######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0009264 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي (المتوفى: 505هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 505 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: ميزان العمل #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الرقاق والآداب والأذكار #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0009264 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-9264 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/9264 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: الدكتور سليمان دنيا #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1964 هـ #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار المعارف، مصر #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | بسم الله الرحمن الرحيم # قال الشيخ الإمام الهمام، حجة الإسلام، زين الدين أبو حامد محمد بن محمد ~~بن محمد الغزالي الطوسي، رضي الله تعالى عنه وأرضاه: لما كانت السعادة التي ~~هي مطلوب الأولين والآخرين لا تنال إلا بالعلم والعمل، وافتقر كل واحد ~~منهما إلى الإحاطة بحقيقته ومقداره، ووجب معرفة العلم والتمييز بينه وبين ~~غيره بمعيار، وفرغنا منه، وجب معرفة العمل المسعد، والتمييز بينه وبين ~~العمل المشقي. فافتقر ذلك أيضا إلى ميزان، فأردنا أن نخوض فيه ونبين أن ~~الفتور عن طلب السعادة حماقة، ثم نبين العلم وطريق تحصيله، ثم نبين العمل ~~المسعد وطريقه. وكل ذلك بطريقة تترقى عن حد طريق التقليد إلى حد الوضوح، لو ~~استقصى بحقيقته وطول الكلم فيه ارتقى إلى حد البرهان على الشروط التي ~~ذكرناها في " معيار العلم ". وإن كنا لسنا نطول الكلام به، ولكن نرشد إلى ~~أصوله وقوانينه. # PageV01P179 ### | بيان أن الفتور عن طلب السعادة حماقة # السعاة الآخروية التي نعني بها بقاء بلا فناء، ولذة بلا عناء، وسرور بلا ~~حزن، وغنى بلا فقر، وكمال بلا نقصان، وعز بلا ذل، وبالجملة كل ما يتصور أن ~~يكون مطلوب طالب ومرغوب راغب، وذلك أبد الآباد، وعلى وجه لا تنقصه تصرم ~~الأحقاب والآماد، بل لو قدرنا الدنيا مملوءة بالدرر، وقدرنا طائرا يختطف في ~~كل ألف سنة حبة واحدة منها، لفنيت الدرر ولم ينقص من أبد الآباد شيء، فهذا ~~لا يحتاج إلى استحثاث على طلبه، وتقبيح الفتور فيه بعد اعتقاد وجوده، إذ ~~كان عاقل يتسارع إلى أقل منه، ولا يصرف عنه كون الطريق إليه متوعرا، ومحوجا ~~إلى ترك لذات الدنيا، واحتمال أنواع من التعب هنا. فإن المدة في احتمال ~~التعب منحصرة، والفائت فيها قليل. واللذات الدنيوية منصرمة منقضية. والعاقل ~~يتيسر عليه ترك القليل نقدا في طلب أضعافه نسيئة. ولذلك ترى الخلق كلهم في ~~التجارات والصناعات، وحتى في طلب العلم، يحتملون من الذل والخسران، والتعب # PageV01P180 # والنصب، ما يعظم مقاساته طمعا في حصول لذة لهم في المستقبل، تزيد على ما ~~يفوتهم في الحال زيادة محدودة، ms001 فكيف لا يسمحون بتركه في الحال للتوصل إلى ~~مزايا غير مقدرة ولا محدودة. ولم يخلق في الدنيا عاقل هو حريص على طلب ~~المال، كلف بذل الدينار وانتظار شهر ليعتاض منه بعد مضي الشهر الإكسير ~~الأعظم الذي يقلب النحاس ذهبا إبريزا، إلا تسمح نفسه ببذله، وإن كان ذلك ~~فواتا في الحال. حتى أن من لم يحتمل ألم الجوع مثلا، في مثل هذه المدة ~~ليتوصل به إلى هذه النعم الجسيمة، لم يعد عاقلا، ولعل ذلك لا يتصور وجوده ~~في الخلق، مع أن الموت وراء الإنسان بالمرصاد، والذهب لا ينفع في الآخرة. ~~وربما يموت في الشهر أو بعد الشهر بيوم فلا ينتفع بالذهب. وكل ذلك لا يفتر ~~رأيه في البذل، طمعا في هذا العوض. فكيف يفتر رأي العاقل في مقاساة ~~الشهوات، في أيام العمر وأقصاها مائة سنة، والعوض الحاصل عنها سعادة لا آخر ~~لها؟ ولكن فتور الخلق عن سلوك طريق السعادة لضعف إيمانهم باليوم الآخر، ~~وإلا فالعقل الناقص قاض بالتشمير لسلوك طريق السعادة فضلا عن الكامل. # PageV01P181 ### | بيان أن الفتور عن طلب الإيمان به حماقة # أقول أن فتور الإيمان أيضا مع أنه من الحماقة، فليس يقتضي الفتور في سلوك ~~سبل السعادة، لولا الغفلة. فإن الناس في أمر الآخرة أربع فرق: فرقة اعتقدت ~~الحشر والنشر والجنة والنار، كما نطقت به الشرائع، وأفصح عنه وصفه القرآن، ~~وأثبتوا اللذات الحسية التي ترجع إلى المنكوح والمطعوم والمشموم والملموس ~~والملبوس والمنظور إليه، واعترفوا بأنه يضاف إلى ذلك أنواع من السرور، ~~وأصناف من اللذات التي لا يحيط بها وصف الواصفين، فهي " مما لا أعين رأت ~~ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ". وأن ذلك يجري أبدا بلا انقطاع، وأنه ~~لا ينال إلا بالعلم والعمل. وهؤلاء هم المسلمون كافة، بل المتبعون للأنبياء ~~على الأكثر من اليهود والنصارى، وفرقة ثانية، وهم بعض الإلهيين الإسلاميين ~~من الفلاسفة، اعترفوا بنوع من اللذة لا تخطر على قلب بشر كيفيتها، وسموها ~~لذة عقلية. # PageV01P182 # وأما الحسيات فأنكروا وجودها من خارج. ولكن أثبتوها على طريق التخيل في ms002 ~~حالة النوم. ولكن النوم يتكدر بالتنبه، وذلك لا تكدر له بل هو على التأبيد. ~~وزعموا أن ذلك يثبت لطائفة من المشغوفين بالمحسوسات، والذين التفات نفوسهم ~~مقصور عليها، ولا يسمون إلى اللذات العقلية. وهذا لا يفضي إلى أمر يوجب ~~فتورا في الطلب، فإن الالتذاذ إنما يقع بما يحصل في نفس الإنسان من التأثر ~~بالملموس والمنظور والمطعوم وغيره. والشيء الخارج سبب في حصول الأثر، وليست ~~اللذة من الأثر الخارج بل من الأثر الحاصل عند حضور الخارج. فإذا أمكن حصول ~~الأثر في النفس دون الشيء الخارج، كما في حالة النوم، فلا أرب في الشيء ~~الخارج. وفرقة ثالثة ذهبوا إلى إنكار اللذة الحسية جملة، بطريق الحقيقة ~~والخيال، وزعموا أن التخيل لا يحصل إلا بآلات جسمانية، والموت يقطع العلاقة ~~بين النفس والبدن، الذي هو آلته في التخيل وسائر الاحساسات، ولا يعود قط ~~إلى تدبير البدن بعد أن أطرحه، فلا يبقى له إلا آلام ولذات ليست حسية ~~ولكنها أعظم من الحسية. فإن الإنسان في هذا العالم أيضا ميله إلى اللذات ~~العقلية، ونفرته عن الآلام العقلية أشد، # PageV01P183 # ولذلك يكرهون في الطلب إراقة ماء الوجه، ويؤثرون الاحتزاز عن الافتضاح، ~~والاستتار في قضاء شهوة الفرج، ومقاساة الآلام والمشقات. بل قد يؤثر ~~الإنسان ترك الطعام يوما أو يومين، ليتوصل به إلى لذة الغلبة في الشطرنج، ~~مع حسيته، ولذة الغلبة عقلية. وقد يهجم على عدد كبير من المقاتلين ليقتل ~~ويعتاض عنه ما يقدره في نفسه من لذة الحمد والوصف بالشجاعة. # وزعموا أن الحسيات، بالإضافة إلى اللذات الكائنة في الدار الآخرة في غاية ~~القصور. وتكاد يكون نسبتها كنسبة إدراك رائحة المطعوم اللذيذ إلى ذوقه ~~ونسبة النظر في وجه المعشوق إلى مضاجعته ومجامعته، بل أبعد منه نسبة. ~~وزعموا أن ذلك لما بعد عن فهم الجماهير مثلت لهم تلك اللذات بما عرفوها من ~~الحسيات، كما أن الصبي يشتغل بالتعلم لينال به القضاء أو الوزارة، وهو لا ~~يدرك في الصبي لذاتهما، فيوعد بأمور يلتذ بها كثيرا كصولجان يلعب به، أو ~~عصفور يعبث به وأمثاله، وأين ms003 لذة اللعب بالعصفور من لذة الملك والوزارة؟ ~~ولكن لما قصر فهمه عن درك الأعلى مثل بالأخس، ورغب فيه تلطفا باستدراجه إلى ~~ما فيه سعادته. # PageV01P184 # وهذا أيضا إذا صح، فلا يوجب فتورا في الطلب، بل يوجب زيادة الجد. وإلى ~~هذا ذهبت الصوفية والإلهيون من الفلاسفة من عند آخرهم، حتى أن مشايخ ~~الصوفية صرحوا ولم يتحاشوا، وقالوا: من يعبد الله لطلب الجنة أو للحذر من ~~النار فهو لئيم. وإنما مطلب القاصدين إلى الله أمر أشرف من هذا. ومن رأى ~~مشايخهم وبحث عن معتقداتهم وتصفح كتب المصنفين منهم، فهم هذا الاعتقاد من ~~مجاري أحوالهم على القطع. # وفرقة رابعة وهم جماهير من الحمقى، لا يعرفون بأسمائهم ولا يعدون في زمرة ~~النظار، ذهبوا إلى أن الموت عدم محض، وإن الطاعة والمعصية لا عاقبة لهما، ~~ويرجع الإنسان بعد موته إلى العدم، كما كان قبل وجوده. وهؤلاء لا يحل ~~تسميتهم فرقة، فإن الفرقة عبارة عن جمع، وليس هذا مذهب جمع، ولا منسوبا إلى ~~ناظر معروف، بل هو معتقد أحمق بطال غلبت عليه شهوته، واستولى عليه شيطانه، ~~فلم يقدر على قمع هواه، ولم تسمح له رعونته بأن يعترف بالعجز عن مقاومة ~~الهوى، فيتعلل لنقصانه بأن ذلك واجب وأنه الحق. ثم أحب أن يساعده غيره، ~~فدعا إلى البطالة وما جلبت عليه النفس من اتباع الهوى الذي هو أشد حامل ~~للأحمق على المسارعة إلى التصديق به، لا سيما وقد يحتال بعض الفسقة بنسبة # PageV01P185 # هذا المعتقد إلى معروف بدقائق العلوم، كأرسطو طاليس وافلاطون، أو إلى ~~فرقة كالفلاسفة، ويستدرج السامع بأن معرفتك لا تزيد على معرفتهم، وقد بحثوا ~~زمانا وما تحصلوا على طائل. ولا يشعر ذلك المسكين بتلبيسه، فيصدقه لموافقته ~~طبعه، ولا يطالبه بالبرهان في نقل المذهب عمن نقله. ولو أخبره بأثر يتعلق ~~به خسران درهم، لكان لا يصدقه إلا ببرهان، ولو قال: إن أباك أقر لفلان ~~بعشرة الدراهم التي خلفها لك، ومعه به سجل فيه خط الشهود، لقال: ما الحجة ~~فيه وأين الشاهد الحي الذي يشهد به؟ وأي خبر في السجل ms004 المكتوب، وفي نقل ~~الخطوط؟ ثم يصدقه في نقل مذهب من سماه من غير شاهدين يشهدان على سماعه، ومن ~~غير عرض خط ذلك المذكور، ومن غير عرض تصنيف من تصانيفه، ولو بخط غيره. ثم ~~لو سمع ذلك المذكور بإذنه يصرح بذلك، لكان ينبغي أن يتوقف في القبول زاعما ~~أنه لا برهان عليه، وأن كان أخذه تقليدا. فتقليد الأنبياء والأولياء ~~والعلماء، بل تقليد الجماهير والدهماء من الخلق أولى من تقليد واحد ليس ~~معصوما من الخطأ. # PageV01P186 # فأنت الآن أيها المسترشد، بعد أن عرفت هذه المعتقدات، لا يخلو حالك في ~~اعتقاد الفرقة الضالة عن أربعة أقسام: إما أن تكون قاطعا ببطلانه، أو ظانا ~~لبطلانه، أو ظانا لصحته ظنا غالبا، ومجوزا لبطلانه بطريق الإمكان البعيد، ~~أو قاطعا بصحته. وكيف ما كنت فعقلك يوجب عليك الاشتغال بالعلم والعمل، ~~والإعراض عن ملاذ الدنيا، إن سلم عليك عقلك، وصحت خبرتك. وذلك لا يخفى إن ~~كنت قاطعا ببطلانه. وإن كنت تظن بطلانه ظنا غالبا، تقاضاك عقلك التشمير في ~~طلبه، كما يتقاضى العقل تجشم المصاعب في ركوب البحر، لطلب الربح، وفي تعلم ~~العلم في أول الشباب، لطلب الرياسة عند من يطلبها، وفي نيل الوزارة أو باب ~~من أبواب الكرامة بمقاساة مقدماتها. وعواقب تلك الأمور مظنونة، وليست ~~مقطوعا بها، بل إذا غلب على ظن الحريص على الدنيا أن الكيمياء له # PageV01P187 # وجود، ويحتمل عنده عدمها، وعلم أن تعب شهر يوصله إليها، إن كان لها وجود، ~~ثم يتنعم بها بقية عمره الذي يمكن أن يكون أقل من شهر، وأن يكون كثيرا، ~~تقاضاه عقله أن يحتمل التعب في ذلك الشهر ويستحقره، وإن كان معلوما وعاجلا، ~~بالإضافة إلى ما يظنه وإن كان آجلا ولم يكن مقطوعا به. وإن كنت تظن صحته ~~ظنا غالبا، ولكن بقي من نفسك تجويز صدق الأنبياء والأولياء وجماهير ~~العلماء، ولو على بعد، فعقلك أيضا يتقاضاك سلوك طريق الأمن، واجتناب مثل ~~هذا الخطر العائل. فإنك لو كنت في جوار ملك وأمكنك أن تتعاطى في واحد من ~~محارمه مثلا عملا من الأعمال، تظن ms005 ظنا غالبا أن يقع منه موقع الرضا، فيعطيك ~~عليه خلعة ودينارا، ويحتمل احتمالا على خلاف الظن الغالب أنه يقع منه موقع ~~السخط، فيتكل بك ويفضحك، ويديم عقوبتك طول عمرك، أشار عليك عقلك بأن الصواب ~~أن لا تقتحم هذا الخطر. فإنك إن فعلت وأصبت، فمزيته دينار لا يطول بقاؤه ~~معك، وإن أخطأت فنكاله عظيم، يبقى معك طول عمرك، ليس تفي ثمرة صوابه بغائله ~~خطئه. ولذلك إذا وجدت طعاما وأخبرك جماعة بأنه مسموم، أو شخص واحد حاله دون ~~حال نبي واحد، فضلا عن أن يقدر # PageV01P188 # على التأييد بالمعجزة، وغلب على ظنك كذبه، كما غلب على ظنك الآن كذب ~~الأنبياء كلهم، ولكن جوزت مع ذلك صدقه وعلمت أنه ليس في أكله إلا التلذذ ~~بطعمه وحلاوته وقت الذوق، وإن كان مسموما ففيه الهلاك، فعقلك أيضا يشير ~~عليك باجتناب الخطر، إن كنت من زمرة العقلاء. ولهذا قال علي رضي الله تعالى ~~عنه لمن كان يشاغبه ويماريه في أمر الآخرة: " إن كان الأمر على ما زعمت ~~تخلصنا جميعا. وإن كان الأمر كما قلت، فقد هلكت ونجوت ". ولا ينبغي أن تظن ~~أن هذا تشكيك منه في اليوم الآخر ولكنه زجر على حد جهل المخاطب القاصر عن ~~معرفة ذلك بطريق البرهان. وهو الذي جرأنا على سلوك هذا المنهاج ليسهل تأمله ~~على أهل البطالة والتقصير في الطاعة لله تعالى. # وقد تبين على القطع أن العظيم الهائل إن لم يكن معلوما فبالاحتمال يتقدم ~~على اليقين المستحقر، لأن كون الشيء مستحقرا أو عظيما بالإضافة. فلتنظر إلى ~~منتهى العمر وما يصفو من الدنيا للمترفهين، وتسير إلى ما أعتقده الفرق ~~الثلاث من كمال السعادة الآخروية ودوامها، وتعرف بالبديهة استحقار ما ترك ~~من الدنيا في عظيم ما يعتاض عنها بالإضافة إليها. # PageV01P189 # وإن كنت في الحالة الرابعة، وهي اعتقاد صحة مذهب الفرقة الرابعة، فنخاطبك ~~على حد جهلك وقصورك، بوجهين: أحدهما أنك لم تعتقد هذا المعتقد ببرهان حقيقي ~~ضروري، لا يمكن الغلط فيه حتى يقال تنبهت لنوع من الدليل، غفل عنه الأنبياء ~~والأولياء والحكماء وكافة العقلاء. ms006 فإن الغلط إذا تطرد لهؤلاء، مع كثرتهم ~~وغزارة علومهم، وطول نظرهم، وكثرة معجزات أنبيائهم، فماذا تأمن الغلط في ~~اعتقادك، وما الذي عصمك؟ وأقل درجاتك أن يجوز الغلط على نفسك. وإن احتمل ~~عندك صدق الجماهير وغلطك، التحقت بالحالة الثالثة. وإن لم تتسع نفسك لهذا ~~التجويز حتى زعمت أنك عرفت بطلان اعتقاد الجماهير واستحالة كون النفس جوهرا ~~باقيا بعد الموت، أو معادا بطريق البعث والنشور، كما عرفت أن الاثنين أكثر ~~من الواحد، وأن السواد والبيان لا يجتمعان، فهذا الآن من سوء المزاج وركاكة ~~العقل. ويبعد مثل هذا الأحمق عن قبول العلاج، ولمثل هذا قال الله تعالى ~~فيهم (أولئك كالأنعام بل هم أضل) . # الوجه الثاني: أن هذه الفرقة وإن أنكروا السعادة الآخروية، فلم ينكروا ~~السعادة الدنيوية. وأعلى السعادات الدنيوية العزة والكرامة، والمكانة ~~والقدرة، والسلامة من الغموم والهموم، ودوام الراحة والسرور. وهذا أيضا لا ~~يفوز به الإنسان إلا بالعلم والعمل، # PageV01P190 # بعزل الولاة وأبطالهم. ولا يخفي لذة العالم في علمه، وفيما ينكشف له في ~~كل لحظة من مشكلات الأمور، لا سيما إذا كان في ملكوت السموات والأرض، ~~والأمور الآلهية. وهذا لا يعرفه من لم يذق لذة انكشاف المشكلات. ثم أنها ~~لذة لا نهاية لها، لأن العلوم لا نهاية لها، ولا مزاحمة فيها، لأن ~~المعلومات تتسع للطلاب وإن كثروا، بل استئناس العالم يزيد بكثرة شركائه، ~~إذا كان يقصد ذات العلم، لا حطام الدنيا ورئاستها، فإن الدنيا هي التي تضيق ~~بالمزاحمة، بل يزداد سعة بكثرة الطلاب. ثم مع أنها أوفى اللذات عن عمن أنس ~~بها، فهي أدومها، إذ المنعم بها عليه هو الله وملائكته، ولكن عند اكبابه ~~على الطلب وتجرده له. ولذلك لا ترى جماعة من الرؤساء والولاة، إلا وهم في ~~خوف العزل يتشوقون أن يكون عزهم كعز العلماء. # PageV01P191 # وأما العمل فلسنا نعني به إلا رياضة الشهوات النفسانية، وضبط الغضب، وكسر ~~هذه الصفات، لتصير مذعنة للعقل، غير مستولية عليه، ومستسخرة له في ترتيب ~~الحيل الموصلة إلى قضاء الأوطار. فإن من قهر شهواته، فهو الحر على التحقيق، ~~بل ms007 هو الملك. ولذلك قال بعض الزهاد لبعض الملوك: " ملكي أعظم من ملك "، ~~فقال كيف: قال: " من أنت عبده عبدي "، وأراد به أنه عبد شهواته، وشهواته ~~صارت مقهورة له. فعبد الشهوات، العاجز عن كسرها وقهرها، رقيق وأسير بالطبع، ~~لا يزال في عناء دائم وتعب متواتر، إن قضى وطره يوما عجز عنه أياما. ثم لا ~~يخلو في قضائها عن أخطار، وعلائق ومشاق، يضطر إلى تقلدها. فتقليل الشهوات ~~تقليل لأسباب الغموم، ولا سبيل إلى إماطتها إلا بالرياضة والمجاهدة، وهو ~~المراد بالعمل. فإذن العالم العامل أحسن الناس حالا، عند من رأى السعادة ~~مقصورة على الدنيا. فإن الدنيا ليست تصفو لأحد، وليس يفي جدواها بمشاقها. # PageV01P192 # فالممعن في اتباع الشهوات، والمعرض عن النظر في المعقولات، شقي في الدنيا ~~باتفاق، وشقي في الآخرة عن الفرق الثلاث، إلا عند شرذمة من الحمقى، لا يؤبه ~~لهم، ولا يعبأ بهم، ولا يعدون في جملة العقلاء رأسا. فقد تبين أن الاستعداد ~~للآخرة بالعلم والعمل ضروري في العقل، وإن المقصر فيه جاهل. # فإن قلت: فما بال أكثر الناس مقصرين فيه وهم مؤمنون بالآخرة؟ فاعلم أن ~~سبب ذلك الغفلة عن التفكير في هذه الأمور التي ذكرناها فإن تلك الغفلة ~~مطردة عليهم، مستغرقة لأوقاتهم، لا ينتهون عنها ما دامت الشهوات متوالية، ~~وهي كذلك. وإنما المنبه عليها واعظ، زكي السيرة، وقد خلت البلاد عنه، وإن ~~فرض على ندور لم يلتفت إليه، وإن التفت إليه ووقع الإحساس به في الحال، ~~وحسن العزم على التجرد للطاعة في الاستقبال، هجمت عقب ذلك شهوة من الشهوات ~~وأزالت أثر التنبيه، وأعادت حجاب الغفلة، وعاد العاقل لما نهى عنه. ولا ~~يزال هكذا شأن كل واحد إلى الموت، وعند ذلك لا يبقى له إلا التحسر بعد ~~الفوت، ولا يغني ذلك عنه شيئا فنعوذ بالله من الغفلة، فإنها منشأ كل شقاوة. # PageV01P193 ### | بيان أن طريق السعادة العلم والعمل # فإن قلت: قد اتضح لي أن سلوك سبيل السعادة حزم العقلاء، والتهاون بها ~~غفلة الجهال، ولكن كيف يسلك الطريق من لا يعرفه، فبماذا أعلم بأن العلم ms008 ~~والعمل هو الطريق، حتى أشتغل به؟ فلك في معرفته طريقان: أحدهما جملى، يناسب ~~المنهاج السابق، وهو أن تلتفت إلى ما اتفق عليه آراء الفرق الثلاث، وقد ~~أجمعوا على أن الفوز والنجاة لا تحصل إلا بالعلم والعمل جميعا، وأن اتفقوا ~~على أن العلم أشرف من العمل. وكأن العمل متمم له وسائق بالعلم إلى أن يقع ~~موقعه، ولأجله قال الله تعالى: (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح ~~يرفعه) ، والكلم الطيب يرجع إلى العلم عند البحث، فهو الذي يصعد ويقع ~~الموقع، والعمل كالخادم له يرفعه ويحمله. وهذا تنبيه على علو رتبة العلم. # PageV01P194 # ومذهب الفرقة الأولى، وهم المتمسكون بالمفهوم الأول للجماهير من ظواهر ~~الشرع، غير خاف ربطه النجاة بالعلم والعمل، وبيانه لا يمكن أن يحصى. ~~والصوفية والفلاسفة، الذين آمنوا بالله واليوم الآخر على الجملة، وإن ~~اختلفوا في الكيفية، كلهم متفقون على أن السعادة في العلم والعبادة. وإنما ~~نظرهم في تفصيل العلم والعمل، والتوقف مع هذا الاتفاق حمق. فمن استولت عليه ~~علة، واتفق كتب الأطباء وأقوالهم، مع اختلاف أصنافهم، على أن النافع لهذه ~~العلة المبردات، فتوقف المريض فيه سفه في عقله، بل يقتضي العقل المبادرة ~~إليه. نعم، ربما يكون له طريق بعد ذلك إلى أن يتحقق ذلك، لا عن تقليد ~~للجماهير بل عن تحقيق لحقيقة العلة، ووجه مناسبة المبردات لإزالتها، فينتهض ~~بصيرا إذا نظر واستقل، وترقى عن حضيض التقليد والاتباع، إلى ذروة ~~الاستبصار. فكذلك قد ادعى الصوفية وفرق سواهم أنه يمكن الوصول إلى درك ذلك ~~بالبصيرة والتحقيق، وذلك أن تعرف حقيقة الموت، وأنه يرجع إلى خروج الآلة عن ~~الصلاة للاستعمال، لا إلى انعدام المستعمل. # ثم تعلم أن سعادة كل شيء ولذته وراحته في وصوله إلى كماله الخاص به. ثم ~~تعلم أن الكمال الخاص بالإنسان هو إدراك حقيقة # PageV01P195 # العقليات، على ما هي عليه، دون المتوهمات والحسيات التي يشاركه الحيوانات ~~فيها. ثم تعلم أن النفس بالذات متعطشة إليه، وبالفطرة مستعدة له، وإنما ~~يصرفها عنه اشتغالها بشهوات البدن وعوارضه مهما استولت عليه ومهما كسر ~~الشهوة وقهرها وخلص العقل ms009 عن رقها واستعبادها إياه، وأكب بالتفكر والنظر ~~على مطالعة ملكوت السموات والأرض، بل على مطالعة نفسه وما خلق فيها من ~~العجائب، فقد وصل إلى كماله الخاص، وقد سعد في الدنيا إذ لا معنى للسعادة ~~إلا نيل النفس كمالها الممكن لها، وإن كانت درجات الكمال لا تنحسر. ولكن لا ~~يشعر بتلك اللذة ما دام في العالم ممنوعا بالحس والتخيل وعوارض النفس، ~~كالذي عرض للمطعم الألذ، وفي ذوقه خدر فيزول، فيشعر باللذة المفرطة. فالموت ~~مثل زوال الخدر، فقد سمعت مقدما من متوعي الصوفية يصرح بأن السالك إلى الله ~~تعالى يرى الجنة وهو في الدنيا، والفردوس الأعلى معه في قلبه، إن أمكنه ~~الوصول إليه. وإنما الموصول إليه. بالتجرد عن علائق الدنيا، والإكباب بجملة ~~همته على التفكر في الأمور الآلهية، حتى ينكشف له بالإلهام الآلهي جليها، ~~وذلك عند تصفية نفسه عن هذه الكدورات. # PageV01P196 # والوصول إلى ذلك هو السعادة، والعمل هو المعين على الوصول إليه. فهؤلاء ~~فرقة ادعوا المعرفة بمناسبة العلم والعمل للسعادة، فهذا هو المنهج الثاني ~~في الوصول إلى اليقين، فما قالوه سديد، وهو بزعمهم لا يعرف إلا بالمجاهدة ~~والرياضة، كما قال الله تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) . ~~فعليك بالمجاهدة والتجرد للطلب، فربما ينكشف لك حقيقة الحال بالنفي أو ~~الإثبات. ويكفيك في الشروع في العلم والعمل اتفاق الثلاث عليه، إذ لم يكن ~~غرضك من السؤال الجدال، بل كان غرضك طلب الفوز، كالمريض الذي يطلب الشفاء ~~دون الجدال إذ بغيته اتفاق أصناف الأطباء فيه. # PageV01P197 ### | بيان تزكية النفس وقواها وأخلاقها ### | على سبيل المثال والإجمال: # فإن قلت: قد اتضح لي أن الاشتغال بالعلم والعمل واجب، ولكن العلوم كثيرة، ~~وكذلك الأعمال فهي مختلفة بالنوع ثم المقدار، وليس يكفي العلم بأن العلة ~~يلائمها المبردات، ما لم يعلم نوع المبرد وقدره ووقت استعماله، في الموالاة ~~أو التفريق، إلى غير ذلك مما يتطرق إلى تفاصيل اضطرارية، فلا بد من بيان ~~النوع وبيان الكمية ثم الكيفية في الاشتغال به. فأعلم أن الناس فيما سألته ~~فريقان: قانع بالتقليد، وهو مستغن عن البحث، ms010 ولكن ينهج السبيل الذي رسمه له ~~مقلده، وفريق آخر لا يقلدون تقليد المريض للطبيب، بل يتشوقون إلى أن ينالوا ~~رتبة الأطباء. والخطب في هذا عظيم، والمدى طويل، وشروط هذا الأمر لا تظهر ~~في الإعصار، إلا لواحد فرد شاذ. ولكنا ننبئك بما يرقيك عن حضيض التقليد، ~~ويهديك إلى سواء الطريق. فإن ساعدك التوفيق، وانبعث من نفسك داعية ~~الاستتمام، # PageV01P198 # توصلت إليه بالمجاهدة ولا يمكنك معرفة ما تطلبه، إلا بأن تعرف أولا نفسك ~~وقواها وخواصها، فكيف يشتغل بمخالطة زيد من لا يعرف زيدا؟ والمجاهدة معالجة ~~للنفس بتزكيتها، لتفضي إلى الفلاح، كما قال الله تعالى: (قد أفلح من زكاها، ~~وقد خاب من دساها) ، ومن لم يعرف الثوب لا يتصور منه إزالة وسخه. ولما كان ~~ملاك الأمر معرفة النفس، عظم الله أمره ونسبه إلى نفسه تخصيصا وإكراما، ~~فقال تعالى: (إني خالق بشرا من طين، فاذا سويته ونفخت فيه من روحي) فنبه ~~على أن الإنسان مخلوق من جسم مدرك بالبصر ونفس مدركة بالعقل والبصيرة لا ~~بالحواس، وأضاف جسده إلى الطين وروحه إلى نفسه. وأراد بالروح ما نعنيه ~~بالنفس، منبها لأرباب البصائر أن النفس الإنسانية من الأمور الآلهية، وإنها ~~أجل وأرفع من الأجسام الخسيسة الأرضية ولذلك قال تعالى: (ويسئلونك عن الروح ~~قل الروح من أمر ربي) ، وقيل: " كان في كتب الله المنزلة # PageV01P199 # إعرف نفسك يا إنسان تعرف ربك ". # وقال عليه السلام: " أعرفكم بنفسه أعرفكم بربه ". وقال تعالى: (ولا ~~تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم) ، تنبيها على تلازم الأمرين، وأن ~~نسيان أحدهما مع نسيان الآخر. ولذلك قال تعالى: (سنريهم آياتتنا في الآفاق ~~وفي أنفسهم) ، وقال تعالى: (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) . وما أراد به ظاهر ~~الجسد، فإن ذلك يبصره البهائم، فضلا عن الناس. وعلى الجملة، من جهل نفسه ~~فهو بغيره أجهل، ومن رحمه الله على عباده أن جمع في شخص الإنسان على صغر ~~حجمه من العجائب ما يكاد بوصفه يوازي عجائب كل العالم، حتى كأنه نسخة ~~مختصرة من هيئة العالم، ليتوصل الإنسان بالتفكر فيها إلى العلم بالله عز ~~وجل. ms011 # فإن قلت: فصف لي من أمر النفس جملة مشوقة إلى التفصيل، إن لم تقدر على ~~استقصاء القول فيه، حذرا من التطويل، # PageV01P200 # فأعلم أن للنفس الحيوانية بالجملة قوتين: إحداهما محركة والأخرى مدركة. ~~والمحركة قسمان: باعثة ومباشرة للحركة. فالمباشرة للحركة هي القوة التي ~~تنبث في الأعصاب والعضلات، ومن شأنها أن تشنج العضلات، فتجذب الأوتار ~~والرباطات المتصلة بالأعصاب إلى نحو جهة المبدأ، أو ترخيها فتصير الأعصاب ~~والرباطات إلى خلاف جهة المبدأ. وهذه خادمة للمحركة الباعثة. والمراد ~~بالباعثة القوة النزوعية الشوقية، التي تبعث على الحركة مهما حصل في الخيال ~~صورة شيء مطلوب أو مهروب عنه، فتحمل القوة المباشرة للحركة على التحريك. ~~ولهذه الباعثة شعبتان: شعبة تسمى شهوانية، وهي تبعث على تحريك يقرب من ~~الأشياء التي يعتقدها صاحبها ضرورية أو نافعة، طلبا للذة، والأخرى تسمى ~~غضبية، وهي قوة تبعث على تحريك يدفع به الشيء الذي يعتقد فيه أنه ضار أو ~~مفسد، طلبا للغاية. وأما المدركة فقسمان: ظاهرة وباطنة. # PageV01P201 # أما الظاهرة، فهي الحواس الخمس، ولسنا نخوض في تحقيقها، وإن كان القول في ~~معرفة حقائقها طويلا جدا، ولكن غرضنا ذكر الجملة. وأما الباطنة فخمسة: ~~الأولى الخيالية، وهي التي تبقى فيها صورة الأشياء المحسوسة بعد غيبتها، ~~فإن صورة المرئي تبقى في الخيال بعد تغميض العين. فتلك القوة التي فيها ~~انطبعت صورة المرئي تسمى خيالا، وتسمى حسا مشتركا، إذ يبقى فيه أثر مدركات ~~الحواس الخمس كلها. الثانية الحافظة لذلك، فإن ما يمسك الشخص به صورة الشيء ~~غير ما يقبله به، والشمع يمسك النقش بيبوسته، ويقلبه برطوبته والماء يقبله ~~ولا يمسكه. وهذه القوى، أعني القابلة لمدركات الحواس الخمس والحافظة لها في ~~التجويف الأول من مقدم الدماغ، فهو مسكنها، وبحلول آفة فيه تختل هذه القوة، ~~وعرف ذلك بعلم الطلب. الثالثة القوة الوهمية، وهي قوة مترتبة في نهاية ~~التجويف الأوسط من الدماغ، تدرك معاني غير محسوسة من المحسوسات الجزئية، ~~كالقوة الحاكمة في الشاة بأن الذئب مهروب عنه، وأن الولد معطوف عليه. ~~الرابعة الحافظة لهذه المعاني التي ليست محسوسة، كما كانت الثانية حافظة ms012 ~~للصور، فهي حافظة للمعاني، وتسمى ذاكرة، ومسكنها التجويف المؤخر من الدماغ. # PageV01P202 # ولقد بقي الأوسط وهو مسكن القوة المفكرة وهي مرتبة بين خزانة الصور ~~وخزانة المعاني، وشأنها أن تركب بعض ما في الخيال مع بعض، وتفصل عن بعض، ~~بحسب الاختيار. والعادة جارية بذكر هذا في القوى المدركة، والأولى أن يذكر ~~في جملة القوى المحركة، إذ ليس لها إدراك شيء، إلا بنوع حركة بتفصيل مركب ~~وتركيب مفصل، مما هو حاصل في الخيال. ولا يقدر على وضع شيء مستجد ليس هو ~~موجودا في الخيال بحال، إلا بمجرد التفصيل والتركيب. # وهذه القوى التي ذكرناها يشارك فيها الحيوانات الإنسان إلا المفكرة، فإن ~~في الحيوانات شيئا يقاربه يسمى المتخيلة، ولا تنتهي قوته إلى حد قوة ~~المتفكرة في الإنسان. وأما النفس الإنسانية، من حيث هي إنسانية، فينقسم ~~قواها إلى قوة عالمة وقوة عاملة. وقد تسمى كل واحدة منهما عقلا، ولكن على ~~سبيل الاسم المشترك، إذ العاملة سميت عقلا لكونها خادمة للعالمة، مؤتمرة ~~لها فيما ترسم. فأما العاملة، فهي قوة ومعنى للنفس، هو مبدأ حركة بدن ~~الإنسان إلى الأفعال المعينة الجزئية، المختصة بالفكر والروية، على # PageV01P203 # ما تقتضيه القوة العالمة النظرية التي سنذكرها. وينبغي أن يكون سائر قوى ~~البدن مقموعة مغلوبة، دون هذه القوة العملية بحيث لا تنفعل هذه القوة عنها. ~~وتلك القوى كلها تسكن وتتحرك، بحسب تأديب هذه القوة وإشارتها، فإن صارت ~~مقهورة، حدثت فيها هيآت انقيادية للشهوات، تسمى تلك الهيآت أخلاقا رديئة، ~~وإن كانت متسلطة حصلت لها هيئة استيلائية، تسمى فضيلة وخلقا حسنا. ولا يبعد ~~أن يجعل الخلق اسما لما يحصل في سائر الشهوات والقوى من الانقياد والتأدب، ~~أو هذه القوة من الاستيلاء والتأديب. وبالجملة لا يبعد أن يكون الخلق ~~واحدا، وله نسبتان، إذ هيئة الاستيلاء من هذه القوة يلازمها هيئة الانقياد ~~من سائر القوى، وهو المراد بالخلق المحمود. وبالجملة فالنفس أعز من أن تدرك ~~بالحواس الخمس بل تدرك بالعقل، أو يستدل عليها بآثارها وأفعالها. ولها ~~نسبتان نسبة إلى الجنبة تلك الجنبة. فهذه القوة العملية هي القوة ms013 التي لها ~~بالقياس إلى الجنبية التي دونها وهي البدن وتدبيره وسياسته. # PageV01P204 # وأما القوة العالمة النظرية التي سنذكرها فهي لها بالقياس إلى الجنبة ~~التي فوقها لتفعل وتستفيد منها، أعني بالجنبة الملائكة الموكلة بالنفوس ~~الإنسانية، لإفاضة العلوم عليها، فإن العلوم إنما تحصل فيها من الله تعالى ~~بواسطة. قال الله تعال: (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء ~~حجاب أو يرسل سولا) ، فكأن للنفس منا وجهين: وجه إلى البدن، ويأبى أن يكون ~~هذا الوجه مستوليا غير قابل البتة، ولا منفعل عن عوارض البدن وشهواته، ووجه ~~إلى الجنبة الشريفة العالية، ويجب أن يكون هذا الوجه دائم القبول عما ~~هنالك، مستمدا التأثير فإنها مهبط أسباب سعادته. وهذه القوة النظرية ~~العالمة هي التي من شأنها أن تتلقى المعاني الكلية المجردة عن العوارض التي ~~تجعلها محسوسة جزئية، فما ذكرنا معنى الكلي في كتاب " معيار العلم ". # ثم هذه القوة بالنسبة إلى العلوم التي تحصل فيها على ثلاث مراتب. أولاها ~~كنسبة حال الطفل إلى الكتابة، فإن الطفل فيه قوة للكتابة، ولكن قوة بعيدة ~~من الفعل، فكذا قوة العلم له. # PageV01P205 # المرتبة الثانية أن يحصل فيها جملة من المعقولات الأولية الضرورية، كحال ~~الصبي المميز المراهق للبلوغ، ويكون نحو هذه القوة للصبي بالإضافة إلى ~~الكتابة بعد أن عرف الدواة والقلم والحروف المفردة دون المركبة، فإنه لم ~~يكن كذلك في المهد إذ ليس فيه على الكتابة إلا قوة مطلقة بعيدة من الفعل، ~~المرتبة الثالثة أن تحصل المعقولات الكسبية كلها بالفعل وتكون كالمخزونة ~~عنده، فإذا شاء رجع إليها ومهما رجع تمكن منها. وحاله في العلوم حال الكاتب ~~الحاذق الصانع الغافل عن الكتابة، فإنه مستعد لها بالقوة القريبة استعدادا ~~في غاية الكمال، وهذه نهاية الدرجة الإنسانية. ولكن في هذه الرتبة درجات لا ~~تحصى، تختلف بكثرة المعلومات وبقلتها، وبشرف المعلومات وخستها، وبطريق ~~تحصيلها وأنها تحصل بالإلهام الإلهي وبتعلم واكتساب، وإنه سريع الحصول أو ~~بطيء الحصول. وفي هذا العلم تتباين منازل العلماء والحكماء الأولياء ~~والأنبياء، وبحسب التفاوت فيه تتفاوت مناصبهم، # PageV01P206 # ودرجات الرقي فيه ms014 غير محدودة ولا محصورة. وأقصى الرتب درجة النبي الذي ~~ينكشف له كل الحقائق أو أكثرها من غير اكتساب وتكلف، بل بكشف إلهي في أسرع ~~وقت. وهذه هي السعادة التي تحصل للإنسان، فتقربه إلى الله تعالى تقريبا، لا ~~بالمكان والمسافة، ولكن بالمعنى والحقيقة. والأدب يقتضي قبض عنان البيان في ~~هذا المقام، فقد انتهى الأمر بطائفة إلى أن ادعوا اتحادا وراء القرب، فقال ~~بعضهم: " سبحاني ما أعظم شأني "، وقال آخر: " أنا الحق "، وعبر آخر ~~بالحلول، وعبر النصارى باتحاد اللاهوت والناسوت، حتى قالوا في عيسى صلوات ~~الله عليه أنه نصف الله، تعالى الله عن قول الظالمين علوا كبيرا، وبالجملة ~~فمنازل السائرين إلى الله تعالى لا تنحصر، وإنما يعرف كل سالك المنزل الذي ~~قد بلغه في سلوكه، فيعرف ما خلفه من المنازل. فأما ما بين يديه فلا يحيط ~~بحقيقته، إلا بطريق الجملة، والإيمان بالغيب، فلا يعرف حقيقة النبوة إلا ~~النبي. وكما لا يعرف الجنين حال الطفل، ولا الطفل حال المميز وما افتح له ~~من العلوم الضرورية، ولا المميز حال العاقل وما اكتسبه من العلوم النظرية، # PageV01P207 # فلا يعرف عاقل ما انفتح لأولياء الله وأنبيائه من مزايا لطفه ورحمته، (ما ~~يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها) . فهذه الرحمة مبذولة بحكم الجود ~~الإلهي غير مضنون بها على أحد. ولكن لا بد من الاستعداد للقبول بتزكية ~~النفس وتطهيرها عن الخبث والكدورة. وكما أن الصورة المتلونة ليس فيها منع ~~من أن تنطبع في الحديد الخبيث، إلا الحجاب من جهة الحديد في صدأه وخبثه، ~~وافتقادره إلى صيقل يجلوه ويزيل خبثه ويجليه، فهكذا ينبغي أن تعتقد أن ~~الحجاب من جانبك لا من جانب الرحمة الإلهية. ولذلك قال عليه السلام: " إن ~~لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها ". ولذلك عبر عن غاية الجود ~~والبذل من ذلك الجانب، بأدل العبارات على الشوق والرغبة، فقال: " ينزل الله ~~كل ليلة إلى سماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول: هل من داع ~~فأستجيب له، هل من مسترحم فأرحمه ". وقال: # PageV01P208 # " طال شوق الأبرار ms015 إلى لقائي وأنا إلى لقائهم أشد شوقا " وقال: " من تقرب ~~إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة ". وعليك أن تستقرئ ~~من القرآن والأخبار ما يناظر ذلك فإنه خارج عن الحصر والإحصاء. ### | بيان ارتباط قوى النفس بعضها ببعض # اعلم أن هذه القوى متفاوتة الرتب، فإن بعضها أريدت لنفسها، وبعضها أريدت ~~لغيرها، وبعضها خادمة، وبعضها مخدومة. والرئيس المطلق منها هي التي تراد ~~لنفسها، ويراد غيرها لها، وليس ذلك إلا الرتبة الأخيرة، وفيها تفاوت رتب ~~الأولياء والأنبياء. فإن الإنسان لم يخلق إلا لما هو من خاصيته، وما عدا ~~القوى المخصومة بالنفس الإنسانية يشاركها فيها الحيوانات، فإن الإنسان خلق ~~على رتبة بين البهيمية والملك، وفيه جملة من القوى والصفات. فهو من حيث ~~يتغذى وينسل فنبات، # PageV01P209 # ومن حيث يحس ويتحرك فحيوان، ومن حيث صورته وقامته فكالصورة المنقوشة على ~~حائط. وإنما خاصته التي لأجلها خلق قوة العقل، ودرك حقائق الأشياء. فمن ~~استعمل جميع قواه على وجه التوصل بها إلى العلم والعمل، فقد تشبه ~~بالملائكة، فحقيق بأن يلحق بهم وجدير بأن يسمى ملكا وربانيا، كما قال: (إن ~~هذا إلا ملك كريم) ومن صرف همته إلى اتباع اللذات البدنية، يأكل كما يأكل ~~الأنعام، فقد نزل إلى أفق البهائم، فيصير إما غمرا كثور، وإما شرها كخنزير، ~~وإما صرعة ككلب، وأما حقودا كجمل، أو متكبرا كنمر، أو ذا روغان كثعلب. أو ~~يجمع ذلك كله كشيطان مريد. # وبالجملة من تصفح القوى التي ذكرناها، عرف أن مقتضيات العقل أرفعها ~~وأعلاها، فينظر بعين التعجب كيف يخدم بعضها لبعض خدمة ضرورية عليها فطرت، ~~ولا تستطيع مخالفة أمر الله تعالى فيها. # PageV01P210 # فإن العقل هو الرئيس المخدوم، ويخدمه وزيره وهو أقرب الأشياء إليه، وهو ~~العقل العملي، الذي سميناه قوة عاملة بحسب مراسم العقل. لأن العقل العملي ~~لأجل تدبير البدن، والبدن آلة النفس ومركبها، تقتنص به بواسطة الحواس مبادئ ~~العلوم التي تستنبط منها حقائق الأمور. # ثم العقل العملي يخدمه الوهم، والوهم يخدمه قوتان: قوة بعده وقوة قبله. ~~فالقوة التي بعده هي القوة الحافظة لما ms016 أدركه وأداه إليه، والقوة التي قبله ~~هي جميع القوى الحيوانية على الترتيب الذي سنذكره، ومن جملتها المتخيلة، ~~أعني المفكرة، ويخدمها قوتان مختلفتا المأخذ، فالقوة الرغبية الشوقية ~~تخدمها بالانبعاث، لأن انبعاثها إلى الحركة، بالتخيل والفكر. والقوة ~~الحافظة للصور التي في الحس المشترك تخدمها بقبول التركيب والتفصيل، فيما ~~فيها من الصور. ثم هذان رئيسان لطائفتين، # PageV01P211 # أما الحافظة للصور فيخدمها (الحس) المشترك، برفع االصور إليها حتى تحفظ. ~~وأما القوة النزوعية فتخدمها الشهوة والغضب، والشهوة والغضب تخدمهما القوة ~~الحركة للعضل، وعندها تنتهي القوى الحيوانية. # والقوى الحيوانية بالجملة يخدمها النباتية، والنباتية ثلاث، المولدة ~~والمربية والغاذية، ورأسها المولدة، وتخدمها المربية والغاذية تخدمها. ثم ~~يخدم هذه قوى أربع، وهي الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة، إذ لا بد في ~~النبات من قوة جاذبة للغذاء إليه، ثم ماسكة، ثم هاضمة تهضم ما أمسكته ~~الماسكة، ثم دافعة تدفع فضله، # PageV01P212 # والدافعة هي الخادمة التي لا خادم لها، وكأنها كالكناس في نظام أمر ~~البلد، ثم الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة تخدم القوى الهاضمة والجاذبة ~~والماسكة والدافعة، وهذه آخر درجات القوى في الأجسام. وقد ضرب للقوى ~~المذكورة مثال يقربها إلى إفهام العوام، فقيل القوة المفكرة مسكنها وسط ~~الدماغ بمنزلة الملك، يسكن وسط المملكة. والخيالية مسكنها مقدم الدماغ، ~~جارية مجرى صاحب بريدة، أو مجتمع الأخبار عنده. والحافظة التي مسكنها مؤخر ~~الدماغ، جارية مجرى خادمه، والقوى الناطقة جارية مجرى ترجمانه، والعاملة ~~جارية مجرى كاتبه، والحواس جارية مجرى الجواسيس وأصحاب الأخبار الصادقة ~~اللهجة، فيما يرفعونه من الأخبار، فيلتقط كل واحد الخبر من الصق الذي وكل ~~به، إذ البصر موكل بعالم الألوان والسمع بالأصوات، وهكذا الجميع. فيرفعون ~~هذه الأخبار إلى صاحب البريد وصاحب البريد يسقط ما يراه حشوا، ويرفع الباقي ~~صافيا إلى حضرة الملك، # PageV01P213 # فيميزه ويعرف منافعه ومضاره، ويسلمه لخادمه إلى وقت الحاجة، فحينئذ يتقدم ~~بإخراجه، وكما أن الأعمال التي يتولاها الملك بنفسه أشرف مما يستعمل فيه ~~غيره، فكذلك ما تتولاه النفس التي هي الملك بالحقيقة، بواسطة المفكرة، من ~~الروية والاعتبار والقياس والفراسة واستنباط المجهول، أشرف مما تستعمل فيه ms017 ~~الخدم. وهذا المثال قريب مما روي أن حبر الأمة قال: " دخلت على عائشة، ~~فقالت: الإنسان عيناه مهاد، وأذناه قمع، ولسانه ترجمان، ويداه جناحان، ~~ورجلاه بريدان، والقلب ملك. فإذا طاب طاب جنوده ". فقالت: " هكذا سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول ". # فهذه جمل من أحوال النفس تلوناها عليك على سبيل الاقتصار، وإنها بعض ~~عجائب النفس. ولو نظرت في تشريح الأعضاء، وفحصت عن عدد العروق والأعصاب ~~والعضل والعظام والشرايين والأوردة، # PageV01P214 # ثم إلى الأعضاء الآلية التي أعدت للنفس، ولجذب الطعام ثم لهضمه ثم لدفعه، ~~وإلى الآلات التي خلقت للتناسل، ورأيت العجائب في خدمة بعضها بعضا ~~بالضرورة، ثم بعد فراغك من تشريح الأجسام نظرت في تفصيل قوى تلك الأجسام، ~~واستقصيته بمعرفة حقائق العلوم الطبيعية، لقضيت منها آخر العجب. فتعسا لمن ~~كفر بالله وغفل عن قوله: (وفي الأرض آيات للموقنين، وفي أنفسكم أفلا ~~تبصرون) ، بل في كل شيء دليل على أنه واحد. ومن لم يؤمن بالله على الجملة، ~~فليس من العقلاء، وهو أخس من أن يخاطب بمثل هذه الكلمات. وإنما كلامنا مع ~~من صدق بالجملة، فندعوه إلى البحث عن صنع الله، ليزداد بسببه يقينه ~~وإيمانه، ويتفاقم به تعظيمه وإجلاله. فكل ما لا يدرك بالحواس، وإنما يدرك ~~بالعقل بواسطة آثاره، فسبيل استقصاء معرفته استقصاء النظر في آثاره. بل ~~نضرب مثالا يقرب من فهم الخلق كافة، فما من فقيه إلا وقد اعتقد في ~~المذكورين من العلماء مثل أبي حنيفة والشافعي وغيرهما، رتبة تتقاضاه ~~التعظيم. وهذا يشترك فيه الخلق، ولكن ليس من يتصفح تصنيف مصنف، فيرى فيه من ~~عجائب صنعه وبدائع حذقه، يبقى اعتقاده في التعظيم على ما كان عليه قبل ~~معرفته، بل لا يزال يطلع على صفة غريبة له في كلامه وتصنيفه أو شعره، ~~وتزداد نفسه له تعظيما وتوقيرا واعتقادا # PageV01P215 # فمن عرف أن الله صانع العالم، كمن عرف أن زيدا متميز عن غيره، بكونه ناظم ~~ديوان، ومصنف كتاب. وأين هذا من اعتقاد من تصفح الشعر، فرأى فيه غرائبه؟ ~~فهذا يعتقد عظمته ورتبته اعتقادا راسخا عن تحقيق ms018 وبصيرة والآخر يعتقد ~~اعتقادا مجملا ضعيفا، غير مدرك بالبصيرة والتحقيق. وهذا فرق بين رتبة ~~العوام وذوي البصائر في هذا الأمر الواحد. # والعالم بما فيه من العجائب تصنيف الله وتأليفه وإبداعه واختراعه، والنفس ~~جزء من أجزاء العالم، وكل جزء من أجزاء العالم مشحون بالعجائب، فلا يزال ~~الباحث عنها مستفيدا زيادة اعتقاد، وتأكيد إيمان، ولذلك حث الله على التفكر ~~في الأنفس والآفاق وملكوت السموات والأرض. # PageV01P216 ### | بيان نسبة العمل من العلم وإنتاجه # السعادة التي اتفق عليها المحققون من الصوفية بأجمعهم، وساعدهم من النظار ~~طوائف سواهم: إن تأثير العمل لإزالة ما لا ينبغي، والسعي في العلم، سعي في ~~تحصيل ما ينبغي وإزالة ما لا ينبغي، شرط لتفريغ المحل لما ينبغي، والمشروط ~~هو المقصود، وهو أشرف من الشرط. ومثاله من أراد استيلاد إمرأة بها علة، ~~تمنع العلوق، فعليه وظيفتان: إحداهما إماطة العلة المفسدة للحمل، المانعة ~~من العلوق، والأخرى إيداع النطفة بعد إزالة العلة المانعة. فالأولى شرط ~~للثانية، والثانية هي الغاية المطلوبة. وإذا فرضت دارا بنيت لملك، رتبة تلك ~~الدار نزول الملك فيها، وقد اغتصبها القردة والخنازير، فجمال تلك الدار ~~وكمالها موقوف على أمرين: أحدهما إزعاج القردة النازلين فيها بغير حق ~~والآخر نزول المستحق. # PageV01P217 # وإذا فرضنا مرآة صدئة قد ستر الخبث صفاها، ومنع انطباع صورنا فيها، فكمال ~~المرآة أن تستعد لقبول الصور، فتحكيها كما هي عليها، وعلى مكملها وظيفتان: ~~إحداهما الجلاء والثقل، وهي إزالة الخبث الذي ينبغي أن لا يكون، والثانية ~~أن يحاذي بها نحو المطلوب حكاية صورته. فكذلك نفس الآدمي مستعدة لأن تصير ~~مرآة، يحاذي بها شطر الحق في كل شيء، فتنطبع به كأنها هو من وجه، وإن كانت ~~غيره من وجه آخر، كما في الصورة والمرآة. وكمالها في مثل هذه الدرجة وهذه ~~الخاصة التي فارقت بها ما تحتها من الحيوانات، إذ هذا الاستعداد مسلوب عن ~~الحيوانات كلها، سوى الآدمي بالقوة والفعل جميعا، كما انسلب عن التراب ~~والخشب الاستعداد لحكاية الصور، وأن يكون مرآة لها، وهو موجود بالفعل أبدا ~~للملائكة، لا يفارقها، كما أنه موجود ms019 للماء الصافي، فإنه يحكي الصورة بطبعه ~~حكاية مخصوصة، وهو موجود للآدمي بالقوة لا بالفعل. فإن جاهد نفسه التحق ~~بأفق الملائكة، وإن استمر على الأسباب الموجبة لتراكم الخبث على مرآة ~~النفس، باتباع الشهوات، اسود قلبه وتراكمت ظلمته، وبطل بالكلية استعداده، ~~والتحق بأفق البهائم، وحرم سعادته وكماله حرمانا أبديا، لا تدارك له. # فإذن العمل معناه كسر الشهوات بصرف النفس عن # PageV01P218 # صوبها، إلى الجنبة العالية الآلهية، ليمحي عن النفس الهيئات الخبيثة، ~~والعلائق الردية التي ربطتها بالجنبة السافلة. حتى إذا محقت تلك العلائق، ~~أو ضعفت حوذي بها نحو النظر في الحقائق الآلهية، ففاضت عليه من جهة الله ~~تعالى تلك الأمور الشريفة، كما فاضت على الأولياء والأنبياء والصديقين. ~~وذلك صيد ينفق على قدر الرزق، وبأحكام الأصل فيه يزيد الاسترزاق، كما يعرضن ~~من زيادة الاسترزاق بالأسباب في اقتناص الصيد، بل في اقتناص الربح ~~والتجارة، بل في اقتناص فقه النفس. فإن القليل بالاجتهاد قد يجاوز حد ~~المجتهدين بمزيد ذكاء فطري، فكذا طهارة النفس عن هذه العلائق في أول الفطرة ~~في غاية الاختلاف. ثم الجهد أيضا يختلف وينشأ من ذلك تفاوت لا ينحصر، فكذا ~~سعادة الآخرة. ففيضان هذه الرحمة من الله عز وجل على النفس غاية المطلوب، ~~وهو عين السعادة التي للنفس بعد الموت، ولكنها مشروطة بإزالة العلائق ومحو ~~الصفات الردية التي تأكدت للنفس باتباع الشهوات. # فإذن العمل يرجع إلى مجاهدة النفس بإزالة ما لا ينبغي. وإذا نسب إلى ~~اتباع الشهوات ظهرت فضيلتها، وإذا نسب إلى تحصيل ما ينبغي كانت رتبتها منه ~~مرتبة # PageV01P219 # الشرط من المشروط، والخادم من المخدوم، وما أريد لغيره بالنسبة إلى ما ~~أريد لنفسه، وعليه نبه النبي صلى الله عليه وسلم إذا قال: " الإيمان بضع ~~وسبعون بابا، أدناها إماطة الأذى من الطريق. والمجاهدة بالعبادات أكثر ~~أغراضها إماطة الأذى عن الطريق. # ولقائل أن يقول المراد بالحديث التقاط الزجاج العظم والحجارة من الشوارع، ~~وأن هذا هو السابق إلى فهم الأكثرين. ولقائل آخر: أن يقول إن الناس ~~يتفاوتون في فهم معاني الألفاظ، على حسب تفاوت رتبهم، ولذلك قال ms020 عليه ~~السلام: " نضر الله أمرا سمع مقالتي فوعاها، ثم أداها كما سمعها، فرب حامل ~~فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ". فلولا أن في ألفاظه ما ~~يسبق إلى فهم غير الفقيه خلاف ما يسبق إلى فهم الفقيه، لما أكد الوصية ~~بذلك. ثم ليت شعري إذا فهم غير الفقيه خلاف ما يسبق إلى فهم الفقيه، لما ~~أكد الوصية بذلك. ثم ليت شعري إذا فهم غير الفقيه خلاف ما يسبق إلى فهم ~~الفقيه أو الأفقه أو في جانب غيرهم؟ ولا شك أن هذا عزيز نادر، والغالب ~~خلافه. فالسابق إلى فهم الجماهير يكاد الحق يجانبه، وينحاز إلى ما يفهمه ~~الفقيه والأفقه، ولا سيما في لفظ لا يصرح بالتخصيص. فإن لفظ الأذى عام، ~~ولفظ الطريق عام. ولو أريد الخاص لذكر الزجاج أو المدر ونبه على أمثاله. ~~وذلك الظاهر أيضا مندرج تحت العموم، فإنه بذلك العمل # PageV01P220 # أيضا مصلح نفسه، ومهذب خلقه، ومميط عن النفس رذيلة الغفلة والغشاوة، وقلة ~~الشفقة، على ما سنذكره في تفصيل سوء الأخلاق وحسنها. # فقد عرفت أن سعادة النفس وكمالها أن تنتقش بحقائق الأمور الآلهية وتتحد ~~بها حتى كأنها هي، وأن ذلك لا يكون إلا بتطهير النفس عن هيئات ردية تقتضيها ~~الشهوة والغضب، وذلك بالمجاهدة والعمل. فالعمل للطهارة، والطهارة شرط ذلك ~~الكمال. ولذلك قال عليه السلام: " بني الدين على النظافة ". ### | بيان مفارقة طريق الصوفية ### | في جانب العلم طريق غيرهم: # اعلم أن جانب العمل متفق عليه، وأنه مقصود لمحو الصفات الردية، وتطهير ~~النفس من الأخلاق السيئة. ولكن جانب العلم مختلف فيه، وتباين فيه طرق ~~الصوفية طرق النظار، من أهل العلم. فإن الصوفية لم يحرضوا على تحصيل العلوم ~~ودراستها، وتحصيل ما صنفه المصنفون في البحث عن حقائق الأمور، # PageV01P221 # بل قالوا: الطريق تقديم المجاهدة بمحو الصفات المذمومة وقطع العلائق ~~كلها، والإقبال بكل الهمة على الله تعالى. ومهما حصل ذلك فاضت عليه الرحمة، ~~وانكشف له سر الملكوت، وظهرت له الحقائق. وليس عليه إلا الاستعداد بالتصفية ~~المجردة، وإحضار النية، مع الإرادة الصادقة والتعطش ms021 التام، والترصد ~~بالانتظار لما يفتحه الله تعالى من الرحمة. إذ الأولياء والأنبياء انكشفت ~~لهم الأمور، وسعدت نفوسهم بنيل كمالها الممكن لها، لا بالتعلم بل بالزهد في ~~الدنيا والإعراض والتبري عن علائقها، والاقبال بكل الهمة على الله تعالى. # فمن كان لله كان الله له، حتى أن في الوقت الذي صدقت فيه رغبتي لسلوك هذا ~~الطريق، شاورت متبوعا مقدما من الصوفية في المواظبة على تلاوة القرآن، ~~فمنعني وقال: السيل أن تقطع علائقك من الدنيا بالكلية، بحيث لا يلتفت قلبك ~~إلى أهل وولد ومال ووطن وعلم وولاية، بل تصير إلى حالة يستوي عندك وجودها ~~وعدمها، ثم تخلو بنفسك في زاوية تقتصر من العبادة على الفرائض والرواتب، ~~وتجلس فارغ القلب مجموع الهم، مقبلا بذكرك على الله تعالى. # PageV01P222 # وذلك في أول الأمر، بأن تواظب باللسان على ذكر الله تعالى، فلا تزال ~~تقول: الله الله، مع حضور القلب وإدراكه، إلى أن تنتهي إلى حالة لو تركت ~~تحريك اللسان، لرأيت كأن الكلمة جارية على لسانك، لكثرة اعتياده. ثم تصير ~~مواظبا عليه إلى أن يمحى أثر اللسان، فتصادف نفسك وقلبك مواظبين على هذا ~~الذكر، من غير حركة اللسان. ثم تواظب إلى أن لا يبقى في قلبك إلا معنى ~~اللفظ، ولا يخطر ببالك حروف اللفظ، وهيئات الكلمة، بل يبقى المعنى المجرد ~~حاضرا في قلبك على اللزوم والدوام. ولك اختيار إلى هذا الحد فقط، ولا ~~اختيار بعده لك، إلا في استدامة لدفع الوساوس الصارفة. ثم ينقطع اختيارك، ~~فلا يبقى لك إلا الانتظار لما يظهر من فتوح، ظهر مثله للأولياء، وهو بعض ما ~~يظهر للأنبياء، قد يكون أمرا كالبرق الخاطف لا يثبت ثم يعود، وقد يتأخر. ~~فإن عاد فقد يتظاهر أمثاله على التلاحق، وقد لا يقتصر على فن واحد، ومنازل ~~أولياء الله فيه لا تحصى، لتفاوت خلقهم وأخلاقهم. # فهذا منهج الصوفية، وقد ردوا الأمر إلى تطهير محض من جانبك، وتصفية ~~وجلاء، ثم استعداد وانتظار فقط. وأما النظار فلم ينكروا وجود هذا الطريق، ~~وافضاءه إلى # PageV01P223 # المقصد، وهو أكبر أحوال الأولياء والأنبياء، ولكن ms022 استوعروا هذا الطريق، ~~واستبعدوا فضاءه إلى المقصود، وزعموا أن محو العلائق إلى ذلك الحد ~~بالاجتهاد كالممتنع، وإن حصل في حالة، فثباته أبعد منه، وأدنى إلى ذلك الحد ~~بالاجتهاد كالممتنع، وإن حصل في حالة، فثباته أبعد منه، وأدنى وسواس وخاطر ~~يشوش. وفي أثناء هذه المجاهدة قد يفسد المزاج، ويختلط العقل ويمرض البدن، ~~ويفضي إلى الماليخوليا. # فإذا لم تكن النفس قد ارتاضت بالعلوم الحقيقة البرهانية، اكتسبت بالخاطر ~~خيالات تظنها حقائق تنزل عليها. فكم من صوفي بقي في خيال واحد عشر سنين، ~~إلى أن تخلص عنه. ولو كان قد أتقن العلوم أولا، لتخلص منه على البديهة. ~~فالاشتغال بتحصيل العلوم بمعرفة معيار العلم، وتحصيل براهين العلوم المفصلة ~~أولى، فإنه يسوق إلى المقصود سياقة موثوقا بها، كما يوثق بالاجتهاد، في أن ~~يحصل فقه النفس. وقد كان، عليه السلام، فقيه النفس من غير اجتهاد، لكن لو ~~أراد مريد أن ينال رتبته بمجرد الرياضة، فقد توقع بعيدا، فيجب تحصيل نفس ~~العلوم الحقيقة في النفس، بطريق البحث والنظر على غاية الإمكان، وذلك ~~بتحصيل ما حصله الأولون أولا. ثم لا بأس بعد ذلك بالانتظار لما لم ينكشف ~~للعلماء # PageV01P224 # الباحثين عن الأمور الآلهية، فما لم ينكشف للخلق أكثر مما انكشف. وهذا ~~تباين الفريقين. وقد خطر لي مثال لا يبعد أن يكون منبها للافهام الضعيفة، ~~المفتقرة إلى الأمثلة المحسوسة، في درك الحقائق العقلية، ومعرفا لوجه الفرق ~~بين الفريقين. فقد حكي أن أهل الصين والروم تباهوا بحسن صناعة النقش ~~والتصوير، بين يدي بعض الملوك، فاستقر رأي الملك على أن يسلم إليهم صفة ~~ينقش أهل الصين منها جانبا، وأهل الروم جانبا، ويرخي بينهم حجاب، بحيث لا ~~يطلع كل فريق على صاحبه، فإذا فرغوا رفع الحجاب، ونظر إلى الجانبن، وعرف ~~رجحان من رجح من الفريقين، ففعل ذلك، فجمع أهل الروم من الأصباغ الغريبة ما ~~لا ينحصر، ودخل أهل الصين وراء الحجاب من غير صبغ، وهم يجلون جانبهم ~~ويصقلونه، والناس يتعجبون من توانيهم في طلب الصبغ. فلما فرغ أهل الروم ~~ادعى أهل الصين أننا أيضا ms023 قد فرغنا. فقيل لهم: كيف فرغتم ولم يكن معكم صبغ، ~~ولا اشتغلتم بنقش؟ فقالوا: ما عليكم ارفعوا الحجاب، وعلينا تصحيح دعوانا. ~~فرفعوا الحجاب، وإذا بجانبهم وقد تلألأ فيه جميع الأصباغ الرومية الغريبة، ~~إذ قد صار كالمرآة لكثرة التصفية # PageV01P225 # والجلاء، فازداد حسن جانبهم بمزيد الصفاء، وظهر فيه ما سعى من تحصيله ~~غيرهم. فقدر كأن النفس محل نقش العلوم الآلهية، ولك في تحصيله طريقان: ~~أحدهما تحصيل عين النقش، كطريق أهل الروم والثاني الاستعداد لقبول النقش من ~~خارج. والخارج ههنا اللوح المحفوظ، ونفوس الملائكة، فإنها منقوشة بالعلوم ~~الحقيقية نقشا بالفعل على الدوام، كما أن دماغك منقوش بالقرآن كله، إن كنت ~~حافظا له، وكذلك جملة علومك، لا نقشا يحس ويبصر، ولكن نوعا من الانتقاش ~~عقليا، ينكره من اقتصرت به خساسة نفسه على المحسوسات ولم يترق عنها. ### | بيان الأولى من الطريقين # فإن قلت: فقد مهدت للسعادة طريقين متباينين، فأيهما أولى عندك؟ فاعلم أن ~~الحكم في مثل هذه الأمور بحسب الاجتهاد الذي يقتضيه حال المجتهد، ومقامه ~~الذي هو فيه. والحق الذي يلوح لي، والعلم عند الله فيه، إن الحكم بالنفي أو ~~الإثبات في هذا على الإطلاق خطأ، بل يختلف بالإضافة إلى الأشخاص والأحوال. # PageV01P226 # فكل من رغب في السلوك، فقد كبر شأنه، فالأولى به أن يقتنع بطريق الصوفية، ~~وهو المواظبة على العبادة، وقطع العلائق. فإن البحث عن العلوم الكسبية ~~لتحصل ملكة كتابته في النفس شديد، ولا يتيسر إلا في عنفوان العمر، والتعلم ~~في الصغر كالنقش على الحجر. ومن العناء رياضة الهرم. # وقيل لأحد الأكابر: من أراد أن يتعلم شيخا، ما يفعل؟ فقال: إغسل مسخا ~~فعساه يبيض. وقد خرج من هذا أن الأولى بأكثر الخلق الاشتغال بالعمل ~~والاقتصاد من العلم على القدر الذي يعرف به العمل. فإن الأكثر لا ينتبهون ~~لهذا الأمر في عنفوان الشباب، وإن تنبه في عنفوان شبابه، نظر إلى طبعه ~~وذكائه. فإن علم أنه لا يستعد لفهم الحقائق العقلية الدقيقة، وجب عليه أن ~~يشتغل بالعمل أيضا، فلا فائدة في اشتغاله بالعلوم النظرية، وهم الأكثرون من ms024 ~~الأقل، الذي تتبعناه. فإن ذكيا قابلا للعلوم، فإن لم يكن في بلده أو في ~~العصر مستقل بالعلوم النظرية، مترق عن رتبة تقليد من سبقه، فالأولى به ~~العمل. فإن هذه لا يمكن تحصيلها إلا بمعلم، فليس في القوة البشرية، في شخص ~~واحد، الوصول إليها إلا قليل بطول الزمن. ولذلك لو لم يكن علم الطب مثلا ~~صار متقنا بالخواطر المتعاونة، في الأزمنة المتطاولة، لافتقر أذكى الناس ~~إلى عمر طويل، في معرفة علاج علة واحدة، فضلا عن الجميع. والغالب في البلاد ~~الخلو عن مثل هذا العالم المستقل. # PageV01P227 # فإذن لم يبق إلا قليل من قليل وهو ذكي تنبه في عنفوان عمره لهذا الأمر، ~~وهو مستعد لفهم العلوم، وصادف عالما مستقلا بالعلوم تحقيقا لا إسما، وحسبة ~~لا رسما، كما ترى أكثر العلماء، فهم إما مقلدون في أعيان المذاهب، أو في ~~أعيان المذاهب وأدلة تلك المذاهب جميعا، على الوجه الذي تلقوه من أرباب ~~المذاهب. ومن قلد أعمى، فلا خير في متابعة العميان وأتباعهم أو شاب نشأ في ~~طلب العلم وهو زكي في نفسه، وتنبه له بعد الارتياض بأنواع العلوم، ولكن ~~بهذا النوع من العلم الذي تنبه له، فمثل هذا الشخص مستعد للطريقين جميعا. ~~فالأولى به أن يقدم طريق التعلم، فيحصل من العلوم البرهانية ما للقوة ~~البشرية إدراكه بالجهد والتعلم، فقد كفى المؤنة فيه تعب من قبله، فإذا حصل ~~ذلك على قدر إمكانه، حتى لم يبق علم من جنس هذه العلوم، إلا وقد حصله، فلا ~~بأس بعده أن يؤثر الاعتزال عن هذا الخلق، والإعراض عن الدنيا، والتجرد لله ~~وأن ينتظر، فعساه ينفتح له بذلك الطريق ما التبس على سالكي هذا الطريق. هذا ~~ما أراه، والعلم عند الله. # وقد يخرج منه أن الصواب لأكثر الاشتغال بالعمل، # PageV01P228 # ومن العمل العلم العملي أعني ما يعرف به كيفيته. فإن العلم العملي ليس ~~بأشرف من العمل، بل هو دونه، فإن مراد له دون العلم الذي يراد منه المعلوم، ~~كالعلم بالله وملائكته وكتبه ورسله والعلم بالنفس وصفاتها. والعلم بملكوت ~~السموات والأرض وغيره. فهذه ms025 العلوم نظرية، وليست بعملية وإن كان قد ينتفع ~~بها في العمل، على سبيل العرض، لا على سبيل القصد، ولكون الصواب في العمل ~~لأكثر الخلق استقصاء النبي صلى الله عليه وسلم، تفصيلا وتأصيلا، حتى علم ~~الخلق الاستنجاء وكيفيته، ولما آل الأمر إلى العلوم النظرية أجمل ولم يفصل، ~~ولم يذكر من صفات الله إلا أنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. نعم بعد ~~إجمال العلم، ذكر من تعظيمه وتشريفه وتقديمه على العمل ما لا يكاد يحصى ~~كقوله: " تفكر ساعة خير من عبادة سنة " وكقوله: " فضل العالم على العابد، ~~كفضل القمر ليلة البدر " إلى غير ذلك مما ورد فيه. ثم ذلك العلم المقدم على ~~العمل لا يخلو أما أن يكون هو العلم بكيفية العمل وهو الفقه وعلم العبادات ~~وأما أن يكون علما سواه. وباطل أن يكون الأول هو المراد لوجهين: # PageV01P229 # أحدهما أنه فضل العالم على العابد، والعابد هو الذي له العلم بالعبادة ~~وإلا فهو عابد فاسق. والثاني: أن العلم بالعمل لا يكون أشرف من العمل لأن ~~العلم العملي لا يراد لنفسه، وإنما يراد للعمل. وما يراد لغيره يستحيل أن ~~يكون أشرف منه. ### | بيان جنس العلم والعمل الموصلين إلى جنة المأوى # فإن قلت: العلوم أصنافها كثيرة، والأعمال وأنواعها مختلفة، وليس الكل ~~مطلوبا، فما الصنف النافع حتى اشتغل به؟ فأقول: أما العلم فمنقسم إلى ~~العملي والنظري. أما النظري فكثير، ولكن كل علم يتصور أن يختلف بالاعصار ~~والبلدان والأمم، فلا يورث كمالا يبقى في النفس أبد الدهر. ونحن نبتغي من ~~العلم تبليغ النفس كمالها، لتسعد بكمالها، مبتهجة بما لها من البهاء ~~والجمال أبد الدهر، فخرج عن هذا البيان العلم باللغات، وموجبات الألفاظ، ~~كالعلم باللغة والإعراب والنحو والشعر والترسل وشرح الألفاظ وتفصيلها. فإن ~~افتقر إلى شيء منها، فيطلب لا لنفسه، بل ليكون ذريعة للعلم المقصود. لكننا ~~الآن في بيان العلم المقصود، فإنا # PageV01P230 # إن نعرف ذات الحج، لم يلزمنا ذكر الخف والمطهرة، وإن كان يحتاج إليهما في ~~التوصل إليه. وإنما نميز العلوم التي تبقى معلوماتها أبد الآبدين، لا ms026 تزول ~~ولا تحول. ومثل ذلك لا يختلف باختلاف الإعصار والأمم، وذلك يرجع إلى العلم ~~بالله وصفاته، وملائكته وكتبه ورسله، وملكوت السموات والأرض، وعجائب النفوس ~~الإنسانية والحيوانية، من حيث أنها مرتبطة بقدرة الله عز وجل، لا من حيث ~~ذواتها. فالمقصود الأقصى العلم بالله، وملائكة الله لا بد من معرفتهم، ~~لأنهم واسطة بين الله وبين النبي. وكذا معرفة النبوة والنبي، لأن النبي ~~واسطة بين الخلق والملائكة، كما أن الملك واسطة بين الله والنبي. وهكذا ~~يتسلسل إلى آخر العلوم النظرية، وغايتها وأقصاها العلم بالله عز وجل. ولكن ~~يتشعب القول فيه اشتعابا كثيرا، إذ يدل بعضها على بعض. ولذلك يكثر التفصيل ~~فيه. # القسم الثاني العلم العملي، وهو ثلاثة علوم: علم النفس بصفاتها وأخلاقها، ~~وهو الرياضة ومجاهدة الهوى، وهو أكبر مقصود هذا الكتاب، # PageV01P231 # وعلمها بكيفية المعيشة مع الأهل والولد والخدم والعبيد، فإنهم خدمك أيضا ~~كأطرافك وأبعاضك وقواك. وكما لا بد من سياسة قوى بدنك، من الشهوة والغضب ~~وغيرهما، فلا بد من سياسة هؤلاء، وعلم سياسة أهل البلد والناحية، وضبطهم. ~~ولأجله يراد علم الفقه في الأكثر، إلا ما يتعلق بربع العبادات من جملة ~~العبادات الخاصة بالنفس. ومنه آداب القضاء ولا يتم بمعرفة ربع النكاح ~~والبيع والخراج. وأهم هذه الثلاثة تهذيب النفس، وسياسة البدن، ورعاية العدل ~~من هذه الصفات، حتى إذا اعتدلت تعدت عدالتها إلى الرعية البعيدة من الأهل ~~والولد، ثم إلى أهل البلد. " فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ". وما سواه ~~يجري منه مجرى الزكاة من النصاب، والضوء من الشمس، والظل من الشجر. وكيف ~~يتوقع استقامة الظل، مع اعوجاج ذي الظل؟ فإذا لم يقدر الإنسان على سياسة ~~نفسه، وضبطها، فكيف يقدر على سياسة غيره. # فهذه مجامع العلوم العملية. ولنذكر جمل العلم الأخص من هذه العلوم ~~السياسية، فإنه المقصود بالبيان. ومجامع القوى التي لا بد من تهذيبها ثلاث: ~~قوة التفكير، # PageV01P232 # وقوة الشهوة، وقوة الغضب، ومهما هذبت قوة الفكر وأصلحت كما ينبغي، حصلت ~~بها الحكمة، التي أخبر الله عنها حيث قال: (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا ~~كثيرا) ms027 . وثمرتها أن يتيسر له الفرق بين الحق والباطل في الاعتقادات وبين ~~الصدق والكذب في المقال، وبين الجميل والقبيح في الأفعال، ولا يلتبس عليه ~~شيء من ذلك، مع أنه الأمر الملتبس على أكثر الخلق، ويعين على إصلاح هذه ~~القوة وتهذيبها ما أودعناه " معيار العلم ". والقوة الثانية هي الشهوة، ~~وبإصلاحها تحصل العفة، حتى تنزجر النفس عن الفواحش، وتنقاد للمواساة ~~والإيثار المحمود بقدر الطاقة. والثالثة الحمية الغضبية، وبقهرها وإصلاحها ~~يحصل الحلم، وهو كظم الغيظ، وكف النفس عن التشفي، وتحصل الشجاعة، وهي كف ~~النفس عن الخوف والحرص المذمومين في كتاب الله تعالى. # PageV01P233 # ومهما أصلحت القوى الثلاث وضبطت على الوجه الذي ينبغي، وإلى الحد الذي ~~ينبغي وجعلت القوتان منقادتين للثالثة، التي هي الفكرية العقلية، فقد حصلت ~~العدالة. وبمثل هذا العدل قامت السموات والأرض، وهي جماع مكارم الشريعة، ~~وطهارة النفس وحسن الخلق المحمود، بقوله عليه السلام: " أكمل المؤمنين ~~إيمانا أحسنهم أخلاقا وألطفهم بأهله ". وقوله عليه السلام: " أحببكم إلي ~~أحسنكم أخلاقا، الموطؤون أكنافا، الذين يألفون ويؤلفون ". وثناء الشرع على ~~الخلق الحسن خارج عن الحصر ومعناه إصلاح هذه القوى الثلاث. وقد جمعه الله ~~سبحانه في قوله: (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا، ~~وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون) ، فدل الإيمان ~~بالله ورسوله، مع نفي الارتياب، وعلى العلم اليقين والحكمة الحقيقة التي لا ~~يتصور حصولها، إلا بإصلاح قوة الفكر، ودل بالمجاهدة بالأموال على العفة ~~والجود، اللذين هما تابعان بالضرورة لإصلاح الشهوة، # PageV01P234 # ودل بالمجاهدة بأنفسهم على الشجاعة والحلم، اللذين هما تابعان بالضرورة ~~لإصلاح الحمية وإسلالها للدين والعقل حتى تنبعث مهما انبعثت، وتسكن مهما ~~سكن. وعليه دل قوله تعالى: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) . ~~وقال عليه السلام في تفسيره: " هو أن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل ~~من قطعك، وتحسن لمن أساء إليك ". فالعفو عمن ظلمك هو نهاية الحلم والشجاعة، ~~وإعطاء من حرمك هو نهاية الجود، ووصل من قطعك هو نهاية الإحسان. ### | بيان مثال النفس مع هذه القوى المتنازعة # مثل نفس الإنسان ms028 في بدنه كمثل وال في مدينته ومملكته. وقواه وجوارحه ~~الخادمة للبدن بمنزلة الصناع والعملة، والقوة العقلية المفكرة له، كالمشير ~~الناصح والوزير العاقل. # PageV01P235 # والشهوة له كعبد سوء يجلب الميرة والطعام، والحمية كصاحب شرطته. والعبد ~~الجالب للميرة مكار خداع خبيث ملبس، يتمثل بصورة الناسح، وتحت نصحه الداء ~~العضال، والشر الشمر، وديدنه منازعة الوزير في التدبير حتى لا يغفل عن ~~منازعته ومعارضته في آرائه ساعة. فكما أن الوالي في مملكته، متى استشار في ~~تدبيرات لوزيره، معرضا عن إشارة هذا العبد الخبيث، بل مستدلا باشارته على ~~أن الصواب في نقيض رأيه، ودأب صاحب شرطته، وأسلسه لوزيره وجعله مؤتمرا له، ~~مسلطا من جهته على هذا العبد الخبيث، وأتباعه وأنصاره، حتى يكون العبد ~~مسوسا لا سايسا، ومأمورا ومدبرا لا آمرا مدبرا، استقام أمر بلده، وانتظم ~~لقيام العدل بسببه. كذلك النفس متى استعانت بالعقل، وأدبت الحمية الغضبية، ~~وسلطتها على الشعوة، واستعانت بالعقل على الأخرى، تارة بأن تقلل من تيه ~~الغضب وغلوائه، بخلابة الشهوة وتقهرها بتسليط الغضب والحمية عليها، وتقبيح ~~مقتضياتها استشاطة عليها، اعتدلت قواه وحسنت أخلاقه. ومن عدل عن هذه ~~الطريقة فهو كما قال الله تعالى: # PageV01P236 # (أفرأيت من اتخذ إلهه وأضله الله على علم) . وقال: (واتبع هواه فمثله ~~كمثل الكلب) . وقال عليه السلام: " أعدى عدوك نفسك، التي بين جنبيك ". وقال ~~تعالى لمن قهر هواه: (وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، فإن الجنة ~~هي المأوى) . وليس الأمر كما ظنه فريق من لزوم قمع الغضب وإماطته بالكلية، ~~وقلع الشهوة وإماطتها بالكلية، بل الواجب ضبطها وتأديبها، فإن العقل لا ~~يقدر على التأديب دون الحمية الغضبية، إذ ليس له إلا الإشارة بالصواب وهو ~~أشرف القوى. وبه صار الإنسان خليفة الله في أرضه، ولكنه كطبيب مشير إلى ما ~~فيه البر، فإن لم يستعن بالغضب والحمية التي ترهق الشهوة إلى الطاعة وتنتهض ~~خادمة للعقل في الزجر والكسر لم تفد إشارته. ولذلك لا يتبين فضيلة العقل ~~لمن لا حمية له، ولكن ينبغي أن يتأدب بحيث لا ينبعث إلا بإشارة العقل. ~~وكذلك ms029 الشهوة # PageV01P237 # فإن إماتتها عن الجماع عسرة، وقاطعة للتناسل الذي به بقاء النوع، وعن ~~الطعام صعب، وينقطع به بقاء الشخص. ولكن بكسر الشره في الطعام، حتى لا يكون ~~المقصود من الطعام التلذذ بالتناول، بل استيفاء القوة للتوصل به إلى العلم ~~والعمل، فيكون في أكله كهو في أعلافه دابته، إذا انتهض للجهاد فمقصوده ~~التوصل فقط، ويود لو استغنى عن الطعام وبقيت قوته على العلم والعمل. # مثال آخر: الإنسان حيث خلق بنفسه عالما، كبيرا في المعنى صغيرا في الحجم، ~~فبدنه كمدينة، وعقله كملك مدبر لها. وقواه المدركة من الحواس الظاهرة ~~والباطنة كجنوده وأعوانه، وأعضاؤه كرعيته. والنفس الأمارة بالسوء، التي هي ~~الشهوة والغضب، كعدو ينازع في مملكته، ويسعى في إهلاك رعيته. فصار بدنه ~~كرباط وثغر، ونفسه كمقيم فيه مرابط، فإن جاهد عدوه وأسره وقهره على ما يجب، ~~حمد أثره إذا عاد إلى حضرته تعالى، كما قال: # PageV01P238 # (فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله ~~الحسنى) . وإن ضيع ثغره وأهل رعيته، ذم أثره وانتقم منه عند لقاء الله ~~تعالى. وقال اللهيوم القيامة كما ورد في الخبر: " يا راعي السوء أكلت ~~اللحم، وشربت اللبن، ولم ترد الضالة، ولم تجبر الكسير، اليوم أنتقم منك ". ~~وهذا الجهاد ذكره باللسان مفرح، وغذاء للروح، وتحقيقه بالعمل بالحقيقة هو ~~نزع الروح. ولن يعرف ذلك إلا من طالب نفسه بترك شهواته. ولذلك قالت ~~الصحابة: " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ". فسموا مجاهدة ~~الكفار بالسيف الجهاد الأصغر. وكذلك سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~أي الجهاد أفضل يا رسول الله؟ " فقال عليه السلام: " جهادك هواك ". ولذلك ~~قال: " ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد من ملك نفسه عن الغضب ". # مثال آخر: مثل العقل مثل فارس متصيد، وشهوته كفرسه، وغضبه ككلبه، # PageV01P239 # فمتى كان الفارس حاذقا وفرسه مروضا، وكلبه مؤدبا معلما منقادا، صار حريا ~~بالنجح. ومتى كان هو في نفسه أحمق، وكان الفرس جموحا، والكلب عقورا، فلا ~~فرسه ينبعث تحته منقادا، ولا كلبه يسترسل بإشارته مطيعا، فهو خليق بأن ~~يعطب، فضلا عن ms030 أن ينال ما طلب. ### | بيان مراتب النفس في مجاهدة الهوى ### | والفرق بين إشارة الهوى والعقل: # إعلم أن للإنسان في مجاهدة الهوى ثلاثة أحوال: الأولى أن يغلبه الهوى، ~~فيملكه ولا يستطيع له خلافا، وهو حال أكثر الخلق، وهو الذي قال الله تعالى ~~فيه: (أرأيت من اتخذ إلهه هواه) . إذ لا معنى للإله إلا المعبود، والمعبود ~~هو المتبوع إشارته. فمن كان تردده في جميع أطواره خلف أغراضه البدنية ~~وأوطاره، فقد اتخذ إلهه هواه # PageV01P240 # الثانية أن يكون الحر بينهم سجالا، تارة لها اليد وتارة عليها اليد. فهذا ~~الرجل من المجاهدين. فإن اخترمته المنية في هذه الحالة، فهو من الشهداء، ~~لأنه مشغول بامتثال قوله صلى الله عليه وسلم: " جاهدوا أهواءكم، كما ~~تجاهدون أعداءكم "، وهذه الرتبة العليا للخلق، سوى الأنبياء والأولياء. ~~الثالثة أن يغلب هواه فيصير مستوليا عليه لا يقهره بحال من الأحوال. وهذا ~~هو الملك الكبير، والنعيم الحاضر، والحرية التامة، والخلاص عن الرق. ولذلك ~~قال عليه السلام: " ما من أحد إلا وله شيطان، ولي شيطان. وإن الله قد ~~أعانني على شيطاني، حتى ملكته ". وقال في حق عمر: " ما سلك عمر فجا، إلا ~~وسلك الشيطان فجا غيره ". # وهذا الآن مزلة قدم، فكم من إنسان يظن أنه نال هذه الرتبة، وهو في ~~الحقيقة شيطان مريد، فإنه يتبع أغراضه، ولكن يتعلل لأغراضه أنها من الدين، ~~وأن طلبه لها لأجل الدين، حتى رأيت جماعة اشتغلوا بالوعظ والتدريس، والقضاء ~~والخطابة، وأنواع الرياسة، وهم فيه متبعون للهوى. ويزعمون أن باعثهم الدين ~~ومحركهم طلب الثواب، ومنافستهم عليها من جهة الشرع، # PageV01P241 # وهي نهاية الحمق والغرور. وإنما يعرف حقيقة ذلك بأمر، وهو أن الوعظ ~~المقبول، إن كان يعظ الله، لا لطلب القبول وقصده دعوة الخلق إلى الله، ~~فعلامته أنه لو جلس على مكانه واعظ أحسن منه سيرة، وأغزر منه علما، وأطيب ~~منه لهجة، وتضاعف قبول الناس به بالنسبة إلى قبوله، فرح به وشكر الله على ~~إسقاط هذا الفرض عنه بغيره، وبمن هو أقوم به منه. كمن تعين عليه جهاد كافر، ~~وقتله لارتداده، فنزلت ms031 بالكافر صاعقة أحرقته، وكفا مؤنته، والجهاد معه، فرح ~~به وشكر الله تعالى. وهذه الحالة لا يصادفها من نفسه إلا الأولياء، وتكون ~~إحدى آثارها الاحتراز بأقصى الإمكان كل ساعة، وتصريحه بقوله: " اقتلوني ~~فلست بخيركم "، كما نقل عن الصديق رضي الله عنه. فإن قلت فإذا كنا لا نأمن ~~مثل التلبيس والخداع، بتزوير الشيطان والتدلي بحبل الغرور، كما حكي عن ~~هؤلاء، فبم تميز بين إشارة العقل وإشارة الهوى؟ فاعلم أن هذا مطلب عويص، ~~ولا خلاص منه إلا بالعلوم الحقيقية، ولا مغني فيه مثل ما اودعناه " معيار ~~العلم "، # PageV01P242 # إذ به ينكشف التلبيس عن الحق. ولكن القدر الذي ينبغي أن يفزع إليه عند ~~التحير أن يعلم أن العقل في أكثر الأمر يشير بالأصلح للعواقب، وإن كان فيه ~~كلفة ومشقة في الحال، والهوى يشير بالاستراحة وترك التكلف. فمهما عرض لك ~~أمر، ولم تدر أيهما أصوب، فعليك بما تكرهه لا بما تهواه. فأكثر الخلق في ~~الكراهة. قال عليه السلام: " حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات ". ~~وقال تعالى: (فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا) . وقال ~~تعالى: (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم) . ~~فكلما يشير عليك بالدعة والرفاهية، وحظر الكلف وإيثار الراحة في الحال، ~~فاتهم فيه نفسك، فإن حبك الشيء يعمي ويصم. وبالجملة فما يشير إليه العقل ~~بقوته أفزع إلى العبادة والاستخارة فيه حتى ينشرح الصدر ويعضده الاستشارة، ~~إذا استشير فيه أهله. # PageV01P243 # وأكثر ما يلبس به الهوى معاذير مزخرفة. والعقل يرشد بحجج حقيقية. # والعاشق لشخص قبيح، أو المتناول لطعام بشع شغف به لعادته، لو روجع لزخرف ~~فيه معاذير مموهة، يشهد عليه العقل بأنه متصنع متكلف. وبالجملة إدراك هذه ~~الحقيقة لا يكون إلا بنور إلهي، وتأييد سماوي. فليكن الفزع إلى الله في ~~مضان الحيرة. فقد قال بعض العلماء: إذا مال العقل إلى مؤلم في الحال، نافع ~~في العاقبة، ومال الهوى نحو نقيضه الملذ في الحال، الوخيم في العقبى، ~~وتنازعا وتحاكما إلى القوة المدبرة المفكرة، سارع نور الله تعالى إلى ms032 نصرة ~~العقل، وبادر وسواس الشيطان وأولياؤه إلى نصرة الهوى، وقام صف القتال ~~بينهما. فإن كانت القوة المدبرة من حزب الشيطان وأوليائه، ذهلت عن نور ~~الحق، وعميت عن نفع الآجل، واغترت بلذة العاجل، وجنحت إليه، وقهر أولياء ~~الله. وإن كانت من حزب الله وأوليائه، اهتدت بنوره، واستهانت بالعاجلة، ~~وطلبت الآجلة. قال الله تعالى: (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات ~~إلى النور، والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات) ~~. # PageV01P244 # وشبه الله العقل بشجرة طيبة، والهوى بشجرة خبيثة، فقال: (ألم تر كيف ضرب ~~الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء) . فعند قيام ~~الصف والتحام القتال بين هذين الجندين اللذين أحدهما من أعداء الله، والآخر ~~من أوليائه، لا سبيل إلا الفزع إلى الله تعالى، والاستعاذة من الشيطان ~~الرجيم، كما قال تعالى: (وأما ينزغنك من الشيطان نزغ، فاستعذ بالله إنه ~~سميع عليم، إن الذين أتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم ~~مبصرون) . # فإن قلت فهل من فرق بين الهوى والشهوة؟ قلنا لا حجر في العبارات، ولكن ~~نعني الهوى المذموم # PageV01P245 # من جملة الشهوات، دون المحمود. والمحمود من فعل الله تعالى، وهي قوة جعلت ~~في الإنسان لتنبعث بها النفس لنيل ما فيه صلاح بدنه، إما بإبقاء بدنه أو ~~بإبقاء نوعه، وإصلاحها جميعا. والمذموم من فعل النفس الأمارة بالسوء، وهو ~~استحبابها لما فيه لذتها البدنية. وهذه الشهوة إذا غلبت سميت هوى، فإنها ~~ستتبع الفكرة وتستخدمها لتستغرق وقتها في الامتثال لأمرها. والفكرة مترددة ~~بين الشهوة والعقل، يخدمها العقل فوقها، والشهوة تحتها. فمتى مالت الفكرة ~~نحو العقل ارتفعت وشرفت وولدت المحاسن، وإذا مالت إلى الشهوة تسفلت إلى ~~أسفل السافلين، وولدت القبائح. # PageV01P246 ### | بيان إمكانية تغير الخلق # لقد ظن بعض المائلين إلى البطالة أن الخلق كالخلق، فلا يقبل التغيير. ~~والتفت إلى قوله عليه السلام: " فرغ الله من الخلق ". وظن أن المطمع في ~~تغيير الخلق، طمع في تغيير خلق الله عز وجل، وذهل عن قوله عليه السلام: " ~~حسنوا أخلاقكم ". وإن ذلك لو لم يكن ms033 ممكنا، لما أمر به، ولو امتنع ذلك ~~لبطلت الوصايا والمواعظ والترغيب والترهيب، فإن الأفعال نتائج الأخلاق، كما ~~أن الهوي إلى أسفل نتيجة الثقل الطبيعي، فلم يتوجه الملام إلى أحدهما دون ~~الآخر. بل كيف ينكر تهذيب الإنسان مع استيلاء عقله، وتغيير خلق البهائم ~~ممكن، إذ ينتقل الصيد من التوحش إلى التأنس، والكلب من الأكل إلى التأدب، ~~والفرس من الجماح إلى السلاسة، وكل ذلك تغيير خلق؟ والقول الشافي فيه أن ما ~~خلق الله سبحانه قسمان: # PageV01P247 # قسم لا فعل لنا فيه، كالسماء والكواكب، بل أعضاء أبداننا وأجزائها، وما ~~هو حاصل بالفعل، والقسم الثاني ما خلق وجعلت فيه قوة لقبول كمال بعده، إذا ~~وجد شرط التربية. وتربيته قد تتعلق بالاختيار، فإن النواة ليست بتفاح، ولا ~~نخل، ولكنها قابلة بالقوة لأن تصير نخلا بالتربية، وغير قابلة لأن تصير ~~تفاحا، وإنما تصير نخلا إذا تعلق بها اختيار الآدمي في تربيتها. فلذلك لو ~~أردنا أن نقلع بالكلية الغضب والشهوة من أنفسنا، ونحن في هذا العالم عجزنا ~~عنه، ولكن لو أردنا قهرهما، واسلاسهما بالرياضة والمجاهدة قدرنا عليه. وقد ~~أمرنا بهذا، وصار ذلك شرط سعادتنا ونجاتنا. # نعم الجبلات مختلفة، فبعضها سريعة القبول، وبعضها بطيئة القبول. ~~ولاختلافهما سببان: أحدهما باعتبار التقدم في الوجود، فإن قوة الشهوة، وقوة ~~الغضب، وقوة التفكر موجودة في الإنسان، وأصعبها تغييرا وأعصاها على الإنسان ~~قوة الشهوة، فإنها أقدم القوى وجودا وأشدها تشبثا والتصاقا، فإنها توجد معه ~~في # PageV01P248 # أول الأمر، حتى توجد في الحيوان الذي هو جنسه، ثم توجد قوة الحمية والغضب ~~بعده. وأما قوة الفكر، فإنها توجد آخرا. والسبب أنه يتأكد الخلق بكثرة ~~العمل بموجبه والطاعة له، وباعتقاد كونه حسنا مرضيا والناس فيه أربع مراتب: ~~الأولى هو الإنسان الغفل، الذي لا يعرف الحق من الباطل، والجميل من القبيح، ~~فيبقى خاليا عن الاعتقاد، وخاليا أيضا عن تشمير شهواته، باتباع اللذات. ~~فهذا أقبل الأقسام للعلاج، فلا يحتاج إلا إلى تعليم مرشد وإلى باعث في نفسه ~~يحمله على الاتباع، فيحسن خلقه في أقرب وقت. والثانية أن يكون قد عرف ms034 قبح ~~القبيح، ولكنه لم يتعود العمل الصالح بل زين له شر عمله، يتعاطاه انقيادا ~~لشهواته، وإعراضا عن صواب رأيه، فأمره أصعب من الأول، إذ تضاعفت علته. ~~فعليه وظيفتان: إحداهما قلع ما رسخ فيه من كثرة التعود للفساد، والآخر صرف ~~النفس إلى ضده. وعلى الجملة هو في محل قبول الرياضة، إن انتهض لها عن جد ~~كامل # PageV01P249 # والثالثة أن يعتقد الأخلاق القبيحة أنها الواجبة المستحسنة، وأنها حق ~~وجميل، ثم تربى عليها. فهذا يكاد تمتنع معالجته، ولن يرجى صلاحه إلا على ~~الندور، إذ تضاعفت عليه أسباب الضلال. الرابعة أن يكون، مع وقوع نشوئه على ~~الاعتقاد الفاسد، وتربيته على العمل به، ويرى فضله في كثرة الشر، واستهلاك ~~النفوس، ويتباهى به، ويظن أن ذلك يرفع من قدره. وهذا أصعب المراتب وفي مثله ~~قيل: من التعذيب تهذيب الذئب، ليتأدب وغسل المسخ ليبيض، فالأول من هؤلاء ~~يقال له جاهل، والثاني جاهل وضال، والثالث جاهل وضال وفاسق، والرابع جاهل ~~وضال وفاسق وشرير. # PageV01P250 ### | بيان الطريق الجملي في تغير الأخلاق ### | ومعالجة الهوى # اعلم أن المقصود من المجاهدة والرياضة بالأعمال الصالحة تكميل النفس ~~وتزكيتها وتصفيتها لتهدي بأخلاقها. وبين النفس وبين هذه القوى نوع من ~~العلاقة، تضيق العبارة عن تعريفه على وجه يتشكل في خزانة التخيل، لأن هذه ~~العلاقة ليست محسوسة بل معقولة. وليس من غرضنا بيان تلك العلاقة، ولكن كل ~~واحد من النفس والبدن متأثر بسبب صاحبه. فإن النفس إن كملت وكانت زاكية، ~~حسنت أفعال البدن، وكانت جميلة، وكذا البدن، إن جملت آثاره، حدث منها في ~~النفس هيئات حسنة وأخلاق مرضية. فإذن الطريقة إلى تزكية النفس اعتياد ~~الأفعال الصادة من النفوس الزاكية الكاملة، حتى إذا صار ذلك معتادا ~~بالتكرر، مع تقارب الزمان، حدث منها هيئة للنفس راسخة تقتضي تلك الأفعال، ~~وتتقاضاها بحيث يصير ذلك له بالعادة كالطبع، فيخف عليه ما كان يستثله من ~~الخير. فمن أراد مثلا أن يحصل لنفسه خلق الجود، فطريقة # PageV01P251 # أن يتكلف تعاطي فعل الجواد، وهو بذل المال، ولا يزال يواظب عليه حتى ~~يتيسر عليه، فيصير بنفسه جوادا. ms035 وكذا من أراد أن يحصل لنفسه خلق التواضع، ~~وغلب عليه التكبر، فطريقه في المجاهدة أن يواظب على أفعال المتواضعين ~~مواظبة دائمة، على التكرر مع تقارب الأوقات. # والعجب أن الأمر بين النفس والبدن دور، إذ بأفعال البدن تكلفا، يحصل ~~للنفس صفة. فإذا حصلت الصفة فاضت على البدن فاقتضت وقوع الفعل الذي تعوده ~~طبعا، بعد أن كان يتعاطاه تكلفا. والأمر فيه كالأمر في سائر الصناعات. فإن ~~من أراد أن يصير له الحذق في الكتابة صفة نفسية ثابتة فطريقه أن يتعاطى ما ~~يتعاطاه الكاتب الحاذق، وهو حكاية الخط الحسن متكلفا متشبها. ثم لا يزال ~~يواظب على تعاطي الخط الحسن، حتى يصير له ذلك ملكة راسخة، ويصير الحذق فيه ~~صفة نفسانية، فيصدر منه بالآخرة بالطبع ما كان يتكلفه ابتداء بالتصنع. فكأن ~~الخط الحسن هو الذي جعل خطه حسنا، ولكن الأول متكلف والآخر بالطبع، وذلك ~~بواسطة تأثر النفس. وكذلك من أراد أن يصير فقيه النفس، فلا طريق له إلا ~~ممارسة الفقه وحفظه وتكراره. وهو في الابتداء متكلف، حتى # PageV01P252 # ينعطف منه على نفسه وصف الفقه، فيصير فقيه بمعنى أنه حصل للنفس هيئة ~~مستعدة، نحو تخريج الفقه، فيتيسر له ذلك طبعا مهما حاوله. وكذلك الأمر في ~~جميع صفات النفس. # وكما أن طالب رتبة الفقه لا يحرم هذه الرتبة بتعطيل ليلة، ولا ينالها ~~بزيادة ليلة، فكذلك طالب كمال النفس لا ينالها بعبادة يوم، ولا يحرمها ~~بنقصان يوم. ولكن تعطله في يوم واحد، يدعو إلى مثله. ثم يتداعى قليلا ~~قليلا، حتى تأنس النفس بالكسل وتهجر التحصيل فيفوته فضيلة الفقه، فكذا ~~صغائر المعاصي، بعضها يدعو إلى بعض. وكما أن تكرار ليلة لا يحس بأثره في ~~تفقه النفس، فإنه يظهر شيئا فشيئا، مثل نمو البدن وارتفاع القامة، فكذلك ~~الطاعة الواحدة، قد لا يحس أثرها في النفس وكمالها في الحال، ولكن ينبغي أن ~~لا يستهان بها، فإن الجملة مؤثرة، وإنما جمعت من الآحاد، فلكل واحد تأثير. ~~ثم ما من طاعة إلا ولها أثر ما وإن خفيى، وكذلك المعصية. وكم من فقيه مسوف ms036 ~~يستهين بتعطيل يوم وليلة، وهكذا على التوالي، فيفوته كمال العلم. فكذا من ~~يستهين بصغار المعاصي ينتهي به الأمر إلى حرمان السعادة. # PageV01P253 # وكم من فقيه موفق لا يستهين بتعطيل يوم وليلة، فهكذا على التوالي، فيحرز ~~كمال النفس والعلم. فكذا من لا يبستهين بصغار المعاصي ينتهي به الأمرإلى ~~درجات السعادة، إذ القليل يدعو إلى الكثير، ولذلك قال أمير المؤمنين علي بن ~~أبي طالب، رضي الله عنه: " الإيمان يبدو في القلب نكتة بيضاء كلما أزداد ~~الإيمان إزداد ذلك البياض. فإذا استكمل العبد الإيمان ابيض القلب كله. وإن ~~النفاق يبدو في القلب نكتة سوداء، كلما ازداد النفاق ازداد ذلك السواد. ~~فإذا استكمل العبد النفاق، اسود القلب كله ". ### | بيان مجامع الفضائل التي بتحصيلها تنال السعادة # إذا عرف أن السعادة تنال بتزكية النفس وتكميلها، وأن تكميلها باكتساب ~~الفضائل كلها، فلا بد من أن يعرف الفضائل جملة وتفصيلا. فأما الفضائل ~~بجملتها، فتنحصر في معنيين: أحدهما جودة الذهن والتمييز # PageV01P254 # والآخر حسن الخلق. أما جودة الذهن فليميز بين طريق السعادة والشقاوة، ~~فيعمل به، وليعتقد الحق في الأشياء على ما هي عليه، عن براهين قاطعة مفيدة ~~لليقين، لا عن تقليدات ضعيفة، ولا عن تخييلات مقنعة واهية. وأما حسن الخلق، ~~فبأن يزيل جميع العادات السيئة، التي عرف الشرع تفاصيلها، ويجعلها بحيث ~~يبغضها، فيجتنبها كما يجتنب المستقذرات. وأن يتعود العادات الحسنة ويشتاق ~~إليها فيؤثرها، ويتنعم بها كما قال عليه السلام: " جعلت قرة عيني في الصلاة ~~". ومهما كانت العبادات، وترك المحظورات مع استثقال وكراهة، فذلك لنقصان، ~~ولا ينال كمال السعادة به. نعم المواظبة عليه بالمجاهدة غاية الخير، ولكن ~~لا بالإضافة إلى فعله عن طوع ورغبة، وإنما قيل: الحق مرة بالإضافة إلى من ~~لم يتهذب، فبقي فيه صوارف عن الحق. ولذلك قال تعالى: (وإنها لكبيرة إلا على ~~الخاشعين) . ولذلك قال عليه السلام: " إن استطعت أن تعمل في الرضا لله، ~~فأعمل، وإلا ففي الصبر على ما تكره خير كثير ". # PageV01P255 # ثم لا يكفي في نيل السعادة استلذاذ الطاعة، واستكراه المعصية في زمان دون ~~زمان، بل ينبغي ms037 أن يكون ذلك على الدوام في جملة العمر. وكلما كان العمر ~~أطول كانت الفضيلة أرسخ وأكمل. ولذلك لما سئل عليه السلام عن السعادة، قال: ~~" طول العمر في طاعة الله ". ولذلك كره الأنبياء والأولياء الموت، فإن ~~الدنيا مزرعة للآخرة. وكلما كانت العبادات أكثر بطول العمر، كان الثواب ~~أكثر، والنفس أزكى وأطهر، وكمالها أتم، وابتهاج صاحبها بجمالها عند التجرد ~~عن علائق البدن أشد وأوفر. وذلك إذا تنبه عن نومه الذي أغفله عن إدراك حال ~~نفسه، من جمال يبتهج به، أو خزي وخيال يفتضح به، وذلك التنبه بإطراح ~~الشواغل. فالناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا. فهذه مجامع الفضائل، وغايتها أن ~~تصدر منه الفضائل أبدا بغير فكر وروية وتعب، ويطلع على الحق بغير تعب طويل، ~~حتى كأنه يصدر منه، وهو في غفلته كالصانع الحاذق في الخياطة والكتابة. ~~وغاية الرذالة أن ترشح منه الرذائل بغير تكلف ولا فكر ولا روية. # PageV01P256 # واعلم أن هذه الفضائل المحصورة في فن نظري، وفي فن عملي، يحصل كل واحد ~~منها على وجهين: أحدهما بتعلم بشري وتكلف اختياري، يحتاج فيه إلى زمان ~~وتدرب وممارسة، وتقوي الفضيلة في شيئا فشيئا خفي التدريج، كتدريج الشخص في ~~النمو، وإن كان في الناس من يكفيه أدنى ممارسة، وذلك بحسب الذكاء والبلادة. ~~والثاني يحصل بجود إلهي، نحو أن يولد الإنسان، فيصير بغير معلم عالما، ~~كعيسى بن مريم ويحيى بن زكريا، وكذا سائر الأنبياء الذين حصل لهم من ~~الاحاطة بحقائق الأمور، ما لم يحصل لطلاب العلم بالتعلم. وقيل: إن ذلك قد ~~يحصل أيضا لغير الأنبياء، وهم الذين يعبر عنهم بالأولياء. وهذا الآن رزق لا ~~يمكن اكتسابه بالجهد، فمن حرم ذلك، فليجتهد أن يكون من الفريق الثاني، ~~وليعلم نزول رتبته عن رتبة أولئك، " فليس التكحل في العينين كالكحل ". ولا ~~ينبغي أن تستبعد أن يكون بالطبع في مبدأ الفطرة من العلوم ما يحصل بالجهد ~~والاكتساب، كما يكون ذلك في الأخلاق. فرب صبي صادق اللهجة سخي جريء، # PageV01P257 # وربما تخلق بخلافه، وذلك يحصل بالتأديب والتربية. # فإذا الفضيلة تارة تحصل بالطبع وطورا بالاعتياد، ms038 ومرة بالتعلم. فمن ~~تضافرت في حقه الجهات الثلاث، حتى صار ذا فضيلة طبعا واعتيادا وتعلما فهو ~~في غاية الفضيلة. ومن كان رذلا من هذه الجهات الثلاث فهو في غاية الرذالة، ~~وبينهما رتبة من اختلفت فيه هذه الجهات. ### | بيان تفصيل الطريق إلى تهذيب الأخلاق # ينبغي أن تعلم أن علاج النفس بمحو الرذائل عنها وبكسب الفضائل، مثاله ~~علاج الأبدان بمحو العلل عنها، وبكسب الصحة لها. وكما أن الغالب على أصل ~~المزاج الاعتدال، وإنما تعتري العلة المغيرة للاعتدال بعوارض الأغذية ~~وغيرها، فكذا كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه. # PageV01P258 # والمقصود أنه بالتعليم والاعتياد يكتسب الرذائل. وكما أن البدن في ~~الابتداء لا يخلق كاملا، وإنما يكمل بالنشوء والتربية بالغذاء، فكذلك النفس ~~تخلق ناقصة، وإنما تكتمل بالتزكية وتهذيب الأخلاق والتغذية بالعلم. وكما أن ~~البدن، إن كان صحيحا فشأن الطبيب تمهيد القانون الحافظ للصحة، فإن كان ~~مريضا فشأنه جلب الصحة إليه، فكذا النفس منك إن كانت زاكية، طاهرة، مهذبة ~~الأخلاق، فينبغي أن تسعى لحفظ صحتها وجلب مزيد قوة وصفاء إليها. وكما أن ~~العلة المغيرة للاعتدال، الموجبة للمرض، لا تعالج إلا بضدها، إن كانت من ~~حرارة فبالبرودة وبالعكس، فكذا الرذيلة الموجبة لنقصان النفس، علاجها ~~بضدها، كما سبق من علاج الجهل بالتعلم، والبخل بالتسخي تكلفا، والكبر ~~بالتواضع تكلفا، والشره بالكف عن المشتهى تكلفا. وكما أن كل مبرد لا يكفي ~~لعلة أوجبتها الحرارة، إلا إذا كان على حد مخصوص، ويختلف ذلك بالشدة ~~والضعف، # PageV01P259 # والدوام وعدمه، وبالكثرة والقلة، ولا بد له من عيار يغرف به مقدار النافع ~~منه، فإن لم يحفظ عياره زاد الفساد، فكذلك النقيض، الذي يعالج به الأخلاق ~~لا بد له من عيار. وكما أن عيار الدواء مأخوذ من عيار العلة، حتى أن الطبيب ~~لا يعالج ما لم يعرف أن العلة من حرارة أو برودة، وإن كانت الحرارة، فما ~~درجتها، أهي ضعيفة أو قوية، فإذا عرف التفت معه إلى أحوال البدن، وأحوال ~~الزمان والصناعة التي المريض بصددها وعالج بحسبها، فكذلك الشيخ المتبوع، ~~الذي يطلب نفوس المريدين ms039 والمسترشدين، ينبغي أن لا يهجم عليهم بالرياضة ~~والتكاليف في فن مخصوص، ما لم يعرف أخلاقهم. فإذا عرف ما هو الغالب على ~~المريد من الخلق السيء، وعرف مقداره، ولاحظ حاله وسنه، وما يحتمله من ~~المعالجة، عين له الطريق. ولذلك ترى الشيخ يشير على بعض المريدين أن يخرج ~~إلى السوق للكدية وذلك أن توسم فيه نوع رياسة وتكبر، فيعالجه بما يراه ذلا، ~~وهو نقيض خلقه، حتى ينكسر به تكبره، ويشير على بعضهم بتعهد بيت الماء، ~~واعداد نبل # PageV01P260 # الاستنجاء، وذلك إذا رأى نفسه مائلة إلى الرعونة في النظافة المجاوزة حد ~~الاعتدال. وقد يشير عليه بالصوم، ويأمره بالوصال، إلا بمقدار يخرج به عن ~~موجب النهي، وذلك إذا رآه شابا قوي الشهوة، مولعا بشهوة البطن والفرج، إلى ~~غير ذلك من طرق التهذيب. # وعن بعضهم: أنه كان يعالج قوة الغضب، ويتكلف صفة الحلم، فكان يعطي ~~السفهاء الأجرة، ليجبهوه بالشتم في المحافل، فيتعود احتماله، فصار بحيث ~~يضرب به المثل في الحلم. وكان آخر يدرج نفسه في الشجاعة، فيركب البحر في ~~الشتاء، وآخر كان يهيئ المآكل الطيبة ويطعمها غيره بحضرته، وهو يقتصر على ~~خبز الشعير لكسر الشره، وعباد الهند يعالجون الكسل عن العبادة بقيام طول ~~ليلة على رجل واحدة لا ينتقل عنها. وآخر عالج حب المال بأن باع كل ماله ~~ورمى بثمنه في البحر. # فهذا طريق جملي في تهذيب الأخلاق، والكلام في تفصيله يطول، والغرض أن ~~تنظر، أيها المتشوق إلى تزكية نفسك في أخلاقك. # PageV01P261 # فإن كانت مهذبة فاحفظها، وإن كانت مائلة فقومها بالرد إلى حد الاعتدال، ~~على ما سيأتي تفصيله، فإن المقصود من جلب الاعتدال سلب الطرفين، إذ الغرض ~~تطهير النفس عن الصفات التي تلحقها بعوارض البدن، حتى لا تلتفت إليها بعد ~~المفارقة، عاشقة ومتأسفة على قوتها، وممنوعة بالاشتغال والتألم بها عن ~~السعادات اللائقة بجوهرها. ومهما أردنا أن لا يكون الماء حارا ولا باردا، ~~طلبنا فيه الاعتدال وكان الفاتر لا حارا ولا باردا، فكذلك هذه الصفات. فإن ~~قلت: فبماذا اعلم أن الحاصل لي هو الخلق الجميل، وهو الوسط ms040 المعتدل بين ~~طرفي الافراط والتفريط؟ فطريقك أن تنظر في الأفعال، التي يوجبها ذلك الخلق ~~الذي فيه مجاهدتك، فإذا التذذت بفعله، فاعلم أن الخلق الموجب له راسخ في ~~نفسك، فإن كان ذلك الفعل قبيحا فاعلم أن الخلق قبيح، مثل أن تلتذ بامساك ~~المال وجمعه. فموجبه خلق البخل، فعود نفسك نقيضه، والأخلاق الحسنة والسيئة ~~قد فصلها الشرع ويجمعها ما صنف في آداب النبي عليه السلام، وهي مشهورة ~~وسنشير إلى جملها. # ونعني بالاعتدال أنك لو كنت تلتذ بالاسراف في تفريق # PageV01P262 # المال، فتعلم أن هذا أيضا مذموم وهو الذي يعبر عنه بالتبذير. والمحمود ~~المعتدل هو السخاء الواقع بين التحرق والتبذير، وهو أن يتيسر عليك بذل ما ~~يقتضي الشرع والعقل إمساكه، عن طوع ورغبة، وكذا في سائر الصفات، والواحد ~~منها كاف في المثال، وإذا عرفت أن معيار الأعمال مأخوذ من مقدار الصفات ~~والأخلاق، لم يخف عليك أن الطريق في هذا تختلف باختلاف الأشخاص، وتختلف في ~~حق شخص واحد باختلاف الأحوال. فمن رزق البصيرة، تتبع العلة وعالجها ~~بطريقها. ولما كان أكثر الناس يعجزون عنه، وعسر على الشرع تفصيل يفي بجميع ~~الأشخاص، في جميع الأعصار، اقتصر الشرع في التفصيل على القوانين المشتركة، ~~التي تعم جدواها من الطاعات وترك المعاصي المحذورة، ثم رغب عن المباحاة ~~التي تقصد للتلذذ بأمور جميلة كقوله: " حب الدنيا رأس كل خطيئة "، وأمثاله. ~~ثم عرف أهل البصيرة منه غاية المطلوب وطريقه، # PageV01P263 # وغاية المحذور وطريقه، ووقفوا به على التفصيل، وأرشدوا إليه من وفق ~~لاتباعهم، فكانوا نوابا عن الأنبياء في تفصيل ما أجملوه وشرح ما مهدوه. ~~ولذلك قال عليه السلام: " العلماء ورثة الأنبياء ". ### | بيان أمهات الفضائل # الفضائل، وإن كانت كثيرة فتجمعها أربعة تشمل شعبها وأنواعها، وهي الحكمة، ~~والشجاعة، والعفة، والعدالة. فالحكمة فضيلة القوة العقلية، والشجاعة فضيلة ~~القوة الغضبية، والعفة فضيلة القوة الشهوانية، والعدالة عبارة عن وقوع هذه ~~القوى على الترتيب الواجب فيها تتم جميع الأمور، ولذلك قيل: بالعدل قامت ~~السموات والأرض. # فلنشرح آحاد هذه الأمهات، ثم لنشرح بيانها وما ينطوي من الأنواع تحتها. ~~فأما الحكمة فنعني ms041 بها مع عظم الله تعالى في قوله: (ومن يؤت الحكمة فقد ~~أوتي خيرا كثيرا) . # PageV01P264 # وما أراده رسول الله حيث قال: " الحكمة ضالة المؤمن ". وهي منسوبة إلى ~~القوة العقلية، وقد عرفت فيما سبق، أن للنفس قوتين: إحداهما تلي جهة فوق، ~~وهي التي بها تتلقى حقائق العلوم الكلية الضرورية والنظرية من الملأ ~~الأعلى، وهي العلوم اليقينية الصادقة أزلا وأبدا، لا تختلف باختلاف الأعصار ~~والأمم، كالعلم بالله تعالى وصفاته وملائكته وكتبه ورسله، وأضاف خلقه في ~~العالم. بل من جملة العلم أن النفي والاثبات لا يصدقان على شيء واحد في حال ~~واحدة، وكذلك العلوم الحقيقية. فهذه العلوم هي الحكمة الحقيقية. والقوة ~~الثانية هي التي تلي جهة تحت، أعني جهة البدن وتدبيره وسياسته، وبها تدرك ~~النفس الخيرات في الأعمال وتسمى العقل العملي، وبها يسوس قوى نفسه ويسوس ~~أهل بلده ومنزله، واسم الحكمة لها من وجه كالمجاز لأن معلوماتها كالزيبق ~~تتقلب ولا تثبت، فمن معلوماتها أن بذل المال فضيلة، وقد يصير رذيلة في بعض ~~الأوقات، وفي حق بعض الأشخاص. فلذلك كان اسم الحكمة بالأول أحق، وهذا ~~الثاني كالكمال والتتمة للأول، وهذه هي الحكمة الخلقية، # PageV01P265 # والأولى هي الحكمة العلمية النظرية، ونعني بالحكمة الخلقية حالة وفضيلة ~~للنفس العاقلة، بها تسوس القوة الغضبية والشهوانية، وتقدر حركاتها بالقدر ~~الواجب في الانقباض والانبساط، وهي العلم بصواب الأفعال. وهذه الفضيلة ~~تكتنفها رذيلتان، وهما الخب والبله، فهما طرفا إفراطها وتفريطها، أما الحب ~~فهو طرف إفراطها، وهو حالة يكون بها الإنسان ذا مكر وحيلة، بإطلاق الغضبية ~~والشهوانية يتحركان إلى المطلوب حركة زائدة على الواجب. وأما البله، فهو ~~طرف تفريطها ونقصانها عن الاعتدال. وهي حالة للنفس، تقصر بالغضبية ~~والشهوانية عن القدر الواجب، ومنشأه بطؤ الفهم، وقلة الاحاطة بصوب الأفعال. # وأما الشجاعة فهي فضيلة للقوة الغضبية، لكونها قوية، ومع قوة الحمية، ~~منقادة للعقل المتأدب بالشرع، في إقدامها وإحجامها، وهي وسط بين رذيلتيها ~~المطيفتين بها، وهما التهور والجبن. فالتهور لطرف الزيادة عن الاعتدال، وهي ~~الحالة التي بها يقدم الإنسان على الأمور المحظورة، التي يجب في العقل ~~الاحجام ms042 عنها، وأما الجبن فلطرف النقصان، وهي حالة بها تنقص حركة # PageV01P266 # الغضبية عن القدر الواجب، فتصرف عن الإقدام حيث يجب الإقدام. ومهما حصلت ~~هذه الأخلاق، صدرت منها هذه الأفعال، أي يصدر من خلق الشجاعة الإقدام حيث ~~يجب وكما يجب، وهو الخلق الحسن المحمود، وإياه أريد بقوله تعالى: (أشداء ~~على الكفار رحماء بينهم) ، فلا الشدة في كل مقام محمودة، ولا الرحمة، بل ~~المحمود ما يوافق معيار العقل والشرع. فمن حصل له ذلك، فليحفظه بالمواظبة ~~على أفعاله. ومن لم يحصل له، فلينظر، فإن كان طبعه مائلا إلى النقصان الذي ~~هو الجبن، فليتعاط أفعال الشجعان، متكلفا مواظبا عليه، حتى يصير له ~~الاعتياد طبعا وخلقا، فيفيظ منه أفعال الشجعان بعد ذلك طبعا، وإن كان مائلا ~~إلى طرف الزيادة، وهو التهور، فليشعر نفسه بعواقب الأمور، وليعظم أخطارها، ~~وليتكلف الإحجام إلى الاعتدال، أو ما يقرب منه. فإن الوقوف على حد الاعتدال ~~شديد، ولو تصور ذلك، لارتحلت النفس عن البدن، وليس معها علاقة منه، فكانت ~~لا تتعذب أصلا بالتأسف على ما يفوتها منه، # PageV01P267 # وكان لا يتكدر عليها ابتهاجها بما يتجلى لها من جمال الحق وجلاله. ولكن ~~لما عسر ذلك قيل: (وإن منكم إلا واردها) . وقد رأى بعض المشايخ رسول الله ~~في المنام فقال: ما الذي أردت بقولك " شيبتني سورة هود "، فقال: قوله ~~(استقم كما أمرت) ، يعني الاستمرار على الصراط المستقيم. وطلب الوسط بين ~~هذه الأطراف شديد، وهو أدق من الشعر وأحد من السيف، كما وصف من حال الصراط ~~في الدار الآخرة، ومن استقام على الصراط في الدار الدنيا، استقام على ~~الصراط في الآخرة مستقيما، إذ يموت المرء على ما عاش عليه، ويحشر على ما ~~مات عليه. ولذلك وجب في كل ركعة من الصلاة قراءة الفاتحة المشتملة على ~~قوله: (إهدنا الصراط المستقيم) ، فإنه أعقد الأمور وأعصاها على الطالب. ولو ~~كلف ذلك في خلق واحد لطال العناء فيه. وقد كلفنا ذلك في جميع الأخلاق، مع ~~خروجها عن # PageV01P268 # الحصر، كما سيأتي. ولا مخلص عن هذه المحظورات إلا بتوفيق الله ورحمته ~~ولذلك ms043 قال عليه السلام: " الناس كلهم موتى إلا العالمون! والعالمون كلهم ~~موتى إلا العاملون، والعاملون كلهم موتى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر ~~عظيم "، فنسأل الله تعالى أن يمدنا بتوفيقه لنجاوز الأخطار في هذه الدار، ~~ولا ننخدع بدواعي الاغترار. # وأما العفة، فهي فضيلة القوة الشهوانية، وهي انقيادها على تيسر وسهولة ~~للقوة العقلية، حتى يكون انقباضها وانبساطها بحسب إشارتها، ويكتنفها ~~رذيلتان: الشره والخمود، فالشره هو إفراط الشهوة، إلى المبالغة في اللذات ~~التي تستقبحها القوة العقلية وتنهي عنها، والخمود هو خمود الشهوة عن ~~الانبعاث إلى ما يقتضي العقل نيله وتحصيله، وهما مذمومان، كما أن العفة ~~التي هي الوسط محمودة، وعلى الإنسان أن يراقب شهوته، والغالب عليها الإفراط ~~لا سيما إلى منقضى الفرج والبطن، وإلى المال والرياسة وحب الثناء، والإفراط ~~والتفريط في كل ذلك نقصان، # PageV01P269 # وإنما الكمال في الاعتدال، ومعيار الاعتدال العقل والشرع، وذلك أن يعلم ~~الغاية المطلوبة من خلق الشهوة والغضب، مثلا بأن يعلم أن شهوة الطعام، إنما ~~خلقت لتبعث على تناول الغذاء الذي يسد خلل ما ينحل من أجزائه بالحرارة ~~الغريزية، حتى يبقى البدن حيا والحواس سليمة، ليتوصل بالبدن إلى نيل ~~العلوم، ودرك حقائق الأمور، ويتشبه بالطبقة العليا بالإضافة إليه، وهي رتبة ~~الملائكة، وبها كمالها وسعادتها. ومن عرف هذا كان قصده من الطعام التقوى ~~على العبادة، دون التلذذ به، فيقتصر ويقتصد لا محالة، ولا يشتد إليه شرهه، ~~ويعلم أن شهوة الجماع خلقت فيه لتكون باعثة على الجماع الذي هو سبب بقاء ~~النوع محفوظا ليطلب النكاح للولد والتحصن، لا للعب والتمتع، وإن تمتع ولعب ~~كان باعثه عليه الآلف والاستمالة الباعثة على حسن الصحبة ودوام النكاح، ~~ويقتصر من الأنكحة على القدر الذي لا يعجزه عن القيام بحقوقه. ومن عرف ذلك ~~سهل عليه الاقتصار، وعند ذلك لا يقيس نفسه بصاحب الشرع عليه السلام، إذ كان ~~لا يشغله كثرة الأنكحة عن ذكر الله تعالى، ولا يلزمه طلب الدنيا لأجل ~~الأزواج. ومن ظن أن ما لا يضر صاحب الشرع لا يضره، كان كمن ظن أن ما لا ~~يغير ms044 البحر الخضم من النجاسات، لا يغير كوزا مغترفا من البحر، وأن ما لا ~~يضر الشخص القوي البنية # PageV01P270 # السي من الأطعمة اللذيذة، لا يضر الصبي الرضيع السخيف البنية. وكم من ~~أحمق يتكايس، فيقيس نفسه بصاحب الشرع، مقايسة الملائكة بالحدادين، فيهلك من ~~حيث لا يدري. نعوذ بالله من عمش البصيرة، فإنه يكاد يكون أردى من العمى، إذ ~~الأعمى يعتقد عجزه فيقلد فيهديه غيره، والأعمش ينفتح من بصيرته بقدر ما ~~يستنكف به من الاتباع ثم لا يكمل نوره بحيث يستكمل مستمرا في سواء السبيل، ~~ومن هذه حاله لا يبالي الله في أي واد هلك. # ولقد رأيت جماعة من الحمقى العوام يتكايسون في التصوف بآرائهم ويزعمون أن ~~هذه الشهوات لم خلقت إن كان اتباعها مذموما ومهلكا، ولم يعلموا أن تحت خلق ~~الشهوتين، أعني شهوة الفرج والبطن، حكمتين عظيمتين: إحداهما إبقاء الشخص ~~بالغذاء والنوع بالحرث، فإنهما ضروريتان في الوجود بحكم إجراء الله سنته ~~بمشيئة الله الأزلية التي لا يجد لها تبديلا ولا تحويلا، والثانية ترغيب ~~الخلق في السعادات الآخروية، فإنهم ما لم يحسوا بهذه اللذات والآلام لم ~~يرغبوا في الجنة ولم يحذروا النار، ولو وعدوا بما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ~~ولا خطر # PageV01P271 # على قلب بشر، لما أثر ذلك بمجرده في نفوسهم، هذا حد العفة. # وأما العدل فهو حالة للقوى الثلاث في انتظامها على التناسب، بحسب الترتيب ~~الواجب في الاستعلاء والانقياد، فليس هو جزءا من الفضائل، بل هو عبارة عن ~~جملة من الفضائل، فإنه مهما كان بين الملك وجنده ورعيته ترتيب محمود، بكون ~~الملك بصيرا قاهرا، وكون الجند ذوي قوة وطاعة، وكون الرعية ضعفاء سلسي ~~الانقياد، قيل: إن العدل قائم في البلد. ولن ينتظم العدل بأن يكون بعضهم ~~بهذه الصفات دون كلهم، وكذلك العدل في مملكة البدن بين هذه الصفات. والعدل ~~في أخلاق النفس يتبعه لا محالة العدل في المعاملة والسياسة، ويكون كالمتفرع ~~منه. ومعنى العدل الترتيب المستحب، إما في الأخلاق، وإما في حقوق ~~المعاملات، وإما في أجزاء ما به قوام البلد. والعدل في ms045 المعاملة وسط بين ~~رزيلتي الغبن أن # PageV01P272 # يأخذ ما ليس له، والتغابن أن يعطي في المعاملة ما ليس عليه حمد وأجر. ~~والعد في السياسة أن ترتب أجزاء المدينة الترتيب المشاكل لترتيب أجزاء ~~النفس، حتى يكون المدينة في ائتلافها وتناسب أجزائها، وتعاون أركانها على ~~الغرض المطلوب من الاجتماع، كالشخص الواحد، فيوضع كل شيء موضعه، وينقسم ~~سكانه إلى مخدوم لا يخدم وإلى خادم ليس بمخدوم، وغلى طبقة يخدمون من وجه، ~~ويخدمون من وجه آخر، كما ذكرناه في قوى النفس. ولا يكتنف العدل رذيلتان، بل ~~رذيلة الجور المقابلة له، إذ ليس بين الترتيب وعدم الترتيب وسط، وبمثل هذا ~~الترتيب والعدل قامت السموات والأرض حتى صار العالم كله كالشخص الواحد، ~~متعاون القوى والأجزاء، وإذ قد ذكرنا جملة هذه الأمهات فلنذكر تفصيل ما ~~يندرج تحت كل فضيلة ورذيلة من أنواع الفضائل والرذائل، مبتدئين فيه بالقوة ~~العقلية، ثم الغضبية، ثم الشهوانية، ليكون ذلك أشفى في البيان. # PageV01P273 ### | بيان ما يندرج تحت فضيلة الحكمة ### | ورذيلتيها من الخب والبله: # أما الحكمة فيندرج تحت فضيلتها حسن التدبير وجودة الذهن وثقابة الرأي ~~وصواب الظن. أما حسن التدبير فهو جودة الروية في استنباط ما هو الأصلح ~~والأفضل في تحصيل الخيرات العظيمة والغايات الشريفة مما يتعلق بك أو تشير ~~به على غيرك في تدبير منزل أو مدينة أو مقاومة عدو ودفع شر، وبالجملة في كل ~~أمر متفاقم خطير، فإن كان الأمر هينا حقيرا سمي كيسا ولم يسمى تدبيرا. وأما ~~جودة الذهن فهو القدرة على صواب الحكم عند اشتباه الآراء وثوران النزاع ~~فيها. وأما نقابة الرأي فهو سرعة الوقوف على الأسباب الموصلة في الأمول إلى ~~العواقب المحمودة، وأما صواب الظن فهو موافقة الحق لما تقتضيه المشاهدات من ~~غير استعانة بتأمل الأدلة. # PageV01P274 # وأما رذيلة الخب فيندرج تحتها الدهاء والجربزة، فالدهاء هو جودة استنباط ~~ما هو أبلغ في إتمام ما يظن صاحبه أنه خير، وليس بخير في الحقيقة، ولكن فيه ~~ربح خطير، فإن كان الربح خسيسا سمي جربزة، فالفرق بين الدهاء والجربزة، ~~يرجع إلى الحقارة والشرف. وأما ms046 رذيلة البله، فتندرج تحتها الغمارة والحمق ~~والجنون. فأما الغمارة فهي قلة التجربة بالجملة في الأمور العملية، مع ~~سلامة التخيل. وقد يكون الإنسان غمرا في شيء، بحسب التجربة، والغمر بالجملة ~~هو الذي لم تحنكه التجارب. وأما الحمق فهو فساد أول الرؤية فيما يؤدي إلى ~~الغاية المطلوبة، حتى ينهج غير السبيل الموصل، فإن كان خلقه، سمي حمقا ~~طبيعيا ولا يقبل العلاج. وقد يحدث عند مرض، فيزول بزوال المرض. # PageV01P275 # وأما الجنون فهو فساد التخيل في انتقاء ما ينبغي أن يؤثر، حتى يتجه إلى ~~إيثار غير المؤثر، فالفاسد من الجنون غرضه، ومن الأحمق سلوكه، إذ غرض ~~الأحمق كغرض العاقل، ولذلك لا يعرف في أول الأمر إلا بالسلوك إلى تحصيل ~~الغرض، والجنون هو فساد الغرض، ولذلك يعرف في أول الأمر. ### | بيان ما يندرج تحت فضيلة الشجاعة # وهو الكرم، والنجدة، وكبر النفس، والاحتمال، والحلم، والثبات والنبل، ~~والشهامة، والوقار. # PageV01P276 # أما الكرم فهو وسط بين البذخ والنذالة، وهو طيب النفس بالاتفاق في الأمور ~~الجليلة القدر، العظيمة النفع وقد يسمى حرية. وأما النجدة، فهو وسط بين ~~الجسارة والانخذال، وهو ثقة النفس عند استرسالها إلى الموت، مهما وجب ذلك ~~من غير خوف. وأما كبر النفس فهو وسط بين التكبر وصغر النفس، وهو فضيلة يقدر ~~بها الإنسان أن يؤهل نفسه للأمور الجليلة، مع استحقاره لها وقلة مبالاته ~~بها، ابتهاجا منه بقدر نفسه وجلالتها. وأثره أن يقل شروره بالإكرام الكبير ~~من العلماء، ولا يسر بإكرام الأوغال، ولا بالأمور الصغار، ولا بما يجري ~~مجرى البخت والاتفاق من السعادات. وأما الاحتمال فهو وسط بين الجسارة ~~والهلع، وهو حبس النفس عن مسايرة المؤذيات. وأما الحلم فهو وسط بين ~~الاستشاطة والانفراك، وهي حالة تكسب النفس الوقار. وأما الثبات فهو شدة ~~النفس، وبعدها من الخور. وأما الشهامة، فهو الحرص على الأعمال توقعا ~~للجمال. وأما النبل فهو سرور النفس بالأفعال العظام. وأما الوقار فهو وسط ~~بين الكبر والتواضع، وهو أن يضع # PageV01P277 # نفسه موضع استحقاقها لمعرفته بقدرها. # وأما رذيلتا الشجاعة، وهما التهور والجبن، فيندرج تحتهما البذخ، ~~والنذالة، والجسارة، والنكول، ms047 والتبجح، وصغر النفس، والهلع، والاستشاطة، ~~والانفراك، والتكبر، والتخاسس، والتعجب، والمهانة، فما يميل منها إلى جانب ~~الزيادة، فهو تحت التهور. وما يميل إلى جانب النقصان، فهو تحت الجبن. فأما ~~البذخ فهو الانفاق فيما لا يجب من الزينة، وغيرها طلبا للصلب. وأما النذالة ~~فهي الدنائة وترك الانفاق فيما يجب، والافتخار بالأشياء الصغار. وأما ~~الجسارة، فالاستهانة بالموت، حيث لا تجب الاستهانة، # PageV01P278 # وأما النكول، فهو الانقباض فيما لا يجب عنه الانقباض، خوفا من الهلاك، ~~وأما التبجح فهو تأهيل النفس للأمور الكبار، من غير استحقاق. وأما صغر ~~النفس، فهو تأهيل النفس لما دون الاستحقاق. وأما الجسارة، فهو قلة التأثر ~~بأسباب الهلاك، من غير أثر جميل تقتضيه، وأما الهلع، فهو سوء احتمال الآلام ~~والمؤذيات، وأما الاستشاطة فهو سرعة الغضب وحدته، وأما الانفراك، فهو بطؤ ~~الغضب وبلادته، وأما التكبر فهو رفع النفس فوق قدرها، وأما التخاسس، فحط ~~النفس في الكرامة والتوقير إلى ما دون قدرها، فإن كان على الوجه الواجب سمي ~~تواضعا محمودا، والمولد للكبر هو العجب، وذلك جهل الإنسان بمقدار نفسه، ~~وظنه أنها على رتبة عالية من غير أن تكون كذلك. وذم الناس للتكبر والبخل ~~أشد من ذمهم للتخاسس والتبذير، فإنهما في غاية القبح، وهذان وإن كانا ~~مذمومين، فهما شبيهان بالسخاء والتواضع، وربما يدق الفرق بينهما، فيظن ~~أنهما محمودان، وهما رذيلتان بالحقيقة، ومائلتان عن الوسط. ولذلك قال عليه ~~السلام: " طوبى لمن تواضع من غير منقصة، وذل في نفسه من غير مسكنة ". # PageV01P279 ### | بيان ما يندرج تحت فضيلة العفة ورذيلتها # أما فضائل العفة فهي الحياء، والخجل، والمسامحة، والصبر، والسخاء، وحسن ~~التقدير، والانبساط، والدماثة، والانتظام، وحسن الهيئة، والقناعة، والهدوء، ~~والورع، والطلاقة، والمساعدة، والتسخط، # PageV01P280 # والظرف. أما الحياء فهو وسطبينقاحة والخنوثة، وقيل في حده أنه ألم يعرض ~~للنفس عند الفزع من النقيصة. وقيل: إنه خوف الإنسان من تقصير، يقع فيه عند ~~من هو أفضل منه، وقيل أنه رقة الوجه عند إتيان القبائح، وتحفظ النفس عن ~~مذمومة يتوجه عليها الحق فيها. وبالجملة، فإنه يستعمل في الانقباض عن القبح ~~ويستعمل في الانقباض عما ms048 يظنه المستحي قبحا. وهذا الأخير يليق بالصبيان ~~والنساء وهو مذموم من العقلاء. # والأول جميل من كل أحد والمراد بقوله: " إن الله يستحي من ذي شيبة في ~~الإسلام أن يعذبه "، أنه يترك تعذيبه. وأما الخجل، فهو فترة النفس لفرط ~~الحياء، وإنما يحمد في الصبيان والنساء، دون الرجال. وإنما يستحي الإنسان ~~ممن يكبر في نفسه. فأما من يستحي من الناس، فنفسه أخس عنده من غيره، ومن لا ~~يستحي من الله فلعدم معرفته لجلاله، ولذلك قال عليه السلام: " استحيوا من ~~الله حق الحياء ". ولذلك قال تعالى: # PageV01P281 # (ألم يعلم بأن الله يرى) ، فإنه مهما أحس في نفسه أن الله يراه، فيستحي ~~لا محالة إن كان متدينا معظما، كما قال عليه السلام: " لا إيمان لمن لا ~~حياء له " لأن الحياء للإنسان، هو أول إمارات العقل، والإيمان آخر مراتب ~~العقل، وكيف ينال المرتبة الأخيرة من لم يجاوز الأولى؟. # وأما المسامحة، فهو التجافي عن بعض الاستحقاق باختيار وطيب نفس، وهو وسط ~~بين المنافسة والإهمال. وأما الصبر، فهو مقاومة النفس للهوى، واحتماؤها عن ~~اللذات القبيحة. وأما السخاء فهو وسط بين التبذير والتقتير، وهو سهولة ~~الانفاق وتجنب اكتساب الشيء من غير وجهه. وأما حسن التقدير، فهو الاعتدال ~~في النفقات احترازا عن طرفي التقتير والتبذير. وأما الدماثة، فهو حسن هيئة ~~النفس الشهوانية في الاشتياق إلى المشتهيات. وأما الانتظام، فهو حال للنفس ~~يدعوها إلى نظر ما يقدره من النفقات حتى يناسب بعضها بعضا. وأما حسن الهيئة ~~فمحبة الزينة الواجبة التي لا رعونة فيها. وأما القناعة، فحسن تدبير ~~المعاش، من غير خب. وأما الهدوء، فسكون النفس فيما تناله من اللذات ~~الجميلة. وأما الورع، فوسط بين الرياء والهتكة، وهو تزيين النفس # PageV01P282 # بالأعمال الصالحة الفاضلة طلبا لكمال النفس، وتقربا إلى الله دون الرياء ~~والسمعة. وأما الطلاقة فهو المزاج بالأدب من غير فحش وافتراء، وهو وسط بين ~~الإفراط والتفريط في الجد والهزل، وأما الظرف، فهو وسط بين التقطيب الذي هو ~~الإفراط في التحاشي وبين الهزل، وهو أن يعرف الإنسان طبقات الجلساء، ويحفظ ~~أوقات الأنس ويعطي ms049 كلا ما هو أهله من المباسطة في الوقت معه. # ولما كان الإنسان مفتقرا إلى استراحة ضرورية ترويحا للقلب، لم يكن بد من ~~نوع من العشرة. والدعابة مستطابة غير مترقية إلى الهزل، لكن بمقدار ما ~~يفارق به الإنسان حد التوحش وسيرة الجفاء غير مجاوز إلى دأب المساخر في ~~المضحكات. وقد نقل من دعابة رسول الله وأصحابه ما ينبه على جنسه، ولسنا ~~نطول به، وأما المساعدة، فهو وسط بين الشكاسة والملق، وهو ترك الخلاف، ~~والإنكار على المعاشرين في الأمور الاعتيادية إيثارا للتلذذ بالمخاطبة. ~~وأما التسخط، فهو وسط بين الحسد والشماتة، وهو الاغتمام بالخيرات الواصلة ~~إلى من لم يستحقها، والشرور التي تلحق من لا يستحقها. # وأما الرذائل المندرجة تحت رذيلتي العفة، فهي الشره، # PageV01P283 # وكلال الشهوة، والوقاحة، والتخنث، والتبذير، والتقتير، والرياء، والهتكة، ~~والكزازة، والمجانة، والعبث، والتحاشي، والشكاسة، والملق، والحسد، ~~والشماتة. فأما الوقاحة، فلجاج النفس في تعاطي القبيح، من غير احتزاز من ~~الذم. وأما التخنث، فحال يعتري النفس من إفراط الحياء، يقبض النفس عن ~~الانبساط قولا وفعلا. وأما التبذير فإفناء المال، فيما لا يجب وفي الوقت ~~الذي لا يجب فيه، وأكثر مما يجب. وأما التقتير، فهو الامتناع من إنفاق ما ~~يجب، وسببه البخل والشح واللؤم. ولكل واحد من هذه الثلاثة رتبة، وأما ~~التقتير، فهو الامتناع من إنفاق ما يجب، وسببه البخل والشح واللؤم. ولكل ~~واحد من هذه الثلاثة رتبة. # PageV01P284 # أما البخيل، فهو الذي يفرط ويقصر في الإنفاق، خوفا من أن تضطره الفاقة ~~إلى المسئلة، والتذلل للأعداء، وكأن سبب البخل هو الجبن عند البحث. وأما ~~الشحيح فهو الذي يجمع إلى ما ذكرناه أن يكره حسن حال غيره، طمعا في أن ~~يضطره إلى الحاجة إليه، فينال به الجاه والرفعة، ومنشأ هذا ضرب من الجهل. ~~وأما اللئيم، فهو الذي يجمع إلى هذه الصفات احتمال العار في الشيء الحقير، ~~وسببه نوع من الخبث، وذلك مثل المتلصص والديوث. وأما الرياء فهو التشبه ~~بذوي الأعمال الفاضلة، طلبا للسمعة والمفاخرة. وأما الهتكة، فالإعراض عن ~~تزيين النفس بالأعمال الفاضلة، والمجاهرة بأضدادها، وأما الكزازة، ms050 فاإفراط ~~في الجد. وأما المجانة فالإفراط في الهزل، وأما العبث فالإفراط في الإعجاب ~~بلقاء الجليس والأنيس. وأما التحاشي، فإفراط في التبرم بالجليس. وأما ~~الشكاسة، فمخالفة المعاشرين، في شرائط الأنس، وأما الملق فالتحبب إلى ~~المعاشرين، مع التغافل عما يلحقه من عار الاستخفاف. # PageV01P285 # وأما الحسد، فالاغتمام بالخير الواصل إلى المستحق، الذي يعرفه الحاسد. ~~وأما الشماتة، فالفرح بالشر الواصل إلى غير المستحق، ممن يعرفه الشامت. ~~وأما العدالة، فجامعة لجميع الفضائل والجور المقابل لها، فجامع لجميع ~~الرذائل، وما من خلق من هذه الأخلاق، إلا وقد ورد في فضائله أخبار باعثة ~~عليه، وفي رذائله زواجر عنه، ولم نر تطويل الكتاب بها، فليطلب ذلك من آداب ~~النبي عليه السلام، وغيره من الكتب، وإنما الغرض بيان أن الإنسان بسبب هذه ~~القوى الثلاث يحصل هذه الأخلاق كلها. ولكل واحد طرفان وواسطة، وهو مأمور ~~بالتوسط والاستقامة بين طرفي الإفراط والتفريط في جملة ذلك. حتى إذا حصل ~~ذلك كله، كمل كمالا بقربه إلى الله تقريبا، بالرتبة لا بالمكان، بحسب قرب ~~الملائكة المقربين من الله عز وجل. فلله البهاء الأعظم، والكمال الأتم. وكل ~~موجود فمشتاق إلى الكمال الممكن له، وهو غايته المطلوبة منه، فإن ناله ~~التحق بأفق العالم الذي فوقه، # PageV01P286 # وإن حرم عنه انحط إلى الحضيض الذي تحته، فالإنسان بين أن ينال الكمال، ~~فليلتحق في القرب من الله بأفق الملائكة، وذلك سعادته، أو يقبل على ما هو ~~مشترك بينه وبين البهائم، من رذائل الشهوة والغضب، فينحط إلى درجة البهائم، ~~ويملك هلاكا مؤبدا، وهو شقاوته، ومثاله الفرس الجواد الذي كماله في شدة ~~عدوه، فإن عجز عن ذلك حط إلى رتبة ما دونه، فاتخذ حمولة وأكولة. ومراتب ~~الكمال للإنسان بحسب هذه الأخلاق وبحسب العلوم غير منحصرة، ولذلك تتفاوت ~~درجات الخلق في الآخرة، كما تتفاوت في الدنيا في الخلق والأخلاق، والثورة ~~واليسار وسائر الأحوال. ### | بيان البواعث على تحري الخيرات والصوارف عنها # أما الخيرات الدنيوية، فالبواعث عليها ثلاثة أنواع: الترغيب والترهيب بما ~~يجري ويخشى في الحال والمال، والثاني رجاء المحمدة وخوف المذمة ممن يعتد ~~بحمده ms051 وذمه، والثالث طلب الفضيلة وكمال النفس، لأنه كمال وفضيلة، لا لغاية ~~أخرى وراءها، فالأول مقتضى الشهوة، وهي رتبة العوام، # PageV01P287 # والثاني من مقتضى الحياء ومبادئ العقل القاصر، وهو من أفعال السلاطين، ~~وأكابر الدنيا، ودهاتهم المعدودين من جملة العقلاء، بالإضافة إلى العوام. ~~والثالث مقتضى كمال العقل، وهو فعل الأولياء والحكماء ومحققي العقلاء. # ولتفاوت هذه الرتب قيل: خير ما أعطي الإنسان عقل يردعه، فإن لم يكن فحياء ~~يمنعه، فإن لم يكن فخوف يزعجه، فإن لم يكن فمال يستره، فإن لم يكن فصاعقة ~~تحرقه، فيستريح منه العباد والبلاد. وهذا التفاوت يعهد لكل شخص من صباه إلى ~~كبره، إذ هو في ابتداء صباه لا يمكن زجره وحثه بالحمد والذم بل بمطعوم ~~حاضر، أو ضرب ناجز يحس به. فإذا صار مميزا مقاربا للبلوغ، أمكن زجره وحثه ~~بالمحمدة والمذمة. فطريق زجره مذمة المزجور عنه. وتقبيح حال متعاطيه، وطريق ~~ترغيبه في تعلم الأدب وغيره لكثرة الثناء على آتيه، وكثرة الذم لمجتنبيه، ~~فيؤثر ذلك تأثيرا ظاهرا. وأكثر الخلق لا يجاوزون هاتين المرتبتين إلى ~~الرتبة الثالثة، فيكون إقدامهم وإحجامهم صادرا عن هذه البواعث والصوارف. ~~وأما الرتبة الثالثة، فيعزو وجودها، والخيرات الآخروية أيضا هذا شأنها. ~~وبهذا الطريق تتفاوت الناس فيها، إذ لا فرق بين الآخروية # PageV01P288 # والدنيوية، إلا بتأخر وتقدم، وإلا فالخبر مطلوب كل عاقل عاجلا وآجلا. # والبواعث على الطلب لا تعدو هذه الأقسام، فكأن من أطاع الله وترك معصيته ~~فرتبه ثلاث: الأولى من يرغب في ثوابه الموصوف له في الجنة، أو يخاف من ~~عقابه الموعود له في النار. وهذه الرتبة للعامة، وهم الأكثرون. والثانية ~~رجاء حمد الله ومخافة ذمه، أعني حمدا وذما في الحال من جهة الشرع. وهذه ~~منزلة الصالحين، وهي أقل من الأولى بكثير. والثالثة وهي العزيز الفذ رتبة ~~من لا يبتغي إلا التقرب إلى الله تعالى وطلب مرضاته، وابتغاء وجهه ~~والالتحاق بزمرة المقربين إليه، زلفى من ملائكته، وهو درجة الصديقين ~~والنبيين، ولذلك قال تعالى: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي يريدون وجهه) ، وقيل لرابعة العدوية " ألا تسألين ms052 الله الجنة؟ ~~فقالت: الجار ثم الدار " وقال بعضهم: # PageV01P289 # من عبد الله لعوض، فهو لئيم. ولما كان العقل الضعيف لا يقف على كنه هذا ~~المعنى، وأكثر العقول ضعيفة، خلق الله الجنة والنار، ووعد الخلق بهما زجرا ~~وحثا، وأطنب في وصفهما ولم يتعرض لهذه المعاني إلا بالمرامز، مثل قوله ~~تعالى: (يريدون وجهه) ، (وأعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن ~~سمعت ولا خطر على قلب بشر) . # وأما الصوارف فقصور أو تقصير. أما القصور، فالمرض المانع والشغل الضروري ~~في طلب قوت النفس والعيال وما يجري مجراه. وهذا معذور غير مذموم، إلا أنه ~~عن ذروة الكمال محروم، ولا دواء له إلا الفزع إلى الله تعالى، لإماطة هذه ~~الصوارف بجودة. وأما التقصير، فقسمان: أهل وشهوة غالبة. أما الجهل، فهو أن ~~لا يعرف الخيرات الآخروية وشرفها وحقارة متاع الدنيا، بالإضافة إليها، وهو ~~على رتبتين: إحداهما أن يكون عن غفلة وعدم مصادفة مرشد منبه، وهذا علاجه ~~سهل، ولأجله وجب أن يكون في كل قطر جماعة من العلماء والوعاظ، ينبهون الخلق ~~عن غفلتهم ويرغبون عن الدنيا # PageV01P290 # في الآخرة، لا على الوجه الذي ألفه أكثر وعاظ الزمن، فهذا ما يجرأ الخلق ~~على المعاصي، أو يحقر الدين عندهم. والثاني أن يكون لاعتقادهم أن السعادة ~~هي اللذات الدنيوية والرياسة الحاضرة، وان أمر الآخرة لا أصل له، أو لأن ~~الإيمان وحده كاف، وهو مبذول لكل مؤمن كيف كان عمله، أو يظن الاتكال على ~~عفو الله ينجيه، وأن الله كريم رحيم، لا نقصان له من معصية العصاة، فلا بد ~~أن يرحمهم. وهذه أنواع من الحماقات فترت خلائق كثيرة عن الطاعات، وجرأتهم ~~على المعاصي. # فأما من ظن أن الآخرة لا أصل لها، فهو الكفر المحض، والضلال الصرف. ومهما ~~كان هذا الاعتقاد مصمما، بعدت الإنسانية عن صاحبه والتحق بالهلكي على كل ~~حال، وأما من ظن أن مجرد الإيمان يكفيه، فهو جهل بحقيقة الإيمان وغفلة عن ~~قوله: " من قال لا إله إلا الله مخلصا دخل الجنة "، وأن معنى الإخلاص أن ~~يكون معتقده وفعله موافقا لقوله، ms053 حتى لا يكون منافقا، وأقل درجاته أن لا ~~يتخذ إلهه هواه، فمن اتبع هواه فهو عبده، وصار إلهه هواه. وذلك يبطل قوله ~~لا إله إلا الله # PageV01P291 # وينافي في إخلاصه. ومن ظن أن سعادة الآخرة تنال بمجرد قوله لا إله إلا ~~الله، دون تحقيقه بالمعاملة، كان كمن ظن أن الطبخ يحلو بقوله طرحت السكر ~~فيه دون أن يطرحه، أو الولد يخلق بقوله وطأت الجارية، دون أن يطأها، والزرع ~~ينبت بقوله بذرت البذر، دون أن يبذره. وكما أن هذه المقاصد في الدنيا، لا ~~تنال إلا بأسبابها، فكذلك أمر الآخرة، فإن أمر الآخرة والدنيا واحد، وإنما ~~خص باسم الآخرة لتأخره، والخروج لقضاء العالم آخرة، بالإضافة إلى الكون في ~~بطن الأم، والبلوغ إلى عالم التمييز آخرة بالإضافة إلى ما قبله، والبلوغ ~~إلى رتبة العقلاء آخرة بالإضافة إلى ما قبلها. وإنما هذه تردد في أطوار ~~الخلقة. والموت طور آخر من الأطوار، ونوع آخر في الترقي، وضرب آخر من ~~الولادة، والانتقال من عالم إلى عالم، كما قال عليه السلام: " القبر أما ~~حفرة من حفر النار أو روضة من رياض الجنة "، أي ليس في الموت إلا تبديل ~~منزل. # PageV01P292 # وكما أن من جلس متكلا على رحمة الله ونعمته متعطشا جائعا، لم يسلك الطريق ~~في شرب الماء وتناول الخبز هلك، ومن اتكل عليه في طلب المال ولم يتجر لم ~~يحصل له المال وكان شقيا، فكذا من أراد الآخرة وسعا لها سعيها، وهو مؤمن، ~~فأولئك كان سعيهم مشكورا، ولذلك نبه الله تعالى عليه فقال: (وأن ليس ~~للإنسان إلا ما سعى) ، ومهما عرف أن البهاء الأكمل لله وإن السعادة القصوى ~~في القرب منه وأن القرب منه ليس بالمكان وإنما هو باكتساب الكمال على حسب ~~الإمكان، وأن كمال النفس بالعلم والعمل والاطلاع على حقائق الأمور مع حسن ~~الأخلاق، فمن لم يكمل كيف يقرب من الله تعالى، ومن أراد أن تقرب رتبته عند ~~الملك بنوع من العلم لو تعطل في بيته متكلا على كرم الملك ملازما صفة ~~النقصان غير مجتهد طول الليل في ms054 طاب العلم معولا على فضل الله في أن يبيت ~~ليله ويصبح أفضل أهل زمانه، فإن فضل الله عز وجل أوسع له وقدرته متسعة ~~لأضعافه، قيل له: هذا فعل مشحون بالباطل والحماقة مزين الظاهر بكلام يظن ~~أنه محمود. فكذا من ظن أن الآخرة تنال بالبطالة والعطالة فهذه حاله. # PageV01P293 ### | بيان أنواع الخيرات والسعادات # نعم الله سبحانه، وإن كانت لا تحصى مفصلة، فجملتها منحصرة في خمسة أنواع: ~~الأول السعادة الآخروية، التي هي بقاء لا فناء له، وسرور لا غم فيه، وعلم ~~لا جهل معه، وغنى لا فقر معه يخالطه، ولن يتوصل إليه إلا بالله ولا يكمل ~~إلا بالنوع الثاني، وهو الفضائل النفسية، التي حصرنا جملتها من قبل في ~~أربعة أمور: العقل وكماله العلم، والعفة وكمالها الورع، والشجاعة وكمالها ~~المجاهدة، والعدالة وكمالها الانصاف، وهي على التحقيق أصول الدين. وإنما ~~تتكامل هذه الفضائل بالنوع الثالث، وهي الفضائل البدنية المنحصرة في أربعة ~~أمور: في الصحة # PageV01P294 # والقوة والجمال وطول العمر، ويهممها النوع الرابع، وهي الفضائل المطيفة ~~بالإنسان، المنحصرة في أربعة أمور: وهي المال والأهل والعز وكرم العشيرة. ~~ولا يتم الانتفاع بشيء من ذلك إلا بالنوع الخامس، وهي الفضائل التوفيقية، ~~وهي أربعة: هدايا الله ورشده وتسديده وتأييده، فهذه السعادات بعد السعادة ~~الآخروية، ستة عشر ضربا. ولا مدخل للاجتهاد في اكتساب شيء منها إلا الفضائل ~~النفسية، على الوجه الذي سبق. فقد عرفت أن هذه الخيرات خمسة: وهي الآخروية # PageV01P295 # والنفسية والبدنية والخارجة والتوفيقية. والبعض منها يحتاج إلى البعض، ~~أما حاجة ضرورية، كالفضائل النفسية التي لا مطمح في الوصول إلى نعيم الآخرة ~~إلا بها، وصحة البدن الذي لا وصول إلى تحصيل الفضائل النفسية إلا به، وإما ~~حاجة نافعة كحاجة هذه الفضائل الخارجة، فإن المال والأهل والعشيرة، إن ~~عدمت، تطرق الخلل إلى أسباب هذه الفضائل. # فإن قلت: فما وجه الحاجة إلى الفضائل الخارجة، من المال والأهل والعز ~~وكرم العشيرة. فاعلم أن هذه الأمور جارية مجرى الجناح المبلغ، والآلة ~~المسهلة للمقصود. أما المال، فالفقير في طلب الكمال، كساع إلى الهيجاء بغير ~~سلاح، وكباز ms055 متصيد بلا جناح. ولذلك قال عليه السلام: " نعم المال الصالح ~~للرجل الصالح ". وقال: " نعم العون على تقوى الله المال ". كيف ومن عدم ~~المال، صار مستغرق الأوقات # PageV01P296 # في طلب القوت واللباس والمسكن وضرورات المعيشة، فلا يتفرغ لاقتناء العلم ~~الذي هو أشرف الفضائل. ثم يحرم عن فضيلة الحج والصدقة والزكاة وإفاضة ~~الخيرات. وأما الأهل والولد الصالح، فالحاجة إليهما ظاهرة. أما المرأة ~~الصالحة، فحرث الرجل وحصين دينه. قال عليه السلام: " نعم العون على الدين ~~المرأة الصالحة "، وقال في الولد: " إذا مات الرجل انقطع عمله إلا من ثلاث: ~~صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له "، ومهما كثر أهل الرجل ~~وأقاربه وساعدوه، كانوا له بمنزلة الآذان والأعين والأيدي، فيتيسر له ~~بسببهم من الأمور الدنيوية، ما يطول فيه شغله لو انفرد. وكلما تخففت ~~الأشغال الضرورية في الدنيا، تفرغ القلب للعبادة والعلم، فهو معين على ~~الدين. # وأما العز فيه يدفع الإنسان عن نفسه الضيم، ولا يستغني عنه مسلم، فإنه لا ~~ينفك عن عدوه يؤذيه، وظالم يقصده، فيشوش عليه وقته ويشغل قلبه. ولذلك قيل: ~~" الدين والسلطان توأمان ". # PageV01P297 # وقيل: " الدين أس والسلطان حارس وما أس له فمهدوم وما لا حارس له فضايع ~~". ولذلك قال تعالى: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض) ~~وبالجملة دفع الأذى لا بد منه للفراغ للعبادة، ولا يتم ذلك إلا بنوع من ~~العز. وكما أن الموصل إلى الخير خير، فدفع الصارف عن الخير خير أيضا. وأما ~~كرم العشيرة وشرف الآباء، فقد يستهان به ويقال: " المرء بنفسه، والناس ~~أبناء ما يحسنون، وقيمة كل امرئ ما يحسنه ". ولعمري إذا قوبل شرف الأصل دون ~~شرف النفس، بشرف النفس دون شرف الأصل استحقر شرف الأصل. أما إذا انضم إليه ~~لم تنكر فضيلته، " فأين السري إذا سرى أسراهما ". وقد شرط النسب في ~~الإمامة، وقيل: " الأئمة من قريش ". كيف لا، والأخلاق تتبع الأمزجة، وتسري ~~من الأصول إلى الفروع، ولذلك قال عليه السلام: " تخيروا لنطفكم "، # PageV01P298 # وقال: " إياكم وخضراء الدمن "، وهي المرأة الحسناء في المنبت السوء. فهذا ~~أيضا ms056 من السعادات، ولا نعني به الانتساب إلى بني الدنيا ورؤسها وأمرائها، ~~ولكن الانتساب إلى النفوس الزكية الطاهرة المزينة بالعلم والعبادة والعقل. # فإن قلت: فما غناء هذه الفضائل الجسمية؟ فنقول: أما الحاجة إلى الصحة ~~والقوة وطول العمر، فلا شك فيه. وإنما يستحقر أمر الجمال، فيقال: يكفي أن ~~يكون البدن سليما من الأمراض الشاغلة عن تحري الفضائل. ولعمري أن الجمال ~~لقليل الغناء، ولكنه من السعادات والخيرات على الجملة. اما في الدنيا فلا ~~يخفي وجهه. وأما في الآخرة فمن وجهين: أحدهما أن القبح مذموم، والطباع منه ~~نافرة، وحاجات الجميل إلى الاجابة أقرب، فكأنه جناح مبلغ، مثال المال، ~~والمعين على قضاء حاجات الدنيا معين على الآخرة، إذ الوصول إلى الآخرة بهذه ~~الأسباب الدنيوية. والثاني أن الجمال في الأكثر يدل على فضيلة النفس، لأن ~~نور النفس، إذا تم إشراقه تبدى إلى البدن. # PageV01P299 # والمنظر والمخبر كثيرا ما يتلازمان. ولذلك عول أصحاب الفراسة على هيئات ~~البدن واستدلوا بها على الأخلاق الباطنة. والعين والوجه كالمرآة للباطن، ~~ولذلك يظهر فيهما أثر الغضب والشر. وقيل: " طلاقة الوجه عنوان ما في النفس، ~~وما في الأرض قبيح إلا وجهه أقبح منه ". واستعرض المأمون جيشا، فعرض عليه ~~رجل قبيح فاستنطقه، فإذا هو ألكن، فأسقط اسمه. # وقال: " الروح إن أشرقت على الظاهر ففصاحة وهذا ليس له ظاهر ولا باطن ". ~~وقد قال عليه السلام: " اطلبوا الحاجة عند حسان الوجوه "، وقال: " إذا ~~بعثتم رسولا، فاطلبوا حسن الوجه وحسن الاسم "، وقال: " الفقهاء إذا تساوت ~~درجات المصلين، فأحسنهم وجها أولاهم بالإمامة ". وقال تعالى ممتنا به: ~~(وزاده بسطة في العلم والجسم) ، ولسنا نعني بالجمال ما يحرك الشهوة، فإن ~~ذلك أنوثة، وإنما نعني به ارتفاع القامة على الاستقامة، مع الاعتدال في ~~اللحم وتناسب الأعضاء وتناصف خلقة الوجه، بحيث لا تنبو # PageV01P300 # الطباع عن النظر إليها. # فإن قلت فما معنى الفضائل التوفيقية، التي هي الهداية والرشد والتسديد ~~والتأييد؟ فاعلم أن التوفيق هو الذي لا يستغني عنه الإنسان في كل حال، ~~ومعناه موافقة إرادة الإنسان وفعله قضاء الله تعالى وقدره. وهو صالح ~~للاستعمال ms057 في الخير والشر، ولكن صار متعارفا في الخير والسعادة. ووجه ~~الحاجة إلى التوفيق بين، ولذلك قيل: # إذا لم يكن عون من الله للفتى ... فأكثر ما يجني عليه اجتهاده # وأما الهداية، فلا سبيل لأحد إلى طلب الفضائل إلا بها فهي مبدأ الخيرات ~~كما قال تعالى: (أعطى كل خلقه ثم هدى) وقال تعالى: (ولولا فضل الله عليكم ~~ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء) . وقال عليه ~~السلام: " ما من أحد يدخل الجنة إلا برحمة الله " أي بهدايته. قيل: " ولا ~~أنت يا رسول الله " قال: " ولا أنا ". # PageV01P301 # والهداية ثلاث منازل: الأولى تعريف طريق الخير والشر المشار إليه بقوله ~~عز وجل: (وهديناه النجدين) ، وقد أنعم الله به على كافة عباده، بعضهم ~~بالعقل وبعضهم على ألسنة رسله. ولذلك قال تعالى: (وأما ثمود فهديناهم ~~فاستحبوا العمى على الهدى) . والثانية ما يمد به العبد حالا بعد حال بحسب ~~ترقيه في العلوم، وزيادته في صالح الأعمال. وإياه عني بقوله تعالى: (والذين ~~اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم) ، والثالثة هو النور الذي يشرق في عالم ~~الولاية والنبوة، فيهتدي به إلى ما لا يهتدي إليه، ببضاعة العقل الذي به ~~يحصل التكليف وإمكان التعلم. وإياه عني بقوله تعالى: (قل إن هدى الله هو ~~الهدى) ، # PageV01P302 # فإضافة إلى نفسه وسماه الهدى المطلق. وهو المسمى حياة في قوله: (أو من ~~كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناسس) ، وقوله تعال: (أفمن ~~شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه) . # وأما الرشد فنعني به العناية الإلهية، التي تعين الإنسان على توجهه إلى ~~مقاصده، فتوجيه على ما فيه صلاحه، وتفتره عما فيه فساده، ويكون ذلك من ~~الباطن كما قال تعالى: (ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين) . # وأما التسديد، فهو أن يقوم إرادته وحركاته نحو الغرض المطلوب، ليهجم عليه ~~في أسرع وقت، فالرشد تنبيه بالتعريف، والتسديد إعانة ونصرة بالتحريك، وأما ~~التأييد، فهو تقوية أمره بالبصيرة من داخل، وتقوية البطش من خارج، وهو ~~المراد بقوله تعالى: (إذ أيدتك ms058 بروح القدس) ، ويقرب منه العصمة، وهو فيض ~~إلهي يقوى به الإنسان # PageV01P303 # على تحري الخير، وتجنب الشر، حتى يصير كمانع من باطنه غير محسوس. وإياه ~~عنى بقوله: (ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه) ، ولن تستتب هذه ~~الأمور، إلا بما يمد الله به عبده من الفهم الثاقب الصافي، والسمع المصغي ~~الواعي، والقلب البصير المراعي، والمعلم الناصح، والمال الزائد، على مقتضى ~~المهمات لقلة القاصر، لا ما يشغل عن الدين لكثرته، والعشيرة والعز الذي ~~يصون عن سفه السفهاء، ويرفع ظلم الأعداء. فبهذه الأسباب تكمل السعادات. ### | بيان غاية السعادات ومراتبها # اعلم أن السعادة الحقيقية هي الآخروية، وما عداها سميت سعادة إما مجازا ~~أو غلطا، كالسعادة الدنيوية التي لا تعين على الآخرة، وإما صدقا ولكن الاسم ~~على الآخروية أصدق. وذلك كل ما يوصل إلى السعادة الآخروية ويعين عليه. فإن ~~الموصل # PageV01P304 # إلى الخير والسعادة، قد يسمى خيرا وسعادة. # والأسباب النافعة المعينة، تشرحها تقسيمات أربعة: الأول منها ما هو نافع ~~في كل حال، وهي الفضائل النفسية، ومنها ما ينفع في حال دون حال، ونفعها ~~أكثر كالمال القليل. ومنها ما ضرره أكثر في حق أكثر الخلق، وذلك بعض أنواع ~~العلوم والصناعات. ولما كثر الالتباس في هذا، وجب على العاقل الاستظهار ~~بمعرفة حقائق هذه الأمور، حتى لا يؤثر الضار على النافع، بل النافع على ~~الرفيع، والرفيع على النفيس الأهم، فيطول عليه الطريق. فكم من ناظر يحسب ~~الشحم فيمن شحمه ورم! وكم من طالب حبلا ليتمنطق به، فيأخذ حية فيظنها حبلا ~~فتلدغه! والعلم الحقيقي هو الذي يكشف عن هذه الأمور. # التقسيم الثاني: إن الخيرات بوجه آخر تنقسم إلى مؤثرة لذاتها، وإلى مؤثرة ~~لغيرها، وإلى مؤثرة تارة لذاتها وتارة لغيرها. فينبغي أن يعرف مراتبها، ~~ليعطي كل رتبة حقها. # PageV01P305 # فالمؤثرة لذاتها السعادة الآخروية، فليس وراء تلك الغاية غاية أخرى. ~~والمؤثرة لغيرها من المال، كالدراهم والدنانير. فلولا أن الحاجات تنقضي بها ~~لكانت كالحصباء، وسائر الجواهر الخسيسة. والمؤثرة تارة لذاتها وتارة ~~لغيرها، كصحة الجسم. فإن الإنسان وإن استغنى عن المشي الذي ms059 يراد سلامة ~~الرجل له، فيريد أيضا سلامة الرجل م حيث هي سلامة. # التقسيم الثالث: إن الخيرات تنقسم من وجه آخر إلى نافع وجميل ولذيذ. ~~والشرور ثلاثة ضار وقبيح ومؤلم. فكل واحد ضربان، أحدهما مطلق، وهو الذي ~~يجمع الأوصاف الثلاثة في الخير، كالحكمة، فإنها نافعة وجميلة ولذيذة، وفي ~~الشر، كالجهل، فإنه ضار وقبيح ومؤلم. والثاني مقيد، وهو الذي جمع بعض هذه ~~الأوصاف دون بعض. فرب نافع مؤلم، كقطع الأصبع الزائدة، والسلعة الخارجة، ~~ورب نافع قبيح كالحمق، فإنه راحة حيث قيل: استراح من لا عقل له، أي لا يغتم ~~للعواقب، فيستريح في الحال، # PageV01P306 # ورب نافع من وجه، ضار من وجه، كإلقاء المال في البحر، عند خوف الغرق فإنه ~~ضار للمال، ونافع في نجاة النفس، والنافع قسمان: قسم ضروري، كالفضائل ~~النفسية، والاتصال إلى سعادة الآخرة، وقسم قد يقوم غير مقامه، فلا يكون ~~ضروريا، كالسكنجبين في تسكين الصفراء. # التقسيم الرابع: إن اللذات بحسب القوى الثلاث والمشتهيات الثلاثة ثلاث، ~~إذ اللذة هي عبارة عن إدراك المشتهى، والشهوة عبارة عن انبعاث النفس لنيل ~~ما تتشوقه، لذة عقلية أو بدنية مشتركة مع جميع الحيوانات، وبدنية مشتركة مع ~~بعض الحيوانات. أما العقليات، كلذة العلم والحكمة، وهي أقلها وجودا ~~وأشرفها. أما قتلها، فلأن الحكمة لا يستلذها إلا الحكيم، وقصور الرضيع عن ~~إدراك لذة العسل والطيور السمان والحلاوات الطيبة لا يدل على أنها ليست ~~لذيذة، واستطابته للبن لا تدل على أنه أطيب الأشياء. والناس كلهم إلا ~~النادر ممنون في صبا الجهل بالعنة في رتبة العلم. فلذلك يستلذون الجهل، ~~وقال الشاعر: # ومن يك ذا فم مر مريض ... يجد مرا به الماء الزلالا # وأما أشرفيتها، فلأنها لازمة لا تزول، ودائمة لا تحول، # PageV01P307 # وباقية لذاتها، وثمرها في الدار الآخرة إلى غير نهاية. والقادر على ~~الشريف الباقي، إذا رضي بالخسيس الفاني، كان مصابا في عقله، محروما بشقاوته ~~وإدباره. وأقل أمر فيه أن الفضائل النفسية، لا سيما العلم والعقل، لا تحتاج ~~إلى أعوان وحفظة، بخلاف المال. فإن العلم يحرسك وأنت تحرس المال. والعلم ~~يزيد بالإنفاق، ms060 والمال ينقص به، والعلم نافع في كل حال ومطلقا وأبدا، ~~والمال يجذب إلى الرذيلة وتارة إلى الفضيلة. ولذلك ذم في القرآن في مواضع، ~~وإن سمي خيرا في مواضع. # الثانية هي اللذة المشتركة بين الإنسان وبين سائر الحيوانات، كلذة المأكل ~~والمشرب والمنكح، وهي أكثرها وجودا. الثالثة التي يشارك فيها الإنسان بعض ~~الحيوانات، وهي لذة الرياسة والغلبة، وهي أشد التصاقا بالعقلاء، ولذلك قيل: ~~" آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين حب الرياسة ". وكيف تكون لذة الجماع والأكل ~~لذة مطلقة، وهي من وجه إزالة ألم؟ ولذلك قال الحسن: " الإنسان صريع جوع ~~وقتيل شبع ". وجميع لذات الدنيا سبع: مأكل ومشرب ومنكح # PageV01P308 # وملبس ومسكن ومشموم ومسموع ومبصرز وهي بجملتها خسيسة، كما روي عن علي كرم ~~الله وجهه، إذ قال لعمار بن ياسر، وقد رآه يتنفس كالحزين: " يا عمار، إن ~~كان تنفسك على الآخرة فقد ربحت تجارتك، وإن كان على الدنيا فقد خسرت صفقتك. ~~فإن وجدت لذاتها المأكولات والمشروبات والمنكوحات والملبوسات والمسكونات ~~والمشمومات المسموعات والمبصرات. فأما المأكولات، فأفضلها العسل، وهو صنعة ~~ذباب. والمشروبات أفضلها الماء، وهو أهون موجود، وأعز مفقود. وأما ~~المنكوحات، فمبال في مبال، وحسبك أن المرأة تزين أحسن شيء منها، ويراد أقبح ~~شيء منها. وأما الملبوسات فأفضلها الديباج وهو نسج دودة. والمشمومات ~~فأفضلها المسك، وهو دم فارة، والمسموعات، فريح هابة في الهواء، والمبصرات ~~فخيالات صائرة إلى فناء ". هذا كلامه. # PageV01P309 # ومن آفاتها أن كل واحدة منها يتبرم بها بعد استيفائها في لحظة. فليعتبر ~~حالة الفراغ عن الجماع والأكل بما قبله، ولينظر كيف ينقلب المطلوب مهروبا ~~عنه في الحال، فأين يوازي هذا ما تدوم لذته، ولا تفنى أبد الآباد راحته؟ ~~وهو الابتهاج بكمال النفس بالفضائل النفسية، خصوصا الاستيلاء على الكل ~~بالعلم والعقل. ### | بيان ما يحمد ويذم من أفعال شهوة البطن ### | والفرج والغضب: # أما شهوة البطن فداعية إلى الغذاء، والمطعم ضربان: ضروري وغير ضروري. أما ~~الضروري، فهو الذي لا يستغني عنه في قوام البدن، كالطعام الذي يتغذى به، ~~والماء الذي يرتوي به، وهو ينقسم إلى محمود ومكروه، ومذموم ms061 ومحظور. أما ~~المحمود، فأن يقتصر على تناول ما لا يمكنه الاشتغال والتقوى على العلم ~~والعمل إلا به، ولو اقتصر عنه لتحللت قواه واختل بدنه، فهذا المقدار، إذا ~~تناوله من حيث يجب كما يجب، فهو # PageV01P310 # معذور، بل مشكور ومأجور، إذ البدن مركب النفس، لتقطع به منازلها إلى الله ~~تعالى. وكما أن الجهاد عبادة، فإمداد فرس المجاهدة بما يقويه على السير ~~بالمجاهد أيضا عبادة، ولذلك قال عليه السلام: " عند أكل الصالحين تنزل ~~الرحمة "، وذلك إذا تناوله تناول من اضطر إلى شيء، يود لو استغنى عنه. ~~وإدخال الطعام البطن وإخراجه قريب. ولذلك قيل: من كان همه ما يدخل في بطنه، ~~كانت قيمته ما يخرج منه. وليعلم الآكل أنه في تناول فضلات الأشجار والنبات ~~كالخنزير في تناول عذرة الإنسان وفضلته، وكالجعل في تناول فضلة الحيوان. ~~ولو كان للأشجار ألسنة، لناطقت متناول فضلاتها بالتشبيه بهذا المتناول ~~لفضلة الحيوان. # وأما المكروه، فهو الإسراف والإمعان من الحلال والزيادة على قدرة البلغة. ~~قال عليه السلام: # PageV01P311 # " ما من وعاء أبغض إلى الله تعالى من بطن مليء من حلال "، وهو أيضا مضر ~~من جهة الطب، فإنه أصل كل داء. قال عليه السلام: " البطنة أصل الداء ~~والحمية أصل الدواء، وعودوا كل جسد ما اعتاد ". فقال محققو الطب: لم يدع ~~عليه السلام شيئا من الطب إلا وأدرجه تحت هذه الكلمات الثلاث. # ولا ينبغي أن يستهين طالب السعادة بهذه الزيادة، وإن سميناها مكروها لا ~~محظورا، فإنه مكروه سريع السياقة إلى المحظورات، بل إلى أكثر المحظورات. ~~فإن مثار الشرور قوة الشهوات، ومقوي الشهوات هي الأغذية. فامتلاء البطن ~~مقوي للشهوب، وتقوي الشهوة داعية للهوى، والهوى أعظم جند الشيطان، الذي إذا ~~تسلط سباه عن ربه وصرفه عن بابه. وإمداد جنود الأعداء بالمقويات يكاد ينزل ~~منزلة عين العداوة. فلهذا يكاد تكون الكراهية فيه حضرا. ولذلك قيل لبعضهم: ~~" ما بالك مع كبرك لا تتعهد بدنك وقد أنهك ". # PageV01P312 # فقال: " لأنه سريع المرح فاحش الأشر فأخاف أن يجمع بي فيورطني. ولئن ~~أحمله على الشدائد أحب إلي من أن يحملني على ms062 الفواحش ". فإن قلت: فما ~~المقدار المحمود؟ فعلم أنه نبه عليه السلام على التقدير بخبرين، أحدهما ~~قوله: " حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا بد فثلث للطعام، وثلث ~~للشراب، وثلث للنفس "، فأما اللقيمات فهي دون العشرة ويقرب منه قوله عليه ~~السلام: " المؤمن يأكل في معي واحد، والمنافق يأكل في سبعة أمعاء "، والأحب ~~الأكل في سبع البطن، فإن غلب النهم ففي الثلث. وأظن أن الحد ثلث في حق ~~الأكثر، وإن كان ذلك قد يختلف باختلاف الأشخاص. وعلى الجملة فلا بد أن يكون ~~دون الشبع، حتى يخف البدن للعبادة والتهجد باليل، وتضعف القوى عن الانبعاث ~~إلى الشهوات. # وأما المحظور فهو التناول مما حرم الله عز وجل من مال الغير أو المحرمات. # PageV01P313 # وأفحشها شرب المسكر، فإنه أعظم آلات الشيطان في إزالة العقل، الذي هو من ~~حزب الله، وأوليائه، وآثار الشهوة والقوى السبعية التي هي من أحزاب الشيطان ~~وأوليائه. وهذا حكم المطاعم على الإجمال. ولا يطمعن أحد في سلوك طريق ~~السعادة، قبل أن يراعي أمر المطعم في مقداره ووجه حله، فإن المعدة منبع ~~القوى، فكأنه الباب والمفتاح إلى الخير والشر جميعا. ولذا عظم في الشرع أمر ~~الصوم لأنه على الخصوص يتوجه إلى قهر أعداء الله تعالى كما روي: " إن الصوم ~~لي وأنا الذي أجزي به "، إلى غير ذلك مما ورد فيه. # وأما شهوة الفرج، فأفعالها تنقسم إلى محمود ومكروه ومحظور. أما المحمود ~~فهو المقدار الذي لا بد منه لحفظ النوع، فإن النكاح ضروري لبقاء نوع ~~الإنسان باتصال نسله، كما أن الغذاء ضروري لبقاء شخصه إلى حين أجله. ~~والشهوة خلقت باعثة على إبقاء النسل، بطريق الوطء، كما # PageV01P314 # خلق الجوع باعثا على إبقاء الشخص بالأكل، ولذلك قال: " تناكحوا، تناسلوا ~~تكثروا، فإني مباه بكم الأمم ". فمن كان قصده في النكاح أمرين: أحدهما ~~النسل لكثرة المباهاة، وأن يلحقه بعده ولد صالح يدعو له، والثاني أن يدفع ~~عن نفسه فضلة المني، التي إذا اجتمعت كانت كالمرة، والدم إذا اجتمع عظمت ~~نكايته في البدن بإثارة المرض، وفي الدين بالدعوة ms063 إلى الفجور، فالنكاح على ~~هذا الوجه محمود وسنة وداخل تحت قوله: " من احب فطرتي فليستسن بسنتي ". ومن ~~نكح فقد حصن نصف دينه. ولا بأس بغرض ثالث، وهو أن يكون في بيته من يدبر أمر ~~منزله، ليتفرغ هو للعلم والعبادة، فيصير النكاح على هذا الوجه من جملة ~~العبادات، فإن الأعمال بالنيات. وإمارة هذا أن لا يطلب من المرأة إلا ~~الجمال للتحصن، وحسن الخلق في تدبير المنزل، والديانة للصيانة والنسب ~~الديني فقط. فإنه إمارة الديانة وحسن الخلق، فإن # PageV01P315 # العرق نزاع، ولذلك قال عليه السلام: " عليك بذات الدين، تربت يداك، ~~وإياكم وخضراك الدمن ". وقال: " تخيروا لنطفكم ". وليطلب صحة البدن وأن لا ~~يكون عقيما لأجل الولد فإنه المقصود. ولذلك كره العزل، وإتيان المرأة من ~~ورائها، فإنه إهمال للحراثة، ونساؤكم حرث لكم. ولا بأس بطلب الأبكار، ~~لتستحكم الألفة، وقد ندب الشرع إليها. # وأما المكروه فأن يقصد التمتع بقضاء الشهوة فقط، ثم يمعن فيه ويواظب ~~عليه، وربما يتناول ما يزيد في شهوته، وذلك مضر شرعا، ولا كراهية فيه في ~~نفسه، فإنه مباح، # PageV01P316 # ولكنه انصراف عن الله إلى اتباع الهوى وتشبه بالثيران والحمر. وإثارة ~~لشهوة بالمطعومات القوية والأسباب الباعثة تضاهي إثارة سراسباع ضارية، ~~وبهائم عادية، ثم الانتهاض بعدها للخلاص منها. # وأما المحظور، فعلى وجهين: أحدهما أن يقضي الشهوة في محل الحرث، ولكن ~~بغير عقد شرعي، ولا على الوجه المأمور، وهو الزنا. وقد قرن ذلك بالشرك حيث ~~قال: (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة) . والثاني تعاطيه في غير محل ~~الحرث، وهو أفحش من الزنا لأن الزاني لم يضيع الماء، بل وضعه في محل الحرث ~~على غير الوجه المأمور. وهذا قد ضيع، وكان ممن قال الله تعالى: (ويهلك ~~الحرث والنسل) . ولذلك سميت اللواطة الإسراف، فقال تعالى: (إنكم لتأتون ~~الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون) . فهذه مراتب الناس في شهوة ~~الفرج. # وقد ينتهي بعض الضلال إلى العشق، وهو عين الحماقة وغاية الجهل بما وضع ~~الجماع له، # PageV01P317 # ومجاوزة لحد البهائم في تملك النفس، وضبطها لها، لأن المتعشق ms064 لم يقنع ~~بإرادة شهوة الجماع، وهي أقبح الشهوات وأجدرها بأن يستحي منها، حتى اعتقد ~~أن لا تنقضي إلا في محل واحد، والبهيمة تقضي الشهوة أنى اتفق فتكتفي به. ~~وهذا لا يكتفي إلا من معشوقته، حتى ازداد به ذلا إلى ذل وعبودية إلى ~~عبودية. واستسخر العقل لخدمة الشهوة، وقد خلق ليكون آمرا مطاعا لا يكون ~~خادما للشهوة، محتانا لأجلها، وهو مرض نفس فارغة لا همة لها. وإنما يجب ~~الاحتراز من أوائلها، وهو معاودة النظر والفكر، وإلا فبعد الاستحكام يعسر ~~دفعها. وكذلك عشق الجاه والمال والعقار والأولاد، حتى حب اللعب بالطيور ~~والنرد والشطرنج، فإن هذه الأمور تستولي على طائفة ينقضي عليهم الدين ~~والدنيا، ولا يصبرون عنها. ومثال رد الشهوة في أول انبعاثها صرف عنان ~~الدابة عن توجهها إلى باب دار تدخله، فما أهون منعها وصرف عنانها. ومثال ~~علاجها بعد استحكامها أن تترك الدابة، حتى تدخل وتجاوز الباب، ثم تأخذ ~~بذنبها جارا لها إلى وراء، وما أعظم التفاوت بين الأمرين! فليكن الاحتياط ~~في بدايات الأمور، فأما أواخرها فلا تقبل الإصلاح في الأكثر، إلا بجهد شديد ~~يوازي نزع الروح. # PageV01P318 # وأما أفعال الغضب فتنقسم إلى محمود ومكروه ومحظور. أما المحمود ففي ~~موضعين: أحدهما المسمى غيرة، وهو أن يقصد حريم الرجل ويتعرض لمحارمه. ~~فالغضب له ولدفعه محمود، وقلة التأثر به خنوثة وركاكة، ولذلك قال عليه ~~السلام: " إن سعدا لغيور، وإن الله أغير منه "، وقد وضع الله الغيرة في ~~الرجال، لحفظ الأنساب. فإن النفوس لو تسامحت بالتزاحم على النساء لاختلطت ~~الأنساب. ولذلك قيل: كل أمة وضعت الغيرة في رجالها، وضعت الصيانة في ~~نسائها. والثاني الغضب عند مشاهدة المنكرات والفواحش، غيرة على الدين، ~~وطلبا للانتقام، ولذلك مدحوا بكونهم أشداء على الكفار رحماء بينهم. ولذلك ~~قال عليه السلام: " خير أمتي أحداؤها "، # PageV01P319 # فالمراد به الحدة لحمية الدين. ولذلك قال تعالى: (ولا تأخذكم بهما رأفة ~~في دين الله) . ومع هذه فالسلطان إذا غضب عند جناية جان، فينبغي أن يحبسه ~~ولا يبادر إلى عقوبته حتى يجدد النظر فيه، فإن الغضب غول العقل، ms065 فربما ~~يحمله على مجاوزة حد الواجب في الانتقام. وأما المكروه فغضبه عند فوات ~~حظوظه المباحة نيلها، كغضبه على خادمه وعبده عند كسر آنيته، أو توانيه في ~~خدمته، بحكم تغافل يمكن الاحتزاز عنه. فهذا لا ينتهي إلى حد المذموم، ولكن ~~العفو والتجاوز أولى وأحب. ولذلك قيل لواحد حكيم: لا تصفح عن عبدك وهو يقصر ~~في خدمتك، فيفسد باحتمالك. فقال: " لأن يفسد عبدي في صلاح نفسي خير من أن ~~تفسد نفسي في صلاح عبدي ". فإن احتمال ذلك إصلاح للنفس والانتقام إصلاح ~~للعبد. # PageV01P320 # وأما المذموم فهو الاستشاطة عن الفخر والتكبر والمباهاة والمنافسة والحقد ~~والحسد، وعن أمور واهية تتعلق بالحظوظ البدنية، من غير أن يكون في الانتقام ~~مصلحة في المستقبل دينا ودنيا، وهو الغالب على أكثر الخلق، وهو انقياد ~~للخلق الذي يضاد الحلم والتحلم. فإن الحلم عبارة عن إمساك النفس عن هيجان ~~الغضب، والتحلم عن إمساكها عن قضاء الوطر منه، إذا هاج، والكمال في الحلم، ~~ولكن التحلم صبر على المكروه، وفيه أيضا خير كثير. فهذه مراتب أفعال الغضب. ~~والناس في الغضب يختلفون، فبعضهم كالحلفاء، سريع التوقد، سريع الخمود، ~~وبعضهم كالقطا بطيء الخمود، وبعضهم بطيء التوقد سريع الخمود، وهو الأحمد، ~~ما لم ينته إلى فتور الحمية والغيرة. وأسباب الغضب أما من جهة المزاج، ~~فالحرارة واليبوسة، يدل عليهما تعريف الغضب، فإن الغضب معناه غليان دم ~~القلب، فإن كان على من فوقك في القدرة على الانتقام، تولد منه # PageV01P321 # انقباض الدم من ظاهر الجلد إلى القلب، وكان حزنا، ولأجله يصفر الوجه. وإن ~~كان على من دونك تولد منه ثوران دم القلب، لا انقباضه، فيكون منه الغضب ~~الحقيقي وطلب الانتقام. وإن كان على نظيرك في القدرة على الانتقام، تولد ~~منه تردد الدم بين انقباض وانبساط، ويختلف به لون الوجه فيحمر ويصفر ~~ويضطرب. وبالجملة قوة الغضب محلها القلب، ومعناه حركة الدم وغليانه. وأما ~~ما وراء المزاج، فالاعتياد، فإن من يعاشر جماعة يباهون بالغضب والطباع ~~السبعية انطبع ذلك فيه. وإن من خالط أهل الهدوء والوقار أثرت العادة أيضا ~~فيه. وأما سببه ms066 المخرج له من القوة إلى الفعل في الحال، فهو العجب ~~والافتخار والمراء واللجاج والمزاح والتيه والاستهزاء والضيم وطلب ما فيه ~~التنافس والتحاسد وشهوة الانتقام، وكل ذلك مذموم. وحق من اعتراه الغضب أن ~~يتفكر فيما قاله بعض الحكماء لبعض السلاطين وقد سأله حيلة في دفع الغضب، ~~فقال: " ينبغي أن تذكر أنه يجب # PageV01P322 # أن تطيع لا أن تطاع فقط، وأن تخدم لا أن تخدم فقط، وأن تحتمل لا أن تحتمل ~~فقط، وأن تعلم أن الله يراك دائما، فإذا فعلت ذلك لم تغضب ". # واعلم أن الغضب له فروع كما سبق، ومن جملتها الشجاعة والتهور والمنافسة ~~والغبطة والحسد على ما سبق، ولكن نزيدها شرحا. أما الشجاعة فخلق بين التهور ~~والجبن، فإن اعتبر إضافتها إلى النفس فهي صرامة القلب في الأهوال وربط ~~الجأش عند المخاوف، وإن اعتبر بالفعل فالإقدام على موضع الفرصة وتولدها من ~~الغضب وحسن الأمل وبها يصابر الإنسان الشدائد، بل بها يصبر عن المعاصي، فإن ~~الغضب إذا سلط على الشهوة زجرها. ولما كان الدين شطره رغبة في الخير، وشطره ~~تركا للشر قال عليه السلام: " الصبر نصف الإيمان "، ولما كان بعض الشرور في ~~شهوة الفرج والبطن، # PageV01P323 # وبعضها في غيرهما قال: " الصوم نصف الصبر ". والصبر صبران، صبر جسمي وهو ~~تحمل المشاق بالمدن، أما فعلا كتعاطي الأعمال الشاقة، وأما انفعالا كاحتمال ~~الضرب الشديد والمرض العظيم. والمحمود التام هو الضرب الثاني وهو الصبر ~~النفسي. فإن عن تناول المشتهيات، سمي عفة، وإن كان على احتمال مكروه، ~~اختلفت أسماؤه بحسب اختلاف المكروه، فإن كان في مصيبة، اقتصر على اسم ~~الصبر، ويضاده الجزع والهلع، وإن كان في احتمال غني سمي ضبط النفس ويضاده ~~البطر، وإن كان في حرب سمي شجاعة، ويضاده الجبن، وإن كان في كظم الغيظ ~~والغضب، سمي حلما، ويضاده التذمر، وإن كان في نائبة مضجرة سمي سعة الصدر، ~~ويضاده الضجر والتبرم وضيق الصدر، وإن كان في إخفاء كلام سمي كتم السر، # PageV01P324 # وإن كان على فضول العيش سمي زهد وقناعة، ويضاده الحرص والشره، ولذلك قال ~~تعالى: (والصابرين في البأساء) ms067 أي المصيبة والضراء، أي الفقر وحين البأس، ~~أي المحاربة، (أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون) # وأما الغبطة والمنافسة والحسد التي هي من جملة الفروع أيضا، فالغبطة ~~محمودة والحسد مذموم. قال عليه السلام: " المؤمن يغبط والمنافق يحسد ". ~~والمنافسة محمودة قال تعالى: (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون) . والغبطة تمني ~~الإنسان أن ينال كل ما ناله أمثاله، من غير أن يغتنم لنيل غيره. فإذا انضم ~~إليه الجد والتشمير في الوصول إلى مثله أو خير منه، فهو منافسة. والحسد هو ~~تمني زوال النعمة عن مستحقيها، وربما كان مع سعي في إزالتها. والخبيث ~~الحسود من يكون ساعيا في الإزالة من غير أن يطلبها لنفسه. والحسد غاية ~~البخل، إذ البخيل يبخل بمال نفسه، والحسود يبخل بمال الله على غيره. # PageV01P325 # وقيل: الحسد والحرص هما ركنا الذنوب ولهما ضرب المثل بآدم وإبليس، إذ حسد ~~إبليس آدم فصار لعينا، وحرص آدم على ما نهي عنه فأخرج من الجنة. فهما شجران ~~يثمران الهموم والغموم والخسران، فمن قطع عروقها نجا، وبالجملة فالحسد عين ~~الحماقة، لأن من لا يغنم بخير يصل إلى أهل المغرب، مع أنه لا يناله بوجه، ~~فلم يغتم بخير يصل إلأى عشيرته وشركائه وجيرانه وأهل بلده، وربما بوجه، فلم ~~يغتم بخير يصل إلى عشيرته وشركائه وجيرانه وأهل بلده، وربما ينال منه حظا. ~~وقوله عليه السلام: " لا حسد إلا في اثنين: رجل أتاه الله مالا فجعله في حق ~~ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها "، إنما أراد به الغبطة، فإن الحسد قد ~~يطلق لإرادتها. # فهذا هو القول في ضبط أفعال هذه الصفات. فإن قلت: فمن ضبط أفعال هذه ~~القوى حتى حدث في نفسه، من أفعاله أخلاق راسخة يتيسر بها هذه الأفعال، فهل ~~يكون عفيفا؟ فاعلم أن العفة لا تتم بهذا القدر ما لم ينضم إليه عفة اليد ~~واللسان والسمع والبصر، وحدها # PageV01P326 # في اللسان الكف عن السخرية والغيبة والنميمة والكذب والهمز والتنابذ ~~بالألقاب، وفي السمع ترك الإصغاء إلى قبائح اللسان من الغيبة وغيرها، وإلى ~~استماع الأصوات المحرمة وكذلك في جميع الجوارح والقوى. ms068 وعماد عفة الجوارح ~~كلها ألا يطلقها في شيء مما يختص بها، إلا فيما يسوغه العقل والشرع، وعلى ~~الحد الذي يسوغه ثم لا تتم بذلك، ما لم يكن قصده في الإقدام والإحجام تحري ~~الفضيلة وطلب التقرب إلى الله عز وجل ونيل مرضاته. فأما إن كان قصده بعفته ~~انتظارا لما هو أكثر، أو لأنه لا يوافق مزاجه أو لخمود شهوته، أو لاستشعار ~~خوف في عاقبته، كسقوط حشمته أو لأنه ممنوع من تناوله، فكل ذلك ليس بعفة، ~~وإنما كل ذلك تجارة وترك حظ لحظ يماثله. وكل ذلك غير كاف في تحصيل العفة، ~~فليعلم ذلك، ولنخض بعد ذلك في تعريف التعلم والتعليم وتهذيب القوة العقلية. # PageV01P327 ### | بيان شرف العقل والعلم والتعليم # قد عرفت فيما سبق أن العلم والعمل هما وسيلتا السعادة، وأن العمل لا ~~يتصور إلا بعلم بكيفية العمل، وأن العلم الذي ليس بعملي، كالعلم بالله ~~وصفاته وملائكته، مقصود، فقد استفدت منه أن العلم أصل الأصول، فلا بد أن ~~نرشدك الآن إلى طريق التعلم والتعليم. ولننبه أولا على شرف هذه الأمور، ~~وندل عليه، فنقول: أما التعليم، فهو أشرف الأعمال. والصناعات ثلاثة أقسام: ~~أما أصول لأقوام للعالم دونها وهي أربعة: الزراعة والحياكة والبناية ~~والسياسة، وأما مهيئة لكل واحدة منها وخادمة لها، كالحدادة للزراعة، ~~والحلاجة والغزل للحياكة، # PageV01P328 # وأما متممة لكل واحدة من ذلك ومزينة لها، كالطحانة والخبز للزراعة، ~~والقصارة والخياطة للحياكة. وذلك بالإضافة إلى قوام العالم الأرضي، مثل ~~أجزاء الشخص بالإضافة إليه، فإنها ثلاثة أضرب: أما أصول كالقلب والكبد ~~والدماغ، وأما مرشحة لتلك الأصول وخادمة لها، كالمعدة والعروق والشرايين، ~~وأما مكملة ومزينة لها، كالهدب والحاجب. # وأشرف أصول الصناعات السياسات، إذ لا قوام للعالم إلا بها، وهي أربعة ~~أضرب: الأول سياسة الأنبياء وحكمهم على الخاصة والعامة، في ظاهرهم وباطنهم، ~~والثاني الخلفاء والولاة والسلاطين، وحكمهم على الخاصة والعامة جميعا، لكن ~~على ظاهرهم لا على باطنهم، والثالث العلماء والحكماء، وحكمهم على باطن ~~الخواص فقط، والرابع الوعاظ والفقهاء وحكمهم على باطن العامة فقط. فأشرف ~~هذه السياسات الأربع بعد النبوة إفادة العلم ms069 وتهذيب نفوس الناس. وبرهان ذلك ~~أن شرف الصناعة، إنما يكون # PageV01P329 # باعتبار النسبة إلى القوة المبرزة المظهرة لها، كفضل معرفة الحكمة على ~~معرفة اللغات، فإن الأولى متعلقة بالقوة العقلية التي هي أشرف القوى، ~~والأخرى متعلقة بالقوة الحسية، وهي السمع. وأما بحسب عموم النفع كفضل ~~الزراعة على الصياغة، وأما بحسب شرف الموضوع المعمول فيه، كفضل الصياغة على ~~الدباغة. وليس يخفى أن العلوم العقلية تدرك بالعقل، الذي هو أشرف القوى، ~~وبه يتوصل إلى جنة المأوى، وهو أبلغ نفع وأعمه، وموضوعه الذي يعمل فيه نفوس ~~البشر، وهي أفضل موضوع، بل أشرف موجود في هذا العالم. فإفادة العلم من وجه ~~صناعة، ومن وجه عبادة الله تعالى، ومن وجه خلافة الله هو أجل خلافة. فإن ~~الله تعالى قد فتح على قلب العالم العلم، الذي هو أخص صفاته، فهو كالخازن ~~لأنفس خزائنه. ثم هو مأذون له في الإنفاق على كل محتاج إليه، فأي رتبة أجل ~~من كون العبد واسطة بين ربه وخلقه، في تقربهم إلى الله زلفى، وسياقتهم إلى ~~جنة المأوى؟. # PageV01P330 # وأما شرف العلم والعقل فمدرك بضرورة العقل والشرع والحس. أما الشرع، فقد ~~قال عليه السلام: " أول ما خلق الله العقل. فقال له أقبل فأقبل، ثم قال له ~~أدبر فأدبر. ثم قال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أكرم علي منك، بك آخذ وبك ~~أعطي وبك أثيب وبك أعاقب ". وهذا العقل الذي يدرك به الإنسان الأشياء يجري ~~من العقل الأول الذي خلق الله عز وجل مجرى النور من الشمس. فإن هذه العقول ~~عقول بالإضافة إلى الأشخاص وذلك مطلق من غير إضافة. وأما دلالة العقل على ~~شرف العقل، فهو أن ما لا ينال سعادة الدنيا والآخرة إلا به، فكيف لا يكون ~~أشرف الأشياء؟ وبالعقل صار الإنسان خليفة الله وبه تقرب إليه وبه تم دينه. ~~ولذلك قال عليه السلام: " لا دين لمن لا عقل له "، وقال: " لا يعجبكم إسلام ~~امرئ حتى تعرفوا عقله ". ولهذا قيل: # PageV01P331 # " من لم يكن عقله أغلب خصال الخير عليه، كان حتفه في أغلب خصال الشر عليه ms070 ~~"، وناهيك به شرفا أن قد شبه الله سبحانه العقل بالنور فقال: (الله نور ~~السموات والأرض) ، أي منورهما، وأكثر ما يطلق النور والظلمات في القرآن على ~~العلم والجهل، مثل قوله تعالى: (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات ~~إلى النور) ، وإنما كان ذلك بالعقل، ولذلك قال عليه السلام لعلي رضي الله ~~عنه: " إذا تقرب الناس لخالقهم بأبواب البر، فتقرب أنت بعقلك، تتنعم ~~بالدرجات والزلفى عند الناس في الدنيا، وعند الله في الآخرة ". وسنذكر وجه ~~التقرب بالعقل. # وأما الحس بمجرده، فكاف في إدراك شرف العقل والعلم، حتى أن أكبر ~~الحيوانات شخصا، أقواها بدنا، إذا رأى الإنسان احتشمه بعض الاحتشام، ~~واستشعر الخوف منه، لإحساسه بأنه مستدل عليه بجبلته. وأقرب الناس إلى ~~البهائم أجلاف العرب والترك، ورعاة البهائم منهم. ولو وقع فيما بينهم راع ~~أو فر منهم عقلا، وأكثر منهم دراية # PageV01P332 # بصناعتهم، لو قروه طبعا. ولذلك ترى الأتراك بالطبع يبالغون في توقير ~~شيوخهم، لأن التجربة ميزتهم عنهم بمزيد علم، ولذلك قال عليه السلام مطلقا: ~~" الشيخ في قومه كالنبي في أمته ". وإنما وقار النبي في أمته بعلمه وعقله، ~~لا بقوة شخصه وجمال بدنه، وكثرة ماله وقوة شوكته. ولذلك قصد كثير من ~~المعاندين قتل رسول الله عليه السلام، فلما وقع طرفهم عليه هابوه وتراءى ~~لهم نور الله في وجهه، معربا عن تميزه ملقيا للرعب في صدور معانديه، وقد ~~سمى الله عز وجل العلم روحا، فقال: (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا) . ~~وسماه حياة فقال تعالى: (أو من كان ميتا فأحييناه) ، وقال عليه السلام: " ~~ما خلق الله خلقا أكرم من العقل ". ولو جلبت الأخبار الواردة في الحث على ~~طلب العلم، لطال المقال. وأي تشريف يزيد على قوله: " إن الملائكة لتضع ~~أجنحتها لطالب العلم إرضاء بما يصنع ". # PageV01P333 ### | بيان وجوب التعلم لإظهار شرف العقل # اعلم أن شرف العقل، من حيث كونه مظنة العلم والحكمة وآلة له، ولكن نفس ~~الإنسان معدن للعلم والحكمة، ومنبع لها، وهي مركوزة فيها بالقوة في أول ~~الفطرة، لا بالفعل، كالنار في الحجر والماء في الأرض ms071 والنخل في النواة. ولا ~~بد من سعي في إبرازه بالفعل، كما لا بد من سعي في حفر الآبار لخروج الماء. ~~ولكن كما أن من الماء ما يجري من غير فعل بشري، ومنه ما هو كامن محتاج في ~~استنباطه إلى حفر وتعب، ومنه ما يحتاج فيه إلى تعب قليل، كذلك العلم في ~~النفوس البشرية، ممننه ما يخرج إلى الفعل من القوة بغر تعلم بشري، كحال ~~الأنبياء عليهم السلام، فإن علومهم تظهر من جهة الملأ الأعلى، من غير واسطة ~~بشري، ومنه ما يطول الجهد فيه كأحوال العامة من الناس، لا سيما ذوو ~~البلادة، الذين كبر سنهم في الغفلة والجهل، ولم يتعلموا زمن الصبا، # PageV01P334 # ومنه ما يكفي فيه السعي القليل، كحال الأذكياء من الصبيان. # ولكون العلوم مركوزة في النفوس، قال الله تعالى: (وإذا أخذ ربك من بني ~~آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى) . فالمراد ~~بإقرار نفوسهم المعنى الذي أشرنا إليه، من كونها موجودة بالقوة دون إقرار ~~الألسنة، فإنها لم تحصل من كلهم عند الظهور، بل من بعضهم، وكذلك قوله ~~تعالى: (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله) ، معناه لئن اعتبرت أحوالهم ~~شهدت نفوسهم وبواطنهم بذلك، " فطرة الله التي فطر الناس عليها ". فكل آدمي ~~فطر على الإيمان وما جاء الأنبياء إلا بالوحيد. ولذلك قال: " قولوا لا إله ~~إلا الله ". فإنه لن يصادف إلا من هو مصدق بالإله، وإنما غلط في عينه أو ~~صفته. ثم لما كان الإيمان بالله مركوزا في النفوس بالفطرة، انقسم الناس إلى ~~من أعرض فنسي، وهم الكفار، وإلى من أجال خاطره، فتذكر وكان كمن جمل شهادة # PageV01P335 # فنسيها بغفلة ثم تذكرها. ولذلك قال تعالى: (لعلهم يتذكرون) ، (وليذكر ~~أولوا الألباب) ، (واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به) ، ~~(ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مذكر) . والتذكير هو أكثر ما يعبر به، ~~وتسمية هذا النمط تذكرا ليس ببعيد. وكأن التذكير ضربان: أحدهما أن يتذكر ~~صورة كانت مكتسبة في قلبه بالعقل، ثم غابت عنه، والآخر أن يكون تذكره لصورة ~~مضمنة بالفطرة ms072 في الإنسان. ولذلك قال المحققون: التعلم ليس يجلب للإنسان ~~شيئا من خارج بل يكشف الغطاء عما حصل في النفوس بالفطرة، كحال مظهر الماء ~~من الأرض، ومظهر الصور في المرآة بالجلاء. وهذه حقائق ظاهرة للناظرين بعين ~~العقل، ثقيلة على من جمد به قصوره على أول رتبة صبيان المكتب، في اعتلاق ~~طبعهم بسوابق الخيالات، من ظواهر الألفاظ، من غير تحقيق لها. # PageV01P336 ### | بيان أنواع العقل # إعلم أن العقل ينقسم إلى غريزي وإلى مكتسب. فالغريزي هو القوة المستعدة ~~لقبول العلم، ووجوده في الطفل، كوجود النخل في النواة. والمكتسب المستفاد ~~هو الذي يحصل من العلوم، إما من حيث لا يدري، كفيضان العلوم الضرورية عليه، ~~بعد التمييز من غير تعلم، وإما من حيث يعلم مدركه، وهو التعلم. ولانقسام ~~العقل إلى قسمين قال الإمام علي رضي الله تعالى عنه: # رأيت العقل عقلين ... فمطبوع ومسموع # ولا ينفع مسموع ... إذا لم يك مطبوع # كما لا تنفع الشمس ... وضوء العين ممنوع # والأول هو المراد بقوله: " ما خلق الله خلقا أكرم عليه من العقل "، ~~والثاني هو المراد بقوله عليه السلام لعلي: " إذا تقرب الناس بأبواب البر، ~~فتقرب أنت بعقلك ". والأول يجري مجرى البصر للجسم، والثاني يجري مجرى نور ~~الشمس، # PageV01P337 # ولا منفعة في النور عند عمي البصر، ولا يجدي البصر عند عدم النور. فكذلك ~~بصر الباطن، وهو العقل، وهو أشرف من البصر الظاهر إذ النفس كالفارس، والبدن ~~كالفرس، وعمي الفأس أضر من عمى الفرس. ولمشابهة بصره الباطن الظاهر قال ~~تعالى: (ما كذب الفؤاد ما رأى) ، وقال: (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات ~~والأرض) . وسمي ضده عمى، قال تعالى: (فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى ~~القلوب التي في الصدور) . وقال: (ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى ~~وأضل سبيلا) . وبالجملة من لم يكن بصيرة عقله نافذة، فلا تعلق به من الدين ~~إلا قشوره، بل خيالاته وأمثلته، دون لبابه وحقيقته. فلا تدرك العلوم ~~الشرعية، إلا بالعلوم العقلية، فإن العقلية كالأدوية للصحة، # PageV01P338 # والشرعية كالغذاء، والنقل جاء من العقل، وليس لك أن تعكس. والنفس المريضة ms073 ~~المحرومة من الدواء تتضرر بالأغذية ولا تنتفع. ولذلك قال تعالى: (في قلوبهم ~~مرض) ، لما كانوا لا ينتفعون بالقرآن. والمقلد الأعمى، إذا تأمل أمور مواد ~~الشرع يتراءى له أمور متناقضة، وهي كذلك بالإضافة إلى ما فهمه. ثم قد تجبن ~~نفسه عن التأمل فيه لضعف عقله وخور طبعه، فيتكلف الغفلة عنه خيفة أن ينكسر ~~تقليده، وقد يتأمله فيدرك تناقضه، فيتحير ويبطل يقينه. ولو نظر بعين ~~البصيرة، لبطل التناقض ورأى كل شيء في موضعه. ومثاله مثال الأعمى الذي دخل ~~دارا فعثر بالكوز والطشت وأثاث الدار، فقال: لم وضعتم هذا على الطريق، لم ~~لا تردونها إلى محلها. فقيل له: إن كلا في موضعه، ولكن الخلل في البصر. ~~فهذا بيان نسبة العلم المستفاد من العقل. # واعلم أن المكتسب من العلوم بواسطة العقل ينقسم إلى المعارف الدنيوية # PageV01P339 # والآخروية، وطريقاهما متنافيان. فمن صرف عنايته إلى أحدهما، اقتصرت ~~بصيرته في الآخر على الأكثر. ولذلك ضرب الإمام علي رضي الله عنه ثلاثة ~~أمثلة. فقال: " إن مثل الدنيا والآخرة ككفتي ميزان، وكالمشرق والمغرب، ~~وكالضرتين إذا أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى ". ولذلك نرى الأكياس في أمور ~~الدنيا جهالا في أمور الآخرة، وبالعكس. ولذلك قال عليه السلام: " الكيس من ~~دان نفسه وعمل لما بعد الموت ". وقال لمن نسب بعض الصالحين إلى البله: " ~~أكثر أهل الجنة البله "، يعني في أمور الدنيا. ولذلك قال الحسن البصري: " ~~أدركنا أقواما لو رأيتموهم لقلتم مجانين، ولو رأوكم لقالوا شياطين ". ومهما ~~سمعت أمرا غريبا من أمور الدين، فلا يبعدنك عن قبوله أنه لو كان حقيقيا ~~لأدركه الأكياس من أرباب الدنيا ودقائق الصناعات الهندسية وغيرها، إذ من ~~المحال أن يظفر سالك طريق المشرق بما يوجد في المغرب، فكذلك أمر الدنيا ~~والآخر. ولذلك قال تعالى: (إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا # PageV01P340 # واطمأنوا بها) الآيتين. وقوله تعالى: (يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم ~~عن الآخرة هم غافلون) . ولا يكاد يجمع بينهما إلا من رشحه الله لتدبير ~~الخلق في معاشهم ومعادهم وهم الأنبياء المؤيدون بروح القدس، المستمدون من ~~قوة تتسع لجميع ms074 الأمور، ولا تضيع. فأما النفوس الضيقة، إذا شغلت بأمر ~~انصرفت عن غيره، ولن نقدر على الاستكمال منهما جميعا. ### | بيان وظائف المتعلم والمعلم في العلوم المسعدة # أما المعلم، فوظائفه كثيرة، وتجمع تفاصيلها عشر جمل. الوظيفة الأولى أن ~~يقدم طهارة النفس عن رديء الأخلاق. فكما لا تصح عبادة الجوارح في الصلاة، ~~إلا بطهارة الجوارح، # PageV01P341 # والعلم عبادة النفس، وفي لسان الشرع عبادة القلب، فلا يصح إلا بطهارة ~~القلب عن خبائث الأخلاق، وأنجاس الصفات. قال عليه السلام: " بني الدين على ~~النظافة ". وهو كذلك باطنا كما أنه كذلك ظاهرا، وقال تعالى: (إنما المشركون ~~نجس) ، فنبه به على أن الطهارة والنجاسة غير مقصورتين على الظاهر. ولذلك ~~قال عليه السلام: " لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ". والقلب منزل ~~الملائكة، ومحل نظرهم ومصب أثرهم، والصفات الردية كلاب مانعة، ومهما اعتقد ~~في بيت الدين صفات لا تساوي سائر الصفات المحمودة أولى، وبيت الدين هو ~~القلب، وعليه تغلب الكلام مرة، والملائكة أخرى، فإن قلت: فكم طالب رديء ~~الأخلاق، حصل العلوم؟ # PageV01P342 # فما أبعدك عن فهم العلم الحقيقي الديني، الجالب للسعادة. فما يحصله صاحب ~~الأخلاق الردية حديث ينظمه بلسانه مرة، وبقلبه أخرى، وكلام يردده، ولو ظهر ~~نور العلم على قلبه، لحسنت أخلاقه، فإن أقل درجات العلم أن يعرف أن المعاصي ~~سموم مهلكة، مبطلة للحياة الأبدية، فإن منشأها الصفات الردية. وهل رأيت من ~~عرف السم فتناوله؟ ولهذا قال علي السلام: " من ازداد علما ولم يزدد هدى، لم ~~يزدد من الله إلا بعدا ". ولهذا قال بعض المحققين: معنى قولهم تعلمنا العلم ~~لغير الله، فأبى العلم أن يكون إلا الله، أي العلم امتنع وأبى أن يحصل، وما ~~حصل كان حديثا ولم يكن علما تحقيقيا. فإن قلت: إني أرى جماعة من فضلاء ~~الفقهاء قد تبخروا فيها مع سوء أخلاقهم، فيقال لك: إذا عرفت مراتب العلوم ~~ونسبتها إلى سلوك السعادة، عرفت أن ما يعرفه أولئك الفقهاء قليل الغناء في ~~المقصود، وإن كان لا ينفك عن تعلق به في حق من يقصد به التقرب. # الوظيفة الثانية: أن يقلل ms075 علائقه من الأشغال الدنيوية، ويبعد عن الأهل ~~والولد والوطن، فإن العلائق صارفة وشاغلة للقلوب، # PageV01P343 # (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه) ، وكلما توزعت الفكرة قصرت عن درك ~~الحقائق. ولهذا قيل: العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك، فإذا أعطيته كلك، ~~فإنك من إعطائه إياك بعضه على خطر. والفكرة مهما توزعت على أمور، كانت ~~كجدول ماؤه منكشف منبسط، فينشفه الهوى والأرض، ولا يبقى منه ما يجتمع ويبلغ ~~المزرعة وينتفع به. # الوظيفة الثالثة: أن لا يتكبر على العلم وأهله ولا يتآمر على المعلم، بل ~~يلقي إليه بزمام أمره، في تفصيل طريق التعلم، ويذعن لنصحه إذعان المريض ~~للطبيب. أما التكبر على العلم، فإنه يستنكف من استفادته ممن يعرفه، وهو عين ~~الحمق، بل الحكمة ضالة كل حكيم. فحيث يجدها، ينبغي أن يغتنمها، ويستفيدها، ~~ويتقلد بها المنة. # فالعلم حرب للفتى المتعالي ... كالسيل حرب للمكان العالي # فلا بد من التواضع، ولذلك قال الله تعالى: (إن في ذلك لذكرى لمن كان له ~~قلب أو ألقى السمع وهو شهيد) ، أي يكون مشتغلا بالعلم، وهو المراد بمن له ~~قلب، أو كان فيه من العقل ما يحمله على # PageV01P344 # إلقاء السمع وحسن الإصغاء والضراعة. ومهما أشار المعلم في طريق التعلم ~~بما يراه المتعلم عين الخطأ ويعتقده قطعا، فليتهم نفسه وليصبر، وليتبع ~~معلمه، فإن خطأ معلمه خير من صواب نفسه، كسالك الطريق يكون قد استفاد ~~بالتجربة ما يتعجب المبتدئ منه. وعلى هذا نبه الله تعالى في قصة الخضر ~~وموسى فإنه قال: (هل اتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا) ، إلى قوله: (فلا ~~تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا) . ثم لم يصبر وراجعه وراده إلى أن ~~قال: (هذا فراق بيني وبينك) . # PageV01P345 # ثم نبه على أسرار ما استبعده، كما ورد به القرآن، فعرف الله موسى أن ~~العلم يعلم ما لا ينتهي إليه عقل المتعلم ووهمه. # وبالجملة فكل متعلم لم يتبع مراسم معلمه في طريق التعلم، فأحكم عليه ~~بالإخفاق وقلة النجح، فإن قلت فقد قال الله تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن ~~كنتم ms076 لا تعلمون) ، فاعلم أن هذا ليس مناقضا لمنع موسى من السؤال، ولا لما ~~ذكرناه، لأن النهي هو منع عن طلب، ما لم يبلغ إلى حد يدركه. فإذا منعه ~~المعلم من السؤال عنه، فليمتنع. والأمر هو حث على معرفة تفصيل ما تقتضيه ~~رتبته من العلم. # الوظيفة الرابعة: إن الخائض في العلوم النظرية لا ينبغي أن يصغي أولا إلى ~~الاختلاف الواقع بين الفرق والشبه المشككة والمحيرة، ما لم يكن بعد تمهيد ~~قوانينه. فإن ذلك يفتر عزمه في أصل العلم، # PageV01P346 # ويؤيسه عن حقيقة الدرك، لأسباب ذكرناها في كتاب " معيار العلم ". فليتقن ~~الأصول والرأي الذي اختاره استاذه وطريقه. ثم ليخض بعد ذلك في تعريف الشبه ~~وتعقبها، ولهذا نهى الله تعالى من لم يقو في الإسلام عن مخالطة الكفار، حتى ~~قيل كان أحد أسباب تحريم الخنزير ذلك، إذ كان أكثر أطعمة الكفار، فحرم ذلك ~~ليكون مزجرة للمسلمين عن مؤاكلتهم، التي كانت سببا للمخالطة. ولهذا يجب ~~صيانة العوام عن مجالس أهل الأهواء، كما يصان الحرم عن مخالطة المفسدين. ~~فأما من قويت في الدين شكيمته، واستقر في نفسه برهانه وحجته، فلا بأس عليه ~~بالمخالطة، بل الأحب المخالطة والإصغاء إلى الشبه والاشتغال بحلها، ويكون ~~به مجاهدا. فإن القادر يستحب له التهجم على صف الكفار، والعاجز يكره له ~~ذلك. ومن هذا الأصل غلط من ظن أن وظائف الضعفاء كوظائف الأقوياء في الدين، ~~حتى قال بعض مشايخ الصوفية: من رآني في الابتداء قال صديقا، ومن رآني في ~~الانتهاء قال زنديقا، يعني أن الابتداء يقتضي المجاهدة الظاهرة للأعين ~~بكثرة العبادات، وفي الانتهاء يرجع العمل إلى الباطن، فيبقى القلب على ~~الدوام في عين الشهود والحضور، وتسكن ظواهر الأعضاء، # PageV01P347 # فيظن أن ذلك تهاون بالعبادات، هيهات! فذلك استغراق لمخ العبادات ولبابها ~~وغايتها، ولكن أعين الخفافيش تكل عن درك نور الشمس. # الوظيفة الخامسة: للمتعلم أن لا يدع فنا من فنون العلم، ونوعا من أنواعه ~~إلا وينظر فيه نظرا يطلع به على غايته ومقصده وطريقه. ثم إن ساعده العمر ~~وأتته الأسباب طلب التبحر فيه، فإن العلوم ms077 كلها متعاونة مترابطة بعضها ~~ببعض، ويستفيد منه في الحال حتى لا يكون معاديا لذلك العلم بسبب جهله به. ~~فإن الناس أعداء ما جهلوا. قال تعالى: (وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك ~~قديم) ، قال الشاعر: # ومن يك ذا فم مر مريض ... يجد مرا به الماء الزلالا # فلا ينبغي أن يستهين بشيء من أنواع العلوم، بل ينبغي أن يحصل كل علم ~~ويعطيه حقه ومرتبته، فإن العلوم على درجاتها إما سالكة بالعبد إلى الله، أو ~~معينة على أسباب السلوك، ولها منازل مرتبة في القرب والبعد من المقصد. ~~والقوام بها حفظته كحفظة الرباطات والثغور على طريق الجهاد والحج، ولكل ~~واحد منها رتبه. # الوظيفة السادسة: أن لا يخوض في فنون العلم دفعة، بل # PageV01P348 # يراعي الترتيب، فيبدأ بالأهم فالأهم، ولا يخوض في فن حتى يستوفي الفن ~~الذي قبله، فإن العلوم مرتبة ترتيبا ضروريا وبعضها طريق إلى بعض. والموفق ~~مراعي ذلك الترتيب والتدريج. قال تعالى: (الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق ~~تلاوته) ، أي لا يجاوزون فنا حتى يحكموه علما وعملا. وليكن قصده من كل علم ~~يتحراه الترقي إلى ما فوقه. وينبغي أن لا تحكم على علم بالفساد لوقوع ~~الاختلاف بين أصحابه فيه، ولا بخطأ واحد أو آحاد فيه، ولا بمخالفتهم موجب ~~العلم بالعمل، فيرى جماعة تركوا النظر في العقليات والفقهيات، متعللين فيها ~~بأنه لو كان لها أصل لأدركها أربابها. وقد مضى كشف هذه الشبهة في كتابنا " ~~معيار العلم "، ويرى قوم يعتقدون صحة النجوم لصواب اتفق لواحد، وطائفة ~~يعتقدون بطلانه لخطأ اتفق لواحد، والكل خطأ. بل ينبغي أن يعرف الشيء في ~~نفسه، فلا كل علم يستقل به كل شخص. ولذلك قال الإمام علي رضي الله تعالى ~~عنه: " لا تعرف الحق بالرجال، إعرف الحق تعرف أهله ". # الوظيفة السابعة: إن العمر إذا لم يتسع لجميع العلوم، فينبغي أن يأخذ من ~~كل شيء أحسنه، فيكتفي بشمة من كل # PageV01P349 # علم، ويصرف الميسور من العمر إلى العلم الذي هو سبب النجاة والسعادة، وهو ~~غاية جميع العلوم، وهي معرفة الله على الحقيقة والصدق. فالعلوم ms078 كلها خدم ~~لهذا العلم، وهذا العلم حر لا يخدم غيره. ولهذا قال تعالى: (قل الله ثم ~~ذرهم في خوضهم يلعبون) ، وليس المراد تحريك عضلات اللسان بهذه الحروف، ولذا ~~قال: " من قال لا إله إلا الله مخلصا دخل الجنة "، فإن حركة الأطراف قليل ~~الغناء، إذا لم يكن مؤثرا في القلب، أو لم يكن صادرا عن أثر راسخ في القلب، ~~أو له اعتقاد يسمى إيمانا. ثم ينتهي ترتيبه إلى مثل إيمان أبي بكر، الذي ~~وزن بإيمان العالمين لرجح. هذا مع التصريح بأنه ما فضلكم بكثرة صيام وصلاة ~~ولكن بسر وقر في قلبه. فإن كان منتهى العلم بالله اعتقاد ما أعتقده المقلد ~~المتكلم المتعلم بتحرير الدليل، فما عندي أن هذا يعجز عنه عمر وعثمان وكافة ~~الصحابة، حتى كان قد فضلهم أبو بكر به. # وبهذا يستبين للمنصف أن طريق الصوفية، وإن كان يرى مائلا عن أكثر ~~الظواهر، فمشهود له من الشرع بشواهد قوية. فلا ينبغي أن يعاديها الجاهل ~~لجهله وقصوره عنها. # PageV01P350 # وعلى الجملة فمعرفة الله غاية كل معرفة، وثمرة كل علم، على المذاهب كلها. ~~وقد روي أنه رؤي صورتا حكيمين من الحكماء المتعبدين في مسجد، وفي يد أحدهما ~~رقعة فيها: " إن أحسنت إلى شيء، فلا تظنن أنك أحسنت شيئا، حتى تعرف الله ~~تعالى، وتعلم أنه مسبب الأسباب وموجد الأشياء ". وفي يد الآخر: " كنت قبل ~~أن عرفت الله أشرب وأظمأ، حتى إذا عرفته رويت بلا شرب ". # الوظيفة الثامنة: أن تعرف معنى كون بعض العلوم أشرف من بعض فإن شرف العلم ~~يدرك بشيئين: أحدهما بشرف ثمرته، والآخر بوثاقه دلالته. وذلك كعلم الدين ~~وعلم الطب، الذي ثمرته حياة البدن إلى غاية الموت. وأما الحساب إذا أضفته ~~إلى الطب، فالحساب أشرف باعتبار وثاقه دلالته، فإن العلوم بها ضرورية غير ~~متوقفة على التجربة بخلاف الطب. والطب أشرف باعتبار ثمرته، فإن صحة البدن ~~أشرف من معرفة كمية المقادير. والنظر إلى شرف الثمرة أولى من النظر إلى ~~وثائقه الدليل. # PageV01P351 # وأشرف العلوم ثمرة العلم بالله وملائكته وكتبه ورسله وما يعين عليه، فإن ms079 ~~ثمرته السعادة الأبدية. # الوظيفة التاسعة: أن تعرف أنواع العلوم بقول جملي، وهي ثلاثة: علم يتعلق ~~باللفظ، من حيث يدل على المعنى، وعلم يتعلق بالمعنى المجرد. أما المتعلق ~~باللفظ، فهو ما عرف به المعاني بالحس وأريد أن تعرف الألفاظ الموضوعة ~~بالاصطلاح للدلالة عليها وهي قسمان: أحدهما علم اللغات، والآخر لواحقها، ~~كعلم الاشتقاق والإعراب والنحو والتصريف وعلم العروض والقوافي، وقد ينتهي ~~إلى العلم بمخارج الحروف وما يتعلق به. وأما المتعلق بالمعنى من حيث يدل ~~الفظ عليه، فعلم الجدل والمناظرة والبرهان والخطابة. فإن الناظر في هذه ~~العلوم عالم باللغة وموجوب الألفاظ، وعالم بالمعاني، وعالم بترتيب إيرادها، ~~وكيفية نظمها على وجه يؤدي إلى تحصيل العلم اليقيني، فيكون برهانا، أو إلى ~~إفحام الخصم فيكون جدلا، أو إلى إقناع النفس الإقناع الذي يبتغي الاستدراج ~~والمجادلة، # PageV01P352 # فيسمى خطابة ووعظا، ويسمى أيضا دليلا، فإنها تدل على المخاطبين على ~~المقاصد، وتسوقهم إلى اعتقاداتهم، التي فيها نجاتهم. وعليه أكثر دلالات ~~الأخبار والقرائن المستدل بها على الكفار. وهو أكثر أنواع الأدلة نفعا، ~~وأعمقها في حق الجماهير جدوى. # فأما البرهان الحقيقي اليقيني، فلا يستقل بفهمه ودركه إلا أكابر العلماء ~~المحققين الذين لا تسمح الأعصار بآحادهم. وأما الجدل فأقل الأقسام فائدة في ~~الإرشاد، إذ المحقق لا يقنع بما يبني دلالته على تسليم الخصم، وليس مسلما ~~في نفسه. والعامي لا يفهمه بل يكل فهمه عن دركه، والمشاغب المناظر في أكثر ~~الأمر، إذا أفحم استمر على اعتقاده وأحال بالقصور على نفسه، وقال: لو كان ~~صاحب مذهبي حيا وحاضرا، لقدر على الانفصال عنه، وأكثر ما ذكره المتكلمون في ~~مناظراتهم مع الفرق جدليات، وهكذا ما يجري في مناظرات الفقه. ولذلك لا ~~تنكشف مناظرة عن تنبه متنبه برجوعه عن مذهبه إلى غيره. # وأما القسم الثالث المتعلق بالمعنى، فضربان: علمي مجرد وعملي. أما العلمي ~~فمعرفة الله تعالى ومعرفة # PageV01P353 # الملائكة وملكوت السموات والأرض وآيات الآفاق والأنفس وما بث فيها من ~~دابة، ومعرفة الكواكب السماوية والآثار العلوية، ومعرفة أقسام الموجودات ~~كلها، وكيفية ترتب البعض منها على البعض، وكيفية ارتباط البعض منها ms080 بالبعض، ~~وكيفية ارتباطها بالأول الحق المقدس عن الارتباط بغيره، ومعرفة القيامة ~~والحشر والنشر والجنة والنار والصراط والميزان، ومعرفة الجن والشياطين، ~~وتحقق أن ما سبق إلى الإفهام العامية من ظاهر هذه الألفاظ، حتى تخيلوا منها ~~في الله تعالى أمورا، من كونه على العرش وفوق العالم بالمكان وقبله ~~بالزمان، وما اعتقدوه في الملائكة والشياطين، وفي أحوال الآخرة من الجنة ~~والنار، هل هي كما اعتقدوه من غير تفاوت، أو هي أمثلة وخيالات، ولها معان ~~سوى المفهوم عن ظاهرها؟ فتحقق هذه الأمور بالصدق والحقيقة الصافية عن الشك، ~~ورجم الظنون المنفكة عن المرية والتخمين، هي العلوم النظرية المجردة عن ~~العمل. # PageV01P354 # وأما العملي فهي الأحكام الشرعية، والعلوم الفقهية، والسنن النبوية. وذلك ~~معرفة سياسة النفس مع الأخلاق كما مضى، ومعرفة تدبير أهل البيت والولد ~~والمطعم والملبس. وكيفية المعيشة والمعاملة. وهذا علم الفقه، ويشتمل على ~~ربع المعاملات والنكاح والعقوبات. ثم إذا عرف أنواعها، فينبغي أن يعرف ~~مراتبها، كيلا يضيع العمر إلا في المقصود، أو فيما يقرب منه. وأما المقتنع ~~بالقسم الأول المتعلق باللفظ، فمختصر على القشر المحض. والقانع منه بالنحو ~~والإعراب والعروض ومخارج الحروف، فقانع أيضا من القشرة بأوجهها. وأما ~~الخائض في تعرف الطريق الذي به يتميز الدليل الحقيق عن الإقناع، فمشتغل ~~بأمر مهم. فإن اقتصر عليه فهو مقتصر على الآلة والوسيلة، كمن يقصد الحج ~~فيشتري الجمل ويعد الزاد والراحلة، ويقعد في بيته. فلذلك مهم وضروري لكونه ~~آلة ضرورية، ولكن إذا لم # PageV01P355 # يستعمل في المقصد، لا فائدة له. فلا خير في مجرد السلاح إذ لم يستعمل في ~~القتال. # وأما الخائض في العلوم العملية المقتصر عليها، أعني الفقهيات وتفصيلها، ~~فحالة أقرب من حال المقتصر على اللغات، فهو بالإضافة إليه عظيم القدر، كما ~~أن العلم باللغات أيضا بالإضافة إلى العلم بالرقص والزمر عظيم، ولكن أن ~~أضيف إلى جانب المقصود، فهو في غاية البعد ولا يتشكل ذلك إلا بمثال. فإذا ~~علق السيد عتق عبده على أن يحج، ووعده بعد ذلك بما ينال به الرئاسة، فله ~~ثلاث مقامات في الوصول إلى سعادة ms081 العتق وما بعده. الأول تهيئة الأسباب ~~بشراء الناقة وخرز الرواية وإعداد الزاد، والآخر السلوك لمفارقة الوطن ~~والتوجه إلى المقصد منزلا بعد منزل، والثالث الاشتغال بالحج ركنا فركنا، ثم ~~العتق معه، مع التعرض لاستحقاقه المال الموصل إلى السعادة، وله في كل مقام ~~منازل من أول إعداد الأسباب إلى آخره، ومن أول سلوك الطريق إلى آخره. وليس ~~قرب من ابتدأ بأركان الحج من السعادة كقرب من # PageV01P356 # ابتدأ بالاستعداد، ولا كقرب من ابتدأ بالسلوك. فوازن الحج مما نحن فيه ~~كمال النفس بطهارة الأخلاق، وقطع الرذائل كلها، وكمالها مع ذلك بانكشاف ~~الحقائق لها. ومثال المال الموصل إلى الرئاسة ها هنا الموت، الذي يكشف ~~الحجاب الحائل بينه وبين رتبة مشاهدة نفسه، وكمالها وجمالها، ليرى نفسه من ~~الكمال في أعلى عليين، فيفرح به ويسر سرورا مؤبدا. ومثال سلوك منازل الطريق ~~منزلا بعد منزل سلوك مهذب الأخلاق في محو الأخلاق الرديئة عن نفسه خلقا بعد ~~خلق، وطالب العلوم النظرية التي ذكرناها دون سائر العلوم، الخادمة للعلوم ~~النظرية من الفقهيات واللغويات. فالمتعلم للفقه كالخارز للرواية، والمقتصر ~~عليه كالمقتصر على الرواية، والمقتصر على اللغة كالمقتصر على دباغة الجلد، ~~الذي يتخذ منه الرواية مثلا، فإن الحاج لا يستغني عن الدباغ ومستغرق أوقاته ~~بمعرفة تفريعات الفقه، على ما يشتمل عليه الخلافيات في هذا العصر، مما لم ~~يعهد في عصر الصحابة، # PageV01P357 # كمستغرق أوقاته في أحكام الرواية، بعد سلوك الخيوط التي يخرزها وتحسن ~~الخرز. # فإن قلت: فهذا إن قلته عن اعتقاد فهو خلاف اجماع الفقهاء، وإن قلته ~~حكاية، فمن المعتقد لهذا المذهب؟ فأقول: لست أقوله إلا حكاية عن هذا المذهب ~~الذي مدار أكثر هذا الكتاب على وضعه، وهو مذهب التصوف. وقد اتفقوا على ~~المعنى الذي يفهمه هذا المثال، وإن لم يكن هذا المثال بعينه من جهتهم. فإن ~~قلت: فهل ما قالوه حق أم لا؟ فأقول ليس هذا الكتاب لبيان الحق والباطل ~~بالبرهان في هذه الأمور، بل هي وصايا تنبه على الغفلة وترشد إلى مواضع ~~الطلب، كي لا يغفل الإنسان عما قالوه. فإن إمكانه ms082 ليس ببعيد في أول الأمر، ~~فليبحث المتعلم المسترشد عنه ليعرف سره وغائلته. فإن قلت: إني وأن كنت لا ~~أعتقد مذهب التصوف، فلا تسمح نفسي أيضا بعد أن استغرقت عمري في الفقه خلافا ~~ومذهبا أن أنحط عند الصوفية إلى هذه الرتبة الخسيسة، فأرى بهذه العين، فلم ~~قلت أن مذهبهم يوجب هذا؟ فاعلم إنك تتحقق السبب إن علمت تفاصيل ما سبق من ~~ارتباط السعادة بمحو وإثبات عن النفس. وفيها، وأن المحو لما لا ينبغي أن ~~يكون تزكية لها، والإثبات لما ينبغي أن يكون تكميلا لها بكشف الحقائق فيها. ~~وذلك لا يحصل إلا بتهذيب الأخلاق، والتفكر في آلاء # PageV01P358 # الله وملكوت السموات والأرض، حتى تنكشف أسرارها. والفقه إنما يحتاج إليه ~~من حيث أنه محتاج إليه البدن، والبدن لا يبقى إلا بعلم الأبدان، وهو الطب. ~~وعلم الأديان، وهو الفقه، إذ الآدمي خلق بحيث لا يمكن أن يعيش وحده ~~كالبهيمة الوحشية، بل يفتقر إلى أن يكون بين جمع متعاونين على أشغال كثيرة، ~~في تهيئة المطاعم والملابس وآلاتهما، ولا بد إذ كان لهم اجتماع من أن يكون ~~بينهم عدل وقانون في المعاملة، عليه يترددون، ولولاه لتنازعوا وتقاتلوا ~~وهلكوا. فالفقه هو بيان ذلك القانون، وتفصيله في ربع النكاح والمعاملات ~~والعقوبات، فالبدن في طريق السائرين إلى الله تعالى يجري مجرى الناقة ~~الراوية في طريق الحج، ومصالح الأبدان كمصالح الناقة، والراوية والعلم ~~والمتكفل بمصالح البدن كالصناعة المتكفلة بخرز الراوية وتقديرها وتطهيرها، ~~ورتبته من هذا المقصد كرتبتها من ذلك المقصد إن صح ما ذكروه في السلوك ~~والاستعداد والمقصد، وإنهم يقولون لولا إرادة الله عمارة الدنيا، لارتفعت ~~الحجب وزالت الغفلة وتوجه الخلق كلهم إلى سبيل الله، وترك كل فريق ما هو ~~بعيد عن المقصود، ولكن كل حزب بما لديهم # PageV01P359 # فرحون، وبه قوام العالم، بل لولاه لبطلت الصناعات. فلو لم يعتقد الخياط ~~والحائك والحجام في صنعته ما يوجب ميله إليها، لتركها وأقبل الكل على أشرف ~~الصنائع، ولبطلت كثرة الصنائع. فإن رحمة الله غفلتهم بوجه من الوجوه. وعليه ~~حمل بعضهم قوله عليه السلام: " اختلاف ms083 أمتي رحمة "، يعني اختلاف هممهم، ولو ~~عرف الكناس ما في صناعته لتركها، ولاضطر العلماء والخلفاء والأولياء أن ~~يتولوها بأنفسهم. وكذلك الدباغة والحدادة والزراعة، وجميع الأمور فلولا أن ~~الله تعالى حبب علم الفقه والنحو ومخارج الحروف والطب والفقه في قلوب ~~طوائف، لبقيت هذه العلوم معطلة، ولتشوش النظام الكلي، وليس من شرط المتجرد ~~لعلم أو صناعة أن يتطلع على قدر رتبته ونسبته إلى من فوقه. بل إلى من تحته. ~~وإنما المطلع على حملة مراتب العلوم هم المتكفل بالعلوم كلها، وهو الذي ~~آتاه الله الحكمة، وأراه الأشياء على ما هي عليه. فهذا جواب هؤلاء، وإليك ~~الرأي بعد هذا في الاقتصار على ما أنت فيه، أو سلوك طريق هؤلاء والبحث عن ~~هذا الفن، لتعرف حقيقة الحق فيه. # PageV01P360 # الوظيفة العاشرة: للمتعلم أن يكون قصده في كل ما يتعلمه في الحال كمال ~~نفسه وفضيلتها، وفي الآخرة التقرب إلى الله عز وجل. ولا يكون قصده الرئاسة ~~والمال، ومباهاة السفهاء، ومماراة العلماء، فقد قال عليه السلام: " من تعلم ~~العلم ليباهي به السفهاء ويماري به العلماء دخل النار "، وقد سبق أن العلوم ~~لها منازل في الوصول بها إلى الله عز وجل، والقوام بتلك العلوم كحفظة ~~الرباطات في طريق الجهاد. فإذا عرف كل أحد رتبته ووفاه حقه وقصد به وجه ~~الله تعالى، لم يضع أجره، فإن الله يرفعه بقدر علمه في الدنيا والآخرة. ~~وقال تعالى: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) ، ~~وقال: (هم درجات عند الله) . ولا ينبغي أن يفتر رأيك في العلوم بما حكيناه ~~من طريق الصوفية، فإنهم لا يعتقدون حقارة العلوم، بل يعتقد كل مسلم حرمتها ~~وعظمتها. وما ذكروه، إنما أوردوه بالإضافة إلى مرتبة الأولياء والأنبياء، ~~وذلك جار مجرى استحقارك الصيارفة عند قياسهم بالسلاطين والوزراء. وذلك لا ~~يوجب نقيصتهم، مهما قستهم بالكناسين والدباغين، ولا تطالب من نزل عن الرتبة ~~القصوى لسقاطة القدر بها، فإن الرتبة القصوى # PageV01P361 # للأنبياء، ثم للأولياء، ثم للعلماء، على تفاوت مراتبهم، ثم للصالحين في ~~الأعمال. وبالجملة (فمن يعمل مثقال ذرة يره) . ومن ms084 قصد التقرب إلى الله ~~بالعلوم، نفعه الله ورفعه لا محالة. # فهذه هي الوظائف للمتعلم. وأما وظائف المعلم المرشد فهي ثمان. واعلم قبل ~~كل شيء أن للإنسان في العلم أربعة أحوال، كما في اقتناء الأموال، إذ لصاحب ~~المال حال استفادة، فيكون مكتسبا، وحال ادخار لما اكتسبه، فيكون به غنيا عن ~~السؤال، وحال انفاق على نفسه، فيكون منتفعا، وحال إفادته غيره بالإنفاق، ~~فيكون به سخيا متفضلا، وهو أشرف أحواله، فمن أصاب علما فاستفاد وأفاد، كان ~~كالشمس تضيء لنفسها ولغيرها، وهي مضيئة، مستغن عن السؤال، وحال استبصار وهو ~~تفكره في المحصل، وحال تبصير وتعليم، وهو أشرف أحواله، فكذلك العلم كالمال، ~~ولصاحبه استبصار وهو تفكيره في المحصل، وحال تبصير وتعليم وهو أشرف أحواله. ~~فمن أصاب علما فاستفاده وأفاد # PageV01P362 # كان كالشمس تضيء لنفسها ولغيرها، وهي مضيئة، والمسك الذي يطيب وهو طيب، ~~ومن أفاد غيره ولم ينتفع به، فهو كالدفتر يفيد غيره، وهو خال عنه، وكالمسن ~~يشحذ غيره يقطع، أو كذبالة المصباح تضيء غيرها وهو تحترق. # فأول وظائف المعلم أن يجري المتعلم منه مجرى بنيه، كما قال عليه السلام: ~~" إنما أنا لكم مثل الوالد لولده ". وليعتقد المتعلم أن حق المعلم أكبر من ~~حق الأب، فإنه سبب حياته الباقية، والأب سبب حياته الفانية، وكذلك قال ~~الإسكندر، لما قيل له: أمعلمك أكرم عليك أم أبوك؟ فقال: " بل معلمي ". وكما ~~أن من حق بني الأب الواحد أن يتحابوا ولا يتباغضوا، فكذلك حق بني المعلم، ~~بل حق بني الدين الواحد. فإن العلماء كلهم مسافرون إلى الله تعالى، وسالكون ~~إليه الطريق. في الطريق يوجب تأكد المودة، فأخوة الفضيلة فوق أخوة الولادة. ~~وإنما منشأ التباغض إرادتهم بالعلم المال الرياسة، فيخرجون به عن سلوك سبيل ~~الله، ويخرجون عن قوله تعالى: # PageV01P363 # (إنما المؤمنون إخوة) ، ويدخلون تحت قوله: (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو ~~إلا المتقين) . # الوظيفة الثانية: أن يقتدي بصاحب الشرع، فلا يطلب على إفادة العلم أجرا ~~وجزاء. قال تعالى: (قل لا أسئلكم عليه أجرا) . فإن من يطلب المال وأغراض ~~الدنيا بالعلم، كمن نظف أسفل ms085 مداسه بوجهه ومحاسنه، فجعل المخدوم خادما، إذ ~~خلق الله الملابس والمطاعم خادمة للبدن، وخلق البدن مركبا، وخادما للنفس، ~~وجعل النفس خادمة للعلم. فالعلم مخدوم ليس بخادم، والمال خادم ليس بمخدوم. ~~ولا معنى للضلال إلا عكس هذا الأمر. والعجب أن الأمر قد انتهى بحكم تراجع ~~الزمان، وخلو الأعصار عن علماء الدين، إلى أن صار المتعلم يقلد معلمه ~~ليستفيد منه، ويجلي بين يديه ويطمع في أغراض دنيوية، عوضا عن استفادته، ~~وهذا غاية الانتكاس ومنشأ ذلك طلب المعلمين الرياسة، والتجمل بكثرة ~~المستفيدين، # PageV01P364 # لقصور علمهم وعدم ابتهاجهم بكمال علومهم الذاتية، فأطمع ذلك المستفيدين ~~منهم فيهم. # الوظيفة الثالثة: ألا يدخر شيئا من نصح المتعلم وزجره عن الأخلاق الردية، ~~بالتعريض والتصريح، ومنعه أن يتشوق إلى رتبة فوق استحقاقه، وأن يتصدى ~~لاشتغال فوق طاقته، وأن ينبهه على غاية العلوم، وإنما هي السعادة الآخروية ~~دون أغراض الدنيا. فإن رأى من لا يتعلم إلا لأجل طلب الرياسة، ومباهاة ~~العلماء، لم يزجره عن التعلم. فاشغاله بالتعلم مع هذا القصد خير من لأعراض، ~~فإنه مهما اكتسب العلم تنبه بالآخرة لحقائق الأمور. وأن الطالب بالعلم ~~لأغراض الدنيا منغبون، وقد بين العلماء هذا المعنى بقولهم: " تعلمنا العلم ~~لغير الله، فأبى العلم أن يكون إلا لله ". بل أقول: إن كان الناس لا يرغبون ~~في تعلم العلم لله، فينبغي أن يدعوهم إلى نوع من العلم يستفاد به الياسة ~~بالأطماع في الرياسة، حتى يستدرجهم بعد ذلك إلى الحق. ولهذا رؤي الرخصة في ~~علم المناظرة في الفقهيات، لأنها بواعث على المواظبة لطلب المباهاة أولا، ~~ثم بالآخرة، يتنبه لفساد قصده، ويعدلك عنه إلى التعلم بالأطماع في الرياسة ~~إنا نطمعه فيه بالصولجان، وشراء الطيور، # PageV01P365 # وأسباب اللعب، ونطلق له ذلك في بعض الأوقات، لتنبعث دواعيه إلى التعلم ~~ابتداء طمعا فيما رعيناه آخرا تدريجيا، وقد جعل الله تعالى قصد الرياسة من ~~تعلم العلم حفظا للشرع والعلم. # ويجري تحريض المتعلمين على العلم بالأطماع في الرياسة وحسن الذكر مجرى ~~الحب يبث حوالي القمح والملواح المقيد على الشبكة ومجرى شهوة الغذاء ~~والنكاح التي خلقهما ms086 الله داعية إلى الفعل الذي فيه بقاء الشخص والنوع، ~~ولولا هذه المصلحة في المناظرة، لما كان يجوز أن يسمح فيها بحال من ~~الأحوال، فإنها ليست تفضي إلى تغيير المذاهب، وترك المعتقد. # الوظيفة الرابعة: إنه ينبغي أن ينهي عما يجب النهي عنه، بالتعريض لا ~~بالتصريح، لأن التعريض يؤثر في الزجر، والتصريح بالزجر مما يغري بالمنهى ~~عنه. قال عليه السلام: " لو نهي الناس عن فت البعر لفتوه، وقالوا ما نهينا ~~عنه إلا وفيه شيء ". وينبه على هذا قصة آدم وحواء وما نهيا عنه. وقد قيل: ~~رب تعريض أبلغ من تصريح. وذلك أن النفوس الفاضلة لميلها إلى الاستنباط ~~والتنبه للخفيات، تميل إلى التعريض شغفا باستخراج معناه بالفكر. والتعريض ~~لا يهتك حجاب الهيبة، # PageV01P366 # والتصريح يرفعه بالكلية، فيستفيد المنهي جراءة على المخالفة إذا اضطر إلى ~~المخالفة مرة أخرى. # الوظيفة الخامسة: إن المتكفل ببعض العلوم، لا ينبغي له أن يقبح في نفس ~~المتعلم العلم الذي ليس بين يديه، كما جرت عادة معلمي اللغة من تقبيح ~~الفقه، عند المتعلمين وزجرهم عنه، وعادة الفقهاء من تقبيح العلوم العقلية ~~والزجر عنها، بل ينبه على قدر العلم الذي فوقه ليشتغل به عند استكمال ما هو ~~بصدده. وإن كان متكفلا بعلمين مترتبين، فإذا فرغ من أحدهما رقي المتعلم إلى ~~الثاني وراعى فيه التدريج. # الوظيفة السادسة: أن يقتصر بالمتعلمين على قدر إفهامهم، فلا يرقيهم إلى ~~الدقيق من الجلي، وإلى الخفي من الظاهر، هجوما وفي أول رتبة، ولكن على قدر ~~الاستعداد، اقتداء بمعلم البشر كافة ومرشدهم حيث قال: " إنا معشر الأنبياء ~~أمرنا أن ننزل الناس منازلهم، ونكلم الناس بقدر عقولهم ". وقال: " ما أحد ~~يحدث قوما حديثا لا يبلغه عقولهم، إلا كان ذلك فتنة على بعضهم ". وقال: علي ~~رضي الله عنه، وقد أومأ إلى صدره: " إن ههنا لعلوما جمة، لو وجدت لها حملة ~~". وقال عليه السلام: " كلموا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون، أتريدون ~~أن # PageV01P367 # يكذب الله ورسوله "، وقال تعالى: (ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم) . ~~وسئل بعض المحققين عن شيء فأعرض، فقال السائل: ms087 أما سمعت قول رسول الله عليه ~~السلام: " من كتم علما نافعا، جاء يوم القيامة ملجما بلجام من نار "، فقال: ~~اترك اللجام واذهب فإن جاء من يفقه فكتكته فليلجمني به. ولما قال تعالى: ~~(ولا تؤتوا السفهاء أموالكم) ، نبه على أن حفظ العلم وإمساكه عمن يفسده ~~العلم أولى. ولما قال تعالى: (فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم) ~~نبه على أن من بلغ رشده في العلم، ينبغي أن يبث إليه حقائق العلوم، ويرقى ~~من الجلي الظاهر، إلى الدقيق الخفي الباطن، فليس الظلم في منع المستحق، ~~بأقل من الظلم في إعطاء غير المستحق. وقال المتقدم في مثل ذلك: # PageV01P368 # فمن منح الجهال علما أضاعه ... ومن منع المستوجبين فقد ظلم # وادخار حقائق العلوم عن المستحق لها فاحشة عظيمة. قال الله تعالى: (وإذ ~~أخذ الله مثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمون) . # الوظيفة السابعة: إن المتعل القاصر ينبغي أن يذكر له ما يحتمله فهمه، ولا ~~يذكر له أن ما وراء ما ذكرت ذلك تحقيقا وتدقيقا أدخره عنك، فإن ذلك يفتر ~~رأيه في تلقف ما ألقي إليه، بل يخيل إليه أنه كل المقصود، حتى إذا استقل به ~~رقي إلى غيره بالتدريج. ومن هذا يعلم أن تقيد من العوام بقيد الشرع، واعتقد ~~الظاهر وحسن حاله في السيرة، فلا ينبغي أن يشوش عليه اعتقاده وينبه على ~~تأويلات الظواهر. فإن ذلك يؤدي إلى أن ينحل عنه قيد الشرع، ثم لا يمكن أن ~~يقيد بتحقيق الخواص فيرتفع السد الذي بينه وبين الشرور، فينقلب شيطانا ~~وشريرا، بل ينبغي أن يرشد إلى علم العبادات الظاهرة، والأمانة في الصناعة، ~~التي هو بصددها، وأن يملأ نفسه من الرغبة والرهبة على الوجه الذي نطق به ~~القرآن، وأن لا يولد شبهة، فإن تولدت شبهة وتشوقت نفسه إلى حلها، فيعالج ~~دفع شبهته بما يقنع به من كلام عامي، وإن لم يكن على حقائق الأدلة. # PageV01P369 # ولا ينبغي أن يفتح له باب البحث والطلب، فإنه يعطل عليه الصناعة التي بها ~~تعمر الأرض وينتفع الخلق. ثم يقصر عن درك العلوم، ms088 فإن وجد ذكيا مستعدا ~~لقبول الحقائق العقلية، جاز أن يساعده على التعليم، إلى أن تنحل له ~~الشبهات، وقد حكي عن بعض الأمم السالفة أنهم كانوا يختبرون المتعلم مدة في ~~أخلاقه، فإن وجدوا فيه خلقا رديا منعوه التعلم أشد المنع. وقالوا إنه ~~يستعين بالعلم على مقتضى الخلق الردي، فيصير العلم آلة شر في حقه، وإن ~~وجدوه مهذب الأخلاق قيدوه في دار العلم، وعلموه وما أطلقوه قبل الاستكمال، ~~خيفة أن يقتصر على البعض، ولا تكمل نفسه، فيفسد به دينه ودين غيره، وبهذا ~~الاختبار قيل: " نعوذ بالله من نصف متكلم ونصف طبيب. فذلك يفسد الدين وهذا ~~يفسد الحياة الدنيا ". # الوظيفة الثامنة: أن يكون المعلم للعلم العملي، أعني الشرعيات، عاملا بما ~~يعلمه، فلا يكذب مقاله بحاله، فينفر الناس عن الاسترشاد والرشد. وذلك أن ~~العمل مدرك بالبصر، والعلم بالبصيرة، وأصحاب الأبصار أكثر من أرباب ~~البصائر. # PageV01P370 # فليكن عنايته بتزكية أعماله أكثر منه بتحسين علمه ونشره. وكل طبيب تناول ~~شيئا وزجر الناس عنه، وقال: " لا تتناولوه فإنه سم "، يحمل على الهزؤ ~~والسفه. وإنما هو الذي اعتقد فيه أنه أنفع الأشياء يريد أن يستأثر به، ~~فينقلب النهي إغراء وتحريضا. والمتعظ من الواعظ يجري مجرى الطين من النقش، ~~والظل من العود، وكيف ينتقش الطين بما لا نقش فيه، وكيف يستوي الظل، والعود ~~أعوج؟ ولذلك قيل: # لا تنه عن خلق وتأت مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم # بل قال الله تعالى: (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم) . ولذلك قيل: ~~وزر العالم في معاصيه أكثر من وزر غيره، لأنه يقتدى به، فيحمل أوزارا مع ~~أوزاره. كما قال عليه السلام: " من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل ~~بها إلى يوم القيامة ". فعلى كل عاص في كل معصية وظيفة واحدة، وهو تركها ~~وترك الاظهار، كي لا يتبعه الناس، فإذا أظهر فقد ترك واجبين، وإن أخفى فقد ~~ترك أحد الواجبين. ولذلك قال علي رضي الله عنه: # PageV01P371 # " قصم ظهري رجلان، جاهل متنسك، وعالم متهتك، فالجاهل يغر الناس بنسكه ~~والعالم يغرهم بتهتكه ". ### | بيان تناول المال ms089 وما في كسبه من الوظائف # اعلم أن حب الدنيا رأس كل خطيئة، وأن الدنيا مزرعة للآخرة، ففيها الخير ~~النافع وفيها السم الناقع. ومثالها مثال حية يأخذها الراقي ويستخرج منها ~~الترياق، ويأخذها الغافل فيقتله سمها من حيث لا يدري. وقيل: المال من ~~الخيرات المتوسطة، فإنه ينفع من وجه ويضر من وجه، فلم يكن من بد الاقتصار ~~على النافع منه، والاحتراز من المهلك منه. # PageV01P372 # وأصل ذلك معرفة رتبة المال من المقاصد، فإن أصل الأمور كلها العلم بحقائق ~~الأشياء. فنقول: على طالب السعادة الآخروية وظائف في حق المال، من حيث جهة ~~الدخل وجهة الخرج، وقدر المتناول بالنية الواجبة في تناوله. # الوظيفة الأولى: معرفة رتبته، فقد سبق أن المقتنيات المرغوب فيها ثلاثة: ~~نفسية ثم بدنية ثم خارجية. والخارجية أدناها رتبة، والمال من جملة ~~الخارجية، وأدناها الدراهم والدنانير، فإنهما خادمان ولا خادم لهما، إذ ~~النفس تخدم العلم الفضائل النفسية لتحصلها، والبدن يخدم النفس، فيكون آلة، ~~والمطاعم والملابس تخدم البدن، والدراهم والدنانير تخدم المطاعم والملابس. ~~وقد سبق أن المقصود من المطاعم إبقاء البدن، ومن البدن تكمل النفس. فمن عرف ~~هذا الترتيب وراعاه، فقد عرف قدر المال، ووجه رتبته، # PageV01P373 # وعرف وجه شرفه، من حيث هو ضرورة كمال النفس. ومن عرف غاية الشيء واستعمله ~~لتلك الغاية، فقد أحسن إلى الغاية، وعند ذلك يقتصر على قدر الحاجة الموصلة ~~إلى الغاية، فلا يركن إليه معتكفا بكنه همته عليه. وبهذا النظر ينكشف له ~~الشبه في ذم الله تعالى المال في مواضع حيث قال: (إنما أموالكم وأولادكم ~~فتنة) ، ومدحه حيث امتن به فقال: (ويمددكم بأموال وبنين) . فإنه من حيث ~~كونه وسيلة للآخرة محمود، ومن حيث كونه صارفا عنها مذموم، ولذلك قال عليه ~~السلام: " نعم المال الصالح ". وقال تعالى (لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم ~~عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون) . وكيف لا يكون خاسرا من ~~يجمع الشعير لدابته، فيضع الدابة ويشتغل بتنقية الشعير، وهو الخسران، # PageV01P374 # بل مثال الناس كلهم في الاغترار برهرة الدنيا، والاعتكاف على لزوم ~~لذاتها، مثل راكبي سفينة ms090 متوجهين إلأى أفضل بلدة، ينال فيها أعلى رتبة، ~~فأفضت بهم السفينة إلى جزيرة ذات أسود وأساود، فأمروا بالخروج تهيئة ~~للطهارة، وأن يكونوا على حذر من غوائال الجزيرة، فرأوا حجرا مزبرجا، وزهرا ~~منورا، فأعجبهم ذلك وشغفوا به، فتباعدوا عن المركب، ونسوا المركب والمقصد، ~~وبقوا لا هين، حتى سارت السفينة وجن عليهم الليل، فثارت عليهم الأسود ~~تفترسهم، والأساود تنتهشهم، ولم يغن عنهم حجرهم وزهرهم شيئا. فيقول واحد ~~منهم: (يا ليتني كنت ترابا) ، والآخر يقول: (ما أغنى عني ماليه هلك عني ~~سلطانيه) . والآخر يقول: يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله، ولم يبق ~~بأيديهم إلا حسرة وندامة لا آخر لها، ومجاورة الأفاعي والأسود مع الخزي ~~والنكال. فهذا بعيينه مثال المغترين بمتاع الدنيا. ولهذا الخطر العظيم ~~استعاذ الخليل إبراهيم وقال: (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام) ، وعنى به ~~هذين الحجرين، الذهب والفضة، إذ رتبة النبوة أجل من أن يخشى فيها أن تعتقد ~~الإلهية في شيء من الحجارة. ولهذا قال الإمام علي: # PageV01P375 # " يا حميراء، غري غيري، ويا بويضاء غري غيري ". ولذلك شبه عليه السلام ~~طلاب الدنانير والدراهم المشغوفين بهما بعبدة الحجارة، فقال: " تعس عبد ~~الدراهم، تعس عبد الدنانير، ولا انتعش، وإذا شيك فلا انتقش ". # الوظيفة الثانية: في مراعاة جهة الدخل والخرج. فالدخل إما بالاكتساب، ~~وإما بالبخت. أما البخت فميراث، أو وجود كنز، أو حصول عطية من غير سؤال. ~~وأما الكسب، فجهاته معلومة. ومن أخذ من حيث كان مذموما شرعا، فلا ينبغي أن ~~يأخذ إلا من وجهه. والوجوه الطيبة معلومة من الشرع، فإن وجد حلالا طيبا ~~فليأخذه، وإن كان حراما محضا، فليتجنبه. فإن قدر على الحلال المطلق، من غير ~~تعب فليترك. فإن كان يقدر على الحلال المطلق، ولكن بعد طول التعب واستغراق ~~الوقت، فإن كان من العباد العاملين بالجوارح، مع اعتقاد عامي مصمم فليشتغل ~~بطلب الحلال، فإن تعبه في طلب الحلال عبادة، كتعبه في سائر العبادات. وإن ~~كان من أصحاب القلوب وأرباب العلوم وكان يتعطل عليه ما هو بصدده، لو استغرق ~~أوقاته في الحلال المطلق فليأخذ ms091 من الذي يتيسر قدر حاجته، # PageV01P376 # فإن المحظور المحض قد ينقلب مباحا، خوفا من محظور آخر أشر منه. فمن غص ~~بلقمة، فله أن يتناول الخمر حذرا من فوات النفس. والعلم وعمل القلب لا ~~يوازيه غيره. فالكل خدم له. فكما يباح إتلاف مال الغير على النفس، بل يحل ~~تناول لحم الخنزير، فكذلك في محل الشبهة يتساهل في التحضير على العلم، وعند ~~هذا قد يثور شغب الجاهل مهما تناول العلم، ما زجر عنه الجاهل، إذ لا يدرك ~~الجاهل تفاوت هذه الدقيقة بينهما. وليكن العالم متلطفا في ذلك، كيلا يحرك ~~سلاسل الشيطان. # الوظيفة الثالثة: في المقدار المأخوذ. ومهما عرفت أن المال هذا دائر، ~~فمعناه مقدار الحاجة المذكورة ولا غنى بك عن ملبس ومسكن ومطعم. وفي كل واحد ~~ثلاث مراتب: أدنى وأوسط وأعلى. # PageV01P377 # وأدنى المسكن ما يقل من الأرض، من رباط أو مسجد أو وقف، كيفما كان، ~~وأوسطه ملك لا تزاحم فيه، فتقدر على أن تخلو فيه بنفسك ويبقى معك عمرك، وهو ~~على أقل الدرجات من حسن البناء، وكثرة المرافق، هو حد الكفاية، وأعلاه دار ~~فيحاء فسيحة، مزينة البناء، كثيرة المرافق، وتتبعها زيادات لا تنحصر، على ~~ما يرى عليه أرباب الدنيا، وأولو الرتب. والأول هو قدر الضرورة، إذ المقصود ~~من المسكن أرض تقلك، يحيط بها حائط يمنع عنك السباع، ويظل عليك سقف، يمنع ~~المطر وحر الشمس ولا يقنع به المتوكلون. والأوسط هو حد الكفاية، وما بعده ~~خارج عن حد الدين وإقبال على أمر الدنيا، أعني الاشتغال بزينتها. فأما ~~الجلوس فيها، مع الغفلة عنها، دون ابتهاج بها وطمأنينة إليها، فمن ~~المباحات. وأما صرف الأوقات إلى تزيينها، فمباح للعوام على لسان الفقه، ~~الذي عقد لضرور جهل العوام، وقصورهم عن مشافهتهم بالمنع منه. فأما في طريق ~~التصوف فحرام، وأعني بالتصوف ما خلق الإنسان له من سلوك سبيل القرب إلى ~~الله تعالى. والعبادات لا مناقشة فيها، ولذلك قيل: # PageV01P378 # مباحات الصوفية فريضة، وفريضتهم مباحات، أي يقتصرون على قدر الضرورة من ~~المباح، ويواظبون على الفرائض، كما يواظبون على هذه فهي عندهم ms092 كالمباحات. # وأما المطعم، فهو الأصل العظيم، إذ المعدة مفتاح الخيرات والشرور. ولهذا ~~أيضا ثلاث مراتب، أدناها قدر الضرورة، وهو ما يسد الرمق، ويبقى معه البدن ~~وقوة العبادة. وذلك يمكن تقليله بالعادة، تارة بتقليل الطعام شيئا فشيئا، ~~حتى يتعود الصبر عنه عشرة أيام وعشرين. وقد انتهى الزهاد في القدر كل يوم ~~إلى حمصة، وبعضهم في الوقت عشرين يوما، وقيل أربعين، وهذه رتبة عظيمة، يقل ~~من يستقل بها. فإن لم يقدر عليه، فالدرجة الوسطى، وهي في ثلث البطن، كما ~~ذكرناه من قبل. ولا ينبغي أن يزيد على القدر الذي حدده الشرع، فالزيادة ~~عليه بطنة. ثم يقتصر أيضا من نوعه على الوسط كما اقتصر من قدره على الوسط، ~~فنعم السعيد من قنع بقدر الكفاية من الجملة، ولكن النظر يختلف في قدر ~~الكفاية إلى الوقت، # PageV01P379 # فرب إنسان هو فارغ القلب من قوت يومه، مشغول القلب بعده، وينتهي حرصه إلى ~~أن يقدر لنفسه عمرا طويلا، ويريد أن يفرغ قلبه طول عمره. ثم قد يقدر له ~~حوائج، فيطلب الاستظهار بالخزائن، وهو الضلال المحض. والمدخر بالإضافة إلى ~~المستقبل ثلاث درجات، وأدناها قوت يوم وليلة، وأعلاها ما يجاوز سنة، ~~وأوسطها قوت سنة. وأرفع الدرجات درجة من لم يلتفت إلى غده، وقصر همته على ~~يومه، ومن يومه على ساعته، ومن ساعته على نفسه، وقدر نفسه كل لحظة مرتحلا ~~من الدنيا مستعدا للارتحال. ومن لم يشتغل بهذا، أو كان فارغ القلب عن قوت ~~سنة، فاشتغل بما وراءه كان من المطرودين المذكورين بقوله: (يحسب أن ماله ~~أخلده) . وأما الملبس فكذلك فيه ثلاث درجات، فأدناها من حيث القدر ما يستر ~~العورة، أو الجملة المعتاد سترها من أدنى الأنواع وأخشنها. # PageV01P380 # وبالإضافة إلى الوقت ما يبقى يوما وليلة، كما نقل عن عمر رضي الله تعالى ~~عنه، أونه رقع قميصه بورق شجر، فقيل له: هذا لا يبقى، فقال: " أو أحيا إلى ~~أن يفنى ". وأوسطه ما يليق بمثل حاله، من غير تنعم وترفه ولا ملبوس حرام ~~كأبريسم غالب. وأعلاه جمع الثياب وطلب الترفه بها، على ما ms093 عليه جماهير أهل ~~الدنيا. # وأما المنكح، فإنه يزيد في حق من تاقت نفسه إلى الوقاع، ويحسبه تزيد ~~الحاجة. وقد ذكرنا ما يحمد من المنكح وما يذم. وفيما ذكرناه مقنع. ومن ~~ساعده من هذه الأمور قدر كفايته ثم اشتغل قلبه بغيره، كان مغبونا بل ~~معلونا. قال عليه السلام: " من صبح آمنا في شربه، معافى في بدنه، وله قوت ~~يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها ". وذلك لأن الدنيا بلاغ إلى ~~الآخرة، وهذا القدر كاف في البلغة، فالباقي فضل على الكفاية وزيادة، ~~ووجودها في حق العاقل كعدمها. # PageV01P381 # الوظيفة الرابعة: في الخرج والإنفاق. وكما للدخل وجه معين، فكذا الخرج ~~فلا بد من مراعاة التركيب فيه، فالإنفاق محمود ومذموم كالأخذ، والمحمود منه ~~ما يكسب صاحبه العدالة، وهو الصدقة المفروضة، والإنفاق على العيال. ومنه ما ~~يكسب الجرية والفضيلة، وهو إيثار الغير على النفس، على الوجه المندوب إليه ~~شرعا. والمذموم ضربان: إفراط وتفريط. فالإفراط الإنفاق أكثر مما يجب، بحيث ~~لا يحتمله حاله، فيما لا يجب، والإخلال بالهم، والصرف إلى ما دونه. ~~والتفريط المنع عما يجب الصرف إليه، والنقصان من القدر الذي يليق بالحال. ~~ومهما أخذ العبد المال من وجهه، ووضعه في وجهه، كان محمودا مأجورا. فإن ~~قلت: فمن وسع الله عليه المال، فأخذه وإنفاقه بالمعروف أولى، أو الإعراض عن ~~أخذه؟ فاعلم أن الناس قد اختلفوا في هذا، فقالوا: الناس ثلاثة أصناف، صنف ~~هم المنهمكون في الدنيا بلا التفاف إلى العقبى، إلا باللسان وحديث النفس ~~وهم الأكثرون. وقد سموا في كتاب الله عبدة الطاغوت # PageV01P382 # وشر الدواب ونحوها. وصنف مخالفون لهم غاية المخالفة، اعتكفوا بكنه هممهم ~~على العقبى، ولم يلتفتوا أصلا إلى الدنيا، وهم النساك. وصنف ثالث متوسطون، ~~وفوا الدارين حقهما، وهم الأفضلون عند المحققين، لأن بهم قوام أسباب الدنيا ~~والآخرة، ومنهم عامة الأنبياء عليهم السلام، إذ بعضهم الله عز وجل، لإقامة ~~مصالح العباد في المعاش والمعاد. وقيل ثلاثتهم المراد بقوله تعالى: (وكنتم ~~أزواجا ثلاثة، فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة ما أصحاب ~~المشأمة، والسابقون السابقون) . فالمراعي للدنيا ms094 والدين، كما يجب وعلى ما ~~يجب، جامعا بينهما، خليفة الله في أرضه، فهو السابق عند قوم. فإن قلت فقد ~~قال تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) ، فاعلم أن مراعاة مصالح ~~العباد من جملة العبادة، بل هي أفضل العبادات. قال عليه السلام: " الخلق ~~كلهم عيال الله، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله ". # PageV01P383 # فإن قلت: فقد قال بعض المحققين: الناس ثلاثة، رجل شغله معاده عن معاشه، ~~فهو من الفائزين، ورجل شغله معاشه عن معاده، فهو من الهالكين، ورجل مشتغل ~~بهما، وذلك درجة المخاطرين، والفائز أحسن حالا من المخاطر، فاعلم أن فيه ~~سرا، وهو أن المنازل الرفيعة لا تنال إلا باقتحام الأخطار. وإنما هذا ~~الكلام ذكر تحذيرا وتنبيها على خطر الخلافة لله تعالى في أمر عباده، حتى لا ~~يترشح لها من لا يقدر عليها. وقد حكي أن بعض أولاد الملوك العادلة عظمت ~~رتبته في العلم والحكمة، فاعتزل الناس وزهد في الدنيا، فكتب إليه بعض ~~الملوك: قد اعتزلت ما نحن فيه، فإن علمت إن ما اخترته أفضل، فعرفنا لنذر ما ~~نحن فيه، ولا تحسبني أقبل منك قولا بلا حجة. فكتب إليه: إعلم إنا عبيد لرب ~~رحيم، بعثنا إلى حرب عدو، وعرفنا أن المقصد من ذلك قهره أو السلامة منه. ~~فلما قربنا من الزحف، صرنا ثلاثة أقسام: متخوف طلب السلامة منه، فاعتزل ~~عنه، فالتزم ترك الملامة وإن لم يكتسب المحمدة، ومتهور قدم على غير بصيرة، ~~فجرحه العدو وقهره واستجلب بذلك سخط ربه، # PageV01P384 # وشجاع أقبل على بصيرة فقاتل وأبلى واجتهد، فهو الفائز التام الفوز. وإني ~~لما وجدتني ضعيفا، رضيت بأدنى الهمتين وأدون المنزلتين. فكن أيها الملك من ~~أفضل الطوائف، تكن من أكرمهم عند الله، وهذا الكلام يكشف عن حقيقة الأمر ~~فيه، وينبهعلى صحة ذلك قوله تعالى: (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا ~~تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله ولا تبغ الفساد في الأرض) . وإنما ~~يمكن الإحسان بإدخال السرور على قلوب المسلمين بالمال، ولكن الخطر فيه ~~عظيم، فإنه ربما يشتغل من ضعفت بصيرته بما ms095 فيه ضرره من حيث لا يدري، فلخطره ~~وجبت المبالغة في الزجر عنه. # الوظيفة الخامسة: أن تكون نيته صالحة في الأخذ والترك، فيأخذ ما يأخذه ~~ليستعين به على العبادة ويأكل ليتقوى به على العبادة، ويترك ما يترك زهدا ~~فيه واستحقارا له، فقد قال عليه السلام: " من طلب رزقه على ما سن فهو جهاد ~~"، وقال عليه السلام لابن مسعود: " # PageV01P385 # إن المؤمن ليؤجر في كل شيء حتى اللقمة يضعها في فم امرأته ". وأراد ~~بالمؤمن من يعرف حقائق الأمور، فيقصد بما يتعاطاه وجه الله والاستعانة على ~~سلوك طريقه. وعند هذا يتبين أنه ليس الزاهد من لا مال له، بل الزاهد من ليس ~~مشغولا بالمال، وإن كان له أموال العالمين. ولذلك قال الإمام علي رضي الله ~~عنه: " إن رجلا أخذ جميع ما في الأرض، وأراد به وجه الله فليس براغب ". ~~فليكن جميع حركاتك وسكناتك لله، بأن تكون حركتك مقصورة على عبادة، أو على ~~ما يعين على عبادة، ولا يستغني العباد عنه، كالأكل وقضاء الحاجة مثلا، ~~فإنهما معينان على العبادة، وهما أبعد الحركات عن العبادة. وعند هذا يكون ~~الكامل النفس في تناول الدنيا كالراقي الحاذق في مس الحية متقيا سمها ~~ومستخرجا جوهرها، والعامي إذا تشبه به، ونظر إليه ظن أنه أخذها مستحسنا ~~شكلها وصورتها، مستلينا مسها، مستصحبا إياها، فإذا ظن ذلك أخذها، وتقلدها ~~فقتلته. وقد شبهت الدنيا بها، فقيل: الدنيا كحية تنفث السموم النواقع، وإن ~~لان ملمسها. وكما يستحيل أن يتشبه الأعمى بالبصير في تخطي قلل الجبال ~~وأطراف البحار والطرق المشوكة، فمحال أن يتشبه # PageV01P386 # العامي بالكامل في تناول الدنيا. وإذا تؤمل ملك سليمان وما أوتي مع رتبة ~~النبوة، علم أن الزهد زهد النفس، لا خلو اليد. وكيف تضر الدنيا بالأنبياء ~~والأولياء، وهم يعرفون ضرها ونفعها ورتبتها في الوجود، ويعلمون أن للإنسان ~~في وجوده ثلاث منازل: منزلة في بطن أمه، ومنزلة في فضاء العالم، ومنزلة بعد ~~الموت. والدنيا في مثال رباط بني، وينتهي إلى المسافر في المنزل الأوسط، ~~وقد هيئت فيه أسباب وأوان وأقوات ليستعين بها المسافر، ms096 وينتفع بها انتفاعه ~~بالعارية والمنحة، ويخليها لمن يلتحق بعده، فيأخذها بشكر ويتركها بانشراح ~~صدر. وقد انتهى إلى الرباط جماعة من الحمقى فظنواأن هذا المنزل وطن، وإلا ~~هذه الأسباب ليست عارية وإنما هي موهبة مؤبدة، فصاروا لا يخرجونها من ~~أيديهم إلا بكسر اليد ونزع الروح. وقيل إن مثل الناس فيما أعطوا من الدنيا ~~كمثل رجل هيأ دارا، وهو يدعو أقواما إلى داره على الترتيب، واحدا بعد واحد، ~~فأدخل واحدا داره، فقدم إليه طبق ذهب، عليه بخور ورياحين ليشمه ويتركه لمن ~~يلحقه، لا ليتملكه، فجهل رسمه فظن أنه وهب له، فلما استرجع منه، ضجر وتفجع. ~~ومن كان عالما انتفع به، وشكره ورده بانشراح صدر فهذه وظائف المباشرة ~~لأموال الدنيا. # PageV01P387 ### | بيان الطريق في نفي الغم في الدنيا # مهما كان الإنسان آمنا في سربه، معافى في بدنه، وله قوت يومه، فحزنه وغمه ~~بسبب أمر الدنيا أمارة نقصانه وحماقته، فإن غمه ليس يخلو إما أن يكون تأسفا ~~على ماض، أو خوفا من مستقبل، أو حزنا على سبب حاضر في الحال. فإن كان على ~~فائت فالعاقل بصير بأن الجزع لا ما فات لا يلم شعثا، ولا يرم انتكث. وما لا ~~حيلة له، فالغم عليه خرق. ولذلك قال تعالى: (لكيلا تأسوا على ما فاتكم) . ~~وقال الشاعر: وهل جزع مجد علي فأجزعا. # وإن كان حاضر، فأما أن يكون حسدا لوصول نعمة إلى من يعرفه، أو يكون حزنا ~~للفقر، وفقدان المال والجاه، وأسباب الدنيا. وسبب هذا الجهل بغوائل الدنيا ~~وسمومها، ولو عرفها معرفتها لشكر الله تعالى على كونه من المخففين، دون ~~المثقلين. # PageV01P388 # ولو فكر العاشق في منتهى حسن الذي يعشقه، لم يعشقه، إذ يعلم أن الدنيا ~~حمالة المصائب، كدرة المشارب، تورث للبرية أنواع البلية، مع كل لقمة غصمة، ~~فما أحد فيها، إلا وهو في كل حال غرض لأسهم ثلاثة، سهم نقمة وسهم رزية وسهم ~~منية: # تناضله الأوقات من كل جانب ... فتخطئه طورا وطورا تصيبه # فمن كان معتبرا بما يتجدد كل يوم من ارتجاع النعم من أربابها، وحلول ~~القوارع بأصحابها، ms097 وشدة اغتمامهم بفقدها، لم يتأسف على فواتها. ولذلك قيل ~~لبعضهم: لم لا تغتم؟ قال: لأني لا أقتني ما يغمني فقده. ومهما أمعن الإنسان ~~فكره في غفلة أرباب الدنيا عن الآخرة وكثرة مصائبهم فيها، تسلى عنها، وهان ~~عليه تركها. وكان بعض الصوفية وظف على نفسه كل يوم أن يحضر دار المرضى " أي ~~البيمارستان " ليشاهدهم، ويشاهد عللهم ومنحهم، ويحضر حبس السلطان أيضا، ~~ويشاهد أرباب الجنايات ومجيئهم لإقامة العقوبات، وأيضا يحضر المقابر، ~~فيشاهد أرباب العزاء وسفهم على # PageV01P389 # ما لا ينفع، مع اشتغال الموتى بما هم فيه، كان يعود إلى بيته بالشكر طول ~~النهار على نعم الله عليه في تخليصه من كل البلايا. وحق للإنسان في الدنيا ~~أن ينظر أبدا ما عاش إلى من هو دونه، ليشكر، وفي الدين إلى من هو فوقه، ~~ليشمر. والشيطان إذا استولى نكس هذا النظر وعكسه. فإذا قيل له: لم تتعاطى ~~هذا الفعل القبيح؟ اعتذر بأن بلانا يتعاطى ما هو أكبر منه، مع أنه ليس في ~~المعصية، ولا في الكفر مناظرة. وإذا قيل له: لما لا تقنع بهذا الموجود؟ ~~فيقول: فلان أغنى مني، فلم أصبر على ما ليس يصبر عنه؟ وهذا عين الضلال ~~والجهل المحض. ومهما التقى الهم بهذا العائق، بطل غم الحسد. فمن أنعم الله ~~عليه بنعمة، فإن كان يستحقها، لم يغتم به وإن كان لا يستحقها، فوبالها عليه ~~أكثر من نفعها. فأما إن كان الغم في الأمر المستقبل، فإن كان على أمر ممتنع ~~كونه أو واجب كونه، مثل الموت فعلاجه محال. وإن كان ممكنا كونه نظر، فإن ~~كان لا يقبل الدفع، كالموت قبل الهرم، فالحزن له حماقة. # PageV01P390 # وإن كان قابلا للدفع، فلا معنى للغم، بل ينبغي أن يحتال الدفعبعقل غير ~~مشوب بحزن. فإذا فعل ما قدر عليه، من تمهيد حيل الدفع، بقي ساكن القلب، ~~منظرا لقضاء الله وقدره عالما بأنه لا مرد لما قضاه، فيتلقاه بصبر، إن لم ~~يندفع ويتحقق إن ما قدر فهو كائن. ويتذكر قوله تعالى: (ما أصاب من مصيبة في ~~الأرض ولا في أنسكم ms098 إلا في كتاب من قبل أن نبرأها) الآية. وإنما حرض الناس ~~على تهيئة أسباب الدنيا، منشأه الغرور وحسن الظن بانحسار الآفات وتقدم صفاء ~~الأوقات، وهيهات، ثم هيهات! قال الإمام علي، رضي الله عنه: " ما قال الناس ~~لقوم طوبى لكم، إلا وقد خبأهم الدهر ليوم سوء ". وصدق الشاعر، فيما قال: # إن الليالي لم تحسن إلى أحد ... إلا أساءت إليه بعد إحسان # وما قصر أبو منصور الثعالبي في وصف الدنيا، حيث قال: # تسل الدنيا ولا تخطبنها ... ولا تخطبن قتاله من تناكح # فليس يفي مرجوها بمخوفها ... ومكروهها لما تدبرت راجح # لقد قال فيها الواصفون فأكثروا ... وعندي لها وصف لعمري صالح # سلاف قصاراه زعاف، ومركب ... شهي، إذا استلذذته فهو جامح # وشخص جميل يونق الناس حسنه، ... ولكن له أسرار سوء قبائح # فالعاقل، إذا أمعن النظر في هذه الأمور، خف على قلبه أكثر الغموم، إلا ~~إذا كانت العلاقة قد استحكمت بينه وبين معشوق، # PageV01P391 # من آدمي أو مال أو عقار، أو حرفة، أو رياسة أو ولاية، أو امر من الأمور، ~~فلا خلاص له عن غمومها، إلا بعد قطع العلائق عنها. ولا يمكن ذلك إلا بكف ~~النفس عنها تدريجيا، والاشتغال بغيرها، وإن كان ذلك الغير أيضا مما يجانسها ~~في وجوب التباعد عنه، ولكن لا بأس بغسل الدم بالدم، إذا كان الأول أشد ~~لصوقا والتزاقا، وهذه من دقائق الرياضيات، فإن النزوع عما وقع الألف به ~~دفعة واحدة عسر، بل ممتنع. ولذلك يرقى الصبي الذي يعلم الأدب بالترغيب في ~~اللعب بالصولجان والطيور، ثم يكف عن اللعب بالترغيب في الثروة والمال، ~~والتزيين بالثياب الجميلة وغيرها، ثم يرقيه من ذلك بالترغيب في المحمدة ~~والثناء، ونيل الكرامة والرئاسة، ثم يرقيه بالترغيب في سعادة الآخرة، ويكون ~~الرئاسة آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين. ولقد كانت هذه المعالجة بأمور ~~محذورة في نفسها، ولكن مطلوبة بالإضافة إلى ما هو شر منها، وكأنها منازل ~~وأطوار الآدمي يرتقي فيها واحدا، ولا يمكن الخلاص إلا بهذا التدريج، فليراع ~~ذلك في كل صفة استولت على النفس، واشتدت علاقتها، وبقطع العلائق ms099 تمحى ~~الغموم. # PageV01P392 ### | بيان نفي الخوف من الموت # للإنسان حالتان، حالة قبل الموت، وحالة بعد الموت. أما قبل الموت، فينبغي ~~أن يكون الإنسان فيها دائم الذكر للموت، كما قال عليه السلام: " أكثروا من ~~ذكر هازم اللذات، فإنه ما ذكره أحد في ضيق إلا وسعه عليه، ولا في سعة إلا ~~ضيقها عليه ". والناس فيها قسمان: غافل وهو الأحمق الحقيقي الذي لا يتفكر ~~في الموت وما بعده إلا نظرا، في حال أولاده وتركاته عند موته، ولا ينظر ~~ويتدبر في أحوال نفسه، ولكن لا يتذكر إلا إذا رأى جنازة فيقول بلسانه: (إنا ~~لله وإنا إليه راجعون) ، ولا يرجع إلى الله عز وجل بأفعاله إلا بأقواله، ~~فيكون كاذبا في أقواله تحقيقا. وأما العاقل الكيس فلا يفارقه ذكر الموت، ~~كالمسافر إلى مقصد الحاج مثلا، فإنه لا يفارقه ذكر المقصد، وأشغال المنازل ~~في الحط والترحال لا تنسيه مقصوده. وعلى الجملة، فذكر الموت يطرد فضول ~~الأمل، ويكف غرب المنى، فتهون المصائب ويحول بين الإنسان وبين الطغيان. # PageV01P393 # ومن ذكر الموت، تتولد القناعة بما رزق والمبادرة إلى التوبة، وترك ~~المحاسدة والحرص على الدنيا والنشاط في العبادة، وينبغي أن يكون المتراخي ~~عن عبادته، ألا يصبح يوما إلا ويقدر أنه سيموت تقديرا للموت العاجل، فإنه ~~ممكن. ومهما قدر الموت بعد سنين، لم يحرص على العبادة، ولم تفتر رغبته في ~~الدنيا، بل لا ينبغي أن يهمل نفسه أكثر من يوم، فيصبح كل يوم على تقدير ~~الاستعداد للرحلة نهارا. فكل من ينتظر أن يدعوه ملك من الملوك كل ساعة، ~~فينبغي أن يكون مستعدا للإجابة، فإن لم يكن فربما يأتيه الرسول، وهو غافل ~~فيحرم عن السعادة. وما من وقت، إلا ويرى فيه الموت ممكنا، فإن قلت: الموت ~~فجأة بعيد، قلت: فإذا وقع المرض، فالموت غير بعيد. وذلك يمكن في أقل من ~~يوم، ولا يكون بعيدا. # وأما الاغتمام لأجل الموت، فليس من العقل أيضا، فإن ذلك الغم لا يخلو من ~~أربعة أوجه: إما لشهوة بطنه وفرجه، وإما على ما يخلفه من ماله، وإما على ~~جهله بحاله ms100 بعد الموت وماله، وإما لخوفه على ما قدمه من عصيانه. فإن كان ~~ذلك لشهوة بطنه وفرجه، فهو كمشتهي داء ليقابله بداء مثله، فإن معنى لذة ~~الطعام إزالة ألم الجوع، ولذلك إذا # PageV01P394 # زال الجوع وامتلأت المعدة، كره عين ما اشتهاه، كمن يشتهي القعود في الشمس ~~ليناله الحر، حتى يتلذذ بالرجوع إلى الظل، وكن يشتهي الحبس في حمام حار، ~~ليدرك لذة ماء الثلج، إذا شربه، وهو عين الرقاعة والخرق. وإن كان ذلك على ~~ما يخالفه من ماله، فهو بجهله بخساسة الدنيا وحقارتها، بالإضافة إلى الملك ~~الكبير والنعيم المقيم الموعود للمتقين. وإن كان ذلك لجهله بعاقبة أمره بعد ~~الموت، فعليه أن يطلب العلم الحقيقي، الذي يكشف له حال الإنسان بعد موته، ~~كما قال حارثة للنبي صلى الله عليه وسلم: " كأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، ~~وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وإلى أهل النار يتلا عنون فيها "، ~~وهذا العلم إنما يحصل بالبحث عن حقيقة النفس وماهيتها، ووجه علاقتها ~~بالبدن، ووجه خاصيتها التي خلقت لها، ووجه التذاذه بخاصيته وكماله، مع ~~معرفة الرذائل المانعة له من كماله، وقد نبه الشرع عليه في مواضع كثيرة، ~~وأمر بالتفكر في النفس، كما أمر بالتفكر في ملكوت السموات والأرض. وإن كان ~~ذلك لما سبق من عصيانه، فلا ينفع الغم فيه، بل المداواة، وهو المبادرة إلى ~~التوبة وإصلاح ما فرط من أمره، بل مثاله في الاغتمام وترك التدارك مثل من ~~فتح عرق من عروقه، وقد خرج بعض دمه، وهو قادر على تعصيبه وحفظ حشاشه، # PageV01P395 # فأهمله وجلس متأسفا على خروج ما خرج من دمه. وذلك أيضا من الحماقة فإن ~~الفائت لا تدارك له، ولا ينفع فه التأسف، فليشتغل بالمستقبل. # الحالة الثانية حال الإنسان عند الموت، والناس عنده ثلاثة أقسام: الأول ~~ذو بصيرة، علم أن الموت يعتقه، والحياة تسترقه، وإن الإنسان، وإن طال في ~~الدنيا مكثه، فهو كخطفه برق، لمعت في أكناف السماء، ثم عادت للاختفاء. فلا ~~يثقل عليه الخروج من الدنيا، إلا بقدر ما يفوت من خدمة ربه، عز وجل، ms101 ~~والازدياد من تقربه والاشفاق مما يقول أو يقال له. كما قال بعضهم، لما قيل ~~له: لم تجزع؟ قال: لأني أسلك طريقا لم أعهده، وأقدم على رب لم أره ولا أدري ~~ما أقول وما يقال لي. ومثل هذا الشخص لا ينفر من الموت بل إذا عجز عن زيادة ~~العبادة ربما اشتاق إليه. وقال بعضهم في مناجاته: إلهي إن سألتك الحياة في ~~دار الممات فقد رغبت في البعد عنك وزهدت في القرب منك. فقد قال نبيك وصفيك ~~صلى الله عليه وسلم: " من حب لقاء الله أحب الله لقاءه # PageV01P396 # ومن كره لقاء الله فقد كره الله لقاءه ". والثاني رجل رديء البصيرة متلطخ ~~السريرة منهمك في الدنيا منغمس في علائقها، رضي بالحياة الدنيا وطمئن بها ~~ويئس من الدار الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور. فإذا خرج إلى دار ~~الخلود أضر به كما تضر رياح الورد بالجعل. وإذا خرج من قاذورات الدنيا لم ~~يوافقه عالم العلاء ومصباح الملأ الأعلى فكان كما قال الله تعالى: (ومن كان ~~في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا) ، فإن الدنيا سجن الأول وجنة ~~الثاني. والأول كعبد دعاه مولاه فأجابه طوعا فقدم عليه مسرورا يتوفره على ~~الخدمة، والثاني كعبد آبق رد إلى مولاه مأسورا وقيد إلى حضرته مقهورا، ~~فيبقى ناكس الرأس بين يدي مولاه مختزيا من جنايته، وشتان ما بين الحالين. ~~والقسم الثالث رتبة بين الرتبتين: رجل عرف غوائل هذا العالم وكره صحبته ~~ولكن أنس به وألفه، فسبيله سبيل من ألف بيتا مظلما قذرا ولم ير غيره. فهو ~~يكره الخروج منه وإن كان قد كره دخوله. فإذا خرج رأى ما أعد الله للصالحين ~~لم يتأسف على # PageV01P397 # ما كره فواته بل قال: (الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور ~~شكور، الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها ~~لغوب) . ولا يبعد أن يكره الإنسان مفارقة شيء ثم إذا فارقه لا يتأسف عليه، ~~فالصبي وقت الولادة يبكي لما يناله من ألم الانتقال، ثم ms102 إذا عقل لم يتمن ~~العود إليه. والموت ولادة ثانية يستفاد بها كما لم يكن قبل، بشرط أن لا ~~يكون قد تقدم ذلك الكمال من الآفات والعوارض ما أبطل قبول المحل للكمال، ~~كما أن الولادة سبب لكمال مغبوط لم يكن عند الاجتنان، بشرط أن لا يكون قد ~~تمكن في رحم الأم من الأسباب والعلل والعوارض ما منع قبول الكمال، ولكون ~~الموت سبب كمال قال بعضهم: ينبغي أن يكون دعاؤنا لعزرائيل عليه السلام ~~وشكرنا له مثل دعاؤنا لجبرائيل وميكائيل وإسرافيل. فإن جبرائيل وميكائيل ~~هما سببان لا علامنا بما فيه خلاصنا من الدنيا ونجاتنا في الآخرة، وذلك ~~بواسطة محمد صلى الله عليه وسلم، وملك الموت سبب إخراجنا إلى ذلك العالم ~~فحقه عظيم وشكره لازم، وقد حكي عن طائفة من حكماء الأمم السابقة أنهم كانوا # PageV01P398 # يعظمون رجلا بالتقديس والتسبيح من حيث اعتقدوا أنه لا يعين على الحياة ~~العرضية، بل هو سبب للهلاك الذي به الخلاص من هذه الدنيا الدنية. ### | بيان علامة المنزل الأول ### | من منازل السائرين إلى الله تعالى: # اعلم أن سالك سبيل الله تعالى قليل، والمدعي فيه كثير. ونحن نعرفك ~~علامتين تجعلهما أمام عينيك، وتعتبر بهما نفسك وغيرك. فالعلامة الأولى أن ~~يكون جميع أفعاله الاختيارية موزونة بميزان الشرع، موقوفة على حد توقيفاته، ~~إيرادا وإصدارا، وإقداما وإحجاما. إذ لا يمكن سلوك هذا السبيل، إلا بعد ~~التلبس بمكارم الشريعة، كلها ولا يمكن ذلك إلا بعد تهذيب الأخلاق، كما ~~وصفنا من قبل. ولا يتوصل إلى ذلك إلا إذا ترك جملة من المباحات، فكيف يتأتى ~~لمن لم يهجر المحظورات؟ ولا يتوصل إلى ذلك إلا إذا ترك جملة من المباحات، ~~فكيف يتأتى لمن لم يهجر المحظورات؟ ولا يتوصل إليه، ما لم يواظب على جملة ~~من النوافل، فكيف يصل إليه من أهمل الفرائض؟ بل الشرع في تكليفه العالم، ~~اقتصر على فرائض ومحظورات يشترك فيها عوام الناس، بحيث لا يؤدي الاشتغال ~~بها إلى خراب العالم. والسالك في سبيل الله يعرض عن الدنيا إعراضا، لو ~~ساواه الناس # PageV01P399 # كلهم، لخرب العالم، فكيف ms103 ينال بمجرد الفرائض والواجبات، اقتصارا عليها ~~دون النوافل؟ ولذلك قال تعالى: (لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ~~فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا فبي يسمع وبي يبصر) ، وعلى الجملة لا يدعو ~~إلى إهمال الفرائض، واقتحام المحظورات، إلا كسل لازب، أو هوى غالب. وكيف ~~يسلك سبيل الله من هو يعد في إسراء الكسل والهوى؟ فإذا قلت: فسالك سبيل ~~الله من خاض في مجاهدة الكسل والهوى، فأما من فرغ من قهرها، فهو واصل لا ~~سالك، فيقال: هذا عين الغرور وجهل بالطريق والمقصد جميعا، بل لو محا جميع ~~الصفات الردية عن نفسه، كان نسبته إلى المقصود نسبة من يقصد الحج، وله ~~غرماء متشبثون بأذياله، فقضى ديونهم وقطع علائقهم. فإن الصفات البدنية ~~المستولية على الناس، مثل الغرماء الآخذين بمخنقه، والسباع العادية الطالبة ~~لأقواتها، فإذا محاها ودفعها، فقد دفع العلائق وبعده يستعد لابتداء السلوك. ~~بل هو كمعتدة تطمع أن ينكحها الخليفة فإذا قضت عدتها المانعة من صحة ~~النكاح، ظنت أن الأمور قد نمت. وهيهات، فلم يحصل منها إلا الاستعداد للقبول ~~بدفع المانع، وبقي إقبال الخليفة وإنعامه بالرغبة، وذلك رزق إلهي. فما كل ~~من تطهر وصل إلى الجمعة، ولا كل من قضت عدتها وصلت إلى ما أرادت. # فإن قلت: فإن تنتهي رتبة السالك إلى حد ينحط عنه بعض وظائف العبادات، ولا ~~يضره بعض المحظورات، كما نقل عن بعض # PageV01P400 # المشايخ من التساهل في هذه الأمور؟ فاعلم أن هذا عين الغرور، وأن ~~المحققين قالوا: لو رأيت إنسانا يمشي على الماء، وهو يتعاطى أمرا يخالف ~~الشرع، فاعلم أنه شيطان، وهو الحق. وذلك أن الشريعة حنيفية سمحة، فمهما مست ~~حاجة أو حصلت ضرورة، كان للشرع فيها رخصة. فمن جاوز محل الرخصة، فلا يكون ~~عن ضرورة، بل عن هوى وشهوة. والإنسان ما دام في هذا العالم، لا يؤمن ~~استيلاء الشهوة ودعودها إلى القهر، بعد الإنقهار. فينبغي أن يأخذ منها ~~حذره، فلا يتصور أن يدعو إلى مخالفة الشرع إلا طلب رفاهية ودعة، أو نوع ~~شهوة، أو نوع كسل. وكل ذلك ms104 يدل على التصمغ بالأخلاق الردية، المتقاضية لها. ~~فمن زكى نفسه وغذاها بغذاء العلوم الحقيقية، قوي في المواظبة على العبادة ~~بل صارت الصلاة قرة عينه، فصارت خلوة الليل أطيب الأشياء عنده لمناجاة ربه. ~~فهذه العلامة لا بد منها في أول المنازل، وتبقى إلى آخرها، وإن لم يكن ~~لمنازل السير إلى الله تعالى نهاية، وإنما الموت يقطع طريق السلوك، فيبقى ~~كل إنسان بعد الموت على الرتبة التي حصلها في مدة الحياة، إذ يموت المرء ~~على ما عاش عليه. # العلامة الثانية: أن يكون حاضر القلب مع الله، في كل حال حضورا ضروريا ~~غير متكلف، بل حضورا يعظم تلذذه، وأن يكون الحضور إنكسارأ وضراعة وخضوعا، ~~لما انكشف عنده # PageV01P401 # من جلال الله وبهائه، ولا يفارق ذلك في أطواره وأحواله، وإن اشتغل ~~بضروريات بدنه من تناول طعام، وقضاء حاجة، وغسل ثوب، وغيره. بل يكون مثاله ~~في جميع الأحوال مثال عاشق، سهر في انتظار معشوقه مدة، وتعب فيه زمانا، ثم ~~قدم عليه معشوقه فاستبشر به، فاستولى عليه قضاء حاجته فلزمه ضرورة مفارقته، ~~وقصد بيت الماء، فيفارقه ببدنه مضطرا، والقلب حاضرا عنده حضورا، لو خوطب في ~~أثناء ما هو فيه لم يسمعه لشدة استغراق فكره بمعشوقه، ولا يكون ما هو فيه ~~صارفا عن قرة عينه، وهو مكره فيه. فالسالك ينبغي أن يكون كذلك في أشغاله ~~الدنيوية، بل لا يكون له شغل سوى ضروريات بدنه، وهو في ذلك مصروف القلب إلى ~~الله عز وجل، مع غاية الإجلال والتواضع، وإذا لم يبعد أن تتحرك شهوة الجماع ~~تحريكا هذه صفته عند من استولى عليه الشهوة، ووقع في عينه جمال صورة آدمي، ~~خلقت من نطفة قذرة مذرة، ويصير على القرب جيفة قذرة، وهو فيما بين ذلك يحمل ~~العذرة، فكيف يتعذر ذلك في إدراك جلال الله وجماله الذي لا نهاية له؟ وعلى ~~الجملة، فلا يتم سلوك هذا الطريق إلا بحرص شديد، وإرادة تامة، وطلب بليغ. ~~ومبدأ الحرص والطلب إدراك جمال المطلوب، الموجب للشوق والعشق، ومبدأ درك ~~جمال المطلوب النظر وتحديق بصر العين نحوه ms105 إعراضا عن سائر المبصرات. # PageV01P402 # فكذلك، بقدر ما يلوع لك من جلال الله عز وجل، ينبعث شوقك وحرصك، وبحسبه ~~يكون سعيك وانبعاثك. ثم قد يزداد العشق بطول الصحبة إذا كان يلوح في ~~أثنائها محاسن أخلاق كانت خفية من قبل، فيتضاعف العشق، فكذلك ما يلوح من ~~بهاء الحضرة الآلهية وجلالها في أول الأمر، ربما كان ضعيفا بضعف إدراك ~~المريد المبتدئ، ولكن ينبعث منه طلب وشوق، فلا يزال يواظب على الفكر في ذلك ~~الجمال بسببه، فيطلع على مزايا، فيتضاعف في كل وقت عشقه. # وكما يطلب العاشق القرب من معشوقه، فكذا المريد يطلب القرب من الله ~~تعالى، لا أن ذلك بقرب بمكان أو بتماس سطوح الأجسام، أو بكمال جمال صورة ~~بأن يصير مبصرا حاضرا في القوة الباصرة صورته. وهذا القرب قرب الكمال لا في ~~المكان، والأمثلة لا تخيل من هذه المعاني إلا شيئا بعيدا. ولكن تشبيه ذلك ~~بعشق التلميذ استاذه، وطلبه القرب منه في كماله أصدق في التخيل، فإنه يتقرب ~~إليه بحركته في التعلم، ولا يزال يقرب منه قليلا قليلا، وغايته رتبته، وقد ~~يكون ذلك ممكنا، وقد يكون في بعض الأحوال متعذرا، ولكن الترقي من الرتبة ~~التي هو بسببها في البعد ممكن، فيزداد قربا بالنسبة، والبلوغ ههنا غير ~~ممكن. ولكن السفر عن أسفل السافلين، بقصد جهة العلو ممكن. وقد يكون الممثل ~~في عين التلميذ رتبة مقيدة، لا أنه يتلبس بعشق رتبة أستاذه، ولكن يشتاق إلى ~~الترقي درجة درجة، فلا # PageV01P403 # يتشوق إلى الأقصى دفعة، فإذا نال تلك الرتبة طمحت عينه إلى ما فوقها. ~~فكذلك من ليس عالما، ينبغي له التشبه بالعلماء، الذين هم ورثة الأنبياء. ~~والعلماء يتشبهون بالأولياء، والأنبياء بالملائكة، حتى تمحى عنهم الصفات ~~البشرية بالكلية، فينقلبون ملائكة في صورة الناس. # والملائكة أيضا لهم مراتب، والأعلى مرتبة معشوق الأدنى ومطمح نظره، ~~والملائكة المقربون هم الذين ليس بينهم وبين الأول الحق واسطة، ولهم الجمال ~~الأطهر والبهاء الأتم، بالنسبة إلى من دونهم من الموجودات الكاملة البهية. ~~ثم كل كمال بالنظر إلى جمال الحضرة الربوبية مستحقر، فهكذا ينبغي ms106 أن يعتقد ~~التقرب إلى الله عز وجل، لا بأن تقدره في بيت في الجنة، فتقرب من باب ~~البيت، فيكون قربك بالمكان، تعالى عنه رب الأرباب، ولا بأن تهدي إليه هدية ~~بعبادتك، فيفرح بها ويهتز لها فيرضى عنك، كما يتقرب إلى الملوك، بطلب رضاهم ~~وتحصيل أغراضهم، فيسمى ذلك تقربا، تعالى الله وتقدس عن المعنى الذي يتصف ~~الملوك به، من السخط والرضى، والابتهاج بالخدمة، والاهتزاز للخضوع، ~~والانقياد والفرح بالمتابعة. واعتقاد جميع ذلك جهل. # فإن قلت: فقد اعتقد أكثر العوام ذلك، فما أبعد عن التحصيل من يطلب العنبر ~~من دكان الدباغ، # PageV01P404 # وكيف تطمع في رتبة، وأنت تعرف الحق بالرجال، بل، ت تعرف الحق بالحمر! فلا ~~فرق بين العوام الذين لم يمارسوا العلوم، وبين حمر مستنفرة، فرت من قسورة. ~~أما تراهم كيف اعتقدوا في الله تعالى أنه جالس على العرش تحت مظلة خضراء، ~~إلى تمام ما اعتقدوه في المشتبهات. فأكثر الناس مشبهة، ولكن التشبيه درجات. ~~منهم من يشبه في الصورة، فيثبت اليد والعين والنزول والانتقال. ومنهم من ~~يثبت السخط والرضى، والغضب والسرور، والله تعالى مقدس عن جميع ذلك. وإنما ~~أطلقت هذه الألفاظ في الشرع على سبيل وبتأويل، يفهمها من يفهمها، وينكرها ~~من ينكرها، ولو تساوى الناس في الفهم لبطل قوله عليه السلام: " رب حامل فقه ~~إلى من أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه "، ولنتجاوز هذا الكلام، فإنه ~~سلسلة المجانين ويحل قيود الشيطان. ### | بيان معنى المذهب واختلاف الناس فيه # لعلك تقول كلامك في هذا الكتاب إنقسم إلى ما يطابق مذهب الأشعرية وبعض ~~المتكلمين، ولا يفهم الكلام إلا على مذهب واحد، فما الحق من هذه المذاهب؟ # PageV01P405 # فإن كان الكل حقا فكيف يتصور هذا، وإن كان بعضه حقا فما ذلك الحق؟ فيقال ~~لك إذا عرفت حقيقة المذهب لا تنفعك قط، إذا الناس فيه فريقان: فريق يقول ~~المذهب اسم مشترك لثلاث مراتب: إحداها ما يتعصب له في المباهاة والمناظرات، ~~والأخرى ما يسار به في التعليمات والإرشادات، والثالث، ما يعتقده الإنسان ~~في نفسه، مما انكشف له من النظريات. ms107 ولكل كامل ثلاثة مذاهب بهذا الاعتبار. ~~فأما المذهب بالاعتبار الأول، فهو نمط الآباء والأجداد، ومذهب المعلم ومذهب ~~أهل البلد، الذي فيه النشوء. وذلك يختلف بالبلاد والأقطار، ويختلف ~~بالعلمين. فمن ولد في بلد المعتزلة أو الأشعرية أو الشفعوية أو الحنفية، ~~انغرس في نفسه منذ صباه التعصب له والذب دونه والذم لما سواه. فيقال: هو ~~أشعري المذهب أو معتزلي أو شفعوي أو حنفي، ومعناه أنه يتعصب، أي ينصر عصابة ~~المتظاهرين بالموالاة، ويجري ذلك مجرى تناصر القبيلة بعضهم لبعض. ومبدأ هذا ~~التعصب حرص جماعة على طلب الرياسة باستتباع العوام، ولا تنبعث دواعي العوام ~~إلا بجامع يحمل على التظاهر. فجعلت المذاهب في تفصيل الأديان جامعا، ~~فانقسمت الناس فرقا وتحركت غوائل الحسد والمنافسة، فاشتد تعصبهم واستحكم به ~~تناصرهم، # PageV01P406 # وفي بعض البلاد لما اتحد المذهب وعجز طلاب الرئاسة عن الاستتباع، وضعوا ~~أمورا وخيلوا وجوب المخالفة فيها والتعصب لها، كالعلم الأسود والعلم ~~الأحمر، فقال قوم الحق هو الأسود، وقال آخرون لا بل الأحمر، وانتظم مقصود ~~الرؤساء في استتباع العوام بذلك القدر من المخالفة، وظن العوام أن ذلك مهم، ~~وعرف الرؤساء الواضعون غرضهم في الوضع. المذهب الثاني ما ينطبق في الإرشاد ~~والتعليم على من حاءه مستفيدا مسترشدا. وهذا لا يتعين على وجه واحد، بل ~~يختلف بحسب المسترشد، فيناظر كل مسترشد بما يحتمله فهمه فإن وقع له مسترشد ~~تركي أو هندي، أو رجل بليد جلف الطبع، وعلم أنه لو ذكر له أن الله تعالى ~~ليس ذاته في مكان، وأنه ليس داخل العالم ولا خارجه، ولا متصلا بالعالم ولا ~~منفصلا عنه، لم يلبث أن ينكر وجود الله تعالى، ويكذب به. فينبغي أن يقرر ~~عنده أن الله تعالى على العرش، وأنه يرضيه عبادة خلقه، ويفرح بها فيثيبهم ~~ويدخلهم الجنة عوضا وجزاء. وإن احتمل أن يذكر له ما هو الحق المبين يكشف ~~له. فالمذهب بهذا الاعتبار يتغير ويختلف، ويكون مع كل واحد على حسب ما ~~يحتمله فهمه. # PageV01P407 # المذهب الثالث ما يعتقده الرجل سرا بينه وبين الله عز وجل، لا يطلع عليه ~~غير ms108 الله تعالى، ولا يذكره إلا مع من هو شريكه في الاطلاع على ما اطلع، أو ~~بلغ رتبة يقبل الاطلاع عليه ويفهمه. وذلك أن يكون المسترشد ذكيا، ولم يكن ~~قد رسخ في نفسه اعتقاد موروث نشأ عليه، وعلى التعصب له، ولم يكن قد انصبغ ~~به قلبه انصباغا، لا يمكن محوه منه. ويكون مثاله ككاغد: كتب عليه ما غاص ~~فيه ولم يمكن إزالته إلا بحرق الكاغد وخرقه. فهذا رجل فسد مزاجه، ويئس من ~~صلاحه، فإن كل ما يذكر له على خلاف ما سمعه لا يقنعه، بل يحرص على أن لا ~~يقنع بما يذكر ويحتال في دفعه. ولو أصغى غاية الإصغاء، وانصرفت همته إلى ~~الفهم، لكان يشك في فهمه، فكيف إذا كان غرضه أن يدفعه ولا يفهمه؟ فالسبيل ~~مع مثل هذا أن يسكت عنه، ويترك على ما هو عليه، فليس هو بأول أعمى هلك ~~بضلالته، فهذا طريق فريق من الناس. # وأما الفريق الثاني، وهم الأكثرون، يقولون المذهب واحد، هو المعتقد، وهو ~~الذي ينطق به تعليما وإرشادا مع كل آدمي، كيفما اختلفت حاله، وهو الذي ~~يتعصب له وهو إما مذهب الأشعري أو المعتزلي أو الكرامي، # PageV01P408 # أو أي مذهب من المذاهب. والأولون يوافقون هؤلاء على أنهم لو سئلوا عن ~~المذهب أنه واحد أو ثلاثة لم يجز أن يذكر أنه ثلاثة، بل يجب ان يقال أنه ~~واحد. وهذا يبطل تعبك بالسؤال عن المذهب، إن كنت عاقلا، فإن الناس متفقون ~~على النطق بأن المذهب واحد، ثم يتفقون على التعصب لمذهب أبيهم أو معلمهم، ~~أو أهل بلدهم، ولو ذكر ذاكر مذهبه، فما منفعتك فيه ومذهب غيره يخالفه، وليس ~~مع واحد منهم معجزة، يترجح بها جانبه. فجانب الالتفات إلى المذاهب، وأطلب ~~الحق بطريق النظر، لتكون صاحب مذهب، ولا تكن في صورة أعمى تقلدا قائدا ~~يرشدك إلى طريق وحواليك ألف مثل قائدك ينادون عليك، بأنه أهلكك وأظلك عن ~~سواء السبيل. وستعلم في عاقبة أمرك ظلم قائدك، فلا خلاص إلا في الاستقلال. # خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به ... في طالع ms109 الشمس ما يغنيك عن زحل # ولو لم يكن في مجاري هذه الكلمات إلا ما يشكك في اعتقادك الموروث، لتنتدب ~~للطلب، فناهيك به نفعا، إذ الشكوك هي الموصلة إلى الحق. فمن لم يشك لم ~~ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر، بقي في العمى والضلال. نعوذ بالله ~~من ذلك، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. PageV01P409 ms110