~عليه ، فيصير بنفسه جوادا . وكذا من أراد أن يحصل لنفسه خلق التواضع ، وغلب ~~عليه التكبر ، فطريقه في المجاهدة أن يواظب على أفعال المتواضعين مواظبة ~~دائمة ، على التكرر مع تقارب الأوقات . والعجب أن الأمر بين النفس والبدن ~~دور ، إذ بأفعال البدن تكلفا ، يحصل للنفس صفة . فإذا حصلت الصفة فاضت على ~~البدن فاقتضت وقوع الفعل الذي تعوده طبعا ، بعد أن كان يتعاطاه تكلفا . ~~والأمر فيه كالأمر في سائر الصناعات . فإن من أراد أن يصير له الحذق في ~~الكتابة صفة نفسية ثابتة فطريقه أن يتعاطى ما يتعاطاه الكاتب الحاذق ، وهو ~~حكاية الخط الحسن متكلفا متشبها . ثم لا يزال يواظب على تعاطي الخط الحسن ، ~~حتى يصير له ذلك ملكة راسخة ، ويصير الحذق فيه صفة نفسانية ، فيصدر منه ~~بالآخرة بالطبع ما كان يتكلفه ابتداء بالتصنع . فكأن الخط الحسن هو الذي ~~جعل خطه حسنا ، ولكن الأول متكلف والآخر بالطبع ، وذلك بواسطة تأثر النفس . ~~وكذلك من أراد أن يصير فقيه النفس ، فلا طريق له إلا ممارسة الفقه وحفظه ~~وتكراره . وهو في الابتداء متكلف ، حتى ينعطف منه على نفسه وصف الفقه ، ~~فيصير فقيه بمعنى أنه حصل للنفس هيئة مستعدة ، نحو تخريج الفقه ، فيتيسر له ~~ذلك طبعا مهما حاوله . وكذلك الأمر في جميع صفات النفس . وكما أن طالب رتبة ~~الفقه لا يحرم هذه الرتبة بتعطيل ليلة ، ولا ينالها بزيادة ليلة ، فكذلك ~~طالب كمال النفس لا ينالها بعبادة يوم ، ولا يحرمها بنقصان يوم . ولكن ~~تعطله في يوم واحد ، يدعو إلى مثله . ثم يتداعى PageV01P048 قليلا قليلا ، ~~حتى تأنس النفس بالكسل وتهجر التحصيل فيفوته فضيلة الفقه ، فكذا صغائر ~~المعاصي ، بعضها يدعو إلى بعض . وكما أن تكرار ليلة لا يحس بأثره في تفقه ~~النفس ، فإنه يظهر شيئا فشيئا ، مثل نمو البدن وارتفاع القامة ، فكذلك ~~الطاعة الواحدة ، قد لا يحس أثرها في النفس وكمالها في الحال ، ولكن ينبغي ~~أن لا يستهان بها ، فإن الجملة مؤثرة ، وإنما جمعت من الآحاد ، فلكل واحد ~~تأثير . ثم ما من طاعة إلا ولها أثر ما وإن خفيى ms036 ، وكذلك المعصية . وكم من ~~فقيه مسوف يستهين بتعطيل يوم وليلة ، وهكذا على التوالي ، فيفوته كمال ~~العلم . فكذا من يستهين بصغار المعاصي ينتهي به الأمر إلى حرمان السعادة . ~~وكم من فقيه موفق لا يستهين بتعطيل يوم وليلة ، فهكذا على التوالي ، فيحرز ~~كمال النفس والعلم . فكذا من لا يبستهين بصغار المعاصي ينتهي به الأمرإلى ~~درجات السعادة ، إذ القليل يدعو إلى الكثير ، ولذلك قال أمير المؤمنين علي ~~بن أبي طالب ، رضي الله عنه : ' الإيمان يبدو في القلب نكتة بيضاء كلما ~~أزداد الإيمان إزداد ذلك البياض . فإذا استكمل العبد الإيمان ابيض القلب ~~كله . وإن النفاق يبدو في القلب نكتة سوداء ، كلما ازداد النفاق ازداد ذلك ~~السواد . فإذا استكمل العبد النفاق ، اسود القلب كله ' . # | بيان مجامع الفضائل التي بتحصيلها تنال السعادة # إذا عرف أن السعادة تنال بتزكية النفس وتكميلها ، وأن تكميلها باكتساب ~~الفضائل كلها ، فلا بد من أن يعرف الفضائل جملة وتفصيلا . فأما الفضائل ~~بجملتها ، فتنحصر في معنيين : أحدهما جودة الذهن والتمييز والآخر حسن الخلق ~~. أما جودة الذهن فليميز بين طريق السعادة والشقاوة ، فيعمل به ، وليعتقد ~~الحق في الأشياء على ما هي عليه ، عن براهين قاطعة مفيدة لليقين ، لا عن ~~PageV01P049 تقليدات ضعيفة ، ولا عن تخييلات مقنعة واهية . وأما حسن الخلق ~~، فبأن يزيل جميع العادات السيئة ، التي عرف الشرع تفاصيلها ، ويجعلها بحيث ~~يبغضها ، فيجتنبها كما يجتنب المستقذرات . وأن يتعود العادات الحسنة ويشتاق ~~إليها فيؤثرها ، ويتنعم بها كما قال عليه السلام : ' جعلت قرة عيني في ~~الصلاة ' . ومهما كانت العبادات ، وترك المحظورات مع استثقال وكراهة ، فذلك ~~لنقصان ، ولا ينال كمال السعادة به . نعم المواظبة عليه بالمجاهدة غاية ~~الخير ، ولكن لا بالإضافة إلى فعله عن طوع ورغبة ، وإنما قيل : الحق مرة ~~بالإضافة إلى من لم يتهذب ، فبقي فيه صوارف عن الحق . ولذلك قال تعالى : ( ~~وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ) . ولذلك قال عليه السلام : ' إن استطعت أن ~~تعمل في الرضا لله ، فأعمل ، وإلا ففي الصبر على ما تكره خير كثير ' . ثم ~~لا يكفي في نيل السعادة استلذاذ الطاعة ، واستكراه المعصية ms037 في زمان دون ~~زمان ، بل ينبغي أن يكون ذلك على الدوام في جملة العمر . وكلما كان العمر ~~أطول كانت الفضيلة أرسخ وأكمل . ولذلك لما سئل عليه السلام عن السعادة ، ~~قال : ' طول العمر في طاعة الله ' . ولذلك كره الأنبياء والأولياء الموت ، ~~فإن الدنيا مزرعة للآخرة . وكلما كانت العبادات أكثر بطول العمر ، كان ~~الثواب أكثر ، والنفس أزكى وأطهر ، وكمالها أتم ، وابتهاج صاحبها بجمالها ~~عند التجرد عن علائق البدن أشد وأوفر . وذلك إذا تنبه عن نومه الذي أغفله ~~عن إدراك حال نفسه ، من جمال يبتهج به ، أو خزي وخيال يفتضح به ، وذلك ~~التنبه بإطراح الشواغل . فالناس نيام ، فإذا ماتوا انتبهوا . فهذه مجامع ~~الفضائل ، وغايتها أن تصدر منه الفضائل أبدا بغير فكر وروية وتعب ، ويطلع ~~على الحق PageV01P050 بغير تعب طويل ، حتى كأنه يصدر منه ، وهو في غفلته ~~كالصانع الحاذق في الخياطة والكتابة . وغاية الرذالة أن ترشح منه الرذائل ~~بغير تكلف ولا فكر ولا روية . واعلم أن هذه الفضائل المحصورة في فن نظري ، ~~وفي فن عملي ، يحصل كل واحد منها على وجهين : أحدهما بتعلم بشري وتكلف ~~اختياري ، يحتاج فيه إلى زمان وتدرب وممارسة ، وتقوي الفضيلة في شيئا فشيئا ~~خفي التدريج ، كتدريج الشخص في النمو ، وإن كان في الناس من يكفيه أدنى ~~ممارسة ، وذلك بحسب الذكاء والبلادة . والثاني يحصل بجود إلهي ، نحو أن ~~يولد الإنسان ، فيصير بغير معلم عالما ، كعيسى بن مريم ويحيى بن زكريا ، ~~وكذا سائر الأنبياء الذين حصل لهم من الاحاطة بحقائق الأمور ، ما لم يحصل ~~لطلاب العلم بالتعلم . وقيل : إن ذلك قد يحصل أيضا لغير الأنبياء ، وهم ~~الذين يعبر عنهم بالأولياء . وهذا الآن رزق لا يمكن اكتسابه بالجهد ، فمن ~~حرم ذلك ، فليجتهد أن يكون من الفريق الثاني ، وليعلم نزول رتبته عن رتبة ~~أولئك ، ' فليس التكحل في العينين كالكحل ' . ولا ينبغي أن تستبعد أن يكون ~~بالطبع في مبدأ الفطرة من العلوم ما يحصل بالجهد والاكتساب ، كما يكون ذلك ~~في الأخلاق . فرب صبي صادق اللهجة سخي جريء ، وربما تخلق بخلافه ، وذلك ~~يحصل بالتأديب والتربية . فإذا ms038 الفضيلة تارة تحصل بالطبع وطورا بالاعتياد ، ~~ومرة بالتعلم . فمن تضافرت في حقه الجهات الثلاث ، حتى صار ذا فضيلة طبعا ~~واعتيادا وتعلما فهو في غاية الفضيلة . ومن كان رذلا من هذه الجهات الثلاث ~~فهو في غاية الرذالة ، وبينهما رتبة من اختلفت فيه هذه الجهات . ~~PageV01P051 # | بيان تفصيل الطريق إلى تهذيب الأخلاق # ينبغي أن تعلم أن علاج النفس بمحو الرذائل عنها وبكسب الفضائل ، مثاله ~~علاج الأبدان بمحو العلل عنها ، وبكسب الصحة لها . وكما أن الغالب على أصل ~~المزاج الاعتدال ، وإنما تعتري العلة المغيرة للاعتدال بعوارض الأغذية ~~وغيرها ، فكذا كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه وينصرانه ~~ويمجسانه . والمقصود أنه بالتعليم والاعتياد يكتسب الرذائل . وكما أن البدن ~~في الابتداء لا يخلق كاملا ، وإنما يكمل بالنشوء والتربية بالغذاء ، فكذلك ~~النفس تخلق ناقصة ، وإنما تكتمل بالتزكية وتهذيب الأخلاق والتغذية بالعلم . ~~وكما أن البدن ، إن كان صحيحا فشأن الطبيب تمهيد القانون الحافظ للصحة ، ~~فإن كان مريضا فشأنه جلب الصحة إليه ، فكذا النفس منك إن كانت زاكية ، ~~طاهرة ، مهذبة الأخلاق ، فينبغي أن تسعى لحفظ صحتها وجلب مزيد قوة وصفاء ~~إليها . وكما أن العلة المغيرة للاعتدال ، الموجبة للمرض ، لا تعالج إلا ~~بضدها ، إن كانت من حرارة فبالبرودة وبالعكس ، فكذا الرذيلة الموجبة لنقصان ~~النفس ، علاجها بضدها ، كما سبق من علاج الجهل بالتعلم ، والبخل بالتسخي ~~تكلفا ، والكبر بالتواضع تكلفا ، والشره بالكف عن المشتهى تكلفا . وكما أن ~~كل مبرد لا يكفي لعلة أوجبتها الحرارة ، إلا إذا كان على حد مخصوص ، ويختلف ~~ذلك بالشدة والضعف ، والدوام وعدمه ، وبالكثرة والقلة ، ولا بد له من عيار ~~يغرف به مقدار النافع منه ، فإن لم يحفظ عياره زاد الفساد ، فكذلك النقيض ، ~~الذي يعالج به الأخلاق لا بد له من عيار . وكما أن عيار الدواء مأخوذ من ~~عيار العلة ، حتى أن الطبيب لا يعالج ما لم يعرف أن العلة من حرارة أو ~~برودة ، وإن كانت الحرارة ، فما درجتها ، أهي ضعيفة أو قوية ، فإذا عرف ~~التفت معه إلى أحوال البدن ، وأحوال الزمان والصناعة التي المريض ~~PageV01P052 بصددها وعالج بحسبها ، فكذلك ms039 الشيخ المتبوع ، الذي يطلب نفوس ~~المريدين والمسترشدين ، ينبغي أن لا يهجم عليهم بالرياضة والتكاليف في فن ~~مخصوص ، ما لم يعرف أخلاقهم . فإذا عرف ما هو الغالب على المريد من الخلق ~~السيء ، وعرف مقداره ، ولاحظ حاله وسنه ، وما يحتمله من المعالجة ، عين له ~~الطريق . ولذلك ترى الشيخ يشير على بعض المريدين أن يخرج إلى السوق للكدية ~~وذلك أن توسم فيه نوع رياسة وتكبر ، فيعالجه بما يراه ذلا ، وهو نقيض خلقه ~~، حتى ينكسر به تكبره ، ويشير على بعضهم بتعهد بيت الماء ، واعداد نبل ~~الاستنجاء ، وذلك إذا رأى نفسه مائلة إلى الرعونة في النظافة المجاوزة حد ~~الاعتدال . وقد يشير عليه بالصوم ، ويأمره بالوصال ، إلا بمقدار يخرج به عن ~~موجب النهي ، وذلك إذا رآه شابا قوي الشهوة ، مولعا بشهوة البطن والفرج ، ~~إلى غير ذلك من طرق التهذيب . وعن بعضهم : أنه كان يعالج قوة الغضب ، ~~ويتكلف صفة الحلم ، فكان يعطي السفهاء الأجرة ، ليجبهوه بالشتم في المحافل ~~، فيتعود احتماله ، فصار بحيث يضرب به المثل في الحلم . وكان آخر يدرج نفسه ~~في الشجاعة ، فيركب البحر في الشتاء ، وآخر كان يهيئ المآكل الطيبة ويطعمها ~~غيره بحضرته ، وهو يقتصر على خبز الشعير لكسر الشره ، وعباد الهند يعالجون ~~الكسل عن العبادة بقيام طول ليلة على رجل واحدة لا ينتقل عنها . وآخر عالج ~~حب المال بأن باع كل ماله ورمى بثمنه في البحر . فهذا طريق جملي في تهذيب ~~الأخلاق ، والكلام في تفصيله يطول ، والغرض أن تنظر ، أيها المتشوق إلى ~~تزكية نفسك في أخلاقك . فإن كانت مهذبة فاحفظها ، وإن كانت مائلة فقومها ~~بالرد إلى حد الاعتدال ، على ما سيأتي تفصيله ، فإن المقصود من جلب ~~الاعتدال سلب الطرفين ، إذ الغرض تطهير النفس عن الصفات التي تلحقها بعوارض ~~البدن ، حتى لا تلتفت إليها بعد المفارقة ، عاشقة PageV01P053 ومتأسفة على ~~قوتها ، وممنوعة بالاشتغال والتألم بها عن السعادات اللائقة بجوهرها . ~~ومهما أردنا أن لا يكون الماء حارا ولا باردا ، طلبنا فيه الاعتدال وكان ~~الفاتر لا حارا ولا باردا ، فكذلك هذه الصفات . فإن قلت : فبماذا اعلم أن ~~الحاصل ms040 لي هو الخلق الجميل ، وهو الوسط المعتدل بين طرفي الافراط والتفريط ~~؟ فطريقك أن تنظر في الأفعال ، التي يوجبها ذلك الخلق الذي فيه مجاهدتك ، ~~فإذا التذذت بفعله ، فاعلم أن الخلق الموجب له راسخ في نفسك ، فإن كان ذلك ~~الفعل قبيحا فاعلم أن الخلق قبيح ، مثل أن تلتذ بامساك المال وجمعه . ~~فموجبه خلق البخل ، فعود نفسك نقيضه ، والأخلاق الحسنة والسيئة قد فصلها ~~الشرع ويجمعها ما صنف في آداب النبي عليه السلام ، وهي مشهورة وسنشير إلى ~~جملها . ونعني بالاعتدال أنك لو كنت تلتذ بالاسراف في تفريق المال ، فتعلم ~~أن هذا أيضا مذموم وهو الذي يعبر عنه بالتبذير . والمحمود المعتدل هو ~~السخاء الواقع بين التحرق والتبذير ، وهو أن يتيسر عليك بذل ما يقتضي الشرع ~~والعقل إمساكه ، عن طوع ورغبة ، وكذا في سائر الصفات ، والواحد منها كاف في ~~المثال ، وإذا عرفت أن معيار الأعمال مأخوذ من مقدار الصفات والأخلاق ، لم ~~يخف عليك أن الطريق في هذا تختلف باختلاف الأشخاص ، وتختلف في حق شخص واحد ~~باختلاف الأحوال . فمن رزق البصيرة ، تتبع العلة وعالجها بطريقها . ولما ~~كان أكثر الناس يعجزون عنه ، وعسر على الشرع تفصيل يفي بجميع الأشخاص ، في ~~جميع الأعصار ، اقتصر الشرع في التفصيل على القوانين المشتركة ، التي تعم ~~جدواها من الطاعات وترك المعاصي المحذورة ، ثم رغب عن المباحاة التي تقصد ~~للتلذذ بأمور جميلة كقوله : ' حب الدنيا رأس كل خطيئة ' ، وأمثاله . ثم عرف ~~أهل البصيرة منه غاية المطلوب وطريقه ، وغاية المحذور وطريقه ، ووقفوا به ~~على التفصيل ، وأرشدوا إليه من وفق لاتباعهم ، PageV01P054 فكانوا نوابا عن ~~الأنبياء في تفصيل ما أجملوه وشرح ما مهدوه . ولذلك قال عليه السلام : ' ~~العلماء ورثة الأنبياء ' . # | بيان أمهات الفضائل # الفضائل ، وإن كانت كثيرة فتجمعها أربعة تشمل شعبها وأنواعها ، وهي ~~الحكمة ، والشجاعة ، والعفة ، والعدالة . فالحكمة فضيلة القوة العقلية ، ~~والشجاعة فضيلة القوة الغضبية ، والعفة فضيلة القوة الشهوانية ، والعدالة ~~عبارة عن وقوع هذه القوى على الترتيب الواجب فيها تتم جميع الأمور ، ولذلك ~~قيل : بالعدل قامت السموات والأرض . فلنشرح آحاد هذه الأمهات ، ثم لنشرح ~~بيانها وما ينطوي ms041 من الأنواع تحتها . فأما الحكمة فنعني بها مع عظم الله ~~تعالى في قوله : ( ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ) . وما أراده رسول ~~الله حيث قال : ' الحكمة ضالة المؤمن ' . وهي منسوبة إلى القوة العقلية ، ~~وقد عرفت فيما سبق ، أن للنفس قوتين : إحداهما تلي جهة فوق ، وهي التي بها ~~تتلقى حقائق العلوم الكلية الضرورية والنظرية من الملأ الأعلى ، وهي العلوم ~~اليقينية الصادقة أزلا وأبدا ، لا تختلف باختلاف الأعصار والأمم ، كالعلم ~~بالله تعالى وصفاته وملائكته وكتبه ورسله ، وأضاف خلقه في العالم . بل من ~~جملة العلم أن النفي والاثبات لا يصدقان على شيء واحد في حال واحدة ، وكذلك ~~العلوم الحقيقية . فهذه العلوم هي الحكمة الحقيقية . والقوة الثانية هي ~~التي تلي جهة تحت ، أعني جهة البدن وتدبيره وسياسته ، وبها تدرك النفس ~~الخيرات في الأعمال وتسمى العقل العملي ، وبها يسوس قوى نفسه ويسوس أهل ~~بلده ومنزله ، واسم الحكمة لها من وجه كالمجاز لأن معلوماتها كالزيبق ~~PageV01P055 تتقلب ولا تثبت ، فمن معلوماتها أن بذل المال فضيلة ، وقد يصير ~~رذيلة في بعض الأوقات ، وفي حق بعض الأشخاص . فلذلك كان اسم الحكمة بالأول ~~أحق ، وهذا الثاني كالكمال والتتمة للأول ، وهذه هي الحكمة الخلقية ، ~~والأولى هي الحكمة العلمية النظرية ، ونعني بالحكمة الخلقية حالة وفضيلة ~~للنفس العاقلة ، بها تسوس القوة الغضبية والشهوانية ، وتقدر حركاتها بالقدر ~~الواجب في الانقباض والانبساط ، وهي العلم بصواب الأفعال . وهذه الفضيلة ~~تكتنفها رذيلتان ، وهما الخب والبله ، فهما طرفا إفراطها وتفريطها ، أما ~~الحب فهو طرف إفراطها ، وهو حالة يكون بها الإنسان ذا مكر وحيلة ، بإطلاق ~~الغضبية والشهوانية يتحركان إلى المطلوب حركة زائدة على الواجب . وأما ~~البله ، فهو طرف تفريطها ونقصانها عن الاعتدال . وهي حالة للنفس ، تقصر ~~بالغضبية والشهوانية عن القدر الواجب ، ومنشأه بطؤ الفهم ، وقلة الاحاطة ~~بصوب الأفعال . وأما الشجاعة فهي فضيلة للقوة الغضبية ، لكونها قوية ، ومع ~~قوة الحمية ، منقادة للعقل المتأدب بالشرع ، في إقدامها وإحجامها ، وهي وسط ~~بين رذيلتيها المطيفتين بها ، وهما التهور والجبن . فالتهور لطرف الزيادة ~~عن الاعتدال ، وهي الحالة التي بها يقدم الإنسان على الأمور ms042 المحظورة ، ~~التي يجب في العقل الاحجام عنها ، وأما الجبن فلطرف النقصان ، وهي حالة بها ~~تنقص حركة الغضبية عن القدر الواجب ، فتصرف عن الإقدام حيث يجب الإقدام . ~~ومهما حصلت هذه الأخلاق ، صدرت منها هذه الأفعال ، أي يصدر من خلق الشجاعة ~~الإقدام حيث يجب وكما يجب ، وهو الخلق الحسن المحمود ، وإياه أريد بقوله ~~تعالى : ( أشداء على الكفار رحماء بينهم ) ، فلا الشدة في كل مقام محمودة ، ~~ولا الرحمة ، بل المحمود PageV01P056 ما يوافق معيار العقل والشرع . فمن ~~حصل له ذلك ، فليحفظه بالمواظبة على أفعاله . ومن لم يحصل له ، فلينظر ، ~~فإن كان طبعه مائلا إلى النقصان الذي هو الجبن ، فليتعاط أفعال الشجعان ، ~~متكلفا مواظبا عليه ، حتى يصير له الاعتياد طبعا وخلقا ، فيفيظ منه أفعال ~~الشجعان بعد ذلك طبعا ، وإن كان مائلا إلى طرف الزيادة ، وهو التهور ، ~~فليشعر نفسه بعواقب الأمور ، وليعظم أخطارها ، وليتكلف الإحجام إلى ~~الاعتدال ، أو ما يقرب منه . فإن الوقوف على حد الاعتدال شديد ، ولو تصور ~~ذلك ، لارتحلت النفس عن البدن ، وليس معها علاقة منه ، فكانت لا تتعذب أصلا ~~بالتأسف على ما يفوتها منه ، وكان لا يتكدر عليها ابتهاجها بما يتجلى لها ~~من جمال الحق وجلاله . ولكن لما عسر ذلك قيل : ( وإن منكم إلا واردها ) . ~~وقد رأى بعض المشايخ رسول الله في المنام فقال : ما الذي أردت بقولك ' ~~شيبتني سورة هود ' ، فقال : قوله ( استقم كما أمرت ) ، يعني الاستمرار على ~~الصراط المستقيم . وطلب الوسط بين هذه الأطراف شديد ، وهو أدق من الشعر ~~وأحد من السيف ، كما وصف من حال الصراط في الدار الآخرة ، ومن استقام على ~~الصراط في الدار الدنيا ، استقام على الصراط في الآخرة مستقيما ، إذ يموت ~~المرء على ما عاش عليه ، ويحشر على ما مات عليه . ولذلك وجب في كل ركعة من ~~الصلاة قراءة الفاتحة المشتملة على قوله : ( إهدنا الصراط المستقيم ) ، ~~فإنه أعقد الأمور وأعصاها على الطالب . ولو كلف ذلك في خلق واحد لطال ~~العناء فيه . وقد كلفنا ذلك في جميع الأخلاق ، مع خروجها عن الحصر ، كما ~~سيأتي . ولا مخلص عن هذه ms043 المحظورات إلا بتوفيق الله ورحمته ولذلك قال عليه ~~السلام : PageV01P057 ' الناس كلهم موتى إلا العالمون ! والعالمون كلهم ~~موتى إلا العاملون ، والعاملون كلهم موتى إلا المخلصون ، والمخلصون على خطر ~~عظيم ' ، فنسأل الله تعالى أن يمدنا بتوفيقه لنجاوز الأخطار في هذه الدار ، ~~ولا ننخدع بدواعي الاغترار . وأما العفة ، فهي فضيلة القوة الشهوانية ، وهي ~~انقيادها على تيسر وسهولة للقوة العقلية ، حتى يكون انقباضها وانبساطها ~~بحسب إشارتها ، ويكتنفها رذيلتان : الشره والخمود ، فالشره هو إفراط الشهوة ~~، إلى المبالغة في اللذات التي تستقبحها القوة العقلية وتنهي عنها ، ~~والخمود هو خمود الشهوة عن الانبعاث إلى ما يقتضي العقل نيله وتحصيله ، ~~وهما مذمومان ، كما أن العفة التي هي الوسط محمودة ، وعلى الإنسان أن يراقب ~~شهوته ، والغالب عليها الإفراط لا سيما إلى منقضى الفرج والبطن ، وإلى ~~المال والرياسة وحب الثناء ، والإفراط والتفريط في كل ذلك نقصان ، وإنما ~~الكمال في الاعتدال ، ومعيار الاعتدال العقل والشرع ، وذلك أن يعلم الغاية ~~المطلوبة من خلق الشهوة والغضب ، مثلا بأن يعلم أن شهوة الطعام ، إنما خلقت ~~لتبعث على تناول الغذاء الذي يسد خلل ما ينحل من أجزائه بالحرارة الغريزية ~~، حتى يبقى البدن حيا والحواس سليمة ، ليتوصل بالبدن إلى نيل العلوم ، ودرك ~~حقائق الأمور ، ويتشبه بالطبقة العليا بالإضافة إليه ، وهي رتبة الملائكة ، ~~وبها كمالها وسعادتها . ومن عرف هذا كان قصده من الطعام التقوى على العبادة ~~، دون التلذذ به ، فيقتصر ويقتصد لا محالة ، ولا يشتد إليه شرهه ، ويعلم أن ~~شهوة الجماع خلقت فيه لتكون باعثة على الجماع الذي هو سبب بقاء النوع ~~محفوظا ليطلب النكاح للولد والتحصن ، لا للعب والتمتع ، وإن تمتع ولعب كان ~~باعثه عليه الآلف والاستمالة الباعثة على حسن الصحبة ودوام النكاح ، ويقتصر ~~من الأنكحة على القدر الذي لا يعجزه عن القيام بحقوقه . ومن عرف ذلك سهل ~~عليه PageV01P058 الاقتصار ، وعند ذلك لا يقيس نفسه بصاحب الشرع عليه ~~السلام ، إذ كان لا يشغله كثرة الأنكحة عن ذكر الله تعالى ، ولا يلزمه طلب ~~الدنيا لأجل الأزواج . ومن ظن أن ما لا يضر صاحب الشرع لا يضره ، كان ms044 كمن ~~ظن أن ما لا يغير البحر الخضم من النجاسات ، لا يغير كوزا مغترفا من البحر ~~، وأن ما لا يضر الشخص القوي البنية السي من الأطعمة اللذيذة ، لا يضر ~~الصبي الرضيع السخيف البنية . وكم من أحمق يتكايس ، فيقيس نفسه بصاحب الشرع ~~، مقايسة الملائكة بالحدادين ، فيهلك من حيث لا يدري . نعوذ بالله من عمش ~~البصيرة ، فإنه يكاد يكون أردى من العمى ، إذ الأعمى يعتقد عجزه فيقلد ~~فيهديه غيره ، والأعمش ينفتح من بصيرته بقدر ما يستنكف به من الاتباع ثم لا ~~يكمل نوره بحيث يستكمل مستمرا في سواء السبيل ، ومن هذه حاله لا يبالي الله ~~في أي واد هلك . ولقد رأيت جماعة من الحمقى العوام يتكايسون في التصوف ~~بآرائهم ويزعمون أن هذه الشهوات لم خلقت إن كان اتباعها مذموما ومهلكا ، ~~ولم يعلموا أن تحت خلق الشهوتين ، أعني شهوة الفرج والبطن ، حكمتين عظيمتين ~~: إحداهما إبقاء الشخص بالغذاء والنوع بالحرث ، فإنهما ضروريتان في الوجود ~~بحكم إجراء الله سنته بمشيئة الله الأزلية التي لا يجد لها تبديلا ولا ~~تحويلا ، والثانية ترغيب الخلق في السعادات الآخروية ، فإنهم ما لم يحسوا ~~بهذه اللذات والآلام لم يرغبوا في الجنة ولم يحذروا النار ، ولو وعدوا بما ~~لا عين رأت ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، لما أثر ذلك بمجرده في ~~نفوسهم ، هذا حد العفة . وأما العدل فهو حالة للقوى الثلاث في انتظامها على ~~التناسب ، بحسب الترتيب الواجب في الاستعلاء والانقياد ، فليس هو جزءا من ~~الفضائل ، بل هو عبارة عن جملة من الفضائل ، فإنه مهما كان بين الملك وجنده ~~ورعيته ترتيب محمود ، بكون الملك بصيرا قاهرا ، وكون الجند ذوي قوة وطاعة ، ~~وكون الرعية PageV01P059 ضعفاء سلسي الانقياد ، قيل : إن العدل قائم في ~~البلد . ولن ينتظم العدل بأن يكون بعضهم بهذه الصفات دون كلهم ، وكذلك ~~العدل في مملكة البدن بين هذه الصفات . والعدل في أخلاق النفس يتبعه لا ~~محالة العدل في المعاملة والسياسة ، ويكون كالمتفرع منه . ومعنى العدل ~~الترتيب المستحب ، إما في الأخلاق ، وإما في حقوق المعاملات ، وإما في ~~أجزاء ms045 ما به قوام البلد . والعدل في المعاملة وسط بين رزيلتي الغبن أن يأخذ ~~ما ليس له ، والتغابن أن يعطي في المعاملة ما ليس عليه حمد وأجر . والعد في ~~السياسة أن ترتب أجزاء المدينة الترتيب المشاكل لترتيب أجزاء النفس ، حتى ~~يكون المدينة في ائتلافها وتناسب أجزائها ، وتعاون أركانها على الغرض ~~المطلوب من الاجتماع ، كالشخص الواحد ، فيوضع كل شيء موضعه ، وينقسم سكانه ~~إلى مخدوم لا يخدم وإلى خادم ليس بمخدوم ، وغلى طبقة يخدمون من وجه ، ~~ويخدمون من وجه آخر ، كما ذكرناه في قوى النفس . ولا يكتنف العدل رذيلتان ، ~~بل رذيلة الجور المقابلة له ، إذ ليس بين الترتيب وعدم الترتيب وسط ، وبمثل ~~هذا الترتيب والعدل قامت السموات والأرض حتى صار العالم كله كالشخص الواحد ~~، متعاون القوى والأجزاء ، وإذ قد ذكرنا جملة هذه الأمهات فلنذكر تفصيل ما ~~يندرج تحت كل فضيلة ورذيلة من أنواع الفضائل والرذائل ، مبتدئين فيه بالقوة ~~العقلية ، ثم الغضبية ، ثم الشهوانية ، ليكون ذلك أشفى في البيان . بيان ما ~~يندرج تحت فضيلة الحكمة ورذيلتيها من الخب والبله : أما الحكمة فيندرج تحت ~~فضيلتها حسن التدبير وجودة الذهن وثقابة الرأي وصواب الظن . أما حسن ~~التدبير فهو جودة الروية في استنباط ما هو الأصلح والأفضل في تحصيل الخيرات ~~العظيمة والغايات الشريفة مما يتعلق بك أو تشير به على غيرك في تدبير منزل ~~أو مدينة أو مقاومة عدو ودفع شر ، وبالجملة في كل أمر متفاقم خطير ، فإن ~~كان الأمر هينا حقيرا سمي كيسا ولم يسمى تدبيرا . وأما جودة الذهن فهو ~~القدرة على صواب الحكم عند اشتباه PageV01P060 الآراء وثوران النزاع فيها . ~~وأما نقابة الرأي فهو سرعة الوقوف على الأسباب الموصلة في الأمول إلى ~~العواقب المحمودة ، وأما صواب الظن فهو موافقة الحق لما تقتضيه المشاهدات ~~من غير استعانة بتأمل الأدلة . وأما رذيلة الخب فيندرج تحتها الدهاء ~~والجربزة ، فالدهاء هو جودة استنباط ما هو أبلغ في إتمام ما يظن صاحبه أنه ~~خير ، وليس بخير في الحقيقة ، ولكن فيه ربح خطير ، فإن كان الربح خسيسا سمي ~~جربزة ، فالفرق بين الدهاء ms046 والجربزة ، يرجع إلى الحقارة والشرف . وأما ~~رذيلة البله ، فتندرج تحتها الغمارة والحمق والجنون . فأما الغمارة فهي قلة ~~التجربة بالجملة في الأمور العملية ، مع سلامة التخيل . وقد يكون الإنسان ~~غمرا في شيء ، بحسب التجربة ، والغمر بالجملة هو الذي لم تحنكه التجارب . ~~وأما الحمق فهو فساد أول الرؤية فيما يؤدي إلى الغاية المطلوبة ، حتى ينهج ~~غير السبيل الموصل ، فإن كان خلقه ، سمي حمقا طبيعيا ولا يقبل العلاج . وقد ~~يحدث عند مرض ، فيزول بزوال المرض . وأما الجنون فهو فساد التخيل في انتقاء ~~ما ينبغي أن يؤثر ، حتى يتجه إلى إيثار غير المؤثر ، فالفاسد من الجنون ~~غرضه ، ومن الأحمق سلوكه ، إذ غرض الأحمق كغرض العاقل ، ولذلك لا يعرف في ~~أول الأمر إلا بالسلوك إلى تحصيل الغرض ، والجنون هو فساد الغرض ، ولذلك ~~يعرف في أول الأمر . PageV01P061 # | بيان ما يندرج تحت فضيلة الشجاعة # وهو الكرم ، والنجدة ، وكبر النفس ، والاحتمال ، والحلم ، والثبات والنبل ~~، والشهامة ، والوقار . أما الكرم فهو وسط بين البذخ والنذالة ، وهو طيب ~~النفس بالاتفاق في الأمور الجليلة القدر ، العظيمة النفع وقد يسمى حرية . ~~وأما النجدة ، فهو وسط بين الجسارة والانخذال ، وهو ثقة النفس عند ~~استرسالها إلى الموت ، مهما وجب ذلك من غير خوف . وأما كبر النفس فهو وسط ~~بين التكبر وصغر النفس ، وهو فضيلة يقدر بها الإنسان أن يؤهل نفسه للأمور ~~الجليلة ، مع استحقاره لها وقلة مبالاته بها ، ابتهاجا منه بقدر نفسه ~~وجلالتها . وأثره أن يقل شروره بالإكرام الكبير من العلماء ، ولا يسر ~~بإكرام الأوغال ، ولا بالأمور الصغار ، ولا بما يجري مجرى البخت والاتفاق ~~من السعادات . وأما الاحتمال فهو وسط بين الجسارة والهلع ، وهو حبس النفس ~~عن مسايرة المؤذيات . وأما الحلم فهو وسط بين الاستشاطة والانفراك ، وهي ~~حالة تكسب النفس الوقار . وأما الثبات فهو شدة النفس ، وبعدها من الخور . ~~وأما الشهامة ، فهو الحرص على الأعمال توقعا للجمال . وأما النبل فهو سرور ~~النفس بالأفعال العظام . وأما الوقار فهو وسط بين الكبر والتواضع ، وهو أن ~~يضع نفسه موضع استحقاقها لمعرفته بقدرها . وأما رذيلتا الشجاعة ، وهما ~~التهور والجبن ms047 ، فيندرج تحتهما البذخ ، والنذالة ، والجسارة ، والنكول ، ~~والتبجح ، وصغر النفس ، والهلع ، والاستشاطة ، والانفراك ، والتكبر ، ~~والتخاسس ، والتعجب ، والمهانة ، فما يميل منها إلى جانب الزيادة ، فهو تحت ~~التهور . وما يميل إلى جانب النقصان ، فهو تحت الجبن . فأما البذخ فهو ~~الانفاق فيما لا يجب من الزينة ، وغيرها طلبا للصلب . وأما النذالة فهي ~~الدنائة وترك الانفاق فيما يجب ، والافتخار بالأشياء الصغار . وأما الجسارة ~~، فالاستهانة بالموت ، حيث لا تجب الاستهانة ، وأما النكول ، فهو ~~PageV01P062 الانقباض فيما لا يجب عنه الانقباض ، خوفا من الهلاك ، وأما ~~التبجح فهو تأهيل النفس للأمور الكبار ، من غير استحقاق . وأما صغر النفس ، ~~فهو تأهيل النفس لما دون الاستحقاق . وأما الجسارة ، فهو قلة التأثر بأسباب ~~الهلاك ، من غير أثر جميل تقتضيه ، وأما الهلع ، فهو سوء احتمال الآلام ~~والمؤذيات ، وأما الاستشاطة فهو سرعة الغضب وحدته ، وأما الانفراك ، فهو ~~بطؤ الغضب وبلادته ، وأما التكبر فهو رفع النفس فوق قدرها ، وأما التخاسس ، ~~فحط النفس في الكرامة والتوقير إلى ما دون قدرها ، فإن كان على الوجه ~~الواجب سمي تواضعا محمودا ، والمولد للكبر هو العجب ، وذلك جهل الإنسان ~~بمقدار نفسه ، وظنه أنها على رتبة عالية من غير أن تكون كذلك . وذم الناس ~~للتكبر والبخل أشد من ذمهم للتخاسس والتبذير ، فإنهما في غاية القبح ، ~~وهذان وإن كانا مذمومين ، فهما شبيهان بالسخاء والتواضع ، وربما يدق الفرق ~~بينهما ، فيظن أنهما محمودان ، وهما رذيلتان بالحقيقة ، ومائلتان عن الوسط ~~. ولذلك قال عليه السلام : ' طوبى لمن تواضع من غير منقصة ، وذل في نفسه من ~~غير مسكنة ' . # | بيان ما يندرج تحت فضيلة العفة ورذيلتها # أما فضائل العفة فهي الحياء ، والخجل ، والمسامحة ، والصبر ، والسخاء ، ~~وحسن التقدير ، والانبساط ، والدماثة ، والانتظام ، وحسن الهيئة ، والقناعة ~~، والهدوء ، والورع ، والطلاقة ، والمساعدة ، والتسخط ، والظرف . أما ~~الحياء فهو وسطبينقاحة والخنوثة ، وقيل في حده أنه ألم يعرض للنفس عند ~~الفزع من النقيصة . وقيل : إنه خوف الإنسان من تقصير ، يقع فيه عند من هو ~~أفضل منه ، وقيل أنه رقة الوجه عند إتيان القبائح ، وتحفظ النفس عن مذمومة ~~يتوجه عليها الحق فيها . وبالجملة ، فإنه يستعمل PageV01P063 في الانقباض ms048 ~~عن القبح ويستعمل في الانقباض عما يظنه المستحي قبحا . وهذا الأخير يليق ~~بالصبيان والنساء وهو مذموم من العقلاء . والأول جميل من كل أحد والمراد ~~بقوله : ' إن الله يستحي من ذي شيبة في الإسلام أن يعذبه ' ، أنه يترك ~~تعذيبه . وأما الخجل ، فهو فترة النفس لفرط الحياء ، وإنما يحمد في الصبيان ~~والنساء ، دون الرجال . وإنما يستحي الإنسان ممن يكبر في نفسه . فأما من ~~يستحي من الناس ، فنفسه أخس عنده من غيره ، ومن لا يستحي من الله فلعدم ~~معرفته لجلاله ، ولذلك قال عليه السلام : ' استحيوا من الله حق الحياء ' . ~~ولذلك قال تعالى : ( ألم يعلم بأن الله يرى ) ، فإنه مهما أحس في نفسه أن ~~الله يراه ، فيستحي لا محالة إن كان متدينا معظما ، كما قال عليه السلام : ~~' لا إيمان لمن لا حياء له ' لأن الحياء للإنسان ، هو أول إمارات العقل ، ~~والإيمان آخر مراتب العقل ، وكيف ينال المرتبة الأخيرة من لم يجاوز الأولى ~~؟ . وأما المسامحة ، فهو التجافي عن بعض الاستحقاق باختيار وطيب نفس ، وهو ~~وسط بين المنافسة والإهمال . وأما الصبر ، فهو مقاومة النفس للهوى ، ~~واحتماؤها عن اللذات القبيحة . وأما السخاء فهو وسط بين التبذير والتقتير ، ~~وهو سهولة الانفاق وتجنب اكتساب الشيء من غير وجهه . وأما حسن التقدير ، ~~فهو الاعتدال في النفقات احترازا عن طرفي التقتير والتبذير . وأما الدماثة ~~، فهو حسن هيئة النفس الشهوانية في الاشتياق إلى المشتهيات . وأما الانتظام ~~، فهو حال للنفس يدعوها إلى نظر ما يقدره من النفقات حتى يناسب بعضها بعضا ~~. وأما حسن الهيئة فمحبة الزينة الواجبة التي لا رعونة فيها . وأما القناعة ~~، فحسن تدبير المعاش ، من غير خب . وأما الهدوء ، فسكون النفس فيما تناله ~~من PageV01P064 اللذات الجميلة . وأما الورع ، فوسط بين الرياء والهتكة ، ~~وهو تزيين النفس بالأعمال الصالحة الفاضلة طلبا لكمال النفس ، وتقربا إلى ~~الله دون الرياء والسمعة . وأما الطلاقة فهو المزاج بالأدب من غير فحش ~~وافتراء ، وهو وسط بين الإفراط والتفريط في الجد والهزل ، وأما الظرف ، فهو ~~وسط بين التقطيب الذي هو الإفراط في التحاشي وبين الهزل ، وهو أن يعرف ~~الإنسان ms049 طبقات الجلساء ، ويحفظ أوقات الأنس ويعطي كلا ما هو أهله من ~~المباسطة في الوقت معه . ولما كان الإنسان مفتقرا إلى استراحة ضرورية ~~ترويحا للقلب ، لم يكن بد من نوع من العشرة . والدعابة مستطابة غير مترقية ~~إلى الهزل ، لكن بمقدار ما يفارق به الإنسان حد التوحش وسيرة الجفاء غير ~~مجاوز إلى دأب المساخر في المضحكات . وقد نقل من دعابة رسول الله وأصحابه ~~ما ينبه على جنسه ، ولسنا نطول به ، وأما المساعدة ، فهو وسط بين الشكاسة ~~والملق ، وهو ترك الخلاف ، والإنكار على المعاشرين في الأمور الاعتيادية ~~إيثارا للتلذذ بالمخاطبة . وأما التسخط ، فهو وسط بين الحسد والشماتة ، وهو ~~الاغتمام بالخيرات الواصلة إلى من لم يستحقها ، والشرور التي تلحق من لا ~~يستحقها . وأما الرذائل المندرجة تحت رذيلتي العفة ، فهي الشره ، وكلال ~~الشهوة ، والوقاحة ، والتخنث ، والتبذير ، والتقتير ، والرياء ، والهتكة ، ~~والكزازة ، والمجانة ، والعبث ، والتحاشي ، والشكاسة ، والملق ، والحسد ، ~~والشماتة . فأما الوقاحة ، فلجاج النفس في تعاطي القبيح ، من غير احتزاز من ~~الذم . وأما التخنث ، فحال يعتري النفس من إفراط الحياء ، يقبض النفس عن ~~الانبساط قولا وفعلا . وأما التبذير فإفناء المال ، فيما لا يجب وفي الوقت ~~الذي لا يجب فيه ، وأكثر مما يجب . وأما التقتير ، فهو الامتناع من إنفاق ~~ما يجب ، وسببه البخل والشح واللؤم . ولكل واحد من هذه الثلاثة رتبة ، وأما ~~التقتير ، فهو الامتناع من إنفاق ما يجب ، وسببه البخل والشح واللؤم . ولكل ~~واحد من هذه الثلاثة رتبة . أما البخيل ، فهو الذي يفرط ويقصر في الإنفاق ، ~~خوفا من أن تضطره الفاقة إلى المسئلة ، والتذلل للأعداء ، وكأن سبب البخل ~~هو الجبن عند البحث . PageV01P065 وأما الشحيح فهو الذي يجمع إلى ما ذكرناه ~~أن يكره حسن حال غيره ، طمعا في أن يضطره إلى الحاجة إليه ، فينال به الجاه ~~والرفعة ، ومنشأ هذا ضرب من الجهل . وأما اللئيم ، فهو الذي يجمع إلى هذه ~~الصفات احتمال العار في الشيء الحقير ، وسببه نوع من الخبث ، وذلك مثل ~~المتلصص والديوث . وأما الرياء فهو التشبه بذوي الأعمال الفاضلة ، طلبا ~~للسمعة والمفاخرة . وأما الهتكة ، فالإعراض عن تزيين النفس ms050 بالأعمال ~~الفاضلة ، والمجاهرة بأضدادها ، وأما الكزازة ، فاإفراط في الجد . وأما ~~المجانة فالإفراط في الهزل ، وأما العبث فالإفراط في الإعجاب بلقاء الجليس ~~والأنيس . وأما التحاشي ، فإفراط في التبرم بالجليس . وأما الشكاسة ، ~~فمخالفة المعاشرين ، في شرائط الأنس ، وأما الملق فالتحبب إلى المعاشرين ، ~~مع التغافل عما يلحقه من عار الاستخفاف . وأما الحسد ، فالاغتمام بالخير ~~الواصل إلى المستحق ، الذي يعرفه الحاسد . وأما الشماتة ، فالفرح بالشر ~~الواصل إلى غير المستحق ، ممن يعرفه الشامت . وأما العدالة ، فجامعة لجميع ~~الفضائل والجور المقابل لها ، فجامع لجميع الرذائل ، وما من خلق من هذه ~~الأخلاق ، إلا وقد ورد في فضائله أخبار باعثة عليه ، وفي رذائله زواجر عنه ~~، ولم نر تطويل الكتاب بها ، فليطلب ذلك من آداب النبي عليه السلام ، وغيره ~~من الكتب ، وإنما الغرض بيان أن الإنسان بسبب هذه القوى الثلاث يحصل هذه ~~الأخلاق كلها . ولكل واحد طرفان وواسطة ، وهو مأمور بالتوسط والاستقامة بين ~~طرفي الإفراط والتفريط في جملة ذلك . حتى إذا حصل ذلك كله ، كمل كمالا ~~بقربه إلى الله تقريبا ، بالرتبة لا بالمكان ، بحسب قرب الملائكة المقربين ~~من الله عز وجل . فلله البهاء الأعظم ، والكمال الأتم . وكل PageV01P066 ~~موجود فمشتاق إلى الكمال الممكن له ، وهو غايته المطلوبة منه ، فإن ناله ~~التحق بأفق العالم الذي فوقه ، وإن حرم عنه انحط إلى الحضيض الذي تحته ، ~~فالإنسان بين أن ينال الكمال ، فليلتحق في القرب من الله بأفق الملائكة ، ~~وذلك سعادته ، أو يقبل على ما هو مشترك بينه وبين البهائم ، من رذائل ~~الشهوة والغضب ، فينحط إلى درجة البهائم ، ويملك هلاكا مؤبدا ، وهو شقاوته ~~، ومثاله الفرس الجواد الذي كماله في شدة عدوه ، فإن عجز عن ذلك حط إلى ~~رتبة ما دونه ، فاتخذ حمولة وأكولة . ومراتب الكمال للإنسان بحسب هذه ~~الأخلاق وبحسب العلوم غير منحصرة ، ولذلك تتفاوت درجات الخلق في الآخرة ، ~~كما تتفاوت في الدنيا في الخلق والأخلاق ، والثورة واليسار وسائر الأحوال . # | بيان البواعث على تحري الخيرات والصوارف عنها # أما الخيرات الدنيوية ، فالبواعث عليها ثلاثة أنواع : الترغيب والترهيب ~~بما يجري ويخشى في الحال والمال ، والثاني رجاء ms051 المحمدة وخوف المذمة ممن ~~يعتد بحمده وذمه ، والثالث طلب الفضيلة وكمال النفس ، لأنه كمال وفضيلة ، ~~لا لغاية أخرى وراءها ، فالأول مقتضى الشهوة ، وهي رتبة العوام ، والثاني ~~من مقتضى الحياء ومبادئ العقل القاصر ، وهو من أفعال السلاطين ، وأكابر ~~الدنيا ، ودهاتهم المعدودين من جملة العقلاء ، بالإضافة إلى العوام . ~~والثالث مقتضى كمال العقل ، وهو فعل الأولياء والحكماء ومحققي العقلاء . ~~ولتفاوت هذه الرتب قيل : خير ما أعطي الإنسان عقل يردعه ، فإن لم يكن فحياء ~~يمنعه ، فإن لم يكن فخوف يزعجه ، فإن لم يكن فمال يستره ، فإن لم يكن ~~فصاعقة تحرقه ، فيستريح منه العباد والبلاد . وهذا التفاوت يعهد لكل شخص من ~~صباه إلى كبره ، إذ هو في ابتداء PageV01P067 صباه لا يمكن زجره وحثه ~~بالحمد والذم بل بمطعوم حاضر ، أو ضرب ناجز يحس به . فإذا صار مميزا مقاربا ~~للبلوغ ، أمكن زجره وحثه بالمحمدة والمذمة . فطريق زجره مذمة المزجور عنه . ~~وتقبيح حال متعاطيه ، وطريق ترغيبه في تعلم الأدب وغيره لكثرة الثناء على ~~آتيه ، وكثرة الذم لمجتنبيه ، فيؤثر ذلك تأثيرا ظاهرا . وأكثر الخلق لا ~~يجاوزون هاتين المرتبتين إلى الرتبة الثالثة ، فيكون إقدامهم وإحجامهم ~~صادرا عن هذه البواعث والصوارف . وأما الرتبة الثالثة ، فيعزو وجودها ، ~~والخيرات الآخروية أيضا هذا شأنها . وبهذا الطريق تتفاوت الناس فيها ، إذ ~~لا فرق بين الآخروية والدنيوية ، إلا بتأخر وتقدم ، وإلا فالخبر مطلوب كل ~~عاقل عاجلا وآجلا . والبواعث على الطلب لا تعدو هذه الأقسام ، فكأن من أطاع ~~الله وترك معصيته فرتبه ثلاث : الأولى من يرغب في ثوابه الموصوف له في ~~الجنة ، أو يخاف من عقابه الموعود له في النار . وهذه الرتبة للعامة ، وهم ~~الأكثرون . والثانية رجاء حمد الله ومخافة ذمه ، أعني حمدا وذما في الحال ~~من جهة الشرع . وهذه منزلة الصالحين ، وهي أقل من الأولى بكثير . والثالثة ~~وهي العزيز الفذ رتبة من لا يبتغي إلا التقرب إلى الله تعالى وطلب مرضاته ، ~~وابتغاء وجهه والالتحاق بزمرة المقربين إليه ، زلفى من ملائكته ، وهو درجة ~~الصديقين والنبيين ، ولذلك قال تعالى : ( واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم ~~بالغداة والعشي يريدون ms052 وجهه ) ، وقيل لرابعة العدوية ' ألا تسألين الله ~~الجنة ؟ فقالت : الجار ثم الدار ' وقال بعضهم : من عبد الله لعوض ، فهو ~~لئيم . ولما كان العقل الضعيف لا يقف على كنه هذا المعنى ، وأكثر العقول ~~ضعيفة ، خلق الله الجنة والنار ، ووعد الخلق بهما زجرا وحثا ، وأطنب في ~~وصفهما ولم يتعرض لهذه المعاني إلا بالمرامز ، مثل قوله تعالى : ( يريدون ~~وجهه ) ، ( وأعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت PageV01P068 ~~ولا خطر على قلب بشر ) . وأما الصوارف فقصور أو تقصير . أما القصور ، ~~فالمرض المانع والشغل الضروري في طلب قوت النفس والعيال وما يجري مجراه . ~~وهذا معذور غير مذموم ، إلا أنه عن ذروة الكمال محروم ، ولا دواء له إلا ~~الفزع إلى الله تعالى ، لإماطة هذه الصوارف بجودة . وأما التقصير ، فقسمان ~~: أهل وشهوة غالبة . أما الجهل ، فهو أن لا يعرف الخيرات الآخروية وشرفها ~~وحقارة متاع الدنيا ، بالإضافة إليها ، وهو على رتبتين : إحداهما أن يكون ~~عن غفلة وعدم مصادفة مرشد منبه ، وهذا علاجه سهل ، ولأجله وجب أن يكون في ~~كل قطر جماعة من العلماء والوعاظ ، ينبهون الخلق عن غفلتهم ويرغبون عن ~~الدنيا في الآخرة ، لا على الوجه الذي ألفه أكثر وعاظ الزمن ، فهذا ما يجرأ ~~الخلق على المعاصي ، أو يحقر الدين عندهم . والثاني أن يكون لاعتقادهم أن ~~السعادة هي اللذات الدنيوية والرياسة الحاضرة ، وان أمر الآخرة لا أصل له ، ~~أو لأن الإيمان وحده كاف ، وهو مبذول لكل مؤمن كيف كان عمله ، أو يظن ~~الاتكال على عفو الله ينجيه ، وأن الله كريم رحيم ، لا نقصان له من معصية ~~العصاة ، فلا بد أن يرحمهم . وهذه أنواع من الحماقات فترت خلائق كثيرة عن ~~الطاعات ، وجرأتهم على المعاصي . فأما من ظن أن الآخرة لا أصل لها ، فهو ~~الكفر المحض ، والضلال الصرف . ومهما كان هذا الإعتقاد مصمما ، بعدت ~~الإنسانية عن صاحبه والتحق بالهلكي على كل حال ، وأما من ظن أن مجرد ~~الإيمان يكفيه ، فهو جهل بحقيقة الإيمان وغفلة عن قوله : ' من قال لا إله ~~إلا الله مخلصا دخل الجنة ' ، وأن معنى الإخلاص ms053 أن يكون معتقده وفعله ~~موافقا لقوله ، حتى لا يكون منافقا ، وأقل درجاته أن لا يتخذ إلهه هواه ، ~~فمن اتبع هواه فهو عبده ، وصار إلهه هواه . وذلك يبطل قوله لا إله إلا الله ~~وينافي في إخلاصه . ومن ظن أن سعادة الآخرة تنال بمجرد قوله لا إله إلا ~~الله ، دون تحقيقه بالمعاملة ، كان كمن ظن أن الطبخ يحلو بقوله طرحت السكر ~~فيه دون أن يطرحه ، أو الولد يخلق بقوله وطأت الجارية ، دون أن يطأها ، ~~والزرع ينبت بقوله بذرت البذر ، دون أن يبذره . PageV01P069 وكما أن هذه ~~المقاصد في الدنيا ، لا تنال إلا بأسبابها ، فكذلك أمر الآخرة ، فإن أمر ~~الآخرة والدنيا واحد ، وإنما خص باسم الآخرة لتأخره ، والخروج لقضاء العالم ~~آخرة ، بالإضافة إلى الكون في بطن الأم ، والبلوغ إلى عالم التمييز آخرة ~~بالإضافة إلى ما قبله ، والبلوغ إلى رتبة العقلاء آخرة بالإضافة إلى ما ~~قبلها . وإنما هذه تردد في أطوار الخلقة . والموت طور آخر من الأطوار ، ~~ونوع آخر في الترقي ، وضرب آخر من الولادة ، والانتقال من عالم إلى عالم ، ~~كما قال عليه السلام : ' القبر أما حفرة من حفر النار أو روضة من رياض ~~الجنة ' ، أي ليس في الموت إلا تبديل منزل . وكما أن من جلس متكلا على رحمة ~~الله ونعمته متعطشا جائعا ، لم يسلك الطريق في شرب الماء وتناول الخبز هلك ~~، ومن اتكل عليه في طلب المال ولم يتجر لم يحصل له المال وكان شقيا ، فكذا ~~من أراد الآخرة وسعا لها سعيها ، وهو مؤمن ، فأولئك كان سعيهم مشكورا ، ~~ولذلك نبه الله تعالى عليه فقال : ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ) ، ومهما ~~عرف أن البهاء الأكمل لله وإن السعادة القصوى في القرب منه وأن القرب منه ~~ليس بالمكان وإنما هو باكتساب الكمال على حسب الإمكان ، وأن كمال النفس ~~بالعلم والعمل والاطلاع على حقائق الأمور مع حسن الأخلاق ، فمن لم يكمل كيف ~~يقرب من الله تعالى ، ومن أراد أن تقرب رتبته عند الملك بنوع من العلم لو ~~تعطل في بيته متكلا على كرم الملك ملازما صفة ms054 النقصان غير مجتهد طول الليل ~~في طاب العلم معولا على فضل الله في أن يبيت ليله ويصبح أفضل أهل زمانه ، ~~فإن فضل الله عز وجل أوسع له وقدرته متسعة لأضعافه ، قيل له : هذا فعل ~~مشحون بالباطل والحماقة مزين الظاهر بكلام يظن أنه محمود . فكذا من ظن أن ~~الآخرة تنال بالبطالة والعطالة فهذه حاله . PageV01P070 # | بيان أنواع الخيرات والسعادات # نعم الله سبحانه ، وإن كانت لا تحصى مفصلة ، فجملتها منحصرة في خمسة ~~أنواع : الأول السعادة الآخروية ، التي هي بقاء لا فناء له ، وسرور لا غم ~~فيه ، وعلم لا جهل معه ، وغنى لا فقر معه يخالطه ، ولن يتوصل إليه إلا ~~بالله ولا يكمل إلا بالنوع الثاني ، وهو الفضائل النفسية ، التي حصرنا ~~جملتها من قبل في أربعة أمور : العقل وكماله العلم ، والعفة وكمالها الورع ~~، والشجاعة وكمالها المجاهدة ، والعدالة وكمالها الانصاف ، وهي على التحقيق ~~أصول الدين . وإنما تتكامل هذه الفضائل بالنوع الثالث ، وهي الفضائل ~~البدنية المنحصرة في أربعة أمور : في الصحة والقوة والجمال وطول العمر ، ~~ويهممها النوع الرابع ، وهي الفضائل المطيفة بالإنسان ، المنحصرة في أربعة ~~أمور : وهي المال والأهل والعز وكرم العشيرة . ولا يتم الانتفاع بشيء من ~~ذلك إلا بالنوع الخامس ، وهي الفضائل التوفيقية ، وهي أربعة : هدايا الله ~~ورشده وتسديده وتأييده ، فهذه السعادات بعد السعادة الآخروية ، ستة عشر ~~ضربا . ولا مدخل للاجتهاد في اكتساب شيء منها إلا الفضائل النفسية ، على ~~الوجه الذي سبق . فقد عرفت أن هذه الخيرات خمسة : وهي الآخروية والنفسية ~~والبدنية والخارجة والتوفيقية . والبعض منها يحتاج إلى البعض ، أما حاجة ~~ضرورية ، كالفضائل النفسية التي لا مطمح في الوصول إلى نعيم الآخرة إلا بها ~~، وصحة البدن الذي لا وصول إلى تحصيل الفضائل النفسية إلا به ، وإما حاجة ~~نافعة كحاجة هذه الفضائل الخارجة ، فإن المال والأهل والعشيرة ، إن عدمت ، ~~تطرق الخلل إلى أسباب هذه الفضائل . فإن قلت : فما وجه الحاجة إلى الفضائل ~~الخارجة ، من المال والأهل والعز وكرم العشيرة . فاعلم أن هذه الأمور جارية ~~مجرى الجناح PageV01P071 المبلغ ، والآلة المسهلة للمقصود . أما المال ، ~~فالفقير في طلب الكمال ms055 ، كساع إلى الهيجاء بغير سلاح ، وكباز متصيد بلا ~~جناح . ولذلك قال عليه السلام : ' نعم المال الصالح للرجل الصالح ' . وقال ~~: ' نعم العون على تقوى الله المال ' . كيف ومن عدم المال ، صار مستغرق ~~الأوقات في طلب القوت واللباس والمسكن وضرورات المعيشة ، فلا يتفرغ لاقتناء ~~العلم الذي هو أشرف الفضائل . ثم يحرم عن فضيلة الحج والصدقة والزكاة ~~وإفاضة الخيرات . وأما الأهل والولد الصالح ، فالحاجة إليهما ظاهرة . أما ~~المرأة الصالحة ، فحرث الرجل وحصين دينه . قال عليه السلام : ' نعم العون ~~على الدين المرأة الصالحة ' ، وقال في الولد : ' إذا مات الرجل انقطع عمله ~~إلا من ثلاث : صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له ' ، ~~ومهما كثر أهل الرجل وأقاربه وساعدوه ، كانوا له بمنزلة الآذان والأعين ~~والأيدي ، فيتيسر له بسببهم من الأمور الدنيوية ، ما يطول فيه شغله لو ~~انفرد . وكلما تخففت الأشغال الضرورية في الدنيا ، تفرغ القلب للعبادة ~~والعلم ، فهو معين على الدين . وأما العز فيه يدفع الإنسان عن نفسه الضيم ، ~~ولا يستغني عنه مسلم ، فإنه لا ينفك عن عدوه يؤذيه ، وظالم يقصده ، فيشوش ~~عليه وقته ويشغل قلبه . ولذلك قيل : ' الدين والسلطان توأمان ' . وقيل : ' ~~الدين أس والسلطان حارس وما أس له فمهدوم وما لا حارس له فضايع ' . ولذلك ~~قال تعالى : ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ) وبالجملة دفع ~~الأذى لا بد منه للفراغ للعبادة ، ولا يتم ذلك إلا بنوع من العز . وكما أن ~~الموصل إلى الخير خير ، فدفع الصارف عن الخير خير أيضا . وأما كرم العشيرة ~~وشرف الآباء ، فقد يستهان به ويقال : ' المرء بنفسه ، والناس أبناء ما ~~يحسنون ، وقيمة كل امرئ ما يحسنه ' . ولعمري إذا قوبل شرف الأصل دون شرف ~~النفس ، بشرف PageV01P072 النفس دون شرف الأصل استحقر شرف الأصل . أما إذا ~~انضم إليه لم تنكر فضيلته ، ' فأين السري إذا سرى أسراهما ' . وقد شرط ~~النسب في الإمامة ، وقيل : ' الأئمة من قريش ' . كيف لا ، والأخلاق تتبع ~~الأمزجة ، وتسري من الأصول إلى الفروع ، ولذلك قال عليه السلام : ' تخيروا ~~لنطفكم ' ، وقال : ' إياكم وخضراء الدمن ' ، وهي المرأة ms056 الحسناء في المنبت ~~السوء . فهذا أيضا من السعادات ، ولا نعني به الانتساب إلى بني الدنيا ~~ورؤسها وأمرائها ، ولكن الانتساب إلى النفوس الزكية الطاهرة المزينة بالعلم ~~والعبادة والعقل . فإن قلت : فما غناء هذه الفضائل الجسمية ؟ فنقول : أما ~~الحاجة إلى الصحة والقوة وطول العمر ، فلا شك فيه . وإنما يستحقر أمر ~~الجمال ، فيقال : يكفي أن يكون البدن سليما من الأمراض الشاغلة عن تحري ~~الفضائل . ولعمري أن الجمال لقليل الغناء ، ولكنه من السعادات والخيرات على ~~الجملة . اما في الدنيا فلا يخفي وجهه . وأما في الآخرة فمن وجهين : أحدهما ~~أن القبح مذموم ، والطباع منه نافرة ، وحاجات الجميل إلى الاجابة أقرب ، ~~فكأنه جناح مبلغ ، مثال المال ، والمعين على قضاء حاجات الدنيا معين على ~~الآخرة ، إذ الوصول إلى الآخرة بهذه الأسباب الدنيوية . والثاني أن الجمال ~~في الأكثر يدل على فضيلة النفس ، لأن نور النفس ، إذا تم إشراقه تبدى إلى ~~البدن . والمنظر والمخبر كثيرا ما يتلازمان . ولذلك عول أصحاب الفراسة على ~~هيئات البدن واستدلوا بها على الأخلاق الباطنة . والعين والوجه كالمرآة ~~للباطن ، ولذلك يظهر فيهما أثر الغضب والشر . وقيل : ' طلاقة الوجه عنوان ~~ما في النفس ، وما في الأرض قبيح إلا وجهه أقبح منه ' . واستعرض المأمون ~~جيشا ، فعرض عليه PageV01P073 رجل قبيح فاستنطقه ، فإذا هو ألكن ، فأسقط ~~اسمه . وقال : ' الروح إن أشرقت على الظاهر ففصاحة وهذا ليس له ظاهر ولا ~~باطن ' . وقد قال عليه السلام : ' اطلبوا الحاجة عند حسان الوجوه ' ، وقال ~~: ' إذا بعثتم رسولا ، فاطلبوا حسن الوجه وحسن الاسم ' ، وقال : ' الفقهاء ~~إذا تساوت درجات المصلين ، فأحسنهم وجها أولاهم بالإمامة ' . وقال تعالى ~~ممتنا به : ( وزاده بسطة في العلم والجسم ) ، ولسنا نعني بالجمال ما يحرك ~~الشهوة ، فإن ذلك أنوثة ، وإنما نعني به ارتفاع القامة على الاستقامة ، مع ~~الاعتدال في اللحم وتناسب الأعضاء وتناصف خلقة الوجه ، بحيث لا تنبو الطباع ~~عن النظر إليها . فإن قلت فما معنى الفضائل التوفيقية ، التي هي الهداية ~~والرشد والتسديد والتأييد ؟ فاعلم أن التوفيق هو الذي لا يستغني عنه ~~الإنسان في كل حال ، ومعناه موافقة إرادة الإنسان وفعله قضاء ms057 الله تعالى ~~وقدره . وهو صالح للاستعمال في الخير والشر ، ولكن صار متعارفا في الخير ~~والسعادة . ووجه الحاجة إلى التوفيق بين ، ولذلك قيل : إذا لم يكن عون من ~~الله للفتى . . . فأكثر ما يجني عليه اجتهاده وأما الهداية ، فلا سبيل لأحد ~~إلى طلب الفضائل إلا بها فهي مبدأ الخيرات كما قال تعالى : ( أعطى كل خلقه ~~ثم هدى ) وقال تعالى : ( ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد ~~أبدا ولكن الله يزكي من يشاء ) . وقال عليه السلام : ' ما من أحد يدخل ~~الجنة إلا برحمة الله ' أي بهدايته . قيل : ' ولا أنت يا رسول الله ' قال : ~~' ولا أنا ' . والهداية ثلاث منازل : الأولى تعريف طريق الخير والشر المشار ~~إليه بقوله عز وجل : ( وهديناه النجدين ) ، وقد أنعم الله به على كافة ~~عباده ، بعضهم بالعقل وبعضهم على ألسنة رسله . ولذلك قال تعالى : ( وأما ~~ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى ) . والثانية ما يمد به ~~PageV01P074 العبد حالا بعد حال بحسب ترقيه في العلوم ، وزيادته في صالح ~~الأعمال . وإياه عني بقوله تعالى : ( والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم ~~تقواهم ) ، والثالثة هو النور الذي يشرق في عالم الولاية والنبوة ، فيهتدي ~~به إلى ما لا يهتدي إليه ، ببضاعة العقل الذي به يحصل التكليف وإمكان ~~التعلم . وإياه عني بقوله تعالى : ( قل إن هدى الله هو الهدى ) ، فإضافة ~~إلى نفسه وسماه الهدى المطلق . وهو المسمى حياة في قوله : ( أو من كان ميتا ~~فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناسس ) ، وقوله تعال : ( أفمن شرح ~~الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه ) . وأما الرشد فنعني به العناية ~~الإلهية ، التي تعين الإنسان على توجهه إلى مقاصده ، فتوجيه على ما فيه ~~صلاحه ، وتفتره عما فيه فساده ، ويكون ذلك من الباطن كما قال تعالى : ( ~~ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين ) . وأما التسديد ، فهو أن ~~يقوم إرادته وحركاته نحو الغرض المطلوب ، ليهجم عليه في أسرع وقت ، فالرشد ~~تنبيه بالتعريف ، والتسديد إعانة ونصرة بالتحريك ، وأما التأييد ، فهو ~~تقوية أمره بالبصيرة من داخل ، وتقوية البطش من خارج ms058 ، وهو المراد بقوله ~~تعالى : ( إذ أيدتك بروح القدس ) ، ويقرب منه العصمة ، وهو فيض إلهي يقوى ~~به الإنسان على تحري الخير ، وتجنب الشر ، حتى يصير كمانع من باطنه غير ~~محسوس . وإياه عنى بقوله : ( ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه ) ~~، ولن تستتب هذه الأمور ، إلا بما يمد الله به عبده من الفهم الثاقب الصافي ~~، والسمع المصغي الواعي ، والقلب البصير المراعي ، والمعلم الناصح ، والمال ~~الزائد ، على مقتضى المهمات لقلة القاصر ، لا ما يشغل عن الدين لكثرته ، ~~والعشيرة والعز الذي يصون عن سفه السفهاء ، ويرفع ظلم الأعداء . فبهذه ~~الأسباب تكمل السعادات . PageV01P075 # | بيان غاية السعادات ومراتبها # اعلم أن السعادة الحقيقية هي الآخروية ، وما عداها سميت سعادة إما مجازا ~~أو غلطا ، كالسعادة الدنيوية التي لا تعين على الآخرة ، وإما صدقا ولكن ~~الاسم على الآخروية أصدق . وذلك كل ما يوصل إلى السعادة الآخروية ويعين ~~عليه . فإن الموصل إلى الخير والسعادة ، قد يسمى خيرا وسعادة . والأسباب ~~النافعة المعينة ، تشرحها تقسيمات أربعة : الأول منها ما هو نافع في كل حال ~~، وهي الفضائل النفسية ، ومنها ما ينفع في حال دون حال ، ونفعها أكثر ~~كالمال القليل . ومنها ما ضرره أكثر في حق أكثر الخلق ، وذلك بعض أنواع ~~العلوم والصناعات . ولما كثر الالتباس في هذا ، وجب على العاقل الاستظهار ~~بمعرفة حقائق هذه الأمور ، حتى لا يؤثر الضار على النافع ، بل النافع على ~~الرفيع ، والرفيع على النفيس الأهم ، فيطول عليه الطريق . فكم من ناظر يحسب ~~الشحم فيمن شحمه ورم ! وكم من طالب حبلا ليتمنطق به ، فيأخذ حية فيظنها ~~حبلا فتلدغه ! والعلم الحقيقي هو الذي يكشف عن هذه الأمور . التقسيم الثاني ~~: إن الخيرات بوجه آخر تنقسم إلى مؤثرة لذاتها ، وإلى مؤثرة لغيرها ، وإلى ~~مؤثرة تارة لذاتها وتارة لغيرها . فينبغي أن يعرف مراتبها ، ليعطي كل رتبة ~~حقها . فالمؤثرة لذاتها السعادة الآخروية ، فليس وراء تلك الغاية غاية أخرى ~~. والمؤثرة لغيرها من المال ، كالدراهم والدنانير . فلولا أن الحاجات تنقضي ~~بها لكانت كالحصباء ، وسائر الجواهر الخسيسة . والمؤثرة تارة لذاتها وتارة ~~لغيرها ، كصحة الجسم . فإن ms059 الإنسان وإن استغنى عن المشي الذي يراد سلامة ~~الرجل له ، فيريد أيضا سلامة الرجل م حيث هي سلامة . التقسيم الثالث : إن ~~الخيرات تنقسم من وجه آخر إلى نافع وجميل ولذيذ . والشرور PageV01P076 ~~ثلاثة ضار وقبيح ومؤلم . فكل واحد ضربان ، أحدهما مطلق ، وهو الذي يجمع ~~الأوصاف الثلاثة في الخير ، كالحكمة ، فإنها نافعة وجميلة ولذيذة ، وفي ~~الشر ، كالجهل ، فإنه ضار وقبيح ومؤلم . والثاني مقيد ، وهو الذي جمع بعض ~~هذه الأوصاف دون بعض . فرب نافع مؤلم ، كقطع الأصبع الزائدة ، والسلعة ~~الخارجة ، ورب نافع قبيح كالحمق ، فإنه راحة حيث قيل : استراح من لا عقل له ~~، أي لا يغتم للعواقب ، فيستريح في الحال ، ورب نافع من وجه ، ضار من وجه ، ~~كإلقاء المال في البحر ، عند خوف الغرق فإنه ضار للمال ، ونافع في نجاة ~~النفس ، والنافع قسمان : قسم ضروري ، كالفضائل النفسية ، والاتصال إلى ~~سعادة الآخرة ، وقسم قد يقوم غير مقامه ، فلا يكون ضروريا ، كالسكنجبين في ~~تسكين الصفراء . التقسيم الرابع : إن اللذات بحسب القوى الثلاث والمشتهيات ~~الثلاثة ثلاث ، إذ اللذة هي عبارة عن إدراك المشتهى ، والشهوة عبارة عن ~~انبعاث النفس لنيل ما تتشوقه ، لذة عقلية أو بدنية مشتركة مع جميع ~~الحيوانات ، وبدنية مشتركة مع بعض الحيوانات . أما العقليات ، كلذة العلم ~~والحكمة ، وهي أقلها وجودا وأشرفها . أما قتلها ، فلأن الحكمة لا يستلذها ~~إلا الحكيم ، وقصور الرضيع عن إدراك لذة العسل والطيور السمان والحلاوات ~~الطيبة لا يدل على أنها ليست لذيذة ، واستطابته للبن لا تدل على أنه أطيب ~~الأشياء . والناس كلهم إلا النادر ممنون في صبا الجهل بالعنة في رتبة العلم ~~. فلذلك يستلذون الجهل ، وقال الشاعر : ومن يك ذا فم مر مريض . . . يجد مرا ~~به الماء الزلالا . وأما أشرفيتها ، فلأنها لازمة لا تزول ، ودائمة لا تحول ~~، وباقية PageV01P077 لذاتها ، وثمرها في الدار الآخرة إلى غير نهاية . ~~والقادر على الشريف الباقي ، إذا رضي بالخسيس الفاني ، كان مصابا في عقله ، ~~محروما بشقاوته وإدباره . وأقل أمر فيه أن الفضائل النفسية ، لا سيما العلم ~~والعقل ، لا تحتاج إلى أعوان وحفظة ، بخلاف المال . فإن العلم يحرسك ms060 وأنت ~~تحرس المال . والعلم يزيد بالإنفاق ، والمال ينقص به ، والعلم نافع في كل ~~حال ومطلقا وأبدا ، والمال يجذب إلى الرذيلة وتارة إلى الفضيلة . ولذلك ذم ~~في القرآن في مواضع ، وإن سمي خيرا في مواضع . الثانية هي اللذة المشتركة ~~بين الإنسان وبين سائر الحيوانات ، كلذة المأكل والمشرب والمنكح ، وهي ~~أكثرها وجودا . الثالثة التي يشارك فيها الإنسان بعض الحيوانات ، وهي لذة ~~الرياسة والغلبة ، وهي أشد التصاقا بالعقلاء ، ولذلك قيل : ' آخر ما يخرج ~~من رؤوس الصديقين حب الرياسة ' . وكيف تكون لذة الجماع والأكل لذة مطلقة ، ~~وهي من وجه إزالة ألم ؟ ولذلك قال الحسن : ' الإنسان صريع جوع وقتيل شبع ' ~~. وجميع لذات الدنيا سبع : مأكل ومشرب ومنكح وملبس ومسكن ومشموم ومسموع ~~ومبصرز وهي بجملتها خسيسة ، كما روي عن علي كرم الله وجهه ، إذ قال لعمار ~~بن ياسر ، وقد رآه يتنفس كالحزين : ' يا عمار ، إن كان تنفسك على الآخرة ~~فقد ربحت تجارتك ، وإن كان على الدنيا فقد خسرت صفقتك . فإن وجدت لذاتها ~~المأكولات والمشروبات والمنكوحات والملبوسات والمسكونات والمشمومات ~~المسموعات والمبصرات . فأما المأكولات ، فأفضلها العسل ، وهو صنعة ذباب . ~~والمشروبات أفضلها الماء ، وهو أهون موجود ، وأعز مفقود . وأما المنكوحات ، ~~فمبال في مبال ، وحسبك أن المرأة تزين أحسن شيء منها ، ويراد أقبح شيء منها ~~. وأما الملبوسات فأفضلها الديباج وهو نسج دودة . والمشمومات فأفضلها المسك ~~، وهو دم فارة ، والمسموعات ، فريح هابة في الهواء ، والمبصرات فخيالات ~~صائرة إلى PageV01P078 الفناء ' . هذا كلامه . ومن آفاتها أن كل واحدة منها ~~يتبرم بها بعد استيفائها في لحظة . فليعتبر حالة الفراغ عن الجماع والأكل ~~بما قبله ، ولينظر كيف ينقلب المطلوب مهروبا عنه في الحال ، فأين يوازي هذا ~~ما تدوم لذته ، ولا تفنى أبد الآباد راحته ؟ وهو الابتهاج بكمال النفس ~~بالفضائل النفسية ، خصوصا الاستيلاء على الكل بالعلم والعقل . # | بيان ما يحمد ويذم من أفعال شهوة البطن والفرج والغضب # : أما شهوة البطن فداعية إلى الغذاء ، والمطعم ضربان : ضروري وغير ضروري ~~. أما الضروري ، فهو الذي لا يستغني عنه في قوام البدن ، كالطعام الذي ~~يتغذى به ، والماء الذي يرتوي به ms061 ، وهو ينقسم إلى محمود ومكروه ، ومذموم ~~ومحظور . أما المحمود ، فأن يقتصر على تناول ما لا يمكنه الاشتغال والتقوى ~~على العلم والعمل إلا به ، ولو اقتصر عنه لتحللت قواه واختل بدنه ، فهذا ~~المقدار ، إذا تناوله من حيث يجب كما يجب ، فهو معذور ، بل مشكور ومأجور ، ~~إذ البدن مركب النفس ، لتقطع به منازلها إلى الله تعالى . وكما أن الجهاد ~~عبادة ، فإمداد فرس المجاهدة بما يقويه على السير بالمجاهد أيضا عبادة ، ~~ولذلك قال عليه السلام : ' عند أكل الصالحين تنزل الرحمة ' ، وذلك إذا ~~تناوله تناول من اضطر إلى شيء ، يود لو استغنى عنه . وإدخال الطعام البطن ~~وإخراجه قريب . ولذلك قيل : من كان همه ما يدخل في بطنه ، كانت قيمته ما ~~يخرج منه . وليعلم الآكل أنه في تناول فضلات الأشجار والنبات كالخنزير في ~~تناول عذرة الإنسان وفضلته ، وكالجعل في تناول فضلة الحيوان . ولو كان ~~للأشجار ألسنة ، لناطقت متناول فضلاتها بالتشبيه بهذا المتناول لفضلة ~~PageV01P079 الحيوان . وأما المكروه ، فهو الإسراف والإمعان من الحلال ~~والزيادة على قدرة البلغة . قال عليه السلام : ' ما من وعاء أبغض إلى الله ~~تعالى من بطن مليء من حلال ' ، وهو أيضا مضر من جهة الطب ، فإنه أصل كل داء ~~. قال عليه السلام : ' البطنة أصل الداء والحمية أصل الدواء ، وعودوا كل ~~جسد ما اعتاد ' . فقال محققو الطب : لم يدع عليه السلام شيئا من الطب إلا ~~وأدرجه تحت هذه الكلمات الثلاث . ولا ينبغي أن يستهين طالب السعادة بهذه ~~الزيادة ، وإن سميناها مكروها لا محظورا ، فإنه مكروه سريع السياقة إلى ~~المحظورات ، بل إلى أكثر المحظورات . فإن مثار الشرور قوة الشهوات ، ومقوي ~~الشهوات هي الأغذية . فامتلاء البطن مقوي للشهوب ، وتقوي الشهوة داعية ~~للهوى ، والهوى أعظم جند الشيطان ، الذي إذا تسلط سباه عن ربه وصرفه عن ~~بابه . وإمداد جنود الأعداء بالمقويات يكاد ينزل منزلة عين العداوة . فلهذا ~~يكاد تكون الكراهية فيه حضرا . ولذلك قيل لبعضهم : ' ما بالك مع كبرك لا ~~تتعهد بدنك وقد أنهك ' . فقال : ' لأنه سريع المرح فاحش الأشر فأخاف أن ~~يجمع بي فيورطني . ولئن أحمله على الشدائد ms062 أحب إلي من أن يحملني على ~~الفواحش ' . فإن قلت : فما المقدار المحمود ؟ فعلم أنه نبه عليه السلام على ~~التقدير بخبرين ، أحدهما قوله : ' حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه ، فإن كان ~~لا بد فثلث للطعام ، وثلث للشراب ، وثلث للنفس ' ، فأما اللقيمات فهي دون ~~العشرة ويقرب منه قوله عليه السلام : ' المؤمن يأكل في معي واحد ، والمنافق ~~يأكل في سبعة أمعاء ' ، والأحب الأكل في سبع البطن ، فإن غلب النهم ففي ~~الثلث . وأظن أن الحد ثلث في حق الأكثر ، وإن كان ذلك قد يختلف باختلاف ~~الأشخاص . وعلى الجملة فلا بد أن يكون دون الشبع ، حتى يخف البدن للعبادة ~~والتهجد باليل ، وتضعف القوى عن الانبعاث إلى الشهوات . وأما المحظور فهو ~~PageV01P080 التناول مما حرم الله عز وجل من مال الغير أو المحرمات . ~~وأفحشها شرب المسكر ، فإنه أعظم آلات الشيطان في إزالة العقل ، الذي هو من ~~حزب الله ، وأوليائه ، وآثار الشهوة والقوى السبعية التي هي من أحزاب ~~الشيطان وأوليائه . وهذا حكم المطاعم على الإجمال . ولا يطمعن أحد في سلوك ~~طريق السعادة ، قبل أن يراعي أمر المطعم في مقداره ووجه حله ، فإن المعدة ~~منبع القوى ، فكأنه الباب والمفتاح إلى الخير والشر جميعا . ولذا عظم في ~~الشرع أمر الصوم لأنه على الخصوص يتوجه إلى قهر أعداء الله تعالى كما روي : ~~' إن الصوم لي وأنا الذي أجزي به ' ، إلى غير ذلك مما ورد فيه . وأما شهوة ~~الفرج ، فأفعالها تنقسم إلى محمود ومكروه ومحظور . أما المحمود فهو المقدار ~~الذي لا بد منه لحفظ النوع ، فإن النكاح ضروري لبقاء نوع الإنسان باتصال ~~نسله ، كما أن الغذاء ضروري لبقاء شخصه إلى حين أجله . والشهوة خلقت باعثة ~~على إبقاء النسل ، بطريق الوطء ، كما خلق الجوع باعثا على إبقاء الشخص ~~بالأكل ، ولذلك قال : ' تناكحوا ، تناسلوا تكثروا ، فإني مباه بكم الأمم ' ~~. فمن كان قصده في النكاح أمرين : أحدهما النسل لكثرة المباهاة ، وأن يلحقه ~~بعده ولد صالح يدعو له ، والثاني أن يدفع عن نفسه فضلة المني ، التي إذا ~~اجتمعت كانت كالمرة ، والدم إذا اجتمع عظمت نكايته في ms063 البدن بإثارة المرض ، ~~وفي الدين بالدعوة إلى الفجور ، فالنكاح على هذا الوجه محمود وسنة وداخل ~~تحت قوله : ' من احب فطرتي فليستسن بسنتي ' . ومن نكح فقد حصن نصف دينه . ~~ولا بأس بغرض ثالث ، وهو أن يكون في بيته من يدبر أمر منزله ، ليتفرغ هو ~~للعلم والعبادة ، فيصير النكاح على هذا الوجه من جملة العبادات ، فإن ~~الأعمال بالنيات . وإمارة هذا أن لا يطلب من المرأة إلا الجمال للتحصن ، ~~وحسن الخلق في تدبير المنزل ، والديانة للصيانة والنسب الديني فقط . فإنه ~~إمارة الديانة وحسن PageV01P081 الخلق ، فإن العرق نزاع ، ولذلك قال عليه ~~السلام : ' عليك بذات الدين ، تربت يداك ، وإياكم وخضراك الدمن ' . وقال : ~~' تخيروا لنطفكم ' . وليطلب صحة البدن وأن لا يكون عقيما لأجل الولد فإنه ~~المقصود . ولذلك كره العزل ، وإتيان المرأة من ورائها ، فإنه إهمال للحراثة ~~، ونساؤكم حرث لكم . ولا بأس بطلب الأبكار ، لتستحكم الألفة ، وقد ندب ~~الشرع إليها . وأما المكروه فأن يقصد التمتع بقضاء الشهوة فقط ، ثم يمعن ~~فيه ويواظب عليه ، وربما يتناول ما يزيد في شهوته ، وذلك مضر شرعا ، ولا ~~كراهية فيه في نفسه ، فإنه مباح ، ولكنه انصراف عن الله إلى اتباع الهوى ~~وتشبه بالثيران والحمر . وإثارة لشهوة بالمطعومات القوية والأسباب الباعثة ~~تضاهي إثارة سراسباع ضارية ، وبهائم عادية ، ثم الانتهاض بعدها للخلاص منها ~~. وأما المحظور ، فعلى وجهين : أحدهما أن يقضي الشهوة في محل الحرث ، ولكن ~~بغير عقد شرعي ، ولا على الوجه المأمور ، وهو الزنا . وقد قرن ذلك بالشرك ~~حيث قال : ( الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة ) . والثاني تعاطيه في غير ~~محل الحرث ، وهو أفحش من الزنا لأن الزاني لم يضيع الماء ، بل وضعه في محل ~~الحرث على غير الوجه المأمور . وهذا قد ضيع ، وكان ممن قال الله تعالى : ( ~~ويهلك الحرث والنسل ) . ولذلك سميت اللواطة الإسراف ، فقال تعالى : ( إنكم ~~لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون ) . فهذه مراتب الناس ~~في شهوة الفرج . وقد ينتهي بعض الضلال إلى العشق ، وهو عين الحماقة وغاية ~~الجهل بما وضع الجماع له ، ومجاوزة لحد البهائم في ms064 تملك النفس ، وضبطها لها ~~، لأن المتعشق لم يقنع بإرادة شهوة الجماع ، وهي أقبح الشهوات وأجدرها ~~PageV01P082 بأن يستحي منها ، حتى اعتقد أن لا تنقضي إلا في محل واحد ، ~~والبهيمة تقضي الشهوة أنى اتفق فتكتفي به . وهذا لا يكتفي إلا من معشوقته ، ~~حتى ازداد به ذلا إلى ذل وعبودية إلى عبودية . واستسخر العقل لخدمة الشهوة ~~، وقد خلق ليكون آمرا مطاعا لا يكون خادما للشهوة ، محتانا لأجلها ، وهو ~~مرض نفس فارغة لا همة لها . وإنما يجب الاحتراز من أوائلها ، وهو معاودة ~~النظر والفكر ، وإلا فبعد الاستحكام يعسر دفعها . وكذلك عشق الجاه والمال ~~والعقار والأولاد ، حتى حب اللعب بالطيور والنرد والشطرنج ، فإن هذه الأمور ~~تستولي على طائفة ينقضي عليهم الدين والدنيا ، ولا يصبرون عنها . ومثال رد ~~الشهوة في أول انبعاثها صرف عنان الدابة عن توجهها إلى باب دار تدخله ، فما ~~أهون منعها وصرف عنانها . ومثال علاجها بعد استحكامها أن تترك الدابة ، حتى ~~تدخل وتجاوز الباب ، ثم تأخذ بذنبها جارا لها إلى وراء ، وما أعظم التفاوت ~~بين الأمرين ! فليكن الاحتياط في بدايات الأمور ، فأما أواخرها فلا تقبل ~~الإصلاح في الأكثر ، إلا بجهد شديد يوازي نزع الروح . وأما أفعال الغضب ~~فتنقسم إلى محمود ومكروه ومحظور . أما المحمود ففي موضعين : أحدهما المسمى ~~غيرة ، وهو أن يقصد حريم الرجل ويتعرض لمحارمه . فالغضب له ولدفعه محمود ، ~~وقلة التأثر به خنوثة وركاكة ، ولذلك قال عليه السلام : ' إن سعدا لغيور ، ~~وإن الله أغير منه ' ، وقد وضع الله الغيرة في الرجال ، لحفظ الأنساب . فإن ~~النفوس لو تسامحت بالتزاحم على النساء لاختلطت الأنساب . ولذلك قيل : كل ~~أمة وضعت الغيرة في رجالها ، وضعت الصيانة في نسائها . والثاني الغضب عند ~~مشاهدة المنكرات والفواحش ، غيرة على الدين ، وطلبا للانتقام ، ولذلك مدحوا ~~بكونهم أشداء على الكفار رحماء بينهم . ولذلك قال عليه السلام : ' خير أمتي ~~أحداؤها ' ، فالمراد به الحدة لحمية PageV01P083 الدين . ولذلك قال تعالى : ~~( ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ) . ومع هذه فالسلطان إذا غضب عند ~~جناية جان ، فينبغي أن يحبسه ولا يبادر إلى عقوبته حتى يجدد ms065 النظر فيه ، ~~فإن الغضب غول العقل ، فربما يحمله على مجاوزة حد الواجب في الانتقام . ~~وأما المكروه فغضبه عند فوات حظوظه المباحة نيلها ، كغضبه على خادمه وعبده ~~عند كسر آنيته ، أو توانيه في خدمته ، بحكم تغافل يمكن الاحتزاز عنه . فهذا ~~لا ينتهي إلى حد المذموم ، ولكن العفو والتجاوز أولى وأحب . ولذلك قيل ~~لواحد حكيم : لا تصفح عن عبدك وهو يقصر في خدمتك ، فيفسد باحتمالك . فقال : ~~' لأن يفسد عبدي في صلاح نفسي خير من أن تفسد نفسي في صلاح عبدي ' . فإن ~~احتمال ذلك إصلاح للنفس والانتقام إصلاح للعبد . وأما المذموم فهو ~~الاستشاطة عن الفخر والتكبر والمباهاة والمنافسة والحقد والحسد ، وعن أمور ~~واهية تتعلق بالحظوظ البدنية ، من غير أن يكون في الانتقام مصلحة في ~~المستقبل دينا ودنيا ، وهو الغالب على أكثر الخلق ، وهو انقياد للخلق الذي ~~يضاد الحلم والتحلم . فإن الحلم عبارة عن إمساك النفس عن هيجان الغضب ، ~~والتحلم عن إمساكها عن قضاء الوطر منه ، إذا هاج ، والكمال في الحلم ، ولكن ~~التحلم صبر على المكروه ، وفيه أيضا خير كثير . فهذه مراتب أفعال الغضب . ~~والناس في الغضب يختلفون ، فبعضهم كالحلفاء ، سريع التوقد ، سريع الخمود ، ~~وبعضهم كالقطا بطيء الخمود ، وبعضهم بطيء التوقد سريع الخمود ، وهو الأحمد ~~، ما لم ينته إلى فتور الحمية والغيرة . وأسباب الغضب أما من جهة المزاج ، ~~فالحرارة واليبوسة ، يدل عليهما تعريف الغضب ، فإن الغضب معناه غليان دم ~~القلب ، فإن كان على من فوقك في القدرة PageV01P084 على الانتقام ، تولد ~~منه انقباض الدم من ظاهر الجلد إلى القلب ، وكان حزنا ، ولأجله يصفر الوجه ~~. وإن كان على من دونك تولد منه ثوران دم القلب ، لا انقباضه ، فيكون منه ~~الغضب الحقيقي وطلب الانتقام . وإن كان على نظيرك في القدرة على الانتقام ، ~~تولد منه تردد الدم بين انقباض وانبساط ، ويختلف به لون الوجه فيحمر ويصفر ~~ويضطرب . وبالجملة قوة الغضب محلها القلب ، ومعناه حركة الدم وغليانه . ~~وأما ما وراء المزاج ، فالاعتياد ، فإن من يعاشر جماعة يباهون بالغضب ~~والطباع السبعية انطبع ذلك فيه . وإن من خالط أهل الهدوء والوقار ms066 أثرت ~~العادة أيضا فيه . وأما سببه المخرج له من القوة إلى الفعل في الحال ، فهو ~~العجب والافتخار والمراء واللجاج والمزاح والتيه والاستهزاء والضيم وطلب ما ~~فيه التنافس والتحاسد وشهوة الانتقام ، وكل ذلك مذموم . وحق من اعتراه ~~الغضب أن يتفكر فيما قاله بعض الحكماء لبعض السلاطين وقد سأله حيلة في دفع ~~الغضب ، فقال : ' ينبغي أن تذكر أنه يجب أن تطيع لا أن تطاع فقط ، وأن تخدم ~~لا أن تخدم فقط ، وأن تحتمل لا أن تحتمل فقط ، وأن تعلم أن الله يراك دائما ~~، فإذا فعلت ذلك لم تغضب ' . واعلم أن الغضب له فروع كما سبق ، ومن جملتها ~~الشجاعة والتهور والمنافسة والغبطة والحسد على ما سبق ، ولكن نزيدها شرحا . ~~أما الشجاعة فخلق بين التهور والجبن ، فإن اعتبر إضافتها إلى النفس فهي ~~صرامة القلب في الأهوال وربط الجأش عند المخاوف ، وإن اعتبر بالفعل ~~فالإقدام على موضع الفرصة وتولدها من الغضب وحسن الأمل وبها يصابر الإنسان ~~الشدائد ، بل بها يصبر عن المعاصي ، فإن الغضب إذا سلط على الشهوة زجرها . ~~ولما كان الدين شطره رغبة في الخير ، وشطره تركا للشر قال عليه السلام : ' ~~الصبر نصف الإيمان ' ، ولما كان بعض الشرور في شهوة الفرج والبطن ، وبعضها ~~في غيرهما قال : ' الصوم نصف الصبر ' . والصبر صبران ، صبر جسمي وهو تحمل ~~PageV01P085 المشاق بالمدن ، أما فعلا كتعاطي الأعمال الشاقة ، وأما ~~انفعالا كاحتمال الضرب الشديد والمرض العظيم . والمحمود التام هو الضرب ~~الثاني وهو الصبر النفسي . فإن عن تناول المشتهيات ، سمي عفة ، وإن كان على ~~احتمال مكروه ، اختلفت أسماؤه بحسب اختلاف المكروه ، فإن كان في مصيبة ، ~~اقتصر على اسم الصبر ، ويضاده الجزع والهلع ، وإن كان في احتمال غني سمي ~~ضبط النفس ويضاده البطر ، وإن كان في حرب سمي شجاعة ، ويضاده الجبن ، وإن ~~كان في كظم الغيظ والغضب ، سمي حلما ، ويضاده التذمر ، وإن كان في نائبة ~~مضجرة سمي سعة الصدر ، ويضاده الضجر والتبرم وضيق الصدر ، وإن كان في إخفاء ~~كلام سمي كتم السر ، وإن كان على فضول العيش سمي زهد وقناعة ، ويضاده الحرص ~~والشره ms067 ، ولذلك قال تعالى : ( والصابرين في البأساء ) أي المصيبة والضراء ، ~~أي الفقر وحين البأس ، أي المحاربة ، ( أولئك الذين صدقوا وأولئك هم ~~المتقون ) وأما الغبطة والمنافسة والحسد التي هي من جملة الفروع أيضا ، ~~فالغبطة محمودة والحسد مذموم . قال عليه السلام : ' المؤمن يغبط والمنافق ~~يحسد ' . والمنافسة محمودة قال تعالى : ( وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ) . ~~والغبطة تمني الإنسان أن ينال كل ما ناله أمثاله ، من غير أن يغتنم لنيل ~~غيره . فإذا انضم إليه الجد والتشمير في الوصول إلى مثله أو خير منه ، فهو ~~منافسة . والحسد هو تمني زوال النعمة عن مستحقيها ، وربما كان مع سعي في ~~إزالتها . والخبيث الحسود من يكون ساعيا في الإزالة من غير أن يطلبها لنفسه ~~. والحسد غاية البخل ، إذ البخيل يبخل بمال نفسه ، والحسود يبخل بمال الله ~~على غيره . وقيل : الحسد والحرص هما ركنا الذنوب ولهما PageV01P086 ضرب ~~المثل بآدم وإبليس ، إذ حسد إبليس آدم فصار لعينا ، وحرص آدم على ما نهي ~~عنه فأخرج من الجنة . فهما شجران يثمران الهموم والغموم والخسران ، فمن قطع ~~عروقها نجا ، وبالجملة فالحسد عين الحماقة ، لأن من لا يغنم بخير يصل إلى ~~أهل المغرب ، مع أنه لا يناله بوجه ، فلم يغتم بخير يصل إلأى عشيرته ~~وشركائه وجيرانه وأهل بلده ، وربما بوجه ، فلم يغتم بخير يصل إلى عشيرته ~~وشركائه وجيرانه وأهل بلده ، وربما ينال منه حظا . وقوله عليه السلام : ' ~~لا حسد إلا في اثنين : رجل أتاه الله مالا فجعله في حق ورجل آتاه الله حكمة ~~فهو يقضي بها ' ، إنما أراد به الغبطة ، فإن الحسد قد يطلق لإرادتها . فهذا ~~هو القول في ضبط أفعال هذه الصفات . فإن قلت : فمن ضبط أفعال هذه القوى حتى ~~حدث في نفسه ، من أفعاله أخلاق راسخة يتيسر بها هذه الأفعال ، فهل يكون ~~عفيفا ؟ فاعلم أن العفة لا تتم بهذا القدر ما لم ينضم إليه عفة اليد ~~واللسان والسمع والبصر ، وحدها في اللسان الكف عن السخرية والغيبة والنميمة ~~والكذب والهمز والتنابذ بالألقاب ، وفي السمع ترك الإصغاء إلى قبائح اللسان ~~من الغيبة وغيرها ، وإلى استماع الأصوات ms068 المحرمة وكذلك في جميع الجوارح ~~والقوى . وعماد عفة الجوارح كلها ألا يطلقها في شيء مما يختص بها ، إلا ~~فيما يسوغه العقل والشرع ، وعلى الحد الذي يسوغه ثم لا تتم بذلك ، ما لم ~~يكن قصده في الإقدام والإحجام تحري الفضيلة وطلب التقرب إلى الله عز وجل ~~ونيل مرضاته . فأما إن كان قصده بعفته انتظارا لما هو أكثر ، أو لأنه لا ~~يوافق مزاجه أو لخمود شهوته ، أو لاستشعار خوف في عاقبته ، كسقوط حشمته أو ~~لأنه ممنوع من تناوله ، فكل ذلك ليس بعفة ، وإنما كل ذلك تجارة وترك حظ لحظ ~~يماثله . وكل ذلك غير كاف في تحصيل العفة ، فليعلم ذلك ، ولنخض بعد ذلك في ~~تعريف التعلم والتعليم وتهذيب القوة العقلية . PageV01P087 # | بيان شرف العقل والعلم والتعليم # قد عرفت فيما سبق أن العلم والعمل هما وسيلتا السعادة ، وأن العمل لا ~~يتصور إلا بعلم بكيفية العمل ، وأن العلم الذي ليس بعملي ، كالعلم بالله ~~وصفاته وملائكته ، مقصود ، فقد استفدت منه أن العلم أصل الأصول ، فلا بد أن ~~نرشدك الآن إلى طريق التعلم والتعليم . ولننبه أولا على شرف هذه الأمور ، ~~وندل عليه ، فنقول : أما التعليم ، فهو أشرف الأعمال . والصناعات ثلاثة ~~أقسام : أما أصول لأقوام للعالم دونها وهي أربعة : الزراعة والحياكة ~~والبناية والسياسة ، وأما مهيئة لكل واحدة منها وخادمة لها ، كالحدادة ~~للزراعة ، والحلاجة والغزل للحياكة ، وأما متممة لكل واحدة من ذلك ومزينة ~~لها ، كالطحانة والخبز للزراعة ، والقصارة والخياطة للحياكة . وذلك ~~بالإضافة إلى قوام العالم الأرضي ، مثل أجزاء الشخص بالإضافة إليه ، فإنها ~~ثلاثة أضرب : أما أصول كالقلب والكبد والدماغ ، وأما مرشحة لتلك الأصول ~~وخادمة لها ، كالمعدة والعروق والشرايين ، وأما مكملة ومزينة لها ، كالهدب ~~والحاجب . وأشرف أصول الصناعات السياسات ، إذ لا قوام للعالم إلا بها ، وهي ~~أربعة أضرب : الأول سياسة الأنبياء وحكمهم على الخاصة والعامة ، في ظاهرهم ~~وباطنهم ، والثاني الخلفاء والولاة والسلاطين ، وحكمهم على الخاصة والعامة ~~جميعا ، لكن على ظاهرهم لا على باطنهم ، والثالث العلماء والحكماء ، وحكمهم ~~على باطن الخواص فقط ، والرابع الوعاظ والفقهاء وحكمهم على باطن العامة فقط ~~. فأشرف هذه ms069 السياسات الأربع بعد النبوة إفادة العلم وتهذيب نفوس الناس . ~~وبرهان ذلك أن شرف الصناعة ، إنما يكون باعتبار النسبة إلى القوة المبرزة ~~المظهرة لها ، كفضل معرفة PageV01P088 الحكمة على معرفة اللغات ، فإن ~~الأولى متعلقة بالقوة العقلية التي هي أشرف القوى ، والأخرى متعلقة بالقوة ~~الحسية ، وهي السمع . وأما بحسب عموم النفع كفضل الزراعة على الصياغة ، ~~وأما بحسب شرف الموضوع المعمول فيه ، كفضل الصياغة على الدباغة . وليس يخفى ~~أن العلوم العقلية تدرك بالعقل ، الذي هو أشرف القوى ، وبه يتوصل إلى جنة ~~المأوى ، وهو أبلغ نفع وأعمه ، وموضوعه الذي يعمل فيه نفوس البشر ، وهي ~~أفضل موضوع ، بل أشرف موجود في هذا العالم . فإفادة العلم من وجه صناعة ، ~~ومن وجه عبادة الله تعالى ، ومن وجه خلافة الله هو أجل خلافة . فإن الله ~~تعالى قد فتح على قلب العالم العلم ، الذي هو أخص صفاته ، فهو كالخازن ~~لأنفس خزائنه . ثم هو مأذون له في الإنفاق على كل محتاج إليه ، فأي رتبة ~~أجل من كون العبد واسطة بين ربه وخلقه ، في تقربهم إلى الله زلفى ، ~~وسياقتهم إلى جنة المأوى ؟ . وأما شرف العلم والعقل فمدرك بضرورة العقل ~~والشرع والحس . أما الشرع ، فقد قال عليه السلام : ' أول ما خلق الله العقل ~~. فقال له أقبل فأقبل ، ثم قال له أدبر فأدبر . ثم قال : وعزتي وجلالي ما ~~خلقت خلقا أكرم علي منك ، بك آخذ وبك أعطي وبك أثيب وبك أعاقب ' . وهذا ~~العقل الذي يدرك به الإنسان الأشياء يجري من العقل الأول الذي خلق الله عز ~~وجل مجرى النور من الشمس . فإن هذه العقول عقول بالإضافة إلى الأشخاص وذلك ~~مطلق من غير إضافة . وأما دلالة العقل على شرف العقل ، فهو أن ما لا ينال ~~سعادة الدنيا والآخرة إلا به ، فكيف لا يكون أشرف الأشياء ؟ وبالعقل صار ~~الإنسان خليفة الله وبه تقرب إليه وبه تم دينه . ولذلك قال عليه السلام : ' ~~لا دين لمن لا PageV01P089 عقل له ' ، وقال : ' لا يعجبكم إسلام امرئ حتى ~~تعرفوا عقله ' . ولهذا قيل : ' من لم يكن عقله أغلب خصال الخير عليه ، كان ms070 ~~حتفه في أغلب خصال الشر عليه ' ، وناهيك به شرفا أن قد شبه الله سبحانه ~~العقل بالنور فقال : ( الله نور السموات والأرض ) ، أي منورهما ، وأكثر ما ~~يطلق النور والظلمات في القرآن على العلم والجهل ، مثل قوله تعالى : ( الله ~~ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور ) ، وإنما كان ذلك بالعقل ، ~~ولذلك قال عليه السلام لعلي رضي الله عنه : ' إذا تقرب الناس لخالقهم ~~بأبواب البر ، فتقرب أنت بعقلك ، تتنعم بالدرجات والزلفى عند الناس في ~~الدنيا ، وعند الله في الآخرة ' . وسنذكر وجه التقرب بالعقل . وأما الحس ~~بمجرده ، فكاف في إدراك شرف العقل والعلم ، حتى أن أكبر الحيوانات شخصا ، ~~أقواها بدنا ، إذا رأى الإنسان احتشمه بعض الاحتشام ، واستشعر الخوف منه ، ~~لإحساسه بأنه مستدل عليه بجبلته . وأقرب الناس إلى البهائم أجلاف العرب ~~والترك ، ورعاة البهائم منهم . ولو وقع فيما بينهم راع أو فر منهم عقلا ، ~~وأكثر منهم دراية بصناعتهم ، لو قروه طبعا . ولذلك ترى الأتراك بالطبع ~~يبالغون في توقير شيوخهم ، لأن التجربة ميزتهم عنهم بمزيد علم ، ولذلك قال ~~عليه السلام مطلقا : ' الشيخ في قومه كالنبي في أمته ' . وإنما وقار النبي ~~في أمته بعلمه وعقله ، لا بقوة شخصه وجمال بدنه ، وكثرة ماله وقوة شوكته . ~~ولذلك قصد كثير من المعاندين قتل رسول الله عليه السلام ، فلما وقع طرفهم ~~عليه هابوه وتراءى لهم نور الله في وجهه ، معربا عن تميزه ملقيا للرعب في ~~صدور معانديه ، وقد سمى الله عز وجل العلم روحا ، فقال : ( وكذلك أوحينا ~~إليك روحا من PageV01P090 أمرنا ) . وسماه حياة فقال تعالى : ( أو من كان ~~ميتا فأحييناه ) ، وقال عليه السلام : ' ما خلق الله خلقا أكرم من العقل ' ~~. ولو جلبت الأخبار الواردة في الحث على طلب العلم ، لطال المقال . وأي ~~تشريف يزيد على قوله : ' إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم إرضاء بما ~~يصنع ' . # | بيان وجوب التعلم لإظهار شرف العقل # اعلم أن شرف العقل ، من حيث كونه مظنة العلم والحكمة وآلة له ، ولكن نفس ~~الإنسان معدن للعلم والحكمة ، ومنبع لها ، وهي مركوزة فيها بالقوة في أول ~~الفطرة ، لا بالفعل ms071 ، كالنار في الحجر والماء في الأرض والنخل في النواة . ~~ولا بد من سعي في إبرازه بالفعل ، كما لا بد من سعي في حفر الآبار لخروج ~~الماء . ولكن كما أن من الماء ما يجري من غير فعل بشري ، ومنه ما هو كامن ~~محتاج في استنباطه إلى حفر وتعب ، ومنه ما يحتاج فيه إلى تعب قليل ، كذلك ~~العلم في النفوس البشرية ، ممننه ما يخرج إلى الفعل من القوة بغر تعلم بشري ~~، كحال الأنبياء عليهم السلام ، فإن علومهم تظهر من جهة الملأ الأعلى ، من ~~غير واسطة بشري ، ومنه ما يطول الجهد فيه كأحوال العامة من الناس ، لا سيما ~~ذوو البلادة ، الذين كبر سنهم في الغفلة والجهل ، ولم يتعلموا زمن الصبا ، ~~ومنه ما يكفي فيه السعي القليل ، كحال الأذكياء من الصبيان . ولكون العلوم ~~مركوزة في النفوس ، قال الله تعالى : ( وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ~~ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى ) . فالمراد بإقرار نفوسهم ~~المعنى الذي أشرنا إليه ، من كونها موجودة بالقوة دون إقرار PageV01P091 ~~الألسنة ، فإنها لم تحصل من كلهم عند الظهور ، بل من بعضهم ، وكذلك قوله ~~تعالى : ( ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ) ، معناه لئن اعتبرت أحوالهم ~~شهدت نفوسهم وبواطنهم بذلك ، ' فطرة الله التي فطر الناس عليها ' . فكل ~~آدمي فطر على الإيمان وما جاء الأنبياء إلا بالوحيد . ولذلك قال : ' قولوا ~~لا إله إلا الله ' . فإنه لن يصادف إلا من هو مصدق بالإله ، وإنما غلط في ~~عينه أو صفته . ثم لما كان الإيمان بالله مركوزا في النفوس بالفطرة ، انقسم ~~الناس إلى من أعرض فنسي ، وهم الكفار ، وإلى من أجال خاطره ، فتذكر وكان ~~كمن جمل شهادة فنسيها بغفلة ثم تذكرها . ولذلك قال تعالى : ( لعلهم يتذكرون ~~) ، ( وليذكر أولوا الألباب ) ، ( واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي ~~واثقكم به ) ، ( ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مذكر ) . والتذكير هو أكثر ~~ما يعبر به ، وتسمية هذا النمط تذكرا ليس ببعيد . وكأن التذكير ضربان : ~~أحدهما أن يتذكر صورة كانت مكتسبة في قلبه بالعقل ، ثم غابت عنه ، والآخر ms072 ~~أن يكون تذكره لصورة مضمنة بالفطرة في الإنسان . ولذلك قال المحققون : ~~التعلم ليس يجلب للإنسان شيئا من خارج بل يكشف الغطاء عما حصل في النفوس ~~بالفطرة ، كحال مظهر الماء من الأرض ، ومظهر الصور في المرآة بالجلاء . ~~وهذه حقائق ظاهرة للناظرين بعين العقل ، ثقيلة على من جمد به قصوره على أول ~~رتبة صبيان المكتب ، في اعتلاق طبعهم بسوابق الخيالات ، من ظواهر الألفاظ ، ~~من غير تحقيق لها . PageV01P092 # | بيان أنواع العقل # إعلم أن العقل ينقسم إلى غريزي وإلى مكتسب . فالغريزي هو القوة المستعدة ~~لقبول العلم ، ووجوده في الطفل ، كوجود النخل في النواة . والمكتسب ~~المستفاد هو الذي يحصل من العلوم ، إما من حيث لا يدري ، كفيضان العلوم ~~الضرورية عليه ، بعد التمييز من غير تعلم ، وإما من حيث يعلم مدركه ، وهو ~~التعلم . ولانقسام العقل إلى قسمين قال الإمام علي رضي الله تعالى عنه : ~~رأيت العقل عقلين . . . فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع . . . إذا لم يك ~~مطبوع كما لا تنفع الشمس . . . وضوء العين ممنوع والأول هو المراد بقوله : ~~' ما خلق الله خلقا أكرم عليه من العقل ' ، والثاني هو المراد بقوله عليه ~~السلام لعلي : ' إذا تقرب الناس بأبواب البر ، فتقرب أنت بعقلك ' . والأول ~~يجري مجرى البصر للجسم ، والثاني يجري مجرى نور الشمس ، ولا منفعة في النور ~~عند عمي البصر ، ولا يجدي البصر عند عدم النور . فكذلك بصر الباطن ، وهو ~~العقل ، وهو أشرف من البصر الظاهر إذ النفس كالفارس ، والبدن كالفرس ، وعمي ~~الفأس أضر من عمى الفرس . ولمشابهة بصره الباطن الظاهر قال تعالى : ( ما ~~كذب الفؤاد ما رأى ) ، وقال : ( وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض ) ~~. وسمي ضده عمى ، قال تعالى : ( فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب ~~التي في الصدور ) . وقال : ( ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل ~~سبيلا ) . وبالجملة من لم يكن بصيرة عقله نافذة ، فلا تعلق به من ~~PageV01P093 الدين إلا قشوره ، بل خيالاته وأمثلته ، دون لبابه وحقيقته . ~~فلا تدرك العلوم الشرعية ، إلا بالعلوم العقلية ، فإن العقلية كالأدوية ~~للصحة ، والشرعية كالغذاء ، والنقل جاء من العقل ms073 ، وليس لك أن تعكس . ~~والنفس المريضة المحرومة من الدواء تتضرر بالأغذية ولا تنتفع . ولذلك قال ~~تعالى : ( في قلوبهم مرض ) ، لما كانوا لا ينتفعون بالقرآن . والمقلد ~~الأعمى ، إذا تأمل أمور مواد الشرع يتراءى له أمور متناقضة ، وهي كذلك ~~بالإضافة إلى ما فهمه . ثم قد تجبن نفسه عن التأمل فيه لضعف عقله وخور طبعه ~~، فيتكلف الغفلة عنه خيفة أن ينكسر تقليده ، وقد يتأمله فيدرك تناقضه ، ~~فيتحير ويبطل يقينه . ولو نظر بعين البصيرة ، لبطل التناقض ورأى كل شيء في ~~موضعه . ومثاله مثال الأعمى الذي دخل دارا فعثر بالكوز والطشت وأثاث الدار ~~، فقال : لم وضعتم هذا على الطريق ، لم لا تردونها إلى محلها . فقيل له : ~~إن كلا في موضعه ، ولكن الخلل في البصر . فهذا بيان نسبة العلم المستفاد من ~~العقل . واعلم أن المكتسب من العلوم بواسطة العقل ينقسم إلى المعارف ~~الدنيوية والآخروية ، وطريقاهما متنافيان . فمن صرف عنايته إلى أحدهما ، ~~اقتصرت بصيرته في الآخر على الأكثر . ولذلك ضرب الإمام علي رضي الله عنه ~~ثلاثة أمثلة . فقال : ' إن مثل الدنيا والآخرة ككفتي ميزان ، وكالمشرق ~~والمغرب ، وكالضرتين إذا أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى ' . ولذلك نرى الأكياس ~~في أمور الدنيا جهالا في أمور الآخرة ، وبالعكس . ولذلك قال عليه السلام : ~~' الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ' . وقال لمن نسب بعض الصالحين إلى ~~البله : PageV01P094 ' أكثر أهل الجنة البله ' ، يعني في أمور الدنيا . ~~ولذلك قال الحسن البصري : ' أدركنا أقواما لو رأيتموهم لقلتم مجانين ، ولو ~~رأوكم لقالوا شياطين ' . ومهما سمعت أمرا غريبا من أمور الدين ، فلا يبعدنك ~~عن قبوله أنه لو كان حقيقيا لأدركه الأكياس من أرباب الدنيا ودقائق ~~الصناعات الهندسية وغيرها ، إذ من المحال أن يظفر سالك طريق المشرق بما ~~يوجد في المغرب ، فكذلك أمر الدنيا والآخر . ولذلك قال تعالى : ( إن الذين ~~لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها ) الآيتين . وقوله ~~تعالى : ( يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون ) . ولا ~~يكاد يجمع بينهما إلا من رشحه الله لتدبير الخلق في معاشهم ومعادهم وهم ~~الأنبياء المؤيدون بروح ms074 القدس ، المستمدون من قوة تتسع لجميع الأمور ، ولا ~~تضيع . فأما النفوس الضيقة ، إذا شغلت بأمر انصرفت عن غيره ، ولن نقدر على ~~الاستكمال منهما جميعا . # | بيان وظائف المتعلم والمعلم في العلوم المسعدة # أما المعلم ، فوظائفه كثيرة ، وتجمع تفاصيلها عشر جمل . الوظيفة الأولى ~~أن يقدم طهارة النفس عن رديء الأخلاق . فكما لا تصح عبادة الجوارح في ~~الصلاة ، إلا بطهارة الجوارح ، والعلم عبادة النفس ، وفي لسان الشرع عبادة ~~القلب ، فلا يصح إلا بطهارة القلب عن خبائث الأخلاق ، وأنجاس الصفات . قال ~~عليه السلام : ' بني الدين على النظافة ' . وهو كذلك باطنا كما أنه كذلك ~~ظاهرا ، وقال تعالى : ( إنما المشركون نجس ) ، فنبه به على أن الطهارة ~~والنجاسة غير PageV01P095 مقصورتين على الظاهر . ولذلك قال عليه السلام : ' ~~لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ' . والقلب منزل الملائكة ، ومحل نظرهم ومصب ~~أثرهم ، والصفات الردية كلاب مانعة ، ومهما اعتقد في بيت الدين صفات لا ~~تساوي سائر الصفات المحمودة أولى ، وبيت الدين هو القلب ، وعليه تغلب ~~الكلام مرة ، والملائكة أخرى ، فإن قلت : فكم طالب رديء الأخلاق ، حصل ~~العلوم ؟ فما أبعدك عن فهم العلم الحقيقي الديني ، الجالب للسعادة . فما ~~يحصله صاحب الأخلاق الردية حديث ينظمه بلسانه مرة ، وبقلبه أخرى ، وكلام ~~يردده ، ولو ظهر نور العلم على قلبه ، لحسنت أخلاقه ، فإن أقل درجات العلم ~~أن يعرف أن المعاصي سموم مهلكة ، مبطلة للحياة الأبدية ، فإن منشأها الصفات ~~الردية . وهل رأيت من عرف السم فتناوله ؟ ولهذا قال علي السلام : ' من ~~ازداد علما ولم يزدد هدى ، لم يزدد من الله إلا بعدا ' . ولهذا قال بعض ~~المحققين : معنى قولهم تعلمنا العلم لغير الله ، فأبى العلم أن يكون إلا ~~الله ، أي العلم امتنع وأبى أن يحصل ، وما حصل كان حديثا ولم يكن علما ~~تحقيقيا . فإن قلت : إني أرى جماعة من فضلاء الفقهاء قد تبخروا فيها مع سوء ~~أخلاقهم ، فيقال لك : إذا عرفت مراتب العلوم ونسبتها إلى سلوك السعادة ، ~~عرفت أن ما يعرفه أولئك الفقهاء قليل الغناء في المقصود ، وإن كان لا ينفك ~~عن تعلق به في حق من يقصد ms075 به التقرب . الوظيفة الثانية : أن يقلل علائقه من ~~الأشغال الدنيوية ، ويبعد عن الأهل والولد والوطن ، فإن العلائق صارفة ~~وشاغلة للقلوب ، ( ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ) ، وكلما توزعت ~~الفكرة قصرت عن درك الحقائق . ولهذا قيل : العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه ~~كلك ، فإذا أعطيته كلك ، فإنك من إعطائه PageV01P096 إياك بعضه على خطر . ~~والفكرة مهما توزعت على أمور ، كانت كجدول ماؤه منكشف منبسط ، فينشفه الهوى ~~والأرض ، ولا يبقى منه ما يجتمع ويبلغ المزرعة وينتفع به . الوظيفة الثالثة ~~: أن لا يتكبر على العلم وأهله ولا يتآمر على المعلم ، بل يلقي إليه بزمام ~~أمره ، في تفصيل طريق التعلم ، ويذعن لنصحه إذعان المريض للطبيب . أما ~~التكبر على العلم ، فإنه يستنكف من استفادته ممن يعرفه ، وهو عين الحمق ، ~~بل الحكمة ضالة كل حكيم . فحيث يجدها ، ينبغي أن يغتنمها ، ويستفيدها ، ~~ويتقلد بها المنة . فالعلم حرب للفتى المتعالي . . . كالسيل حرب للمكان ~~العالي . فلا بد من التواضع ، ولذلك قال الله تعالى : ( إن في ذلك لذكرى ~~لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ) ، أي يكون مشتغلا بالعلم ، وهو ~~المراد بمن له قلب ، أو كان فيه من العقل ما يحمله على إلقاء السمع وحسن ~~الإصغاء والضراعة . ومهما أشار المعلم في طريق التعلم بما يراه المتعلم عين ~~الخطأ ويعتقده قطعا ، فليتهم نفسه وليصبر ، وليتبع معلمه ، فإن خطأ معلمه ~~خير من صواب نفسه ، كسالك الطريق يكون قد استفاد بالتجربة ما يتعجب المبتدئ ~~منه . وعلى هذا نبه الله تعالى في قصة الخضر وموسى فإنه قال : ( هل اتبعك ~~على أن تعلمن مما علمت رشدا ) ، إلى قوله : ( فلا تسألني عن شيء حتى أحدث ~~لك منه ذكرا ) . ثم لم يصبر وراجعه وراده إلى أن قال : ( هذا فراق بيني ~~وبينك ) . ثم نبه على أسرار ما استبعده ، كما ورد به القرآن ، فعرف الله ~~موسى أن العلم يعلم ما لا PageV01P097 ينتهي إليه عقل المتعلم ووهمه . ~~وبالجملة فكل متعلم لم يتبع مراسم معلمه في طريق التعلم ، فأحكم عليه ~~بالإخفاق وقلة النجح ، فإن قلت فقد قال الله ms076 تعالى : ( فاسألوا أهل الذكر ~~إن كنتم لا تعلمون ) ، فاعلم أن هذا ليس مناقضا لمنع موسى من السؤال ، ولا ~~لما ذكرناه ، لأن النهي هو منع عن طلب ، ما لم يبلغ إلى حد يدركه . فإذا ~~منعه المعلم من السؤال عنه ، فليمتنع . والأمر هو حث على معرفة تفصيل ما ~~تقتضيه رتبته من العلم . الوظيفة الرابعة : إن الخائض في العلوم النظرية لا ~~ينبغي أن يصغي أولا إلى الاختلاف الواقع بين الفرق والشبه المشككة والمحيرة ~~، ما لم يكن بعد تمهيد قوانينه . فإن ذلك يفتر عزمه في أصل العلم ، ويؤيسه ~~عن حقيقة الدرك ، لأسباب ذكرناها في كتاب ' معيار العلم ' . فليتقن الأصول ~~والرأي الذي اختاره استاذه وطريقه . ثم ليخض بعد ذلك في تعريف الشبه ~~وتعقبها ، ولهذا نهى الله تعالى من لم يقو في الإسلام عن مخالطة الكفار ، ~~حتى قيل كان أحد أسباب تحريم الخنزير ذلك ، إذ كان أكثر أطعمة الكفار ، ~~فحرم ذلك ليكون مزجرة للمسلمين عن مؤاكلتهم ، التي كانت سببا للمخالطة . ~~ولهذا يجب صيانة العوام عن مجالس أهل الأهواء ، كما يصان الحرم عن مخالطة ~~المفسدين . فأما من قويت في الدين شكيمته ، واستقر في نفسه برهانه وحجته ، ~~فلا بأس عليه بالمخالطة ، بل الأحب المخالطة والإصغاء إلى الشبه والاشتغال ~~بحلها ، ويكون به مجاهدا . فإن القادر يستحب له التهجم على صف الكفار ، ~~والعاجز يكره له ذلك . ومن هذا الأصل غلط من ظن أن وظائف الضعفاء كوظائف ~~الأقوياء في الدين ، حتى قال بعض مشايخ الصوفية : من رآني في الابتداء قال ~~صديقا ، ومن رآني في الانتهاء قال زنديقا ، يعني أن الابتداء PageV01P098 ~~يقتضي المجاهدة الظاهرة للأعين بكثرة العبادات ، وفي الانتهاء يرجع العمل ~~إلى الباطن ، فيبقى القلب على الدوام في عين الشهود والحضور ، وتسكن ظواهر ~~الأعضاء ، فيظن أن ذلك تهاون بالعبادات ، هيهات ! فذلك استغراق لمخ ~~العبادات ولبابها وغايتها ، ولكن أعين الخفافيش تكل عن درك نور الشمس . ~~الوظيفة الخامسة : للمتعلم أن لا يدع فنا من فنون العلم ، ونوعا من أنواعه ~~إلا وينظر فيه نظرا يطلع به على غايته ومقصده وطريقه . ثم إن ساعده العمر ~~وأتته ms077 الأسباب طلب التبحر فيه ، فإن العلوم كلها متعاونة مترابطة بعضها ~~ببعض ، ويستفيد منه في الحال حتى لا يكون معاديا لذلك العلم بسبب جهله به . ~~فإن الناس أعداء ما جهلوا . قال تعالى : ( وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا ~~إفك قديم ) ، قال الشاعر : ومن يك ذا فم مر مريض . . . يجد مرا به الماء ~~الزلالا فلا ينبغي أن يستهين بشيء من أنواع العلوم ، بل ينبغي أن يحصل كل ~~علم ويعطيه حقه ومرتبته ، فإن العلوم على درجاتها إما سالكة بالعبد إلى ~~الله ، أو معينة على أسباب السلوك ، ولها منازل مرتبة في القرب والبعد من ~~المقصد . والقوام بها حفظته كحفظة الرباطات والثغور على طريق الجهاد والحج ~~، ولكل واحد منها رتبه . الوظيفة السادسة : أن لا يخوض في فنون العلم دفعة ~~، بل يراعي الترتيب ، فيبدأ بالأهم فالأهم ، ولا يخوض في فن حتى يستوفي ~~الفن الذي قبله ، فإن العلوم مرتبة ترتيبا ضروريا وبعضها طريق إلى بعض . ~~والموفق مراعي ذلك الترتيب والتدريج . قال تعالى : ( الذين آتيناهم الكتاب ~~يتلونه حق تلاوته ) ، أي لا يجاوزون فنا PageV01P099 حتى يحكموه علما وعملا ~~. وليكن قصده من كل علم يتحراه الترقي إلى ما فوقه . وينبغي أن لا تحكم على ~~علم بالفساد لوقوع الاختلاف بين أصحابه فيه ، ولا بخطأ واحد أو آحاد فيه ، ~~ولا بمخالفتهم موجب العلم بالعمل ، فيرى جماعة تركوا النظر في العقليات ~~والفقهيات ، متعللين فيها بأنه لو كان لها أصل لأدركها أربابها . وقد مضى ~~كشف هذه الشبهة في كتابنا ' معيار العلم ' ، ويرى قوم يعتقدون صحة النجوم ~~لصواب اتفق لواحد ، وطائفة يعتقدون بطلانه لخطأ اتفق لواحد ، والكل خطأ . ~~بل ينبغي أن يعرف الشيء في نفسه ، فلا كل علم يستقل به كل شخص . ولذلك قال ~~الإمام علي رضي الله تعالى عنه : ' لا تعرف الحق بالرجال ، إعرف الحق تعرف ~~أهله ' . الوظيفة السابعة : إن العمر إذا لم يتسع لجميع العلوم ، فينبغي أن ~~يأخذ من كل شيء أحسنه ، فيكتفي بشمة من كل علم ، ويصرف الميسور من العمر ~~إلى العلم الذي هو سبب النجاة والسعادة ، وهو غاية جميع العلوم ، وهي ms078 معرفة ~~الله على الحقيقة والصدق . فالعلوم كلها خدم لهذا العلم ، وهذا العلم حر لا ~~يخدم غيره . ولهذا قال تعالى : ( قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ) ، وليس ~~المراد تحريك عضلات اللسان بهذه الحروف ، ولذا قال : ' من قال لا إله إلا ~~الله مخلصا دخل الجنة ' ، فإن حركة الأطراف قليل الغناء ، إذا لم يكن مؤثرا ~~في القلب ، أو لم يكن صادرا عن أثر راسخ في القلب ، أو له اعتقاد يسمى ~~إيمانا . ثم ينتهي ترتيبه إلى مثل إيمان أبي بكر ، الذي وزن بإيمان ~~العالمين لرجح . هذا مع التصريح بأنه ما فضلكم بكثرة صيام وصلاة ولكن بسر ~~وقر في قلبه . فإن كان منتهى العلم بالله اعتقاد ما أعتقده المقلد المتكلم ~~المتعلم بتحرير PageV01P100 الدليل ، فما عندي أن هذا يعجز عنه عمر وعثمان ~~وكافة الصحابة ، حتى كان قد فضلهم أبو بكر به . وبهذا يستبين للمنصف أن ~~طريق الصوفية ، وإن كان يرى مائلا عن أكثر الظواهر ، فمشهود له من الشرع ~~بشواهد قوية . فلا ينبغي أن يعاديها الجاهل لجهله وقصوره عنها . وعلى ~~الجملة فمعرفة الله غاية كل معرفة ، وثمرة كل علم ، على المذاهب كلها . وقد ~~روي أنه رؤي صورتا حكيمين من الحكماء المتعبدين في مسجد ، وفي يد أحدهما ~~رقعة فيها : ' إن أحسنت إلى شيء ، فلا تظنن أنك أحسنت شيئا ، حتى تعرف الله ~~تعالى ، وتعلم أنه مسبب الأسباب وموجد الأشياء ' . وفي يد الآخر : ' كنت ~~قبل أن عرفت الله أشرب وأظمأ ، حتى إذا عرفته رويت بلا شرب ' . الوظيفة ~~الثامنة : أن تعرف معنى كون بعض العلوم أشرف من بعض فإن شرف العلم يدرك ~~بشيئين : أحدهما بشرف ثمرته ، والآخر بوثاقه دلالته . وذلك كعلم الدين وعلم ~~الطب ، الذي ثمرته حياة البدن إلى غاية الموت . وأما الحساب إذا أضفته إلى ~~الطب ، فالحساب أشرف باعتبار وثاقه دلالته ، فإن العلوم بها ضرورية غير ~~متوقفة على التجربة بخلاف الطب . والطب أشرف باعتبار ثمرته ، فإن صحة البدن ~~أشرف من معرفة كمية المقادير . والنظر إلى شرف الثمرة أولى من النظر إلى ~~وثائقه الدليل . وأشرف العلوم ثمرة العلم بالله وملائكته ms079 وكتبه ورسله وما ~~يعين عليه ، فإن ثمرته السعادة الأبدية . الوظيفة التاسعة : أن تعرف أنواع ~~العلوم بقول جملي ، وهي ثلاثة : علم يتعلق باللفظ ، من حيث يدل على المعنى ~~، وعلم يتعلق بالمعنى المجرد . أما المتعلق باللفظ ، فهو ما عرف به المعاني ~~بالحس وأريد أن تعرف الألفاظ الموضوعة بالاصطلاح للدلالة عليها وهي قسمان : ~~أحدهما علم اللغات ، والآخر لواحقها ، كعلم الاشتقاق والإعراب والنحو ~~والتصريف وعلم PageV01P101 العروض والقوافي ، وقد ينتهي إلى العلم بمخارج ~~الحروف وما يتعلق به . وأما المتعلق بالمعنى من حيث يدل الفظ عليه ، فعلم ~~الجدل والمناظرة والبرهان والخطابة . فإن الناظر في هذه العلوم عالم باللغة ~~وموجوب الألفاظ ، وعالم بالمعاني ، وعالم بترتيب إيرادها ، وكيفية نظمها ~~على وجه يؤدي إلى تحصيل العلم اليقيني ، فيكون برهانا ، أو إلى إفحام الخصم ~~فيكون جدلا ، أو إلى إقناع النفس الإقناع الذي يبتغي الاستدراج والمجادلة ، ~~فيسمى خطابة ووعظا ، ويسمى أيضا دليلا ، فإنها تدل على المخاطبين على ~~المقاصد ، وتسوقهم إلى اعتقاداتهم ، التي فيها نجاتهم . وعليه أكثر دلالات ~~الأخبار والقرائن المستدل بها على الكفار . وهو أكثر أنواع الأدلة نفعا ، ~~وأعمقها في حق الجماهير جدوى . فأما البرهان الحقيقي اليقيني ، فلا يستقل ~~بفهمه ودركه إلا أكابر العلماء المحققين الذين لا تسمح الأعصار بآحادهم . ~~وأما الجدل فأقل الأقسام فائدة في الإرشاد ، إذ المحقق لا يقنع بما يبني ~~دلالته على تسليم الخصم ، وليس مسلما في نفسه . والعامي لا يفهمه بل يكل ~~فهمه عن دركه ، والمشاغب المناظر في أكثر الأمر ، إذا أفحم استمر على ~~اعتقاده وأحال بالقصور على نفسه ، وقال : لو كان صاحب مذهبي حيا وحاضرا ، ~~لقدر على الانفصال عنه ، وأكثر ما ذكره المتكلمون في مناظراتهم مع الفرق ~~جدليات ، وهكذا ما يجري في مناظرات الفقه . ولذلك لا تنكشف مناظرة عن تنبه ~~متنبه برجوعه عن مذهبه إلى غيره . وأما القسم الثالث المتعلق بالمعنى ، ~~فضربان : علمي مجرد وعملي . أما العلمي فمعرفة الله تعالى ومعرفة الملائكة ~~وملكوت السموات والأرض وآيات PageV01P102 الآفاق والأنفس وما بث فيها من ~~دابة ، ومعرفة الكواكب السماوية والآثار العلوية ، ومعرفة أقسام الموجودات ~~كلها ، وكيفية ترتب البعض منها ms080 على البعض ، وكيفية ارتباط البعض منها ~~بالبعض ، وكيفية ارتباطها بالأول الحق المقدس عن الارتباط بغيره ، ومعرفة ~~القيامة والحشر والنشر والجنة والنار والصراط والميزان ، ومعرفة الجن ~~والشياطين ، وتحقق أن ما سبق إلى الإفهام العامية من ظاهر هذه الألفاظ ، ~~حتى تخيلوا منها في الله تعالى أمورا ، من كونه على العرش وفوق العالم ~~بالمكان وقبله بالزمان ، وما اعتقدوه في الملائكة والشياطين ، وفي أحوال ~~الآخرة من الجنة والنار ، هل هي كما اعتقدوه من غير تفاوت ، أو هي أمثلة ~~وخيالات ، ولها معان سوى المفهوم عن ظاهرها ؟ فتحقق هذه الأمور بالصدق ~~والحقيقة الصافية عن الشك ، ورجم الظنون المنفكة عن المرية والتخمين ، هي ~~العلوم النظرية المجردة عن العمل . وأما العملي فهي الأحكام الشرعية ، ~~والعلوم الفقهية ، والسنن النبوية . وذلك معرفة سياسة النفس مع الأخلاق كما ~~مضى ، ومعرفة تدبير أهل البيت والولد والمطعم والملبس . وكيفية المعيشة ~~والمعاملة . وهذا علم الفقه ، ويشتمل على ربع المعاملات والنكاح والعقوبات ~~. ثم إذا عرف أنواعها ، فينبغي أن يعرف مراتبها ، كيلا يضيع العمر إلا في ~~المقصود ، أو فيما يقرب منه . وأما المقتنع بالقسم الأول المتعلق باللفظ ، ~~فمختصر على القشر المحض . والقانع منه بالنحو والإعراب والعروض ومخارج ~~الحروف ، فقانع أيضا من القشرة بأوجهها . وأما الخائض في تعرف الطريق الذي ~~به يتميز الدليل الحقيق عن الإقناع ، فمشتغل بأمر مهم . فإن اقتصر عليه فهو ~~مقتصر على الآلة والوسيلة ، كمن يقصد الحج فيشتري الجمل ويعد الزاد ~~والراحلة ، ويقعد في بيته . فلذلك مهم وضروري لكونه آلة ضرورية ، ولكن إذا ~~لم يستعمل في المقصد ، لا فائدة PageV01P103 له . فلا خير في مجرد السلاح ~~إذ لم يستعمل في القتال . وأما الخائض في العلوم العملية المقتصر عليها ، ~~أعني الفقهيات وتفصيلها ، فحالة أقرب من حال المقتصر على اللغات ، فهو ~~بالإضافة إليه عظيم القدر ، كما أن العلم باللغات أيضا بالإضافة إلى العلم ~~بالرقص والزمر عظيم ، ولكن أن أضيف إلى جانب المقصود ، فهو في غاية البعد ~~ولا يتشكل ذلك إلا بمثال . فإذا علق السيد عتق عبده على أن يحج ، ووعده بعد ~~ذلك بما ينال به الرئاسة ، فله ms081 ثلاث مقامات في الوصول إلى سعادة العتق وما ~~بعده . الأول تهيئة الأسباب بشراء الناقة وخرز الرواية وإعداد الزاد ، ~~والآخر السلوك لمفارقة الوطن والتوجه إلى المقصد منزلا بعد منزل ، والثالث ~~الاشتغال بالحج ركنا فركنا ، ثم العتق معه ، مع التعرض لاستحقاقه المال ~~الموصل إلى السعادة ، وله في كل مقام منازل من أول إعداد الأسباب إلى آخره ~~، ومن أول سلوك الطريق إلى آخره . وليس قرب من ابتدأ بأركان الحج من ~~السعادة كقرب من ابتدأ بالاستعداد ، ولا كقرب من ابتدأ بالسلوك . فوازن ~~الحج مما نحن فيه كمال النفس بطهارة الأخلاق ، وقطع الرذائل كلها ، وكمالها ~~مع ذلك بانكشاف الحقائق لها . ومثال المال الموصل إلى الرئاسة ها هنا الموت ~~، الذي يكشف الحجاب الحائل بينه وبين رتبة مشاهدة نفسه ، وكمالها وجمالها ، ~~ليرى نفسه من الكمال في أعلى عليين ، فيفرح به ويسر سرورا مؤبدا . ومثال ~~سلوك منازل الطريق منزلا بعد منزل سلوك مهذب الأخلاق في محو الأخلاق ~~الرديئة عن نفسه خلقا بعد خلق ، وطالب العلوم النظرية التي ذكرناها دون ~~سائر العلوم ، الخادمة للعلوم النظرية من الفقهيات واللغويات . فالمتعلم ~~للفقه كالخارز للرواية ، والمقتصر عليه كالمقتصر على الرواية ، والمقتصر ~~على اللغة كالمقتصر على دباغة الجلد ، PageV01P104 الذي يتخذ منه الرواية ~~مثلا ، فإن الحاج لا يستغني عن الدباغ ومستغرق أوقاته بمعرفة تفريعات الفقه ~~، على ما يشتمل عليه الخلافيات في هذا العصر ، مما لم يعهد في عصر الصحابة ~~، كمستغرق أوقاته في أحكام الرواية ، بعد سلوك الخيوط التي يخرزها وتحسن ~~الخرز . فإن قلت : فهذا إن قلته عن اعتقاد فهو خلاف اجماع الفقهاء ، وإن ~~قلته حكاية ، فمن المعتقد لهذا المذهب ؟ فأقول : لست أقوله إلا حكاية عن ~~هذا المذهب الذي مدار أكثر هذا الكتاب على وضعه ، وهو مذهب التصوف . وقد ~~اتفقوا على المعنى الذي يفهمه هذا المثال ، وإن لم يكن هذا المثال بعينه من ~~جهتهم . فإن قلت : فهل ما قالوه حق أم لا ؟ فأقول ليس هذا الكتاب لبيان ~~الحق والباطل بالبرهان في هذه الأمور ، بل هي وصايا تنبه على الغفلة وترشد ~~إلى مواضع الطلب ، كي لا ms082 يغفل الإنسان عما قالوه . فإن إمكانه ليس ببعيد في ~~أول الأمر ، فليبحث المتعلم المسترشد عنه ليعرف سره وغائلته . فإن قلت : ~~إني وأن كنت لا أعتقد مذهب التصوف ، فلا تسمح نفسي أيضا بعد أن استغرقت ~~عمري في الفقه خلافا ومذهبا أن أنحط عند الصوفية إلى هذه الرتبة الخسيسة ، ~~فأرى بهذه العين ، فلم قلت أن مذهبهم يوجب هذا ؟ فاعلم إنك تتحقق السبب إن ~~علمت تفاصيل ما سبق من ارتباط السعادة بمحو وإثبات عن النفس . وفيها ، وأن ~~المحو لما لا ينبغي أن يكون تزكية لها ، والإثبات لما ينبغي أن يكون تكميلا ~~لها بكشف الحقائق فيها . وذلك لا يحصل إلا بتهذيب الأخلاق ، والتفكر في ~~آلاء الله وملكوت السموات والأرض ، حتى تنكشف أسرارها . والفقه إنما يحتاج ~~إليه من حيث أنه محتاج إليه البدن ، والبدن لا يبقى إلا بعلم الأبدان ، وهو ~~الطب . وعلم الأديان ، وهو الفقه ، إذ الآدمي خلق بحيث لا يمكن أن يعيش ~~وحده كالبهيمة الوحشية ، بل يفتقر إلى أن يكون بين جمع متعاونين على أشغال ~~PageV01P105 كثيرة ، في تهيئة المطاعم والملابس وآلاتهما ، ولا بد إذ كان ~~لهم اجتماع من أن يكون بينهم عدل وقانون في المعاملة ، عليه يترددون ، ~~ولولاه لتنازعوا وتقاتلوا وهلكوا . فالفقه هو بيان ذلك القانون ، وتفصيله ~~في ربع النكاح والمعاملات والعقوبات ، فالبدن في طريق السائرين إلى الله ~~تعالى يجري مجرى الناقة الراوية في طريق الحج ، ومصالح الأبدان كمصالح ~~الناقة ، والراوية والعلم والمتكفل بمصالح البدن كالصناعة المتكفلة بخرز ~~الراوية وتقديرها وتطهيرها ، ورتبته من هذا المقصد كرتبتها من ذلك المقصد ~~إن صح ما ذكروه في السلوك والاستعداد والمقصد ، وإنهم يقولون لولا إرادة ~~الله عمارة الدنيا ، لارتفعت الحجب وزالت الغفلة وتوجه الخلق كلهم إلى سبيل ~~الله ، وترك كل فريق ما هو بعيد عن المقصود ، ولكن كل حزب بما لديهم فرحون ~~، وبه قوام العالم ، بل لولاه لبطلت الصناعات . فلو لم يعتقد الخياط ~~والحائك والحجام في صنعته ما يوجب ميله إليها ، لتركها وأقبل الكل على أشرف ~~الصنائع ، ولبطلت كثرة الصنائع . فإن رحمة الله غفلتهم بوجه من الوجوه . ~~وعليه ms083 حمل بعضهم قوله عليه السلام : ' اختلاف أمتي رحمة ' ، يعني اختلاف ~~هممهم ، ولو عرف الكناس ما في صناعته لتركها ، ولاضطر العلماء والخلفاء ~~والأولياء أن يتولوها بأنفسهم . وكذلك الدباغة والحدادة والزراعة ، وجميع ~~الأمور فلولا أن الله تعالى حبب علم الفقه والنحو ومخارج الحروف والطب ~~والفقه في قلوب طوائف ، لبقيت هذه العلوم معطلة ، ولتشوش النظام الكلي ، ~~وليس من شرط المتجرد لعلم أو صناعة أن يتطلع على قدر رتبته ونسبته إلى من ~~فوقه . بل إلى من تحته . وإنما المطلع على حملة مراتب العلوم هم المتكفل ~~بالعلوم كلها ، وهو الذي آتاه الله الحكمة ، وأراه الأشياء على ما هي عليه ~~. فهذا جواب هؤلاء ، وإليك الرأي بعد PageV01P106 هذا في الاقتصار على ما ~~أنت فيه ، أو سلوك طريق هؤلاء والبحث عن هذا الفن ، لتعرف حقيقة الحق فيه . ~~الوظيفة العاشرة : للمتعلم أن يكون قصده في كل ما يتعلمه في الحال كمال ~~نفسه وفضيلتها ، وفي الآخرة التقرب إلى الله عز وجل . ولا يكون قصده ~~الرئاسة والمال ، ومباهاة السفهاء ، ومماراة العلماء ، فقد قال عليه السلام ~~: ' من تعلم العلم ليباهي به السفهاء ويماري به العلماء دخل النار ' ، وقد ~~سبق أن العلوم لها منازل في الوصول بها إلى الله عز وجل ، والقوام بتلك ~~العلوم كحفظة الرباطات في طريق الجهاد . فإذا عرف كل أحد رتبته ووفاه حقه ~~وقصد به وجه الله تعالى ، لم يضع أجره ، فإن الله يرفعه بقدر علمه في ~~الدنيا والآخرة . وقال تعالى : ( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا ~~العلم درجات ) ، وقال : ( هم درجات عند الله ) . ولا ينبغي أن يفتر رأيك في ~~العلوم بما حكيناه من طريق الصوفية ، فإنهم لا يعتقدون حقارة العلوم ، بل ~~يعتقد كل مسلم حرمتها وعظمتها . وما ذكروه ، إنما أوردوه بالإضافة إلى ~~مرتبة الأولياء والأنبياء ، وذلك جار مجرى استحقارك الصيارفة عند قياسهم ~~بالسلاطين والوزراء . وذلك لا يوجب نقيصتهم ، مهما قستهم بالكناسين ~~والدباغين ، ولا تطالب من نزل عن الرتبة القصوى لسقاطة القدر بها ، فإن ~~الرتبة القصوى للأنبياء ، ثم للأولياء ، ثم للعلماء ، على تفاوت مراتبهم ، ~~ثم للصالحين في الأعمال . وبالجملة ms084 ( فمن يعمل مثقال ذرة يره ) . ومن قصد ~~التقرب إلى الله بالعلوم ، نفعه الله ورفعه لا محالة . فهذه هي الوظائف ~~للمتعلم . وأما وظائف المعلم المرشد فهي ثمان . واعلم قبل كل شيء أن ~~للإنسان في العلم أربعة PageV01P107 أحوال ، كما في اقتناء الأموال ، إذ ~~لصاحب المال حال استفادة ، فيكون مكتسبا ، وحال ادخار لما اكتسبه ، فيكون ~~به غنيا عن السؤال ، وحال انفاق على نفسه ، فيكون منتفعا ، وحال إفادته ~~غيره بالإنفاق ، فيكون به سخيا متفضلا ، وهو أشرف أحواله ، فمن أصاب علما ~~فاستفاد وأفاد ، كان كالشمس تضيء لنفسها ولغيرها ، وهي مضيئة ، مستغن عن ~~السؤال ، وحال استبصار وهو تفكره في المحصل ، وحال تبصير وتعليم ، وهو أشرف ~~أحواله ، فكذلك العلم كالمال ، ولصاحبه استبصار وهو تفكيره في المحصل ، ~~وحال تبصير وتعليم وهو أشرف أحواله . فمن أصاب علما فاستفاده وأفاد كان ~~كالشمس تضيء لنفسها ولغيرها ، وهي مضيئة ، والمسك الذي يطيب وهو طيب ، ومن ~~أفاد غيره ولم ينتفع به ، فهو كالدفتر يفيد غيره ، وهو خال عنه ، وكالمسن ~~يشحذ غيره يقطع ، أو كذبالة المصباح تضيء غيرها وهو تحترق . فأول وظائف ~~المعلم أن يجري المتعلم منه مجرى بنيه ، كما قال عليه السلام : ' إنما أنا ~~لكم مثل الوالد لولده ' . وليعتقد المتعلم أن حق المعلم أكبر من حق الأب ، ~~فإنه سبب حياته الباقية ، والأب سبب حياته الفانية ، وكذلك قال الإسكندر ، ~~لما قيل له : أمعلمك أكرم عليك أم أبوك ؟ فقال : ' بل معلمي ' . وكما أن من ~~حق بني الأب الواحد أن يتحابوا ولا يتباغضوا ، فكذلك حق بني المعلم ، بل حق ~~بني الدين الواحد . فإن العلماء كلهم مسافرون إلى الله تعالى ، وسالكون ~~إليه الطريق . في الطريق يوجب تأكد المودة ، فأخوة الفضيلة فوق أخوة ~~الولادة . وإنما منشأ التباغض إرادتهم بالعلم المال الرياسة ، فيخرجون به ~~عن سلوك سبيل الله ، ويخرجون عن قوله تعالى : ( إنما المؤمنون إخوة ) ، ~~ويدخلون تحت قوله : ( الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين ) . ~~الوظيفة الثانية : أن يقتدي بصاحب الشرع ، فلا يطلب على إفادة العلم أجرا ~~وجزاء . قال PageV01P108 تعالى : ( قل لا أسئلكم عليه أجرا ) . فإن من يطلب ~~المال ms085 وأغراض الدنيا بالعلم ، كمن نظف أسفل مداسه بوجهه ومحاسنه ، فجعل ~~المخدوم خادما ، إذ خلق الله الملابس والمطاعم خادمة للبدن ، وخلق البدن ~~مركبا ، وخادما للنفس ، وجعل النفس خادمة للعلم . فالعلم مخدوم ليس بخادم ، ~~والمال خادم ليس بمخدوم . ولا معنى للضلال إلا عكس هذا الأمر . والعجب أن ~~الأمر قد انتهى بحكم تراجع الزمان ، وخلو الأعصار عن علماء الدين ، إلى أن ~~صار المتعلم يقلد معلمه ليستفيد منه ، ويجلي بين يديه ويطمع في أغراض ~~دنيوية ، عوضا عن استفادته ، وهذا غاية الانتكاس ومنشأ ذلك طلب المعلمين ~~الرياسة ، والتجمل بكثرة المستفيدين ، لقصور علمهم وعدم ابتهاجهم بكمال ~~علومهم الذاتية ، فأطمع ذلك المستفيدين منهم فيهم . الوظيفة الثالثة : ألا ~~يدخر شيئا من نصح المتعلم وزجره عن الأخلاق الردية ، بالتعريض والتصريح ، ~~ومنعه أن يتشوق إلى رتبة فوق استحقاقه ، وأن يتصدى لاشتغال فوق طاقته ، وأن ~~ينبهه على غاية العلوم ، وإنما هي السعادة الآخروية دون أغراض الدنيا . فإن ~~رأى من لا يتعلم إلا لأجل طلب الرياسة ، ومباهاة العلماء ، لم يزجره عن ~~التعلم . فاشغاله بالتعلم مع هذا القصد خير من لأعراض ، فإنه مهما اكتسب ~~العلم تنبه بالآخرة لحقائق الأمور . وأن الطالب بالعلم لأغراض الدنيا ~~منغبون ، وقد بين العلماء هذا المعنى بقولهم : ' تعلمنا العلم لغير الله ، ~~فأبى العلم أن يكون إلا لله ' . بل أقول : إن كان الناس لا يرغبون في تعلم ~~العلم لله ، فينبغي أن يدعوهم إلى نوع من العلم يستفاد به الياسة بالأطماع ~~في الرياسة ، حتى يستدرجهم بعد ذلك إلى الحق . ولهذا رؤي الرخصة في علم ~~المناظرة في الفقهيات ، لأنها بواعث على المواظبة لطلب المباهاة أولا ، ثم ~~بالآخرة ، يتنبه لفساد قصده ، ويعدل عنه إلى PageV01P109 المنهج القويم ~~ويجري هذا المجرى من قصدنا في إرهاق الصبي إلى التعلم بالأطماع في الرياسة ~~إنا نطمعه فيه بالصولجان ، وشراء الطيور ، وأسباب اللعب ، ونطلق له ذلك في ~~بعض الأوقات ، لتنبعث دواعيه إلى التعلم ابتداء طمعا فيما رعيناه آخرا ~~تدريجيا ، وقد جعل الله تعالى قصد الرياسة من تعلم العلم حفظا للشرع والعلم ~~. ويجري تحريض المتعلمين على العلم بالأطماع في الرياسة ms086 وحسن الذكر مجرى ~~الحب يبث حوالي القمح والملواح المقيد على الشبكة ومجرى شهوة الغذاء ~~والنكاح التي خلقهما الله داعية إلى الفعل الذي فيه بقاء الشخص والنوع ، ~~ولولا هذه المصلحة في المناظرة ، لما كان يجوز أن يسمح فيها بحال من ~~الأحوال ، فإنها ليست تفضي إلى تغيير المذاهب ، وترك المعتقد . الوظيفة ~~الرابعة : إنه ينبغي أن ينهي عما يجب النهي عنه ، بالتعريض لا بالتصريح ، ~~لأن التعريض يؤثر في الزجر ، والتصريح بالزجر مما يغري بالمنهى عنه . قال ~~عليه السلام : ' لو نهي الناس عن فت البعر لفتوه ، وقالوا ما نهينا عنه إلا ~~وفيه شيء ' . وينبه على هذا قصة آدم وحواء وما نهيا عنه . وقد قيل : رب ~~تعريض أبلغ من تصريح . وذلك أن النفوس الفاضلة لميلها إلى الاستنباط ~~والتنبه للخفيات ، تميل إلى التعريض شغفا باستخراج معناه بالفكر . والتعريض ~~لا يهتك حجاب الهيبة ، والتصريح يرفعه بالكلية ، فيستفيد المنهي جراءة على ~~المخالفة إذا اضطر إلى المخالفة مرة أخرى . الوظيفة الخامسة : إن المتكفل ~~ببعض العلوم ، لا ينبغي له أن يقبح في نفس المتعلم العلم الذي ليس بين يديه ~~، كما جرت عادة معلمي اللغة من تقبيح الفقه ، عند المتعلمين وزجرهم عنه ، ~~وعادة الفقهاء من تقبيح العلوم العقلية والزجر عنها ، بل ينبه على قدر ~~PageV01P110 العلم الذي فوقه ليشتغل به عند استكمال ما هو بصدده . وإن كان ~~متكفلا بعلمين مترتبين ، فإذا فرغ من أحدهما رقي المتعلم إلى الثاني وراعى ~~فيه التدريج . الوظيفة السادسة : أن يقتصر بالمتعلمين على قدر إفهامهم ، ~~فلا يرقيهم إلى الدقيق من الجلي ، وإلى الخفي من الظاهر ، هجوما وفي أول ~~رتبة ، ولكن على قدر الاستعداد ، اقتداء بمعلم البشر كافة ومرشدهم حيث قال ~~: ' إنا معشر الأنبياء أمرنا أن ننزل الناس منازلهم ، ونكلم الناس بقدر ~~عقولهم ' . وقال : ' ما أحد يحدث قوما حديثا لا يبلغه عقولهم ، إلا كان ذلك ~~فتنة على بعضهم ' . وقال : علي رضي الله عنه ، وقد أومأ إلى صدره : ' إن ~~ههنا لعلوما جمة ، لو وجدت لها حملة ' . وقال عليه السلام : ' كلموا الناس ~~بما يعرفون ، ودعوا ما ينكرون ، أتريدون أن يكذب الله ms087 ورسوله ' ، وقال ~~تعالى : ( ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ) . وسئل بعض المحققين عن شيء ~~فأعرض ، فقال السائل : أما سمعت قول رسول الله عليه السلام : ' من كتم علما ~~نافعا ، جاء يوم القيامة ملجما بلجام من نار ' ، فقال : اترك اللجام واذهب ~~فإن جاء من يفقه فكتكته فليلجمني به . ولما قال تعالى : ( ولا تؤتوا ~~السفهاء أموالكم ) ، نبه على أن حفظ العلم وإمساكه عمن يفسده العلم أولى . ~~ولما قال تعالى : ( فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ) نبه على ~~أن من بلغ رشده في العلم ، ينبغي أن يبث إليه حقائق العلوم ، ويرقى من ~~الجلي الظاهر ، إلى الدقيق الخفي الباطن ، فليس الظلم في منع المستحق ، ~~بأقل من الظلم في إعطاء غير المستحق . وقال المتقدم في مثل ذلك : ~~PageV01P111 فمن منح الجهال علما أضاعه . . . ومن منع المستوجبين فقد ظلم ~~وادخار حقائق العلوم عن المستحق لها فاحشة عظيمة . قال الله تعالى : ( وإذ ~~أخذ الله مثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمون ) . الوظيفة ~~السابعة : إن المتعل القاصر ينبغي أن يذكر له ما يحتمله فهمه ، ولا يذكر له ~~أن ما وراء ما ذكرت ذلك تحقيقا وتدقيقا أدخره عنك ، فإن ذلك يفتر رأيه في ~~تلقف ما ألقي إليه ، بل يخيل إليه أنه كل المقصود ، حتى إذا استقل به رقي ~~إلى غيره بالتدريج . ومن هذا يعلم أن تقيد من العوام بقيد الشرع ، واعتقد ~~الظاهر وحسن حاله في السيرة ، فلا ينبغي أن يشوش عليه اعتقاده وينبه على ~~تأويلات الظواهر . فإن ذلك يؤدي إلى أن ينحل عنه قيد الشرع ، ثم لا يمكن أن ~~يقيد بتحقيق الخواص فيرتفع السد الذي بينه وبين الشرور ، فينقلب شيطانا ~~وشريرا ، بل ينبغي أن يرشد إلى علم العبادات الظاهرة ، والأمانة في الصناعة ~~، التي هو بصددها ، وأن يملأ نفسه من الرغبة والرهبة على الوجه الذي نطق به ~~القرآن ، وأن لا يولد شبهة ، فإن تولدت شبهة وتشوقت نفسه إلى حلها ، فيعالج ~~دفع شبهته بما يقنع به من كلام عامي ، وإن لم يكن على حقائق الأدلة . ولا ~~ينبغي أن يفتح له باب ms088 البحث والطلب ، فإنه يعطل عليه الصناعة التي بها تعمر ~~الأرض وينتفع الخلق . ثم يقصر عن درك العلوم ، فإن وجد ذكيا مستعدا لقبول ~~الحقائق العقلية ، جاز أن يساعده على التعليم ، إلى أن تنحل له الشبهات ، ~~وقد حكي عن بعض الأمم السالفة أنهم كانوا يختبرون المتعلم مدة في أخلاقه ، ~~فإن وجدوا فيه خلقا رديا منعوه التعلم أشد المنع . وقالوا إنه يستعين ~~بالعلم على مقتضى الخلق الردي ، فيصير العلم آلة شر في حقه ، وإن وجدوه ~~مهذب الأخلاق قيدوه في دار العلم ، وعلموه وما أطلقوه قبل الاستكمال ، خيفة ~~أن PageV01P112 يقتصر على البعض ، ولا تكمل نفسه ، فيفسد به دينه ودين غيره ~~، وبهذا الاختبار قيل : ' نعوذ بالله من نصف متكلم ونصف طبيب . فذلك يفسد ~~الدين وهذا يفسد الحياة الدنيا ' . الوظيفة الثامنة : أن يكون المعلم للعلم ~~العملي ، أعني الشرعيات ، عاملا بما يعلمه ، فلا يكذب مقاله بحاله ، فينفر ~~الناس عن الاسترشاد والرشد . وذلك أن العمل مدرك بالبصر ، والعلم بالبصيرة ~~، وأصحاب الأبصار أكثر من أرباب البصائر . فليكن عنايته بتزكية أعماله أكثر ~~منه بتحسين علمه ونشره . وكل طبيب تناول شيئا وزجر الناس عنه ، وقال : ' لا ~~تتناولوه فإنه سم ' ، يحمل على الهزؤ والسفه . وإنما هو الذي اعتقد فيه أنه ~~أنفع الأشياء يريد أن يستأثر به ، فينقلب النهي إغراء وتحريضا . والمتعظ من ~~الواعظ يجري مجرى الطين من النقش ، والظل من العود ، وكيف ينتقش الطين بما ~~لا نقش فيه ، وكيف يستوي الظل ، والعود أعوج ؟ ولذلك قيل : لا تنه عن خلق ~~وتأت مثله . . . عار عليك إذا فعلت عظيم بل قال الله تعالى : ( أتأمرون ~~الناس بالبر وتنسون أنفسكم ) . ولذلك قيل : وزر العالم في معاصيه أكثر من ~~وزر غيره ، لأنه يقتدى به ، فيحمل أوزارا مع أوزاره . كما قال عليه السلام ~~: ' من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ' . فعلى ~~كل عاص في كل معصية وظيفة واحدة ، وهو تركها وترك الاظهار ، كي لا يتبعه ~~الناس ، فإذا أظهر فقد ترك واجبين ، وإن أخفى فقد ترك أحد الواجبين . ولذلك ~~قال علي رضي الله عنه ms089 : ' قصم ظهري رجلان ، جاهل متنسك ، وعالم متهتك ، ~~فالجاهل يغر الناس بنسكه والعالم يغرهم بتهتكه ' . PageV01P113 # | بيان تناول المال وما في كسبه من الوظائف # اعلم أن حب الدنيا رأس كل خطيئة ، وأن الدنيا مزرعة للآخرة ، ففيها الخير ~~النافع وفيها السم الناقع . ومثالها مثال حية يأخذها الراقي ويستخرج منها ~~الترياق ، ويأخذها الغافل فيقتله سمها من حيث لا يدري . وقيل : المال من ~~الخيرات المتوسطة ، فإنه ينفع من وجه ويضر من وجه ، فلم يكن من بد الاقتصار ~~على النافع منه ، والاحتراز من المهلك منه . وأصل ذلك معرفة رتبة المال من ~~المقاصد ، فإن أصل الأمور كلها العلم بحقائق الأشياء . فنقول : على طالب ~~السعادة الآخروية وظائف في حق المال ، من حيث جهة الدخل وجهة الخرج ، وقدر ~~المتناول بالنية الواجبة في تناوله . الوظيفة الأولى : معرفة رتبته ، فقد ~~سبق أن المقتنيات المرغوب فيها ثلاثة : نفسية ثم بدنية ثم خارجية . ~~والخارجية أدناها رتبة ، والمال من جملة الخارجية ، وأدناها الدراهم ~~والدنانير ، فإنهما خادمان ولا خادم لهما ، إذ النفس تخدم العلم الفضائل ~~النفسية لتحصلها ، والبدن يخدم النفس ، فيكون آلة ، والمطاعم والملابس تخدم ~~البدن ، والدراهم والدنانير تخدم المطاعم والملابس . وقد سبق أن المقصود من ~~المطاعم إبقاء البدن ، ومن البدن تكمل النفس . فمن عرف هذا الترتيب وراعاه ~~، فقد عرف قدر المال ، ووجه رتبته ، وعرف وجه شرفه ، من حيث هو ضرورة كمال ~~النفس . ومن عرف غاية الشيء واستعمله لتلك الغاية ، فقد أحسن إلى الغاية ، ~~وعند ذلك يقتصر على قدر الحاجة الموصلة إلى الغاية ، فلا يركن إليه معتكفا ~~بكنه همته عليه . وبهذا النظر ينكشف له الشبه في ذم الله تعالى المال في ~~مواضع حيث قال : ( إنما أموالكم وأولادكم فتنة ) ، ومدحه حيث امتن به فقال ~~: ( ويمددكم بأموال وبنين ) . فإنه من حيث كونه PageV01P114 وسيلة للآخرة ~~محمود ، ومن حيث كونه صارفا عنها مذموم ، ولذلك قال عليه السلام : ' نعم ~~المال الصالح ' . وقال تعالى ( لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ~~ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون ) . وكيف لا يكون خاسرا من يجمع الشعير ~~لدابته ، فيضع الدابة ويشتغل بتنقية الشعير ms090 ، وهو الخسران ، بل مثال الناس ~~كلهم في الاغترار برهرة الدنيا ، والاعتكاف على لزوم لذاتها ، مثل راكبي ~~سفينة متوجهين إلأى أفضل بلدة ، ينال فيها أعلى رتبة ، فأفضت بهم السفينة ~~إلى جزيرة ذات أسود وأساود ، فأمروا بالخروج تهيئة للطهارة ، وأن يكونوا ~~على حذر من غوائال الجزيرة ، فرأوا حجرا مزبرجا ، وزهرا منورا ، فأعجبهم ~~ذلك وشغفوا به ، فتباعدوا عن المركب ، ونسوا المركب والمقصد ، وبقوا لا هين ~~، حتى سارت السفينة وجن عليهم الليل ، فثارت عليهم الأسود تفترسهم ، ~~والأساود تنتهشهم ، ولم يغن عنهم حجرهم وزهرهم شيئا . فيقول واحد منهم : ( ~~يا ليتني كنت ترابا ) ، والآخر يقول : ( ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه ~~) . والآخر يقول : يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله ، ولم يبق بأيديهم إلا ~~حسرة وندامة لا آخر لها ، ومجاورة الأفاعي والأسود مع الخزي والنكال . فهذا ~~بعيينه مثال المغترين بمتاع الدنيا . ولهذا الخطر العظيم استعاذ الخليل ~~إبراهيم وقال : ( واجنبني وبني أن نعبد الأصنام ) ، وعنى به هذين الحجرين ، ~~الذهب والفضة ، إذ رتبة النبوة أجل من أن يخشى فيها أن تعتقد الإلهية في ~~شيء من الحجارة . ولهذا قال الإمام علي : PageV01P115 ' يا حميراء ، غري ~~غيري ، ويا بويضاء غري غيري ' . ولذلك شبه عليه السلام طلاب الدنانير ~~والدراهم المشغوفين بهما بعبدة الحجارة ، فقال : ' تعس عبد الدراهم ، تعس ~~عبد الدنانير ، ولا انتعش ، وإذا شيك فلا انتقش ' . الوظيفة الثانية : في ~~مراعاة جهة الدخل والخرج . فالدخل إما بالاكتساب ، وإما بالبخت . أما البخت ~~فميراث ، أو وجود كنز ، أو حصول عطية من غير سؤال . وأما الكسب ، فجهاته ~~معلومة . ومن أخذ من حيث كان مذموما شرعا ، فلا ينبغي أن يأخذ إلا من وجهه ~~. والوجوه الطيبة معلومة من الشرع ، فإن وجد حلالا طيبا فليأخذه ، وإن كان ~~حراما محضا ، فليتجنبه . فإن قدر على الحلال المطلق ، من غير تعب فليترك . ~~فإن كان يقدر على الحلال المطلق ، ولكن بعد طول التعب واستغراق الوقت ، فإن ~~كان من العباد العاملين بالجوارح ، مع اعتقاد عامي مصمم فليشتغل بطلب ~~الحلال ، فإن تعبه في طلب الحلال عبادة ، كتعبه في سائر العبادات . وإن كان ~~من ms091 أصحاب القلوب وأرباب العلوم وكان يتعطل عليه ما هو بصدده ، لو استغرق ~~أوقاته في الحلال المطلق فليأخذ من الذي يتيسر قدر حاجته ، فإن المحظور ~~المحض قد ينقلب مباحا ، خوفا من محظور آخر أشر منه . فمن غص بلقمة ، فله أن ~~يتناول الخمر حذرا من فوات النفس . والعلم وعمل القلب لا يوازيه غيره . ~~فالكل خدم له . فكما يباح إتلاف مال الغير على النفس ، بل يحل تناول لحم ~~الخنزير ، فكذلك في محل الشبهة يتساهل في التحضير على العلم ، وعند هذا قد ~~يثور شغب الجاهل مهما تناول العلم ، ما زجر عنه الجاهل ، إذ لا يدرك الجاهل ~~تفاوت هذه الدقيقة بينهما . وليكن العالم متلطفا في ذلك ، كيلا يحرك ~~PageV01P116 سلاسل الشيطان . الوظيفة الثالثة : في المقدار المأخوذ . ومهما ~~عرفت أن المال هذا دائر ، فمعناه مقدار الحاجة المذكورة ولا غنى بك عن ملبس ~~ومسكن ومطعم . وفي كل واحد ثلاث مراتب : أدنى وأوسط وأعلى . وأدنى المسكن ~~ما يقل من الأرض ، من رباط أو مسجد أو وقف ، كيفما كان ، وأوسطه ملك لا ~~تزاحم فيه ، فتقدر على أن تخلو فيه بنفسك ويبقى معك عمرك ، وهو على أقل ~~الدرجات من حسن البناء ، وكثرة المرافق ، هو حد الكفاية ، وأعلاه دار فيحاء ~~فسيحة ، مزينة البناء ، كثيرة المرافق ، وتتبعها زيادات لا تنحصر ، على ما ~~يرى عليه أرباب الدنيا ، وأولو الرتب . والأول هو قدر الضرورة ، إذ المقصود ~~من المسكن أرض تقلك ، يحيط بها حائط يمنع عنك السباع ، ويظل عليك سقف ، ~~يمنع المطر وحر الشمس ولا يقنع به المتوكلون . والأوسط هو حد الكفاية ، وما ~~بعده خارج عن حد الدين وإقبال على أمر الدنيا ، أعني الاشتغال بزينتها . ~~فأما الجلوس فيها ، مع الغفلة عنها ، دون ابتهاج بها وطمأنينة إليها ، فمن ~~المباحات . وأما صرف الأوقات إلى تزيينها ، فمباح للعوام على لسان الفقه ، ~~الذي عقد لضرور جهل العوام ، وقصورهم عن مشافهتهم بالمنع منه . فأما في ~~طريق التصوف فحرام ، وأعني بالتصوف ما خلق الإنسان له من سلوك سبيل القرب ~~إلى الله تعالى . والعبادات لا مناقشة فيها ، ولذلك قيل : مباحات الصوفية ~~فريضة ، وفريضتهم ms092 مباحات ، أي يقتصرون على قدر الضرورة من المباح ، ~~ويواظبون على الفرائض ، كما يواظبون على هذه فهي عندهم كالمباحات . وأما ~~المطعم ، فهو الأصل العظيم ، إذ المعدة مفتاح الخيرات والشرور . ولهذا أيضا ~~ثلاث مراتب ، أدناها قدر الضرورة ، وهو ما يسد الرمق ، ويبقى معه البدن ~~وقوة العبادة . وذلك يمكن تقليله بالعادة ، تارة بتقليل الطعام شيئا فشيئا ~~، حتى يتعود الصبر عنه عشرة أيام وعشرين . وقد انتهى الزهاد في القدر كل ~~PageV01P117 يوم إلى حمصة ، وبعضهم في الوقت عشرين يوما ، وقيل أربعين ، ~~وهذه رتبة عظيمة ، يقل من يستقل بها . فإن لم يقدر عليه ، فالدرجة الوسطى ، ~~وهي في ثلث البطن ، كما ذكرناه من قبل . ولا ينبغي أن يزيد على القدر الذي ~~حدده الشرع ، فالزيادة عليه بطنة . ثم يقتصر أيضا من نوعه على الوسط كما ~~اقتصر من قدره على الوسط ، فنعم السعيد من قنع بقدر الكفاية من الجملة ، ~~ولكن النظر يختلف في قدر الكفاية إلى الوقت ، فرب إنسان هو فارغ القلب من ~~قوت يومه ، مشغول القلب بعده ، وينتهي حرصه إلى أن يقدر لنفسه عمرا طويلا ، ~~ويريد أن يفرغ قلبه طول عمره . ثم قد يقدر له حوائج ، فيطلب الاستظهار ~~بالخزائن ، وهو الضلال المحض . والمدخر بالإضافة إلى المستقبل ثلاث درجات ، ~~وأدناها قوت يوم وليلة ، وأعلاها ما يجاوز سنة ، وأوسطها قوت سنة . وأرفع ~~الدرجات درجة من لم يلتفت إلى غده ، وقصر همته على يومه ، ومن يومه على ~~ساعته ، ومن ساعته على نفسه ، وقدر نفسه كل لحظة مرتحلا من الدنيا مستعدا ~~للارتحال . ومن لم يشتغل بهذا ، أو كان فارغ القلب عن قوت سنة ، فاشتغل بما ~~وراءه كان من المطرودين المذكورين بقوله : ( يحسب أن ماله أخلده ) . وأما ~~الملبس فكذلك فيه ثلاث درجات ، فأدناها من حيث القدر ما يستر العورة ، أو ~~الجملة المعتاد سترها من أدنى الأنواع وأخشنها . وبالإضافة إلى الوقت ما ~~يبقى يوما وليلة ، كما نقل عن عمر رضي الله تعالى عنه ، أونه رقع قميصه ~~بورق شجر ، فقيل له : هذا لا يبقى ، فقال : ' أو أحيا إلى أن يفنى ' . ~~وأوسطه ما يليق بمثل حاله ms093 ، من غير تنعم وترفه ولا ملبوس حرام كأبريسم غالب ~~. وأعلاه جمع الثياب وطلب الترفه بها ، على ما عليه جماهير أهل PageV01P118 ~~الدنيا . وأما المنكح ، فإنه يزيد في حق من تاقت نفسه إلى الوقاع ، ويحسبه ~~تزيد الحاجة . وقد ذكرنا ما يحمد من المنكح وما يذم . وفيما ذكرناه مقنع . ~~ومن ساعده من هذه الأمور قدر كفايته ثم اشتغل قلبه بغيره ، كان مغبونا بل ~~معلونا . قال عليه السلام : ' من صبح آمنا في شربه ، معافى في بدنه ، وله ~~قوت يومه ، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها ' . وذلك لأن الدنيا بلاغ إلى ~~الآخرة ، وهذا القدر كاف في البلغة ، فالباقي فضل على الكفاية وزيادة ، ~~ووجودها في حق العاقل كعدمها . الوظيفة الرابعة : في الخرج والإنفاق . وكما ~~للدخل وجه معين ، فكذا الخرج فلا بد من مراعاة التركيب فيه ، فالإنفاق ~~محمود ومذموم كالأخذ ، والمحمود منه ما يكسب صاحبه العدالة ، وهو الصدقة ~~المفروضة ، والإنفاق على العيال . ومنه ما يكسب الجرية والفضيلة ، وهو ~~إيثار الغير على النفس ، على الوجه المندوب إليه شرعا . والمذموم ضربان : ~~إفراط وتفريط . فالإفراط الإنفاق أكثر مما يجب ، بحيث لا يحتمله حاله ، ~~فيما لا يجب ، والإخلال بالهم ، والصرف إلى ما دونه . والتفريط المنع عما ~~يجب الصرف إليه ، والنقصان من القدر الذي يليق بالحال . ومهما أخذ العبد ~~المال من وجهه ، ووضعه في وجهه ، كان محمودا مأجورا . فإن قلت : فمن وسع ~~الله عليه المال ، فأخذه وإنفاقه بالمعروف أولى ، أو الإعراض عن أخذه ؟ ~~فاعلم أن الناس قد اختلفوا في هذا ، فقالوا : الناس ثلاثة أصناف ، صنف هم ~~المنهمكون في الدنيا بلا التفاف إلى العقبى ، إلا باللسان وحديث النفس وهم ~~الأكثرون . وقد سموا في كتاب الله عبدة الطاغوت وشر الدواب ونحوها . وصنف ~~مخالفون لهم غاية المخالفة ، اعتكفوا بكنه هممهم على العقبى ، ولم يلتفتوا ~~أصلا إلى الدنيا ، وهم النساك . وصنف ثالث متوسطون ، وفوا الدارين حقهما ، ~~وهم الأفضلون عند المحققين ، لأن بهم قوام أسباب الدنيا والآخرة ، ومنهم ~~عامة الأنبياء PageV01P119 عليهم السلام ، إذ بعضهم الله عز وجل ، لإقامة ~~مصالح العباد في المعاش والمعاد . وقيل ثلاثتهم المراد بقوله تعالى ms094 : ( ~~وكنتم أزواجا ثلاثة ، فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة ، وأصحاب المشأمة ما ~~أصحاب المشأمة ، والسابقون السابقون ) . فالمراعي للدنيا والدين ، كما يجب ~~وعلى ما يجب ، جامعا بينهما ، خليفة الله في أرضه ، فهو السابق عند قوم . ~~فإن قلت فقد قال تعالى : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) ، فاعلم أن ~~مراعاة مصالح العباد من جملة العبادة ، بل هي أفضل العبادات . قال عليه ~~السلام : ' الخلق كلهم عيال الله ، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله ' . فإن ~~قلت : فقد قال بعض المحققين : الناس ثلاثة ، رجل شغله معاده عن معاشه ، فهو ~~من الفائزين ، ورجل شغله معاشه عن معاده ، فهو من الهالكين ، ورجل مشتغل ~~بهما ، وذلك درجة المخاطرين ، والفائز أحسن حالا من المخاطر ، فاعلم أن فيه ~~سرا ، وهو أن المنازل الرفيعة لا تنال إلا باقتحام الأخطار . وإنما هذا ~~الكلام ذكر تحذيرا وتنبيها على خطر الخلافة لله تعالى في أمر عباده ، حتى ~~لا يترشح لها من لا يقدر عليها . وقد حكي أن بعض أولاد الملوك العادلة عظمت ~~رتبته في العلم والحكمة ، فاعتزل الناس وزهد في الدنيا ، فكتب إليه بعض ~~الملوك : قد اعتزلت ما نحن فيه ، فإن علمت إن ما اخترته أفضل ، فعرفنا لنذر ~~ما نحن فيه ، ولا تحسبني أقبل منك قولا بلا حجة . فكتب إليه : إعلم إنا ~~عبيد لرب رحيم ، بعثنا إلى حرب عدو ، وعرفنا أن المقصد من ذلك قهره أو ~~السلامة منه . فلما قربنا من الزحف ، صرنا ثلاثة أقسام : متخوف طلب السلامة ~~منه ، فاعتزل عنه ، فالتزم ترك الملامة وإن لم يكتسب المحمدة ، ومتهور قدم ~~على غير بصيرة ، فجرحه العدو وقهره واستجلب بذلك سخط ربه ، وشجاع أقبل على ~~بصيرة فقاتل وأبلى واجتهد ، فهو الفائز التام الفوز . وإني لما وجدتني ~~ضعيفا ، رضيت بأدنى الهمتين وأدون المنزلتين . فكن أيها الملك من أفضل ~~PageV01P120 الطوائف ، تكن من أكرمهم عند الله ، وهذا الكلام يكشف عن حقيقة ~~الأمر فيه ، وينبهعلى صحة ذلك قوله تعالى : ( وابتغ فيما آتاك الله الدار ~~الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله ولا تبغ الفساد في ~~الأرض ) . وإنما يمكن الإحسان ms095 بإدخال السرور على قلوب المسلمين بالمال ، ~~ولكن الخطر فيه عظيم ، فإنه ربما يشتغل من ضعفت بصيرته بما فيه ضرره من حيث ~~لا يدري ، فلخطره وجبت المبالغة في الزجر عنه . الوظيفة الخامسة : أن تكون ~~نيته صالحة في الأخذ والترك ، فيأخذ ما يأخذه ليستعين به على العبادة ويأكل ~~ليتقوى به على العبادة ، ويترك ما يترك زهدا فيه واستحقارا له ، فقد قال ~~عليه السلام : ' من طلب رزقه على ما سن فهو جهاد ' ، وقال عليه السلام لابن ~~مسعود : ' إن المؤمن ليؤجر في كل شيء حتى اللقمة يضعها في فم امرأته ' . ~~وأراد بالمؤمن من يعرف حقائق الأمور ، فيقصد بما يتعاطاه وجه الله ~~والاستعانة على سلوك طريقه . وعند هذا يتبين أنه ليس الزاهد من لا مال له ، ~~بل الزاهد من ليس مشغولا بالمال ، وإن كان له أموال العالمين . ولذلك قال ~~الإمام علي رضي الله عنه : ' إن رجلا أخذ جميع ما في الأرض ، وأراد به وجه ~~الله فليس براغب ' . فليكن جميع حركاتك وسكناتك لله ، بأن تكون حركتك ~~مقصورة على عبادة ، أو على ما يعين على عبادة ، ولا يستغني العباد عنه ، ~~كالأكل وقضاء الحاجة مثلا ، فإنهما معينان على العبادة ، وهما أبعد الحركات ~~عن العبادة . وعند هذا يكون الكامل النفس في تناول الدنيا كالراقي الحاذق ~~في مس الحية متقيا سمها ومستخرجا جوهرها ، والعامي إذا تشبه به ، ونظر إليه ~~ظن أنه أخذها مستحسنا شكلها وصورتها ، مستلينا مسها ، مستصحبا إياها ، فإذا ~~ظن PageV01P121 ذلك أخذها ، وتقلدها فقتلته . وقد شبهت الدنيا بها ، فقيل : ~~الدنيا كحية تنفث السموم النواقع ، وإن لان ملمسها . وكما يستحيل أن يتشبه ~~الأعمى بالبصير في تخطي قلل الجبال وأطراف البحار والطرق المشوكة ، فمحال ~~أن يتشبه العامي بالكامل في تناول الدنيا . وإذا تؤمل ملك سليمان وما أوتي ~~مع رتبة النبوة ، علم أن الزهد زهد النفس ، لا خلو اليد . وكيف تضر الدنيا ~~بالأنبياء والأولياء ، وهم يعرفون ضرها ونفعها ورتبتها في الوجود ، ويعلمون ~~أن للإنسان في وجوده ثلاث منازل : منزلة في بطن أمه ، ومنزلة في فضاء ~~العالم ، ومنزلة بعد الموت . والدنيا في مثال ms096 رباط بني ، وينتهي إلى ~~المسافر في المنزل الأوسط ، وقد هيئت فيه أسباب وأوان وأقوات ليستعين بها ~~المسافر ، وينتفع بها انتفاعه بالعارية والمنحة ، ويخليها لمن يلتحق بعده ، ~~فيأخذها بشكر ويتركها بانشراح صدر . وقد انتهى إلى الرباط جماعة من الحمقى ~~فظنواأن هذا المنزل وطن ، وإلا هذه الأسباب ليست عارية وإنما هي موهبة ~~مؤبدة ، فصاروا لا يخرجونها من أيديهم إلا بكسر اليد ونزع الروح . وقيل إن ~~مثل الناس فيما أعطوا من الدنيا كمثل رجل هيأ دارا ، وهو يدعو أقواما إلى ~~داره على الترتيب ، واحدا بعد واحد ، فأدخل واحدا داره ، فقدم إليه طبق ذهب ~~، عليه بخور ورياحين ليشمه ويتركه لمن يلحقه ، لا ليتملكه ، فجهل رسمه فظن ~~أنه وهب له ، فلما استرجع منه ، ضجر وتفجع . ومن كان عالما انتفع به ، ~~وشكره ورده بانشراح صدر فهذه وظائف المباشرة لأموال الدنيا . # | بيان الطريق في نفي الغم في الدنيا # مهما كان الإنسان آمنا في سربه ، معافى في بدنه ، وله قوت يومه ، فحزنه ~~وغمه بسبب أمر الدنيا أمارة نقصانه وحماقته ، فإن غمه ليس PageV01P122 يخلو ~~إما أن يكون تأسفا على ماض ، أو خوفا من مستقبل ، أو حزنا على سبب حاضر في ~~الحال . فإن كان على فائت فالعاقل بصير بأن الجزع لا ما فات لا يلم شعثا ، ~~ولا يرم انتكث . وما لا حيلة له ، فالغم عليه خرق . ولذلك قال تعالى : ( ~~لكيلا تأسوا على ما فاتكم ) . وقال الشاعر : وهل جزع مجد علي فأجزعا . وإن ~~كان حاضر ، فأما أن يكون حسدا لوصول نعمة إلى من يعرفه ، أو يكون حزنا ~~للفقر ، وفقدان المال والجاه ، وأسباب الدنيا . وسبب هذا الجهل بغوائل ~~الدنيا وسمومها ، ولو عرفها معرفتها لشكر الله تعالى على كونه من المخففين ~~، دون المثقلين . ولو فكر العاشق في منتهى حسن الذي يعشقه ، لم يعشقه ، إذ ~~يعلم أن الدنيا حمالة المصائب ، كدرة المشارب ، تورث للبرية أنواع البلية ، ~~مع كل لقمة غصمة ، فما أحد فيها ، إلا وهو في كل حال غرض لأسهم ثلاثة ، سهم ~~نقمة وسهم رزية وسهم منية : تناضله الأوقات من كل جانب . . . فتخطئه طورا ms097 ~~وطورا تصيبه فمن كان معتبرا بما يتجدد كل يوم من ارتجاع النعم من أربابها ، ~~وحلول القوارع بأصحابها ، وشدة اغتمامهم بفقدها ، لم يتأسف على فواتها . ~~ولذلك قيل لبعضهم : لم لا تغتم ؟ قال : لأني لا أقتني ما يغمني فقده . ~~ومهما أمعن الإنسان فكره في غفلة أرباب الدنيا عن الآخرة وكثرة مصائبهم ~~فيها ، تسلى عنها ، وهان عليه تركها . وكان بعض الصوفية وظف على نفسه كل ~~يوم أن يحضر دار المرضى ' أي البيمارستان ' ليشاهدهم ، ويشاهد عللهم ومنحهم ~~، ويحضر حبس السلطان أيضا ، ويشاهد أرباب الجنايات ومجيئهم لإقامة العقوبات ~~، وأيضا يحضر المقابر ، فيشاهد أرباب العزاء وسفهم على ما لا ينفع ، مع ~~اشتغال الموتى بما هم فيه ، كان يعود إلى بيته بالشكر طول النهار على نعم ~~الله عليه في تخليصه من كل البلايا . وحق للإنسان في الدنيا أن ينظر أبدا ~~ما عاش إلى من هو دونه ، ليشكر ، وفي الدين PageV01P123 إلى من هو فوقه ، ~~ليشمر . والشيطان إذا استولى نكس هذا النظر وعكسه . فإذا قيل له : لم ~~تتعاطى هذا الفعل القبيح ؟ اعتذر بأن بلانا يتعاطى ما هو أكبر منه ، مع أنه ~~ليس في المعصية ، ولا في الكفر مناظرة . وإذا قيل له : لما لا تقنع بهذا ~~الموجود ؟ فيقول : فلان أغنى مني ، فلم أصبر على ما ليس يصبر عنه ؟ وهذا ~~عين الضلال والجهل المحض . ومهما التقى الهم بهذا العائق ، بطل غم الحسد . ~~فمن أنعم الله عليه بنعمة ، فإن كان يستحقها ، لم يغتم به وإن كان لا ~~يستحقها ، فوبالها عليه أكثر من نفعها . فأما إن كان الغم في الأمر ~~المستقبل ، فإن كان على أمر ممتنع كونه أو واجب كونه ، مثل الموت فعلاجه ~~محال . وإن كان ممكنا كونه نظر ، فإن كان لا يقبل الدفع ، كالموت قبل الهرم ~~، فالحزن له حماقة . وإن كان قابلا للدفع ، فلا معنى للغم ، بل ينبغي أن ~~يحتال الدفعبعقل غير مشوب بحزن . فإذا فعل ما قدر عليه ، من تمهيد حيل ~~الدفع ، بقي ساكن القلب ، منظرا لقضاء الله وقدره عالما بأنه لا مرد لما ~~قضاه ، فيتلقاه بصبر ، إن لم يندفع ويتحقق ms098 إن ما قدر فهو كائن . ويتذكر ~~قوله تعالى : ( ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنسكم إلا في كتاب من قبل ~~أن نبرأها ) الآية . وإنما حرض الناس على تهيئة أسباب الدنيا ، منشأه ~~الغرور وحسن الظن بانحسار الآفات وتقدم صفاء الأوقات ، وهيهات ، ثم هيهات ! ~~قال الإمام علي ، رضي الله عنه : ' ما قال الناس لقوم طوبى لكم ، إلا وقد ~~خبأهم الدهر ليوم سوء ' . وصدق الشاعر ، فيما قال : إن الليالي لم تحسن إلى ~~أحد . . . إلا أساءت إليه بعد إحسان PageV01P124 وما قصر أبو منصور ~~الثعالبي في وصف الدنيا ، حيث قال : تسل الدنيا ولا تخطبنها . . . ولا ~~تخطبن قتاله من تناكح فليس يفي مرجوها بمخوفها . . . ومكروهها لما تدبرت ~~راجح لقد قال فيها الواصفون فأكثروا . . . وعندي لها وصف لعمري صالح سلاف ~~قصاراه زعاف ، ومركب . . . شهي ، إذا استلذذته فهو جامح وشخص جميل يونق ~~الناس حسنه ، . . . ولكن له أسرار سوء قبائح فالعاقل ، إذا أمعن النظر في ~~هذه الأمور ، خف على قلبه أكثر الغموم ، إلا إذا كانت العلاقة قد استحكمت ~~بينه وبين معشوق ، من آدمي أو مال أو عقار ، أو حرفة ، أو رياسة أو ولاية ، ~~أو امر من الأمور ، فلا خلاص له عن غمومها ، إلا بعد قطع العلائق عنها . ~~ولا يمكن ذلك إلا بكف النفس عنها تدريجيا ، والاشتغال بغيرها ، وإن كان ذلك ~~الغير أيضا مما يجانسها في وجوب التباعد عنه ، ولكن لا بأس بغسل الدم بالدم ~~، إذا كان الأول أشد لصوقا والتزاقا ، وهذه من دقائق الرياضيات ، فإن ~~النزوع عما وقع الألف به دفعة واحدة عسر ، بل ممتنع . ولذلك يرقى الصبي ~~الذي يعلم الأدب بالترغيب في اللعب بالصولجان والطيور ، ثم يكف عن اللعب ~~بالترغيب في الثروة والمال ، والتزيين بالثياب الجميلة وغيرها ، ثم يرقيه ~~من ذلك بالترغيب في المحمدة والثناء ، ونيل الكرامة والرئاسة ، ثم يرقيه ~~بالترغيب في سعادة الآخرة ، ويكون الرئاسة آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين . ~~ولقد كانت هذه المعالجة بأمور محذورة في نفسها ، PageV01P125 ولكن مطلوبة ~~بالإضافة إلى ما هو شر منها ، وكأنها منازل وأطوار الآدمي يرتقي فيها واحدا ~~، ولا ms099 يمكن الخلاص إلا بهذا التدريج ، فليراع ذلك في كل صفة استولت على ~~النفس ، واشتدت علاقتها ، وبقطع العلائق تمحى الغموم . # | بيان نفي الخوف من الموت # للإنسان حالتان ، حالة قبل الموت ، وحالة بعد الموت . أما قبل الموت ، ~~فينبغي أن يكون الإنسان فيها دائم الذكر للموت ، كما قال عليه السلام : ' ~~أكثروا من ذكر هازم اللذات ، فإنه ما ذكره أحد في ضيق إلا وسعه عليه ، ولا ~~في سعة إلا ضيقها عليه ' . والناس فيها قسمان : غافل وهو الأحمق الحقيقي ~~الذي لا يتفكر في الموت وما بعده إلا نظرا ، في حال أولاده وتركاته عند ~~موته ، ولا ينظر ويتدبر في أحوال نفسه ، ولكن لا يتذكر إلا إذا رأى جنازة ~~فيقول بلسانه : ( إنا لله وإنا إليه راجعون ) ، ولا يرجع إلى الله عز وجل ~~بأفعاله إلا بأقواله ، فيكون كاذبا في أقواله تحقيقا . وأما العاقل الكيس ~~فلا يفارقه ذكر الموت ، كالمسافر إلى مقصد الحاج مثلا ، فإنه لا يفارقه ذكر ~~المقصد ، وأشغال المنازل في الحط والترحال لا تنسيه مقصوده . وعلى الجملة ، ~~فذكر الموت يطرد فضول الأمل ، ويكف غرب المنى ، فتهون المصائب ويحول بين ~~الإنسان وبين الطغيان . ومن ذكر الموت ، تتولد القناعة بما رزق والمبادرة ~~إلى التوبة ، وترك المحاسدة والحرص على الدنيا والنشاط في العبادة ، وينبغي ~~أن يكون المتراخي عن عبادته ، ألا يصبح يوما إلا ويقدر أنه سيموت تقديرا ~~للموت العاجل ، فإنه ممكن . ومهما قدر الموت بعد سنين ، لم يحرص على ~~العبادة ، ولم تفتر رغبته في الدنيا ، بل لا ينبغي أن يهمل نفسه ~~PageV01P126 أكثر من يوم ، فيصبح كل يوم على تقدير الاستعداد للرحلة نهارا ~~. فكل من ينتظر أن يدعوه ملك من الملوك كل ساعة ، فينبغي أن يكون مستعدا ~~للإجابة ، فإن لم يكن فربما يأتيه الرسول ، وهو غافل فيحرم عن السعادة . ~~وما من وقت ، إلا ويرى فيه الموت ممكنا ، فإن قلت : الموت فجأة بعيد ، قلت ~~: فإذا وقع المرض ، فالموت غير بعيد . وذلك يمكن في أقل من يوم ، ولا يكون ~~بعيدا . وأما الاغتمام لأجل الموت ، فليس من العقل أيضا ، فإن ذلك الغم لا ~~يخلو ms100 من أربعة أوجه : إما لشهوة بطنه وفرجه ، وإما على ما يخلفه من ماله ، ~~وإما على جهله بحاله بعد الموت وماله ، وإما لخوفه على ما قدمه من عصيانه . ~~فإن كان ذلك لشهوة بطنه وفرجه ، فهو كمشتهي داء ليقابله بداء مثله ، فإن ~~معنى لذة الطعام إزالة ألم الجوع ، ولذلك إذا زال الجوع وامتلأت المعدة ، ~~كره عين ما اشتهاه ، كمن يشتهي القعود في الشمس ليناله الحر ، حتى يتلذذ ~~بالرجوع إلى الظل ، وكن يشتهي الحبس في حمام حار ، ليدرك لذة ماء الثلج ، ~~إذا شربه ، وهو عين الرقاعة والخرق . وإن كان ذلك على ما يخالفه من ماله ، ~~فهو بجهله بخساسة الدنيا وحقارتها ، بالإضافة إلى الملك الكبير والنعيم ~~المقيم الموعود للمتقين . وإن كان ذلك لجهله بعاقبة أمره بعد الموت ، فعليه ~~أن يطلب العلم الحقيقي ، الذي يكشف له حال الإنسان بعد موته ، كما قال ~~حارثة للنبي صلى الله عليه وسلم : ' كأني أنظر إلى عرش ربي بارزا ، وكأني ~~أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها ، وإلى أهل النار يتلا عنون فيها ' ، ~~وهذا العلم إنما يحصل بالبحث عن حقيقة النفس وماهيتها ، ووجه علاقتها ~~بالبدن ، ووجه خاصيتها التي خلقت لها ، ووجه التذاذه بخاصيته وكماله ، مع ~~معرفة الرذائل المانعة له من كماله ، وقد نبه الشرع عليه في مواضع كثيرة ، ~~وأمر بالتفكر في النفس ، كما أمر بالتفكر في ملكوت السموات والأرض . وإن ~~كان ذلك لما سبق من PageV01P127 عصيانه ، فلا ينفع الغم فيه ، بل المداواة ~~، وهو المبادرة إلى التوبة وإصلاح ما فرط من أمره ، بل مثاله في الاغتمام ~~وترك التدارك مثل من فتح عرق من عروقه ، وقد خرج بعض دمه ، وهو قادر على ~~تعصيبه وحفظ حشاشه ، فأهمله وجلس متأسفا على خروج ما خرج من دمه . وذلك ~~أيضا من الحماقة فإن الفائت لا تدارك له ، ولا ينفع فه التأسف ، فليشتغل ~~بالمستقبل . الحالة الثانية حال الإنسان عند الموت ، والناس عنده ثلاثة ~~أقسام : الأول ذو بصيرة ، علم أن الموت يعتقه ، والحياة تسترقه ، وإن ~~الإنسان ، وإن طال في الدنيا مكثه ، فهو كخطفه برق ، لمعت في أكناف السماء ~~، ثم ms101 عادت للاختفاء . فلا يثقل عليه الخروج من الدنيا ، إلا بقدر ما يفوت ~~من خدمة ربه ، عز وجل ، والازدياد من تقربه والاشفاق مما يقول أو يقال له . ~~كما قال بعضهم ، لما قيل له : لم تجزع ؟ قال : لأني أسلك طريقا لم أعهده ، ~~وأقدم على رب لم أره ولا أدري ما أقول وما يقال لي . ومثل هذا الشخص لا ~~ينفر من الموت بل إذا عجز عن زيادة العبادة ربما اشتاق إليه . وقال بعضهم ~~في مناجاته : إلهي إن سألتك الحياة في دار الممات فقد رغبت في البعد عنك ~~وزهدت في القرب منك . فقد قال نبيك وصفيك صلى الله عليه وسلم : ' من حب ~~لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله فقد كره الله لقاءه ' . ~~والثاني رجل رديء البصيرة متلطخ السريرة منهمك في الدنيا منغمس في علائقها ~~، رضي بالحياة الدنيا وطمئن بها ويئس من الدار الآخرة كما يئس الكفار من ~~أصحاب القبور . فإذا خرج إلى دار الخلود أضر به كما تضر رياح الورد بالجعل ~~. وإذا خرج من قاذورات الدنيا لم يوافقه عالم العلاء ومصباح الملأ الأعلى ~~فكان كما قال الله تعالى : ( ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل ~~سبيلا ) ، فإن الدنيا سجن الأول وجنة الثاني . والأول كعبد PageV01P128 ~~دعاه مولاه فأجابه طوعا فقدم عليه مسرورا يتوفره على الخدمة ، والثاني كعبد ~~آبق رد إلى مولاه مأسورا وقيد إلى حضرته مقهورا ، فيبقى ناكس الرأس بين يدي ~~مولاه مختزيا من جنايته ، وشتان ما بين الحالين . والقسم الثالث رتبة بين ~~الرتبتين : رجل عرف غوائل هذا العالم وكره صحبته ولكن أنس به وألفه ، ~~فسبيله سبيل من ألف بيتا مظلما قذرا ولم ير غيره . فهو يكره الخروج منه وإن ~~كان قد كره دخوله . فإذا خرج رأى ما أعد الله للصالحين لم يتأسف على ما كره ~~فواته بل قال : ( الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور ، الذي ~~أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب ) . ولا ~~يبعد أن يكره الإنسان مفارقة ms102 شيء ثم إذا فارقه لا يتأسف عليه ، فالصبي وقت ~~الولادة يبكي لما يناله من ألم الانتقال ، ثم إذا عقل لم يتمن العود إليه . ~~والموت ولادة ثانية يستفاد بها كما لم يكن قبل ، بشرط أن لا يكون قد تقدم ~~ذلك الكمال من الآفات والعوارض ما أبطل قبول المحل للكمال ، كما أن الولادة ~~سبب لكمال مغبوط لم يكن عند الاجتنان ، بشرط أن لا يكون قد تمكن في رحم ~~الأم من الأسباب والعلل والعوارض ما منع قبول الكمال ، ولكون الموت سبب ~~كمال قال بعضهم : ينبغي أن يكون دعاؤنا لعزرائيل عليه السلام وشكرنا له مثل ~~دعاؤنا لجبرائيل وميكائيل وإسرافيل . فإن جبرائيل وميكائيل هما سببان لا ~~علامنا بما فيه خلاصنا من الدنيا ونجاتنا في الآخرة ، وذلك بواسطة محمد صلى ~~الله عليه وسلم ، وملك الموت سبب إخراجنا إلى ذلك العالم فحقه عظيم وشكره ~~لازم ، وقد حكي عن طائفة من حكماء الأمم السابقة أنهم كانوا يعظمون رجلا ~~بالتقديس والتسبيح من PageV01P129 حيث اعتقدوا أنه لا يعين على الحياة ~~العرضية ، بل هو سبب للهلاك الذي به الخلاص من هذه الدنيا الدنية . بيان ~~علامة المنزل الأول من منازل السائرين إلى الله تعالى : اعلم أن سالك سبيل ~~الله تعالى قليل ، والمدعي فيه كثير . ونحن نعرفك علامتين تجعلهما أمام ~~عينيك ، وتعتبر بهما نفسك وغيرك . فالعلامة الأولى أن يكون جميع أفعاله ~~الاختيارية موزونة بميزان الشرع ، موقوفة على حد توقيفاته ، إيرادا وإصدارا ~~، وإقداما وإحجاما . إذ لا يمكن سلوك هذا السبيل ، إلا بعد التلبس بمكارم ~~الشريعة ، كلها ولا يمكن ذلك إلا بعد تهذيب الأخلاق ، كما وصفنا من قبل . ~~ولا يتوصل إلى ذلك إلا إذا ترك جملة من المباحات ، فكيف يتأتى لمن لم يهجر ~~المحظورات ؟ ولا يتوصل إلى ذلك إلا إذا ترك جملة من المباحات ، فكيف يتأتى ~~لمن لم يهجر المحظورات ؟ ولا يتوصل إليه ، ما لم يواظب على جملة من النوافل ~~، فكيف يصل إليه من أهمل الفرائض ؟ بل الشرع في تكليفه العالم ، اقتصر على ~~فرائض ومحظورات يشترك فيها عوام الناس ، بحيث لا يؤدي الاشتغال بها إلى ms103 ~~خراب العالم . والسالك في سبيل الله يعرض عن الدنيا إعراضا ، لو ساواه ~~الناس كلهم ، لخرب العالم ، فكيف ينال بمجرد الفرائض والواجبات ، اقتصارا ~~عليها دون النوافل ؟ ولذلك قال تعالى : ( لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل ~~حتى أحبه فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا فبي يسمع وبي يبصر ) ، وعلى الجملة ~~لا يدعو إلى إهمال الفرائض ، واقتحام المحظورات ، إلا كسل لازب ، أو هوى ~~غالب . وكيف يسلك سبيل الله من هو يعد في إسراء الكسل والهوى ؟ فإذا قلت : ~~فسالك سبيل الله من خاض في مجاهدة الكسل والهوى ، فأما من فرغ من قهرها ، ~~فهو واصل لا سالك ، فيقال : هذا عين الغرور وجهل بالطريق والمقصد جميعا ، ~~بل لو محا جميع الصفات الردية عن نفسه ، كان نسبته إلى المقصود نسبة من ~~يقصد الحج ، وله غرماء متشبثون بأذياله ، فقضى ديونهم وقطع علائقهم . فإن ~~الصفات PageV01P130 البدنية المستولية على الناس ، مثل الغرماء الآخذين ~~بمخنقه ، والسباع العادية الطالبة لأقواتها ، فإذا محاها ودفعها ، فقد دفع ~~العلائق وبعده يستعد لابتداء السلوك . بل هو كمعتدة تطمع أن ينكحها الخليفة ~~فإذا قضت عدتها المانعة من صحة النكاح ، ظنت أن الأمور قد نمت . وهيهات ، ~~فلم يحصل منها إلا الاستعداد للقبول بدفع المانع ، وبقي إقبال الخليفة ~~وإنعامه بالرغبة ، وذلك رزق إلهي . فما كل من تطهر وصل إلى الجمعة ، ولا كل ~~من قضت عدتها وصلت إلى ما أرادت . فإن قلت : فإن تنتهي رتبة السالك إلى حد ~~ينحط عنه بعض وظائف العبادات ، ولا يضره بعض المحظورات ، كما نقل عن بعض ~~المشايخ من التساهل في هذه الأمور ؟ فاعلم أن هذا عين الغرور ، وأن ~~المحققين قالوا : لو رأيت إنسانا يمشي على الماء ، وهو يتعاطى أمرا يخالف ~~الشرع ، فاعلم أنه شيطان ، وهو الحق . وذلك أن الشريعة حنيفية سمحة ، فمهما ~~مست حاجة أو حصلت ضرورة ، كان للشرع فيها رخصة . فمن جاوز محل الرخصة ، فلا ~~يكون عن ضرورة ، بل عن هوى وشهوة . والإنسان ما دام في هذا العالم ، لا ~~يؤمن استيلاء الشهوة ودعودها إلى القهر ، بعد الإنقهار . فينبغي أن يأخذ ~~منها حذره ، فلا يتصور ms104 أن يدعو إلى مخالفة الشرع إلا طلب رفاهية ودعة ، أو ~~نوع شهوة ، أو نوع كسل . وكل ذلك يدل على التصمغ بالأخلاق الردية ، ~~المتقاضية لها . فمن زكى نفسه وغذاها بغذاء العلوم الحقيقية ، قوي في ~~المواظبة على العبادة بل صارت الصلاة قرة عينه ، فصارت خلوة الليل أطيب ~~الأشياء عنده لمناجاة ربه . فهذه العلامة لا بد منها في أول المنازل ، ~~وتبقى إلى آخرها ، وإن لم يكن لمنازل السير إلى الله تعالى نهاية ، وإنما ~~الموت يقطع طريق السلوك ، فيبقى كل إنسان بعد الموت على الرتبة التي حصلها ~~في مدة الحياة ، إذ يموت المرء على ما عاش عليه . العلامة الثانية : أن ~~يكون حاضر القلب مع الله ، في كل حال حضورا ضروريا غير متكلف ، بل حضورا ~~يعظم PageV01P131 تلذذه ، وأن يكون الحضور إنكسارأ وضراعة وخضوعا ، لما ~~انكشف عنده من جلال الله وبهائه ، ولا يفارق ذلك في أطواره وأحواله ، وإن ~~اشتغل بضروريات بدنه من تناول طعام ، وقضاء حاجة ، وغسل ثوب ، وغيره . بل ~~يكون مثاله في جميع الأحوال مثال عاشق ، سهر في انتظار معشوقه مدة ، وتعب ~~فيه زمانا ، ثم قدم عليه معشوقه فاستبشر به ، فاستولى عليه قضاء حاجته ~~فلزمه ضرورة مفارقته ، وقصد بيت الماء ، فيفارقه ببدنه مضطرا ، والقلب ~~حاضرا عنده حضورا ، لو خوطب في أثناء ما هو فيه لم يسمعه لشدة استغراق فكره ~~بمعشوقه ، ولا يكون ما هو فيه صارفا عن قرة عينه ، وهو مكره فيه . فالسالك ~~ينبغي أن يكون كذلك في أشغاله الدنيوية ، بل لا يكون له شغل سوى ضروريات ~~بدنه ، وهو في ذلك مصروف القلب إلى الله عز وجل ، مع غاية الإجلال والتواضع ~~، وإذا لم يبعد أن تتحرك شهوة الجماع تحريكا هذه صفته عند من استولى عليه ~~الشهوة ، ووقع في عينه جمال صورة آدمي ، خلقت من نطفة قذرة مذرة ، ويصير ~~على القرب جيفة قذرة ، وهو فيما بين ذلك يحمل العذرة ، فكيف يتعذر ذلك في ~~إدراك جلال الله وجماله الذي لا نهاية له ؟ وعلى الجملة ، فلا يتم سلوك هذا ~~الطريق إلا بحرص شديد ، وإرادة تامة ، وطلب بليغ . ومبدأ ms105 الحرص والطلب ~~إدراك جمال المطلوب ، الموجب للشوق والعشق ، ومبدأ درك جمال المطلوب النظر ~~وتحديق بصر العين نحوه إعراضا عن سائر المبصرات . فكذلك ، بقدر ما يلوع لك ~~من جلال الله عز وجل ، ينبعث شوقك وحرصك ، وبحسبه يكون سعيك وانبعاثك . ثم ~~قد يزداد العشق بطول الصحبة إذا كان يلوح في أثنائها محاسن أخلاق كانت خفية ~~من قبل ، فيتضاعف العشق ، فكذلك ما يلوح من بهاء الحضرة الآلهية وجلالها في ~~أول الأمر ، ربما كان ضعيفا بضعف إدراك المريد المبتدئ ، ولكن ينبعث منه ~~طلب وشوق ، PageV01P132 فلا يزال يواظب على الفكر في ذلك الجمال بسببه ، ~~فيطلع على مزايا ، فيتضاعف في كل وقت عشقه . وكما يطلب العاشق القرب من ~~معشوقه ، فكذا المريد يطلب القرب من الله تعالى ، لا أن ذلك بقرب بمكان أو ~~بتماس سطوح الأجسام ، أو بكمال جمال صورة بأن يصير مبصرا حاضرا في القوة ~~الباصرة صورته . وهذا القرب قرب الكمال لا في المكان ، والأمثلة لا تخيل من ~~هذه المعاني إلا شيئا بعيدا . ولكن تشبيه ذلك بعشق التلميذ استاذه ، وطلبه ~~القرب منه في كماله أصدق في التخيل ، فإنه يتقرب إليه بحركته في التعلم ، ~~ولا يزال يقرب منه قليلا قليلا ، وغايته رتبته ، وقد يكون ذلك ممكنا ، وقد ~~يكون في بعض الأحوال متعذرا ، ولكن الترقي من الرتبة التي هو بسببها في ~~البعد ممكن ، فيزداد قربا بالنسبة ، والبلوغ ههنا غير ممكن . ولكن السفر عن ~~أسفل السافلين ، بقصد جهة العلو ممكن . وقد يكون الممثل في عين التلميذ ~~رتبة مقيدة ، لا أنه يتلبس بعشق رتبة أستاذه ، ولكن يشتاق إلى الترقي درجة ~~درجة ، فلا يتشوق إلى الأقصى دفعة ، فإذا نال تلك الرتبة طمحت عينه إلى ما ~~فوقها . فكذلك من ليس عالما ، ينبغي له التشبه بالعلماء ، الذين هم ورثة ~~الأنبياء . والعلماء يتشبهون بالأولياء ، والأنبياء بالملائكة ، حتى تمحى ~~عنهم الصفات البشرية بالكلية ، فينقلبون ملائكة في صورة الناس . والملائكة ~~أيضا لهم مراتب ، والأعلى مرتبة معشوق الأدنى ومطمح نظره ، والملائكة ~~المقربون هم الذين ليس بينهم وبين الأول الحق واسطة ، ولهم الجمال الأطهر ~~والبهاء الأتم ، بالنسبة إلى ms106 من دونهم من الموجودات الكاملة البهية . ثم كل ~~كمال بالنظر إلى جمال الحضرة الربوبية مستحقر ، فهكذا ينبغي أن يعتقد ~~التقرب إلى الله عز وجل ، لا بأن تقدره في بيت في الجنة ، فتقرب من باب ~~البيت ، فيكون قربك بالمكان ، تعالى عنه رب الأرباب ، ولا بأن تهدي إليه ~~PageV01P133 هدية بعبادتك ، فيفرح بها ويهتز لها فيرضى عنك ، كما يتقرب إلى ~~الملوك ، بطلب رضاهم وتحصيل أغراضهم ، فيسمى ذلك تقربا ، تعالى الله وتقدس ~~عن المعنى الذي يتصف الملوك به ، من السخط والرضى ، والابتهاج بالخدمة ، ~~والاهتزاز للخضوع ، والانقياد والفرح بالمتابعة . واعتقاد جميع ذلك جهل . ~~فإن قلت : فقد اعتقد أكثر العوام ذلك ، فما أبعد عن التحصيل من يطلب العنبر ~~من دكان الدباغ ، وكيف تطمع في رتبة ، وأنت تعرف الحق بالرجال ، بل ، ت ~~تعرف الحق بالحمر ! فلا فرق بين العوام الذين لم يمارسوا العلوم ، وبين حمر ~~مستنفرة ، فرت من قسورة . أما تراهم كيف اعتقدوا في الله تعالى أنه جالس ~~على العرش تحت مظلة خضراء ، إلى تمام ما اعتقدوه في المشتبهات . فأكثر ~~الناس مشبهة ، ولكن التشبيه درجات . منهم من يشبه في الصورة ، فيثبت اليد ~~والعين والنزول والانتقال . ومنهم من يثبت السخط والرضى ، والغضب والسرور ، ~~والله تعالى مقدس عن جميع ذلك . وإنما أطلقت هذه الألفاظ في الشرع على سبيل ~~وبتأويل ، يفهمها من يفهمها ، وينكرها من ينكرها ، ولو تساوى الناس في ~~الفهم لبطل قوله عليه السلام : ' رب حامل فقه إلى من أفقه منه ، ورب حامل ~~فقه ليس بفقيه ' ، ولنتجاوز هذا الكلام ، فإنه سلسلة المجانين ويحل قيود ~~الشيطان . # | بيان معنى المذهب واختلاف الناس فيه # لعلك تقول كلامك في هذا الكتاب إنقسم إلى ما يطابق مذهب الأشعرية وبعض ~~المتكلمين ، ولا يفهم الكلام إلا على مذهب واحد ، فما الحق من هذه المذاهب ~~؟ فإن كان الكل حقا فكيف يتصور هذا ، وإن كان بعضه حقا فما ذلك الحق ؟ ~~فيقال لك إذا عرفت حقيقة المذهب لا تنفعك قط ، إذا الناس فيه PageV01P134 ~~فريقان : فريق يقول المذهب اسم مشترك لثلاث مراتب : إحداها ما يتعصب له في ~~المباهاة والمناظرات ، والأخرى ms107 ما يسار به في التعليمات والإرشادات ، ~~والثالث ، ما يعتقده الإنسان في نفسه ، مما انكشف له من النظريات . ولكل ~~كامل ثلاثة مذاهب بهذا الاعتبار . فأما المذهب بالاعتبار الأول ، فهو نمط ~~الآباء والأجداد ، ومذهب المعلم ومذهب أهل البلد ، الذي فيه النشوء . وذلك ~~يختلف بالبلاد والأقطار ، ويختلف بالعلمين . فمن ولد في بلد المعتزلة أو ~~الأشعرية أو الشفعوية أو الحنفية ، انغرس في نفسه منذ صباه التعصب له والذب ~~دونه والذم لما سواه . فيقال : هو أشعري المذهب أو معتزلي أو شفعوي أو حنفي ~~، ومعناه أنه يتعصب ، أي ينصر عصابة المتظاهرين بالموالاة ، ويجري ذلك مجرى ~~تناصر القبيلة بعضهم لبعض . ومبدأ هذا التعصب حرص جماعة على طلب الرياسة ~~باستتباع العوام ، ولا تنبعث دواعي العوام إلا بجامع يحمل على التظاهر . ~~فجعلت المذاهب في تفصيل الأديان جامعا ، فانقسمت الناس فرقا وتحركت غوائل ~~الحسد والمنافسة ، فاشتد تعصبهم واستحكم به تناصرهم ، وفي بعض البلاد لما ~~اتحد المذهب وعجز طلاب الرئاسة عن الاستتباع ، وضعوا أمورا وخيلوا وجوب ~~المخالفة فيها والتعصب لها ، كالعلم الأسود والعلم الأحمر ، فقال قوم الحق ~~هو الأسود ، وقال آخرون لا بل الأحمر ، وانتظم مقصود الرؤساء في استتباع ~~العوام بذلك القدر من المخالفة ، وظن العوام أن ذلك مهم ، وعرف الرؤساء ~~الواضعون غرضهم في الوضع . المذهب الثاني ما ينطبق في الإرشاد والتعليم على ~~من حاءه مستفيدا مسترشدا . وهذا لا يتعين على وجه واحد ، بل يختلف بحسب ~~المسترشد ، فيناظر كل مسترشد بما يحتمله فهمه فإن وقع له مسترشد تركي أو ~~هندي ، أو رجل بليد جلف الطبع ، وعلم أنه لو ذكر له أن الله تعالى ليس ~~PageV01P135 ذاته في مكان ، وأنه ليس داخل العالم ولا خارجه ، ولا متصلا ~~بالعالم ولا منفصلا عنه ، لم يلبث أن ينكر وجود الله تعالى ، ويكذب به . ~~فينبغي أن يقرر عنده أن الله تعالى على العرش ، وأنه يرضيه عبادة خلقه ، ~~ويفرح بها فيثيبهم ويدخلهم الجنة عوضا وجزاء . وإن احتمل أن يذكر له ما هو ~~الحق المبين يكشف له . فالمذهب بهذا الاعتبار يتغير ويختلف ، ويكون مع كل ~~واحد على حسب ما ms108 يحتمله فهمه . المذهب الثالث ما يعتقده الرجل سرا بينه ~~وبين الله عز وجل ، لا يطلع عليه غير الله تعالى ، ولا يذكره إلا مع من هو ~~شريكه في الاطلاع على ما اطلع ، أو بلغ رتبة يقبل الاطلاع عليه ويفهمه . ~~وذلك أن يكون المسترشد ذكيا ، ولم يكن قد رسخ في نفسه اعتقاد موروث نشأ ~~عليه ، وعلى التعصب له ، ولم يكن قد انصبغ به قلبه انصباغا ، لا يمكن محوه ~~منه . ويكون مثاله ككاغد : كتب عليه ما غاص فيه ولم يمكن إزالته إلا بحرق ~~الكاغد وخرقه . فهذا رجل فسد مزاجه ، ويئس من صلاحه ، فإن كل ما يذكر له ~~على خلاف ما سمعه لا يقنعه ، بل يحرص على أن لا يقنع بما يذكر ويحتال في ~~دفعه . ولو أصغى غاية الإصغاء ، وانصرفت همته إلى الفهم ، لكان يشك في فهمه ~~، فكيف إذا كان غرضه أن يدفعه ولا يفهمه ؟ فالسبيل مع مثل هذا أن يسكت عنه ~~، ويترك على ما هو عليه ، فليس هو بأول أعمى هلك بضلالته ، فهذا طريق فريق ~~من الناس . وأما الفريق الثاني ، وهم الأكثرون ، يقولون المذهب واحد ، هو ~~المعتقد ، وهو الذي ينطق به تعليما وإرشادا مع كل آدمي ، كيفما اختلفت حاله ~~، وهو الذي يتعصب له وهو إما مذهب الأشعري أو المعتزلي أو الكرامي ، أو أي ~~مذهب من المذاهب . والأولون يوافقون هؤلاء على أنهم لو سئلوا عن المذهب أنه ~~واحد أو ثلاثة لم يجز أن يذكر أنه ثلاثة ، بل يجب ان يقال أنه واحد . وهذا ~~يبطل تعبك بالسؤال عن المذهب ، إن PageV01P136 كنت عاقلا ، فإن الناس ~~متفقون على النطق بأن المذهب واحد ، ثم يتفقون على التعصب لمذهب أبيهم أو ~~معلمهم ، أو أهل بلدهم ، ولو ذكر ذاكر مذهبه ، فما منفعتك فيه ومذهب غيره ~~يخالفه ، وليس مع واحد منهم معجزة ، يترجح بها جانبه . فجانب الالتفات إلى ~~المذاهب ، وأطلب الحق بطريق النظر ، لتكون صاحب مذهب ، ولا تكن في صورة ~~أعمى تقلدا قائدا يرشدك إلى طريق وحواليك ألف مثل قائدك ينادون عليك ، بأنه ~~أهلكك وأظلك عن سواء السبيل . وستعلم في عاقبة ms109 أمرك ظلم قائدك ، فلا خلاص ~~إلا في الاستقلال . خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به . . . في طالع الشمس ما ~~يغنيك عن زحل ولو لم يكن في مجاري هذه الكلمات إلا ما يشكك في اعتقادك ~~الموروث ، لتنتدب للطلب ، فناهيك به نفعا ، إذ الشكوك هي الموصلة إلى الحق ~~. فمن لم يشك لم ينظر ، ومن لم ينظر لم يبصر ، ومن لم يبصر ، بقي في العمى ~~والضلال . نعوذ بالله من ذلك ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ~~وسلم . | PageV01P137 ms110