######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0009246 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي (المتوفى: 505هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 505 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: المنقذ من الضلال #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الرقاق والآداب والأذكار #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0009246 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-9246 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/9246 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب الحديثة، مصر #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله، الذي يفتتح بحمده كل رسالة ومقالة، والصلاة على محمد المصطفى، ~~صاحب النبوة والرسالة، وعلى آله وأصحابه الهادين من الضلالة. # أما بعد: فقد سألتني أيها الأخ في الدين، أن أبث إليك غاية العلوم ~~وأسرارها، وغائلة المذاهب وأغوارها، # PageV01P101 # وأحكي لك ما قاسيته في استخلاص الحق من بين اضطراب الفرق مع تباين ~~المسالك والطرق، وما استجرأت عليه من الارتفاع عن حضيض التقليد، إلى يفاع ~~الاستبصار، وما استفدته، أولا من علم الكلام، وما اجتويته، ثانيا من طرق ~~أهل التعليم، القاصرين لدرك الحق على تقليد الإمام # PageV01P107 # وما ازدريته، ثالثا من طرق التفلسف وما ارتخيته، آخرا من طريقة التصوف ~~وما انجلى لي في تضاعيف تفتيشي عن أقاويل الخلق، من لباب الحق، وما صرفني ~~عن نشر العلم ببغداد مع كثرة الطلبة وما ردني إلى معاودتي بنيسابور بعد طول ~~المدة، فابتدرت لإجابتك إلى مطلبك، بعد الوقوف على صدق رغبتك، وقلت مستعينا ~~بالله ومتوكلا عليه، ومستوفقا منه، وملتجئا إليه: اعلموا - أحسن الله تعالى ~~إرشادكم، وألان للحق قيادكم - أن اختلاف الخلق في الأديان والملل، ثم ~~اختلاف الأمة في المذاهب على كثرة بالفرق، وتباين الطرق، بحر عميق غرق فيه ~~الأكثرون، وما نجا منه إلا الأقلون، وكل فريق يزعم أنه الناجي، " وكل حزب ~~بما لديهم فرحون ". وهو الذي وعدنا به سيد المرسلين صلوات الله عليه، وهوا ~~لصادق المصدوق حيث قال: " ستفترق أمتي ثلاثا وسبعين فرقة، الناجية منها ~~واحدة " فقد كان ما وعد أن يكون # PageV01P108 # ولم أزل في عنفوان شبابي - منذ راهقت البلوغ، قبل بلوغ العشرين إلى الآن، ~~وقد أناف السن على الخمسين - أقتحم لجة هذا البحر العميق، وأخوض غمرته خوض ~~الجسور، لا خوض الجبان الحذور، وأتوغل في كل مظلمة، وأتهجم على كل مشكلة، ~~وأتقحم كل ورطة، وأتفحص عن عقيدة كل فرقة، وأستكشف أسرار مذهب كل طائفة، ~~لأميز بين محق ومبطل، ومتسنن ومبتدع، لا أغادر باطنيا إلا وأحب أن أطلع على ~~باطنيته، ولا ظاهريا إلا وأريد أن أعلم حاصل ظاهريته، ولا فلسفيا إلا وأقصد ~~الوقوف على كنه ms01 فلسفته، # PageV01P109 # ولا متكلما إلا وأجتهد في الإطلاع على غاية كلامه ومجادلته ولا صوفيا إلا ~~وأحرص على العثور على سر صفوته، ولا متعبدا إلا وأترصد ما يرجع إليه حاصل ~~عبادته، ولا زنديقا معطلا إلا وأتحسس وراءه للتنبه لأسباب جرأته في تعطيله ~~وزندقته. # وقد كان التعطش إلى درك حقائق الأمور دأبي وديني، من أول أمري، وريعان ~~عمري، غريزة وفطرة من الله وضعها في جبلتي لا باختياري وحيلتي، وحتى انحلت ~~عني رابطة التقليد، وانكسرت علي العقائد الموروثة على قرب عهد سن الصبا، إذ ~~رأيت: صبيان النصارى لا يكون لهم نشوء إلا على التنصر، وصبيان اليهود لا ~~نشوء لهم إلا على التهود، وصبيان المسلمين لا نشوء لهم إلا على الإسلام. ~~وسمعت الحديث المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: " كل مولود ~~يولد على الفطرة فأبواه يهودانه، وينصرانه، ويمجسانه " فتحرك باطني إلى طلب ~~حقيقة الفطرة الأصلية، وحقيقة العقائد العارضة بتقليد الوالدين والأستاذين، ~~والتمييز بين هذه التقليدات، وأوائلها # PageV01P110 # تلقينات، وفي تمييز الحق منها عن الباطل اختلافات فقلت في نفسي: أولا ~~إنما مطلوبي العلم بحقائق الأمور، فلا بد من طلب حقيقة العلم ما هي؟ فظهر ~~لي: أن العلم اليقيني هو الذي ينكشف فيه المعلوم انكشافا لا يبقى معه ريب، ~~ولا يفارقه إمكان الغلط والوهم، ولا يتسع القلب لتقدير ذلك، بل الأمان من ~~الخطأ ينبغي أنا يكون مقارنا لليقين، مقارنة لو تحدى بإظهار بطلانه - مثلا ~~- من يقلب الحجر ذهبا والعصا ثعبانا، لم يروث ذلك شكا وإنكارا، فإني إذا ~~علمت: أن العشرة أكثر من الثلاثة، فلو قال لي قائل: لا بل الثلاثة أكثر، ~~بدليل أني أقلب هذه العصا ثعبانا، وقلبها، وشاهدت ذلك منه، لم أشك بسببه في ~~معرفتي، ولم يحصل لي منه إلا التعجب من كيفية قدرته عليه! فأما الشك بسببه ~~فيما علمته فلا ثم علمت أن كل ما لا أعلمه على هذا الوجه ولا أتيقنه هذا ~~النوع من اليقين، فهو علم لا ثقة به ولا أمان معه، وكل علم لا أمان معه ~~فليس بعلم يقيني. ms02 # PageV01P111 ### | مدخل السفسطة وجحد العلوم # ثم فتشت عن علومي، فوجدت نفسي عاطلا من علم موصوف بهذه الصفة، إلا في ~~الحسيات، والضروريات، فقلت الآن بعد حصول اليأس لا مطمع في اقتباس المشكلات ~~إلا من الجليات وهي الحسيات والضروريات فلا بد من إحكامها أولا لأتيقن أن ~~ثقتي بالمحسوسات، وأماني من الغلط في الضروريات من جنس أماني الذي كان من ~~قبل في التقليدات، ومن جنس أمان أكثر الخلق في النظريات، أم هو أمان محقق ~~لا غدر فيه، ولا غائلة له. # فأقبلت بجد بليغ، أتأمل المحسوسات والضروريات، وأنظر هل يمكنني أن أشكك ~~نفسي فيها؟ فانتهي بي طول التشكيك إلى أن لم تسمح نفسي بتسليم الأمان في ~~المحسوسات أيضا، وأخذ يتسع فيها ويقول: من أين الثقة بالحواس؟ وأقواها حاسة ~~البصر وهي تنظر إلى الظل فتراه واقفا غير متحرك، وتحكم بنفي الحركة، ثم ~~بالتجربة والمشاهدة - بعد ساعة - تعرف أنه متحرك، وأنه لم يتحرك دفعة واحدة ~~بغتة، بل بالتدريج ذرة، ذرة، حتى لم يكن له حالة وقوف. # PageV01P112 # وتنظر إلى الكوكب، فتراه صغيرا في مقدار دينار، ثم الأدلة الهندسية تدل ~~على أنه أكبر من الأرض في المقدار. هذا، وأمثاله من المحسوسات يحكم فيها ~~حاكم الحس، بأحكامه ويكذبه حاكم العقل ويخونه تكذيبا لا سبيل إلى مدافعته ~~فقلت: قد بطلت الثقة بالمحسوسات أيضا، فلعله لا ثقة إلا بالعقليات التي هي ~~من الأوليات، كقولنا: العشرة أكثر من الثلاثة والنفي والإثبات لا يجتمعان ~~في الشيء الواحد، والشيء الواحد لا يكون قديما، موجودا معدوما، واجبا ~~محالا. # فقالت الحواس: بم تأمن أن تكون ثقتك بالعقليات كثقتك بالمحسوسات وقد كنت ~~واثقا بي، فجاء حاكم العقل فكذبني، ولولا حاكم العقل لكنت تستمر على ~~تصديقي، فلعل وراء إدراك العقل حاكما آخر، إذا تجلى كذب العقل في حكمه، كما ~~تجلى حاكم العقل فكذب الحس في حكمه، وعدم تجلي ذلك الإدراك لا يدل على ~~استحالة!! فتوقفت النفس في جواب ذلك قليلا وأيدت إشكالها بالمنام، وقالت: ~~أما تراك تعتقد في النوم أمورا، وتتخيل أحوالا، وتعتقد لها ثباتا، ~~واستقرارا، ولا تشكل في ms03 تلك الحالة فيها، وثم تستيقظ فتعلم: أنه لم يكن ~~لجميع متخيلاتك ومعتقداتك أصل وطائل. # PageV01P113 # فبم تأمن أن يكون جميع ما تعتقده في يقظتك، بحس أو عقل هو حق بالإضافة ~~إلى حالتك التي أنت فيها، لكن يمكن أن تطرأ عليك حالة تكون نسبتها إلى ~~يقظتك، كنسبة يقظتك إلى منامك، وتكون يقظتك نوما بالإضافة إليها! فإذا وردت ~~تلك الحالة، تيقنت أن جميع ما توهمت بعقلك خيالات لا الحاصل لها. # ولعل تلك الحالة، ما تدعيه الصوفية أنها حالتهم، إذ يزعمون أنهم يشاهدون ~~في أحوالهم التي لهم إذا غاصوا في أنفسهم، وغابوا عن حواسهم أحوالا لا ~~توافق هذه المعقولات، ولعل تلك الحالة هي الموت، إذ قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا ". فلعل الحياة الدنيا نوم ~~بالإضافة إلى الآخرة، فإذا مات ظهرت له الأشياء على خلاف ما يشاهده الآن ~~ويقال له عند ذلك: " فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ". # فلما خطر لي هذه الخواطر، وانقدحت في النفس حاولت لذلك علاجا فلم يتيسر، ~~إذ لم يكن دفعه إلا بالدليل، ولم يمكن نصب دليل إلا من تركيب العلوم ~~الأولية. فإذا لم تكن مسلمة لم يمكن تركيب الدليل. # PageV01P114 # فأعضل الداء، ودام قريبا من شهرين، أنا فيهما على مذهب السفسطة بحكم ~~الحال، لا بحكم النطق والمقال. حتى شفى الله تعالى من ذلك المرض، وعادت ~~النفس إلى الصحة والاعتدال، ورجعت الضروريات العقلية مقبولة موثوقا بها على ~~أمن ويقين، ولم يكن ذلك بنظم دليل وترتيب كلام، بل بنور قذفه الله تعالى في ~~الصدر وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف، فمن ظن أن الكشف موقوف على الأدلة ~~المحررة فقد ضيق رحمة الله تعالى الواسعة. # ولما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم، على " الشرح " ومعناه في قوله ~~تعالى: " فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام " قال: " هو نور يقذفه ~~الله تعالى في القلب ". # فقيل: وما علامته؟ قال: " التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار ~~الخلود ". # وهو الذي قال صلى الله عليه وسلم فيه: # " إن الله ms04 تعالى خلق الخلق في ظلمة، ثم رش عليهم من نوره " فمن ذلك النور ~~ينبغي أن يطلب الكشف، # PageV01P115 # وذلك النور ينبجس من الجود الإلهي في بعض الأحاديين، ويجب الترصد له كما ~~قال صلى الله عليه وسلم: " إن لربكم في أيام دهركم نفحات، ألا فتعرضوا لها ~~" والمقصود من هذه الحكايات أن يعمل كمال الجد في الطلب، حتى ينتهي إلى طلب ~~ما لا يطلب. فإن الأوليات ليست مطلوبة، فإنها حاضرة، والحاضر إذا طلب نفر ~~واختفى، ومن طلب ما لا يطلب فلا يتهم بالتقصير في طلب ما يطلب. # PageV01P116 # أصناف الطالبين ولما شفاني الله من هذا المرض بفضله وسعة جوده، أحضرت ~~أصناف الطالبين عندي في أربع فرق: 1 - المتكلمون: وهم يدعون أنهم أهل الرأي ~~والنظر. ### | 2 - # الباطنية: وهم يزعمون أنهم أصحاب التعليم، والمخصوصون بالاقتباس من ~~الإمام المعصوم. ### | 3 - # الفلاسفة: وهم يزعمون أنهم أهل المنطق والبرهان. ### | 4 - # الصوفية: وهم يدعون أنهم خواص الحضرة، وأهل المشاهدة والمكاشفة فقلت في ~~نفسي: الحق لا يعدو هذه الأصناف الأربعة، فهؤلاء هم السالكون سبل طلب الحق، ~~فإن شذ الحق عنهم، فلا يبقى في درك الحق مطمع، إذ لا مطمع في الرجوع إلى ~~التقليد بعد مفارقته، إذ من شرط بالمقلد أن لا يعلم أنه مقلد، فإذا علم ذلك ~~انكسرت زجاجة تقليده، وهو شعب لا يرأب وشعث لا يلم بالتلفيق والتأليف، إلا ~~أن يذاب بالنار، ويستأنف له صنعة أخرى مستجدة. # PageV01P117 # فابتدرت لسلوك هذه الطرق، واستقصاء ما عند هذه الفرق. مبتدئا بعلم ~~الكلام. ومثنيا بطريق ### | الفلسفة # ، ومثلثا بتعلم الباطنية، ومربعا بطريق الصوفية. ### | علم الكلام مقصوده وحاصله # ثم إني ابتدأت بعلم الكلام، فحصلته، وعقلته، وطالعت كتب المحققين منهم، ~~وصنفت فيه ما أردت أن أصنف فصادفته علما وافيا بمقصوده، غير واف بمقصودي، ~~وإنما مقصوده حفظ عقيدة أهل السنة، وحراستها عن تشويش أهل البدعة، # PageV01P118 # فقد ألقى الله تعالى، إلى عباده على لسان رسوله عقيدة هي الحق. على ما ~~فيه صلاح دينهم ودنياهم، كما نطق بمعرفته القرآن والأخبار. ثم ألقى الشيطان ~~في وساوس المبتدعة أمورا مخالفة للسنة، فلهجوا ms05 بها وكادوا يشوشون عقيدة ~~الحق على أهلها. # فأنشأ الله تعالى، طائفة المتكلمين، وحرك دواعيهم لنصرة السنة بكلام ~~مرتب، يكشف عن تلبيسات أهل البدع المحدثة، على خلاف السنة المأثورة، فمنه ~~نشأ علم الكلام وأهله، # PageV01P121 # فلقد قام طائفة منهم بما ندبهم الله تعالى إليه، فأحسنوا الذب عن السنة، ~~والنضال عن العقيدة المتلقاة بالقبول من النبوة، والتغيير في وجه ما أحدث ~~من البدعة، ولكنهم اعتمدوا في ذلك على مقدمات تسلموها من خصومهم، واضطرهم ~~إلى تسليمها، إما التقليد، أو إجماع الأمة، أو مجرد القبول من القرآن ~~والأخبار # PageV01P123 # وكان أكثر خوضهم في استخراج تناقضات الخصوم، ومؤاخذتهم بلوازم مسلماتهم، ~~وهذا قليل النفع في حق من لا يسلم سوى الضروريات شيئا أصلا، فلم يكن الكلام ~~في حقي كافيا، ولا لدائي الذي كنت أشكوه شافيا. # نعم لما نشأت صنعة الكلام، وكثر الخوض فيه، وطالت المدة، تشوق المتكلمون ~~إلى محاولة الذب عن السنة بالبحث عن حقائق الأمور وخاضوا في البحث عن ~~الجواهر والأعراض وأحكامها. ولكن لم يكن ذلك مقصود علمهم، لم يبلغ كلامهم ~~فيه الغاية القصوى، فلم يحصل منه ما يمحو بالكلية ظلمات الحيرة في اختلافات ~~الخلق. # PageV01P124 # ولا أبعد أن يكون قد حصل ذلك لغيري، بل لست أشك في حصول ذلك لطائفة، ولكن ~~حصولا مشوبا بالتقليد في بعض الأمور التي ليست من الأوليات، والغرض الآن: ~~حكاية حالي، لا الإنكار على من استشفى به، فإن أدوية الشفاء تختلف باختلاف ~~الداء، وكم من دواء ينتفع به مريض ويستضر به آخر. # PageV01P125 # الفلسفة # أحاصيلها، ما يذم منها وما لا يذم، وما يكفر فيه قائلة، وما لا يكفر، وما ~~يبدع فيه وما لا يبدع، وبيان ما سرقوه من كلام أهل الحق، وما مزجوه بكلامهم ~~لترويج باطلهم في درج ذلك، وكيفية حصول نفرة النفوس من ذلك الحق - وكيفية ~~استخلاص صراف الحقائق الحق الخالص من الزيف والبهرج من جملة كلامهم. # ثم إني ابتدأت - بعد الفراغ من علم الكلام - بعلم الفلسفة، وعلمت يقينا: ~~أنه لا يقف على فساد نوع من العلوم، من لا يقف على منتهى ذلك ms06 العلم، حتى ~~يساوي أعلمهم في أصل ذلك العلم، ثم يزيد عليه، ويجاوز درجته فيطلع على ما ~~لم يطلع عليه صاحب العلم، من غوره وغائله، وإذا ذاك يمكن أن يكون ما يدعيه ~~من فساده حقا. ولم أر أحدا من علماء الإسلام صرف عنايته وهمته إلى ذلك، ولم ~~يكن في كتب المتكلمين من كلامهم - حيث اشتغلوا بالرد عليهم - إلا كلمات ~~معقدة مبددة ظاهرة التناقض والفساد، لا يظن الاغترار بها بعاقل عامي، فضلا ~~عمن يدعي دقائق العلم، فعلمت أن رد المذهب قبل فهمه والإطلاع على كنه رمى ~~في عماية. # فشمرت عن ساق الجد في تحصيل ذلك العلم من الكتب، بمجرد # PageV01P126 # المطالعة من غير استعانة بأستاذ، وأقبلت على ذلك في أوقات فراغي من ~~التصنيف والتدريس في العلوم الشرعية، وأنا ممنو بالتدريس والإفادة ~~لثلاثمائة نفس من الطلبة ببغداد. فأطلعني الله سبحانه وتعالى بمجرد ~~المطالعة في هذه الأوقات المختلسة، على منتهى علومهم في أقل من سنتين، ثم ~~لم أزل أواظب على التفكر فيه بعد فهمه قريبا من سنة أعاوده وأردده وأتفقد ~~غوائله وأغواره، حتى اطلعت على ما فيه من خداع، وتلبيس وتحقيق وتخييل، ~~واطلاعا لم أشك فيه. # فاسمع الآن حكايته، وحكاية حاصل علومهم، فإني رأيتهم أصنافا، ورأيت ~~علومهم أقساما وهم - على كثرة أصنافهم - يلزمهم وصمة الكفر والإلحاد، وإن ~~كان بين القدماء منهم والأقدمين، وبين الأواخر منهم والأوائل، تفاوت عظيم، ~~في البعد عن الحق والقرب منه. # PageV01P127 ### | أصناف الفلاسفة وشمول وصمة الكفر كافتهم # اعلم أنهم - على كثرة فرقهم، واختلاف مذاهبهم - ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: ### | الدهريون # ، و ### | الطبيعيون # ، و ### | الإلهيون ### | الصنف الأول # الدهريون # وهم طائفة من الأقدمين جحدوا # PageV01P128 # الصانع المدبر، العالم القادر، وزعموا: أن العالم لم يزل موجودا # PageV01P130 # كذلك بنفسه، وبلا صانع، ولم يزل الحيوان من النطفة، والنطفة من الحيوان، ~~كذلك كان، وكذلك يكون أبدا وهؤلاء هم الزنادقة. # PageV01P133 ### | والصنف الثاني # الطبيعيون # وهم قوم أكثروا بحثهم عن عالم الطبيعة وعن عجائب الحيوان والنبات، ~~وأكثروا الخوض في علم تشريح أعضاء الحيوانات. فرأوا فيها من عجائب صنع الله ~~تعالى، وبدائع حكمته، مما ms07 اضطروا معه إلى الاعتراف بفاطر حكيم، مطلع على ~~غايات الأمور ومقاصدها، ولا يطالع التشريح، وعجائب منافع الأعضاء مطالع إلا ~~ويحصل له هذا العلم الضروري بكمال تدبير الباني لبنية الحيوان، لا سيما ~~بنية الإنسان..! إلا أن هؤلاء لكثرة بحثهم عن الطبيعة ظهر عندهم - لاعتدال ~~المزاج - تأثير عظيم في قوام قوى الحيوان به، فظنوا أن القوة العاقلة من ~~الإنسان تابعة لمزاجه أيضا، وأنها تبطل ببطلان مزاجه فينعدم، ثم إذا انعدم ~~فلا يعقل إعادة المعدوم، كما زعموا، فذهبوا إلى أن النفس تموت ولا تعود ~~فجحدوا الآخرة، وأنكروا الجنة والنار، # PageV01P134 # والحشر والنشر، والقيامة، والحساب، فلم يبق عندهم للطاعة ثواب، ولا ~~للمعصية عقاب، فانحل عنهم اللجام، وانهمكوا إنهماك الأنعام. وهؤلاء أيضا ~~زنادقة، لأن أصل الإيمان هو: الإيمان بالله واليوم الآخر، وهؤلاء جحدوا ~~اليوم الآخر، وإن آمنوا بالله وصفاته،. ### | والصنف الثالث # الإلهيون # وهم المتأخرون منهم مثل سقراط # PageV01P135 # وهو أستاذ أفلاطون وأفلاطون أستاذ أرسطاطاليس وأرسطاطاليس هو الذي رتب ~~لهم المنطق، وهذب لهم العلوم، وحرر لهم ما لم يكن محررا من قبل، وأنضج لهم ~~ما كان فجا من علومهم، # PageV01P136 # وهم بجملتهم، ردوا على الصنفين الأولين من الدهرية، والطبيعية، وأوردوا ~~في الكشف عن فضائحهم ما أغنوا به غيرهم " وكفى الله المؤمنين القتال " ~~بتقاتلهم. ثم رد أرسطاطاليس على أفلاطون وسقراط ومن كان قبلهم من الإلهيين، ~~ردا لم يقصر فيه حتى تبرأ عن جميعهم، إلا أنه استبقى من رذاذ كفرهم، ~~وبدعتهم، بقايا لم يوفق للنزوع عنها، فوجب تكفيرهم وتكفير شيعتهم من ~~المتفلسفة الإسلاميين. كابن سينا والفارابي وأمثالهما. على أنه لم يقم بنقل ~~علم أرسطاطاليس أحد من متلفسفة # PageV01P137 # الإسلاميين كقيام هذين الرجلين، وما نقله غيرهما ليس يخلو من تخبيط ~~وتخليط، يتشوش فيه قلب المطالع، حتى لا يفهم، وما لا يفهم كيف يرد أو يقبل؟ ~~ومجموع ما صح عندنا من فلسفة أرسطاطاليس، بحسب نقل هذين الرجلين ينحصر في ~~ثلاثة أقسام: 1 - قسم يجب التفكير به. ### | 2 - # وقسم يجب التبديع به. ### | 3 - # وقسم لا يجب إنكاره أصلا، فلنفصله. ### | أقسام علومهم # أعلم: أن علومهم - بالنسبة ms08 إلى الغرض الذي نطلبه - ستة أقسام رياضية، ~~ومنطقية، وطبيعية، وإلهية، وسياسية، وخلقية. # أما الرياضية: فتتعلق بعلم الحساب والهندسة وعلم هيئة العالم، وليس يتعلق ~~منه شيء بالأمور الدينية نفيا وإثباتا، بل هي أمور برهانية لا سبيل إلى ~~مجاحدتهم بعد فهمها ومعرفتها. وقد تولدت منها آفتان: الأولى: من ينظر فيها ~~يتعجب من دقائقها ومن ظهور براهينها، فيحسن بسبب ذلك اعتقاده في الفلاسفة، ~~فيحسب أن جميع علومهم # PageV01P138 # في الوضوح وفي وثاقة البرهان كهذا العلم. ثم يكون قد سمع من كفرهم ~~وتعطيلهم وتهاونهم بالشرع ما تناولته الألسنة فيكفر بالتقليد المحض ويقول: ~~لو كان الدين حقا لما اختفى على هؤلاء مع تدقيقهم في هذا العلم! فإذا عرف ~~بالتسامع كفرهم وجورهم استدل على أن الحق هو الجحد والإنكار للدين، وكم ~~رأيت من يضل عن الحق بهذا العذر ولا مستند له سواه. # وإذا قيل له: الحاذق في صناعة واحدة ليس يلزم أن يكون حاذقا في كل صناعة، ~~فلا يلزم أن يكون الحاذق في الفقه والكلام حاذقا في الطب، ولا أن يكون ~~الجاهل بالعقليات جاهلا بالنحو، بل لكل صناعة أهل بلغوا فيها رتبة البراعة ~~والسبق، وإن كان الحمق والجهل يلزمهم في غيرها، فكلام الأوائل في الرياضيات ~~برهاني وفي الإلهيات تخميني، لا يعرف ذلك من جربه وخاض فيه. فهذا إذا قرر ~~على هذا الذي ألحد بالتقليد، ولم يقع منه موقع القبول، بل تحمله غلبة ~~الهوى، والشهوة الباطلة، وحب التكايس على أن يصر على تحسين الظن بهم في ~~العلوم كلها. فهذه آفة عظيمة لأجلها يجب زجر كل من يخوض في تلك العلوم، ~~فإنها وإن لم تتعلق بأمر الدين، ولكن لما كانت من # PageV01P139 # مبادئ علومهم سرى إليه شرهم وشؤمهم، فقل من يخوض فيها إلا وينخلع من ~~الدين وينحل عن رأسه لجام التقوى. # الآفة الثانية: نشأت من صديق للإسلام جاهل، ظن أن الدين ينبغي أن ينصر ~~بإنكار كل علم منسوب إليهم. فأنكر جميع علومهم وادعى جهلهم فيها حتى أنكر ~~قولهم في الكسوف والخسوف، وزعم أن ما قالوه على خلاف الشرع فلما قرع ms09 ذلك ~~سمع من عرف ذلك بالبرهان القاطع، لم يشك في برهانه ولكن اعتقد أن الإسلام ~~مبني على الجهل وإنكار البرهان القاطع، فازداد للفلسفة حبا وللإسلام بغضا، ~~ولقد عظم على الدين جناية من ظن أن الإسلام ينصر بإنكار هذه العلوم، وليس ~~في الشرع تعرض لهذه العلوم بالنفي والإثبات، ولا في هذه العلوم تعرض للأمور ~~الدينية. وقوله صلى الله عليه وسلم: " إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله ~~تعالى لا ينخسفان # PageV01P140 # لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم فافزعوا إلى ذكر الله تعالى وإلى الصلاة ~~". # وليس في هذا ما يوجب إنكار علم الحساب المعروف بمسير الشمس والقمر، ~~واجتماعهما أو مقابلهما على وجه مخصوص، أما قوله عليه السلام: " لكن الله ~~إذا تجلى لشيء خضع له " فليس توجد هذه الزيادة في الصحيح أصلا. فهذا حكم ~~الرياضيات وآفتها. # وأما المنطقيات: فلا يتعلق شيء منها بالدين نفيا وإثباتا، بل هي النظر في ~~طرق الأدلة والمقاييس، وشروط مقدمات البرهان، وكيفية تركيبها، وشروط الحد ~~الصحيح وكيفية ترتيبه. وأن العلم إما تصور وسبيل معرفته الحد، وإما تصديق ~~وسبيل معرفته البرهان، وليس في هذا ما ينبغي أن ينكر، بل هو من جنس ما ذكره ~~المتكلمون وأهل النظر في الأدلة، وإنما يفارقونهم بالعبارات والاصطلاحات ~~بزيادة الاستقصاء في التعريفات والتشعيبات، ومثال كلامهم فيها قولهم: إذا ~~ثبت أن كل " أ " " ب " لزم أن # PageV01P141 # بعض " ب " " أ " " ي " إذا ثبت أن كل إنسان حيوان لزم أن بعض الحيوان ~~إنسان، ويعبرون عن هذه بأنه الموجبة الكلية تنعكس موجبة جزئية. وأي تعلق ~~لهذا بمهمات الدين حتى يجحد وينكر؟ فإذا أنكر لم يحصل من إنكاره عند أهل ~~المنطق إلا سوء الاعتقاد في عقل المنكر، بل في دينه الذي يزعم أنه موقوف ~~على مثل هذا الإنكار، نعم لهم نوع من الظلم في هذا العلم، وهو أنهم يجمعون ~~للبرهان شروطا يعلم أنها تورث اليقين لا محالة، لكنهم عند الانتهاء إلى ~~المقاصد الدينية ما أمكنهم الوفاء بتلك الشروط، بل تساهلوا غاية التساهل، ~~وربما ينظر في المنطق أيضا من يستحسنه ويراه واضحا، ms10 فيظن أن ما ينقل عنهم ~~من الكفريات مؤيد بمثل تلك البراهين، فيستعجل بالكفر قبل الانتهاء إلى ~~العلوم الإلهية. فهذه الآفة أيضا متطرقة إليه. ### | 3 - # وأما علم الطبيعيات: فهو بحث عن عالم السماوات وكواكبها وما تحتها من ~~الأجسام المفردة: كالماء والهواء والتراب والنار، وعن الأجسام المركبة، ~~كالحيوان والنبات والمعادن، وعن أسباب تغيرها وامتزاجها، وكذلك يضاهي بحث ~~الطب عن جسم الإنسان، # PageV01P142 # وأعضائهم الرئيسية والخادمة، وأسباب استحالة مزاجه وكما ليس من شرط الدين ~~إنكار علم الطب، فليس من شرطه أيضا إنكار ذلك العلم، إلا في مسائل معينة، ~~وذكرناها في كتاب تهافت الفلاسفة وما عداها مما يجب المخالفة فيها، فعند ~~التأمل يتبين أنها مندرجة تحتها، وأصل جملتها: أن تعلم أن الطبيعة مسخرة ~~لله تعالى، لا تعمل بنفسها، بل هي مستعملة من جهة فاطرها. والشمس والقمر ~~والنجوم والطبائع مسخرات بأمره لا فعل لشيء منها بذاته عن ذاته. ### | 4 - # وأما الإلهيات: ففيها أكثر أغاليطهم، فما قدروا على الوفاء بالبراهين على ~~ما شرطوه في المنطق، ولذلك كثر الاختلاف بينهم فيه ولقد قرب مذهب ~~أرسطاطاليس فيها من مذاهب الإسلاميين، على ما نقله الفارابي # PageV01P143 # وابن سينا، ولكن مجموع ما غلطوا فيه يرجع إلى عشرين أصلا، يجب تكفيرهم في ~~ثلاثة منها، وتبديعهم في سبعة عشر. ولإبطال مذهبهم في هذه المسائل العشرين ~~صنفنا كتاب التهافت أما المسائل الثلاث، فقد خالفوا فيها كافة المسلمين ~~وذلك في قولهم: 1 - إن الأجساد لا تحشر، وإنما المثاب والمعاقب هي الأرواح # PageV01P144 # المجردة، والمثوبات والعقوبات روحانية لا جسمانية. # ولقد صدقوا في إثبات الروحانية: فإنها كائنة أيضا، ولكن كذبوا في إنكار ~~الجسمانية، وكفروا بالشريعة فيما نطقوا به. ### | 2 - # ومن ذلك قولهم: " إن الله تعالى يعلم الكليات دون الجزئيات "، فهو أيضا ~~كفر صريح، بل الحق أنه: " لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ~~". # PageV01P147 ### | 3 - # ومن ذلك قولهم: يقدم العالم وأزليته، ولم يذهب أحد من المسلمين إلى شيء ~~من هذه المسائل. # PageV01P148 # وأما ما وراء ذلك من نفيهم الصفات، وقولهم: إنه عليم بالذات، ولا يعلم ~~زائد على الذات ms11 وما يجري مجراه، فمذهبهم فيها قريب من مذهب المعتزلة، ولا ~~يجب تكفير المعتزلة بمثل ذلك. # وقد ذكرنا في كتاب فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة ما يتبين به فساد ~~رأي من يتسارع إلى التكفير في كل ما يخالف مذهبه. # PageV01P150 ### | 5 - # وأما السياسيات: فجميع كلامهم فيها يرجع إلى الحكم المصلحية المتعلقة ~~بالأمور الدنيوية، والإيالة السلطانية، وإنما أخذوه من كتب الله المنزلة ~~على الأنبياء، ومن الحكم المأثورة عن سلف الأنبياء عليهم السلام. ### | 6 - # وأما الخلقية: فجميع كلامهم فيها يرجع إلى حصر صفات النفس وأخلاقها، وذكر ~~أجناسها وأنواعها وكيفية معالجتها ومجاهدتها، وإنما أخذوها من كلام ~~الصوفية، وهم المتألهون المواظبون على ذكر الله تعالى، وعلى مخالفة الهوى ~~وسلوك الطريق إلى الله تعالى بالإعراض عن ملاذ الدنيا، وقد انكشف لهم في ~~مجاهدتهم من أخلاق الناس وعيوبها، وآفات أعمالها ما صرحوا بها، فأخذها ~~الفلاسفة ومزجوها بكلامهم توسلا بالتجمل بها إلى ترويج باطلهم. ولقد كان في ~~عصرهم بل في كل عصر جماعة من المتأهلين لا يخلي الله سبحانه العالم عنهم، ~~فإنهم أوتاد الأرض، ببركاتهم تنزل الرحمة على أهل الأرض كما ورد في الخبر ~~حيث قال صلى الله عليه وسلم: " بهم تمطرون، وبهم ترزقون " ومنهم كان أصحاب ~~الكهف وكانوا في سالف الأزمنة، على ما نطق به القرآن، # PageV01P151 # فتولد من مزجهم كلام النبوة وكلام الصوفية بكتبهم آفتان: آفة في حق ~~القابل، وآفة في حق الراد. ### | 1 - # أما الآفة التي في حق الراد فعظيمة: إذ ظنت طائفة من الضعفاء أن ذلك ~~الكلام إذا كان مدونا في كتبهم، وممزوجا بباطلهم، ينبغي أن يهجر ولا يذكر ~~بل ينكر على كل من يذكره إذ لم يسمعوه أولا منهم، فسبق إلى عقولهم الضعيفة ~~أنه باطل، لأن قائله مبطل، كالذي يسمع من النصراني قوله: " لا إله إلا ~~الله، عيسى رسول الله " فينكره ويقول: " هذا كلام النصارى "، ولا يتوقف ~~ربما يتأمل أن النصراني كافر باعتبار هذا القول، أو باعتبار إنكاره نبوة ~~محمد عليه الصلاة والسلام. فإن لم يكن كافرا إلا باعتبار إنكاره، ينبغي أن ~~يخالف في غير ms12 ما هو به كافر مما هو حق في نفسه، وإن كان أيضا حقا عنده. ~~وهذه عادة ضعفاء العقول، يعرفون الحق بالرجال، لا الرجال بالحق. والعاقل ~~يقتدي بقول أمير المؤمنين " علي بن أبي طالب " رضي الله عنه، حيث قال: لا ~~تعرف الحق بالرجال بل اعرف الحق تعرف أهله، # PageV01P152 # والعارف العاقل يعرف الحق، ثم ينظر في نفس القول: فإن كان حقا قبله سواء ~~كان قائله مبطلا أو محقا، بل ربما يحرص على انتزاع الحق من تضاعيف كلام أهل ~~الضلال، عالما بأن معدن الذهب الرغام. ولا بأس على الصراف إن أدخل يده في ~~كيس القلاب وانتزع الإبريز الخالص من الزيف والبهرج. مهما كان واثقا ~~ببصيرته، ويمنع - من ساحل البحر - الأخرق، دون السباح الحاذق، ويصد عن مس ~~الحية الصبي دون المعزم البارع. ولعمري! لما غلب على أكثر الخلق ظنهم ~~بأنفسهم الحذاقة والبراعة وكمال العقل، وتمام الآلة في تمييز الحق عن ~~الباطل والهدى عن الضلال وجب حسم الباب في زجر الكافة عن مطالعة كتب أهل ~~الضلال ما أمكن، إذ لا يسلمون عن الآفة الثانية التي سنذكرها أصلا، وإن ~~سلموا عن هذه الآفة التي ذكرناها. ولقد اعترض - على بعض الكلمات المبثوثة ~~في تصانيفنا في أسرار علوم الدين - طائفة من الذين لم تستحكم في العلوم ~~سرائرهم، ولم تنفتح إلى أقصى غايات المذاهب بصائرهم، # PageV01P153 # وزعمت أن تلك الكلمات من كلام الأوائل، مع أن بعضها من مولدات الخواطر، ~~ولا يبعد أن يقع الحافر على الحافر، وبعضها يوجد في الكتب الشرعية، وأكثرها ~~موجود معناه في كتب الصوفية، وهب أنها لم توجد إلا في كتبهم، فإذا كان ذلك ~~الكلام معقولا في نفسه، مؤيدا بالبرهان ولم يكن على مخالفة الكتاب والسنة، ~~فلم ينبغي أن يهجر ويترك؟! فلو فتحنا هذا الباب، وتطرقنا إلى أن يهجر كل حق ~~سبق إليه خاطر مبطل، للزمنا أن نهجر كثيرا من الحق، ولزمنا أن نهجر جملة ~~آيات من آيات القرآن وأخبار الرسول صلى الله عليه وسلم وحكايات السلف، ~~وكلمات الحكماء والصوفية لأن صاحب إخوان الصفا أوردها في كتابه ms13 مستشهدا بها ~~ومستدرجا قلوب الحمقى بواسطتها إلى باطل، ويتداعى ذلك إلى أن يستخرج ~~المبطلون الحق من أيدينا بإيداعهم إياه كتبهم. وأقل درجات العالم: أن يتميز ~~عن العامي الغمر. # فلا يعاف # PageV01P154 # العسل، وإن وجده في محجمة الحجام، ويتحقق أن المحجمة لا تغير ذات العسل، ~~فإن نفرة الطبع عنه مبنية على جهل عامي منشؤه أن المحجمة إنما صنعت للدم ~~المستقذر، فيظن أن الدم مستقذر لكونه في المحجمة، ولا يدري أنه مستقذر لصفة ~~في ذاته، فإذا عدمت هذه الصفة في العسل، فكونه في ظرفه لا يكسبه تلك الصفة، ~~فلا ينبغي أن يوجب له الاستقذار، وهذا وهم باطل، وهو غالب على أكثر الخلق. ~~فإذا نسبت الكلام وأسندته إلى قائل حسن فيه اعتقادهم، قبلوه وإن كان باطلا، ~~وإن أسندته إلى من ساء فيه اعتقادهم ردوه وإن كان حقا، فأبدا يعرفون الحق ~~بالرجال ولا يعرفون الرجال بالحق، وهو غاية الضلال! هذه آفة الرد. ### | 2 - # والآفة الثانية آفة القبول: فإن من نظر في كتبهم كإخوان الصفا وغيره، ~~فرأى ما مزجوه بكلامهم من الحكم النبوية، والكلمات الصوفية، ربما استحسنها ~~وقبلها، وحسن اعتقاده فيها، فيسارع إلى قبول باطلهم الممزوج به لحسن ظنه ~~مما رآه استحسنه، وذلك نوع استدراج إلى الباطل. # PageV01P155 # ولأجل هذه الآفة يجب الزجر عن مطالعة كتبهم لما فيها من الغدر والخطر. ~~وكما يجب صون من لا يحسن السباحة على مزالق الشطوط، يجب صون الخلق عن ~~مطالعة تلك الكتب. وكما يجب صون الصبيان عن مس الحيات، يجب صون الأسماع عن ~~مختلط الكلمات، وكما يجب على المعزم أن لا يمس الحية بين يدي ولده الطفل، ~~إذا علم أن سيقتدي به ويظن أنه مثله، بل يجب عليه أن يحذره منه، بأن يحذر ~~هو في نفسه ولا يمسها بين يديه، فكذلك يجب على العالم الراسخ مثله، وكما أن ~~المعزم الحاذق إذا أخذ الحية وميز بني الترياق والسم، واستخرج منها الترياق ~~وأبطل السم، فليس له أن يشح بالترياق على المحتاج إليه. وكذا الصراف الناقد ~~البصير إذا أدخل يده في كيس القلاب، وأخرج ms14 منه الإبريز الخالص، وطرح الزيف ~~والبهرج، فليس له أن يشح بالجيد المرضي على من يحتاج إليه، فكذلك العالم. ~~وكما أن المحتاج إلى الترياق، إذا اشمأزت نفسه منه، حيث علم أنه مستخرج من ~~الحية التي هي مركز السم وجب تعريفه، والفقير المضطر إلى المال، إذا نفر عن ~~قبول الذهب المستخرج # PageV01P156 # من كيس القلاب، وجب تنبيهه على أن نفرته جهل محض، هو سبب حرمانه الفائدة ~~التي هي مطلبه، وتحتم تعريفه أن قرب الجوار بين الزيف والجيد لا يجعل الجيد ~~زيفا، كما لا يجعل الزيف جيدا، فكذلك قرب الجوار بين الحق الباطل، لا يجعل ~~الحق باطلا، كما لا يجعل الباطل حقا، فهذا مقدار ما أردنا ذكره من آفة ~~الفلسفة وغائلتها. # PageV01P157 ### | مذهب التعليم وغائلته # ثم إني لما فرغت من علم الفلسفة وتحصيله وتفهمه وتزييف ما يزيف منه، علمت ~~أن ذلك أيضا غير واف بكمال الغرض، وأن العقل ليس مستقلا بالإحاطة بجميع ~~المطالب، ولا كاشفا للغطاء عن جميع المعضلات، وكان قد نبغت نابغة ~~التعليمية، وشاع بني الخلق تحدثهم بمعرفة معنى الأمور من جهة الإمام ~~المعصوم القائم بالحق، فعن لي أن أبحث في مقالاتهم، لأطلع على ما في ~~كنانتهم. ثم اتفق أن ورد علي أمر جازم من حضرة الخلافة، بتصنيف كتاب يكشف ~~عن حقيقة مذهبهم. فلم يسعني مدافعته، وصار ذلك مستحثا من خارج، ضميمة ~~للباعث من الباطن، فابتدأت بطلب كتبهم وجمع مقالاتهم. وكذلك قد بلغني بعض ~~كلماتهم المستحدثة التي ولدتها خواطر أهل العصر، لا على المنهاج المعهود من ~~سلفهم. فجمعت تلك الكلمات، ورتبتها ترتيبا محكما مقارنا للتحقيق، واستوفيت ~~الجواب عنها، حتى أنكر بعض أهل الحق مبالغتي في تقرير حجتهم، فقال: هذا سعي ~~لهم، فإنهم كانوا # PageV01P158 # يعجزون عن نصرة مذهبهم بمثل هذه الشبهات لولا تحقيقك لها، وترتيبك إياها. ~~وهذا الإنكار من وجه حق، فقد أنكر أحمد بن حنبل على الحارث المحاسبي رحمهما ~~الله تصنيفه في الرد على المعتزلة، فقال الحارث: الرد على البدعة فرض فقال ~~أحمد: نعم، ولكن حكيت شبهتهم أولا ثم أجبت عنها، فيم تأمن أن ms15 # PageV01P159 # يطالع الشبهة من يعلق ذلك بفهمه، ولا يلتفت إلى الجواب أو ينظر في الجواب ~~ولا يفهم كنه؟ # وما ذكره أحمد بن حنبل حق، ولكن في شبهة لم تنتشر ولم تشتهر فأما إذا ~~انتشرت، فالجواب عنها واجب ولا يمكن الجواب عنها إلا بعد الحكاية. نعم، ~~ينبغي أن لا يتكلف لهم شبهة لم يتكلفوها، ولم أتكلف أنا ذلك، بل كنت قد ~~سمعت تلك الشبهة من واحد من أصحابي المختلفين إلي، بعد أن كان قد التحق ~~بهم، وانتحل مذهبهم، وحكى أنهم يضحكون على تصانيف المصنفين في الرد عليهم، ~~بأنهم لم يفهموا بعد حجتهم، ثم ذكر تلك الحجة وحكاها عنهم، فلم أرض لنفسي ~~أن يظن في الغفلة عن اصل حجتهم، فلذلك أوردتها، ولا أن يظن بي أني - وإن ~~سمعتها - لم أفهمها، فلذلك قررتها. # والمقصود، أني قررت شبهتهم إلى أقصى الإمكان ثم أظهرت فسادها بغاية ~~البرهان. # والحاصل: أنه لا حاصل عند هؤلاء ولا طائل لكلامهم، ولولا سوء نصرة الصديق ~~الجاهل، لما انتهت تلك البدعة - مع ضعفها - إلى هذه الدرجة، ولكن شدة ~~التعصب دعت الذابين عن الحق إلى تطويل النزاع معهم في مقدمات كلامهم، وإلى ~~مجاحدتهم في كل ما نطقوا به، فجاحدوهم # PageV01P160 # في دعواهم: الحاجة إلى التعليم والمعلم، وفي دعواهم أنه: لا يصلح كل ~~معلم، بل لا بد من معلم معصوم وظهرت حجتهم في إظهار الحاجة إلى التعليم ~~والمعلم، وضعف قول المنكرين في مقابلته، فاغتر بذلك جماعة وظنوا أن ذلك من ~~قوة مذهبهم وضعف مذهب المخالفين، ولم يفهموا أن ذلك لضعف ناصر الحق وجعله ~~بطريقه، بل الصواب الاعتراف بالحاجة إلى المعلم، وأنه لا بد وأن يكون ~~المعلم معصوما، ولكن معلمنا المعصوم هو محمد صلى الله عليه وسلم فإذا ~~قالوا: هو ميت فنقول: ومعلمكم غائب فإذا قالوا: معلمنا قد علم الدعاة وبثهم ~~في البلاد، وهو ينتظر مراجعتهم إن اختلفوا أو أشكل عليهم مشكل فنقول: ~~ومعلمنا قد علم الدعاة وبثهم في البلاد وأكمل التعليم إذ قال الله تعالى: " ~~اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي "، وبعد كمال التعليم ms16 لا يضر موت ~~المعلم كما لا يضر غيبته. # فبقي قولهم: كيف تحكمون فيما لم تسمعوه؟ أبالنص ولم تسمعوه، أم بالإجتهاد ~~والرأي وهو مظنة الخلاف؟ فنقول: نفعل ما فعله معاذ إذ بعثه رسول الله عليه ~~الصلاة # PageV01P161 # والسلام إلى اليمن. أن نحكم بالنص عند وجود النص، وبالإجتهاد عند عدمه. ~~بل كما يفعله دعاتهم إذا بعدوا عن الإمام إلى أقاصي البلاد إذ لا يمكنه أن ~~يحكم بالنص، فإن النصوص المتناهية لا تستوعب الوقائع الغير المتناهية، ولا ~~يمكنه الرجوع في كل واقعة إلى بلدة الإمام، وأن يقطع المسافة ويرجع فيكون ~~المستفتي قد مات، وفات الانتفاع بالرجوع، فمن أشكلت عليه القبلة ليس له ~~طريق إلا أن يصلي بالاجتهاد، إذ لو سافر إلى بلدة الإمام لمعرفة القبلة، ~~فيفوت وقت الصلاة. فإذن، جازت الصلاة إلى غير القبلة بناء على الظن. ويقال: ~~إن المخطيء في الاجتهاد له أجر واحد وللمصيب أجران فكذلك في جميع ~~المجتهدات، # PageV01P162 # وكذلك أمر صرف الزكاة إلى الفقير، فربما يظنه فقيرا باجتهاده وهو غني ~~باطنا بإخفائه ماله، فلا يكون مؤاخذا به وإن أخطأ، لأنه لم يؤاخذ إلا بموجب ~~ظنه. فإن قال: ظن مخالفه كظنه فأقول: هو مأمور باتباع ظن نفسه، كالمجتهد في ~~القبلة يتبع ظنه وإن خالفه غيره فإن قال: فالمقلد يتبع أبا حنيفة والشافعي ~~رحمهما الله أم غيرهما؟ فأقول: فالمقلد في القبلة عند الاشتباه في معرفة ~~الأفضل الأعلم بدلائل القبلة، فيتبع ذلك الاجتهاد، فكذلك في المذاهب فرد ~~الخلق إلى الاجتهاد - ضرورة - الأنبياء والأئمة مع العلم بأنهم قد يخطئون، ~~بل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أنا أحكم بالظاهر والله يتولى السرائر ". أي أنا أحكم بغالب الظن ~~الحاصل من قول الشهود، وربما أخطأوا فيه. ولا سبيل إلى الأمن من الخطأ ~~للأنبياء في مثل هذه المجتهدات فيكف يطمع في ذلك؟. # PageV01P163 # ولهم ها هنا سؤالان: أحدهما قولهم: هذا وإن صح في المجتهدات فلا يصح في ~~قواعد العقائد، إذ المخطئ فيه غير معذور، فكيف السبيل إليه؟ فأقول: قواعد ~~العقائد يشتمل عليها الكتاب والسنة، وما وراء ذلك من ms17 التفصيل، والمتنازع ~~فيه، يعرف الحق فيه بالقسطاس المستقيم. وهي الموازين التي ذكرها الله تعالى ~~في كتابه، وهي خمسة ذكرتها في كتاب القسطاس المستقيم " فإن قال: خصومك ~~يخالفونك في ذلك الميزان فأقول: ولا يتصور أن يفهم ذلك الميزان ثم يخالف ~~فيه، إذ لا يخالف فيه أهل التعليم، لأني استخرجته من القرآن وتعلمته منه، ~~ولا يخالف فيه أهل المنطق، لأنه موافق لما شرطوه في المنطق وغير مخالف له، ~~ولا يخالف فيه المتكلم لأنه موافق لما يذكره في أدلة النظريات، وبه يعرف ~~الحق في الكلاميات. فإن قال: فإن كان في يدك مثل هذا الميزان فلم لا ترفع ~~الخلاف بين الخلق؟، فأقول: لو أصغوا إلي لرفعت الخلاف بينهم، # PageV01P164 # وذكرت طريق رفع الخلاف في كتاب القسطاس المستقيم فتأمله لتعلم أنه حق ~~وأنه يرفع الخلاف قطعا لو أصغوا ولا يصغون إليه بأجمعهم! بل قد أصغى إلي ~~طائفة، فرفعت الخلاف بينهم. # وإمامك يريد رفع الخلاف بينهم مع عدم إصغائهم، فلم لم يرفع إلى الآن؟ ولم ~~لم يرفع علي رضي الله عنه وهو رأس الأئمة؟ أو يدعي أنه يقدر على حمل كافتهم ~~على الإصغاء قهرا، فلم لم يحملهم إلى الآن؟ ولأي يوم أجله؟ وهل حصل بين ~~الخلق بسبب دعوته إلا زيادة خلاف وزيادة مخالف؟ نعم! كان يخشى من الخلاف ~~نوع الضرر لا ينتهي إلى سفك الدماء، وتخريب البلاد وأيتام الأولاد، وقطع ~~الطرق، والإغارة على الأموال. وقد حدث في العالم من بركات رفعكم الخلاف من ~~الخلاف ما لم يكن بمثله عهد. فإن قال: ادعيت أنك ترفع الخلاف بين الخلق ~~ولكن المتحير بين المذاهب المتعارضة، والاختلافات المتقابلة، لم يلزمه ~~الإصغاء إليك دون خصمك وأكثر الخصوم يخالفونك، ولا فرق بينك وبينهم وهذا هو ~~سؤالهم الثاني، فأقول: وهذا أولا ينقلب عليك، فإنك إذا دعوت هذا المتحير # PageV01P165 # إلى نفسك فيقول المتحير: بما صرت أولى من مخالفيك، وأكثر أهل العلم ~~يخالفونك؟ فليت شعري! بماذا تجيب؟ أتجيب بأن تقول: إمامي منصوص عليه، فمن ~~يصدقك في دعوى النص، وهو لم يسمع النص من الرسول؟ وإنما يسمع ms18 دعواك مع ~~تطابق أهل العلم على اختراعك وتكذيبك. ثم هب أنه سلم لك النص، فإن كان ~~متحيرا في أصل النبوة، فقال: هب أن إمامك يدلي بمعجزة عيسى عليه السلام ~~فيقول: الدليل على صدقي أني أحيي أباك، فأحياه، فناطقني بأنه محق، فبماذا ~~أعلم صدقه؟ ولم يعلم كافة الخلق صدق عيسى عليه السلام بهذه المعجزة، بل ~~عليه من الأسئلة المشكلة ما لا يدفع إلا بدقيق النظر العقلي، والنظر العقلي ~~لا يوثق به عندك، ولا يعرف دلالة المعجزة على الصدق ما لم يعرف السحر ~~والتمييز بينه وبين المعجزة، وما لم يعرف أن الله لا يضل عباده. وسؤال ~~الإضلال وعسر تحرير الجواب عنه مشهور فبماذا تدفع جميع ذلك؟ ولم يكن إمامك ~~أولى بالمتابعة من مخالفه! فيرجع إلى الأدلة النظرية التي ينكرها، وخصمه ~~يدلي بمثل تلك الأدلة وأوضح منها وهذا السؤال قد انقلب عليهم انقلابا عظيما ~~لو اجتمع أولهم وآخرهم على أن يجيبوا عنه جوابا لم يقدروا عليه. وإنما نشأ ~~الفساد من جماعة من الضعفة ناظروهم، فلم يشتغلوا # PageV01P166 # بالقلب بل بالجواب. وذلك مما يطول فيه الكلام، وما لا يسبق سريعا إلى ~~الإفهام، فلا يصلح للإفحام. فإن قال قائل: فهذا هو القلب، فهل عنه جواب؟ ~~فأقول: نعم! جوابه أن المتحير لو قال: أنا متحير ولم يعين المسألة التي هو ~~متحير فيها، يقال له: أنت كمريض، يقول: أنا مريض ولا يعين مرضه ويطلب علاجه ~~فيقال له: ليس في الوجود علاج للمرض المطلق، بل لمرض معين. من صداع أو ~~إسهال أو غيرهما فكذلك المتحير ينبغي أن يعين ما هو متحير فيه، فإن عين ~~المسألة عرفته الحق فيها بالوزن بالموازين الخمسة، التي لا يفهمها أحد إلا ~~ويعترف بأنه الميزان الحق، ويفهم منه أيضا صحة الوزن، كما يفهم متعلم علم ~~الحساب، نفس الحساب، وكون المحاسب المعلم عالما بالحساب وصادقا فيه. وقد ~~أوضحت ذلك في كتاب القسطاس المستقيم في مقدار عشرين ورقة، فليتأمل. # وليس المقصود الآن بيان فساد مذهبهم، فقد ذكرت ذلك في كتاب المستظهري ~~أولا، وفي كتاب حجة الحق ثانيا، ms19 وهو جواب كلام لهم عرض علي ببغداد، # PageV01P167 # وفي كتاب مفصل الخلاف الذي هو اثنا عشر فصلا ثالثا، وهو جواب كلام عرض ~~علي بهمدان، وفي كتاب الدرجة المرقوم بالجداول رابعا، وهو من ركيك كلامهم ~~الذي عرض علي بطوس، وفي كتاب القسطاس المستقيم خامسا، وهو كتاب مستقل ~~مقصوده أن هؤلاء، ليس معهم شيء من الشفاء المنجي من ظلمات الآراء، بل هم مع ~~عجزهم عن إقامة البرهان على تعيين الإمام، طالما جربناهم فصدقناهم في ~~الحاجة إلى التعليم، وإلى المعلم المعصوم وعرضنا عليهم إشكالات فلم ~~يفهموها، فضلا عن القيام بحلها! فلما عجزوا أحالوا على الإمام الغائب، ~~وقالوا: إنه لا بد من السفر إليه والعجب أنهم ضيعوا عمرهم في طلب المعلم ~~وفي التبجح بالظفر به، ولم يتعلموا منه شيئا أصلا، كالمتضمخ بالنجاسة، يتعب ~~في طلب الماء حتى إذا وجده لم يستعمله، وبقي متضمخا بالخبائث. ومنهم من ~~ادعى شيئا من علمهم، فكان حاصل ما ذكره شيئا من # PageV01P168 # ركيك فلسفة فيثاغورس وهو رجل من قدماء الأوائل، ومذهبه أرك مذهب الفلسفة، ~~وقد رد عليه أرسطاطاليس، بل استدرك كلامه واسترذله، وهو المحكي في كتاب ~~إخوان الصفا وهو على التحقيق حشو الفلسفة. # فالعجب ممن يتعب طول العمر في تحصيل العلم ثم يقنع بمثل ذلك العلم الركيك ~~المستغيث، ويظن بأنه ظفر بأقصى مقاصد العلوم! فهؤلاء أيضا جربناهم وسبرنا ~~ظاهرهم وباطنهم، في رجع حاصلهم إلى استدراج العوام، وضعفاء العقول ببيان ~~الحاجة إلى المعلم، ومجادلتهم في إنكارهم الحاجة إلى التعليم بكلام قوي ~~مفحم، حتى إذا ساعدهم على الحاجة إلى المعلم مساعد وقال: هات علمه وأفدنا ~~من تعليمه! وقف وقال: الآن إذا سلمت لي هذا فاطلبه، فإنما غرضي هذا القدر ~~فقط. إذ علم أنه لو زاد على ذلك لافتضح ولعجز عن حل أدنى الإشكالات، بل عجز ~~عن فهمه، فضلا عن جوابه. فهذه حقيقة حالهم فأخبرهم تقلهم فلما جربناهم ~~نفضنا اليد عنهم أيضا. # PageV01P169 ### | طرق الصوفية # ثم إني لما فرغت من هذه العلوم أقبلت بهمتي على طريق الصوفية، وعلمت أن ~~طريقتهم إنا تتم بعلم وعمل، وكان ms20 حاصل علومهم قطع عقبات النفس، والتنزه عن ~~أخلاقها المذمومة وصفاتها الخبيثة، حتى يتوصل بها إلى تخلية القلب عن غير ~~الله تعالى وتحليته بذكر الله. # وكان العلم أيسر علي من العمل، فابتدأت بتحصيل علمهم من مطالعة كتبهم ~~مثل: قوت القلوب لأبي طالب المكي رحمه الله، وكتب الحارث المحاسبي، ~~والمتفرقات المأثورة عن الجنيد # PageV01P170 # والشبلي وأبي يزيد البسطامي قدس الله أرواحهم وغيرهم من المشايخ، حتى ~~اطلعت على كنه مقاصدهم العلمية، وحصلت ما يمكن أن يحصل من طريقهم بالتعلم ~~والسماع. فظهر لي أن # PageV01P171 # أخص خواصهم، ما لا يمكن الوصول إليه بالتعلم بل بالذوق والحال وتبدل ~~الصفات. وكم من الفرق أن تعلم حد الصحة وحد الشبع وأسبابهما وشروطهما، وبين ~~أن تكون صحيحا وشبعان؟ وبين أن تعرف حد السكر، وأنه عبارة عن حالة تحصل من ~~استيلاء أبخرة تتصاعد من المعدة على معادن الفكر، وبين أن تكون سكران! بل ~~السكران لا يعرف حد السكر، وعلمه وهو سكران وما معه من علمه شيء. الطبيب في ~~حالة المرض يعرف حد الصحة وأسبابها وأدويتها، وهو فاقد الصحة. فكذلك فرق ~~بين أن تعرف حقيقة الزهد وشروطه وأسبابه، وبين أن تكون حالك الزهد، وعزوف ~~النفس عن الدنيا!. # فعلمت يقينا أنهم أرباب الأحوال، لا أصحاب الأقوال. وأن ما يمكن تحصيله ~~بطريق العلم فقد حصلته، ولم يبق إلا ما لا سبيل إليه بالسماع والتعلم، بل ~~بالذوق والسلوك. وكان قد حصل معي - من العلوم التي مارستها والمسالك التي ~~سلكتها، في التفتيش عن صنفي العلوم الشرعية والعقلية إيمان يقيني # PageV01P172 # بالله تعالى، وبالنبوة، وباليوم الآخر. # فهذه الأصول الثلاثة من الإيمان كانت قد رسخت في نفسي، لا بدليل معين ~~مجرد، بل بأسباب وقرائن وتجارب لا تدخل تحت الحصر تفاصيلها. وكان قد ظهر ~~عندي أنه لا مطمع لي في سعادة الآخرة إلا بالتقوى، وكف النفس عن الهوى، وأن ~~رأس ذلك كله، قطع علاقة القلب عن الدنيا، بالتجافي عن دار الغرور، والإنابة ~~إلى دار الخلود، والإقبال بكنه الهمة على الله تعالى. وأن ذلك لا يتم إلا ~~بالإعراض عن الجاه والمال، ms21 والهرب من الشواغل والعلائق. ثم لاحظت أحوالي، ~~فإذا أنا منغمس في العلائق، وقد أحدقت بي من الجوانب، ولاحظت أعمالي - ~~وأحسنها التدريس والتعليم - فإذا أنا فيها مقبل على علوم غير مهمة، ولا ~~نافعة في طريق الآخرة. # ثم تفكرت في نيتي في التدريس، فإذا هي غير خالصة لوجه الله تعالى، بل ~~باعثها ومحركها طلب الجاه وانتشار الصيت، فتيقنت أني على شفا جرف هار، وأني ~~قد أشفيت على النار، إن لم أشتغل بتلافي الأحوال. فلم أزل أتفكر فيه مدة، ~~وأنا بعد على مقام الاختيار، أصمم العزم # PageV01P173 # على الخروج من بغداد ومفارقة تلك الأحوال يوما، وأحل العزم يوما، وأقدم ~~فيه رجلا وأؤخر عنه أخرى. لا تصدق لي رغبة في طلب الآخرة بكرة، إلا ويحمل ~~عليها جلد الشهوة حملة فيفترها عشية، فصارت شهوات الدنيا تجاذبني بسلاسلها ~~إلى المقام، ومنادي الإيمان ينادي: الرحيل الرحيل! فلم يبق من العمر إلا ~~قليل، وبين يديك السفر الطويل، وجميع ما أنت فيه من العلم والعمل رياء ~~وتخييل! فإن لم تستعد الآن للآخرة، فمتى تستعد؟ وإن لم تقطع الآن هذه ~~العلائق فمتى تقطع؟ فعند ذلك تنبعث الداعية، وينجزم العزم على الهرب ~~والفرار! ثم يعود الشيطان ويقول: هذه حال عارضة، إياك أن تطاوعها، فإنها ~~سريعة الزوال، فإن أذعنت لها وتركت هذا الجاه العريض، والشأن المنظوم ~~الخالي عن التكدير والتنغيص، والأمر المسلم الصافي عن منازعة الخصوم، ربما ~~التفتت إليه نفسك، ولا يتيسر لك المعاودة. # فلم أزل أتردد بين تجاذب شهوات الدنيا، ودواعي الآخرة، قريبا من ستة أشهر ~~أولها رجب سنة ثمان وثمانين وأربع مئة، وفي هذا الشهر جاوز الأمر حد ~~الاختيار إلى الاضطرار، إذ أقفل الله على لساني حتى اعتقل عن التدريس، فكنت ~~أجاهد نفسي أن أدرس يوما واحدا # PageV01P174 # تطييبا لقلوب المختلفة إلي، فكان لا ينطلق لساني بكلمة واحدة ولا ~~أستطيعها البتة، حتى أورثت هذه العقلة في اللسان حزنا في القلب، بطلت معه ~~قوة الهضم ومراءة الطعام والشراب، فكان لا ينساغ لي ثريد، ولا تنهضم لي ~~لقمة، وتعدى إلى ضعف القوى، حتى قطع ms22 الأطباء طمعهم من العلاج وقالوا: هذا ~~أمر نزل بالقلب، ومنه سرى إلى المزاج، فلا سبيل إليه بالعلاج، إلا بأن ~~يتروح السر عن الهم الملم. ثم لما أحسست بعجزي، وسقط بالكلية اختياري، ~~التجأت إلى الله تعالى التجاء المضطر الذي لا حيلة له، فأجابني الذي يجبي ~~المضطر إذا دعاه وسهل على قلبي الإعراض عن الجاه والمال والأهل والولد ~~والأصحاب، وأظهرت عزم الخروج إلى مكة وأنا أدبر في نفسي سفر الشام حذرا أن ~~يطلع الخليفة وجملة الأصحاب على عزمي على المقام في الشام، فتلطفت بلطائف ~~الحيل في الخروج من بغداد على عزم أن لا أعاودها أبدا. واستهدفت لأئمة أهل ~~العراق كافة، إذ لم يكن فيهم من يجوز أن يكون للإعراض عما كنت فيه سبب ~~ديني، إذ ظنوا أن ذلك هو المنصب الأعلى في الدين، وكان ذلك مبلغهم من ~~العلم، # PageV01P175 # ثم ارتبك الناس في الاستنباطات، وظن من بعد عن العراق، أن ذلك كان ~~لاستشعار من جهة الولاة، وأما من قرب من الولاة كان يشاهد إلحاحهم في ~~التعلق بي والانكباب علي، وإعراضي عنهم، وعن الالتفات إلى قولهم، فيقولون: ~~هذا أمر سماوي، وليس له سبب إلا عين أصابت أهل الإسلام وزمرة أهل العلم. ~~ففارقت بغداد، وفرقت ما كان معي من المال، ولم أدخر إلا قدر الكفاف، وقوت ~~الأطفال، وترخصا بأن مال العراق مرصد للمصالح، ولكونه وقفا على المسلمين. ~~فلم أر في العالم مالا يأخذه العالم لعياله أصلح منه. ثم دخلت الشام، وأقمت ~~به قريبا من سنتين اشغل الشغل لي إلا العزلة والخلوة، والرياضة والمجاهدة، ~~اشتغالا بتزكية النفس، وتهذيب الأخلاق، وتصفية القلب لذكر الله تعالى، كما ~~كنت حصلته من كتب الصوفية. فكنت أعتكف مدة في مسجد دمشق، أصعد منارة المسجد ~~طول النهار، وأغلق بابها على نفسي، وثم رحلت منها إلى بيت المقدس، أدخل كل ~~يوم الصخرة، وأغلق بابها على نفسي. ثم تحركت في داعية فريضة الحج، ~~والاستمداد من بركات مكة # PageV01P176 # والمدينة وزيارة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الفراغ من زيارة ~~الخليل صلوات الله وسلامه عليه، ms23 وفسرت إلى الحجاز، ثم جذبتني الهمم، ودعوات ~~الأطفال إلى الوطن، فعاودته بعد أن كنت أبعد الخلق عن الرجوع إليه، فآثرت ~~العزلة به أيضا حرصا على الخلوة، وتصفية القلب للذكر. # وكانت حوادث الزمان، ومهمات العيال، وضرورات المعيشة، تغير في وجه ~~المراد، وتشوش صفوة الخلوة، وكان لا يصفو لي الحال إلا في أقوات متفرقة. ~~لكني مع ذلك لا أقطع طمعي منها، فتدفعني عنها العوائق، وأعود إليها. # ودمت على ذلك مقدار عشر سنين، وانكشفت لي في أثناء هذه الخلوات أمور لا ~~يمكن إحصاؤها واستقصاؤها، والقدر الذي أذكره لينتفع به. إني علمت يقينا أن ~~الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى خاصة وأن سيرتهم أحسن السير، وطريقهم ~~أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق، بل لو جمع عقل العقلاء، وحكمة الحكماء، ~~وعلم الواقفين على أسرار الشرع من # PageV01P177 # العلماء، ليغيروا شيئا من سيرهم وأخلاقهم، ويبدلوه بما هو خير منه، لم ~~يجدوا إليه سبيلا. فإن جميع حركاتهم وسكناتهم، في ظاهرهم وباطنهم، مقتبسة ~~من نور مشكاة النبوة، وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به. # وبالجملة، فماذا يقول القائلون في طريقة، طهارتها - وهي أول شروطها - ~~تطهير القلب بالكلية عما سوى الله تعالى، ومفتاحها الجاري منها مجرى ~~التحريم من الصلاة، استغراق القلب بالكلية بذكر الله، وآخرها الفناء ~~بالكلية في الله؟! # وهذا آخرها بالإضافة إلى ما يكاد يدخل تحت الاختيار والكسب من أوائلها. ~~وهي على التحقيق أول الطريقة، وما قبل ذلك كالدهليز للسالك إليه. ومن أول ~~الطريقة تبتدئ المكاشفات والمشاهدات، حتى أنهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة، ~~وأرواح الأنبياء ويسمعون أصواتا ويقتبسون منهم فوائد. ثم يترقى الحال من ~~مشاهدة الصور والأمثال، إلى درجات يضيق عنها النطق، فلا يحاول معبر أن يعبر ~~عنها إلا اشتمل لفظه # PageV01P178 # على خطأ صريح لا يمكنه الاحتراز عنه. # وعلى الجملة، ينتهي الأمر إلى قرب، يكاد يتخيل منه طائفة الحلول، وطائفة ~~الاتحاد، وطائفة الوصول، وكل ذلك خطأ. وقد بينا وجه الخطأ فيه في كتاب ~~المقصد الأسنى. بل الذي لابسته تلك الحالة لا ينبغي أن يزيد على أن يقول: ms24 # وكان ما كان مما لست أذكره ... فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر # وبالجملة فمن لم يرزق منه شيئا بالذوق، فليس يدرك من حقيقة النبوة إلا ~~الاسم، وكرامات الأولياء، هي على التحقيق، بدايات الأنبياء. وكان ذلك أول ~~حال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أقبل إلى جبل حراء حيث كان يخلو فيه ~~بربه ويتعبد، حتى قالت العرب: إن محمدا عشق ربه. # وهذه الحالة، يتحققها بالذوق من يسلك سبيلها. فمن لم يرزق الذوق، ~~فيتيقنها بالتجربة والتسامع، وإن أكثر # PageV01P179 # الصحبة، حتى يفهم ذلك بقرائن الأحوال يقينا. ومن جالسهم، استفاد منهم هذا ~~الإيمان فهم القوم لا يشقى جليسهم. ومن لم يرزق صحبتهم فليعلم إمكان ذلك ~~يقينا بشواهد البرهان، على ما ذكرناه في كتاب عجائب القلب من كتب إحياء ~~علوم الدين. والتحقيق بالبرهان علم، وملابسة عين تلك الحالة ذوق، والقبول ~~من التسامح والتجربة بحسن الظن إيمان. # فهذه ثلاث درجات: " يرفع الله الذين أمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ~~". ووراء هؤلاء قوم جهال، هم المنكرون لأصل ذلك، المتعجبون من هذا الكلام، ~~ويستمعون ويسخرون، ويقولون: العجب! إنهم كيف يهذون! وفهيم قال الله تعالى: ~~" ومنهم من يسمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا ~~قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم فأصمهم وأعمى ~~أبصارهم ". # ومما بان لي بالضرورة من ممارسة طريقتهم، حقيقة النبوة وخاصيتها ولا بد ~~من التنويه على أصلها لشدة مسيس الحاجة إليها. # PageV01P180 ### | حقيقة النبوة واضطرار كافة الخلق إليها # اعلم: أن جوهر الإنسان في أصل الفطرة، خلق خاليا ساذجا لا خير معه من ~~عوالم الله تعالى، والعوالم كثيرة لا يحصيها إلا الله تعالى، كما قال: " ~~وما يعلم جنود ربك إلا هو " وإنما خبره من العوالم بواسطة الإدراك وكل ~~إدراك من الإدراكات خلق ليطلع الإنسان به على عالم من الموجودات، ونعني ~~بالعوالم، أجناس الموجودات. # فأول ما يخلق في الإنسان حاسة اللمس، فيدرك بها أجناسا من الموجودات: ~~كالحرارة، والبرودة، والرطوبة، واليبوسة، واللين، والخشونة، وغيرها. واللمس ~~قاصر عن الألوان والأصوات قطعا، بل ms25 هلي كالمعدوم في حس اللمس. # ثم تخلق له حاسة البصر، فيدرك بها الألوان والأشكال، وهو أوسع عالم ~~المحسوسات. ثم ينفتح له السمع، فيسمع الأصوات والنغمات، ثم يخلق له الذوق. # PageV01P181 # وكذلك إلى أن يجاوز عالم المحسوسات، فيخلق فيه التمييز، وهو قريب من سبع ~~سنين، وهو طور آخر من أطور وجوده. فيدرك فيه أمورا زائدة على عالم ~~المحسوسات، ولا يوجد منها شيء في عالم الحس. # ثم يترقى إلى طول آخر، فيخلق له العقل، فيدرك الواجبات والجائزات ~~والمستحيلات، وأمورا لا توجد في الأطوار التي قبله. ووراء العقل طور آخر ~~تفتح فيه عين أخرى يبصر بها الغيب وما سيكون في المستقبل، وأمورا أخر، ~~العقل معزول عنها كعزل قوة التمييز. من إدراك المعقولات، وكعزل قوة الحس عن ~~مدركات التمييز، وكما أن المميز لو عرضت عليه مدركات العقل لأباها ~~واستبعدها، فكذلك بعض العقلاء أبوا مدركات النبوة واستبعدوها، وذلك عين ~~الجهل: إذ لا مستند لهم إلا أنه طور لم يبلغه ولم يوجد في حقه، فيظن أنه ~~غير موجود في نفسه. والأكمه لو لم يعلم بالتواتر والتسامع الألوان ~~والأشكال، وحكي له ذلك ابتداء، لم يفهمها ولم يقربها. وقد قرب الله تعالى ~~على خلقه بأن أعطاهم نموذجا من خاصية النبوة، وهو النوم، إذ النائم يدرك ما ~~سيكون من الغيب، # PageV01P182 # إما صريحا وإما في كسوة مثال يكشف عنه التعبير. وهذا لو لم يجربه الإنسان ~~من نفسه - وقيل له: إن من الناس من يسقط مغشيا عليه كالميت، ويزول عنه ~~إحساسه وسمعه وبصره فيدرك الغيب - لأنكره، وأقام البرهان على استحالته ~~وقال: القوى الحساسة أسباب الإدراك فمن لا يدرك الأشياء مع وجودها وحضورها، ~~فبأن لا يدرك مع ركودها أولى وأحق. وهذا نوع قياسي يكذبه الوجود والمشاهدة ~~فكما أن العقل طور من أطوار الآدمي، يحصل فيه عين يبصر بها أنواعا من ~~المعقولات، والحواس معزولة عنها، فالنبوة أيضا عبارة عن طور يحصل فيه عين ~~لها نور يظهر في نورها الغيب، وأمور لا يدركها العقل. # والشك في النبوة، وإما أن يقع في مكانها، وأو في وجودها ms26 ووقوعها، وأو في ~~حصولها لشخص معين. # ودليل إمكانها ووجودها. ودليل وجودها وجود معارف في العالم لا يتصور أن ~~تنال # PageV01P183 # بالعقل، كعلم الطب والنجوم، فإن من بحث عنها علم بالضرورة أنها لا تدرك ~~إلا بإلهام إلهي، وتوفيق من جهة الله تعالى، ولا سبيل إليها بالتجربة فمن ~~الأحكام النجومية ما لا يقع إلا في كل ألف سنة مرة، فكيف ينال ذلك ~~بالتجربة؟ وكذلك خواص الأدوية فتبين بهذا البر هان، أن في الإمكان وجود ~~طريق لإدراك هذه الأمور التي لا يدركها العقل، وهو المراد بالنبوة، لا أن ~~النبوة عبارة عنها فقط، بل إدراك هذا الجنس الخارج عن مدركات العقل إحدى ~~خواص النبوة، ولها خواص كثيرة سواها. وما ذكرنا فقطرة من بحرها، إنما ~~ذكرناها لأن معك نموذجا منها، وهو مدركاتك في النوم، ومعك علوم من جنسها في ~~الطب والنجوم، وهي معجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولا سبيل إليها ~~للعقلاء ببضاعة العقل أصلا. # وأما ما عدا هذا من خواص النبوة، فإنما يدرك بالذوق، من سلوك طريق ~~التصوف، لأن هذا إنما فهمته بأنموذج رزقته وهو النوم، ولولاه لما صدقت به. ~~فإن كان للنبي خاصة ليس لك منها أنموذج، ولا تفهمها أصلا، فكيف تصدق بها؟ ~~وإنما التصديق بعد الفهم. وذلك الأنموذج تحصل في أوائل طريق التصوف، فيحصل ~~به # PageV01P184 # نوع من الذوق بالقدر الحاصل ونوع من التصديق بما لم يحصل بالقياس إليه ~~فهذه الخاصية الواحدة تكفيك للإيمان بأصل النبوة. # فإن وقع لك الشك في شخص معين، أنه نبي أم لا؟ فلا يحصل اليقين إلا بمعرفة ~~أحواله، إما بالمشاهدة، أو بالتواتر والتسامع، فإنك إذا عرفت الطب والفقه، ~~يمكنك أن تعرف الفقهاء والأطباء بمشاهدة أحوالهم، وسماع أقوالهم، وإن لم ~~تشاهدهم، ولا تعجز أيضا عن معرفة كون الشافعي رحمه الله فقيها، وكون ~~جالينوس طبيبا، معرفة بالحقيقة لا بالتقليد عن الغير. بل بأن تتعلم شيئا من ~~الفقه والطب وتطالع كتبهما وتصانيفهما، فيحصل لك علم ضروري بحالهما. فكذلك ~~إذا فهمت معنى النبوة فأكثرت النظر في القرآن والأخبار، يصل لك العلم ~~الضروري بكونه صلى ms27 الله عليه وسلم على أعلى درجات النبوة، وأعضد ذلك بتجربة ~~ما قاله في العبادات وتأثيرها في تصفية القلوب، وكيف صدق صلى الله عليه ~~وسلم في قوله: " من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم " ويكف صدق في ~~قوله: " من أعان ظالما سلطه الله عليه " # PageV01P185 # وكيف صدق في قوله: " من اصبح وهمومه هم واحد الله تعالى هموم الدنيا ~~والآخرة ". # فإذا جربت ذلك في ألف وألفين وآلاف، حصل لك علم ضروري ولا تتمارى فيه. ~~فمن هذا الطريق اطلب اليقين بالنبوة، ولا من قلب العصا ثعبانا، وشق القمر، ~~فإذن ذلك إذا نظرت إليه وحده، ولم تنضم إليه القرائن الكثيرة الخارجة عن ~~الحصر، وربما ظننت أنه سحر وتخييل، وأنه من الله تعالى إضلال فإنه " يضل من ~~يشاء ويهدي من يشاء ". # وترد عليك أسئلة المعجزات، فإذا كان مستند إيمانك إلى كلام منظوم في وجه ~~دلالة المعجزة، فينجزم إيمانك بكلام مرتب في وجه الإشكالات والشبهة عليها، ~~فليكن مثل هذه الخوارق إحدى الدلائل والقرائن في جملة نظرك، حتى يحصل لك ~~علم ضروري لا يمكنك ذكر مستنده على التعيين، كالذي يخبرك جماعة بخبر متواتر ~~لا يمكنه أن يذكر أن اليقين مستفاد # PageV01P186 # من قول واحد معين، بل من حيث لا يدري ولا يخرج من جملة ذلك ولا بتعيين ~~الآحاد. فهذا هو الإيمان القوي العلمي. # وأما الذوق فهو كالمشاهدة والأخذ باليد، ولا يوجد إلا في طريق الصوفية ~~فهذا القدر من حقيقة النبوة، كاف في الغرض الذي أقصده الآن، وسأذكر وجه ~~الحاجة إليه. # PageV01P187 ### | سبب نشر العلم بعد الإعراض عنه # ثم إني لما واظبت على العزلة والخلوة قريبا من عشر سنين، وبان لي في ~~أثناء ذلك على الضرورة من أسباب لا أحصيها، مرة بالذوق، ومرة بالعلم ~~البرهاني ومرة بالقبول الإيماني: أن للإنسان بدنا وقلبا، وأعني بالقلب ~~حقيقة روحه التي هي محل معرفة الله، دون اللحم والدم الذي يشارك فيه الميت ~~والبهيمة، وأن البدن له صحة بها سعادته ومرض فيه هلاكه، وأن القلب كذلك له ~~صحة وسلامة، ولا ينجو " إلا من ms28 أتى الله بقلب سليم " وله مرض فيه هلاكه ~~الأبدي الأخروي، كما قال تعالى: في قلوبهم مرض " وأن الجهل بالله سم مهلك، ~~وأن معصية الله بمتابعة الهوى، داؤه الممرض، وأن معرفة الله تعالى ترياقه ~~المحيي، وطاعته بمخالفة الهوى دواؤه الشافي، وأنه لا سبيل إلى معالجة البدن ~~إلا بذلك. وكما أن أدوية البدن تؤثر في كسب الصحة بخاصية فيها، لا يدركها ~~العقلاء ببضاعة العقل، بل يجب فيها تقليد الأطباء الذين أخذوها من ~~الأنبياء، الذين اطلعوا بخاصية النبوة على خواص الأشياء، فكذلك بان لي، على ~~الضرورة # PageV01P188 # بأن أدوية العبادات بحدودها ومقاديرها المحدودة المقدرة من جهة الأنبياء، ~~لا يدرك وجه تأثيرها ببضاعة عقل العقلاء، بل يجب فيها تقليد الأنبياء الذين ~~أدركوا تلك الخواص بنور النبوة، لا ببضاعة العقل. وكما أن الأدوية تركب من ~~أخلاط مختلفة النوع والمقدار وبعضها ضعف البعض في الوزن والمقدار، فلا يخلو ~~اختلاف مقاديرها عن سر هو من قبيل الخواص، فكذلك العبادات التي هي أدوية ~~داء القلوب، مركبة من أفعال مختلفة النوع والمقدار، حتى أن السجود ضعف ~~الركوع، وصلاة الصبح نصف صلاة العصر في المقدار، ولا يخلو عن سر إلهي فيها، ~~يقتضيها بطريق الخاصية. وكما أن في الأدوية أصولا هي أركانها وزوائد هي ~~متمماتها، لكل واحد منها خصوص تأثير في أعمال أصولها، كذلك النوافل والسنن ~~متممات لتكميل آثار أركان العبادات. # وعلى الجملة: فالأنبياء عليهم السلام أطباء أمراض القلوب، وإنما فائدة ~~العقل # PageV01P189 # وتصرفه، إن عرفنا ذلك، وشهد للنبوة بالتصديق ولنفسه بالعمى عن درك ما ~~يدرك بعين النبوة، أخذ بأيدينا وسلمنا إليها تسليم العميان إلى العميان إلى ~~العقائدين، وتسليم المرضى المتحيرين إلى الأطباء المشفقين. فإلى ههنا مجرى ~~العقل ومخطاه وهو معزول عما بعد ذلك، إلا عن تفهم ما يلقيه الطبيب إليه. # فهذه أمور عرفناها بالضرورة الجارية مجرى المشاهدة، في مدة الخلوة ~~والعزلة، ثم رأينا فتور الاعتقادات في أصل النبوة، ثم في حقيقة النبوة، ثم ~~في العمل بما شرحته النبوة، وتحققنا شيوع ذلك بين الخلق، فنظرت إلى أسباب ~~فتور الخلق، وضعف إيمانهم، فإذا هي ms29 أربعة: 1 - سبب من الخائضين في علم ~~الفلسفة. ### | 2 - # وسبب من الخائضين في طريق التصوف. ### | 3 - # وسبب من المنتسبين إلى دعوى التعليم. ### | 4 - # وسبب من معاملة الموسومين بالعلم فيما بين الناس. # PageV01P190 # فإني تتبعت مدة آحاد الخلق، أسأل من يقصر منهم في متابعة الشرع وأسأله عن ~~شبهته وأبحث عن عقيدته وسره وقلت له: مالك تقصر فيها فإن كنت تؤمن بالآخرة ~~ولست تستعد لها وتبيعها بالدنيا، فهذه حماقة، فإنك لا تبيع الاثنين بواحد، ~~فكيف تبيع ما لا نهاية له بأيام معدودة؟ وإن كنت لا تؤمن، فأنت كافر، فدبر ~~نفسك في طلب الإيمان، وانظر سبب كفرك الخفي الذي هو مذهبك باطنا، وهو سبب ~~جرأتك ظاهرا، وإن كنت لا تصرح به تجملا بالإيمان وتشرفا بذكر الشرع. # فقائل يقول: إن هذا أمر لو وجبت المحافظة عليه، لكان العلماء أجدر بذلك، ~~وفلان من المشاهير بين الفضلاء لا يصلي، وفلان يشرب الخمر، وفلان يأكل ~~أموال الأوقاف وأموال اليتامى. وفلان يأكل إدرار السلطان ولا يحترز عن ~~الحرام، وفلان يأخذ الرشوة على القضاء والشهادة وهلم جرا إلى أمثاله. وقائل ~~ثان: يدعي علم التصوف، ويزعم أنه قد بلغ مبلغا ترقى عن الحاجة إلى ~~العبادة!. # وقائل ثالث يتعلل بشبهة أخرى من شبهات أهل الإباحة! وهؤلاء هم الذين ضلوا ~~عن التصوف. # PageV01P191 # وقائل رابع لقي أهل التعليم فيقول: الحق مشكل، والطريق متعسرة والاختلاف ~~فيه كثير، وليس بعض المذاهب أولى من بعض، وأدلة العقول متعارضة، فلا ثقة ~~برأي أهل الرأي. والداعي إلى التعليم متحكم لا حجة له، فكيف أدع اليقين ~~بالشك؟ وقائل خامس يقول: لست أفعل هذا تقليدا، ولكنني قرأت علم الفلسفة، ~~وأدركت حقيقة النبوة، وإن حاصلها يرجع إلى الحكمة والمصلحة، وأن المقصود من ~~تعبداتها ضبط عوام الخلق وتقيدهم عن التقاتل والتنازع والاسترسال في ~~الشهوات، فما أنا من العوام الجهال حتى أدخل في حجر التكليف، وإنما أنا من ~~الحكماء أتبع الحكمة وأنا بصير، مستغن فيها عن التقليد!. # هذا منتهى إيمان من قرأ مذهب فلسفة الإلهيين منهم، وتعلم ذلك من كتب ابن ~~سينا وأبي نصر ms30 الفارابي. وهؤلاء هم المتجملون بالإسلام. # وربما ترى الواحد منهم يقرأ القرآن ويحضر الجماعات والصلوات، ويعظم ~~الشريعة بلسانه، ولكنه مع ذلك لا يترك شرب الخمر، وأنواعا من الفسق ~~والفجور، وإذا قيل له: # PageV01P192 # إن كانت غير صحيحة فلم تصلي؟ فربما يقول: لرياضة الجسد، ولعادة أهل ~~البلد، وحفظ المال والولد. وربما قال: الشريعة صحيحة، والنبوة حق فيقال: ~~فلم تشرب الخمر؟ فيقول: إنما نهي عن الخمر لأنها تورث العداوة والبغضاء، ~~وأنا بحكمتي محترز عن ذلك، وإني أقصد به تشحيذ خاطري. حتى أن ابن سينا ذكر ~~في وصية له كتب فيها: إنه عاهد الله تعالى على كذا وكذا، وأن يعظم الأوضاع ~~الشرعية، ولا يقصر في العبادات الدينية، ولا يشرب تلهيا بل تداويا وتشافيا ~~فكان منتهى حالته في صفاء الإيمان، والتزام العبادات، أن استثنى شرب الخمرة ~~لغرض التشافي، فهذا إيمان من يدعي الإيمان منهم، وقد انخدع بهم جماعة، ~~وزادهم انخداعا ضعف اعتراض المعترضين عليهم، إذ اعترضوا بمجاهدة علم ~~الهندسة والمنطق، وغير ذلك مما هو ضروري لهم، على ما بينا علته من قبل. # فلما رأيت أصناف الخلق قد ضعف إيمانهم إلى هذا الحد بهذه الأسباب، ورأيت ~~نفسي ملبة بكشف هذه الشبهة، حتى كان إفضاح # PageV01P193 # هؤلاء أيسر عندي من شربة ماء، ولكثرة خوضي في علومهم وطرقهم، وأعني طرق ~~الصوفية والفلاسفة والتعليمية والمتوسمين من العلماء. وانقدح في نفسي أن ~~ذلك متعين في هذا الوقت محتوم. فماذا تغنيك الخلوة والعزلة، وقد عم الداء، ~~ومرض الأطباء، وأشرف الخلق على الهلاك! ثم قلت في نفسي: متى تشتغل أنت بكشف ~~هذه الغمة ومصادمة هذه الظلمة، والزمان زمان الفترة، والدور دور الباطل، ~~ولو اشتغلت بدعوة الخلق، عن طرقهم إلى الحق، لعاداك أهل الزمان بأجمعهم، ~~وأنى تقاومهم فكيف تعايشهم، ولا يتم ذلك إلا بزمان مساعد، وسلطان متدين ~~قاهر. # فترخصت بيني وبين الله تعالى بالاستمرار على العزلة تعللا بالعجز عن ~~إظهار الحق بالحجة. فقدر الله تعالى أن حرك داعية سلطان الوقت من نفسه، لا ~~بتحريك من خارج. فأمر إلزام بالنهوض إلى نيسابور، لتدارك هذه الفترة، وبلغ ms31 ~~الإلزام حدا كان ينتهي لو أصررت على الخلاف إلى حد الوحشة، فخطر لي أن سبب ~~الرخصة قد ضعف، فلا ينبغي أن يكون # PageV01P194 # باعثك على ملازمة العزلة الكسل والاستراحة، وطلب عز النفس وصونها عن أذى ~~الخلق، ولم ترخص لنفسك عسر معاناة الخلق والله سبحانه وتعالى يقول: # بسم الله الرحمن الرحيم " ألم. أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم ~~لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم " ويقول عز وجل لرسوله وهو أعز خلقه " ~~ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا ولقد جاءك من نبأ المرسلين " ~~ويقول عز وجل بسم الله الرحمن الرحيم " يس والقرآن الحكيم.. إلى قوله إنما ~~تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب " # PageV01P195 # فشاورت في ذلك جماعة من أرباب القلوب والمشاهدات، فاتفقوا على الإشارة ~~بترك العزلة، والخروج من الزاوية، وانضاف إلى ذلك منامات من الصالحين كثيرة ~~متواترة، وتشهد بأن هذه الحركة مبدأ خير ورشد قدرها الله سبحانه على رأس ~~هذه المائة فاستحكم الرجاء. وغلب حسن الظن بسبب هذه الشهادات وقد وعد الله ~~سبحانه بإحياء دينه على رأس كل مئة، ويسر الله الحركة إلى نيسابور، للقيام ~~بهذا المهم في ذي القعدة # PageV01P196 # سن تسع وتسعين وأربع مئة، وكان الخروج من بغداد سنة ثمان وثمانين وأربع ~~مئة، وبلغت العزلة إحدى عشر سنة وهذه حركة قدرها الله تعالى، وهي من عجائب ~~تقديراته التي لم يكن لهذا انقداح في القلب في هذه العزلة، كما لم يكن ~~الخروج من بغداد، والنزوع عن تلك الأحوال مما خطر إمكانه أصلا بالبال، ~~والله تعالى مقلب القلوب والأحوال و " قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع ~~الرحمن " وأنا أعلم أني، وإن رجعت إلى نشر العلم فما رجعت فإن الرجوع عود ~~إلى ما كان وكنت في ذلك الزمان أنشر العلم الذي به يكتسب الجاه، وأدعو إليه ~~بقولي وعملي، وكان ذلك قصدي ونيتي. أما الآن فأدعو إلى العلم الذي به يترك ~~الجاه، ويعرف به سقوط رتبة الجاه. # هذا هو الآن نيتي وقصدي وأمنيتي، يعلم الله ذلك مني وأنا أبغي أن ms32 أصلح ~~نفسي وغيري، ولست أدري أأصل مرادي أم أخترم دون غرضي؟ ولكني أؤمن إيمان ~~يقين ومشاهدة أنه لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وأني لم أتحرك، ~~ولكنه حركني، وإني لم أعمل، لكنه استعملني، فأساله أن يصلحني أولا، # PageV01P197 # ثم يصلح بي، ويهدني ثم يهدي بي وأن يريني الحق حقا ويرزقني اتباعه، ~~ويريني الباطل باطلا ويرزقني اجتنابه، ونعود الآن إلى ما ذكرناه من أسباب ~~ضعف الإيمان بذلك طريق إرشادهم وإنقاذهم من مهالكهم. أما الذين ادعوا ~~الحيرة من أهل التعليم فعلاجهم ما ذكرناه في كتاب القسطاس المستقيم ولا ~~نطول بذكره في هذه الرسالة. # وأما ما توهمه أهل الإباحة، فقد حصرنا شبههم في سبعة أنواع وكشفناها في ~~كيمياء السعادة. # وأما من فسد إيمانه بطريق الفلسفة، حتى أنكر أصل النبوة، فقد ذكرنا حقيقة ~~النبوة ووجودها بالضرورة، بدليل وجود عمل خواص الأدوية والنجوم وغيرهما. ~~وإنما قدمنا هذه المقدمة لأجل ذلك وأننا أوردنا الدليل من خواص الطب ~~والنجوم، لأنه من نفس علمهم. ونحن نبين لكل عالم بفن من العلوم كالنجوم ~~والطب والطبيعة والسحر والطلسمات مثلا من نفس علمه برهان النبوة. # PageV01P198 # وأما من أثبت النبوة بلسانه، وسوى أوضاع الشرع على الحكمة، فهو على ~~التحقيق كافر بالنبوة، وإنما هو مؤمن بحكم له طالع مخصوص، ويقتضي طالعه أن ~~يكون متبوعا، وليس هذا من النبوة في شيء، بل الإيمان بالنبوة أن يقر بإثبات ~~طور وراء العقل، تنفتح فيه عين يدرك بها مدركات خاصة، والعقل معزول عنها، ~~كعزل السمع عن إدراك الألوان، والبصر عن إدراك الأصوات، وجميع الحواس عن ~~إدراك المعقولات، فإن لم يجوز هذا، فقد أقمنا البرهان على إمكانه، بل على ~~وجوده. وإن جوز هذا، فقد أثبت أن هنا أمورا تسمى خواص، لا يدور تصرف العقل ~~حواليها أصلا، بل يكاد العقل يكذبها ويقضي باستحالتها. فإن وزن دانق من ~~الأفيون سم قاتل لأنه يجمد الدم في العروق لفرط برودته والذي يدعي علم ~~الطبيعة، يزعم أنه ما يبرد من المركبات، إنما يبرد بعنصري الماء والتراب ~~فهما العنصران الباردان. ومعلوم أن أرطالا ms33 من الماء والتراب لا يبلغ ~~تبريدها في الباطن إلى هذا الحد. فلو أخبر طبيعي بهذا ولم يجربه، لقال: هذا ~~محال، والدليل على # PageV01P199 # استحالته أن فيه نارية وهوائية والهوائية والنارية لا تزيدها برودة، ~~فنقدر الكل ماء وترابا، فلا يوجب هذا الإفراط في التبريد، فإن انضم إليه ~~حاران فبأن لا يوجب ذلك أولى ويقدر هذا برهانا! وأكثر براهين الفلاسفة في ~~الطبيعيات والإلهيات، ومبني على هذا الجنس! فإنهم تصوروا الأمور على قدر ما ~~وجدوه وعقلوه، وربما لم يألفوه قدروا استحالته، ولو لم تكن الرؤيا الصادقة ~~مألوفة، وادعى مدع، أنه عند ركود الحواس، يعلم الغيب، لأنكره المتصفون بمثل ~~هذه العقول. ولو قيل لوا حد: هل يجوز أن يكون في الدنيا شيء، هو بمقدار حبة ~~يوضع في بلدة، فيأكل تلك البلدة بجملتها ثم يأكل نفسه فلا يبقى شيئا من ~~البلدة وما فيها، ولا يبقى هو نفسه؟ لقال: هذا محال وهو من الخرافات! وهذه ~~حالة النار، ينكرها من لم ير النار إذا سمعها. وأكثر إنكار عجائب الآخرة هو ~~من هذا القبيل. فنقول للطبيعي: قد اضطررت أن تقول في الأفيون خاصية في ~~التبريد، ليست على قياس المعقول بالطبيعة. فلم لا يجوز أن يكون في الأوضاع ~~الشرعية من الخواص، في مداواة القلوب وتصفيتها، # PageV01P200 # ما لا يدرك بالحكمة العقلية، بل لا يبصر ذلك إلا بعين النبوة؟ قد اعترفوا ~~بخواص هي أعجب من هذا فيما أوردوه في كتبهم، وهي من الخواص العجيبة المجربة ~~في معالجة الحامل التي عسر عليها الطلق بهذا الشكل: يكتب على خرقتين لم ~~يصبهما ماء، وتنظر إليهما الحامل بعينها. وتضعها تحت قدميها، فيسرع الولد ~~في الحال إلى الخروج. وقد أقروا بإمكان ذلك وأوردوه في عجائب الخواص وهو ~~شكل فيه تسعة بيوت، ويرقم فيها رقوما مخصوصة، يكون مجموع ما في جدول واحد ~~خمسة عشر، قرأته في طول الشكل أو في عرضه أو على التأريب. # ب ط د 2 9 4 ز ه ج 7 5 3 وا ح 6 1 8 فيا ليت شعري! من يصدق بذلك ثم ms34 لا ~~يتسع عقله للتصديق بأن تقدير صلاة الصبح بركعتين، والظهر بأربع، والمغرب ~~بثلاث، وهو لخواص غير معلومة بنظر الحكمة وسببها اختلاف هذه الأوقات. # PageV01P201 # وإنما تدرك هذه الخواص بنور النبوة. والعجب أنا لو غيرنا العبارة إلى ~~عبارة المنجمين لعقلوا اختلاف هذه الأوقات، فنقول: أليس يختلف الحكم في ~~الطالع، بأن تكون الشمس في وسط السماء، أو في الطالع أو في الغارب، حتى ~~يبنوا على هذا في تسييراتهم اختلاف العلاج وتفاوت الأعمار والآجال، ولا فرق ~~بين الزوال وبين كون الشمس في وسط السماء، ولا بين المغرب وبين كون الشمس ~~في الغارب، فهل لتصديق ذلك سبب، وإلا أن ذلك يسمعه بعبارة منجم، لعله جرب ~~كذبه مئة مرة. ولا يزال يعاود تصديقه، حتى لو قال المنجم له: إذا كانت ~~الشمس في وسط السماء ونظر إليها الكوكب الفلاني، والطالع هو البرج الفلاني، ~~فلبست ثوبا جديدا في ذلك الوقت قتلت في ذلك الثوب! فإنه لا يلبس الثوب في ~~ذلك الوقت، وربما يقاسي فيه البرد الشديد، وربما سمعه من منجم وقد جرب كذبه ~~مرات!. # فليت شعري! من يتسع عقله لقبول هذه البدائع ويضطر إلى الاعتراف بأنها ~~خواص - معرفتها لبعض الأنبياء - فيكف ينكر مثل ذلك، فيما يسمعه من قول نبي ~~صادق مؤيد بالمعجزات، لم يعرف قط بالكذب! ولم لا يتسع لإمكانه؟ فإن أنكر ~~فلسفي إمكان هذه الخواص في أعداد # PageV01P202 # الركعات، ورمي الجمار وعدد أركان الحج، وسائر تعبدات الشرع، لم يجد بينها ~~وبين خواص الأدوية والنجوم فرقا أصلا. فإن قال: وقد جربت شيئا من النجوم ~~وشيئا من الطب، فوجدت بعضه صادقا، فانقدح في نفسي تصديقه وسقط من قلبي ~~استبعاده ونفرته، وهذا لم أجربه به، فبم أعلم وجوده وتحقيقه؟ وإن أقررت ~~بإمكانه؟ فأقول: إنك لا تقتصر على تصديق ما جربته بل سمعت أخبار المجربين ~~وقلدتهم، فاسمع أقوال الأنبياء فقد جربوا وشاهدوا الحق في جميع ما ورد به ~~الشرع، واسلك سبيلهم تدرك بالمشاهدة بعض ذلك. # على أني أقول: وإن لم تجربه، فيقضي عقلك بوجوب التصديق والإتباع قطعا. ~~فإنا لو فرضنا رجلا بلغ ms35 وعقل ولم يجرب المرض، فمرض، وله والد مشفق حاذق ~~بالطب، يسمع دعواه في معرفة الطب منذ عقل، فعجن له والده دواء، فقال: هذا ~~يصلح لمرضك ويشفيك من سقمك. فماذا يقتضيه عقله، وإن كان الدواء مرا كريه ~~المذاق، أن يتناول أن يكذب؟ ويقول: أنا لا أعقل مناسبة هذا الدواء لتحصيل ~~الشفاء، ولم أجربه! فلا شك أنك تستحمقه إن فعل ذلك! # PageV01P203 # وكذلك يستحمقك أهل البصائر في توقفك! فإن قلت: فيم أعرف شفقة النبي صلى ~~الله عليه وسلم ومعرفته بهذا الطب؟ فأقول: وبم عرفت شفقة أبيك وليس ذلك ~~أمرا محسوسا؟ بل عرفتها بقرائن أحواله وشواهد أعماله في مصادره وموارده ~~علما ضروريا لا تتمارى فيه. # ومن نظر في أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم، وما ورد من الأخبار في ~~اهتمامه بإرشاد الخلق، وتلطفه في جر الناس بأنواع الرفق واللين واللطف، إلى ~~تحسين الأخلاق وإصلاح ذات البين، وبالجملة إلى ما يصلح به دينهم ودنياهم ~~حصل له علم ضروري، بأن شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته أعظم من شفقة ~~الوالد على ولده. وإذا نظر إلى عجائب ما ظهر عليه من الأفعال، وإلى عجائب ~~الغيب الذي أخبر عنه القرآن على لسانه، وفي الأخبار وإلى ما ذكره في آخر ~~الزمان، فظهر ذلك كما ذكره، علم علما ضروريا أنه بلغ الطور الذي وراء ~~العقل، وانفتحت له العين التي ينكشف منها الغيب الذي لا يدركه إلا الخواص، ~~والأمور التي لا يدركها العقل. فهذا هو منهاج تحصيل العلم الضروري بتصديق ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # PageV01P204 # فجرب وتأمل القرآن وطالع الأخبار، تعرف ذلك بالعيان. وهذا القدر يكفي في ~~تنبيه المتفلسفة، ذكرناه لشدة الحاجة إليه في هذا الزمان. # وأما السبب الرابع - وهو ضعف الإيمان بسبب سيرة العلماء فيداوي هذا المرض ~~بثلاثة أمور: أحدهما: أن نقول: إن العالم الذي تزعم أنه يأكل الحرام ~~ومعرفته بتحريم ذلك الحرام كمعرفتك بتحريم الخمر، ولحم الخنزير والربا، بل ~~بتحريم الغيبة والكذب والنميمة، وأنت تعرف ذلك وتفعله، لا لعدم إيمانك بأنه ~~معصية، بل لشهوتك الغالبة عليك، فشهوته كشهوتك، ms36 وقد غلبته كما غلبتك، فعلمه ~~بمسائل وراء هذا يتميز به عنك، لا يناسب زيادة زجر عن هذا المحظور المعين. # وكم من مؤمن بالطب لا يصبر عن الفاكهة وعن الماء البارد، وإن زجره الطبيب ~~عنه! ولا يدل ذلك على أنه ضار أو على الإيمان بالطب غير صحيح، فهذا محمل ~~هفوات العلماء، والثاني أن يقال للعامي: ينبغي أن تعتقد أن العالم اتخذ ~~علمه ذخرا لنفسه في الآخرة، ويظن أن علمه ينجيه، ويكون شفيعا له # PageV01P205 # حتى يتساهل معه في أعماله، لفضيلة علمه. وإن جاز أن يكون زيادة حجة عليه، ~~فهو يجوز أن يكون زيادة درجة له وهو ممكن. فهو وإن ترك العمل، يدلي بالعلم. ~~وأما أنت أيها العامي! إذا نظرت إليه وتركت العمل وأنت عن العلم عاطل، ~~فتهلك بسوء عملك ولا شفيع لك. # الثالث: هو الحقيقة، أن العالم الحقيقي لا يقارف معصية إلا على سبيل ~~الهفوة، ولا يكون مصرا على المعاصي أصلا. إذ العلم الحقيقي ما يعرف أن ~~المعصية سهم مهلك، وأن الآخرة خير من الدنيا. ومن عرف ذلك، لا يبيع الخير ~~بما هو أدنى منه. وهذا العلم لا يحصل بأنواع العلوم التي يشتغل بها أكثر ~~الناس. فلذلك لا يزيدهم ذلك العلم إلا جرأة على معصية الله تعالى. وأما ~~العلم الحقيقي، فيزيد صاحبه خشية وخوفا ورجاء، وذلك يحول بينه وبني المعاصي ~~إلا الهفوات التي لا ينفك عنها البشر في الفترات وذلك لا يدل على ضعف ~~الإيمان. فالمؤمن مفتن تواب وهو بعيد عن الإصرار والإكباب. # PageV01P206 # هذا ما أردت أن أذكره في ذم الفلسفة والتعليم وآفاتهما وآفات من أنكر ~~عليهما، لا بطريقه. # نسأل الله العظيم أن يجعلنا ممن آثره واجتباه، وأرشده إلى الحق وهداه، ~~وألهمه ذكره حتى لا ينساه، وعصمه عن شر نفسه حتى لم يؤثر عليه سواه، ~~واستخلصه لنفسه حتى لا يعبد إلا إياه. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله ~~وصحبه وسلم. PageV01P207 ms37