######OpenITI# #META# ad: 505 #META# تحقيق: محمد محمد جابر #META# ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# دار النشر: المكتبة الثقافية - بيروت / لبنان - #META# ndata: بسم اللهCEB7BDE6. انتهى. #META# auth: الواحدي :: أبو حامد الغزالي #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: المنقذ من الضلال موافق للمطبوع ¶ المؤلف: حجة الإسلام الإمام / أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي ¶ دار النشر: المكتبة الثقافية - بيروت / لبنان - ¶ تحقيق: محمد محمد جابر ¶ عدد الأجزاء / 1 ¶ [ترقيم الشاملة موافق للمطبوع] ¶ [طبعة أخرى] ¶ ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# Lng: أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي #META# المؤلف: حجة الإسلام الإمام / أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي #META# higrid: 505 #META# bk: المنقذ من الضلال - المكتبة الثقافية #META# bkord: 7970 #META# archive: 23 #META# idx: 1 #META# iso: المنقذ من الضلال المكتبه الثقافيه #META# الكتاب: المنقذ من الضلال موافق للمطبوع #META# authno: 619 #META# cat: الرقاق والآداب والأذكار #META# authinf: الواحدي (000 - 468 ه) ( 000 - 1076 م) ¶ علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي (أبو الحسن) مفسر، نحوي، لغوي، فقيه شاعر، إخباري. ¶ أصله من ساوه، ومن أولاد التجار. ¶ توفي بنيسابور في جمادى الآخرة، وقد شاخ. ¶ من تصانيفه: «البسيط» في نحو 16 مجلدا في التفسير، «المغازي»، «شرح ديوان المتنبي»، «الإغراب في الإعراب»، و«نفي التحريف عن القرآن الشريف». ¶ نقلا عن معجم المؤلفين لكحالة :: الغزالي (450 - 505 ه = 1058 - 1111 م) ¶ محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي، أبو حامد، حجة الإسلام: ¶ • فيلسوف، متصوف، له نحو مئتي مصنف. ¶ • مولده ووفاته في الطابران (قصبة طوس، بخراسان) رحل إلى نيسابور ثم إلى بغداد فالحجاز فبلاد الشام فمصر، وعاد إلى بلدته. ¶ • نسبته إلى صناعة الغزل (عند من يقوله بتشديد الزاي) أو إلى غزالة، من قرى طوس (لمن قال بالتخفيف). ¶ من كتبه: ¶ • (إحياء علوم الدين - ط) أربع مجلدات ¶ • (تهافت الفلاسفة - ط) ¶ • (الاقتصاد في الاعتقاد - ط) ¶ • (محك النظر - ط) ¶ • (معارج القدس في أحوال النفس - خ) [ثم طبع] ¶ • (الفرق بين الصالح وغير الصالح - خ) ¶ • (مقاصد الفلاسفة - ط) ¶ • (المضنون به على غير أهله - ط) وفي نسبته إليه كلام ¶ • (الوقف والابتداء - خ) في التفسير ¶ • (البسيط - خ) في الفقه ¶ • (المعارف العقلية - خ) ¶ • (المنقذ من الضلال - ط) ¶ • (بداية الهداية - ط) ¶ • (جواهر القرآن - ط) ¶ • (فضائح الباطنية - ط) قسم منه، ويعرف بالمستظهري، وبفضائح المعتزلة. ¶ • (التبر المسبوك في نصيحة الملوك - ط) كتبه بالفارسية، وترجم إلى العربية ¶ • (الولدية - ط) رسالة أكثر فيها من قوله: أيها الولد ¶ • (منهاج العابدين - ط) قيل: هو آخر تآليفه ¶ • (إلجام العوام عن علم الكلام - ط) ¶ • (الطير - ط) رسالة ¶ • (الدرة الفاخرة في كشف علوم الآخرة - ط) ¶ • (شفاء العليل - خ) [ثم طبع] في أصول الفقه ¶ • (المستصفى من علم الأصول - ط) مجلدان ¶ • (المنخول من علم الأصول - خ) [ثم طبع] ¶ • (الوجيز - ط) في فروع الشافعية ¶ • (ياقوت التأويل في تفسير التنزيل) كبير، قيل: في نحو أربعين مجلدا ¶ • (أسرار الحج - ط) ¶ • (الإملاء عن إشكالات الإحياء - ط) ¶ • (فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة - ط) ¶ • (عقيدة أهل السنة - ط) ¶ • (ميزان العمل - ط) ¶ • (المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى - ط) ¶ • وله كتب بالفارسية. ¶ • ولطه عبد الباقي سرور كتاب (الغزالي - ط) في سيرته ¶ • ومثله ليوحنا قمير ¶ • ولجميل صليبا وكامل عياد، ولمحمد رضا ولزكي مبارك (الأخلاق عند الغزالي - ط) ¶ • ولأحمد فريد الرفاعي (الغزالي - ط) ¶ • ولمحمد رضا (أبو حامد الغزالي: حياته ومصنفاته - ط) ¶ • ولأبي بكر عبد الرازق (في صحبة الغزالي - ط) ¶ • ولسليمان دنيا (الحقيقة في نظر الغزالي - ط) ¶ • وللشيخ محمد الخضري رسالة في (ترجمته وتعاليمه وآرائه) نشرت في المجلد 34 من مجلة المقتطف. ¶ • وبالتركية (إمام غزالي - ط) في تاريخه وفلسفته، لرضاء الدين بن فخر الدين ¶ • ولحسن عبد اللطيف عزام الفيومي، رسالة في (ما للغزالي وما عليه - ط) ¶ نقلا عن: «الأعلام» للزركلي [بزيادات بين معكوفات] #META# bkid: 33739 #META# max: 69 #META# comp: 1 #META# digitization_comments: [طبعة أخرى] #META# DownloadSource: Abū Yaʿqūb's Shamela database #META# DownloadDate: 2017? #META# ConversionDate: 2020-09-30 #META#Header#End# بسم الله الرحمن الرحيم ### | AUTO الكتاب : المنقذ من الضلال موافق للمطبوع # المؤلف: حجة الإسلام الإمام / أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي # دار النشر : المكتبة الثقافية - بيروت / لبنان - # تحقيق : محمد محمد جابر # عدد الأجزاء / 1 # [ ترقيم الشاملة موافق للمطبوع ] PageV01P002 ~~"""""" صفحة رقم 3 """""" # بسم الله الرحمن الرحيم # المقدمة والمدخل # الحمد لله ، الذي يفتتح بحمده كل رسالة ومقالة ، والصلاة على محمد ~~المصطفى ، صاحب النبوة والرسالة ، وعلى آله وأصحابه الهادين من الضلالة . ~~أما بعد : فقد سألتني أيها الأخ في الدين ، أن أبث إليك غاية العلوم ~~وأسرارها ، وغائلة المذاهب وأغوارها ، وأحكي لك ما قاسيته في استخلاص الحق ~~من بين اضطراب الفرق مع تباين المسالك والطرق ، وما استجرأت عليه من ~~الارتفاع عن حضيض التقليد ، إلى يفاع الاستبصار ، وما استفدته ، أولا من ~~علم الكلام ، وما اجتويته ، ثانيا من طرق أهل التعليم ، القاصرين لدرك الحق ~~على تقليد الإمام وما ازدريته ، ثالثا من طرق التفلسف وما ارتخيته ، آخرا ~~من طريقة التصوف وما انجلى لي في تضاعيف تفتيشي عن أقاويل الخلق ، من لباب ~~الحق ، وما صرفني عن نشر العلم ببغداد مع كثرة الطلبة وما ردني إلى معاودتي ~~بنيسابور بعد طول المدة ، فابتدرت لإجابتك إلى مطلبك ، بعد الوقوف على صدق ~~رغبتك ، PageV01P003 ~~"""""" صفحة رقم 4 """""" # وقلت مستعينا بالله ومتوكلا عليه ، ومستوفقا منه ، وملتجئا إليه : اعلموا ~~- أحسن الله تعالى إرشادكم ، وألان للحق قيادكم - أن اختلاف الخلق في ~~الأديان والملل ، ثم اختلاف الأمة في المذاهب على كثرة بالفرق ، وتباين ~~الطرق ، بحر عميق غرق فيه الأكثرون ، وما نجا منه إلا الأقلون ، وكل فريق ~~يزعم أنه الناجي ، " وكل حزب بما لديهم فرحون " . وهو الذي وعدنا به سيد ~~المرسلين صلوات الله عليه ، وهوا لصادق المصدوق حيث قال : " ستفترق أمتي ~~ثلاثا وسبعين فرقة ، الناجية منها واحدة " فقد PageV01P004 ~~"""""" صفحة رقم 5 """""" # كان ما وعد أن يكون ولم أزل في عنفوان شبابي - منذ راهقت البلوغ ، قبل ~~بلوغ العشرين إلى الآن ، وقد أناف السن على الخمسين - أقتحم لجة هذا البحر ~~العميق ، وأخوض غمرته خوض الجسور ، لا خوض الجبان الحذور ms01 ، وأتوغل في كل ~~مظلمة ، وأتهجم على كل مشكلة ، وأتقحم كل ورطة ، وأتفحص عن عقيدة كل فرقة ، ~~وأستكشف أسرار مذهب كل طائفة ، لأميز بين محق ومبطل ، ومتسنن ومبتدع ، لا ~~أغادر باطنيا إلا وأحب أن أطلع على باطنيته ، ولا ظاهريا إلا وأريد أن أعلم ~~حاصل ظاهريته ، ولا فلسفيا إلا وأقصد الوقوف على كنه فلسفته ، ولا متكلما ~~إلا وأجتهد في الإطلاع على غاية كلامه ومجادلته ولا صوفيا إلا وأحرص على ~~العثور على سر صفوته ، ولا متعبدا إلا وأترصد ما يرجع إليه حاصل عبادته ، ~~ولا زنديقا معطلا إلا وأتحسس وراءه للتنبه لأسباب جرأته في تعطيله وزندقته ~~. وقد كان التعطش إلى درك حقائق الأمور دأبي وديني ، من أول أمري ، وريعان ~~عمري ، غريزة وفطرة من الله وضعها في جبلتي لا باختياري وحيلتي ، وحتى ~~انحلت عني رابطة التقليد ، وانكسرت علي العقائد الموروثة على قرب عهد سن ~~الصبا ، إذ رأيت : صبيان النصارى لا يكون لهم PageV01P005 ~~"""""" صفحة رقم 6 """""" # نشوء إلا على التنصر ، وصبيان اليهود لا نشوء لهم إلا على التهود ، ~~وصبيان المسلمين لا نشوء لهم إلا على الإسلام . وسمعت الحديث المروي عن ~~رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حيث قال : " كل مولود يولد على الفطرة ~~فأبواه يهودانه ، وينصرانه ، ويمجسانه " فتحرك باطني إلى طلب حقيقة الفطرة ~~الأصلية ، وحقيقة العقائد العارضة بتقليد الوالدين والأستاذين ، والتمييز ~~بين هذه التقليدات ، وأوائلها تلقينات ، وفي تمييز الحق منها عن الباطل ~~اختلافات فقلت في نفسي : أولا إنما مطلوبي العلم بحقائق الأمور ، فلا بد من ~~طلب حقيقة العلم ما هي ؟ فظهر لي : أن العلم اليقيني هو الذي ينكشف فيه ~~المعلوم انكشافا لا يبقى معه ريب ، ولا يفارقه إمكان الغلط والوهم ، ولا ~~يتسع القلب لتقدير ذلك ، بل الأمان من الخطأ ينبغي أنا يكون مقارنا لليقين ~~، مقارنة لو تحدى بإظهار بطلانه - مثلا - من يقلب الحجر ذهبا والعصا ثعبانا ~~، لم يروث ذلك شكا وإنكارا ، فإني إذا علمت : أن العشرة أكثر من الثلاثة ، ~~فلو قال لي قائل : لا بل الثلاثة أكثر ، بدليل أني أقلب هذه العصا ثعبانا ، ~~وقلبها ، وشاهدت ذلك ms02 منه ، لم أشك بسببه في معرفتي ، ولم يحصل لي منه إلا ~~التعجب من كيفية PageV01P006 ~~"""""" صفحة رقم 7 """""" # قدرته عليه فأما الشك بسببه فيما علمته فلا ثم علمت أن كل ما لا أعلمه ~~على هذا الوجه ولا أتيقنه هذا النوع من اليقين ، فهو علم لا ثقة به ولا ~~أمان معه ، وكل علم لا أمان معه فليس بعلم يقيني . # مدخل السفسطة وجحد العلوم # ثم فتشت عن علومي ، فوجدت نفسي عاطلا من علم موصوف بهذه الصفة ، إلا في ~~الحسيات ، والضروريات ، فقلت الآن بعد حصول اليأس لا مطمع في اقتباس ~~المشكلات إلا من الجليات وهي الحسيات والضروريات فلا بد من إحكامها أولا ~~لأتيقن أن ثقتي بالمحسوسات ، وأماني من الغلط في الضروريات من جنس أماني ~~الذي كان من قبل في التقليدات ، ومن جنس أمان أكثر الخلق في النظريات ، أم ~~هو أمان محقق لا غدر فيه ، ولا غائلة له . فأقبلت بجد بليغ ، أتأمل ~~المحسوسات والضروريات ، وأنظر هل يمكنني أن أشكك نفسي فيها ؟ فانتهي بي طول ~~التشكيك إلى أن لم تسمح نفسي بتسليم الأمان في المحسوسات أيضا ، PageV01P007 ~~"""""" صفحة رقم 8 """""" # وأخذ يتسع فيها ويقول : من أين الثقة بالحواس ؟ وأقواها حاسة البصر وهي ~~تنظر إلى الظل فتراه واقفا غير متحرك ، PageV01P008 ~~"""""" صفحة رقم 9 """""" # وتحكم بنفي الحركة ، ثم بالتجربة والمشاهدة - بعد ساعة - تعرف أنه متحرك ~~، وأنه لم يتحرك دفعة واحدة بغتة ، بل بالتدريج ذرة ، ذرة ، حتى لم يكن له ~~حالة وقوف . وتنظر إلى الكوكب ، فتراه صغيرا في مقدار دينار ، ثم الأدلة ~~الهندسية تدل على أنه أكبر من الأرض في المقدار . هذا ، وأمثاله من ~~المحسوسات يحكم فيها حاكم الحس ، بأحكامه ويكذبه حاكم العقل ويخونه تكذيبا ~~لا سبيل إلى مدافعته فقلت : قد بطلت الثقة بالمحسوسات أيضا ، فلعله لا ثقة ~~إلا بالعقليات التي هي من الأوليات ، كقولنا : العشرة أكثر من الثلاثة ~~والنفي والإثبات لا يجتمعان في الشيء الواحد ، والشيء الواحد لا يكون قديما ~~، موجودا معدوما ، واجبا محالا . فقالت الحواس : بم تأمن أن تكون ثقتك ~~بالعقليات كثقتك بالمحسوسات وقد كنت واثقا بي ، فجاء ms03 حاكم العقل فكذبني ، ~~ولولا حاكم العقل لكنت تستمر على تصديقي ، فلعل وراء إدراك العقل حاكما آخر ~~، إذا تجلى كذب العقل في حكمه ، كما تجلى حاكم العقل فكذب الحس في حكمه ، ~~وعدم تجلي ذلك الإدراك لا يدل على استحالة فتوقفت النفس في جواب ذلك قليلا ~~وأيدت إشكالها بالمنام ، وقالت : أما تراك تعتقد في النوم أمورا ، وتتخيل ~~أحوالا ، وتعتقد لها ثباتا ، واستقرارا ، ولا تشكل في تلك الحالة فيها ، ~~وثم تستيقظ فتعلم : أنه لم يكن لجميع متخيلاتك ومعتقداتك أصل وطائل . فبم ~~تأمن أن يكون جميع ما تعتقده في يقظتك ، بحس أو عقل هو حق بالإضافة إلى ~~حالتك التي أنت فيها ، لكن يمكن أن تطرأ عليك حالة تكون نسبتها إلى يقظتك ، ~~كنسبة يقظتك إلى منامك ، وتكون PageV01P009 ~~"""""" صفحة رقم 10 """""" # يقظتك نوما بالإضافة إليها فإذا وردت تلك الحالة ، تيقنت أن جميع ما ~~توهمت بعقلك خيالات لا الحاصل لها . ولعل تلك الحالة ، ما تدعيه الصوفية ~~أنها حالتهم ، إذ يزعمون أنهم يشاهدون في أحوالهم التي لهم إذا غاصوا في ~~أنفسهم ، وغابوا عن حواسهم أحوالا لا توافق هذه المعقولات ، ولعل تلك ~~الحالة هي الموت ، إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الناس نيام ~~فإذا ماتوا انتبهوا " . فلعل الحياة الدنيا نوم بالإضافة إلى الآخرة ، فإذا ~~مات ظهرت له الأشياء على خلاف ما يشاهده الآن ويقال له عند ذلك : " فكشفنا ~~عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد " . فلما خطر لي هذه الخواطر ، وانقدحت في ~~النفس حاولت لذلك علاجا فلم يتيسر ، إذ لم يكن دفعه إلا بالدليل ، ولم يمكن ~~نصب دليل إلا من تركيب العلوم الأولية . فإذا لم تكن مسلمة لم يمكن تركيب ~~الدليل . فأعضل الداء ، ودام قريبا من شهرين ، أنا فيهما على مذهب السفسطة ~~بحكم الحال ، لا بحكم النطق والمقال . حتى شفى الله تعالى من ذلك المرض ، ~~وعادت النفس إلى الصحة والاعتدال ، PageV01P010 ~~"""""" صفحة رقم 11 """""" # ورجعت الضروريات العقلية مقبولة موثوقا بها على أمن ويقين ، ولم يكن ذلك ~~بنظم دليل وترتيب كلام ، بل بنور قذفه الله تعالى في الصدر وذلك النور هو ms04 ~~مفتاح أكثر المعارف ، فمن ظن أن الكشف موقوف على الأدلة المحررة فقد ضيق ~~رحمة الله تعالى الواسعة . ولما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، على " ~~الشرح " ومعناه في قوله تعالى : " فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ~~" قال : " هو نور يقذفه الله تعالى في القلب " . فقيل : وما علامته ؟ قال : ~~" التجافي عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود " . وهو الذي قال ( صلى ~~الله عليه وسلم ) فيه : " إن الله تعالى خلق الخلق في ظلمة ، ثم رش عليهم ~~من نوره " فمن ذلك النور ينبغي أن يطلب الكشف ، وذلك النور ينبجس من الجود ~~الإلهي في بعض الأحاديين ، ويجب الترصد له كما قال صلى الله عليه وسلم : " ~~إن لربكم في أيام دهركم نفحات ، ألا فتعرضوا لها " والمقصود من هذه ~~الحكايات أن يعمل كمال الجد في الطلب ، حتى ينتهي إلى طلب ما لا يطلب . فإن ~~الأوليات ليست مطلوبة ، فإنها حاضرة ، PageV01P011 ~~"""""" صفحة رقم 12 """""" # والحاضر إذا طلب نفر واختفى ، ومن طلب ما لا يطلب فلا يتهم بالتقصير في ~~طلب ما يطلب . # القول في أصناف الطالبين # ولما شفاني الله من هذا المرض بفضله وسعة جوده ، أحضرت أصناف الطالبين ~~عندي في أربع فرق : 1 - المتكلمون : وهم يدعون أنهم أهل الرأي والنظر . 2 - ~~الباطنية : وهم يزعمون أنهم أصحاب التعليم ، والمخصوصون بالاقتباس من ~~الإمام المعصوم . 3 - الفلاسفة : وهم يزعمون أنهم أهل المنطق والبرهان . 4 ~~- الصوفية : وهم يدعون أنهم خواص الحضرة ، وأهل المشاهدة والمكاشفة PageV01P012 ~~"""""" صفحة رقم 13 """""" # فقلت في نفسي : الحق لا يعدو هذه الأصناف الأربعة ، فهؤلاء هم السالكون ~~سبل طلب الحق ، فإن شذ الحق عنهم ، فلا يبقى في درك الحق مطمع ، إذ لا مطمع ~~في الرجوع إلى التقليد بعد مفارقته ، إذ من شرط PageV01P013 ~~"""""" صفحة رقم 14 """""" # بالمقلد أن لا يعلم أنه مقلد ، فإذا علم ذلك انكسرت زجاجة تقليده ، وهو ~~شعب لا يرأب وشعث لا يلم بالتلفيق والتأليف ، إلا أن يذاب بالنار ، ويستأنف ~~له صنعة أخرى مستجدة . فابتدرت لسلوك هذه الطرق ، واستقصاء ما عند هذه ~~الفرق . مبتدئا بعلم الكلام . ومثنيا ms05 بطريق الفلسفة ، ومثلثا بتعلم ~~الباطنية ، ومربعا بطريق الصوفية . # علم الكلام مقصوده وحاصله # ثم إني ابتدأت بعلم الكلام ، فحصلته ، وعقلته ، وطالعت كتب المحققين منهم ~~، وصنفت فيه ما أردت أن أصنف فصادفته علما وافيا بمقصوده ، غير واف بمقصودي ~~، وإنما مقصوده حفظ عقيدة أهل السنة ، وحراستها عن تشويش أهل البدعة ، فقد ~~ألقى الله تعالى ، إلى عباده على لسان رسوله عقيدة هي الحق . على ما فيه ~~صلاح دينهم ودنياهم ، كما نطق بمعرفته القرآن والأخبار . ثم ألقى الشيطان ~~في وساوس المبتدعة أمورا مخالفة للسنة ، فلهجوا بها وكادوا يشوشون عقيدة ~~الحق على أهلها . فأنشأ الله تعالى ، طائفة المتكلمين ، وحرك دواعيهم لنصرة ~~السنة بكلام مرتب ، يكشف عن تلبيسات أهل البدع المحدثة ، على خلاف السنة ~~المأثورة ، فمنه نشأ علم الكلام وأهله ، فلقد قام طائفة منهم بما ندبهم ~~الله تعالى إليه ، فأحسنوا الذب عن السنة ، والنضال عن العقيدة المتلقاة PageV01P014 ~~"""""" صفحة رقم 15 """""" # بالقبول من النبوة ، والتغيير في وجه ما أحدث من البدعة ، ولكنهم اعتمدوا ~~في ذلك على مقدمات تسلموها من خصومهم ، واضطرهم إلى تسليمها ، إما التقليد ~~، أو إجماع الأمة ، أو مجرد القبول من القرآن والأخبار وكان أكثر خوضهم في ~~استخراج تناقضات الخصوم ، ومؤاخذتهم بلوازم مسلماتهم ، وهذا قليل النفع في ~~حق من لا يسلم سوى الضروريات شيئا أصلا ، فلم يكن الكلام في حقي كافيا ، ~~ولا لدائي الذي كنت أشكوه شافيا . نعم لما نشأت صنعة الكلام ، وكثر الخوض ~~فيه ، وطالت المدة ، تشوق المتكلمون إلى محاولة الذب عن السنة بالبحث عن ~~حقائق الأمور وخاضوا في البحث عن الجواهر والأعراض وأحكامها . ولكن لم يكن ~~ذلك مقصود علمهم ، لم يبلغ كلامهم فيه الغاية القصوى ، فلم يحصل منه ما ~~يمحو بالكلية ظلمات الحيرة في اختلافات الخلق . ولا أبعد أن يكون قد حصل ~~ذلك لغيري ، بل لست أشك في حصول ذلك لطائفة ، PageV01P015 ~~"""""" صفحة رقم 16 """""" # ولكن حصولا مشوبا بالتقليد في بعض الأمور التي ليست من الأوليات ، والغرض ~~الآن : حكاية حالي ، لا الإنكار على من استشفى به ، فإن أدوية الشفاء تختلف ~~باختلاف الداء ، وكم من دواء ينتفع ms06 به مريض ويستضر به آخر . # الفلسفة أحاصيلها # ، ما يذم منها وما لا يذم ، وما يكفر فيه قائلة ، وما لا يكفر ، وما يبدع ~~فيه وما لا يبدع ، وبيان ما سرقوه من كلام أهل الحق ، وما مزجوه بكلامهم ~~لترويج باطلهم في درج ذلك ، وكيفية حصول نفرة النفوس من ذلك الحق - وكيفية ~~استخلاص صراف الحقائق الحق الخالص من الزيف والبهرج من جملة كلامهم . ثم ~~إني ابتدأت - بعد الفراغ من علم الكلام - بعلم الفلسفة ، وعلمت PageV01P016 ~~"""""" صفحة رقم 17 """""" # يقينا : أنه لا يقف على فساد نوع من العلوم ، من لا يقف على منتهى ذلك ~~العلم ، حتى يساوي أعلمهم في أصل ذلك العلم ، ثم يزيد عليه ، ويجاوز درجته ~~فيطلع على ما لم يطلع عليه صاحب العلم ، من غوره وغائله ، وإذا ذاك يمكن أن ~~يكون ما يدعيه من فساده حقا . ولم أر أحدا من علماء الإسلام صرف عنايته ~~وهمته إلى ذلك ، ولم يكن في كتب المتكلمين من كلامهم - حيث اشتغلوا بالرد ~~عليهم - إلا كلمات معقدة مبددة ظاهرة التناقض والفساد ، لا يظن الاغترار ~~بها بعاقل عامي ، فضلا عمن يدعي دقائق العلم ، فعلمت أن رد المذهب قبل فهمه ~~والإطلاع على كنه رمى في عماية . فشمرت عن ساق الجد في تحصيل ذلك العلم من ~~الكتب ، بمجرد المطالعة من غير استعانة بأستاذ ، وأقبلت على ذلك في أوقات ~~فراغي من التصنيف والتدريس في العلوم الشرعية ، وأنا ممنو بالتدريس ~~والإفادة لثلاثمائة نفس من الطلبة ببغداد . فأطلعني الله سبحانه وتعالى ~~بمجرد المطالعة في هذه الأوقات المختلسة ، على منتهى علومهم في أقل من ~~سنتين ، ثم لم أزل أواظب على التفكر فيه بعد فهمه قريبا من سنة أعاوده ~~وأردده وأتفقد غوائله وأغواره ، حتى اطلعت على ما فيه من خداع ، وتلبيس ~~وتحقيق وتخييل ، واطلاعا لم أشك فيه . فاسمع الآن حكايته ، وحكاية حاصل ~~علومهم ، فإني رأيتهم أصنافا ، ورأيت علومهم أقساما وهم - على كثرة أصنافهم ~~- يلزمهم وصمة الكفر والإلحاد ، وإن كان بين القدماء منهم والأقدمين ، وبين ~~الأواخر منهم والأوائل ، تفاوت عظيم ، في البعد عن الحق والقرب منه . PageV01P017 # """""" صفحة رقم ms07 18 """""" # أصناف الفلاسفة واتصاف كافتهم بالكفر # اعلم أنهم - على كثرة فرقهم ، واختلاف مذاهبهم - ينقسمون إلى ثلاثة أقسام ~~: الدهريون ، والطبيعيون ، والإلهيون . الصنف الأول الدهريون وهم طائفة من ~~الأقدمين جحدوا الصانع المدبر ، العالم القادر ، وزعموا : أن العالم لم يزل ~~موجودا كذلك بنفسه ، وبلا صانع ، ولم يزل الحيوان من النطفة ، والنطفة من ~~الحيوان ، كذلك كان ، وكذلك يكون أبدا وهؤلاء هم الزنادقة . PageV01P018 # """""" صفحة رقم 19 """""" # والصنف الثاني الطبيعيون وهم قوم أكثروا بحثهم عن عالم الطبيعة وعن عجائب ~~الحيوان والنبات ، وأكثروا الخوض في علم تشريح أعضاء الحيوانات . فرأوا ~~فيها من عجائب صنع الله تعالى ، وبدائع حكمته ، مما اضطروا معه إلى ~~الاعتراف بفاطر حكيم ، مطلع على غايات الأمور ومقاصدها ، ولا يطالع التشريح ~~، وعجائب منافع الأعضاء مطالع إلا ويحصل له هذا العلم الضروري بكمال تدبير ~~الباني لبنية الحيوان ، لا سيما بنية الإنسان . . إلا أن هؤلاء لكثرة بحثهم ~~عن الطبيعة ظهر عندهم - لاعتدال المزاج - تأثير عظيم في قوام قوى الحيوان ~~به ، فظنوا أن القوة العاقلة من الإنسان تابعة لمزاجه أيضا ، وأنها تبطل ~~ببطلان مزاجه فينعدم ، ثم إذا انعدم فلا يعقل إعادة المعدوم ، كما زعموا ، ~~فذهبوا إلى أن النفس تموت ولا تعود فجحدوا الآخرة ، وأنكروا الجنة والنار ، ~~والحشر والنشر ، والقيامة ، والحساب ، فلم يبق عندهم للطاعة ثواب ، ولا ~~للمعصية عقاب ، PageV01P019 ~~"""""" صفحة رقم 20 """""" # فانحل عنهم اللجام ، وانهمكوا إنهماك الأنعام . وهؤلاء أيضا زنادقة ، لأن ~~أصل الإيمان هو : الإيمان بالله واليوم الآخر ، وهؤلاء جحدوا اليوم الآخر ، ~~وإن آمنوا بالله وصفاته ، . والصنف الثالث الإلهيون وهم المتأخرون منهم مثل ~~سقراط وهو أستاذ أفلاطون وأفلاطون أستاذ أرسطاطاليس وأرسطاطاليس هو الذي ~~رتب لهم المنطق ، وهذب لهم العلوم ، وحرر لهم ما لم يكن محررا من قبل ، ~~وأنضج لهم ما كان فجا من علومهم ، وهم بجملتهم ، ردوا على الصنفين الأولين ~~من الدهرية ، والطبيعية ، وأوردوا في الكشف عن فضائحهم ما أغنوا به غيرهم " ~~وكفى الله المؤمنين القتال " بتقاتلهم . ثم رد أرسطاطاليس على أفلاطون ~~وسقراط ومن كان قبلهم من الإلهيين ، ردا لم يقصر فيه حتى تبرأ عن جميعهم ، ~~إلا أنه ms08 استبقى من رذاذ كفرهم ، وبدعتهم ، بقايا لم يوفق للنزوع عنها ، ~~فوجب تكفيرهم وتكفير PageV01P020 ~~"""""" صفحة رقم 21 """""" # شيعتهم من المتفلسفة الإسلاميين . كابن سينا والفارابي وأمثالهما . على أنه PageV01P021 ~~"""""" صفحة رقم 22 """""" # لم يقم بنقل علم أرسطاطاليس أحد من متلفسفة الإسلاميين كقيام هذين ~~الرجلين ، وما نقله غيرهما ليس يخلو من تخبيط وتخليط ، يتشوش فيه قلب ~~المطالع ، حتى لا يفهم ، وما لا يفهم كيف يرد أو يقبل ؟ ومجموع ما صح عندنا ~~من فلسفة أرسطاطاليس ، بحسب نقل هذين الرجلين ينحصر في ثلاثة أقسام : 1 - ~~قسم يجب التفكير به . 2 - وقسم يجب التبديع به . 3 - وقسم لا يجب إنكاره ~~أصلا ، فلنفصله . PageV01P022 # """""" صفحة رقم 23 """""" # أقسام علومهم # أعلم : أن علومهم - بالنسبة إلى الغرض الذي نطلبه - ستة أقسام رياضية ، ~~ومنطقية ، وطبيعية ، وإلهية ، وسياسية ، وخلقية . أما الرياضية : فتتعلق ~~بعلم الحساب والهندسة وعلم هيئة العالم ، وليس يتعلق منه شيء بالأمور ~~الدينية نفيا وإثباتا ، بل هي أمور برهانية لا سبيل إلى مجاحدتهم بعد فهمها ~~ومعرفتها . وقد تولدت منها آفتان : الأولى : من ينظر فيها يتعجب من دقائقها ~~ومن ظهور براهينها ، فيحسن بسبب ذلك اعتقاده في الفلاسفة ، فيحسب أن جميع ~~علومهم في الوضوح وفي وثاقة البرهان كهذا العلم . ثم يكون قد سمع من كفرهم ~~وتعطيلهم وتهاونهم بالشرع ما تناولته الألسنة فيكفر بالتقليد المحض ويقول : ~~لو كان الدين حقا لما اختفى على هؤلاء مع تدقيقهم في هذا العلم PageV01P023 ~~"""""" صفحة رقم 24 """""" # فإذا عرف بالتسامع كفرهم وجورهم استدل على أن الحق هو الجحد والإنكار ~~للدين ، وكم رأيت من يضل عن الحق بهذا العذر ولا مستند له سواه . وإذا قيل ~~له : الحاذق في صناعة واحدة ليس يلزم أن يكون حاذقا في كل صناعة ، فلا يلزم ~~أن يكون الحاذق في الفقه والكلام حاذقا في الطب ، ولا أن يكون الجاهل ~~بالعقليات جاهلا بالنحو ، بل لكل صناعة أهل بلغوا فيها رتبة البراعة والسبق ~~، وإن كان الحمق والجهل يلزمهم في غيرها ، فكلام الأوائل في الرياضيات ~~برهاني وفي الإلهيات تخميني ، لا يعرف ذلك من جربه وخاض فيه . فهذا إذا قرر ~~على ms09 هذا الذي ألحد بالتقليد ، ولم يقع منه موقع القبول ، بل تحمله غلبة ~~الهوى ، والشهوة الباطلة ، وحب التكايس على أن يصر على تحسين الظن بهم في ~~العلوم كلها . فهذه آفة عظيمة لأجلها يجب زجر كل من يخوض في تلك العلوم ، PageV01P024 ~~"""""" صفحة رقم 25 """""" # فإنها وإن لم تتعلق بأمر الدين ، ولكن لما كانت من مبادئ علومهم سرى إليه ~~شرهم وشؤمهم ، فقل من يخوض فيها إلا وينخلع من الدين وينحل عن رأسه لجام ~~التقوى . الآفة الثانية : نشأت من صديق للإسلام جاهل ، ظن أن الدين ينبغي ~~أن ينصر بإنكار كل علم منسوب إليهم . فأنكر جميع علومهم وادعى جهلهم فيها ~~حتى أنكر قولهم في الكسوف والخسوف ، وزعم أن ما قالوه على خلاف الشرع فلما ~~قرع ذلك سمع من عرف ذلك بالبرهان القاطع ، لم يشك في برهانه ولكن اعتقد أن ~~الإسلام مبني على الجهل وإنكار البرهان القاطع ، فازداد للفلسفة حبا ~~وللإسلام بغضا ، ولقد عظم على الدين جناية من ظن أن الإسلام ينصر بإنكار ~~هذه العلوم ، وليس في الشرع تعرض لهذه العلوم بالنفي والإثبات ، ولا في هذه ~~العلوم تعرض للأمور الدينية . وقوله صلى الله عليه وسلم : " إن الشمس ~~والقمر آيتان من آيات الله تعالى لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته ، فإذا ~~رأيتم فافزعوا إلى ذكر الله تعالى وإلى الصلاة " . وليس في هذا ما يوجب ~~إنكار علم الحساب المعروف بمسير الشمس والقمر ، واجتماعهما أو مقابلهما على ~~وجه مخصوص ، أما قوله عليه السلام : " لكن الله إذا تجلى لشيء خضع له " ~~فليس توجد هذه الزيادة في الصحيح أصلا . فهذا حكم الرياضيات وآفتها . PageV01P025 # """""" صفحة رقم 26 """""" # وأما المنطقيات : فلا يتعلق شيء منها بالدين نفيا وإثباتا ، بل هي النظر ~~في طرق الأدلة والمقاييس ، وشروط مقدمات البرهان ، وكيفية تركيبها ، وشروط ~~الحد الصحيح وكيفية ترتيبه . وأن العلم إما تصور وسبيل معرفته الحد ، وإما ~~تصديق وسبيل معرفته البرهان ، وليس في هذا ما ينبغي أن ينكر ، بل هو من جنس ~~ما ذكره المتكلمون وأهل النظر في الأدلة ، وإنما يفارقونهم بالعبارات ~~والاصطلاحات بزيادة الاستقصاء في التعريفات والتشعيبات ms10 ، ومثال كلامهم فيها ~~قولهم : إذا ثبت أن كل " أ" " ب " لزم أن بعض " ب " " أ" " ي " إذا ثبت أن ~~كل إنسان حيوان لزم أن بعض الحيوان إنسان ، ويعبرون عن هذه بأنه الموجبة ~~الكلية تنعكس موجبة جزئية . وأي تعلق لهذا بمهمات الدين حتى يجحد وينكر ؟ ~~فإذا أنكر لم يحصل من إنكاره عند أهل المنطق إلا سوء الإعتقاد في عقل ~~المنكر ، بل في دينه الذي يزعم أنه موقوف على مثل هذا الإنكار ، نعم لهم ~~نوع من الظلم في هذا العلم ، وهو أنهم يجمعون للبرهان شروطا يعلم أنها تورث ~~اليقين لا محالة ، لكنهم عند الانتهاء إلى المقاصد الدينية ما أمكنهم ~~الوفاء بتلك الشروط ، بل تساهلوا غاية التساهل ، وربما ينظر في المنطق أيضا ~~من يستحسنه ويراه واضحا ، فيظن أن ما ينقل عنهم من الكفريات مؤيد بمثل تلك ~~البراهين ، فيستعجل بالكفر قبل الانتهاء إلى العلوم الإلهية . PageV01P026 # """""" صفحة رقم 27 """""" # فهذه الآفة أيضا متطرقة إليه . 3 - وأما علم الطبيعيات : فهو بحث عن عالم ~~السماوات وكواكبها وما تحتها من الأجسام المفردة : كالماء والهواء والتراب ~~والنار ، وعن الأجسام المركبة ، كالحيوان والنبات والمعادن ، وعن أسباب ~~تغيرها وامتزاجها ، وكذلك يضاهي بحث الطب عن جسم الإنسان ، وأعضائهم ~~الرئيسية والخادمة ، وأسباب استحالة مزاجه وكما ليس من شرط الدين إنكار علم ~~الطب ، فليس من شرطه أيضا إنكار ذلك العلم ، إلا في مسائل معينة ، وذكرناها ~~في كتاب تهافت الفلاسفة وما عداها مما يجب المخالفة فيها ، فعند التأمل ~~يتبين أنها مندرجة تحتها ، وأصل جملتها : أن تعلم أن الطبيعة مسخرة لله ~~تعالى ، لا تعمل بنفسها ، بل هي مستعملة من جهة فاطرها . والشمس والقمر ~~والنجوم والطبائع مسخرات بأمره لا فعل لشيء منها بذاته عن ذاته . 4 - وأما ~~الإلهيات : ففيها أكثر أغاليطهم ، فما قدروا على الوفاء بالبراهين على ما ~~شرطوه في المنطق ، ولذلك كثر الاختلاف بينهم فيه ولقد قرب مذهب أرسطاطاليس ~~فيها من مذاهب الإسلاميين ، على ما نقله الفارابي وابن سينا ، ولكن مجموع ~~ما غلطوا فيه يرجع إلى عشرين أصلا ، يجب تكفيرهم في ثلاثة منها ، وتبديعهم ~~في سبعة ms11 عشر . ولإبطال PageV01P027 ~~"""""" صفحة رقم 28 """""" # مذهبهم في هذه المسائل العشرين صنفنا كتاب التهافت أما المسائل الثلاث ، ~~فقد خالفوا فيها كافة المسلمين وذلك في قولهم : 1 - إن الأجساد لا تحشر ، ~~وإنما المثاب والمعاقب هي الأرواح المجردة ، والمثوبات والعقوبات روحانية ~~لا جسمانية . ولقد صدقوا في إثبات الروحانية : فإنها كائنة أيضا ، ولكن ~~كذبوا في إنكار الجسمانية ، وكفروا بالشريعة فيما نطقوا به . 2 - ومن ذلك ~~قولهم : " إن الله تعالى يعلم الكليات دون الجزئيات " ، فهو أيضا كفر صريح ~~، بل الحق أنه : " لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض " . 3 - ~~ومن ذلك قولهم : يقدم العالم وأزليته ، ولم يذهب أحد من المسلمين إلى شيء ~~من هذه المسائل . وأما ما وراء ذلك من نفيهم الصفات ، وقولهم : إنه عليم ~~بالذات ، ولا يعلم زائد على الذات وما يجري مجراه ، فمذهبهم فيها قريب من ~~مذهب المعتزلة ، ولا يجب تكفير المعتزلة بمثل ذلك . وقد ذكرنا في كتاب فيصل ~~التفرقة بين الإسلام والزندقة ما يتبين به فساد رأي من يتسارع إلى التكفير ~~في كل ما يخالف مذهبه . 5 - وأما السياسيات : فجميع كلامهم فيها يرجع إلى ~~الحكم المصلحية PageV01P028 ~~"""""" صفحة رقم 29 """""" # المتعلقة بالأمور الدنيوية ، والإيالة السلطانية ، وإنما أخذوه من كتب ~~الله المنزلة على الأنبياء ، ومن الحكم المأثورة عن سلف الأنبياء عليهم ~~السلام . 6 - وأما الخلقية : فجميع كلامهم فيها يرجع إلى حصر صفات النفس ~~وأخلاقها ، وذكر أجناسها وأنواعها وكيفية معالجتها ومجاهدتها ، وإنما ~~أخذوها من كلام الصوفية ، وهم المتألهون المواظبون على ذكر الله تعالى ، ~~وعلى مخالفة الهوى وسلوك الطريق إلى الله تعالى بالإعراض عن ملاذ الدنيا ، ~~وقد انكشف لهم في مجاهدتهم من أخلاق الناس وعيوبها ، وآفات أعمالها ما ~~صرحوا بها ، فأخذها الفلاسفة ومزجوها بكلامهم توسلا بالتجمل بها إلى ترويج ~~باطلهم . ولقد كان في عصرهم بل في كل عصر جماعة من المتأهلين لا يخلي الله ~~سبحانه العالم عنهم ، فإنهم أوتاد الأرض ، ببركاتهم تنزل الرحمة على أهل ~~الأرض كما ورد في الخبر حيث قال صلى الله عليه وسلم : " بهم تمطرون ، وبهم ~~ترزقون " ومنهم كان أصحاب ms12 الكهف وكانوا في سالف الأزمنة ، على ما نطق به ~~القرآن ، فتولد من مزجهم كلام النبوة وكلام الصوفية بكتبهم آفتان : آفة في ~~حق القابل ، وآفة في حق الراد . PageV01P029 # """""" صفحة رقم 30 """""" # 1 - أما الآفة التي في حق الراد فعظيمة : إذ ظنت طائفة من الضعفاء أن ذلك ~~الكلام إذا كان مدونا في كتبهم ، وممزوجا بباطلهم ، ينبغي أن يهجر ولا يذكر ~~بل ينكر على كل من يذكره إذ لم يسمعوه أولا منهم ، فسبق إلى عقولهم الضعيفة ~~أنه باطل ، لأن قائله مبطل ، كالذي يسمع من النصراني قوله : " لا إله إلا ~~الله ، عيسى رسول الله " فينكره ويقول : " هذا كلام النصارى " ، ولا يتوقف ~~ربما يتأمل أن النصراني كافر باعتبار هذا القول ، أو باعتبار إنكاره نبوة ~~محمد عليه الصلاة والسلام . فإن لم يكن كافرا إلا باعتبار إنكاره ، ينبغي ~~أن يخالف في غير ما هو به كافر مما هو حق في نفسه ، وإن كان أيضا حقا عنده ~~. وهذه عادة ضعفاء العقول ، يعرفون الحق بالرجال ، لا الرجال بالحق . ~~والعاقل يقتدي بقول أمير المؤمنين " علي بن أبي طالب " رضي الله عنه ، حيث ~~قال : لا تعرف الحق بالرجال بل اعرف الحق تعرف أهله ، والعارف العاقل يعرف ~~الحق ، ثم ينظر في نفس القول : فإن كان حقا قبله سواء كان قائله مبطلا أو ~~محقا ، بل ربما يحرص على انتزاع الحق من تضاعيف كلام أهل الضلال ، عالما ~~بأن معدن الذهب الرغام . ولا بأس على الصراف إن أدخل يده في كيس القلاب ~~وانتزع الإبريز الخالص من الزيف والبهرج . مهما كان واثقا ببصيرته ، ويمنع ~~- من ساحل البحر - الأخرق ، دون السباح الحاذق ، ويصد عن مس الحية الصبي ~~دون المعزم البارع . ولعمري لما غلب على أكثر الخلق ظنهم بأنفسهم الحذاقة ~~والبراعة PageV01P030 ~~"""""" صفحة رقم 31 """""" # وكمال العقل ، وتمام الآلة في تمييز الحق عن الباطل والهدى عن الضلال وجب ~~حسم الباب في زجر الكافة عن مطالعة كتب أهل الضلال ما أمكن ، إذ لا يسلمون ~~عن الآفة الثانية التي سنذكرها أصلا ، وإن سلموا عن هذه الآفة التي ذكرناها ~~. ولقد اعترض - على ms13 بعض الكلمات المبثوثة في تصانيفنا في أسرار علوم الدين ~~- طائفة من الذين لم تستحكم في العلوم سرائرهم ، ولم تنفتح إلى أقصى غايات ~~المذاهب بصائرهم ، وزعمت أن تلك الكلمات من كلام الأوائل ، مع أن بعضها من ~~مولدات الخواطر ، ولا يبعد أن يقع الحافر على الحافر ، وبعضها يوجد في ~~الكتب الشرعية ، وأكثرها موجود معناه في كتب الصوفية ، وهب أنها لم توجد ~~إلا في كتبهم ، فإذا كان ذلك الكلام معقولا في نفسه ، مؤيدا بالبرهان ولم ~~يكن على مخالفة الكتاب والسنة ، فلم ينبغي أن يهجر ويترك ؟ فلو فتحنا هذا ~~الباب ، وتطرقنا إلى أن يهجر كل حق سبق إليه خاطر مبطل ، للزمنا أن نهجر ~~كثيرا من الحق ، ولزمنا أن نهجر جملة آيات من آيات القرآن وأخبار الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وحكايات السلف ، وكلمات الحكماء والصوفية لأن صاحب ~~إخوان الصفا أوردها في كتابه مستشهدا بها ومستدرجا قلوب الحمقى بواسطتها ~~إلى باطل ، ويتداعى ذلك إلى أن يستخرج المبطلون الحق من أيدينا بإيداعهم ~~إياه كتبهم . وأقل درجات العالم : أن يتميز عن العامي الغمر . فلا يعاف ~~العسل ، وإن وجده في محجمة الحجام ، ويتحقق أن المحجمة لا تغير ذات العسل ، ~~فإن نفرة الطبع عنه مبنية على جهل عامي منشؤه أن المحجمة إنما صنعت للدم ~~المستقذر ، فيظن أن PageV01P031 ~~"""""" صفحة رقم 32 """""" # الدم مستقذر لكونه في المحجمة ، ولا يدري أنه مستقذر لصفة في ذاته ، فإذا ~~عدمت هذه الصفة في العسل ، فكونه في ظرفه لا يكسبه تلك الصفة ، فلا ينبغي ~~أن يوجب له الاستقذار ، وهذا وهم باطل ، وهو غالب على أكثر الخلق . فإذا ~~نسبت الكلام وأسندته إلى قائل حسن فيه اعتقادهم ، قبلوه وإن كان باطلا ، ~~وإن أسندته إلى من ساء فيه اعتقادهم ردوه وإن كان حقا ، فأبدا يعرفون الحق ~~بالرجال ولا يعرفون الرجال بالحق ، وهو غاية الضلال هذه آفة الرد . 2 - ~~والآفة الثانية آفة القبول : فإن من نظر في كتبهم كإخوان الصفا وغيره ، ~~فرأى ما مزجوه بكلامهم من الحكم النبوية ، والكلمات الصوفية ، ربما ~~استحسنها وقبلها ، وحسن اعتقاده فيها ، فيسارع إلى قبول باطلهم ms14 الممزوج به ~~لحسن ظنه مما رآه استحسنه ، وذلك نوع استدراج إلى الباطل . ولأجل هذه الآفة ~~يجب الزجر عن مطالعة كتبهم لما فيها من PageV01P032 ~~"""""" صفحة رقم 33 """""" # الغدر والخطر . وكما يجب صون من لا يحسن السباحة على مزالق الشطوط ، يجب ~~صون الخلق عن مطالعة تلك الكتب . وكما يجب صون الصبيان عن مس الحيات ، يجب ~~صون الأسماع عن مختلط الكلمات ، وكما يجب على المعزم أن لا يمس الحية بين ~~يدي ولده الطفل ، إذا علم أن سيقتدي به ويظن أنه مثله ، بل يجب عليه أن ~~يحذره منه ، بأن يحذر هو في نفسه ولا يمسها بين يديه ، فكذلك يجب على ~~العالم الراسخ مثله ، وكما أن المعزم الحاذق إذا أخذ الحية وميز بني ~~الترياق والسم ، واستخرج منها الترياق وأبطل السم ، فليس له أن يشح ~~بالترياق على المحتاج إليه . وكذا الصراف الناقد البصير إذا أدخل يده في ~~كيس القلاب ، وأخرج منه الإبريز الخالص ، وطرح الزيف والبهرج ، فليس له أن ~~يشح بالجيد المرضي على من يحتاج إليه ، فكذلك العالم . وكما أن المحتاج إلى ~~الترياق ، إذا اشمأزت نفسه منه ، حيث علم أنه مستخرج من الحية التي هي مركز ~~السم وجب تعريفه ، والفقير المضطر إلى المال ، إذا نفر عن قبول الذهب ~~المستخرج من كيس القلاب ، وجب تنبيهه على أن نفرته جهل محض ، هو سبب حرمانه ~~الفائدة التي هي مطلبه ، وتحتم تعريفه أن قرب الجوار بين الزيف والجيد لا ~~يجعل الجيد زيفا ، كما لا يجعل الزيف جيدا ، فكذلك PageV01P033 ~~"""""" صفحة رقم 34 """""" # قرب الجوار بين الحق الباطل ، لا يجعل الحق باطلا ، كما لا يجعل الباطل ~~حقا ، فهذا مقدار ما أردنا ذكره من آفة الفلسفة وغائلتها . # القول في مذهب التعليم وغائلته # ثم إني لما فرغت من علم الفلسفة وتحصيله وتفهمه وتزييف ما يزيف منه ، ~~علمت أن ذلك أيضا غير واف بكمال الغرض ، وأن العقل ليس مستقلا بالإحاطة ~~بجميع المطالب ، ولا كاشفا للغطاء عن جميع المعضلات ، وكان قد نبغت نابغة ~~التعليمية ، وشاع بني الخلق تحدثهم بمعرفة معنى الأمور من جهة الإمام ~~المعصوم القائم ms15 بالحق ، فعن لي أن أبحث في مقالاتهم ، لأطلع على ما في ~~كنانتهم . ثم اتفق أن ورد علي أمر جازم من حضرة الخلافة ، بتصنيف كتاب يكشف ~~عن حقيقة مذهبهم . فلم يسعني مدافعته ، وصار ذلك مستحثا من خارج ، ضميمة ~~للباعث من الباطن ، فابتدأت بطلب كتبهم وجمع مقالاتهم . وكذلك قد بلغني بعض ~~كلماتهم المستحدثة التي ولدتها خواطر أهل العصر ، لا على المنهاج المعهود ~~من سلفهم . فجمعت تلك الكلمات ، ورتبتها ترتيبا محكما مقارنا للتحقيق ، ~~واستوفيت الجواب عنها ، حتى أنكر بعض أهل الحق مبالغتي في تقرير حجتهم ، ~~فقال : هذا سعي لهم ، فإنهم كانوا يعجزون عن نصرة مذهبهم بمثل هذه الشبهات ~~لولا تحقيقك لها ، وترتيبك إياها . وهذا الإنكار من وجه حق ، فقد أنكر أحمد ~~بن حنبل على الحارث PageV01P034 ~~"""""" صفحة رقم 35 """""" # المحاسبي رحمهما الله تصنيفه في الرد على المعتزلة ، فقال الحارث : الرد ~~على البدعة فرض فقال أحمد : نعم ، ولكن حكيت شبهتهم أولا ثم أجبت عنها ، ~~فيم تأمن أن يطالع الشبهة من يعلق ذلك بفهمه ، ولا يلتفت إلى الجواب أو ~~ينظر في الجواب ولا يفهم كنه ؟ وما ذكره أحمد بن حنبل حق ، ولكن في شبهة لم ~~تنتشر ولم تشتهر فأما إذا انتشرت ، فالجواب عنها واجب ولا يمكن الجواب عنها ~~إلا بعد الحكاية . نعم ، ينبغي أن لا يتكلف لهم شبهة لم يتكلفوها ، ولم ~~أتكلف أنا ذلك ، بل كنت قد سمعت تلك الشبهة من واحد من أصحابي المختلفين ~~إلي ، بعد أن كان قد التحق بهم ، وانتحل مذهبهم ، وحكى أنهم يضحكون على ~~تصانيف المصنفين في الرد عليهم ، بأنهم لم يفهموا بعد حجتهم ، ثم ذكر تلك ~~الحجة وحكاها عنهم ، فلم أرض لنفسي أن يظن في الغفلة عن اصل حجتهم ، فلذلك ~~أوردتها ، ولا أن يظن بي أني - وإن سمعتها - لم أفهمها ، فلذلك قررتها . ~~والمقصود ، أني قررت شبهتهم إلى أقصى الإمكان ثم أظهرت فسادها بغاية ~~البرهان . PageV01P035 # """""" صفحة رقم 36 """""" # والحاصل : أنه لا حاصل عند هؤلاء ولا طائل لكلامهم ، ولولا سوء نصرة ~~الصديق الجاهل ، لما انتهت تلك البدعة - مع ضعفها - إلى هذه الدرجة ، ولكن ms16 ~~شدة التعصب دعت الذابين عن الحق إلى تطويل النزاع معهم في مقدمات كلامهم ، ~~وإلى مجاحدتهم في كل ما نطقوا به ، فجاحدوهم في دعواهم : الحاجة إلى ~~التعليم والمعلم ، وفي دعواهم أنه : لا يصلح كل معلم ، بل لا بد من معلم ~~معصوم وظهرت حجتهم في إظهار الحاجة إلى التعليم والمعلم ، وضعف قول ~~المنكرين في مقابلته ، فاغتر بذلك جماعة وظنوا أن ذلك من قوة مذهبهم وضعف ~~مذهب المخالفين ، ولم يفهموا أن ذلك لضعف ناصر الحق وجعله بطريقه ، بل ~~الصواب الاعتراف بالحاجة إلى المعلم ، وأنه لا بد وأن يكون المعلم معصوما ، ~~ولكن معلمنا المعصوم هو محمد صلى الله عليه وسلم فإذا قالوا : هو ميت فنقول ~~: ومعلمكم غائب فإذا قالوا : معلمنا قد علم الدعاة وبثهم في البلاد ، وهو ~~ينتظر مراجعتهم إن اختلفوا أو أشكل عليهم مشكل فنقول : ومعلمنا قد علم ~~الدعاة وبثهم في البلاد وأكمل التعليم إذ قال الله تعالى : " اليوم أكملت ~~لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي " ، وبعد كمال التعليم لا يضر موت المعلم كما ~~لا يضر غيبته . فبقي قولهم : كيف تحكمون فيما لم تسمعوه ؟ أبالنص ولم ~~تسمعوه ، أم بالإجتهاد والرأي وهو مظنة الخلاف ؟ فنقول : نفعل ما فعله معاذ PageV01P036 ~~"""""" صفحة رقم 37 """""" # إذ بعثه رسول الله عليه الصلاة والسلام إلى اليمن . أن نحكم بالنص عند ~~وجود النص ، وبالإجتهاد عند عدمه . بل كما يفعله دعاتهم إذا بعدوا عن ~~الإمام إلى أقاصي البلاد إذ لا يمكنه أن يحكم بالنص ، فإن النصوص المتناهية ~~لا تستوعب الوقائع الغير المتناهية ، ولا يمكنه الرجوع في كل واقعة إلى ~~بلدة الإمام ، وأن يقطع المسافة ويرجع فيكون المستفتي قد مات ، وفات ~~الانتفاع بالرجوع ، فمن أشكلت عليه القبلة ليس له طريق إلا أن يصلي ~~بالاجتهاد ، إذ لو سافر إلى بلدة الإمام لمعرفة القبلة ، فيفوت وقت الصلاة ~~. فإذن ، جازت الصلاة إلى غير القبلة بناء على الظن . ويقال : إن المخطيء ~~في الاجتهاد له أجر واحد وللمصيب أجران فكذلك في جميع المجتهدات ، وكذلك ~~أمر صرف الزكاة إلى الفقير ، فربما يظنه فقيرا باجتهاده وهو غني باطنا ~~بإخفائه ماله ms17 ، فلا يكون مؤاخذا به وإن أخطأ ، لأنه لم يؤاخذ إلا بموجب ظنه ~~. فإن قال : ظن مخالفه كظنه فأقول : هو مأمور باتباع ظن نفسه ، كالمجتهد في ~~القبلة يتبع ظنه وإن خالفه غيره فإن قال : فالمقلد يتبع أبا حنيفة والشافعي ~~رحمهما الله أم غيرهما ؟ فأقول : فالمقلد في القبلة عند الاشتباه في معرفة ~~الأفضل الأعلم بدلائل القبلة ، فيتبع ذلك الاجتهاد ، فكذلك في المذاهب فرد ~~الخلق إلى الاجتهاد - ضرورة - الأنبياء والأئمة مع العلم بأنهم PageV01P037 ~~"""""" صفحة رقم 38 """""" # قد يخطئون ، بل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنا أحكم بالظاهر ~~والله يتولى السرائر " . أي أنا أحكم بغالب الظن الحاصل من قول الشهود ، ~~وربما أخطأوا فيه . ولا سبيل إلى الأمن من الخطأ للأنبياء في مثل هذه ~~المجتهدات فيكف يطمع في ذلك ؟ . ولهم ها هنا سؤالان : أحدهما قولهم : هذا ~~وإن صح في المجتهدات فلا يصح في قواعد العقائد ، إذ المخطئ فيه غير معذور ، ~~فكيف السبيل إليه ؟ فأقول : قواعد العقائد يشتمل عليها الكتاب والسنة ، وما ~~وراء ذلك من التفصيل ، والمتنازع فيه ، يعرف الحق فيه بالقسطاس المستقيم . PageV01P038 # """""" صفحة رقم 39 """""" # وهي الموازين التي ذكرها الله تعالى في كتابه ، وهي خمسة ذكرتها في كتاب ~~القسطاس المستقيم " فإن قال : خصومك يخالفونك في ذلك الميزان فأقول : ولا ~~يتصور أن يفهم ذلك الميزان ثم يخالف فيه ، إذ لا يخالف فيه أهل التعليم ، ~~لأني استخرجته من القرآن وتعلمته منه ، ولا يخالف فيه أهل المنطق ، لأنه ~~موافق لما شرطوه في المنطق وغير مخالف له ، ولا يخالف فيه المتكلم لأنه ~~موافق لما يذكره في أدلة النظريات ، وبه يعرف الحق في الكلاميات . فإن قال ~~: فإن كان في يدك مثل هذا الميزان فلم لا ترفع الخلاف بين الخلق ؟ ، فأقول ~~: لو أصغوا إلي لرفعت الخلاف بينهم ، وذكرت طريق رفع الخلاف في كتاب ~~القسطاس المستقيم فتأمله لتعلم أنه حق وأنه يرفع الخلاف قطعا لو أصغوا ولا ~~يصغون إليه بأجمعهم بل قد أصغى إلي طائفة ، فرفعت الخلاف بينهم . وإمامك ~~يريد رفع الخلاف بينهم مع عدم إصغائهم ، فلم لم يرفع إلى ms18 الآن ؟ ولم لم ~~يرفع علي رضي الله عنه وهو رأس الأئمة ؟ أو يدعي أنه يقدر على حمل كافتهم ~~على الإصغاء قهرا ، فلم لم يحملهم إلى الآن ؟ ولأي يوم أجله ؟ وهل حصل بين ~~الخلق بسبب دعوته إلا زيادة خلاف وزيادة مخالف ؟ نعم كان يخشى من الخلاف ~~نوع الضرر لا ينتهي إلى سفك الدماء ، وتخريب البلاد وأيتام الأولاد ، وقطع ~~الطرق ، والإغارة على الأموال . وقد حدث في العالم من بركات رفعكم الخلاف ~~من الخلاف ما لم يكن بمثله عهد . فإن قال : ادعيت أنك PageV01P039 ~~"""""" صفحة رقم 40 """""" # ترفع الخلاف بين الخلق ولكن المتحير بين المذاهب المتعارضة ، والاختلافات ~~المتقابلة ، لم يلزمه الإصغاء إليك دون خصمك وأكثر الخصوم يخالفونك ، ولا ~~فرق بينك وبينهم وهذا هو سؤالهم الثاني ، فأقول : وهذا أولا ينقلب عليك ، ~~فإنك إذا دعوت هذا المتحير إلى نفسك فيقول المتحير : بما صرت أولى من ~~مخالفيك ، وأكثر أهل العلم يخالفونك ؟ فليت شعري بماذا تجيب ؟ أتجيب بأن ~~تقول : إمامي منصوص عليه ، فمن يصدقك في دعوى النص ، وهو لم يسمع النص من ~~الرسول ؟ وإنما يسمع دعواك مع تطابق أهل العلم على اختراعك وتكذيبك . ثم هب ~~أنه سلم لك النص ، فإن كان متحيرا في أصل النبوة ، فقال : هب أن إمامك يدلي ~~بمعجزة عيسى عليه السلام فيقول : الدليل على صدقي أني أحيي أباك ، فأحياه ، ~~فناطقني بأنه محق ، فبماذا أعلم صدقه ؟ ولم يعلم كافة الخلق صدق عيسى عليه ~~السلام بهذه المعجزة ، بل عليه من الأسئلة المشكلة ما لا يدفع إلا بدقيق ~~النظر العقلي ، والنظر العقلي لا يوثق به عندك ، ولا يعرف دلالة المعجزة ~~على الصدق ما لم يعرف السحر والتمييز بينه وبين المعجزة ، وما لم يعرف أن ~~الله لا يضل عباده . وسؤال الإضلال وعسر تحرير الجواب عنه مشهور فبماذا ~~تدفع جميع ذلك ؟ ولم يكن إمامك أولى بالمتابعة من مخالفه فيرجع إلى الأدلة ~~النظرية التي PageV01P040 ~~"""""" صفحة رقم 41 """""" # ينكرها ، وخصمه يدلي بمثل تلك الأدلة وأوضح منها وهذا السؤال قد انقلب ~~عليهم انقلابا عظيما لو اجتمع أولهم وآخرهم على أن يجيبوا عنه جوابا ms19 لم ~~يقدروا عليه . وإنما نشأ الفساد من جماعة من الضعفة ناظروهم ، فلم يشتغلوا ~~بالقلب بل بالجواب . وذلك مما يطول فيه الكلام ، وما لا يسبق سريعا إلى ~~الإفهام ، فلا يصلح للإفحام . فإن قال قائل : فهذا هو القلب ، فهل عنه جواب ~~؟ فأقول : نعم جوابه أن المتحير لو قال : أنا متحير ولم يعين المسألة التي ~~هو متحير فيها ، يقال له : أنت كمريض ، يقول : أنا مريض ولا يعين مرضه ~~ويطلب علاجه فيقال له : ليس في الوجود علاج للمرض المطلق ، بل لمرض معين . ~~من صداع أو إسهال أو غيرهما فكذلك المتحير ينبغي أن يعين ما هو متحير فيه ، ~~فإن عين المسألة عرفته الحق فيها بالوزن بالموازين الخمسة ، التي لا يفهمها ~~أحد إلا ويعترف بأنه الميزان الحق ، ويفهم منه أيضا صحة الوزن ، كما يفهم ~~متعلم علم الحساب ، نفس الحساب ، وكون المحاسب المعلم عالما بالحساب وصادقا ~~فيه . وقد أوضحت ذلك في كتاب القسطاس المستقيم في مقدار عشرين ورقة ، ~~فليتأمل . وليس المقصود الآن بيان فساد مذهبهم ، فقد ذكرت ذلك في كتاب ~~المستظهري أولا ، وفي كتاب حجة الحق ثانيا ، وهو جواب كلام لهم عرض علي ~~ببغداد ، وفي كتاب مفصل الخلاف الذي هو اثنا عشر فصلا ثالثا ، وهو جواب ~~كلام عرض علي بهمدان ، وفي كتاب الدرجة المرقوم بالجداول رابعا ، وهو من ~~ركيك كلامهم الذي عرض علي بطوس ، وفي PageV01P041 ~~"""""" صفحة رقم 42 """""" # كتاب القسطاس المستقيم خامسا ، وهو كتاب مستقل مقصوده أن هؤلاء ، ليس ~~معهم شيء من الشفاء المنجي من ظلمات الآراء ، بل هم مع عجزهم عن إقامة ~~البرهان على تعيين الإمام ، طالما جربناهم فصدقناهم في الحاجة إلى التعليم ~~، وإلى المعلم المعصوم وعرضنا عليهم إشكالات فلم يفهموها ، فضلا عن القيام ~~بحلها فلما عجزوا أحالوا على الإمام الغائب ، وقالوا : إنه لا بد من السفر ~~إليه والعجب أنهم ضيعوا عمرهم في طلب المعلم وفي التبجح بالظفر به ، ولم ~~يتعلموا منه شيئا أصلا ، كالمتضمخ بالنجاسة ، يتعب في طلب الماء حتى إذا ~~وجده لم يستعمله ، وبقي متضمخا بالخبائث . ومنهم من ادعى شيئا من علمهم ، ~~فكان حاصل ms20 ما ذكره شيئا من ركيك فلسفة فيثاغورس وهو رجل من قدماء الأوائل ، ~~ومذهبه أرك مذهب الفلسفة ، وقد رد عليه أرسطاطاليس ، بل استدرك كلامه ~~واسترذله ، وهو المحكي في كتاب إخوان الصفا وهو على التحقيق حشو الفلسفة . ~~فالعجب ممن يتعب طول العمر في تحصيل العلم ثم يقنع بمثل ذلك العلم الركيك ~~المستغيث ، ويظن بأنه ظفر بأقصى مقاصد العلوم فهؤلاء أيضا PageV01P042 ~~"""""" صفحة رقم 43 """""" # جربناهم وسبرنا ظاهرهم وباطنهم ، في رجع حاصلهم إلى استدراج العوام ، ~~وضعفاء العقول ببيان الحاجة إلى المعلم ، ومجادلتهم في إنكارهم الحاجة إلى ~~التعليم بكلام قوي مفحم ، حتى إذا ساعدهم على الحاجة إلى المعلم مساعد وقال ~~: هات علمه وأفدنا من تعليمه وقف وقال : الآن إذا سلمت لي هذا فاطلبه ، ~~فإنما غرضي هذا القدر فقط . إذ علم أنه لو زاد على ذلك لافتضح ولعجز عن حل ~~أدنى الإشكالات ، بل عجز عن فهمه ، فضلا عن جوابه . فهذه حقيقة حالهم ~~فأخبرهم تقلهم فلما جربناهم نفضنا اليد عنهم أيضا . # طرق الصوفية # ثم إني لما فرغت من هذه العلوم أقبلت بهمتي على طريق الصوفية ، وعلمت أن ~~طريقتهم إنا تتم بعلم وعمل ، وكان حاصل علومهم قطع عقبات النفس ، والتنزه ~~عن أخلاقها المذمومة وصفاتها الخبيثة ، حتى يتوصل بها إلى تخلية القلب عن ~~غير الله تعالى وتحليته بذكر الله . وكان العلم أيسر علي من العمل ، ~~فابتدأت بتحصيل علمهم من مطالعة كتبهم مثل : قوت القلوب لأبي طالب المكي ~~رحمه الله ، وكتب الحارث المحاسبي ، والمتفرقات المأثورة عن الجنيد والشبلي ~~وأبي يزيد البسطامي قدس الله أرواحهم وغيرهم من المشايخ ، حتى اطلعت على ~~كنه مقاصدهم العلمية ، وحصلت ما يمكن أن يحصل من طريقهم بالتعلم والسماع . ~~فظهر لي أن أخص خواصهم ، ما لا يمكن الوصول إليه بالتعلم بل بالذوق والحال ~~وتبدل الصفات . وكم من الفرق PageV01P043 ~~"""""" صفحة رقم 44 """""" # بين أن تعلم حد الصحة وحد الشبع وأسبابهما وشروطهما ، وبين أن تكون PageV01P044 ~~"""""" صفحة رقم 45 """""" # صحيحا وشبعان ؟ وبين أن تعرف حد السكر ، وأنه عبارة عن حالة تحصل من ~~استيلاء أبخرة تتصاعد من المعدة على معادن الفكر ms21 ، وبين أن تكون سكران بل ~~السكران لا يعرف حد السكر ، وعلمه وهو سكران وما معه من علمه شيء . الطبيب ~~في حالة المرض يعرف حد الصحة وأسبابها وأدويتها ، وهو فاقد الصحة . فكذلك ~~فرق بين أن تعرف حقيقة الزهد وشروطه وأسبابه ، وبين أن تكون حالك الزهد ، ~~وعزوف النفس عن الدنيا . فعلمت يقينا أنهم أرباب الأحوال ، لا أصحاب ~~الأقوال . وأن ما يمكن تحصيله بطريق العلم فقد حصلته ، ولم يبق إلا ما لا ~~سبيل إليه بالسماع والتعلم ، بل بالذوق والسلوك . وكان قد حصل معي - من ~~العلوم التي مارستها والمسالك التي سلكتها ، في التفتيش عن صنفي العلوم ~~الشرعية والعقلية إيمان يقيني بالله تعالى ، وبالنبوة ، وباليوم الآخر . ~~فهذه الأصول الثلاثة من الإيمان كانت قد رسخت في نفسي ، لا بدليل معين مجرد ~~، بل بأسباب وقرائن وتجارب لا تدخل تحت الحصر تفاصيلها . وكان قد ظهر عندي ~~أنه لا مطمع لي في سعادة الآخرة إلا بالتقوى ، وكف النفس عن الهوى ، وأن ~~رأس ذلك كله ، قطع علاقة القلب عن الدنيا ، بالتجافي عن دار الغرور ، ~~والإنابة إلى دار الخلود ، والإقبال بكنه الهمة على الله تعالى . وأن ذلك PageV01P045 ~~"""""" صفحة رقم 46 """""" # لا يتم إلا بالإعراض عن الجاه والمال ، والهرب من الشواغل والعلائق . ثم ~~لاحظت أحوالي ، فإذا أنا منغمس في العلائق ، وقد أحدقت بي من الجوانب ، ~~ولاحظت أعمالي - وأحسنها التدريس والتعليم - فإذا أنا فيها مقبل على علوم ~~غير مهمة ، ولا نافعة في طريق الآخرة . ثم تفكرت في نيتي في التدريس ، فإذا ~~هي غير خالصة لوجه الله تعالى ، بل باعثها ومحركها طلب الجاه وانتشار الصيت ~~، فتيقنت أني على شفا جرف هار ، وأني قد أشفيت على النار ، إن لم أشتغل ~~بتلافي الأحوال . فلم أزل أتفكر فيه مدة ، وأنا بعد على مقام الاختيار ، ~~أصمم العزم على الخروج من بغداد ومفارقة تلك الأحوال يوما ، وأحل العزم ~~يوما ، وأقدم فيه رجلا وأؤخر عنه أخرى . لا تصدق لي رغبة في طلب الآخرة ~~بكرة ، إلا ويحمل عليها جلد الشهوة حملة فيفترها عشية ، فصارت شهوات الدنيا ~~تجاذبني بسلاسلها إلى المقام ، ومنادي ms22 الإيمان ينادي : الرحيل الرحيل فلم ~~يبق من العمر إلا قليل ، وبين يديك السفر الطويل ، وجميع ما أنت فيه من ~~العلم والعمل رياء وتخييل فإن لم تستعد الآن للآخرة ، فمتى تستعد ؟ وإن لم ~~تقطع الآن هذه العلائق فمتى تقطع ؟ فعند ذلك تنبعث الداعية ، وينجزم العزم ~~على الهرب والفرار ثم يعود الشيطان ويقول : هذه حال عارضة ، إياك أن ~~تطاوعها ، فإنها سريعة الزوال ، فإن أذعنت لها وتركت هذا الجاه العريض ، ~~والشأن المنظوم الخالي عن PageV01P046 ~~"""""" صفحة رقم 47 """""" # التكدير والتنغيص ، والأمر المسلم الصافي عن منازعة الخصوم ، ربما التفتت ~~إليه نفسك ، ولا يتيسر لك المعاودة . فلم أزل أتردد بين تجاذب شهوات الدنيا ~~، ودواعي الآخرة ، قريبا من ستة أشهر أولها رجب سنة ثمان وثمانين وأربع مئة ~~، وفي هذا الشهر جاوز الأمر حد الاختيار إلى الاضطرار ، إذ أقفل الله على ~~لساني حتى اعتقل عن التدريس ، فكنت أجاهد نفسي أن أدرس يوما واحدا تطييبا ~~لقلوب المختلفة إلي ، فكان لا ينطلق لساني بكلمة واحدة ولا أستطيعها البتة ~~، حتى أورثت هذه العقلة في اللسان حزنا في القلب ، بطلت معه قوة الهضم ~~ومراءة الطعام والشراب ، فكان لا ينساغ لي ثريد ، ولا تنهضم لي لقمة ، ~~وتعدى إلى ضعف القوى ، حتى قطع الأطباء طمعهم PageV01P047 ~~"""""" صفحة رقم 48 """""" # من العلاج وقالوا : هذا أمر نزل بالقلب ، ومنه سرى إلى المزاج ، فلا سبيل ~~إليه بالعلاج ، إلا بأن يتروح السر عن الهم الملم . ثم لما أحسست بعجزي ، ~~وسقط بالكلية اختياري ، التجأت إلى الله تعالى التجاء المضطر الذي لا حيلة ~~له ، فأجابني الذي يجبي المضطر إذا دعاه وسهل على قلبي الإعراض عن الجاه ~~والمال والأهل والولد والأصحاب ، وأظهرت عزم الخروج إلى مكة وأنا أدبر في ~~نفسي سفر الشام حذرا أن يطلع الخليفة وجملة الأصحاب على عزمي على المقام في ~~الشام ، فتلطفت بلطائف الحيل في الخروج من بغداد على عزم أن لا أعاودها ~~أبدا . واستهدفت لأئمة أهل العراق كافة ، إذ لم يكن فيهم من يجوز أن يكون ~~للإعراض عما كنت فيه سبب ديني ، إذ ظنوا أن ذلك هو المنصب ms23 الأعلى في الدين ~~، وكان ذلك مبلغهم من العلم ، ثم ارتبك الناس في الاستنباطات ، وظن من بعد ~~عن العراق ، أن ذلك كان لاستشعار من جهة الولاة ، وأما من قرب من الولاة ~~كان يشاهد إلحاحهم في التعلق بي والانكباب علي ، وإعراضي عنهم ، وعن ~~الالتفات إلى قولهم ، فيقولون : هذا أمر سماوي ، وليس له سبب إلا عين أصابت ~~أهل الإسلام وزمرة أهل العلم . ففارقت بغداد ، وفرقت ما كان معي من المال ، ~~ولم أدخر إلا قدر الكفاف ، وقوت الأطفال ، وترخصا بأن مال العراق مرصد ~~للمصالح ، ولكونه وقفا على المسلمين . فلم أر في العالم مالا يأخذه العالم ~~لعياله أصلح منه . ثم دخلت الشام ، PageV01P048 ~~"""""" صفحة رقم 49 """""" # وأقمت به قريبا من سنتين اشغل الشغل لي إلا العزلة والخلوة ، والرياضة ~~والمجاهدة ، اشتغالا بتزكية النفس ، وتهذيب الأخلاق ، وتصفية القلب لذكر ~~الله تعالى ، كما كنت حصلته من كتب الصوفية . فكنت أعتكف مدة في مسجد دمشق ~~، أصعد منارة المسجد طول النهار ، وأغلق بابها على نفسي ، وثم رحلت منها ~~إلى بيت المقدس ، أدخل كل يوم الصخرة ، وأغلق بابها على نفسي . ثم تحركت في ~~داعية فريضة الحج ، والاستمداد من بركات مكة والمدينة وزيارة رسول الله ( ~~صلى الله عليه وسلم ) بعد الفراغ من زيارة الخليل صلوات الله وسلامه عليه ، ~~وفسرت إلى الحجاز ، ثم جذبتني الهمم ، ودعوات الأطفال إلى الوطن ، فعاودته ~~بعد أن كنت أبعد الخلق عن الرجوع إليه ، فآثرت العزلة به أيضا حرصا على ~~الخلوة ، وتصفية القلب للذكر . وكانت حوادث الزمان ، ومهمات العيال ، ~~وضرورات المعيشة ، تغير في وجه المراد ، وتشوش صفوة الخلوة ، وكان لا يصفو ~~لي الحال إلا في أقوات متفرقة . لكني مع ذلك لا أقطع طمعي منها ، فتدفعني ~~عنها العوائق ، وأعود إليها . ودمت على ذلك مقدار عشر سنين ، وانكشفت لي في ~~أثناء هذه الخلوات أمور لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها ، والقدر الذي أذكره ~~لينتفع به . إني علمت يقينا أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى خاصة ~~وأن سيرتهم أحسن السير ، وطريقهم أصوب الطرق ، وأخلاقهم أزكى الأخلاق ، بل ~~لو جمع عقل العقلاء ، وحكمة الحكماء ، وعلم ms24 الواقفين على أسرار الشرع من ~~العلماء ، ليغيروا شيئا من سيرهم وأخلاقهم ، ويبدلوه بما هو خير منه ، لم ~~يجدوا إليه سبيلا . فإن جميع حركاتهم وسكناتهم ، في ظاهرهم وباطنهم ، ~~مقتبسة من نور مشكاة النبوة ، PageV01P049 ~~"""""" صفحة رقم 50 """""" # وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به . وبالجملة ، فماذا ~~يقول القائلون في طريقة ، طهارتها - وهي أول شروطها - تطهير القلب بالكلية ~~عما سوى الله تعالى ، ومفتاحها الجاري منها مجرى التحريم من الصلاة ، ~~استغراق القلب بالكلية بذكر الله ، وآخرها الفناء بالكلية في الله ؟ وهذا ~~آخرها بالإضافة إلى ما يكاد يدخل تحت الاختيار والكسب من أوائلها . وهي على ~~التحقيق أول الطريقة ، وما قبل ذلك كالدهليز للسالك إليه . ومن أول الطريقة ~~تبتدئ المكاشفات والمشاهدات ، حتى أنهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة ، ~~وأرواح الأنبياء ويسمعون أصواتا ويقتبسون منهم فوائد . ثم يترقى الحال من ~~مشاهدة الصور والأمثال ، إلى درجات يضيق عنها النطق ، فلا يحاول معبر أن ~~يعبر عنها إلا اشتمل لفظه على خطأ صريح لا يمكنه الاحتراز عنه . وعلى ~~الجملة ، ينتهي الأمر إلى قرب ، يكاد يتخيل منه طائفة الحلول ، وطائفة ~~الاتحاد ، وطائفة الوصول ، وكل ذلك خطأ . وقد بينا وجه الخطأ فيه في كتاب ~~المقصد الأسنى . بل الذي لابسته تلك الحالة لا ينبغي أن يزيد على أن يقول : ~~وكان ما كان مما لست أذكره . . . فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر وبالجملة فمن ~~لم يرزق منه شيئا بالذوق ، فليس يدرك من حقيقة النبوة إلا الاسم ، وكرامات ~~الأولياء ، هي على التحقيق ، بدايات الأنبياء . وكان ذلك أول حال رسول الله ~~( صلى الله عليه وسلم ) حين أقبل إلى جبل حراء حيث كان يخلو فيه بربه ~~ويتعبد ، حتى قالت العرب : إن محمدا عشق ربه . وهذه PageV01P050 ~~"""""" صفحة رقم 51 """""" # حالة ، يتحققها بالذوق من يسلك سبيلها . فمن لم يرزق الذوق ، فيتيقنها ~~بالتجربة والتسامع ، وإن أكثر الصحبة ، حتى يفهم ذلك بقرائن الأحوال يقينا ~~. ومن جالسهم ، استفاد منهم هذا الإيمان فهم القوم لا يشقى جليسهم . ومن لم ~~يرزق صحبتهم فليعلم إمكان ذلك يقينا بشواهد البرهان ، على ما ذكرناه في ms25 ~~كتاب عجائب القلب من كتب إحياء علوم الدين . والتحقيق بالبرهان علم ، ~~وملابسة عين تلك الحالة ذوق ، والقبول من التسامح والتجربة بحسن الظن إيمان ~~. فهذه ثلاث درجات : " يرفع الله الذين أمنوا منكم والذين أوتوا العلم ~~درجات " . ووراء هؤلاء قوم جهال ، هم المنكرون لأصل ذلك ، المتعجبون من هذا ~~الكلام ، ويستمعون ويسخرون ، ويقولون : العجب إنهم كيف يهذون وفهيم قال ~~الله تعالى : " ومنهم من يسمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين ~~أوتوا العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا ~~أهواءهم فأصمهم وأعمى أبصارهم " . ومما بان لي بالضرورة من ممارسة طريقتهم ~~، حقيقة النبوة وخاصيتها ولا بد من التنويه على أصلها لشدة مسيس الحاجة ~~إليها . # حقيقة النبوة واضطرار كافة الخلق إليها # اعلم : أن جوهر الإنسان في أصل الفطرة ، خلق خاليا ساذجا لا خير PageV01P051 ~~"""""" صفحة رقم 52 """""" # معه من عوالم الله تعالى ، والعوالم كثيرة لا يحصيها إلا الله تعالى ، ~~كما قال : " وما يعلم جنود ربك إلا هو " وإنما خبره من العوالم بواسطة ~~الإدراك وكل إدراك من الإدراكات خلق ليطلع الإنسان به على عالم من ~~الموجودات ، ونعني بالعوالم ، أجناس الموجودات . فأول ما يخلق في الإنسان ~~حاسة اللمس ، فيدرك بها أجناسا من الموجودات : كالحرارة ، والبرودة ، ~~والرطوبة ، واليبوسة ، واللين ، والخشونة ، وغيرها . واللمس قاصر عن ~~الألوان والأصوات قطعا ، بل هلي كالمعدوم في حس اللمس . ثم تخلق له حاسة ~~البصر ، فيدرك بها الألوان والأشكال ، وهو أوسع عالم المحسوسات . ثم ينفتح ~~له السمع ، فيسمع الأصوات والنغمات ، ثم يخلق له الذوق . وكذلك إلى أن ~~يجاوز عالم المحسوسات ، فيخلق فيه التمييز ، وهو قريب من سبع سنين ، PageV01P052 ~~"""""" صفحة رقم 53 """""" # وهو طور آخر من أطور وجوده . فيدرك فيه أمورا زائدة على عالم المحسوسات ، ~~ولا يوجد منها شيء في عالم الحس . ثم يترقى إلى طول آخر ، فيخلق له العقل ، ~~فيدرك الواجبات والجائزات والمستحيلات ، وأمورا لا توجد في الأطوار التي ~~قبله . ووراء العقل طور آخر تفتح فيه عين أخرى يبصر بها الغيب وما سيكون في ~~المستقبل ، وأمورا أخر ، العقل معزول عنها كعزل ms26 قوة التمييز . من إدراك ~~المعقولات ، وكعزل قوة الحس عن مدركات التمييز ، وكما أن المميز لو عرضت ~~عليه مدركات العقل لأباها واستبعدها ، فكذلك بعض العقلاء أبوا مدركات ~~النبوة واستبعدوها ، وذلك عين الجهل : إذ لا مستند لهم إلا أنه طور لم ~~يبلغه ولم يوجد في حقه ، فيظن أنه غير موجود في نفسه . والأكمه لو لم يعلم ~~بالتواتر والتسامع الألوان والأشكال ، وحكي له ذلك ابتداء ، لم يفهمها ولم ~~يقربها . وقد قرب الله تعالى على خلقه بأن أعطاهم نموذجا من خاصية النبوة ، ~~وهو النوم ، إذ النائم يدرك ما سيكون من الغيب ، إما صريحا وإما في كسوة ~~مثال يكشف عنه التعبير . وهذا لو لم يجربه الإنسان من نفسه - وقيل له : إن ~~من الناس من يسقط مغشيا عليه كالميت ، ويزول عنه إحساسه وسمعه وبصره فيدرك ~~الغيب - لأنكره ، وأقام البرهان على استحالته وقال : القوى الحساسة أسباب ~~الإدراك فمن لا يدرك الأشياء مع وجودها وحضورها ، فبأن لا يدرك مع ركودها ~~أولى وأحق . وهذا نوع قياسي يكذبه الوجود والمشاهدة فكما أن العقل طور من ~~أطوار الآدمي ، يحصل فيه عين يبصر بها أنواعا من المعقولات ، والحواس ~~معزولة عنها ، فالنبوة أيضا عبارة عن طور يحصل فيه عين لها نور يظهر في نورها PageV01P053 ~~"""""" صفحة رقم 54 """""" # الغيب ، وأمور لا يدركها العقل . والشك في النبوة ، وإما أن يقع في ~~مكانها ، وأو في وجودها ووقوعها ، وأو في حصولها لشخص معين . ودليل إمكانها ~~ووجودها . ودليل وجودها وجود معارف في العالم لا يتصور أن تنال بالعقل ، ~~كعلم الطب والنجوم ، فإن من بحث عنها علم بالضرورة أنها لا تدرك إلا بإلهام ~~إلهي ، وتوفيق من جهة الله تعالى ، ولا سبيل إليها بالتجربة فمن الأحكام ~~النجومية ما لا يقع إلا في كل ألف سنة مرة ، فكيف ينال ذلك بالتجربة ؟ ~~وكذلك خواص الأدوية فتبين بهذا البر هان ، أن في الإمكان وجود طريق لإدراك ~~هذه الأمور التي لا يدركها العقل ، وهو المراد بالنبوة ، لا أن النبوة ~~عبارة عنها فقط ، بل إدراك هذا الجنس الخارج عن مدركات العقل إحدى خواص ~~النبوة ، ولها ms27 خواص كثيرة سواها . وما ذكرنا فقطرة من بحرها ، إنما ذكرناها ~~لأن معك نموذجا منها ، وهو مدركاتك في النوم ، ومعك علوم من جنسها في الطب ~~والنجوم ، وهي معجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، ولا سبيل إليها ~~للعقلاء ببضاعة العقل أصلا . وأما ما عدا هذا من خواص النبوة ، فإنما يدرك ~~بالذوق ، من سلوك طريق التصوف ، لأن هذا إنما فهمته بأنموذج رزقته وهو ~~النوم ، ولولاه لما صدقت به . فإن كان للنبي خاصة ليس لك منها PageV01P054 ~~"""""" صفحة رقم 55 """""" # أنموذج ، ولا تفهمها أصلا ، فكيف تصدق بها ؟ وإنما التصديق بعد الفهم . ~~وذلك الأنموذج تحصل في أوائل طريق التصوف ، فيحصل به نوع من الذوق بالقدر ~~الحاصل ونوع من التصديق بما لم يحصل بالقياس إليه فهذه الخاصية الواحدة ~~تكفيك للإيمان بأصل النبوة . فإن وقع لك الشك في شخص معين ، أنه نبي أم لا ~~؟ فلا يحصل اليقين إلا بمعرفة أحواله ، إما بالمشاهدة ، أو بالتواتر ~~والتسامع ، فإنك إذا عرفت الطب والفقه ، يمكنك أن تعرف الفقهاء والأطباء ~~بمشاهدة أحوالهم ، وسماع أقوالهم ، وإن لم تشاهدهم ، ولا تعجز أيضا عن ~~معرفة كون الشافعي رحمه الله فقيها ، وكون جالينوس طبيبا ، معرفة بالحقيقة ~~لا بالتقليد عن الغير . بل بأن تتعلم شيئا من الفقه والطب وتطالع كتبهما ~~وتصانيفهما ، فيحصل لك علم ضروري بحالهما . فكذلك إذا فهمت معنى النبوة ~~فأكثرت النظر في القرآن والأخبار ، PageV01P055 ~~"""""" صفحة رقم 56 """""" # يحصل لك العلم الضروري بكونه ( صلى الله عليه وسلم ) على أعلى درجات ~~النبوة ، وأعضد ذلك بتجربة ما قاله في العبادات وتأثيرها في تصفية القلوب ، ~~وكيف صدق ( صلى الله عليه وسلم ) في قوله : " من عمل بما علم ورثه الله علم ~~ما لم يعلم " ويكف صدق في قوله : " من أعان ظالما سلطه الله عليه " وكيف ~~صدق في قوله : " من اصبح وهمومه هم واحد الله تعالى هموم الدنيا والآخرة " ~~. فإذا جربت ذلك في ألف وألفين وآلاف ، حصل لك علم ضروري ولا تتمارى فيه . ~~فمن هذا الطريق اطلب اليقين بالنبوة ، ولا من قلب العصا ثعبانا ، وشق القمر ~~، فإذن ذلك إذا نظرت إليه وحده ، ولم ms28 تنضم إليه القرائن الكثيرة PageV01P056 ~~"""""" صفحة رقم 57 """""" # الخارجة عن الحصر ، وربما ظننت أنه سحر وتخييل ، وأنه من الله تعالى ~~إضلال فإنه " يضل من يشاء ويهدي من يشاء " . وترد عليك أسئلة المعجزات ، ~~فإذا كان مستند إيمانك إلى كلام منظوم في وجه دلالة المعجزة ، فينجزم ~~إيمانك بكلام مرتب في وجه الإشكالات والشبهة عليها ، فليكن مثل هذه الخوارق ~~إحدى الدلائل والقرائن في جملة نظرك ، حتى يحصل لك علم ضروري لا يمكنك ذكر ~~مستنده على التعيين ، كالذي يخبرك جماعة بخبر متواتر لا يمكنه أن يذكر أن ~~اليقين مستفاد من قول واحد معين ، بل من حيث لا يدري ولا يخرج من جملة ذلك ~~ولا بتعيين الآحاد . فهذا هو الإيمان القوي العلمي . وأما الذوق فهو ~~كالمشاهدة والأخذ باليد ، ولا يوجد إلا في طريق الصوفية فهذا القدر من ~~حقيقة النبوة ، كاف في الغرض الذي أقصده الآن ، وسأذكر وجه الحاجة إليه . # سبب نشر العلم بعد الإعراض عنه # ثم إني لما واظبت على العزلة والخلوة قريبا من عشر سنين ، PageV01P057 ~~"""""" صفحة رقم 58 """""" # وبان لي في أثناء ذلك على الضرورة من أسباب لا أحصيها ، مرة بالذوق ، ~~ومرة بالعلم البرهاني ومرة بالقبول الإيماني : أن للإنسان بدنا وقلبا ، ~~وأعني بالقلب حقيقة روحه التي هي محل معرفة الله ، دون اللحم والدم الذي ~~يشارك فيه الميت والبهيمة ، وأن البدن له صحة بها سعادته ومرض فيه هلاكه ، ~~وأن القلب كذلك له صحة وسلامة ، ولا ينجو " إلا من أتى الله بقلب سليم " ~~وله مرض فيه هلاكه الأبدي الأخروي ، كما قال تعالى : في قلوبهم مرض " وأن ~~الجهل بالله سم مهلك ، وأن معصية الله بمتابعة الهوى ، داؤه الممرض ، وأن ~~معرفة الله تعالى ترياقه المحيي ، وطاعته بمخالفة الهوى دواؤه الشافي ، ~~وأنه لا سبيل إلى معالجة البدن إلا بذلك . وكما أن أدوية البدن تؤثر في كسب ~~الصحة بخاصية فيها ، لا يدركها العقلاء ببضاعة العقل ، بل يجب فيها تقليد ~~الأطباء الذين أخذوها من الأنبياء ، الذين اطلعوا بخاصية النبوة على خواص ~~الأشياء ، فكذلك بان لي ، على الضرورة بأن أدوية العبادات بحدودها ~~ومقاديرها ms29 المحدودة المقدرة من جهة الأنبياء ، لا يدرك وجه تأثيرها ببضاعة ~~عقل العقلاء ، بل يجب فيها تقليد الأنبياء الذين أدركوا تلك الخواص بنور ~~النبوة ، لا ببضاعة العقل . وكما أن الأدوية تركب من أخلاط مختلفة النوع ~~والمقدار وبعضها ضعف البعض في الوزن PageV01P058 ~~"""""" صفحة رقم 59 """""" # فلا يخلو اختلاف مقاديرها عن سر هو من قبيل الخواص ، فكذلك العبادات التي ~~هي أدوية داء القلوب ، مركبة من أفعال مختلفة النوع والمقدار ، حتى أن ~~السجود ضعف الركوع ، وصلاة الصبح نصف صلاة العصر في المقدار ، ولا يخلو عن ~~سر إلهي فيها ، يقتضيها بطريق الخاصية . وكما أن في الأدوية أصولا هي ~~أركانها وزوائد هي متمماتها ، لكل واحد منها خصوص تأثير في أعمال أصولها ، ~~كذلك النوافل والسنن متممات لتكميل آثار أركان العبادات . وعلى الجملة : ~~فالأنبياء عليهم السلام أطباء أمراض القلوب ، وإنما فائدة العقل وتصرفه ، ~~إن عرفنا ذلك ، وشهد للنبوة بالتصديق ولنفسه بالعمى عن درك ما يدرك بعين ~~النبوة ، أخذ بأيدينا وسلمنا إليها تسليم العميان إلى العميان إلى ~~العقائدين ، وتسليم المرضى المتحيرين إلى الأطباء المشفقين . فإلى ههنا ~~مجرى العقل ومخطاه وهو معزول عما بعد ذلك ، إلا عن تفهم ما يلقيه الطبيب إليه . PageV01P059 # """""" صفحة رقم 60 """""" # فهذه أمور عرفناها بالضرورة الجارية مجرى المشاهدة ، في مدة الخلوة ~~والعزلة ، ثم رأينا فتور الاعتقادات في أصل النبوة ، ثم في حقيقة النبوة ، ~~ثم في العمل بما شرحته النبوة ، وتحققنا شيوع ذلك بين الخلق ، فنظرت إلى ~~أسباب فتور الخلق ، وضعف إيمانهم ، فإذا هي أربعة : 1 - سبب من الخائضين في ~~علم الفلسفة . 2 - وسبب من الخائضين في طريق التصوف . 3 - وسبب من ~~المنتسبين إلى دعوى التعليم . 4 - وسبب من معاملة الموسومين بالعلم فيما ~~بين الناس . فإني تتبعت مدة آحاد الخلق ، أسأل من يقصر منهم في متابعة ~~الشرع وأسأله عن شبهته وأبحث عن عقيدته وسره وقلت له : مالك تقصر فيها فإن ~~كنت تؤمن بالآخرة ولست تستعد لها وتبيعها بالدنيا ، فهذه حماقة ، فإنك لا ~~تبيع الاثنين بواحد ، فكيف تبيع ما لا نهاية له بأيام معدودة ؟ وإن كنت لا ~~تؤمن ms30 ، فأنت كافر ، فدبر نفسك في طلب الإيمان ، وانظر سبب كفرك الخفي الذي ~~هو مذهبك باطنا ، وهو سبب جرأتك ظاهرا ، وإن كنت لا تصرح به تجملا بالإيمان ~~وتشرفا بذكر الشرع . فقائل يقول : إن هذا أمر لو وجبت المحافظة عليه ، لكان ~~العلماء أجدر بذلك ، وفلان من المشاهير بين الفضلاء لا يصلي ، وفلان يشرب ~~الخمر ، وفلان يأكل أموال الأوقاف وأموال اليتامى . وفلان يأكل إدرار ~~السلطان ولا يحترز عن الحرام ، وفلان يأخذ الرشوة على القضاء والشهادة وهلم ~~جرا إلى أمثاله . PageV01P060 # """""" صفحة رقم 61 """""" # وقائل ثان : يدعي علم التصوف ، ويزعم أنه قد بلغ مبلغا ترقى عن الحاجة ~~إلى العبادة . وقائل ثالث يتعلل بشبهة أخرى من شبهات أهل الإباحة وهؤلاء هم ~~الذين ضلوا عن التصوف . وقائل رابع لقي أهل التعليم فيقول : الحق مشكل ، ~~والطريق متعسرة والاختلاف فيه كثير ، وليس بعض المذاهب أولى من بعض ، وأدلة ~~العقول متعارضة ، فلا ثقة برأي أهل الرأي . والداعي إلى التعليم متحكم لا ~~حجة له ، فكيف أدع اليقين بالشك ؟ وقائل خامس يقول : لست أفعل هذا تقليدا ، ~~ولكنني قرأت علم الفلسفة ، وأدركت حقيقة النبوة ، وإن حاصلها يرجع إلى ~~الحكمة والمصلحة ، وأن المقصود من تعبداتها ضبط عوام الخلق وتقيدهم عن ~~التقاتل والتنازع والاسترسال في الشهوات ، فما أنا من العوام الجهال حتى ~~أدخل في حجر التكليف ، وإنما أنا من الحكماء أتبع الحكمة وأنا بصير ، مستغن ~~فيها عن التقليد . هذا منتهى إيمان من قرأ مذهب فلسفة الإلهيين منهم ، ~~وتعلم ذلك من كتب ابن سينا وأبي نصر الفارابي . وهؤلاء هم المتجملون ~~بالإسلام . وربما ترى الواحد منهم يقرأ القرآن ويحضر الجماعات والصلوات ، ~~ويعظم الشريعة بلسانه ، ولكنه مع ذلك لا يترك شرب الخمر ، وأنواعا من الفسق ~~والفجور ، وإذا قيل له : إن كانت غير صحيحة فلم PageV01P061 ~~"""""" صفحة رقم 62 """""" # تصلي ؟ فربما يقول : لرياضة الجسد ، ولعادة أهل البلد ، وحفظ المال ~~والولد . وربما قال : الشريعة صحيحة ، والنبوة حق فيقال : فلم تشرب الخمر ؟ ~~فيقول : إنما نهي عن الخمر لأنها تورث العداوة والبغضاء ، وأنا بحكمتي ~~محترز عن ذلك ، وإني أقصد به تشحيذ خاطري . حتى ms31 أن ابن سينا ذكر في وصية له ~~كتب فيها : إنه عاهد الله تعالى على كذا وكذا ، وأن يعظم الأوضاع الشرعية ، ~~ولا يقصر في العبادات الدينية ، ولا يشرب تلهيا بل تداويا وتشافيا فكان ~~منتهى حالته في صفاء الإيمان ، والتزام العبادات ، أن استثنى شرب الخمرة ~~لغرض التشافي ، فهذا إيمان من يدعي الإيمان منهم ، وقد انخدع بهم جماعة ، ~~وزادهم انخداعا ضعف اعتراض المعترضين عليهم ، إذ اعترضوا بمجاهدة علم ~~الهندسة والمنطق ، وغير ذلك مما هو ضروري لهم ، على ما بينا علته من قبل . ~~فلما رأيت أصناف الخلق قد ضعف إيمانهم إلى هذا الحد بهذه الأسباب ، ورأيت ~~نفسي ملبة بكشف هذه الشبهة ، حتى كان إفضاح هؤلاء أيسر عندي من شربة ماء ، ~~ولكثرة خوضي في علومهم وطرقهم ، وأعني طرق الصوفية والفلاسفة والتعليمية ~~والمتوسمين من العلماء . وانقدح في نفسي أن ذلك متعين في هذا الوقت محتوم . ~~فماذا تغنيك الخلوة والعزلة ، وقد عم الداء ، ومرض الأطباء ، وأشرف الخلق ~~على الهلاك ثم قلت في نفسي : متى تشتغل أنت بكشف هذه الغمة ومصادمة هذه ~~الظلمة ، والزمان زمان الفترة ، والدور دور الباطل ، ولو اشتغلت بدعوة ~~الخلق ، عن طرقهم PageV01P062 ~~"""""" صفحة رقم 63 """""" # إلى الحق ، لعاداك أهل الزمان بأجمعهم ، وأنى تقاومهم فكيف تعايشهم ، ولا ~~يتم ذلك إلا بزمان مساعد ، وسلطان متدين قاهر . فترخصت بيني وبين الله ~~تعالى بالاستمرار على العزلة تعللا بالعجز عن إظهار الحق بالحجة . فقدر ~~الله تعالى أن حرك داعية سلطان الوقت من نفسه ، لا بتحريك من خارج . فأمر ~~إلزام بالنهوض إلى نيسابور ، لتدارك هذه الفترة ، وبلغ الإلزام حدا كان ~~ينتهي لو أصررت على الخلاف إلى حد الوحشة ، فخطر لي أن سبب الرخصة قد ضعف ، ~~فلا ينبغي أن يكون باعثك على ملازمة العزلة الكسل والاستراحة ، وطلب عز ~~النفس وصونها عن أذى الخلق ، ولم ترخص لنفسك عسر معاناة الخلق والله سبحانه ~~وتعالى يقول : بسم الله الرحمن الرحيم " ألم . أحسب الناس أن يتركوا أن ~~يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم " ويقول عز وجل لرسوله ~~وهو أعز خلقه " ولقد كذبت ms32 رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا ولقد جاءك من ~~نبأ المرسلين " ويقول عز وجل بسم الله الرحمن الرحيم " يس والقرآن الحكيم . ~~. إلى قوله إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب " فشاورت في ذلك ~~جماعة من أرباب القلوب والمشاهدات ، فاتفقوا على الإشارة بترك العزلة ، ~~والخروج من الزاوية ، وانضاف إلى ذلك منامات من الصالحين كثيرة متواترة ، ~~وتشهد بأن هذه الحركة مبدأ خير ورشد قدرها الله سبحانه على رأس هذه المائة ~~فاستحكم الرجاء . وغلب حسن الظن بسبب هذه الشهادات وقد وعد الله سبحانه ~~بإحياء دينه على رأس كل مئة ، PageV01P063 ~~"""""" صفحة رقم 64 """""" # ويسر الله الحركة إلى نيسابور ، للقيام بهذا المهم في ذي القعدة سن تسع ~~وتسعين وأربع مئة ، وكان الخروج من بغداد سنة ثمان وثمانين وأربع مئة ، ~~وبلغت العزلة إحدى عشر سنة وهذه حركة قدرها الله تعالى ، وهي من عجائب ~~تقديراته التي لم يكن لهذا انقداح في القلب في هذه العزلة ، كما لم يكن ~~الخروج من بغداد ، والنزوع عن تلك الأحوال مما خطر إمكانه أصلا بالبال ، ~~والله تعالى مقلب القلوب والأحوال و" قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع ~~الرحمن " وأنا أعلم أني ، وإن رجعت إلى نشر العلم فما رجعت فإن الرجوع عود ~~إلى ما كان وكنت في ذلك الزمان أنشر العلم الذي به يكتسب الجاه ، وأدعو ~~إليه بقولي وعملي ، وكان ذلك قصدي ونيتي . أما الآن فأدعو إلى العلم الذي ~~به يترك الجاه ، ويعرف به سقوط رتبة الجاه . هذا هو الآن نيتي وقصدي ~~وأمنيتي ، يعلم الله ذلك مني وأنا أبغي أن أصلح نفسي وغيري ، ولست أدري ~~أأصل مرادي أم أخترم دون غرضي ؟ ولكني أؤمن إيمان يقين ومشاهدة أنه لا حول ~~ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، وأني لم أتحرك ، ولكنه حركني ، وإني لم ~~أعمل ، لكنه استعملني ، فأساله أن يصلحني أولا ، ثم يصلح بي ، ويهدني ثم ~~يهدي بي وأن يريني الحق حقا ويرزقني اتباعه ، ويريني الباطل باطلا ويرزقني ~~اجتنابه ، ونعود الآن إلى ما ذكرناه من أسباب ضعف الإيمان بذلك طريق ~~إرشادهم وإنقاذهم من ms33 مهالكهم . أما الذين ادعوا الحيرة من أهل التعليم ~~فعلاجهم ما ذكرناه في كتاب القسطاس المستقيم ولا نطول بذكره في هذه الرسالة ~~. وأما ما توهمه أهل الإباحة ، فقد حصرنا شبههم في سبعة أنواع وكشفناها PageV01P064 ~~"""""" صفحة رقم 65 """""" # في كيمياء السعادة . وأما من فسد إيمانه بطريق الفلسفة ، حتى أنكر أصل ~~النبوة ، فقد ذكرنا حقيقة النبوة ووجودها بالضرورة ، بدليل وجود عمل خواص ~~الأدوية والنجوم وغيرهما . وإنما قدمنا هذه المقدمة لأجل ذلك وأننا أوردنا ~~الدليل من خواص الطب والنجوم ، لأنه من نفس علمهم . ونحن نبين لكل عالم بفن ~~من العلوم كالنجوم والطب والطبيعة والسحر والطلسمات مثلا من نفس علمه برهان ~~النبوة . وأما من أثبت النبوة بلسانه ، وسوى أوضاع الشرع على الحكمة ، فهو ~~على التحقيق كافر بالنبوة ، وإنما هو مؤمن بحكم له طالع مخصوص ، ويقتضي ~~طالعه أن يكون متبوعا ، وليس هذا من النبوة في شيء ، بل الإيمان بالنبوة أن ~~يقر بإثبات طور وراء العقل ، تنفتح فيه عين يدرك بها مدركات خاصة ، والعقل ~~معزول عنها ، كعزل السمع عن إدراك الألوان ، والبصر عن إدراك الأصوات ، ~~وجميع الحواس عن إدراك المعقولات ، فإن لم يجوز هذا ، فقد أقمنا البرهان ~~على إمكانه ، بل على وجوده . وإن جوز هذا ، فقد أثبت أن هنا أمورا تسمى ~~خواص ، لا يدور تصرف العقل حواليها أصلا ، بل يكاد العقل يكذبها ويقضي ~~باستحالتها . فإن وزن دانق من الأفيون سم قاتل لأنه يجمد الدم في العروق ~~لفرط برودته والذي يدعي علم الطبيعة ، يزعم أنه ما يبرد من المركبات ، إنما ~~يبرد بعنصري الماء والتراب فهما العنصران الباردان . ومعلوم أن أرطالا من ~~الماء والتراب لا يبلغ تبريدها في الباطن إلى هذا الحد . فلو أخبر طبيعي ~~بهذا ولم يجربه ، لقال : هذا محال ، والدليل على استحالته أن فيه نارية ~~وهوائية والهوائية والنارية لا تزيدها برودة ، فنقدر PageV01P065 ~~"""""" صفحة رقم 66 """""" # الكل ماء وترابا ، فلا يوجب هذا الإفراط في التبريد ، فإن انضم إليه ~~حاران فبأن لا يوجب ذلك أولى ويقدر هذا برهانا وأكثر براهين الفلاسفة في ~~الطبيعيات والإلهيات ، ومبني على هذا الجنس فإنهم ms34 تصوروا الأمور على قدر ما ~~وجدوه وعقلوه ، وربما لم يألفوه قدروا استحالته ، ولو لم تكن الرؤيا ~~الصادقة مألوفة ، وادعى مدع ، أنه عند ركود الحواس ، يعلم الغيب ، لأنكره ~~المتصفون بمثل هذه العقول . ولو قيل لوا حد : هل يجوز أن يكون في الدنيا ~~شيء ، هو بمقدار حبة يوضع في بلدة ، فيأكل تلك البلدة بجملتها ثم يأكل نفسه ~~فلا يبقى شيئا من البلدة وما فيها ، ولا يبقى هو نفسه ؟ لقال : هذا محال ~~وهو من الخرافات وهذه حالة النار ، ينكرها من لم ير النار إذا سمعها . ~~وأكثر إنكار عجائب الآخرة هو من هذا القبيل . فنقول للطبيعي : قد اضطررت أن ~~تقول في الأفيون خاصية في التبريد ، ليست على قياس المعقول بالطبيعة . فلم ~~لا يجوز أن يكون في الأوضاع الشرعية من الخواص ، في مداواة القلوب وتصفيتها ~~، ما لا يدرك بالحكمة العقلية ، بل لا يبصر ذلك إلا بعين النبوة ؟ قد ~~اعترفوا بخواص هي أعجب من هذا فيما أوردوه في كتبهم ، وهي من الخواص ~~العجيبة المجربة في معالجة الحامل التي عسر عليها الطلق بهذا الشكل : يكتب ~~على خرقتين لم يصبهما ماء ، وتنظر إليهما الحامل بعينها . وتضعها PageV01P066 ~~"""""" صفحة رقم 67 """""" # تحت قدميها ، فيسرع الولد في الحال إلى الخروج . وقد أقروا بإمكان ذلك ~~وأوردوه في عجائب الخواص وهو شكل فيه تسعة بيوت ، ويرقم فيها رقوما مخصوصة ~~، يكون مجموع ما في جدول واحد خمسة عشر ، قرأته في طول الشكل أو في عرضه أو ~~على التأريب . ب ط د 2 9 4 ز ه ج 7 5 3 وا ح 6 1 8 فيا ليت شعري من يصدق ~~بذلك ثم لا يتسع عقله للتصديق بأن تقدير صلاة الصبح بركعتين ، والظهر بأربع ~~، والمغرب بثلاث ، وهو لخواص غير معلومة بنظر الحكمة وسببها اختلاف هذه ~~الأوقات . وإنما تدرك هذه الخواص بنور النبوة . والعجب أنا لو غيرنا ~~العبارة إلى عبارة المنجمين لعقلوا اختلاف هذه الأوقات ، فنقول : أليس ~~يختلف الحكم في الطالع ، بأن تكون الشمس في وسط السماء ، أو في الطالع أو ~~في الغارب ، حتى يبنوا على ms35 هذا في تسييراتهم اختلاف العلاج وتفاوت الأعمار ~~والآجال ، ولا فرق بين الزوال وبين كون الشمس في وسط السماء ، ولا بين ~~المغرب وبين كون الشمس في الغارب ، فهل لتصديق ذلك سبب ، وإلا أن ذلك يسمعه ~~بعبارة منجم ، لعله جرب كذبه مئة مرة . ولا يزال يعاود تصديقه ، حتى لو قال ~~المنجم له : إذا كانت الشمس في وسط السماء ونظر إليها الكوكب الفلاني ، ~~والطالع هو البرج الفلاني ، فلبست ثوبا جديدا في ذلك الوقت قتلت في ذلك ~~الثوب فإنه لا يلبس الثوب في ذلك الوقت ، وربما يقاسي فيه البرد الشديد ، ~~وربما سمعه من منجم وقد جرب كذبه مرات . فليت شعري من يتسع عقله لقبول هذه ~~البدائع ويضطر إلى الاعتراف بأنها خواص - معرفتها لبعض الأنبياء - فيكف ~~ينكر مثل ذلك ، فيما يسمعه من قول نبي صادق مؤيد بالمعجزات ، لم يعرف قط ~~بالكذب ولم لا يتسع لإمكانه ؟ فإن أنكر فلسفي إمكان هذه PageV01P067 ~~"""""" صفحة رقم 68 """""" # الخواص في أعداد الركعات ، ورمي الجمار وعدد أركان الحج ، وسائر تعبدات ~~الشرع ، لم يجد بينها وبين خواص الأدوية والنجوم فرقا أصلا . فإن قال : وقد ~~جربت شيئا من النجوم وشيئا من الطب ، فوجدت بعضه صادقا ، فانقدح في نفسي ~~تصديقه وسقط من قلبي استبعاده ونفرته ، وهذا لم أجربه به ، فبم أعلم وجوده ~~وتحقيقه ؟ وإن أقررت بإمكانه ؟ فأقول : إنك لا تقتصر على تصديق ما جربته بل ~~سمعت أخبار المجربين وقلدتهم ، فاسمع أقوال الأنبياء فقد جربوا وشاهدوا ~~الحق في جميع ما ورد به الشرع ، واسلك سبيلهم تدرك بالمشاهدة بعض ذلك . على ~~أني أقول : وإن لم تجربه ، فيقضي عقلك بوجوب التصديق والإتباع قطعا . فإنا ~~لو فرضنا رجلا بلغ وعقل ولم يجرب المرض ، فمرض ، وله والد مشفق حاذق بالطب ~~، يسمع دعواه في معرفة الطب منذ عقل ، فعجن له والده دواء ، فقال : هذا ~~يصلح لمرضك ويشفيك من سقمك . فماذا يقتضيه عقله ، وإن كان الدواء مرا كريه ~~المذاق ، أن يتناول أن يكذب ؟ ويقول : أنا لا أعقل مناسبة هذا الدواء ~~لتحصيل الشفاء ، ولم أجربه فلا شك أنك تستحمقه إن فعل ذلك ms36 وكذلك يستحمقك ~~أهل البصائر في توقفك فإن قلت : فيم أعرف شفقة النبي ( صلى الله عليه وسلم ~~) ومعرفته بهذا الطب ؟ فأقول : وبم عرفت شفقة أبيك وليس ذلك أمرا محسوسا ؟ ~~بل عرفتها بقرائن أحواله وشواهد أعماله في مصادره وموارده علما ضروريا لا ~~تتمارى فيه . ومن نظر في أقوال الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ، وما ورد من ~~الأخبار في اهتمامه بإرشاد الخلق ، وتلطفه في جر الناس بأنواع الرفق واللين ~~واللطف ، إلى تحسين الأخلاق وإصلاح PageV01P068 ~~"""""" صفحة رقم 69 """""" # ذات البين ، وبالجملة إلى ما يصلح به دينهم ودنياهم حصل له علم ضروري ، ~~بأن شفقته ( صلى الله عليه وسلم ) على أمته أعظم من شفقة الوالد على ولده . ~~وإذا نظر إلى عجائب ما ظهر عليه من الأفعال ، وإلى عجائب الغيب الذي أخبر ~~عنه القرآن على لسانه ، وفي الأخبار وإلى ما ذكره في آخر الزمان ، فظهر ذلك ~~كما ذكره ، علم علما ضروريا أنه بلغ الطور الذي وراء العقل ، وانفتحت له ~~العين التي ينكشف منها الغيب الذي لا يدركه إلا الخواص ، والأمور التي لا ~~يدركها العقل . فهذا هو منهاج تحصيل العلم الضروري بتصديق النبي ( صلى الله ~~عليه وسلم ) . فجرب وتأمل القرآن وطالع الأخبار ، تعرف ذلك بالعيان . وهذا ~~القدر يكفي في تنبيه المتفلسفة ، ذكرناه لشدة الحاجة إليه في هذا الزمان . ~~وأما السبب الرابع - وهو ضعف الإيمان بسبب سيرة العلماء فيداوي هذا المرض ~~بثلاثة أمور : أحدهما : أن نقول : إن العالم الذي تزعم أنه يأكل الحرام ~~ومعرفته بتحريم ذلك الحرام كمعرفتك بتحريم الخمر ، ولحم الخنزير والربا ، ~~بل بتحريم الغيبة والكذب والنميمة ، وأنت تعرف ذلك وتفعله ، لا لعدم إيمانك ~~بأنه معصية ، بل لشهوتك الغالبة عليك ، فشهوته كشهوتك ، وقد غلبته كما ~~غلبتك ، فعلمه بمسائل وراء هذا يتميز به عنك ، لا يناسب زيادة زجر عن هذا ~~المحظور المعين . وكم من مؤمن بالطب لا يصبر عن الفاكهة وعن الماء البارد ، ~~وإن زجره الطبيب عنه ولا يدل ذلك على أنه ضار أو على الإيمان بالطب غير ~~صحيح ، فهذا محمل هفوات العلماء ، PageV01P069 ~~"""""" صفحة رقم 70 """""" # والثاني أن يقال ms37 للعامي : ينبغي أن تعتقد أن العالم اتخذ علمه ذخرا لنفسه ~~في الآخرة ، ويظن أن علمه ينجيه ، ويكون شفيعا له حتى يتساهل معه في أعماله ~~، لفضيلة علمه . وإن جاز أن يكون زيادة حجة عليه ، فهو يجوز أن يكون زيادة ~~درجة له وهو ممكن . فهو وإن ترك العمل ، يدلي بالعلم . وأما أنت أيها ~~العامي إذا نظرت إليه وتركت العمل وأنت عن العلم عاطل ، فتهلك بسوء عملك ~~ولا شفيع لك . الثالث : هو الحقيقة ، أن العالم الحقيقي لا يقارف معصية إلا ~~على سبيل الهفوة ، ولا يكون مصرا على المعاصي أصلا . إذ العلم الحقيقي ما ~~يعرف أن المعصية سهم مهلك ، وأن الآخرة خير من الدنيا . ومن عرف ذلك ، لا ~~يبيع الخير بما هو أدنى منه . وهذا العلم لا يحصل بأنواع العلوم التي يشتغل ~~بها أكثر الناس . فلذلك لا يزيدهم ذلك العلم إلا جرأة على معصية الله تعالى ~~. وأما العلم الحقيقي ، فيزيد صاحبه خشية وخوفا ورجاء ، وذلك يحول بينه ~~وبني المعاصي إلا الهفوات التي لا ينفك عنها البشر في الفترات وذلك لا يدل ~~على ضعف الإيمان . فالمؤمن مفتن تواب وهو بعيد عن الإصرار والإكباب . هذا ~~ما أردت أن أذكره في ذم الفلسفة والتعليم وآفاتهما وآفات من أنكر عليهما ، ~~لا بطريقه . نسأل الله العظيم أن يجعلنا ممن آثره واجتباه ، وأرشده إلى ~~الحق وهداه ، وألهمه ذكره حتى لا ينساه ، وعصمه عن شر نفسه حتى لم يؤثر ~~عليه سواه ، واستخلصه لنفسه حتى لا يعبد إلا إياه. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه. انتهى. PageV01P070 ms38