######OpenITI# #META# Lng: أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي #META# digitization_comments: [طبعة أخرى] #META# ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# iso: المستصفي للغزالي الرساله #META# higrid: 505 #META# bkid: 34180 #META# idx: 1 #META# ndata: المجلد ا71DF39DB التوفيق #META# auth: أبو حامد الغزالي #META# cat: أصول الفقه والقواعد الفقهية #META# archive: 21 #META# comp: 1 #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: المستصفى في علم الأصول ¶ المؤلف: أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي (المتوفى: 505 ه) ¶ المحقق: محمد بن سليمان الأشقر ¶ الناشر: مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان ¶ الطبعة: الأولى، 1417 ه/1997 م ¶ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] ¶ [طبعة أخرى] ¶ ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# authno: 619 #META# الكتاب: المستصفى في علم الأصول #META# authinf: الغزالي (450 - 505 ه = 1058 - 1111 م) ¶ محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي، أبو حامد، حجة الإسلام: ¶ • فيلسوف، متصوف، له نحو مئتي مصنف. ¶ • مولده ووفاته في الطابران (قصبة طوس، بخراسان) رحل إلى نيسابور ثم إلى بغداد فالحجاز فبلاد الشام فمصر، وعاد إلى بلدته. ¶ • نسبته إلى صناعة الغزل (عند من يقوله بتشديد الزاي) أو إلى غزالة، من قرى طوس (لمن قال بالتخفيف). ¶ من كتبه: ¶ • (إحياء علوم الدين - ط) أربع مجلدات ¶ • (تهافت الفلاسفة - ط) ¶ • (الاقتصاد في الاعتقاد - ط) ¶ • (محك النظر - ط) ¶ • (معارج القدس في أحوال النفس - خ) [ثم طبع] ¶ • (الفرق بين الصالح وغير الصالح - خ) ¶ • (مقاصد الفلاسفة - ط) ¶ • (المضنون به على غير أهله - ط) وفي نسبته إليه كلام ¶ • (الوقف والابتداء - خ) في التفسير ¶ • (البسيط - خ) في الفقه ¶ • (المعارف العقلية - خ) ¶ • (المنقذ من الضلال - ط) ¶ • (بداية الهداية - ط) ¶ • (جواهر القرآن - ط) ¶ • (فضائح الباطنية - ط) قسم منه، ويعرف بالمستظهري، وبفضائح المعتزلة. ¶ • (التبر المسبوك في نصيحة الملوك - ط) كتبه بالفارسية، وترجم إلى العربية ¶ • (الولدية - ط) رسالة أكثر فيها من قوله: أيها الولد ¶ • (منهاج العابدين - ط) قيل: هو آخر تآليفه ¶ • (إلجام العوام عن علم الكلام - ط) ¶ • (الطير - ط) رسالة ¶ • (الدرة الفاخرة في كشف علوم الآخرة - ط) ¶ • (شفاء العليل - خ) [ثم طبع] في أصول الفقه ¶ • (المستصفى من علم الأصول - ط) مجلدان ¶ • (المنخول من علم الأصول - خ) [ثم طبع] ¶ • (الوجيز - ط) في فروع الشافعية ¶ • (ياقوت التأويل في تفسير التنزيل) كبير، قيل: في نحو أربعين مجلدا ¶ • (أسرار الحج - ط) ¶ • (الإملاء عن إشكالات الإحياء - ط) ¶ • (فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة - ط) ¶ • (عقيدة أهل السنة - ط) ¶ • (ميزان العمل - ط) ¶ • (المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى - ط) ¶ • وله كتب بالفارسية. ¶ • ولطه عبد الباقي سرور كتاب (الغزالي - ط) في سيرته ¶ • ومثله ليوحنا قمير ¶ • ولجميل صليبا وكامل عياد، ولمحمد رضا ولزكي مبارك (الأخلاق عند الغزالي - ط) ¶ • ولأحمد فريد الرفاعي (الغزالي - ط) ¶ • ولمحمد رضا (أبو حامد الغزالي: حياته ومصنفاته - ط) ¶ • ولأبي بكر عبد الرازق (في صحبة الغزالي - ط) ¶ • ولسليمان دنيا (الحقيقة في نظر الغزالي - ط) ¶ • وللشيخ محمد الخضري رسالة في (ترجمته وتعاليمه وآرائه) نشرت في المجلد 34 من مجلة المقتطف. ¶ • وبالتركية (إمام غزالي - ط) في تاريخه وفلسفته، لرضاء الدين بن فخر الدين ¶ • ولحسن عبد اللطيف عزام الفيومي، رسالة في (ما للغزالي وما عليه - ط) ¶ نقلا عن: «الأعلام» للزركلي [بزيادات بين معكوفات] #META# bk: المستصفى للغزالي - الرسالة #META# الطبعة: الأولى، 1417 ه/1997 م #META# المؤلف: أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي (المتوفى: 505 ه) #META# max: 876 #META# bkord: 8362 #META# الناشر: مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان #META# ad: 505 #META# المحقق: محمد بن سليمان الأشقر #META# DownloadSource: Abū Yaʿqūb's Shamela database #META# DownloadDate: 2017? #META# ConversionDate: 2020-10-02 #META#Header#End# المجلد الأول ### | AUTO مقدمة # ... # المستصفى في علم الأصول # تأليف: أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي # صفحة الكتاب # نص المستصفى في علم الأصول # المستصفى في علم الأصول # الحمد لله القوي القادر الولي الناصر اللطيف القاهر المنتقم الغافر ~~الباطن الظاهر الأول الآخر الذي جعل العقل أرجح الكنوز والذخائر والعلم ~~أربح المكاسب والمتاجر وأشرف المعالي والمفاخر وأكرم المحامد والمآثر وأحمد ~~الموارد والمصادر فشرفت بإثباته الأقلام والمحابر وتزينت بسماعه المحاريب ~~والمنابر وتحلت برقومه الأوراق والدفاتر وتقدم بشرفه الأصاغر على الأكابر ~~واستضاءت ببهائه الأسرار والضمائر وتنورت بأنواره القلوب والبصائر واستحقر ~~في ضيائه ضياء الشمس الباهر على الفلك الدائر واستصغر في نوره الباطن ما ~~ظهر من نور الأحداق والنواظر حتى تغلغل بضيائه في أعماق المغمضات جنود ~~الخواطر وإن كلت عنها النواظر وكثفت عليها الحجب والسواتر # والصلاة على محمد رسوله ذي العنصر الطاهر والمجد المتظاهر والشرف ~~المتناصر والكرم المتقاطر المبعوث بشيرا للمؤمنين ونذيرا للكافرين وناسخا ~~بشرعه كل شرع غابر ودين داثر المؤيد بالقرآن المجيد الذي لا يمله سامع ولا ~~آثر ولا يدرك كنه جزالته ناظم ولا ناثر ولا يحيط بعجائبه وصف واصف ولا ذكر ~~ذاكر وكل بليغ دون ذوق فهم جليات أسراره قاصر وعلى آله وأصحابه وسلم كثيرا ~~كثرة ينقطع دونها عمر العاد الحاصر # أما بعد: PageV01P031 ### | AUTO * ### || AUTO مقدمة الكتاب(في المنظق) # ... # مقدمة الكتاب [في المنطق] # نذكر في هذه المقدمة مدارك العقول وانحصارها في الحد والبرهان ونذكر شرط ~~الحد الحقيقي وشرط البرهان الحقيقي وأقسامهما على منهاج أوجز مما ذكرناه في ~~كتاب محك النظر وكتاب معيار العلم # وليست هذه المقدمة من جملة علم الأصول ولا من مقدماته الخاصة به بل هي ~~مقدمة العلوم كلها ومن لا يحيط بها فلا ثقة له بعلومه أصلا فمن شاء أن لا ~~يكتب هذه المقدمة فليبدأ بالكتاب من القطب الأول فإن ذلك هو أول أصول الفقه ~~وحاجة جميع العلوم النظرية إلى هذه المقدمة لحاجة أصول الفقه. # بيان حصر مدارك العلوم النظرية في الحد والبرهان : # اعلم أن إدراك الأمور على ضربين: # الأو ل :إدراك ms001 الذوات المفردة كعلمك بمعنى الجسم والحركة والعالم والحادث ~~والقديم وسائر ما يدل عليه بالأسامي المفردة. # الثاني :إدراك نسبة هذه المفردات بعضها إلى بعض بالنفي أو الإثبات وهو أن ~~تعلم أولا معنى لفظ العالم وهو أمر مفرد ومعنى لفظ الحادث ومعنى لفظ القديم ~~وهما أيضا أمران مفردان ثم تنسب مفردا إلى مفرد PageV01P045 ~~بالنفي أو الإثبات كما تنسب القدم إلى العالم بالنفي فتقول ليس العالم ~~قديما وتنسب الحدوث إليه بالإثبات فتقول العالم حادث # والضرب الأخير هو الذي يتطرق إليه التصديق والتكذيب وأما الأول فيستحيل ~~فيه التصديق والتكذيب إذ لا يتطرق التصديق إلا إلى خبر # وأقل ما يتركب منه جزآن مفردان وصف وموصوف فإذا نسب الوصف إلى الموصوف ~~بنفي أو إثبات صدق أو كذب فأما قول القائل حادث أو جسم أو قديم فأفراد ليس ~~فيها صدق ولا كذب # ولا بأس أن يصطلح على التعبير عن هذين الضربين بعبارتين مختلفتين فإن حق ~~الأمور المختلفة أن تختلف ألفاظها الدالة عليها إذ الألفاظ مثل المعاني ~~فحقها أن تحاذى بها المعاني وقد سمى المنطقيون معرفة المفردات تصورا ومعرفة ~~النسبة الخبرية بينهما تصديقا فقالوا العلم إما تصور وإما تصديق وسمى بعض ~~علمائنا الأول معرفة والثاني علما تأسيا بقول النحاة في قولهم المعرفة ~~تتعدى إلى مفعول واحد إذ تقول عرفت زيدا والظن يتعدى إلى مفعولين إذ تقول ~~ظننت زيدا عالما ولا تقول ظننت زيدا ولا ظننت عالما والعلم من باب الظن ~~فتقول علمت زيدا عدلا والعادة في هذه الاصطلاحات مختلفة # وإذا فهمت افتراق الضربين فلا مشاحة في الألقاب # فنقول الآن إن الإدراكات صارت محصورة في المعرفة والعلم أو في التصور ~~والتصديق # وكل علم تطرق إليه تصديق فمن ضرورته أن يتقدم عليه معرفتان أي تصوران فإن ~~من لا يعرف المفرد كيف يعلم المركب؟ ومن لا يفهم معنى العالم ومعنى الحادث ~~كيف يعلم أن العالم حادث؟ # ومعرفة المفردات قسمان أولي وهو الذي لا يطلب بالبحث وهو الذي يرتسم ~~معناه في النفس من غير بحث وطلب كلفظ الوجود والشيء PageV01P046 ~~وككثير من المحسوسات ms002 ومطلوب وهو الذي يدل اسمه منه على أمر جملي غير مفصل ~~ولا مفسر فيطلب تفسيره بالحد # وكذلك العلم ينقسم إلى أول كالضروريات وإلى مطلوب كالنظريات # والمطلوب من المعرفة لا يقتنص إلا بالحد والمطلوب من العلم الذي يتطرق ~~إليه التصديق والتكذيب لا يقتنص إلا بالبرهان فالبرهان والحد هو الآلة التي ~~بها يقتنص سائر العلوم المطلوبة # فلتكن هذه المقدمة المرسومة لبيان مدارك العقول مشتملة على دعامتين دعامة ~~في الحد ودعامة في البرهان PageV01P047 ~~الدعامة الأولى في الحد # ويجب تقديمها لأن معرفة المفردات تتقدم على معرفة المركبات # وتشتمل على فنين: فن يجري مجرى القوانين وفن يجري مجرى الامتحانات لتلك ~~القوانين # الفن الأول في القوانين # وهي ستة: # القانون الأول : # أن الحد إنما يذكر جوابا عن سؤال في المحاورات ولا يكون الحد جوابا عن كل ~~سؤال بل عن بعضه والسؤال طلب وله لا محالة مطلوب وصيغة والصيغ والمطالب ~~كثيرة ولكن أمهات المطالب أربع # المطلب الأول ما يطلب بصيغة هل: # يطلب بهذه الصيغة أمران إما أصل الوجود كقولك هل الله تعالى موجود أو ~~يطلب حال الموجود ووصفه كقولك هل الله تعالى خالق البشر وهل الله تعالى ~~متكلم وآمر وناه؟ # المطلب الثاني ما يطلب بصيغة ما :ويطلق لطلب ثلاثة أمور: # الأول : أن يطلب به شرح اللفظ كما يقول من لا يدري العقار ما العقار ~~فيقال له الخمر إذا كان يعرف لفظ الخمر # الثاني: أن يطلب لفظ محرر جامع مانع يتميز به المسؤول عنه من غيره كيفما ~~كان الكلام سواء كان عبارة عن عوارض ذاته ولوازمه البعيدة عن حقيقة ذاته أو ~~حقيقة ذاته كما سيأتي الفرق بين الذاتي والعرضي كقول القائل ما PageV01P048 ~~الخمر؟ فيقال هو المائع الذي يقذف بالزبد ثم يستحيل إلى الحموضة ويحفظ في ~~الدن والمقصود أن لا يتعرض لحقيقة ذاته بل يجمع من عوارضه ولوازمه ما يساوي ~~بجملته الخمر بحيث لا يخرج منه خمر ولا يدخل فيه ما ليس بخمر # والثالث: أن يطلب به ماهية الشيء وحقيقة ذاته كمن يقول ما الخمر فيقال هو ~~شراب مسكر معتصر ms003 من العنب فيكون ذلك كاشفا عن حقيقته ثم يتبعه لا محالة ~~التمييز # واسم الحد في العادة قد يطلق على هذه الأوجه الثلاثة بالاشتراك فلنخترع ~~لكل واحد اسما ولنسم الأول حدا لفظيا إذ السائل لا يطلب به إلا شرح اللفظ ~~ولنسم الثاني حدا رسميا إذ هو مطلب مرتسم بالعلم غير متشوف إلى درك حقيقة ~~الشيء ولنسم الثالث حدا حقيقيا إذ مطلب الطالب منه درك حقيقة الشيء # وهذا الثالث شرطه أن يشتمل على جميع ذاتيات الشيء فإنه لو سئل عن حد ~~الحيوان فقيل جسم حساس فقد جيء بوصف ذاتي وهو كاف في الجمع والمنع ولكنه ~~ناقص بل حقه أن يضاف إليه المتحرك بالإرادة فإن كنه حقيقة الحيوان يدركه ~~العقل بمجموع أمرين فأما المرتسم الطالب للتمييز فيكتفي بالحساس وإن لم يقل ~~أنه جسم أيضا # المطلب الثالث : ما يطلب بصيغة لم وهو سؤال عن العلة وجوابه بالبرهان على ~~ما سيأتي حقيقته # المطلب الرابع ما يطلب بصيغة أي: وهو الذي يطلب به تمييز ما عرف جملته ~~عما اختلط به كما إذا قيل ما الشجر ؟فقيل إنه جسم فينبغي أن يقال أي جسم ؟ ~~هو فيقول نام # وأما مطلب كيف وأين ومتى وسائر صيغ السؤال فداخل في مطلب هل والمطلوب به ~~صفة الوجود # القانون الثاني : # إن الحاد ينبغي أن يكون بصيرا بالفرق بين الصفات الذاتية واللازمة PageV01P049 ~~والعرضية وذلك غامض فلا بد من بيانه فنقول: # المعنى إذا نسب إلى المعنى الذي يمكن وصفه به وجد بالإضافة إلى الموصوف ~~إما ذاتيا له ويسمى صفة نفس وإما لازما ويسمى تابعا وإما عارضا لا يبعد أن ~~ينفصل عنه في الوجود # ولا بد من إتقان هذه النسبة فإنها نافعة في الحد والبرهان جميعا . # أما الذاتي فإني أعني به كل داخل في ماهية الشيء وحقيقته دخولا لا يتصور ~~فهم المعنى دون فهمه وذلك كاللونية للسواد والجسمية للفرس والشجر فإن من ~~فهم الشجر فقد فهم جسما مخصوصا فتكون الجسمية داخلة في ذات الشجرية دخولا ~~به قوامها في الوجود والعقل لو قدر عدمها لبطل وجود ms004 الشجرية وكذا الفرس ولو ~~قدر خروجها عن الذهن لبطل فهم الشجر والفرس من الذهن وما يجري هذا المجرى ~~فلا بد من إدراجه في حد الشيء فمن يحد النبات يلزمه أن يقول جسم نام لا محالة. # وأما اللازم فما لا يفارق الذات البتة ولكن فهم الحقيقة والماهية غير ~~موقوف عليه كوقوع الظل لشخص الفرس والنبات والشجر عند طلوع الشمس فإن هذا ~~أمر لازم لا يتصور أن يفارق وجوده عند من يعبر عن مجاري العادات باللزوم ~~ويعتقده ولكنه من توابع الذات ولوازمه وليس بذاتي له وأعني به أن فهم ~~حقيقته غير موقوف على فهم ذلك له إذ الغافل عن وقوع الظل يفهم الفرس ~~والنبات بل يفهم الجسم الذي هو أعم منه وإن لم يخطر بباله ذلك وكذلك كون ~~الأرض مخلوقة وصف لازم للأرض لا يتصور مفارقته له ولكن فهم الأرض غير موقوف ~~على فهم كونها مخلوقة فقد يدرك حقيقة الأرض والسماء من لم يدرك بعد أنهما ~~مخلوقتان فإنا نعلم أولا حقيقة الجسم ثم نطلب بالبرهان كونه مخلوقا ولا ~~يمكننا أن نعلم الأرض والسماء ما لم نعلم الجسم # وأما العارض : فأعني به ما ليس من ضرورته أن يلازم بل يتصور مفارقته إما # سريعا كحمرة الخجل أو بطيئا كصفرة الذهب وزرقة العين وسواد الزنجي وربما ~~لا يزول في الوجود كزرقة العين ولكن يمكن رفعه في PageV01P050 ~~الشمس فإنه ملازم لا تتصور مفارقته # ومن مثارات الأغاليط الكثيرة التباس اللازم التابع بالذاتي فإنهما ~~مشتركان في استحالة المفارقة # واستقصاء ذلك في هذه المقدمة التي هي كالعلاوة على هذا العلم غير ممكن ~~وقد استقصيناه في كتاب معيار العلم # فإذا فهمت الفرق بين الذاتي واللازم فلا تورد في الحد الحقيقي إلا ~~الذاتيات وينبغي أن تورد جميع الذاتيات حتى يتصور بها كنه حقيقة الشيء ~~وماهيته وأعني بالماهية ما يصلح أن يقال في جواب ما هو؟ فإن القائل ما هو ~~يطلب حقيقة الشيء فلا يدخل في جوابه إلا الذاتي # والذاتي ينقسم إلى عام ويسمى جنسا وإلى خاص ويسمى نوعا فإن كان الذاتي ms005 ~~العام لا أعم منه سمي جنس الأجناس وإن كان الذاتي الخاص لا أخص منه سمي نوع ~~الأنواع وهو اصطلاح المنطقيين ولتصالحهم عليه فإنه لا ضرر فيه وهو ~~كالمستعمل أيضا في علومنا # ومثاله أنا إذا قلنا الجوهر ينقسم إلى جسم وغير جسم والجسم ينقسم إلى نام ~~وغير نام والنامي ينقسم إلى حيوان وغير حيوان والحيوان ينقسم إلى عاقل وهو ~~الإنسان وغير عاقل فالجوهر جنس الأجناس إذ لا أعم منه والإنسان نوع الأنواع ~~إذ لا أخص منه والنامي نوع بالإضافة إلى الجسم لأنه أخص منه وجنس بالإضافة ~~إلى الحيوان لأنه أعم منه وكذلك الحيوان بين النامي الأعم والإنسان الأخص # فإن قيل: كيف لا يكون شيء أعم من الجوهر وكونه موجودا أعم منه وكيف لا ~~يكون شيء أعم من الجوهر وكونه موجودا أعم منه وكيف لا يكون شيء أخص من ~~الإنسان وقولنا شيخ وصبي وطويل وقصير وكاتب وخياط أخص منه ؟ # قلنا لم نعن في هذا الاصطلاح بالجنس الأعم فقط بل عنينا الأعم الذي هو ~~ذاتي للشيء أي داخل في جواب ما هو بحيث لو بطل عن الذهن التصديق بثبوته بطل ~~المحدود وحقيقته عن الذهن وخرج عن كونه مفهوما PageV01P051 ~~للعقل وعلى هذا اصطلاح فالموجود لا يدخل في الماهية إذ بطلانه لا يوجب زوال ~~الماهية عن الذهن # بيانه إذا قال القائل: ما حد المثلث فقلنا شكل يحيط به ثلاثة أضلاع أو ~~قال ما حد المسبع فقلنا شكل يحيط به سبعة أضلاع فهم السائل حد المسبع وإن ~~لم يعلم أن المسبع موجود في العالم أصلا فبطلان العلم بوجوده لا يبطل عن ~~ذهنه فهم حقيقة المسبع ولو بطل عن ذهنه الشكل لبطل المسبع ولم يبق مفهوما عنده # وأما ما هو أخص من الإنسان من كونه طويلا أو قصيرا أو شيخا أو صبيا أو ~~كاتبا أو أبيض أو محترفا فشيء منه لا يدخل في الماهية إذ لا يتغير جواب ~~الماهية بتغيره فإذا قيل لنا ما هذا ؟فقلنا إنسان وكان صغيرا فكبر أو قصيرا ~~فطال فسئلنا مرة أخرى ما ms006 هو؟ لست أقول من هو لكان الجواب ذلك بعينه ولو ~~أشير إلى ما ينفصل من الأحليل عند الوقاع وقيل ما هو؟ لقلنا نطفة فإذا صار ~~جنينا ثم مولودا فقيل ما هو؟ تغير الجواب ولم يحسن أن يقال نطفة بل يقال ~~إنسان وكذلك الماء إذا سخن فقيل ما هو ؟قلنا ماء كما في حالة البرودة ولو ~~استحال بالنار بخارا ثم هواء ثم قيل ما هو؟ تغير الجواب # فإذا انقسمت الصفات إلى ما يتبدل الجواب عن الماهية بتبدلها وإلى ما لا ~~يتبدل فلنذكر في الحد الحقيقي ما يدخل في الماهية # وأما الحد اللفظي والرسمي فمؤنتهما خفيفة إذ طالبهما قانع بتبديل لفظ ~~العقار بالخمر وتبديل لفظ العلم بالمعرفة أو بما هو وصف عرضي جامع مانع ~~وإنما العويص المتعذر هو الحد الحقيقي وهو الكاشف عن ماهية الشيء لا غير # القانون الثالث : # أصل السؤال وتعريفه الصحيح: إن ما وقع السؤال عن ماهيته وأردت أن تحده ~~حدا حقيقيا فعليك فيه PageV01P052 ~~وظائف لا يكون الحد حقيقيا إلا بها فإن تركتها سميناه رسميا أو لفظيا ويخرج ~~عن كونه معربا عن حقيقة الشيء ومصورا لكنه معناه في النفس # [الوظيفة] الأولى : أن تجمع أجزاء الحد من الجنس والفصول فإذا قال لك ~~مشيرا إلى ما ينبت من الأرض ما هو فلا بد أن تقول جسم لكن لو اقتصرت عليه ~~لبطل عليك بالحجر فتحتاج إلى الزيادة فتقول نام فتحترز به عما لا ينمو فهذا ~~الاحتراز يسمى فصلا أي فصلت به المحدود عن غيره # الثانية أن تذكر جميع ذاتياته وإن كانت ألفا ولا تبالي بالتطويل لكن ~~ينبغي أن تقدم الأعم على الأخص فلا تقول نام جسم بل بالعكس وهذه لو تركتها ~~لتشوش النظم ولم تخرج الحقيقة عن كونها مذكورة مع اضطراب اللفظ فالإنكار ~~عليك في هذا أقل مما في الأول وهو أن تقتصر على الجسم # الثالثة إنك إذا وجدت الجنس القريب فلا تذكر البعيد معه فتكون مكررا تقول ~~مائع شراب أو تقتصر على البعيد فتكون مبعدا كما تقول في حد الخمر جسم مسكر ms007 ~~مأخوذ من العنب وإذا ذكرت هذا فقد ذكرت ما هو ذاتي ومطرد ومنعكس لكنه مختل ~~قاصر عن تصوير كنه حقيقة الخمر بل لو قلت مائع مسكر كان أقرب من الجسم وهو ~~أيضا ضعيف بل ينبغي أن تقول شراب مسكر فإنه الأقرب الأخص ولا تجد بعده جنسا ~~أخص منه # فإذا ذكرت الجنس فاطلب بعده الفصل إذ الشراب يتناول سائر الأشربة فاجتهد ~~أن تفصل بالذاتيات إلا إذا عسر عليك ذلك وهو كذلك عسير في أكثر الحدود ~~فاعدل بعد ذكر الجنس إلى اللوازم واجتهد أن يكون ما ذكرته من اللوازم ~~الظاهرة المعروفة فإن الخفي لا يعرف كما إذا قيل ما الأسد فقلت سبع أبخر ~~ليتميز بالبخر عن الكلب فإن البخر من خواص الأسد لنه خفي ولو قلت سبع شجاع ~~عريض الأعالي لكانت هذه اللوازم والأعراض أقرب إلى المقصود لأنها أجلى PageV01P053 ~~وأكثر مما ترى في الكتب من الحدود رسمية إذ الحقيقية عسرة جدا # وقد يسهل درك بعض الذاتيات ويعسر بعضها فإن درك جميع الذاتيات حتى لا يشذ ~~واحد منها عسر والتمييز بين الذاتي واللازم عسر ورعاية الترتيب حتى لا ~~يبتدأ بالأخص قبل الأعم عسر وطلب الجنس الأقرب عسر فإنك ربما تقول في الأسد ~~إنه حيوان شجاع ولا يحضرك لفظ السبع فتجمع أنواعا من العسر # وأحسن الرسميات ما وضع فيه الجنس الأقرب وتمم بالخواص المشهورة المعروفة # الرابعة أن تحترز من الألفاظ الغريبة الوحشية والمجازية البعيدة ~~والمشتركة المترددة واجتهد في الإيجاز ما قدرت وفي طلب اللفظ النص ما أمكنك ~~فإن أعوزك النص وافتقرت إلى الاستعارة فاطلب من الاستعارات ما هو أشد ~~مناسبة للغرض واذكر مرادك للسائل فما كل أمر معقول له عبارة صريحة موضوعة ~~للإنباء عنه ولو طول مطول واستعار مستعير أو أتى بلفظ مشترك وعرف مراده ~~بالتصريح أو عرف بالقرينة فلا ينبغي أن يستعظم صنيعه ويبالغ في # ذمه إن كان قد كشف عن الحقيقة بذكر جميع الذاتيات فإنه المقصود وهذه ~~المزايا تحسينات وتزيينات كالأبازير من الطعام المقصود وإنما المتحذلقون ~~يستعظمون مثل ذلك ويستنكرونه غاية الاستنكار ms008 لميل طباعهم القاصرة عن ~~المقصود الأصلي إلى الوسائل والرسوم والتوابع حتى ربما أنكروا قول القائل ~~في حد العلم إنه الثقة بالمعلوم أو إدراك المعلوم من حيث إن الثقة مترددة ~~بين الأمانة والفهم وهذا هوس لأن الثقة إذا قرنت بالمعلوم تعين فيها جهة ~~الفهم ومن قال حد اللون ما يدرك بحاسة العين على وجه كذا وكذا فلا ينبغي أن ~~ينكر من حيث إن لفظ العين مشترك بين الميزان والشمس والعضو الباصر لأن ~~قرينة الحاسة أذهبت عنه الاحتمال وحصل التفهيم الذي هو مطلوب السؤال واللفظ ~~غير مراد بعينه في الحد الحقيقي إلا عند المرتسم الذي يحوم حول العبارات ~~فيكون اعتراضه عليها PageV01P054 ~~وشغفه بها # القانون الرابع في طريق اقتناص الحد: # اعلم أن الحد لا يحصل بالبرهان لأنا إذا قلنا في حد الخمر أنه شراب مسكر ~~فقيل لنا لم لكان محالا أن يقام عليه برهان فإن لم يكن معنا خصم وكنا نطلبه ~~فكيف نطلبه بالبرهان وقولنا الخمر شراب مسكر دعوى هي قضية محكومها الخمر ~~وحكمها أنه شراب مسكر وهذه القضية إن كانت معلومة بلا وسط فلا حاجة إلى ~~البرهان وإن لم تعلم وافتقرت إلى وسط وهو معنى البرهان أعني طلب الوسط كان ~~صحة ذلك الوسط للمحكوم عليه وصحة الحكم للوسط كل واحد قضية واحدة فبماذا ~~تعرف صحتها فإن احتيج إلى وسط تداعى إلى غير نهاية وإن وقف في موضع بغير ~~وسط فبماذا تعرف في ذلك الموضع صحته فليتخذ ذلك طريقا في أول الأمر # مثاله لو قلنا في حد العلم إنه المعرفة فقيل لم فقلنا لأن كل علم فهو ~~اعتقاد مثلا وكل اعتقاد فهو معرفة فكل علم إذن معرفة لأن هذا طريق البرهان ~~على ما سيأتي فيقال ولم قلتم كل علم فهو اعتقاد ولم قلتم كل اعتقاد فهو ~~معرفة فيصير السؤال سؤالين وهكذا يتداعى إلى غير نهاية # بل الطريق أن النزاع إن كان مع خصم أن يقال عرفنا صحته باطراده وانعكاسه ~~فهو الذي يسلمه الخصم بالضرورة وأما كونه معربا عن تمام الحقيقة ربما ينازع ~~فيه ms009 ولا يقر به فإن منع اطراده وانعكاسه على أصل نفسه طالبناه بأن يذكر حد ~~نفسه وقابلنا أحد الحدين بالآخر وعرفنا ما فيه التفاوت من زيادة أو نقصان ~~وعرفنا الوصف الذي فيه يتفاوتان وجردنا النظر إلى ذلك الوصف وأبطلناه ~~بطريقة أو أثبتناه بطريقة # مثاله إذا قلنا المغصوب مضمون وولد المغصوب مغصوب فكان PageV01P055 ~~مضمونا فقالوا لا نسلم أن ولد المغصوب مغصوب قلنا حد الغصب إثبات اليد ~~العادية على مال الغير وقد وجد فربما منع كون اليد عادية وكونه إثباتا بل ~~نقول هذا ثبوت ولكن ليس ذلك من غرضنا بل ربما قال نسلم أن هذا موجود في ولد ~~المغصوب لكن لا نسلم أن هذا حد الغصب فهذا لا يمكن إقامة برهان عليه إلا ~~أنا نقول هو مطرد منعكس فما الحد عندك فلا بد من ذكره حتى ننظر إلى موضع ~~التفاوت فيقول بل حد الغصب إثبات اليد المبطلة المزيلة لليد المحقة فنقول ~~قد زدت وصفا وهو الإزالة فلننظر هل يمكننا أن نقدر على اعتراف الخصم بثبوت ~~الغصب مع عدم هذا الوصف فإن قدرنا عليه بان أن الزيادة عليه محذوفة وذلك ~~بأن نقول الغاصب من الغاصب # يضمن للمالك وقد أثبت اليد المبطلة ولم يزل المحقة فإنها كانت زائلة # فهذا طريق قطع النزاع مع المناظر # وأما الناظر مع نفسه إذا تحررت له حقيقة له حقيقة الشيء وتخلص له اللفظ ~~الدال على ما تحرر في مذهبه علم أنه واجد للحد فلا يعاند نفسه # القانون الخامس في حصر مداخل الخلل في الحدود # وهي ثلاثة :فإنه تارة يدخل من جهة الجنس وتارة من جهة الفصل وتارة من جهة ~~أمر مشترك بينهما. # أما الخلل من جهة الجنس :فأن يؤخذ الفصل بدله كما يقال في العشق إنه ~~إفراط المحبة وإنما ينبغي أن يقال إنه المحبة المفرطة فالإفراط يفصلها عن ~~سائر أنواع المحبة # ومن ذلك أن يؤخذ المحل بدل الجنس كقولك في الكرسي إنه خشب يجلس عليه وفي ~~السيف إنه حديد يقطع به بل ينبغي أن يقال للسيف إنه آلة صناعية من ms010 حديد ~~مستطيلة عرضها كذا ويقطع بها كذا فالآلة جنس والحديد محل الصورة لا جنس PageV01P056 ~~وأبعد منه أن يؤخذ بدل الجنس ما كان موجودا والآن ليس بموجود كقولك للرماد ~~إنه خشب محترق وللولد أنه نطفة مستحيلة فإن الحديد موجود في السيف في الحال ~~والنطفة والخشب غير موجودين في الولد والرماد # ومن ذلك أن يؤخذ الجزء بدل الجنس كما يقال في حد العشرة أنها خمسة وخمسة # ومن ذلك أن توضع القدرة موضع المقدور كما يقال حد العفيف هو الذي يقوى ~~على اجتناب اللذات الشهوانية وهو فاسد بل هو الذي يترك وإلا فالفاسق يقوى ~~على الترك ولا يترك # ومن ذلك أن يضع اللوازم التي ليست بذاتية بدل الجنس، كالواحد والموجود ~~إذا أخذته في حد الشمس أو الأرض مثلا . # ومن ذلك أن يضع النوع مكان الجنس كقولك الشر هو ظلم الناس والظلم نوع من الشر # وأما من جهة الفصل :فأن يأخذ اللوازم والعرضيات في الاحتراز بدل الذاتيات ~~وأن لا يورد جميع الفصول # وأما الأمور المشتركة : فمن ذلك أن يحد الشيء بما هو أخفى منه كقول ~~القائل حد الحادث ما به القدرة # ومن ذلك حد الشيء بما هو مساو له في الخفاء كقولك العلم ما يعلم به أو ما ~~يكون الذات به عالمة. # ومن ذلك أن يعرف الضد بالضد فيقول حد العلم ما ليس بظن ولا جهل وهكذا حتى ~~يحصر الأضداد وحد الزوج ما ليس بفرد ثم يمكنك أن تقول في حد الفرد ما ليس ~~بزوج فيدور الأمر ولا يحصل له بيان. PageV01P057 # ومن ذلك أن يأخذ المضاف في حد المضاف وهما متكافئان في الإضافة كقول القائل ~~حد الأب من له ابن ثم لا يعجز أن يقول حد الابن من له أب بل ينبغي أن يقول ~~الأب حيوان تولد من نطفته حيوان آخر هو من نوعه فهو أب من حيث هو كذلك ولا ~~يحيل على الابن فإنهما في الجهل والمعرفة يتلازمان. # ومن ذلك أن يأخذ المعلول في حد العلة مع أنه لا يحد المعلول إلا بأن ms011 تؤخذ ~~العلة في حده كما يقول في حد الشمس إنه كوكب يطلع نهارا فيقال وما حد ~~النهار فيلزمه أن يقول النهار زمان من طلوع الشمس إلى غروبها إن أراد الحد ~~الصحيح ولذلك نظائر لا يمكن إحصاؤها # القانون السادس: # في أن المعنى الذي لا تركيب فيه البتة لا يمكن حده إلا بطريق شرح اللفظ ~~أو بطريق الرسم وأما الحد الحقيقي فلا والمعنى المفرد مثل الموجود # فإذا قيل لك ما حد الموجود؟ فغايتك أن تقول هو الشيء أو الثابت فتكون قد ~~أبدلت اسما باسم مرادف له ربما يتساويان في التفهيم وربما يكون أحدهما أخفى ~~في موضع اللسان كمن يقول ما العقار؟فيقال الخمر وما الغضنفر؟ فيقال الأسد ~~وهذا أيضا إنما يحسن بشرط أن يكون المذكور في الجواب أشهر من المذكور في ~~السؤال ثم لا يكون إلا شرحا للفظ وإلا فمن يطلب تلخيص ذات الأسد فلا يتخلص ~~له ذلك في عقله إلا بأن يقول هو سبع من صفته كيت وكيت فأما تكرار الألفاظ ~~المترادفة فلا يغنيه ولو قلت # حد PageV01P058 ~~ذكرت شيئا من توابعه ولوازمه وكان حدك رسميا غير معرب عن الذات فلا يكون ~~حقيقيا فإذا الموجود لا حد له فإنه مبدأ كل شرح فكيف يشرح في نفسه؟ # وإنما قلنا المعنى المفرد ليس له الحد الحقيقي لأن معنى قول القائل ما حد ~~الشيء ؟قريب من معنى قوله ما حد هذه الدار؟ وللدار جهات متعددة إليها ينتهي ~~الحد فيكون تحديد الدار بذكر جهاتها المختلفة المتعددة التي الدار محصورة ~~مسورة بها فإذا قال ما حد السواد فكأنه يطلب به المعاني والحقائق التي ~~بائتلافها تتم حقيقة السواد؟ فإن السواد سواد ولون وموجود وعرض ومرئي ~~ومعلوم ومذكور واحد وكثير ومشرق وبراق وكدر وغير ذلك من الأوصاف وهذه ~~الأوصاف بعضها عارض يزول وبعضها لازم لا يزول ولكن ليست ذاتية ككونه معلوما ~~وواحدا وكثيرا وبعضها ذاتي لا يتصور فهم السواد دون فهمه ككونه لونا فطالب ~~الحد كأنه يقول إلى كم معنى تنتهي حدود حقيقة السواد لتجمع له تلك المعاني ~~المتعددة # ويتخلص ms012 بأي يبتدىء بالأعم ويختم بالأخص ولا يتعرض للعوارض وربما يطلب أن ~~لا يتعرض للوازم بل للذاتيات خاصة فإذا لم يكن المعنى مؤتلفا من ذاتيات ~~متعددة كالموجود فكيف يتصور تحديده فكان السؤال عنه كقول القائل ما حد ~~الكرة ويقدر العالم كله كرة فكيف يذكر حده على مثال حدود الدار إذ ليس له ~~حدود فإن حده عبارة عن منقطعه ومنقطعه سطحه الظاهر وهو سطح واحد متشابه ~~وليس سطوحا مختلفة ولا هو منته إلى مختلفة حتى يقال أحد حدوده ينتهي إلى ~~كذا والآخر إلى كذا # فهذا المثال المحسوس وإن كان بعيدا عن المقصود ربما يفهم مقصود هذا الكلام # ولا يفهم من قولي السواد مركب من معنى اللونية والسوادية واللونية جنس ~~والسوادية نوع أن في السواد ذوات متعددة متباينة متفاضلة فلا تقل إن السواد ~~لون وسواد بل لون ذلك اللون بعينه هو سواد ومعناه يتركب ويتعدد PageV01P059 ~~للعقل حتى يعقل اللونية مطلقا ولا يخطر له السواد مثلا ثم يعقل السواد ~~فيكون العقل قد عقل أمرا زائدا لا يمكنه جحد تفاصيله في الذهن ولكن لا يمكن ~~أن يعتقد تفاصيله في الوجود # ولا تظنن أن منكر الحال يقدر على حد شيء البتة والمتكلمون يسمون اللونية ~~حالا لأن منكر الحال إذا ذكر الجنس واقتصر بطل عليه الحد وإن زاد شيئا ~~للاحتراز فيقال له إن الزيادة عين الأول أو غيره؟ فإن كان عينه قلت بموجود ~~موجود والمترادفة كالمتكررة فهو إذا يبطل بالعرض وإن كان غيره حتى اندفع ~~النقض بقولك متحيز ولم يندفع بقولك موجود فهو غير بالمعنى لا باللفظ فوجب ~~الإعتراف بتغاير المعنى في العقل # والمقصود بيان أن المفرد لا يمكن أن يكون له حد حقيقي وإنما يحد بحد لفظي ~~كقولك في حد الموجود إنه الشيء أو رسمي كقولك في حد الموجود أنه المنقسم ~~إلى الخالق والمخلوق والقادر والمقدور أو الواحد والكثير أو القديم والحادث ~~أو الباقي والفاني أو ما شئت من لوازم الموجود وتوابعه وكل ذلك ليس ينبىء ~~عن ذات الموجود بل عن تابع لازم لا يفارقه البتة ms013 # واعلم أن المركب إذا حددته بذكر آحاد الذاتيات توجه السؤال عن حد الآحاد ~~فإذا قيل لك ما حد الشجر؟ فقلت نبات قائم على ساق فقيل لك ما حد النبات؟ ~~فتقول جسم نام فيقال ما حد الجسم؟ فتقول جوهر مؤلف أو الجوهر الطويل العريض ~~العميق فيقال وما حد الجوهر؟ وهكذا فإن كل مؤلف فيه مفردات فله حقيقة ~~وحقيقته أيضا تأتلف من مفردات PageV01P060 ~~ولا تظن أن هذا يتمادى إلى غير نهاية بل ينتهي إلى مفردات يعرفها العقل ~~والحس معرفة أولية لا تحتاج إلى طلب بصيغة الحد كما أن العلوم التصديقية ~~تطلب بالبرهان عليها وكل برهان ينتظم من مقدمتين ولا بد لكل مقدمة أيضا من ~~برهان يأتلف من مقدمتين وهكذا فيتمادى إلى أن ينتهي إلى أوليات فكما أن في ~~العلوم أوليات فكذلك في المعارف فطالب حدود الأوليات إنما يطلب شرح اللفظ ~~لا الحقيقة فإن الحقيقة تكون ثابتة في عقله بالفطرة الأولى كثبوت حقيقة ~~الوجود في العقل فإن طلب الحقيقة فهو معاند كمن يطلب البرهان على أن ~~الإثنين أكثر من الواحد # فهذا بيان ما أردنا ذكره من القوانين # الفن الثاني من دعامة الحد في الامتحانات للقوانين بحدود مفصلة # وقد أكثرنا أمثلتها في كتاب معيار العلم ومحك النظر # ونحن الآن مقتصرون على حد الحد وحد العلم وحد الواجب لأن هذا النمط من ~~الكلام دخيل في علم الأصول فلا يليق فيه الاستقصاء # الامتحان الأول :حد الحد اختلف الناس في حد الحد فمن قائل يقول حد الشيء ~~هو حقيقته وذاته ومن قائل يقول حد الشيء هو اللفظ المفسر لمعناه على وجه ~~يمنع ويجمع ومن قائل ثالث يقول هذه المسألة خلافية فينصر أحد الحدين على الآخر # فانظر كيف تخبط عقل هذا الثالث فلم يعلم أن الاختلاف إنما يتصور بعد ~~التوارد على شيء واحد وهذان قد تباعدا وتنافرا وما تواردا على شيء واحد ~~وإنما منشأ هذا الغلط الذهول عن معرفة الاسم المشترك على ما سنذكره فإن من ~~يحد العين بأنه العضو المدرك للألوان بالرؤية لم يخالف من حده بأنه ms014 الجوهر ~~المعدني الذي هو أشرف النقود بل حد هذا أمرا مباينا لحقيقة الأمر الآخر ~~وإنما اشتركا في اسم العين فافهم هذا فإنه قانون كثير النفع PageV01P061 ~~فإن قلت فما الصحيح عندك في حد الحد؟ # فاعلم أن كل من طلب المعاني من الألفاظ ضاع وهلك وكان كمن استدبر المغرب ~~وهو يطلبه ومن قرر المعاني أولا في عقله ثم أتبع المعاني الألفاظ فقد اهتدى # فلنقرر المعاني فنقول الشيء له في الوجود أربع مراتب # الأولى : حقيقته في نفسه # الثانية : ثبوت مثال حقيقته في الذهن وهو الذي يعبر عنه بالعلم # الثالثة تأليف صوت بحروف تدل عليه وهو العبارة الدالة على المثال الذي في النفس # الرابعة تأليف رقوم تدرك بحاسة البصر دالة على اللفظ وهو الكتابة ~~فالكتابة تبع للفظ إذ تدل عليه واللفظ تبع للعلم إذ يدل عليه والعلم تبع ~~للمعلوم إذ يطابقه ويوافقه # وهذه الأربعة متطابقة متوازية إلا أن الأولين وجودان حقيقيان لا يختلفان ~~بالأعصار والأمم والآخرين وهو اللفظ والكتابة يختلفان بالأعصار والأمم ~~لأنهما موضوعان بالاختيار ولكن الأوضاع وإن اختلفت صورها فهي متفقة في أنها ~~قصد بها مطابقة الحقيقة ومعلوم أن الحد مأخوذ من المنع وإنما استعير لهذه ~~المعاني لمشاركته في معنى المنع فانظر المنع أين تجده في هذه الأربعة ؟ # فإذا ابتدأت بالحقيقة لم تشك في أنها حاصرة للشيء مخصوصة به إذ حقيقة كل ~~شيء خاصيته التي له وليست لغيره فإذا الحقيقة جامعة مانعة # وإن نظرت إلى مثال الحقيقة في الذهن وهو العلم وجدته أيضا كذلك لأنه ~~مطابق للحقيقة المانعة والمطابقة توجب المشاركة في المنع PageV01P062 ~~وإن نظرت إلى العبارة عن العلم وجدتها أيضا حاصرة فإنها مطابقة للعلم ~~المطابق للحقيقة والمطابق للمطابق مطابق # وإن نظرت إلى الكتابة وجدتها مطابقة للفظ المطابق للعلم المطابق للحقيقة ~~فهي أيضا مطابقة # فقد وجدت المنع في الكل إلا أن العادة لم تجر بإطلاق الحد على الكتابة ~~التي هي الرابعة ولا على العلم الذي هو الثاني بل هو مشترك بين الحقيقة ~~وبين اللفظ وكل لفظ مشترك بين حقيقتين فلا بد أن يكون ms015 له حدان مختلفان كلفظ العين # فإذا عند الإطلاق على نفس الشيء يكون حد الحد أنه حقيقة الشيء وذاته وعند ~~الإطلاق الثاني يكون حد الحد أنه اللفظ الجامع المانع إلا أن الذين أطلقوه ~~على اللفظ أيضا اصطلاحهم مختلف كما ذكرناه في الحد اللفظي والرسمي والحقيقي ~~فحد الحد عند من يقنع بتكرير اللفظ كقولك الموجود هو الشيء والعلم هو ~~المعرفة والحركة هي النقلة هو تبديل اللفظ بما هو أوضح عند السائل على شرط ~~أن يجمع ويمنع # وأما حد الحد عند من يقنع بالرسميات فإنه اللفظ الشارح للشيء بتعديد ~~صفاته الذاتية أو اللازمة على وجه يميزه عن غيره تمييزا يطرد وينعكس # وأما حده عند من لا يطلق اسم الحد إلا على الحقيقي فهو إنه القول الدال ~~على تمام ماهية الشيء ولا يحتاج في هذا إلى ذكر الطرد والعكس لأن ذلك تبع ~~للماهية بالضرورة ولا يحتاج إلى التعرض للوازم والعوارض فإنها لا تدل على ~~الماهية بل لا يدل إلا على الماهية إلا الذاتيات # فقد عرفت أن اسم الحد مشترك في الاصطلاحات بين الحقيقة وشرح اللفظ والجمع ~~بالعوارض والدلالة على الماهية فهذه أربعة أمور مختلفة كما دل لفظ العين ~~على أمور مختلفة PageV01P063 ~~فتعلم صناعة الحد فإذا ذكر لك اسم وطلب منك حده فانظر فإن كان مشتركا فاطلب ~~عدة المعاني التي فيها الاشتراك فإن كانت ثلاثة فاطلب لها ثلاثة حدود فإن ~~الحقائق إذا اختلفت فلا بد من اختلاف الحدود # فإذا قيل :لك ما الإنسان؟ فلا تطمع في حد واحد فإن الإنسان مشترك بين ~~أمور إذ يطلق على إنسان العين وله حد وعلى الإنسان المعروف وله حد آخر وعلى ~~الإنسان المصنوع على الحائط المنقوش وله حد آخر وعلى الإنسان الميت وله حد ~~آخر فإن اليد المقطوعة والذكر المقطوع يسمى ذكرا وتسمى يدا ولكن بغير الوجه ~~الذي كانت تسمى به حين كانت غير مقطوعة فإنها كانت تسمى به من حيث أنها آلة ~~البطش وآلة الوقاع وبعد القطع تسمى به من حيث أن شكلها شكل آلة البطش حتى ~~لو ms016 بطل بالتقطيعات الكثيرة شكلها سلب هذا الاسم عنها ولو صنع شكلها من خشب ~~أو حجر أعطي الاسم # وكذلك إذا قيل ما حد العقل فلا تطمع في أن تحده بحد واحد فإنه هوس لأن ~~اسم العقل مشترك يطلق على عدة معان إذ يطلق على بعض العلوم الضرورية ويطلق ~~على الغريزة التي يتهيأ بها الإنسان لدرك العلوم النظرية ويطلق على العلوم ~~المستفادة من التجربة حتى أن من لم تحنكه التجارب بهذا الاعتبار لا يسمى ~~عاقلا ويطلق على من له وقار وهيبة وسكينة في جلوسه وكلامه وهو عبارة عن ~~الهدو فيقال فلان عاقل أي في هدو وقد يطلق على من جمع العمل إلى العلم حتى ~~أن المفسد وإن كان في غاية من الكياسة يمنع عن تسميته عاقلا فلا يقال ~~للحجاج عاقل بل داه ولا يقال للكافر عاقل وإن كان محيطا بجملة العلوم ~~الطبية والهندسية بل إما فاضل وإما داه وإما كيس # فإذا اختلفت الاصطلاحات فيجب بالضرورة أن تختلف الحدود فيقال في حد العقل ~~باعتبار أحد مسمياته إنه بعض العلوم الضرورية كجواز الجائزات واستحالة ~~المتسحيلات كما قاله القاضي أبو بكر الباقلاني رحمه الله PageV01P064 ~~وبالاعتبار الثاني أنه غريزة يتهيأ بها النظر في المعقولات وهكذا بقية ~~الاعتبارات # فإن قلت فنرى الناس يختلفون في الحدود وهذا الكلام يكاد يحيل الاختلاف في ~~الحد أترى أن المتنازعين فيه ليسوا عقلاء فاعلم أن الاختلاف في الحد يتصور ~~في موضعين: # أحدهما أن يكون اللفظ في كتاب الله تعالى أو سنة رسوله أو قول إمام من ~~الأئمة يقصد الاطلاع على مراده به فيكون ذلك اللفظ مشتركا فيقع النزاع في ~~مراده به فيكون قد وجد التوارد على مراد القائل والتباين بعد التوارد ~~فالخلاف تباين بعد التوارد وإلا فلا نزاع بين من يقول السماء قديمة وبين من ~~يقول الإنسان مجبور على الحركات إذ لا توارد فلو كان لفظ الحد في كتاب الله ~~تعالى أو في كتاب إمام لجاز أن يتنازع في مراده ويكون إيضاح ذلك من صناعة ~~التفسير لا من صناعة النظر العقلي # الثاني ms017 أن يقع الاختلاف في مسألة أخرى على وجه محقق ويكون المطلوب حده ~~أمرا ثانيا لا يتحد حده على المذهبين فيختلف كما يقول المعتزلي حد العلم ~~اعتقاد الشيء على ما هو به ونحن نخالف في ذكر الشيء فإن المعدوم عندنا ليس ~~بشيء وهو معلوم فالخلاف في مسألة أخرى يتعدى إلى هذا الحد # وكذلك يقول القائل: حد العقل بعض العلوم الضرورية على وجه كذا وكذا ~~ويخالف من يقول في حده إنه غريزة يتميز بها الإنسان عن الذئاب وسائر ~~الحيوانات من حيث إن القائل الأول ينكر تميز العين بغريزة عن العقب وتميز ~~الإنسان بغريزة عن الذئاب بها يتهيأ للنظر في العقليات لكن الله تعالى أجرى ~~العادة بخلق العلم في القلب دون العقب وفي الإنسان دون الذئاب وخلق البصر ~~في العين دون العقب لا لتميزه بغريزة استعد بسببها لقبوله فيكون منشأ ~~الاختلاف في الحد الاختلاف في إثبات هذه الغريزة أو نفيها # فهذه أمور وإن أوردناها في معرض الامتحان فقد أدرجنا فيها ما يجري PageV01P065 ~~على التحقيق مجرى القوانين # امتحان ثان :حد العلم اختلف في حد العلم فقيل إنه المعرفة وهو حد لفظي ~~وهو أضعف أنواع الحدود فإنه تكرير لفظ بذكر ما يرادفه كما يقال حد الأسد ~~الليث وحد العقار الخمر وحد الموجود الشيء وحد الحركة النقلة ولا يخرج عن ~~كونه لفظيا بأن يقال معرفة المعلوم على ما هو به لأنه في حكم تطويل وتكرير ~~إذ المعرفة لا تطلق إلا على ما هو كذلك فهو كقول القائل حد الموجود الشيء ~~الذي له ثبوت ووجود فإن هذا تطويل لا يخرجه عن كونه لفظيا ولست أمنع من ~~تسمية هذا حدا فإن لفظ الحد مباح في اللغة لمن استعاره لما يريده مما فيه ~~نوع من المنع هذا إذا كان الحد عنده عبارة عن لفظ مانع وإن كان عنده عبارة ~~عن قول شارح لماهية الشيء مصور كنه حقيقته في ذهن السائل فقد ظلم بإطلاق ~~هذا الاسم على قوله العلم هو المعرفة # وقيل أيضا أنه الذي يعلم به وأنه الذي تكون ms018 الذات به عالمة وهذا أبعد من ~~الأول فإنه مساو له في الخلو عن الشرح والدلالة على الماهية ولكن قد يتوهم ~~في الأول شرح اللفظ بأن يكون أحد اللفظين عند السائل أشهر من الآخر فيشرح ~~الأخفى بالأشهر أما العالم ويعلم فهما مشتقان من نفس العلم ومن أشكل عليه ~~المصدر كيف يتضح له بالمشتق منه والمشتق أخفى من المشتق منه وهو كقول ~~القائل في حد الفضة إنها التي تصاغ منها الأواني الفضية # وقد قيل في حد العلم إنه الوصف الذي يتأتى للمتصف به إتقان الفعل وأحكامه ~~وهذا ذكر لازم من لوازم العلم فيكون رسميا وهو أبعد مما قبله من حيث أنه ~~أخص من العلم فإنه لا يتناول إلا بعض العلوم ويخرج منه العلم بالله وصفاته ~~إذ ليس يتأتى به إتقان فعل وأحكامه ولكنه أقرب مما قبله بوجه فإنه ذكر لازم ~~قريب من الذات ليفيد شرحا وبيانا بخلاف قوله ما يعلم به وما تكون الذات به عالمة # فإن قلت فما حد العلم عندك؟ PageV01P066 # فاعلم أنه إسم مشترك قد يطلق على الإبصار والإحساس وله حد بحسبه ويطلق على ~~التخيل وله حد بحسبه ويطلق على الظن وله حد آخر ويطلق على علم الله تعالى ~~على وجه آخر أعلى وأشرف ولست أعني به شرفا بمجرد العموم فقط بل بالذات ~~والحقيقة لأنه معنى واحد محيط بجميع التفاصيل ولا تفاصيل ولا تعدد في ذاته ~~وقد يطلق على إدراك العقل وهو المقصود بالبيان وربما يعسر تحديده على الوجه ~~الحقيقي بعبارة محررة جامعة للجنس والفصل الذاتي فإنا بينا أن ذلك عسير في ~~أكثر الأشياء بل أكثر المدركات الحسية يتعسر تحديدها فلو أردنا أن نحد ~~رائحة المسك أو طعم العسل لم نقدر عليه وإذا عجزنا عن حد المدركات فنحن عن ~~تحديد الإدراكات أعجز # ولكنا نقدر على شرح معنى العلم بتقسيم ومثال # أما التقسيم فهو أن نميزه عما يلتبس به ولا يخفى وجه تميزه عن الإرادة ~~والقدرة وسائر صفات النفس وإنما يلتبس بالاعتقادات ولا يخفى أيضا وجه تميزه ~~عن الشك والظن لأن ms019 الجزم منتف عنهما والعلم عبارة عن أمر جزم لا تردد فيه ~~ولا تجويز ولا يخفى أيضا وجه تميزه عن الجهل فإنه متعلق بالمجهول على خلاف ~~ما هو به والعلم مطابق للمعلوم وربما يبقى ملتبسا باعتقاد المقلد الشيء على ~~ما هو به عن تلقف لا عن بصيرة وعن جزم لا عن تردد # ولأجله خفي على المعتزلة حتى قالوا في حد العلم إنه اعتقاد الشيء على ما ~~هو به وهو خطأ من وجهين أحدهما تخصيص الشيء مع أن العلم يتعلق بالمعدوم ~~الذي ليس شيئا عندنا والثاني إن هذا الاعتقاد حاصل للمقلد وليس بعالم قطعا ~~فإنه كما يتصور أن يعتقد الشيء جزما على خلاف ما هو به لا عن بصيرة كاعتقاد ~~اليهودي والمشرك فإنه تصميم جازم لا تردد فيه يتصور أن يعتقد الشيء بمجرد ~~التلقين والتلقف على ما هو به مع الجزم الذي لا يخطر بباله جواز غيره # فوجه تميز العلم عن الاعتقاد هو أن الاعتقاد معناه السبق إلى أحد معتقدي ~~الشاك مع الوقوف عليه من غير إخطار نقيضه بالبال ومن غير تمكين PageV01P067 ~~نقيضه من الحلول في النفس فإن الشاك يقول العالم حادث أم ليس بحادث ~~والمعتقد يقول حادث ويستمر عليه ولا يتسع صدره لتجويز القدم والجاهل يقول ~~قديم ويستمر عليه والاعتقاد وإن وافق المعتقد فهو جنس من الجهل في نفسه وإن ~~خالفه بالإضافة فإن معتقد كون زيد في الدار لو قدر استمراره عليه حتى خرج ~~زيد من الدار بقي اعتقاده كما كان لم يتغير في نفسه وإنما تغيرت إضافته ~~فإنه طابق المعتقد في حالة وخالفه في حالة وأما العلم فيستحيل تقدير بقائه ~~مع تغير المعلوم فإنه كشف وانشراح والاعتقاد عقدة على القلب والعلم عبارة ~~عن انحلال العقد فهما مختلفان ولذلك لو أصغى المعتقد إلى المشكك لوجد لنقيض ~~معتقده مجالا في نفسه والعالم لا يجد ذلك أصلا وإن أصغى إلى الشبه المشككة ~~ولكن إذا سمع شبهة فإما أن يعرف حلها وإن لم تساعده العبارة في الحال وإما ~~أن تساعده العبارة أيضا على حلها ms020 وعلى كل حال فلا يشك في بطلان الشبهة ~~بخلاف المقلد # وبعد هذا التقسيم والتمييز يكاد يكون العلم مرتسما في النفس بمعناه ~~وحقيقته من غير تكلف تحديد # وأما المثال: فهو أن إدراك البصيرة الباطنة تفهمه بالمقايسة بالبصر ~~الظاهر ولا معنى للبصر الظاهر إلا انطباع صورة المبصر في القوة الباصرة من ~~إنسان العين كما يتوهم انطباع الصور في المرآة مثلا فكما أن البصر يأخذ صور ~~المبصرات أي ينطبع فيها مثالها المطابق لها لا عينها فإن عين النار لا ~~تنطبع في العين بل مثال يطابق صورتها وكذلك يرى مثال النار في المرآة لا ~~عين النار فكذلك العقل على مثال مرآة تنطبع فيها صور المعقولات على ما هي ~~عليها وأعني بصور المعقولات حقائقها وماهياتها فالعلم عبارة عن أخذ العقل ~~صور المعقولات وهيآتها في نفسه وانطباعها فيه كما يظن من حيث الوهم انطباع ~~الصور في المرآة ففي المرآة ثلاثة أمور الحديد وصقالته والصورة المنطبعة ~~فيها فكذلك جوهر الآدمي كحديدة PageV01P068 ~~المرآة وعقله هيئة وغريزة في جوهره ونفسه بها يتهيأ للانطباع بالمعقولات ~~كما أن المرآة بصقالتها واستدارتها تتهيأ لمحاكاة الصور # فحصول الصور في مرآة العقل التي هي مثال الأشياء هو العلم والغريزة التي ~~بها يتهيأ لقبول هذه الصورة هي العقل والنفس التي هي حقيقة الآدمي المخصوصة ~~بهذه الغريزة المهيأة لقبول حقائق المعقولات كالمرآة # فالتقسيم الأول يقطع العلم عن مظنان الاشتباه وهذا المثال يفهمك حقيقة ~~العلم فحقائق المعقولات إذا انطبع بها النفس العاقلة تسمى علما وكما أن ~~السماء والأرض والأشجار والأنهار يتصور أن ترى في المرآة حتى كأنها موجودة ~~في المرآة وكأن المرآة حاوية لجميعها فكذلك الحضرة الإلهية بجملتها يتصور ~~أن تنطبع بها نفس الآدمي والحضرة الإلهية عبارة عن جملة الموجودات فكلها من ~~الحضرة الإلهية إذ ليس في الوجود إلا الله تعالى وأفعاله فإذا انطبعت بها ~~صارت كأنها كل العالم لإحاطتها به تصورا وانطباعا وعند ذلك ربما ظن من لا ~~يدري الحلول فيكون كمن ظن أن الصورة حالة في المرآة وهو غلط لأنها ليست في ~~المرآة ولكن كأنها ms021 في المرآة # فهذا ما نرى الاقتصار عليه في شرح حقيقة العلم في هذه المقدمة التي هي ~~علاوة على هذا العلم # امتحان ثالث: تعريف الواجب اختلفوا في حد الواجب # فقيل :الواجب ما تعلق به الإيجاب وهو فاسد كقولهم العلم ما يعلم به وقيل ~~ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه وقيل ما يجب بتركه العقاب وقيل ما لا ~~يجوز العزم على تركه وقيل ما يصير المكلف بتركه عاصيا وقيل ما يلام تاركه شرعا # وأكثر هذه الحدود تعرض للوازم والتوابع # وسبيلك إن أردت الوقوف على حقيقته أن تتوصل إليه بالتقسيم كما PageV01P069 ~~أرشدناك إليه في حد العلم # فاعلم أن الألفاظ في هذا الفن خمسة الواجب والمحظور والمندوب والمكروه ~~والمباح فدع الألفاظ جانبا ورد النظر إلى المعنى أولا فأنت تعلم أن الواجب ~~اسم مشترك إذ يطلقه المتكلم في مقابلة الممتنع ويقول وجود الله تعالى واجب ~~وقال الله تعالى { وجبت جنوبها } الحج 36 ويقال وجبت الشمس وله بكل معنى ~~عبارة والمطلوب الآن مراد الفقهاء وهذه الألفاظ لا شك أنها لا تطلق على ~~جوهر بل على عرض ولا على كل عرض بل من جملتها على الأفعال فقط ومن الأفعال ~~على أفعال المكلفين لا على أفعال البهائم فإذا نظرك إلى أقسام الفعل لا من ~~حيث كونه مقدورا وحادثا ومعلوما ومكتسبا ومخترعا وله بحسب كل نسبة انقسامات ~~إذ عوارض الأفعال ولوازمها كثيرة فلا نظر فيها ولكن إطلاق هذا الاسم عليها ~~من حيث نسبتها إلى خطار الشرع فقط # فنقسم الأفعال بالإضافة إلى خطاب الشرع فنعلم أن الأفعال تنقسم إلى ما لا ~~يتعلق به خطاب الشرع كفعل المجنون وإلى ما يتعلق به والذي يتعلق به ينقسم ~~إلى ما يتعلق به على وجه التخيير والتسوية بين الإقدام عليه وبين الإحجام ~~عنه ويسمى مباحا وإلى ما ترجح فعله على تركه وإلى ما ترجح تركه على فعله ~~والذي ترجح فعله على تركه ينقسم إلى ما أشعر بأنه لا عقاب على تركه ويسمى ~~مندوبا وإلى ما أشعر بأنه يعاقب على تركه ويسمى واجبا ثم ms022 ربما خص فريق اسم ~~الواجب بما أشعر بالعقوبة عليه ظنا وما أشعر به قطعا خصوه باسم الفرض ثم لا ~~مشاحة في الألفاظ بعد معرفة المعاني # وأما المرجح تركه فينقسم إلى ما أشعر بأنه لا عقاب على فعله ويسمى مكروها ~~وقد يكون منه ما أشعر بعقاب على فعله في الدنيا كقوله صلى الله عليه وسلم ~~"من نام بعد العصر فاختلس عقله فلا يلومن إلا نفسه" وإلى ما أشعر بعقاب في ~~الآخرة على فعله وهو المسمى محظورا وحراما ومعصية PageV01P070 ~~فإن قلت: فما معنى قولك أشعر؟ # فمعناه أنه عرف بدلالة من خطاب صريح أو قرينة أو معنى مستنبط أو فعل أو ~~إشارة فالإشعار يعم جميع المدارك # فإن قلت: فما معنى قولك عليه عقاب ؟ # قلنا معناه أنه أخبر أنه سبب العقاب في الآخرة. # فإن قلت: فما المراد بكونه سببا؟ # فالمراد به ما يفهم من قولنا الأكل سبب الشبع وحز الرقبة سبب الموت ~~والضرب سبب الألم والدواء سبب الشفاء # فإن قلت :فلو كان سببا لكان لا يتصور أن لا يعاقب وكم من تارك واجب يعفى ~~عنه ولا يعاقب ؟ # فأقول: ليس كذلك إذ لا يفهم من قولنا: الضرب سبب الألم والدواء سبب ~~الشفاء أن ذلك واجب في كل شخص أو في معين مشار إليه بل يجوز أن يعرض في ~~المحل أمر يدفع السبب ولا يدل ذلك على بطلان السببية فرب دواء لا ينفع ورب ~~ضرب لا يدرك المضروب ألمه لكونه مشغول النفس بشيء آخر كمن يجرح في حال ~~القتال وهو لا يحس في الحال به وكما أن العلة قد تستحكم فتدفع أثر الدواء ~~فكذلك قد يكون في سريرة الشخص وباطنه أخلاق رضية وخصال محمودة عند الله ~~تعالى مرضية توجب العفو عن جريمته ولا يوجب ذلك خروج الجريمة عن كونها سبب العقاب # فإن قال قائل هل يتصور أن يكون للشيء الواحد حدان ؟ # قلنا أما الحد اللفظي فيجوز أن يكون ألفا إذ ذلك بكثرة الأسامي الموضوعة ~~للشيء الواحد وأما الرسمي فيجوز أيضا أن يكثر لأن عوارض الشيء الواحد ms023 ~~ولوازمه قد تكثر وأما الحد الحقيقي فلا يتصور أن يكون إلا واحدا لأن ~~الذاتيات محصورة فإن لم يذكرها لم يكن حدا حقيقيا وإن ذكر مع الذاتيات ~~زيادة فالزيادة حشو فإذا هذا الحد لا يتعدد وإن جاز أن تختلف العبارات ~~المترادفة كما يقال في حد الحادث أنه الموجود بعد العدم أو: PageV01P071 # الكائن بعد أن لم يكن أو الموجود المسبوق بعدم أو الموجود عن عدم فهذه ~~العبارات لا تؤدي إلا معنى واحدا فإنها في حكم المترادفة # ولنقتصر في الامتحانات على هذا القدر فالتنبيه حاصل به إن شاء الله تعالى # الدعامة الثانية من مدارك العقول # في البرهان الذي به التوصل إلى العلوم التصديقية المطلوبة بالبحث والنظر # وهذه الدعامة تشتمل على ثلاثة فنون سوابق ولواحق ومقاصد # الفن الأول في السوابق # ويشتمل على تمهيد كلي وثلاثة فصول: # التمهيد # اعلم أن البرهان عبارة عن أقاويل مخصوصة ألفت تأليفا مخصوصا بشرط مخصوص ~~يلزم منه رأي هو مطلوب الناظر بالنظر # وهذه الأقاويل إذا وضعت في البرهان لاقتباس المطلوب منها سميت مقدمات # والخلل في البرهان تارة يدخل من جهة نفس المقدمات إذ قد تكون خالية عن ~~شروطها وأخرى من كيفية الترتيب والنظم وإن كانت المقدمات صحيحة يقينية ومرة ~~منها جميعا # ومثاله من المحسوسات :البيت المبني فإنه أمر مركب تارة يختل بسبب في هيئة ~~التأليف بأن تكون الحيطان معوجة والسقف منخفضا إلى موضع قريب من الأرض ~~فيكون فاسدا من حيث الصورة وإن كانت الأحجار والجذوع وسائر الآلات صحيحة ~~وتارة يكون البيت صحيح الصورة في تربيعها ووضع PageV01P072 ~~حيطانها وسقفها ولكن يكون الخلل من رخاوة في الجذوع وتشعب في اللبنات # هذا حكم البرهان والحد وكل أمر مركب # فإن الخلل إما أن يكون في هيئة تركيبه وإما أن يكون في الأصل الذي يرد ~~عليه التركيب كالثوب في القميص والخشب في الكرسي واللبن في الحائط والجذوع ~~في السقف وكما أن من يريد بناء بيت بعيد عن الخلل يفتقر إلى أن يعد الآلات ~~المفردة أولا كالجذوع واللبن والطين ثم إن أراد اللبن افتقر إلى إعداد ms024 ~~مفرداته وهو التبن والتراب والماء والقالب الذي فيه يضرب فيبتدىء أولا ~~بالأجزاء المفردة فيركبها ثم يركب المركب وهكذا إلى آخر العمل # وكذلك طالب البرهان ينبغي أن ينظر في نظمه وصورته وفي المقدمات التي فيها ~~النظم والترتيب # وأقل ما ينتظم منه برهان مقدمتان أعني علمين يتطرق إليهما التصديق ~~والتكذيب # وأقل ما تحصل منه مقدمة معرفتان توضع إحداهما مخبرا عنها والأخرى خبرا ووصفا # فقد انقسم البرهان إلى مقدمتين وانقسمت كل مقدمة إلى معرفتين تنسب ~~إحداهما إلى الأخرى وكل مفرد فهو معنى ويدل عليه لا محالة بلفظ # فيجب ضرورة أن ننظر في المعاني المفردة وأقسامها ثم في الألفاظ المفردة ~~ووجوه دلالتها ثم إذا فهمنا اللفظ مفردا والمعنى مفردا ألفنا معنيين ~~وجعلناهما مقدمة وننظر في حكم المقدمة وشروطها ثم نجمع مقدمتين ونصوغ منهما ~~برهانا وننظر في كيفية الصياغة الصحيحة # وكل من أراد أن يعرف البرهان بغير هذا الطريق فقد طمع في المحال وكان كمن ~~طمع في أن يكون كاتبا يكتب الخطوط المنظومة وهو لا يحسن كتابة الكلمات أو ~~يكتب الكلمات وهو لا يحسن كتابة الحروف المفردة وهكذا القول في كل مركب فإن ~~أجزاء المركب تقدم على المركب بالضرورة حى لا يوصف القادر الأكبر بالقدرة ~~على خلق العلم بالمركب دون الآحاد إذ لا PageV01P073 ~~يوصف بالقدرة على تعليم الخطوط المنظومة دون تعليم الكلمات # فلهذه الضرورة اشتملت دعامة البرهان على فن في السوابق وفن في المقاصد ~~وفن في اللواحق # الفن الأول في السوابق وفيه ثلاثة فصول # الفصل الأول في دلالة الألفاظ على المعاني # ويتضح المقصود منه بتقسمات # التقسيم الأول: إن دلالة اللفظ على المعنى تنحصر في ثلاثة أوجه وهي ~~المطابقة والتضمن والإلتزام فإن لفظ البيت يدل على معنى البيت بطريق ~~المطابقة ويدل على السقف وحده بطريق التضمن لأن البيت يتضمن السقف لأن ~~البيت عبارة عن السقف والحيطان وكما يدل لفظ الفرس على الجسم إذ لا فرس إلا ~~وهو جسم # وأما طريق الالتزام فهو كدلالة لفظ السقف على الحائط فإنه غير موضوع ~~للحائط وضع لفظ الحائط للحائط حتى ms025 يكون مطابقا ولا هو متضمن إذ ليس الحائط ~~جزءا من السقف كما كان السقف جزءا من نفس البيت وكما كان الحائط جزءا من ~~نفس البيت لكنه كالرفيق الملازم الخارج عن ذات السقف الذي لا ينفك السقف عنه # وإياك أن تستعمل في نظر العقل من الألفاظ ما يدل بطريق الإلتزام لكن ~~اقتصر على ما يدل بطريق المطابقة والتضمن لأن الدلالة بطريق الالتزام لا ~~تنحصر في حد إذ السقف يلزم الحائط والحائط الأس والأس الأرض وذلك لا ينحصر # التقسيم الثاني : إن الألفاظ بالإضافة إلى خصوص المعنى وشموله تنقسم PageV01P074 ~~إلى لفظ يدل على عين واحدة ونسميه معينا كقولك زيد وهذه الشجرة وهذا الفرس ~~وهذا السواد وإلى ما يدل على أشياء كثيرة تتفق في معنى واحد ونسميه مطلقا # والأول حده: اللفظ الذي لا يمكن أن يكون مفهومه إلا ذلك الواحد بعينه فلو ~~قصدت اشتراك غيره فيه منع نفس مفهوم اللفظ منه # وأما المطلق: فهو الذي لا يمنع نفس مفهومه من وقوع الاشتراك في معناه ~~كقولك السواد والحركة والفرس والإنسان وبالجملة الإسم المفرد في لغة العرب ~~إذا أدخل عليه الألف واللام للعموم # فإن قلت: وكيف يستقيم هذا وقولك الإله والشمس والأرض لا يدل إلا على شيء ~~واحد مفرد مع دخول الألف واللام؟ # فاعلم أن هذا غلط فإن امتناع الشركة ها هنا ليس لنفس مفهوم اللفظ بل الذي ~~وضع اللغة لو جوز في الإله عددا لكان يرى هذا اللفظ عاما في الآلهة كلها ~~فإن امتنع الشمول لم يكن لوضع اللفظ بل لاستحالة وجود إله ثان فلم يكن ~~امتناع الشركة لمفهوم اللفظ والمانع في الشمس أن الشمس في الوجود واحدة فلو ~~فرضنا عوالم في كل واحد شمس وأرض كان قولنا الشمس والأرض شاملا للكل فتأمل ~~هذا فإنه مزلة قدم في جملة من الأمور النظرية فإن من لا يفرق بين قوله ~~السواد وبين قوله هذا السواد وبين قوله الشمس وبين قوله هذه الشمس عظم سهوه ~~في النظريات من حيث لا يدري # التقسيم الثالث : إن الألفاظ المتعددة بالإضافة إلى ms026 المسميات المتعددة ~~على أربعة منازل ولنخترع لها أربعة ألفاظ وهي المترادفة والمتباينة ~~والمتواطئة والمشتركة # أما المترادفة فنعني بها الألفاظ المختلفة والصيغ المتواردة على مسمى ~~واحد كالخمر والعقار والليث والأسد والسهم والنشاب وبالجملة كل اسمين لمسمى ~~واحد يتناوله أحدهما من حيث يتناوله الآخر من غير فرق PageV01P075 ~~وأما المتباينة فنعني بها الأسامي المختلفة للمعاني المختلفة كالسواد ~~والقدرة والأسد والمفتاح والسماء والأرض وسائر الأسامي وهي الأكثر # وأما المتواطئة فهي التي تنطلق على أشياء متغايرة بالعدد ولكنها متفقة ~~بالمعنى الذي وضع الإسم عليها كاسم الرجل فإنه ينطلق على زيد وعمرو وبكر ~~وخالد واسم الجسم ينطلق على السماء والأرض والإنسان لاشتراك هذه الأعيان في ~~معنى الجسمية التي وضع الاسم بإزائها # وكل اسم مطلق ليس بمعين كما سبق فإنه ينطلق على آحاد مسمياته الكثيرة ~~بطريق التواطؤ كاسم اللون للسواد والبياض والحمرة فإنها متفقة في المعنى ~~الذي به سمي اللون لونا وليس بطريق الاشتراك البتة # وأما المشتركة: فهي الأسامي التي تنطلق على مسميات مختلفة لا تشترك في ~~الحد والحقيقة البتة كاسم العين للعضو الباصر وللميزان وللموضع الذي يتفجر ~~منه الماء وهي العين الفوارة وللذهب وللشمس وكاسم المشتري لقابل عقد البيع ~~وللكوكب المعروف # ولقد ثار من ارتباك المشتركة بالمتواطئة غلط كثير في العقليات حتى ظن من ~~ضعفاء العقول أن السواد لا يشارك البياض في اللونية إلا من حيث الاسم وإن ~~ذلك كمشاركة الذهب للمحدقة الباصرة في اسم العين وكمشاركة قابل عقد البيع ~~للكوكب في المشتري وبالجملة الاهتمام بتمييز المشتركة عن المتواطئة مهم ~~فلنرد له شرحا فنقول: # الاسم المشترك قد يدل على المختلفين كما ذكرناه وقد يدل على المتضادين ~~كالجلل للحقير والخطير والناهل للعطشان والريان والجون للسواد والبياض ~~والقرء للطهر والحيض PageV01P076 ~~واعلم أن المشترك قد يكون مشكلا قريب الشبه من المتواطىء ويعسر على الذهن ~~وإن كان في غاية الصفاء الفرق ولنسم ذلك متشابها وذلك مثل اسم النور الواقع ~~على الضوء المبصر من الشمس والنار والواقع على العقل الذي به يهتدى في ~~الغوامض فلا مشاركة بين حقيقة ذات العقل والضوء ms027 إلا كمشاركة السماء للإنسان ~~في كونها جسما إذ الجسمية فيهما لا تختلف البتة مع أنه ذاتي لهما ويقرب من ~~لفظ النور لفظ الحي على النبات والحيوان فإنه بالاشتراك المحض إذ يراد به ~~من بعض النبات المعنى الذي به نماؤه ومن الحيوان المعنى الذي به يحس ويتحرك ~~بالإرادة وإطلاقه على الباري تعالى إذا تأملت عرفت أنه لمعنى ثالث يخالف ~~الأمرين جميعا # ومن أمثال هذه تتابع الأغاليط: # مغلطة أخرى: قد تلتبس المترادفة بالمتباينة وذلك إذا أطلقت أسام مختلفة ~~على شيء واحد باعتبارات مختلفة ربما ظن أنها مترادفة كالسيف والمهند ~~والصارم فإن المهند يدل على السيف مع زيادة نسبة إلى الهند فخالف إذا ~~مفهومه مفهوم السيف والصارم يدل على السيف مع صفة الحدة والقطع لا كالأسد والليث # وهذا كما أنا في اصطلاحاتنا النظرية نحتاج إلى تبديل الأسامي على شيء ~~واحد عند تبدل اعتباراته كما أنا نسمي العلم التصديقي الذي هو نسبة بين ~~مفردين دعوى إذا تحدى به المتحدي ولم يكن عليه برهان إن كان في مقابلة خصم ~~وإن لم يكن في مقابلة خصم سميناه قضية كأنه قضى فيه PageV01P077 ~~على شيء بشيء فإن خاض في ترتيب قياس الدليل عليه سميناه مطلوبا فإن دل ~~بقياسه على صحته سميناه نتيجة فإن استعمله دليلا في طلب أمر آخر ورتبه في ~~أجزاء القياس سميناه مقدمة وهذا ونظائره مما يكثر # مثال الغلط في المشترك: قول الشافعي رحمه الله تعالى في مسألة المكره على ~~القتل يلزمه القصاص لأنه مختار ويقول الحنفي لا يلزمه القصاص لأنه مكره ~~وليس بمختار # ويكاد الذهن لا ينبو عن التصديق بالأمرين وأنت تعلم أن التصديق بالضدين ~~محال وترى الفقهاء يتعثرون فيه ولا يهتدون إلى حله وإنما ذلك لأن لفظ ~~المختار مشترك إذ قد يجعل لفظ المختار مراد فاللفظ القادر ومساويا له إذ ~~قوبل بالذي لا قدرة له على الحركة الموجودة كالمحمول فيقال هذا عاجز محمول ~~وهذا قادر مختار ويراد بالمختار القادر الذي يقدر على الفعل وتركه وهو صادق ~~على المكره وقد يعبر بالمختار عمن تخلى في ms028 استعمال قدرته ودواعي ذاته بلا ~~تحرك دواعيه من خارج وهذا يكذب على المكره ونقيضه وهو أنه ليس بمختار يصدق ~~عليه فإذا صدق عليه أنه مختار وأنه ليس بمختار ولكن بشرط أن يكون مفهوم ~~المختار المنفي غير مفهوم المختار المثبت # ولهذا نظائر في النظريات لا تحصى تاهت فيها عقول الضعفاء فليستدل بهذا ~~القليل على الكثير # الفصل الثاني: من الفن الأول النظر في المعاني المفردة # ويظهر الغرض من ذلك بتقسيمات ثلاثة : PageV01P078 # الأول أن المعنى إذا وصف بالمعنى ونسب إليه وجد إما ذاتيا وإما عرضيا وإما ~~لازما وقد فصلناه # والثاني :أنه إذا نسب إليه وجد إما أعم كالوجود بالإضافة إلى الجسمية ~~وإما أخص كالجسمية بالإضافة إلى الوجود وإما مساويا كالمتحيز بالإضافة إلى ~~الجوهر عند قوم وإلى الجسم عند قوم الثالث: إن المعاني باعتبار أسبابها ~~المدركة لها ثلاثة محسوسة ومتخيلة ومعقولة # ولنصطلح على تسمية سبب الإدراك قوة # فنقول في حدقتك معنى به تميزت الحدقة عن الجبهة حتى صرت تبصر بها وإذا ~~بطل ذلك المعنى # بطل الإبصار والحالة التي تدركها عند الإبصار شرطها وجود المبصر فلو ~~انعدم المبصر انعدم الإبصار وتبقى صورته في دماغك كأنك تنظر إليها وهذه ~~الصورة لا تفتقر إلى وجود المتخيل بل عدمه وغيبته لا تنفي الحالة المسماة ~~تخيلا وتنفي الحالة التي تسمى إبصارا ولما كنت تحس بالمتخيل في دماغك لا في ~~فخذك وبطنك فاعلم أن في الدماغ غريزة وصفة بها يتهيأ للتخيل وبها باين ~~البطن والفخذ كما باين العين الجبهة والعقب في الأبصار بمعنى اختص به لا محالة # والصبي في أول نشئه تقوى فيه قوة الإبصار لا قوة التخيل فلذلك إذا ولع ~~بشيء فغيبته عنه وأشغلته بغيره اشتغل به ولها عنه # وربما يحدث في الدماغ مرض يفسد القوة الحافظة للتخيل ولا يفسد الأبصار ~~فيرى الأشياء ولكنه كما تغيب عنه ينساها # وهذه القوة تشارك البهيمة فيها الإنسان ولذلك مهما رأى الفرس الشعير PageV01P079 ~~تذكر صورته التي كانت له في دماغه فعرف أنه موافق له وأنه مستلذ لديه فبادر ~~إليه فلو كانت الصورة لا ms029 تثبت في خياله لكانت رؤيته لها ثانيا كرؤيته لها ~~أولا حتى لا يبادر إليه ما لم يجربه بالذوق مرة أخرى # ثم فيك قوة ثالثة شريفة يباين الإنسان بها البهيمة تسمى عقلا محلها إما ~~دماغك وإما قلبك وعند من يرى النفس جوهرا قائما بذاته غير متحيز محلها ~~النفس وقوة العقل تباين قوة التخيل مباينة أشد من مباينة التخيل للإبصار إذ ~~ليس بين قوة الإبصار وقوة التخيل فرق إلا أن وجود المبصر شرط لبقاء الأبصار ~~وليس شرطا لبقاء التخيل وإلا فصورة الفرس تدخل في الإبصار مع قدر مخصوص ~~ولون مخصوص وبعد منك مخصوص ويبقى في التخيل ذلك البعد وذلك القدر واللون ~~وذلك الوضع والشكل حتى كأنك تنظر إليه # ولعمري فيك قوة رابعة تسمى المفكرة شأنها أن تقدر على تفصيل الصور التي ~~في الخيال وتقطيعها وتركيبها وليس لها إدراك شيء آخر ولكن إذا حضر في ~~الخيال صورة إنسان قدر على أن يجعلها نصفين فيصور نصف إنسان وربما ركب شخصا ~~نصفه من إنسان ونصفه من فرس وربما تصور إنسانا يطير إذ ثبت في الخيال صورة ~~الإنسان وحده وصورة الطير وحده وهذه القوة تجمع بينهما كما تفرق بين نصفي ~~الإنسان وليس في وسعها البتة اختراع صورة لا مثال لها في الخيال بل كل ~~تصوراتها بالتفريق والتأليف في الصور الحاصلة في الخيال # والمقصود أن مباينة إدراك العقل لإدراك التخيل أشد من مباينة التخيل ~~للإبصار إذ ليس للتخيل أن يدرك المعاني المجردة العارية عن القرائن الغريبة ~~التي ليست داخلة في ذاتها أعني التي ليست ذاتية كما سبق فإنك لا تقدر على ~~تخيل السواد إلا في مقدار مخصوص من الجسم ومعه شكل مخصوص ووضع مخصوص منك ~~بقرب أو بعد ومعلوم أن الشكل غير اللون والقدر غير الشكل فإن المثلث له شكل ~~واحد صغيرا كان أو كبيرا وإنما إدراك هذه المفردات المجردة بقوة أخرى ~~اصطلحنا على تسميتها عقلا فيدرك السواد PageV01P080 ~~ويقضي بقضايا ويدرك اللونية مجردة ويدرك الحيوانية والجسمية مجردة وحيث ~~يدرك الحيوانية قد لا يحضره الإلتفات إلى العاقل وغير ms030 العاقل وإن كان ~~الحيوان لا يخلو عن القسمين وحيث يستمر في نظره قاضيا على الألوان بقضية قد ~~لا يحضر معنى السوادية والبياضية وغيرهما وهذه من عجيب خواصها وبديع ~~أفعالها فإذا رأى فرسا واحدا أدرك الفرس المطلق الذي يشترك فيه الصغير ~~والكبير والأشهب والكميت والبعيد منه في المكان والقريب بل يدرك الفرسية ~~المجردة المطلقة متنزهة عن كل قرينة ليست ذاتية لها فإن القدر المخصوص ~~واللون المخصوص ليس للفرس ذاتيا بل عارضا أو لازما في الوجود إذ مختلفات ~~اللون والقدر تشترك في حقيقة الفرسية # وهذه المطلقات المجردة الشاملة لأمور مختلفة هي التي يعبر عنها المتكلمون ~~بالأحوال والوجوه والأحكام ويعبر عنها المنطقيون بالقضايا الكلية المجردة ~~ويزعمون أنها موجودة في الأذهان لا في الأعيان وتارة يعبرون عنها بأنها غير ~~موجودة من خارج بل من داخل يعنون خارج الذهن وداخله ويقول أرباب الأحوال ~~إنها أمور ثابتة تارة يقولون إنها موجودة معلومة وتارة يقولون لا موجودة ~~ولا معلومة ولا مجهولة وقد دارت فيه رؤوسهم وحارت عقولهم والعجب أنه أول ~~منزل ينفصل فيه المعقول عن المحسوس إذ من هاهنا يأخذ العقل الإنساني في ~~التصرف وما كان قبله كان يشارك التخيل البهيمي فيه التخيل الإنساني ومن ~~تحير في أول منزل من منازل العقل كيف يرجى فلاحه في تصرفاته؟! # الفصل الثالث من السوابق: في أحكام المعاني المؤلفة # قد نظرنا في مجرد اللفظ ثم في مجرد المعنى فننظر الآن في تأليف المعنى ~~على وجه يتطرق إليه التصديق والتكذيب كقولنا مثلا العالم حادث والباري PageV01P081 ~~تعالى قديم فإن هذا يرجع إلى تأليف القوة المفكرة بين معرفتين لذاتين ~~مفردتين بنسبة إحداهما إلى الأخرى إما بالإثبات كقولك العالم حادث أو ~~بالسلب كقولك العالم ليس بقديم وقد التأم هذا من جزأين يسمي النحويون ~~أحدهما مبتدأ والآخر خبرا ويسمي المتكلمون أحدهما وصفا والآخر موصوفا ويسمي ~~المنطقيون أحدهما موضوعا والآخر محمولا ويسمي الفقهاء أحدهما حكما والآخر ~~محكوما عليه ويسمي المجموع قضية # وأحكام القضايا كثيرة ونحن نذكر منها ما تكثر الحاجة إليه وتضر الغفلة ~~عنه وهو حكمان # الأول: ms031 إن القضية تنقسم بالإضافة إلى المقضى عليه إلى التعيين والإهمال ~~والعموم والخصوص فهي أربع # الأولى : قضية في عين كقولنا زيد كاتب وهذا السواد عرض # الثانية :قضية مطلقة خاصة كقولنا بعض الناس عالم وبعض الأجسام ساكن # الثالثة : قضية مطلقة عامة كقولنا كل جسم متحيز وكل سواد لون # الرابعة :قضية مهملة كقولنا الإنسان في خسر # وعلة هذه القسمة أن المحكوم عليه إما أن يكون عينا مشارا إليه أو لا يكون ~~عينا فإن لم يكن عينا فإما أن يحصر بسور يبين مقداره بكليته فتكون مطلقة ~~عامة أو بجزئيته فتكون خاصة أو لا يحصر بسور فتكون مهملة والسور هو قولك كل ~~وبعض وما يقوم مقامهما # ومن طرق المغالطين في النظر استعمال المهملات بدل القضايا العامة فإن ~~المهملات قد يراد بها الخصوص والعموم فيصدق طرفا النقيض كقولك الإنسان في ~~خسر تعني الكافر الإنسان ليس في خسر تعني الأنبياء ولا PageV01P082 ~~ينبغي أن يسامح بهذا في النظريات مثاله أن يقول الشفعوي مثلا معلوم أن ~~المطعوم ربوي والسفرجل مطعوم فهو إذا ربوي فإن قيل لم قلت المطعوم ربوي ~~فتقول دليله البر والشعير والتمر بمعنى فإنها مطعومات وهي ربوية فينبغي أن ~~يقال فقولك المطعوم ربوي أردت به كل المطعومات أو بعضها فإن أردت البعض لم ~~تلزم النتيجة إذ يمكن أن يكون السفرجل من البعض الذي ليس بربوي ويكون هذا ~~خللا في نظم القياس كما يأتي وجهه وإن أردت الكل فمن أين عرفت هذا وما ~~عددته من البر والشعير ليس كل المطعومات ؟ # النظر الثاني في شروط النقيض وهو محتاج إليه إذ رب مطلوب لا يقوم الدليل ~~عليه ولكن على بطلان نقيضه فيستبان من إبطاله صحة نقيضه # والقضيتان المتناقضتان يعني بهما كل قضيتين إذا صدقت إحداهما كذبت الأخرى ~~بالضرورة كقولنا العالم حادث العالم ليس بحادث. # وإنما يلزم صدق إحداهما عند كذب الأخرى بستة شروط: # الأول أن يكون المحكوم عليه في القضيتين واحدا بالذات لا بمجرد اللفظ فإن ~~اتحد اللفظ دون المعنى لم يتناقضا كقولك النور مدرك بالبصر النور غير مدرك ~~بالبصر ms032 إذا أردت بأحدهما الضوء وبالآخر العقل ولذلك لا يتناقض قول الفقهاء ~~المضطر مختار المضطر ليس بمختار وقولهم المضطر آثم المضطر ليس بآثم إذ قد ~~يعبر بالمضطر عن المرتعد والمحمول المطروح على غيره وقد يعبر به عن المدعو ~~بالسيف إلى الفعل فالاسم متحد والمعنى مختلف # الثاني أن يكون الحكم واحدا والإسم مختلفا كقولك العالم قديم العالم ليس ~~بقديم أردت بأحد القديمين ما أراده الله تعالى بقوله { كالعرجون القديم } [ ~~يس:39] ولذلك لم يتناقض قولهم المكره مختار المكره ليس PageV01P083 ~~بمختار لأن المختار عبارة عن معنيين مختلفين # الثالث : أن تتحد الإضافة في الأمور الإضافية فإنك لو قلت زيد أب زيد ليس ~~بأب لم يتناقضا إذ يكون أبا لبكر ولا يكون أبا لخالد وكذلك تقول زيد أب زيد ~~ابن فلا يتعدد بالإضافة إلى شخصين والعشرة نصف والعشرة ليست بنصف أي ~~بالإضافة إلى العشرين والثلاثين وكما يقال المرأة مولى عليها المرأة غير ~~مولى عليها وهما صادقان بالإضافة إلى النكاح والبيع لا إلى شيء واحد وإلى ~~العصبة والأجنبي لا إلى شخص واحد # الرابع :أن يتساويا في القوة والفعل فإنك تقول الماء في الكوز مرو أي ~~بالقوة وليس الماء بمرو أي بالفعل والسيف في الغمد قاطع وليس بقاطع ومنه ~~ثار الخلاف في أن البارىء في الأزل خالق أو ليس بخالق # الخامس :التساوي في الجزء والكل فإنك تقول الزنجي أسود الزنجي ليس بأسود ~~أي ليس بأسود الأسنان وعنه نشأ الغلط حيث قيل إن العالمية حال لزيد بجملته ~~لأن زيدا عبارة عن جملته ولم يعرف أنا إذا قلنا زيد في بغداد إذ لم نعن به ~~أنه في جميع بغداد بل في جزء منها وهو مكان يساوي مساحته # السادس: التساوي في المكان والزمان فإنك تقول العالم حادث العالم ليس ~~بحادث أي هو حادث عن أول وجوده وليس بحادث قبله ولا بعده بل قبله معدوم ~~وبعده باق والصبي تنبت له أسنان والصبي لا تنبت له أسنان ونعني بأحدهما ~~السنة الأولى وبالآخر التي بعدها # وبالجملة فالقضية المتناقضة هي التي تسلب ما أثبتته الأولى ms033 بعينه عما ~~أثبتته بعينه وفي ذلك الوقت والمكان والحال وبتلك الإضافة بعينها وبالقوة ~~إن كان ذلك بالقوة وبالفعل إن كان ذلك بالفعل وكذلك في الجزء والكل # وتحصيل ذلك بأن لا تخالف القضية النافية المثبتة إلا في تبادل النفي ~~بالإثبات فقط PageV01P084 ~~الفن الثاني في المقاصد # وفيه فصلان فصل في صورة البرهان وفصل في مادته # الفصل الأول: في صورة البرهان # والبرهان عبارة عن مقدمتين معلومتين تؤلف تأليفا مخصوصا بشرط مخصوص ~~فيتولد بينهما نتيجة # وليس يتحد نمطه بل يرجع إلى ثلاثة أنواع مختلفة المأخذ والبقايا ترجع إليها # النمط الأول # ثلاثة أضرب # مثال الأول قولنا كل جسم مؤلف وكل مؤلف حادث فلزم أن كل جسم حادث ومن ~~الفقه قولنا كل نبيذ مسكر وكل مسكر حرام فلزم أن كل نبيذ حرام # فهاتان مقدمتان إذا سلمتا على هذا الوجه لزم بالضرورة تحريم النبيذ فإن ~~كانت المقدمات قطعية سميناها برهانا وإن كانت مسلمة سميناها قياسا جدليا ~~وإن كانت مظنونة سميناها قياسا فقهيا وسيأتي الفرق بين اليقين والظن إذا ~~ذكرنا أصل القياس فإن كل مقدمة أصل فإذا ازدوج أصلان حصلت النتيجة # وعادة الفقهاء في مثل هذا النظم أنهم يقولون النبيذ مسكر فكان حراما ~~قياسا على الخمر وهذا لا تنقطع المطالبة عنه ما لم يرد إلى النظم الذي ~~ذكرناه فإن رد إلى هذا النظم ولم يكن مسلما فلا تلزم النتيجة إلا بإقامة ~~الدليل حتى يثبت كونه مسكرا إن نوزع فيه بالحس والتجربة وكون المسكر حراما PageV01P085 ~~بالخبر وهو قوله صلى الله عليه وسلم "كل مسكر حرام" وقد ذكرنا في كتاب أساس ~~القياس أن تسمية هذا قياسا تجوز فإن حاصله راجع إلى ازدواج خصوص تحت عموم # وإذا فهمت صورة هذا النظم فاعلم أن في هذا البرهان مقدمتين إحداهما قولنا ~~كل نبيذ مسكر والأخرى قولنا كل مسكر حرام وكل مقدمة تشتمل على جزأين مبتدأ ~~وخبر المبتدأ محكوم عليه والخبر حكم فيكون مجموع أجزاء البرهان أربعة أمور ~~إلا أن أمرا واحدا يتكرر في المقدمتين فيعود إلى ثلاثة أجزاء بالضرورة ~~لأنها لو بقيت أربعة ms034 لم تشترك المقدمتان في شيء واحد وبطل الازدواج بينهما ~~فلا تتولد النتيجة فإنك إذا قلت النبيذ مسكر ثم لم تتعرض في المقدمة ~~الثانية لا للنبيذ ولا للمسكر لكن قلت والمغصوب مضمون أو العالم حادث فلا ~~ترتبط إحداهما بالأخرى فبالضرورة ينبغي أن تكرر أحد الأجزاء الأربعة # فلنصطلح على تسمية المتكرر علة وهو الذي يمكن أن يقترن بقولك لأن في جواب ~~المطالبة بلم فإنه إذا قيل لك لم قلت أن النبيذ حرام قلت لأنه مسكر ولا ~~تقول لأنه نبيذ ولا تقول لأنه حرام فما يقترن به لأن هو العلة # ولنسم ما يجري مجرى النبيذ محكوما عليه وما يجري مجرى الحرام حكما فإنا ~~في النتيجة نقول فالنبيذ حرام # ولنشتق للمقدمتين اسمين منهما لا من العلة لأن العلة متكررة فيهما فنسمي ~~المقدمة المشتملة على المحكوم المقدمة الأولى وهي قولنا كل نبيذ مسكر ~~والمشتملة على الحكم المقدمة الثانية وهي قولنا كل مسكر حرام أخذا من ~~النتيجة فإنا نقول فكل نبيذ حرام فتذكر النبيذ أولا ثم الحرام PageV01P086 ~~وغرض هذه التسمية سهولة التعريف عند التفصيل والتحقيق # ومهما كانت المقدمات معلومة كان البرهان قطعيا وإن كانت مظنونة كان فقيها ~~وإن كانت ممنوعة فلا بد من إثباتها وأما بعد تسليمها فلا يمكن الشك في ~~النتيجة أصلا بل كل عاقل صدق بالمقدمتين فهو مضطر إلى التصديق بالنتيجة ~~مهما أحضرهما في الذهن وأحضر مجموعهما بالبال # وحاصل وجه الدلالة في هذا النظم أن الحكم على الصفة حكم على الموصوف لأنا ~~إذا قلنا النبيذ مسكر جعلنا المسكر وصفا فإذا حكمنا على كل مسكر بأنه حرام ~~فقد حكمنا على الوصف فبالضرورة يدخل الموصوف فيه فإنه إن بطل قولنا النبيذ ~~حرام مع كونه مسكرا بطل قولنا كل مسكر حرام إذا ظهر لنا مسكر ليس بحرام # وهذا الضرب له شرطان في كونه منتجاز شرط في المقدمة الأولى وهو أن تكون ~~مثبتة فإن كانت نافية لم تنتج لأنك إذا نفيت شيئا عن شيء لم يكن الحكم على ~~المنفي حكما على المنفي عنه فإنك إذا قلت لا خل ms035 واحد مسكر وكل مسكر حرام لم ~~يلزم منه حكم في الخل إذا وقعت المباينة بين المسكر والخل فحكمك على المسكر ~~بالنفي والإثبات لا يتعدى إلى الخل # الشرط الثاني في المقدمة الثانية : وهو أن تكون عامة كلية حتى يدخل ~~المحكوم عليه بسبب عمومها فيها فإنك إذا قلت كل سفرجل مطعوم وبعض المطعوم ~~ربوي لم يلزم منه كون السفرجل ربويا إذ ليس من ضرورة الحكم على بعض المطعوم ~~أن يتناول السفرجل نعم إذا قلت وكل مطعوم ربوي لزم في السفرجل ويثبت ذلك ~~بعموم الخبر # فإن قلت: فبماذا يفارق هذا الضرب الضربين الآخرين بعده ؟فاعلم أن العلة ~~إما أن توضع محكوما عليها في المقدمتين أو محكوما بها في المقدمتين أو توضع ~~حكما في إحداهما محكومة في الأخرى وهذا الأخير هو النظم الأول والثاني ~~والثالث لا يتضحان غاية الاتضاح إلا بالرد إليه فلذلك قدمنا PageV01P087 ~~ذكره # النظم الثاني أن تكون العلة حكما في المقدمتين مثاله قولنا الباري تعالى ~~ليس بجسم لأن الباري غير مؤلف وكل جسم مؤلف فالباري تعالى إذن ليس بجسم ~~فهاهنا ثلاثة معان الباري والمؤلف والجسم والمكرر هو المؤلف فهو العلة ~~وتراه خبرا في المقدمتين وحكما بخلاف المسكر في النظم الأول إذ كان خبرا في ~~إحداهما مبتدأ في الأخرى # ووجه لزوم النتيجة منه أن كل شيئين ثبت لأحدهما ما انتفى عن الآخر فهما ~~متباينان فالتأليف ثابت للجسم منتف عن الباري تعالى فلا يكون بين معنى ~~الجسم وبين الباري التقاء أي لا يكون الباري جسما ولا الجسم هو الباري تعالى # ويمكن بيان لزوم النتيجة بالرد إلى النظم الأول بطريق العكس كما أوضحناه ~~في كتاب معيار العلم وكتاب محك النظر فلا نطول الآن به # وهذا النظم هو الذي يعبر عنه الفقهاء بالفرق إذ يقولون الجسم مؤلف ~~والباري غير مؤلف وخاصية هذا النظم أنه لا ينتج إلا قضية نافية سالبة وأما ~~النظم الأول فإنه ينتج النفي والإثبات جميعا # ومن شروط هذا النظم أن تختلف المقدمتان في النفي والإثبات فإن كانتا ~~مثبتتين لم ينتجا لأن حاصل هذا ms036 النظم يرجع إلى الحكم بشيء واحد على شيئين ~~وليس من ضرورة كل شيئين يحكم عليهما بشيء واحد أن يخبر بأحدهما عن الآخر ~~فإنا نحكم على السواد والبياض باللونية ولا يلزم أن يخبر عن السواد بأنه ~~بياض ولا عن البياض بأنه سواد ونظمه أن يقال كل سواد PageV01P088 ~~لون وكل بياض لون فلا يلزم كل سواد بياض ولا كل بياض سواد نعم كل شيئين ~~أخبر عن أحدهما بما يخبر عن الآخر بنفيه يجب أن يكون بينهما انفصال وهو النفي # النظم الثالث :أن تكون العلة مبتدأ في المقدمتين وهذا يسميه الفقهاء نقضا ~~وهذا إذا اجتمعت شروطه أنتج نتيجة خاصة لا عامة مثاله قولنا كل سواد عرض ~~وكل سواد لون فيلزم منه أن بعض العرض لون وكذلك لو قلت كل بر مطعوم وكل بر ~~ربوي فيلزم منه أن بعض المطعوم ربوي ووجه دلالته أن الربوي والمطعوم شيئان ~~حكمنا بهما على شيء واحد وهو البر فالتقيا عليه وأقل درجات الإلتقاء أن ~~يوجب حكما خاصا وإن لم يكن عاما فأمكن أن يقال بعض المطعوم ربوي وبعض ~~الربوي مطعوم # النمط الثاني من البرهان # وهو نمط التلازم # يشتمل على مقدمتين والمقدمة الأولى تشتمل على قضيتين والمقدمة الثانية ~~تشتمل على ذكر إحدى تينك القضيتين تسليما إما بالنفي أو بالإثبات حتى ~~تستنتج منه إحدى تينك القضيتين أو نقيضها ولنسم هذا نمط التلازم # ومثاله قولنا إن كان العالم حادثا فله محدث فهذه مقدمة ومعلوم أنه حادث ~~وهي المقدمة الثانية فيلزم منه أن له محدثا # والأولى اشتملت على قضيتين لو أسقط منهما حرف الشرط لانفصلتا إحداهما ~~قولنا إن كان العالم حادثا والثانية قولنا فله محدث ولنسم القضية الأولى ~~المقدم ولنسم القضية الثانية اللازم والتابع والقضية الثانية اشتملت على ~~تسليم عين القضية التي سميناها مقدما وهو قولنا ومعلوم أن العالم حادث ~~فتلزم منه النتيجة وهو أن للعالم محدثا وهو عين اللازم PageV01P089 ~~ومثاله في الفقه قولنا إن كان الوتر يؤدى على الراحلة بكل حال فهو نفل ~~ومعلوم أنه يؤدى على الراحلة فثبت أنه نفل ms037 # وهذا النمط يتطرق إليه أربع تسليمات تنتج منها اثنتان ولا تنتج اثنتان ~~أما المنتج فتسليم عين المقدم ينتج عين اللازم مثاله قولنا إن كانت هذه ~~الصلاة صحيحة فالمصلي متطهر ومعلوم أن هذه الصلاة صحيحة فيلزم أن يكون ~~المصلي متطهرا ومثاله من الحس إن كان هذا سوادا فهو لون ومعلوم أنه سواد ~~فإذا هو لون # وأما المنتج الآخر فهو تسليم نقيض اللازم فإنه ينتج نقيض المقدم مثاله ~~قولنا إن كانت هذه الصلاة صحيحة فالمصلي متطهر ومعلوم أن المصلي غير متطهر ~~فينتج أن الصلاة غير صحيحة وإن كان بيع الغائب صحيحا فهو يلزم بصريح ~~الإلزام ومعلوم أنه لا يلزم بصريح الإلزام فيلزم منه أنه ليس بصحيح # ووجه دلالة هذا النمط على الجملة أن ما يفضي إلى المحال فهو محال وهذا ~~يفضي إلى المحال فهو إذا محال كقولنا لو كان الباري سبحانه وتعالى مستقرا ~~على العرش لكان إما مساويا للعرش أو أكبر أو أصغر وكل ذلك محال فما يفضي ~~إليه محال وهذا يفضي إلى المحال فهو إذا محال # وأما الذي لا ينتج فهو تسليم عين اللازم فإنا لو قلنا إن كانت الصلاة ~~صحيحة فالمصلي متطهر ومعلوم أن المصلي متطهر فلا يلزم منه لا صحة الصلاة ~~ولا فسادها إذ قد تفسد الصلاة بعلة أخرى وكذلك تسليم نقيض المقدم لا ينتج ~~عين اللازم ولا نقيضه فإنا # لو قلنا ومعلوم أن الصلاة ليست صحيحة فلا يلزم من هذا كون المصلي متطهرا ~~ولا كونه غير متطهر # وتحقيق لزوم النتيجة من هذا النمط أنه مهما جعل شيء لازما لشيء فينبغي أن ~~لا يكون الملزوم أعم من اللازم بل إما أخص أو مساويا ومهما كان أخص فثبوت ~~الأخص بالضرورة يوجب ثبوت الأعم إذ يلزم من ثبوت السواد ثبوت اللون وهو ~~الذي عنيناه PageV01P090 ~~بتسليم عين اللازم وانتفاء الأعم يوجب انتفاء الأخص بالضرورة إذ يلزم من ~~انتفاء اللون انتفاء السواد وهو الذي عنيناه بتسليم نقيض اللازم وأما ثبوت ~~الأعم فلا يوجب ثبوت الأخص فإن ثبوت اللون لا يوجب ثبوت السواد فلذلك ms038 قلنا ~~تسليم عين اللازم لا ينتج وأما انتفاء الأخص فلا يوجب انتفاء الأعم ولا ~~ثبوته فإن انتفاء السواد لا يوجب انتفاء اللون ولا ثبوته وهو الذي عنيناه ~~بقولنا إن تسليم نقيض المقدم لا ينتج أصلا وإن جعل الأخص لازما للأعم فهو ~~خطأ كمن يقول إن كان هذا لونا فهو سواد # فإن كان اللازم مساويا للمقدم أنتج منه أربع تسليمات كقولنا إن كان زنا ~~المحصن موجودا فالرجم واجب لكنه موجود فإذا هو واجب لكنه واجب فإذا هو ~~موجود لكن الرجم غير واجب فالزنا غير موجود لكن زنا المحصن غير موجود ~~فالرجم غير واجب # وكذلك كل معلول له علة واحدة كقولنا إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود ~~لكنها طالعة فالنهار موجود لكن النهار موجود فهي إذا طالعة لكنها غير طالعة ~~فالنهار غير موجود لكن النهار غير موجود فهي إذا غير طالعة # النمط الثالث: نمط التعاند # وهو على ضد ما قبله والمتكلمون يسمونه السبر والتقسيم والمنطقيون يسمونه ~~الشرطي المنفصل ويسمون ما قبله الشرطي المتصل # وهو أيضا يرجع إلى مقدمتين ونتيجة # ومثاله: العالم إما قديم وإما حادث وهذه مقدمة وهي قضيتان الثانية أن ~~تسلم إحدى القضيتين أو نقيضها فيلزم منه لا محالة نتيجة وينتج فيه أربع ~~تسليمات فإنا نقول لكنه حادث فليس بقديم لكنه قديم فليس بحادث لكنه ليس ~~بحادث فهو قديم لكنه ليس بقديم فهو حادث PageV01P091 ~~وبالجملة كل قسمين متناقضين متقابلين إذا وجد فيهما شرائط التناقض كما سبق ~~فينتج إثبات أحدهما نفي الآخر ونفي أحدهما إثبات الآخر # ولا يشترط أن تنحصر القضية في قسمين بل شرطه أن تستوفي أقسامه فإن كانت ~~ثلاثة فإنا نقول العدد إما مساو أو أقل أو أكثر فهذه ثلاثة لكنها حاصرة ~~فإثبات واحد ينتج نفي الآخرين وإبطال اثنين ينتج إثبات الثالث وإثبات واحد ~~ينتج انحصارا الحق في الآخرين في أحدهما لا بعينه والذي لا ينتج فيه انتفاء ~~واحد هو أن لا يكون محصورا كقولك زيد إما بالعراق وإما بالحجاز فهذا مما ~~يوجب إثبات واحد نفي الآخر أما إبطال واحد ms039 فلا ينتج إثبات الآخر إذ ربما ~~يكون في صقع آخر # وقول من أثبت رؤية الله بعلة الوجود يكاد لا ينحصر كلامه إلا أن نتكلف له ~~وجها فإن قول مصحح الرؤية لا يخلو إما أن يكون كونه جوهرا فيبطل بالعرض أو ~~كونه عرضا فيبطل بالجوهر أو كونه سوادا أو لونا فيبطل بالحركة فلا تبقى ~~شركة لهذه المختلفات إلا في الوجود وهذا غير حاصر إذ يمكن أن يكون قد بقي ~~أمر آخر مشترك سوى الوجود لم يعثر عليه الباحث مثل كونه بجهة من الرائي ~~مثلا فإن أبطل هذا فلعله لمعنى آخر إلا أن يتكلف حصر المعاني وينفي جميعها ~~سوى الوجود فعند ذلك ينتج # فهذه أشكال البراهين فكل دليل لا يمكن رده إلى واحد من هذه الأنواع ~~الخمسة فهو غير منتج البتة ولهذا شرح أطول من هذا ذكرناه في كتاب محك النظر ~~وكتاب معيار العلم # الفصل الثاني من فن المقاصد: في بيان مادة البرهان # وهي المقدمات الجارية من البرهان مجرى الثوب من القميص والخشب من السرير ~~فإن ما ذكرناه يجري مجرى الخياطة من القميص وشكل السرير من PageV01P092 ~~السرير وكما لا يمكن أن يتخذ من كل جسم سيف وسرير إذ لا يتأتى من الخشب ~~قميص ولا من الثوب سيف ولا من السيف سرير فكذلك لا يمكن أن يتخذ من كل ~~مقدمة برهان منتج بل البرهان المنتج لا ينصاغ إلا من مقدمات يقينية إن كان ~~المطلوب يقينا أو ظنية إن كان المطلوب فقهيا # فلنذكر معنى اليقين في نفسه لتفهم ذاته ولنذكر مدركه لتفهم الآلة التي ~~بها يقتنص اليقين # أما اليقين فشرحه أن النفس إذا أذعنت للتصديق بقضية من القضايا وسكنت ~~إليها فلها ثلاثة أحوال # أحدها أن يتيقن ويقطع به وينضاف إليه قطع ثان وهو أن يقطع بأن قطعها به ~~صحيح ويتيقن بأن يقينها فيه لا يمكن أن يكون به سهو ولا غلط ولا التباس فلا ~~يجوز الغلط في يقينها الأول ولا في يقينها الثاني ويكون صحة يقينها الثاني ~~كصحة يقينها الأول بل تكون مطمئنة آمنة ms040 من الخطأ بل حيث لو حكى لها عن نبي ~~من الأنبياء أنه أقام معجزة وادعى ما يناقضها فلا تتوقف في تكذيب الناقل بل ~~تقطع بأنه كاذب أو تقطع بأن القائل ليس بنبي وأن ما ظن من معجزة فهي مخرقة # وبالجملة فلا يؤثر هذا في تشكيكها بل تضحك من قائله وناقله وإن خطر ~~ببالها إمكان أن يكون الله قد أطلع نبيا على سر به انكشف له نقيض اعتقادها ~~فليس اعتقادها يقينا # مثاله: قولنا الثلاثة أقل من الستة وشخص واحد لا يكون في مكانين والشيء ~~الواحد لا يكون قديما حادثا موجودا معدوما ساكنا متحركا في حالة واحدة # الحالة الثانية: أن تصدق بها تصديقا جزما لا تتمارى فيه ولا تشعر بنقيضها ~~البتة ولو أشعرت بنقيضها تعسر إذعانها للإصغاء إليه ولكنها لو ثبتت وأصغت ~~وحكى لها نقيض معتقدها عمن هو أعلم الناس عندها كنبي أو صديق أورث ذلك فيها توقفا # ولنسم هذا الجنس: اعتقادا جزما وهو أكثر اعتقادات عوام المسلمين PageV01P093 ~~واليهود والنصارى في معتقداتهم وأديانهم بل اعتقاد أكثر المتكلمين في نصرة ~~مذاهبهم بطريق الأدلة فإنهم قبلوا المذهب والدليل جميعا بحسن الظن في الصبا ~~فوقع عليه نشؤهم فإن المستقل بالنظر الذي يستوي ميله في نظره إلى الكفر ~~والإسلام عزيز # الحالة الثالثة : أن يكون لها سكون إلى الشيء والتصديق به وهي تشعر ~~بنقيضه أو لا تشعر لكن لو أشعرت به لم ينفر طبعها عن قبوله وهذا يسمى ظنا ~~وله درجات في الميل إلى الزيادة والنقصان لا تحصى فمن سمع من عدل شيئا سكنت ~~إليه نفسه فإن انضاف إليه ثان زاد السكون وإن انضاف إليه ثالث زاد السكون ~~والقوة فإن انضافت إليه تجربة لصدقهم على الخصوص زادت القوة فإن انضافت ~~إليه قرينة كما إذا أخبروا عن أمر مخوف وقد اصفرت وجوههم واضطربت أحوالهم ~~زاد الظن وهكذا لا يزال يترقى قليلا قليلا إلى أن ينقلب الظن علما عند ~~الانتهاء إلى حد التواتر # والمحدثون يسمون أكثر هذه الأحوال علما ويقينا حتى يطلقوا القول بأن ~~الأخبار التي تشتمل عليها الصحاح ms041 توجب العلم والعمل # وكافة الخلق إلا آحاد المحققين يسمون الحالة الثانية يقينا ولا يميزون ~~بين الحالة الثانية والأولى # والحق أن اليقين هو الأول والثاني مظنة الغلط # فإذا ألفت برهانا من مقدمات يقينية على الذوق الأول وراعيت صورة تأليفه ~~على الشروط الماضية فالنتيجة ضرورية يقينية يجوز الثقة بها هذا بيان نفس اليقين # أما مدارك اليقين فجميع ما يتوهم كونه مدركا لليقين والاعتقاد الجزم ~~ينحصر في سبعة أقسام # الأول: الأوليات : وأعني بها العقليات المحضة التي أفضى ذات العقل بمجرده ~~إليها من غير استعانة بحس أو تخيل مجبل على التصديق بها مثل PageV01P094 ~~علم الإنسان بوجود نفسه وبأن الواحد لا يكون قديما حادثا وأن النقيضين إذا ~~صدق أحدهما كذب الآخر وأن الاثنين أكثر من الواحد ونظائره # وبالجملة : هذه القضايا تصادف مرتسمة في العقل منذ وجوده حتى يظن العاقل ~~أنه لم يزل عالما بها ولا يدري متى تجدد ولا يقف حصوله على أمر سوى وجود ~~العقل إذ يرتسم فيه الموجود مفردا والقديم مفردا والحادث مفردا والقوة ~~المفكرة تجمع هذه المفردات وتنسب بعضها إلى بعض مثل أن القديم حادث فيكذب ~~بالعقل به وأن القديم ليس بحادث فيصدق العقل به فلا يحتاج إلا إلى ذهن ~~ترتسم فيه المفردات وإلى قوة مفكرة تنسب بعض هذه المفردات إلى البعض فينتهض ~~العقل على البديهة إلى التصديق أو التكذيب # الثاني: المشاهدات الباطنة :وذلك كعلم الإنسان بجوع نفسه وعطشه وخوفه ~~وفرحه وجميع الأحوال الباطنة التي يدركها من ليس له الحواس الخمس فهذه ليست ~~من الحواس الخمس ولا هي عقلية بل البهيمة تدرك هذه الأحوال من نفسها بغير ~~عقل وكذا الصبي والأوليات لا تكون للبهائم ولا للصبيان # الثالث: المحسوسات الظاهرة : كقولك الثلج أبيض والقمر مستدير والشمس ~~مستنيرة وهذا الفن واضح لكن الغلط يتطرق إلى الأبصار لعوارض مثل بعد مفرط ~~وقرب مفرط أو ضعف في العين وأسباب الغلط في الأبصار التي هي على الاستقامة ~~ثمانية والذي بالانعكاس كما في المرآة أو بالانعطاف كما يرى ما وراء البلور ~~والزجاج فيتضاعف في أسباب الغلط # واستقصاء ذلك ms042 في هذه العلاوة غير ممكن فإن أردت أن تفهم منه أنموذجا ~~فانظر إلى طرف الظل فتراه ساكنا والعقل يقضي بأنه متحرك وإلى الكواكب ~~فتراها ساكنة وهي متحركة وإلى الصبي في أول نشوئه والنبات في أول النشوء ~~وهو في النمو والتزايد في كل لحظة على التدريج فتراه واقفا وأمثال ذلك مما يكثر PageV01P095 ~~الرابع التجربيات : وقد يعبر عنها باطراد العادات وذلك مثل حكمك بأن النار ~~محرقة والخبز مشبع والحجر هاو إلى أسفل والنار صاعدة إلى فوق والخمر مسكر ~~والسقمونيا مسهل فإذا المعلومات التجربية يقينية عند من جربها والناس ~~يختلفون في هذه العلوم لاختلافهم في التجربة فمعرفة الطبيب بأن السقمونيا ~~مسهل كمعرفتك بأن الماء مرو وكذلك الحكم بأن المغناطيس جاذب للحديد عند من ~~عرفه وهذه غير المحسوسات لأن مدرك الحس هو أن هذا الحجر يهوي إلى الأرض ~~وأما الحكم بأن كل حجر هاو فهي قضية عامة لا قضية في عين وليس للحس إلا ~~قضية في عين وكذلك إذا رأى مائعا وقد شربه فسكر فحكم بأن جنس هذا المائع ~~مسكر فالحس لم يدرك إلا شربا وسكرا واحدا معينا فالحكم في الكل إذا هو ~~للعقل ولكن بواسطة الحس أو بتكرر الإحساس مرة بعد أخرى إذ المرة الواحدة لا ~~يحصل العلم بها فمن تألم له موضع فصب عليه مائعا فزال ألمه لم يحصل له ~~العلم بأنه المزيل إذ يحتمل أن زواله بالاتفاق بل هو كما لو قرأ عليه سورة ~~الإخلاص فزال فربما يخطر له أن إزالته بالاتفاق فإذا تكرر مرات كثيرة في ~~أحوال مختلفة انغرس في النفس يقين وعلم بأنه المؤثر كما حصل بأن الاصطلاء ~~بالنار مزيل للبرد والخبز مزيل لألم الجوع # وإذا تأملت هذا عرفت أن العقل قد ناله بعد التكرر على الحس بواسطة قياس ~~خفي ارتسم فيه ولم يشعر بذلك القياس لأنه لم يلتفت إليه ولم يشغله بلفظ ~~وكأن العقل يقول لو لم يكن هذا السبب يقتضيه لما اطرد في الأكثر ولو كان ~~بالاتفاق لاختلف # وهذا الآن يحرك قطبا عظيما في معنى تلازم الأسباب ms043 والمسببات التي يعبر ~~عنها باطراد العادات وقد نبهنا على غورها في كتاب تهافت الفلاسفة والمقصود ~~تمييز التجربيات عن الحسيات # ومن لم يمعن في تجربة الأمور تعوزه جملة من اليقينيات فيتعذر عليه ما ~~يلزم منها من النتائج فيستفيدها من أهل المعرفة بها وهذا كما أن الأعمى PageV01P096 ~~والأصم تعوزهما جملة من العلوم التي تستنتج من مقدمات محسوسة حتى يقدر ~~الأعمى على أن يعرف بالبرهان أن الشمس أكبر من الأرض فإن ذلك يعرف بأدلة ~~هندسية تنبني على مقدمات حسية ولما كان السمع والبصر شبكة جملة من العلوم ~~قرنهما الله تعالى بالفؤاد في كتابه في مواضع # الخامس: المتواترات كعلمنا بوجود مكة ووجود الشافعي وبعدد الصلوات الخمس ~~بل كعلمنا بأن من مذهب الشافعي أن المسلم لا يقتل بالذمي فإن هذا أمر وراء ~~المحسوس إذ ليس للحس إلا أن يسمع صوت المخبر بوجود مكة وأما الحكم بصدقة ~~فهو للعقل وآلته السمع ولا مجرد السمع بل تكرر السماع ولا ينحصر العدد ~~الموجب للعلم في عدد ومن تكلف حصر ذلك فهو في شطط بل هو كتكرر التجربة ولكل ~~مرة في التجربة شهادة أخرى إلى أن ينقلب الظن علما ولا يشعر بوقته فكذلك ~~التواتر # فهذه مدارك العلوم اليقينية الحقيقية الصالحة لمقدمات البراهين وما بعدها ~~ليس كذلك # السادس الوهميات : وذلك مثل قضاء الوهم بأن كل موجود ينبغي أن يكون مشارا ~~إلى جهته فإن موجودا لا متصلا بالعالم ولا منفصلا عنه ولا داخلا ولا خارجا ~~محال وأن إثبات شيء مع القطع بأن الجهات الست خالية عنه محال # وهذا عمل قوة في التجويف الأوسط من الدماغ وتسمى وهمية شأنها ملازمة ~~المحسوسات ومتابعتها والتصرف فيها فكل ما لا يكون على وفق المحسوسات التي ~~ألفتها فليس في طباعها إلا النبوة عنها وإنكارها PageV01P097 ~~ومن هذا القبيل نفرة الطبع عن قول القائل ليس وراء العالم خلاء ولا ملاء ~~وهاتان قضيتان وهميتان كاذبتان والأولى منهما ربما وقع لك الأنس بتكذيبها ~~لكثرة ممارستك للأدلة العقلية الموجبة لإثبات موجود ليس في جهة والثانية ~~ربما لم تأنس بتكذيبها لقلة ممارستك ms044 لأدلتها وإذا تأملت عرفت أن ما أنكره ~~الوهم من نفي الخلاء والملاء غير ممكن لأن الخلاء باطل بالبراهين القاطعة ~~إذ لا معنى له والملاء متناه بأدلة قاطعة إذ يستحيل وجود أجسام لا نهاية ~~لها وإذا ثبت هذان الأصلان علم أنه لا خلاء ولا ملاء وراء العالم وهذه ~~القضايا مع أنها وهمية فهي في النفس لا تتميز عن الأوليات القطعية مثل قولك ~~لا يكون شخص في مكانين بل يشهد به أول الفطرة كما يشهد بالأوليات العقلية ~~وليس كل ما تشهد به الفطرة قطعا هو صادق بل الصادق ما يشهد به قوة العقل ~~فقط ومداركه الخمسة المذكورة # وهذه الوهميات لا يظهر كذبها للنفس إلا بدليل العقل ثم بعد معرفة الدليل ~~أيضا لا تنقطع منازعة الوهم بل تبقى على نزاعها # فإن قلت: فبماذا أميز بينها وبين الصادقة والفطرة قاطعة بالكل ومتى يحصل ~~الأمان منها؟. فاعلم أن هذه ورطة تاه فيها جماعة فتسفسطوا وأنكروا كون ~~النظر مفيد العلم اليقين فقال بعضهم طلب اليقين غير ممكن وقالوا بتكافؤ ~~الأدلة وادعوا اليقين بتكافؤ الأدلة وقال بعضهم لا تيقن أيضا بتكافؤ الأدلة ~~بما هو أيضا في محل التوقف # وكشف الغطاء عن هذه الورطة يستدعي تطويلا فلا نشتغل به # ونفيدك الآن طريقين نستعين بهما في تكذيب الوهم # [الطريق] الأول جملي : وهو أنك لا تشك في وجود الوهم والقدرة والعلم ~~والإرادة وهذه الصفات ليست من النظريات ولو عرضت على الوهم نفس الوهم ~~لأنكره فإنه يطلب له سمكا ومقدارا ولونا فإذا لم يجده أباه ولو كلفت PageV01P098 ~~الوهم أن يتأمل ذات القدرة والعلم والإرادة لصور لكل واحد قدرا ومكانا ~~مفردا ولو فرضت له اجتماع هذه الصفات في جزء واحد أو جسم واحد لقدر بعضها ~~منطبقا على البعض كأنه ستر رقيق مرسل على وجهه ولم يقدر على اتحاد البعض ~~بالبعض بأسره فإنه ربما يشاهد الأجسام ويراها متميزة في الوضع فيقضي في كل ~~شيئين بأن أحدهما متميز في الوضع عن الآخر # الطريق الثاني : وهو معيار في آحاد المسائل وهو أن نعلم أن جميع ms045 قضايا ~~الوهم ليست كاذبة فإنها توافق العقل في استحالة وجود شخص في مكانين بل لا ~~تنازع في جميع العلوم الهندسية والحسابية وما يدرك بالحس وإنما تنازع فيما ~~وراء المحسوسات لأنها تمثل غير المحسوسات بالمحسوسات إذ لا تقبله إلا على ~~نحو المحسوسات فحيلة العقل مع الوهم في أن يثق بكذبه مهما نظر في غير محسوس ~~أن يأخذ مقدمات يقينية ليساعده الوهم عليها وينظمها نظم البرهان الذي ~~ذكرناه فإن الوهم يساعد على أن اليقينيات إذا نظمت كذلك كانت النتيجة لازمة ~~كما سبق في الأمثلة وكما في الهندسيات فتجد ذلك ميزانا وحاكما بينه وبينه ~~فإذا رأى الوهم قد زاغ عن قبول نتيجة دليل قد ساعد على مقدماته وساعد على ~~صحة نظمها وعلى كونها نتيجة علم أن ذلك من قصور في طباعه عن إدراك مثل هذا ~~الشيء الخارج عن المحسوسات # فاكتف بهذا القدر فإن تمام الإيضاح فيه تطويل # السابع المشهورات: وهي آراء محمودة يوجب التصديق بها إما شهادة الكل أو ~~الأكثر أو شهادة جماهير الأفاضل كقولك الكذب قبيح وإيلام البريء قبيح ~~وكفران النعم قبيح وشكر المنعم وإنقاذ الهلكى حسن # وهذه قد تكون صادقة وقد تكون كاذبة فلا يجوز أن يعول عليها في مقدمات ~~البرهان فإن هذه القضايا ليست أولية ولا وهمية فإن الفطرة الأولى لا تقضي ~~بها بل إنما ينغرس قبولها في النفس بأسباب كثيرة تعرض من أول PageV01P099 ~~الصبا وذلك بأن تكرر على الصبي ويكلف اعتقادها ويحسن ذلك عنده وربما يحمل ~~عليها حب التسالم وطيب المعاشرة وربما تنشأ من الحنان ورقة الطبع فترى ~~أقواما يصدقون بأن ذبح البهائم قبيح ويمتنعون عن أكل لحومها وما يجري هذا ~~المجرى فالنفوس المجبولة على الحنان والرقة أطوع لقبولها # وربما يجبل على التصديق بها الاستقراء الكثير # وربما كانت القضية صادقة ولكن بشرط دقيق لا يفطن الذهن لذلك الشرط ويستمر ~~على تكرير التصديق فيرسخ في نفسه كمن يقول مثلا التواتر لا يورث العلم لأن ~~كل واحد من الآحاد لا يورث العلم فالمجموع لا يورث لأنه لا يزيد على الآحاد ~~وهذا ms046 غلط لأن قول الواحد لا يوجب العلم بشرط الإنفراد وعند التواتر فات هذا ~~الشرط فيذهل عن هذا الشرط لدقته ويصدق به مطلقا # وكذلك يصدق بقوله إن الله على كل شيء قدير مع أنه ليس قادرا على خلق ذاته ~~وصفاته وهو شيء لكن هو قدير على كل شيء بشرط كونه ممكنا في نفسه فيذهل عن ~~هذا الشرط ويصدق به مطلقا لكثرة تكرره على اللسان ووقع الذهول عن شرطه الدقيق # وللتصديق بالمشهورات أسباب كثيرة وهي من مثارات الغلط العظيمة وأكثر ~~قياسات المتكلمين والفقهاء مبنية على مقدمات مشهورة يسلمونها بمجرد الشهرة ~~فلذلك ترى أقيستهم تنتج نتائج متناقضة فيتحيرون فيها # فإن قلت: فبم يدرك الفرق بين المشهور والصادق؟ # فأعرض قول القائل العدل جميل والكذب قبيح على العقل الأول الفطري الموجب ~~للأوليات وقدر أنك لم تعاشر أحدا ولم تخالط أهل ملة ولم تأنس بمسموع ولم ~~تتأدب باستصلاح ولم تهذب بتعليم أستاذ ومرشد وكلف نفسك أن تشكك فيه فإنك ~~تقدر عليه وتراه متأتيا وإنما الذي يعسر عليك هذه التقديرات أنك على حالة ~~تضادها فإن تقدير الجوع في حال الشبع عسير وكذا تقدير كل حالة أنت منفك ~~عنها في الحال ولكن إذا تحذقت فيها PageV01P100 ~~أمكنك التشكك ولو كلفت نفسك الشك في أن الاثنين أكثر من الواحد لم يكن الشك ~~متأتيا بل لا يتأتى الشك في أن العالم ينتهي إلى خلاء أو ملاء وهو كاذب ~~وهمي لكن فطرة الوهم تقتضيه والآخر يقتضيه فطرة العقل # وأما كون الكذب قبيحا فلا يقتضيه فطرة العقل الوهم ولا فطرة العقل بل ما ~~ألفه الإنسان من العادات والأخلاق والاستصلاحات وهذه أيضا معارضة مظلمة يجب ~~التحرز عنها # فهذا القدر كاف في المقدمات التي منها ينتظم البرهان # فالمستفاد من المدارك الخمسة بعد الاحتراز عن مواقع الغلط فيها يصلح ~~لصناعة البرهان والمستفاد من غلط الوهم لا يصلح البتة والمشهورات تصلح ~~للفقهيات الظنية والأقيسة الجدلية ولا تصلح لإفادة اليقين البتة # الفن الثالث من دعامة البرهان: في اللواحق # وفيه فصول: # الفصل الأول: في بيان أن ما تنطق به ms047 الألسنة في معرض الدليل والتعليل في ~~جميع أقسام العلوم يرجع إلى الضروب التي ذكرناها # فإن لم يرجع إليها لم يكن دليلا. # وحيث يذكر لا على ذلك النظم فسببه إما قصور علم الناظر أو إهماله إحدى ~~المقدمتين للوضوح أو لكون التلبيس في ضمنه حتى لا ينتبه له أو لتركيب ~~الضروب وجمع جملة منها في سياق كلام واحد . # مثال ترك إحدى المقدمتين لوضوحها وذلك غالب في الفقهيات والمحاورات ~~احترازا عن التطويل كقول القائل هذا يجب عليه الرجم لأنه زنى وهو محصن ~~وتمام القياس أن تقول كل من زنى وهو محصن فعليه PageV01P101 ~~الرجم وهذا زنى وهو محصن ولكن ترك المقدمة الأولى لاشتهارها وكذلك يقال ~~العالم محدث فيقال لم فيقول لأنه جائز ويقتصر عليه وتمامه أن يقول كل جائز ~~فله فاعل والعالم جائز فإذا له فاعل ويقول في نكاح الشغار هو فاسد لأنه ~~منهي عنه وتمامه أن يقول كل منهي عنه فهو فاسد والشغار منهي عنه فهو إذا ~~فاسد ولكن ترك الأولى لأنها موضع النزاع ولو صرح بها لتنبه الخصم لها فربما ~~تركها للتلبيس مرة كما تركها للوضوح أخرى # وأكثر أدلة القرآن كذلك تكون مثل قوله تعالى { لو كان فيهما آلهة إلا ~~الله لفسدتا } [الانبياء :22] فينبغي أن يضم إليها ومعلوم أنهما لم تفسدا ~~وقوله تعالى { إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا } [الإسراء :42] وتمامه أنه ~~معلوم أنهم لم يبتغوا إلى ذي العرش سبيلا # ومثال ما يترك للتلبيس أن يقال فلان خائن في حقك فتقول لم ؟فيقال لأنه ~~كان يناجي عدوك وتمامه أن يقال كل من يناجي العدو فهو عدو وهذا يناجي العدو ~~فهو إذا عدو ولكن لو صرح به لتنبه الذهن بأن من يناجي العدو فقد ينصحه وقد ~~يخدعه فلا يجب أن يكون عدوا. # وربما يترك المقدمة الثانية وهي مقدمة المحكوم عليه مثاله أن يقال لا ~~تخالط فلانا فيقول لم ؟فيقال لأن الحساد لا يخالطون وتمامه أن يضم إليه إن ~~هذا حاسد والحاسد لا يخالط فهذا إذا لا يخالط # وسبيل من يريد التلبيس إهمال المقدمة ms048 التي التلبيس تحتها استغفالا للخصم ~~واستجهالا له وهذا غلط في النظم الأول # ويتطرق ذلك إلى النظم الثاني والثالث # مثاله قولك :كل شجاع ظالم فيقال لم فيقال لأن الحجاج كان شجاعا وظالما ~~وتمامه أن يقول الحجاج شجاع والحجاج ظالم فكل شجاع ظالم وهذا غير منتج لأنه ~~طلب نتيجة عامة من النظم الثالث وقد بينا أنه لا ينتج إلا نتيجة خاصة وإنما ~~كان من النظم الثالث لأن الحجاج هو العلة لأنه المتكرر في المقدمتين لأنه ~~محكوم عليه في المقدمتين فيلزم منه أن بعض PageV01P102 ~~الشجعان ظالم ومن هاهنا غلط من حكم على كل المتصوفة أو كل المتفقهة بالفساد ~~إذا رأى ذلك من بعضهم ونظم قياسه أن فلانا متفقه وفلان فاسق فكل متفقه فاسق ~~وذلك لا يلزم بل يلزم أن بعض المتفقهة فاسق # وكثيرا ما يقع مثل هذا الغلط في الفقه أن يرى الفقيه حكما في موضع معين ~~فيقضي بذلك الحكم على العموم فيقول مثلا البر مطعوم والبر ربوي فالمطعوم ربوي # وبالجملة :مهما كانت العلة أخص من الحكم والمحكوم عليه في النتيجة لم ~~يلزم منه إلا نتيجة جزئية وهو معنى النظم الثالث ومهما كانت العلة أعم من ~~المحكوم عليه وأخص من الحكم أو مساوية له كان من النظم الأول وأمكن استنتاج ~~القضايا الأربعة منه أعني الموجبة العامة والخاصة والنافية العامة والخاصة ~~ومهما كانت العلة أعم من الحكم والمحكوم عليه جميعا كان من النظم الثاني ~~ولم ينتج منه إلا النفي فأما الإيجاب فلا # ومثال المختلطات المركبة من كل نمط كقولك الباري تعالى إن كان على العرش ~~أما مساو أو أكبر أو أصغر وكل مساو وأصغر وأكبر مقدر وكل مقدر فإما أن يكون ~~جسما أو لايكون جسما وباطل أن لا يكون جسما فثبت أنه جسم فيلزم أن يكون ~~الباري تعالى جسما ومحال أن يكون جسما فمحال أن يكون على العرش وهذا السياق ~~اشتمل على النظم الأول والثاني والثالث مختلطا كذلك فمن لا يقدر على تحليله ~~وتفصيله فربما انطوى التلبيس في تفاصيله وتضاعيفه فلا يتنبه لموضعه ومن ms049 عرف ~~المفردات أمكنه رد المختلطات إليها # فإذا لا يتصور النطق بالاستدلال إلا ويرجع إلى ما ذكرناه # الفصل الثاني: في بيان رجوع الاستقراء والتمثيل إلى ما ذكرناه # أما الاستقراء: فهو عبارة عن تصفح أمور جزئية لنحكم بحكمها على أمر يشمل ~~تلك الجزئيات كقولنا في الوتر ليس بفرض لأنه يؤدى على الراحلة PageV01P103 ~~والفرض لا يؤدى على الراحلة فيقال لم قلتم أن الفرض لا يؤدى على الراحلة؟ ~~فيقال عرفناه بالاستقراء إذ رأينا القضاء والأداء والمنذور وسائر أصناف ~~الفرائض لا تؤدى على الراحلة فقلنا إن كل فرض لا يؤدى على الراحلة # ووجه دلالة هذا لا يتم إلا بالنظم الأول بأن يقول كل فرض فإما قضاء أو ~~أداء أو نذر وكل قضاء وأداء ونذر فلا يؤدى على الراحلة فكل فرض لا يؤدى على ~~الراحلة # وهذا مختل يصلح للظنيات دون القطعيات والخلل تحت قوله إما أداء فإن حكمه ~~بأن كل أداء لا يؤدى على الراحلة يمنعه الخصم إذ الوتر عنده أداء واجب ~~ويؤدى على الراحلة وإنما يسلم الخصم من الأداء الصلوات الخمس وهذه صلاة ~~سادسة عنده فيقول وهل استقريت حكم الوتر في تصفحك ؟وكيف وجدته؟ # فإن قلت: وجدته لا يؤدى على الراحلة فالخصم لا يسلم فإن لم تتصفحه فلم ~~يبين لك إلا بعض الأداء فخرجت المقدمة الثانية عن أن تكون عامة وصارت خاصة ~~وذلك لا ينتج لأنا بينا أن المقدمة الثانية في النظم الأول ينبغي أن تكون ~~عامة ولهذا غلط من قال أن صانع العالم جسم لأنه قال كل فاعل جسم وصانع ~~العالم فاعل فهو إذا جسم فقيل لم قلت أن كل فاعل جسم ؟فيقول لأني تصفحت ~~الفاعلين من خياط وبناء وإسكاف وحجام وحداد وغيرهم فوجدتهم أجساما فيقال ~~وهل تصفحت صانع العالم أم لا؟ فإن لم تتصفحه فقد تصفحت البعض دون الكل ~~فوجدت بعض الفاعلين جسما فصارت المقدمة الثانية خاصة لا تنتج وإن تصفحت ~~الباري فكيف وجدته؟ فإن قلت وجدته جسما فهو محل النزاع فكيف أدخلته في ~~المقدمة PageV01P104 ~~فثبت بهذا أن الاستقراء إن كان تاما رجع ms050 إلى النظم الأول وصلح للقطعيات وإن ~~لم يكن تاما لم يصلح إلا للفقهيات لأنه مهما وجد الأكثر على نمط غلب على ~~الظن أن الآخر كذلك # الفصل الثالث: في وجه لزوم النتيجة من المقدمات # وهو الذي يعبر عنه بوجه الدليل ويلتبس الأمر فيه على الضعفاء فلا PageV01P105 ~~يتحققون أن وجه الدليل عين المدلول أو غيره # فنقول: كل مفردين جمعتهما القوة المفكرة ونسبت أحدهما إلى الآخر بنفي أو ~~إثبات وعرضته على العقل لم يخل العقل فيه من أحد أمرين إما أن يصدق به أو ~~يمتنع من التصديق فإن صدق فهو الأولى المعلوم بغير واسطة ويقال إنه معلوم ~~بغير نظر ودليل وحيلة وتأمل وكل ذلك بمعنى واحد وإن لم يصدق فلا مطمع في ~~التصديق إلا بواسطة وتلك الواسطة هي التي تنسب إلى الحكم فيكون خبرا عنها ~~وتنسب إلى المحكوم عليه فتجعل خبرا عنه فيصدق فيلزم من ذلك بالضرورة ~~التصديق بنسبة الحكم إلى المحكوم عليه # بيانه أنا إذا قلنا للعقل احكم على النبيذ بالحرام فيقول لا أدري ولم ~~يصدق به فعلمنا أنه ليس يلتقي في الذهن طرفا هذه القضية وهو الحرام والنبيذ ~~فلا بد أن يطلب واسطة ربما صدق العقل بوجودها في النبيذ وصدق بوجود وصف ~~الحرام لتلك الواسطة فيلزمه التصديق بالمطلوب فيقال هل النبيذ مسكر فيقول ~~نعم إذا كان قد علم ذلك بالتجربة فيقال وهل المسكر حرام فيقول نعم إذا كان ~~قد حصل ذلك بالسماع وهو المدرك بالسمع قلنا فإن صدقت بهاتين المقدمتين لزمك ~~التصديق بالثالث لا محالة وهو أن النبيذ حرام بالضرورة فيلزمه أن يصدق بذلك ~~ويذعن للتصديق به # فإن قلت فهذه القضية ليست خارجة عن القضيتين وليست زائدة عليهما # فاعلم أن ما توهمت حق من وجه وغلط من وجه # أما الغلط فهو أن هذه قضية ثالثة لأن قولك النبيذ حرام غير قولك النبيذ ~~مسكر وغير قولك المسكر حرام بل هذه ثلاث مقدمات مختلفات وليس فيها تكرير ~~أصلا بل النتيجة اللازمة غير المقدمات الملتزمة وأما وجه كونه حقا فهو أن ~~قولك المسكر حرام ms051 شمل بعمومه النبيد الذي هو أحد المسكرات فقولك النبيذ ~~حرام ينطوي فيه لكن بالقوة PageV01P106 ~~لا بالفعل وقد يحضر العام في الذهن ولا يحضر الخاص فمن قال الجسم متحيز ~~ربما لا يخطر بباله ذلك الوقت أن الثعلب متحيز بل ربما لا يخطر بباله ذلك ~~الثعلب فضلا عن أن يخطر بباله أنه متحيز فإذا النتيجة موجودة في إحدى ~~المقدمتين بالقوة القريبة والموجود بالقوة القريبة لا يظن أنه موجود بالفعل # فاعلم أن هذه النتيجة لا تخرج من القوة إلى الفعل بمجرد العلم بالمقدمتين ~~ما لم تحضر المقدمتين في الذهن وتخطر ببالك وجه وجود النتيجة في المقدمتين ~~بالقوة فإذا تأملت ذلك صارت النتيجة بالفعل إذ لا يبعد أن ينظر الناظر إلى ~~بغلة منتفخة البطن فيتوهم أنها حامل فيقال له هل تعلم أن البغلة عاقر لا ~~تحمل فيقول نعم فيقال وهل تعلم أن هذه بغلة فيقول نعم فيقال كيف توهمت أنها ~~حامل فيتعجب من توهم نفسه مع علمه بالمقدمتين إذ نظمهما أن كل بغلة عاقر ~~وهذه بغلة فهي إذا عاقر والانتفاخ له أسباب فإذا انتفاخها من سبب آخر # ولما كان السبب الخاص لحصول النتيجة في الذهن التفطن لوجود النتيجة ~~بالقوة في المقدمة أشكل على الضعفاء فلم يعرفوا أن وجه الدليل عين المدلول ~~أو غيره # فالحق أن المطلوب هو المدلول المستنتج وأنه غير التفطن لوجوده في ~~المقدمتين بالقوة ولكن هذا التفطن هو سبب حصوله على سبيل التولد عند ~~المعتزلة وعلى سبيل استعداد القلب لحضور المقدمتين مع التفطن لفيضان ~~النتيجة من عند واهب الصور المعقولة الذي هو العقل الفعال عند الفلاسفة ~~وعلى سبيل تضمن المقدمات للنتيجة بطريق اللزوم الذي لا بد منه عند أكثر ~~أصحابنا المخالفين للتولد الذي ذكره المعتزلة وعلى سبيل حصوله بقدرة الله ~~تعالى عقيب حضور المقدمتين في الذهن والتفظن لوجه تضمنهما له بطريق إجراء ~~الله تعالى العادة على وجه يتصور خرقها بأن لا يخلق عقيب تمام PageV01P107 ~~النظر عند بعض أصحابنا ثم ذلك من غير نسبة له إلى القدرة الحادثة عند بعضهم ~~بل بحيث لا ms052 تتعلق به قدرة العبد وإنما قدرته على إحضار المقدمتين ومطالعة ~~وجه تضمن المقدمتين للنتيجة على معنى وجودها فيهما بالقوة فقط أما صيرورة ~~النتيجة بالفعل فلا تتعلق بها القدرة وعند بعضهم هو كسب مقدور # والرأي الحق في ذلك لا يليق بما نحن فيه # والمقصود كشف الغطاء عن النظر وإن وجه الدليل ما هو والمدلول ما هو ~~والنظر الصحيح ما هو والنظر الفاسد ما هو وترى الكتب مشحونات بتطويلات في ~~هذه الألفاظ من غير شفاء وإنما الكشف يحصل بالطريق الذي سلكناه فقط فلا ~~ينبغي أن يكون شغفك بالكلام المعتاد المشهور بل بالكلام المفيد الموضح وإن ~~خالف المعتاد # مغالطة من منكري النظر :وهو أن يقول ما تطلب بالنظر وهو معلوم لك أم لا؟ ~~فإن علمت فكيف تطلب وأنت واجد؟ وإن جهلته فإذا وجدته فبم تعرف أنه مطلوبك؟ ~~وكيف يطلب العبد الآبق من لا يعرفه؟ فإنه لو وجده لم يعرف أنه مطلوبه؟ # فنقول أخطأت في نظم شبهتك فإن تقسيمك ليس بحاصر إذ قلت تعرفه أو لا تعرفه ~~؟بل هاهنا قسم ثالث وهو أني أعرفه من وجه وأعلمه من وجه وأجهله من وجه ~~وأعني الآن بالمعرفة غير العلم فإني أفهم مفردات أجزاء المطلوب بطريق ~~المعرفة والتصور وأعلم جملة النتيجة المطلوبة بالقوة لا بالفعل أي في قوتي ~~أن أقبل التصديق بها بالفعل وأجهلها من وجه أي لا أعلمها بالفعل ولو كنت ~~أعلمها بالفعل لما طلبتها ولو لم أعلمها بالقوة لما طمعت في أن أعلمها إذ ~~ما ليس في قوتي علمه يستحيل حصوله كاجتماع الضدين ولولا أني أفهمه بالمعرفة ~~والتصور لأجزائه المنفردة لما كنت أعلم الظفر بمطلوبي إذا وجدته وهو كالعبد ~~الآبق فإني أعرف ذاته بالتصور وإنما أطلب مكانه وأنه في البيت أم لا وكونه ~~في البيت أفهمه بالمعرفة والتصور أي أفهم البيت مفردا والكون مفردا وأعلمه ~~بالقوة أي في قوتي أن أصدق بكونه في البيت وأطلب حصوله بالفعل من جهة حاسة ~~البصر فإذا رأيته في PageV01P108 ~~البيت صدقت بكونه في البيت فكذلك طلبي لكون العالم حادثا إذا ms053 وجدته # الفصل الرابع :في انقسام البرهان إلى برهان علة وبرهان دلالة # أما برهان الدلالة فهو أن يكون الأمر المتكرر في المقدمتين معلولا ومسببا ~~فإن العلة والمعلول يتلازمان وكذلك السبب والمسبب والموجب والموجب فإن ~~استدللت بالعلة على المعلول فالبرهان برهان علة وإن استدللت بالمعلول على ~~العلة فهو برهان دلالة # وكذلك لو استدللت بأحد المعلولين على الآخر # ومثال قياس العلة من المحسوسات أن تستدل على المطر بالغيم وعلى شبع زيد ~~بأكله فتقول من أكل كثيرا فهو في الحال شبعان وزيد قد أكل كثيرا فهو إذا ~~شبعان وإن قلت إن كل شبعان قد أكل كثيرا وزيد شبعان فإذا قد أكل كثيرا فهذا ~~برهان دلالة # ومثاله من الكلام قولك كل فعل محكم ففاعله عالم والعالم فعل محكم فصانعه عالم # ومثال الاستدلال بإحدى النتيجتين على الأخرى في الفقه قولنا الزنا يوجب ~~حرمة المصاهرة لأن كل وطء لا يوجب المحرمية فلا يوجب الحرمة وهذا لا يوجب ~~المحرمية فلا يوجب الحرمة فإن الحرمة والمحرمية ليست إحداهما علة للأخرى بل ~~هما نتيجتا علة واحدة وحصول إحدى النتيجتين يدل على حصول الأخرى بواسطة ~~العلة فإنها تلازم علتها والنتيجة الثانية أيضا تلازم علتها وملازم الملازم ~~ملازم لا محالة # وجميع استدلالات الفراسة من قبيل الاستدلال بإحدى النتيجتين على الأخرى ~~حتى أنه يستدل بخطوط حمر في كتف الشاة على إراقة الدماء في تلك السنة ~~ويستدل بالخلق على الأخلاق ولا يمكن ذلك إلا بطريق تلازم النتائج الصادرة ~~عن سبب واحد PageV01P109 ~~ولنقتصر من مدارك العقول على هذا القدر فإنه كالعلاوة على علم الأصول ومن ~~أراد مزيدا عليه فليطلبه من كتاب محك النظر وكتاب معيار العلم # ولنشتغل الآن بالأقطاب الأربعة التي يدور عليها علم الأصول # والحمد لله وحده والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله وعلى جميع أصحابه PageV01P110 ### | AUTO القطب الأول: في الثمرة وهي الحكم ### || AUTO الفن الأول: في حقيقة الحكم # ... # بسم الله الرحمن الرحيم # القطب الأول في الثمرة وهي الحكم # والكلام فيه ينقسم إلى فنون أربعة: # فن في حقيقة الحكم # وفن في أقسامه # وفن ms054 في أركانه # وفن فيما يظهره PageV01P111 ~~الفن الأول: في حقيقته [الحكم] # ويشتمل على تمهيد وثلاث مسائل: # أما التمهيد فهو أن الحكم عندنا عبارة عن خطاب الشرع إذا تعلق بأفعال ~~المكلفين فالحرام هو المقول فيه إتركوه ولا تفعلوه والواجب هو المقول فيه ~~إفعلوه ولا تتركوه والمباح هو المقول فيه إن شئتم فافعلوه وإن شئتم فاتركوه ~~فإن لم يوجد هذا الخطاب من الشارع فلا حكم فلهذا قلنا العقل لا يحسن ولا ~~يقبح ولا يوجب شكر المنعم ولا حكم للأفعال قبل ورود الشرع . # فلنرسم كل مسألة برأسها # مسألة[حسن الأفعال] # الحسن والقبح في الفعل ذهبت المعتزلة إلى أن الأفعال تنقسم إلى حسنة ~~وقبيحة فمنها ما يدرك بضرورة العقل كحسن إنقاذ الغرقى والهلكى وشكر المنعم ~~ومعرفة حسن الصدق وكقبح الكفران وإيلام البريء والكذب الذي لا غرض فيه ~~ومنها ما يدرك بنظر العقل كحسن الصدق الذي فيه ضرر وقبح الكذب الذي فيه نفع ~~ومنها ما يدرك بالسمع كحسن الصلاة والحج وسائر العبادات وزعموا أنها متميزة ~~بصفة ذاتها عن غيرها بما فيها من اللطف المانع من الفحشاء الداعي إلى ~~الطاعة لكن العقل لا يستقل بدركه # فنقول: قول القائل: هذا حسن وهذا قبيح لا يحس بفهم معناه ما لم يفهم معنى ~~الحسن والقبح فإن الاصطلاحات في إطلاق لفظ الحسن والقبح مختلفة فلا PageV01P112 ~~بد من تلخيصها # والاصطلاحات فيه ثلاثة : # الأول الاصطلاح المشهور العامي :وهو أن الأفعال تنقسم إلى ما يوافق غرض ~~الفاعل وإلى ما يخالفه وإلى ما لا يوافق ولا يخالف فالموافق يسمى حسنا ~~والمخالف يسمى قبيحا والثالث يسمى عبثا # وعلى هذا الاصطلاح إذا كان الفعل موافقا لشخص مخالفا لآخر فهو حسن في حق ~~من وافقه قبيح في حق من خالفه حتى أن قتل الملك الكبير يكون حسنا في حق ~~أعدائه قبيحا في حق أوليائه # وهؤلاء لا يتحاشون عن تقبيح فعل الله تعالى إذا خالف غرضهم ولذلك يسبون ~~الدهر والفلك ويقولون خرب الفلك وتعس الدهر وهم يعلمون أن الفلك مسخر ليس ~~إليه شيء ولذلك قال صلى الله عليه وسلم "لا ms055 تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر" ~~فإطلاق اسم الحسن والقبح على الأفعال عند هؤلاء كإطلاقه على الصور فمن مال ~~طبعه إلى صورة أو صوت شخص قضى بحسنه ومن نفر طبعه عن شخص استقبحه ورب شخص ~~ينفر عنه طبع ويميل إليه طبع فيكون حسنا في حق هذا قبيحا في حق ذاك حتى ~~يستحسن سمرة اللون جماعة ويستقبحها جماعة فالحسن والقبح عند هؤلاء عبارة عن ~~الموافقة والمنافرة وهما أمران إضافيان لا كالسواد والبياض إذ لا يتصور أن ~~يكون الشيء أسود في حق زيد أبيض في حق عمرو # الاصطلاح الثاني : التعبير بالحسن عما حسنه الشرع بالثناء على فاعله ~~فيكون فعل الله تعالى حسنا في كل حال خالف الغرض أو وافقه ويكون المأمور به ~~شرعا ندبا كان أو إيجابا حسنا والمباح لا يكون حسنا # الاصطلاح الثالث :التعبير بالحسن عن كل ما لفاعله أن يفعله فيكون المباح ~~حسنا مع المأمورات وفعل الله يكون حسنا بكل حال PageV01P113 ~~وهذه المعاني الثلاثة كلها أوصاف إضافية وهي معقولة ولا حجر على من يجعل ~~لفظ الحسن عبارة عن شيء منها فلا مشاحة في الألفاظ فعلى هذا إذا لم يرد ~~الشرع لا يتميز فعل عن غيره إلا بالموافقة والمخالفة ويختلف ذلك بالإضافات ~~ولا يكون صفة للذات. # فإن قيل نحن لا ننازعكم في هذه الأمور الإضافية ولا في هذه الاصطلاحات ~~التي تواضعتم عليها ولكن ندعي الحسن والقبح وصفا ذاتيا للحسن والقبيح مدركا ~~بضرورة العقل في بعض الأشياء كالظلم والكذب والكفران والجهل ولذلك لا نجوز ~~شيئا من ذلك على الله تعالى لقبحه ونحرمه على كل عاقل قبل ورود الشرع لأنه ~~قبيح لذاته وكيف ينكر ذلك والعقلاء بأجمعهم متفقون على القضاء به من غير ~~إضافة إلى حال دون حال ؟ # قلنا: أنتم منازعون فيما ذكرتموه في ثلاثة أمور : # أحدها :في كون القبح وصفا ذاتيا # والثاني : في قولكم أن ذلك مما يعلمه العقلاء بالضرورة # والثالث: في ظنكم أن العقلاء لو توافقوا عليه لكان ذلك حجة مقطوعا بها ~~ودليلا على كونه ضروريا. # أما الأول : وهو دعوى كونه ms056 وصفا ذاتيا فهو تحكم بما لا يعقل فإن القتل ~~عندهم قبيح لذاته بشرط أن لا تسبقه جناية ولا يعقبه عوض حتى جاز إيلام ~~البهائم وذبحها ولم يقبح من الله تعالى ذلك لأنه يثيبها عليه في الآخرة ~~والقتل في ذاته له حقيقة واحدة لا تختلف بأن تتقدمه جناية أو تتعقبه لذة ~~إلا من حيث الإضافة إلى الفوائد والأغراض وكذلك الكذب كيف يكون قبحه ذاتيا ~~ولو كان فيه عصمة دم نبي بإخفاء مكانه عن ظالم يقصد قتله لكان حسنا بل ~~واجبا يعصى بتركه والوصف الذاتي كيف يتبدل بالإضافة إلى الأحوال # وأما الثاني :وهو كونه مدركا بالضرورة وكيف يتصور ذلك ونحن ننازعكم فيه ~~والضروري لا ينازع فيه خلق كثير من العقلاء وقولكم أنكم مضطرون إلى المعرفة ~~وموافقون عليه ولكنكم تظنون أن مستند معرفتكم السمع كما ظن الكعبي أن مستند ~~علمه بخبر التواتر النظر ولا يبعد التباس مدرك العلم PageV01P114 ~~وإنما يبعد الخلاف في نفس المعرفة ولا خلاف فيها # قلنا :هذا كلام فاسد لأنا نقول يحسن من الله تعالى إيلام البهائم ولا ~~نعتقد لها جريمة ولا ثوابا فدل أنا ننازعكم في نفس العلم # وأما الثالث : فهو أنا لو سلمنا اتفاق العقلاء على هذا أيضا لم تكن فيه ~~حجة إذ لم يسلم كونهم مضطرين إليه بل يجوز أن يقع الاتفاق منهم على ما ليس ~~بضروري فقد اتفق الناس على إثبات الصانع وجواز بعثه الرسل ولم يخالف إلا ~~الشواذ فلو اتفق أن ساعدهم الشواذ لم يكن ذلك ضروريا فكذلك اتفاق الناس على ~~هذا الاعتقاد يمكن أن يكون بعضه عن دليل السمع الدال على قبح هذه الأشياء ~~وبعضه عن تقليد مفهوم من الآخذين عن السمع وبعضه عن الشبهة التي وقعت لأهل ~~الضلال فالتئام الإتفاق من هذه الأسباب لا يدل على كونه ضروريا فلا يدل على ~~كونه حجة لولا منع السمع عن تجويز الخطأ على كافة هذه الأمة خاصة إذ لا ~~يبعد اجتماع الكافة على الخطأ عن تقليد وعن شبهة وكيف وفي الملحدة من لا ~~يعتقد قبح هذه الأشياء ms057 ولا حسن نقائضها فكيف يدعى اتفاق العقلاء ؟ # احتجوا بأنا نعلم قطعا أن من استوى عنده الصدق والكذب آثر الصدق ومال ~~إليه إن كان عاقلا وليس ذلك إلا لحسنه وإن الملك العظيم المستولي على ~~الأقاليم إذا رأى ضعيفا مشرفا على الهلاك يميل إلى إنقاذه وإن كان لا يعتقد ~~أصل الدين لينتظر ثوابا ولا ينتظر منه أيضا مجازاة وشكرا ولا يوافق ذلك ~~أيضا غرضه بل ربما يتعب به بل يحكم العقلاء بحسن الصبر على السيف إذا أكره ~~على كلمة الكفر أو على إفشاء السر ونقض العهد وهو على خلاف غرض المكره # وعلى الجملة: استحسان مكارم الأخلاق وإفاضة النعم مما لا ينكره عاقل إلا ~~عن عناد PageV01P115 ~~والجواب أنا لا ننكر اشتهار هذه القضايا بين الخلق وكونها محمودة مشهورة ~~ولكن مستندها إما التدين بالشرائع وإما الأغراض ونحن إنما ننكر هذا في حق ~~الله تعالى لانتفاء الأغراض عنه فأما إطلاق الناس هذه الألفاظ فيما يدور ~~بينهم فيستمر من الأغراض ولكن قد تدق الأغراض وتخفى فلا يتنبه لها إلا ~~المحققون # ونحن ننبه على مثارات الغلط فيه وهي ثلاث مثارات يغلط الوهم فيها # الغلطة الأولى : إن الإنسان يطلق اسم القبح على ما يخالف غرضه وإن كان ~~يوافق غرض غيره من حيث إنه لا يلتفت إلى الغير فإن كل طبع مشغوف بنفسه ~~ومستحقر لغيره فيقضي بالقبح مطلقا وربما يضيف القبح إلى ذات الشيء ويقول هو ~~بنفسه قبيح فيكون قد قضى بثلاثة أمور هو مصيب في واحد منها وهو أصل ~~الاستقباح ومخطىء في أمرين أحدهما إضافة القبح إلى ذاته إذ غفل عن كونه ~~قبيحا لمخالفة غرضه والثاني حكمه بالقبح مطلقا ومنشؤه عدم الالتفات إلى ~~غيره بل عدم الالتفات إلى بعض أحوال نفسه فإنه قد يستحسن في بعض الأحوال ~~عين ما يستقبحه إذا اختلف الغرض # الغلطة الثانية : أن ما هو مخالف للغرض في جميع الأحوال إلا في حالة ~~واحدة نادرة قد لا يلتفت الوهم إلى تلك الحالة النادرة بل لا يخطر بالبال ~~فيراه مخالفا في كل الأحوال فيقضي بالقبح مطلقا ms058 لاستيلاء أحوال قبحه على ~~قلبه وذهاب الحالة النادرة عن ذكره كحكمه على الكذب بأنه قبيح مطلقا وغفلته ~~عن الكذب الذي تستفاد به عصمة دم نبي أو ولي وإذا قضى بالقبح مطلقا واستمر ~~عليه مدة وتكرر ذلك على سمعه ولسانه انغرس في نفسه استقباح منفر فلو وقعت ~~تلك الحالة النادرة وجد في نفسه نفرة عنه لطول نشوه على الاستقباح فإنه ~~ألقي إليه منذ الصبا على سبيل التأديب والإرشاد أن الكذب قبيح لا ينبغي أن ~~يقدم عليه أحد ولا ينبه على حسنه في PageV01P116 ~~بعض الأحوال خيفة من أن لا تستحكم نفرته عن الكذب فيقدم عليه وهو قبيح في ~~أكثر الأحوال والسماع في الصغر كالنقش في الحجر فينغرس في النفس ويحن إلى ~~التصديق به مطلقا وهو صدق لكن لا على الإطلاق بل في أكثر الأحوال وإذا لم ~~يكن في ذكره إلا أكثر الأحوال فهو بالإضافة إليه كل الأحوال فلذلك يعتقده مطلقا # الغلطة الثالثة : سببها سبق الوهم إلى العكس فإن ما يرى مقرون بالشيء يظن ~~أن الشيء أيضا لا محالة مقرون به مطلقا ولا يدري أن الأخص أبدا مقرون ~~بالأعم والأعم لا يلزم أن يكون مقرونا بالأخص ومثاله نفرة نفس السليم وهو ~~الذي نهشته الحية عن الحبل المبرقش اللون لأنه وجد الأذى مقرونا بهذه ~~الصورة فتوهم أن هذه الصورة مقرونة بالأذى # وكذلك تنفر النفس عن العسل إذا شبه بالعذرة لأنه وجد الأذى والاستقذار ~~مقرونا بالرطب الأصفر فتوهم أن الرطب الأصفر مقرون به الاستقذار ويغلب ~~الوهم حتى يتعذر الأكل وإن حكم العقل بكذب الوهم لكن خلقت قوى النفس مطيعة ~~للأوهام وإن كانت كاذبة حتى أن الطبع لينفر عن حسناء سميت باسم اليهود إذ ~~وجد الاسم مقرونا بالقبح فظن أن القبح أيضا ملازم للاسم # ولذا تورد على بعض العوام مسألة عقلية جليلة فيقبلها فإذا قلت هذا مذهب ~~الأشعري أو الحنبلي أو المعتزلي نفر عنه إن كان يسيء الاعتقاد فيمن نسبته ~~إليه وليس هذا طبع العامي خاصة بل طبع أكثر العقلاء المتسمين بالعلوم إلا ~~العلماء الراسخين الذين ms059 أراهم الله الحق حقا وقواهم على اتباعه وأكثر الخلق ~~قوى نفوسهم مطيعة للأوهام الكاذبة مع علمهم بكذبها وأكثر إقدام الخلق ~~وإحجامهم بسبب هذه الأوهام فإن الوهم عظيم الاستيلاء على النفس ولذلك ينفر ~~طبع الإنسان عن المبيت في بيت فيه ميت مع قطعه بأنه لا يتحرك ولكنه كأنه ~~يتوهم في كل ساعة حركته ونطقه PageV01P117 ~~فإذا تنبهت لهذه المثارات فنرجع ونقول إنما يترجح الإنقاذ على الإهمال في ~~حق من لا يعتقد الشرائع لدفع الأذى الذي يلحق الإنسان من رقة الجنسية وهو ~~طبع يستحيل الانفكاك عنه # وسببه أن الإنسان يقدر نفسه في تلك البلية ويقدر غيره معرضا عنه وعن ~~إنقاذه فيستقبحه منه بمخالفة غرضه فيعود ويقدر ذلك الاستقباح من المشرف على ~~الهلاك في حق نفسه فيدفع عن نفسه ذلك القبح المتوهم # فإن فرض في بهيمة أو في شخص لا رقة فيه فهو بعيد تصوره # ولو تصور فيبقى أمر آخر وهو طلب الثناء على إحسانه # فإنه فرض حيث لا يعلم أنه المنقذ فيتوقع أن يعلم فيكون ذلك التوقع باعثا ~~فإن فرض في موضع يستحيل أن يعلم فيبقى ميل النفس وترجح يضاهي نفرة طبع ~~السليم عن الحبل المبرقش وذلك أنه رأى هذه الصورة مقرونة بالثناء فظن أن ~~الثناء مقرون بها بكل حال كما أنه لما رأى الأذى مقرونا بصورة الحبل وطبعه ~~ينفر عن الأذى فنفر عن المقرون بالأذى فالمقرون باللذيذ لذيذ والمقرون ~~بالمكروه مكروه بل الإنسان إذا جالس من عشقه في مكان فإذا انتهى إليه أحس ~~في نفسه تفرقة بين ذلك المكان وغيره ولذلك قال الشاعر # أمر على الديار ديار ليلى ... أقبل ذا الجدار وذا الجدارا # وما تلك الديار شغفن قلبي ... ولكن حب من سكن الديارا # وقال ابن الرومي منبها على سبب حب الأوطان # وحبب أوطان الرجال إليهم ... مآرب قضاها الشباب هنالكا # إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم ... عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا # وشواهد ذلك مما يكثر وكل ذلك من حكم الوهم # وأما الصبر على السيف في ترك كلمة الكفر مع طمأنينة النفس فلا يستحسنه ~~جميع العقلاء ms060 لولا الشرع بل ربما استقبحوه وإنما استحسنه من ينتظر الثواب PageV01P118 ~~على الصبر أو من ينتظر الثناء عليه بالشجاعة والصلابة في الدين وكم من شجاع ~~يركب متن الخطر ويتهجم على عددهم أكثر منه وهو يعلم أنه لا يطيقهم ويستحقر ~~ما يناله من الألم لما يعتاضه من توهم الثناء والحمد ولو بعد موته وكذلك ~~إخفاء السر وحفظ العهد إنما تواصى الناس بهما لما فيهما من المصالح وأكثروا ~~الثناء عليهما فمن يحتمل الضرر فيه فإنما يحتمله لأجل الثناء فإن فرض حيث ~~لا ثناء فقد وجد مقرونا بالثناء فيبقى ميل الوهم إلى المقرون باللذيذ وإن ~~كان خاليا عنه # فإن فرض من لا يستولي عليه هذا الوهم ولا ينتظر الثواب والثناء فهو ~~مستقبح للسعي في هلاك نفسه بغير فائدة ويستحمق من يفعل ذاك قطعا فمن يسلم ~~أن مثل هذا يؤثر الهلاك على الحياة ؟! # وعلى هذا يجري الجواب عن الكذب وعن جميع ما يفرضونه # ثم نقول: نحن لا ننكر أن أهل العادة يستقبح بعضهم من بعض الظلم والكذب ~~وإنما الكلام في القبح والحسن بالإضافة إلى الله تعالى ومن قضى به فمستنده ~~قياس الغائب على الشاهد وكيف يقيس والسيد لو ترك عبيده وإماءه وبعضهم يموج ~~في بعض ويرتكبون الفواحش وهو مطلع عليهم وقادر على منعهم لقبح منه وقد فعل ~~الله تعالى ذلك بعباده ولم يقبح منه وقولهم أنه تركهم لينزجروا بأنفسهم ~~فيستحقوا الثواب هوس لأنه علم أنهم لا ينزجرون فليمنعهم قهرا فكم من ممنوع ~~عن الفواحش بعنة أو عجز وذلك أحسن من تمكينهم مع العلم لأنهم لا ينزجرون PageV01P119 ~~مسألة :[شكر الخالق لا يجب شكر المنعم عقلا] # مسألة شكر الخالق لا يجب شكر المنعم عقلا خلافا للمعتزلة ودليله أن لا ~~معنى للواجب إلا ما أوجبه الله تعالى وأمر به وتوعد بالعقاب على تركه فإذا ~~لم يرد خطاب فأي معنى للوجوب؟! # ثم تحقيق القول فيه أن العقل لا يخلو إما أن يوجب ذلك لفائدة أو لا ~~لفائدة ومحال أن يوجب لا لفائدة فإن ذلك عبث وسفه وإن كان لفائدة ms061 فلا يخلو ~~إما أن ترجع إلى المعبود وهو محال إذ يتعالى ويتقدس عن الأغراض أو إلى ~~العبد وذلك لا يخلو إما أن تكون في الدنيا أو في الآخرة ولا فائدة له في ~~الدنيا بل يتعب بالنظر والفكر والمعرفة والشكر ويحرم به عن الشهوات واللذات ~~ولا فائدة له في الآخرة فإن الثواب تفضل من الله يعرف بوعده وخبره فإذا لم ~~يخبر عنه فمن أين يعلم أنه يثاب عليه # فإن قيل: يخطر له أنه إن كفر وأعرض ربما يعاقب والعقل يدعو إلى سلوك طريق الأمن # قلنا: لا بل العقل يعرف طريق الأمن ثم الطبع يستحث على سلوكه إذ كل إنسان ~~مجبول على حب نفسه وعلى كراهة الألم فقد غلطتم في قولكم :أن العقل داع بل ~~العقل هاد والبواعث والدواعي تنبعث من النفس تابعة لحكم العقل وغلطتم أيضا ~~في قولكم أنه يثاب على جانب الشكر والمعرفة خاصة لأن هذا الخاطر مستنده ~~توهم غرض في جانب الشكر يتميز به عن الكفر وهما متساويان بالإضافة إلى جلال ~~الله تعالى بل إن فتح باب الأوهام فربما يخطر له أن الله يعاقبه لو شكره ~~ونظر فيه لأنه أمده بأسباب النعم فلعله خلقه ليترفه وليتمتع فإتعابه نفسه ~~تصرف في مملكته بغير إذنه # ولهم شبهتان: PageV01P120 # إحداهما :قولهم إتفاق العقلاء على حسن الشكر وقبح الكفران لا سبيل إلى ~~إنكاره وذلك مسلم لكن في حقهم لأنهم يهتزون ويرتاحون للشكر ويغتمون ~~بالكفران والرب تعالى يستوي في حقه الأمران فالمعصية والطاعة في حقه سيان. # ويشهد له أمران أحدهما أن المتقرب إلى السلطان بتحريك أنملته في زاوية ~~بيته وحجرته مستهين بنفسه وعبادة العباد بالنسبة إلى جلال الله دونه في ~~الرتبة. # والثاني :أن من تصدق عليه السلطان بكسرة خبز في مخمصة فأخذ يدور في ~~البلاد وينادي على رؤوس الأشهاد بشكره كان ذلك بالنسبة إلى الملك قبيحا ~~وافتضاحا وجملة نعم الله تعالى على عباده بالنسبة إلى مقدوراته دون ذلك ~~بالنسبة إلى خزائن الملك لأن خزانة الملك تفنى بأمثال تلك الكسرة لتناهيها ~~ومقدورات الله تعالى لا تتناهى ms062 بأضعاف ما أفاضه على عباده # الشبهة الثانية: قولهم حصر مدارك الوجوب في الشرع يفضي إلى إفحام الرسل ~~فإنهم إذا أظهروا المعجزات قال لهم المدعوون لا يجب علينا النظر في ~~معجزاتكم إلا بالشرع ولا يستقر الشرع إلا بنظرنا في معجزاتكم فثبتوا علينا ~~وجوب النظر حتى ننظر ولا نقدر على ذلك ما لم ننظر فيؤدي إلى الدور # والجواب من وجهين: # أحدهما : من حيث التحقيق وهو أنكم غلطتم في ظنكم بنا أنا نقول استقرار ~~الشرع موقوف على نظر الناظرين بل إذا بعث الرسول وأيد بمعجزته بحيث يحصل ~~بها إمكان المعرفة لو نظر العاقل فيها فقد ثبت الشرع واستقر ورود الخطاب ~~بإيجاب النظر إذ لا معنى للواجب إلا ما ترجح فعله على تركه PageV01P121 ~~بدفع ضرر معلوم أو موهوم فمعنى الوجوب رجحان الفعل على الترك والموجب هو ~~المرجح والله تعالى هو المرجح وهو الذي عرف رسوله وأمره أن يعرف الناس أن ~~الكفر سم مهلك والمعصية داء والطاعة شفاء فالمرجح هو الله تعالى والرسول هو ~~المخبر والمعجزة سبب يمكن العاقل من التوصل إلى معرفة الترجيح والعقل هو ~~الآلة التي بها يعرف صدق المخبر عن الترجيح والطبع المجبول على التألم ~~بالعذاب والتلذذ بالثواب هو الباعث المستحث على الحذر من الضرر وبعد ورود ~~الخطاب حصل الإيجاب الذي هو الترجيح وبالتأييد بالمعجزة حصل الإمكان في حق ~~العاقل الناظر إذ قدر به على معرفة الرجحان # فقوله: لا أنظر ما لم أعرف ولا أعرف ما لم أنظر مثاله ما لو قال الأب ~~لولده التفت فإن وراءك سبعا عاديا هوذا يهجم عليك إن غفلت عنه فيقول لا ~~ألتفت ما لم أعرف وجوب الإلتفات ولا يجب الإلتفات ما لم أعرف السبع ولا ~~أعرف السبع ما لم ألتفت فيقول له لا جرم تهلك بترك الالتفات وأنت غير معذور ~~لأنك قادر على الإلتفات وترك العناد فكذلك النبي يقول الموت وراءك ودونه ~~الهوام المؤذية والعذاب الأليم إن تركت الإيمان والطاعة وتعرف ذلك بأدنى ~~نظر في معجزتي فإن نظرت وأطعت نجوت وإن غفلت وأعرضت فالله تعالى غني ms063 عنك ~~وعن عملك !وإنما أضررت بنفسك فهذا أمر معقول لا تناقض فيه # الجواب الثاني :المقابلة بمذهبهم فإنهم قضوا بأن العقل هو الموجب وليس ~~يوجب بجوهره إيجابا ضروريا لا ينفك منه أحد إذ لو كان كذلك لم يخل عقل عاقل ~~عن معرفة الوجوب بل لا بد من تأمل ونظر ولو لم ينظر لم يعرف وجوب النظر ~~وإذا لم يعرف وجوب النظر فلا ينظر فيؤدي أيضا إلى الدور كما سبق فإن قيل ~~العاقل لا يخلو عن خاطرين يخطران له أحدهما أنه إن نظر وشكر أثيب والثاني ~~أنه إن ترك النظر عوقب فيلوك له على القرب وجوب سلوك طريق الأمن PageV01P122 ~~قلنا: كم من عاقل انقضى عليه الدهر ولم يخطر له هذا الخاطر بل قد يخطر له ~~أنه لا يتميز في حق الله تعالى أحدهما عن الآخر فكيف أعذب نفسي بلا فائدة ~~ترجع إلي ولا إلى المعبود؟ # ثم إن كان عدم الخلو عن الخاطر كافيا في التمكين من المعرفة فإذا بعث ~~النبي ودعا وأظهر المعجزة كان حضور هذه الخواطر أقرب بل لا ينفك عن هذا ~~الخاطر بعد إنذار النبي وتحذيره ونحن لا ننكر أن الإنسان إذا استشعر ~~المخافة استحثه طبعه على الاحتراز فإن الاستشعار إنما يكون بالتأمل الصادر ~~عن العقل فإن سمى مسم معترف الوجوب موجبا فقد تجوز في الكلام بل الحق الذي ~~لا مجاز فيه أن الله موجب أي مرجح للفعل على الترك والنبي مخبر والعقل معرف ~~والطبع باعث والمعجزة ممكنة من التعريف والله تعالى أعلم # مسألة:[حكم الأفعال قبل ورود الشرع] # على الإباحة ذهب جماعة من المعتزلة إلى أن الأفعال قبل ورود الشرع على ~~الإباحة وقال بعضهم على الحظر وقال بعضهم على الوقف ولعلهم أرادوا بذلك ~~فيما لا يقضي العقل فيه بتحسين ولا تقبيح ضرورة أو نظرا كما فصلناه من ~~مذهبهم. # وهذه المذاهب كلها باطلة. # [الرد على مذهب القائلين بأن الأصل الإباحة] # أما إبطال مذهب الإباحة فهو أنا نقول المباح يستدعي مبيحا كما يستدعي ~~العلم والذكر ذاكرا وعالما والمبيح هو الله تعالى إذا ms064 خير بين الفعل والترك ~~بخطابه فإذا لم يكن خطاب لم يكن تخيير فلم تكن إباحة # وإن عنوا بكونه مباحا أنه لا حرج في فعله ولا تركه فقد أصابوا في المعنى ~~وأخطأوا في اللفظ فإن فعل البهيمة والصبي والمجنون لا يوصف بكونه مباحا وإن ~~لم يكن في فعلهم وتركهم حرج والأفعال في حق الله تعالى أعني ما يصدر من ~~الله لا توصف بأنها مباحة ولا حرج عليه في تركها لكنه انتفى التخيير من ~~المخير انتفت الإباحة PageV01P123 ~~فإن استجرأ مستجرىء على إطلاق اسم المباح على أفعال الله تعالى ولم يرد به ~~إلا نفي الحرج فقد أصاب في المعنى وإن كان لفظه مستكرها # فإن قيل: العقل هو المبيح لأنه خير بين فعله وتركه إذ حرم القبيح وأوجب ~~الحسن وخير فيما ليس بحسن ولا قبيح # قلنا: تحسين العقل وتقبيحه قد أبطلناه وهذا مبني عليه فيبطل ثم تسمية ~~العقل مبيحا مجاز كتسميته موجبا فإن العقل يعرف الترجيح ويعرف انتفاء ~~الترجيح ويكون معنى وجوبه رجحان فعله على تركه والعقل يعرف ذلك ومعنى كونه ~~مباحا انتفاء الترجيح والعقل معرف لا مبيح فإنه ليس بمرجح ولا مسو لكنه ~~معرف للرجحان والاستواء # ثم نقول: بم تنكرون على أصحاب الوقف إذا أنكروا استواء الفعل والترك ~~وقالوا ما من فعل مما لا يحسنه العقل ولا يقبحه إلا ويجوز أن يرد الشرع ~~بإيجابه فيدل على أنه متميز بوصف ذاتي لأجله يكون لطفا ناهيا عن الفحشاء ~~داعيا إلى العبادة ولذلك أوجبه الله تعالى والعقل لا يستقل بدركه ويجوز أن ~~يرد الشرع بتحريمه فيدل على أنه متميز بوصف ذاتي يدعو بسببه إلى الفحشاء لا ~~يدركه العقل وقد استأثر الله بعلمه هذا مذهبهم # ثم يقولون: بم تنكرون على أصحاب الحظر إذ قالوا لا نسلم استواء الفعل ~~وتركه فإن التصرف في ملك الغير بغير إذنه قبيح والله تعالى هو المالك ولم يأذن # فإن قيل: لو كان قبيحا لنهى عنه وورد السمع به فعدم ورود السمع دليل على ~~انتفاء قبحه. # قلنا: لو كان حسنا لأذن فيه وورد ms065 السمع به فعدم ورود السمع به دليل على ~~انتفاء حسنه. # فإن قيل إذا أعلمنا الله تعالى أنه نافع ولا ضرر فيه فقد أذن فيه # قلنا: فإعلام المالك إيانا أن طعامه نافع لا ضرر فيه ينبغي أن يكون أذنا . PageV01P124 # فإن قيل: المالك منا يتضرر والله لا يتضرر فالتصرف في مخلوقاته بالإضافة ~~إليه يجري مجرى التصرف في مرآة الإنسان بالنظر فيها وفي حائطه بالاستظلال ~~به وفي سراجه بالاستضاءة به # قلنا: لو كان قبح التصرف في ملك الغير لتضرره لا لعدم أذنه لقبح وإن أذن ~~إذا كان متضررا كيف ومنع المالك من المرآة والظل والاستضاءة بالسراج قبيح ~~وقد منع الله عباده من جملة من المأكولات ولم يقبح فإن كان ذلك لضرر العبد ~~فما من فعل إلا ويتصور أن يكون فيه ضرر خفي لا يدركه العقل ويرد التوقيف ~~بالنهي عنه # ثم نقول: قولكم أنه إذا كان لا يتضرر الباري بتصرفنا فيباح فلم قلتم ذلك ~~فإن نقل مرآة الغير من موضع إلى موضع وإن كان لا يتضرر به صاحبها يحرم ~~وإنما يباح النظر لأن النظر ليس تصرفا في المرآة كما أن النظر إلى الله ~~تعالى وإلى السماء ليس تصرفا في المنظور فيه ولا في الاستظلال تصرف في ~~الحائط ولا في الاستضاءة تصرف في السراج فلو تصرف في نفس هذه الأشياء ربما ~~يقضي بتحريمه إلا إذا دل السمع على جوازه # فإن قيل: خلق الله تعالى الطعوم فيها والذوق دليل على أنه أراد انتفاعنا ~~بها فقد كان قادرا على خلقها عارية عن الطعوم # قلنا: الأشعرية وأكثر المعتزلة مطبقون على استحالة خلوها عن الأعراض التي ~~هي قابلة لها فلا يستقيم ذلك وإن سلم فلعله خلقها لا لينتفع بها أحد بل خلق ~~العالم بأسره لا لعلة أو لعله خلقها ليدرك ثواب اجتنابها مع PageV01P125 ~~الشهوة كما يثاب على ترك القبائح المشتهاة. # [الرد على القائلين بأن الأصل التحريم]: # وأما مذهب أصحاب الحظر فأظهر بطلانا إذ لا يعرف حظرها بضرورة العقل ولا ~~بدليله ومعنى الحظر ترجيح جانب الترك على جانب الفعل لتعلق ms066 ضرر بجانب الفعل ~~فمن أين يعلم ذلك ولم يرد سمع والعقل لا يقضي به بل ربما يتضرر بترك اللذات ~~عاجلا فكيف يصير تركها أولى من فعلها وقولهم إنه تصرف في ملك الغير بغير ~~إذنه وهو قبيح فاسد لأنا لا نسلم قبح ذلك لولا تحريم الشرع ونهيه ولو حكم ~~فيه العادة فذلك يقبح في حق من تضرر بالتصرف في ملكه بل القبيح المنع مما ~~لا ضرر فيه # ثم قد بينا أن حقيقة درك القبح ترجع إلى مخالفة الغرض وأن ذلك لا حقيقة له # [قول أصحاب الوقف]: # وأما مذهب الوقف إن أرادوا به أن الحكم موقوف على ورود السمع ولا حكم في ~~الحال فصحيح إذ معنى الحكم الخطاب ولا خطاب قبل ورود السمع وإن أريد به أنا ~~نتوقف فلا ندري أنها محظورة أو مباحة فهو خطأ لأنا ندري أنه لا حظر إذ معنى ~~الحظر قول الله تعالى لا تفعلوه ولا إباحة إذ معنى الإباحة قوله: إن شئتم ~~فافعلوه وإن شئتم فاتركوه ولم يرد شيء من ذلك. PageV01P126 ### || AUTO الفن الثاني: في أقسام الأحكام # ... # الفن الثاني: في أقسام الأحكام # ويشتمل على تمهيد ومسائل خمس عشرة: # أما التمهيد: # فإن أقسام الأحكام الثابتة لأفعال المكلفين خمسة الواجب والمحظور والمباح ~~والمندوب والمكروه # ووجه هذه القسمة أن خطاب الشرع إما أن يرد باقتضاء الفعل أو اقتضاء الترك ~~أو التخيير بين الفعل والترك فإن ورد باقتضاء الفعل فهو أمر فإما أن يقترن ~~به الإشعار بعقاب على الترك فيكون واجبا ولا يقترن فيكون ندبا والذي ورد ~~باقتضاء الترك فإن أشعر بالعقاب على الفعل فحظر وإلا فكراهية وإن ورد ~~بالتخيير فهو مباح # ولا بد من ذكر حد كل واحد على الرسم : # [حد الواجب] # فأما حد الواجب: فقد ذكرنا طرفا منه في مقدمة الكتاب ونذكر الآن ما قيل فيه # فقال قوم: إنه الذي يعاقب على تركه # فاعترض عليه بأن الواجب قد يعفي عن العقوبة على تركه ولا يخرج عن كونه ~~واجبا لأن الوجوب ناجز والعقاب منتظر PageV01P127 ~~وقيل ما توعد بالعقاب على تركه ms067 # فاعترض عليه بأنه لو توعد لوجب تحقيق الوعيد فإن كلام الله تعالى صدق ~~ويتصور أن يعفي عنه ولا يعاقب # وقيل ما يخاف العقاب على تركه # وذلك يبطل بالمشكوك في تحريمه ووجوبه فإنه ليس بواجب ويخاف العقاب على تركه # وقال القاضي أبو بكر رحمه الله الأولى في حده أن يقال هو الذي يذم تاركه ~~ويلام شرعا بوجه ما لأن الذم أمر ناجز والعقوبة مشكوك فيها وقوله بوجه ما ~~قصد أن يشمل الواجب المخير فإنه يلام على تركه مع بدله والواجب الموسع فإنه ~~يلام على تركه مع ترك العزم على امتثاله # الفرق بين الواجب والفرض: # فإن قيل: فهل من فرق بين الواجب والفرض ؟ # قلنا: لا فرق عندنا بينهما بل هما من الألفاظ المترادفة كالحتم واللازم ~~وأصحاب أبي حنيفة اصطلحوا على تخصيص اسم الفرض بما يقطع بوجوبه وتخصيص اسم ~~الواجب بما لا يدرك إلا ظنا ونحن لا ننكر انقسام الواجب إلى مقطوع ومظنون ~~ولا حجر في الاصطلاحات بعد فهم المعاني PageV01P128 ~~هل يمكن تصور الايجاب من غير تهديد بالعقوبة على الترك؟ # وقد قال القاضي لو أوجب الله علينا شيئا ولم يتوعد بعقاب على تركه لوجب ~~فالوجوب إنما هو بإيجابه لا بالعقاب # وهذا فيه نظر لأن ما استوى فعله وتركه في حقنا فلا معنى لوصفه بالوجوب إذ ~~لا نعقل وجوبا إلا بأن يترجح فعله على تركه بالإضافة إلى أغراضنا فإذا ~~انتفى الترجيح فلا معنى للوجوب أصلا # حد المحظور: # وإذا عرفت حد الواجب فالمحظور في مقابلته ولا يخفى حده # حد المباح: # وأما حد المباح فقد قيل فيه ما كان تركه وفعله سيين ويبطل بفعل الطفل ~~والمجنون والبهيمة ويبطل بفعل الله تعالى وكثير من أفعاله يساوي الترك في ~~حقنا وهما في حق الله تعالى أبدا سيان وكذلك الأفعال قبل ورود الشرع تساوي ~~الترك ولايسمى شيء من ذلك مباحا بل حده أنه الذي ورد الإذن من الله تعالى ~~بفعله وتركه غير مقرون بذم فاعله ومدحه ولا بذم تاركه ومدحه. # ويمكن أن يحد بأنه الذي عرف الشرع أنه لا ms068 ضرر عليه في تركه ولا فعله ولا ~~نفع من حيث فعله وتركه احترازا عما إذا ترك المباح بمعصية، PageV01P129 ~~فإنه يتضرر لا من حيث ترك المباح بل من يحث ارتكاب المعصية . # حد المندوب: # وأما حد الندب فقيل فيه إنه الذي فعله خير من تركه من غير ذم يلحق بتركه ~~ويرد عليه الأكل قبل ورود الشرع فإنه خير من تركه لما فيه من اللذة وبقاء الحياة # وقالت القدرية :هو الذي إذا فعله فاعله استحق المدح ولا يستحق الذم بتركه ~~ويرد عليه فعل الله تعالى فإنه لا يسمى ندبا مع أنه يمدح على كل فعل ولا يذم # فالأصح في حده أنه المأمور به الذي لا يلحق الذم بتركه من حيث هو ترك له ~~من غير حاجة إلى بدل احترازا عن الواجب المخير والموسع # حد المكروه: # وأما المكروه فهو لفظ مشترك في عرف الفقهاء بين معاني # أحدها : المحظور فكثيرا ما يقول الشافعي رحمه الله وأكره كذا وهو يريد ~~التحريم # الثاني: ما نهي عنه نهي تنزيه وهو الذي أشعر بأن تركه خير من فعله وإن لم ~~يكن عليه عقاب كما أن الندب هو الذي أشعر بأن فعله خير من تركه # الثالث: ترك ما هو الأولى وإن لم ينه عنه كترك صلاة الضحى مثلا لا لنهي ~~ورد عنه ولكن لكثرة فضله وثوابه قيل فيه إنه مكروه تركه # الرابع: ما وقعت الريبة والشبهة في تحريمه كلحم السبع وقليل النبيذ وهذا ~~فيه نظر لأن من أداه اجتهاده إلى تحريمه فهو عليه حرام، ومن أداه PageV01P130 ~~اجتهاده إلى حله فلا معنى للكراهية فيه إلا إذا كان من شبهة الخصم حزازة في ~~نفسه ووقع في قلبه فقد قال صلى الله عليه وسلم " الإثم حزاز القلب " فلا ~~يقبح إطلاق لفظ الكراهة لما فيه من خوف التحريم وإن كان غالب الظن الحل ~~ويتجه هذا على مذهب من يقول المصيب واحد فأما من صوب كل مجتهد فالحل عنده ~~مقطوع به إذا غلب على ظنه الحل PageV01P131 ~~وإذا فرغنا من تمهيد الأقسام فلنذكر المسائل المتشعبة عنها ms069 # مسألة: الواجب المعين والواجب المختبر : # مسألة الواجب ينقسم إلى معين وإلى مبهم بين أقسام محصورة ويسمى واجبا ~~مخيرا كخصلة من خصال الكفارة فإن الواجب من جملتها واحد لا بعينه # وأنكرت المعتزلة ذلك وقالوا لا معنى للإيجاب مع التخيير فإنهما متناقضان # ونحن ندعي أن ذلك جائز عقلا وواقع شرعا # أما دليل جوازه عقلا فهو أن السيد إذا قال لعبده أوجبت عليك خياطة هذا ~~القميص أو بناء هذا الحائط في هذا اليوم أيهما فعلت اكتفيت به وأثبتك عليه ~~وإن تركت الجميع عاقبتك ولست أوجب الجميع وإنما أوجب واحدا لا بعينه أي ~~واحد أردت فهذا كلام معقول ولا يمكن أن يقال أنه لم يوجب عليه شيئا لأنه ~~عرضه للعقاب بترك الجميع فلا ينفك عن الوجوب ولا يمكن أن يقال أوجب الجميع ~~فإنه صرح بنقيضه ولا يمكن أن يقال أوجب واحدا بعينه من الخياطة أو البناء ~~فإنه صرح بالتخيير فلا يبقى إلا أن يقال الواجب واحد لا بعينه # وأما دليل وقوع شرعا فخصال الكفارة بل إيجاب إعتاق الرقبة فإنه بالإضافة ~~إلى أعيان العبيد مخير وكذلك تزويج البكر الطالبة للنكاح من أحد الكفؤين ~~الخاطبين واجب ولا سبيل إلى إيجاب الجمع وكذلك عقد الإمامة لأحد الإمامين ~~الصالحين للإمامة واجب والجمع محال # فإن قيل: الواجب جميع خصال الكفارة فلو تركها عوقب على الجميع ولو أتى ~~بجميعها وقع الجميع واجبا ولو أتى بواحد سقط عنه الآخر وقد يسقط الواجب ~~بأسباب دون الأداء وذلك غير محال # قلنا: هذا لا يطرد في الإمامين والكفؤين فإن الجمع فيه حرام فكيف PageV01P132 ~~يكون الكل واجبا؟! ثم هو خلاف الإجماع في خصال الكفارة إذ الأمة مجمعة على ~~أن الجميع غير واجب # واحتجوا بأن الخصال الثلاث: إن كانت متساوية الصفات عند الله تعالى ~~بالإضافة إلى صلاح العبد فينبغي أن يجب الجميع تسوية بين المتساويات وأن ~~تميز بعضها بوصف يقتضي الإيجاب فينبغي أن يكون هو الواجب ولا يجعل مبهما ~~بغيره كيلا يلتبس بغيره # قلنا: ومن سلم لكم أن للأفعال أوصافا في ذواتها لأجلها يوجبها الله تعالى ms070 ~~بل الإيجاب إليه وله أن يعين واحدة من الثلاث المتساويات فيخصصها بالإيجاب ~~دون غيرها وله أن يوجب واحدا لا بعينه ويجعل مناط التعيين اختيار المكلف ~~لفعله حتى لا يتعذر عليه الامتثال # احتجوا بأن الواجب هو الذي يتعلق به الإيجاب وإذا كان الواجب واحدا من ~~الخصال الثلاث علم الله تعالى ما تعلق به الإيجاب فيتميز ذلك في علمه فكان ~~هو الواجب # قلنا: إذا أوجب واحدا لا بعينه فإنا نعلمه غير معين ولو خاطب السيد عبده ~~بأني أوجبت عليك الخياطة أو البناء فكيف يعلمه الله تعالى ولا يعلمه إلا ~~على ما هو عليه من نعته ونعته أنه غير معين فيعلمه غير معين كما هو عليه ~~وهذا التحقيق وهو أن الواجب ليس له وصف ذاتي من تعلق الإيجاب به وإنما هو ~~إضافة إلى الخطاب والخطاب بحسب النطق والذكر وخلق السواد في أحد الجسمين لا ~~بعينه وخلق العلم في أحد الشخصين لا بعينه غير ممكن فأما ذكر واحد من اثنين ~~لا على التعيين فممكن كمن يقول لزوجتيه إحداكما طالق فالإيجاب قول يتبع النطق # فإن قيل :الموجب طالب ومطلوبه لا بد أن يتميز عنده # قلنا: يجوز أن يكون طلبه متعلقا بأحد أمرين كما تقول المرأة زوجني من PageV01P133 ~~أحد الخاطبين أيهما كان وأعتق رقبة من هذه الرقاب أيها كانت وبايع أحد هذين ~~الإمامين أيهما كان فيكون المطلوب أحدهما لا بعينه وكل ما تصور طلبه تصور إيجابه # فإن قيل: أن الله سبحانه يعلم ما سيأتي به المكلف ويتأدى به الواجب فيكون ~~معينا في علم الله تعالى ؟ # قلنا: يعلمه الله تعالى غير معين ثم يعلم أنه يتعين بفعله ما لم يكن ~~متعينا قبل فعله ثم لو أتى بالجميع أو لم يأت بالجميع فكيف يتعين واحد في ~~علم الله تعالى فإن قيل فلم لا يجوز أن يوجب على أحد شخصين لا بعينه ولم ~~قلتم بأن فرض الكفاية على الجميع مع أن الوجوب يسقط بفعل واحد ؟ # قلنا: لأن الوجوب يتحقق بالعقاب ولا يمكن عقاب أحد الشخصين لا بعينه ~~ويجوز أن ms071 يقال أنه يعاقب على أحد الفعلين لا بعينه # مسألة: الواجب المضيق والواجب الموسع # مسألة أصناف الواجب من حيث الوقت الواجب ينقسم بالإضافة إلى الوقت إلى ~~مضيق وموسع # وقال قوم: التوسع يناقض الوجوب وهو باطل عقلا وشرعا # أما العقل فإن السيد إذا قال لعبده خط هذا الثوب في بياض هذا النهار إما ~~في أوله أو في أوسطه أو في آخره كيفما أردت فمهما فعلت فقد امتثلت إيجابي ~~فهذا معقول ولا يخلو إما أن يقال لم يوجب شيئا أصلا أو أوجب شيئا مضيقا ~~وهما محالان فلم يبق إلا أنه أوجب موسعا # وأما الشرع فالإجماع منعقد على وجوب الصلاة عند الزوال وأنه مهما صلى كان ~~مؤديا للفرض وممتثلا لأمر الأيجاب مع أنه لا تضييق # فإن قيل: حقيقة الواجب ما لا يسع تركه بل يعاقب عليه والصلاة والخياطة إن ~~أضيفا إلى آخر الوقت فيعاقب على تركه فيكون وجوبه في آخر الوقت أما قبله ~~فيتخير بين فعله وتركه وفعله خير من تركه وهذا حد الندب # قلنا :كشف الغطاء عن هذا أن الأقسام في العقل ثلاثة :فعل لا عقاب على PageV01P134 ~~تركه مطلقا وهو الندب وفعل يعاقب على تركه مطلقا وهو الواجب وفعل يعاقب على ~~تركه بالإضافة إلى مجموع الوقت ولكن لا يعاقب بالإضافة إلى بعض أجزاء الوقت ~~وهذا قسم ثالث فيفتقر إلى عبارة ثالثة وحقيقته لا تعدو الندب والوجوب فأولى ~~الألقاب به الواجب الموسع أو الندب الذي لا يسع تركه وقد وجدنا الشرع يسمي ~~هذا القسم واجبا بدليل انعقاد الإجماع على نية الفرض في ابتداء وقت الصلاة ~~وعلى أنه يثاب على فعله ثواب الفرض لا ثواب الندب # فإذا الأقسام الثلاثة لا ينكرها العقل والنزاع يرجع إلى اللفظ والذي ~~ذكرناه أولى # فإن قيل ليس هذا قسما ثالثا بل هو بالإضافة إلى أول الوقت ندب إذ يجوز ~~تركه وبالإضافة إلى آخر الوقت حتم إذ لا يسع تأخيره عنه وقولكم أنه ينوي ~~الفرض فمسلم لكنه فرض بمعنى أنه يصير فرضا كمعجل الزكاة ينوي فرض الزكاة ~~ويثاب ثواب معجل الفرض ms072 لا ثواب الندب ولا ثواب الفرض الذي ليس بمعجل # قلنا :قولكم :أنه بالإضافة إلى أول الوقت يجوز تأخيره فهو ندب خطأ إذ ليس ~~هذا حد الندب بل الندب ما يجوز تركه مطلقا وهذا لا يجوز تركه إلا بشرط وهو ~~الفعل بعده أو العزم على الفعل وما جاز تركه ببدل وشرط فليس بندب بدليل ما ~~لو أمر بالإعتاق فإنه ما من عبد إلا ويجوز له ترك اعتاقه لكن بشرط أن يعتق ~~عبدا آخر وكذلك خصال الكفارة ما من واحدة إلا ويجوز تركها لكن ببدل ولا ~~يكون ندبا بل كما يسمى ذلك واجبا مخيرا يسمى هذا واجبا غير مضيق وإذا كان ~~حظ المعنى منه متفقا عليه وهو الانقسام إلى الأقسام الثلاثة فلا معنى ~~للمناقشة وما جاز تركه بشرط يفارق ما لا يجوز تركه مطلقا وما يجوز تركه ~~مطلقا فهو قسم ثالث # وأما ما ذكرتموه من أنه تعجيل للفرض فلذلك سمي فرضا فمخالف للإجماع إذ ~~يجب نية التعجيل في الزكاة وما نوى أحد من السلف في الصلاة في أول الوقت ~~إلا ما نواه في آخره ولم يفرقوا أصلا وهو مقطوع به PageV01P135 ~~فإن قيل: :قد قال قوم يقع نفلا ويسقط الفرض عنده وقال قوم يقع موقوفا فإن ~~بقي بنعت المكلفين إلى آخر الوقت تبين وقوعه فرضا وإن مات أو جن وقع نفلا # قلنا: :لو كان يقع نفلا لجازت بنية النفل بل استحال وجود نية الفرض من ~~العالم بكونه نفلا إذ النية قصد يتبع العلم والوقف باطل إذ الأمة مجمعة على ~~أن من مات في وسط الوقت بعد الفراغ من الصلاة مات مؤديا فرض الله تعالى كما ~~نواه وأداه إذا قال نويت أداء فرض الله تعالى # فإن قيل: بنيتم كلامكم على أن تركه جائز بشرط وهو العزم على الامتثال أو ~~الفعل وليس كذلك فإن الواجب المخير ما خير فيه بين شيئين كخصال الكفارة وما ~~خير الشرع بين فعل الصلاة والعزم ولأن مجرد قوله صل في هذا الوقت ليس فيه ~~تعرض للعزم فإيجابه زيادة على مقتضى ms073 الصيغة ولأنه لو غفل وخلا عن العزم ~~ومات في وسط الوقت لم يكن عاصيا. # قلنا: أما قولكم لو ذهل لا يكون عاصيا فمسلم وسببه أن الغافل لا يكلف أما ~~إذا لم يغفل عن الأمر فلا يلخو عن العزم إلا بضده وهو العزم على الترك ~~مطلقا وذلك حرام وما لا خلاص من الحرام إلا به فهو واجب فهذا الدليل قد دل ~~على وجوبه وإن لم يدل عليه مجرد الصيغة من حيث وضع اللسان ودليل العقل أقوى ~~من دلالة الصيغة # فإذا يرجع حاصل الكلام إلى أن الواجب الموسع كالواجب المخير بالإضافة إلى ~~أول الوقت وبالإضافة إلى آخره أيضا فإنه لو أخلي عنه في آخره لم يعص إذا ~~كان قد فعل في أوله # مسألة: حكم من توفي أثناء وقت الصلاة بعد العزم عليها # إذا مات في أثناء وقت الصلاة فجأة بعد العزم على الامتثال لا يكون عاصيا PageV01P136 ~~وقال بعض من أراد تحقيق معنى الوجوب أنه يعصي وهو خلاف إجماع السلف فإنا ~~نعلم أنهم كانوا لا يؤثمون من مات فجأة بعد انقضاء مقدار أربع ركعات من وقت ~~الزوال أو بعد انقضاء مقدار ركعتين من أول الصبح وكانوا لا ينسبونه إلى ~~تقصير ولا سيما إذا اشتغل بالوضوء أو نهض إلى المسجد فمات في الطريق بل ~~محال أن يعصي وقد جوز له التأخير فمن فعل ما يجوز له كيف يمكن تعصيته؟ # فإن قيل: جاز له التأخير بشرط سلامة العاقبة # قلنا: هذا محال فإن العاقبة مستورة عنه فإذا سألنا وقال العاقبة مستورة ~~عني وعلي صوم يوم وأنا أريد أن أؤخره إلى غد فهل يحل لي التأخير مع الجهل ~~بالعاقبة أم أعصي بالتأخير فلا بدل له من جواب فإن قلنا لا يعصي فلم أثم ~~بالموت الذي ليس إليه وإن قلنا يعصي فهو خلاف الإجماع في الواجب الموسع وإن ~~قلنا إن كان في علم الله تعالى أنك تموت قبل الغد فأنت عاص وإن كان في علمه ~~أن تحيا فلك التأخير فيقول وما يدريني ماذا في علم الله فما فتواكم ms074 في حق ~~الجاهل فلا بد من الجزم بالتحليل أو التحريم # فإن قيل :فإن جاز تأخيره أبدا ولا يعصي إذا مات فأي معنى لوجوبه؟ # قلنا: تحقق الوجوب بأنه لم يجز التأخير إلا بشرط العزم ولا يجوز العزم ~~على التأخير إلا إلى مدة يغلب على ظنه البقاء إليها كتأخيره الصلاة من ساعة ~~إلى ساعة وتأخيره الصوم من يوم إلى يوم مع العزم على التفرغ له في كل وقت ~~وتأخيره الحج من سنة إلى سنة فلو عزم المريض المشرف على الهلاك على التأخير ~~شهرا أو الشيخ الضعيف على التأخير سنين وغالب ظنه أنه لا يعيش إلى تلك ~~المدة عصي بهذا التأخير وإن لم يمت ووفق للعمل لكنه مأخوذ بموجب ظنه ~~كالمعزر إذا ضرب ضربا يهلك أو قاطع سلعة وغالب ظنه الهلاك أثم وإن سلم PageV01P137 ~~ولهذا قال أبو حنيفة لا يجوز تأخير الحج لأن البقاء إلى سنة لا يغلب على ~~الظن وأما تأخير الصوم والزكاة إلى شهر وشهرين فجائز لأنه لا يغلب على الظن ~~الموت إلى تلك المدة # والشافعي رحمة الله يرى البقاء إلى السنة الثانية غالبا على الظن في حق ~~الشاب الصحيح دون الشيخ والمريض # ثم المعزر إذا فعل ما غالب ظنه السلامة فهلك ضمن لا لأنه آثم لكن لأنه ~~أخطأ في ظنه والمخطىء ضامن غير آثم # مسألة: ما لا يتم الواجب إلا به # اختلفوا في أن ما لا يتم الوجب إلا به هل يوصف بالوجوب ؟ # والتحقيق في هذا أن هذا ينقسم إلى ما ليس إلى المكلف كالقدرة على الفعل ~~وكاليد في الكتابة وكالرجل في المشي فهذا لا يوصف بالوجوب بل عدمه يمنع ~~الإيجاب إلا على مذهب من يجوز تكليف ما لا يطاق وكذلك تكليف حضور الإمام ~~الجمعة وحضور تمام العدد فإنه ليس إليه فلا يوصف بالوجوب بل يسقط بتعذره الواجب # وأما ما يتعلق باختيار العبد فينقسم إلى الشرط الشرعي وإلى الحسي # فالشرعي كالطهارة في الصلاة يجب وصفها بالوجوب عند وجوب الصلاة فإن إيجاب ~~الصلاة إيجاب لما يصير به الفعل صلاة # وأما الحسي ms075 فكالسعي إلى الجمعة وكالمشي إلى الحج وإلى مواضع المناسك ~~فينبغي أن يوصف أيضا بالوجوب إذ أمر البعيد عن البيت بالحج أمر بالمشي إليه ~~لا محالة وكذلك إذا وجب غسل الوجه ولم يمكن إلا بغسل جزء من الرأس وإذا وجب ~~الصوم ولم يمكن إلا بالإمساك جزء من الليل قبل الصبح فيوصف ذلك بالوجوب # ونقول: ما لا يتصول إلى الواجب إلا به وهو فعل المكلف فهو واجب وهذا أولى ~~من أن نقول يجب التوصل إلى الواجب بما ليس بواجب إذ قولنا يجب فعل ما ليس ~~بواجب متناقض وقولنا ما ليس بواجب صار PageV01P138 ~~واجبا غير متناقض فإنه واجب لكن الأصل وجب بالإيجاب قصدا إليه والوسيلة ~~وجبت بواسطة وجوب المقصود وقد وجب كيفما كان وإن كان علة وجوبه غير علة ~~وجوب المقصود # فإن قيل :لو كان واجبا لكان مقدرا فما المقدار الذي يجب غسله من الرأس ~~وإمساكنه من الليل؟ # قلنا: قد وجب التوصل به إلى الواجب وهو غير مقدر بل يجب مسح الرأس ويكفي ~~أقل ما ينطلق عليه الاسم وهو غير مقدر فكذلك الواجب أقل ما يمكن به غسل ~~الوجه وهذا التقدير كاف في الوجوب # فإن قيل :لو كان واجبا لكان يثاب على فعله ويعاقب على تركه وتارك الوضوء ~~لا يعاقب على ما تركه من غسل الرأس بل من غسل الوجه وتارك الصوم لا يعاقب ~~على ترك الإمساك ليلا # قلنا: ومن أنبأكم بذلك ؟ومن أين عرفتم أن ثواب البعيد عن البيت لا يزيد ~~على ثواب القريب في الحج؟ وأن من زاد عمله لا يزيد ثوابه وإن كان بطريق ~~التوصل؟ وأما العقاب فهو عقاب على ترك الصوم والوضوء وليس يتوزع على أجزاء ~~الفعل فلا معنى لإضافته إلى التفاصيل ؟ # فإن قيل: لو قدر على الاقتصار على غسل الوجه لم يعاقب # قلنا: هذا مسلم لأنه إنما يجب على العاجز أما القادر فلا وجوب عليه # مسألة : حكم اختلاط المنكوحة بالأجنبية # قال قائلون: إذا اختلطت منكوحة بأجنبية وجب الكف عنهما لكن الحرام هي ~~الأجنبية والمنكوحة حلال ويجب الكف عنها ms076 # وهذا متناقض بل ليس الحرمة والحل وصفا ذاتيا لهما بل هو متعلق بالفعل ~~فإذا حرم فعل الوطء فيهما فأي معنى لقولنا وطء المنكوحة حلال PageV01P139 ~~ووطء الأجنبية حرام ؟!بل هما حرامان إحداهما بعلة الأجنبية والأخرى بعلة ~~الاختلاط بالأجنبية فالاختلاف في العلة لا في الحكم وإنما وقع هذا في ~~الأوهام من حيث ضاهى الوصف بالحل والحرمة الوصف بالعجز والقدرة والسواد ~~والبياض والصفات الحسية وذلك وهم نبهنا عليه إذ ليست الأحكام صفات للأعيان ~~أصلا بل نقول إذا اشتبهت رضيعة بنساء بلدة فنكح واحدة حلت واحتمل أن تكون ~~هي الرضيعة في علم الله تعالى ولا نقول إنها ليست في علم الله تعالى زوجة ~~له إذ لا معنى للزوجة إلا من حل وطؤها بنكاح وهذه قد حل وطؤها فهي حلال ~~عنده وعند الله تعالى ولا نقول هي حرام عند الله تعالى وحلال عنده في ظنه ~~بل إذا ظن الحل فهي حلال عند الله تعالى وسيأتي تحقيق هذا في مسألة تصويب ~~المجتهد # أما إذا قال لزوجتيه إحداكما طالق فيحتمل أن يقال يحل وطؤها والطلاق غير ~~واقع لأنه لم يعين له محلا فصار كما إذا باع أحد عبديه ويحتمل أن يقال ~~حرمتا جميعا فإنه لا يشترط تعيين محل الطلاق ثم عليه التعيين وإليه ذهب ~~أكبر الفقهاء والمتبع في ذلك موجب ظن المجتهد أما المصير إلى أن إحداهما ~~محرمة والأخرى منكوحة كما توهموه في اختلاط المنكوحة بالأجنية فلا ينقدح ~~هاهنا لأن ذلك جهل من الآدمي عرض بعد التعيين وأما هنا فليس متعينا في نفسه ~~بل يعلمه الله تعالى مطلقا لإحداهما لا بعينها PageV01P140 ~~فإن قيل إذا وجب عليه التعيين فالله تعالى يعلم ما سيعينه فتكون هي المحرمة ~~المطلقة بعينها في علم الله تعالى وإنما هو مشكل علينا # قلنا: الله تعالى يعلم الأشياء على ما هي عليه فلا يعلم الطلاق الذي لم ~~يعين محله متعينا بل يعلمه قابلا للتعيين إذا عينه المطلق ويعلم أنه سيعين ~~زينب مثلا فيتعين الطلاق بتعيينه إذا عين لا قبله وكذلك نقول في الواجب ~~المخير الله ms077 تعالى يعلم ما سيفعله العبد من خلال الكفارة ولا يعلمه واجبا ~~بعينه بل واجبا غير معين في حال ثم يعلم صيرورته متعينا بالتعيين بدليل أنه ~~لو علم أنه يموت قبل التكفير وقبل التعيين فيعلم الوجوب والطلاق على ما هو ~~عليه من عدم التعيين # مسألة:حكم الواجب غير المعروف # اختلفوا في الواجب الذي لا يتقدر بحد محدود كمسح الرأس والطمأنينة في ~~الركوع والسجود ومدة القيام إنه إذا زاد على أقل الواجب هل توصف الزيادة ~~بالوجوب؟ فلو مسح جميع الرأس هل يقع فعله بجملته واجبا أو الواجب الأقل ~~والباقي ندب؟ # فذهب قوم إلى أن الكل يوصف بالوجوب لأن نسبة الكل إلى الأمر واحد والأمر ~~في نفسه أمر واحد وهو أمر إيجاب ولا يتميز البعض من البعض فالكل امتثال # والأولى أن يقال الزيادة على الأقل ندب فإنه لم يجب إلا أقل ما ينطلق ~~عليه الاسم وهذا في الطمأنينة والقيام وما وقع متعاقبا أظهر وكذلك المسح ~~إذا وقع متعاقبا وما وقع من جملته معا وإن كان لا يتميز بعضه من بعض ~~بالإشارة والتعيين فيحتمل أن يقال قدر الأقل منه واجب والباقي ندب وإن لم ~~يتميز بالإشارة المندوب عن الواجب لأن الزيادة على الأقل لا عقاب على تركها ~~مطلقا من غير شرط بدل فلا يتحقق فيه حد الوجوب PageV01P141 ~~مسألة: حقيقة الوجوب والجواز # الوجوب يباين الجواز والإباحة بحده فلذلك قلنا يقضي بخطأ من ظن أن الوجوب ~~إذا نسخ بقي الجواز بل الحق أنه إذا نسخ رجع الأمر إلى ما كان قبل الوجوب ~~من تحريم أو إباحة وصار الوجوب بالنسخ كأن لم يكن فإن قيل كل واجب فهو جائز ~~وزيادة إذ الجائز ما لا عقاب على فعله والواجب أيضا لا عقاب على فعله وهو ~~معنى الجواز فإذا نسخ الوجوب فكأنه أسقط العقاب على تركه فيبقى سقوط العقاب ~~على فعله وهو معنى الجواز # قلنا :هذا كقول القائل: كل واجب فهو ندب وزيادة فإذا نسخ الوجوب بقي ~~الندب ولا قائل به ولا فرق بين الكلامين وكلاهما وهم بل الواجب لا ms078 يتضمن ~~معنى الجواز فإن حقيقة الجواز التخيير بين الفعل والترك والتساوي بينهما ~~بتسوية الشرع وذلك منفي عن الواجب # وذكر هذه المسألة ههنا أولى من ذكرها في كتاب النسخ فإنه نظر في حقيقة ~~الوجوب والجواز لا في حقيقة النسخ # مسألة الجواز ليس فيه أمر # كما فهمت أن الواجب لا يتضمن الجواز فافهم أن الجائز لا يتضمن الأمر وأن ~~المباح غير مأمور به لتناقض حديهما كما سبق خلافا للبلخي فإنه قال المباح ~~مأمور به لكنه دون الندب كما أن الندب مأمور به لكنه دون الواجب # وهذا محال إذ الأمر اقتضاء وطلب والمباح غير مطلوب بل مأذون فيه ومطلق له ~~فإن استعمل لفظ الأمر في الإذن فهو تجوز PageV01P142 ~~فإن قيل: ترك الحرام واجب والسكون المباح يترك به الحرام من الزنا والسرقة ~~والسكوت المباح أو الكلام المباح يترك به الكفر والكذب وترك الكفر والكذب ~~والزنا مأمور به # قلنا: قد يترك بالندب حرام فليكن واجبا وقد يترك بالحرام حرام آخر فليكن ~~الشيء الواحد واجبا حراما وهو تناقض ويلزم هذا على مذهب من زعم أن الأمر ~~بالشيء نهي عن ضده والنهي عن الشيء أمر بأحد أضداده بل يلزم عليه كون ~~الصلاة حراما إذا تحرم بها من ترك الزكاة الواجبة لأنه أحد أضداد الواجب ~~وكل ذلك قياس مذهب هؤلاء لكنهم لم يقولوا به # مسألة : هل المباح مكلف به؟ # فإن قيل فالمباح هل يدخل تحت التكليف؟ وهل هو من التكاليف؟ # قلنا إن كان التكليف عبارة عن طلب ما فيه كلفة فليس ذلك في المباح وإن ~~أريد به ما عرف من جهة الشرع إطلاقه والإذن فيه فهو تكليف وإن أريد به أنه ~~الذي كلف اعتقاد كونه من الشرع فقد كلف ذلك لكن لا بنفس الإباحة بل بأصل ~~الإيمان وقد سماه الأستاذ أبو إسحق رحمه الله تكليفا بهذا التأويل الأخير ~~وهو بعيد مع أنه نزاع في اسم # فإن قيل فهل المباح حسن ؟ # قلنا إن كان الحسن عبارة عما لفاعله أن يفعله فهو حسن وإن كان عبارة عما ~~أمر بتعظيم فاعله ms079 والثناء عليه أو وجب اعتقاد استحقاقه للثناء والقبيح ما ~~يجب اعتقاد استحقاق صاحبه للذم أو العقاب فليس المباح بحسن واحترزنا ~~باعتقاد الاستحقاق عن معاصي الأنبياء فقد دل الدليل على وقوعها منهم ولم ~~يأمر بإهانتهم وذمهم لكنا نعتقد استحقاقهم لذلك مع تفضل الله تعالى بإسقاط ~~المستحق من حيث أمرنا بتعظيمهم والثناء عليهم # مسألة هل المباح من الشريعة؟ PageV01P143 # المباح من الشرع وقد ذهب بعض المعتزلة إلى أنه ليس من الشرع إذ معنى المباح ~~رفع الحرج عن الفعل والترك وذلك ثابت قبل السمع فمعنى إباحة الشرع شيئا أنه ~~تركه على ما كان عليه قبل ورود السمع ولم يغير حكمه وكل ما لم يثبت تحريمه ~~ولا وجوبه بقي على النفي الأصلي فعبر عنه بالمباح # وهذا له غور وكشف الغطاء عنه أن الأفعال ثلاثة أقسام # قسم بقي على الأصل فلم يرد فيه من الشرع تعرض لا بصريح اللفظ ولا بدليل ~~من أدلة السمع فينبغي أن يقال استمر فيه ما كان ولم يتعرض له السمع فليس ~~فيه حكم # وقسم صرح الشرع فيه بالتخيير وقال إن شئتم فافعلوه وإن شئتم فاتركوه فهذا ~~خطاب والحكم لا معنى له إلا الخطاب ولا سبيل إلى إنكاره وقد ورد # وقسم ثالث لم يرد فيه خطاب بالتخيير لكن دل دليل السمع على أنه نفي الحرج ~~عن فعله وتركه فقد عرف بدليل السمع ولولا هذا الدليل لكان يعرف بدليل العقل ~~نفي الحرج عن فاعله وبقاؤه على النفي الأصلي فهذا فيه نظر إذ اجتمع عليه ~~دليل العقل والسمع # وفي الطرفين الآخرين أيضا نظر إذ يمكن أن يقال قول الشارع إن شئت فقم وإن ~~شئت فاقعد ليس بتجديد حكم هو تقرير للحكم السابق ومعنى تقريره أنه ليس يغير ~~أمره بل يتركه على ما هو عليه فليس ذلك أمرا حادثا بالشرع فلا يكون شرعيا ~~وأما الطرف الآخر وهو الذي لم يرد فيه خطاب ولا دليل فيمكن أيضا إنكاره بأن ~~يقال قد دل السمع على أن ما لم يرد فيه طلب فعل ولا طلب ترك فالمكلف فيه ms080 ~~مخير وهذا دليل على العموم فيما لا يتناهى من الأفعال فلا يبقى فعل إلا ~~مدلولا عليه من جهة الشرع فتكون إباحته من الشرع PageV01P144 ~~وإلا عورض أن الإباحة من جهة الشرع تقرير لا تغيير وليس مع التقرير تجديد ~~أمر بل بيان أنه لم يجدد فيه أمرا بل كف عن التعرض له وسيأتي لهذا تحقيق في ~~مسألة إقامة الدليل على النافي # مسألة: التفريق بين المندوب والمباح # المندوب مأمور به وإن لم يكن المباح مأمورا به لأن الأمر اقتضاء وطلب ~~والمباح غير مقتضى أما المندوب فإنه مقتضى لكن مع إسقاط الذم عن تاركه ~~والواجب مقتضى لكن مع ذم تاركه إذا تركه مطلقا أو تركه وبدله وقال قوم ~~المندوب غير داخل تحت الأمر # وهو فاسد من وجهين: # أحدهما أنه شاع في لسان العلماء أن الأمر ينقسم إلى أمر إيجاب وأمر ~~استحباب وما شاع أنه ينقسم إلى أمر إباحة وأمر إيجاب مع أن صيغة الأمر قد ~~تطلق لإرادة الإباحة كقوله تعالى { وإذا حللتم فاصطادوا } ]المائدة :2 ~~[{فإذا قضيت الصلاة فانتشروا } ]الجمعة:10[ # الثاني :إن فعل المندوب طاعة بالاتفاق وليس طاعة لكونه مرادا إذ الأمر ~~عندنا يفارق الإرادة ولا لكونه موجودا أو حادثا أو لذاته أو نفسه إذ يجري ~~ذلك في المباحات ولا لكونه مثابا عليه فإن المأمور وإن لم يثب ولم يعاقب ~~إذا امتثل كان مطيعا وإنما الثواب للترغيب في الطاعة ولأنه قد يحبط بالكفر ~~ثواب طاعته ولا يخرج عن كونه مطيعا # فإن قيل: الأمر عبارة عن اقتضاء جازم لا تخيير معه والندب مقرون بتجويز ~~الترك والتخيير فيه وقولكم أنه يسمى مطيعا يقابله أنه لو ترك لا يسمى PageV01P145 ~~عاصيا # قلنا: الندب اقتضاء جازم لا تخيير فيه لأن التخيير عبارة عن التسوية فإذا ~~رجح جهة الفعل بربط الثواب به ارتفعت التسوية والتخيير وقد قال تعالى في ~~المحرمات أيضا فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر الكهف فلا ينبغي أن يظن أن ~~الأمر اقتضاء جازم بمعنى أن الشرع يطلب منه شيئا لنفسه بل يطلب منه لما فيه ~~من صلاحه ms081 والله تعالى يقتضي من عباده ما فيه صلاحهم ولا يرضى الكفر لهم ~~وكذلك يقتضي الندب لنيل الثواب ويقول الفعل والترك سيان بالإضافة إلي أما ~~في حقك فلا مساواة ولا خيرة إذ في تركه ترك صلاحك وثوابك فهو اقتضاء جازم # وأما قولهم: أنه لا يسمى عاصيا فسببه أن العصيان اسم ذم وقد أسقط الذم ~~عنه نعم يسمى مخالفا وغير ممتثل كما يسمى فاعله موافقا ومطيعا # مسألة: الواجب غير الحرام # إذا عرفت أن الحرام ضد الواجب لأنه المقتضى تركه والواجب هو المقتضى فعله ~~فلا يخفى عليك أن الشيء الواحد يستحيل أن يكون واجبا حراما طاعة معصية # لكن ربما تخفى عليك حقيقة الواحد فالواحد ينقسم إلى واحد بالنوع وإلى ~~واحد بالعدد # أما الواحد بالنوع كالسجود مثلا فإنه نوع واحد من الأفعال فيجوز أن ينقسم ~~إلى الواجب والحرام ويكون انقسامه بالأوصاف والإضافات كالسجود لله تعالى ~~والسجود للصنم إذ أحدهما واجب والآخر حرام ولا تناقض PageV01P146 ~~وذهب بعض المعتزلة إلى أنه تناقض فإن السجود نوع واحد مأمور به فيستحيل أن ~~ينهى عنه بل الساجد للصنم عاص بقصد تعظيم الصنم لا بنفس الجسود # وهذا خطأ فاحش فإنه إذا تغاير متعلق الأمر والنهي لم يتناقض والسجود ~~للصنم غير السجود لله تعالى لأن اختلاف الإضافات والصفات يوجب المغايرة إذ ~~الشيء لا يغاير نفسه والمغايرة تارة تكون باختلاف النوع وتارة باختلاف ~~الوصف وتارة باختلاف الإضافة وقد قال الله تعالى { لا تسجدوا للشمس ولا ~~للقمر واسجدوا لله } ] فصلت:37[ وليس المأمور به هو المنهي عنه والإجماع ~~منعقد على أن الساجد للشمس عاص بنفس السجود والقصد جميعا فقولهم إن السجود ~~نوع واحد لا يغني مع انقسام هذا النوع إلى أقسام مختلفة المقاصد إذ مقصود ~~بهذا السجود تعظيم الصنم دون تعظيم الله تعالى واختلاف وجوه الفعل كاختلاف ~~نفس الفعل في حصول الغيرية الرافعة للتضاد فإن التضاد إنما يكون بالإضافة ~~إلى واحد ولا وحدة مع المغايرة # مسألة: الواحد بالتعيين # ما ذكرناه في الواحد بالنوع ظاهر أما الواحد بالتعيين كصلاة زيد في دار ~~مغصوبة من عمرو ms082 فحركته في الصلاة فعل واحد بعينه هو مكتسبه ومتعلق قدرته ~~فالذين سلموا في النوع الواحد نازعوا ههنا فقالوا لا تصح هذه الصلاة إذ ~~يؤدي القول بصحتها إلى أن تكون العين الواحدة من الأفعال حراما واجبا وهو ~~متناقض فقيل لهم هذا خلاف إجماع السلف فإنهم ما أمروا الظلمة عند التوبة ~~بقضاء الصلوات المؤداة في الدور المغصوبة مع كثرة وقوعها ولا نهوا الظالمين ~~عن الصلاة في الأراضي المغصوبة PageV01P147 ~~فأشكل الجواب على القاضي أبي بكر رحمه الله فقال يسقط الوجوب عندها لا بها ~~بدليل الإجماع ولا يقع واجبا لأن الواجب ما يثاب عليه وكيف يثاب على ما ~~يعاقب عليه وفعله واحد وهو كون في الدار المغصوبة وسجوده وركوعه أكوان ~~اختيارية هو معاقب عليها ومنهي عنها وكل من غلب عليه الكلام قطع بهذا نظرا ~~إلى اتحاد أكوانه في كل حالة من أحواله وإن الحادث منه الأكوان لا غيرها ~~وهو معاقب عليها عاص بها فكيف يكون متقربا بما هو معاقب عليه ومطيعا بما هو ~~به عاص؟! # وهذا غير مرضي عندنا بل نقول الفعل وإن كان واحدا في نفسه فإذا كان له ~~وجهان متغايران يجوز أن يكون مطلوبا من أحد الوجهين مكروها من الوجه الآخر ~~وإنما المحال أن يطلب من الوجه الذي يكره بعينه وفعله من حيث أنه صلاة ~~مطلوب ومن حيث أنه غصب مكروه والغصب معقول دون الصلاة والصلاة معقولة دون الغصب # وقد اجتمع الوجهان في فعل واحد ومتعلق الأمر والنهي الوجهان المتغايران ~~وكذلك يعقل من السيد أن يقول لعبده صل اليوم ألف ركعة وخط هذا الثواب ولا ~~تدخل هذه الدار فإن ارتكبت النهي ضربتك وإن امتثلت الأمر أعتقتك فخاط الثوب ~~في الدار وصلى ألف ركعة في تلك الدار فيحسن من السيد أن يضربه ويعتقه ويقول ~~أطاع بالخياطة والصلاة وعصى بدخول الدار فكذلك فيما نحن فيه من غير فرق # فالفعل وإن كان واحدا فقد تضمن تحصيل أمرين مختلفين يطلب أحدهما ويكره ~~الآخر ولو رمى سهما واحدا إلى مسلم بحيث يمرق إلى كافر أو إلى كافر ms083 بحيث ~~يمرق إلى مسلم فإنه يثاب ويعاقب ويملك سلب الكافر ويقتل بالمسلم قصاصا ~~لتضمن فعله الواحد أمرين مختلفين # فإن قيل :ارتكاب المنهى عنه إذا أخل بشرط العبادة أفسدها بالاتفاق ونية ~~التقرب بالصلاة شرط والتقرب بالمعصية محال فكيف ينوي التقرب؟ PageV01P148 # فالجواب من أوجه: # الأول : إن الإجماع إذا انعقد على صحة هذه الصلاة فليعلم به بالضرورة أن ~~نية التقرب ليس بشرط أو نية التقرب بهذه الصلاة ممكن وأبو هاشم والجبائي ~~ومن خالف في صحة الصلاة مسبوق بإجماع الأمة على ترك تكليف الظلمة قضاء ~~الصلوات مع كثرتهم وكيف ينكر سقوط نية التقرب وقد اختلفوا في اشتراط نية ~~الفرضية ونية الإضافة إلى الله تعالى فقال قوم لا يجب إلا أن ينوي الظهر أو ~~العصر فهو في محل الاجتهاد وقد ذهب قوم إلى أن الصلاة تجب في آخر الوقت ~~والصبي إذا صلى في أول الوقت ثم بلغ آخره أجزأه ولو بلغ في وسط الوقت مع ~~أنه لا تتحقق الفرضية في حقه # فإن قيل :من نوى الصلاة فقد تضمنت نيته القربة. # قلنا: إذا صحت الصلاة بالإجماع واستحالت نية التقرب فتلغى تلك النية ويصح ~~أن يقال تعلقت نية التقرب ببعض أجزاء الصلاة من الذكر والقراءة وما لا ~~يزاحم حق المغصوب منه فإن الأكوان هي التي تتناول منافع الدار ثم كيف ~~يستقيم من المعتزلة هذا وعندهم لا يعلم المأمور كونه مأمورا ولا كون ~~العبادة واجبة قبل الفراغ من الامتثال كما سيأتي فكيف ينوي التقرب بالواجب ~~وهو لا يعرف وجوبه ؟ # الجواب الثاني : وهو الأصح أنه ينوي التقرب بالصلاة ويعصي بالغصب وقد ~~بينا انفصال أحدهما عن الآخر ولذلك يجد المصلي من نفسه نية التقرب بالصلاة ~~وإن كان في دار مغصوبة لأنه لو سكن ولم يفعل فعلا لكان غاصبا في حالة النوم ~~وعدم استعمال القدرة وإنما يتقرب بأفعاله وليست تلك الأفعال شرطا لكونه غاصبا؟ # فإن قيل: هو في حالة القعود والقيام غاصب بفعله ولا فعل له إلا قيامه ~~وقعوده وهو متقرب بفعله فيكون متقربا بعين ما هو عاص به؟ PageV01P149 # قلنا: هو ms084 من حيث أنه مستوف منافع الدار غاصب ومن حيث أنه أتى بصورة الصلاة ~~متقرب كما ذكرناه في صورة الخياطة إذ قد يعقل كونه غاصبا ولا يعلم كونه ~~مصليا ويعلم كونه مصليا ولا يعلم كونه غاصبا فهما وجهان مختلفان وإن كان ~~ذات الفعل واحدا # الجواب الثالث : هو أنا نقول بم تنكرون على القاضي رحمه الله حيث حكم بأن ~~الفرض يسقط عندها لا بها بدليل الإجماع فسلم أنه معصية ولكن الأمر لا يدل ~~على الأجزاء إذا أتى بالمأمور ولا النهي يدل على عدم الأجزاء بل يؤخذ ~~الأجزاء من دليل آخر كما سيأتي # فإن قيل: هذه المسألة اجتهادية أم قطعية؟ # قلنا: هي قطعية والمصيب فيها واحد لأن من صحح أخذ من الإجماع وهو قاطع ~~ومن أبطل أخذ من التضاد الذي بين القربة والمعصية ويدعى كون ذلك محالا ~~بدليل العقل فالمسألة قطعية # فإن قيل: ادعيتم الإجماع في هذه المسألة وقد ذهب أحمد بن حنبل إلى بطلان ~~هذه الصلاة وبطلان كل عقد منهي عنه حتى البيع في وقت النداء يوم الجمعة ~~فكيف تحتجون عليه بالإجماع؟ # قلنا: الإجماع حجة عليه إذ علمنا أن الظلمة لم يؤمروا بقضاء الصلوات مع ~~كثرة وقوعها مع أنهم لو أمروا به لانتشر وإذا أنكر هذا فيلزمه ما هو أظهر ~~منه وهو أن لا تحل امرأة لزوجها وفي ذمته دانق ظلم به ولا يصح بيعه ولا ~~صلاته ولا تصرفاته وأنه لا يحصل التحليل بوطء من هذه حاله لأنه عصى بترك رد ~~المظلمة ولم يتركها إلا بتزويجه وبيعه وصلاته وتصرفاته فيؤدي إلى تحريم ~~أكثر النساء وفوات أكثر الأملاك وهو خرق للإجماع قطعا وذلك لا سبيل إليه PageV01P150 ~~مسألة: المكروه غير الواجب # كما يتضاد الحرام والواجب فيتضاد المكروه والواجب فلا يدخل مكروه تحت ~~الأمر حتى يكون شيء واحد مأمورا به مكروها إلا أن تنصرف الكراهية عن ذات ~~المأمور إلى غيره ككراهية الصلاة في الحمام وأعطان الإبل وبطن الوادي ~~وأمثاله فإن المكروه في بطن الوادي التعرض لخطر السيل وفي الحمام التعرض ~~للرشاش أو لتخبط الشياطين وفي ms085 أعطان الإبل التعرض لنفارها وكل ذلك مما يشغل ~~القلب في الصلاة وربما شوش الخشوع. # بحيث لا ينقدح صرف الكراهة عن المأمور إلى ما هو في جواره وصحبته لكونه ~~خارجا عن ماهيته وشروطه وأركانه فلا يجتمع الأمر والكراهية فقوله تعالى { ~~وليطوفوا بالبيت العتيق } ]الحج: [29 لا يتناول طواف المحدث الذي نهي عنه ~~لأن المنهي عنه لا يكون مأمورا به والمنهي عنه في # مسألة:الصلاة في الدار المغصوبة # انفصل عن المأمور إذ المأمور به الصلاة والمنهي عنه الغصب وهو في جواره ~~مسألة أصناف الترك ذات المتروك المتفقون على صحة الصلاة في الدار المغصوبة ~~ينقسم النهي عندهم إلى ما يرجع إلى ذات المنهي عنه فيضاد وجوبه وإلى ما ~~يرجع إلى غيره فلا يضاد وجوبه وإلى ما يرجع إلى وصف المنهي عنه لا إلى أصله ~~وقد اختلفوا في هذا # القسم الثالث # ومثال القسمين الأولين ظاهر ومثال القسم الثالث أن يوجب الطواف وينهى عن ~~إيقاعه مع الحدث أو يأمر بالصوم وينهى عن إيقاعه في يوم النحر فيقال الصوم ~~من حيث أنه صوم مشروع مطلوب ومن حيث أنه واقع في هذا اليوم غير مشروع ~~والطواف مشروع بقوله تعالى { وليطوفوا بالبيت العتيق } ]الحج[29: PageV01P151 # ولكن وقوعه في حالة الحدث مكروه والبيع من حيث أنه بيع: مشروع ولكن من حيث ~~وقوعه مقترنا بشرط فاسد أو زيادة في العوض في الربويات مكروه والطلاق من ~~حيث أنه طلاق مشروع ولكن من حيث وقوعه في الحيض مكروه وحراثة الولد من حيث ~~أنها حراثة مشروعة ولكنها من حيث وقوعها في غير المنكوحة مكروهة والسفر من ~~حيث أنه سفر مشروع ولكن من حيث قصد الأباق به عن السيد غير مشروع # فجعل أبو حنيفة هذا قسما ثالثا وزعم أن ذلك يوجب فساد الوصف لا انتفاء ~~الأصل لأنه راجع إلى الوصف لا إلى الأصل # والشافعي رحمه الله ألحق هذا بكراهة الأصل ولم يجعله قسما ثالثا وحيث نفذ ~~الطلاق في الحيض صرف النهي عن أصله ووصفه إلى تطويل العدة أو لو حق الندم ~~عند الشك في الولد وأبو ms086 حنيفة حيث أبطل صلاة المحدث دون طواف المحدث زعم أن ~~الدليل قد دل على كون الطهارة شرطا في الصلاة فإنه قال عليه الصلاة والسلام ~~لا صلاة إلا بطهور فهو نفي للصلاة لا نهي # وفي المسألة نظران أحدهما في موجب مطلق النهي من حيث اللفظ وذلك نظر في ~~مقتضى الصيغة وهو بحث لغوي نذكره في كتاب الأوامر والنواهي # والنظر الثاني نظر في تضاد هذه الأوصاف وما يعقل اجتماعه وما لا يعقل إذا ~~وقع التصريح به من القائل وهو أنه هل يعقل أن يقول السيد لعبده أنا آمرك ~~بالخياطة وأنهاك عنها ولا شك في أن ذلك لا يعقل منه فإنه فيه يكون الشيء ~~الواحد مطلوبا مكروها ويعقل منه أن يقول أنا أطلب منك الخياطة وأكره دخول ~~هذه الدار والكون فيها ولا يتعرض في النهي للخياطة وذلك معقول وإذا خاط في ~~تلك الدار أتى بمطلوبه ومكروهه جميعا وهل يعقل أن يقول أطلب منك الخياطة ~~وأنهاك عن إيقاعها في وقت الزوال فإذا خاط في PageV01P152 ~~وقت الزوال فهل جمع بين المكروه والمطلوب أو ما أتى بالمطلوب هذا في محل النظر # والصحيح أنه ما أتى بالمطلوب وأن المكروه هي الخياطة الواقعة وقت الزوال ~~لا الوقوع في وقت الزوال مع بقاء الخياطة مطلوبة إذ ليس الوقوع في الوقت ~~شيئا منفصلا عن الواقع # فإن قيل فلم صحت الصلاة في أوقات الكراهة ولم صحت الصلاة الواقعة في ~~الأماكن السبعة من بطن الوادي وأعطان الإبل وما الفرق بينهما وبين النهي عن ~~صوم يوم النحر؟ # قلنا من صحح هذه الصلوات لزمه صرف النهي عن أصل الصلاة ووصفها إلى غيره ~~وقد اختلفوا في انعقاد الصلاة في الأوقات المكروهة لترددهم في أن النهي نهي ~~عن إيقاع الصلاة من حيث أنه إيقاع صلاة أو من أمر آخر مقترن به # وأما صوم يوم النحر فقطع الشافعي رحمه الله ببطلانه لأنه لم يظهر انصراف ~~النهي عن عينه ووصفه ولم يرتض قولهم أنه نهى عنه لما فيه من ترك إجابة ~~الدعوة بالأكل فإن الأكل ضد الصوم فكيف ms087 يقال له كل أي أجب الدعوة ولا تأكل ~~أي صم ؟ # والآن تفصيل هذه المسائل ليس على الأصولي بل هو موكول إلى نظر المجتهدين ~~في الفروع وليس على الأصولي إلا حصر هذه الأقسام الثلاثة وبيان حكمها في ~~التضاد وعدم التضاد وأما النظر في آحاد المسائل أنها من أي قسم هي فإلى ~~المجتهد وقد يعلم ذلك بدليل قاطع وقد يعلم ذلك بظن وليس على الأصولي شيء من ذلك. # وتمام النظر في هذا ببيان أن النهي المطلق يقتضي من هذه الأقسام أيها ~~وأنه يقتضي كون المنهي عنه مكروها لذاته أو لغيره أو لصفته وسيأتي PageV01P153 ~~مسألةهل الأمر بشيء ترك لغيره؟ # اختلفوا في أن الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده ؟. # وللمسألة طرفان: # أحدهما يتعلق بالصيغة :ولا يستقيم ذلك عند من لا يرى للأمر صيغة ومن رأى ~~ذلك فلا شك في أن قوله قم غير قوله لا تقعد فإنهما صورتان مختلفتان فيجب ~~عليهم الرد إلى المعنى وهو أن قوله قم له مفهومان أحدهما طلب القيام والآخر ~~ترك القعود فهو دال على المعنيين فالمعنيان المفهومان منه متحدان أو أحدهما ~~غير الآخر فيجب الرد إلى المعنى؟ # والطرف الثاني : البحث عن المعنى القائم بالنفس وهو أن طلب القيام هل هو ~~بعينه طلب ترك القعود أم لا وهذا لا يمكن فرضه في حق الله تعالى فإن كلامه ~~واحد هو أمر ونهي ووعد ووعيد فلا تتطرق الغيرية إليه فليفرض في المخلوق وهو ~~أن طلبه للحركة هل هو بعينه كراهة للسكون وطلب لتركه؟ # وقد أطلق المعتزلة أنه ليس الأمر بالشيء نهيا عن ضده # واستدل القاضي أبو بكر رحمه الله عليهم بأن قال لا خلاف أن الآمر بالشيء ~~ناه عن ضده فإذا لم يقم دليل على اقتران شيء آخر بأمره دل على أنه ناه بما ~~هو آمر به قال وبهذا علمنا أن الكسون عين ترك الحركة وطلب السكون عين طلب ~~ترك الحركة وشغل الجوهر بحيز انتقل إليه عين تفريغه للحيز المنتقل عنه ~~والقرب من المغرب عين البعد من المشرق فهل فعل واحد ms088 بالإضافة إلى المشرق ~~بعد وبالإضافة إلى المغرب قرب وكون واحد بالإضافة إلى خير شغل وبلإضافة إلى ~~آخر تفريغ زكذلك ههنا طلب واحد PageV01P154 ~~بالإضافة إلى السكون أمر وإلى الحركة نهي # قال: والدليل على أنه ليس معه غيره أن ذلك الغير لا يخلو من أن يكون ضدا ~~له أو مثلا أو خلافا ومحال كونه ضدا لأنهما لا يجتمعان وقد اجتمعا ومحال ~~كونه مثلا لتضاد المثلين ومحال كونه خلافا إذ لو كان خلافا لجاز وجود ~~أحدهما دون الآخر أما هذا دون ذاك أو ذاك دون هذا كإرادة الشيء مع العلم به ~~لما اختلفا تصور وجود العلم دون الإرادة وإن لم يتصور وجود الإرادة دون ~~العلم بل كان يتصور وجوده مع ضد الآخر وضد النهي عن الحركة الأمر بها فلنجز ~~أن يكون آمرا بالسكون والحركة معا فيقول تحرك واسكن وقم واقعد. # وهذا الذي ذكره دليل على المعتزلة حيث منعوا تكليف المحال وإلا فمن يجوز ~~ذلك يجوز أن يقول إجمع بين القيام والقعود ولا نسلم أيضا أن ضرورة كل آمر ~~بالشيء أن يكون ناهيا عن ضده بل يجوز أن يكون آمرا بضده فضلا عن أن يكون لا ~~آمرا ولا ناهيا # وعلى الجملة فالذي صح عندنا بالبحث النظري الكلامي تفريعا على إثبات كلام ~~النفس أن الأمر بالشيء ليس نهيا عن ضده لا بمعنى أنه عينه ولا بمعنى أنه ~~يتضمنه ولا بمعنى أنه يلازمه بل يتصور أن يأمر بالشيء من هو ذاهل عن أضداده ~~فكيف يقوم بذاته قول متعلق بما هو ذاهل عنه وكذلك ينهى عن الشيء ولا يخطر ~~بباله أضداده حتى يكون آمرا بأحد أضداده ولا بعينه فإن أمر ولم يكن ذاهلا ~~عن أضداد المأمور به فلا يقوم بذاته زجر عن أضداده مقصود إلا من حيث يعلم ~~أنه لا يمكن فعل المأمور به إلا بترك أضداده فيكون ترك أضداد المأمور ذريعة ~~بحكم ضرورة الوجود لا بحكم ارتباط الطلب به حتى لو تصور على الاستحالة ~~الجمع بين القيام والقعود إذا قيل له قم فجمع كان ممتثلا لأنه ms089 لم يؤمر إلا ~~بإيجاد القيام وقد أوجده # ومن ذهب إلى هذا المذهب لزمه فضائح الكعبي من المعتزلة حيث أنكر المباح ~~وقال ما من مباح إلا وهو ترك لحرام فهو واجب ويلزمه وصف الصلاة بأنها PageV01P155 ~~حرام إذا ترك بها الزكاة الواجبة على الفور وإن فرق مفرق فقال النهي ليس ~~أمرا بالضد والأمر نهي عن الضد لم يجد إليه سبيلا إلا التحكم المحض # فإن قيل: فقد قلتم إن ما لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب ولا يتوصل ~~إلى فعل الشيء إلا بترك ضده فليكن واجبا # قلنا: ونحن نقول ذلك واجب وإنما الخلاف في إيجابه هل هو عين إيجاب ~~المأمور به أو غيره فإذا قيل إغسل الوجه فليس عين هذا إيجابا بالغسل جزء من ~~الرأس ولا قوله صم النهار إيجابا بعينه لإمساك جزء من الليل ولذلك لا يجب ~~أن ينوي إلا صوم النهار ولكن ذلك يجب بدلالة العقل على وجوبه من حيث هو ~~ذريعة إلى المأمور لا أنه عين ذلك الإيجاب فلا منافاة بين الكلامين PageV01P156 ### || AUTO الفن الثالث: في أركان الحكم # ... # الفن الثالث من القطب الأول في أركان الحكم # وهي أربعة الحاكم والمحكوم عليه والمحكوم فيه ونفس الحكم # أما نفس الحكم فقد ذكرناه وأنه يرجع إلى الخطاب وهو الركن الأول # الركن الثاني الحاكم # وهو المخاطب فإن الحكم خطاب وكلام فاعله كل متكلم فلا يشترط في وجود صورة ~~الحكم إلا هذا القدر أما استحقاق نفوذ الحكم فليس إلا لمن له الخلق والأمر ~~فإنما النافذ حكم المالك على مملوكه ولا مالك إلا الخالق فلا حكم ولا أمر ~~إلا له أما النبي والسلطان والسيد والأب والزوج فإذا أمروا وأوجبوا لم يجب ~~شيء بإيجابهم بل بإيجاب الله تعالى طاعتهم ولولا ذلك لكان كل مخلوق أوجب ~~على غيره شيئا كان للموجب عليه أن يقلب عليه الإيجاب إذ ليس أحدهما أولى من ~~الآخر فإذا الواجب طاعة الله تعالى وطاعة من أوجب الله تعالى طاعته # فإن قيل: لا بل من قدر على التوعد بالعقاب وتحقيقه حسا فهو أهل ms090 للإيجاب ~~إذ الوجوب إنما يتحقق بالعقاب # قلنا: قد ذكرنا من مذهب القاضي رحمه الله أن الله تعالى لو أوجب شيئا ~~لوجب وإن لم يتوعد عليه بالعقاب لكن عند البحث عن حقيقة الوجوب لا يتحصل ~~على طائل إذا لم يتعلق به ضرر محذور وإن كان في الدنيا فقد يقدر عليه إلا ~~أن العادة جارية PageV01P157 ~~بتخصيص هذا الإسم بالضرر الذي يحذر في الآخرة ولا قدرة عليه إلا لله تعالى ~~فإن أطلق على كل ضرر محذور وإن كان في الدنيا فقد يقدر عليه الآدمي فعند ~~ذلك يجوز أن يكون موجبا لا بمعنى أنا نتحقق قدرته عليه فإنه ربما يعجز عنه ~~قبل تحقيق الوعيد لكن نتوقع قدرته ويحصل به نوع خوف # الركن الثالث المحكوم عليه وهو المكلف # وشرطه أن يكون عاقلا يفهم الخطاب فلا يصح خطاب الجماد والبهيمة بل خطاب ~~المجنون والصبي الذي لا يميز لأن التكليف مقتضاه الطاعة والامتثال ولا يمكن ~~ذلك إلا بقصد الامتثال وشرط القصد العلم بالمقصود والفهم للتكليف فكل خطاب ~~متضمن للأمر بالفهم فمن لا يفهم كيف يقال له إفهم؟ ومن لا يسمع الصوت ~~كالجماد كيف يكلم؟ وإن سمع الصوت كالبهيمة ولكنه لا يفهم فهو كمن لا يسمع ~~ومن يسمع وقد يفهم فهما ما لكنه لا يعقل ولا يثبت كالمجنون وغير المميز ~~فمخاطبته ممكنة لكن اقتضاء الامتثال منه مع أنه لا يصح منه قصد صحيح غير ممكن. # فإن قيل فقد وجبت الزكاة والغرامات والنفقات على الصبيان؟ # قلنا: ليس ذلك من التكليف في شيء إذ يستحيل التكليف بفعل الغير وتجب ~~الدية على العاقلة لا بمعنى أنهم مكلفون بفعل الغير ولكن بمعنى أن فعل ~~الغير سبب لثبوت الغرم في ذمتهم فكذلك الإتلاف وملك النصاب سبب لثبوت هذه ~~الحقوق في ذمة الصبيان بمعنى أنه سبب لخطاب الولي بالأداء في الحال وسبب ~~لخطاب الصبي بعد البلوغ وذلك غير محال إنما المحال أن يقال لمن لا يفهم ~~إفهم وأن يخاطب من لا يسمع ولا يعقل PageV01P158 ~~وأما أهلية ثبوت الأحكام في الذمة فمستفاد من الإنسانية التي ms091 بها يستعد ~~لقبول قوة العقل الذي به فهم التكليف في ثاني الحال حتى أن البهيمة لما لم ~~تكن لها أهلية فهم الخطاب بالفعل ولا بالقوة لم تتهيأ لإضافة الحكم إلى ~~ذمتها والشرط لا بد أن يكون حاصلا أو ممكنا أن يحصل على القرب فيقال أنه ~~موجود بالقوة كما أن شرط المالكية الإنسانية وشرط الإنسانية الحياة والنطفة ~~في الرحم قد يثبت لها الملك بالإرث والوصية والحياة غير موجودة بالفعل ~~ولكنها بالقوة إذ مصيرها إلى الحياة فكذلك الصبي مصيره إلى العقل فصلح ~~لإضافة الحكم إلى ذمته ولم يصلح للتكليف في الحال # فإن قيل :فالصبي المميز مأمور بالصلاة ؟! # قلنا: مأمور من جهة الولي والولي مأمور من جهة الله تعالى إذ قال عليه ~~السلام مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر وذلك ~~لأنه يفهم خطاب الولي ويخاف ضربه فصار أهلا له ولا يفهم خطاب الشارع إذ لا ~~يعرف الشارع ولا يخاف عقابه إذ لا يفهم الآخرة # فإن قيل: فإذا قارب البلوغ عقل ولم يكلفه الشرع أفيدل ذلك على نقصان عقله؟ # قلنا: قال القاضي أبو بكر رحمه الله ذلك يدل عليه وليس يتجه ذلك لأن ~~انفصال النطفة منه لا يزيده عقلا لكن حط الخطاب عنه تخفيفا لأن العقل خفي ~~وإنما يظهر فيه على التدريج فلا يمكن الوقوف بغتة على الحد الذي يفهم به ~~خطاب الشرع ويعرف المرسل والرسول والآخرة فنصب الشرع له علامة ظاهرة # مسألة: هل يكلف الغافل والناسي # تكليف الناسي والغافل عما يكلف محال إذ من لا يفهم كيف يقال له إفهم؟! ~~أما ثبوت الأحكام بأفعاله في النوم والغفلة فلا ينكر كلزوم الغرامات وغيرها PageV01P159 ~~وكذلك تكليف السكران الذي لا يعقل محال كتكليف الساهي والمجنون والذي يسمع ~~ولا يفهم بل السكران أسوأ حالا من النائم الذي يمكن تنبيهه ومن المجنون ~~الذي يفهم كثيرا من الكلام وأما نفوذ طلاقه ولزوم الغرم فذلك من قبيل ربط ~~الأحكام بالأسباب وذلك مما لا ينكر # فإن قيل: فقد قال الله تعالى في النساء { لا تقربوا الصلاة وأنتم ms092 سكارى } ~~]النساء :43 [وهذا خطاب للسكران # قلنا: إذا ثبت بالبرهان استحالة خطابه وجب تأويل الآية ولها تأويلان: # أحدهما: أنه خطاب مع المنتشي الذي ظهر فيه مبادىء النشاط والطرب ولم يزل ~~عقله فإنه قد يستحسن من اللعب والانبساط ما لا يستحسنه قبل ذلك ولكنه عاقل ~~وقوله تعالى { حتى تعلموا ما تقولون }[ النساء :43] معناه حتى تتبينوا ~~ويتكامل فيكم ثباتكم كما يقال للغضبان إصبر حتى تعلم ما تقول أي حتى يسكن ~~غضبك فيكمل علمك وإن كان أصل عقله باقيا وهذا لأنه لا يشتغل بالصلاة مثل ~~هذا السكران وقد يعسر عليه تصحيح مخارج الحروف وتمام الخشوع # الثاني: أنه ورد الخطاب به في ابتداء الإسلام قبل تحريم الخمر وليس ~~المراد المنع من الصلاة بل المنع من إفراط الشرب في وقت الصلاة كما يقال لا ~~تقرب التهجد وأنت شبعان ومعناه لا تشبع فيثقل عليك التهجد # مسألة تكليف المعدوم # مسألة أمر الله تعالى في الأزل فإن قال قائل ليس من شرط الأمر عندكم كون ~~المأمور موجودا إذ قضيتم بأن الله تعالى آمر في الأزل لعباده قبل خلقهم ~~فكيف شرطتم كون المكلف سميعا عاقلا والسكران والناسي والصبي والمجنون أقرب ~~إلى التكليف من المعدوم؟ # قلنا :ينبغي أن يفهم معنى قولنا إن الله تعالى آمر وإن المعدوم مأمور، PageV01P160 ~~فإنا نعني به أنه مأمور على تقدير الوجود لا أنه مأمور في حالة العدم إذ ~~ذلك محال لكن أثبت الذاهبون إلى إثبات كلام النفس أنه لا يبعد أن يقوم بذات ~~الأب طلب تعلم العلم من الولد الذي سيوجد وإنه لو قدر بقاء ذلك الطلب حتى ~~وجد الولد صار الولد مطالبا بذلك الطلب ومأمورا به فكذلك المعنى القائم ~~بذات الله تعالى الذي هو اقتضاء الطاعة من العباد قديم تعلق بعباده على ~~تقدير وجودهم فإذا وجدوا صاروا مأمورين بذلك الاقتضاء ومثل هذا جار في حق ~~الصبي والمجنون فإن انتظار العقل لا يزيد على انتظار الوجود ولا يسمى هذا ~~المعنى في الأزل خطابا إنما يصير خطابا إذا وجد المأمور وأسمع # وهل يسمى أمرا ؟فيه خلاف ms093 والصحيح أنه يسمى به إذ يحسن أن يقال فيمن أوصى ~~أولاده بالتصدق بماله أن يقال فلان أمر أولاده بكذا وإن كان بعض أولاده ~~مجتنا في البطن أو معدوما ولا يحسن أن يقال خاطب أولاده إلا إذا حضروا ~~وسمعوا ثم إذا أوصى فنفذوا وصيته يقال قد أطاعوه وامتثلوا أمره مع أن الآمر ~~الآن معدوم والمأمور كان وقت وجود الآمر معدوما وكذلك نحن الآن بطاعتنا ~~ممتثلون أمر رسول الله وهو معدوم عن عالمنا هذا وإن كان حيا عند الله تعالى ~~فإذا لم يكن وجود الآمر شرطا لكون المأمور مطيعا ممتثلا فلم يشترط وجود ~~المأمور لكون الأمر أمرا # فإن قيل أفتقولون إن الله تعالى في الأزل آمر للمعدوم على وجه الإلزام؟ # قلنا نعم نحن نقول هو آمر لكن على تقدير الوجود كما يقال الوالد موجب ~~وملزم على أولاده التصدق إذا عقلوا وبلغوا فيكون الإلزام والإيجاب حاصلا ~~ولكن بشرط الوجود والقدرة # ولو قال لعبده :صم غدا فقد أوجب وألزم في الحال صوم الغد ولا يمكن صوم ~~الغد في الوقت بل في الغد وهو موصوف بأنه ملزم وموجب في الحال PageV01P161 ~~الركن الرابع المحكوم فيه وهو الفعل # إذ لا يدخل تحت التكليف إلا الأفعال الاختيارية # وللداخل تحت التكليف شروط # ا لأول صحة حدوثه لاستحالة تعلق الأمر بالقديم والباقي وقلب الأجناس ~~والجمع بين الضدين وسائر المحالات التي لا يجوز التكليف بها عند من يحيل ~~تكليف ما لا يطاق # فلا أمر إلا بمعدوم يمكن حدوثه # وهل يكون الحادث في أول حال حدوثه مأمورا به كما كان قبل الحدوث أو يخرج ~~عن كونه مأمورا كما في الحالة الثانية من الوجود ؟اختلفوا فيه وفيه بحث ~~كلامي لا يليق بمقاصد أصول الفقه ذكره # الثاني : جواز كونه مكتسبا للعبد حاصلا باختياره إذ لا يجوز تكليف زيد ~~كتابة عمرو وخياطته وإن كان حدوثه ممكنا فليكن مع كونه ممكنا مقدورا ~~للمخاطب # الثالث: كونه معلوما للمأمور معلوم التمييز عن غيره حتى يتصور قصده إليه ~~وأن يكون معلوما كونه مأمورا به من جهة الله تعالى حتى ms094 يتصور منه قصد ~~الامتثال وهذا يختص بما يجب فيه قصد الطاعة والتقرب # فإن قيل: فالكافر مأمور بالإيمان بالرسول عليه السلام وهو لا يعلم أنه ~~مأمور به # قلنا: الشرط لا بد أن يكون معلوما أو في حكم المعلوم بمعنى أن يكون العلم ~~ممكنا بأن تكون الأدلة منصوبة والعقل والتمكن من النظر حاصلا حتى أن ما لا ~~دليل عليه أومن لا عقل له مثل الصبي والمجنون لا يصح في حقه # الرابع: أن يكون بحيث يصح إرادة إيقاعه طاعة وهو أكثر العبادات ويستثنى ~~من هذا شيئان: PageV01P162 # أحدهما : الواجب الأول وهو النظر المعرف للوجوب فإنه لا يمكن قصد إيقاعه ~~طاعة وهو لا يعرف وجوبه إلا بعد الإتيان به # والثاني: أصل إرادة الطاعة والإخلاص فإنه لو افتقرت إلى إرادة لافتقرت ~~الإرادة إلى إرادة ولتسلسل ويتشعب عن شروط الفعل خمس مسائل # مسألة :هل المكلف به ممكن الحدوث؟ # ذهب قوم إلى أن كون المكلف به ممكن الحدوث ليس بشرط بل يجوز تكليف ما لا ~~يطاق والأمر بالجمع بين الضدين وقلب الأجناس وإعدام القديم وإيجاد الموجود # وهو المنسوب إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري رحمه الله # وهو لازم على مذهبه من وجهين : # أحدهما : أن القاعدة عنده غير قادر على القيام إلى الصلاة لأن الاستطاعة ~~عنده مع الفعل لا قبله وإنما يكون مأمورا قبله # والآخر: أن القدرة الحادثة لا تأثير لها في إيجاد المقدور بل أفعالنا ~~حادثة بقدرة الله تعالى واختراعه فكل عبد هو عنده مأمور بفعل الغير # واستدل على هذا بثلاثة أشياء # أحدها قوله تعالى { ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } [البقرة: 286] ~~والمحال لا يسأل دفعه فإنه مندفع بذاته # وهو ضعيف لأن المراد به ما يشق ويثقل علينا إذ من أتعب بالتكليف بأعمال ~~تكاد تفضي إلى هلاكه لشدتها كقوله { اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم } [ ~~النساء من الآية:66 ] فقد يقال حمل ما لا طاقة له به فالظاهر المؤول PageV01P163 ~~ضعيف الدلالة في القطعيات # الثاني قولهم أن الله تعالى أخبر أن أبا جهل لا يصدق وقد كلفه الإيمان ~~ومعناه أن ms095 يصدق محمدا فيما جاء به ومما جاء به أنه لا يصدقه فكأنه أمره أن ~~يصدقه في أن لا يصدقه وهو محال # وهذا ضعيف أيضا لأن أبا جهل أمر بالإيمان بالتوحيد والرسالة والأدلة ~~منصوبة والعقل حاضر إذ لم يكن هو مجنونا فكان الإمكان حاصلا لكن الله تعالى ~~علم أنه يترك ما يقدر عليه حسدا وعنادا فالعلم يتبع المعلوم ولا يغيره فإذا ~~علم كون الشيء مقدورا لشخص وممكنا منه ومتروكا من جهته مع القدرة عليه فلو ~~انقلب محالا لانقلب العلم جهلا ويخرج عن كونه ممكنا مقدورا وكذلك نقول ~~القيامة مقدور عليها من جهة الله تعالى في وقتنا هذا وإن أخبر أنه لا ~~يقيمها ويتركها مع القدرة عليها وخلاف خبره محال إذ يصير وعيده كذبا ولكن ~~هذه استحالة لا ترجع إلى نفس الشيء فلا تؤثر فيه # الثالث قولهم لو استحال تكليف المحال لاستحال إما لصيغته أو لمعناه أو ~~لمفسدة تتعلق به أو لأنه يناقض الحكمة ولا يستحيل لصيغته إذ لا يستحيل أن ~~يقول{ كونوا قردة خاسئين } ]البقرة :65[وأن يقول السيد لعبده الأعمى أبصر ~~وللزمن إمش وأما قيام معناه بنفسه فلا يستحيل أيضا إذ يمكن أن يطلب من عبده ~~كونه في حالة واحدة في مكانين ليحفظ ماله في بلدين ومحال أن يقال أنه ممتنع ~~للمفسدة أو مناقضة الحكمة فإن بناء الأمور على ذلك في حق الله تعالى محال ~~إذ لا يقبح منه شيء ولا يجب عليه PageV01P164 ~~الأصلح. ثم الخلاف فيه وفي العباد واحد والفساد والسفه من المخلوق ممكن فلم ~~يمتنع ذلك مطلقا # والمختار استحالة التكليف بالمحال لا لقبحه ولا لمفسدة تنشأ عنه ولا ~~لصيغته إذ يجوز أن ترد صيغته ولكن للتعجيز لا للطلب كقوله تعالى { قل كونوا ~~حجارة أو حديدا } [الإسراء :50] وكقوله { كونوا قردة خاسئين } [البقرة :65] ~~أو لإظهار القدرة كقوله تعالى { كن فيكون }[ البقرة :117] لا بمعنى أنه طلب ~~من المعدوم أن يكون بنفسه # ولكن يمتنع لمعناه إذ معنى التكليف طلب ما فيه كلفة والطلب يستدعي مطلوبا ~~وذلك المطلوب ينبغي أن يكون مفهوما للمكلف بالاتفاق ms096 فيجوز أن يقول تحرك إذ ~~التحرك مفهوم فلو قال له تحرك فليس بتكليف إذ معناه ليس بمعقول ولا مفهوم ~~ولا له معنى في نفسه فإنه لفظ مهمل # فلو كان له معنى في بعض اللغات يعرفه الآمر دون المأمور فلا يكون ذلك ~~تكليفا أيضا لأن التكليف هو الخطاب بما فيه كلفة وما لا يفهمه المخاطب لا ~~يكون خطابا معه وإنما يشترط كونه مفهوما ليتصور منه الطاعة لأن التكليف ~~اقتضاء طاعة فإذا لم يكن في العقل طاعة لم يكن اقتضاء الطاعة متصورا معقولا ~~إذ يستحيل أن يقوم بذات العاقل طلب الخياطة من الشجر لأن الطلب يستدعي ~~مطلوبا معقولا أولا وهذا غير معقول أي لا وجود له في العقل فإن الشيء قبل ~~أن يوجد في نفسه فله وجود في العقل وإنما يتوجه إليه الطلب بعد حصوله في ~~العقل وإحداث القديم غير داخل في العقل فكيف يقوم بذاته طلب إحداث القديم؟! ~~وكذلك سواد الأبيض لا وجود له في العقل وكذلك قيام القاعدة فكيف يقول له قم ~~وأنت قاعد؟ # فهذا الطلب يمتنع قيامه بالقلب لعدم المطلوب فإنه كما يشترط في المطلوب أن PageV01P165 ~~يكون معدوما في الأعيان يشترط أن يكون موجودا في الأذهان أي في العقل حتى ~~يكون إيجاده في الأعيان على وفقه في الأذهان فيكون طاعة وامتثالا أي احتذاء ~~لمثال ما في نفس الطالب فما لا مثال له في النفس لا مثال له في الوجود # فإن قيل فإذا لم يعلم عجز المأمور عن القيام تصور أن يقوم بذاته طلب القيام # قلنا ذلك طلب مبني على الجهل وربما يظن الجاهل أن ذلك تكليف فإذا انكشف ~~تبين أنه لم يكن طلبا وهذا لا يتصور من الله تعالى # فإن قيل فإذا لم تؤثر القدرة الحادثة في الإيجاد وكانت مع الفعل كان كل ~~تكليف تكليفا بما لا يطاق # قلنا نحن ندرك بالضرورة تفرقه بين أن يقال للقاعد الذي ليس بزمن أدخل ~~البيت وبين أن يقال له إطلع السماء أو يقال له قم مع استدامة القعود أو ~~إقلب السواد حركة ms097 والشجرة فرسا إلا أن النظر في أن هذه التفرقة إلى ماذا ~~ترجع ويعلم أنها ترجع إلى تمكن وقدرة بالإضافة إلى أحد هذه الأوامر دون ~~البقية ثم النظر في تفصيل تأثير القدرة وقت حدوث القدرة كيف ما استقر أمره ~~لا يشككنا في هذا ولذلك جاز أن نقول { ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } [ ~~البقرة :286] فإن استوت الأمور كلها فأي معنى لهذا الدعاء؟ وأي معنى لهذه PageV01P166 ~~التفرقة الضرورية ؟فغرضنا من هذه المسألة غير موقوف على البحث عن وجه تأثير ~~القدرة ووقتها # وعلى الجملة: سبب غموض هذا أن التكليف نوع خاص من كلام النفس وفي فهم أصل ~~كلام النفس غموض فالتفريع عليه وتفصيل أقسامه لا محالة يكون أغمض # مسألة: الجمع بين الأضداد # كما لا يجوز أن يقال إجمع بين الحركة والسكون لا يجوز أن يقال لا تتحرك ~~ولا تسكن لأن الانتهاء عنهما محال كالجمع بينهما # فإن قيل: فمن توسط مزرعة مغصوبة فيحرم عليه المكث ويحرم عليه الخروج إذ ~~في كل واحد إفساد زرع الغير فهو عاص بهما # قلنا: حظ الأصولي من هذا أن يعلم أنه لا يقال له لا تمكث ولا تخرج ولا ~~ينهى عن الضدين فإنه محال كما لا يؤمر بجمعهما # فإن قيل: فما يقال له ؟ # قلنا: يؤمر بالخروج كما يؤمر المولج في الفرج الحرام بالنزع وإن كان به ~~مماسا للفرج الحرام ولكن يقال له إنزع على قصد التوبة لا على قصد الإلتذاذ ~~فكذلك في الخروج من الغصب تقليل الضرر في المكث تكثيره وأهون الضررين يصير ~~واجبا وطاعة بالإضافة إلى أعظمهما كما يصير شرب الخمر واجبا في حق من غص ~~بلقمة وتناول طعام الغير واجبا على المضطر في المخمصة وإفساد مال الغير ليس ~~حراما لعينه ولذلك لو أكره عليه بالقتل وجب أو جاز # فإن قيل :فلم يجب الضمان بما يفسده في الخروج؟ PageV01P167 # قلنا :الضمان لا يستدعي العدوان إذ يجب على المضطر في المخمصة مع وجوب ~~الإتلاف ويجب على الصبي وعلى من رمى إلى صف الكفار وهو مطيع به # فإن قيل: فالمضي ms098 في الحج الفاسد إن كان حراما للزوم القضاء فلم يجب وإن ~~كان واجبا وطاعة فلم وجب القضاء ؟ولم عصى به؟ # قلنا: عصى بالوطء المفسد وهو مطيع بإتمام الفاسد والقضاء يجب بأمر مجدد ~~وقد يجب بما هو طاعة إذا تطرق إليه خلل وقد يسقط القضاء بالصلاة في الدار ~~المغصوبة مع أنه عدوان فالقضاء كالضمان # فإن قيل: فبم تنكرون على أبي هاشم حيث ذهب إلى أنه لو مكث عصى ولو خرج ~~عصى وأنه ألقى بنفسه في هذه الورطة فحكم العصيان ينسحب على فعله؟ # قلنا وليس لأحد أن يلقي بنفسه في حال تكلف ما لا يمكن فمن ألقى نفسه من ~~سطح فانكسرت رجله لا يعصى بالصلاة قاعدا وإنما يعصى بكسر الرجل لا بترك ~~الصلاة قائما وقول القائل ينسحب عليه حكم العدوان إن أراد به أنه إنما نهي ~~عنه مع النهي عن ضده فهو محال والعصيان عبارة عن ارتكاب منهي قد نهي عنه ~~فإن لم يكن نهي لم يكن عصيان فكيف يفرض النهي عن شيء وعن ضده أيضا؟ # حكم التكليف بالمحال شرعا # ومن جوز تكليف ما لا يطاق عقلا فإنه يمنعه شرعا لقوله تعالى { لا يكلف ~~الله نفسا إلا وسعها } [ البقرة : 286] # إن قيل: فإن رجحتم جانب الخروج لتقليل الضرر فما قولكم فيمن سقط على صدر ~~صبي محفوف بصبيان وقد علم أنه لو مكث قتل من تحته أو انتقل قتل من حواليه ~~ولا ترجيح فكيف السبيل؟ # قلنا: يحتمل أن يقال إمكث فإن الانتقال فعل مستأنف لا يصح إلا من PageV01P168 ~~حي قادر وأما ترك الحركة فلا يحتاج إلى استعمال قدرة ويحتمل أن يقال يتخير ~~إذ لا ترجيح ويحتمل أن يقال لا حكم لله تعالى فيه فيفعل ما يشاء لأن الحكم ~~لا يثبت إلا بنص أو قياس على منصوص ولا نص في هذه المسألة ولا نظير لها في ~~المنصوصات حتى يقاس عليه فبقي على ما كان قبل ورود الشرع ولا يبعد خلو ~~واقعة عن الحكم فكل هذا محتمل وأما تكليف المحال فمحال # مسألة: المقتضى بالتكليف # اختلفوا في ms099 المقتضى بالتكليف. # والذي عليه أكثر المتكلمين أن المقتضى به الإقدام أو الكف وكل واحد كسب ~~العبد فالأمر بالصوم أمر بالكف والكف فعل يثاب عليه والمقتضى بالنهي عن ~~الزنا والشرب التلبس بضد من أضداده وهو الترك فيكون مثابا على الترك الذي ~~هو فعله. # وقال بعض المعتزلة :قد يقتضي الكف فيكون فعلا وقد يقتضي أن لا يفعل ولا ~~يقصد التلبس بضده فأنكر الأولون هذا وقالوا المنتهي بالنهي مثاب ولا يثاب ~~إلا على شيء وأن لا يفعل عدم وليس بشيء ولا تتعلق به قدرة إذ القدرة تتعلق ~~بشيء فلا يصح الإعدام بالقدرة وإذا لم يصدر منه شيء فكيف يثاب على لا شيء؟ # والصحيح أن الأمر فيه منقسم أما الصوم فالكف فيه مقصود ولذلك تشترط فيه ~~النية وأما الزنا والشرب فقد نهي عن فعلهما فيعاقب فاعلهما ومن لم يصدر منه ~~ذلك فلا يعاقب ولا يثاب إلا إذا قصد كف الشهوة عنهما مع التمكن فهو مثاب ~~على فعله وأما من لم يصدر منه المنهي في PageV01P169 ~~فعله فلا يعاقب عليه ولا يثاب لأنه لم يصدر منه شيء ولا يبعد أن يكون مقصود ~~الشرع أن لا تصدر منه الفواحش ولا يقصد منه التلبس بأضدادها # مسألة: هل المكره مكلف # فعل المكره يجوز أن يدخل تحت التكليف بخلاف فعل المجنون والبهيمة لأن ~~الخلل تم في المكلف لا في المكلف به فإن شرط تكليف المكلف السماع والفهم ~~وذلك في المجنون والبهيمة معدوم والمكره يفهم وفعله في حيز الإمكان إذ يقدر ~~على تحقيقه وتركه فإن أكره على أن يقتل جاز أن يكلف ترك القتل لأنه قادر ~~عليه وإن كان فيه خوف الهلاك # وإن كلف على وفق الإكراه فهو أيضا ممكن بأن يكره بالسيف على قتل حية همت ~~بقتل مسلم إذ يجب قتلها أو أكره الكافر على الإسلام فإذا أسلم نقول قد أدى ما كلف # وقالت المعتزلة إن ذلك محال لأنه لا يصح منه إلا فعل ما أكره عليه فلا ~~يبقى له خيرة # وهذا محال لأنه قادر على تركه ولذلك يجب عليه ms100 ترك ما أكره عليه إذا أكره ~~على قتل مسلم وكذلك لو أكره على قتل حية فيجب قتل الحية وإذا أكره على ~~إراقة الخمر فيجب عليه إراقة الخمر # وهذا ظاهر ولكن فيه غور وذلك لأن الامتثال إنما يكون طاعة إذا كان ~~الانبعاث له بباعث الأمر والتكليف دون باعث الإكراه فإن أقدم للخلاص من سيف ~~المكره لا يكون مجيبا داعي الشرع وإن انبعث بداعي الشرع بحيث كان يفعله ~~لولا الإكراه بل كان يفعله لو أكره على تركه فلا يمتنع وقوعه طاعة لكن لا ~~يكون مكرها وإن وجد صورة التخويف فليتنبه لهذه الدقيقة PageV01P170 ~~مسألة الأمر بالشرط والمشروط # ليس من شرط الفعل المأمور به أن يكون شرطه حاصلا حالة الأمر بل يتوجه ~~الأمر بالشرط والمشروط ويكون مأمورا بتقديم الشرط فيجوز أن يخاطب الكفار ~~بفروع الإسلام كما يخاطب المحدث بالصلاة بشرط تقديم الوضوء والملحد بتصديق ~~الرسول بشرط تقديم الإيمان بالمرسل # وذهب أصحاب الرأي إلى إنكار ذلك # والخلاف إما في الجواز وإما في الوقوع # أما الجواز العقلي فواضح إذ لا يمتنع أن يقول الشارع بني الإسلام على خمس ~~وأنتم مأمورون بجميعها وبتقديم الإسلام من جملتها فيكون الإيمان مأمورا به ~~لنفسه ولكونه شرطا لسائر العبادات كما في المحدث والملحد # فإن منع مانع الجميع وقال كيف يؤمر بما لا يمكن امتثاله؟ والمحدث لا يقدر ~~على الصلاة فهو مأمور بالوضوء فإذا توضأ توجه عليه حينئذ الأمر بالصلاة # قلنا فينبغي أن يقال لو ترك الوضوء والصلاة جميع عمره لا يعاقب على ترك ~~الصلاة لأنه لم يؤمر قط بالصلاة وهذا خلاف الإجماع وينبغي أن لا يصح أمره ~~بعد الوضوء بالصلاة بل بالتكبير فإنه يشترط تقديمه ولا بالتكبير بل بهمزة ~~التكبير أولا ثم بالكاف ثانيا وعلى هذا الترتيب وكذلك السعي إلى الجمعة ~~ينبغي أن لا يتوجه الأمر به إلا بالخطوة الأولى ثم بالثانية وأما الوقوع ~~الشرعي فنقول كان يجوز أن يخصص خطاب الفروع بالمؤمنين كما خصص وجوب ~~العبادات بالأحرار والمقيمين والأصحاء والطاهرات دون الحيض ولكن وردت ~~الأدلة بمخاطبتهم وأدلته ثلاثة # الأول قوله ms101 تعالى { ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين } [ المدثر: ~~الآية42.43] فأخبر أنه عذبهم بترك الصلاة وحذر المسلمين به # فإن قيل هذه حكاية قول الكفار فلا حجة فيها # قلنا :ذكره الله تعالى في معرض التصديق لهم بإجماع الأمة وبه يحصل PageV01P171 ~~التحذير إذ لو كان كذبا لكان كقولهم عذبنا لأنا مخلوقون وموجودون كيف وقد ~~عطف عليه قوله {وكنا نكذب بيوم الدين } [المدثر:46] فكيف يعطف ذلك على ما ~~لا عذاب عليه؟ # فإن قيل: العقاب بالتكذيب لكن غلظ بإضافة ترك الطاعات إليه # قلنا لا يجوز أن يغلظ بترك الطاعات كما لا يجوز أن يغلظ بترك المباحات ~~التي لم يخاطبوا بها # فإن قيل: عوقبوا إلا بترك الصلاة لكن لإخراجهم أنفسهم بترك الإيمان عن ~~العلم بقبح ترك الصلاة قلنا هذا باطل من أوجه أحدها أنه ترك للظاهر من غير ~~ضرورة ولا دليل فإن ترك العلم بقبح ترك الصلاة غير ترك الصلاة وقد قالوا { ~~لم نك من المصلين } [ المدثر43] # الثاني : أن ذلك يوجب التسوية بين كافر باشر القتل وسائر المحظورات وبين ~~من اقتصر على الكفر لأن كليهما استويا في إخراج النفس بالكفر عن العلم بقبح ~~المحظورات والتسوية بينهما خلاف الإجماع # الثالث : أن من ترك النظر والاستدلال ينبغي أن لا يعاقب على ترك الإيمان ~~لأنه أخرج نفسه بترك النظر عن أهلية العلم بوجوب المعرفة والإيمان # فإن قيل :{ لم نك من المصلين } أي من المؤمنين لكن عرفوا أنفسهم بعلامة ~~المؤمنين كما قال صلى الله عليه وسلم " نهيت عن قتل المصلين "أي المؤمنين ~~لكن عرفهم بما هو شعارهم # قلنا: هذا محتمل لكن الظاهر لا يترك إلا بدليل ولا دليل للخصم # الدليل الثاني: قوله تعالى :{والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا ~~يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما ~~يضاعف له PageV01P172 ~~العذاب } إلى قوله تعالى { يضاعف له العذاب } [ الفرقان:،69،68 ]فالآية نص ~~في مضاعفة عذاب من جمع بين الكفر والقتل والزنا لا كمن جمع بين الكفر ~~والأكل والشرب # والدليل الثالث : إنعقاد الإجماع ms102 على تعذيب الكافر على تكذيب الرسول كما ~~يعذب على الكفر بالله تعالى وهذا يهدم معتمدهم إذ قالوا لا تتصور العبادة ~~مع الكفر فكيف يؤمر بها ؟ # احتجوا: بأنه لا معنى لوجوب الزكاة وقضاء الصلاة عليه مع استحالة فعله في ~~الكفر ومع انتفاء وجوبه لو أسلم فكيف يجب ما لا يمكن امتثاله؟ # قلنا: وجب حتى لو مات على الكفر لعوقب على تركه لكن إذا أسلم عفى له عما ~~سلف فالإسلام يجب ما قبله ولا يبعد نسخ الأمر قبل التمكن من الامتثال فكيف ~~يبعد سقوط الوجوب بالإسلام ؟ # فإن قيل: إذا لم تجب الزكاة إلا بشرط الإسلام والإسلام الذي هو شرط ~~الوجوب هو بعينه مسقط فالإستدلال بهذا على أنه لم يجب أولى من إيجابه ثم ~~الحكم بسقوطه؟ # قلنا: لا بعد في قولنا: استقر الوجوب بالإسلام وسقط بحكم العفو فليس في ~~ذلك مخالفة نص ونصوص القرآن دلت على عقاب الكافر المتعاطي للفواحش وكذا ~~الإجماع دل على الفرق بين كافر قتل الأنبياء والأولياء وشوش الدين وبين ~~كافر لم يرتكب شيئا من ذلك فما ذكرناه أولى # فإن قيل: فلم أوجبتم القضاء على المرتد دون الكافر الأصلي؟ # قلنا: القضاء إنما وجب بأمر مجدد فيتبع فيه موجب الدليل ولا حجة فيه إذ ~~قد يجب القضاء على الحائض ولم تؤمر بالأداء وقد يؤمر بالأداء من لا يؤمر ~~بالقضاء # وقد اعتذر الفقهاء بأن المرتد قد التزم بالإسلام القضاء والكافر لم يلتزم ~~وهذا ضعيف فإن ما ألزمه الله تعالى فهو لازم التزمه العبد أو لم يلتزمه PageV01P173 ~~فإن كان يسقط بعدم التزامه فالكافر الأصلي لم يلتزم العبادات وترك ~~المحظورات فينبغي أن لا يلزمه ذلك PageV01P174 ### || AUTO الفن الرابع: فيما يظهر الحكم به # ... # الفن الرابع من القطب الأول فيما يظهر الحكم به # وهو الذي يسمى سببا # وكيفية نسبة الحكم إليه # وفيه أربعة فصول # الفصل الأول في الأسباب # إعلم أنه لما عسر على الخلق معرفة خطاب الله تعالى في كل حال لا سيما بعد ~~انقطاع الوحي أظهر الله سبحانه خطابه لخلقه بأمور محسوسة نصبها أسبابا ~~لأحكامه ms103 وجعلها موجبة ومقتضية للأحكام على مثال اقتضاء العلة الحسية ~~معلولها # ونعني بالأسباب ها هنا أنها هي التي أضاف الأحكام إليها كقوله تعالى :{ ~~أقم الصلاة لدلوك الشمس } [الإسراء :78] وقوله تعالى { فمن شهد منكم الشهر ~~فليصمه } [البقرة:185] وقوله صلى الله عليه وسلم " صوموا لرؤيته وأفطروا ~~لرؤيته" . PageV01P175 # وهذا ظاهر فيما يتكرر من العبادات كالصلاة والصوم والزكاة فإن ما يتكرر ~~الوجوب بتكرره فجدير بأن يسمى سببا أما ما لا يتكرر كالإسلام والحج فيمكن ~~أن يقال ذلك معلوم بقوله تعالى {ولله على الناس حج البيت } [ آل عمران:79] ~~وكذا وجوب المعرفة على كل مكلف يعلم بالعمومات فلا حاجة إلى إضافتها إلى سبب # ويمكن أن يقال: سبب وجوب الإيمان والمعرفة الأدلة المنصوبة وسبب وجوب ~~الحج البيت دون الاستطاعة ولما كان البيت واحدا لم يجب الحج إلا مرة واحدة ~~والإيمان معرفة فإذا حصلت دامت والأمر فيه قريب هذا قسم العبادات # وأما قسم الغرامات والكفارات والعقوبات فلا تخفى أسبابها. # وأما قسم المعاملات فلحل الأموال والإبضاع وحرمتها أيضا أسباب ظاهرة من ~~نكاح وبيع وطلاق وغيره وهذا ظاهر. # وإنما المقصود أن نصب الأسباب أسبابا للأحكام أيضا حكم من الشرع فلله ~~تعالى في الزاني حكمان أحدهما: وجوب الحد عليه والثاني: نصب الزنا سببا ~~للوجوب في حقه لأن الزنا لا يوجب الرجم لذاته وعينه بخلاف العلل العقلية ~~وإنما صار موجبا بجعل الشرع إياه موجبا فهو نوع من الحكم فلذلك أوردناه في ~~هذا القطب ولذلك يجوز تعليله ونقول نصب الزنا علة للرجم والسرقة علة للقطع ~~لكذا وكذا فاللواط في معناه فينتصب أيضا سببا والنباش في معنى السارق. # وسيأتي تحقيق ذلك في كتاب القياس . # وأعلم أن اسم السبب مشترك في اصطلاح الفقهاء وأصل اشتقاقه من PageV01P176 ~~الطريق ومن الحبل الذي به ينزح الماء من البئر وحده ما يحصل الشيء عنده لا ~~به فإن الوصول بالسير لا بالطريق ولكن لا بد من الطريق ونزح الماء ~~بالاستقاء لا بالحبل ولكن لا بد من الحبل فاستعار الفقهاء لفظ السبب من هذا ~~الموضع وأطلقوه على أربعة أوجه: # الوجه الأول: وهو ms104 أقربها إلى المستعار منه :ما يطلق في مقابلة المباشرة ~~إذ يقال إن حافر البئر مع المردي فيه صاحب سبب والمردي صاحب علة فإن الهلاك ~~بالتردية لكن عند وجود البئر فما يحصل الهلاك عنده لا به يسمى سببا # الثاني : تسميتهم الرمي سببا للقتل من حيث أنه سبب للعلة وهو على التحقيق ~~علة العلة ولكن لما حصل الموت لا بالرمي بل بالواسطة أشبه ما لا يحصل الحكم إلا به # الثالث تسميتهم ذات العلة مع تخلف وصفها سببا كقولهم الكفارة تجب باليمين ~~دون الحنث فاليمين هو السبب وملك النصاب هو سبب الزكاة دون الحول مع أنه لا ~~بد منهما في الوجوب ويريدون بهذا السبب ما تحسن إضافة الحكم إليه ويقابلون ~~هذا بالمحل والشرط فيقولون ملك النصاب سبب والحول شرط # الرابع تسميتهم الموجب سببا فيكون السبب بمعنى العلة وهذا أبعد الوجوه عن ~~وضع اللسان فإن السبب في الوضع عبارة عما يحصل الحكم عنده PageV01P177 ~~لا به ولكن هذا يحسن في العلل الشرعية لأنها لا توجب الحكم لذاتها بل ~~بإيجاب الله تعالى ولنصبه هذه الأسباب علامات لإظهار الحكم فالعلل الشرعية ~~في معنى العلامات المظهرة فشابهت ما يحصل الحكم عنده # الفصل الثاني: في وصف السبب بالصحة والبطلان والفساد # إعلم أن هذا يطلق في العبادات تارة وفي العقود أخرى # وإطلاقه في العبادات مختلف فيه # فالصحيح عند المتكلمين عبارة عما وافق الشرع وجب القضاء أو لم يجب وعند ~~الفقهاء عبارة عما أجزأ وأسقط الفضاء حتى أن صلاة من ظن أن متطهر صحيحة في ~~إصطلاح المتكلمين لأنه وافق الأمر المتوجه عليه في الحال وأما القضاء ~~فوجوبه بأمر مجدد فلا يشتق منه إسم الصحة وهذه الصلاة فاسدة عند الفقهاء ~~لأنها غير مجزئة وكذلك من قطع صلاته بإنقاذ غريق فصلاته صحيحة عند المتكلم ~~فاسدة عند الفقيه # وهذه الإصطلاحات وإن اختلفت فلا مشاحة فيها إذ المعنى متفق عليه # وأما إذا أطلق في العقود فكل سبب منصوب لحكم إذا أفاد حكمه المقصود منه ~~يقال أنه صح وإن تخلف عنه مقصوده يقال إنه بطل فالباطل ms105 هو الذي لا يثمر لأن ~~السبب مطلوب لثمرته والصحيح هو الذي أثمر PageV01P178 ~~والفاسد مرادف للباطل في إصطلاح أصحاب الشافعي رضي الله عنه فالعقد إما ~~صحيح وإما باطل وكل باطل فاسد # وأبو حنيفة أثبت قسما آخر في العقود بين البطلان والصحة وجعل الفاسد ~~عبارة عنه وزعم أن الفاسد معتقد لإفادة الحكم لكن المعني بفساده أنه غير ~~مشروع بوصفه والمعني بانعقاده أنه مشروع بأصله كعقد الربا فإنه مشروع من ~~حيث أنه بيع وممنوع من حيث أنه يشتمل على زيادة في العوض فاقتضى هذا درجة ~~بين الممنوع بأصله ووصفه جميعا وبين المشروع بأصله ووصفه جميعا فلو صح له ~~هذا القسم لم يناقش في التعبير عنه بالفاسد ولكنه ينازع فيه إذ كل ممنوع ~~بوصفه فهو ممنوع بأصله كما سبق ذكره # الفصل الثالث: في وصف العبادة بالأداء والقضاء والإعادة # أعلم أن الواجب إذا أدي في وقته سمي أداء وإن أدي بعد خروج وقته المضيق ~~أو الموسع المقدر سمي قضاء وإن فعل مرة على نوع من الخلل ثم فعل ثانيا في ~~الوقت سمي إعادة فالإعادة اسم لمثل ما فعل والقضاء اسم لفعل مثل ما فات ~~وقته المحدود. # ويتصدى النظر في شيئين : # أحدهما : أنه لو غلب على ظنه في الواجب الموسع أنه يخترم قبل الفعل فلو ~~أخر عصي بالتأخير فلو أخر وعاش قال القاضي رحمه الله :ما يفعله PageV01P179 ~~هذا قضاء لأنه تقدر وقته بسبب غلبة الظن # وهذا غير مرضي عندنا فإنه لما انكشف خلاف ما ظن زال حكمه وصار كما لو علم ~~أنه يعيش فينبغي أن ينوي الأداء أعني المريض إذا أخر الحج إلى السنة ~~الثانية وهو مشرف على الهلاك ثم شفي . # الثاني أن الزكاة على الفور عند الشافعي رحمه الله فلو أخر ثم أدى فيلزم ~~على مساق كلام القاضي رحمه الله أن يكون قضاء والصحيح أنه أداء لأنه لم ~~يعين وقته بتقدير وتعيين وأنما أوجبنا البدء بقرينة الحاجة وإلا فالأداء في ~~جميع الأوقات موافق لموجب الأمر وامتثال له وكذلك من لزمه قضاء صلاة على ~~الفور فأخر ms106 فلا نقول أنه قضاء القضاء. # ولذلك نقول: يفتقر وجوب القضاء إلى أمر مجدد ومجرد الأمر بالأداء كاف في ~~دوام اللزوم فلا يحتاج إلى دليل آخر وأمر مجدد # فإذا الصحيح أن إسم القضاء مخصوص بما عين وقته شرعا ثم فات الوقت قبل الفعل # دقيقة: أعلم أن القضاء قد يطلق مجازا وقد يطلق حقيقة فإنه تلو الأداء ~~وللأداء أربعة أحوال # الأولى : أن يكون واجبا فإذا تركه المكلف عمدا أو سهوا وجب عليه القضاء ~~ولكن حط المأثم عنه عند سهوه على سبيل العفو فالإتيان بمثله بعده يسمى قضاء حقيقة # الثانية : أن لا يجب الأداء كالصيام في حق الحائض فإنه حرام فإذا صامت ~~بعد الطهر فتسميته قضاء مجاز محض وحقيقته أنه فرض مبتدأ لكن لما تجدد هذا ~~الفرض بسبب حالة عرضت منعت من إيجاب الأداء حتى فات لفوات إيجابه سمي قضاء # وقد أشكل هذا على طائفة فقالوا وجب الصوم على الحائض دون الصلاة PageV01P180 ~~بدليل وجوب القضاء. # وجعل هذا الاسم مجازا أولى من مخالفة الإجماع إذ لا خلاف أنه لو ماتت ~~الحائض لم تكن عاصية فكيف تؤمر بما تعصي به لو فعلته؟ وليس الحيض كالحدث ~~فإن إزالته تمكن. # فإن قيل: فلم تنوي قضاء رمضان؟ # قلنا :إن عينت بذلك أنها تنوي قضاء ما منع الحيض من وجوبه فهو كذلك وإن ~~عنيت أنه قضاء لما وجب عليها في حالة الحيض فهو خطأ ومحال # فإن قيل: فلينو البالغ القضاء لما فات في حالة الصغر # قلنا: لو أمر بذلك لنواه ولكن لم يجعل فوات الإيجاب بالصبا سببا لإيجاب ~~فرض مبتدأ بعد البلوغ كيف والمجاز إنما يحسن بالاشتهار وقد اشتهر ذلك في ~~الحيض دون الصبا # ولعل سبب اختصاص اشتهاره أن الصبا يمنع أصل التكليف والحائض مكلفة فهي ~~بصدد الإيجاب. # الحالة الثالثة :حالة المريض والمسافر إذا لم يجب عليهما لكنهما إن صاما ~~وقع عن الفرض فهذا يحتمل أن يقال أنه مجاز أيضا إذ لا وجوب ويحتمل أن يقال ~~إنه حقيقة إذ فعله في الوقت لصح منه فإذا أخل بالفعل، PageV01P181 ~~مع صحته ms107 فعله فهو شبيه بمن وجب عليه وتركه سهوا أو عمدا أو نقول: قال الله ~~تعالى :{ فعدة من أيام أخر } [البقرة:184] فهو على سبيل التخيير فكان ~~الواجب أحدهما لا بعينه إلا أن هذا البدل لا يمكن إلا بعد فوات الأول ~~والأول سابق بالزمان فسمي قضاء لتعلقه بفواته بخلاف العتق والصيام في ~~الكفارة إذ لا يتعلق أحدهما بفوات الآخر ولكن يلزم على هذا أن تسمى الصلاة ~~في آخر الوقت قضاء لأنه مخير بين التقديم والتأخير كالمسافر . # والأظهر أن تسمية صوم المسافر قضاء مجاز أو القضاء إسم مشترك بين ما فات ~~أداؤه الواجب وبين ما خرج عن وقته المشهور المعروف به ولرمضان خصوص نسبة ~~إلى الصوم ليس ذلك لسواه بدليل أن الصبي المسافر لو بلغ بعد رمضان لا يلزمه ~~ولو بلغ في آخر وقت الصلاة لزمته فإخراجه عن مظنة أدائه في حق العموم يوهم ~~كونه قضاء . # والذي يقتضيه التحقيق أنه ليس بقضاء . # فإن قيل: فالنائم والناسي يقضيان ولا خطاب عليهما لأنهما لا يكلفان # قلنا: هما منسوبان إلى الغفلة والتقصير ولكن الله تعالى عفا عنهما وحط ~~عنهما المأثم بخلاف الحائض والمسافر ولذلك يجب عليهما الإمساك بقية النهار ~~تشبها بالصائمين دون الحائض # ثم في المسافر مذهبان ضعيفان :أحدهما :مذهب أصحاب الظاهر أن المسافر لا ~~يصح صومه في السفر لقوله تعالى :{ فعدة من أيام أخر } [البقرة:184]فلم ~~يأمره إلا بأيام أخر # وهو فاسد، لأن سياق الكلام يفهمنا إضمار الإفطار ومعناه :من كان منكم PageV01P182 ~~مريضا أو على سفر فأفطر فعدة من أيام أخر كقوله تعالى { فقلنا اضرب بعصاك ~~الحجر فانفجرت منه } [البقرة:60] يعني فضرب فانفجرت ولأن أصحاب رسول الله ~~صلى الله عيه وسلم في السفر كانوا يصومون ويفطرون ولا يعترض بعضهم على بعض # والثاني : مذهب الكرخي: أن الواجب أيام أخر ولكن لو صام رمضان صح وكان ~~معجلا للواجب كمن قدم الزكاة على الحول . # وهو فاسد لأن الآية لا تفهم إلا الرخصة في التأخير وتوسيع الوقت عليه ~~والمؤدي في أول الوقت الموسع غير معجل بل هو مؤد في وقته ms108 كما سبق في الصلاة ~~في أول الوقت. # الحالة الرابعة: حال المريض فإن كان لا يخشى الموت في الصوم فهو كالمسافر ~~أما الذي يخشى الموت أو الضرر العظيم فيعصي بترك الأكل فيشبه الحائض من هذا ~~الوجه فلو صام يحتمل أن يقال لا ينعقد لأنه عاص به فكيف يتقرب بما يعصي به؟ ~~ويحتمل أن يقال: إنما عصي بجنايته على الروح التي هي حق الله تعالى فيكون ~~كالمصلي في الدار المغصوبة يعصي لتناوله حق الغير ويمكن أن يقال قد قيل ~~للمريض كل فكيف يقال له لا تأكل ؟وهو معنى الصوم بخلاف الصلاة والغصب # ويمكن أن يجاب بأنه قيل له: لا تهلك نفسك وقيل له: صم فلم يعص من حيث أنه ~~صائم ،بل من حيث سعيه في الهلاك ويلزم عليه صوم يوم النحر فإنه نهي عنه ~~لترك إجابة الدعوة إلى أكل القرابين والضحايا ،وهي ضيافة الله تعالى .ويعسر ~~الفرق بينهما جدا. فهذه احتمالات يتجاذبها المجتهدون # فإن قلنا: لا ينعقد صومه فتسمية تداركه قضاء مجاز محض كما في حق الحائض ~~وإلا فهو كالمسافر PageV01P183 ~~الفصل الرابع: في العزيمة والرخصة # اعلم أن العزم عبارة عن القصد المؤكد قال الله تعالى { فنسي ولم نجد له ~~عزما } [طه:115] أي قصدا بليغا وسمي بعض الرسل أولي العزم لتأكيد قصدهم في ~~طلب الحق. # والعزيمة: في لسان حملة الشرع عبارة عما لزم العباد بإيجاب الله تعالى # والرخصة: في اللسان عبارة عن اليسر والسهولة يقال رخص السعر إذا تراجع ~~وسهل الشراء # وفي الشريعة: عبارة عما وسع للمكلف في فعله لعذر وعجز عنه مع قيام السبب ~~المحرم فإن لم يوجبه الله تعالى علينا من صوم شوال وصلاة الضحى لا يسمى ~~رخصة وما أباحه في الأصل من الأكل والشرب لا يسمى رخصة ويسمى تناول الميتة ~~رخصة وسقوط صوم رمضان عن المسافر يسمى رخصة # وعلى الجملة فهذا الاسم يطلق حقيقة ومجازا # فالحقيقة في الرتبة العليا كإباحة النطق بكلمة الكفر بسبب الإكراه وكذلك ~~إباحة شرب الخمر وإتلاف مال الغير بسب الإكراه والمخمصة والغصص PageV01P184 ~~بلقمة لا يسيغها إلا ms109 الخمر التي معه # وأما المجاز البعيد عن الحقيقة فتسمية ما حط عنا من الأصر والإغلال التي ~~وجبت على من قبلنا في الملل المنسوخة رخصة وما لم يجب علينا ولا على غيرنا ~~لا يسمى رخصة وهذا لما أوجب على غيرنا فإذا قابلنا أنفسنا به حسن إطلاق اسم ~~الرخصة تجوزا فإن الإيجاب على غيرنا ليس تضييقا في حقنا والرخصة فسحة في ~~مقابلة التضييق # ويتردد بين هاتين الدرجتين صور بعضها أقرب إلى الحقيقة وبعضها أقرب إلى ~~المجاز منها القصر والفطر في حق المسافر وهو جدير بأن يسمى رخصة حقيقة لأن ~~السبب هو شهر رمضان وهو قائم وقد دخل المسافر تحت قوله تعالى :{ فمن شهد ~~منكم الشهر فليصمه } [البقرة184] وأخرج عن العموم بعذر وعسر # أما التيمم عند عدم الماء فلا يحسن تسميته رخصة لأنه لا يمكن تكليف ~~استعمال الماء مع عدمه فلا يمكن أن يقال السبب قائم مع استحالة التكليف ~~بخلاف المكره على الكفر والشرب فإنه قادر على الترك نعم تجويز ذلك عند ~~المرض أو الجراحة أو بعد الماء عنه أو بيعه بأكثر من ثمن المثل رخصة بل ~~التيمم عند فقهاء الماء كالإطعام عند فقد الرقبة وذلك ليس برخصة بل أوجبت ~~الرقبة في حالة والإطعام في حالة فلا نقول السبب قائم عند فقد الرقبة بل ~~الظهار سبب لوجوب العتق في حالة ولوجوب الإطعام في حالة # فإن قيل: إن كان سبب وجوب الوضوء مندفعا عند فقد الماء فسبب تحريم الكفر ~~والشرب والميتة مندفع عند خوف الهلاك فكان المحرم محرم بشرط انتفاء الخوف. PageV01P185 # قلنا: المحرم في الميتة الخبث وفي الخمر الإسكار وفي الكفر كونه جهلا بالله ~~تعالى أو كذبا عليه وهذه المحرمات قائمة وقد اندفع حكمها بالخوف فكل تحريم ~~اندفع بالعذر والخوف مع إمكان تركه يسمى اندفاعه رخصة ولا يمنع من ذلك ~~تغيير العبارة بأن يجعل انتفاء العذر شرطا مضموما إلى الموجب # فإن قيل: فالرخص تنقسم إلى ما يعصى بتركه كترك أكل الميتة والإفطار عند ~~خوف الهلاك وإلى ما لا يعصى كالإفطار والقصر وترك كلمة الكفر ms110 وترك قتل من ~~أكره على قتل نفسه فكيف يسمى ما يجب الإتيان به رخصة ؟وكيف فرق بين البعض ~~والبعض ؟ # قلنا: أما تسميته رخصة وإن كانت واجبة فمن حيث أن فيه فسحة إذ لم يكلف ~~إهلاك نفسه بالعطش وجوز له تسكينه بالخمر وأسقط عنه العقاب فمن حيث إسقاط ~~العقاب عن فعله هو فسحة ورخصة ومن حيث إيجاب العقاب على تركه هو عزيمة # وأما سبب الفرق فأمور مصلحية رآها المجتهدون وقد اختلفوا فيها فمنهم من ~~لم يجوز الاستسلام للصائل ومنهم من جوز وقال قتل غيره محظور كقتله وإنما ~~جوز له نظرا له وله أن يسقط حق نفسه إذا قابله مثله وليس له أن يهلك نفسه ~~ليمتنع عن ميتة وخمر فإن حفظ المهجة أهم في الشرع من ترك اليمتة والخمر في ~~حالة نادرة. # ومنها السلم فإنه بيع ما لا يقدر على تسليمه في الحال فقد يقال: إنه رخصة ~~لأن عموم نهيه صلى الله عليه وسلم في حديث حكيم بن حزام عن "بيع ما ليس PageV01P186 ~~عنده" يوجب تحريمه وحاجة المفلس اقتضت الرخصة في السلم ولا شك في أن تزويج ~~الآبقة يصح ولا يسمى ذلك رخصة فإذا قوبل ببيع الآبق فهو فسحة لكن قيل ~~النكاح عقد آخر فارق شرطه البيع فلا مناسبة بينهما ويمكن أن يقال السلم عقد ~~آخر فهو بيع دين وذلك بيع عين فافترقا وافتراقهما في الشرط لا يلحق أحدهما ~~بالرخص فيشبه أن يكون هذا مجازا فقول الراوي نهي عن بيع ما ليس عند الإنسان ~~وأرخص في السلم تجوز في الكلام # واعلم أن بعض أصحاب الرأي قالوا حد الرخصة أنه الذي أبيح مع كونه حراما ~~وهذا متناقض فإن الذي أبيح لا يكون حراما # وحذق بعضهم وقال ما أرخص فيه مع كونه حراما وهو مثل الأول لأن الترخيص ~~إباحة أيضا # وقد بنوا هذا على أصلهم إذ قالوا الكفر قبيح لعينه فهو حرام فبالإكراه ~~رخص له فيما هو قبيح في نفسه وعن هذا لو أصر ولم يتلفظ بالكفر كان مثابا ~~وزعموا أن المكره على الإفطار ms111 لو لم يفطر يثاب لأن الإفطار قبيح والصوم ~~قيام بحق الله تعالى والمكره على إتلاف المال أيضا لو استسلم قالوا يثاب ~~والمكره على تناول الميتة وشرب الخمر زعموا أنه يأثم إن لم يتناول وفي هذه ~~التفاصيل نظر فقهي لا يتعلق بمحض الأصول # والمقصود أن قولهم أنه رخص في الحرام متناقض لا وجه له PageV01P187 ~~والله تعالى أعلم # وقد تم النظر في القطب الأول وهو النظر في حقيقة الحكم وأقسامه فلننظر ~~الآن في مثمر الحكم وهو الدليل PageV01P188 ### | AUTO القطب الثاني: في أدلة الأحكام ### || AUTO الأصل الأول من أصول الأدلة: كتاب الله تعالى ### ||| AUTO الأصل الأول: كتاب الله تعالى (حقيقته، وحده، ومعناه ~~،وأحكامه) # ... # القطب الثاني: في أدلة الأحكام # وهي أربعة : # الكتاب # والسنة # والإجماع # ودليل العقل المقرر على النفي الأصلي # فأما قول الصحابي وشريعة من قبلنا فمختلف فيه # الأصل الأول من أصول الأدلة: كتاب الله تعالى # واعلم أنا إذا حققنا النظر بان أن أصل الأحكام واحد وهو قول الله تعالى ~~إذ قول مشغول الرسول صلى الله عليه وسلم ليس بحكم ولا ملزم بل هو مخبر عن ~~الله تعالى أنه حكم بكذا وكذا فالحكم لله تعالى وحده والإجماع يدل على ~~السنة والسنة على حكم الله تعالى # وأما العقل فلا يدل على الأحكام الشرعية، بل يدل على نفي الأحكام عند PageV01P189 ~~انتفاء السمع فتسمية العقل أصلا من أصول الأدلة تجوز على ما يأتي تحقيقه # إلا أنا إذا نظرنا إلى ظهور الحكم في حقنا فلا يظهر إلا بقول الرسول صلى ~~الله عليه السلام # لأنا لا نسمع الكلام من الله تعالى ولا من جبريل فالكتاب يظهر لنا بقول ~~الرسول صلى الله عليه وسلم # فإذن إن اعتبرنا المظهر لهذه الأحكام فهو قول الرسول فقط إذ الإجماع يدل ~~على أنهم استندوا إلى قوله وإن اعتبرنا السبب الملزم فهو واحد وهو حكم الله تعالى # لكن إذا لم نجرد النظر وجمعنا المدارك صارت الأصول التي يجب النظر فيها ~~أربعة كما سبق # فلنبدأ بالكتاب # والنظر في حقيقته # ثم في حده المميز له عما ليس ms112 بكتاب # ثم في ألفاظه # ثم في أحكامه # النظر الأول: في حقيقته ومعناه # هو الكلام القائم بذات الله تعالى وهو صفة قديمة من صفاته والكلام اسم ~~مشترك قد يطلق على الألفاظ الدالة على ما في النفس تقول سمعت PageV01P190 ~~كلام فلان وفصاحته وقد يطلق على مدلول العبارات وهي المعاني التي في النفس ~~كما قيل # إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا # وقال الله تعالى { ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول } ~~[المجادلة :8] وقال تعالى { وأسروا قولكم أو اجهروا به } [الملك:13] فلا ~~سبيل إلى إنكار كون هذا الاسم مشتركا # وقد قال قوم: وضع في الأصل للعبارات وهو مجاز في مدلولها وقيل عكسه ولا ~~يتعلق به غرض بعد ثبوت الاشتراك وكلام النفس ينقسم إلى خبر واستخبار وأمر ~~ونهي وتنبيه وهي معان تخالف بجنسها الإرادات والعلوم وهي متعلقة بمتعلقاتها ~~لذاتها كما تتعلق القدرة والإرادة والعلم وزعم قوم أنه يرجع إلى العلوم ~~والإرادات وليس جنسا برأسه وإثبات ذلك على المتكلم لا على الأصولي PageV01P191 ~~فصل # كلام الله تعالى واحد وهو مع وحدته متضمن لجميع معاني الكلام كما أن علمه ~~واحد وهو مع وحدته محيط بما لا يتناهى من المعلومات حتى لا يعزب عن علمه ~~مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض وفهم ذلك غامض وتفهيمه على المتكلم لا ~~على الأصولي # وأما كلام النفس في حقنا فهو يتعدد كما تتعدد العلوم # ويفارق كلامه كلامنا من وجه آخر وهو أن أحدا من المخلوقين لا يقدر على أن ~~يعرف غيره كلام نفسه إلا بلفظ أو رمز أو فعل والله تعالى قادر على أن يخلق ~~لمن يشاء من عباده علما ضروريا بكلامه من غير توسط حرف وصوت ودلالة ويخلق ~~لهم السمع أيضا بكلامه من غير توسط صوت وحرف ودلالة ومن سمع ذلك من غير ~~توسط فقد سمع كلام الله تحقيقا وهو خاصية موسى صلوات الله تعالى عليه وعلى ~~نبينا وسائر الأنبياء وأما من سمعه من غيره ملكا كان أو نبيا كان تسميته ~~سامعا كلام الله تعالى كتسميتنا ms113 من سمع شعر المتنبي من غيره بأنه سمع شعر ~~المتنبي وذلك أيضا جائز ولأجله قال الله تعالى { وإن أحد من المشركين ~~استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله } [التوبة:6] PageV01P192 ~~النظر الثاني: في حده # وحد الكتاب ما نقل إلينا بين دفتي المصحف على الأحرف السبعة المشهورة ~~نقلا متواترا # ونعني بالكتاب القرآن المنزل وقيدناه بالمصحف لأن الصحابة بالغوا في ~~الاحتياط في نقله حتى كرهوا التعاشير والنقط وأمروا بالتجريد كيلا يختلط ~~بالقرآن غيره ونقل إلينا متواترا فعلم أن المكتوب في المصحف المتفق عليه هو ~~القرآن وأن ما هو خارج عنه فليس منه إذ يستحيل في العرف والعادة مع توفر ~~الدواعي على حفظه أن يهمل بعضه فلا ينقل أو يخلط به ما ليس منه # فإن قيل: هلا حددتموه بالعجز ؟ # قلنا: لا لأن كونه معجزا يدل على صدق الرسول عليه السلام لا على كونه ~~كتاب الله تعالى لا محالة إذ يتصور الإعجاز بما ليس بكتاب الله تعالى ولأن ~~بعض الآية ليس بمعجز وهو من الكتاب # فإن قيل: فلم شرطتم التواتر؟ # قلنا: ليحصل العلم به لأن الحكم بما لا يعلم جهل وكون الشيء كلام الله ~~تعالى أمر حقيقي ليس بوضعي حتى يتعلق بظننا فيقال إذا ظننتم كذا فقد حرمنا ~~عليكم فعلا أو حللناه لكم فيكون التحريم معلوما عند ظننا ويكون ظننا علامة ~~يتعلق التحريم به لأن التحريم بالوضع فيمكن الوضع عند الظن وكون الشيء كلام ~~الله تعالى أمر حقيقي ليس بوضعي فالحكم فيه بالظن جهل ويتشعب عن حد الكلام ~~مسألتان: PageV01P193 # مسألة: [حكم تتابع الصيام في كفارة اليمين] # التتابع في صوم كفارة اليمين ليس بواجب على قول وإن قرأ ابن مسعود فصيام ~~ثلاثة أيام متتابعات لأن هذه الزيادة لم تتواتر فليست من القرآن فتحمل على ~~أنه ذكرها في معرض البيان لما اعتقده مذهبا فلعله اعتقد التتابع حملا لهذا ~~المطلق على المقيد بالتتابع في الظهار. # وقال أبو حنيفة :يجب لأنه وإن لم يثبت كونه قرآنا فلا أقل من كونه خبرا ~~والعمل يجب بخبر الواحد. # وهذا ضعيف لأن خبر الواحد ms114 لا دليل على كذبه وهو أن جعله من القرآن فهو ~~خطأ قطعا لأنه وجب على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغه طائفة من ~~الأمة تقوم الحجة بقولهم وكان لا يجوز له مناجاة الواحد به وإن لم يجعله من ~~القرآن احتمل أن يكون ذلك مذهبا له لدليل قد دله عليه واحتمل أن يكون خبرا ~~وما تردد بين أن يكون خبرا أو لا يكون فلا يجوز العمل به وإنما يجوز العمل ~~بما يصرح الراوي بسماعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم مسألة: [هل ~~البسملة آية أم لا] # البسملة آية من القرآن لكن هل هي آية من أول كل سورة فيه خلاف وميل ~~الشافعي رحمه الله إلى أنها آية من كل سورة الحمد وسائر السور لكنها في أول ~~كل سورة آية برأسها وهي مع أول آية من سائر السور آية وهذا مما نقل PageV01P194 ~~عن الشافعي رحمه الله فيه تردد وهذا أصح من قول من حمل تردد قول الشافعي ~~على أنها هل هي من القرآن في أول كل سورة ؟بل الذي يصح أنها حيث كتبت مع ~~القرآن بخط القرآن فهي من القرآن # فإن قيل: القرآن لا يثبت إلا بطريق قاطع متواتر فإن كان هذا قاطعا فكيف ~~اختلفوا فيه ؟وإن كان مظنونا فكيف يثبت القرآن بالظن؟ ولو جاز هذا لجاز ~~إيجاب التتابع في صوم كفارة اليمين بقول ابن مسعود ولجاز للروافض أن يقولوا ~~قد ثبتت إمامة علي رضي الله عنه بنص القرآن ونزلت فيه آيات أخفاها الصحابة ~~بالتعصب . # وإنما طريقنا في الرد عليهم أنا نقول نزل القرآن معجزة للرسول عليه ~~السلام وأمر الرسول عليه السلام بإظهاره مع قوم تقوم الحجة بقولهم وهم أهل ~~التواتر فلا يظن بهم التطابق على الإخفاء ولا مناجاة الآحاد به حتى لا ~~يتحدث أحد بالإنكار فكانوا يبالغون في حفظ القرآن حتى كانوا يضايقون في ~~الحروف ويمنعون من كتبة أسامي السور مع القرآن ومن التعاشير والنقط كيلا ~~يختلط بالقرآن غيره فالعادة تحيل الإخفاء فيجب أن يكون طريق ثبوت القرآن ms115 القطع. # وعن هذا المعنى قطع القاضي رحمه الله بخطأ من جعل البسملة من القرآن إلا ~~في سورة النمل فقال لو كانت من القرآن لوجب على الرسول عليه السلام أن يبين ~~أنها من القرآن بيانا قاطعا للشك والاحتمال إلا أنه قال أخطىء القائل به ~~ولا أكفره لأن نفيها من القرآن لم يثبت أيضا بنص صريح متواتر فصاحبه مخطىء ~~وليس بكافر واعترف بأن البسملة منزلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ~~أول كل سورة وأنها كتبت مع القرآن بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد ~~قال ابن عباس رضي الله عنهما كان رسول الله لا يعرف ختم سورة وابتداء أخرى ~~حتى ينزل عليه جبريل ببسم الله الرحمن الرحيم # لكنه لا يستحيل أن ينزل عليه ما ليس بقرآن . # وأنكر قول من نسب عثمان رضي الله عنه إلى البدعة في كتبه بسم الله PageV01P195 ~~الرحمن الرحيم في أول كل سورة . # وقال لو أبدع لاستحال في العادة سكوت أهل الدين عنه مع تصلبهم في الدين ~~كيف وقد أنكروا على من أثبت أسامي السور والنقط والتعشير فما بالهم لم ~~يجيبوا بأنا أبدعنا ذلك كما أبدع عثمان رضي الله عنه كتبه البسملة لا سيما ~~واسم السور يكتب بخط آخر متميز عن القرآن والبسملة مكتوبة بخط القرآن متصلة ~~به بحيث لا تتميز عنه فتحيل العادة السكوت على من يبدعها لولا أنه بأمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم . # والجواب: أنا نقول لا وجه لقطع القاضي بتخطئة الشافعي رحمه الله لأن ~~إلحاق ما ليس بقرآن بالقرآن كفر كما أنه من ألحق القنوت أو التشهد أو ~~التعوذ بالقرآن فقد كفر فمن ألحق البسملة لم لا يكفر ولا سبب له إلا أنه ~~يقال لم يثبت انتفاؤه من القرآن بنص متواتر فنقول لو لم يكن من القرآن لوجب ~~على الرسول صلى الله عليه وسلم التصريح بأنه ليس من القرآن وإشاعة ذلك على ~~وجه يقطع الشك كما في التعوذ والتشهد. # فإن قيل: ما ليس من القرآن لا حصر له حتى ينفي ms116 إنما الذي يجب التنصيص ~~عليه ما هو من القرآن. # قلنا: هذا صحيح ،لو لم تكتب البسملة بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مع القرآن بخط القرآن ولو لم يكن منزلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مع أول كل سورة وذلك يوهم قطعا أنه من القرآن ولا يظن برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه لم يعرف كونه موهما ولا جواز السكوت عن نفيه مع توهم الحاقه. # فإذا القاضي رحمه الله يقول لو كان من القرآن لقطع الشك بنص متواتر تقوم ~~الحجة به . PageV01P196 # ونحن نقول: لو لم يكن من القرآن لوجب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~التصريح بأنه ليس من القرآن وإشاعته ولنفاه بنص متواتر بعد أن أمر بكتبه ~~بخط القرآن ،إذ لا عذر في السكوت عن قطع هذا التوهم فأما عدم التصريح بأنه ~~من القرآن فإنه كان اعتمادا على قرائن الأحوال، إذ كان يملي على الكاتب مع ~~القرآن، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم وعليه السلام في أثناء إملائه لا ~~يكرر مع كل كلمة وآية أنها من القرآن، بل كان جلوسه له وقرائن أحواله تدل ~~عليه وكان يعرف كل ذلك قطعا ثم لما كانت البسملة أمر بها في أول كل أمر ذي ~~بال ووجد ذلك في أوائل السور ظن قوم أنه كتب على سبيل التبرك وهذا الظن خطأ ~~ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما"سرق الشيطان من الناس آية من القرآن لما ~~ترك بعضهم قراءة البسملة في أول السورة" فقطع بأنها آية ولم ينكر عليه كما ~~ينكر على من ألحق التعوذ والتشهد بالقرآن. فدل على أن ذلك كان مقطوعا به، ~~وحدث الوهم بعده. # فإن قيل :بعد حدوث الوهم والظن صارت البسملة اجتهادية، وخرجت عن مظنة ~~القطع فكيف يثبت القرآن بالاجتهاد ؟ # قلنا: جوز القاضي رحمه الله الخلاف في عدد الآيات ومقاديرها، وأقر بأن ~~ذلك منوط باجتهاد القراء، وأنه لم يبين بيانا شافيا قاطعا للشك والبسملة من ~~القرآن في سورة النمل هي مقطوع بكونها من القرآن وإنما ms117 الخلاف في أنها من ~~القرآن مرة واحدة أو مرات كما كتبت فهذا يجوز أن يقع الشك فيه ويعلم ~~بالاجتهاد لأنه نظر في تعيين موضع الآية بعد كونها مكتوبة بخط القرآن فهذا ~~جائز وقوعه والدليل على إمكان الوقوع وأن الاجتهاد قد تطرق إليه: أن PageV01P197 ~~النافي لم يكفر الملحق والملحق لم يكفر النافي بخلاف القنوت والتشهد فصارت ~~البسملة نظرية، وكتبها بخط القرآن مع القرآن مع صلابة الصحابة وتشددهم في ~~حفظ القرآن عن الزيادة قاطع أو كالقاطع في أنها من القرآن # فإن قيل :فالمسألة صارت نظرية وخرجت عن أن تكون معلومة بالتواتر علما ~~ضروريا فهي قطعية أو ظنية؟ # قلنا: الإنصاف أنها ليست قطعية بل هي اجتهادية. ودليل جواز الاجتهاد فيها ~~وقوع الخلاف فيها في زمان الصحابة رضي الله عنهم حتى قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما سرق الشيطان من الناس آية ولم يكفر بإلحاقها بالقرآن ولا أنكر عليه ~~ونعلم أنه لو نقل الصديق رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ~~البسملة من سورة الحمد وأوائل السور المكتوبة معها لقبل ذلك بسبب كونها ~~مكتوبة بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو نقل أن القنوت مع القرآن ~~لعلم بطلان ذلك بطريق قاطع لا يشك فيه # وعلى الجملة: إذا أنصفنا وجدنا أنفسنا شاكين في مسألة البسملة قاطعين في ~~مسألة التعوذ والقنوت وإذا نظرنا في كتبها مع القرآن بأمر رسول الله مع ~~سكوته عن التصريح بنفي كونها من القرآن بعد تحقق سبب الوهم كان ذلك دليلا ~~ظاهرا كالقطع في كونها من القرآن فدل أن الاجتهاد لا يتطرق إلى أصل القرآن ~~أما ما هو من القرآن وهو مكتوب بخطه فالاجتهاد فيه يتطرق إلى تعيين موضعه ~~وأنه من القرآن مرة أو مرات وقد أوردنا أدلة ذلك في كتاب حقيقة القرآن ~~وتأويل ما طعن به على الشافعي رحمه الله من ترديده القول في هذه المسألة # فإن قيل: قد أوجبتم قراءة البسملة في الصلاة وهو مبني على كونها قرآنا ~~وكونها قرآنا لا يثبت بالظن فإن الظن علامة ms118 وجوب العمل في المجتهدات وإلا ~~فهو جهل أي ليس بعلم فليكن كالتتابع في قراءة ابن مسعود PageV01P198 ~~قلنا: وردت أخبار صحيحة صريحة في وجوب قراءة البسملة وكونها قرآنا متواترا ~~معلوم وإنما المشكوك فيه أنها قرآن مرة في سورة النمل أو مرات كثيرة في أول ~~كل سورة فكيف تساوي قراءةابن مسعود ولا يثبت بها القرآن ولا هي خبر وهاهنا ~~صحت أخبار في وجوب البسملة وصح بالتواتر أنها من القرآن؟ وعلى الجملة ~~فالفرق بين المسألتين ظاهر # النظر الثالث في ألفاظه # وفيه ثلاث مسائل: # مسألة: [الحقيقة والمجاز ؟]: # ألفاظ العرب تشتمل على الحقيقة والمجاز كما سيأتي في الفرق بينهما. # فالقرآن يشتمل على المجاز. خلافا لبعضهم فنقول: # المجاز: اسم مشترك: قد يطلق على الباطل الذي لا حقيقة له والقرآن منزه عن ~~ذلك ولعله الذي أراده من أنكر اشتمال القرآن على المجاز وقد يطلق على اللفظ ~~الذي تجوز به عن موضوعه وذلك لا ينكر في القرآن مع قوله تعالى { واسأل ~~القرية التي كنا فيها والعير } [يوسف:82] وقوله { جدارا PageV01P199 ~~يريد أن ينقض } [الكهف :77] وقوله { لهدمت صوامع وبيع وصلوات } [ الحج :40 ~~] فالصلوات كيف تهدم؟ { أو جاء أحد منكم من الغائط} [المائدة:6] { الله نور ~~السماوات والأرض } [النور :35] {يؤذون الله} [ الأحزاب: 57] وهو يريد رسوله ~~{ الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه ~~بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين } [ ~~البقرة:194] والقصاص حق فكيف يكون عدوانا ؟{ وجزاء سيئة سيئة مثلها } ~~[الشورى: من الآية40] { الله يستهزئ بهم } [البقرة:14] {ويمكرون ويمكر ~~الله} [الأنفال:30] {كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله} [المائدة:64] ~~{أحاط بهم سرادقها } ]الكهف: من الآية29[وذلك ما لا يحصى وكل ذلك مجاز كما سيأتي # مسألة[هل القرآن كله عربي؟!] # قال القاضي رحمه الله القرآن عربي كله لا عجمية فيه وقال قوم فيه لغة غير ~~العرب واحتجوا بأن المشكاة هندية والإستبرق فارسية وقوله وفاكهة وأبا عبس ~~قال بعضهم الأب ليس من لغة العرب والعرب قد تستعمل اللفظة العجمية فقد ~~استعمل في بعض القصائد PageV01P200 ~~العثجاة يعني صدر المجلس وهو معرب ms119 كمشكاة وقد تكلف القاضي إلحاق هذه ~~الكلمات بالعربية وبين أوزانها وقال كل كلمة في القرآن استعملها أهل لغة ~~أخرى فيكون أصلها عربيا وإنما غيرها غيرهم تغييرا ما كما غير العبرانيون ~~فقالوا للإله لاهوت وللناس ناسوت وأنكر أن يكون في القرآن لفظ عجمي مستدلا ~~بقوله تعالى { لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين } ~~[النحل:103 ] وقال: أقوى الأدلة قوله تعالى { ولو جعلناه قرآنا أعجميا ~~لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي } [فصلت:44] ولوكان فيه لغة العجم لما ~~كان عربيا محضا، بل عربيا وعجميا ولاتخذ العرب ذلك حجة وقالوا نحن لا نعجز ~~عن العربية أما العجمية فنعجز عنها # وهذا غير مرضي عندنا إذ اشتمال جميع القرآن على كلمتين أو ثلاث أصلها ~~عجمي وقد استعملتها العرب ووقعت في ألسنتهم لا يخرج القرآن عن كونه عربيا ~~وعن إطلاق هذا الاسم عليه ولا يتمهد للعرب حجة فإن الشعر الفارسي يسمى ~~فارسيا وإن كانت فيه آحاد كلمات عربية إذا كانت تلك الكلمات متداولة في ~~لسان الفرس فلا حاجة إلى هذا التكلف PageV01P201 ~~مسألة: [المحكم والمتشابه في القرآن] # في القرآن محكم ومتشابه كما قال تعالى { منه آيات محكمات هن أم الكتاب ~~وأخر متشابهات } [آل عمران:7] . # واختلفوا في معناه وإذا لم يرد توقيف في بيانه فينبغي أن يفسر بما يعرفه ~~أهل اللغة ويناسب اللفظ من حيث الوضع # ولا يناسبه قولهم المتشابه هي الحروف المقطعة في أوائل السور والمحكم ما ~~وراء ذلك ولا قولهم المحكم ما يعرفه الراسخون في العلم والمتشابه ما ينفرد ~~الله تعالى بعلمه ولا قولهم المحكم الوعد والوعيد والحلال والحرام ~~والمتشابه القصص والأمثال وهذا أبعد بل الصحيح أن المحكم يرجع إلى معنيين: # أحدهما: المكشوف المعنى الذي لا يتطرق إليه إشكال واحتمال والمتشابه ما ~~تعارض فيه الإحتمال # الثاني : أن المحكم ما انتظم وترتب ترتيبا مفيدا ما على ما ظاهر أو على ~~تأويل ما لم يكن فيه متناقض ومختلف لكن هذا المحكم يقابله المثبج PageV01P202 ~~والفاسد دون المتشابه وأما المتشابه فيجوز أن يعبر به عن الأسماء المشتركة ~~كالقرء وكقوله تعالى ms120 { الذي بيده عقدة النكاح } ]البقرة:237[ فإنه مردد بين ~~الزوج والولي وكاللمس المردد بين المس والوطء وقد يطلق على ما ورد في صفات ~~الله مما يوهم ظاهره الجهة والتشبيه ويحتاج إلى تأويله # فإن قيل: قوله تعالى { وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم } ~~[آل عمران:7] الواو للعطف أم الأولى الوقف على الله ؟ # قلنا: كل واحد محتمل فإن كان المراد به وقت القيامة فالوقف أولى وإلا ~~فالعطف إذ الظاهر أن الله تعالى لا يخاطب العرب بما لا سبيل إلى معرفته ~~لأحد من الخلق # فإن قيل: فما معنى الحروف في أوائل السور؟ إذ لا يعرف أحد معناها # قلنا: أكثر الناس فيها وأقربها أقاويل: # أحدها: أنها أسامي السور حتى تعرف بها فيقال سورة يس وطه # وقيل: ذكرها الله تعالى لجمع دواعي العرب إلى الاستماع لأنها تخالف ~~عادتهم فتوقظهم عن الغفلة حتى تصرف قلوبهم إلى الإصغاء فلم يذكرها لإرادة معنى # وقيل: إنما ذكرها كناية عن سائر حروف المعجم التي لا يخرج عنها جميع كلام ~~العرب تنبيها أنه ليس يخاطبهم إلا بلغتهم وحروفهم وقد ينبه ببعض الشيء على ~~كله يقال قرأ سورة البقرة وأنشد ألاهبي يعني جميع السورة والقصيدة قال ~~الشاعر: # يناشدني حاميم والرمح شاجر ... فهلا تلا حاميم قبل التقدم PageV01P203 ~~كنى بحاميم عن القرآن فقد ثبت أنه ليس في القرآن ما لا تفهمه العرب فإن قيل ~~العرب إنما تفهم من قوله تعالى { وهو القاهر فوق عباده} الأنعام و{ الرحمن ~~على العرش استوى} طه الجهة والاستقرار وقد أريد به غيره فهو متشابه؟ قلنا: ~~هيهات! فإن هذه كنايات واستعارات يفهمها المؤمنون من العرب المصدقون بأن ~~الله تعالى ليس كمثله شيء وأنها مؤولة تأويلات تناسب تفاهم العرب # النظر الرابع في أحكامه # ومن أحكامه تطرق التأويل إلى ظاهر ألفاظه وتطرق التخصيص إلى صيغ عمومه ~~وتطرق النسخ إلى مقتضياته # أما التخصيص والتأويل فسيأتي في القطب الثالث إذا فصلنا وجوه الاستثمار ~~والاستدلال من الصيغ والمفهوم وغيرها # وأما النسخ: فقد جرت العادة بذكره بعد كتاب الأخبار لأن النسخ يتطرق إلى ~~الكتاب والسنة ms121 جميعا لكنا ذكرناه في أحكام الكتاب لمعنيين أحدهما: إن ~~إشكاله وغموضه من حيث تطرقه إلى كلام الله تعالى مع استحالة البداءة عليه ~~الثاني: إن الكلام على الأخبار قد طال لأجل تعلقه بمعرفة طرقها من التواتر ~~والآحاد فرأينا ذكره على أثر أحكام الكتاب أولى وهذا : PageV01P204 ### ||| AUTO كتاب النسخ # ... # كتاب النسخ # والنظر في حده وحقيقته # ثم في إثباته على منكريه # ثم في أركانه وشروطه وأحكامه # فنرسم فيه أبوابا: PageV01P205 # الباب الأول: في حده وحقيقته وإثباته # أما حده فاعلم أن النسخ عبارة عن الرفع والإزالة في وضع اللسان يقال نسخت ~~الشمس الظل ونسخت الريح الآثار إذا أزالتها وقد يطلق لإرادة نسخ الكتاب فهو ~~مشترك ومقصودنا النسخ الذي هو بمعنى الرفع والإزالة # فنقول: حده أنه الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم ~~على وجه لولاه لكان ثابتا به مع تراخيه عنه # وإنما آثرنا لفظ الخطاب على لفظ النص ليكون شاملا للفظ والفحوى والمفهوم ~~وكل دليل إذ يجوز النسخ بجميع ذلك # وإنما قيدنا الحد بالخطاب المتقدم لأن ابتداء إيجاب العبادات في الشرع ~~مزيل حكم العقل من براءة الذمة ولا يسمى نسخا لأنه لم يزل حكم خطاب # وإنما قيدنا بارتفاع الحكم ولم نقيد بارتفاع الأمر والنهي ليعم جميع ~~أنواع الحكم من الندب والكراهة والإباحة فجميع ذلك قد ينسخ # وإنما قلنا لولاه لكان الحكم ثابتا به لأن حقيقة النسخ الرفع فلو لم يكن ~~هذا ثابتا لم يكن هذا رافعا لأنه إذا ورد أمر بعبادة موقتة وأمر بعبادة ~~أخرى بعد تصرم ذلك الوقت لا يكون الثاني نسخا فإذا قال { أتموا PageV01P207 ~~الصيام إلى الليل } [البقرة:187 ] ثم قال في الليل لا تصوموا لا يكون ذلك ~~نسخا بل الرافع ما لا يرتفع الحكم لولاه # وإنما قلنا: مع تراخيه عنه لأنه لو اتصل به لكان بيانا وإتماما لمعنى ~~الكلام وتقديرا له بمدة أو شرط # وإنما يكون رافعا إذا ورد بعد أن ورد الحكم واستقر بحيث يدوم لولا الناسخ # وأما الفقهاء فإنهم لم يعقلوا الرفع لكلام الله تعالى فقالوا في حد النسخ ~~أنه ms122 الخطاب الدال الكاشف عن مدة العبادة أو عن زمن انقطاع العبادة # وهذا يوجب أن يكون قوله صم بالنهار وكل بالليل نسخا وقوله تعالى {ثم ~~أتموا الصيام إلى الليل} [البقرة:187] نسخا وليس فيه معنى الرفع ولا يغنيهم ~~أن يزيدوا شرط التراخي فإن قوله الأول إذا لم يتناول إلا النهار فهو متقاعد ~~عن الليل بنفسه فأي معنى لنسخه وإنما يرفع ما دخل تحت الخطاب الأول وأريد ~~باللفظ الدلالة عليه وما ذكروه تخصيص وسنبين وجه مفارقة النسخ للتخصيص بل ~~سنبين أن الفعل الواحد إذا أمر به في وقت واحد يجوز نسخه قبل التمكن من ~~الامتثال وقبل وقته فلا يكون بيانا لانقطاع مدة العبادة # وأما المعتزلة فإنهم حدوه بأنه الخطاب الدال على أن مثل الحكم الثابت ~~بالنص المتقدم زائل على وجهه لولاه لكان ثابتا وربما أبدلوا لفظ الزائل ~~بالساقط وربما أبدلوه بالغير الثابت كل ذلك حذرا من الرفع وحقيقة النسخ ~~الرفع فكأنهم أخلوا الحد عن حقيقة المحدود # فإن قيل: تحقيق معنى الرفع في الحكم يمتنع من خمسة أوجه # الأول : أن المرفوع إما حكم ثابت أو ما لا ثبات له ؟والثابت لا يمكن رفعه ~~وما لا ثبات له لا حاجة إلى رفعه فدل أن النسخ هو رفع مثل الحكم PageV01P208 ~~الثابت لا رفع عينه أو هو بيان لمدة العبادة كما قاله الفقهاء # الثاني : أن كلام الله تعالى قديم عندكم والقديم لا يتصور رفعه # الثالث : أن ما أثبته الله تعالى إنما أثبته لحسنه فلو نهى عنه لأدى إلى ~~أن ينقلب الحسن قبيحا وهو محال # الرابع : أن ما أمر به أراد وجوده فما كان مرادا كيف ينهى عنه حتى يصير ~~مراد العدم مكروها؟ # ا لخامس : أنه يدل على البداء فإنه نهى عنه بعدما أمر به فكأنه بدا له ~~فيما كان قد حكم به وندم عليه # فالاستحالة الأولى من جهة استحالة نفس الرفع والثانية من جهة قدم الكلام ~~والثالثة من جهة صفة ذات المأمور في كونه حسنا قبيحا والرابعة من جهة ~~الإرادة المقترنة بالأمر والخامسة من جهة العلم المتعلق ms123 به وظهور البداء بعده # والجواب عن الأول: أن الرفع من المرفوع كالكسر من المكسور وكالفسخ من ~~العقد إذ لو قال قائل ما معنى كسر الآنية وإبطال شكلها من تربيع وتسديس ~~وتدوير؟ فإن الزائل بالكسر تدوير موجود أو معدوم ؟والمعدوم لا حاجة إلى ~~إزالته والموجود لا سبيل إلى إزالته فيقال معناه أن استحكام شكل الآنية ~~يقتضي بقاء صورتها دائما لولا ما ورد عليه من السبب الكاسر فالكاسر قطع ما ~~اقتضاه استحكام بنية الآنية لولا الكسر فكذلك الفسخ يقطع حكم العقد من حيث ~~أن الذي ورد عليه لولاه لدام فإن البيع سبب للملك مطلقا بشرط أن لا يطرأ ~~قاطع وليس طريان القاطع من الفسخ مبينا لنا أن البيع في وقته انعقد مؤقتا ~~ممدودا إلى غاية الفسخ فإنا نعقل أن نقول بعتك هذه الدار سنة ونعقل أن نقول ~~بعتك وملكتك أبدا ثم نفسخ بعد انقضاء السنة وندرك الفرق بين الصورتين وأن ~~الأول وضع لملك قاصر PageV01P209 ~~بنفسه والثاني وضع لملك مطلق مؤبد إلى أن يقطع بقاطع فإذا فسخ كان الفسخ ~~قاطعا لحكمه الدائم بحكم العقد لولا القاطع لا بيانا لكونه في نفسه قاصر # وبهذا يفارق النسخ التخصيص فإن التخصيص يبين لنا أن اللفظ ما أريد به ~~الدلالة إلا على البعض والنسخ يخرج عن اللفظ ما أريد به الدلالة عليه # ولأجل خفاء معنى الرفع أشكل على الفقهاء ووقعوا في إنكار معنى النسخ # وأما الجواب عن الثاني: وهو استحالة رفع الكلام القديم فهو فاسد إذ ليس ~~معنى النسخ رفع الكلام بل قطع تعلقه بالمكلف والكلام القديم يتعلق بالقادر ~~العاقل فإذا طرأ العجز والجنون زال التعلق فإذا عاد العقل والقدرة عاد ~~التعلق والكلام القديم لا يتغير في نفسه فالعجز والموت سبب من جهة المخاطب ~~يقطع تعلق الخطاب عنه والنسخ سبب من جهة المخاطب يقطع تعلق الخطاب كما أن ~~حكم البيع وهو ملك المشتري إياه تارة ينقطع بموت العبد المبيع وتارة بفسخ ~~العاقد ولأجل خفاء هذه المعاني أنكر طائفة قدم الكلام # وأما الجواب عن الثالث: وهو انقلاب الحسن ms124 قبيحا فقد أبطلنا معنى الحسن ~~والقبح وأنه لا معنى لهما وهذا أولى من الاعتذار بأن الشيء يجوز أن يحسن في ~~وقت ويقبح في وقت لأنه قد قال في رمضان لا تأكل بالنهار وكل بالليل لأن ~~النسخ ليس مقصورا عندنا على مثل ذلك بل يجوز أن يأمر بشيء واحد في وقت ~~وينهى عنه قبل دخول الوقت فيكون قد نهى عما أمر به كما سيأتي # وأما الجواب عن الرابع: وهو صيرورة المراد مكروها فهو باطل لأن الأمر ~~عندنا يفارق الإرادة فالمعاصي مرادة عندنا وليست مأمورا بها وسيأتي تحقيقه ~~في كتاب الأوامر # وأما الجواب عن الخامس: وهو لزوم البداء فهو فاسد لأنه إن كان المراد أنه ~~يلزم من النسخ أن يحرم ما أباح وينهى عما أمر فذلك جائز {يمحوا الله ما ~~يشاء ويثبت} [الرعد:39 ] ولا تناقض فيه كما أباح الأكل بالليل PageV01P210 ~~وحرمه بالنهار وإن كان المراد أنه انكشف له ما لم يكن عالما به فهو محال ~~ولا يلزم ذلك من النسخ بل يعلم الله تعالى أنه يأمرهم بأمر مطلق ويديم ~~عليهم التكليف إلى وقت معلوم ثم يقطع التكليف بنسخه عنهم فينسخه في الوقت ~~الذي علم نسخه فيه وليس فيه تبين بعد جهل # فإن قيل: فهم مأمورون في علمه إلى وقت النسخ أو أبدا فإن كان إلى وقت ~~النسخ فالنسخ قد بين وقت العبادة كما قاله الفقهاء وإن كانوا مأمورين أبدا ~~فقد تغير علمه ومعلومه # قلنا: هم مأمورون في علمه إلى وقت النسخ الذي هو قطع الحكم المطلق عنهم ~~الذي لولاه لدام الحكم كما يعلم الله تعالى البيع المطلق مفيدا للملك إلى ~~أن ينقطع بالفسخ ولا يعلم البيع في نفسه قاصرا على مدة بل يعلمه مقتضيا ~~لملك مؤبد بشرط أن لا يطرأ قاطع لكن يعلم أن النسخ سيكون فينقطع الحكم ~~لانقطاع شرطه لا لقصوره في نفسه # فليس إذا في النسخ لزوم البداء ولأجل قصور فهم اليهود عن هذا أنكروا ~~النسخ ولأجل قصور فهم الروافض عنه ارتكبوا البداء ونقلوا عن علي رضي الله ~~عنه أنه ms125 كان لا يخبر عن الغيب مخافة أن يبدو له تعالى فيه فيغيره وحكوا عن ~~جعفر بن محمد أنه قال ما بدا الله في شيء كما بدا له في إسماعيل أي في أمره ~~بذبحه وهذا هو الكفر الصريح ونسبة الإله تعالى إلى الجهل والتغير ويدل على ~~استحالته ما دل على أنه محيط بكل شيء علما وأنه ليس محلا للحوادث والتغيرات ~~وربما احتجوا بقوله تعالى {يمحوا الله ما يشاء ويثبت} [الرعد:39 [ وإنما ~~معناه أنه يمحو الحكم المنسوخ ويثبت الناسخ أو يمحو السيئات بالتوبة كما ~~قال تعالى { إن الحسنات يذهبن السيئات } [ هود: من الآية11] ويمحو الحسنات ~~بالكفر والردة أو يمحو ما ترفع إليه الحفظة من المباحات ويثبت الطاعات # فإن قيل:فما الفرق بين التخصيص والنسخ؟ # قلنا :هما مشتركان من وجه إذ كل واحد يوجب اختصاص الحكم PageV01P211 ~~ببعض ما تناوله اللفظ لكن التخصيص بيان أن ما أخرج عن عموم الصيغة ما أريد ~~باللفظ الدلالة عليه والنسخ يخرج عن اللفظ ما قصد به الدلالة عليه فإن قوله ~~إفعل أبدا يجوز أن ينسخ وما أريد باللفظ بعض الأزمنة بل الجميع لكن بقاؤه ~~مشروط بأن لا يرد ناسخ كما إذا قال ملكتك أبدا ثم يقول فسخت فالفسخ هذا ~~إبداء ما ينافي شرط استمرار الحكم بعد ثبوته وقصد الدلالة عليه باللفظ # فلذلك يفترقان في خمسة أمور: # الأول : أن الناسخ يشترط تراخيه والتخصيص يجوز اقترانه لأنه بيان بل يجب ~~اقترانه عند من لا يجوز تأخير البيان # الثاني : أن التخصيص لا يدخل في الأمر بمأمور واحد والنسخ يدخل عليه # والثالث : أن النسخ لا يكون إلا بقول وخطاب والتخصيص قد يكون بأدلة العقل ~~والقرائن وسائر أدلة السمع # الرابع: أن التخصيص يبقى دلالة اللفظ على ما بقي تحته حقيقة كان أو مجازا ~~على ما فيه من الاختلاف والنسخ يبطل دلالة المنسوخ في مستقبل الزمان ~~بالكلية # الخامس : أن تخصيص العام المقطوع بأصله جائز بالقياس وخبر الواحد وسائر ~~الأدلة ونسخ القاطع لا يجوز إلا بقاطع # وليس من الفرق الصحيح قول بعضهم: أن النسخ لا يتناول ms126 إلا الأزمان ~~والتخصيص يتناول الأزمان والأعيان والأحوال وهذا تجوز واتساع لأن الأعيان ~~والأزمان ليست من أفعال المكلفين والنسخ يرد على الفعل في بعض الأزمان ~~والتخصيص أيضا يرد على الفعل في بعض الأحوال فإذا قال اقتلوا المشركين إلا ~~المعاهدين معناه لا تقتلوهم في حالة العهد واقتلوهم في حالة الحرب والمقصود ~~أن ورود كل واحد منهما على PageV01P212 ~~الفعل # وهذا القدر كاف في الكشف عن حقيقة النسخ # الفصل الثاني: من هذا الباب في إثباته على منكريه # والمنكر إما جوازه عقلا أو وقوعه سمعا # أما جوازه عقلا فيدل عليه أنه لو امتنع لكان إما ممتنعا لذاته وصورته أو ~~لما يتولد عنه من مفسدة أو أداء إلى محال # ولا يمتنع لاستحالة ذاته وصورته بدليل ما حققناه من معنى الرفع ودفعناه ~~من الإشكالات عنه # ولا يمتنع لادائه إلى مفسدة وقبح فإنا أبطلنا هذه القاعدة وإن سامحنا بها ~~فلا بعد في أن يعلم الله تعالى مصلحة عباده في أن يأمرهم بأمر مطلق حتى ~~يستعدوا له ويمتنعوا بسبب العزم عن معاص وشهوات ثم يخفف عنهم # وأما وقوعه سمعا فيدل عليه الإجماع والنص # أما الإجماع :فاتفاق الأمة قاطبة على أن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ~~نسخت شرع من قبله إما بالكلية وإما فيما يخالفها فيه وهذا متفق عليه فمنكر ~~هذا خارق للإجماع # وقد ذهب شذوذ من المسلمين إلى إنكار النسخ وهم مسبوقون بهذا الإجماع فهذا ~~الإجماع حجة عليهم وإن لم يكن حجة على اليهود # وأما النص: فقوله تعالى {وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل ~~قالوا إنما أنت مفتر} ][النحل:101 ]الآية والتبديل يشتمل على رفع وإثبات ~~والمرفوع إما تلاوة وإما حكم وكيفما كان فهو رفع ونسخ PageV01P213 ~~فإن قيل: ليس المعني به رفع المنزل فإن ما أنزل لا يمكن رفعه وتبديله لكن ~~المعني به تبديل مكان الآية بإنزال آية بدل ما لم ينزل فيكون ما لم ينزل ~~كالمبدل بما أنزل # قلنا: هذا تعسف بارد فإن الذي لم ينزل كيف يكون مبدلا والبدل يستدعي ~~مبدلا؟ وكيف يطلق اسم ms127 التبديل على ابتداء الإنزال فهذا هوس وسخف # والدليل الثاني : قوله تعالى {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات ~~أحلت لهم } [النساء:160] # ولا معنى للنسخ إلا تحريم ما أحل وكذلك قوله تعالى { ما ننسخ من آية أو ~~ننسها نأت بخير منها أو مثلها } [البقرة:106] # فإن قيل: لعله أراد به التخصيص # قلنا: قد فرقنا بين التخصيص والنسخ فلا سبيل إلى تغيير اللفظ كيف ~~والتخصيص لا يستدعي بدلا مثله أو خيرا منه؟! وإنما هو بيان معنى الكلام # الدليل الثالث: ما اشتهر في الشرع من نسخ تربص الوفاة حولا بأربعة أشهر ~~وعشر ونسخ فرض تقديم الصدقة أمام مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم حيث قال ~~تعالى {فقدموا بين يدي نجواكم صدقة } [ المجادلة: من الآية12] ومنه نسخ ~~تحويل القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة بقوله تعالى { فول وجهك شطر المسجد ~~الحرام } [البقرة :144] # وعلى الجملة اتفقت الأمة على إطلاق لفظ النسخ في الشرع # فإن قيل: معناه نسخ ما في اللوح المحفوظ إلى صحف الرسل والأنبياء وهو ~~بمعنى نسخ الكتاب ونقله # قلنا: فإذا شرعنا منسوخ كشرع من قبلنا، لأن شرعنا قد نقل من اللوح PageV01P214 ~~المحفوظ، وهذا اللفظ كفر بالاتفاق كيف وقد نقلنا من قبلة إلى قبلة ومن عدة ~~إلى عدة فهو تغيير وتبديل ورفع قطعا # الفصل الثالث في مسائل تتشعب عن النظر في حقيقة النسخ # وهي ست مسائل : # مسألة:[ هل ينسخ الأمر] # يجوز عندنا نسخ الأمر قبل التمكن من الامتثال خلافا للمعتزلة وصورته أن ~~يقول الشارع في رمضان حجوا في هذه السنة ثم يقول قبل يوم عرفة لا تحجوا فقد ~~نسخت عنكم الأمر أو يقول إذبح ولدك فيبادر إلى إحضار أسبابه فيقول قبل ذبحه ~~لا تذبح فقد نسخت عنك الأمر لأن النسخ عندنا رفع للأمر أي لحكم الأمر ~~ومدلوله وليس بيانا لخروج المنسوخ عن لفظ الأمر بخلاف التخصيص فلو قال صلوا ~~أبدا فيجوز أن ينسخ بعد سنة وجوب في المستقبل لا بمعنى أنه لم يقصد باللفظ ~~الأول الدلالة على جميع الأزمان ولكن بمعنى قطع حكم اللفظ بعد ms128 دوامه إذ كان ~~دوامه مشروطا بعدم النسخ فكل أمر مضمن بشرط أن لا ينسخ فكأنه يقول صلوا ~~أبدا ما لم أنهكم ولم أنسخ عنكم أمري وإذا كان كذلك عقل نسخ الحج قبل عرفة ~~ونسخ الذبح قبل فعله لأن الأمر قبل التمكن حاصل وإن كان أمرا بشرط التمكن ~~لأن الأمر بالشرط ثابت ولذلك يعلم المأمور كونه مأمورا قبل التمكن من ~~الإمتثال # ولما لم تفهم المعتزلة هذا أنكروا ثبوت الأمر بالشرط كما سيأتي فساد ~~مذهبهم في كتاب الأوامر # وأقرب دليل على فساده أن المصلي ينوي الفرض وامتثال الأمر في ابتداء PageV01P215 ~~الصلاة وربما يموت في أثنائها وقبل تمام التمكن ولو مات قبل لم يتبين أنه ~~لم يكن مأمورا بل نقول كان مأمورا بأمر مقيد بشرط والأمر المقيد بالشرط ~~ثابت في الحال وجد الشرط أو لم يوجد وهم يقولون إذا لم يوجد الشرط علمنا ~~انتفاء الأمر من أصله وإنا كنا نتوهم وجوبه فبان أنه لم يكن فهذه المسألة ~~فرع لتلك المسألة ولذلك أحالت المعتزلة النسخ قبل التمكن # وقالوا أيضا:إنه يؤدي إلى أن يكون الشيء الواحد في وقت واحد على وجه واحد ~~مأمورا منهيا حسنا قبيحا مكروها مرادا مصلحة مفسدة # وجميع ما يتعلق بالحسن والقبح والصلاح والفساد قد أبطلناه ولكن يبقى لهم ~~مسلكان: # المسلك الأول : أن الشيء الواحد في وقت واحد كيف يكون منهيا عنه ومأمورا ~~به على وجه واحد؟ # وفي الجواب عنه طريقتان: # الأولى إنا لا نسلم أنه منهي عنه على الوجه الذي هو مأمور به بل على ~~وجهين كما ينهى عن الصلاة مع الحدث ويؤمر بها مع الطهارة وينهى عن السجود ~~للصنم ويؤمر بالسجود لله عز وجل لاختلاف الوجهين # ثم اختلفوا في كيفية اختلاف الوجهين فقال قوم هو مأمور بشرط بقاء الأمر ~~منهي عنه عند زوال الأمر فهما حالتان مختلفتان. # ومنهم من أبدل لفظ بقاء الأمر بانتفاء النهي أو بعدم المنع والألفاظ ~~متقاربه # وقال قوم: هو مأمور بالفعل في الوقت المعين بشرط أن يختار الفعل والعزم ~~وإنما ينهى عنه إذا علم أنه لا ms129 يختاره وجعلوا حصول ذلك في علم الله تعالى ~~بشرط هذا النسخ # وقال قوم يأمر بشرط كونه مصلحة وإنما يكون مصلحة مع دوام الأمر PageV01P216 ~~أما بعد النهي فيخرج عن كونه مصلحة # وقال قوم: إنما يأمر في وقت يكون الأمر مصلحة ثم يتغير الحال فيصير النهي ~~مصلحة وأنما يأمر الله تعالى به مع علمه بأن إيجابه مصلحة مع دوام الأمر ~~أما بعد النهي فيخرج عن كونه مصلحة # وقال قوم: إنما يأمر الله به مع العلم بأن الحال ستتغير ليعزم المكلف على ~~فعله إن بقيت المصلحة في الفعل # وكل هذا متقارب وهو ضعيف لأن الشرط ما يتصور أن يوجد وأن لا يوجد فإما ما ~~لا بد منه فلا معنى لشرطيته والمأمور لا يقع مأمورا إلا عند دوام الأمر ~~وعدم النهي فكيف يقول آمرك بشرط أن لا أنهاك فكأنه يقول آمرك بشرط أن آمرك ~~وبشرط أن يتعلق الأمر بالمأمور وبشرط أن يكون الفعل المأمور به حادثا أو ~~عرضا أو غير ذلك مما لا بد منه فهذا لا يصلح للشرطية وليس هذا كالصلاة مع ~~الحدث والسجود للصنم فإن الانقسام يتطرق إليه # ومن رغب في هذه الطريقة فأقرب العبارات أن يقول الأمر بالشيء قبل وقته ~~يجوز أن يبقى حكمه على المأمور إلى وقته ويجوز أن يزال حكمه قبل وقته فيجوز ~~أن يجعل بقاء حكمه شرطا في الأمر فيقال إفعل ما أمرتك به إن لم يزل حكم ~~أمري عنك بالنهي عنه فإذا نهى عنه كان قد زال حكم الأمر فليس منهيا على ~~الوجه الذي أمر به # الطريقة الثانية أنا لا نلتزم إظهار اختلاف الوجه لكن نقول يجوز أن يقول ~~ما أمرناك أن تفعله على وجه فقد نهيناك عن فعله على ذلك الوجه ولا استحالة ~~فيه إذ ليس المأمور حسنا في عينه أو لوصف هو عليه قبل الأمر به حتى يتناقض ~~ذلك ولا المأمور مرادا حتى يتناقض أن يكون مرادا مكروها بل جميع ذلك من ~~أصول المعتزلة وقد أبطلناها # فإن قيل: فإذا علم الله تعالى أنه سينهى عنه ms130 فما معنى أمره بالشيء الذي ~~يعلم انتفاءه قطعا لعلمه بعواقب الأمور؟ PageV01P217 # قلنا :لا يصح ذلك إن كانت عاقبة أمره معلومة للمأمور أما إذا كان مجهولا ~~عند المأمور معلوما عند الآمر أمكن الأمر لامتحانه بالعزم والاشتغال ~~بالاستعداد المانع له من أنواع اللهو والفساد حتى يعرض بالعزم للثواب ~~وبتركه للعقاب وربما يكون فيه لطف واستصلاح كما سيأتي تحقيقه في كتاب ~~الأوامر # والعجب من إنكار المعتزلة ثبوت الأمر بالشرط مع أنهم جوزوا الوعد من ~~العالم بعواقب الأمور بالشرط وقالوا وعد الله على الطاعة ثوابا بشرط عدم ما ~~يحبطها من الفسق والردة وعلى المعصية عقابا بشرط خلوها عما يكفرها من ~~التوبة والله تعالى عالم بعاقبة أمر من يموت على الردة والتوبة ثم شرط ذلك ~~في وعده فلم يستحل أن يشرط في أمره ونهيه وتكون شرطيته بالإضافة إلى العبد ~~الجاهل بعاقبة الأمر فيقول أثيبك على # طاعتك ما لم تحبطها بالردة وهو عالم بأنه يحبط أم لا يحبط وكذلك يقول ~~أمرتك بشرط البقاء والقدرة وبشرط أن لا أنسخ عنك # المسلك الثاني في إحالة النسخ قبل التمكن: قولهم: الأمر والنهي عندكم ~~كلام الله تعالى القديم وكيف يكون الكلام الواحد أمرا بالشيء الواحد ونهيا ~~عنه في وقت واحد بل كيف يكون الرافع والمرفوع واحدا والناسخ والمنسوخ كلام ~~الله تعالى؟ # قلنا: هذا إشارة إلى إشكالين: # أحدهما: كيفية اتحاد كلام الله تعالى ولا يختص ذلك بهذه المسألة بل ذلك ~~عندنا كقولهم العالمية حالة واحدة ينطوي فيها العلم بما لا نهاية من ~~التفاصيل وإنما يحل إشكاله في الكلام # أما الثاني : فهو أن كلامه واحد وهو أمر بالشيء ونهي عنه ولو علم المكلف ~~ذلك دفعة واحدة لما تصور منه اعتقاد الوجوب والعزم على الأداء ولم يكن ذلك ~~منه بأولى من اعتقاد التحريم والعزم على الترك # فنقول: كلام الله تعالى في نفسه واحد وهو بالإضافة إلى شيء أمر، PageV01P218 ~~وبالإضافة إلى شيء خبر ولكنه إنما يتصور الامتحان به إذا سمع المكلف كليهما ~~في وقتين ولذلك شرطنا التراخي في النسخ ولو سمع كليهما في وقت ms131 واحد لم يجز ~~وأما جبريل عليه السلام فإنه يجوز أن يسمعه في وقت واحد إذ لم يكن هو مكلفا ~~ثم يبلغ الرسول صلى الله عليه وسلم في وقتين إن كان ذلك الرسول داخلا تحت ~~التكليف فإن لم يكن فيبلغ في وقت واحد لكن يؤمر بتبيلغ الأمة في وقتين ~~فيأمرهم مطلقا بالمسالمة وترك قتال الكفار ومطلقا باستقبال بيت المقدس في ~~كل صلاة ثم ينهاهم عنها بعد ذلك فيقطع عنهم حكم الأمر المطلق كما يقطع حكم ~~العقد بالفسخ # ومن أصحابنا من قال: الأمر لا يكون أمرا قبل بلوغ المأمور فلا يكون أمرا ~~ونهيا في حالة واحدة بل في حالتين فهذا أيضا يقطع التناقض ويدفعه. # ثم الدليل القاطع من جهة السمع على جوازه قصة إبراهيم عليه السلام ونسخ ~~ذبح ولده عنه قبل الفعل وقوله تعالى {وفديناه بذبح عظيم} [الصافات:107] فقد ~~أمر بفعل واحد ولم يقصر في البدار والامتثال ثم نسخ عنه . # وقد اعتاص هذا على القدرية حتى تعسفوا في تأويله وتحزبوا فرقا وطلبوا ~~الخلاص من خمسة أوجه: # أحدها : أن ذلك كان مناما لا أمرا # الثاني : أنه كان أمرا، لكن قصد به تكليفه العزم على الفعل لامتحان سره ~~في صبره على العزم فالذبح لم يكن مأمورا به # الثالث : أنه لم ينسخ الأمر لكن قلب الله تعالى عنقه نحاسا أو حديدا فلم ~~ينقطع فانقطع التكليف لتعذره الرابع: المنازعة في المأمور وأن المأمور به ~~كان هو الإضجاع والتل للجبين وإمرار السكين دون حقيقة الذبح الخامس: جحود ~~النسخ وأنه ذبح امتثالا فالتأم واندمل # والذاهبون إلى هذا التأويل اتفقوا على أن إسماعيل ليس بمذبوح واختلفوا PageV01P219 ~~في كون إبراهيم عليه السلام ذابحا فقال قوم هو ذابح للقطع والولد غير مذبوح ~~لحصول الالتئام وقال قوم ذابح لا مذبوح له محال وكل ذلك تعسف وتكلف # [الرد على هذه الأوجه المتقدمة:] # أما الأول : وهو كونه مناما فمنام الأنبياء جزء من النبوة وكانوا يعرفون ~~أمر الله تعالى به فلقد كانت نبوة جماعة من الأنبياء عليهم السلام بمجرد ~~المنام ويدل على فهمه الأمر قول ms132 ولده: {افعل ما تؤمر} [الصافات :102] ولو ~~لم يؤمر لكان كاذبا وأنه لا يجوز قصد الذبح والتل للجبين بمنام لا أصل له ~~وأنه سماه البلاء المبين وأي بلاء في المنام؟ وأي معنى للفداء ؟ # وأما الثاني: وهو أنه كان مأمورا بالعزم اختبارا فهو محال لأن علام ~~الغيوب لا يحتاج إلى الاختبار ولأن الاختبار إنما يحصل بالإيجاب فإن لم يكن ~~إيجاب لم يحصل اختبار وقولهم العزم هو الواجب محال لأن العزم على ما ليس ~~بواجب لا يجب بل هو تابع للمعزوم ولا يجب العزم ما لم يعتقد وجوب المعزوم ~~عليه ولو لم يكن المعزوم عليه واجبا لكان إبراهيم عليه السلام أحق بمعرفته ~~من القدرية كيف وقد قال { إني أرى في المنام أني أذبحك } [الصافات:102[فقال ~~له ولده {افعل ما تؤمر} [الصافات :102] يعني الذبح وقوله تعالى { وتله ~~للجبين} [ الصافات: من الآية103] استسلام لفعل الذبح لا للعزم # وأما الثالث: وهو أن الإضجاع بمجرده هو المأمور به فهو محال إذ لا يسمى ~~ذلك ذبحا ولا هو بلاء ولا يحتاج إلى الفداء بعد الامتثال # وأما الرابع : وهو إنكار النسخ وأنه امتثل لكن انقلب عنقه حديدا ففات ~~التمكن فانقطع التكليف فهذا لا يصح على أصولهم لأن الأمر بالمشروط لا يثبت ~~عندهم بل إذا علم الله تعالى أنه يقلب عنقه حديدا فلا يكون آمرا بما يعلم ~~امتناعه فلا يحتاج إلى الفداء فلا يكون بلاء في حقه # وأما الخامس : وهو أنه فعل والتأم فهو محال لأن الفداء كيف يحتاج إليه PageV01P220 ~~بعد الالتئام ؟ولو صح ذلك لاشتهر وكان ذلك من آياته الظاهرة ولم ينقل ذلك ~~قط وإنما هو اختراع من القدرية # فإن قيل: أليس قد قال {قد صدقت الرؤيا }[ الصافات: من الآية105] # قلنا: معناه أنك عملت في مقدماته عملا مصدقا بالرؤيا والتصديق غير ~~التحقيق والعمل # مسألة: هل نسخ بعض العبادة نسخ لها # إذا نسخ بعض العبادة أو شرطها أو سنة من سننها كما لو أسقطت ركعتان من ~~أربع أو أسقط شرط الطهارة فقد قال قائلون هو نسخ لبعض العبادة لا لأصلها ~~قال ms133 قائلون هو نسخ لأصل العبادة وقال قائلون نسخ الشرط ليس نسخا للأصل أما ~~نسخ البعض فهو نسخ للأصل ولم يسمحوا بتسمية الشرط بعضا ومنهم من أطلق ذلك. # وكشف الغطاء عندنا أن نقول: إذا أوجب أربع ركعات ثم اقتصر على ركعتين فقد ~~نسخ أصل العبادة لأن حقيقة النسخ الرفع والتبديل ولقد كان حكم الأربع ~~الوجوب فنسخ وجوبها بالكلية والركعتان عبادة أخرى لا أنها بعض من الأربعة ~~إذ لو كانت بعضا لكان من صلى الصبح أربعا فقد أتى بالواجب وزيادة كما لو ~~صلى بتسليمتين وكما لو وجب عليه درهم فتصدق بدرهمين # فإن قيل: إذا رد الأربع إلى ركعة فقد كانت الركعة حكمها أنها غير مجزية ~~والآن صارت مجزئة فهل هذا نسخ آخر مع نسخ الأربع؟ # قلنا: كون الركعة غير مجزئة معناه أن وجودها كعدمها وهذا حكم أصلي عقلي ~~ليس من الشرع والنسخ هو رفع ما ثبت بالشرع فإذا لم يرد بلفظ النسخ إلا ~~الرفع كيف كان من غير نظر إلى المرفوع فهذا نسخ لكنا بينا في حد النسخ خلافه PageV01P221 ~~وأما إذا أسقطت الطهارة فقد نسخ وجوب الطهارة وبقيت الصلاة واجبة نعم كان ~~حكم الصلاة بغير طهارة أن لا تجزىء والآن صارت مجزئة لكن هذا تغيير لحكم ~~أصلي لا لحكم شرعي فإن الصلاة بغير طهارة لم تكن مجزئة لأنها لم تكن مأمورا ~~بها شرعا # فإن قيل: كانت صحة الصلاة متعلقة بالطهارة فنسخ تعلق صحتها بها شرعا فهو ~~نسخ متعلق بنفس العبادة فالصلاة مع الطهارة غير الصلاة مع الحدث كما أن ~~الثلاث غير الأربع فليكن هذا نسخا لتلك الصلاة أو إيجابا بغيرها ؟ # قلنا :لهذا تخيل قوم أن نسخ شرط العبادة كنسخ البعض ولا شك أنه لو أوجب ~~الصلاة مع الحدث لكان نسخا لإيجابها مع الطهارة وكانت هذه عبادة أخرى أما ~~إذا جوزت الصلاة كيف كانت مع الطهارة وغير الطهارة فقد كانت الصلاة بغير ~~طهارة غير مجزئة لبقائها على الحكم الأصلي إذ لم يؤمر بها فالآن جعلت مجزئة ~~وارتفع الحكم الأصلي أما صحة الصلاة وأنها ms134 كانت متعلقة بالطهارة فنسخ هذا ~~التعلق نسخ لأصل العبادة أو نسخ لتعلق الصحة ولمعنى الشرطية هذا فيه نظر ~~والخطب فيه يسير فليس يتعلق به كبر فائدة # وأما إذا نسخت سنة من سننها لا يتعلق بها الأجزاء كالوقوف على يمين ~~الإمام أو ستر الرأس فلا شك أن هذا لا يتعرض للعبادة بالنسخ # فإذا :تبعيض مقدار العبادة نسخ لأصل العبادة وتبعيض السنة لا يتعرض ~~للعبادة وتبعيض الشرط فيه نظر وإذا حقق كان إلحاقه بتبعيض قدر العبادة أولى. # مسألة:[ هل الزيادة على النص نسخ أم لا؟:] # الزيادة على النص نسخ عند قوم وليست بنسخ عند قوم . # والمختار عندنا التفصيل: فنقول: ينظر إلى تعلق الزيادة بالمزيد عليه PageV01P222 ~~والمراتب فيه ثلاثة # الأولى : أن يعلم أنه لا يتعلق به كما إذا أوجب الصلاة والصوم ثم أوجب ~~الزكاة والحج لم يتغير حكم المزيد عليه إذ بقي وجوبه وأجزاؤه والنسخ هو رفع ~~حكم وتبديل ولم يرتفع # الرتبة الثانية : وهي في أقصى البعد عن الأولى أن تتصل الزيادة بالمزيد ~~عليه اتصال اتحاد يرفع التعدد والانفصال كما لو زيد في الصبح ركعتان فهذا ~~نسخ إذ كان حكم الركعتين الأجزاء والصحة وقد ارتفع نعم الأربعة استؤنف ~~إيجابها ولم تكن واجبة وهذا ليس بنسخ إذ المرفوع هو الحكم الأصلي دون الشرعي # فإن قيل: اشتملت الأربعة على الثنتين وزيادة فهما قارتان لم ترفعا وضمت ~~إليهما ركعتان. # قلنا: النسخ رفع الحكم لا رفع المحكوم فيه فقد كان من حكم الركعتين ~~الأجزاء والصحة وقد ارتفع كيف وقد بينا أنه ليست الأربعة ثلاثة وزيادة بل ~~هي نوع آخر إذ لو كان لكانت الخمسة أربعة وزيادة فإذا أتى بالخمسة فينبغي ~~أن تجزىء ولا صائر إليه # الرتبة الثالثة : وهي بين المرتبتين زيادة عشرين جلدة على ثمانين جلدة في ~~القذف وليس انفصال هذه الزيادة كانفصال الصوم عن الصلاة ولا اتصالها كاتصال ~~الركعات : # وقد قال أبو حنيفة رحمه الله: هو نسخ # وليس بصحيح بل هو بالمنفصل أشبه لأن الثمانين نفي وجوبها وأجزاؤها عن ~~نفسها ووجبت زيادة عليها مع بقائها فالمائة ms135 ثمانون وزيادة ولذلك لا ينتفي ~~الأجزاء عن الثمانين بزيادة عليها بخلاف الصلاة # وفائدة هذه المسألة: جواز إثبات التغريب بخبر الواحد عندنا ،ومنعه PageV01P223 ~~عندهم لأن القرآن لا ينسخ بخبر الواحد. # فإن قيل: قد كانت الثمانون حدا كاملا فنسخ اسم الكمال رفع لحكمه لا محالة. # قلنا: هو رفع ولكن ليس ذلك حكما مقصودا شرعيا بل المقصود وجوده وأجزاؤه ~~وقد بقي كما كان فلو أثبت مثبت كونه حكما مقصودا شرعيا لامتنع نسخه بخبر ~~الواحد بل هو كما لو أوجب الشرع الصلاة فقط فمن أتى بها فقد أدى كلية ما ~~أوجبه الله تعالى عليه بكماله فإذا أوجب الصوم خرجت الصلاة عن كونها كلية ~~الواجب لكن ليس هذا حكما مقصودا . # فإن قيل: هو نسخ لوجوب الاقتصار على الثمانين لأن إيجاب الثمانين مانع من ~~الزيادة # قلنا: ليس منع الزيادة بطريق المنطوق بل بطريق المفهوم ولا يقولون به ولا ~~نقول به هاهنا # ثم رفع المفهوم كتخصيص العموم فإنه رفع بعض مقتضى اللفظ فيجوز بخبر ~~الواحد. # ثم أنما يستقيم هذا لو ثبت أنه ورد حكم المفهوم واستقر ثم ورد التغريب ~~بعده وهذا لا سبيل إلى معرفته بل لعله ورد بيانا لإسقاط المفهوم متصلا به ~~أو قريبا منه # فإن قيل: التفسيق ورد الشهادة يتعلق بالثمانين فإذا زيد عليها أزال تعلقه PageV01P224 ~~بها # قلنا: يتعلق التفسيق ورد الشهادة بالقذف لا بالحد ولو سلمنا لكان ذلك ~~حكما تابعا للحد لا مقصودا وكان كحل النكاح بعد انقضاء أربعة أشهر وعشر من ~~عدة الوفاة وتصرف الشرع في العدة بردها من حول إلى أربعة أشهر وعشر ليس ~~تصرفا في إباحة النكاح بل في نفس العدة .والنكاح تابع # فإن قيل: فلو أمر بالصلاة مطلقا ثم زيد شرط الطهارة فهل هو نسخ ؟ # قلنا: نعم لأنه كان حكم الأول أجزاء الصلاة بغير طهارة فنسخ أجزاؤها وأمر ~~بصلاة مع طهارة # فإن قيل: فيلزمكم المصير إلى أجزاء طواف المحدث لأنه تعالى قال { ~~وليطوفوا بالبيت العتيق} [ الحج: من الآية29] ولم يشرط الطهارة والشافعي ~~رحمه الله منع الأجزاء لقوله صلى الله عليه ms136 وسلم "الطواف بالبيت صلاة" وهو ~~خبر الواحد وأبو حنيفة رحمه الله قضى بأن هذا الخبر يؤثر في إيجاب الطهارة ~~أما في إبطال الطواب وأجزائه وهو معلوم بالكتاب فلا # قلنا: لو استقر قصد العموم في الكتاب واقتضى أجزاء الطواف محدثا ومع ~~الطهارة فاشتراط الطهارة رفع ونسخ ولا يجوز بخبر الواحد ولكن قوله تعالى { ~~وليطوفوا بالبيت العتيق} [ الحج: من الآية29] يجوز أن يكون أمرا بأصل ~~الطواف ويكون بيان شروطه موكولا إلى الرسول عليه السلام فيكون قوله بيانا ~~وتخصيصا للعموم لا نسخا فإنه نقصان من النص لا زيادة على النص لأن عموم ~~النص يقتضي أجزاء الطواف بطهارة وغير طهارة فأخرج خبر الواحد أحد القسمين ~~من لفظ القرآن فهو نقصان من النص لا زيادة عليه # ويحتمل أن يكون رفعا إن استقر العموم قطعا وبيانا إن لم يستقر ولا معنى ~~لدعوى استقراره بالتحكم وهذا نظير قوله تعالى { فتحرير رقبة} [النساء: من ~~الآية92] فإنه يعم المؤمنة وغير المؤمنة فيجوز تخصيص العموم إذ قد يراد ~~بالآية ذكر أصل الكفارة ويكون أمرا بأصل الكفارة دون قيودها وشروطها فلو ~~استقر العموم وحصل القطع بكون العموم مرادا لكان نسخه ورفعه بالقياس وخبر ~~الواحد ممتنعا PageV01P225 ~~فإن قيل: فما قولكم في تجويز المسح على الخفين هل هو نسخ لغسل الرجلين؟ # قلنا :ليس نسخا لأجزائه ولا لوجوبه لكنه نسخ لتضييق وجوبه وتعينه وجاعل ~~إياه أحد الواجبين ويجوز أن يثبت بخبر الواحد # فإن قيل :فالكتاب أوجب غسل الرجلين على التضييق ؟ # قلنا :قد بقي تضييقه في حق من لم يلبس خفا على الطهارة وأخرج من عمومه من ~~لبس الخف على الطهارة وذلك في ثلاثة أيام أو يوم وليلة # فإن قيل :فقوله تعالى { واستشهدوا شهيدين من رجالكم } [ البقرة: من ~~الآية282] توجب إيقاف الحكم على شاهدين فإذا حكم بشاهد ويمين بخبر الواحد ~~فقد رفع إيقاف الحكم فهو نسخ ؟ # قلنا: ليس كذلك فإن الآية لا تقتضي إلا كون الشاهدين حجة وجواز الحكم ~~بقولهما أما امتناع الحكم بحجة أخرى فليس من الآية بل هو كالحكم بالإقرار ~~وذكر حجة واحدة ms137 لا يمنع وجود أخرى وقولهم ظاهر الآية أن لا حجة سواه فليس ~~هذا ظاهر منطوقة ولا حجة عندهم بالمفهوم ولو كان فرفع المفهوم رفع بعض ~~مقتضى اللفظ وكل ذلك لو سلم استقرار المفهوم وثباته وقد ورد خبر الشاهد ~~واليمين بعده وكل ذلك غير مسلم # مسألة :[إثبات بدل غير المنسوخ] : # ليس من شرط النسخ إثبات بدل غير المنسوخ. # وقال قوم: يمتنع ذلك. # فنقول: يمتنع ذلك عقلا أو سمعا؟ ولا يمتنع عقلا جوازه إذ لو امتنع لكان ~~الإمتناع لصورته أو لمخالفته المصلحة والحكمة ولا يمتنع لصورته إذ يقول قد ~~أوجبت عليك القتال ونسخته عنك ورددتك إلى ما كان قبل من PageV01P226 ~~الحكم الأصلي ولا يمتنع للمصلحة فإن الشرع لا ينبني عليها وإن ابتنى فلا ~~يبعد أن تكون المصلحة في رفعه من غير إثبات بدل وإن منعوا جوازه سمعا فهو ~~تحكم بل نسخ النهي عن إدخار لحوم الأضاحي وتقدمة الصدقة أمام المناجاة ولا ~~بدل لها وإن نسخت القبلة إلى بدل ووصية الأقربين إلى بدل وغير ذلك وحقيقة ~~النسخ هو الرفع فقط # أما قوله تعالى {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها } ~~[البقرة: من الآية106] أن تمسكوا به فالجواب من أوجه: # الأول: أن هذا لا يمنع الجواز وإن منع الوقوع عند من يقول بصيغة العموم ~~ومن لا يقول بها فلا يلزمه أصلا # ومن قال بها فلا يلزمه من هذا أنه لا يجوز في جميع المواضع إلا ببدل بل ~~يتطرق التخصيص إليه بدليل الأضاحي والصدقة أمام المناجاة # ثم ظاهره أنه أراد أن نسخ آية بآية أخرى مثلها لا يتضمن الناسخ إلا رفع ~~المنسوخ أو يتضمن مع ذلك غيره فكل ذلك محتمل # مسألة: [الأخف والأثقل في النسخ] : # قال قوم: يجوز النسخ بالأخف ولا يجوز بالأثقل. # فنقول: امتناع النسخ بالأثقل عرفتموه عقلا أو شرعا ولا يستحيل عقلا لأنه ~~لا يمتنع لذاته ولا للاستصلاح فإنا ننكره وإن قلنا به فلم يستحيل أن تكون ~~المصلحة في التدريج والترقي من الأخف إلى الأثقل كما كانت المصلحة في ms138 ~~ابتداء التكليف ورفع الحكم الأصلي؟ # فإن قيل إن الله تعالى رؤوف رحيم بعباده ولا يليق به التشديد PageV01P227 ~~قلنا: فينبغي أن لا يليق به ابتداء التكليف ولا تسليط المرض والفقر وأنواع ~~العذاب على الخلق # فإن قالوا :إنه يمتنع سمعا لقوله تعالى { يريد الله بكم اليسر ولا يريد ~~بكم العسر } [ البقرة: من الآية185]ولقوله تعالى {يريد الله أن يخفف عنكم ~~}[ النساء: من الآية28] # قلنا: فينبغي أن يتركهم وإباحة الفعل ففيه اليسر ثم ينبغي أن لا ينسخ ~~بالمثل لأنه لا يسر فيه إذ اليسر في رفعه إلى غير بدل أو بالأخف وهذه ~~الآيات وردت في صور خاصة أريد بها التخفيف وليس فيه منع إرادة التثقيل ~~والتشديد # فإن قيل: فقد قال {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها } [البقرة: من ~~الآية106] وهذا خير عام والخير ما هو خير لنا وإلا فالقرآن خير كله والخير ~~لنا ما هو أخف علينا؟ # قلنا: لا بل الخير ما هو أجزل ثوابا وأصلح لنا في المآل وإن كان أثقل في الحال. # فإن قيل: لا يمتنع ذلك عقلا، بل سمعا لأنه لم يوجد في الشرع نسخ بالأثقل # قلنا: ليس كذلك إذ أمر الصحابة أولا بترك القتال والأعراض ثم بنصب القتال ~~مع التشديد بثبات الواحد للعشرة وكذلك نسخ التخيير بين الصوم والفدية ~~بالإطعام بتعيين الصيام وهو تضييق وحرم الخمر ونكاح المتعة والحمر الأهلية ~~بعد إطلاقها ونسخ جواز تأخير الصلاة عند الخوف إلى إيجابها في أثناء القتال ~~ونسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان وكانت الصلاة ركعتين عند قوم فنسخت بأربع في الحضر PageV01P228 ~~مسألة :[هل هناك نسخ في حق من لم يبلغه الخبر أم لا]: # اختلفوا في النسخ في حق من لم يبلغه الخبر : # فقال قوم :النسخ حصل في حقه وإن كان جاهلا به. # وقال قوم: ما لم يبلغه لا يكون نسخا في حقه. # والمختار أن للنسخ حقيقة وهو ارتفاع الحكم السابق ونتيجة وهو وجوب القضاء ~~وانتفاء الأجزاء بالعمل السابق: # أما حقيقته فلا يثبت في حق من لم يبلغه وهو رفع الحكم لأن ms139 من أمر ~~باستقبال بيت المقدس فإذا نزل النسخ بمكة لم يسقط الأمر عمن هو باليمن في ~~الحال بل هو مأمور بالتمسك بالأمر السابق ولو ترك لعصى وإن بان أنه كان ~~منسوخا ولا يلزمه استقبال الكعبة بل لو استقبلها لعصى وهذا لا يتجه فيه خلاف # وأما لزوم القضاء للصلاة إذا عرف النسخ فيعرف ذلك بدليل نص أو قياس وربما ~~يجب القضاء حيث لا يجب الإداء كما في الحائض لو صامت عصت ويجب عليها القضاء ~~فكذلك يجوز أن يقال هذا لو استقبل الكعبة عصى ويلزمه استقبالها في القضاء ~~وكما نقول في النائم والمغمى عليه إذا تيقظ وأفاق يلزمهما قضاء ما لم يكن ~~واجبا لأن من لا يفهم لا يخاطب # فإن قيل: إذا علم النسخ ترك تلك القبلة بالنسخ أو بعلمه بالنسخ والعلم لا ~~تأثير له فدل أن الحكم انقطع بنزول الناسخ لكنه جاهل به وهو مخطىء فيه لكنه معذور. # قلنا: الناسخ هو الرافع لكن العلم شرط ويحال عند وجود الشرط على الناسخ ~~ولكن لا نسخ قبل وجود الشرط لأن الناسخ خطاب ولا يصير خطابا في حق من لم ~~يبلغه وقولهم أنه مخطىء :محال لأن اسم الخطأ يطلق على PageV01P229 ~~من طلب شيئا فلم يصب أو على من وجب عليه الطلب فقصر ولا يتحقق شيء منه في ~~محل النزاع. PageV01P230 # الباب الثاني في أركان النسخ وشروطه # ويشتمل عى تمهيد لمجامع الأركان والشروط وعلى مسائل تتشعب من أحكام ~~الناسخ والمنسوخ # أما التمهيد: # فاعلم أن أركان النسخ أربعة النسخ والناسخ والمنسوخ والمنسوخ عنه فإذا ~~كان النسخ حقيقته رفع الحكم فالناسخ هو الله تعالى فإنه الرافع للحكم ~~والمنسوخ هو الحكم المرفوع والمنسوخ عنه هو المتعبد المكلف والنسخ قوله ~~الدال على رفع الحكم الثابت # وقد يسمى الدليل ناسخا على سبيل المجاز فيقال هذه الآية ناسخة لتلك وقد ~~يسمى الحكم ناسخا مجازا فيقال صوم رمضان ناسخ لصوم عاشوراء # والحقيقة هو الأول لأن النسخ هو الرفع والله تعالى هو الرافع بنصب الدليل ~~على الارتفاع وبقوله الدال عليه # وأما مجامع شروطه فالشروط ms140 أربعة: # الأول: أن يكون المنسوخ حكما شرعيا لا عقليا أصليا كالبراءة الأصلية التي ~~ارتفعت بإيجاب العبادات # الثاني : أن يكون النسخ بخطاب فارتفاع الحكم بموت المكلف ليس نسخا إذ ليس ~~المزيل خطابا رافعا لحكم خطاب سابق ولكنه قد قيل أولا الحكم عليك ما دمت ~~حيا فوضع الحكم قاصر على الحياة فلا يحتاج إلى الرفع. PageV01P231 # الثالث: أن لا يكون الخطاب المرفوع حكمه مقيدا بوقت يقتضي دخوله زوال الحكم ~~كقوله تعالى { ثم أتموا الصيام إلى الليل } [البقرة: من الآية187] # لآ أن يكون الخطاب الناسخ متراخيا لا كقوله تعالى {ولا تقربوهن حتى ~~يطهرن} [البقرة: من الآية222[ وقوله تعالى {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم ~~صاغرون} [ التوبة: من الآية29] # وليس يشترط فيه تسعة أمور: # الأول : أن يكون رافعا للمثل بالمثل بل أن يكون رافعا فقط. # الثاني : أن لا يشترط ورود النسخ بعد دخول وقت المنسوخ بل يجوز قبل دخول وقته. # الثالث : أن لا يتشرط أن يكون المنسوخ مما يدخله الاستثناء والتخصيص بل ~~يجوز ورود النسخ على الأمر بفعل واحد في وقت واحد # الرابع: أن لا يشترط أن يكون نسخ القرآن بالقرآن والسنة بالسنة فلا تشترط ~~الجنسية بل يكفي أن يكون مما يصح النسخ به # الخامس: أن لا يشترط أن يكونا نصين قاطعين إذ يجوز نسخ خبر الواحد بخبر PageV01P232 ~~الواحد وبالمتواتر وإن كان لا يجوز نسخ المتواتر بخبر الواحد # السادس :لا يشترط أن يكون الناسخ منقولا بمثل لفظ منسوخ بل أن يكون ثابتا ~~بأي طريق كان فإن التوجه إلى بيت المقدس لم ينقل إلينا بلفظ القرآن والسنة ~~وناسخه نص صريح في القرآن وكذلك لا يمتنع نسخ الحكم المنطوق به باجتهاد ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقياسه، وإن لم يكن ثابتا بلفظ ذي صيغة وصورة يجب نقلها. # السابع : لا يشترط أن يكون الناسخ مقابلا للمنسوخ حتى لا ينسخ الأمر إلا ~~بالنهي ولا النهي إلا بالأمر بل يجوز أن ينسخ كلاهما بالإباحة وأن ينسخ ~~الواجب المضيق بالموسع وإنما يشترط أن يكون الناسخ رافعا حكما من المنسوخ ~~كيف كان ms141 # الثامن :لا يشترط كونهما ثابتين بالنص بل لو كان بلحن القول وفحواه ~~وظاهره وكيف كان بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم بين أن آية وصية ~~الأقارب نسخت بقوله "إن الله تعالى قد أعطى كل ذي حق حقه ألا لا وصية ~~لوارث" مع أن الجمع بين الوصية والميراث ممكن فليسا متنافيين تنافيا قاطعا. # التاسع :لا يشترط نسخ الحكم ببدل أو بما هو أخف بل يجوز بالمثل والأثقل ~~وبغير بدل كما سبق. # ولنذر الآن مسائل تتشعب عن النظر في ركني المنسوخ والناسخ وهي PageV01P233 ~~مسألتان في المنسوخ وأربع مسائل في المنسوخ به # مسألة:[ هل الحكم الشرعي قابل للنسخ أم لا؟ ] # ما من حكم شرعي إلا وهو قابل للنسخ خلافا للمعتزلة فإنهم قالوا من ~~الأفعال مالها صفات نفسية تقتضي حسنها وقبحها فلا يمكن نسخها مثل معرفة ~~الله تعالى والعدل وشكر المنعم فلا يجوز نسخ وجوبه ومثل الكفر والظلم ~~والكذب فلا يجوز نسخ تحريمه وبنوا هذا على تحسين العقل وتقبيحه وعلى وجوب ~~الأصلح على الله تعالى وحجروا بسببه على الله تعالى في الأمر والنهي وربما ~~بنوا هذا على صحة إسلام الصبي وأن وجوبه بالعقل وإن استثناء الصبي عنه غير ممكن # وهذه أصول أبطلناها وبينا أنه لا يجب أصل التكليف على الله تعالى كان فيه ~~صلاح العباد أو لم يكن نعم بعد أن كلفهم لا يمكن أن ينسخ جميع التكاليف إذ ~~لا يعرف النسخ من لا يعرف الناسخ وهو الله عز وجل ويجب على المكلف معرفة ~~النسخ والناسخ والدليل المنصوب عليه فيبقى هذا التكليف بالضرورة # ونسلم أيضا أنه لا يجوز أن يكلفهم أن لا يعرفوه وأن يحرم عليهم معرفته ~~لأن قوله أكلفك أن لا تعرفني يتضمن المعرفة أي إعرفني لأني كلفتك أن لا ~~تعرفني وذلك محال فيمكتنع التكليف فيه عند من يمنع تكليف المحال وكذلك لا ~~يجوز أن يكلفه معرفة شيء من الحوادث على خلاف ما هو به لأنه محال لا يصح ~~فعله ولا تركه # مسألة :[ نسخ الحكم أو التلاوة أو نسخهما معا] : # الآية إذا ms142 تضمنت حكما يجوز نسخ تلاوتها دون حكمها ونسخ حكمها دون تلاوتها ~~ونسخهما جميعا وظن قوم استحالة ذلك. PageV01P234 # فنقول هو جائز عقلا وواقع شرعا # أما جوازه عقلا: فإن التلاوة وكتبتها في القرآن وانعقاد الصلاة بها كل ~~ذلك حكمها كما أن التحريم والتحليل المفهوم من لفظها حكمها وكل حكم فهو ~~قابل للنسخ وهذا حكم فهو إذن قابل للنسخ. # وقد قال قوم: نسخ التلاوة أصلا ممتنع لأنه لو كان المراد منها الحكم لذكر ~~على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أنزله الله تعالى عليه إلا ~~ليتلى ويثاب عليه فكيف يرفع . # قلنا: وأي استحالة في أن يكون المقصود مجرد الحكم دون التلاوة لكن أنزل ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم بلفظ معين؟ # فإن قيل: فإن جاز نسخها فلينسخ الحكم معها لأن الحكم تبع للتلاوة فكيف ~~يبقى الفرع مع نسخ الأصل؟ قلنا: لا بل التلاوة حكم وانعقاد الصلاة بها حكم ~~آخر فليس بأصل وإنما الأصل دلالتها وليس في نسخ تلاوتها والحكم بأن الصلاة ~~لا تنعقد بها نسخ لدلالتها فكم من دليل لا يتلى ولا تنعقد به صلاة وهذه ~~الآية دليل لنزولها وورودها لا لكونها متلوة في القرآن والنسخ لا يرفع ~~ورودها ونزولها ولا يجعلها كأنها غير واردة بل يلحقها بالوارد الذي لا يتلى ~~كيف ويجوز أن ينعدم الدليل ويبقى المدلول؟! فإن الدليل علامة لا علة فإذا ~~دل فلا ضرر في انعدامه كيف والموجب للحكم كلام الله تعالى القديم ولا ينعدم ~~ولا يتصور رفعه ونسخه فإذا قلنا الآية منسوخة أردنا به انقطاع تعلقها عن ~~العبد وارتفاع مدلولها وحكمها لا ارتفاع ذاتها. # فإن قيل: نسخ الحكم مع بقاء التلاوة متناقض لأنه رفع للمدلول مع بقاء ~~الدليل. # قلنا: إنما يكون دليلا عند انفكاكه عما يرفع حكمه فإذا جاء خطاب ناسخ ~~لحكمه زال شرط دلالته. # ثم الذي يدل على وقوعه سمعا قوله تعالى {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام ~~مسكين } [ البقرة: من الآية184 ] وقد بقيت تلاوتها ونسخ حكمها بتعيين الصوم PageV01P235 ~~والوصية للوالدين ووقربين متلوة في القرآن وحكمها ms143 منسوخ بقوله صلى الله ~~عليه وسلم "لا وصية لوارث" ونسخ تقديم الصدقة أمام المناجاة والتلاوة باقية ~~ونسخ التربص حولا عن المتوفى عنها زوجها والحبس والأذى عن اللاتي يأتين ~~الفاحشة بالجلد والرجم مع بقاء التلاوة # وأما نسخ التلاوة: فقد تظاهرت الأخبار بنسخ تلاوة آية الرجم مع بقاء ~~حكمها وهي قوله تعالى" الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من ~~الله والله عزيز حكيم" # واشتهر عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت "أنزلت عشر رضعات من محرمات ~~فنسخن بخمس" وليس ذلك في الكتاب. # مسألة:[ أنواع النسخ] # يجوز نسخ القرآن بالسنة والسنة بالقرآن لأن الكل من عند الله عز وجل فما ~~المانع منه ولم يعتبر التجانس مع أن العقل لا يحيله كيف وقد دل السمع على ~~وقوعه إذ التوجه إلى بيت المقدس ليس في القرآن وهو في السنة وناسخه في ~~القرآن وكذلك قوله تعالى { فالآن باشروهن } [البقرة: من الآية187] نسخ ~~لتحريم المباشرة وليس التحريم في القرآن ونسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان وكان ~~عاشوراء ثابتا بالسنة وصلاة الخوف وردت في القرآن ناسخة لما ثبت في السنة ~~من جواز تأخيرها إلى انجلاء القتال حتى قال PageV01P236 ~~عليه السلام يوم الخندق وقد أخر الصلاة: "حشا الله قبورهم نارا" لحبسهم له ~~عن الصلاة وكذلك قوله تعالى { فلا ترجعوهن إلى الكفار}[ الممتحنة: من ~~الآية10] نسخ لما قرره عليه السلام من العهد والصلح # وأما نسخ القرآن بالسنة فنسخ الوصية للوالدين والأقربين بقوله ألا لا ~~وصية لوارث لأن آية الميراث لا تمنع الوصية للوالدين والأقربين إذ الجمع ~~ممكن وكذلك قال صلى الله عليه وسلم قد "جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر ~~جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم" فهو ناسخ لإمساكهن في البيوت # وهذا فيه نظر لأنه صلى الله عليه وسلم بين أن آية الميراث نسخت آية ~~الوصية ولم ينسخها هو بنفسه صلى الله عليه وسلم، وبين أن الله تعالى جعل ~~لهن سبيلا، وكان قد وعد الله تعالى به، فقال: { أو يجعل الله لهن سبيلا} [ ~~النساء: من الآية15] # فإن ms144 قيل: قال الشافعي رحمه الله: لا يجوز نسخ السنة بالقرآن كما لا يجوز ~~نسخ القرآن بالسنة وهو أجل من أن لا يعرف هذه الوجوه في النسخ فكأنه يقول ~~إنما تلتغي السنة بالسنة إذ يرفع النبي سنته بسنته ويكون هو مبينا لكلام ~~نفسه وللقرآن ولا يكون القرآن مبينا للسنة وحيث لا يصادف ذلك فلأنه لم ينقل ~~وإلا فلم يقع النسخ إلا كذلك # قلنا: هذا إن كان في جوازه عقل فلا يخفى أنه يفهم من القرآن وجوب PageV01P237 ~~التحول إلى الكعبة وإن كان التوجه إلى بيت المقدس ثابتا بالسنة وكذلك عكسه ~~ممكن وإن كان يقول لم يقع هذا فقد نقلنا وقوعه ولا حاجة إلى تقدير سنة ~~خافية مندرسة إذ لا ضرورة في هذا التقدير والحكم بأن ذلك لم يقع أصلا تحكم ~~محض وإن قال الأكثر كان ذلك فربما لا ينازع فيه # احتجوا بقوله تعالى {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون ~~لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن ~~أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم} ]يونس:15[ فدل ~~أنه لا ينسخ القرآن بالسنة # قلنا :لا خلاف في أنه لا ينسخ من تلقاء نفسه بل بوحي يوحى إليه لكن لا ~~يكون بنظم القرآن وإن جوزنا النسخ في الاجتهاد فالإذن في الاجتهاد يكون من ~~الله عز وجل والحقيقة أن الناسخ هو الله عز وجل على لسان رسوله صلى الله ~~عليه وسلم # والمقصود أنه ليس من شرطه أن ينسخ حكم القرآن بقرآن بل على لسان رسوله ~~صلى الله عليه وسلم بوحي ليس بقرآن وكلام الله تعالى واحد هو الناسخ ~~باعتبار والمنسوخ باعتبار وليس له كلامان أحدهما قرآن والآخر ليس بقرآن ~~وإنما الاختلاف في العبارات فربما دل على كلامه بلفظ منظوم يأمرنا بتلاوته ~~فيسمى قرآنا وربما دل بغير لفظ متلوفيسمى سنة والكل مسموع من الرسول عليه ~~السلام والناسخ هو الله تعالى في كل حال # على أنهم طالبوه بقرآن مثل هذا ms145 القرآن فقال لا أقدر عليه من تلقاء نفسي ~~وما طالبوه بحكم غير ذلك فأين هذا من نسخ القرآن بالسنة وامتناعه؟ PageV01P238 # احتجوا بقوله تعالى {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها } ]البقرة: من ~~الآية106[وبين أن الآية لا تنسخ إلا بمثلها أو بخير منها فالسنة لا تكون ~~مثلها ثم تمدح وقال { ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير} ]البقرة: من ~~الآية106[بين أنه لا يقدر عليه غيره # قلنا: قد حققنا أن الناسخ هو الله تعالى وأنه المظهر له على لسان رسوله ~~صلى الله عليه وسلم المفهم إيانا بواسطته نسخ كتابه ولا يقدر عليه غيره . # ثم لو نسخ الله تعالى آية على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم أتى ~~بآية أخرى مثلها كان قد حقق وعده فلم يشترط أن تكون الآية الأخرى هي ~~الناسخة للأولى. # ثم نقول ليس المراد الإتيان بقرآن آخر خير منها ،لأن القرآن لا يوصف بكون ~~بعضه خيرا من البعض كيفما قدر قديما أو مخلوقا بل معناه أن يأتي بعمل خير ~~من ذلك العمل لكونه أخف منه أو لكونه أجزل ثوابا # مسألة: لا ينسخ الإجماع # الإجماع لا ينسخ به إذ لا نسخ بعد انقطاع الوحي، وما نسخ بالإجماع PageV01P239 ~~فالإجماع يدل على ناسخ قد سبق في زمان نزول الوحي من كتاب أو سنة # مسألة: نسخ المتواتر بالآحاد # أما السنة فينسخ المتواتر منها بالمتواتر والآحاد بالآحاد # أما نسخ المتواتر منها بالآحاد فاختلفوا في وقوعه سمعا وجوازه عقلا # فقال قوم :وقع ذلك سمعا فإن أهل مسجد القباء تحولوا إلى الكعبة بقول واحد ~~أخبرهم وكان ثابتا بطريق قاطع فقلبوا نسخه عن الواحد # والمختار جواز ذلك عقلا لو تعبد به ووقوعه سمعا في زمان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بدليل قصة قباء وبدليل أنه كان ينفذ آحاد الولاة إلى ~~الأطراف وكانوا يبلغون الناسخ والمنسوخ جميعا ولكن ذلك ممتنع بعد وفاته ~~بدليل الإجماع من الصحابة على أن القرآن والمتواتر المعلوم لا يرفع بخبر ~~الواحد فلا ذاهب إلى تجويزه من السلف والخلف والعمل ms146 بخبر الواحد تلقى من ~~الصحابة وذلك فيما لا يرفع قاطعا بل ذهب الخوارج إلى منع نسخ القرآن بالخبر ~~المتواتر حتى أنهم قالوا رجم ماعز وإن كان متواترا لا يصلح لنسخ القرآن # وقال الشافعي رحمه الله لا يجوز نسخ القرآن بالسنة وإن تواترت . # وليس ذلك بمحال لأنه يصح أن يقال: تعبدناكم بالنسخ بخبر الواحد في زمان ~~نزول الوحي وحرمنا ذلك بعده # فإن قيل: كيف يجوز ذلك عقلا وهو رفع القاطع بالظن؟ وأما حديث قباء فلعله ~~انضم إليه من القرائن ما أورث العلم. PageV01P240 # قلنا: تقدير قرائن معرفة توجب إبطال أخبار الآحاد وحمل عمل الصحابة على ~~المعرفة بالقرائن ولا سبيل إلى وضع ما لم ينقل وأما قولهم إنه رفع للقاطع ~~بالظن فباطل إذ لو كان كذلك لقطعنا بكذب الناقل ولسنا نقطع به بل نجوز صدقه ~~وإنما هو مقطوع به بشرط أن لا يرد خبر نسخه كما أن البراءة الأصلية مقطوع ~~بها وترتفع بخبر الواحد لأنها تفيد القطع بشرط عدم خبر الواحد . # فإن قيل: بم تنكرون على من يقطع بكونه كاذبا لأن الرسول عليه السلام أشاع ~~الحكم فلو ثبت نسخه للزمه الإشاعة؟ # قلنا: ولم يستحيل أن يشيع الحكم ويكل النسخ إلى الآحاد كما يشيع العموم ~~وبكل التخصيص إلى المخصص؟ # مسألة لا يصح نسخ المتواتر بالقياس : # لا يجوز نسخ النص القاطع المتواتر بالقياس المعلوم بالظن والاجتهاد على ~~اختلاف مراتبه جليا كان أو خفيا # هذا ما قطع به الجمهور إلا شذوذا منهم قالوا ما جاز التخصيص به جاز النسخ به # وهو منقوض بدليل العقل وبالإجماع وبخبر الواحد فالتخصيص بجميع ذلك جائز ~~دون النسخ ثم كيف يتساويان والتخصيص بيان والنسخ رفع والبيان تقرير والرفع إبطال؟ # وقال بعض أصحاب الشافعي: يجوز النسخ بالقياس الجلي # ونحن نقول لفظ الجلي مبهم فإن أرادوا المقطوع به فهو صحيح وأما المظنون فلا # وما يتوهم القطع به على ثلاث مراتب: # الأولى: ما يجري مجرى النص وأوضح منه كقوله تعالى { فلا تقل لهما أف} ~~]الاسراء: من الآية23[فإن تحريم الضرب مدرك منه قطعا فلو كان ms147 ورد PageV01P241 ~~نص بإباحة الضرب لكان هذا ناسخا لأنه أظهر من المنطوق به وفي درجته قوله ~~تعالى :{فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} ]الزلزلة:7[ في أن ما هو فوق الذرة ~~كذلك. وكذلك قوله تعالى {وورثه أبواه فلأمه الثلث }] النساء: من الآية11 [ ~~النساء في أن للأب الثلثين # الرتبة الثانية : لو ورد نص بأن العتق لا يسري في الأمة ثم ورد قوله صلى ~~الله عليه وسلم من أعتق شركا له في عبد قوم عليه الباقي لقضينا بسراية عتق ~~الأمة قياسا على العبد لأنه مقطوع به إذ علم قطعا قصد الشارع إلى المملوك ~~لكونه مملوكا # الرتبة الثالثة : أن يرد النص مثلا بإباحة النبيذ ثم يقول الشارع حرمت ~~الخمر لشدتها فينسخ إباحة النبيد بقياسه على الخمر إن تعبدنا بالقياس # وقال قوم :وإن لم نتعبد بالقياس نسخنا أيضا إذ لا فرق بين قوله حرمت كل ~~منتبذ وبين قوله حرمت الخمر لشدتها ولذلك أقر النظام بالعلة المنصوصة وإن ~~كان منكرا لأصل القياس ولنبين أنه إن لم نتعبد بالقياس فقوله حرمت الخمر ~~عليكم لشدتها ليس قاطعا في تحريم النبيذ بل يجوز أن تكون العلة شدة الخمر ~~خاصة كما تكون العلة في الرجم زنا المحصن خاصة # والمقصود أن القاطع لا يرفع بالظن بل بالقاطع # فإن قيل: استحالة رفعه بالمظنون عقلي أو سمعي؟ # قلنا: الصحيح أنه سمعي ولا يستحيل عقلا أن يقال :تعبدناكم بنسخ النص ~~بالقياس على نص آخر نعم: يستحيل أن نتعبد بنسخ النص بقياس مستنبط من عين ~~ذلك النص لأن ذلك يؤدي إلى أن يصير هو مناقضا لنفسه ،فيكون واجب العمل به ~~وساقط العمل به # فإن قيل :فما الدليل على امتناعه سمعا؟ PageV01P242 # قلنا: يدل عليه الإجماع على بطلان كل قياس مخالف للنص وقول معاذ رضي الله ~~عنه" اجتهد رأيي" بعد فقد النص وتزكية رسول الله صلى الله عليه وسلم له ~~وإجماع الصحابة على ترك القياس بأخبار الآحاد فكيف بالنص القاطع المتواتر؟ ~~واشتهار قولهم عند سماع خبر الواحد لولا هذا لقضينا برأينا ولأن دلالة النص ~~قاطع في المنصوص ودلالة ms148 الأصل على الفرع مظنون فكيف يترك الأقوى بالأضعف ~~؟وهذا مستند الصحابة في إجماعهم على ترك القياس بالنص. # فإن قيل: إذا تناقض قاطعان وأشكل المتأخر فهل يثبت تأخر أحدهما بقول ~~الواحد حتى يكون هو الناسخ؟ قلنا: يحتمل أن يقال ذلك لأنه إذا ثبت الإحصان ~~بقول اثنين مع أن الزنا لا يثبت إلا بأربعة دل على أنه لا يحتاط للشرط بما ~~يحتاط به للمشروط ويحتمل أن يقال النسخ إذا كان بالتأخير والمنسوخ قاطع فلا ~~يكفي فيه قول الواحد فهذا في محل الاجتهاد # والأظهر قبوله لأن أحد النصين منسوخ قطعا وإنما هذا مطلوب قبوله للتعيين # مسألة:[ نسخ الحكم بقول الصحابي] # لا ينسخ حكم بقول الصحابي: نسخ حكم كذا ما لم يقل: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: نسخت حكم كذا فإذا قال ذلك نظر في الحكم إن كان ثابتا ~~بخبر الواحد صار منسوخا بقوله وإن كان قاطعا فلا أما قوله نسخ حكم كذا فلا ~~يقبل قطعا فلعله ظن ما ليس ينسخ نسخا فقد ظن أن الزيادة على النص نسخ وكذلك ~~في مسائل # وقال قوم: إن ذكر لنا ما هو الناسخ عنده لم نقلده لكن نظرنا فيه وإن أطلق ~~فنحمله على أنه لم يطلق إلا عن معرفة قطعية . # وهذا فاسد بل الصحيح أنه إن ذكر الناسخ تأملنا فيه وقضينا برأنيا وإن PageV01P243 ~~لم يذكر لم نقلده وجوزنا أن يقول ذلك عن اجتهاد ينفرد به هذا ما ذكره ~~القاضي رحمه الله # والأصح عندنا أن نقبل كقول الصحابي أمر صلى الله عليه وسلم بكذا ونهى عن ~~كذا فإن ذلك يقبل كما سنذكره في كتاب الأخبار ولا فرق بين اللفظين. # فإن قيل: قالت عائشة رضي الله عنها ما مات رسول الله إلا وقد أحلت له ~~النساء اللاتي حظرن عليه بقوله تعالى إنا أحللنا لك أزواجك الأحزاب فقبل ~~ذلك منها # قلنا: ليس ذلك مرضيا عندنا ومن قبل فإنما قبل ذلك للدليل الناسخ ورآه ~~صالحا للنسخ ولم يقلد مذهبها # خاتمة الكتاب فيما يعرف به تاريخ الناسخ # اعلم أنه ms149 إذا تناقض نصان فالناسخ هوالمتأخر ولا يعرف تأخره بدليل العقل ~~ولا بقياس الشرع بل بمجرد النقل وذلك بطرق: # الأول : أن يكون في اللفظ ما يدل عليه كقوله عليه السلام "كنت نهيتكم عن ~~ادخار لحوم الأضاحي" فالآن ادخروها" وكقوله "كنت نهيتكم عن زيارة القبور ~~فزوروها" # الثاني: أن تجمع الأمة في حكم على أنه المنسوخ وأن ناسخه الآخر # الثالث: أن يذكر الراوي التاريخ مثل أن يقول سمعت عام الخندق أو عام ~~الفتح وكان المنسوخ معلوما قبله ولا فرق بين أن يروي الناسخ PageV01P244 ~~والمنسوخ راو واحد أو راويان. # ولا يثبت التاريخ بطرق # الأول : أن يقول الصحابي كان الحكم علينا كذا ثم نسخ لأنه ربما قاله عن اجتهاد # الثاني : أن يكون أحدهما مثبتا في المصحف بعد الآخر لأن السور والآيات ~~ليس إثباتها على ترتيب النزول بل ربما قدم المتأخر # الثالث : أن يكون راويه من أحداث الصحابة فقد ينقل الصبي عمن تقدمت صحبته ~~وقد ينقل الأكابر عن الأصاغر وبعكسه # الرابع : أن يكون الراوي أسلم عام الفتح ولم يقل إني سمعت عام الفتح إذ ~~لعله سمع في حاله كفره ثم روى بعد الإسلام أو سمع ممن سبق بالإسلام # الخامس : أن يكون الراوي قد انقطعت صحبته فربما يظن أن حديثه مقدم على ~~حديث من بقيت صحبته وليس من ضرورة من تأخرت صحبته أن يكون حديثه متأخرا عن ~~وقت انقطاع صحبة غيره # السادس : أن يكون أحد الخبرين على وفق قضية العقل والبراءة الأصلية فربما ~~يظن تقدمه ولا يلزم ذلك كقوله لا وضوء مما مسته النار ولا يلزم أن يكون ~~متقدما على إيجاب الوضوء مما مست النار إذ يحتمل أنه أوجب ثم نسخ والله أعلم # وقد فرغنا من الأصل الأول من الأصول الأربعة وهو الكتاب ويتلوه القول في ~~سنة رسول الله صلى الله وسلم PageV01P245 ### || AUTO ### ||| AUTO الأصل الثاني من أصول الأدلة: سنة الرسول صلى ~~الله عليه وسلم # * # ... # الأصل الثاني من أصول الأدلة: سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم # وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة لدلالة المعجزة ms150 على صدقه ولأمر ~~الله تعالى إيانا باتباعه ولأنه وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ~~النجم لكن بعض الوحي يتلى فيسمى كتابا وبعضه لا يتلى وهو السنة وقول رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حجة على من سمعه شفاعا فأما نحن فلا يبلغنا قوله ~~إلا على لسان المخبرين إما على سبيل التواتر وإما بطريق الآحاد فلذلك اشتمل ~~الكلام في هذا الأصل على مقدمة وقسمين قسم في أخبار التواتر وقسم في أخبار ~~الآحاد ويشتمل كل قسم على أبواب PageV01P246 ~~أما المقدمة # ففي بيان ألفاظ الصحابة رضي الله عنهم في نقل الأخبار عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو على خمس مراتب : # الأولى :وهي أقواها أن يقول الصحابي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول كذا أو أخبرني أو حدثني أو شافهني فهذا لا يتطرق إليه الاحتمال وهو ~~الأصل في الرواية والتبليغ قال نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما ~~سمعها الحديث # الثانية : أن يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا أخبر أو أخبر أو ~~حدث فهذا ظاهره النقل إذا صدر من الصحابي وليس نصا صريحا إذ قد يقول الواحد ~~منا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمادا على ما نقل إليه وإن لم ~~يسمعه منه فلا يستحيل أن يقول الصحابي ذلك اعتمادا على ما بلغه تواترا أو ~~بلغه على لسان من يثق به # ودليل الاحتمال ما روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال :"من أصبح جنبا فلا صوم له" فلما استكشف قال :حدثني به الفضل بن عباس ~~فأرسل الخبر أولا ولم يصرح وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله "إنما ~~الربا في النسيئة" فلما روجع فيه أخبر أنه سمعه من أسامة بن زيد إلا أن هذا ~~وإن كان محتملا فهو بعيد بل الظاهر أن الصحابي إذا قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فما يقوله إلا وقد سمع رسول الله بخلاف من لم يعاصر إذا قال ~~قال ms151 رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن قرينة حاله تعرف أنه لم يسمع ولا PageV01P247 ~~يوهم إطلاقه السماع بخلاف الصحابي فإنه إذا قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أوهم السماع فلا يقدم عليه إلا عن سماع هذا هو الظاهر وجميع ~~الأخبار إنما نقلت إلينا كذلك إذ يقال قال أبو بكر قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال عمر قال رسول الله فلا نفهم من ذلك إلا السماع # الثالثة: أن يقول الصحابي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا أو نهى عن كذا # فهذا يتطرق إليه احتمالان أحدهما في سماعه كما في قوله قال والثاني في ~~الأمر إذ ربما يرى ما ليس بأمر أمرا فقد اختلف الناس في أن قوله إفعل هو ~~للأمر فلأجل هذا قال بعض أهل الظاهر لا حجة فيه ما لم ينقل اللفظ # والصحيح أنه لا يظن بالصحابي إطلاق ذلك إلا إذا علم تحقيقا أنه أمر بذلك ~~وأن يسمعه يقول أمرتكم بكذا أو يقول إفعلوا وينضم إليه من القرائن ما يعرفه ~~كونه أمرا ويدرك ضرورة قصده إلى الأمر أما احتمال بنائه الأمر على الغلط ~~والوهم فلا نطرقه إلى الصحابة بغير ضرورة بل يحمل ظاهر قولهم وفعلهم على ~~السلامة ما أمكن ولهذا لو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا ولكن ~~شرط شرطا ووقت وقتا فيلزمنا اتباعه ولا يجوز أن نقول لعله غلط في فهم الشرط ~~والتأقيت ورأى ما ليس بشرط شرطا ولهذا يجب أن يقبل قول الصحابي نسخ حكم كذا ~~وإلا فلا فرق بين قوله نسخ وقوله أمر ولذلك قال علي رضي الله عنه وأطلق ~~أمرت أن أقاتل الناكثين والمارقين والقاسطين ولا يظن بمثله أن يقول أمرت ~~إلا عن مستند يقتضي الأمر # ويتطرق إليه احتمال ثالث في عمومه وخصوصه حتى ظن قوم أن مطلق هذا يقتضي ~~أمر جميع الأمة والصحيح أن من يقول بصيغة العموم أيضا ينبغي أن يتوقف في ~~هذا إذ يحتمل أن يكون ما سمعه أمرا للأمة أو لطائفة أو لشخص ms152 بعينه وكل ذلك ~~يتيح له أن يقول أمر فيتوقف فيه على الدليل لكن يدل عليه أن أمره للواحد ~~أمر للجماعة إلا إذا كان لوصف يخصه من # سفر أو PageV01P248 ~~حضر ولو كان كذلك لصرح به الصحابي كقوله أمرنا إذا كنا مسافرين أن لا ننزع ~~خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن نعم لو قال أمرنا بكذا وعلم من عادة الصحابي ~~أنه لا يطلقه إلا في أمر الأمة حمل عليه وإلا احتمل أن يكون أمرا للأمة أو ~~له أو لطائفة # الرابعة: أن يقول أمرنا بكذا ونهينا عن كذا # فيتطرق إليه ما سبق من الاحتمالات الثلاثة واحتمال رابع وهو الآمر فإنه ~~لا يدري أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم أو غيره من الأئمة والعلماء # فقال قوم :لا حجة فيه فإنه محتمل وذهب الأكثرون إلى أنه لا يحمل إلا على ~~أمر الله تعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم لأنه يريد به إثبات شرع ~~وإقامة حجة فلا يحمل على قول من لا حجة في قوله # وفي معناه قوله: من السنة كذا والسنة جارية بكذا # فالظاهر أنه لا يريد إلا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يجب ~~اتباعه دون سنة غيره ممن لا تجب طاعته # ولا فرق بين أن يقول الصحابي ذلك في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أو بعد وفاته # أما التابعي إذا قال أمرنا احتمل أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر ~~الأمة بأجمعها والحجة حاصلة به ويحتمل أمر الصحابة لكن لا يليق بالعالم أن ~~يطلق ذلك إلا وهو يريد من تجب طاعته ولكن الاحتمال في قول التابعي أظهر منه ~~في قول الصحابي # الخامسة : أن يقول: كانوا يفعلون كذا فإن أضاف ذلك إلى زمن الرسول PageV01P249 ~~عليه السلام فهو دليل على جواز الفعل لأن ذكره في معرض الحجة يدل على أنه ~~أراد ما علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسكت عليه دون ما لم يبلغه وذلك ~~يدل على الجواز وذلك مثل قول ابن عمر رضي الله عنه كنا نفاضل على ms153 عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فنقول خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أبو بكر ثم عمر ثم عثمان فيبلغ ذلك رسول الله فلا ينكره وقال كنا نخابر على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده أربعين سنة حتى روى لنا رافع بن ~~خديج الحديث وقالأبو سعيد كنا نخرج على عهد رسول الله صاعا من بر في زكاة ~~الفطر وقالت عائشة رضي الله عنها كانوا لا يقطعون في الشيء التافه # وأما قول التابعي كانوا يفعلون لا يدل على فعل جميع الأمة بل على البعض ~~فلا حجة فيه إلا أن يصرح بنقله عن أهل الإجماع فيكون نقلا للإجماع وفي ~~ثبوته بخبر الواحد كلام سيأتي # فقد ظهر من هذه المقدمة ما هو خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ~~ليس خبرا عنه والآن فلا بد من بيان طرق انتهاء الخبر إلينا وذلك إما بنقل ~~التواتر أو الآحاد PageV01P250 ### ||| AUTO القسم الأول: الكلام في التواتر # ... # عمل القسم الأول من هذا الأصل الكلام في التواتر # وفيه أبواب: # الباب الأول في إثبات أن التواتر يفيد العلم # ولنقدم عليها حد الخبر. # وحده أنه القول الذي يتطرق إليه التصديق أو التكذيب أو هو القول الذي ~~يدخله الصدق أو الكذب # وهو أولى من قولهم يدخله الصدق والكذب إذ الخبر الواحد لا يدخله كلاهما ~~بل كلام الله تعالى لا يدخله الكذب أصلا والخبر عن المحالات لا يدخله الصدق أصلا # والخبر قسم من أقسام الكلام القائم بالنفس وأما العبارة فهي الأصوات ~~المقطعة التي صيغتها مثل قول القائل زيد قائم وضارب وهذا ليس خبرا لذاته بل ~~يصير خبرا بقصد القاصد إلى التعبير به عما في النفس ولهذا إذا صدر من نائم ~~أو مغلوب لم يكن خبرا وأما كلام النفس فهو خبر لذاته وجنسه إذا وجد لا ~~يتغير بقصد القاصد # التواتر يفيد العلم # أما إثبات كون التواتر مفيدا للعلم فهو ظاهر خلافا للسمنية حيث PageV01P251 ~~حصروا العلوم في الحواس وأنكروا هذا # وحصرهم باطل فإنا بالضرورة نعلم كون ms154 الألف أكثر من الواحد واستحالة كون ~~الشيء الواحد قديما محدثا وأمورا أخر ذكرناها في مدارك اليقين سوى الحواس ~~بل نقول حصرهم العلوم في الحواس معلوم لهم وليس ذلك مدركا بالحواس الخمس # ثم لا يستريب عاقل في أن في الدنيا بلدة تسمى بغداد وإن لم يدخلها ولا ~~يشك في وجود الأنبياء بل في وجود الشافعي وأبي حنيفة رحمهما الله بل في ~~الدول والوقائع الكبيرة # فإن قيل لو كان هذا معلوما ضرورة لما خالفناكم # قلنا: من يخالف في هذا فإنما يخالف بلسانه أو عن خبط في عقله أو عن عناد ~~ولا يصدر إنكار هذا من عدد كثير يستحيل إنكارهم في العادة لما علموه ~~وعنادهم ولو تركنا ما علمناه ضرورة لقولكم للزمكم ترك المحسوسات بسبب خلاف ~~السوفسطائية # أما بطلان مذهب الكعبي حيث ذهب إلى أن هذا العلم نظري فإنا نقول النظري ~~هو الذي يجوز أن يعرض فيه الشك وتختلف فيه الأحوال فيعلمه بعض الناس دون ~~بعض ولا يعلمه النساء والصبيان ومن ليس من أهل النظر ولا يعلمه من ترك ~~النظر قصدا وكل علم نظري فالعالم به قد يجد نفسه فيه شاكا ثم طالبا ونحن لا ~~نجد أنفسنا شاكين في وجود مكة ووجود الشافعي رحمه الله طالبين لذلك فإن ~~عنيتم بكونه نظريا شيئا من ذلك فنحن PageV01P252 ~~ننكره وإن عنيتم به أن مجرد قول المخبر لا يفيد العلم ما لم ينتظم في النفس ~~مقدمتان إحداهما أن هؤلاء مع اختلاف أحوالهم وتباين أغراضهم ومع كثرتهم على ~~حال لا يجمعهم على الكذب جامع ولا يتفقون إلا على الصدق والثانية أنهم قد ~~اتفقوا على الأخبار عن الواقعة فيبتني العلم بالصدق على مجموع المقدمتين ~~فهذا مسلم ولا بد وأن تشعر النفس بهاتين المقدمتين حتى يحصل له العلم ~~والتصديق وإن لم تتشكل في النفس هذه المقدمات بلفظ منظوم فقد شعرت به حتى ~~حصل التصديق وإن لم يشعر بشعورها # وتحقيق القول فيه أن الضروري إن كان عبارة عما يحصل بغير واسطة كقولنا ~~القديم لا يكون محدثا والموجود لا يكون معدوما فهذا ms155 ليس بضروري فإنه حصل ~~بواسطة المقدمتين المذكورتين وإن كان عبارة عما يحصل بدون تشكل الواسطة في ~~الذهن فهذا ضروري ورب واسطة حاضرة في الذهن لا يشعر الإنسان بوجه توسطها ~~وحصول العلم بواسطتها فيسمى أوليا وليس بأولي كقولنا الإثنان نصف الأربعة ~~فإنه لا يعلم ذلك إلا بواسطة وهو أن النصف أحد جزئي الجملة المساوي للآخر ~~والإثنان أحد الجزأين المساوي للثاني من جملة الأربعة فهو إذا نصف فقد حصل ~~هذا العلم بواسطة لكنها جلية في الذهن حاضرة ولهذا لو قيل ستة وثلاثون هل ~~هو نصف اثنين وسبعين؟ يفتقر فيه إلى تأمل ونظر حتى يعلم أن هذه الجملة ~~تنقسم بجزأين متساويين أحدهما ستة وثلاثون # فإذا العلم بصدق خبر التواتر يحصل بواسطة هذه المقدمات وما هو كذلك فهو ~~ليس بأولي وهل يسمى ضروريا هذا ربما يختلف في الاصطلاح والضروري عند ~~الأكثرين عبارة عن الأولي لا عما نجد أنفسنا مضطرين إليه فإن العلوم ~~الحسابية كلها ضرورية وهي نظرية ومعنى كونها نظرية أنها ليست بأولية وكذلك ~~العلم بصدق خبر التواتر ويقرب منه العلم المستفاد من التجربة التي يعبر ~~عنها باطراد العادات كقولنا الماء مرو والخمر مسكر كما نبهنا عليه في مقدمة الكتاب # فإن قيل: لو استدل مستدل على كونه غير ضروري بأنه لو كان ضروريا PageV01P253 ~~لعلمنا بالضرورة كونه ضروريا ولما تصور الخلاف فيه فهذا الاستدلال صحيح أم لا ؟ # قلنا: إن كان الضروري عبارة عما نجد أنفسنا مضطرين إليه فبالضرورة نعلم ~~من أنفسنا أنا مضطرون إليه وإن كان عبارة عما يحصل بغير واسطة فيجوز أن ~~يحتاج في معرفة ذلك إلى تأمل ويقع الشك فيه كما يتصور أن نعتقد شيئا على ~~القطع ونتردد في أن اعتقادنا علم محقق أم لا # الباب الثاني في شروط التواتر # وهي أربعة : # الأول : :أن يخبروا عن علم لا عن ظن فإن أهل بغداد لو أخبرونا عن طائر ~~أنهم ظنوه حماما أو عن شخص أنهم ظنوه زيدا لم يحصل لنا العلم بكونه حماما ~~وبكونه زيدا وليس هذا معللا بل حال المخبر لا تزيد على ms156 حال المخبر لأنه كان ~~في قدرة الله تعالى أن يخلق لنا العلم بخبرهم وإن كان عن ظن ولكن العادة ~~غير مطردة بذلك # الشرط الثاني : أن يكون علمهم ضروريا مستندا إلى محسوس إذ لو أخبرنا أهل ~~بغداد عن حدوث العالم وعن صدق بعض الأنبياء لم يحصل لنا العلم وهذا أيضا ~~معلوم بالعادة وإلا فقد كان في قدرة الله تعالى أن يجعل ذلك سببا للعلم في ~~حقنا الشرط . # الثالث : أن يستوي طرفاه وواسطته في هذه الصفات وفي كمال العدد فإذا نقل ~~الخلف عن السلف وتوالت الأعصار ولم تكن الشروط قائمة في كل عصر لم يحصل ~~العلم بصدقهم لأن خبر أهل كل عصر خبر مستقل بنفسه فلا بد من شروط ولا جل ~~ذلك لم يحصل لنا العلم بصدق اليهود مع كثرتهم في نقلهم عن موسى صلوات الله ~~عليه تكذيب كل ناسخ لشريعته ولا بصدق الشيعة والعباسية والبكرية في نقل ~~النص على إمامة علي PageV01P254 ~~أو العباس أو أبي بكر رضي الله عنهم وإن كثر عدد الناقلين في هذه الأعصار ~~القريبة لأن بعض هذا وضعه الآحاد أولا ثم أفشوه ثم كثر الناقلون في عصره ~~وبعده والشرط إنما حصل في بعض الأعصار فلم تستو فيه الأعصار ولذلك لم يحصل ~~التصديق بخلاف وجود عيسى عليه السلام وتحديه بالنبوة ووجود أبي بكر وعلي ~~رضي الله عنهما وانتصابهما للإمامة فإن كل ذلك لما تساوت فيه الأطراف ~~والواسطة حصل لنا علم ضروري لا نقدر على تشكيك أنفسنا فيه ونقدر على ~~التشكيك فيما نقلوه عن موسى وعيسى عليهما السلام وفي نص الإمامة # الشرط الرابع : في العدد وتهذب الغرض منه برسم مسائل: # مسألة:[العدد الذي يحصل به التواتر] : # عدد المخبرين ينقسم إلى ما هو ناقص فلا يفيد العلم وإلى ما هو كامل وهو ~~الذي يفيد العلم وإلى زائد وهو الذي يحصل العلم ببعضه وتقع الزيادة فضلا عن ~~الكفاية والكامل وهو أقل عدد يورث العلم ليس معلوما لنا لكنا بحصول العلم ~~الضروري نتبين كمال العدد لا أنا بكمال العدد نستدل على حصول العلم # فإذا ms157 عرفت هذا فالعدد الكامل الذي يحصل التصديق به في واقعة هل يتصور أن ~~لا يفيد العلم في بعض الوقائع قال القاضي رحمه الله ذلك محال بل كل ما يفيد ~~العلم في واقعة يفيد في كل واقعة وإذا حصل العلم لشخص فلا بد وأن يحصل لكل ~~شخص يشاركه في السماع ولا يتصور أن يختلف # وهذا صحيح إن تجرد الخبر عن القرائن فإن العلم لا يستند إلى مجرد العدد ~~ونسبة كثرة العدد إلى سائر الوقائع وسائر الأشخاص واحدة أما إذا PageV01P255 ~~اقترنت به قرائن تدل على التصديق فهذا يجوز أن تختلف فيه الوقائع والأشخاص # وأنكر القاضي ذلك ولم يلتفت إلى القرائن ولم يجعل لها أثرا # وهذا غير مرضي لأن مجرد الأخبار يجوز أن يورث العلم عند كثرة المخبرين ~~وإن لم تكن قرينة ومجرد القرائن أيضا قد يورث العلم وإن لم يكن فيه أخبار ~~فلا يبعد أن تنضم القرائن إلى الأخبار فيقوم بعض القرائن مقام بعض العدد من ~~المخبرين # ولا ينكشف هذا إلا بمعرفة معنى القرائن وكيفية دلالتها. # دور القرائن في حصول اليقين : # فنقول: لا شك في أن نعرف أمورا ليست محسوسة إذ نعرف من غيرنا حبه لإنسان ~~وبغضه له وخوفه منه وغضبه وخجله وهذه أحوال في نفس المحب والمبغض لا يتعلق ~~الحس بها قد تدل عليها دلالات آحادها ليست قطعية بل يتطرق إليها الاحتمال ~~ولكن تميل النفس بها إلى اعتقاد ضعيف ثم الثاتي والثالث يؤكد ذلك ول أفردت ~~آحاذها لتطرق إليها الإحتمال يحصل القطع باجتماعها كما أن قول كل واحد من ~~عدد التواتر يتطرق إليه الاحتمال لو قدر مفردا ويحصل القطع بسبب الاجتماع ~~ومثاله أنا نعرف عشق العاشق لا بقوله بل بأفعال هي أفعال المحبين من القيام ~~بخدمته وبذل ماله وحضور مجالسه لمشاهدته وملازمته في تردداته وأمور من هذا ~~الجنس فإن كل واحد يدل دلالة لو انفرد لاحتمل أن يكون ذلك لغرض آخر يضمره ~~لا لحبه إياه لكن تنتهي كثرة هذه الدلالات إلى حد يحصل لنا علم قطعي بحبه ~~وكذلك ببغضه إذا رؤيت ms158 منه أفعال ينتجها البغض وكذلك نعرف غضبه وخجله لا ~~بمجرد حمرة وجهه لكن الحمرة إحدى الدلالات # وكذلك نشهد الصبي يرتضع مرة بعد أخرى فيحصل لنا علم قطعي بوصول اللبن إلى ~~جوفه وإن لم نشاهد اللبن في الضرع لأنه مستور ولا PageV01P256 ~~عند خروجه فإنه مستور بالفم ولكن حركة الصبي في الامتصاص وحركة حلقه تدل ~~عليه دلالة ما مع أن ذلك قد يحصل من غير وصول اللبن لكن ينضم إليه أن ~~المرأة الشابة لا يخلو ثديها عن لبن ولا تخلو حلمته عن ثقب ولا يخلو الصبي ~~عن طبع باعث على الامتصاص مستخرج للبن # وكل ذلك يحتمل خلافه نادرا وإن لم يكن غالبا لكن إذا انضم إليه سكوت ~~الصبي عن بكائه مع أنه لم يتناول طعاما آخر صار قرينة ويحتمل أن يكون بكاؤه ~~عن وجع وسكوته عن زواله ويحتمل أن يكون تناول شيئا آخر لم نشاهده وإن كنا ~~نلازمه في أكثر الأوقات # ومع هذا فاقتران هذه الدلائل كاقتران الأخبار وتواترها وكل دلالة شاهدة ~~يتطرق إليها الاحتمال كقول كل مخبر على حياله وينشأ من الاجتماع العلم # وكأن هذا مدرك سادس من مدارك العلم سوى ما ذكرناه في المقدمة من الأوليات ~~والمحسوسات والمشاهدات الباطنة والتجريبات والمتواترات فيلحق هذا بها # وإذا كان هذا غير منكر فلا يبعد أن يحصل التصديق بقول عدد ناقص عن انضمام ~~قرائن إليه لو تجرد عن القرائن لم يفد العلم فإنه إذا أخبر خمسة أو ستة عن ~~موت إنسان لا يحصل العلم بصدقهم لكن إذا انضم إليه خروج والد الميت من ~~الدار حاسر الرأس حافي الرجل ممزق الثياب مضطرب الحال يصفق وجهه ورأسه وهو ~~رجل كبير ذو منصب ومروءة لا يخالف عادته ومروءته إلا عن ضرورة فيجوز أن ~~يكون هذا قرينة تنضم إلى قول أولئك فتقوم في التأثير مقام بقية العدد وهذا ~~مما يقطع بجوازه والتجرية تدل عليه # وكذلك العدد الكثير ربما يخبرون عن أمر يقتضي إيالة الملك وسياسة إظهاره ~~والمخبرون من رؤساء جنود الملك فيتصور اجتماعهم تحت ضبط الإيالة بالاتفاق ~~على ms159 الكذب ولو كانوا متفرقين خارجين عن ضبط الملك لم PageV01P257 ~~يتطرق إليهم هذا الوهم فهذا يؤثر في النفس تأثيرا لا ينكر # ولا أدري لم أنكر القاضي ذلك وما برهانه على استحالته # فقد بان بهذا أن العدد يجوز أن يختلف بالوقائع وبالأشخاص فرب شخص انغرس ~~في نفسه أخلاق تميل به إلى سرعة التصديق ببعض الأشياء فيقوم ذلك مقام ~~القرائن وتقوم تلك القرائن مقام خبر بعض المخبرين فينشأ من ذلك أن لا برهان ~~على استحالته # هل يحصل العلم بقول مخبر واحد ؟ # فإن قيل: فهل يجوز أن يحصل العلم بقول واحد ؟ # قلنا: حكي عن الكعبي جوازه ولا يظن بمعتوه تجويزه مع انتفاء القرائن أما ~~إذا اجتمعت قرائن فلا يبعد أن تبلغ القرائن مبلغا لا يبقى بينها وبين إثارة ~~العلم إلا قرينة واحدة ويقوم إخبار الواحد مقام تلك القرينة فهذا مما لا ~~يعرف استحالته ولا يقطع بوقوعه فإن وقوعه إنما يعلم بالتجربة ونحن لم نجربه ~~ولكن قد جربنا كثيرا مما اعتقدناه جزما بقول الواحد مع قرائن أحواله ثم ~~انكشف أنه كان تلبيسا وعن هذا أحال القاضي ذلك # وهذا كلام في الوقائع مع بقاء العادات على المعهود من استمرارها فأما لو ~~قدرنا خرق هذه العادة فالله تعالى قادر على أن يحصل لنا العلم بقول واحد من ~~غير قرينة فضلا على أن تنضم إليه القرائن PageV01P258 ~~مسألة: هل شهادة الأربعة فيها غلبة الظن: # قطع القاضي رحمه الله بأن قول الأربعة قاصر عن العدد الكامل لأنها بينة ~~شرعية يجوز بالإجماع للقاضي وقفها على المزكين لتحصل غلبة الظن ولا يطلب ~~الظن فيما علم ضرورة. # وما ذكره صحيح إذا لم تكن قرينة فإنا لا نصادف أنفسنا مضطرين إلى خبر ~~الأربعة أما إذا فرضت قرائن مع ذلك فلا يستحيل حصول التصديق لكن لا يكون ~~ذلك حاصلا عن مجرد الخبر بل عن القرائن مع الخبر والقاضي رحمه الله يحيل ~~ذلك مع القرائن أيضا # مسألة هل شهادة الخمسة تفيد العلم: # قال القاضي علمت بالإجماع أن الأربعة ناقص أما الخمس فأتوقف فيها لأنه لم ~~يقم ms160 فيها دليل الإجماع # وهذا ضعيف لأنا نعلم بالتجربة ذلك فكم من أخبار نسمعها من خمسة أو ستة ~~ولا يحصل لنا العلم بها فهو أيضا ناقص لا نشك فيه. # مسألة: العدد الذي يفيد التواتر؟: # إذا قدرنا انتفاء القرائن فأقل عدد يحصل به العلم الضروري معلوم لله ~~تعالى وليس معلوما لنا ولا سبيل لنا إلى معرفته فإنا لا ندري متى حصل علمنا ~~بوجود مكة ووجود الشافعي ووجود الأنبياء عليهم السلام عند تواتر الخبر ~~إلينا وأنه كان بعد خبر المائة والمائتين ويعسر علينا تجربة ذلك وإن ~~تكلفناها. # وسبيل التكلف أن نراقب أنفسنا إذا قتل رجل في السوق مثلا وانصرف جماعة عن ~~موضع القتل ودخلوا علينا يخبرونا عن قتله فإن قول الأول يحرك الظن وقول ~~الثاني والثالث يؤكده ولا يزال يتزايد تأكيده إلى أن يصير ضروريا لا يمكننا ~~أن نشكك فيه أنفسنا فلو تصور الوقوف على اللحظة التي يحصل العلم فيها ضرورة ~~وحفظ حساب المخبرين وعددهم لأمكن الوقوف عليه، PageV01P259 ~~ولكن درك تلك اللحظة عسير فإنه تتزايد قوة الاعتقاد تزايدا خفي التدريج نحو ~~تزايد عقل الصبي المميز إلى أن يبلغ حد التكليف ونحو تزايد ضوء الصبح إلى ~~أن ينتهي إلى حد الكمال فلذلك بقي هذا في غطاء من الإشكال وتعذر على القوة ~~البشرية إدراكه # فأما ما ذهب إليه قوم التخصيص بالأربعين أخذا من الجمعة وقوم إلى التخصيص ~~بالسبعين أخذا من قوله تعالى واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا الأعراف ~~وقوم إلى التخصيص بعدد أهل بدر فكل ذلك تحكمات فاسدة باردة لا تناسب الغرض ~~ولا تدل عليه ويكفي تعارض أقوالهم دليلا على فسادها # فإذا لا سبيل لنا إلى حصر عدده لكنا بالعلم الضروي نستدل على أن العدد ~~الذي هو الكامل عند الله تعالى قد توافقوا على الإخبار # فإن قيل: فكيف علمتم حصول العلم بالتواتر وأنتم لا تعلمون أقل عدده؟ # قلنا: كما نعلم أن الخبز يشبع والماء يروي والخمر يسكر وإن كنا لا نعلم ~~أقل مقدار منه ونعلم أن القرائن تفيد العلم وإن لم نقدر على حصر ms161 أجناسها ~~وضبط أقل درجاتها مسألة هل يكذب العدد الكامل العدد الكامل إذا أخبروا ولم ~~يحصل العلم بصدقهم فيجب القطع بكذبهم لأنه لا يشترط في حصول العلم إلا ~~شرطان أحدهما كمال العدد والثاني أن يخبروا عن يقين ومشاهدة فإذا كان العدد ~~كاملا كان امتناع العلم PageV01P260 ~~لفوات الشرط الثاني فنعلم أنهم بجملتهم كذبوا أو كذب بعضهم في قوله إني ~~شاهدت ذلك بل بناه على توهم وظن أو كذب متعمدا لأنهم لو صدقوا وقد كمل ~~عددهم حصل العلم ضرورة # وهذا أيضا أحد الأدلة على أن الأربعة ليسوا عدد التواتر إذ القاضي لم ~~يحصل له العلم بصدقهم وجاز له القضاء بغلبة الظن بالإجماع ولو تمر عددهم ~~لكان انتفاء العلم بصدقهم دليلا قاطعا على كذب جميعهم أو كذب واحد منهم ~~ولقطعنا بأن فيهم كاذبا أو متوهما ولا يقبل شهادة أربعة يعلم أن فيهم كاذبا ~~أو متوهما # فإن قيل :فإن لم يحصل العلم بقولهم وقد كثروا كثرة يستحيل بحكم العادة ~~توافقهم على الكذب عن اتفاق ويستحيل دخولهم تحت ضابط وتساعدهم على الكذب ~~بحيث ينكتم ذلك على جميعهم ولا يتحدث به واحد منهم فعلى ماذا يحمل كذبهم؟ ~~وكيف يتصور ذلك # قلنا: إنما يمكن ذلك بأن يكونوا منقسمين إلى صادقين وكاذبين أما الصادقون ~~فعددهم ناقص عن المبلغ الذي يستقل بإفادة العلم وأما الكاذبون فيحتمل أن ~~يقع منهم التواطؤ لنقصان عددهم عن مبلغ يستحيل عليهم التواطؤ مع الانكتام ~~فإن كانوا مبلغا لا يستحيل التواطؤ عليهم مع الانكتام فلا يستحيل الانكتام ~~في الحال إلى أن يتحدث به في ثاني الحال # ونقل الشيعة نص الإمامة مع كثرتها إنما لم يفد العلم لأنهم لم يخبروا عن ~~المشاهدة والسماع بل لو سمعوا عن سلف فهم صادقون لكن السلف الواضعون لهذا ~~الكذب يكون عددهم ناقصا عن مبلغ يستحيل منهم التواطؤ مع الانكتام وربما ظن ~~الخلف أن عددهم كامل لا يستحيل عليهم التواطؤ فيخطئون في الظن فيقطعون ~~بالحكم ويكون هذا منشأ غلطهم PageV01P261 ~~خاتمة لهذا الباب # في بيان شروط فاسدة ذهب إليها قوم وهي خمسة : # الأول: ms162 شرط قوم في عدد التواتر أن لا يحصرهم عدد ولا يحويهم بلد # وهذا فاسد فإن الحجيج بأجمعهم إذا أخبروا عن واقعة صدتهم عن الحج ومنعتهم ~~من عرفات حصل العلم بقولهم وهم محصورون وأهل الجامع إذا أخبروا عن نائبة في ~~الجمعة منعت الناس من الصلاة علم صدقهم مع أنهم يحويهم مسجد فضلا عن بلد ~~وكذلك أهل المدينة إذا أخبروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء حصل ~~العلم وقد حواهم بلد # الثاني : شرط قوم أن تختلف أنسابهم فلا يكونوا بني أب واحد وتختلف ~~أوطانهم فلا يكونوا في محلة واحدة وتختلف أديانهم فلا يكونوا أهل مذهب واحد # وهذا فاسد لأن كونهم من محلة واحدة ونسب واحد لا يؤثر إلا في إمكان ~~تواطئهم والكثرة إلى كمال العدد تدفع هذا الإمكان وإن لم تكن كثرة أمكن ~~التواطؤ من بني الأعمام كما يمكن من الأخوة ومن أهل بلد كما يمكن من أهل ~~محلة وكيف يعتبر اختلاف الدين ونحن نعلم صدق المسلمين إذا أخبروا عن قتل ~~وقتنة وواقعة ؟بل نعلم صدق أهل قسطنطينية إذا أخبروا عن موت قيصر؟ # فإن قيل: فلنعلم صدق النصارى في نقل التثليث عن عيسى عليه السلام وصدقهم ~~في صلبه # قلنا: لم ينقلوا التثليث توقيفا وسماعا عن عيسى بنص صريح لا يحتمل ~~التأويل لكن توهموا ذلك بألفاظ موهمة لم يقفوا على مغزاها كما فهم المشبهة ~~التشبيه من آيات وأخبار لم يفهموا معناها والتواتر ينبغي أن يصدر عن محسوس ~~فأما قتل عيسى عليه السلام فقد صدقوا في أنهم شاهدوا شخصا يشبه عيسى عليه ~~السلام مقتولا { ولكن شبه لهم }[ النساء: من الآية157] # فإن قيل: فهل يتصور التشبيه في المحسوس؟فإن تصور فليشك كل واحد PageV01P262 ~~منا إذا رأى زوجته وولده فلعله شبه له ؟ # قلنا: إن كان الزمان زمان خرق العادة يجوز التشبيه في المحسوس وذلك زمان ~~النبوة لإثبات صدق النبي صلى الله عليه وسلم وذلك لا يوجب الشك في غير ذلك ~~الزمان إذ لا خلاف في قدرة الله تعالى على قلب العصا ثعبانا وخرق العادة به ms163 ~~لتصديق النبي صلى الله عليه وسلم ومع ذلك إذا أخذنا العصا في زماننا لم نخف ~~من انقلابها ثعبانا ثقة بالعادات في زماننا # فإن قيل: خرق العادة في زماننا هذا جائز كرامة للأولياء فلعل وليا من ~~الأولياء دعا الله تعالى بذلك فأجابه فلنشك لإمكان ذلك # قلنا: إذا فعل الله تعالى ذلك نزع عن قلوبنا العلم الضروري الحاصل ~~بالعادات فإذا وجدنا من أنفسنا علما ضروريا بأنه لم تنقلب العصا ثعبانا ولا ~~الجبل ذهبا ولا الحصى في الجبال جواهر ويواقيت قطعنا بأن الله تعالى لم ~~يخرق العادة وإن كان قادرا عليها # الثالث: شرط قوم أن يكونوا أولياء مؤمنين. # وهو فاسد إذ يحصل العلم بقول الفسقة والمرجئة والقدرية بل بقول الروم إذا ~~أخبروا بموت ملكهم حصل العلم # الرابع : شرط قوم أن لا يكونوا محمولين بالسيف على الإخبار. # وهو فاسد لأنهم إن حملوا على الكذب لم يحصل العلم لفقد الشرط وهو الإخبار ~~عن العلم الضروري وإن صدقوا حصل العلم فلو أن أهل بغداد حملهم الخليفة ~~بالسيف على الإخبار عن محسوس شاهدوه أو شهادة كتموها فأخبروا حصل العلم بقولهم # فإن قيل: هل يتصور عدد يحصل العلم بقولهم إذا أخبروا عن اختيار ولا يحصل ~~لو أخبروا عن إكراه؟ # قلنا: أجاب القاضي رحمه الله ذلك من حيث أنه لم يجعل للقرائن مدخلا وذلك ~~غير محال عندنا فإنا بينا أن النفس تشعر بأن هؤلاء على كثرتهم لا يجمعهم ~~على الكذب جامع ثم تصدق فإذا ظهر كون السيف جامعا لم يبعد PageV01P263 ~~أن لا يحصل العلم # الخامس: شرط الروافض أن يكون الإمام المعصوم في جملة المخبرين # وهذا يوجب العلم بأخبار الرسول صلى الله عليه وسلم عن جبريل عليه السلام ~~لأنه معصوم فأي حاجة إلى أخبار غيره؟ ويجب أن لا يحصل العلم بنقلهم على ~~التواتر النص على علي رضي الله عنه إذ ليس فيهم معصوم وأن لا تلزم حجة ~~الإمام إلا على من شاهده من أهل بلده وسمع منه دون سائر البلاد وأن لا تقوم ~~الحجة بقول أمرائه ودعاته ورسله وقضاته إذ ms164 ليسوا معصومين وأن لا يعلم موت ~~أمير وقتله ووقوع فتنة وقتال في غير مصر وكل ذلك لازم على هذيانهم. # الباب الثالث في تقسيم الخبر إلى ما يجب تصديقه وإلى ما يجب تكذيبه وإلى ~~ما يجب التوقف فيه # وهي ثلاثة أقسام: # القسم الأول :ما يجب تصديقه وهي سبعة # الأول : ما أخبر عنه عدد التواتر فإنه يجب تصديقه ضرورة وإن لم يدل عليه ~~دليل آخر فليس في الأخبار ما يعلم صدقه بمجرد الأخبار إلا المتواتر وما ~~عداه فإنما يعلم صدقه بدليل آخر يدل عليه سوى نفس الخبر. # الثاني: ما أخبر الله تعالى عنه فهو صدق بدليل استحالة الكذب عليه ويدل ~~عليه دليلان أقواهما: إخبار الرسول عليه السلام عن امتناع الكذب عليه تعالى ~~والثاني :أن كلامه تعالى قائم بنفسه ويستحيل الكذب في كلام النفس على من ~~يستحيل عليه الجهل إذ الخبر يقوم بالنفس على وفق العلم والجهل . PageV01P264 # على الله تعالى محال # الثالث: خبر الرسول عليه السلام ودليل صدقه دلالة المعجزة على صدقه مع ~~استحالة إظهار المعجزة على أيدي الكاذبين لأن ذلك لو كان ممكنا لعجز الباري ~~عن تصديقه رسله والعجز عليه محال # الرابع: ما أخبر عنه الأمة إذ ثبت عصمتها بقول الرسول صلى الله عليه وسلم ~~المعصوم عن الكذب وفي معناه كل شخص أخبر الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه ~~وسلم عنه بأنه صادق لا يكذب # الخامس : كل خبر يوافق ما أخبر الله تعالى عنه أو رسوله صلى الله عليه ~~وسلم أو الأمةأو من صدقه هؤلاء أو دل العقل عليه والسمع فإنه لو كان كاذبا ~~لكان الموافق له كذبا # السادس: كل خبر صح أنه ذكره المخبر بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وبمسمع منه ولم يكن غافلا عنه فسكت عليه لأنه لو كان كذبا لما سكت عنه ولا ~~عن تكذيبه ونعني به ما يتعلق بالدين # السابع: كل خبر ذكر بين يدي جماعة أمسكوا عن تكذيبه والعادة تقضي في مثل ~~ذلك بالتكذيب وامتناع السكوت لو كان كذبا وذلك بأن يكون للخبر ms165 وقع في ~~نفوسهم وهم عدد يمتنع في مستقر العادة التواطؤ عليهم بحيث ينكتم التواطؤ ~~ولا يتحدثون به وبمثل هذه الطريقة ثبتت أكثر أعلام رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذ كان ينقل بمشهد جماعات وكانوا يسكتون عن التكذيب مع استحالة السكوت ~~عن التكذيب على مثلهم فمهما كمل الشرط وترك النكير كما سبق نزل منزلة قولهم : PageV01P265 # صدقت # فإن قيل: لو ادعى واحد أمرا بمشهد جماعة وادعى علمهم به فسكتوا عن تكذيبه ~~فهل يثبت صدقه؟ # قلنا: إن كان ذلك في محل النظر والاجتهاد فلا يثبت صدقه لاحتمال أنهم ~~اعتقدوا عن النظر ما ادعاه وإن كان يسنده إلى مشاهدة وكانوا عددا يستحيل ~~عليهم الدخول تحت داع واحد فالسكوت عن تكذيبه تصديق من جهتهم. # فإن قيل: وهل يدل على الصدق تواتر الخبر عن جماعة لا يجوز على مثلهم ~~التواطؤ على الكذب قصدا ولا التوافق على اتفاق؟ # قلنا: أحال القاضي رحمه الله ذلك وقال قولهم يورث العلم ضرورة إن بلغوا ~~عدد التواتر في علم الله فإن لم يورث العلم الضروري دل على نقصان العدد ولا ~~يجوز الاستدلال على صدقهم بالنظر في أحوالهم بل نعلم قطعا كذبهم أو ~~اشتمالهم على كاذب أو متوهم وهذا على مذهبه إن لم ينظر إلى القرائن لازم ~~أما من نظر إلى القرائن فلا يبعد أن يعلم صدقهم بنوع من النظر PageV01P266 ~~فإن قيل: خبر الواحد الذي عمل به الأمة هل يجب تصديقه؟ # قلنا: إن عملوا على وفقه فلعلهم عملوا عن دليل آخر وإن عملوا به أيضا فقد ~~أمروا بالعمل بخبر الواحد وإن لم يعرفوا صدقه فلا يلزم الحكم بصدقه # فإن قيل: لو قدر الراوي كاذبا لكان عمل الأمة بالباطل وهو خطأ ولا يجوز ~~ذلك على الأمة # قلنا: الأمة ما تعبدوا إلا بالعمل بخبر يغلب على الظن صدقهم فيه وقد غلب ~~على ظنهم كالقاضي إذ قضى بشهادة عدلين فلا يكون مخطئا وإن كان الشاهد كاذبا ~~بل يكون محقا لأنه لم يؤمر إلا به. # القسم الثاني من الأخبار: ما يعلم كذبه وهي أربعة : # الأول ms166 : ما يعلم خلافه بضرورة العقل أو نظره أو الحس والمشاهدة أو أخبار ~~التواتر وبالجملة ما خالف المعلوم بالمدارك الستة المذكورة كمن أخبر عن ~~الجمع بين الضدين وإحياء الموتى في الحال وأنا على جناح نسر أو في لجة بحر ~~وما يحس خلافه. # الثاني : ما يخالف النص القاطع من الكتاب والسنة المتواترة وإجماع الأمة ~~فإنه ورد مكذبا لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللأمة # الثالث : ما صرح بتكذيبه جمع كثير يستحيل في العادة تواطؤهم على الكذب ~~إذا قالوا حضرنا معه في ذلك الوقت فلم نجد ما حكاه من الواقعة أصلا # الرابع :ما سكت الجمع الكثير عن نقله والتحدث به مع جريان الواقعة بمشهد ~~منهم ومع إحالة العادة السكوت عن ذكره لتوفر الدواعي على نقله كما لو أخبر ~~مخبر بأن أمير البلدة قتل في السوق على ملأ من الناس ولم يتحدث أهل السوق ~~به فيقطع بكذبه إذ لو صدق لتوفرت الدواعي على نقله ولا حالت العادة اختصاصه ~~بحكايته. PageV01P267 # وبمثل هذه الطريقة عرفنا كذب من ادعى معارضة القرآن ونص الرسول على نبي آخر ~~بعده وأنه أعقب جماعة من الأولاد الذكور ونصه على إمام بعينه على ملأ من ~~الناس وفرضه صوم شوال وصلاة الضحى وأمثال ذلك مما إذا كان أحالت العادة كتمانه # فإن قيل :فقد تفرد الآحاد بنقل ما تتوفر الدواعي عليه حتى وقع الخلاف فيه ~~كإفراده الحج أو قرانه وكدخوله الكعبة وصلاته فيها وأنه عليه السلام نكح ~~ميمونة وهو حرام وأنه دخل مكة عنوة وقبوله شهادة الأعرابي وحده على رؤية ~~الهلال وانفراد الأعرابي بالرؤية حتى لم يشاركه أحد فيه وانشقاق القمر ولم ~~ينقله إلا ابن مسعود رضي الله عنه وعدد يسير معه وكان ينبغي أن يراه كل ~~مؤمن وكافر وباد وحاضر ونقل النصارى معجزات عيسى عليه السلام ولم ينقلوا ~~كلامه في المهد وهو من أعظم العلامات ونقلت الأمة القرآن ولم ينقلوا بقية ~~معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم كنقل القرآن في الشيوع ونقل الناس أعلام ~~الرسل ولم ينقلوا أعلام شعيب عليه السلام ونقلت ms167 الأمة سور القرآن ولم تنقل ~~المعوذتين نقل غيرهما حتى خالف ابن مسعود رضي الله عنه في كونهما من القرآن ~~وما تعم به البلوى من اللمس والمس أيضا # فكل هذا نقض على هذه القاعدة. # والجواب: أن إفراد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرانه ليس مما يجب أن ~~ينكشف وأن ينادي به رسول الله صلى الله عليه وسلم على الكافة، بل لا يطلع ~~عليه إلا من أطلعه عليه أو على نيته بإخباره إياه نعم ظهر على الاستفاضة ~~تعليمه الناس الإفراد والقران جميعا # وأما دخوله الكعبة وصلاته فيها فقد يكون ذلك مع نفر يسير ومع واحد واثنين ~~ولا يقع شائعا كيف ولو وقع شائعا لم تتوفر الدواعي على دوام نقله لأنه ليس ~~من أصول الدين ولا من فرائضه ومهماته وأما دخوله مكة عنوة فقد صح على ~~الاستفاضة دخوله متسلحا مع الألوية والأعلام وتمام التمكن والاستيلاء وبذله ~~الأمان لمن دخل دار أبي سفيان ولمن ألقى سلاحه واعتصم بالكعبة وكل ذلك غير ~~مختلف فيه PageV01P268 ~~ولكن استدل بعض الفقهاء بما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه ودى قوما قتلهم ~~خالد بن الوليد رضي الله عنه على أنه كان صلحا ووقوع مثل هذه الشبهة للآحاد ~~ممكن إلى أن تزال بالنظر وأن يكون ذلك بنهي خاص عن قوم مخصوصين ولسبب مخصوص. # وأما انفراد الأعرابي برؤية الهلال فممكن وقد يقع مثل ذلك في زماننا في ~~الليلة الأولى لخفاء الهلال ودقته فينفرد به من يتحد بصره وتصدق في الطلب ~~رغبته ويقع على موضع الهلال بصره عن معرفة أو اتفاق # وأما انشقاق القمر فهي آية ليلية وقعت والناس نيام غافلون وإنما كان في ~~لحظة فرآه من ناظره النبي من قريش ونبهه على النظر له وما انشق منه إلا ~~شعبة ثم عاد صحيحا في لحظة فكم من انقضاض كوكب وزلزلة وأمور هائلة من ريح ~~وصاعقة بالليل لا يتنبه له إلا الآحاد على أن مثل هذا إنما يعمله من قيل له ~~انظر إليه فانشق عقيب القول والتحدي ومن لم يعلم ذلك ms168 ووقع عليه بصره ربما ~~توهم أنه خيال انقشع أو كوكب كان تحت القمر فانجلى القمر عنه أو قطعة سحاب ~~سترت قطعة من القمر فلهذا لم يتواتر نقله # وأما نقلهم القرآن دون سائر الأعلام فذلك لأمرين أحدهما أن الدواعي لا ~~تتوفر بعد ثبوت النبوة بالقرآن واستقلالها به على نقل ما يقع بعده بحيث تقع ~~المداومة عليه اكتفاء بثبوتها بالقرآن الذي هو أعظم الآيات # ولأن غير القرآن إنما ظهر في عمر كل واحد مرة واحدة وربما ظهر بين يدي ~~نفر يسير والقرآن كان يردده طول عمره مرة بعد أخرى ويلقيه على PageV01P269 ~~كافتهم قصدا ويأمرهم بحفظه والتلاوة له والعمل بموجبه . # وأما المعوذتان فقد ثبت نقلهما شائعا من القرآن كسائر السور وابن مسعود ~~رضي الله عنه لم ينكر كونهما من القرآن لكن أنكر إثباتهما في المصحف وإثبات ~~الحمد أيضا لأنه كانت السنة عنده أن لا يثبت إلا ما أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم بإثباته وكتبته ولما لم يجده كتب ذلك ولا سمع أمره به أنكره وهذا ~~تأويل وليس جحدا لكونه قرآنا ولو جحد ذلك لكان فسقا عظيما لا يضاف إلى مثله ~~ولا إلى أحد من الصحابة # وأما ترك النصارى نقل كلام عيسى عليه السلام في المهد فلعله لم يتكلم إلا ~~بحضرة نفر يسير ومرة واحدة لتبرئة مريم عليها السلام عما نسبوها إليه فلم ~~ينتشر ذلك ولم يحصل العلم بقول من سمع ذلك منهم فا ندرس فيما بينهم # وأما شعيب ومن يجري مجراه من الرسل عليهم السلام فلم يكن لهم شريعة ~~ينفردون بها بل كانوا يدعون إلى شريعة من قبلهم فلم تتوفر الدواعي على نقل ~~معجزاتهم إذ لم يكن لهم معجزات ظاهرة لكن ثبت صدقهم بالنص والتوقيف من نبي ~~ذي معجزة # وأما الخبر عن اللمس والمس للذكر وما تعم به البلوى فيجوز أن يخبر به ~~الرسول عليه السلام عددا يسيرا ثم ينقلونه آحادا ولا يستفيض وليس ذلك مما ~~يعظم في الصدور وتتوفر الدواعي على التحدث به دائما PageV01P270 ~~القسم الثالث ما لا يعلم صدقه ولا ms169 كذبه . # فيجب التوقف فيه # وهو جملة الأخبار الواردة في أحكام الشرع والعبادات مما عدا القسمين ~~المذكورين وهو كل خبر لم يعرف صدقه ولا كذبه. # فإن قيل: عدم قيام الدليل على صدقه يدل على كذبه إذ لو كان صدقا لما ~~أخلانا الله تعالى عن دليل على صدقه. # قلنا: ولم يستحيل أن يخلينا عن دليل قاطع على صدقه ولو قلب هذا وقيل يعلم ~~صدقه لأنه لو كان كذبا لما أخلانا الله تعالى عن دليل قاطع على كذبه لكان ~~مقاوما لهذا الكلام وكيف يجوز ذلك ويلزم منه أن يقطع بكذب كل شاهد لا يقطع ~~بصدقه وكفر كل قاض ومفت وفجوره إذا لم يعلم إسلامه وورعه بقاطع وكذا كل ~~قياس ودليل في الشرع لا يقطع بصحته فليقطع ببطلانه # وهذا بخلاف التحدي بالنبوة إذا لم تظهر معجزة فإنا نقطع بكذبه لأن النبي ~~هو الذي كلفنا تصديقه وتصديقه بغير دليل محال وتكليف المحال محال فبه علمنا ~~أنا لم نكلف تصديقه فلم يكن رسولا إلينا قطعا # أما خبر الواحد وشهادة الإثنين فلم نتعبد فيه بالتصديق بل بالعمل عند ظن ~~الصدق والظن حاصل والعمل ممكن ونحن مصيبون وإن كان هو كاذبا ولو عملنا بقول ~~شاهد واحد فنحن مخطئون وإن كان هو صادقا # فإن قيل: إنما وجب إقامة المعجزة لنعرف صدقه فنتبعه فيما يشرعه فليجب ~~عليه إزالة الشك فيما يبلغ من الشرع بالمشافهة والإشاعة إلى حد التواتر ~~ليحصل العلم في حق من لم يشافهه به # قلنا: لا استحالة في أن يقسم الشارع شرعه إلى ما يتعبد فيه بالعلم والعمل ~~فيجب فيه ما ذكرتموه وإلى ما يتعبد فيه بالعمل دون العلم فيكون فرض من يسمع ~~من الرسول العلم والعمل جميعا وفرض من غاب العمل دون العلم ويكون العمل ~~منوطا بظن الصدق في الخبر وإن كان هو كاذبا عند الله تعالى وكذا الظن ~~الحاصل من قياس وقول شاهد ويمين المدعى عليه أو يمين المدعي مع النكول فلا ~~نحيل شيئا من ذلك PageV01P271 ### ||| AUTO القسم الثاني: أخبار الآحاد # ... # القسم الثاني من هذا الأصل ms170 في أخبار الآحاد # وفيه أبواب : # الباب الأول # في إثبات التعبد به مع قصوره عن إفادة العلم وفيه أربع مسائل : # مسألة:] هل خبر الواحد يفيد العلم؟ [: # اعلم أنا نريد بخبر الواحد في هذا المقام ما لا ينتهي من الأخبار إلى حد ~~التواتر المفيد للعلم فما نقله جماعة من خمسة أو ستة مثلا فهو خبر الواحد ~~وأما قول الرسول عليه السلام مما علم صحته فلا يسمى خبر الواحد # وإذا عرفت هذا فنقول خبر الواحد لا يفيد العلم وهو معلوم بالضرورة إنا لا ~~نصدق بكل ما نسمع ولو صدقنا وقدرنا تعارض خبرين فكيف نصدق بالضدين ؟ # وما حكي عن المحدثين من أن ذلك يوجب العلم فلعلهم أرادوا أنه يفيد العلم ~~بوجوب العمل إذ يسمى الظن علما ولهذا قال بعضهم يورث العلم الظاهر والعلم ~~ليس له ظاهر وباطن وإنما هو الظن ولا تمسك لهم في قوله تعالى {فإن علمتموهن ~~مؤمنات} [الممتحنة: من الآية10] وأنه أراد الظاهر لأن المراد به العلم ~~الحقيقي بكلمة الشهادة التي هي ظاهر الإيمان دون الباطن الذي لم PageV01P272 ~~يكلف به والإيمان باللسان يسمى إيمانا مجازا . # ولا تمسك لهم في قوله تعالى {ولا تقف ما ليس لك به علم } [الاسراء: من ~~الآية36] وأن الخبر لو لم يفد العلم لما جاز العمل به لأن المراد بالآية ~~منع الشاهد عن جزم الشهادة إلا بما يتحقق وأما العلم بخبر الواحد فمعلوم ~~الوجوب بدليل قاطع أوجب العمل عند ظن الصدق والظن حاصل قطعا ووجوب العمل ~~عنده معلوم قطعا كالحكم بشهادة اثنين أو يمين المدعي مع نكول المدعى عليه # مسألة: هل يتعبد بخبر الواحد؟ : # أنكر منكرون جواز التعبد بخبر الواحد عقلا فضلا عن وقوعه سمعا # فيقال لهم: من أين عرفتم استحالته ؟ أبالضرورة ونحن نخالفكم فيه ؟ولا ~~نزاع في الضرورة أو بدليل ولا سبيل لهم إلى إثباته لأنه لو كان محالا لكان ~~يستحيل إما لذاته أو لمفسدة تتولد منه ولا يستحيل لذاته ولا التفات إلى ~~المفسدة ولا نسلم أيضا لو التفتنا إليها فلا بد من بيان وجه المفسدة # فإن ms171 قيل: وجه المفسدة أن يروي الواحد خبرا في سفك دم أو في استحلال بضع ~~وربما يكذب فيظن أن سفك الدم هو بأمر الله تعالى ولا يكون بأمره فكيف يجوز ~~الهجوم بالجهل ومن شككنا في إباحة بضعه وسفك دمه فلا يجوز الهجوم عليه ~~بالشك فيقبح من الشارع حوالة الخلق على الجهل واقتحام الباطل بالتوهم بل ~~إذا أمر الله تعالى بأمر فليعرفنا أمره لنكون على بصيرة إما ممتثلون أو ~~مخالفون ؟ # والجواب: أن هذا السؤال إن صدر ممن ينكر الشرائع فنقول له أي استحالة في ~~أن يقول الله تعالى لعباده إذا طار بكم طائر وظننتموه غرابا فقد أوجبت ~~عليكم كذا وكذا وجعلت ظنكم علامة وجوب العمل كما جعلت زوال PageV01P273 ~~الشمس علامة وجوب الصلاة فيكون نفس الظن علامة الوجوب والظن مدرك بالحس ~~وجوده فيكون الوجوب معلوما فمن أتى بالواجب عند الظن فقد امتثل قطعا وأصاب ~~فإذا جاز أن يجعل الزوال أو ظن كونه غرابا علامة فلم لا يجوز أن يجعل ظنه ~~علامة ويقال له إذا ظننت صدق الراوي والشاهد والحالف فاحكم به ولست متعبدا ~~بمعرفة صدقه ولكن بالعمل عند ظن صدقه وأنت مصيب وممتثل صدق أو كذب ولست ~~متعبدا بالعلم بصدقه ولكن بالعمل عند ظنك الذي تحسه من نفسك # وهذا ما نعتقده في القياس وخبر الواحد والحكم بالشاهد واليمين وغير ذلك # وأما إذا صدر هذا من مقر بالشرع فلا يتمكن منه لأنه تعبد بالعمل بالشهادة ~~والحكم والفتوى ومعاينة الكعبة وخبر الرسول صلى الله عليه وسلم فهذه خمسة # ثم الشهادة قد يقطع بها كشهادة الرسول صلى الله عليه وسلم وشهادة خزيمة ~~بن ثابت حين صدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهادة موسى وهارون ~~والأنبياء صلوات الله عليهم وقد يظن ذلك كشهادة غيرهم ثم ألحق المظنون ~~بالمقطوع به في وجوب العمل وكذلك فتوى النبي صلى الله عليه وسلم وحكمه ~~مقطوع به وفتوى سائر الأئمة وحكم سائر القضاة مظنون وألحق بالمعلوم والكعبة ~~تعلم قطعا بالعيان وتظن بالاجتهاد وعند الظن يجب العمل كما يجب عند ~~المشاهدة فكذلك ms172 خبر الرسول صلى الله عليه وسلم يجب العمل به عند التواتر ~~فلم يستحيل أن يلحق المظنون بالمعلوم في وجوب العلم خاصة؟ ومن أراد أن يفرق ~~بين هذه الخمسة في مفسدة أو مصلحة لم يتمكن منه أصلا. # فإن قيل: فهل يجوز التعبد بالعمل بخبر الفاسق PageV01P274 ~~قلنا: قال قوم يجوز بشرط ظن الصدق وهذا الشرط عندنا فاسد بل كما يجوز أن ~~تجعل حركة الفلك علامة التعبد بالصلاة فحركة لسان الفاسق يجوز أن تجعل ~~علامة فتكليف العمل عند وجود الخبر شيء وكون الخبر صدقا أو كذبا شيء آخر # مسألة:هل يجب العمل بخبر الواحد ؟ : # ذهب قوم إلى أن العقل يدل على وجوب العمل بخبر الواحد دون الأدلة السمعية # واستدلوا عليه بدليلين: # أحدهما: أن المفتي إذا لم يجد دليلا قاطعا من كتاب أو إجماع أو سنة ~~متواترة ووجد خبر الواحد فلو لم يحكم به لتعطلت الأحكام # ولأن النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان مبعوثا إلى أهل العصر يحتاج إلى ~~إنفاذ الرسل إذ لا يقدر على مشافهة الجميع ولا إشاعة جميع أحكامه على ~~التواتر إلى كل أحد إذ لو أنفذ عدد التواتر إلى كل قطر لم يف بذلك أهل ~~مدينته وهذا ضعيف لأن المفتي إذا فقد الأدلة القاطعة يرجع إلى البراءة ~~الأصلة والاستصحاب كما لو فقد خبر الواحد أيضا وأما الرسول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فليقتصر على من يقدر على تبليغه فمن الناس في الجزائر من لم ~~يبلغه الشرع فلا يكلف به فليس تكليف الجميع واجبا نعم لو تعبد نبي بأن يكلف ~~جميع الخلق ولا يخلي واقعة عن حكم الله تعالى ولا شخصا عن التكليف فربما ~~يكون الاكتفاء بخبر الواحد ضرورة في حقه # والدليل الثاني: إنهم قالوا صدق الراوي ممكن فلو لم نعمل بخبر الواحد ~~لكنا قد تركنا أمر الله تعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم فالاحتياط ~~والحزم في العمل # وهو باطل من ثلاثة أوجه: # أحدها: أن كذبه ممكن فربما يكون عملنا بخلاف الواجب PageV01P275 ~~الثاني :أنه كان يجب العمل بخبر الكافر والفاسق ms173 لأن صدقه ممكن. # الثالث: هو أن براءة الذمة معلومة بالعقل والنفي الأصلي فلا ترفع بالوهم ~~وقد استدل به قوم في نفي خبر الواحد وهو وإن كان فاسدا فهو أقوم من قوله إن ~~الصدق إذا كان ممكنا يجب العمل به # مسألة: هل يتعبد بخبر الواحد : # الصحيح الذي ذهب إليه الجماهير من سلف الأمة من الصحابة والتابعين ~~والفقهاء والمتكلمين أنه لا يستحيل التعبد بخبر الواحد عقلا ولا يجب التعبد ~~به عقلا وأن التعبد به واقع سمعا. # وقال جماهير القدرية ومن تابعهم من أهل الظاهر كالقاساني بتحريم العمل به سمعا # ويدل على بطلان مذهبهم مسلكان قاطعان: أحدهما: إجماع الصحابة على قبول ~~خبر الواحد والثاني:تواتر الخبر بإنفاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الولاة والرسل إلى البلاد وتكليفه إياهم تصديقهم فيما نقلوه من الشرع ونحن ~~نقرر هذين المسلكين. # المسلك الأول : ما تواتر واشتهر من عمل الصحابة بخبر الواحد في وقائع شتى ~~لا تنحصر وإن لم تتواتر آحادها فيحصل العلم بمجموعها ونحن نشير إلى بعضها. # فمنها ما روي عن عمر رضي الله عنه في وقائع كثيرة من ذلك قصة الجنين ~~وقيامه في ذلك يقول أذكر الله امرءا سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~شيئا في الجنين فقام إليه حمل بن مالك بن النابغة وقال كنت بين جارتين يعني ضرتين. PageV01P276 # فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فألقت جنينا ميتا فقضى فيه رسول الله بغرة عبد ~~أو وليدة فقال عمر لو لم نسمع هذا لقضينا فيه بغير هذا أي لم نقض بالغرة ~~أصلا وقد انفصل الجنين ميتا للشك في أصل حياته # ومن ذلك أنه كان رضي الله عنه لا يرى توريث المرأة من دية زوجها فلما ~~أخبره الضحاك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إليه أن يورث امرأة أشيم ~~الضبابي من ديته رجع إلى ذلك # ومن ذلك ما تظاهرت به الأخبار عنه في قصة المجوس أنه قال ما أدري ما الذي ~~أصنع في أمرهم وقال أنشد الله امرءا سمع فيهم شيئا إلا رفعه إلينا فقال ms174 عبد ~~الرحمن بن عوف أشهد لسمعت رسول الله يقول سنوا بهم سنة أهل الكتاب فأخذ ~~الجزية منهم وأقرهم على دينهم # ومنها ما ظهر منه ومن عثمان رضي الله عنهما وجماهير الصحابة رضي الله ~~عنهم من الرجوع عن سقوط فرض الغسل من التقاء الختانين بخبر عائشة رضي الله ~~عنها وقولها فعلت ذلك أنا ورسول الله فاغتسلنا # ومن ذلك ما صح عن عثمان رضي الله عنه أنه قضى في السكنى بخبر فريعة بنت ~~مالك بعد أن أرسل إليها وسألها # ومنها ما ظهر من علي رضي الله عنه من قبوله خبر الواحد واستظهاره باليمين ~~حتى قال في الخبر المشهور كنت إذا سمعت من رسول الله حديثا نفعني الله بما ~~شاء منه وإذا حدثني غيره أحلفته فإذا حلف PageV01P277 ~~صدقته وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر قال قال رسول الله ما من عبد يصيب ذنبا ~~الحديث فكان يحلف المخبر لا لتهمة بالكذب ولكن للاحتياط في سياق الحديث على ~~وجهه والتحرز والتحرز من تغيير لفظه نقلا بالمعنى ولئلا يقدم على الرواية ~~بالظن بل عند السماع المحقق # ومنها ما روي عنزيد بن ثابت رضي الله عنه أنه كان يرى أن الحائض لا يجوز ~~لها أن تصدر حتى يكون آخر عهدها الطواف بالبيت وأنكر على ابن عباس خلافه في ~~ذلك فقيل له إن ابن عباس سأل فلانة الأنصارية # هل أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فأخبرته فرجع زيد بن ثابت ~~يضحك ويقول لابن عباس ما أراك إلا قد صدقت ورجع إلى موافقته بخبر الأنصارية # ومنها ما روي عن أنس رضي الله عنه أنه قال كنت أسقي أبا عبيدة وأبا طلحة ~~وأبي بن كعب شرابا من فضيخ تمر إذا أتانا آت فقال إن الخمر قد حرمت فقال ~~أبو طلحة قم يا أنس إلى هذه الجرار فاكسرها فقمت إلى مهراس لنا فضربتها ~~بأسفله حتى تكسرت ومنها ما اشتهر من عمل أهل قباء في التحول عن القبلة بخبر ~~الواحد وأنهم أتاهم آت فأخبرهم بنسخ القبلة فانحرفوا إلى الكعبة بخبره ms175 # ومنها ما ظهر من ابن عباس رضي الله عنه وقد قيل أن فلانا رجلا من ~~المسلمين يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس بموسى نبي إسرائيل عليه السلام فقال ~~ابن عباس كذب عدو الله أخبرني أبي بن كعب قال خطبنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ثم ذكر موسى والخضر بشيء يدل على أن موسى صاحب الخضر هو موسى بني ~~إسرائيل فتجاوز ابن عباس العمل بخبر الواحد وبادر PageV01P278 ~~إلى التكذيب بأصله والقطع بذلك لأجل خبر أبي بن كعب # ومنها أيضا ما روي عن أبي الدرداء أنه لما باع معاوية شيئا من آنية الذهب ~~والورق بأكثر من وزنه فقال له أبو الدرداء سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ينهى عن ذلك فقال له معاوية إني لا أرى بذلك بأسا فقال أبو الدرداء من ~~يعذرني من معاوية أخبره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخبرني عن رأيه ~~لا أساكنك بأرض أبدا # ومنها ما اشتهر عن جميعهم في أخبار لا تحصى الرجوع إلى عائشة وأم سلمة ~~وميمونة وحفصة رضوان الله عليهن وإلى فاطمة بنت أسد وفلانة وفلانة ممن لا ~~يحصى كثرة وإلى زيد وأسامة بن زيد وغيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم من ~~الرجال والنساء والعبيد والموالي # وعلى ذلك جرت سنة التابعين بعدهم حتى قال الشافعي رحمه الله وجدنا علي بن ~~الحسين رضي الله عنه يعول على أخبار الآحاد وكذلك محمد بن علي وجبير بن ~~مطعم ونافع بن جبير وخارجة بن زيد وأبو سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار ~~وعطاء بن يسار وكذلك كان حال طاوس وعطاء ومجاهد وكان سعيد بن المسيب يقول ~~أخبرني أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصرف فيثبت حديثه ~~سنة ويقول حدثني أبو هريرة وعروة بن الزبير يقول حدثتني عائشة رضي الله ~~عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أن الخراج بالضمان ويعترض بذلك ~~على قضية عمر بن عبد العزيز فينقض عمر قضاءه PageV01P279 ~~لأجل ذلك وكذلك ميسرة باليمن ومكحول بالشام # وعلى ms176 ذلك كان فقهاء البصرة كالحسن وابن سيرين وفقهاء الكوفة وتابعوهم ~~كعلقمة والأسود والشعبي ومسروق وعليه جرى من بعدهم من الفقهاء ولم ينكر ~~عليهم أحد في عصر ولو كان نكير لنقل ولوجب في مستقر العادة اشتهاره وتوفرت ~~الدواعي على نقله كما توفرت على نقل العمل به # فقد ثبت أن ذلك مجمع عليه من السلف وإنما الخلاف حدث بعدهم فإن قيل لعلهم ~~عملوا بها مع قرائن أو بأخبار أخر صاحبتها أو ظواهر ومقاييس وأسباب قارنتها ~~لا بمجرد هذه الأخبار كما زعمتم كما قلتم عملهم بالعموم وصيغة الأمر والنهي ~~ليس نصا صريحا على أنهم عملوا بمجردها بل بها مع قرائن قارنتها # قلنا :لأنهم لم ينقل عنهم لفظ إنما عملنا بمجرد الصيغة من أمر ونهي وعموم ~~وقد قالوا هاهنا لولا هذا لقضينا بغير هذا وصرح ابن عمر رضي الله عنهما ~~برجوعهم عن المخابرة بخبر رافع بن خديج ورجوعهم في التقاء الختانين بخبر ~~عائشة رضي الله عنها # كيف وصيغة العموم والأمر والنهي قط لا تنفك عن قرينة من حال المأمور ~~والمأمور به والآمر ؟أما ما يرويه الراوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فماذا يقترن به حتى يكون دليلا بسببه ؟فتقدير ذلك كتقدير قرائن في عملهم ~~بنص الكتاب وبالخبر المتواتر وبالإجماع وذلك يبطل جميع الأدلة # وبالجملة فمناشدتهم في طلب الأخبار لا داعي لها إلا بالعمل بها PageV01P280 ~~فإن قيل: فقد تركوا العمل بأخبار كثيرة أيضا # قلنا :ذلك لفقدهم شرط قبولها كما سيأتي وكما تركوا العمل بنص القرآن ~~وبأخبار متواترة لاطلاعهم على نسخها أو فوات الأمر وانقراض من كان الخطاب ~~متعلقا به # الدليل الثاني: ما تواتر من إنفاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمراءه ~~وقضاته ورسله وسعاته إلى الأطراف وهم آحاد ولا يرسلهم إلا لقبض الصدقات وحل ~~العهود وتقريرها وتبليغ أحكام الشرع # فمن ذلك تأميره أبا بكر الصديق على الموسم سنة تسع وإنفاذه سورة براءة مع ~~علي وتحميله فسخ العهود والعقود التي كانت بينهم وبينه صلى الله عليه وسلم # ومن ذلك توليته عمر رضي الله ms177 عنه على الصدقات وتوليته معاذا قبض صدقات ~~اليمن والحكم على أهلها # ومن ذلك إنفاذه صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان إلى أهل مكة متحملا ~~ورسولا مؤديا عنه حتى بلغه أن قريشا قتلته فقلق لذلك وبايع لأجله بيعة ~~الرضوان وقال والله لئن كانوا قتلوه لأضرمنها عليهم نارا # ومن ذلك توليته صلى الله عليه وسلم على الصدقات والجبايات قيس بن عاصم ~~ومالك بن نويرة والزبرقان بن بدر وزيد بن حارثة وعمرو بن العاص وعمرو بن ~~حزم وأسامة بن زيد وعبد الرحمن بن عوف وأبا عبيدة بن الجراح وغيرهم PageV01P281 ~~ممن يطول ذكرهم # وقد ثبت باتفاق أهل السير أنه صلى الله عليه وسلم كان يلزم أهل النواحي ~~قبول قول رسله وسعاته وحكامه ولو احتاج في كل رسول إلى تنفيذ عدد التواتر ~~معه لم يف بذلك جميع أصحابه وخلت دار هجرته عن أصحابه وأنصاره وتمكن منه ~~أعداؤه من اليهود وغيرهم وفسد النظام والتدبير وذلك وهم باطل قطعا # فإن قيل: كان قد أعلمهم صلى الله عليه وسلم تفصيل الصدقات شفاها وبأخبار ~~متواترة وإنما بعثهم لقبضها # قلنا: ولم وجب تصديقهم في دعوى القبض وهم آحاد ؟ ثم لم يكن بعثه صلى الله ~~عليه وسلم في الصدقات فقط بل كان في تعليمهم الدين والحكم بين المتخاصمين ~~وتعريف وظائف الشرع # فإن قيل :فليجب عليهم قبول أصل الصلاة والزكاة بل أصل الدعوة ~~والرسالةوالمعجزة # قلنا: أما أصل الزكاة والصلاة فكان يجب قبوله لأنهم كانوا ينفذون لشرح ~~وظائف الشرع بعد انتشار أصل الدعوة وأما أصل والرسالة والإيمان وأعلام ~~النبوة فلا إذ كيف يقول رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أوجب عليكم ~~تصديقي وهم لم يعرفوا برسالته أما بعد التصديق به فيمكن الإصغاء إلى رسله ~~بإيجابه الإصغاء إليهم # فإن قيل: فإنما يجب قبول خبر الواحد إذا دل قاطع على وجوب العمل به كما ~~دل الإجماع والتواتر عندكم فأولئك بماذا صدقوا الولاة في قولهم يجب عليكم ~~العمل بقولنا؟ # قلنا: قد كان تواتر إليهم من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ms178 ينفذ الولاة PageV01P282 ~~والرسل آحادا كسائر الأكابر والرؤساء ولولا علمهم بذلك لجاز للمتشكك أن ~~يجادل فيه إذ عرض له شك ولكن قل ما يعرض الشك فيه مع القرائن فإن الذي يدخل ~~بلادنا مع منشور القضاء قد لا يخالجنا ريب في صدقه وإن لم يتواتر إلينا ~~ولكن بقرائن الأحوال والمعرفة لخط الكاتب وببعد جرأته على الكذب مع تعريضه ~~للخطر في أمثال ذلك # الدليل الثالث: إن العامي بالإجماع مأمور باتباع المفتي وتصديقه مع أنه ~~ربما يخبر عن ظنه فالذي يخبر بالسماع الذي لا يشك فيه أولى بالتصديق والكذب ~~والغلط جائزان على المفتي كما على الراوي بل الغلط على الراوي أبعد لأن كل ~~مجتهد وإن كان مصيبا فإنما يكون مصيبا إذا لم يقصر في إتمام النظر وربما ~~يظن أنه لم يقصر ويكون قد قصر وهذا على مذهب من يجوز تقليد مقلد الشافعي ~~رحمه الله إذا نقل مذهبه أوقع لأنه يروي مذهب غيره فكيف لا يروي قول غيره # فإن قيل: هذا قياس لا يفيد إلا الظن ولا يجوز إثبات الأصول بالظن والقياس ~~والعمل بخبر الواحد أصل كيف ولا ينقدح وجه الظن فإن المجتهد مما يضطر إليه ~~ولو كلف آحاد العوام درجة الاجتهاد تعذر ذلك فهو مضطر إلى تقليد المفتي # قلنا :لا ضرورة في ذلك بل ينبغي أن يرجع إلى البراءة الأصلية إذ لا طريق ~~له إلى المعرفة كما وجب على المفتي بزعمكم إذا بلغه خبر الواحد أن يرد ~~الخبر فيرجع إلى البراءة الأصلية إذا تعذر عليه التواتر # ثم نقول: ليس هذا قياسا مظنونا بل هو مقطوع به بأنه في معناه لأنه لو PageV01P283 ~~صح العمل بخبر الواحد في الأنكحة لقطعنا به في البياعات ولم يختلف الأمر ~~باختلاف المروي وهاهنا لم يختلف إلا المخبر عنه فإن المفتي يخبر عن ظن نفسه ~~والراوي عن قول غيره كما لم يفرق في حق الشاهدين بين أن يخبرا عن أنفسهما ~~أو عن غيرهما إذا شهدا على عدالة غيرهما أو يخبرا عن ظن أنفسهما العدالة في غيرهما # الدليل الرابع قوله تعالى { فلولا ms179 نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في ~~الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم } [ التوبة: من الآية122] فالطائفة ~~نفر يسير كالثلاثة ولا يحصل العلم بقولهم # وهذا فيه نظر لأنه إن كان قاطعا فهو في وجوب الإنذار لا في وجوب العمل ~~على المنذر عنه اتحاد المنذر كما يجب على الشاهد الواحد إقامة الشهادة لا ~~ليعمل بها وحدها لكن إذا انضم غيرها إليها # وهذا الاعتراض هو الذي يضعف أيضا التمسك بقوله تعالى :{ إن الذين يكتمون ~~ما أنزلنا من البينات والهدى} [ البقرة: من الآية159] وبقوله صلى الله عليه ~~وسلم نضر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها الحديث وأمثالهما PageV01P284 ~~ثم اعلم أن المخالف في المسألة له شبهتان: # الشبهة الأولى :قولهم لا مستند في إثبات خبر الواحد إلا الإجماع فكيف ~~يدعي ذلك وما من أحد من الصحابة إلا وقد رد خبر الواحد فمن ذلك توقف رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن قبول خبر ذي اليدين حيث سلم عن اثنتين حتى سأل ~~أبا بكر وعمر رضي الله عنهما وشهدا بذلك وصدقاه ثم قبل وسجد للسهو # ومن ذلك رد أبي بكر رضي الله عنه خبر المغيرة بن شعبة من ميراث الجد حتى ~~أخبره معه محمد بن مسلمة # ومن ذلك رد أبي بكر وعمر خبر عثمان رضي الله عنهم فيما رواه من استئذانه ~~الرسول في رد الحكم بن أبي العاص وطالباه بمن يشهد معه بذلك؟ PageV01P285 # ومن ذلك ما اشتهر من رد عمر رضي الله عنه خبر أبي موسى الأشعري في ~~الاستئذان حتى شهد له أبو سعد الخدري رضي الله عنه # ومن ذلك رد علي رضي الله عنه خبر أبي سنان الأشجعي في قصة بروع بنت واشق ~~وقد ظهر منه أنه كان يحلف على الحديث # ومن ذلك رد عائشة رضي الله عنها خبر ابن عمر في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه # وظهر من عمر نهيه لأبي موسى وأبي هريرة عن الحديث عن الرسول صلى الله ~~عليه وسلم PageV01P286 ~~وأمثال ذلك مما يكثر # وأكثر هذه الأخبار تدل على ms180 مذهب من يشترط عددا في الراوي لا على مذهب من ~~يشترط التواتر فإنهم لم يجتمعوا فينتظروا التواتر # لكنا نقول في الجواب عما سألوا عنه الذي رويناه قاطع في عملهم وما ~~ذكرتموه رد لأسباب عارضة تقتضي الرد ولا تدل على بطلان الأصل كما أن ردهم ~~بعض نصوص القرآن وتركهم بعض أنواع القياس ورد القاضي بعض أنواع الشهادات لا ~~يدل على بطلان الأصل # ونحن نشير إلى جنس المعاذير في رد الأخبار والتوقف فيها أما توقف رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن قول ذي اليدين فيحتمل ثلاثة أمور: # أحدها: أنه جوز الوهم عليه لكثرة الجمع وبعد انفراده بمعرفة ذلك مع غفلة ~~الجميع إذ الغلط عليه أقرب من الغفلة على الجمع الكثير وحيث ظهرت أمارات ~~الوهم يجب التوقف # الثاني: أنه وإن علم صدقه جاز أن يكون سبب توقفه أن يعلمهم وجوب التوقف ~~في مثله ولو لم يتوقف لصار التصديق مع سكوت الجماعة سنة ماضية فحسم سبيل ذلك # الثالث : أنه قال قولا لو علم صدقا لظهر أثره في حق الجماعة واشتغلت ~~ذمتهم فألحق بقبيل الشهادة فلم يقبل فيه قول الواحد # والأقوى ما ذكرناه من قبل # نعم: لو تعلق بهذا من يشترط عدد الشهادة فيلزمه اشتراط ثلاثة ويلزمه أن ~~تكون في جمع يسكت عليه الباقون لأنه كذلك كان. # أما توقف أبي بكر في حديث المغيرة في توريث الجدة فلعله كان هناك وجه ~~اقتضى التوقف وربما لم يطلع عليه أحد أو لينظر أنه حكم مستقر أو منسوخ أو ~~ليعلم هل عند غيره مثل ما عنده ليكون الحكم أوكدا أو خلافه PageV01P287 ~~فيندفع أو توقف في انتظار استظهار بزيادة كما يتسظهر الحاكم بعد شهادة ~~اثنين على جزم الحكم إن لم يصادف الزيادة لا على عزم الرد أو أظهر التوقف ~~لئلا يكثر الإقدام على الرواية عن تساهل ويجب حمله على شيء من ذلك إذ ثبت ~~منه قطعا قبول خبر الواحد وترك الإنكار على القائلين به # وأما رد حديث عثمان في حق الحكم بن أبي العاص فلأنه خبر عن إثبات ms181 حق لشخص ~~فهو كالشهادة لا تثبت بقول واحد أو توقف لأجل قرابة عثمان من الحكم وقد كان ~~معروفا بأنه كلف بأقاربه فتوقف تنزيها لعرضه ومنصبه من أن يقول متعنت إنما ~~قال ذلك لقرابته حتى ثبت ذلك بقول غيره أو لعلهما توقفا ليسنا للناس التوقف ~~في حق القريب الملاطف ليتعلم منهما التثبت في مثله # وأما خبر أبي موسى في الاستئذان فقد كان محتاجا إليه ليدفع به سياسة عمر ~~عن نفسه لما انصرف عن بابه بعد أن قرع ثلاثا كالمترفع عن المثول ببابه فخاف ~~أن يصير ذلك طريقا لغيره إلى أن يروي الحديث على حسب غرضه بدليل أنه لما ~~رجع مع أبي سعيد الخدري وشهد له قال عمر إني لم أتهمك ولكني خشيت أن يتقول ~~الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويجوز للإمام التوقف مع انتفاء ~~التهمة لمثل هذه المصلحة # كيف ومثل هذه الأخبار لا تساوي في الشهرة والصحة أحاديثنا في نقل القبول عنهم PageV01P288 ~~وأما رد علي خبر الأشجعي فقد ذكر علته وقال كيف نقبل قول أعرابي بوال على ~~عقبيه؟ بين أنه لم يعرف عدالته وضبطه ولذلك وصفه بالجفاء وترك التنزه عن ~~البول كما قال عمر في فاطمة بنت قيس في حديث السكنى لا ندع كتاب ربنا وسنة ~~نبينا لقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت . # فهذا سبيل الكلام على ما ينقل من التوقف في الأخبار # الشبهة الثانية: تمسكهم بقوله تعالى {ولا تقف ما ليس لك به علم }] ~~الاسراء: من الآية36[ {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} ] الأعراف من ~~الآية:33[وقوله تعالى {وما شهدنا إلا بما علمنا } ]يوسف: من الآية81[وقوله ~~تعالى { إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة } ]الحجرات: من ~~الآية6[والجهالة في قول العدل حاصلة # وهذا باطل من أوجه: # الأول : أن إنكارهم القول بخبر الواحد غير معلوم ببرهان قاطع بل يجوز ~~الخطأ فيه فهو إذا حكم بغير علم الثاني : أن وجوب العمل به معلوم بدليل ~~قاطع من الإجماع فلا جهالة فيه # الثالث :إن المراد من الآيات منع الشاهد ms182 عن جزم الشهادة بما لم يبصر ولم ~~يمسع والفتوى بما لم يرو ولم ينقله العدول. # الرابع: إن هذا لو دل على رد خبر الواحد لدل على شهادة الاثنين والأربعة ~~والرجل والمرأتين والحكم باليمين فكما علم بالنص في القرآن PageV01P289 ~~وجوب الحكم بهذه الأمور مع تجويز الكذب فكذلك بالإخبار. # الخامس: أنه يجب تحريم نصب الخلفاء والقضاة لأنا لا نتيقن إيمانهم فضلا ~~عن ورعهم ولا نعلم طهارة إمام الصلاة عن الجنابة والحدث فليمتنع الاقتداء. # الباب الثاني: في شروط الراوي وصفته # وإذا ثبت وجوب العمل بخبر الواحد فاعلم أن كل خبر فليس بمقبول. # وافهم أولا أنا لسنا نعني بالقبول التصديق ولا بالرد التكذيب بل يجب ~~علينا قبول قول العدل وربما كان كاذبا أو غالطا ولا يجوز قبول قول الفاسق ~~وربما كان صادقا بل نعني بالمقبول ما يجب العمل به وبالمردود ما لا تكليف ~~علينا في العمل به # والمقبول :رواية كل مكلف عدل مسلم ضابط منفردا كان بروايته أو معه غيره. # فهذه خمسة أمور لا بد من النظر فيها. # الأول : أن رواية الواحد تقبل وإن لم تقبل شهادته خلافا للجبائي وجماعة ~~حيث شرطوا العدد ولم يقبلوا إلا قول رجلين ثم لا تثبت رواية PageV01P290 ~~كل واحد إلا من رجلين آخرين وإلى أن ينتهي إلى زماننا يكثر كثرة عظيمة لا ~~يقدر معها على إثبات حديث أصلا # وقال قوم :لا بد من أربعة أخذا من شهادة الزنا # ودليل بطلان مذهبهم أنا نقول إذا ثبت قبول قول الآحاد مع أنه لا يفيد ~~العلم فاشتراط العدد تحكم لا يعرف إلا بنص أو قياس على منصوص ولا سبيل إلى ~~دعوى النص وما نقل الصحابة من طلب استظهار فهو في واقعتين أو ثلاث لأسباب ~~ذكرناها أما ما قضوا فيه بقول عائشة وحدها وقول زوجات رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقول عبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة وغيرهم فهو خارج عن الحصر فقد ~~علمنا قطعا من أحوالهم قبول خبر الواحد كما علمنا قطعا رد شهادة الواحد # وإن أخذوا من قياس الشهادة فهو ms183 قياس باطل إذ عرف من فعلهم الفرق ولم لا ~~يقاس عليه في شرط الحرية والذكورة واشترط في أخبار الزنا أربعة وفيما يتعلق ~~برؤية الهلال وشهادة القابلة واحد والمصير إلى ذلك خرق للإجماع ولا فرق إن ~~وجب القياس # الشرط الثاني : وهو الأول تحقيقا فإن العدد ليس عندنا من الشروط وهو ~~التكليف فلا تقبل رواية الصبي لأنه لا يخاف الله تعالى فلا وازع له من ~~الكذب فلا تحصل الثقة بقوله وقد اتبعوا في قبول الشهادة سكون النفس وحصول ~~الظن والفاسق أوثق من الصبي فإنه يخاف الله تعالى وله وازع من PageV01P291 ~~دينه وعقله والصبي لا يخاف الله تعالى أصلا فهو مردود بطريق الأولى # والتمسك بهذا أولى من التمسك برد إقراره وإنه إذا لم يقبل قوله فيما ~~يحكيه عن نفسه فبأن لا يقبل فيما يرويه عن غيره أولى فإن هذا يبطل بالعبد ~~فإنه قد لا يقبل إقراره وتقبل روايته فإن كان سببه أنه يتناول ملك السيد ~~وملك السيد معصوم عنه فملك الصبي أيضا محفوظ عنه لمصلحته فما لا يتعلق به ~~قد يؤثر فيه قوله بل حاله حتى يجوز الاقتداء به اعتمادا على قوله أنه ظاهر ~~وعلى أنه لا يصلي إلا طاهر لكنه كما يجوز الاقتداء بالبر والفاجر فكذلك ~~بالصبي والبالغ وشهادة الفاسق لا تقبل والصبي أجرأ على الكذب منه # أما إذا كان طفلا مميزا عند التحمل بالغا عند الرواية فإنه يقبل لأنه لا ~~خلل في تحمله ولا في أدائه ويدل على قبول سماعه إجماع الصحابة على قبول خبر ~~ابن عباس وابن الزبير والنعمان بن بشير وغيرهم من أحداث الصحابة من غير فرق ~~بين ما تحملوه بعد البلوغ أو قبله وعلى ذلك درج السلف والخلف من إحضار ~~الصبيان مجالس الرواية ومن قبول شهادتهم فيما تحملوه في الصغر # فإن قيل: فقد قال بعض العلماء تقبل شهادة الصبيان في الجنايات التي تجري بينهم # قلنا: ذلك منه استدلال بالقرائن إذا كثروا وأخبروا قبل التفرق أما إذا ~~تفرقوا فيتطرق إليهم التلقين الباطل ولا وازع لهم فمن قضى به فإنما ms184 قضى به ~~لكثرة الجنايات بينهم ولمسيس الحاجة إلى معرفته بقرائن الأحوال فلا يكون ~~ذلك على منهاج الشهادة # الشرط الثالث : أن يكون ضابطا فمن كان عند التحمل غير مميز أو كان مغفلا ~~لا يحسن ضبط ما حفظه ليؤديه على وجهه فلا ثقة بقوله وإن لم يكن فاسقا PageV01P292 ~~الشرط الرابع : أن يكون مسلما. ولا خلاف في أن رواية الكافر لا تقبل لأنه ~~متهم في الدين وإن كان تقبل شهادة بعضهم على بعض عند أبي حنيفة ولا يخالف ~~في رد روايته والاعتماد في ردها على الإجماع المنعقد على سلبه أهلية هذا ~~المنصب في الدين وإن كان عدلا في دين نفسه وهو أولى من قولنا الفاسق مردود ~~الشهادة والكفر أعظم أنواع الفسق وقد قال تعالى { إن جاءكم فاسق بنبأ ~~فتبينوا أن تصيبوا } ]الحجرات: من الآية6[لأن الفاسق متهم لجرأته على ~~المعصية والكافر المترهب قد لا يتهم لكن التعويل على الإجماع في سلب الكافر ~~هذا المنصب # فإن قيل: هذا يتجه في اليهود والنصارى ومن لا يؤمن بديننا إذ لا يليق في ~~السياسة تحكيمه في دين لا يعتقد تعظيمه فما قولكم في الكافر المتأول وهو ~~الذي قد قال ببدعة يجب التكفير بها فهو معظم للدين وممتنع من المعصية وغير ~~عالم بأنه كافر فلم لا تقبل روايته وقد قبل الشافعي رواية بعض أهل البدع ~~وإن كان فاسقا ببدعته لأنه متأول في فسقه # قلنا: في رواية المبتدع المتأول كلام سيأتي. # وأما الكافر وإن كان متأولا فلا تقبل روايته لأن كل كافر متأول فإن ~~اليهودي أيضا لا يعلم كونه كافرا أما الذي ليس بمتأول وهو المعاند بلسانه ~~بعد معرفة الحق بقلبه فذلك مما يندر وتورع المتأول عن الكذب كتورع النصراني ~~فلا ينظر إليه بل هذا المنصب لا يتسفاد إلا بالإسلام وعرف ذلك بالإجماع لا ~~بالقياس # الشرط الخامس : العدالة قال الله تعالى {إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن ~~تصيبوا} ]الحجرات: من الآية6[ وهذا زجر عن اعتماد قول الفاسق ودليل على شرط ~~العدالة في الرواية والشهادة # ماتحقق به العدالة : # والعدالة عبارة عن ms185 استقامة السيرة والدين ويرجع حاصلها إلى هيئة PageV01P293 ~~راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعا حتى تحصل ثقة النفوس ~~بصدقه فلا ثقة بقول من لا يخاف الله تعالى خوفا وازغا عن الكذب # ثم لا خلاف في أنه لا يشترط العصمة من جميع المعاصي # ولا يكفي أيضا اجتناب الكبائر بل من الصغائر ما يرد به كسرقة بصلة وتطفيف ~~في حبة قصدا # وبالجملة :كل ما يدل على ركاكة دينه إلى حد يستجرىء على الكذب بالأعراض ~~الدنيوية كيف وقد شرط في العدالة التوقي عن بعض المباحات القادحة في ~~المروءة نحو الأكل في الطريق والبول في الشارع وصحبة الأراذل وإفراط المزح # والضابط في ذلك فيما جاوز محل الإجماع: أن يرد إلى اجتهاد الحاكم فما دل ~~عنده على جراءته على الكذب رد الشهادة به وما لا فلا وهذا يختلف بالإضافة ~~إلى المجتهدين وتفصيل ذلك من الفقه لا من الأصول ورب شخص يعتاد الغيبة ~~ويعلم الحاكم أن ذلك له طبع لا يصبر عنه ولو حمل على شهادة الزور لم يشهد ~~أصلا فقوله شهادته بحكم اجتهاده جائز في حقه ويختلف ذلك بعادات البلاد ~~واختلاف أحوال الناس في استعظام بعض الصغائر دون بعض # ويتفرع عن هذا الشرط مسألتان: # مسألة:تعريف العدالة : # قال بعض أهل العراق العدالة عبارة عن إظهار الإسلام فقط مع سلامته عن فسق ~~ظاهر فكل مسلم مجهول عنده عدل PageV01P294 ~~وعندنا لا تعرف عدالته إلا بخبرة باطنة والبحث عن سيرته وسريرته # ويدل على بطلان ما قالوه أمور: # الأول: أن الفاسق مردود الشهادة والرواية بنص القرآن ولعلمنا بأن دليل ~~قبول خبر الواحد قبول الصحابة إياه وإجماعهم ولم ينقل ذلك عنهم إلا في ~~العدل والفاسق لو قبلت روايته لقبل بدليل الإجماع أو بالقياس على العدل ~~المجمع عليه ولا إجماع في الفاسق ولا هو في معنى العدل في حصول الثقة بقوله ~~فصار الفسق مانعا من الرواية كالصبا والكفر وكالرق في الشهادة ومجهول الحال ~~في هذه الخصال لا يقبل قوله فكذلك مجهول الحال في الفسق لأنه إن كان فاسقا ~~فهو مردود ms186 الرواية وإن كان عدلا فغير مقبول أيضا للجهل به كما لو شككنا في ~~صباه ورقه وكفره ولا فرق # الثاني: أنه لا تقبل شهادة المجهول وكذلك روايته وإن منعوا شهادة المال ~~فقد سلموا شهادة العقوبات ثم المجهول مردود في العقوبات وطريق الثقة PageV01P295 ~~في الرواية والشهادة واحد وإن اختلفا في بقية الشروط # الثالث: أن المفتي المجهول الذي لا يدري أنه بلغ رتبة الاجتهاد أم لا ~~يجوز للعامي قبول قوله وكذلك إذا لم يدر أنه عالم أم لا بل سلموا أنه لو لم ~~تعرف عدالته وفسقه فلا يقبل وأي فرق بين حكاية المفتي عن نفسه اجتهاده وبين ~~حكايته خبرا عن غيره # الرابع: أن شهادة الفرع لا تسمع ما لم يعين الفرع شاهد الأصل وهو مجهول ~~عند القاضي فلم يجب تعيينه وتعريفه إن كان قول المجهول مقبولا؟ وهذا رد على ~~من قبل شهادة المجهول ولا جواب عنه # فإن قيل: يلزمه ذكر شاهد الأصل فلعل القاضي يعرفه بفسق فيرد شهادته # قلنا: إذا كان حد العدالة هو الإسلام من غير ظهور فسق فقد تحقق ذلك فلم ~~يجب التتبع حتى يظهر الفسق؟ # ثم يبطل ما ذكره بالخبر المرسل فإنهم لم يوجبوا ذكر الشيخ ولعل المروي له ~~يعرف فسقه # الخامس : أن مستندنا في خبر الواحد عمل الصحابة وهم قد ردوا خبر المجهول ~~فرد عمر رضي الله عنه فاطمة بنت قيس وقال كيف نقبل قول امرأة لا ندري صدقت ~~أم كذبت ؟ ورد علي خبر الأشجعي في المفوضة وكان يحلف الراوي وإنما يحلف من ~~عرف من ظاهره العدالة دون الفسق ومن رد قول المجهول منهم كان لا ينكر عليه ~~غيره فكانوا بين راد وساكت وبمثله ظهر إجماعهم في قبول العدل إذ كانوا بين ~~قابل وساكت غير منكر ولا معترض PageV01P296 ~~السادس: ما ظهر من حال رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبه العدالة ~~والعفاف وصدق التقوى ممن كان ينفذه للأعمال وأداء الرسالة وإنما طلب الأشد ~~التقوى لأنه كان قد كلفهم أن لا يقبلوا إلا قول العدل فهذه أدلة قوية في ms187 ~~محل الاجتهاد قريبة من القطع والمسألة اجتهادية لا قطعية # شبه الخصوم الدالة عندهم على قبول رواية مجهول الحال # وهي أربع: # الأول ى :أنه صلى الله عليه وسلم قبل شهادة الأعرابي وحده على رؤية ~~الهلال ولم يعرف منه إلا الإسلام # قلنا: وكونه أعرابيا لا يمنع كونه معلوم العدالة عنده إما بالوحي وإما ~~بالخبرة وإما بتزكية من عرف حاله فمن يسلم لكم أنه كان مجهولا عنده ؟ # الثانية : أن الصحابة قبلوا قول العبيد والنسوان والأعراب لأنهم لم ~~يعرفوهم بالفسق وعرفوهم بالإسلام # قلنا: إنما قبلوا قول أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواج أصحابه ~~وكانت عدالتهن وعدالة مواليهم مشهورة عندهم وحيث جهلوا ردوا كرد قول ~~الأشجعي وقول فاطمة بنت قيس # الثالثة :قولهم لو أسلم كافر وشهد في الحال أو روى فإن قلتم لا نقبل ~~شهادته فهو بعيد وإن قبلتم فلا مستند للقبول إلا إسلامه وعدم معرفة الفسق ~~منه فإذا انقضت مدة ولم نعرف منه فسقا لطول مدة إسلامه لم نوجب PageV01P297 ~~رده # قلنا: لا نسلم قبول روايته فقد يسلم الكذوب ويبقى على طبعه فما لم نطلع ~~على خوف في قلبه وازع عن الكذب لا نقبل شهادته والتقوى في القلب وأصله ~~الخوف وإنما تدل عليه أفعاله في مصادره وموارده فإن سلمنا قبول روايته فذلك ~~لطرق إسلامه وقرب عهده بالدين وشتان بين من هو في طراوته وبدايته وبين من ~~قسا قلبه بطول الألف # فإن قيل إذا رجعت العدالة إلى هيئة باطنة في النفس وأصلها الخوف وذلك لا ~~يشاهد بل يستدل عليه بما ليس بقاطع بل هو مغلب على الظن فأصل ذلك الخوف هو ~~الإيمان فذلك يدل على الخوف دلالة ظاهرة فلنكتف به # قلنا: لا يدل عليه فإن المشاهدة والتجربة دلت على أن عدد فساق المؤمنين ~~أكثر من عدد عدولهم فكيف نشكك نفوسنا فيما عرفناه يقينا # ثم هلا أكتفي بذلك في شهادة العقوبات وشهادة الأصل وحال المفتي في ~~العدالة وسائر ما سلموه؟ # الرابعة: قولهم: يقبل قول المسلم المجهول في كون اللحم لحم ذكي وكون ~~الماء في الحمام ms188 طاهرا وكون الجارية المبيعة رقيقة غير مزوجة ولا معتدة حتى ~~يحل الوطء بقوله وقول المجهول في كونه متطهرا للصلاة عن الحدث والجنابة إذا ~~أم الناس وكذلك قول من يخبر عن نجاسة الماء وطهارته بناء على ظاهر الإسلام ~~وكذلك قول من يخبر الأعمى عن القبلة PageV01P298 ~~قلنا: أما قول العاقد فمقبول لا لكونه مجهولا لكنه مع ظهور الفسق وذلك رخصة ~~لكثرة الفساق ولمسيس حاجتهم إلى المعاملات وكذلك جواز الاقتداء بالبر ~~والفاجر فلا يشترط الستر أما الخبر عن القبلة وعن طهارة الماء فلم يحصل ~~سكون النفس بقول المخبر فلا يجب قبوله والمجهول لا تسكن النفس إليه بل سكون ~~النفس إلى قول فاسق جرب باجتناب الكذب أغلب منه إلى قول المجهول وما يخص ~~العبد بينه وبين الله تعالى فلا يبعد أن يرد إلى سكون نفسه فأما الرواية ~~والشهادة فأمرهما أرفع وخطرهما عام فلا يقاسان على غيرهما وهذه صور ظنية ~~اجتهادية أما رد خبر الفاسق والمجهول فقريب من القطع # مسألة :هل تقبل شهادة الفاسق المتأول؟: # الفاسق المتأول وهو الذي لا يعرف فسق نفسه اختلفوا في شهادته # وقد قال الشافعي أقبل شهادة الحنفي وأحده إذا شرب النبيذ لأن هذا فسق غير ~~مقطوع به إنما المقطوع به فسق الخوارج الذين استباحوا الديار وقتلوا ~~الذراري وهم لا يدرون أنهم فسقة PageV01P299 ~~وقد قال الشافعي تقبل شهادة أهل الأهواء لا الخطابية من الرافضة لأنهم يرون ~~الشهادة بالزور لموافقيهم في المذهب # واختار القاضي: أنه لا تقبل رواية المبتدع وشهادته لأنه فاسق بفعله ~~وبجهله بتحريم فعله ففسقه مضاعف وزعم أن جهله بفسق نفسه كجهله بكفر نفسه ~~ورق نفسه # ومثار هذا الخلاف أن الفسق يرد الشهادة لأنه نقصان منصب يسلب الأهلية ~~كالكفر والرق أو هو مردود القول للتهمة فإن كان للتهمة فالمبتدع متورع عن ~~الكذب فلا يتهم وكلام الشافعي مشير إلى هذا وهو في محل الاجتهاد # فذهب أبي حنيفة أن الكفر والفسق لا يسلبان الأهلية بل يوجبان التهمة ~~ولذلك قبل شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض ومذهب القاضي أن كليهما نقصان ~~منصب يسلب ms189 الأهلية ومذهب الشافعي أن الكفر نقصان والفسق موجب للرد للتهمة ~~وهذا هو الأغلب على الظن عندنا # فإن قيل: هذا مشكل على الشافعي من وجهين: # أحدهما : أنه قضى بأن النكاح لا ينعقد بشهادة الفاسق وذلك لسلب الأهلية # الثاني أنه إن كان للتهمة فإذا غلب على ظن القاضي صدقه فليقبل ؟ # قلنا أما الأول :فأخذه قوله صلى الله عليه وسلم "لا نكاح إلا بولي ~~وشاهدين عدل" PageV01P300 # وللشارع أن يشترط زيادة على أهلية الشهادة كما شرط في الولي وكما شرط في ~~الزنا زيادة عدد # وأما الثاني: فسببه أن الظنون تختلف وهو أمر خفي ناطه الشرع بسبب ظاهر ~~وهو عدد مخصوص ووصف مخصوص وهو العدالة فيجب اتباع السبب الظاهر دون المعنى ~~الخفي كما في العقوبات وكما في رد شهادة الوالد لأحد ولديه على الآخر فإنه ~~قد يتهم وترد شهادته لأن الأبوة مظنة للتهمة فلا ينظر إلى الحال وإنما مظنة ~~التهمة ارتكاب الفسق مع المعرفة دون من لا يعرف ذلك # ويدل أيضا على مذهب الشافعي قبول الصحابة قول الخوارج في الأخبار ~~والشهادة وكانوا فسقة متأولين وعلى قبول ذلك درج التابعون لأنهم متورعون عن ~~الكذب جاهلون بالفسق # فإن قيل: فهل يمكن دعوى الإجماع في ذلك ؟ # قلنا: لا فإنا نعلم أن عليا والأئمة قبلوا قول قتلة عثمان والخوارج لكن ~~لا نعلم ذلك من جميع الصحابة فلعل فيهم من أضمر إنكارا لكن لم يرد على ~~الإمام في محل الاجتهاد فكيف ولو قبل جميعهم خبرهم فلا يثبت أن جميعهم ~~اعتقدوا فسقهم وكيف يفرض والخوارج من جملة أهل الإجماع وما اعتقدوا فسق ~~أنفسهم بل فسق خصومهم وفسق عثمان وطلحة ووافقهم عليه عمار بن ياسر وعدي بن ~~حاتم وابن الكواء والأشتر النخعي وجماعة من الأمراء وعلي في تقية من ~~الإنكار عليهم خوف PageV01P301 ~~الفتنة # فإن قيل: لو لم يعتقدوا فسق الخوارج لفسقوا. # قلنا: ليس كذلك فليس الجهل بما يفسق ويكفر فسقا وكفرا . # وعلى الجملة فقبولهم روايتهم يدل على أنهم اعتقدوا رد خبر الفاسق للتهمة ~~ولم يتهموا المتأول والله أعلم # خاتمة جامعة للرواية والشهادة ms190 # اعلم أن التكليف والإسلام والعدالة والضبط يشترك فيه الرواية والشهادة ~~فهذه أربعة. # أما الحرية والذكورة والبصر والقرابة والعدد والعداوة فهذه الستة تؤثر في ~~الشهادة دون الرواية لأن الرواية حكمها عام لا يختص بشخص حتى تؤثر فيه ~~الصداقة والقرابة والعداوة فيروي أولاد رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه ~~ويروي كل ولد عن والده . # والضرير الضابط للصوت تقبل روايته وإن لم تقبل شهادته إذ كانت الصحابة ~~يروون عن عائشة اعتمادا على صوتها وهم كالضرير في حقها. # ولا يشترط كون الراوي عالما فقيها سواء خالف ما رواه القياس أو وافق إذ ~~رب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه فلا يشترط إلا الحفظ ~~ولا يشترط مجالسة العلماء وسماع الأحاديث بل قبل الصحابة قول أعرابي لم يرو ~~إلا حديثا واحدا نعم إذا عارضه حديث العالم PageV01P302 ~~الممارس ففي الترجيح نظر سيأتي # ولا تقبل رواية من عرف باللعب والهزل في أمر الحديث أو التساهل في أمر ~~الحديث أو بكثرة السهو فيه إذ تبطل الثقة بجميع ذلك أما الهزل والتساهل في ~~حديث نفسه فقد لا يوجب الرد . # ولا يشترط كون الراوي معروف النسب بل إذا عرف عدالة شخص بالخبرة قبل ~~حديثه وإن لم يكن له نسب فضلا عن أن يكون لا يعرف نسبه . # رواية المجهول العين # ولو روى عن مجهول العين لم نقبله بل من يقبل رواية المجهول صفته لا يقبل ~~رواية المجهول عينه إذ لو عرف عينه ربما عرفه بالفسق بخلاف من عرف عينه ولم ~~يعرفه بالفسق فلو روى عن شخص ذكر اسمه واسمه مردد بين مجرح وعدل فلا يقبل ~~لأجل التردد # الباب الثالث في الجرح والتعديل # وفيه أربعة فصول # الأول: في عدد المزكى # وقد اختلفوا فيه فشرط بعض المحدثين العدد في المزكى والجارح كما في مزكى الشاهد # وقال القاضي: لا يشترط العدد في تزكية الشاهد ولا في تزكية الراوي وإن ~~كان الأحوط في الشهادة الاستظهار بعدد المزكى . PageV01P303 # وقال قوم يشترط في الشهادة دون الرواية # وهذه مسألة فقهية والأظهر عندنا ms191 أنه يشترط في الشهادة دون الرواية وهذا ~~لأن العدد الذي تثبت به الرواية لا يزيد على نفس الرواية # فإن قيل: صح من الصحابة قبول رواية الواحد ولم يصح قبول تزكية الواحد ~~فيرجع فيه إلى قياس الشرع # قلنا: نحن نعلم مما فعلوه كثيرا مما لم يفعلوه إذ نعلم أنهم كما قبلوا ~~حديث الصديق رضي الله عنه كانوا يقبلون تعديله لمن روى الحديث وكيف يزيد ~~شرط الشيء على أصله والإحصان يثبت بقول اثنين وإن لم يثبت الزنا إلا بأربعة ~~ولم يقس عليه وكذلك نقول تقبل تزكية العبد والمرأة في الرواية كما تقبل ~~روايتهما # وهذه مسائل فقهية ثبتت بالمقاييس الشبيهة فلا معنى للإطناب فيها في الأصول # الفصل الثاني: في ذكر سبب الجرح والتعديل # قال الشافعي: يجب ذكر سبب الجرح دون التعديل إذ قد يجرح بما لا يراه ~~جارحا لاختلاف المذاهب فيه وأما العدالة فليس لها إلا سبب واحد # وقال قوم :مطلق الجرح يبطل الثقة ومطلق التعديل لا يحصل الثقة لتسارع ~~الناس إلى البناء على الظاهر فلا بد من ذكر سببه . # وقال قوم: لا بد من السبب فيهما جميعا أخذا بمجامع كلام الفريقين. # وقال القاضي :لا يجب ذكر المسبب فيهما جميعا لأنه إن لم يكن بصيرا بهذا ~~الشأن فلا يصلح للتزكية وإن كان بصيرا فأي معنى للسؤال؟ # والصحيح عندنا أن هذا يختلف باختلاف حال المزكي فمن حصلت الثقة . PageV01P304 # ببصيرته وضبطه يكتفى بإطلاقه. ومن عرفت عدالته في نفسه ولم تعرف بصيرته ~~بشروط العدالة فقد نراجعه إذا فقدنا عالما بصيرا به وعند ذلك نستفصله. # تعارض الجرح والتعديل # أما إذا تعارض الجرح والتعديل قدمنا الجرح فإن الجارح أطلع على زيادة ما ~~أطلع عليها المعدل ولا نفاها فإن نفاها بطلت عدالة المزكي إذ النفي لا يعلم ~~إلا إذا جرحه بقتل إنسان فقال المعدل رأيته حيا بعده تعارضا # وعدد المعدل إذا زاد قيل إنه يقدم على الجارح وهو ضعيف لأن سبب تقديم ~~الجرح اطلاع الجارح على مزيد ولا ينتفي ذلك بكثرة العدد # الفصل الثالث في نفس التزكية # وذلك إما ms192 بالقول أو بالرواية عنه أو بالعمل بخبره أو بالحكم بشهادته فهذه ~~أربعة : # أعلاها: صريح القول وتمامه أن يقول هو عدل رضا لأني عرفت منه كيت وكيت ~~فإن لم يذكر السبب وكان بصيرا بشروط العدالة كفى # الثانية: أن يروي عنه خبرا وقد اختلفوا في كونه تعديلا والصحيح أنه إن ~~عرف من عادته أو بصريح قوله أنه لا يستجيز الرواية إلا من عدل كانت الرواية ~~تعديلا وإلا فلا إذ من عادة أكثرهم الرواية من كل من سمعوه ولو كلفوا ~~الثناء عليهم سكتوا فليس في روايته ما يصرح بالتعديل. # فإن قيل :لو عرفه بالفسق ثم روى عنه كان غاشا في الدين؟ PageV01P305 # قلنا: لم نوجب على غيره العمل لكن قال: سمعت فلانا قال كذا وصدق فيه ثم ~~لعله لم يعرفه بالفسق ولا العدالة فروى ووكل البحث إلى من أراد القبول # الثالثة :العمل بالخبر إن أمكن حمله على الاحتياط أو على العمل بدليل آخر ~~وافق الخبر فليس بتعديل وإن عرفنا يقينا أنه عمل بالخبر فهو تعديل إذ لو ~~عمل بخبر غير العدل لفسق وبطلت عدالته. # فإن قيل: لعله ظن أن مجرد الإسلام مع عدم الفسق عدالة. # قلنا :هذا يتطرق إلى التعديل بالقول ونحن نقول العمل كالقول وهذا ~~الاحتمال ينقطع بذكر سبب العدالة وما ذكرناه تفريع على الاكتفاء بالتعديل ~~المطلق إذ لو شرط ذكر السبب لشرط في شهادة البيع والنكاح عد جميع شرائط ~~الصحة وهو بعيد. # فإن قيل :لعله عرفه عدلا ويعرفه غيره بالفسق. # قلنا: من عرفه لا جرم لا يلزمه العمل به كما لو عدل جريحا # الرابعة: أن يحكم بشهادته فذلك أقوى من تزكيته بالقول. # أما ترك الحكم بشهادته وبخبره فليس جرحا إذ قد يتوقف في شهادة العدل ~~وروايته لأسباب سوى الجرح كيف وترك العمل لا يزيد على الجرح المطلق وهو غير ~~مقبول عند الأكثرين؟ # وبالجملة إن لم ينقدح وجه لتزكية العمل من تقديم أو دليل آخر فهو كالجرح المطلق PageV01P306 ~~الفصل الرابع في عدالة الصحابة رضي الله عنهم # والذي عليه سلف الأمة وجماهير الخلف أن ms193 عدالتهم معلومة بتعديل الله عز ~~وجل إياهم وثنائه عليهم في كتابه فهو معتقدنا فيهم إلا أن يثبت بطريق قاطع ~~ارتكاب واحد لفسق مع علمه به وذلك مما لا يثبت فلا حاجة لهم إلى التعديل ~~قال الله تعالى {كنتم خير أمة أخرجت للناس} ]آل عمران: من الآية110[وقال ~~تعالى {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس } ]البقرة: من ~~الآية143[وهو خطاب مع الموجودين في ذلك العصر وقال تعالى {لقد رضي الله عن ~~المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة } ]الفتح: من الآية18[وقال عز وجل ~~{والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله ~~عنهم ورضوا عنه } ]التوبة: من الآية100[وقد ذكر الله تعالى المهاجرين ~~والأنصار في عدة مواضع وأحسن الثناء عليهم. # وقال صلى الله عليه وسلم: " خير الناس قرني ثم الذين يلونهم " وقال صلى ~~الله عليه وسلم: "لو أنفق أحدكم ملء الأرض ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" ~~وقال صلى الله عليه وسلم "إن الله اختار لي أصحابا وأصهارا وأنصارا" # فأي تعديل أصح من تعديل علام الغيوب سبحانه وتعديل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم؟ كيف ولو لم يرد الثناء لكان فيما اشتهر وتواتر من حالهم في ~~الهجرة والجهاد وبذل المهج والأموال وقتل الآباء والأهل في موالاة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ونصرته، كفاية في القطع بعدالتهم. PageV01P307 # وقد زعم قوم أن حالهم كحال غيرهم في لزوم البحث. # وقال قوم: حالهم العدالة في بداية الأمر إلى ظهور الحرب والخصومات ثم ~~تغير الحال وسفكت الدماء فلا بد من البحث. # وقال جماهير المعتزلة: عائشة وطلحة والزبير وجميع أهل العراق والشام فساق ~~بقتال الإمام الحق . # وقال قوم من سلف القدرية :يجب رد شهادة علي وطلحة والزبير مجتمعين ~~ومفترقين لأن فيهم فاسقا لا نعرفه بعينه. # وقال قوم: نقبل شهادة كل واحد إذا انفرد لأنه لم يتعين فسقه أما إذا كان ~~مع مخالفه فشهدا ردا إذ نعلم أن أحدهما فاسق # وشك بعضهم في فسق عثمان وقتلته # وكل هذا جراءة على السلف على خلاف السنة بل قال قوم ما ms194 جرى بينهم ابتنى ~~على الاجتهاد وكل مجتهد مصيب أو المصيب واحد والمخطىء معذور لا ترد شهادته. # وقال قوم: ليس ذلك مجتهدا فيه ولكن قتلة عثمان والخوارج مخطئون قطعا ~~لكنهم جهلوا خطأهم وكانوا متأولين والفاسق المتأول لا ترد روايته وهذا أقرب ~~من المصير إلى سقوط تعديل القرآن مطلقا. PageV01P308 # من هو الصحابي ؟ [ # فإن قيل القرآن أثنى على الصحابة فمن الصحابة؟ من عاصر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أو من لقيه مرة أو من صحبه ساعة أو من طالت صحبته ؟وما حد طولها؟ # قلنا: الإسم لا يطلق إلا على من صحبه ثم يكفي للاسم من حيث الوضع الصحبة ~~ولو ساعة ولكن العرف يخصص الاسم بمن كثرت صحبته. # ويعرف ذلك بالتواتر والنقل الصحيح وبقول الصحابي كثرت صحبتي ولا حد لتلك ~~الكثرة بتقدير بل بتقريب. # الباب الرابع في مستند الراوي وكيفية ضبطه # ومستنده إما قراءة الشيخ عليه أو قراءته على الشيخ أو إجازته أو مناولته ~~أو رؤيته بخطه في كتاب. # فهي خمس مراتب: # الأول : وهي الأعلى قراءة الشيخ في معرض الأخبار ليروى عنه . # وذلك يسلط الراوي على أن يقول حدثنا وأخبرنا وقال فلان وسمعته يقول # الثانية :أن يقرأ على الشيخ وهو ساكت فهو كقوله: هذا صحيح # فتجوز الرواية به، خلاف لبعض أهل الظاهر إذ لو لم يكن صحيحا لكان سكوته ~~وتقريره عليه فسقا قادحا في عدالته ولو جوزنا ذلك لجوزنا أن يكذب PageV01P309 ~~إذا نطق بكونه صحيحا نعم لو كان ثم مخيلة قلة اكتراث أو غفلة فلا يكفي السكوت # وهذا يسلط الراوي على أن يقول: أخبرنا وحدثنا فلان قراءة عليه أما قوله ~~حدثنا مطلقا أو سمعت فلانا اختلفوا فيه والصحيح أنه لا يجوز لأنه يشعر ~~بالنطق لأن الخبر والحديث والمسموع كل ذلك نطق وذلك منه كذب إلا إذا علم ~~بصريح قوله أو بقرينة حاله أنه يريد به القراءة على الشيخ دون سماع حديثه # الثالثة : الإجازة وهو أن يقول أجزت لك أن تروي عني الكتاب الفلاني أو ما ~~صح عندك من مسموعاتي وعند ذلك يجب الاحتياط ms195 في تعيين المسموع أما إذا اقتصر ~~على قوله هذا مسموعي من فلان فلا تجوز الرواية عنه لأنه لم يأذن في الرواية ~~فلعله لا يجوز الرواية لخلل يعرفه فيه وإن سمعه وكذلك لو قال عندي شهادة لا ~~يشهد ما لم يقل أذنت لك في أن تشهد على شهادتي أو لم تقم تلك الشهادة في ~~مجلس الحكم لأن الرواية شهادة والإنسان قد يتساهل في الكلام لكن عند جزم ~~الشهادة قد يتوقف . # ثم الإجازة تسلط الراوي على أن يقول حدثنا وأخبرنا إجازة أما قوله حدثنا ~~مطلقا جوزه قوم وهو فاسد لأنه يشعر بسماع كلامه وهو كذب كما ذكرناه في ~~القراءة على الشيخ. # الرابعة : المناولة وصورته أن يقول :خذ هذا الكتاب وحدث به عني فقد PageV01P310 ~~سمعته من فلان # ومجرد المناولة دون هذا اللفظ لا معنى له وإذا وجد هذا اللفظ فلا معنى ~~للمناولة فهو زيادة تكلف أحدثه بعض المحدثين بلا فائدة # كما يجوز رواية الحديث بالإجازة فيجب العمل به خلافا لبعض أهل الظاهر لأن ~~المقصود معرفة صحة الخبر لا عين الطريق المعرف # وقوله: هذا الكتاب مسموعي فاروه عني في التعريف كقراءته والقراءة عليه # وقولهم: إنه قادر على أن يحدثه به فهو كذلك لكن أي حاجة إليه؟ ويلزم أن ~~لا تصح القراءة عليه لأنه قادر على القراءة بنفسه ويجب أن لا يروى في حياة ~~الشيخ لأنه قادر على الرجوع إلى الأصل كما في الشهادة فدل أن هذا لا يعتبر ~~في الرواية # الخامسة : الاعتماد على الخط بأن يرى مكتوبا بخطه :إني سمعت على فلان كذا # فلا يجوز أن يروي عنه لأن روايته شهادة عليه بأنه قاله والخط لا يعرفه PageV01P311 ~~هذا نعم يجوز أن يقول رأيت مكتوبا في كتاب بخط ظننت أنه خط فلان فإن الخط ~~أيضا قد يشبه الخط # أما إذا قال: هذا خطي قبل قوله ولكن لا يروي عنه ما لم يسلطه على الرواية ~~بصريح قوله أو أما بقرينة حاله في الجلوس لرواية الحديث # أما إذا قال عدل: هذه نسخة صحيحة من صحيح البخاري مثلا ms196 فرأى فيه حديثا ~~فليس له أن يروي عنه # لكن هل يلزمه العمل ؟ # إن كان مقلدا فعليه أن يسأل المجتهد وإن كان مجتهدا فقال قوم لا يجوز له ~~العلم به ما لم يسمعه وقال قوم إذا علم صحة النسخة بقول عدل جاز العمل لأن ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يحملون صحف الصدقات إلى البلاد ~~وكان الخلق يعتمدون تلك الصحف بشهادة حامل الصحف بصحته دون أن يسمعه كل ~~واحد منه فإن ذلك يفيد سكون النفس وغلبة الظن # وعلى الجملة فلا ينبغي أن يروي إلا ما يعلم سماعه أولا وحفظه وضبطه إلى ~~وقت الأداء بحيث يعلم أن ما أداه هو الذي سمعه ولم يتغير منه حرف فإن شك في ~~شيء منه فليترك الرواية # ويتفرع عن هذا الأصل مسائل : # مسألة: الشك في الرواية: # إذا كان في مسموعاته عن الزهري مثلا حديث واحد شك أنه سمعه من PageV01P312 ~~الزهري أم لا ؟لم يجز له أن يقول سمعت الزهري ولا أن يقول قال الزهري لأن ~~قوله قال الزهري شهادة على الزهري فلا يجوز إلا عن علم فلعله سمعه من غيره ~~فهو كمن سمع إقرارا ولم يعلم أن المقر زيد وعمرو فلا يجوز أن يشهد على زيد # بل نقول: لو سمع مائة حديث من شيخ وفيها حديث واحد علم أنه لم يسمعه ~~ولكنه التبس عليه عينه فليس له روايته بل ليس له رواية شيء من الأحاديث عنه ~~إذ ما من حديث إلا ويمكن أن يكون هو الذي لم يسمعه # الرواية بغلبة الظن : # ولو غلب على ظنه في حديث أنه مسموع من الزهري لم تجز الرواية بغلبة الظن # وقال قوم: يجوز لأن الاعتماد في هذا الباب على غلبة الظن. # وهو بعيد، لأن الاعتماد في الشهادة على غلبة الظن ولكن في حق الحاكم فإنه ~~لا يعلم صدق الشاهد أما الشاهد فينبغي أن يتحقق لأن تكليفه أن لا يشهد إلا ~~على المعلوم فيما تمكن فيه المشاهدة ممكن وتكليف الحاكم أن لا يحكم إلا ~~بصدق الشاهد محال وكذلك الراوي ms197 لا سبيل له إلى معرفة صدق الشيخ ولكن له ~~طريق إلى معرفة قوله بالسماع فإذا لم يتحقق فينبغي أن لا يروي. # فإن قيل: فالواحد في عصرنا يجوز أن يقول قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ولا يتحقق ذلك. # قلنا: لا طريق له إلى تحقق ذلك ولا يفهم من قوله قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه سمعه لكن يفهم منه أنه سمع هذا الحديث من غيره أو رواه في ~~كتاب يعتمد عليه وكل من سمع ذلك لا يلزمه العمل به لأنه مرسل لا يدري من أين PageV01P313 ~~يقوله وإنما يلزم العمل إذا ذكر مستنده حتى ينظر في حاله وعدالته والله أعلم # مسألة :تكذيب الشيخ الراوي : # إذا أنكر الشيخ الحديث إنكار جاحد قاطع بكذب الراوي ولم يعمل به لم يصر ~~الراوي مجروحا لأن الجرح ربما لا يثبت بقول واحد ولأنه مكذب شيخه كما أن ~~شيخه مكذب له وهما عدلان فهما كبينتين متكاذبتين فلا يوجب الجرح. # أما إذا أنكر إنكار متوقف وقال لست أذكره فيعمل بالخبر لأن الراوي جازم ~~أنه سمعه منه وهو ليس بقاطع بتكذيبه وهما عدلان فصدقهما إذا ممكن. # وذهب الكرخي إلى أن نسيان الشيخ الحديث يبطل الحديث وبنى عليه اطراح خبر ~~الزهري أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها واستدل بأنه الأصل ولأنه ليس للشيخ ~~أن يعمل بالحديث والراوي فرعه، فكيف يعمل به؟ # قلنا: للشيخ أن يعمل به إذا روى العدل له عنه فإن بقي شك له مع رواية ~~العدل فليس له العمل به وعلى الراوي العمل إذا قطع بأنه سمع وعلى غيرهما ~~العمل جمعا بين تصديقهما والحاكم يجب عليه العمل بقول الشاهد المزور الظاهر ~~العدالة ويحرم على الشاهد ويجب على العامي العمل بفتوى المجتهد وإن تغير ~~اجتهاده إذا لم يعلم تغير اجتهاده والمجتهد لا يعمل PageV01P314 ~~به بعد التغير لأنه علمه فعمل كل واحد على حسب حاله . # وقد ذهب إلى العمل به مالك والشافعي وجماهير المتكلمين وهذا لأن النسيان ~~غالب على الإنسان وأي محدث يحفظ في حينه جميع ما ms198 رواه في عمره؟ فصار كشك ~~الشيخ في زيادة في الحديث أو في إعراب في الحديث فإن ذلك لما لم يبطل ~~الحديث لكثرة وقوع الشك فيه فكذلك أصل الحديث # مسألة : هل تقبل زيادة الثقة بالحديث : # انفراد الثقة بزيادة في الحديث عن جماعة النقلة مقبول عند الجماهير سواء ~~كانت الزيادة من حيث اللفظ أو من حيث المعنى لأنه لو انفرد بنقل حديث عن ~~جميع الحفاظ لقبل فكذلك إذا انفرد بزيادة لأن العدل لا يتهم بما أمكن # فإن قيل: يبعد انفراده بالحفظ مع إصغاء الجميع # قلنا :تصديق الجميع أولى إذا كان ممكنا وهو قاطع بالسماع والآخرون ما ~~قطعوا بالنفي فلعل الرسول صلى الله عليه وسلم ذكره في مجلسين فحيث ذكر ~~الزيادة لم يحضر إلا الواحد أو كرر في مجلس واحد وذكر الزيادة في إحدى ~~الكرتين ولم يحضر إلا الواحد ويحتمل أن يكون راوي النقص دخل في أثناء ~~المجلس فلم يسمع التمام أو اشتركوا في الحضور ونسوا الزيادة إلا واحدا أو ~~طرأ في أثناء الحديث سبب شاغل مدهش فغفل به البعض عن الإصغاء فيختص بحفظ ~~الزيادة المقبل على الإصغاء أو عرض لبعض السامعين خاطر شاغل عن الزيادة أو ~~عرض له مزعج يوجب قيامه قبل التمام فإذا احتمل ذلك فلا يكذب العدل ما أمكن PageV01P315 ~~مسألة: هل تقبل رواية بعض الخبر # رواية بعض الخبر ممتنعة عند أكثر من منع نقل الحديث بالمعنى ومن جوز ~~النقل على المعنى جوز ذلك إن كان قد رواه مرة بتمامه ولم يتعلق المذكور ~~بالمتروك تعلقا يغير معناه وأما إذا تعلق كشرط العبادة أو ركنها أو ما به ~~التمام فنقل البعض تحريف وتلبيس # أما إذا روى الحديث مرة تاما ومرة ناقصا نقصانا لا يغير فهو جائز ولكن ~~بشرط أن لا يتطرق إليه سوء الظن بالتهمة فإذا علم أنه يتهم باضطراب النقل ~~وجب عليه الاحتراز عن ذلك # مسألة : هل يصح رواية الحديث بالمعنى # نقل الحديث بالمعنى دون اللفظ حرام على الجاهل بمواقع الخطاب ودقائق ~~الألفاظ # أما العالم بالفرق بين المحتمل وغير المحتمل والظاهر ms199 والأظهر والعام ~~والأعم فقد جوز له الشافعي ومالك وأبو حنيفة وجماهير الفقهاء أن ينقله على ~~المعنى إذا فهمه # وقال فريق: لا يجوز له إلا إبدال بما يرادفه ويساويه في المعنى كما يبدل ~~القعود بالجلوس والعلم بالمعرفة والاستطاعة بالقدرة والإبصار بالإحساس ~~بالبصر والحظر بالتحريم وسائر ما لا يشك فيه وعلى الجملة ما لا يتطرق إليه ~~تفاوت بالاستنباط والفهم وإنما ذلك فيما فهمه قطعا لا فيما فهمه بنوع ~~استدلال يختلف فيه الناظرون. # ويدل على جواز ذلك للعالم الإجماع على جواز شرح الشرع للعجم بلسانهم فإذا ~~جاز إبدال العربية بعجمية ترادفها فلأن يجوز عربية بعربية ترادفها وتساويها ~~أولى وكذلك كان سفراء رسول الله صلى الله عليه وسلم في البلاد: PageV01P316 # يبلغونهم أوامره بلغتهم وكذلك من سمع شهادة الرسول فله أن يشهد على شهادته ~~بلغة أخرى وهذا لأنا نعلم أنه لا تعبد في اللفظ وإنما المقصود فهم المعنى ~~وإيصاله إلى الخلق وليس ذلك كالتشهد والتكبير وما تعبد فيه باللفظ # فإن قيل: فقد قال صلى الله عليه وسلم :"نضر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها ~~فأداها كما سمعها فرب مبلغ أوعى من سامع ورب حامل فقه ليس بفقيه ورب حامل ~~فقه إلى من هو أفقه منه" # قلنا :هذا هو الحجة لأنه ذكر العلة وهو اختلاف الناس في الفقه فما لا ~~يختلف الناس فيه من الألفاظ المترادفة فلا يمنع منه # وهذا الحديث بعينه قد نقل بألفاظ مختلفة والمعنى واحد وإن أمكن أن تكون ~~جميع الألفاظ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في أوقات مختلفة لكن الأغلب ~~أنه حديث واحد ونقل بألفاظ مختلفة فإنه روى رحم الله امرءا ونضر الله امرءا ~~وروي ورب حامل فقه لا فقه له وروى حامل فقه غير فقيه # وكذلك الخطب المتحدة والوقائع المتحدة رواها الصحابة رضي الله عنهم PageV01P317 ~~بألفاظ مختلفة فدل ذلك على الجواز # مسألة: هل يقبل الحديث المرسل أم لا ؟: # المرسل مقبول عند مالك وأبي حنيفة والجماهير ومردود عند الشافعي والقاضي ~~وهو المختار # وصورته أن يقول :قال رسول الله صلى الله عليه ms200 وسلم من لم يعاصره أو قال ~~من لم يعاصر أبا هريرة قال أبو هريرة. # والدليل أنه لو ذكر شيخه ولم يعدله وبقي مجهولا عندنا لم نقبله فإذا لم ~~يسمه فالجهل أتم فمن لا يعرف عينه كيف تعرف عدالته ؟ # فإن قيل: رواية العدل عنه تعديل # فالجواب من وجهين: # الأول: أنا لا نسلم فإن العدل قد يروي عمن لو سئل عنه لتوقف فيه أو جرحه ~~وقد رأيناهم رووا عمن إذا سئلوا عنه عدلوه مرة وجرحوه أخرى أو قالوا لا ~~ندري فالراوي عنه ساكت عن تعديله ولو كان السكوت عن الجرح تعديلا لكان ~~السكوت عن التعديل جرحا ولوجب أن يكون الراوي إذا جرح من روى عنه مكذبا ~~نفسه ولأن شهادة الفرع ليس تعديلا للأصل ما لم يصرح وافتراق الرواية ~~والشهادة في بعض التعبدات لا يوجب فرقا في هذا المعنى كما PageV01P318 ~~لم يوجب فرقا في منع قبول رواية المجروح والمجهول وإذا لم يجز أن يقال لا ~~يشهد العدل إلا على شهادة عدل لم يجز ذلك في الرواية ووجب فيها معرفة عين ~~الشيخ والأصل حتى ينظر في حالهما # فإن قيل: العنعنة كافية في الرواية مع أن قوله روى فلان عن فلان عن فلان ~~يحتمل ما لم يسمعه فلان عن فلان بل بلغه بواسطة ومع الاحتمال يقبل ومثل ذلك ~~في الشهادة لا يقبل # قلنا: هذا إذا لم يوجب فرقا في رواية المجهول والمرسل مروي عن مجهول ~~فينبغي أن لا يقبل ثم العنعنة جرت العادة بها في الكتبة فإنهم استثقلوا أن ~~يكتبوا عند كل اسم روي عن فلان سماعا منه وشحوا على القرطاس والوقت أن ~~يضيعوه فأوجزوا وإنما يقبل في الرواية ذلك إذا علم بصريح لفظه أو عامته أنه ~~يريد به السماع فإن لم يرد السماع فهو متردد بين المسند والمرسل فلا يقبل # الجواب الثاني : أنا إن سلمنا جدلا أن الرواية تعديل فتعديله المطلق لا ~~يقبل ما لم يذكر السبب فلو صرح بأنه سمعه من عدل ثقة لم يلزم قبوله وإن سلم ~~قبول التعديل المطلق فذلك في ms201 حق شخص نعرف عينه ولا يعرف بفسق أما من لم ~~نعرف عينه فلعله لو ذكره لعرفناه بفسق لم يطلع عليه المعدل وإنما يكتفي في ~~كل مكلف بتعريف غيره عند العجز عن معرفة نفسه ولا يعلم عجزه ما لم يعرفه ~~بعينه وبمثل هذه العلة لم يقبل تعديل شاهد الفرع مطلقا ما لم يعرف الأصل ~~ولم يعينه فلعل الحاكم يعرفه بفسق وعداوة وغيره # احتجوا باتفاق الصحابة والتابعين على قبول مرسل العدل فابن عباس مع كثرة ~~روايته قيل أنه لم يسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أربعة أحاديث ~~لصغر سنه وصرح بذلك في حديث الربا في النسيئة وقال حدثني به أسامة بن PageV01P319 ~~زيد # وروى أن رسول الله لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة فلما روجع قال حدثني ~~به أخي الفضل بن عباس # وروى ابن عمر عن النبي أنه قال: "من صلى على جنازة فله قيراط" ثم أسنده ~~إلى أبي هريرة # وروى أبو هريرة أن من أصبح جنبا في رمضان فلا صوم له وقال ما أنا قلتها ~~ورب الكعبة ولكن محمدا قالها # فلما روجع قال حدثني به الفضل بن عباس وقال البراء بن عازب ما كل ما ~~نحدثكم به سمعناه من رسول الله لكن سمعنا بعضه وحدثنا أصحابه ببعضه # أما التابعون فقد قال النخعي: إذا قلت: حدثني فلان عن عبد الله فهو حدثني ~~وإذا قلت: قال عبد الله فقد سمعته من غير واحد # وكذلك نقل عن جماعة من التابعين قبول المرسل # والجواب من وجهين: # الأول : أن هذا صحيح ويدل على قبول بعضهم المراسيل ،والمسألة في PageV01P320 ~~محل الاجتهاد ولا يثبت فيها إجماع أصلا وفيه ما يدل على أن الجملة لم ~~يقبلوا المراسيل ولذلك باحثوا ابن عباس وابن عمر وأبا هريرة مع جلالة قدرهم ~~لا لشك في عدالتهم ولكن للكشف عن الراوي . # فإن قيل: قبل بعضهم وسكت الآخرون فكان إجماعا. # قلنا: لا نسلم ثبوت الإجماع بسكوتهم لا سيما في محل الاجتهاد بل لعله سكت ~~مضمرا للإنكار أو مترددا فيه # والجواب الثاني: أن ms202 من المنكرين للمرسل من قبل مرسل الصحابي لأنهم يحدثون ~~عن الصحابة وكلهم عدول ومنهم من أضاف إليه مراسيل التابعين لأنهم يروون عن ~~الصحابة ومنهم من خصص كبار التابعين بقبول مرسله # والمختار على قياس رد المرسل أن التابعي والصحابي إذا عرف بصريح خبره أو ~~بعادته أنه لا يروي إلا عن صحابي قبل مرسله وإن لم يعرف ذلك فلا يقبل لأنهم ~~قد يروون عن غير الصحابي من الأعراب الذين لا صحبة لهم وإنما ثبتت لنا ~~عدالة أهل الصحبة قال الزهري بعد الإرسال حدثني به رجل على باب عبد الملك ~~وقال عروة بن الزبير فيما أرسله عن بسرة حدثني به بعض الحرس . # مسألة: هل يقبل خبر الواحد : # خبر الواحد فيما تعم به البلوى مقبول خلافا للكرخي وبعض أصحاب الرأي لأن ~~كل ما نقله العدل وصدقه فيه ممكن وجب تصديقه فمس الذكر مثلا نقله العدل ~~وصدقه فيه ممكن فإنا لا نقطع بكذب ناقله بخلاف ما لو انفرد واحد بنقل ما ~~تحيل العادة فيه أن لا يستفيض كقتل أمير في السوق وعزل وزير وهجوم واقعة في ~~الجامع منعت الناس من الجمعة أو كخسف أو زلزلة أو انقضاض كوكب عظيم وغيره ~~من العجائب فإن الدواعي تتوفر على إشاعة جميع ذلك ويستحيل انكتامه وكذلك ~~القرآن لا يقبل فيه خبر الواحد لعلمنا بأنه صلى الله عليه وسلم تعبد ~~بإشاعته واعتنى بإلقائه إلى كافة الخلق فإن الدواعي تتوفر على إشاعته ونقله ~~لأنه أصل الدين والمنفرد برواية سورة أو آية كاذب قطعا فأما ما تعم به ~~البلوى فلا نقطع بكذب خبر الواحد فيه PageV01P321 ~~فإن قيل: بم تنكرون على من يقطع بكذبه ؟لأن خروج الخارج من السبيلين لما ~~كان الإنسان لا ينفك عنه في اليوم والليلة مرارا وكانت الطهارة تنتقض به ~~فلا يحل لرسول الله أن لا يشيع حكمه ويناجي به الآحاد إذ يؤدي إلى إخفاء ~~الشرع وإلى أن تبطل صلاة العباد وهم لا يشعرون فتجب الإشاعة في مثله ثم ~~تتوفر الدواعي على نقله وكذلك مس الذكر مما يكثر وقوعه فكيف ms203 يخفى حكمه ؟ # قلنا: هذا يبطل أولا بالوتر وحكم الفصد والحجامة والقهقهة ووجوب الغسل من ~~غسل الميت وإفراد الإقامة وتثنيتها وكل ذلك مما تعم به البلوى وقد أثبتوها ~~بخبر الواحد # فإن زعموا أن ليس عموم البلوى فيها كعمومها في الأحداث فنقول فليس عموم ~~البلوى في اللمس والمس كعمومها في خروج الأحداث فقد يمضي على الإنسان مدة ~~لا يلمس ولا يمس الذكر إلا في حالة الحدث كما لا يفتصد ولا يحتجم إلا ~~أحيانا فلا فرق # والجواب الثاني: وهو التحقيق :أن الفصد والحجامة وإن كان لا يتكرر كل يوم ~~ولكنه يكثر فكيف أخفي حكمه حتى يؤدي إلى بطلان صلاة خلق كثير؟ وإن لم يكن ~~هو الأكثر فكيف وكل ذلك إلى الآحاد ولا سبب له إلا أن الله تعالى لم يكلف ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إشاعة جميع الأحكام بل كلفه إشاعة البعض، PageV01P322 ~~وجوز له رد الخلق إلى خبر الواحد في البعض كما جوز له ردهم إلى القياس في ~~قاعدة الربا وكان يسهل عليه أن يقول لا تبيعوا المطعوم بالمطعوم أو المكيل ~~بالمكيل حتى يستغنى عن الاستنباط من الأشياء الستة فيجوز أن يكون ما تعم به ~~البلوى من جملة ما تقتضي مصلحة الخلق أن يردوا فيه إلى خبر الواحد ولا ~~استحالة فيه وعند ذلك يكون صدق الراوي ممكنا فيجب تصديقه # وليس علة الإشاعة عموم الحاجة أو ندورها بل علته التعبد والتكليف من الله ~~وإلا فما يحتاج إليه كثير كالفصد والحجامة كما يحتاج إليه الأكثر في كونه ~~شرعا لا ينبغي أن يخفى # فإن قيل: فما الضابط لما تعبد الرسول صلى الله عليه وسلم فيه بالإشاعة ؟ # قلنا: إن طلبتم ضابطا لجوازه عقلا فلا ضابط بل لله تعالى أن يفعل في ~~تكليف رسوله من ذلك ما يشاء وإن أردتم وقوعه فإنما يعلم ذلك من فعل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وإذا استقرينا السمعيات وجدناها أربعة أقسام: # الأول: القرآن وقد علمنا أنه عني بالمبالغة في إشاعته. # الثاني: مباني الإسلام الخمس ،ككلمتي الشهادة والصلاة والزكاة والصوم ~~والحج ms204 وقد أشاعه إشاعة اشترك في معرفته العام الخاص # الثالث : أصول المعاملات التي ليست ضرورية مثل أصل البيع والنكاح فإن ذلك ~~أيضا قد تواتر بل كالطلاق والعتاق والاستيلاد والتدبير والكتابة فإن هذا ~~تواتر عند أهل العلم وقامت به الحجة القاطعة إما بالتواتر وإما بنقل الآحاد ~~في مشهد الجماعات مع سكوتهم والحجة تقوم به لكن العوام لم يشاركوا العلماء ~~في العلم بل فرض العوام فيه القبول من العلماء # الرابع : تفاصيل هذه الأصول فما يفسد الصلاة والعبادات وينقض الطهارة من ~~اللمس والمس والقيء وتكرار مسح الرأس فهذا الجنس منه ما شاع ومنه ما نقله الآحاد # ويجوز أن يكون مما تعم به البلوى فما نقله الآحاد فلا استحالة فيه ولا PageV01P323 ~~مانع فإن ما أشاعه كان يجوز أن لا يتعبد فيه بالإشاعة وما وكله إلى الآحاد ~~كان يجوز أن يتعبد فيه بالإشاعة لكن وقوع هذه الأمور يدل على أن التعبد وقع ~~كذلك فما كان يخالف أمر الله سبحانه وتعالى في شيء من ذلك هذا تمام الكلام ~~في الأخبار والله أعلم PageV01P324 ### || AUTO الأصل الثالث من أصول الأدلة: الإجماع ### ||| AUTO في إثبات كونه حجة على منكريه # ... # الأصل الثالث من أصول الأدلة الإجماع # وفيه أبواب: # الباب الأول: في إثبات كونه حجة على منكريه # ومن حاول إثبات كون الإجماع حجة افتقر إلى تفهيم لفظ الإجماع أولا: # وبيان تصوره ثانيا # وبيان إمكان الاطلاع عليه ثالثا # وبيان الدليل على كونه حجة رابعا # معنى الاجماع في الاصطلاح واللغة : # أما تفهيم لفظ الإجماع فإنما نعني به اتفاق أمة محمد صلى الله عليه وسلم ~~خاصة على أمر من الأمور الدينية . # ومعناه في وضع اللغة: الاتفاق والإزماع وهو مشترك بينهما فمن أزمع وصمم ~~العزم على إمضاء أمر يقال أجمع والجماعة إذا اتفقوا يقال أجمعوا وهذا يصلح ~~لإجماع اليهود والنصارى وللاتفاق في غير أمر الدين لكن العرف خصص اللفظ بما ~~ذكرناه. # وذهب النظام إلى أن الإجماع عبارة عن كل قول قامت حجته وإن كان قول واحد ~~وهو على خلاف اللغة والعرف لكنه سواه على مذهبه إذ ms205 لم ير الإجماع حجة ~~وتواتر إليه بالتسامع تحريم مخالفة الإجماع فقال هو كل قول قامت حجته . # أما الثاني: وهو تصوره فدليل تصوره وجوده فقد وجدنا الأمة مجمعة على أن ~~الصلوات خمس وأن صوم رمضان واجب وكيف يمتنع تصوره PageV01P325 ~~والأمة كلهم متعبدون باتباع النصوص والأدلة القاطعة , ومعرضون للعقاب ~~بمخالفتها؟ فكما لا يمتنع اجتماعهم على الأكل والشرب لتوافق الدواعي , ~~فكذلك على اتباع الحق واتقاء النار # فإن قيل : الأمة مع كثرتها , واختلاف دواعيها في الاعتراف بالحق , ~~والعناد فيه :كيف تتفق آراؤها؟ فذلك محال منها ,كاتفاقهم على أكل الزبيب ~~مثلا في يوم واحد ؟ # قلنا: لا صارف جميعهم إلى تناول الزبيب خاصة , ولجميعهم باعث على ~~الاعتراف بالحق ,كيف وقد تصور إطباق اليهود , مع كثرتهم , على الباطل ؟ فلم ~~لا يتصور إطباق المسلمين على الحق ؟والكثرة إنما تؤثر عند تعارض الأشباه ~~والدواعي والصوارف ,. ومستند الإجماع في الأكثر نصوص متواترة, وأمور معلومة ~~ضرورة بقرائن الأحوال , والعقلاء كلهم فيه على منهج واحد . # نعم هل يتصور الإجماع عن اجتهاد أو قياس ؟ ذلك فيه كلام سيأتي إن شاء الله . # أما الثالث: وهو تصور الاطلاع على الإجماع ، فقد قال قوم : لو تصور ~~إجماعهم فمن الذي يطلع عليهم مع تفرقهم في الأقطار ؟ # فنقول : يتصور معرفة ذلك بمشافهتهم إن كانوا عددا يمكن لقاؤهم . وإن لم ~~يمكن عرف مذهب قوم بالمشافهة ، ومذهب الآخرين بأخبار التواتر عنهم ، كما ~~عرفنا أن مذهب جميع أصحاب الشافعي منع قتل المسلم بالذمي ، وبطلان النكاح ~~بلا ولي ، ومذهب جميع النصارى التثليث ، ومذهب جميع المجوس التثنية . # فإن قيل : مذهب أصحاب الشافعي ، وأبي حنيفة ، مستند إلى قائل واحد ، PageV01P326 ~~وهو الشافعي ، وأبو حنيفة ، وقول الواحد يمكن أن يعلم ، وكذلك مذهب النصارى ~~يستند إلى عيسى عليه السلام . أما قول جماعة لا ينحصرون :كيف يعلم ؟ # قلنا وقول أمة محمد صلى الله عليه وسلم في أمور الدين يستند إلى ما فهموه ~~من محمد صلى الله عليه وسلم وسمعوه منه ، ثم إذا انحصر أهل الحل والعقد ، ~~فكما يمكن أن يعلم قول واحد أمكن أن يعلم قول الثاني إلى ms206 العشرة والعشرين . # فإن قيل : لعل أحدا منهم في أسر الكفار وبلاد الروم ؟ # قلنا: تجب مراجعته .ومذهب الأسير ينقل كمذهب غيره، وتمكن معرفته ، فمن شك ~~في موافقته للآخرين لم يكن متحققا للإجماع . # فإن قيل : فلو عرف مذهبه ربما يرجع عنه بعده . # قلنا : لا أثر لرجوعه بعد انعقاد الإجماع ، فإنه يكون محجوجا به. ولا ~~يتصور رجوع جميعهم. إذ يصير أحد الإجماعين خطأ ، وذلك ممتنع ، بدليل السمع . # [حجية الإجماع]: # أما الرابع : وهو إقامة الحجة على استحالة الخطأ على الأمة ، وفيه الشأن ~~كله ، وكونه حجة إنما يعلم بكتاب أو سنة متواترة أو عقل . # أما الإجماع فلا يمكن إثبات الإجماع به . PageV01P327 # وقد طمعوا في التلقي من الكتاب والسنة والعقل وأقواها السنة ونحن نذكر ~~المسالك الثلاثة : # المسلك الأول التمسك .بالكتاب . # وذلك قوله تعالى :{ وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس } ~~[البقرة:143]وقوله تعالى : { كنتم خير أمة أخرجت للناس } [ آل عمران 110] ~~وقوله تعالى : { وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون } [الأعراف : 159] ~~وقوله تعالى : { واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} ]آل عمران: من ~~الآية103[وقوله تعالى : { وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} [الشورى: ~~من الآية10] ومفهومه أن ما اتفقتم فيه فهو حق وقوله عز وجل : { فإن تنازعتم ~~في شيء فردوه إلى الله والرسول} [النساء: من الآية59 ] مفهومه إن اتفقتهم ~~فهو حق . # فهذه كلها ظواهر لا تنص على الغرض .بل لا تدل أيضا دلالة الظواهر # وأقواها قوله تعالى : { ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع ~~غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} [النساء 115]فإن ~~ذلك يوجب اتباع سبيل المؤمنين وهذا ما تمسك به الشافعي . # وقد أطنبنا في كتاب "تهذيب الأصول " في توجيه الأسئلة على الآية ودفعها . # والذي نراه أن الآية ليست نصا في الغرض بل الظاهر أن المراد بها أن من ~~يقاتل الرسول صلى الله عليه وسلم ويشاقه ويتبع غير سبيل المؤمنين في ~~مشايعته ونصرته ودفع الأعداء عنه نوله ما تولى فكأنه لم يكتف بترك المشاقة ~~حتى تنضم إليه متابعة سبيل المؤمنين ms207 في نصرته والذب عنه والانقياد له فيما ~~يأمر وينهي وهذا هو الظاهر السابق إلى الفهم فإن لم يكن ظاهرا فهو محتمل ~~ولو فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية بذلك لقبل ولم يجعل ذلك رفعا ~~للنص كما لو فسر المشاقة بالموافقة واتباع سبيل المؤمنين بالعدول عن سبيلهم PageV01P328 ~~المسلك الثاني: وهو الأقوى # التمسك بقوله صلى الله عليه وسلم : " لا تجتمع أمتي على الخطأ " وهذا من ~~حيث اللفظ أقوى وأدل على المقصود ولكن ليس بالمتواتر كالكتاب والكتاب ~~متواتر لكن ليس بنص # فطريق تقرير الدليل أن نقول تظاهرت الرواية عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بألفاظ مختلفة مع اتفاق المعنى في عصمة هذه الأمة من الخطأ واشتهر على ~~لسان المرموقين والثقات من الصحابة كعمر وابن مسعود وأبي سعيد الخدري وأنس ~~بن مالك وابن عمر وأبي هريرة وحذيفة بن اليمان وغيرهم ممن يطول ذكره من نحو ~~قوله صلى الله عليه وسلم " لا تجتمع أمتي على الضلالة ولم يكن الله ليجمع ~~أمتي على الضلالة وسألت الله تعالى أن لا يجمع أمتي على الضلالة فأعطانيها ~~ومن سره أن يسكن بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة فإن دعوتهم تحيط من ورائهم ~~وإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد " وقوله صلى الله عليه وسلم : ~~"يد الله مع الجماعة ولا يبالي الله بشذوذ من شذ ولا PageV01P329 ~~تزال طائفة من أمتي على الحق حتى يظهر أمر الله" و"لا تزال طائفة من أمتي ~~على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم" وروي "لا يضرهم خلاف من خالفهم إلا ما ~~أصابهم من لأواء " ومن خرج عن الجماعة أو فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ~~ربقة الإسلام من عنقه" ،"ومن فارق الجماعة ومات فميتته جاهلية" # وهذه الأخبار لم تزل ظاهرة في الصحابة والتابعين إلى زماننا هذا لم ~~يدفعها أحد من أهل النقل من سلف الأمة وخلفها بل هي مقبولة من موافقي الأمة ~~ومخالفيها ولم تزل الأمة تحتج بها في أصول الدين وفروعه # فإن قيل: فما وجه الحجة ودعوى التواتر في آحاد هذه الأخبار ms208 غير ممكن ونقل ~~الآحاد لا يفيد العلم ؟ # قلنا :في تقرير وجه الحجة طريقان : # أحدهما : أن ندعي العلم الضروري بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عظم ~~شأن هذه PageV01P330 ~~الأمة وأخبر عن عصمتها عن الخطأ بمجموع هذه الأخبار المتفرقة وإن لم تتواتر ~~آحادها وبمثل ذلك نجد أنفسنا مضطرين إلى العلم بشجاعة علي وسخاوة حاتم وفقه ~~الشافعي وخطابة الحجاج وميل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عائشة من ~~نسائه وتعظيمه صحابته وثنائه عليهم وإن لم تكن آحاد الأخبار فيها متواترة ~~بل يجوز الكذب على كل واحد منها لو جردنا النظر إليه ولا يجوز على المجموع ~~وذلك يشبه ما يعلم من مجموع قرائن آحادها لا ينفك عن الاحتمال ولكن ينتفي ~~الاحتمال عن مجموعها حتى يحصل العلم الضروري . # الطريق الثاني : أن لا ندعي علم الاضطرار بل علم الاستدلال من وجهين ~~الأول أن هذه الأحاديث لم تزل مشهورة بين الصحابة والتابعين يتمسكون بها في ~~إثبات الإجماع ولا يظهر أحد فيها خلافا وإنكارا إلى زمان النظام ويستحيل في ~~مستقر العادة توافق الأمم في أعصار متكررة على التسليم لما لم تقم الحجة ~~بصحته مع اختلاف الطباع وتفاوت الهمم والمذاهب في الرد والقبول ولذلك لم ~~ينفك حكم ثبت بأخبار الآحاد عن خلاف مخالف وإبداء تردد فيه . # الوجه الثاني : أن المحتجين بهذه الأخبار أثبتوا بها أصلا مقطوعا به وهو PageV01P331 ~~الإجماع الذي يحكم به على كتاب الله تعالى وعلى السنة المتواترة ويستحيل في ~~العادة التسليم لخبر يرفع به الكتاب المقطوع به إلا إذا استند إلى مستند ~~مقطوع به فأما رفع المقطوع بما ليس بمقطوع فليس معلوما حتى لا يتعجب متعجب ~~ولا يقول قائل كيف ترفعون الكتاب القاطع بإجماع مستند إلى خبر غير معلوم ~~الصحة وكيف تذهل عنه جميع الأمة إلى زمان النظام فيختص بالتنبه له ؟ هذا ~~وجه الاستدلال . # [مناقشة المنكرين للأدلة المثبتة للإجماع]: # وللمنكرين في معارضته ثلاثة مقامات : الرد والتأويل والمعارضة . # المقام الأول : في الرد : # وفيه أربعة أسئلة : # السؤال الأول : قولهم : لعل واحدا خالف هذه الأخبار وردها ولم ms209 ينقل إلينا؟ # قلنا :هذا أيضا تحيله العادة إذ الإجماع أعظم أصول الدين فلو خالف فيه ~~مخالف لعظم الأمر فيه واشتهر الخلاف إذ لم يندرس خلاف الصحابة في دية ~~الجنين ومسألة الحرام وحد الشرب فكيف اندرس الخلاف في أصل عظيم يلزم فيه ~~التضليل والتبديع لمن أخطأ في نفيه وإثباته وكيف اشتهر خلاف النظام مع سقوط ~~قدره وخسة رتبته وخفي خلاف أكابر PageV01P332 ~~الصحابة والتابعين ؟هذا مما لا يتسع له عقل أصلا . # السؤال الثاني : قالوا : قد استدللتم بالخبر على الإجماع ثم استدللتم ~~بالإجماع على صحة الخبر فهب أنهم أجمعوا على الصحة فما الدليل على أن ما ~~أجمعوا على صحته فهو صحيح وهل النزاع إلا فيه ؟ # قلنا : لا بل استدللنا على الإجماع بالخبر وعلى صحة الخبر بخلو الإعصار ~~عن المدافعة والمخالفة له مع أن العادة تقتضي إنكار إثبات أصل قاطع يحكم به ~~على القواطع بخبر غير معلوم الصحة فعلمنا بالعادة كون الخبر مقطوعا به لا ~~بالإجماع والعادة أصل يستفاد منها معارف فإن بها يعلم بطلان دعوى معارضة ~~القرآن واندراسها وبها يعلم بطلان دعوى نص الإمامة وإيجاب صلاة الضحى وصوم ~~شوال وإن ذلك لو كان لاستحال في العادة الكسوت عنه # السؤال الثالث : قالوا : بم تنكرون على من يقول : لعلهم أثبتوا الإجماع ~~لا بهذه الأخبار بل بدليل آخر. # قلنا : قد ظهر منهم الاحتجاج بهذه الأخبار في المنع من مخالفة الجماعة ، ~~وتهديد من يفارق الجماعة ويخالفها . وهذا أولى من أن يقال : لو كان لهم فيه ~~مستند لظهر وانتشر فإنه قد نقل تمسكهم أيضا بالآيات. # السؤال الرابع : قولهم : لما علمت الصحابة صحة هذه الأخبار لم لم يذكروا ~~طريق صحتها للتابعين حتى كان ينقطع الارتياب ويشاركونهم في العلم؟ # قلنا : لأنهم علموا تعريفه عليه السلام عصمة هذه الأمة بمجموع قرائن ~~وأمارات وتكريرات ألفاظ وأسباب دلت ضرورة على قصده إلى بيان نفي الخطأ عن ~~هذه الأمة وتلك القرائن لا تدخل تحت الحكاية ولا تحيط بها PageV01P333 ~~العبارات ، ولو حكوها لتطرق إلى آحادها احتمالات فاكتفوا بعلم التابعين بأن ~~الخبر المشكوك فيه لا يثبت ms210 به أصل مقطوع به و[لا]يقع التسليم في العادة به ~~فكانت العادة في حق التابعين أقوى من الحكاية # المقام الثاني: في التأويل: # ولهم تأويلات ثلاثة: # الأول: قوله صلى الله عليه وسلم لا تجتمع أمتي على ضلالة ينبىء عن الكفر ~~والبدعة فلعله أراد عصمة جميعهم عن الكفر بالتأويل والشبهة وقوله على الخطأ ~~لم يتواتر وإن صح فالخطأ عام يمكن حمله على الكفر. # قلنا: الضلال في وضع اللسان لا يناسب الكفر قال الله تعالى {ووجدك ضالا ~~فهدى} ]الضحى:7[وقال تعالى إخبارا عن موسى عليه السلام {فعلتها إذا وأنا من ~~الضالين} ]الشعراء: من الآية20[وما أراد من الكافرين بل أراد من المخطئين ~~يقال ضل فلان عن الطريق وضل سعي فلان كل ذلك الخطأ كيف وقد فهم ضرورة من ~~هذه الألفاظ تعظيم شأن هذه الأمة وتخصيصها بهذه الفضيلة أما العصمة عن ~~الكفر فقد أنعم بها في حق علي وابن مسعود وأبي وزيد على مذهب النظام لأنهم ~~ماتوا على الحق وكم من آحاد عصموا عن الكفر حتى ماتوا فأي خاصية للأمة فدل ~~أنه أراد ما لم يعصم عنه الآحاد من سهو وخطأ وكذب ويعصم عنه الأمة تنزيلا ~~لجميع الأمة منزلة النبي صلى الله عليه وسلم في العصمة عن الخطأ في الدين ~~أما في غير الدين من إنشاء حرب وصلح وعمارة بلدة PageV01P334 ~~فالعموم يقتضي العصمة للأمة عنه أيضا ولكن ذلك مشكوك فيه وأمر الدين مقطوع ~~بوجوب العصمة فيه كما في حق النبي صلى الله عليه وسلم فإنه أخطأ في أمر ~~تأبير النخل ثم قال "أنتم أعرف بأمر دنياكم وأنا أعرف بأمر دينكم ". # التأويل الثاني : قولهم غاية هذا أن يكون عاما يوجب العصمة عن كل خطأ ~~ويحتمل أن يكون المراد به بعض أنواع الخطأ من الشهادة في الآخرة أو ما ~~يوافق النص المتواتر أو يوافق دليل العقل دون ما يكون بالاجتهاد والقياس . # قلنا: لا ذاهب من الأمة إلى هذا التفصيل إذ ما دل من العقل على تجويز ~~الخطأ عليهم في شيء دل على تجويزه في شيء آخر وإذا لم يكن ms211 فارق لم يكن ~~تخصيص بالتحكم دون دليل ولم يكن تخصيص أولى من تخصيص وقد ذم من خالف ~~الجماعة وأمر بالموافقة فلو لم يكن ما فيه العصمة معلوما استحال الاتباع ~~إلا أن ثبت العصمة مطلقا وبه ثبتت فضيلة الأمة وشرفها فأما العصمة عن البعض ~~دون البعض فهذا يثبت لكل كافر فضلا عن المسلم إذ ما من شخص يخطىء في كل شيء ~~بل كل إنسان فإنه يعصم عن الخطأ في بعض الأشياء. # التأويل الثالث : أن أمته صلى الله عليه وسلم كل من آمن به إلى يوم ~~القيامة فجملة هؤلاء من أول الإسلام إلى آخر عمر الدنيا لا يجتمعون على خطأ ~~بل كل حكم انقضى على اتفاق أهل الأعصار كلها بعد بعثة النبي صلى الله عليه ~~وسلم فهو حق إذ الأمة عبارة عن الجميع كيف والذين ماتوا في زماننا هم من ~~الأمة وإجماع من بعدهم ليس إجماع جميع الأمة بدليل أنهم لو كانوا قد خالفوا ~~ثم ماتوا لم ينعقد بعدهم إجماع وقبلنا: من الأمة من خالف وإن كان قد مات ~~فكذلك إذا لم يوافقوا. # قلنا: كما لا يجوز أن يراد بالأمة المجانين والأطفال والسقط والمجتن وإن ~~كانوا من الأمة فلا يجوز أن يراد به الميت والذي لم يخلق بعد بل PageV01P335 ~~الذي يفهم: قوم يتصور منهم اختلاف واجتماع ولا يتصور الاجتماع والاختلاف من ~~المعدوم والميت والدليل عليه أنه أمر باتباع الجماعة وذم من شذ عن الموافقة ~~فإن كان المراد به ما ذكروه فإنما يتصور الاتباع والمخالفة في القيامة لا ~~في الدنيا فيعلم قطعا أن المراد به إجماع يمكن خرقه ومخالفته في الدنيا ~~وذلك هم الموجودن في كل عصر أما إذا مات فيبقى أثر خلافه فإن مذهبه لا يموت ~~بموته وسيأتي فيه كلام شاف إن شاء الله تعالى . # المقام الثالث المعارضة بالآيات والأخبار: # أما الآيات: فكل ما فيها منع من الكفر والردة والفعل الباطل فهو عام مع ~~الجميع فإن لم يكن ذلك ممكنا فكيف نهوا عنه ؟كقوله تعالى : { وأن تقولوا ~~على الله ما لا تعلمون} ms212 ] الأعراف: من الآية33[ {ومن يرتدد منكم عن دينه ~~فيمت وهو كافر } ]البقرة: من الآية217[) {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ~~}] البقرة: من الآية188[وأمثال ذلك. # قلنا: ليس هذا نهيا لهم عن الاجتماع بل نهي للآحاد وإن كان كل واحد على ~~حياله داخلا في النهي وإن سلم فليس من شرط النهي وقوع المنهي عنه ولا جواز ~~وقوعه فإن الله تعالى علم أن جميع المعاصي لا تقع منهم ونهاهم عن الجميع ~~وخلاف المعلوم غير واقع وقال لرسوله صلى الله عليه وسلم {لئن أشركت ليحبطن ~~عملك } ]الزمر: من الآية65[ وقال {فلا تكونن من الجاهلين} ]الأنعام: من ~~الآية35[وقد علم أنه قد عصمه منهم وأن ذلك لا يقع . # وأما الأخبار فقوله عليه السلام :" بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما ~~بدأ ". وقوله عليه السلام:" خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين ~~يلونهم ثم يفشو الكذب حتى إن الرجل ليحلف وما يستحلف ويشهد وما PageV01P336 ~~يستشهد" وكقوله صلى الله عليه وسلم:" لا تقوم الساعة إلا على شرار أمتي " # قلنا: هذا وأمثاله يدل على كثرة العصيان والكذب ولا يدل على أنه لا يبقى ~~متمسك بالحق ولا يناقض قوله صلى الله عليه وسلم لا تزال طائفة من أمتي على ~~الحق حتى يأتي أمر الله وحتى يظهر الدجال كيف ولا تجري هذه الأخبار في ~~الصحة والظهور مجرى الأحاديث التي تمسكنا بها؟ # المسلك الثالث التمسك بالطريق المعنوي: # وبيانه أن الصحابة إذا قضوا بقضية وزعموا أنهم قاطعون بها فلا يقطعون بها ~~إلا عن مستند قاطع وإذا كثروا كثرة تنتهي إلى حد التواتر فالعادة تحيل ~~عليهم قصد الكذب وتحيل عليهم الغلط حتى لا يتنبه واحد منهم للمحق في ذلك ~~وإلى أن القطع بغير دليل قاطع خطأ فقطعهم في غير محل القطع محال في العادة ~~فإن قضوا عن اجتهاد واتفقوا عليه فيعلم أن التابعين كانوا يشددون النكير ~~على مخالفيهم ويقطعون به وقطعهم بذلك قطع في غير محل القطع فلا يكون ذلك ~~أيضا إلا عن قاطع وإلا فيستحيل في العادة أن يشذ عن جميعهم الحق مع كثرتهم ms213 ~~حتى لا يتنبه واحد منهم للحق وكذلك نعلم أن التابعين لو أجمعوا على شيء ~~أنكر تابعوا التابعين على المخالف وقطعوا بالإنكار وهو قطع في غير محل ~~القطع فالعادة تحيل ذلك إلا عن قاطع # وعلى مساق هذا قالوا لو رجع أهل الحل والعقد إلى عدد ينقص عن عدد التواتر ~~فلا يستحيل عليهم الخطأ في العادة ولا تعمد الكذب لباعث عليه فلا حجة فيه PageV01P337 ~~وهذه الطريقة ضعيفة عندنا لأن منشأ الخطأ إما تعمد الكذب وإما ظنهم ما ليس ~~بقاطع قاطعا والأول غير جائز على عدد التواتر وأما الثاني فجائز فقد قطع ~~اليهود ببطلان نبوة عيسى ومحمد عليهما السلام وهم أكثر من عدد التواتر وهو ~~قطع في غير محل القطع لكن ظنوا ما ليس بقاطع قاطعا والمنكرون لحدوث العالم ~~والنبوات والمرتكبون لسائر أنواع البدع والضلالات عددهم بالغ مبلغ عدد ~~التواتر ويحصل الصدق بإخبارهم ولكن أخطؤوا بالقطع في غير محل القطع وهذا ~~القائل يلزمه أن يجعل إجماع اليهود والنصارى حجة ولا تخصيص لهذه الأمة وقد ~~أجمعوا على بطلان دين الإسلام # فإن قيل: هذا تمسك بالعادة وأنتم في نصرة المسلك الثاني استروحتم إلى ~~العادة وهذا عين الأول. # قلنا: العادة لا تحيل على عدد التواتر أن يظنوا ما ليس بقاطع قاطعا وعن ~~هذا قلنا شرط خبر التواتر أن يستند إلى محسوس والعادة تحيل الانقياد ~~والسكوت عمن دفع الكتاب والسنة المتواترة بإجماع دليله خبر مظنون غير مقطوع ~~به وكل ما هو ضروري يعلم بالحس أو بقرينة الحال أو بالبديهة فمنهاجه واحد ~~ويتفق الناس على دركه والعادة تحيل الذهول عنه على أهل التواتر وما هو نظري ~~فطرقه مختلفة فلا يستحيل في العادة أن يجتمع أهل التواتر على الغلط فيه ~~فهذا هو الفرق بين المسلكين. # فإن قيل: اعتمادكم في هذا المسلك الثاني أن ما أجمعوا عليه حق وليس بخطأ ~~فما الدليل على وجوب اتباعه ؟وكل مجتهد مصيب للحق ولا يجب على مجتهد آخر ~~اتباعه والشاهد المزور مبطل ويجب على القاضي اتباعه فوجوب الاتباع شيء وكون ~~الشيء حقا غيره. # قلنا: ms214 أجمعت الأمة على وجوب اتباع الإجماع وأنه من الحق الذي يجب اتباعه ~~وبحسب كونهم محقين في قولهم يجب اتباع الإجماع. # ثم نقول: كل حق علم كونه حقا فالأصل فيه وجوب الاتباع PageV01P338 ~~والمجتهد يجب اتباعه إلا على المجتهد الذي هو محق أيضا فقدم حق حصل ~~باجتهاده على ما حصل باجتهاد غيره في حقه والشاهد المزور لو علم كونه مزورا ~~لم يتبع ويدل عليه أيضا ذمة من خالف الجماعة وأنه ذكر هذا في معرض الثناء ~~على الأمة ولا يتحقق ذلك إلا بوجوب الاتباع وإلا فلا يبقى له معنى إلا أنهم ~~محقون إذا أصابوا دليل الحق وذلك جائز في حق كل واحد من أفراد المؤمنين ~~فليس فيه مدح وتخصيص البتة PageV01P339 ### ||| AUTO في بيان أركان الإجماع # ... # الباب الثاني في بيان أركان الإجماع # وله ركنان :المجمعون، ونفس الإجماع . # الركن الأول المجمعون # وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم وظاهر هذا يتناول كل مسلم لكن لكل ظاهر ~~طرفان واضحان في النفي والإثبات وأوساط متشابهة: # أما الواضح في الإثبات فهو كل مجتهد مقبول الفتوى فهو أهل الحل والعقد ~~قطعا ولا بد من موافقته في الإجماع . # وأما الواضح في النفي فالأطفال والمجانين والأجنة فإنهم وإن كانوا من ~~الأمة فنعلم أنه عليه الصلاة والسلام ما أراد بقوله صلى الله عليه وسلم:" ~~لا تجتمع أمتي على الخطأ" إلا من يتصور منه الوفاق والخلاف في المسألة بعد ~~فهمهما فلا يدخل فيه من لا يفهمها. # وبين الدرجتين العوام المكلفون والفقيه الذي ليس بأصولي والأصولي الذي ~~ليس بفقيه والمجتهد الفاسق والمبتدع والناشىء من التابعين مثلا إذا قارب ~~رتبة الاجتهاد في عصر الصحابة. # فنرسم في كل واحد مسألة . # مسألة: إجماع أهل الحل والعقد؟: # يتصور دخول العوام في الإجماع، فإن الشريعة تنقسم إلى ما يشترك في دركه ~~العوام والخواص كالصلوات الخمس ووجوب الصوم والزكاة والحج فهذا مجمع عليه ~~والعوام وافقوا الخواص في الإجماع وإلى ما يختص بدركه الخواص كتفصيل أحكام ~~الصلاة والبيع والتدبير والاستيلاد PageV01P340 ~~فما أجمع عليه الخواص فالعوام متفقون على أن الحق فيه ما ms215 أجمع عليه أهل ~~الحل والعقد لا يضمرون فيه خلافا أصلا فهم موافقون أيضا فيه ويحسن تسمية ~~ذلك إجماع الأمة قاطبة كما أن الجند إذا حكموا جماعة من أهل الرأي والتدبير ~~في مصالحة أهل قلعة فصالحوهم على شيء يقال هذا باتفاق جميع الجند فإذا كل ~~مجمع عليه من المجتهدين فهو مجموع عليه من جهة العوام وبه يتم إجماع الأمة. # فإن قيل: فلو خالف عامي في واقعة أجمع عليها الخواص من أهل العصر فهل ~~ينعقد الإجماع دونه إن كان ينعقد فكيف خرج العامي من الأمة وإن لم ينعقد ~~فكيف يعتد بقول العامي ؟ # قلنا: قد اختلف الناس فيه، فقال قوم: لا ينعقد لأنه من الأمة فلا بد من ~~تسليمه بالجملة أو بالتفصيل وقال آخرون وهو الأصح إنه ينعقد بدليلين : # أحدهما: أن العامي ليس أهلا لطلب الصواب إذ ليس له آلة هذا الشأن فهو ~~كالصبي والمجنون في نقصان الآلة ولا يفهم من عصمة الأمة من الخطأ إلا عصمة ~~من يتصور منه الإصابة لأهليته. # والثاني : وهو الأقوى: أن العصر الأول من الصحابة قد أجمعوا على أنه لا ~~عبرة بالعوام في هذا الباب أعني خواص الصحابة وعوامهم ولأن العامي إذا قال ~~قولا علم أنه يقوله عن جهل وأنه ليس يدري ما يقول وأنه ليس أهلا للوفاق ~~والخلاف فيه وعن هذا لا يتصور صدور هذا من عامي عاقل لأن العاقل يفوض ما لا ~~يدري إلى من يدري فهذه صورة فرضت ولا وقوع لها أصلا. # ويدل على انعقاد الإجماع أن العامي يعصي بمخالفته العلماء ويحرم ذلك عليه ~~ويدل على عصيانه ما ورد من ذم الرؤساء الجهال إذا ضلوا وأضلوا PageV01P341 ~~بغير علم وقوله تعالى {لعلمه الذين يستنبطونه منهم } ]النساء: من الآية83[ ~~فردهم عن النزاع إلى أهل الاستنباط وقد وردت أخبار كثيرة بإيجاب المراجعة ~~للعلماء وتحريم فتوى العامة بالجهل والهوى وهذا لا يدل على انعقاد الإجماع ~~دونهم فإنه يجوز أن يعصي بالمخالفة كما يعصي من يخالف خبر الواحد ولكن ~~يمتنع وجود الإجماع لمخالفته والحجة في الإجماع فإذا امتنع بمعصية أو ms216 بما ~~ليس بمعصية فلا حجة وإنما الدليل ما ذكرنا من قبل. # مسألة: يعتد بقول الأصولي والفقيه المبرز: # إذا قلنا: لا يعتبر قول العوام لقصور آلتهم فرب متكلم ونحوي ومفسر ومحدث ~~هو ناقض الآلة في درك الأحكام. # فقال قوم: لا يعتد إلا بقول أئمة المذاهب المستقلين بالفتوى كالشافعي ~~ومالك وأبي حنيفة وأمثالهم من الصحابة والتابعين ومنهم من ضم إلى الأئمة ~~الفقهاء الحافظين لأحكام الفروع الناهضين بها لكن أخرج الأصولي الذي لا ~~يعرف تفاصيل الفروع ولا يحفظها # والصحيح أن الأصولي العارف بمدارك الأحكام وكيفية تلقيها من المفهوم ~~والمنظوم وصيغة الأمر والنهي والعموم وكيفية تفهيم النصوص والتعليل أولى ~~بالاعتداد بقوله من الفقيه الحافظ للفروع بل ذو الآلة من هو متمكن من درك ~~الأحكام إذا أراد وإن لم يحفظ الفروع والأصولي قادر عليه والفقيه الحافظ ~~للفروع لا يتمكن منه . # آية أنه لا يعتبر حفظ الفروع أن العباس والزبير وطلحة وسعدا وعبد الرحمن ~~بن عوف وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وأبا عبيدة بن الجراح وأمثالهم ممن لم ~~ينصب نفسه للفتوى ولم يتظاهر بها تظاهر العبادلة وتظاهر علي وزيد بن ثابت ~~ومعاذ كانوا يعتدون بخلافهم لو خالفوا وكيف لا وكانوا صالحين للإمامة ~~العظمى ولا سيما لكون أكثرهم في الشورى وما كانوا PageV01P342 ~~يحفظون الفروع؟ بل لم تكن الفروع موضوعة بعد لكن عرفوا الكتاب والسنة ~~وكانوا أهلا لفهمهما والحافظ لفروع قد لا يحفظ دقائق فروع الحيض والوصايا ~~فأصل هذه الفروع كهذه الدقائق فلا يشترط حفظها فينبغي أن يعتد بخلاف ~~الأصولي وبخلاف الفقيه المبرز لأنهما ذوا آلة على الجملة يقولان ما يقولان ~~عن دليل # أما النحوي والمتكلم فلا يعتد بهما لأنهما من العوام في حق هذا العلم إلا ~~أن يقع الكلام في مسألة تنبني على النحو أو على الكلام # فإن قيل: فهذه المسألة قطعية أم اجتهادية؟ # قلنا: هي اجتهادية ولكن إذا جوزنا أن يكون قوله معتبرا صار الإجماع ~~مشكوكا فيه عند مخالفته فلا يصير حجة قاطعة إنما يكون حجة قاطعة إذا لم ~~يخالف هؤلاء أما خلاف العوام ms217 فلا يقع ولو وقع فهو قول باللسان وهو معترف ~~بكونه جاهلا بما يقول فبطلان قوله مقطوع به كقول الصبي فأما هذا فليس كذلك # فإن قيل: فإذا قلد الأصولي الفقهاء فيما اتفقوا عليه في الفروع وأقر بأنه ~~حق هل ينعقد الإجماع ؟ # قلنا: نعم لأنه لا مخالفة وقد وافق الأصولي جملة وإن لم يعرف التفصيل كما ~~أن الفقهاء اتفقوا على أن ما أجمع عليه المتكلمون في باب الاستطاعة والعجز ~~والأجسام والأعراض والضد والخلاف فهو صواب فيحصل الإجماع بالموافقة الجملية ~~كما يحصل من العوام لأن كل فريق كالعامي بالإضافة إلى ما لم يحصل علمه وإن ~~حصل علما آخر # مسألة :عدم انعقاد الإجماع بالمجتهد الفاسق: # المبتدع إذا خالف لم ينعقد الإجماع دونه إذا لم يكفر بل هو كمجتهد فاسق ~~وخلاف المجتهد الفاسق معتبر. # فإن قيل: لعله يكذب في إظهار الخلاف وهو لا يعتقده؟ PageV01P343 # قلنا: لعله يصدق ولا بد من موافقته ولو لم نتحقق موافقته كيف وقد نعلم ~~اعتقاد الفاسق بقرائن أحواله في مناظراته واستدلالاته والمبتدع ثقة يقبل ~~قوله فإنه ليس يدري أنه فاسق أما إذا كفر ببدعته فعند ذلك لا يعتبر خلافه ~~وإن كان يصلي إلى القبلة ويعتقد نفسه مسلما لأن الأمة ليست عبارة عن ~~المصلين إلى القبلة بل عن المؤمنين وهو كافر وإن كان لا يدري أنه كافر نعم ~~لو قال بالتشبيه والتجسيم وكفرناه فلا يستدل على بطلان مذهبه بإجماع ~~مخالفيه على بطلان التجسيم مصيرا إلى أنهم كل الأمة دونه لأن كونهم كل ~~الأمة موقوف على إخراج هذا من الأمة والإخراج من الأمة موقوف على دليل ~~التكفير فلا يجوز أن يكون دليل تكفيره ما هو موقوف على تكفيره فيؤدي إلى ~~إثبات الشيء بنفسه # نعم: بعد أن كفرناه بدليل عقلي لو خالف في مسألة أخرى لم يلتفت إليه فلو ~~تاب وهو مصر على المخالفة في تلك المسألة التي أجمعوا عليها في حال كفره ~~فلا يلتفت إلى خلافه بعد الإسلام لأنه مسبوق بإجماع كل الأمة وكان المجمعون ~~في ذلك الوقت كل الأمة دونه فصار كما ms218 لو خالف كافر كافة الأمة ثم أسلم وهو ~~مصر على ذلك الخلاف فإن ذلك لا يلتفت إليه إلا على قول من يشترط انقراض ~~العصر في الإجماع # فإن قيل: فلو ترك بعض الفقهاء الإجماع بخلاف المبتدع المكفر إذا لم يعلم ~~أن بدعته توجب الكفر وظن أن الإجماع لا ينعقد دونه فهل يعذر من حيث أن ~~الفقهاء لا يطلعون على معرفة ما يكفر به من التأويلات ؟ # قلنا: للمسألة صورتان: # إحداهما : أن يقول الفقهاء نحن لا ندري أن بدعته توجب الكفر أم لا ففي ~~هذه الصورة لا يعذرون فيه إذ يلزمهم مراجعة علماء الأصول ويجب على العلماء ~~تعريفهم فإذا أفتوا بكفره فعليهم التقليد فإن لم يقنعهم التقليد فعليهم ~~السؤال عن الدليل حتى إذا ذكر لهم دليله فهموه لا محالة لأن دليله PageV01P344 ~~قاطع فإن لم يدركه فلا يكون معذورا كمن لا يدرك دليل صدق الرسول صلى الله ~~عليه وسلم فإنه لا عذر مع نصب الله تعالى الأدلة القاطعة # الصورة الثانية : أن لا يكون قد بلغته بدعته وعقيدته فترك الإجماع ~~لمخالفته فهو معذور في خطئه وغير مؤاخذ به وكان الإجماع لم ينتهض حجة في ~~حقه كما إذا لم يبلغه الدليل الناسخ لأنه غير منسوب إلى تقصير بخلاف الصورة ~~الأولى فإنه قادر على المراجعة والبحث فلا عذر له في تركه فهو كمن قبل ~~شهادة الخوارج وحكم بها فهو مخطىء لأن الدليل على تكفير الخوارج على علي ~~عثمان رضي الله عنهما والقائلين بكفرهما المعتقدين استباحة دمهما ومالهما ~~ظاهر يدرك على القرب فلا يعذر من لا يعرفه بخلاف من حكم بشهادة الزور وهو ~~لا يعرف لأنه لا طريق له إلى معرفة صدق الشاهد وله طريق إلى معرفة كفره # فإن قيل: وما الذي يكفر به ؟ # قلنا: الخطب في ذلك طويل وقد أشرنا إلى شيء منه في كتاب فصل التفرقة بين ~~الإسلام والزندقة والقدر الذي نذكره الآن أنه يرجع إلى ثلاثة أقسام: # الأول ما يكون نفس اعتقاده كفرا كإنكار الصانع وصفاته وجحد النبوة # الثاني : ما يمنعه اعتقاده من الاعتراف بالصانع ms219 وصفاته وتصديق رسله ~~ويلزمه إنكار ذلك من # حيث التناقض. # الثالث : ما ورد التوقيف بأنه لا يصدر إلا من كافر كعبادة النيران ~~والسجود PageV01P345 ~~للصنم وجحد سورة من القرآن وتكذيب بعض الرسل واستحلال الزنا والخمر وترك ~~الصلاة وبالجملة :إنكار ما عرف بالتواتر والضرورة من الشريعة # مسألة هل ينعقد إجماع غير الصحابة ؟ # قال قوم: لا يعتد بإجماع غير الصحابة وسنبطله . # وقال قوم: يعتد بإجماع التابعين بعد الصحابة ولكن لا يعتد بخلاف التابعي ~~في زمان الصحابة ولا يندفع إجماع الصحابة بخلافه. # وهذا فاسد مهما بلغ التابعي رتبة الاجتهاد قبل تمام الإجماع لأنه من ~~الأمة فإجماع غيره لا يكون إجماع جميع الأمة بل إجماع البعض والحجة في ~~إجماع الكل نعم لو أجمعوا ثم بلغ رتبة الاجتهاد بعد إجماعهم فهو مسبوق ~~بالإجماع فليس له الآن أن يخالف كمن أسلم بعد تمام الإجماع. # ويدل عليه قوله تعالى {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله } ]الشورى: ~~من الآية10[ وهذا مختلف فيه ويدل عليه إجماع الصحابة على تسويغ الخلاف ~~للتابعي وعدم إنكارهم عليه فهو إجماع منهم على جواز الخلاف كيف وقد علم أن ~~كثيرا من أصحاب عبد الله كعلقمة والأسود وغيرهما كانوا يفتون في عصر ~~الصحابة وكذا الحسن البصري وسعيد بن المسيب فكيف لا يعتد بخلافهم؟! # وعلى الجملة فلا يفضل الصحابي التابعي إلا بفضيلة الصحبة ولو كانت هذه ~~الفضيلة تخصص الإجماع لسقط قول الأنصار بقول المهاجرين وقول المهاجرين بقول ~~العشرة وقول العشرة بقول الخلفاء الأربعة وقولهم بقول أبي بكر وعمر رضي ~~الله عنهم. # فإن قيل: روي عن عائشة رضي الله عنها أنها أنكرت على أبي سلمة بن عبد ~~الرحمن مجاراة الصحابة وقالت فروج يصقع مع الديكة PageV01P346 ~~قلنا: ما ذكرناه مقطوع به ولم يثبت عن عائشة ما ذكرتم إلا بقول الآحاد وإن ~~ثبت فهو مذهبها ولا حجة فيه ثم لعلها أرادت منعه من مخالفتهم فيما سبق ~~إجماعهم عليه أو لعلها أنكرت عليه خلافه في مسألة لا تحتمل الاجتهاد في ~~اعتقادها كما أنكرت على زيد بن أرقم في مسألة العينة ms220 وظنت أن وجوب حسم ~~الذريعة قطعي # واعلم: أن هذه المسألة يتصور الخلاف فيها مع من يوافق على أن إجماع ~~الصحابة يندفع بمخالفة واحد من الصحابة أما من ذهب إلى أنه لا يندفع خلاف ~~الأكثر بالأقل كيفما كان فلا يختص كلامه بالتابعي # مسألة: هل ينعقد إجماع الأكثر أم لا؟: # الإجماع من الأكثر ليس بحجة مخالفة الأقل # وقال قوم: إن بلغ عدد الأقل عدد التواتر اندفع الإجماع وإن نقص فلا يندفع # والمعتمد عندنا أن العصمة إنما تثبت للأمة بكليتها وليس هذا إجماع الجميع ~~بل هو مختلف فيه وقد قال تعالى {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله } ~~]الشورى: من الآية10 [ # فإن قيل: قد تطلق الأمة ويراد بها الأكثر كما يقال بنو تميم يحمون الجار ~~ويكرمون الضيف ويراد الأكثر قلنا: من يقول بصيغة العموم يحمل ذلك على ~~الجميع ولا يجوز التخصيص PageV01P347 ~~بالتحكم بل بدليل وضرورة ولا ضرورة ههنا ومن لا يقول به فيجوز أن يريد به ~~الأقل وعند ذلك لا يتميز البعض المراد عما ليس بمراد ولا بد من إجماع ~~الجميع ليعلم أن البعض المراد داخل فيه كيف وقد وردت أخبار تدل على قلة أهل ~~الحق حيث قال صلى الله عليه وسلم وهم يومئذ الأقلون وقال صلى الله عليه ~~وسلم:" سيعود الدين غريبا كما بدا غريبا" وقال تعالى { بل أكثرهم لا ~~يعقلون} ]العنكبوت: من الآية63[وقال تعالى :{ وقليل من عبادي الشكور} ]سبأ: ~~من الآية13[وقال تعالى { كم من فئة قليلة } ]البقرة: من الآية249[وإذا لم ~~يكن ضابط ولا مرد فلا خاص إلا باعتبار قول الجميع # الدليل الثاني : إجماع الصحابة على تجويز الخلاف للآحاد فكم من مسألة قد ~~انفرد فيها الآحاد بمذهب كانفراد ابن عباس بالعول فإنه أنكره # فإن قيل: لا بل أنكروا على ابن عباس القول بتحليل المتعة وأن الربا في ~~النسيئة وأنكرت عائشة على ابن أرقم مسألة العينة وأنكروا على أبي موسى ~~الأشعري قوله النوم لا ينقض الوضوء وعلى أبي طلحة القول بأن أكل البرد لا ~~يفطر وذلك لانفرادهم به. PageV01P348 # قلنا: لا بل لمخالفتهم ms221 السنة الواردة فيه المشهورة بينهم أو لمخالفتهم أدلة ~~ظاهرة قامت عندهم # ثم نقول هب أنهم أنكروا انفراد المنفرد والمنكر منكر عليهم إنكارهم ولا ~~ينعقد الإجماع فلا حجة في إنكارهم مع مخالفة الواحد # ولهم شبهتان: # الشبهة الأولى : قولهم قول الواحد فيما يخبر عن نفسه لا يورث العلم فكيف ~~يندفع به قول عدد حصل العلم بإخبارهم عن أنفسهم لبلوغهم عدد التواتر؟ وعن ~~هذا قال قوم: عدد الأقل إلى أن يبلغ مبلغ التواتر يدفع الإجماع. # وهذا فاسد من ثلاثة أوجه: # الأول : إن صدق الأكثر وإن علم فليس ذلك صدق جميع الأمة واتفاقهم والحجة ~~في اتفاق الجميع فسقطت الحجة لأنهم ليسوا كل الأمة. # الثاني: إن كذب الواحد ليس بمعلوم فلعله صادق فلا تكون المسألة اتفاقا من ~~جميع الصادقين إن كان صادقا . # الثالث : إنه لا نظر إلى ما يضمرون بل التعبد متعلق بما يظهرون فهو ~~مذهبهم وسبيلهم لا ما أضمروه . # فإن قيل: فهل يجوز أن تضمر الأمة خلاف ما تظهر ؟ # قلنا :ذلك إن كان إنما يكون عن تقية وإلجاء وذلك يظهر ويشتهر وإن لم ~~يشتهر فهو محال لأنه يؤدي إلى اجتماع الأمة على ضلالة وباطل وهو ممتنع ~~بدليل السمع . PageV01P349 # الشبهة الثانية : إن مخالفة الواحد شذوذ عن الجماعة وهو منهي عنه فقد ورد ~~ذم الشاذ وأنه كالشاذ من الغنم عن القطيع. # قلنا: الشاذ عبارة عن الخارج عن الجماعة بعد الدخول فيها ومن دخل في ~~الإجماع لا يقبل خلافه بعده وهو الشذوذ أما الذي لم يدخل أصلا فلا يسمى شاذا . # فإن قيل: فقد قال عليه السلام:" عليكم بالسواد الأعظم فإن الشيطان مع ~~الواحد وهو عن الاثنين أبعد" قلنا: أراد به الشاذ الخارج على الإمام ~~بمخالفة الأكثر على وجه يثير الفتنة وقوله وهو عن الاثنين أبعد أراد به ~~الحث على طلب الرفيق في الطريق ولهذا قال عليه السلام والثلاثة ركب # وقد قال بعضهم: قول الأكثر حجة وليس بإجماع # وهو متحكم بقوله أنه حجة إذ لا دليل عليه. # وقال بعضهم مرادي به أن اتباع الأكثر أولى # قلنا: هذا يستقيم ms222 في الأخبار وفي حق المقلد إذا لم يجد ترجيحا بين PageV01P350 ~~المجتهدين سوى الكثرة وأما المجتهد فعليه اتباع الدليل دون الأكثر لأنه إن ~~خالفه واحد لم يلزمه اتباعه وإن انضم إليه مخالف آخر لم يلزمه الاتباع . # مسألة: إجماع أهل المدينة عند مالك : # قال مالك: الحجة في إجماع أهل المدينة فقط # وقال قوم: المعتبر إجماع أهل الحرمين: مكة والمدينة والمصرين: الكوفة ~~والبصرة # وما أراد المحصلون بهذا إلا أن هذه البقاع قد جمعت في زمن الصحابة أهل ~~الحل والعقد فإن أراد مالك أن المدينة هي الجامعة لهم فمسلم له ذلك لو جمعت ~~وعند ذلك لا يكون للمكان فيه تأثير وليس ذلك بمسلم بل لم تجمع المدينة جميع ~~العلماء لا قبل الهجرة ولا بعدها بل ما زالوا متفرقين في الأسفار والغزوات ~~والأمصار فلا وجه لكلام مالك إلا أن يقول عمل أهل المدينة حجة لأنهم ~~الأكثرون والعبرة بقول الأكثرين وقد أفسدناه أو يقول يدل اتفاقهم في قول أو ~~عمل أنهم استندوا إلى سماع قاطع فإن الوحي الناسخ نزل فيهم فلا تشذ عنهم ~~مدارك الشريعة # وهذا تحكم إذ لا يستحيل أن يسمع غيرهم حديثا من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في سفر أو في المدينة لكن يخرج منها قبل نقله فالحجة في الإجماع ولا إجماع # وقد تكلف لمالك تأويلات ومعاذير استقصيناها في كتاب تهذيب الأصول ولا ~~حاجة إليها هاهنا # وربما احتجوا بثناء رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة وعلى أهلها ~~وذلك يدل على فضيلتهم وكثرة ثوابهم لسكناهم المدينة ولا يدل على تخصيص ~~الإجماع بهم PageV01P351 ~~إجماع الخلفاء الأربعة : # وقد قال :قوم الحجة في اتفاق الخلفاء الأربعة # وهو تحكم لا دليل عليه إلا ما تخيله جماعة في أن قول الصحابي حجة وسيأتي ~~في موضعه # مسألة: هل يشترط التواتر في الإجماع: # اختلفوا في أنه هل يشترط أن يبلغ أهل الإجماع عدد التواتر.؟ # أما من أخذه من دليل العقل واستحالة الخطأ بحكم العادة فيلزمه الاشتراط ~~والذين أخذوه من السمع اختلفوا فمنهم من شرط ذلك لأنه إذا نقص ms223 عددهم فنحن ~~لا نعلم إيمانهم بقولهم فضلا عن غيره # وهذا فاسد من وجهين أحدهما: أنه يعلم إيمانهم لا بقولهم لكن بقوله صلى ~~الله عليه وسلم :" لا تزال طائفة من أمتي على الحق حتى يأتي أمر الله وحتى ~~يظهر الدجال " فإذا لم يكن على وجه الأرض مسلم سواهم فهم على الحق . # الثاني: أنا لم نتعبد بالباطن وإنما أمة محمد من آمن بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم ظاهرا إذ لا وقوف على الباطن وإذا ظهر أنا متعبدون باتباعهم فيجوز أن ~~يستدل بهذا على أنهم صادقون لأن الله تعالى لا يتعبد نا باتباع الكاذب ~~وتعظيمه والاقتداء به # فإن قيل: كيف يتصور رجوع عدد المسلمين إلى ما دون عدد التواتر وذلك يؤدي ~~إلى انقطاع التكليف فإن التكليف يدوم بدوام الحجة والحجة تقوم بخبر التواتر ~~عن أعلام النبوة وعن وجود محمد صلى الله عليه وسلم وتحديه بالنبوة والكفار ~~لا يقومون بنشر أعلام النبوة بل يجتهدون في طمسها والسلف من الأئمة PageV01P352 ~~مجمعون على دوام التكليف إلى القيامة وفي ضمنه الإجماع على استحالة اندراس ~~الأعلام وفي نقصان عدد التواتر ما يؤدي إلى الاندراس وإذا لم يتصور وجود ~~هذه الحادثة فكيف نخوض في حكمها؟ # قلنا: يحتمل أن يقال ذلك ممتنع لهذه الأدلة وإنما معنى تصور هذه المسألة ~~رجوع عدد أهل الحل والعقد إلى ما دون عدد التواتر وإن قطعنا بأن قول العوام ~~لا يعتبر فتدوم أعلام الشرع بتواتر العوام ويحتمل أن يقال يتصور وقوعها ~~والله تعالى يديم الأعلام بالتواتر الحاصل من جهة المسلمين والكفار ~~فيتحدثون بوجود محمد صلى الله عليه وسلم ووجود معجزته وإن لم يعترفوا ~~بكونها معجزة أو يخرق الله تعالى العادة فيحصل العلم بقول القليل حتى تدوم ~~الحجة بل نقول قول القليل مع القرائن المعلومة في مناظرته وتسديده قد يحصل ~~العلم من غير خرق عادة فبجميع هذه الوجوه يبقى الشرع محفوظا # فإن قيل: فإذا جاز أن يقل عدد أهل الحل والعقد فلو رجع إلى واحد فهل يكون ~~مجرد قوله حجة قاطعة ؟ # قلنا: إن اعتبرنا موافقة العوام ms224 فإذا قال قولا وساعده عليه العوام ولم ~~يخالفوه فيه فهو إجماع الأمة فيكون حجة إذ لو لم يكن لكان قد اجتمعت الأمة ~~على الضلالة والخطأ وإن لم نلتفت إلى قول العوام فلم يوجد ما يتحقق به اسم ~~الاجتماع والإجماع إذ يستدعي ذلك عددا بالضرورة حتى يسمى إجماعا ولا أقل من ~~اثنين أو ثلاثة. # وهذا كله يتصور على مذهب من يعتبر إجماع من بعد الصحابة فأما من لا يقول ~~إلا بإجماع الصحابة فلا يلزمه شيء من ذلك لأن الصحابة قد جاوز عددهم عدد ~~التواتر # مسألة: مذهب الظاهرية: # ذهب داود وشيعته من أهل الظاهر إلى أنه لا حجة في إجماع من بعد PageV01P353 ~~الصحابة # وهو فاسد لأن الأدلة الثلاثة على كون الإجماع حجة أعني الكتاب والسنة ~~والعقل لا تفرق بين عصر وعصر فالتابعون إذا أجمعوا فهو إجماع من جميع الأمة ~~ومن خالفهم فهو سالك غير سبيل المؤمنين ويستحيل بحكم العادة أن يشذ الحق ~~عنهم مع كثرتهم عند من يأخذه من العادة. # ولهم شبهتان: # أضعفهما: قولهم: الاعتماد على الخبر والآية وهو قوله تعالى { ويتبع غير ~~سبيل المؤمنين}] النساء: من الآية115[يتناول الذين نعتوا بالإيمان وهم ~~الموجودون وقت نزول الآية فإن المعدوم لا يوصف بالإيمان ولا يكون له سبيل ~~وقوله عليه السلام "لا تجتمع أمتي على الخطأ " يتناول أمته الذين آمنوا به ~~وتصور إجماعهم واختلافهم وهم الموجودون . # وهذا باطل إذ يلزم على مساقه أن لا ينعقد إجماع بعد موت سعد بن معاذ ~~وحمزة ومن استشهد من المهاجرين والأنصار ممن كانوا موجودين عند نزول الآية ~~فإن إجماع من وراءهم ليس إجماع جميع المؤمنين وكل الأمة ويلزم أن لا يعتد ~~بخلاف من أسلم بعد نزول الآية وكملت آلته بعد ذلك وقد أجمعنا وإياهم ~~والصحابة على أن موت واحد من الصحابة لا يحسم باب الإجماع بل إجماع الصحابة ~~بعد النبي صلى الله عليه وسلم حجة بالاتفاق وكم من صحابي استشهد في حياة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول الآية . # الشبهة الثانية: أن الواجب اتباع سبيل جميع المؤمنين ms225 وإجماع جميع الأمة ~~وليس التابعون جميع الأمة فإن الصحابة وإن ماتوا لم يخرجوا بموتهم عن PageV01P354 ~~الأمة ولذلك لو خالف واحد من الصحابة إجماع التابعين لا يكون قول جميع ~~الأمة ولا يحرم الأخذ بقول الصحابي فإذا كان خلاف بعض الصحابة يدفع إجماع ~~التابعين فعدم وفاقهم أيضا يدفع لأنهم بالموت لم يخرجوا عن كونهم من الأمة # قالوا :وقياس هذا يقتضي أن لا يثبت وصف الكلية أيضا للصحابة بل ينتظر ~~لحوق التابعين وموافقتهم من بعدهم إلى القيامة فإنهم كل الأمة لكن لو اعتبر ~~ذلك لم ينتفع بالإجماع إلا في القيامة فثبت أن وصف الكلية إنما هو لمن دخل ~~في الوجود دون من لم يدخل فلا سبيل إلى إخراج الصحابة من الجملة وعند ذلك ~~لا يثبت وصف كلية الأمة للتابعين # والجواب أنه كما بطل على القطع الالتفات إلى اللاحقين بطل الالتفات إلى ~~الماضين ولولا ذلك لما تصور إجماع بعد موت واحد من المسلمين في زمان ~~الصحابة والتابعين ولا بعد أن استشهد حمزة وقد اعترفوا بصحة إجماع الصحابة ~~بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد موت من مات بعد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وليس ذلك إلا لأن الماضي لا يعتبر والمستقبل لا ينتظر وأن وصف ~~كلية الأمة حاصل لكل من الموجودين في كل وقت # ]هل ينعقد إجماع لاحق على خلاف قول سابق [: # وأما إجماع التابعين على خلاف قول واحد من الصحابة فقد قال قوم يصير قول ~~الصحابي مهجورا لأنهم كل الأمة وإن سلمنا وهو الصحيح فنقول إن اتفقوا على ~~وفق قوله انعقد الإجماع إذ موافقته إن لم تقو الإجماع فلا تقدح فيه وإن ~~أجمعوا على خلاف قوله فلا يصير ذلك القول عندنا مهجورا حتى يحرم على تابعي ~~التابعين موافقته لأنه بعد أن أفتى في المسألة فليس فتوى التابعين فيها ~~فتوى جميع الأمة بل فتوى البعض. # فإن قيل: إن ثبت نعت الكلية للتابعين فليكن خلاف قولهم بعدهم حراما وإن ~~قال به صحابي قبلهم وإن لم يكونوا كل الأمة فينبغي أن لا تقوم الحجة ms226 ~~بإجماعهم ولا يحرم خلافهم إذ خلاف بعض الأمة ليس بحرام أما أن تكون PageV01P355 ~~كلية الأمة في شيء دون شيء فهذا متناقض وجمع بين النفي والإثبات. # قلنا: ليس بمتناقض لأن الكلية إنما تثبت بالإضافة إلى المسألة التي خاضوا ~~فيها فإذا نزلت مسألة بعد الصحابة فالتابعون فيها كل الأمة إذا أجمعوا فيها ~~أما ما أفتى فيها الصحابي ففتواه ومذهبه لا ينقطع بموته وهذا كالصحابي إذا ~~مات بعد الفتوى وأجمع الباقون على خلافه لا يكون ذلك إجماعا من الأمة ولو ~~مات ثم نزلت واقعة بعده انعقد الإجماع على كل مذهب وتكون الكلية حاصلة ~~بالإضافة. # فإن قيل: إن كان في الأمة غائب لا ينعقد الإجماع دونه وإن لم يكن لذلك ~~الغائب خبر من الواقعة ولا فتوى فيها لكن نقول لو كان حاضرا لكان له قول ~~فيها فلا بد من موافقته فليكن الميت قبل التابعين كالغائب. # قلنا: يبطل بالميت الأول من الصحابة فإن الإجماع انعقد دونه ولو كان ~~غائبا لم ينعقد لأن الغائب في الحال ذو مذهب ورأي بالقوة فتمكن موافقته ~~ومخالفته فيحتمل أن يوافق أو يخالف إذا عرضت المسألة عليه بخلاف الميت فإنه ~~لا يتصور في حقه خلاف أو وفاق لا بالقوة ولا بالفعل بل المجنون والمريض ~~الزائل العقل والطفل لا ينتظر لأنه بطل منه إمكان الوفاق والخلاف. # فإن قيل: فما أجمع عليه التابعون يندفع بخلاف واحد من الصحابة إذا نقل ~~فإن لم ينقل فلعله خالف ولكن لم ينقل إلينا فلا يستيقن إجماع كل الأمة # قلنا: يبطل بالميت الأول من الصحابة فإن إمكان خلافه لا يكون كحقيقة ~~خلافه وهذا التحقيق وهو أنه لو فتح باب الاحتمال لبطلت الحجج إذ ما من حكم ~~إلا ويتصور تقدير نسخه وانفراد الواحد بنقله وموته قبل أن ينقل إلينا فيبطل ~~إجماع الصحابة لاحتمال أن واحدا منهم أضمر المخالفة وإنما أظهر الموافقة ~~لسبب ويرد خبر الواحد لاحتمال أن يكون كاذبا وإذا عرف الإجماع وانقرض العصر ~~أمكن رجوع واحد منهم قبل PageV01P356 ~~الموت وإن لم ينقل إلينا فيبطل الإجماع على مذهب من ms227 يشترط انقراض العصر # فإن قيل: إن الأصل عدم النسخ وعدم الرجوع. # قلنا: والأصل عدم خوضه في الواقعة وعدم الخلاف والوفاق جميعا ومع أن ~~الأصل العدم فالاحتمال لا ينتفي وإذا ثبت الاحتمال حصل الشك فيصير الإجماع ~~غير مستيقن مع الشك ولكن يقال لا يندفع الإجماع بكل شك. # فإن قيل: في مسألة تجويز النسخ وتجويز الرجوع شك بعد استيقان أصل الحجة ~~وإنما الشك في دوامها وهاهنا الشك في أصل الإجماع لأن الإجماع موقوف على ~~حصول نعت الكلية لهم ونعت الكلية موقوف على معرفة انتفاء الخلاف فإذا شككنا ~~في انتفاء الخلاف شككنا في الكلية فشككنا في الإجماع. # قلنا: لا بل نعت الكلية حاصل للتابعين وإنما ينتفي بمعرفة الخلاف فإذا لم ~~يعرف بقيت الكلية وما ذكروه يضاهي قول القائل الحجة في نص مات الرسول عليه ~~السلام قبل نسخه فإذا لم يعرف موته قبل نسخه شككنا في الحجة والحجة الإجماع ~~المنقرض عليه العصر فإذا شككنا في الرجوع فقد شككنا في الحجة وكذلك القول ~~في قول الميت الأول من الصحابة فإنا لا PageV01P357 ~~نقول صار كلية الباقين مشكوكا فيها # هذا تمام الكلام في الركن الأول # الركن الثاني في نفس الإجماع # ونعني به: اتفاق فتاوى الأمة في المسألة في لحظة واحدة انقرض عليه العصر ~~أو لم ينقرض أفتوا عن اجتهاد أو عن نص مهما كانت الفتوى نطقا صريحا # وتمام النظر في هذا الركن ببيان أن السكوت ليس كالنطق وأن انقراض العصر ~~ليس بشرط وأن الإجماع قد ينعقد عن اجتهاد # فهذه ثلاث مسائل: # مسألة :الإجماع السكوتي # إذا أفتى بعض الصحابة بفتوى وسكت الآخرون لم ينعقد الإجماع ولا ينسب إلى ~~ساكت قول # وقال قوم :إذا انتشر وسكتوا فسكوتهم كالنطق حتى يتم به الإجماع # وشرط قوم: انقراض العصر على السكوت # وقال قوم: هو حجة وليس بإجماع وقال قوم ليس بحجة ولا إجماع ولكنه دليل ~~تجويزهم الاجتهاد في المسألة . # والمختار أنه ليس بإجماع ولا حجة ولا هو دليل على تجويز الاجتهاد في ~~المسألة إلا إذا دلت قرائن الأحوال على أنهم سكتوا مضمرين ms228 الرضا وجواز PageV01P358 ~~الأخذ به عند السكوت # والدليل عليه أن فتواه إنما تعلم بقوله الصريح الذي لا يتطرق إليه احتمال ~~وتردد والسكوت متردد فقد يسكت من غير إضمار الرضا لسبعة أسباب : # الأول: أن يكون في باطنه مانع من إظهار القول ونحن لا نطلع عليه وقد تظهر ~~قرائن السخط عليه مع سكوته. # الثاني أن يسكت لأنه يراه قولا سائغا لمن أداه إليه اجتهاده وإن لم يكن ~~هو موافقا عليه بل كان يعتقد خطأه. # الثالث: أن يعتقد أن كل مجتهد مصيب فلا يرى الإنكار في المجتهدات أصلا ~~ولا يرى الجواب إلا فرض كفاية فإذا كفاه من هو مصيب سكت وإن خالف اجتهاده # الرابع :أن يسكت وهو منكر لكن ينتظر فرصة الإنكار ولا يرى البدار مصلحة ~~لعارض من العوارض ينتظر زواله ثم يموت قبل زوال ذلك العارض أو يشتغل عنه. # الخامس: أن يعلم أنه لو أنكر لم يلتفت إليه وناله ذل وهوان كما قال ابن ~~عباس في سكوته عن إنكار العول في حياة عمر كان رجلا مهيبا فهبته # السادس : أن يسكت لأنه متوقف في المسألة لأنه بعد في مهلة النظر # السابع : أن يسكت لظنه أن غيره قد كفاه الإنكار وأغناه عن الإظهار ثم ~~يكون قد غلط فيه فترك الإنكار عن توهم إذا رأى الإنكار فرض كفاية وظن أنه ~~قد كفى وهو مخطىء في وهمه. PageV01P359 # فإن قيل: لو كان فيه خلاف لظهر ؟ # قلنا: لو كان فيه وفاق لظهر فإن تصور عارض يمنع من ظهور الوفاق تصور مثله ~~في ظهور الخلاف وبهذا يبطل قول الجبائي حيث شرط انقراض العصر في السكوت إذ ~~من العوارض المذكورة ما يدوم إلى آخر العصر # أما من قال: هو حجة وإن لم يكن إجماعا فهو تحكم لأنه قول بعض الأمة ~~والعصمة إنما تثبت للكل فقط فإن قيل: نعلم قطعا أن التابعين كانوا إذا أشكل ~~عليهم مسألة فنقل إليهم مذهب بعض الصحابة مع انتشاره وسكوت الباقين كانوا ~~لا يجوزون العدول عنه فهو إجماع منهم على كونه حجة # قلنا: هذا إجماع غير مسلم ms229 بل لم يزل العلماء مختلفين في هذه المسألة ~~ويعلم المحصلون أن السكوت متردد وأن قول بعض الأمة لا حجة فيه # مسألة انعقاد الإجماع باتفاق الأمة # إذا اتفقت كلمة الأمة ولو في لحظة انعقد الإجماع ووجبت عصمتهم عن الخطأ PageV01P360 ~~وقال قوم: لا بد من انقراض العصر وموت الجميع # وهذا فاسد لأن الحجة في اتفاقهم لا في موتهم وقد حصل قبل الموت فلا يزيده ~~الموت تأكيدا وحجة الإجماع الآية والخبر وذلك لا يوجب اعتبار العصر # فإن قيل: ما داموا في الأحياء فرجوعهم متوقع وفتواهم غير مستقرة # قلنا: والكلام في رجوعهم فإنا لا نجوز الرجوع من جميعهم إذ يكون أحد ~~الإجماعين خطأ وهو محال أما بعضهم فلا يحل له الرجوع لأنه برجوعه خالف ~~إجماع الأمة التي وجبت عصمتها عن الخطأ نعم يمكن أن يقع الرجوع من بعضهم ~~ويكون به عاصيا فاسقا والمعصية تجوز على بعض الأمة ولا تجوز على الجميع. # فإن قيل: كيف يكون مخالفا للإجماع وبعد ما تم الإجماع وإنما يتم بانقراض العصر؟ # قلنا إن عنيتم به أنه لا يسمى إجماعا فهو بهت على اللغة والعرف وإن عنيتم ~~أن حقيقته لم تتحقق فما حده وما الإجماع إلا اتفاق فتاويهم والاتفاق قد حصل ~~وما بعد ذلك استدامة للاتفاق لا إتمام للاتفاق # ثم نقول :كيف يدعي ذلك ونحن نعلم أن التابعين في زمان بقاء أنس بن مالك ~~وأواخر الصحابة كانوا يحتجون بإجماع الصحابة ولم يكن جواز الاحتجاج ~~بالإجماع مؤقتا بموت آخر الصحابة ولهذا قال بعضهم يكفي موت الأكثر وهو تحكم ~~آخر لا مستند له # ثم نقول: هذا يؤدي إلى تعذر الإجماع فإنه إن بقي واحد من الصحابة جاز PageV01P361 ~~للتابعي أن يخالف إذ لم يتم الإجماع وما دام واحد من عصر التابعين أيضا لا ~~يستقر الإجماع منهم فيجوز لتابعي التابعين الخلاف وهذا خبط لا أصل له # ولهم شبه: # الشبهة الأولى : قولهم :إنه ربما قال بعضهم ما قاله عن وهم وغلط فيتنبه ~~له فكيف يحجر عليه في الرجوع عن الغلط وكيف يؤمن ذلك باتفاق يجري في ms230 ساعة واحدة؟ # قلنا: وبأن يموت من أين يحصل أمان من غلطه وهل يؤمن من الغلط إلا دلالة ~~النص على وجوب عصمة الأمة؟ # وأما إذا رجع وقال: تبينت أني غلطت فنقول إنما يتوهم عليك الغلط إذا ~~انفردت وأما ما قلته في موافقة الأمة فلا يحتمل الخطأ # فإن قال :تحققت أني قلت ما قلته عن دليل كذا وقد انكشف لي خلافه قطعا # فنقول: إنما أخطأت في الطريق لا في نفس المسألة بل موافقة الأمة تدل على ~~أن الحكم حق وإن كنت في طريق الاستدلال مخطئا # الشبهة الثانية : إنهم ربما قالوا عن اجتهاد وظن ولا حجر على المجتهد إذا ~~تغير اجتهاده أن يرجع وإذا جاز الرجوع دل أن الإجماع لم يتم # قلنا: لا حجر على المجتهد في الرجوع إذا انفرد باجتهاده أما ما وافق فيه ~~اجتهاده اجتهاد الأمة فلا يجوز الخطأ فيه ويجب كونه حقا والرجوع عن الحق ممنوع # الشبهة الثالثة :أنه لو مات المخالف لم تصر المسألة إجماعا بموته ~~والباقون هم كل الأمة لكنهم في بعض العصر فلذلك لا يصير مذهب المخالف ~~مهجورا فإن كان العصر لا يعتبر فليبطل مذهب المخالف. # قلنا: قال قوم: يبطل مذهبه ويصير مهجروا لأن الباقين هم كل الأمة في PageV01P362 ~~ذلك الوقت # وهو غير صحيح عندنا بل الصحيح أنهم ليسوا كل الأمة بالإضافة إلى تلك ~~المسألة التي أفتى فيها الميت فإن فتواه لا ينقطع حكمها بموته وليس هذا ~~للعصر فإنه جار في الصحابي الواحد إذا قال قولا وأجمع التابعون في جميع ~~عصرهم على خلافه فقد بينا أنه لا يبطل مذهبه لأنهم ليسوا كل الأمة بالإضافة ~~إلى هذه المسألة # الشبهة الرابعة: ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال اجتمع رأيي ورأي عمر ~~على منع بيع أمهات الأولاد وأنا الآن أرى بيعهن فقال عبيدة السلماني رأيك ~~في الجماعة أحب إلينا من رأيك في الفرقة # قلنا: لو صح إجماع الصحابة قاطبة لما كان هذا يدل من مذهب علي على اشتراط ~~انقراض العصر ولو ذهب إلى هذا صريحا لم يجب ms231 تقليده كيف ولم PageV01P363 ~~يجتمع إلا رأيه ورأي عمر كما قال وأما قول عبيدة رأيك في الجماعة ما أراد ~~به موافقة الجماعة إجماعا وإنما أراد به أن رأيك في زمان الألفة والجماعة ~~والاتفاق والطاعة للإمام أحب إلينا من رأيك في الفتنة والفرقة وتفرق الكلمة ~~وتطرق التهمة إلى علي في البراءة من الشيخين رضي الله عنهم فلا حجة فيما ~~ليس صريحا في نفسه. # مسألة كيفية انعقاد الإجماع # يجوز انعقاد الإجماع عن اجتهاد وقياس ويكون حجة # وقال قوم: الخلق الكثير لا يتصور اتفاقهم في مظنة الظن ولو تصور لكان حجة ~~وإليه ذهب ابن جرير الطبري # وقال قوم: هو متصور وليس بحجة لأن القول بالاجتهاد يفتح باب الاجتهاد ولا يحرمه # والمختار أنه متصور وأنه حجة وقولهم أن الخلق الكثير كيف يتفقون على حكم ~~واحد في مظنة الظن؟ # قلنا: هذا إنما يستنكر فيما يتساوى فيه الاحتمال وأما الظن الأغلب فيميل ~~إليه كل واحد فأي بعد في أن يتفقوا على أن النبيذ في معنى الخمر في الاسكار ~~فهو في معناه في التحريم؟ كيف وأكثر الإجماعات مستندة إلى عمومات وظواهر ~~وأخبار آحاد صحت عند المحدثين والاحتمال يتطرق إليها ؟كيف وقد أجمعوا على ~~التوحيد والنبوة وفيهما من الشبهة ما هو أعظم جذبا لأكثر الطباع من ~~الاحتمال الذي في مقابلة الظن الأظهر؟ وقد أجمعت على إبطال النبوة مذاهب ~~باطلة ليس لها دليل قطعي ولا ظني فكيف لا يجوز الاتفاق على دليل ظاهر وظن غالب؟ PageV01P364 # ويدل عليه جواز الاتفاق عن اجتهاد لا بطريق القياس كالاتفاق على جزاء الصيد ~~ومقدار أرش الجناية وتقدير النفقة وعدالة الأئمة والقضاة وكل ذلك مظنون وإن ~~لم يكن قياسا # ولهم شبه: # الأولى : قولهم كيف تتفق الأمة على اختلاف طباعها وتفاوت أفهامها في ~~الذكاء والبلادة على مظنون ؟ # قلنا: إنما يمتنع مثل هذا الاتفاق في زمان واحد وساعة معينة لأنهم في ~~مهلة النظر قد يختلفون أما في أزمنة متمادية فلا يبعد أن يسبق الأذكياء إلى ~~الدلالة الظاهرة ويقررون ذلك عند ذوي البلادة فيقبلونه منهم ويساعدون عليه ~~وأهل هذا ms232 المذهب قد جوزوا الإجماع على نفي القياس وإبطاله مع ظهور أدلة ~~صحته فكيف يمتنع الإجماع على هذا ؟ # الشبهة الثانية : قولهم :كيف تجتمع الأمة على قياس وأصل القياس مختلف فيه؟ # قلنا: إنما يفرض ذلك من الصحابة وهم متفقون عليه والخلاف حدث بعدهم وإن ~~فرض بعد حدوث الخلاف فيستند القائلون بالقياس إلى القياس والمنكرون له إلى ~~اجتهاد ظنوا أنه ليس بقياس وهو على التحقيق قياس إذ قد يتوهم غير العموم ~~عموما وغير الأمر أمرا وغير القياس قياسا وكذا عكسه # الشبهة الثالثة : قولهم: إن الخطأ في الاجتهاد جائز فكيف تجتمع الأمة على ~~ما يجوز فيه الخطأ ؟ وربما قالوا :الإجماع منعقد على جواز مخالفة المجتهد ~~فلو انعقد الإجماع عن قياس لحرمت المخالفة التي هي جائز بالإجماع ولتناقض ~~الإجماعان # قلنا: إنما يجوز الخطأ في اجتهاد ينفرد به الآحاد أما اجتهاد الأمة ~~المعصومة فلا يحتمل الخطأ كاجتهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقياسه ~~فإنه لا يجوز PageV01P365 ~~خلافه لثبوت عصمته فكذا عصمة الأمة من غير فرق PageV01P366 ### ||| AUTO في حكم الإجماع # ... # الباب الثالث في حكم الإجماع # وحكمه وجوب الاتباع وتحريم المخالفة والامتناع عن كل ما ينسب الأمة إلى ~~تضييع الحق # والنظر فيما هو خرق ومخالفة وما ليس بمخالفة يتهذب برسم مسائل: # مسألة: الإجماع على رأيين # إذا اجتمعت الأمة في المسألة على قولين كحكمهم مثلا في الجارية المشتراة ~~إذا وطئها المشتري ثم وجد بها عيبا فقد ذهب بعضهم إلى أنها ترد مع العقر ~~وذهب بعضهم إلى منع الرد فلو اتفقوا على هذين المذهبين كان المصير إلى الرد ~~مجانا خرقا للإجماع عند الجماهير إلا عند شذوذ من أهل الظاهر # والشافعي إنما ذهب إلى الرد مجانا لأن الصحابة بجملتهم لم يخوضوا في ~~المسألة وإنما نقل فيها مذهب بعضهم فلو خاضوا فيها بجملتهم واستقر رأي ~~جميعهم على مذهبين لم يجز إحداث مذهب ثالث PageV01P366 ~~ودليله أنه يوجب نسبة الأمة إلى تضييع الحق إذ لا بد لمذهب الثالث من دليل ~~ولا بد من نسبة الأمة إلى تضييعه والغفلة عنه وذلك محال # ولهم شبه: ms233 # الشبهة الأولى : قولهم إنهم خاضوا خوض مجتهدين ولم يصرحوا بتحريم قول ثالث # قلنا: وإذا اتفقوا على قول واحد عن اجتهاد فهو كذلك ولم يجز خلافهم لأنه ~~يوجب نسبتهم إلى تضييح الحق والغفلة عن دليله فكذلك هاهنا # الشبهة الثانية : قولهم إنه لو استدل الصحابة بدليل أو علة لجاز ~~الاستدلال بعلة أخرى لأنهم لم يصرحوا ببطلانها فكذلك القول الثالث لم ~~يصرحوا ببطلانه # قلنا فليجز خلافهم إذا اتفقوا عن اجتهاد إذ يجوز التعليل بعلة أخرى فيما ~~اتفقوا عليه لكن الجواب أنه ليس من فرض دينهم الاطلاع على جميع الأدلة بل ~~يكفيهم معرفة الحق بدليل واحد فليس في إحداث علة أخرى واستنباطها نسبة إلى ~~تضييع الحق وفي مخالفتهم في الحكم إذا اتفقوا نسبة إلى التضييع فكذلك إذا ~~اختلفوا على قولين # الشبهة الثالثة : إنه لو ذهب بعض الصحابة إلى أن اللمس والمس ينقضان ~~الوضوء وبعضهم إلى أنهما لا ينقضان الوضوء ولم يفرق واحد بينهما فقال تابعي ~~ينقض أحدهما دون الآخر كان هذا جائزا وإن كان قولا ثالثا # قلنا:لأن حكمه في كل مسألة يوافق مذهب طائفة وليس في المسألتين حكم واحد ~~وليست التسوية مقصودة ولو قصدوها وقالوا لا فرق واتفقوا عليه لم يجز الفرق ~~وإذا فرقوا بين المسألتين واتفقوا على الفرق قصدا امتنع الجمع # أما إذا لم يجمعوا ولم يفرقوا فلا يلتئم حكم واحد من مسألتين بل نقول ~~صريحا لا يخلو إنسان عن معصية وخطأ في مسألة فالأمة مجتمعة على المعصية ~~والخطأ وكل ذلك ليس بمحال إنما يستحيل الخطأ بحيث يضيع الحق حتى لا يقوم به ~~طائفة مع قوله عليه السلام "لا تزال طائفة من أمتي PageV01P367 ~~على الحق " # فلهذا نقول: يجوز أن تنقسم الأمة في مسألتين إلى فرقتين وتخطىء فرقة في ~~مسألة والفرقة الأخرى تقوم بالحق فيها والقائمون بالحق يخطئون في المسألة ~~الأخرى ويقوم بالحق فيها المخطئون في المسألة الأولى حتى يقول مثلا أحد ~~شطري الأمة القياس ليس بحجة والخوارج مبطلون ويقول فريق آخر القياس حجة ~~والخوارج محقون فيشملهم الخطأ ولكن في مسألتين فلا يكون الحق ms234 في مسألتين ~~مضيعا بين الأمة في كل واحد منهما # الشبهة الرابعة : إن مسروقا أحدث في مسألة الحرام قولا ثالثا ولم ينكر ~~عليه منكر # قلنا: لم يثبت استقرار كافة الصحابة على رأيين في مسألة الحرام بل ربما ~~كان بعضهم فيها في مهلة النظر أو لم يخض فيها أو لعل مسروقا خالف الصحابة ~~في ذلك الوقت ولم ينطق بوفاقهم وكان أهلا للاجتهاد في وقت وقوع هذه المسألة ~~كيف ولم يصح هذا عن مسروق إلا بإخبار الآحاد فلا يدفع بها ما ذكرنا # مسألة خلاف القليل للإجماع: # إذا خالف واحد من الأمة أو اثنان لم ينعقد الإجماع دونه فلو مات لم تصر ~~المسألة إجماعا خلافا لبعضهم # ودليلنا أن المحرم مخالفة الأمة كافة ومن ذهب إلى مذهب الميت بعد عصره لا ~~يمكن أن يقال مذهبه خلاف كافة الأمة لأن الميت من الأمة لا ينقطع مذهبه ~~بموته ولذلك يقال فلان وافق الشافعي أو خالفه وذلك بعد موت الشافعي فمذهب ~~الميت لا يصير مهجورا بموته ولو صار مهجورا لصار مذهب الجميع كالمنعدم عند ~~موتهم حتى يجوز لمن بعدهم أن يخالفهم PageV01P368 ~~فإن قيل: فلو مات في مهلة النظر وهو بعد متوقف فماذا تقولون فيه؟ # قلنا: نقطع في طرفين واضحين: إحداهما: أن يموت قبل الخوض في المسألة وقبل ~~أن تعرض عليه فالباقون بعده كل الأمة وإن خاض وأفتى فالباقون بعض الأمة وإن ~~مات في مهلة النظر فهذا محتمل فإنه كما لم يخالفهم لم يوافقهم أيضا بل ~~المتوقف مخالف للجازم لكنه بصدد الموافقة فهذه المسألة محتملة عندنا والله أعلم # مسألة: إجماع التابعين على أحد قولي الصحابة # إذا اتفق التابعون على أحد قولي الصحابة لم يصر القول الآخر مهجورا ولم ~~يكن الذاهب إليه خارقا للإجماع خلافا للكرخي وجماعة من أصحاب أبي حنيفة ~~والشافعي وكثير من القدرية كالجبائي وابنه لأنه ليس مخالفا لجميع الأمة فإن ~~الذين ماتوا على ذلك المذهب هم من الأمة والتابعون في تلك المسألة بعض ~~الأمة وإن كانوا كل الأمة فمذهبهم باختيار أحد القولين لايحرم القول الآخر ~~فإن صرحوا ms235 بتحريم القول الآخر فنحن بين أمرين إما أن نقول هذا محال وقوعه ~~لأنه يؤدي إلى تناقض الإجماعين إذ مضت الصحابة مصرحة بتجويز الخلاف وهؤلاء ~~اتفقوا على تحريم ما سوغوه وإما PageV01P369 ~~أن نقول أن ذلك ممكن ولكنهم بعض الأمة في هذه المسألة والمعصية من بعض ~~الأمة جائزة وإن كانوا كل الأمة في كل مسألة لم يخض الصحابة فيها لكن هذا ~~يخالف قوله صلى الله عليه وسلم "لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين" إذ ~~يكون الحق قد ضاع في هذا الزمان فلعل من يميل إلى هذا المذهب يجعل الحديث ~~من أخبار الآحاد # فإن قيل: بم تنكرون على من يقول هذا إجماع يجب اتباعه وأما الصحابة فقد ~~اتفقوا على قولين بشرط أن لا يعثر من بعدهم على دليل يعين الحق في أحدهما # قلنا: هذا تحكم واختراع عليهم فإنهم لم يشترطوا هذا الشرط والإجماع حجة ~~قاطعة فلا يمكن الشرط في الحجة القاطعة إذ يتطرق الاحتمال إليه ويخرج عن ~~كونه قاطعا ولو جاز هذا لجاز أن يقال إذا أجمعوا على قول واحد عن اجتهاد ~~فقد اتفقوا بشرط أن لا يعثر من بعدهم على دليل يعين الحق في خلافه وقد مضت ~~الصحابة متفقة على تسويغ كل واحد من القولين فلا يجوز خرق إجماعهم # مسألة الرجوع إلى أحد الرأيين # إذا اختلفت الأمة على قولين ثم رجوا إلى قول واحد صار ما اتفقوا عليه ~~إجماعا قاطعا عند من شرط انقراض العصر ويخلص من الأشكال أما نحن إذا لم ~~نشترط فالإجماع الأول ولو في لحظة قد تم على تسويغ الخلاف فإذا رجعوا إلى ~~أحد القولين فلا يمكننا في هذه الصورة أن نقول هم بعض الأمة في هذه المسألة ~~كما ذكرناه في اتفاق التابعين على أحد قولي الصحابة فيعظم الإشكال # وطرق الخلاص عنه خمسة # أحدها: أن نقول هذا محال وقوعه وهو كفرض إجماعهم على شيء ثم رجوعهم ~~بأجمعهم إلى خلافه أو اتفاق التابعين على خلافه وهو محال PageV01P370 ~~وقوعه، لان الاجماع قد تم على تسويغ الخلاف ، فكيف يتصور إجماع ms236 بعده على ~~خلافة ؟ # والشارطون لانقراض العصر يتخذون هذه المسألة عمدة لهم ويقولون مثلا إذا ~~اختلفوا في مسألة النكاح بلا ولي فمن ذهب إلى بطلانه جاز له أن يصر عليه ~~فلم لا يجوز للآخرين أن يوافقوه مهما ظهر لهم دليل البطلان؟ وكيف يحجز على ~~المجتهد إذا تغير اجتهاده أن يوافق مخالفه؟ # قلنا:هذا استبعاد محض ونحن نحيل ذلك لأنه يؤدي إلى تناقض الإجماعين فإن ~~الإجماع الأول قد دل على تسويغ الخلاف وعلى إيجاب التقليد على كل عامي لمن ~~شاء من المجتهدين ولا يكون الاتفاق على تسويغ ذلك إلا عن دليل قاطع أو ~~كالقاطع في تجويزه وكيف يتصور رفعه ؟فإحالة وقوع هذا التناقض في الإجماعين ~~أقرب من التحكم باشتراط العصر # ثم يبقى الإشكال في اتفاق التابعين بعد انقراض العصر الأول على اختلاف قولين # ثم لا خلاف في أنه يجوز الرجوع إلى أحدهما في القطعيات كما رجعوا إلى ~~قتال المانعين للزكاة بعد الخلاف وإلى أن الأئمة من قريش لأن كل فريق يؤثم ~~مخالفه ولا يجوز مذهبه بخلاف المجتهدات فإن الخلاف فيها مقرون بتجويز ~~الخلاف وتسويغ الأخذ بكل مذهب أدى إليه الاجتهاد من المذهبين # والمخلص الثاني: اشتراط انقراض العصر وهو مشكل فإن اشتراطه تحكم. # والمخلص الثالث: اشتراط كون الإجماع مستندا إلى قاطع لا إلى قياس واجتهاد ~~فإن من شرط هذا يقول لا يحصل من اختلافهم إجماع على جواز كل مذهب بل ذلك ~~أيضا مستند إلى اجتهاد فإذا رجعوا إلى واحد فالنظر إلى ما اتفقوا عليه ~~لتعين الحق بدليل قاطع في أحد المذهبين . PageV01P371 # وهو مشكل لأنه لو فتح هذا الباب لم يكن التعلق بالإجماع إذ ما من إجماع إلا ~~ويتصور أن يكون عن اجتهاد فإذا انقسم الإجماع إلى ما هو حجة وإلى ما ليس ~~بحجة ولا فاصل سقط التمسك به وخرج عن كونه حجة فإنه إن ظهر لنا القاطع الذي ~~هو مستندهم فيكون الحكم مستقلا بذلك القاطع ومستندا إليه لا إلى الإجماع ~~ولأن قوله عليه السلام لا تجتمع أمتي على الخطأ لم يفرق بين إجماع وإجماع ms237 ~~ولا يتخلص من هذا إلا من أنكر تصور الإجماع عن اجتهاد وعند ذلك يناقض آخر ~~كلامه أوله حيث قال اتفاقهم على تسويغ الخلاف مستنده الاجتهاد # المخلص الرابع: أن يقال النظر إلى الاتفاق الأخير فأما في الابتداء فإنما ~~جوز الخلاف بشرط أن لا ينعقد إجماع على تعيين الحق في واحد. # وهذا مشكل فإنه زيادة شرط في الإجماع والحجج القاطعة لا تقبل الشرط الذي ~~يمكن أن يكون وأن لا يكون ولو جاز هذا لجاز أن يقال الإجماع الثاني ليس ~~بحجة بل إنما يكون حجة بشرط أن لا يكون اتفاقا بعد اختلاف وهذا أولى لأنه ~~يقطع عن الإجماع الشرط المحتمل. # المخلص الخامس: هذا وهو أن الأخير ليس بحجة ولا يحرم القول المهجور لأن ~~الإجماع إنما يكون حجة بشرط أن لا يتقدم اختلاف فإذا تقدم لم يكن حجة . # وهذا أيضا مشكل لأن قوله عليه السلام لا تجتمع أمتي على الخطأ يحسم باب ~~الشرط ويوجب كون كل إجماع حجة كيف ما كان فيكون كل واحد من الإجماعين حجة ~~ويتناقض. # فلعل الأولى الطريق الأول وهو أن هذا لا يتصور لأنه يؤدي إلى التناقض ~~وتصويره كتصوير رجوع أهل الإجماع عما أجمعوا عليه وكتصوير اتفاق التابعين ~~على خلاف إجماع الصحابة وذلك مما يمتنع وقوعه PageV01P372 ~~بدليل السمع فكذلك هذا # فإن قيل: فإذا ذهب جميع الأمة من الصحابة إلى العول إلا ابن عباس وإلى ~~منع بيع أمهات الأولاد إلا عليا فإذا ظهر لهما الدليل على العول وعلى منع ~~البيع فلم يحرم عليهما الرجوع إلى موافقة سائر الأمة ؟وكيف يستحيل أن يظهر ~~لهما ما ظهر للأمة؟ ومذهبكم يؤدي إلى هذه الإحالة عند سلوك الطريق الأول # قلنا لا إشكال على الطريق الأول إلا هذا وسبيل قطعه أن يقال لا يحرم ~~عليهما الرجوع لو ظهر لهما وجه ذلك ولكنا نقول يستحيل أن يظهر لهما وجه أو ~~يرجعا لا لامتناعه في ذاته لكن لإفضائه إلى ما هو ممتنع سمعا والشيء تارة ~~يمتنع لذاته وتارة لغيره كاتفاق التابعين على إبطال القياس وخبر الواحد ~~فإنه محال ms238 لا لذاته لكن لإفضائه إلى تخطئة الصحابة أو تخطئة التابعين كافة ~~وهو ممتنع سمعا والله أعلم # مسألة ظهور حديث يخالف إجماع الصحابة # فإن قال قائل: إذا أجمعت الصحابة على حكم ثم ذكر واحد منهم حديثا على ~~خلافه ورواه فإن رجعوا إليه كان الإجماع الأول باطلا وإن أصروا على خلاف ~~الخبر فهو محال لا سيما في حق من يذكره تحقيقا وإذا رجع هو كان مخالفا ~~للإجماع وإن لم يرجع كان مخالفا للخبر وهذا لا مخلص عنه إلا باعتبار انقراض ~~العصر فليعتبر # قلنا :عنه مخلصان: # أحدهما: أن هذا فرض محال فإن الله يعصم الأمة عن الإجماع على نقيض الخبر ~~أو يعصم الراوي عن النسيان إلى أن يتم الإجماع # الثاني : أنا ننظر إلى أهل الإجماع فإن أصروا تبين أنه حق وأن الخبر إما ~~أن يكون غلط فيه الراوي فسمعه من غير رسول الله صلى الله عليه وسلم وظن أنه ~~سمعه من PageV01P373 ~~الرسول صلى الله عليه وسلم أو تطرق إليه نسخ لم يسمعه الراوي وعرفه أهل ~~الإجماع وإن لم ينكشف لنا فإن رجع الراوي كان مخطئا لأنه خالف الإجماع وهو ~~حجة قاطعة وإن رجع أهل الإجماع إلى الخبر قلنا كان ما أجمعوا عليه حقا في ~~ذلك الزمان إذ لم يكلفهم الله ما لم يبلغهم كما يكون الحكم المنسوخ حقا قبل ~~بلوغ النسخ وكما لو تغير الاجتهاد أو يكون كل واحد من الرأيين حقا عند من ~~صوب قول كل مجتهد # فإن قيل فإن جاز هذا فلم لا يجوز أن يقال إذا أجمعت الأمة عن اجتهاد جاز ~~لمن بعدهم الخلاف بل جاز لهم الرجوع فإن ما قالوه كان حقا ما دام ذلك ~~الاجتهاد باقيا فإذا تغير تغير الفرض والكل حق لا سيما إذا اختلفوا عن ~~اجتهاد ثم رجعوا إلى قول واحد وهلا قلتم إن ذلك جائز لأنهم كانوا يجوزون ~~للذاهب إلى إنكار العول وبيع أم الولد القول به ما غلب ذلك على ظنه فإذا ~~تغير ظنه تغير فرضه وحرم عليه ما كان سائغا له ولا يكون ms239 هذا رفعا للإجماع ~~بل تجويزا للمصير إلى مذهب بشرط غلبة الظن فإذا تغير الظن لم يكن مجوزا ~~ويكون هذا مخلصا سادسا في المسألة التي قبل هذه المسألة # قلنا: ما أجمعوا عليه عن اجتهاد لا يجوز خلافه بعده لا لأنه حق فقط لكن ~~لأنه حق اجتمعت الأمة عليه وقد أجمعت الأمة على أن كل ما أجمعت الأمة عليه ~~يحرم خلافه لا كالحق الذي يذهب إليه الآحاد # وأما إذا اختلفوا عن اجتهاد فقد اتفقوا على جواز القول الثاني فيصير جواز ~~المصير إليه أمرا متفقا عليه ولا يجوز أن يقيد بشرط بقاء الاجتهاد كما لو ~~اتفقوا على قول واحد بالاجتهاد فإنه لا يشترط فيه أن لا يتغير الاجتهاد بل ~~يحرم خلافه مطلقا من غير شرط فكذلك هذا # فإن قيل: فلو ظهر للتابعين ذلك الخبر على خلاف ما أجمعت الصحابة عليه ~~ونقله إليهم من كان حاضرا عند إجماع أهل الحل والعقد ولم يكن الراوي من أهل ~~الحل والعقد؟ PageV01P374 # قلنا يحرم على التابعين موافقته ويجب عليه اتباع الإجماع القاطع فإن خبر ~~الواحد يحتمل النسخ والسهو والإجماع لا يحتمل ذلك. # مسألة هل يثبت الإجماع بخبر الواحد # الإجماع لا يثبت بخبر الواحد خلافا لبعض الفقهاء والسر فيه أن الإجماع ~~دليل قاطع يحكم به على الكتاب والسنة المتواترة وخبر الواحد لا يقطع به ~~فكيف يثبت به قاطع وليس يستحيل التعبد به عقلا لو ورد كما ذكرناه في نسخ ~~القرآن بخبر الواحد لكن لم يرد # فإن قيل:فليثبت في حق وجوب العمل به إن لم يكن العمل به مخالفا لكتاب ولا ~~سنة متواترة إذ الإجماع كالنص في وجوب العمل والعمل بما ينقله الراوي من ~~النص واجب وإن لم يحصل القطع به لصحة النص فكذا الإجماع # قلنا: إنما يثبت العمل بخبر الواحد اقتداء بالصحابة وإجماعهم عليه وذلك ~~فيما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أما ما روي عن الأمة من اتفاق أو ~~إجماع فلم يثبت فيه نقل وإجماع ولو أثبتناه لكان ذلك بالقياس ولم يثبت لنا ~~صحة القياس في ms240 إثبات أصول الشريعة هذا هو الأظهر # ولسنا نقطع ببطلان مذهب من يتمسك به في حق العمل خاصة والله أعلم # مسألة: ليست من الإجماع : # الأخذ بالأقل الأخذ بأقل ما قيل ليس تمسكا بالإجماع خلافا لبعض الفقهاء PageV01P375 ~~ومثاله إن الناس اختلفوا في دية اليهودي فقيل إنها مثل دية المسلم وقيل ~~إنها مثل نصفها وقيل إنها ثلثها فأخذ الشافعي بالثلث الذي هو الأقل وظن ~~ظانون أنه تمسك بالإجماع وهو سوء ظن بالشافعي رحمه الله فإن المجمع عليه ~~وجوب هذا القدر فلا مخالف فيه وإنما المختلف فيه سقوط الزيادة ولا إجماع ~~فيه بل لو كان الإجماع على الثلث إجماعا على سقوط الزيادة لكان موجب ~~الزيادة خارقا للإجماع ولكان مذهبه باطلا على القطع لكن الشافعي أوجب ما ~~أجمعوا عليه وبحث عن مدارك الأدلة فلم يصح عنده دليل على إيجاب الزيادة ~~فرجع إلى استصحاب الحال في البراءة الأصلية التي يدل عليها العقل فهو تمسك ~~بالاستصحاب ودليل العقل لا بدليل الإجماع كما سيأتي معناه إن شاء الله ~~تعالى وهذا تمام الكلام في الإجماع الذي هو الأصل الثالث PageV01P376 ### || AUTO الأصل الرابع: دليل العقل والاستصحاب # ... # الأصل الرابع دليل العقل والاستصحاب # اعلم أن الأحكام السمعية لا تدرك بالعقل لكن دل العقل على براءة الذمة عن ~~الواجبات وسقوط الحرج عن الخلق في الحركات والسكنات قبل بعثة الرسل عليهم ~~السلام وتأييدهم بالمعجزات وانتفاء الأحكام معلوم بدليل العقل قبل ورود ~~السمع ونحن على استصحاب ذلك إلى أن يرد السمع فإذا ورد نبي وأوجب خمس صلوات ~~فتبقى الصلاة السادسة غير واجبة لا بتصريح النبي بنفيها لكن كان وجوبها ~~منتفيا إذ لا مثبت للوجوب فبقي على النفي الأصلي لأن نطقه بالإيجاب قاصر ~~على الخمسة فبقي على النفي في حق السادسة وكأن السمع لم يرد # وكذلك إذا أوجب صوم رمضان بقي صوم شوال على النفي الأصلي # وإذا أوجب عبادة في وقت بقيت الذمة بعد انقضاء الوقت على البراءة الأصلية # وإذا أوجب على القادر بقي العاجز على ما كان عليه # فإذا: النظر في الأحكام إما أن يكون ms241 في إثباتها أو في نفيها # أما إثباتها فالعقل قاصر عن الدلالة عليه وأم النفي فالعقل قد دل عليه ~~إلى أن يرد الدليل السمعي بالمعنى الناقل من النفي الأصلي فانتهض دليلا على ~~أحد الشطرين وهو النفي # فإن قيل: إذا كان العقل دليلا بشرط أن لا يرد سمع فبعد بعثة الرسل ووضع ~~الشرع لا يعلم نفي السمع فلا يكون انتفاء الحكم معلوما ومنتهاكم عدم العلم ~~بورود السمع وعدم العلم لا يكون حجة PageV01P377 ~~قلنا: انتفاء الدليل السمعي قد يعلم وقد يظن فإنا نعلم أنه لا دليل على ~~وجوب صوم شوال ولا على وجوب صلاة سادسة إذ نعلم أنه لو كان لنقل وانتشر ~~ولما خفي على جميع الأمة وهذا علم بعدم الدليل وليس هو عدم العلم بالدليل ~~فإن عدم العلم بالدليل ليس بحجة والعلم بعدم الدليل حجة # أما الظن :فالمجتهد إذا بحث عن مدارك الأدلة في وجوب الوتر والأضحية ~~وأمثالهما فرآها ضعيفة ولم يظهر له دليل مع شدة بحثه وعنايته بالبحث غلب ~~على ظنه انتفاء الدليل فنزل ذلك منزلة العلم في حق العمل لأنه ظن استند إلى ~~بحث واجتهاد وهو غاية الواجب على المجتهد # فإن قيل: ولم يستحيل أن يكون واجبا ولا يكون عليه دليل أو يكون عليه دليل ~~لم يبلغنا؟ # قلنا: أما إيجاب ما لا دليل عليه فمحال لأنه تكليف بما لا يطاق ولذلك ~~نفينا الأحكام قبل ورود السمع وأما إن كان عليه دليل ولم يبلغنا فليس دليلا ~~في حقنا إذ لا تكليف علينا إلا فيما بلغنا. # فإن قيل: فيقدر كل عامي أن ينفي مستندا إلى أنه لم يبلغه الدليل # قلنا هذا إنما يجوز للباحث المجتهد المطلع على مدارك الأدلة القادر على ~~الاستقصاء كالذي يقدر على التردد في بيته لطلب متاع إذا فتش وبالغ أمكنه أن ~~يقطع بنفي المتاع أو يدعي غلبة الظن أما الأعمى الذي لا يعرف البيت ولا ~~يبصر ما فيه فليس له أن يدعي نفي المتاع من البيت # فإن قيل: وهل للاستصحاب معنى سوى ما ذكرتموه؟ # قلنا: يطلق الاستصحاب على ms242 أربعة أوجه يصح ثلاثة منها : # الأول ما ذكرناه PageV01P378 ~~والثاني استصحاب العموم إلى أن يرد تخصيص واستصحاب النص إلى أن يرد نسخ # أما العموم فهو دليل عند القائلين به وأما النص فهو دليل على دوام الحكم ~~بشرط أن لا يرد نسخ كما دل العقل على البراءة الأصلية بشرط أن لا يرد سمع مغير # الثالث: استصحاب حكم دل الشرع على ثبوته ودوامه كالملك عند جريان العقد ~~المملك وكشغل الذمة عند جريان إتلاف أو التزام فإن هذا وإن لم يكن حكما ~~أصليا فهو حكم شرعي دل الشرع على ثبوته ودوامه جميعا ولولا دلالة الشرع على ~~دوامه إلى حصول براءة الذمة لما جاز استصحابه فالاستصحاب ليس بحجة إلا فيما ~~دل الدليل على ثبوته ودوامه بشرط عدم المغير كما دل على البراءة العقل وعلى ~~الشغل السمعي وعلى الملك الشرعي # ومن هذا القبيل الحكم بتكرر اللزوم والوجوب إذا تكررت أسبابها كتكرر شهر ~~رمضان وأوقات الصلوات ونفقات الأقارب عند تكرر الحاجات إذا أفهم انتصاب هذه ~~المعاني أسبابا لهذه الأحكام من أدلة الشرع إما بمجرد العموم عند القائلين ~~به أو بالعموم وجملة من القرائن عند الجميع وتلك القرائن تكريرات وتأكيدات ~~وإمارات عرف حملة الشريعة قصد الشارع إلى نصبها أسبابا إذا لم يمنع مانع ~~فلولا دلالة الدليل على كونها أسبابا لم يجز استصحابه # فإذن الاستصحاب عبارة عن التمسك بدليل عقلي أو شرعي وليس راجعا إلى عدم ~~العلم بالدليل بل إلى دليل مع العلم بانتفاء المغير أو مع ظن PageV01P379 ~~انتفاء المغير عند بذل الجهد في البحث والطلب # الرابع: استصحاب الإجماع في محل الخلاف وهو غير صحيح # ولنرسم فيه وفي افتقار النافي إلى دليل مسألتين: # مسألة استصحاب الإجماع # لا حجة في استصحاب الإجماع في محل الخلاف خلافا لبعض الفقهاء # ومثاله المتيمم إذا رأى الماء في خلال الصلاة مضى في الصلاة لأن الإجماع ~~منعقد على صحة صلاته ودوامها فطريان وجود الماء كطريان هبوب الريح وطلوع ~~الفجر وسائر الحوادث فنحن نستصحب دوام الصلاة إلى أن يدل دليل على كون رؤية ~~الماء قاطعا للصلاة ms243 # وهذا فاسد لأن هذا المستصحب لا يخلو إما أن يقر بأنه لم يقم دليلا في ~~المسألة لكن قال أنا ناف ولا دليل على النافي وأما أن يظن أنه أقام دليلا ~~فإن أقر بأنه لم يدل فسنبين وجوب الدليل على النافي وإن ظن أنه أقام دليلا ~~فقد أخطأ فإنا نقول إنما يستدام الحكم الذي دل الدليل على دوامه فالدليل ~~على دوام الصلاة ههنا لفظ الشارع أو إجماع فإن كان لفظا فلا بد من بيان ~~لذلك اللفظ فلعله يدل على دوامها عند العدم لا عند الوجود فإن دل بعمومه ~~على دوامها عند العدم والوجود جميعا كان ذلك تمسكا بعموم عند القائلين به ~~فيجب إظهار دليل التخصيص وإن كان ذلك بإجماع فالإجماع منعقد على دوام ~~الصلاة عند العدم أما حال الوجود فهو مختلف فيه ولا إجماع مع الخلاف ولو ~~كان الإجماع شاملا حال الوجود لكان المخالف خارقا للإجماع كما أن المخالف ~~في انقطاع الصلاة عند هبوب الرياح وطلوع الفجر خارق للإجماع لأن الإجماع لم ~~ينعقد مشروطا بعدم PageV01P380 ~~الهبوب وانعقد مشروطا بعدم الماء فإذا وجد فلا إجماع فيجب أن يقاس حال ~~الوجود على حال العدم المجمع عليه بعلة جامعة فأما أن يستصحب الإجماع عند ~~انتفاء الإجماع فهو محال وهذا كما أن العقل دل على البراءة الأصلية بشرط أن ~~لا يدل دليل السمع فلا يبقى له دلالة مع وجود دليل السمع وههنا انعقد ~~الإجماع بشرط العدم وانتفى الإجماع عند الوجوب أيضا # فهذه الدقيقة وهي أن كل دليل يضاد نفس الخلاف فلا يمكن استصحابه مع ~~الخلاف والإجماع يضاده نفس الخلاف إذ لا إجماع مع الخلاف بخلاف العموم ~~والنص ودليل العقل فإن الخلاف لا يضاده فإن المخالف مقر بأن العموم مقر بأن ~~العموم تناول بصيغته محل الخلاف إذ قوله صلى الله عليه وسلم "لا صيام لمن ~~لم يبيت الصيام من الليل" شامل بصيغته صوم رمضان مع خلاف الخصم فيه فيقول ~~أسلم شمول الصيغة لكني أخصصه بدليل فعليه الدليل وهاهنا المخالف لا يسلم ~~شمول الإجماع محل الخلاف إذ ms244 يستحيل الإجماع مع الخلاف ولا يستحيل شمول ~~الصيغة مع الدليل فهذه الدقيقة لا بد من التنبه لها # فإن قيل: الإجماع المتقدم يحرم الخلاف فكيف يرتفع بالخلاف؟ # قلنا: هذا الخلاف غير محرم بالإجماع وإنما لم يكن المخالف خارقا للإجماع ~~لأن الإجماع إنما انعقد على حالة العدم لا على حالة الوجود فمن ألحق الوجود ~~بالعدم فعليه الدليل # فإن قيل: فالدليل الدال على صحة الشروع دال على دوامه إلى أن يقوم دليل ~~على انقطاعه # قلنا: فلينظر في ذلك الدليل أهو عموم أو نص يتناول حالة الوجود أم لا؟ ~~فإن كان هو الإجماع مشروط بالعدم فلا يكون دليلا عند الوجود # فإن قيل: بم تنكرون على من يقول الأصل أن كل ما ثبت دام إلى وجود PageV01P381 ~~قاطع فلا يحتاج الدوام إلى دليل في نفسه بل الثبوت هو الذي يحتاج إلى ~~الدليل كما أنه إذا ثبت موت زيد وثبت بناء دار أو بلد كان دوامه بنفسه لا بسبب # قلنا: هذا وهم باطل لأن كل ما ثبت جاز أن يدوم فلا بد لدوامه من سبب ~~ودليل سوى دليل الثبوت ولولا دليل العادة على أن من مات لا يحيا والدار إذا ~~بنيت لا تنهدم ما لم تهدم أو يطول الزمان لما عرفنا دوامه بمجرد ثبوته كما ~~إذا أخبر عن قعود الأمير وأكله ودخوله الدار ولم تدل العادة على دوام هذه ~~الأحوال فإنا لا نقضي بدوام هذه الأحوال أصلا فكذلك خبر الشرع عن دوام ~~الصلاة مع عدم الماء ليس خبرا عن دوامها مع الوجود فيفتقر دوامها إلى دليل آخر # فإن قيل: ليس هو مأمورا بالشروع فقط بل بالشروع مع الإتمام # قلنا: نعم هو مأمور بالشروع مع العدم وبالإتمام مع العدم أما مع وجود فهو ~~محل الخلاف فما الدليل على أنه مأمور في حالة الوجود بالإتمام # فإن قيل: لأنه منهي عن إبطال العمل وفي استعمال الماء إبطال العمل PageV01P382 ~~قلنا: هذا الأمر إنجرار إلى ما جررناكم إليه وانقياد للحاجة إلى الدليل ~~وهذا الدليل وإن كان ضعيفا فبيان ضعفه ليس من حظ ms245 الأصولي # ثم هو ضعيف لأنه إن أردتم بالبطلان إحباط ثوابه فلا نسلم أنه لا يثاب على ~~فعله وإن أردتم أنه أوجب عليه مثله فليس الصحة عبارة عما لا يجب فعل مثله ~~على ما قررناه من قبل # فإن قيل: الأصل أنه لا يجب شيء بالشك ووجوب استئناف الصلاة مشكوك فيه فلا ~~يرتفع به اليقين قلنا: هذا يعارضه أن وجوب المضي في هذه الصلاة مشكوك فيه ~~وبراءة الذمة بهذه الصلاة مع وجود الماء مشكوك فيه فلا يرتفع به اليقين # ثم نقول :من يوجب الاستئناف يوجبه بدليل يغلب على الظن كما يرفع البراءة ~~الأصلية بدليل يغلب على الظن كيف واليقين قد يرفع بالشك في بعض المواضع ~~فالمسائل فيه متعارضة وذلك إذا اشتبهت ميتة بمذكاة ورضيعة بأجنبية وماء ~~طاهر بماء نجس ومن نسي صلاة من خمس صلوات. # احتجوا بأن الله تعالى صوب الكفار في مطالبتهم للرسل بالبرهان حين قال ~~تعالى {تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين} ~~]ابراهيم: من الآية10[ فقد اشتغل الناس بالبراهين المغيرة للاستصحاب ؟ # قلنا :لأنهم لم يستصحبوا الإجماع بل النفي الأصلي الذي دل العقل عليه إذ ~~الأصل في فطرة الآدمي أن لا يكون نبيا وإنما يعرف ذلك بآيات وعلامات فهم ~~مصيبون في طلب البرهان ومخطئون في المقام على دين آبائهم بمجرد الجهل من ~~غير برهان. PageV01P383 # مسألة النافي هل عليه دليل # اختلفوا في أن النافي هل عليه دليل ؟ # فقال قوم: لا دليل عليه # وقال قوم: لا بد من الدليل. # وفرق فريق ثالث بين العقليات والشرعيات. # فأوجبوا الدليل في العقليات دون الشرعيات # والمختار: أن ما ليس بضروري فلا يعرف إلا بدليل والنفي فيه كالإثبات ~~وتحقيقه أن يقال للنافي ما ادعيت نفيه عرفت انتفاءه أو أنت شاك فيه فإن أقر ~~بالشك فلا يطالب الشاك بالدليل فإنه يعترف بالجهل وعدم المعرفة وإن قال أنا ~~متيقن للنفي قيل يقينك هذا حصل عن ضرورة أو عن دليل ولا تعد معرفة النفي ~~ضرورة فإنا نعلم أنا لسنا في لجة بحر أو على جناح نسر وليس ms246 بين أيدينا نيل ~~ولا تعد معرفة النفي ضرورة وإن لم يعرفه ضرورة فإنما عرفه عن تقليد أو عن ~~نظر فالتقليد لا يفيد العلم فإن الخطأ جائز على المقلد والمقلد معترف بعمى ~~نفسه وإنما يدعي البصيرة لغيره وإن كان عن نظر فلا بد من بيانه فهذا أصل الدليل # ويتأيد بلزوم إشكالين بشعين على إسقاط الدليل عن النافي : # أحداهما :وهو أن لا يجب الدليل على نافي حدوث العالم ونافي الصانع ونافي ~~حدوث العالم ونافي الصانع ونافي النبوات ونافي تحريم الزنا والخمر والميتة ~~ونكاح المحارم وهو محال . # والثاني: أن الدليل إذا سقط عن هؤلاء لم يعجز أن يعبر المثبت عن مقصود ~~إثباته بالنفي فيقول بدل قوله محدث إنه ليس بقديم وبدل قوله قادر إنه ليس ~~بعاجز وما يجري مجراه # ولهم في المسألة شبهتان : # الشبهة الأولى : قولهم: أنه لا دليل على المدعى عليه بالدين لأنه ناف PageV01P384 ~~والجواب من أربعة أوجه: # الأول : أن ذلك ليس لكونه نافيا ولا لدلالة العقل على سقوط الدليل عن ~~النافي بل ذلك بحكم الشرع لقوله البينة على المدعي واليمين على من أنكر ولا ~~يجوز أن يقاس عليه غيره لأن الشرع إنما قضى به للضرورة إذ لا سبيل إلى ~~إقامة دليل على النفي فإن ذلك إنما يعرف بأن يلازمه عدد التواتر من أول ~~وجوده إلى وقت الدعوى فيعلم انتفاء سبب اللزوم قولا وفعلا بمراقبة اللحظات ~~فكيف يكلف إقامة البرهان على ما يستحيل إقامة البرهان عليه؟ # بل المدعي أيضا لا دليل عليه لأن قول الشاهدين لا يحصل المعرفة بل الظن ~~بجريان سبب اللزوم من إتلاف أو دين وذلك في الماضي أما في الحال فلا يعلم ~~الشاهد شغل الذمة فإنه يجوز براءتها بأداء أو إبراء ولا سبيل للخلق إلى ~~معرفة شغل الذمة وبراءتها إلا بقول الله تعالى وقول الرسول المعصوم ولا ~~ينبغي أن يظن أن على المدعي أيضا دليلا فإن قول الشاهد إنما صار دليلا بحكم ~~الشرع فإن جاز ذلك فيمين المدعى عليه أيضا لازم فليكن ذلك دليلا # والجواب الثاني : أن المدعى عليه ms247 يدعي علم الضرورة ببراءة ذمة نفسه إذ ~~يتيقن أنه لم يتلف ولم يلتزم ويعجز الخلق كلهم من معرفته فإنه لا يعرفه إلا ~~الله تعالى فالنافي في العقليات إن ادعى معرفة إن ادعى معرفة النفي ضرورة ~~فهو محال وإن أقر بأنه مختص بمعرفته اختصاصا لا يمكن أن يشاركه فيه إلا ~~الله فعند ذلك لا يطالب بالدليل وكذلك أنه إذا أخبر عن نفسه بنفي الجوع ~~ونفي الخوف وما جرى مجراه وعند ذلك يستوي الإثبات والنفي فإنه لو ادعى وجود ~~الجوع والخوف كان ذلك معلوما له ضرورة ويعسر على غيره معرفته والعقليات ~~مشتركة النفي منها والإثبات والمحسوسات أيضا يستوي فيها النفي والإثبات PageV01P385 ~~الثالث: أن النافي في مجلس الحكم عليه دليل وهي اليمين كما على المدعي دليل ~~وهو البينة # وهذا ضعيف إذ اليمين يجوز أن تكون فاجرة فأي دلالة لها من حيث العقل لولا ~~حكم الشرع نعم هو كالبينة فإن قول الشاهدين أيضا يجوز أن يكون غلطا وزورا ~~فاستعماله من هذا الوجه صحيح كما سبق أو يقال كما وجب على النافي في مجلس ~~القضاء أن يعضد جانبه بزيادة على دعوى النفي فليجب ذلك في الأحكام فهذا ~~أيضا له وجه # الرابع :أن يد المدعى عليه دليل على نفي ملك المدعي وهو ضعيف لأن اليد ~~تسقط دعوى المدعي شرعا وإلا فاليد قد تكون عن غصب وعارية فأي دلالة لها # الشبهة الثانية : وهي أنه كيف يكلف الدليل على النفي وهو متعذر كإقامة ~~الدليل على براءة الذمة؟ # فنقول :تعذره غير مسلم فإن النزاع إما في العقليات وإما في الشرعيات: # أما العقليات فيمكن أن يدل على نفيها بأن إثباتها يفضي إلى المحال وما ~~أفضى إلى المحال فهو محال لقوله تعالى {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ~~} ]الانبياء: من الآية22[ومعلوم أنهما لم تفسدا فدل ذلك على نفي الثاني # ويمكن إثباته بالقياس الشرطي الذي سميناه في المقدمة طريق التلازم فإن كل ~~إثبات له لوازم فانتفاء اللازم يدل على انتفاء الملزوم وكذلك المتحدي ليس ~~نبيا إذ لو كان نبيا لكان معه ms248 معجزة إذ تكليف المحال محال فهذا طريق وهو الصحيح # الطريق الثاني : أن يقال للمثبت لو ثبت ما ادعيته لعلم ذلك بضرورة أو PageV01P386 ~~دليل ولا ضرورة مع الخلاف ولا دليل فيدل ذلك على الانتفاء # وهذا فاسد فإنه ينقلب على النافي فيقال له لو انتفى الحكم لعلم انتفاؤه ~~بضرورة أو بدليل ولا ضرورة ولا دليل # ولا يمكنه أن يتمسك بالاستصحاب بأن يقول مثلا الأصل عدم إله ثان فمن ~~ادعاه فعليه الدليل إذ لا يسلم له أن الأصل العدم بخلاف البراءة الأصلية ~~فإن العقل قد دل على نفي الحكم قبل السمع من حيث دل على أن الحكم هو ~~التكليف والخطاب من الله تعالى وتكليف المحال محال ولو كلفناه من غير رسول ~~مصدق بالمعجزة يبلغ إلينا تكليفه كان ذلك تكليف محال فاستندت البراءة ~~الأصلية إلى دليل عقلي بخلاف عدم الإله الثاني # وأما قولهم :لو ثبت إله ثان لكان لله تعالى عليه دليل فهو تحكم من وجهين: # أحدهما أنه يجوز أن لا ينصب الله تعالى على بعض الأشياء دليلا ويستأثر بعلمه # الثاني : إنه يجوز أن ينصب عليه دليلا ونحن لا نتنبه له ويتنبه له بعض ~~الخواص أو بعض الأنبياء ومن خصص بحاسة سادسة وذوق أخر بل الذي يقطع به أن ~~الأنبياء يدركون أمورا نحن لا ندركها وأن في مقدورات الله أمورا ليس في قوة ~~البشر معرفتها ويجوز أن يكون لله تعالى صفات لا تدرك بهذه الحواس ولا بهذا ~~العقل بل بحاسة سادسة أو سابعة بل لا يستحيل أن تكون اليد والوجه عبارة عن ~~صفات لا نفهمها ولا دليل عليها ولو لم يرد السمع بها لكان نفيها خطأ فلعل ~~من الصفات من هذا القبيل ما لم يرد السمع بالتعبير عنه ولا فينا قوة ~~إدراكها بل لو لم يخلق لنا السمع لأنكرنا الأصوات ولم نفهمها ولو لم يخلق ~~لنا ذوق الشعر لأنكرنا تفرقة صاحب العروض بين الموزون وغير الموزون فما ~~يدرينا أن في قدرة الله تعالى أنواعا من الحواس لو خلقها لنا لأدركنا بها ~~أمورا أخر نحن ms249 ننفيها فكان هذا إنكارا بالجهل ورميا في العماية # أما الشرعيات فقد تصادف الدليل عليها من الإجماع كنفي وجوب صوم PageV01P387 ~~شوال وصلاة الضحى أو النص كقوله صلى الله عليه وسلم "لا زكاة في الحلى " ~~و"لا زكاة في المعلوفة " أو من القياس كقياس الخضراوات على الرمان والبطيخ ~~المنصوص على نفي الزكاة عنه كقول الراوي لا زكاة في الرمان والبطيخ بل هو ~~عفو عفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد لا يساعد مثل هذا الدليل ~~فنبحث عن مدارك الإثبات فإذا لم نجد رجعنا إلى الاستصحاب للنفي الأصلي ~~الثابت بدليل العقل وهو دليل عند عدم ورود السمع وحيث أوردنا في تصانيف ~~الخلاف أن النافي لا دليل عليه أردنا به أنه ليس عليه دليل سمعي إذ يكفيه ~~استصحاب البراءة الأصلية التي كنا نحكم بها لولا بعثة الرسول وورود السمع # فإن قيل: دليل العقل مشروط بانتفاء السمع وانتفاء السمع غير معلوم وعدم ~~العلم به لا يدل على عدمه ولا سبيل إلى دعوى العلم بانتفائه فإن ذلك لا يعلم # قلنا: قد بينا أن انتفاءه تارة يعلم كما في انتفاء وجوب صوم شوال وصلاة ~~الضحى وتارة يظن بأن يبحث من هو من أهل البحث عن مدارك الشرع والظن فيه ~~كالعلم لأنه صادر عن اجتهاد إذ قد يقول لو كان لوجدته فإذا لم أجده مع شدة ~~بحثي دل على أنه ليس بكائن كطالب المتاع في البيت إذا استقصى # فإن قيل: أليس للاستقصاء غاية محدودة بل للبحث بداية ووسط ونهاية فمتى ~~يحل له أن ينفي الدليل السمعي المغير ؟ # قلنا: مهما رجع رجع إلى نفسه فعلم أنه بذل غاية وسعه في الطلب كطالب ~~المتاع في البيت . PageV01P388 # فإن قيل: البيت محصور وطلب اليقين فيه ممكن ومدارك الشرع غير محصورة فإن ~~الكتاب وإن كان محصورا فالأخبار غير محصورة وربما كان راوي الحديث مجهولا # قلنا: إن كان ذلك في ابتداء الإسلام قبل انتشار الأخبار ففرض كل مجتهد ما ~~هو جهد رأيه إلى أن يبلغه الخبر وإن كان بعد أن رويت الأخبار وصنفت ms250 الصحاح ~~فما دخل فيها محصور عند أهلها وقد انتهى إلى المجتهدين وأوردوها في مسائل الخلاف # وعلى الجملة فدلالة العقل على النفي الأصلي مشروطة بنفي المغير كما أن ~~دلالة العموم مشروطة بنفي المخصص وكل واحد من المخصص والمغير تارة يعلم ~~انتفاؤه وتارة يظن وكل واحد دليل في الشرع # هذا تمام الكلام في الأصل الرابع وهو منتهى الكلام في القطب الثاني ~~المشتمل على أصول الأدلة المثمرة التي هي الكتاب والسنة والإجماع والعقل PageV01P389 ### || AUTO خاتمة القطب ببيان ما يظن أنه من أصول الأدلة وليس منها ### ||| AUTO الأصل الأول من الأصول الموهومة: شرع من قبلنا # ... # خاتمة لهذا القطب ببيان أن ثم ما يظن أنه من أصول الأدلة وليس منها # وهو أيضا أربعة: # شرع من قبلنا # وقول الصحابي # والاستحسان # والاستصلاح # فهذه أيضا لا بد من شرحها PageV01P390 ~~الأصل الأول من الأصول الموهومة شرع من قبلنا من الأنبياء فيما لم يصرح ~~شرعنا بنسخه # ونقدم على هذا الأصل: # مسألة وهي أنه قبل مبعثه هل كان متعبدا بشرع أحد من الأنبياء؟ # فمنهم من قال لم يكن متعبدا ومنهم من قال كان متعبدا ثم منهم من نسبه إلى ~~نوح عليه السلام وقوم نسبوه إلى إبراهيم عليه السلام وقوم نسبوه إلى موسى ~~وقوم إلى عيسى عليهما السلام . # والمختار أن جميع هذه الأقسام جائز عقلا لكن الواقع منه غير معلوم بطريق ~~قاطع ورجم الظن فيما لا يتعلق به الآن تعبد عملي لا معنى له # فإن قيل: الدليل القاطع على أنه لم يكن على ملة أنه لو كان لافتخر به ~~أولئك القوم ونسبوه إلى أنفسهم ولكان يشتهر تلبسه بشعارهم وتتوفر الدواعي ~~على نقله # قلنا: هذا يعارضه أنه لو كان منسلخا عن التكليف والتعبد بالشرائع لظهر ~~مخالفته أصناف الخلق وتوفرت الدواعي على نقله ويشبه أن يكون اختفاء حاله ~~قبل البعث معجزة خارقة للعادة وذلك من عجائب أموروه # وللمخالف شبهتان : # الأولي : أن موسى وعيسى دعوا إلى دينهما كافة المكلفين من عباد الله ~~تعالى فكان هو داخلا تحت العموم # وهذا باطل من وجهين :أحدهما أنه لم ms251 ينقل إلينا على التواتر عنهما PageV01P391 ~~عموم صيغة حتى ننظر في فحواه فلا مستند لهذه الدعوى إلا المقايسة بدين ~~نبينا صلى الله عليه وسلم والمقايسة في مثل هذا باطل وإن كان عموم فلعله ~~استثنى عنه من ينسخ شريعتهما # الثاني : أنه ربما كان زمانه زمان فترة الشرائع واندراسها وتعذر القيام ~~بها ولأجله بعث فمن أين يعلم قيام الحجة على تفصيل شريعتهما # الثانية :من شبههم أنه كان يصلي ويحج ويعتمر ويتصدق ويذبح الحيوان ويجتنب ~~الميتة وذلك لا يرشد إليه العقل # قلنا: هذا فاسد من وجهين أحدهما أن شيئا من ذلك لم يتواتر بنقل مقطوع به ~~ولا سبيل إلى إثباته بالظن الثاني: أنه ربما ذبح الحيوان بناء على أنه لا ~~تحريم إلا بالسمع ولا حكم قبل ورود الشرع وترك الميتة عيافة بالطبع كما ترك ~~أكل الضب عيافة والحج والصلاة إن صح فلعله فعله تبركا بما نقل جملته من ~~أنبياء السلف وإن اندرس تفصيله # ونرجع الآن إلى الأصل المقصود وهو أنه بعد بعثته هل كان متعبدا بشريعة من قبله ؟ # والقول في الجواز العقلي والوقوع السمعي PageV01P392 ~~أما الجواز العقلي: فهو حاصل إذ لله تعالى أن يتعبد عباده بما شاء من شريعة ~~سابقة أو مستأنفة أو بعضها سابقة وبعضها مستأنفة ولا يستحيل منه شيء لذاته ~~ولا لمفسدة فيه # وزعم بعض القدرية أنه لا يجوز بعثة نبي إلا بشرع مستأنف فإنه إن لم يجدد ~~أمرا فلا فائدة في بعثته ولا يرسل الله تعالى رسولا بغير فائدة ويلزمهم على ~~هذا تجويز بعثته بمثل تلك الشريعة إذا كانت قد اندرست وإرساله بمثلها إذا ~~كانت قد اشتملت على زوائد وأن يكون الأول مبعوثا إلى قوم والثاني مبعوثا ~~إليهم وإلى غيرهم ولعلهم يخالفون إذا كانت الأولى غضة طرية ولم تشتمل ~~الثانية على مزيد # فنقول: يدل على جوازه ما يدل على جواز نصب دليلين وبعثة رسولين معا كما ~~قال تعالى {إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث} ]يس: من ~~الآية14[وكما أرسل موسى وهارون وداود وسليمان بل كخلق العينين مع الاكتفاء ~~في الإبصار بإحداهما ms252 . # ثم كلامهم بناء على طلب الفائدة في أفعال الله تعالى وهو تحكم # أما الوقوع السمعي: فلا خلاف في أن شرعنا ليس بناسخ جميع الشرائع بالكية ~~إذ لم ينسخ وجوب الإيمان وتحريم الزنا والسرقة والقتل والكفر ولكن حرم عليه ~~صلى الله عليه وسلم هذه المحظورات بخطاب مستأنف أو بالخطاب الذي نزل إلى ~~غيره وتعبد باستدامته ولم ينزل عليه الخطاب إلا بما خالف شرعهم فإذا نزلت ~~واقعة لزمه اتباع دينهم إلا إذا أنزل عليه وحي مخالف لما سبق فإلى هذا يرجع الخلاف PageV01P393 ~~والمختار :أنه لم يتعبد بشريعة من قبله # ويدل عليه أربعة مسالك : # المسلك الأول :أنه صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن قال له بم ~~تحكم ؟قال بالكتاب والسنة والاجتهاد ولم يذكر التوراة والإنجيل وشرع من ~~قبلنا فزكاه رسول الله وصوبه ولو كان ذلك من مدارك الأحكام لما جاز العدول ~~إلى الاجتهاد إلا بعد العجز عنه # فإن قيل: إنما لم يذكر التوراة والإنجيل لأن في الكتاب آيات تدل على ~~الرجوع إليهما # قلنا: سنبين سقوط تمسكهم بتلك الآيات بل فيه قوله تعالى {لكل جعلنا منكم ~~شرعة ومنهاجا } ]المائدة: من الآية48[وقال صلى الله عليه وسلم :" لو كان ~~موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي " # ثم نقول: في الكتاب ما يدل على اتباع السنة والقياس فكان ينبغي أن يقتصر ~~على ذكر الكتاب فإن شرع في التفصيل كانت الشريعة السابقة أهم مذكور # فإن قيل: اندرجت التوراة والإنجيل تحت الكتاب فإنه اسم يعم كل كتاب # قلنا: إذا ذكر الكتاب والسنة لم يسبق إلى فهم المسلمين شيء سوى القرآن ~~وكيف يفهم غيره ولم يعهد من معاذ قط تعلم التوراة والإنجيل والعناية بتمييز ~~المحرف عن غيره كما عهد منه تعلم القرآن ولو وجب ذلك لتعلمه جميع PageV01P394 ~~الصحابة لأنه كتاب منزل لم ينسخ إلا بعضه وهو مدرك بعض الأحكام ولم يتعهد ~~حفظ القرآن إلا لهذه العلة وكيف وطالع عمر رضي الله عنه ورقة من التوراة ~~فغضب صلى الله عليه وسلم حتى احمرت عيناه وقال لو كان موسى حيا ms253 ما وسعه إلا اتباعي # المسلك الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم لو كان متعبدا بها للزمه مراجعتها ~~والبحث عنها ولكان لا ينتظر الوحي ولا يتوقف في الظهار ورمي المحصنات ~~والمواريث ولكان يرجع أولا إليها لا سيما أحكام هي ضرورة كل أمة فلا تخلو ~~التوراة عنها فإن لم يراجعها لاندراسها وتحريفها فهذا يمنع التعبد وإن كان ~~ممكنا فهذا يوجب البحث والتعلم ولم يراجع قط إلا في رجم اليهود ليعرفهم أن ~~ذلك ليس مخالفا لدينهم # المسلك الثالث: أن ذلك لو كان مدركا لكان تعلمها ونقلها وحفظها من فروض ~~الكفايات كالقرآن والأخبار ولوجب على الصحابة مراجعتها في تعرف الأحكام كما ~~وجب عليهم المناشدة في نقل الأخبار ولرجعوا إليها في مواضع اختلافهم حيث ~~أشكل عليهم كمسألة العول وميراث الجد والمفوضة وبيع أم الولد وحد الشرب ~~والربا في غير النسيئة ومتعة النساء ودية الجنين وحكم المكاتب إذا كان عليه ~~شيء من النجوم والرد بالعيب بعد الوطء والتقاء الختانين وغير ذلك من أحكام ~~لا تنفك الأديان والكتب عنها # ولم ينقل عن واحد منهم مع طول أعمارهم وكثرة وقائعهم واختلافاتهم مراجعة ~~التوراة لا سيما وقد أسلم من أخبارهم من تقوم الحجة بقولهم PageV01P395 ~~كعبد الله بن سلام وكعب الأحبار ووهب وغيرهم ولا يجوز القياس إلا بعد اليأس ~~من الكتاب فكيف يحصل القياس قبل العلم ؟! # المسلك الرابع : إطباق الأمة قاطبة على أن هذه الشريعة ناسخة وأنها شريعة ~~رسولنا صلى الله عليه وسلم بجملتها ،ولو تعبد بشرع غيرها لكان مخبرا لا ~~شارعا ولكان صاحب نقل لا صاحب شرع # إلا أن هذا ضعيف لأنه إضافة تحتمل المجاز وأن معلوما بواسطته وإن لم يكن ~~هو شارعا لجميعه # أدلة القائلين بالأخذ بشرع من قبلنا # وللمخالف التمسك بخمس آيات وثلاثة أحاديث: # الآية الأولى: أنه تعالى لما ذكر الأنبياء قال :{ أولئك الذين هدى الله ~~فبهداهم اقتده } ]الأنعام: من الآية90[ # قلنا: أراد بالهدى التوحيد ودلالة الأدلة العقلية على وجدانيته وصفاته ~~بدليلين أحدهما أنه قال {فبهداهم اقتده} ]الأنعام: من الآية90[ولم يقل بهم ~~وإنما هداهم الأدلة التي ليست ms254 منسوبة إليهم أما الشرع فمنسوب إليهم فيكون ~~اتباعهم فيه اقتداء بهم # الثاني: أنه كيف أمر بجميع شرائعهم وهي مختلفة وناسخة ومنسوخة ومتى بحث ~~عن جميع ذلك وشرائعهم كثيرة؟ فدل على أنه أراد الهدى المشترك بين جميعهم ~~وهو التوحيد # الآية الثانية:قوله تعالى {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا } ~~]النحل: من الآية123[وهذا يتمسك به من نسبه إلى إبراهيم عليه السلام PageV01P396 ~~وتعارضه الآية الأولى # ثم لا حجة فيها إذ قال: {أوحينا إليك } فوجب بما أوحي إليه لا بما أوحي ~~إلى غيره وقوله { أن اتبع} أي افعل مثل فعله وليس معناه كن متبعا له وواحدا ~~من أمته كيف والملة عبارة عن أصل الدين والتوحيد والتقديس الذي تتفق فيه ~~جميع الشرائع ولذلك قال تعالى{ ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه} ~~]البقرة: من الآية130[ولا يجوز تسفيه الأنبياء المخالفين له # ويدل عليه أنه لم يبحث عن ملة إبراهيم وكيف كان يبحث مع اندراس كتابه ~~وأسناد أخباره # الآية الثالثة:قوله تعالى {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا}] الشورى: من ~~الآية13[ وهذا يتمسك به من نسبه إلى نوح عليه السلام # وهو فاسد، إذا تعارضه الآيتان السابقتان. # ثم الدين عبارة عن أصل التوحيد وإنما خصص نوحا بالذكر تشريفا له وتخصيصا ~~ومتى راجع رسول الله صلى الله عليه وسلم تفصيل شرع نوح وكيف أمكن ذلك مع ~~أنه أقدم الأنبياء وأشد الشرائع اندراسا كيف وقد قال تعالى {شرع لكم من ~~الدين ما وصى به نوحا} ]الشورى: من الآية13[ فلو قال شرع لنوح ما وصاكم به ~~لكان ربما دل هذا على غرضهم وأما هذا فيصرح بضده # الآية الرابعة: قوله تعالى {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها ~~النبيون} ]المائدة: من الآية44[ المائدة الآية وهو أحد الأنبياء فليحكم بها # واستدل بهذا من نسبه إلى موسى عليه السلام # وتعارضه الآيات السابقة PageV01P397 ~~ثم المراد بالنور والهدى أصل التوحيد وما يشترك فيه النبيون دون الأحكام ~~المعرضة للنسخ # ثم لعله أراد النبيين في زمانه دون من بعدهم # ثم هو على صيغة ms255 الخبر لا على صيغة الأمر فلا حجة فيه # ثم يجوز أن يكون المراد حكم النبيين بها بأمر ابتدأهم به الله تعالى وحيا ~~إليهم لا بوحي موسى عليه السلام # الآية الخامسة قوله تعالى بعد ذكر التوراة وأحكامها {ومن لم يحكم بما ~~أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ]المائدة: من الآية44[ # قلنا: المراد به ومن لم يحكم بما أنزل الله مكذبا به وجاحدا له لا من حكم ~~بما أنزل الله عليه خاصة أو من لم يحكم به ممن أوجب عليه الحكم به من أمته ~~وأمة كل نبي إذا خالفت ما أنزل على نبيهم أو يكون المراد به يحكم بمثلها ~~النبيون وإن كان بوحي خاص إليهم لا بطريق التبعية # وأما الأحاديث : # فأولها: أنه صلى الله عليه وسلم طلب منه القصاص في سن كسرت فقال "كتاب الله PageV01P398 ~~يقضي بالقصاص" وليس في القرآن قصاص السن إلا ما حكي عن التوراة في قوله ~~تعالى { والسن بالسن } ]المائدة: من الآية45[ قلنا :بل فيه {فمن اعتدى ~~عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} ]البقرة: من الآية194[فدخل السن ~~تحت عمومه. # الحديث الثاني :قوله صلى الله عليه وسلم: "من نام عن صلاة أو نسيها ~~فليصلها إذا ذكرها " وقرأ قوله تعالى {وأقم الصلاة لذكري} ]طه: من الآية14[ ~~وهذا خطاب مع موسى عليه السلام # قلنا: ما ذكره صلى الله عليه وسلم تعليلا للإيجاب لكن أوجب بما أوحي إليه ~~ونبه على أنهم أمروا كما أمر موسى وقوله { لذكري} أي لذكر إيجابي للصلاة ~~ولولا الخبر لكان السابق إلى الفهم أنه لذكر الله تعالى بالقلب أو لذكر ~~الصلاة بالإيجاب # الحديث الثالث: مراجعته صلى الله عليه وسلم التوراة في رجم اليهوديين # وكان ذلك تكذيبا لهم في إنكار الرجم إذ كان يجب أن يراجع الإنجيل فإنه ~~آخر ما أنزل الله فلذلك لم يراجع في واقعة سوى هذه والله أعلم PageV01P399 ### ||| AUTO الأصل الثاني من الأصول الموهومة: قول الصحابي # ... # الأصل الثاني من الأصول الموهومة قول الصحابي # وقد ذهب قوم إلى أن مذهب الصحابي حجة مطلقا وقوم إلى أنه حجة إن ms256 خالف ~~القياس وقوم إلى أن الحجة في قول أبي بكر وعمر خاصة لقوله صلى الله عليه ~~وسلم "اقتدوا باللذين من بعدي" وقوم إلى أن الحجة في قول الخلفاء الراشدين ~~إذا اتفقوا. # والكل باطل عندنا فإن من يجوز عليه الغلط والسهو ولم تثبت عصمته عنه فلا ~~حجة في قوله فكيف يحتج بقولهم مع جواز الخطأ وكيف تدعى عصمتهم من غير حجة ~~متواترة وكيف يتصور عصمة قوم يجوز عليهم الاختلاف وكيف يختلف المعصومان كيف ~~وقد اتفقت الصحابة على جواز مخالفة الصحابة فلم ينكر أبو بكر وعمر على من ~~خالفهما بالاجتهاد بل أوجبوا في مسائل الاجتهاد على كل مجتهد أن يتبع ~~اجتهاد نفسه # فانتفاء الدليل على العصمة ووقوع الإختلاف بينهم وتصريحهم بجواز مخالفتهم ~~فيه ثلاثة أدلة قاطعة # وللمخالف خمس شبه: # الشبهة الأولى : قولهم وإن لم تثبت عصمتهم فإذا تعبدنا باتباعهم لزم ~~الاتباع كما أن الراوي الواحد لم تثبت عصمتهم لكن لزم اتباعه للتعبد به وقد ~~قال صلى الله عليه وسلم "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" PageV01P400 # والجواب أن هذا خطاب مع عوام أهل عصره ب صلى الله عليه وسلم ،تعريف درجة ~~الفتوى لأصحابه حتى يلزم اتباعهم وهو تخيير لهم في الاقتداء بمن شاؤوا منهم ~~بدليل أن الصحابي غير داخل فيه إذ له أن يخالف صحابيا آخر فكما خرج الصحابة ~~بدليل فكذلك خرج العلماء بدليل وكيف وهذا لا يدل على وجوب الاتباع بل على ~~الاهتداء إذا اتبع ؟ فلعله يدل على مذهب من يجوز للعالم تقليد العالم أو من ~~يخير العامي في تقليد الأئمة من غير تعيين الأفضل # الشبهة الثانية : أن دعوى وجوب الاتباع إن لم تصح لجميع الصحابة فتصح ~~للخلفاء الأربعة لقوله صلى الله عليه وسلم "عليكم سنتي وسنة الخلفاء ~~الراشدين من بعدي " وظاهر قوله: عليكم للإيجاب وهو عام # قلنا: فيلزمكم على هذا تحريم الاجتهاد على سائر الصحابة رضي الله عنهم ~~إذا اتفق الخلفاء ولم يكن كذلك بل كانوا يخالفون وكانوا يصرحون بجواز ~~الاجتهاد فيما ظهر لهم وظاهر هذا تحريم مخالفة كل واحد من الصحابة ms257 وإن ~~انفرد فليس في الحديث شرط الاتفاق وما اجتمعوا في الخلافة حتى يكون اتفاقهم ~~اتفاق الخلفاء PageV01P401 ~~وإيجاب اتباع كل واحد منهم محال مع اختلافهم في مسائل لكن المراد بالحديث ~~إما أمر الخلق بالانقياد وبذل الطاعة لهم أي عليكم بقبول إمارتهم وسنتهم أو ~~أمر الأمة بأن ينهجوا منهجهم في العدل والإنصاف والإعراض عن الدنيا وملازمة ~~سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفقر والمسكنة والشفقة على الرعية ~~أو أراد منع من بعدهم عن نقض أحكامهم فهذه احتمالات ثلاثة تعضدها الأدلة ~~التي ذكرناها # الشبهة الثالثة قولهم إنه إن لم يجب اتباع الخلفاء فيجب اتباع أبي بكر ~~وعمر بقوله صلى الله عليه وسلم " اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر" # قلنا تعارضه الأخبار السابقة فيتطرق إليه الاحتمالات الثلاثة # ثم نقول بموجبه فيجب الاقتداء بهما في تجويزهما لغيرهما مخالفتهما بموجب ~~الاجتهاد # ثم ليت شعري لو اختلفا كما اختلفا في التسوية في العطاء فأيهما يتبع # الشبهة الرابعة : أن عبد الرحمن بن عوف ولى عليا الخلافة بشرط الاقتداء ~~بالشيخين فأبى وولى عثمان فقبل ولم ينكر عليه PageV01P402 ~~قلنا لعله اعتقد بقوله عليه السلام من بعدي جواز تقليد العالم للعالم وعلي ~~رضي الله عنه لم يعتقد أو اعتقد أن قوله صلى الله عليه وسلم :"اقتدوا ~~باللذين من بعدي أبي بكر وعمر" إيجاب التقليد ولا حجة في مجرد مذهبه ~~ويعارضه مذهب علي إذ فهم أنه إنما أراد عبد الرحمن اتباعهما في السيرة ~~والعدل وفهم على إيجاب التقليد # الشبهة الخامسة : أنه إذا قال الصحابي قولا يخالف القياس فلا محمل له إلا ~~سماع خبر فيه # قلنا: فهذا إقرار بأن قوله ليس بحجة وإنما الحجة الخبر إلا أنكم أثبتم ~~الخبر بالتوهم المجرد ومستندنا إجماع الصحابة رضي الله عنهم في قبول خبر ~~الواحد وهم إنما عملوا بالخبر المصرح بروايته دون الموهوم المقدر الذي لا ~~يعرف لفظه ومورده فقوله ليس بنص صريح في سماع خبر بل ربما قاله عن دليل ~~ضعيف ظنه دليلا وأخطأ فيه والخطأ جائز عليه وربما يتمسك الصحابي بدليل ضعيف ms258 ~~وظاهر موهوم ولو قاله عن نص قاطع لصرح به PageV01P403 ~~نعم لو تعارض قياسان وقول الصحابي مع أحدهما فيجوز للمجتهد إن غلب على ظنه ~~الترجيح بقول الصحابي أن يرجح وكذلك نوع من المعنى يقتضي تغليظ الدية بسبب ~~الجرم وقياس أظهر منه يقتضي نفي التغليظ فربما يغلب على ظن المجتهد أن ذلك ~~المعنى الأخفى الذي ذهب إليه الصحابي يترجح به ولكن يختلف ذلك باختلاف ~~المجتهدين أما وجوب اتباعه ولم يصرح بنقل خبر فلا وجه له # وكيف وجميع ما ذكروه أخبار آحاد ونحن أثبتنا القياس والإجماع وخبر الواحد ~~بطرق قاطعة لا بخبر الواحد وجعل قول الصحابي حجة كقول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وخبره إثبات أصل من أصول الأحكام ومداركه فلا يثبت إلا بقاطع ~~كسائر الأصول # مسألة: هل يجوز تقليد الصحابي؟ # إن قال قائل إن لم يجب تقليدهم فهل يجوز تقليدهم؟ # قلنا أما العامي فيقلدهم وأما العالم فإنه إن جاز له تقليد العالم جاز له ~~تقليدهم وإن حرمنا تقليد العالم للعالم فقد اختلف قول الشافعي رحمه الله في ~~تقليد الصحابة فقال في القديم يجوز تقليد الصحابي إذا قال قولا وانتشر قوله ~~ولم يخالف وقال في موضع آخر يقلد وإن لم ينتشر ورجع في الجديد إلى أنه لا ~~يقلد العالم صحابيا كما لا يقلد عالما PageV01P404 ~~آخر ونقل المزني عنه ذلك وأن العمل على الأدلة التي بها يجوز للصحابة الفتوى # وهو الصحيح المختار عندنا إذ كل ما دل على تحريم تقليد العالم للعالم كما ~~سيأتي في كتاب الاجتهاد لا يفرق فيه بين الصحابي وغيره # فإن قيل: كيف لا يفرق بينهم مع ثناء الله تعالى وثناء رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال تعالى {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم } ~~]النساء: من الآية59[وقال تعالى {لقد رضي الله عن المؤمنين } ] الفتح: من ~~الآية18[وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "خير الناس قرني " وقال صلى ~~الله عليه وسلم :"أصحابي كالنجوم " إلى غير ذلك # قلنا: هذا كله ثناء يوجب حسن الاعتقاد في علمهم ودينهم ومحلهم عند الله ms259 ~~تعالى ولا يوجب تقليدهم لا جوازا ولا وجوبا فإنه صلى الله عليه وسلم أثنى ~~أيضا على آحاد الصحابة ولا يتميزون عن بقية الصحابة بجواز التقليد أو وجوبه ~~كقوله صلى الله عليه وسلم: "لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان العالمين لرجح ~~إيمان أبي بكر " وقال صلى الله عليه وسلم :"إن الله قد ضرب بالحق على لسان ~~عمر وقلبه، يقول الحق وإن كان مرا " وقال لعمر " والله ما سلكت فجا إلا سلك ~~الشيطان فجا غير فجك" وقال في قصة أسارى بدر حيث نزلت الآية على وفق رأي ~~عمر: "لو نزل بلاء من السماء ما نجا منه إلا عمر" وقال صلوات الله عليه " ~~إن منكم لمحدثين وإن عمر لمنهم " وكان علي رضي الله عنه وغيره من الصحابة ~~يقولون "ما كنا نظن إلا أن ملكا بين عينيه يسدده وأن ملكا ينطق على PageV01P405 ~~لسانه" وقال صلى الله عليه وسلم في حق علي "اللهم أدر الحق مع علي حيث دار ~~" وقال صلى الله عليه وسلم :" أقضاكم علي وأفرضكم زيد وأعرفكم بالحلال ~~والحرام معاذ بن جبل" وقال عليه السلام: "رضيت لأمتي ما رضي ابن أم عبد" ~~وقال عليه السلام لأبي بكر وعمر لو اجتمعا على شيء ما خالفتهما وأراد في ~~مصالح الحرب وكل ذلك ثناء لا يوجب الاقتداء أصلا # فصل في تفريع الشافعي في القديم على تقليد الصحابة ونصوصه # قال في كتاب اختلاف الحديث إنه روي عن علي أنه صلى في ليلة ست ركعات في ~~كل ركعة ست سجدات قال لو ثبت ذلك عن علي لقلت به وهذا لأنه رأى أنه لا يقول ~~ذلك إلا عن توقيف إذ لا مجال للقياس فيه # وهذا غير مرضي لأنه لم ينقل فيه حديثا حتى يتأمل لفظه ومورده وقرائنه ~~وفحواه وما يدل عليه ولم نتعبد إلا بقبول خبر يرويه صحابي مكشوفا يمكن ~~النظر فيه كما كان الصحابة يكتفون بذكر مذهب مخالف للقياس ويقدرون ذلك ~~حديثا من غير تصريح به PageV01P406 ~~وقد نص في موضع أن قول الصحابي إذا انتشر ولم يخالف فهو ms260 حجة وهو ضعيف لأن ~~السكوت ليس بقول فأي فرق بين أن ينتشر أو لا ينتشر # وقد نص على أنه إذا اختلفت الصحابة فالأئمة أولى فإن اختلف الأئمة فقول ~~أبي بكر وعمر أولى لمزيد فضلهما وقال في موضع آخر يجب الترجيح بقول الأعلم ~~والأكثر قياسا لكثرة القائلين على كثرة الرواة وكثرة الأشباه وإنما يجب ~~ترجيح الأعلم لأن زيادة علمه تقوي اجتهاده وتبعده عن الإهمال والتقصير والخطأ # وإن اختلف الحكم والفتوى من الصحابة فقد اختلف قول الشافعي فيه فقال مرة ~~الحكم أولى لأن العناية به أشد والمشورة فيه أبلغ # وقال مرة: الفتوى أولى لأن سكوتهم على الحكم يحمل على الطاعة للوالي. PageV01P407 # وكل هذا مرجوع عنه # فإن قيل: فما قولكم في ترجيح أحد القياسين بقول الصحابي ؟ # قلنا :قال القاضي لا ترجيح إلا بقوة الدليل ولا يقوى الدليل بمصير مجتهد إليه # والمختار أن هذا في محل الاجتهاد فربما يتعارض ظنان والصحابي في أحد ~~الجانبين فتميل نفس المجتهد إلى موافقة الصحابي ويكون ذلك أغلب على ظنه ~~ويختلف ذلك باختلاف المجتهدين # وقال قوم :إنما يجوز ترجيح قياس المصير إذا كان أصل القياس في واقعة ~~شاهدها الصحابي وإلا فلا فرق بينه وبين غيره # وهذا قريب ولكن مع هذا يحتمل أن يكون مصيره إليه لا لاختصاصه بمشاهدة ما ~~يدل عليه بل بمجرد الظن PageV01P408 ~~أما إذا حمل الصحابي لفظ الخبر على أحد محتمليه فمنهم من رجح ومنهم من قال ~~إذا لم يقل علمت ذلك من لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم بقرينة شاهدتها فلا ~~ترجيح به وهذا اختيار القاضي # فإن قيل:فقد ترك الشافعي في الجديد القياس في تغليظ الدية في الحرم بقول ~~عثمان .وكذلك فرق بين الحيوان وغيره في شرط البراءة بقول علي # قلنا :له في مسألة شرط البراءة أقوال فلعل هذا مرجوع عنه # وفي مسألة التغليظ: الظن به أنه قوي القياس بموافقة الصحابة فإن لم يكن ~~كذلك فمذهبه في الأصول أن لا يقلد والله أعلم PageV01P409 ### ||| AUTO الأصل الثالث من الأصول الموهومة: الاستحسان # ... # الأصل الثالث من الأصول الموهومة الاستحسان ms261 # وقد قال به أبو حنيفة # وقال الشافعي: من استحسن فقد شرع # ورد الشيء قبل فهمه محال فلا بد أولا من فهم الاستحسان وله ثلاثة معان: PageV01P409 # الأول وهو الذي يسبق إلى الفهم ما يستحسنه المجتهد بعقله # ولا شك في أنا نجوز ورود التعبد باتباعه عقلا بل لو ورد الشرع بأن ما سبق ~~إلى أوهامكم أو استحسنتموه بعقولكم أو سبق إلى أوهام العوام مثلا فهو حكم ~~الله عليكم لجوزناه ولكن وقوع التعبد لا يعرف من ضرورة العقل ونظره بل من ~~السمع ولم يرد فيه سمع متواتر ولا نقل آحاد ولو ورد لكان لا يثبت بخبر ~~الواحد فإن جعل الاستحسان مدركا من مدارك أحكام الله تعالى ينزل منزلة ~~الكتاب والسنة والإجماع وأصلا من الأصول لا يثبت بخبر الواحد ومهما انتفى ~~الدليل وجب النفي # المسلك الثاني أنا نعلم قطعا إجماع الأمة قبلهم على أن العالم ليس له أن ~~يحكم بهواه وشهوته من غير نظر في دلالة الأدلة والاستحسان من غير نظر في ~~أدلة الشرع حكم بالهوى المجرد وهو كاستحسان العامي ومن لا يحسن النظر فإنه ~~إنما جوز الاجتهاد للعالم دون العامي لأنه يفارقه في معرفة أدلة الشريعة ~~وتمييز صحيحها من فاسدها وإلا فالعامي أيضا يستحسن ولكن يقال لعل مستند ~~استحسانك وهم وخيال لا أصل له ونحن نعلم أن النفس لا تميل إلى الشيء إلا ~~بسبب مميل إليه لكن السبب ينقسم إلى ما هو وهم وخيال إذا عرض على الأدلة لم ~~يتحصل منه طائل وإلى ما هو مشهور من أدلة الشرع فلم يميز المستحسن ميله عن ~~الأوهام وسوابق الرأي إذا لم ينظر في الأدلة ولم يأخذ منها؟! PageV01P410 # ولهم شبه ثلاث # الشبهة الأولى قوله تعالى {واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم}] الزمر: ~~من الآية55[وقال {الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه } ]الزمر: من الآية18[ # قلنا: اتباع أحسن ما أنزل إلينا هو اتباع الأدلة فبينوا أن هذا مما أنزل ~~إلينا فضلا عن أن يكون من أحسنه وهو كقوله تعالى {واتبعوا أحسن ما أنزل ~~إليكم من ربكم}] الزمر: من ms262 الآية55[ثم نقول نحن نستحسن إبطال الاستحسان وأن ~~لا يكون لنا شرع سوى المصدق بالمعجزة فليكن هذا حجة عليهم # الجواب الثاني :أن يلزم من ظاهر هذا اتباع استحسان العامي والطفل ~~والمعتوه لعموم اللفظ فإن قلتم المراد بعض الاستحسانات وهو استحسان من هو ~~من أهل النظر فكذلك نقول المراد كل استحسان صدر عن أدلة الشرع وإلا فأي وجه ~~لاعتبار أهلية النظر في الأدلة مع الاستغناء عن النظر # الشبهة الثانية :قوله صلى الله عليه وسلم "ما رآه المسلمون حسنا فهو عند ~~الله حسن " # ولا حجة فيه ، من أوجه: # الأول : أنه خبر واحد لا تثبت به الأصول. # الثاني : أن المراد به ما رآه جميع المسلمين لأنه لا يخلو أن يريد به ~~جميع المسلمين أو آحادهم فإن أراد الجميع فهو صحيح إذ الأمة لا تجتمع على ~~حسن شيء إلا عن دليل والإجماع حجة وهو مراد الخبر وإن أراد الآحاد PageV01P411 ~~لزم استحسان العوام فإن فرق بأنهم ليسوا أهلا للنظر قلنا إذا كان لا ينظر ~~في الأدلة فأي فائدة لأهلية النظر؟ # الثالث: أن الصحابة أجمعوا على استحسان منع الحكم بغير دليل ولا حجة ~~لأنهم مع كثرة وقائعهم تمسكوا بالظواهر والأشباه وما قال واحد حكمت بكذا ~~وكذا لأني استحسنته ولو قال ذلك لشددوا الإنكار عليه وقالوا من أنت حتى ~~يكون استحسانك شرعا وتكون شارعا لنا ؟ وما قال معاذ حيث بعثه النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى اليمن أني أستحسن بل ذكر الكتاب والسنة والاجتهاد فقط # الشبهة الثالثة: إن الأمة استحسنت دخول الحمام من غير تقدير أجرة وعوض ~~الماء ولا تقدير مدة السكون واللبث فيه وكذلك شرب الماء من يد السقاء بغير ~~تقدير العوض ولا مبلغ الماء المشروب لأن التقدير في مثل هذا قبيح في ~~العادات فاستحسنوا ترك المضايقة فيه ولا يحتمل ذلك في إجارة ولا بيع # والجواب من وجهين: # الأول : أنهم من أين عرفوا أن الأمة فعلت ذلك من غير حجة ولا دليل ولعل ~~الدليل جريان ذلك في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم مع معرفته به ms263 ~~وتقريره عليه لأجل المشقة في تقدير الماء المشروب والمصبوب في الحمام ~~وتقدير مدة المقام والمشقة سبب الرخصة # الثاني : أن نقول شرب الماء بتسليم السقاء مباح وإذا أتلف ماءه فعليه ثمن ~~المثل إذ قرينة حاله تدل على طلب العوض فيما بذله في الغالب وما يبذل له PageV01P412 ~~في الغالب يكون ثمن المثل فيقبله السقاء فإن منع فعليه مطالبته فليس في هذا ~~إلا الاكتفاء في معرفة الإباحة بالمعاطاة والقرينة وترك المماسكة في العوض ~~وهذا مدلول عليه من الشرع # وكذلك داخل الحمام مستبيح بالقرينة ومتلف بشرط العوض بقرينة حال الحمامي ~~ثم ما يبذله إن ارتضى به الحمامي واكتفى به عوضا أخذه وإلا طالبه بالمزيد ~~إن شاء فليس هذا أمرا مبدعا ولكنه منقاس والقياس # حجة التأويل الثاني للاستحسان: قولهم المراد به دليل ينقدح في نفس ~~المجتهد لا تساعده العبارة عنه ولا يقدر على إبرازه وإظهاره # وهذا هوس لأن ما لا يقدر على التعبير عنه لا يدري أنه وهم وخيال أو تحقيق ~~ولا بد من ظهوره ليعتبر بأدلة الشريعة لتصححه الأدلة أو تزيفه أما الحكم ~~بما لا يدري ما هو فمن أين يعلم جوازه أبضرورة العقل أو نظره أو بسمع ~~متواتر أو آحاد ؟ ولا وجه لدعوى شيء من ذلك كيف وقد قال أبو حنيفة إذا شهد ~~أربعة على زنا شخص لكن عين كل واحد منهم زاوية من زوايا البيت وقال زنى ~~فيها فالقياس أن لا حد عليه لكنا نستحسن حده # فيقول له: لم يستحسن سفك دم مسلم من غير حجة إذ لم تجتمع شهادة الأربعة ~~على زنا واحد ؟ # وغايته أن يقول :تكذيب المسلمين قبيح وتصديقهم وهم عدول PageV01P413 ~~حسن فنصدقهم ونقدر دورانه في زنية واحدة على جميع الزوايا بخلاف ما لو ~~شهدوا في أربعة بيوت فإن تقدير التزاحف بعيد # وهذا هوس لأنا نصدقهم ولا نرجم المشهود عليه كما لو شهد ثلاثة وكما لو ~~شهدوا في دور وندرأ الرجم من حيث لم نعلم يقينا اجتماع الأربعة على شهادة ~~واحدة فدرء الحد بالشبهة أحسن كيف وإن كان هذا دليلا ms264 فلا ننكر الحكم ~~بالدليل ولكن لا ينبغي أن يسمى بعض الأدلة استحسانا # التأويل الثالث للاستحسان: ذكره الكرخي وبعض أصحاب أبي حنيفة ممن عجز عن ~~نصرة الاستحسان وقال ليس هو عبارة عن قول بغير دليل بل هو بدليل وهو أجناس: # منها العدول بحكم المسألة عن نظائرها بدليل خاص من القرآن مثل قوله مالي ~~صدقة أو لله علي أن أتصدق بمالي فالقياس لزوم التصدق بكل ما يسمى مالا لكن ~~استحسن أبو حنيفة التخصيص بمال الزكاة لقوله تعالى {خذ من أموالهم صدقة} ~~]التوبة: من الآية103[ولم يرد إلا مال الزكاة # ومنها :أن يعدل بها عن نظائرها بدليل السنة كالفرق في سبق الحدث والبناء ~~على الصلاة بين السبق والتعمد على خلاف قياس الأحداث # وهذا مما لا ينكر وإنما يرجع الاستنكار إلى اللفظ وتخصيص هذا النوع من ~~الدليل بتسميته استحسانا من بين سائر الأدلة والله أعلم PageV01P414 ### ||| AUTO الأصل الرابع من الأصول الموهومة: الاستصلاح # ... # الأصل الرابع من الأصول الموهومة الاستصلاح # وقد اختلف العلماء في جواز اتباع المصلحة المرسلة. # ولا بد من كشف معنى المصلحة وأقسامها # فنقول: المصلحة بالإضافة إلى شهادة الشرع ثلاثة أقسام قسم شهد الشرع ~~لاعتبارها وقسم شهد لبطلانها وقسم لم يشهد الشرع لا لبطلانها ولا PageV01P414 ~~لاعتبارها # أما ما شهد الشرع لاعتبارها فهي حجة ويرجع حاصلها إلى القياس وهو اقتباس ~~الحكم من معقول النص والإجماع وسنقيم الدليل عليه في القطب الرابع فإنه نظر ~~في كيفية استثمار الأحكام من الأصول المثمرة ومثاله حكمنا أن كل ما أسكر من ~~مشروب أو مأكول فيحرم قياسا على الخمر لأنها حرمت لحفظ العقل الذي هو مناط ~~التكليف فتحريم الشرع الخمر دليل على ملاحظة هذه المصلحة # القسم الثاني ما شهد الشرع لبطلانها مثاله قول بعض العلماء لبعض الملوك ~~لما جامع في نهار رمضان إن عليك صوم شهرين متتابعين فلما أنكر عليه حيث لم ~~يأمره بإعتاق رقبة مع اتساع ماله قال لو أمرته بذلك لسهل عليه واستحقر ~~إعتاق رقبة في جنب قضاء شهوته فكانت المصلحة في إيجاب الصوم لينزجر به PageV01P415 ~~فهذا قول باطل ms265 ومخالف لنص الكتاب بالمصلحة وفتح هذا الباب يؤدي إلى تغيير ~~جميع حدود الشرائع ونصوصها بسبب تغير الأحوال ثم إذا عرف ذلك من صنيع ~~العلماء لم تحصل الثقة للملوك بفتواهم وظنوا أن كل ما يفتون به فهو تحريف ~~من جهتهم بالرأي # القسم الثالث :ما لم يشهد له من الشرع بالبطلان ولا بالاعتبار نص معين ~~وهذا في محل النظر # فلنقدم على تمثيله تقسيما آخر وهو أن المصلحة باعتبار قوتها في ذاتها ~~تنقسم إلى ما هي في رتبة الضرورات وإلى ما هي في رتبة الحاجات وإلى ما ~~يتعلق بالتحسينات والتزيينات وتتقاعد أيضا عن رتبة الحاجات # ويتعلق بأذيال كل قسم من الأقسام ما يجري منها مجرى التكملة والتتمة لها ~~ولنفهم أولا معنى المصلحة ثم أمثلة مراتبها: # معنى المصلحة # أما المصلحة فهي عبارة في الأصل عن جلب منفعة أو دفع مضرة ولسنا نعني به ~~ذلك فإن جلب المنفعة ودفع المضرة مقاصد الخلق وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم ~~لكنا نعني بالمصلحة المحافظة على PageV01P416 ~~مقصود الشرع # ومقصود الشرع من الخلق خمسة وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ~~ونسلهم ومالهم فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة وكل ما يفوت ~~هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة وإذا أطلقنا المعنى المخيل والمناسب في ~~كتاب القياس أردنا به هذا الجنس # وهذه الأصول الخمسة :حفظها واقع في رتبة الضرورات فهي أقوى المراتب في ~~المصالح # ومثاله: قضاء الشرع بقتل الكافر المضل وعقوبة المبتدع الداعي إلى بدعته ~~فإن هذا يفوت على الخلق دينهم وقضاؤه بإيجاب القصاص أدبه حفظ النفوس وإيجاب ~~حد الشرب إذ به حفظ العقول التي هي ملاك التكليف وإيجاب حد الزنا إذ به حفظ ~~النسل والأنساب وإيجاب زجر الغصاب والسراق إذ به يحصل حفظ الأموال التي هي ~~معاش الخلق وهم مضطرون إليها # وتحريم تفويت هذه الأصول الخمسة والزجر عنها يستحيل أن لا تشتمل عليه ملة ~~من الملل وشريعة من الشرائع التي أريد بها إصلاح الخلق ولذلك لم تختلف ~~الشرائع في تحريم الكفر والقتال والزنا والسرقة وشرب المسكر # أما ms266 ما يجري مجرى التكملة والتتمة لهذه المرتبة فكقولنا المماثلة مرعية ~~في استيفاء القصاص لأنه مشروع للزجر والتشفي ولا يحصل ذلك إلا بالمثل ~~وكقولنا القليل من الخمر إنما حرم لأنه يدعو إلى الكثير فيقاس عليه النبيذ # فهذا دون الأول ولذلك اختلفت فيه الشرائع أما تحريم السكر فلا تنفك عنه ~~شريعة لأن السكر يسد باب التكليف والتعبد PageV01P417 ~~الرتبة الثانية: ما يقع في رتبة الحاجات من المصالح والمناسبات كتسليط ~~الولي على تزويج الصغيرة والصغير فذلك لا ضرورة إليه لكنه محتاج إليه في ~~اقتناء المصالح وتقييد الأكفاء خيفة من الفوات واستغناما للصلاح المنتظر في ~~المآل وليس هذا كتسليط الولي على تربيته وإرضاعه وشراء الملبوس والمطعوم ~~لأجله فإن ذلك ضرورة لا يتصور فيها اختلاف الشرائع المطلوب بها مصالح الخلق ~~أما النكاح في حال الصغر فلا يرهق إليه توقان شهوة ولا حاجة تناسل بل يحتاج ~~إليه لصلاح المعيشة باشتباك العشائر والتظاهر بالإصهار وأمور من هذا الجنس ~~لا ضرورة إليها # أما ما يجري مجرى التتمة لهذه الرتبة فهو كقولنا لا تزوج الصغيرة إلا من ~~كفؤ وبمهر مثل فإنه أيضا مناسب ولكنه دون أصل الحاجة إلى النكاح ولهذا ~~اختلف العلماء فيه # الرتبة الثالثة :ما لا يرجع إلى ضرورة ولا إلى حاجة ولكن يقع موقع ~~التحسين والتزيين والتيسير للمزايا والمزائد ورعاية أحسن المناهج في ~~العادات والمعاملات # مثاله :سلب العبد أهلية الشهادة مع قبول فتواه وروايته من حيث أن العبد ~~نازل القدر والرتبة ضعيف الحال والمنزلة باستسخار المالك إياه فلا يليق ~~بمنصبه التصدي للشهادة أما سلب ولايته فهو من مرتبة الحاجات لأن ذلك مناسب ~~للمصلحة إذ ولاية الأطفال تستدعي استغراقا وفراغا والعبد مستغرق بالخدمة ~~فتفويض أمر الطفل إليه إضرار بالطفل أما الشهادة فتتفق أحيانا كالرواية ~~والفتوى PageV01P418 ~~ولكن قول القائل سلب منصب الشهادة لخسة قدره ليس كقوله سلب ذلك لسقوط ~~الجمعة عنه فإن ذلك لا يشم منه رائحة مناسبة أصلا وهذا لا ينفك عن الانتظام ~~لو صرح به الشرع ولكن تنتفي مناسبته بالرواية والفتوى بل ذلك ينقص عن ~~المناسب إلى أن ms267 يعتذر عنه والمناسب قد يكون منقوصا فيترك أو يحترز عنه بعذر ~~أو تقييد # كتقييد النكاح بالولي لو أمكن تعليله بفتور رأيها في انتقاء الأزواج ~~وسرعة الاغترار بالظواهر لكان واقعا في الرتبة الثانية ولكن لا يصح ذلك في ~~سلب عبارتها وفي نكاح الكفؤ فهو في الرتبة الثالثة لأن ألأليق بمحاسن ~~العادات استحياء النساء عن مباشرة العقد لأن ذلك يشعر بتوقان نفسها إلى ~~الرجال ولا يليق ذلك بالمروءة ففوض الشرع ذلك إلى الولي حملا للخلق على ~~أحسن المناهج # وكذلك تقييد النكاح بالشهادة لو أمكن تعليله بالإثبات عند النزاع لكان من ~~قبيل الحاجات ولكن سقوط الشهادة على رضاها يضعف هذا المعنى فهو لتفخيم أمر ~~النكاح وتمييزه عن السفاح بالأعلان والإظهار عند من له رتبة ومنزلة # على الجملة فليلحق برتبة التحسينات PageV01P419 ~~فإذا عرفت هذه الأقسام فنقول : # الواقع في الرتبتين الأخيرتين لا يجوز الحكم بمجرده إن لم يعتضد بشهادة ~~أصل إلا أنه يجري مجرى وضع الضرورات فلا بعد في أن يؤدي إليه اجتهاد مجتهد ~~وإن لم يشهد الشرع بالرأي فهو كالاستحسان فإن اعتضد بأصل فذاك قياس وسيأتي # أما الواقع في رتبة الضرورات فلا بعد في أن يؤدي إليه اجتهاد وإن لم يشهد ~~له أصل معين ومثاله إن الكفار إذا تترسوا بجماعة من أسارى المسلمين فلو ~~كففنا عنهم لصدمونا وغلبوا على دار الإسلام وقتلوا كافة المسلمين ولو رمينا ~~الترس لقتلنا مسلما معصوما لم يذنب ذنبا وهذا لا عهد به في الشرع ولو كففنا ~~لسلطنا الكفار على جميع المسلمين فيقتلونهم ثم يقتلون الأسارى أيضا فيجوز ~~أن يقول قائل هذا الأسير مقتول بكل حال فحفظ جميع المسلمين أقرب إلى مقصود ~~الشرع لأنا نعلم قطعا أن مقصود الشرع تقليل القتل كما يقصد حسم سبيله عند ~~الإمكان فإن لم نقدر على الحسم قدرنا على التقليل وكان هذا التفاتا إلى ~~مصلحة علم بالضرورة PageV01P420 ~~كونها مقصود الشرع لا بدليل واحد وأصل معين بل بأدلة خارجة عن الحصر لكن ~~تحصيل هذا المقصود بهذا الطريق وهو قتل من لم يذنب غريب لم يشهد له ms268 أصل ~~معين فهذا مثال مصلحة غير مأخوذة بطريق القياس على أصل معين # وانقدح اعتبارها باعتبار ثلاثة أوصاف أنها ضرورة قطعية كلية # وليس في معناها ما لو تترس الكفار في قلعة بمسلم إذ لا يحل رمي الترس إذ ~~لا ضرورة فينا غنية عن القلعة فنعدل عنها # وليس في معناها إذا لم نقطع بظفرنا بها لأنها ليست قطعية بل ظنية # مسالة: طرح واحد من سفينة مشرفة على الغرق لإنقاذ الباقين : # وليس في معناها :جماعة في سفينة لو طرحوا واحدا منهم لنجوا وإلا غرقوا ~~بجملتهم لأنها ليست كلية إذ يحصل بها هلاك عدد محصور وليس ذلك كاستئصال ~~كافة المسلمين ولأنه ليس يتعين واحد للإغراق إلا أن يتعين بالقرعة ولا أصل ~~لها وكذلك جماعة في مخمصة لو أكلوا واحدا بالقرعة لنجوا فلا رخصة فيه لأن ~~المصلحة ليست كلية # وليس في معناها قطع اليد للأكلة حفظا للروح فإنه تنقدح الرخصة فيه PageV01P421 ~~لأنه إضرار به لمصلحته وقد شهد الشرع للأضرار بشخص في قصد صلاحه كالفصد ~~والحجامة وغيرهما # وكذا قطع المضطر قطعة من فخذه إلى أن يجد الطعام فهو كقطع اليد لكن ربما ~~يكون القطع سببا ظاهرا في الهلاك فيمنع منه لأنه ليس فيه يقين الخلاص فلا ~~تكون المصحلة قطعية # مسألة : الضرب في التهمة لإظهرا الحق # فإن قيل: فالضرب بالتهمة للاستنطاق بالسرقة مصلحة فهل تقولون بها ؟ # قلنا: قد قال بها مالك رحمه الله ولا نقول به لا لإبطال النظر إلى جنس ~~المصلحة لكن لأن هذه مصلحة تعارضها أخرى وهي مصلحة المضروب فإنه ربما يكون ~~بريئا من الذنب وترك الضرب في مذنب أهون من ضرب بريء فإن كان فيه فتح باب ~~يعسر معه انتزاع الأموال ففي الضرب فتح باب إلى تعذيب البريء # فإن قيل: فالزنديق المتستر إذا تاب فالمصلحة في قتله وأن لا تقبل توبته ~~وقد قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فماذا ترون ؟ # قلنا :هذه المسألة في محل الاجتهاد ولا يبعد قتله إذ وجب بالزندقة قتله ~~وإنما كلمة الشهادة تسقط القتل في ms269 اليهود والنصارى لأنهم يعتقدون ترك دينهم ~~بالنطق بكلمة الشهادة والزنديق يرى التقية عين الزندقة فهذا لو PageV01P422 ~~قضينا به فحاصله استعمال مصلحة في تخصيص عموم وذلك لا ينكره أحد # فإن قيل: رب ساع في الأرض بالفساد بالدعوة إلى البدعة أو بإغراء الظلمة ~~بأموال الناس وحرمهم وسفك دمائهم بإثارة الفتنة والمصلحة قتله لكف شره ~~فماذا ترون فيه.؟ # قلنا: إذا لم يقتحم جريمة موجبة لسفك الدم فلا يسفك دمه إذ في تخليد ~~الحبس عليه كفاية شره فلا حاجة إلى القتل فلا تكون هذه المصلحة ضرورية # فإن قيل :إذا كان الزمان زمان فتنة ولم يقدر على تخليد الحبس فيه مع تبدل ~~الولايات على قرب فليس في إبقائه وحبسه إلا إيغار صدره وتحريك داعيته ~~ليزداد في الفساد والإغراء جدا عند الإفلات # قلنا: هذا الآن رجم بالظن وحكم بالوهم فربما لا يفلت ولا تتبدل PageV01P423 ~~الولاية والقتل بتوهم المصلحة لا سبيل إليه # فإن قيل :فإذا تترس الكفار بالمسلمين فلا نقطع بتسلطهم على استئصال ~~الإسلام لو لم يقصد الترس بل يدرك ذلك بغلبة الظن # قلنا: لا جرم ذكر العراقيون في المذهب وجهين في تلك المسألة وعللوا بأن ~~ذلك مظنون ونحن إنما نجوز ذلك عند القطع أو ظن قريب من القطع والظن القريب ~~من القطع إذا صار كليا وعظم الخطر فيه فتحتقر الأشخاص الجزئية بالإضافة إليه # فإن قيل: إن في توقفنا عن الساعي في الأرض بالفساد ضررا كليا بتعريض ~~أموال المسلمين ودمائهم للهلاك وغلب ذلك على الظن بما عرف من طبيعته وعادته ~~المجربة طول عمره # قلنا: لا يبعد أن يؤدي اجتهاد مجتهد إلى قتله إذا كان كذلك بل هو أولى من ~~الترس فإنه لم يذنب ذنبا وهذا قد ظهرت منه جرائم توجب العقوبة وإن لم توجب ~~القتل وكأنه التحق بالحيوانات الضارية لما عرف من طبيعته وسجيته # فإن قيل: كيف يجوز المصير إلى هذا في هذه المسألة وفي مسألة الترس PageV01P424 ~~وقد قدمتم أن المصلحة إذا خالفت النص لم تتبع كإيجاب صوم شهرين على الملوك ~~إذا جامعوا في نهار رمضان وهذا ms270 يخالف قوله تعالى {ومن يقتل مؤمنا متعمدا }] ~~النساء: من الآية93[وقوله تعالى {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ~~} ]الأنعام: من الآية151[ وأي ذنب لمسلم يتترس به كافر ؟ # فإن زعمتم أنا نخصص العموم بصورة ليس فيها خطر كلي فلنخصص العتق بصورة ~~يحصل بها الانزجار عن الجناية حتى يخرج عنها الملوك فإذا غاية الأمر في ~~مسألة الترس أن يقطع باستئصال أهل الإسلام فما بالنا نقتل من لم يذنب قصدا ~~ونجعله فداء للمسلمين ونخالف النص في قتل النفس التي حرم الله تعالى # قلنا: لهذا نرى المسألة في محل الاجتهاد ولا يبعد المنع من ذلك ويتأيد ~~بمثله السفينة وأنه يلزم منه قتل ثلث الأمة لاستصلاح ثلثيها ترجيحا للكثرة ~~إذ لا خلاف في أن كافرا لو قصد قتل عدد محصور كعشرة مثلا وتترس بمسلم فلا ~~يجوز لهم قتل الترس في الدفع بل حكمهم كحكم عشرة أكرهوا على قتل أو اضطروا ~~في مخمصة إلى أكل واحد # وإنما نشأ هذا من الكثرة ومن كونه كليا لكن للكلي الذي لا يحصر حكم آخر ~~أقوى من الترجيح بكثرة العدد وكذلك لو اشتبهت أخته بنساء بلدة حل له النكاح ~~ولو اشتبهت بعشرة وعشرين لم يحل ولا خلاف أنهم لو تترسوا بنسائهم وذراريهم ~~قاتلناهم وإن كان التحريم عاما لكن تخصصه بغير هذه الصورة فكذلك هاهنا ~~التخصيص ممكن وقول القائل هذا سفك دم محرم معصوم يعارضه أن في الكف عنه ~~إهلاك دماء معصومة لا حصر لها ونحن نعلم أن الشرع يؤثر الكلي على الجزئي ~~فإن حفظ أهل الإسلام عن اصطلام الكفار أهم في مقصود الشرع من حفظ دم مسلم ~~واحد فهذا مقطوع به من مقصود الشرع والمقطوع به لا يحتاج إلى شهادة أصل PageV01P425 ~~مسألة : توظيف الخراج من المصالح ، فهل إليه سبيل أم لا ؟ # فإن قيل: فتوظيف الخراج من المصالح فهل إليه سبيل أم لا قلنا لا سبيل ~~إليه مع كثرة الأموال في أيدي الجنود أما إذا خلت الأيدي من الأموال ولم ~~يكن من مال المصالح ما يفي بخراجات العسكر ولو تفرق ms271 العسكر واشتغلوا بالكسب ~~لخيف دخول الكفار بلاد الإسلام أو خيف ثوران الفتنة من أهل العرامنة في ~~بلاد الإسلام فيجوز للإمام أن يوظف على الأغنياء مقدار كفاية الجند ثم إن ~~رأى في طريق التوزيع التخصيص بالأراضي فلا حرج لأنا نعلم أنه إذا تعارض ~~شران أو ضرران قصد الشرع دفع أشد الضررين وأعظم الشرين وما يؤديه كل واحد ~~منهم قليل بالإضافة إلى ما يخاطر به من نفسه وماله لو خلت خطة الإسلام عن ~~ذي شوكة يحفظ نظام الأمور ويقطع مادة الشرور. # وكان هذا لا يخلو عن شهادة أصول معينة فإن لولي الطفل عمارة القنوات ~~وإخراج أجرة الفصاد وثمن الأدوية وكل ذلك تنجيز خسران لتوقع ما هو أكثر منه # وهذا أيضا يؤيد مسلك الترجيح في مسألة الترس لكن هذا تصرف في الأموال ~~والأموال مبتذلة يجوز ابتذالها في الأغراض التي هي أهم منها وإنما لمحظور ~~سفك دم معصوم من غير ذنب سافك PageV01P426 ~~مسألة حد الشارب ثمانين هل فعله الصحابة سياسة ؟ # فإن قيل: فبأي طريق بلغ الصحابة حد الشرب إلى ثمانين ؟فإن كان حد الشرب ~~مقدرا فكيف زادوا بالمصلحة ؟وإن لم يكون مقدرا وكان تعزيرا فلم افتقروا إلى ~~الشبه بحد القذف؟ # قلنا :الصحيح أنه لم يكن مقدرا لكن ضرب الشارب في زمان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بالنعال وأطراف الثياب فقدر ذلك على سبيل التعديل والتقويم ~~بأربعين فرأوا المصلحة في الزيادة فزادوا والتعزيرات مفوضة إلى رأي الأئمة ~~فكأنه ثبت الإجماع أنهم أمروا بمراعاة المصلحة وقيل لهم اعملوا بما رأيتموه ~~أصوب بعد أن صدرت الجناية الموجبة للعقوبة ومع هذا فلم يريدوا الزيادة على ~~تعزير رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بتقريب من منصوصات الشرع فرأوا ~~الشرب مظنة القذف لأن من سكر هذى ومن هذى افترى ورأوا الشرع يقيم مظنة ~~الشيء مقام نفس الشيء كما أقام النوم مقام الحدث وأقام الوطء مقام شغل ~~الرحم والبلوغ مقام نفس العقل لأن هذه الأسباب مظان هذه المعاني فليس ما ~~ذكروه مخالفة للنص بالمصلحة أصلا # مسألة فسخ النكاح لرفع ms272 الضرر عن امرأة المفقود ونحو # فإن قيل: فما قولكم في المصالح الجزئية المتعلقة بالأشخاص مثل المفقود ~~زوجها إذا اندرس خبر موته وحياته وقد انتظرت سنين وتضررت بالعزوبة أيفسخ ~~نكاحها للمصلحة أم لا ؟ PageV01P427 # وكذلك إذا عقد وليان أو وكيلان نكاحين أحدهما سابق واستبهم الأمر ووقع ~~اليأس عن البيان بقيت المرأة محبوسة طول العمر عن الأزواج ومحرمة على زوجها ~~المالك لها في علم الله تعالى # وكذلك المرأة إذا تباعد حيضها عشر سنين وتعوقت عدتها وبقيت ممنوعة من ~~النكاح هل يجوز لها الاعتداد بالأشهر أو تكتفي بتربص أربع سنين ؟وكل ذلك ~~مصلحة ودفع ضرر ونحن نعلم أن دفع الضرر مقصود شرعا # قلنا: المسألتان الأوليان مختلف فيهما فهما في محل الاجتهاد فقد قال عمر ~~تنكح زوجة المفقود بعد أربع سنين من انقطاع الخبر وبه قال الشافعي في ~~القديم وقال في الجديد تصبر إلى قيام البينة على موته أو انقضاء مدة يعلم ~~أنه لا يعيش إليها لأنا إن حكمنا بموته بغير بينة فهو بعيد إذ لا تدارس ~~الأخبار أسباب سوى الموت لا سيما في حق الخامل الذكر النازل القدر وإن ~~فسخنا فالفسخ إنما يثبت بنص أو قياس على منصوص والمنصوص أعذار وعيوب من جهة ~~الزوج من أعسار وجب وعنة فإذا كانت النفقة دائمة فغايته الامتناع من الوطء ~~وذلك في الحضرة لا يؤثر فكذلك في الغيبة # فإن قيل: سبب الفسخ دفع الضرر عنها ورعاية جانبها فيعارضه أن رعاية جانبه ~~أيضا مهم ودفع الضرر عنه واجب وفي تسليم زوجته إلى غيره في غيبته ولعله ~~محبوس أو مريض معذور إضرار به فقد تقابل الضرران وما من ساعة إلا وقدوم ~~الزوج فيها ممكن فليس تصفو هذه المصلحة عن PageV01P428 ~~معارض # وكذلك اختلف قول الشافعي في مسألة الوليين ولو قيل بالفسخ من حيث تعذر ~~إمضاء العقد فليس ذلك حكما بمجرد مصلحة لا يعتضد بأصل معين بل تشهد له ~~الأصول المعينة # أما تباعد الحيضة فلا خلاف فيها في مذهب الشافعي ولم يبلغنا خلاف عن ~~العلماء وقد أوجب الله تعالى التربص بالأقراء إلا ms273 على اللائي يئسن من ~~المحيض وليست هذه من الآيسات وما من لحظة إلا ويتوقع فيها هجوم الحيض وهي ~~شابة فمثل هذا القدر النادر لا يسلطنا على تخصيص النص فإنا لم نر الشرع ~~يلتفت إلى النوادر في أكثر الأحوال وكان لا يبعد عندي لو اكتفي بأقصى مدة ~~الحمل وهو أربع سنين لكن لما أوجبت العدة مع تعليق الطلاق على يقين البراءة ~~غلب التعبد # فإن قيل: فقد ملتم في أكثر هذه المسائل إلى القول بالمصالح ثم أوردتم هذا ~~الأصل في جملة الأصول الموهومة فليلحق هذا بالأصول الصحيحة ليصير أصلا ~~خامسا بعد الكتاب والسنة والإجماع والعقل # قلنا: هذا من الأصول الموهومة إذ من ظن أنه أصل خامس فقد أخطأ لأنا PageV01P429 ~~رددنا المصلحة إلى حفظ مقاصد الشرع ومقاصد الشرع تعرف بالكتاب والسنة ~~والإجماع فكل مصلحة لا ترجع إلى حفظ مقصود فهم من الكتاب والسنة والإجماع ~~وكانت من المصالح الغريبة التي لا تلائم تصرفات الشرع فهي باطلة مطرحة ومن ~~صار إليها فقد شرع كما أن من استحسن فقد شرع وكل مصلحة رجعت إلى حفظ مقصود ~~شرعي علم كونه مقصودا بالكتاب والسنة والإجماع فليس خارجا من هذه الأصول ~~لكنه لا يسمى قياسا بل مصلحة مرسلة إذ القياس أصل معين وكون هذه المعاني ~~مقصودة عرفت لا بدليل واحد بل بأدلة كثيرة لا حصر لها من الكتاب والسنة ~~وقرائن الأحوال وتفاريق الإمارات تسمى لذلك مصلحة مرسلة وإذا # فسرنا المصلحة بالمحافظة على مقصود الشرع فلا وجه للخلاف في اتباعها بل ~~يجب القطع بكونها حجة # وحيث ذكرنا خلافا فذلك عند تعارض مصلحتين ومقصودين وعند ذلك يجب ترجيح ~~الأقوى ولذلك قطعنا بكون الإكراه مبيحا لكلمة الردة وشرب الخمر وأكل مال ~~الغير وترك الصوم والصلاة لأن الحذر من سفك الدم أشد من هذه الأمور ولا ~~يباح به الزنا لأنه مثل محذور الإكراه # فإذا منشأ الخلاف في مسألة الترس الترجيح إذ الشرع ما رجح الكثير على ~~القليل في مسألة السفينة ورجح الكل على الجزء في قطع اليد المتأكلة وهل ~~يرجح الكلي على الجزئي ms274 في مسألة الترس؟ فيه خلاف # ولذلك يمكن إظهار هذه المصالح في صيغة البرهان إذ تقول في مسألة الترس ~~مخالفة مقصود الشرع حرام # وفي الكف عن قتال الكفار مخالفة لمقصود الشرع # فإن قيل لا ننكر أن مخالفة مقصود الشرع حرام ولكن لا نسلم أن هذه مخالفة # قلنا قهر الكفار واستعلاء الإسلام مقصود وفي هذا استئصال PageV01P430 ~~الإسلام واستعلاء الكفر # فإن قيل: فالكف عن المسلم الذي لم يذنب مقصود وفي هذا مخالفة المقصود # قلنا: هذا مقصود وقد اضطررنا إلى مخالفة أحد المقصودين ولا بد من الترجيح ~~والجزئي محتقر بالإضافة إلى الكلي وهذا جزئي بالإضافة فلا يعارض بالكلي # فإن قيل: مسلم أن هذا جزئي ولكن لا يسلم أن الجزئي محتقر بالإضافة إلى ~~الكلي فاحتقار الشرع له يعرف بنص أو قياس على منصوص ؟ # قلنا: قد عرفنا ذلك لا بنص واحد معين بل بتفاريق أحكام واقتران دلالات لم ~~يبق معها شك في أن حفظ خطة الإسلام ورقاب المسلمين أهم في مقاصد الشرع من ~~حفظ شخص معين في ساعة أو نهار وسيعود الكفار عليه بالقتل فهذا مما لا يشك ~~فيه كما أبحنا أكل مال الغير بالإكراه لعلمنا بأن المال حقير في ميزان ~~الشرع بالإضافة إلى الدم وعرف ذلك بأدلة كثيرة # فإن قيل: فهلا فهمتم أن حفظ الكثير أهم من حفظ القليل في مسألة السفينة ~~وفي الإكراه وفي المخمصة ؟ # قلنا لم نفهم ذلك إذ أجمعت الأمة على أنه لو أكره شخصان على قتل شخص لا ~~يحل لهما قتله وأنه لا يحل لمسلمين أكل مسلم في المخمصة فمنع الإجماع من ~~ترجيح الكثرة أما ترجيح الكلي فمعلوم إما على القطع وإما بظن قريب من القطع ~~يجب اتباع مثله في الشرع ولم يرد نص على خلافه بخلاف الكثرة إذ الإجماع في ~~الإكراه وفي المخمصة منع منه # فبهذه الشروط التي ذكرناها يجوز اتباع المصالح # وتبين أن الاستصلاح ليس أصلا خامسا برأسه بل من استصلح فقد شرع PageV01P431 ~~كما أن من استحسن فقد شرع وتبين به أن الاستصلاح على ما ذكرنا وهذا تمام ~~الكلام ms275 في القطب الثاني من الأصول PageV01P432 ~~المجلد الثاني ### | AUTO القطب الثالث:في كيفية استثمار الأحكام من مثمرات الأصول ### || AUTO مقدمة # ... # القطب الثالث في كيفية استثمار الأحكام من مثمرات الأصول # ويشتمل هذا القطب على: # صدر # ومقدمة # وثلاثة فنون # صدر القطب الثالث: # اعلم أن هذا القطب هو عمدة علم الأصول لأن ميدان سعي المجتهدين في اقتباس ~~الأحكام من أصولها واجتنائها من أغصانها إذ نفس الأحكام ليست ترتبط باختيار ~~المجتهدين ورفعها ووضعها والأصول الأربعة من الكتاب والسنة والإجماع والعقل ~~لا مدخل لاختيار العباد في تأسيسها وتأصيلها وإنما مجال اضطراب المجتهد ~~واكتسابه استعمال الفكر في استنباط الأحكام واقتباسها من مداركها والمدارك ~~هي الأدلة السمعية ومرجعها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم إذ منه يسمع ~~الكتاب أيضا وبه يعرف الإجماع # والصادر منه من مدارك الأحكام ثلاثة إما لفظ وإما فعل وإما سكوت وتقرير # ونرى أن نؤخر الكلام في الفعل والسكوت، لأن الكلام فيهما أوجز # واللفظ إما أن يدل على الحكم بصيغته ومنظومه أو بفحواه ومفهومه أو بمعناه ~~ومعقوله وهو الاقتباس الذي يسمى قياسا # فهذه ثلاثة فنون: المنظوم والمفهوم والمعقول PageV02P007 ~~الفن الأول في المنظوم وكيفية الاستدلال بالصيغة من حيث اللغة والوضع # ويشتمل هذا الفن على مقدمة وأربعة أقسام: # القسم الأول : في المجمل والمبين # القسم الثاني : في الظاهر والمؤول # القسم الثالث : في الأمر والنهي # القسم الرابع : في العام والخاص # فهذا صدر هذا القطب # أما المقدمة # فتشتمل على سبعة فصول # الفصل الأول : في مبدأ اللغات أنه اصطلاح أم توقيف ؟ # الفصل الثاني : في أن اللغة هل تثبت قياسا # الفصل الثالث : في الأسماء العرفية PageV02P008 ~~الفصل الرابع : في الأسماء الشرعية # الفصل الخامس : في اللفظ المفيد وغير المفيد # الفصل السادس : في طريق فهم المراد من الخطاب على الجملة # الفصل السابع: في المجاز والحقيقة # الفصل الأول في مبدأ اللغات # وقد ذهب قوم إلى أنها اصطلاحية إذ كيف تكون توقيفا ولا يفهم التوقيف إذا ~~لم يكن لفظ صاحب التوقيف معروفا للمخاطب باصطلاح سابق # وقال قوم :إنها توقيفية إذ الاصطلاح لا يتم إلا بخطاب ومناداة ودعوة إلى ms276 ~~الوضع ولا يكون ذلك إلا بلفظ معروف قبل الاجتماع للاصطلاح # وقال قوم :القدر الذي يحصل به التنبيه والبعث على الاصطلاح يكون بالتوقيف ~~وما بعده يكون بالاصطلاح # والمختار :أن النظر في هذا إما أن يقع في الجواز أو في الوقوع . # أما الجواز العقلي :فشامل للمذاهب الثلاثة والكل في حيز الإمكان . # أما التوقيف :فبأن يخلق الأصوات والحروف بحيث يسمعها واحد أو جمع ويخلق ~~لهم العلم بأنها قصدت للدلالة على المسميات والقدرة الأزلية لا تقصر عن ذلك PageV02P009 ~~وأما الاصطلاح :فبأن يجمع الله دواعي جمع من العقلاء للاشتغال بما هو مهمهم ~~وحاجتهم من تعريف الأمور الغائبة التي لا يمكن الإنسان أن يصل إليها ~~فيبتدىء واحد ويتبعه الآخر حتى يتم الاصطلاح بل العاقل الواحد ربما ينقدح ~~له وجه الحاجة وإمكان التعريف بتأليف الحروف فيتولى الوضع ثم يعرف الآخرين ~~بالإشارة والتكرير معها للفظ مرة بعد أخرى كما يفعل الوالدان بالولد الصغير ~~وكما يعرف الأخرس ما في ضميره بالإشارة # وإذا أمكن كل واحد من القسمين أمكن التركيب منهما جميعا . # أما الواقع من هذه الأقسام فلا مطمع في معرفته يقينا إلا ببرهان عقلي أو ~~بتواتر خبر أو سمع قاطع ولا مجال لبرهان العقل في هذا ولم ينقل تواتر ولا ~~فيه سمع قاطع فلا يبقى إلا رجم الظن في أمر لا يرتبط به تعبد عملي ولا ترهق ~~إلى اعتقاده حاجة فالخوض فيه إذا فصول لا أصل له # فإن قيل: قال الله تعالى : { وعلم آدم الأسماء كلها }[ البقرة: من ~~الآية31] وهذا يدل على أنه كان بوحي وتوقيف فيدل على الوقوع وإن لم يدل على ~~استحالة خلافه PageV02P010 ~~قلنا: وليس ذلك دليلا قاطعا على الوقوع أيضا إذ يتطرق إليه أربعة احتمالات : # أحدها :أنه ربما ألهمه الله تعالى الحاجة إلى الوضع فوضع بتدبيره وفكره ~~ونسب ذلك إلى تعليم الله تعالى لأنه الهادي والملهم ومحرك الداعية كما تنسب ~~جميع أفعالنا إلى الله تعالى . # الثاني :أن الأسماء ربما كانت موضوعة باصطلاح من خلق الله تعالى قبل آدم ~~من الجن أو فريق من الملائكة فعلمه الله ms277 تعالى ما تواضع عليه غيره # الثالث :أن الأسماء صيغة عموم فلعله أراد به أسماء السماء والأرض وما في ~~الجنة والنار دون الأسامي التي حدثت مسمياتها بعد آدم عليه السلام من الحرف ~~والصناعات والآلات وتخصيص قوله تعالى {كلها} كتخصيص قوله تعالى {وأوتيت من ~~كل شيء }[ النمل: من الآية23] وقوله تعالى { تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا ~~لا يرى إلا مساكنهم }[ الاحقاف: من الآية25] {وهو على كل شيء قدير}[ ~~المائدة: من الآية120] إذ يخرج عنه ذاته وصفاته # الرابع: أنه ربما علمه ثم نسيه أو لم يعلم غيره ثم اصطلح بعده أولاده على ~~هذه اللغات المعهودة الآن والغالب أن أكثرها حادثة بعده # الفصل الثاني في أن الأسماء اللغوية هل تثبت قاسا # وقد اختلفوا فيه فقال بعضهم سموا الخمر من العنب خمرا لأنها تخمر العقل ~~فيسمى النبيذ خمرا لتحقق ذلك المعنى فيه قياسا عليه حتى يدخل في عموم قوله ~~صلى الله عليه وسلم: "حرمت الخمر لعينها" وسمي الزاني زانيا لأنه مولج فرجه PageV02P011 ~~في فرج محرم فيقاس عليه اللائط في إثبات اسم الزاني حتى يدخل في عموم قوله ~~تعالى {الزانية والزاني}[ النور: من الآية2] وسمي السارق سارقا لأنه أخذ ~~مال الغير في خفية وهذه العلة موجودة في النباش فيثبت له اسم السارق قياسا ~~حتى يدخل تحت عموم قوله تعالى {والسارق والسارقة } [ المائدة: من الآية38] # وهذا غير مرضي عندنا لأن العرب إن عرفتنا بتوقيفها أنا وضعنا الاسم ~~للمسكر المعتصر من العنب خاصة فوضعه لغيره تقول عليهم واختراع فلا يكون ~~لغتهم بل يكون وضعا من جهتنا وإن عرفتنا أنها وضعته لكل ما يخامر العقل أو ~~يخمره فكيفما كان قاسم الخمر ثابت للنبيذ بتوقيفهم لا بقياسنا كما أنهم ~~عرفونا أن كل مصدر فله فاعل فإذا سمينا فاعل الضرب ضاربا كان ذلك عن توقيف ~~لا عن قياس وإن سكتوا عن الأمرين احتمل أن يكون الخمر اسم ما يعتصر من ~~العنب خاصة واحتمل غيره فلم نتهكم عليهم ونقول لغتهم هذا وقد رأيناهم يضعون ~~الاسم لمعاني ويخصصونها بالمحل كما يسمون الفرس ms278 أدهم لسواده كميتا لحمرته ~~والثوب المتلون بذلك اللون بل الآدمي المتلون بالسواد لا يسمونه بذلك الاسم ~~لأنهم ما وضعوا الأدهم والكميت للأسود والأحمر بل لفرس أسود وأحمر وكما ~~سموا الزجاج الذي تقر فيه المائعات قارورة أخذا من القرار ولا يسمون الكوز ~~والحوض قارورة وإن قر الماء فيه # فإذا كل ما ليس على قياس التصريف الذي عرف منهم بالتوقيف فلا سبيل PageV02P012 ~~إلى إثباته ووضعه بالقياس # وقد أطنبنا في شرح هذه المسألة في كتاب أساس القياس # فثبت بهذا أن اللغة وضع كلها وتوقيف ليس فيها قياس أصلا # الفصل الثالث في الأسماء العرفية # اعلم أن الأسماء اللغوية تنقسم إلى وضعية وعرفية PageV02P013 ~~والاسم يسمى عرفيا باعتبارين : # أحدهما :أن يوضع الاسم لمعنى عام ثم يخصص عرف الاستعمال من أهل اللغة ذلك ~~الاسم ببعض مسمياته كاختصاص اسم الدابة بذوات الأربع مع أن الوضع لكل ما ~~يدب واختصاص اسم المتكلم بالعالم بعلم الكلام مع أن كل قائل ومتلفظ متكلم ~~وكاختصاص اسم الفقيه والمتعلم ببعض العلماء وبعض المتعلمين مع أن الوضع عام ~~قال الله تعالى {وعلم آدم الأسماء كلها }[ البقرة: من الآية31] وقال تعالى ~~{خلق الإنسان علمه البيان} [الرحمن:3]وقال عز وجل : { فمال هؤلاء القوم لا ~~يكادون يفقهون حديثا} [ النساء: من الآية78] # الاعتبار الثاني :أن يصير الاسم شائعا في غير ما وضع له أولا بل فيما هو ~~مجاز فيه كالغائط المطمئن من الأرض والعذرة البناء الذي يستتر به وتقضى ~~الحاجة من ورائه فصار أصل الوضع منسيا والمجاز معروفا سابقا إلى الفهم بعرف ~~الاستعمال وذلك بالوضع الأول # فالأسامي اللغوية :إما وضعية وإما عرفية . # أما ما انفرد المحترفون وأرباب الصناعات بوضعه لأدواتهم فلا يجوز أن يسمى ~~عرفيا لأن مبادىء اللغات والوضع الأصلي كلها كانت PageV02P014 ~~كذلك فيلزم أن يكون جميع الأسامي اللغوية عرفية # الفصل الرابع في الأسماء الشرعية # قالت المعتزلة والخوارج وطائفة من الفقهاء الأسماء لغوية ودينية وشرعية ~~أما اللغوية فظاهرة وأما الدينية فما نقلته الشريعة إلى أصل الدين كلفظ ~~الإيمان والكفر والفسق وأما الشرعية فكالصلاة والصوم والحج والزكاة # واستدل القاضي على ms279 إفساد مذهبهم بمسلكين : # الأول : أن هذه الألفاظ يشتمل عليها القرآن والقرآن نزل بلغة العرب قال ~~الله تعالى {إنا أنزلناه قرآنا عربيا } [ يوسف: من الآية2] {بلسان عربي ~~مبين} [ الشعراء:195] {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه } [ ابراهيم: من ~~الآية4] إبراه ولو قال أطعموا العلماء وأراد الفقراء لم يكن هذا بلسانهم ~~وإن كان اللفظ المنقول عربيا فكذلك إذا نقل اللفظ عن موضوعه إلى غير موضوعه ~~أو جعل عبارة عن بعض موضوعه أو متناولا لموضوعه وغير موضوعه فكل ذلك ليس من ~~لسان العرب # الثاني : أن الشارع لو فعل ذلك للزمه تعريف الأمة بالتوقيف نقل PageV02P015 ~~تلك الأسامي فإنه إذا خاطبهم بلغتهم لم يفهموا إلا موضوعها ولو ورد فيه ~~توقيف لكان متواترا فإن الحجة لا تقوم بالآحاد احتجوا بقوله تعالى {وما كان ~~الله ليضيع إيمانكم } [ البقرة: من الآية143] وأراد به الصلاة نحو بيت ~~المقدس وقال صلى الله عليه وسلم "نهيت عن قتل المصلين" وأراد به المؤمنين ~~وهو خلاف اللغة # قلنا :أراد بالإيمان التصديق بالصلاة والقبلة وأراد بالمصلين المصدقين ~~بالصلاة وسمي التصديق بالصلاة صلاة على سبيل التجوز وعادة العرب تسمية ~~الشيء بما يتعلق به نوعا من التعلق والتجوز من نفس اللغة # احتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم: "الإيمان بضع وسبعون بابا أعلاها شهادة ~~أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق "وتسمية الإماطة إيمانا ~~خلاف الوضع # قلنا: هذا من أخبار الآحاد فلا يثبت به مثل هذه القاعدة وإن ثبتت فهي ~~دلالة الإيمان فيتجوز بتسميته أيمانا # واحتجوا بأن الشرع وضع عبادات لم تكن معهودة فافتقرت إلى أسام وكان ~~استعارتها من اللغة أقرب من نقلها من لغة أخرى أو إبداع أسام لها PageV02P016 ~~قلنا: لا نسلم أنه حدث في الشريعة عبادة لم يكن لها اسم في اللغة # فإن قيل :فالصلاة في اللغة ليست عبارة عن الركوع والسجود ولا الحج عبارة ~~عن الطواف والسعي # قلنا: عنه جوابان : # الأول :أنه ليست الصلاة في الشرع أيضا عبارة عنه بل الصلاة عبارة عن ~~الدعاء كما في اللغة والحج عبارة عن القصد ms280 والصوم عبارة عن الإمساك والزكاة ~~عبارة عن النمو لكن الشرع شرط في أجزاء هذه الأمور أمورا أخر تنضم إليها ~~فشرط في الاعتداد بالدعاء الواجب انضمام الركوع والسجود إليه وفي قصد البيت ~~أن ينضم إليه الوقوف والطواف والاسم غير متناول له لكنه شرط الاعتداد بما ~~ينطلق عليه الاسم فالشرع تصرف بوضع الشرط لا بتغيير الوضع # الثاني: أنه يمكن أن يقال سميت جميع الأفعال صلاة لكونها متبعا بها فعل ~~الإمام فإن التالي للسابق في الخيل يسمى مصليا لكونه متبعا هذا كلام القاضي ~~رحمه الله . # والمختار عندنا أنه لا سبيل إلى إنكار تصرف الشرع في هذه الأسامي ولا ~~سبيل إلى دعوى كونها منقولة عن اللغة بالكلية كما ظنه قوم ولكن عرف اللغة ~~تصرف في الأسامي من وجهين : # أحدهما:التخصيص ببعض المسميات كما في الدابة فتصرف الشرع في الحج والصوم ~~والإيمان من هذا الجنس إذ للشرع عرف في الاستعمال كما للعرب PageV02P017 ~~والثاني في إطلاقهم الاسم على ما يتعلق به الشيء ويتصل به كتسميتهم الخمر ~~محرمة والمحرم شربها والأم محرمة والمحرم وطؤها فتصرفه في الصلاة كذلك لأن ~~الركوع والسجود شرطه الشرع في تمام الصلاة فشمله الاسم بعرف استعمال الشرع ~~إذ إنكار كون الركوع والسجود ركن الصلاة ومن نفسها بعيد فتسليم هذا القدر ~~من التصرف بتعارف الاستعمال للشرع أهون من إخراج السجود والركوع من نفس ~~الصلاة وهو كالمهم المحتاج إليه إذ ما يصوره الشرع من العبادات ينبغي أن ~~يكون لها أسام معروفة ولا يوجد ذلك في اللغة إلا بنوع تصرف فيه # وأما ما استدل به من أن القرآن عربي فهذا لا يخرج هذه الأسامي عن أن تكون ~~عربية ولا يسلب اسم العربي عن القرآن فإنه لو اشتمل على مثل هذه الكلمات ~~بالعجمية لكان لا يخرجه عن كونه عربيا أيضا كما ذكرناه في القطب الأول من الكتاب # وأما قوله إنه كان يجب عليه التوقيف على تصرفه فهذا أيضا إنما يجب إذا لم ~~يفهم مقصوده من هذه الألفاظ بالتكرير والقرائن مرة بعد أخرى فإذا فهم هذا ~~فقد حصل الغرض ms281 فهذا أقرب عندنا بما ذكره القاضي رحمه الله PageV02P018 ~~الفصل الخامس في الكلام المفيد # اعلم أن الأمور منقسمة إلى ما يدل على غيره وإلى ما لا يدل # فأما ما يدل فينقسم إلى ما يدل بذاته وهو الأدلة العقلية وقد ذكرنا مجامع ~~أقسامها في مدارك العقول من مقدمة الكتاب وإلى ما يدل بالوضع # وهو ينقسم إلى صوت وغير صوت كالإشارة والرمز # والصوت ينقسم في دلالته إلى مفيد وغير مفيد والمفيد كقولك زيد قائم وزيد ~~خرج راكبا وغير المفيد كقولك زيد لا وعمرو في فإن هذا لا يحصل منه معنى وإن ~~كان آحاد كلماته موضوعة للدلالة . # وقد اختلف في تسمية هذا كلاما فمنهم من قال هو كمقلوب رجل وزيد لجر وديز ~~فإن هذا لا يسمى كلاما ومنهم من سماه كلاما لأن آحاده وضعت للإفادة # واعلم :أن المفيد من الكلام ثلاثة أقسام اسم وفعل وحرف كما في علم النحو ~~وهذا لا يكون مفيدا حتى يشتمل على اسمين أسند أحدهما إلى الآخر نحو زيد ~~أخوك والله ربك أو اسم أسند إلى فعل نحو قولك ضرب زيد وقام عمرو وأما الاسم ~~والحرف كقولك زيد من وعمرو في PageV02P019 ~~فلا يفيد حتى تقول من مضر وفي الدار وكذلك قولك ضرب قام لا يفيد إذ لم ~~يتخلله اسم وكذلك قولك من في قد على # واعلم أن المركب من الاسم والفعل والحرف تركيبا مفيدا ينقسم إلى مستقل ~~بالإفادة من كل وجه وإلى ما لا يستقل بالإفادة إلا بقرينة وإلى ما يستقل ~~بالإفادة من وجه دون وجه # مثال الأول :قوله تعالى {ولا تقربوا الزنى } [ الاسراء: من الآية32] {ولا ~~تقتلوا أنفسكم}[ النساء: من الآية29] وذلك يسمى نصا لظهوره والنص في السير ~~هو الظهور فيه ومنه منصة العروس للكرسي الذي تظهر عليه # والنص ضربان :ضرب هو نص بلفظه ومنظومه كما ذكرناه وضرب هو نص بفحواه ~~ومفهومه نحو قوله تعالى {فلا تقل لهما أف} ]الاسراء: من الآية23] {ولا ~~تظلمون فتيلا } [النساء: من الآية77] {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} ~~[الزلزلة:7] {ومن أهل الكتاب من ms282 إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن ~~تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس ~~علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون} [آل عمران:75] ~~فقد اتفق أهل اللغة على أن فهم ما فوق التأفيف من الضرب والشتم وما وراء ~~الفتيل والذرة من المقدار الكثير أسبق إلى الفهم منه من نفس الذرة والفتيل ~~والتأفيف ومن قال إن هذا معلوم بالقياس فإن أراد به أن المسكوت عنه عرف ~~بالمنطوق فهو حق وإن أراد به أن يحتاج فيه إلى تأمل أو يتطرق إليه احتمال ~~فهو غلط # وأما الذي لا يستقل إلا بقرينة فكقوله تعالى {وإن طلقتموهن من قبل أن ~~تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده ~~عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما ~~تعملون بصير} [البقرة:237] وقوله {ثلاثة قروء } [البقرة: من الآية228] وكل ~~لفظ مشترك PageV02P020 ~~ومبهم وكقوله :رأيت أسدا وحمارا وثورا إذا أراد شجاعا وبليدا فإنه لا يستقل ~~بالدلالة على مقصوده إلا بقرينة # وأما الذي يستقل من وجه دون وجه فكقوله تعالى { وآتوا حقه يوم حصاده} ~~[الأنعام: من الآية141] وكقوله تعالى :{ حتى يعطوا الجزية عن يد وهم ~~صاغرون} [التوبة: من الآية29] فإن الإيتاء ويوم الحصاد معلوم ومقدار ما ~~يؤتى غير معلوم والقتال وأهل الكتاب معلوم وقدر الجزية مجهول # فخرج من هذا أن اللفظ المفيد بالإضافة إلى مدلوله :إما أن لا يتطرق إليه ~~احتمال فيسمى نصا أو يتعارض فيه الاحتمالات من غير ترجيح فيسمى مجملا ~~ومبهما أو يترجح أحد احتمالاته على الآخر فيسمى بالإضافة إلى الاحتمال ~~الأرجح ظاهرا وبالإضافة إلى الاحتمال البعيد مؤولا . # فاللفظ المفيد إذا :ما نص أو ظاهر أو مجمل # الفصل السادس في طريق فهم المراد من الخطاب # اعلم أن الكلام إما أن يسمعه نبي أو ملك من الله تعالى أو يسمعه نبي أو ~~ولي من ملك أو تسمعه الأمة من النبي # فإن سمعه ملك أو نبي من ms283 الله تعالى فلا يكون حرفا ولا صوتا ولا لغة ~~موضوعة حتى يعرف معناه بسبب تقدم المعرفة بالمواضعة لكن يعرف المراد منه ~~بأن يخلق الله تعالى في السامع علما ضروريا بثلاثة أمور بالمتكلم وبأن ما ~~سمعه من كلامه وبمراده من كلامه فهذه ثلاثة أمور لا بد PageV02P021 ~~وأن تكون معلومة والقدرة الأزلية ليست قاصرة عن اضطرار الملك والنبي إلى ~~العلم بذلك ولا متكلم إلا وهو محتاج إلى نصب علامة لتعريف ما في ضميره إلا ~~الله تعالى فإنه قادر على اختراع علم ضروري به من غير نصب علامة # وكما أن كلامه ليس من جنس كلام البشر فسمعه الذي يخلقه لعبده ليس من جنس ~~سمع الأصوات ولذلك يعسر علينا تفهم كيفية سماع موسى كلام الله تعالى الذي ~~ليس بحرف ولا صوت كما يعسر على الأكمة تفهم كيفية إدراك البصير للألوان ~~والأشكال # أما سماع النبي من الملك فيحتمل أن يكون بحرف وصوت دال على معنى كلام ~~الله فيكون المسموع الأصوات الحادثة التي هي فعل الملك دون نفس الكلام ولا ~~يكون هذا إسماعا لكلام الله بغير واسطة وإن كان يطلق عليه اسم سماع كلام ~~الله تعالى كما يقال فلان سمع شعر المتنبي وكلامه وإن سمعه من غيره وسمع ~~صوت غيره وكما قال تعالى {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام ~~الله } [ التوبة: من الآية6] # وكذلك سماع الأمة من الرسول صلى الله عليه وسلم كسماع الرسول من الملك ~~ويكون طريق فهم المراد تقدم المعرفة بوضع اللغة التي بها المخاطبة # ثم إن كان نصا لا يحتمل كفى معرفة اللغة # وإن تطرق إليه الاحتمال فلا يعرف المراد منه حقيقة إلا بانضمام قرينة إلى ~~اللفظ والقرينة إما لفظ مكشوف كقوله تعالى {وآتوا حقه يوم PageV02P022 ~~حصاده} [الأنعام: من الآية141]والحق هو العشر وإما إحالة على دليل العقل ~~كقوله تعالى {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة ~~والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون} [الزمر:67]وقوله عليه ~~السلام: "قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن" وإما قرائن أحوال من ms284 ~~إشارات ورموز وحركات وسوابق ولواحق لا تدخل تحت الحصر والتخمين يختص بدركها ~~المشاهد لها فينقلها المشاهدون من الصحابة إلى التابعين بألفاظ صريحة أو مع ~~قرائن من ذلك الجنس أو من جنس آخر حتى توجب علما ضروريا بفهم المراد أو ~~توجب ظنا # وكل ما ليس عبارة موضوعة في اللغة فتتعين فيه القرائن وعند منكري صيغة ~~العموم والأمر يتعين تعريف الأمر والاستغراق بالقرائن فإن قوله تعالى ~~{فاقتلوا المشركين } [التوبة: من الآية5] وإن أكده بقوله كلهم وجميعهم ~~فيحتمل الخصوص عندهم كقوله تعالى {تدمر كل شيء بأمر ربها} [الاحقاف: من ~~الآية25] { وأوتيت من كل شيء } [النمل: من الآية23] فإنه أريد به البعض ~~وسيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى # الفصل السابع في الحقيقة والمجاز # اعلم أن اسم الحقيقة مشترك إذ قد يراد به ذات الشيء وحده ويراد به حقيقة ~~الكلام ولكن إذا استعمل في الألفاظ أريد به ما استعمل في موضوعه PageV02P023 ~~والمجاز: ما استعمله العرب في غير موضوعه # وهو ثلاثة أنواع: # الأول : ما استعير للشيء بسببه المشابهة في خاصية مشهورة كقولهم للشجاع ~~أسد وللبليد حمار فلو سمي الأبخر أسدا لم يجز لأن البخر ليس مشهورا في حق الأسد # الثاني : الزيادة كقوله تعالى {ليس كمثله شيء } [ الشورى: من الآية11]فإن ~~الكاف وضعت للإفادة فإذا استعملت على وجه لا يفيد كان على خلاف الوضع # الثالث: النقصان الذي لا يبطل التفهيم كقوله عز وجل {واسأل القرية }[ ~~يوسف: من الآية82] والمعنى واسأل أهل القرية وهذا النقصان اعتادته العرب ~~فهو توسع وتجوز وقد يعرف المجاز بإحدى علامات أربع الأولى أن الحقيقة جارية ~~على العموم في نظائره إذ قولنا عالم لما عني به ذو علم صدق على كل ذي علم ~~وقوله {واسأل القرية} يصح PageV02P024 ~~في بعض الجمادات لإرادة صاحب القرية ولا يقال سل البساط والكوز وإن كان قد ~~يقال سل الطلل والربع لقربه من المجاز المستعمل # الثانية: أن يعرف بامتناع الاشتقاق عليه إذ الأمر إذا استعمل في حقيقته ~~اشتق منه اسم الآمر وإذا استعمل في الشأن مجازا لم يشتق منه آمر والشأن ms285 هو ~~المراد بقوله تعالى { وما أمر فرعون برشيد} [هود: من الآية97]وبقوله تعالى ~~{ إذا جاء أمرنا} [هود: من الآية40] # الثالثة : أن تختلف صيغة الجمع على الاسم فيعلم أنه مجاز في أحدهما إذ ~~الأمر الحقيقي يجمع على أوامر وإذا أريد به الشأن يجمع على أمور PageV02P025 ~~الرابعة : أن الحقيقي إذا كان له تعلق بالغير فإذا استعمل فيما لا تعلق له ~~به لم يكن له متعلق كالقدرة إذا أريد بها الصفة كان لها مقدور وإن أريد بها ~~المقدور كالنبات الحسن العجيب إذ يقال انظر إلى قدرة الله تعالى أي إلى ~~عجائب مقدوراته لم يكن له متعلق إذ النبات لا مقدور له # واعلم أن كل مجاز فله حقيقة وليس من ضرورة كل حقيقة أن يكون لها مجاز بل ~~ضربان من الأسماء لا يدخلهما المجاز : # الأول : أسماء الأعلام نحو زيد وعمرو لأنها أسام وضعت للفرق بين الذوات ~~لا للفرق في الصفات نعم الموضوع للصفات قد يجعل علما فيكون مجازا كالأسود ~~بن الحرث إذ لا يراد به الدلالة على الصفة مع أنه وضع له فهو مجاز أما إذا ~~قال قرأت المزني وسيبويه وهو يريد كتابيهما فليس ذلك إلا كقوله تعالى ~~{واسأل القرية } [يوسف: من الآية82] فهو على طريق حذف اسم الكتاب معناه ~~قرأت كتاب المزني فيكون في الكلام مجاز بالمعنى الثالث المذكور للمجاز # الثاني : الأسماء التي لا أعم منها ولا أبعد كالمعلوم والمجهول والمدلول PageV02P026 ~~والمذكور إذ لا شيء إلا وهو حقيقة فيه فكيف يكون مجازا عن شيء # هذا تمام المقدمة # ولنشتغل بالمقاصد وهي كيفية اقتباس الأحكام من الصيغ والألفاظ المنطوق ~~بها وهي أربعة أقسام # [القسم الاول : في المجمل والمبين] # [القسم الثاني : في الظاهر والمؤول ] # [ القسم الثالث : في الأمر والنهي] # [ القسم الرابع : في العام والخاص] PageV02P027 ### || AUTO الفن الأول: المجمل والمبين ### ||| AUTO القسم الأول في المجمل والمبين # ... # القسم الأول :من الفن الأول من مقاصد القطب الثالث في المجمل والمبين # اعلم أن اللفظ إما أن يتعين معناه بحيث لا يحتمل غيره فيسمى مبينا ونصا ~~وإما أن يتردد بين معنيين فصاعدا ms286 من غير ترجيح فيسمى مجملا وإما أن يظهر في ~~أحدهما ولا يظهر في الثاني فيسمى ظاهرا # والمجمل: هو اللفظ الصالح لأحد معنيين الذي لا يتعين معناه لا بوضع اللغة ~~ولا بعرف الاستعمال وينكشف ذلك بمسائل : # مسألة:[ كيفية معرفة المجمل؟] # قوله تعالى :{ حرمت عليكم أمهاتكم } [ا لنساء: من الآية23]و{حرمت عليكم ~~الميتة }[ المائدة: من الآية3]ليس بمجمل # وقال قوم :من القدرية هو مجمل لأن الأعيان لا تتصف بالتحريم وإنما يحرم ~~فعل ما يتعلق بالعين وليس يدري ما ذلك الفعل فيحرم من الميتة مسها أو أكلها ~~أو النظر إليها أو بيعها والانتفاع بها؟ فهو مجمل والأم يحرم منها النظر أو ~~المضاجعة أو الوطء ؟ فلا يدري أيه ولا بد من تقدير فعل وتلك الأفعال كثيرة ~~وليس بعضها أولى من بعض # وهذا فاسد إذ عرف الاستعمال كالوضع ولذلك قسمنا الأسماء إلى عرفية ووضعية ~~وقدمنا بيانها ومن أنس بتعارف أهل اللغة واطلع على عرفهم علم أنهم لا ~~يستريبون في أن من قال حرمت عليك الطعام والشراب أنه يريد الأكل دون النظر ~~والمس وإذا قال حرمت عليك هذا الثوب أنه يريد اللبس وإذا قال حرمت عليك ~~النساء أنه يريد الوقاع وهذا صريح عندهم مقطوع به فكيف يكون مجملا ؟ PageV02P028 # والصريح تارة يكون بعرف الاستعمال وتارة بالوضع وكل ذلك واحد في نفي ~~الأجمال # وقال قوم: هو من قبيل المحذوف كقوله تعالى {واسأل القرية } [ يوسف: من ~~الآية82] أي أهل القرية يوسف وكذلك قوله تعالى {أحلت لكم بهيمة الأنعام} ~~[المائدة: من الآية1]أي أكل البهيمة أحل لكم صيد البحر المائدة وهذا إن ~~أراد به إلحاقه بالمجمل فهو خطأ وإن أراد به حصول الفهم به مع كونه محذوفا ~~فهو صحيح وإن أراد به إلحاقه بالمجاز فيلزمه تسمية الأسماء العربية مجازا # مسألة: رفع الخطأ والنسيان: # قوله صلى الله عليه وسلم : "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان " يقتضي بالوضع ~~نفي نفس الخطأ والنسيان وليس كذلك وكلامه صلى الله عليه وسلم يجل عن الخلف ~~فالمراد به رفع حكمه لا على الإطلاق بل الحكم الذي عرف بعرف الاستعمال قبل ms287 ~~ورود الشرع إرادته بهذا اللفظ فقد كان يفهم قبل الشرع من قول القائل لغيره ~~رفعت عنك الخطأ والنسيان إذ يفهم منه رفع حكمه لا على الإطلاق وهو المؤاخذة ~~بالذم والعقوبة فكذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم نص صريح فيه وليس ~~بعام في جميع أحكامه من الضمان ولزوم القضاء وغيره ولا هو مجمل بين ~~المؤاخذة التي ترجع إلى الذم ناجزا أو إلى العقاب آجلا وبين الغرم والقضاء ~~لأنه لا صيغة لعمومه حتى يجعل عاما في كل حكم كما لم يجعل قوله تعالى: { ~~حرمت عليكم أمهاتكم } [النساء: من الآية23]عاما في كل فعل مع أنه لا بد من ~~إضمار فعل فالحكم هاهنا لا بد من إضماره لإضافة الرفع إليه كالفعل ثم ينزل ~~على ما يقتضيه عرف الاستعمال وهو الذم والعقاب هاهنا والوطء ثم PageV02P029 ~~فإن قيل: فالضمان أيضا عقاب فليرتفع # قلنا: الضمان قد يجب امتحانا ليثاب عليه لا للانتقام ولذلك يجب على الصبي ~~والمجنون وعلى العاقلة بسبب الغير ويجب حيث يجب الإتلاف كالمضطر في المخمصة ~~وقد يجب عقابا كما يجب على المعتمد لقتل الصيد { ليذوق وبال أمره} ~~[المائدة: من الآية95] وإن وجب على المخطىء بالقتل امتحانا # فغاية ما يلزم أن يقال ينتفي به كل ضمان هو بطريق العقاب لأنه مؤاخذة ~~وانتقام بخلاف ما هو بطريق الجبران والامتحان # والمقصود أن من ظن أن هذا اللفظ خاص أو عام لجميع أحكام الخطأ أو مجمل ~~متردد فقد غلط فيه # فإن قيل: فلو ورد في موضع لا عرف فيه يدرك به خصوص معناه فهل يجعل نفيا ~~لأثره بالكلية حتى يقوم مقام العموم أو يجعل مجملا ؟ # قلنا: هو مجمل يحتمل نفي الأثر مطلقا ونفي آحاد الآثار ويصلح أن يراد به ~~الجميع ولا يترجح أحد الاحتمالات # وهذا عند من لا يقول بصيغة العموم ظاهر أما من يقول بها فيتبع فيه الصيغة ~~ولا صيغة للمضمرات وهذا قد أضمر فيه الأثر فعلى ماذا يعول في التعميم ؟ # فإن قيل: هو نفي فيقتضي وضعه نفي الأثر والمؤثر جميعا فإن تعذر نفي PageV02P030 ~~المؤثر ms288 بقرينة الحس فالتعذر مقصور عليه فيبقى الأثر منفيا # قلنا: ليس قوله لا صيام ولا عمل ولا خطأ ولا نسيان أو رفع الخطأ والنسيان ~~عاما في نفي المؤثر والأثر حتى إذا تعذر في المؤثر بقي في الأثر بل هو لنفي ~~المؤثر فقط والأثر ينتفي ضرورة بانتفاء المؤثر لا بحكم عموم اللفظ وشموله ~~له فإذا تعذر حمله على المؤثر صار مجازا إما عن جميع الآثار أو عن بعض ~~الآثار ولا تترجح الجملة على البعض ولا أحد الأبعاض على غيره. # مسألة :نفي الكمال أو الصحة في اللفظ الشرعي في: # قوله صلى الله عليه وسلم "لا صلاة إلا بطهور " " ولا صلاة إلا بفاتحة ~~الكتاب " " ولا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل " و" لا نكاح إلا بولي " ~~"ولا نكاح إلا بشهود" و"لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه" و"لا صلاة لجار ~~المسجد إلا في المسجد" فإن هذا نفي لما ليس منفيا بصورته فإن صورة النكاح ~~والصوم والصلاة موجودة كالخطأ والنسيان # وقالت المعتزلة: هو مجمل لتردده بين نفي الصورة والحكم . # وهو أيضا فاسد بل فساده في هذه الصورة أظهر فإن الخطأ والنسيان ليس اسما ~~شرعيا والصلاة والصوم والوضوء والنكاح ألفاظ تصرف الشرع فيها فهي شرعية ~~وعرف الشرع في تنزيل الأسامي الشرعية على مقاصده كعرف اللغة على ما قدمنا ~~وجه تصرف الشرع في هذه الألفاظ فلا يشك في أن الشرع ليس يقصد بكلامه نفي ~~الصورة فيكون خلفا بل يريد نفي الوضوء والصوم والنكاح الشرعي فعرف الشرع ~~يزيل هذا الاحتمال فكأنه صرح بنفي نفس الصلاة الشرعية والنكاح الشرعي PageV02P031 ~~فإن قيل :فيحتمل نفي الصحة ونفي الكمال أي لا صلاة كاملة ولا صوم فاضلا ولا ~~نكاح مؤكدا ثابتا فهل هو محتمل بينهما ؟ # قلنا ذهب القاضي إلى أنه مردد بين نفي الكمال والصحة إذ لا بد من إضمار ~~الصحة أو الكمال وليس أحدهما بأولى من الآخر # والمختار أنه ظاهر في نفي الصحة محتمل لنفي الكمال على سبيل التأويل لأن ~~الوضوء والصوم صارا عبارة عن الشرعي وقوله لا صيام صريح ms289 في نفي الصوم ومهما ~~حصل الصوم الشرعي وإن لم يكن فاضلا كاملا كان ذلك على خلاف مقتضى النفي # فإن قيل فقوله صلى الله عليه وسلم :"لا عمل إلا بنية " من قبيل قوله: "لا ~~صلاة " أو من قبيل قوله "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان؟" # قلنا. الخطأ والنسيان ليسا من الأسماء الشرعية والصوم والصلاة من الأسماء ~~الشرعية وأما العمل فليس للشرع فيه تصرف وكيفما كان فقوله صلى الله عليه ~~وسلم :"لا عمل إلا بنية" وقوله "إنما الأعمال بالنيات" يقتضي عرف الاستعمال ~~نفي جدواه وفائدته كما يقتضي عرف الشرع نفي الصحة في الصوم والصلاة فليس ~~هذا من المجملات بل من المألوف في عرف الاستعمال قولهم لا علم إلا ما نفع ~~ولا كلام إلا ما أفاد ولا حكم إلا لله ولا طاعة إلا له ولا عمل إلا ما نفع ~~وأجدى وكل ذلك نفي لما لا ينتفي وهو صدق لأن المراد منه نفي مقاصده # دقيقة: القاضي رحمه الله إنما لزمه جعل اللفظ مجملا بالإضافة إلى الصحة ~~والكمال من حيث أنه نفى الأسماء الشرعية وأنكر أن يكون للشرع فيها عرف ~~يخالف الوضع فلزمه إضمار شيء في قوله عليه السلام لا صيام أي لا صيام مجزئا ~~صحيحا أو :لا صيام فاضلا كاملا ولم يكن أحد PageV02P032 ~~الإضمارين بأولى من الآخر وأما نحن إذا اعترفنا بعرف الشرع في هذه الألفاظ ~~صار هذا النفي راجعا إلى نفس الصوم كقوله لا رجل في البلد فإنه يرجع إلى ~~نفي الرجل ولا ينصرف إلى الكمال إلا بقرينة الاحتمال # مسألة: معنى المجمل: # إذا أمكن حمل لفظ الشارع على ما يفيد معنيين وحمله على ما يفيد معنى ~~واحدا وهو مردد بينهما فهو مجمل # وقال بعض الأصوليين: يترجح حمله على ما يفيد معنيين كما لو دار بين ما ~~يفيد وما لا يفيد يتعين حمله على المفيد لأن المعنى الثاني مما قصر اللفظ ~~عن إفادته إذا حمل على الوجه الآخر فحمله على الوجه المفيد بالإضافة إليه أولى # وهذا فاسد لأن حمله على غير المفيد يجعل الكلام عبثا ms290 ولغوا يجل عنه منصب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أما المفيد لمعنى واحد فليس بلغو وكلماته ~~التي أفادت معنى واحدا لعلها أغلب وأكثر مما يفيد معنيين فلا معنى لهذا ~~الترجيح # مسألة: الأحكام المتعددة في اللفظ # ما أمكن حمله على حكم متعدد فليس بأولى مما يحمل اللفظ فيه على التقرير ~~على الحكم الأصلي والحكم العقلي والاسم اللغوي لأن كل واحد محتمل وليس حمل ~~الكلام عليه ردا له إلى العبث # وقال قوم:حمله على الحكم الشرعي الذي هو فائدة خاصة بالشرع أولى وهو ضعيف ~~إذ لم يثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينطق بالحكم PageV02P033 ~~العقلي ولا بالاسم اللغوي ولا بالحكم الأصلي فهذا ترجيح بالتحكم # مثاله قوله صلى الله عليه وسلم" الاثنان فما فوقهما جماعة" فإنه يحتمل أن ~~يكون المراد به أنه يسمى جماعة ويحتمل أن يكون المراد به انعقاد الجماعة أو ~~حصول فضيلتها # ومثاله أيضا قوله صلى الله عليه وسلم "الطواف بالبيت صلاة " إذ يحتمل أن ~~يكون المراد به الافتقار إلى الطهارة أي هو كالصلاة حكما ويحتمل أن فيه ~~دعاء كما في الصلاة ويحتمل أنه يسمى صلاة شرعا وإن كان لا يسمى في اللغة ~~صلاة فهو مجمل بين هذه الجهات ولا ترجيح # مسألة: دوران الاسم بين المعنى اللغوي والشرعي # إذا دار الاسم بين معناه اللغوي ومعناه الشرعي كالصوم والصلاة قال القاضي ~~هو مجمل لأن الرسول عليه السلام يناطق العرب بلغتهم كما يناطقهم بعرف شرعه ~~ولعل هذا منه تفريع على مذهب من يثبت الأسامي الشرعية وإلا فهو منكر ~~للأسامي الشرعية # وهذا فيه نظر لأن غالب عادة الشارع استعمال هذه الأسامي على عرف الشرع ~~لبيان الأحكام الشرعية وإن كان أيضا كثيرا ما يطلق على الوضع اللغوي كقوله ~~صلى الله عليه وسلم "دعي الصلاة أيام أقرائك" ومن باع حرا أو من باع خمرا ~~فحكمه كذا وإن كانت الصلاة في حالة الحيض وبيع الخمر والحر لا PageV02P034 ~~يتصور إلا بموجب الوضع فأما الشرعي فلا # ومثال هذه المسألة قوله صلى الله عليه وسلم حيث لم ms291 يقدم إليه غداء إني ~~إذا أصوم فإنه إن حمل على الصوم الشرعي دل على جواز النية نهارا وإن حمل ~~على الإمساك لم يدل وقوله صلى الله عليه وسلم "لا تصوموا يوم النحر" إن حمل ~~على الإمساك الشرعي دل على انعقاده إذ لولا إمكانه لما قيل له لا تفعل إذ ~~لا يقال للأعمى لا تبصر وإن حمل على الصوم الحسي لم ينشأ منه دليل على ~~الانعقاد # وقد قال الشافعي: لو حلف أن لا يبيع الخمر لا يحنث ببيعه لأن البيع ~~الشرعي لا يتصور فيه وقال المزني يحنث لأن القرينة تدل على أنه أراد البيع اللغوي # والمختار عندنا: أن ما ورد في الأثبات والأمر فهو للمعنى الشرعي وما ورد ~~في النهي كقوله دعي الصلاة فهو مجمل # مسألة : تعارض الحقيقة والمجاز أيهما يقدم ؟ : # إذا دار اللفظ بين الحقيقة والمجاز فاللفظ للحقيقة إلى أن يدل الدليل أنه ~~أراد المجاز ولا يكون مجملا كقوله رأيت اليوم حمارا واستقبلني في الطريق ~~أسد فلا يحمل على البليد والشجاع إلا بقرينة زائدة فإن لم تظهر فاللفظ ~~للبهيمة والسبع ولو جعلنا كل لفظ أمكن أن يتجوز به مجملا تعذرت الاستفادة ~~من أكثر الألفاظ فإن المجاز إنما يصار إليه لعارض وهذا في مجاز لم يغلب ~~بالعرف بحيث صار الوضع كالمتروك مثل الغائط والعذرة فإنه لو قال رأيت اليوم ~~عذرة أو غائطا لم يفهم منه المطمئن من PageV02P035 ~~الأرض وفناء الدار لأنه صار كالمتروك بعرف الاستعمال والمعنى العرفي ~~كالمعنى الوضعي في تردد اللفظ بينهما وليس المجاز كالحقيقي لكن المجاز إذا ~~صار عرفيا كان الحكم للعرف # خاتمة جامعة # إعلم أن الإجمال تارة يكون في لفظ مفرد وتارة يكون في لفظ مركب وتارة في ~~نظم الكلام والتصريف وحروف النسق ومواضع الوقف والابتداء # أما اللفظ المفرد فقد يصلح لمعان مختلفة كالعين للشمس والذهب والعضو ~~الباصر والميزان وقد يصلح لمتضادين كالقرء للطهر والحيض والناهل للعطشان ~~والريان وقد يصلح لمتشابهين بوجه ما كالنور للعقل ونور الشمس وقد يصلح ~~لمتماثلين كالجسم للسماء والأرض والرجل لزيد وعمرو وقد يكون ms292 موضوعا لهما من ~~غير تقديم وتأخير وقد يكون مستعارا لأحدهما من الآخر كقولك الأرض أم البشر ~~فإن الأم وضع اسما للوالدة أولا وكذلك اسم المنافق والكافر والفاسق والصوم ~~والصلاة فإنه نقل في الشرع إلى معان ولم يترك المعنى الوضعي أيضا # أما الاشتراك مع التركيب فكقوله تعالى {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ~~وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة ~~النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون ~~بصير} [البقرة:237] فإن جميع هذه الألفاظ مرددة بين الزوج والولي # وأما الذي بحسب التصريف: فكالمختار للفاعل والمفعول # وأما الذي بحسب نسق الكلام فكقولك: كل ما علمه الحكيم فهو كما علمه # فإن قولك: فهو كما علمه متردد بين أن يرجع إلى كل ما وبين أن يرجع إلى ~~الحكم حتى يقول والحكيم يعلم الحجر فهو إذا كالحجر PageV02P036 ~~وقد يكون بحسب الوقف والابتداء فإن الوقف على السموات في قوله تعالى: {وهو ~~الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم } [الأنعام:3] له معنى يخالف ~~الوقف على الأرض والابتداء بقوله { سركم وجهركم } [الأنعام:3] وقوله تعالى ~~{وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم} [آل عمران: من الآية7] من ~~غير وقف يخالف الوقف على قوله {إلا الله} وذلك لتردد الواو بين العطف ~~والابتداء # ولذلك قد يصدق قولك الخمسة زوج وفرد أي هو اثنان وثلاثة ويصدق قولك ~~الإنسان حيوان وجسم لأنه حيوان وجسم أيضا ولا يصدق قولك الإنسان حيوان وجسم ~~ولا قولك الخمسة زوج وفرد لأن الإنسان ليس بحيوان وجسم وليست الخمسة زوجا ~~وفرد أيضا وذلك لأن الواو يحتمل جمع الأجزاء وجمع الصفات وكذلك تقول زيد ~~طبيب بصير يصدق وإن كان جاهلا ضعيف المعرفة بالطب ولكن بصير بالخياطة ~~فيتردد البصير بين أن يراد به البصير في الطب أو يراد وصف زائد في نفسه # فهذه أمثلة مواضع الإحمال PageV02P037 ~~وقد تم القول في المجمل # وفي مقابلته المبين فلنتكلم في البيان وحكمه وحده # القول في البيان والمبين # إعلم أنه جرت ms293 عادة الأصوليين برسم كتاب في البيان وليس النظر فيه مما ~~يستوجب أن يسمى كتابا فالخطب فيه يسير والأمر فيه قريب ورأيت أولى المواضع ~~به أن يذكر عقيب المجمل فإنه المفتقر إلى البيان والنظر فيه حد البيان ~~وجواز تأخيره والتدريج في إظهاره وفي طريق ثبوته فهذه أربعة أمور نرسم في ~~كل واحد منها مسألة # مسألة: في حد البيان: # إعلم أن البيان عبارة عن أمر يتعلق بالتعريف والإعلام وإنما يحصل الإعلام ~~بدليل والدليل محصل للعلم فهاهنا ثلاثة أمور إعلام ودليل به الإعلام وعلم ~~يحصل من الدليل # فمن الناس من جعله عبارة عن التعريف فقال في حده أنه إخراج الشيء من حيز ~~الأشكال إلى حيز التجلي # ومنهم من جعله عبارة عما به تحصل المعرفة فيما يحتاج إلى المعرفة أعني ~~الأمور التي ليست ضرورية وهو الدليل فقال في حده أنه الدليل الموصل بصحيح ~~النظر فيه إلى العلم بما هو دليل عليه وهو اختيار القاضي # ومنهم من جعله عبارة عن نفس العلم وهو تبين الشيء فكأن البيان عنده ~~والتبيين واحد # ولا حجر في إطلاق إسم البيان على كل واحد من هذه الأقسام الثلاثة إلا PageV02P038 ~~أن الأقرب إلى اللغة وإلى المتداول بين أهل العلم ما ذكره القاضي إذ يقال ~~لمن دل غيره على الشيء بينه له وهذا بيان منك لكنه لم يتبين وقال تعالى ~~{هذا بيان للناس } [آل عمران: من الآية138 ] وأراد به القرآن # وعلى هذا فبيان الشيء قد يكون بعبارات وضعت بالاصطلاح فهي بيان في حق من ~~تقدمت معرفته بوجه المواضعة # وقد يكون بالفعل والإشارة والرمز إذا لكل دليل ومبين ولكن صار في عرف ~~المتكلمين مخصوصا بالدلالة بالقول فيقال له بيان حسن أي كلام حسن رشيق ~~الدلالة على المقاصد # وإعلم أنه ليس من شرط البيان أن يحصل التبيين به لكل أحد بل أن يكون بحيث ~~إذا سمع وتؤمل وعرفت المواضعة صح أن يعلم به ويجوز أن يختلف الناس في تبين ~~ذلك وتعرفه # وليس من شرطه أن يكون بيانا لمشكل لأن النصوص المعربة عن الأمور ابتداء ms294 ~~بيان وإن لم يتقدم فيها إشكال وبهذا يبطل قول من حده بأنه إخراج الشيء من ~~حيز الإشكال إلى حيز التجلي فذلك ضرب من البيان وهو بيان المجمل فقط # وإعلم أن كل مفيد من كلام الشارع وفعله وسكوته واستبشاره حيث يكون دليلا ~~وتنبيهه بفحوى الكلام على علة الحكم كل ذلك بيان لأن جميع ذلك دليل وإن كان ~~بعضها يفيد غلبة الظن فهو من حيث إنه يفيد العلم بوجوب العمل قطعا دليل ~~وبيان وهو كالنص نعم كل ما لا يفيد علما ولا ظنا ظاهرا فهو مجمل وليس ببيان ~~بل هو محتاج إلى البيان PageV02P039 ~~والعموم يفيد ظن الاستغراق عند القائلين به لكنه يحتاج إلى البيان ليصير ~~الظن علما فيتحقق الاستغراق أو يتبين خلافه فيتحقق الخصوص وكذلك الفعل ~~يحتاج إلى بيان تقدمه أنه أريد به بيان الشرع لأن الفعل لا صيغة له # مسألة في تأخير البيان # لا خلاف أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إلا على مذهب من يجوز ~~تكليف المحال # أما تأخيره إلى وقت الحاجة فجائز عند أهل الحق خلافا للمعتزلة وكثير من ~~أصحاب أبي حنيفة وأصحاب الظاهر وإليه ذهب أبو إسحق المروزي وأبو بكر ~~الصيرفي # وفرق جماعة بين العام والمجمل فقالوا يجوز تأخير بيان المجمل إذ لا يحصل ~~من المجمل جهل وأما العام فإنه يوهم العموم فإذا أريد به الخصوص فلا ينبغي ~~أن يتأخر بيانه مثل قوله { فاقتلوا المشركين}[ التوبة: من الآية5]فإنه إن ~~لم يقترن به البيان له أوهم جواز قتل غير أهل الحرب وأدى ذلك إلى قتل من لا ~~يجوز قتله والمجمل مثل قوله تعالى {وآتوا حقه يوم حصاده } [الأنعام: من ~~الآية141] يجوز تأخير بيانه لأن الحق مجمل لا يسبق إلى الفهم منه شيء وهو ~~كما لو قال حج في هذه السنة كما سأفصله أو أقتل فلانا غدا بآلة سأعينها من ~~سيف أو سكين # وفرق طوائف بين الأمر والنهي وبين الوعد والوعيد فلم يجوزوا تأخير البيان ~~في الوعد والوعيد # ويدل على جواز التأخير مسالك : # الأول: أنه لو كان ممتنعا ms295 لكان الاستحالته في ذاته أو لإفضائه إلى مجال، PageV02P040 ~~وكل ذلك يعرف بضرورة أو نظر وإذا انتفى المسلكان ثبت الجواز # وهذا دليل يستعمله القاضي في مسائل كثيرة # وفيه نظر لأنه لا يورث العلم ببطلان الإحالة ولا بثبوت الجواز إذ يمكن أن ~~يكون وراء من ذكره وفصله دليل على الإحالة لم يخطر له فلا يمكن أن يكون ~~دليلا لا على الإحالة ولا على الجواز فعدم العلم العلم بدليل الجواز لا ~~يثبت الإحالة وكذلك عدم العلم بدليل الإحالة لا يثبت الجواز بل عدم العلم ~~بدليل الإحالة لا يكون علما لعدم الإحالة فلعل عليه دليلا ولم نعرفه بل لو ~~عرفنا انتفاء دليل الإحالة لم يثبت الجواز بل لعله محال وليس عليه دليل ~~يعرفه آدمي فمن أين يجب أن يكون كل جائز ومحال في مقدور الآدمي معرفته ؟ # الثاني :أنه إنما يحتاج إلى البيان للامتثال وإمكانه ولأجله يحتاج إلى ~~القدرة والآلة ثم جاز تأخير القدرة وخلق الآلة فكذلك البيان # وهذا أيضا ذكره القاضي وفيه نظر لأنه إنما ينفع لو اعترف الخصم بأنه ~~يحيله لتعذر الامتثال ولعله يحيله لما من تجهيل أو لكونه لغوا بلا فائدة أو ~~لسبب آخر وليس في تسليمه تعليل القدرة والآلة بتأتي الامتثال ما يلزمه ~~تعليل غير به # الثالث :الاستدلال على جوازه بوقوعه في القرآن والسنة قال الله تعالى ~~{فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه} [القيامة:19]وثم للتأخير وقال ~~تعالى {كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير} [هود: من الآية1] {إن ~~الله يأمركم أن تذبحوا بقرة }[ البقرة: من الآية67] وإنما أراد بقرة معينة ~~ولم يفصل إلا بعد السؤال وقال تعالى {واعلموا أنما PageV02P041 ~~غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى } [لأنفال: من ~~الآية41]الآية وإنما أراد بذي القربى بني هاشم وبنى المطلب دون بني أمية ~~وكل من عدا بني هاشم فلما منع بني أمية وبني نوفل وسئل عن ذلك قال أنا وبنو ~~المطلب لم نفترق في جاهلية ولا إسلام ولم نزل هكذا وشبك بين أصابعه وقال في ~~قصة نوح {إنه ms296 ليس من أهلك إنه عمل غير صالح } [هود: من الآية46] بين بعد أن ~~توهم أنه من أهله # وأما السنن فبيان المراد بقوله وأقيموا الصلاة بصلاة جبريل في يومين بين ~~الوقتين وقوله عليه السلام ليس في الخضروات صدقة ثم قال بعد ذلك ليس فيما ~~دون خمسة أوسق صدقة وقال في أربعين شاة شاة وخذوا عني مناسككم كله ورد ~~متأخرا عن قوله {وآتوا الزكاة} [النساء: من الآية77] {ولله على الناس حج ~~البيت من استطاع } [آل عمران: من الآية97] وقال {وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم ~~} [التوبة: من الآية41] وهو عام ثم ورد بعده {ليس على الضعفاء ولا على ~~المرضى } [التوبة: من الآية91] إذآ النور وكذلك جميع الأعذار # وكذلك أمر النكاح والبيع والأرث ورد أولا أصلها ثم بين النبي بالتدريج من ~~يرث ومن لا يرث ومن يحل نكاحه ومن لا يحل وما يصح بيعه وما لا يصح وكذلك كل ~~عام ورد في الشرع فإنما ورد دليل خصوصه بعده # وهذا مسلك لا سبيل إلى إنكاره وإن تطرق الاحتمال إلى أحد هذه PageV02P042 ~~الاستشهادات بتقدير اقتران البيان فلا يتطرق إلى الجميع # الرابع :أنه يجوز تأخير النسخ بالاتفاق بل يجب تأخيره لا سيما عند ~~المعتزلة فإن النسخ عندهم بيان لوقت العبادة ويجوز أن يرد لفظ يدل على تكرر ~~الأفعال على الدوام ثم ينسخ ويقطع الحكم بعد حصول الاعتقاد بلزوم الفعل على ~~الدوام لكن بشرط أن لا يرد نسخ وهذا أيضا واقع # فهذه الأدلة واقعة دالة على جواز تأخير البيان عن كل ما يحتاج إلى البيان ~~من عام ومجمل ومجاز وفعل متردد وشرط مطلق غير مقيد وهو أيضا دليل على من ~~جوز في الأمر دون الوعيد وعلى من قال بعكس ذلك # وللمخالف أربع شبه: # الأولى :قالوا إن جوزتم خطاب العربي بالعجمية والفارسي بالزنجية فقد ~~ركبتم بعيدا وتعسفتم وإن منعتم فما الفرق بينه وبين مخاطبة العربي بلفظ ~~مجمل لا يفهم معناه ولكن يسمع لفظه ويلزم منه جواز خطابه بلغة هو واضعها ~~وحده إلى أن يبين # والجواب من وجهين : # أحدهما وهو الأولى أنهم ms297 لم قالوا قوله {وآتوا حقه يوم حصاده } ]الأنعام: ~~من الآية141[كالكلام بلغة لا تفهم مع أنه يفهم أصل الإيجاب ويعزم على أدائه ~~وينتظر بيانه وقت الحصاد فالتسوية بينهما تعسف وظلم # الجواب الثاني : أنا نجوز للنبي عليه السلام أن يخاطب جميع أهل الأرض من ~~الزنج والترك بالقرآن ويشعرهم أنه يشتمل على أوامر يعرفهم بها المترجم وكيف ~~يبعد هذا ونحن نجوز كون المعدوم مأمورا على تقدير الوجود ؟فأمر العجم على ~~تقدير البيان أقرب نعم لا يحصل ذلك خطابا بل إنما يسمى خطابا إذا فهمه ~~المخاطب والمخاطب في مسألتنا فهم أصل الأمر بالزكاة وجهل قدر الحق الواجب ~~عند الحصاد وكذلك قوله تعالى {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن ~~فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفوا ~~أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير} ~~]البقرة:237[مفهوم وتردده بين الزوج والولي معلوم والتعيين منتظر # فإن قيل: فليجز خطاب المجنون والصبي PageV02P043 ~~قلنا: أما من لا يفهم فلا يسمى مخاطبا ويسمى مأمورا كالمعدوم على تقدير ~~الوجود الصبي مأمور على تقدير البلوغ أعني من علم الله أنه سيبلغ أما الذي ~~يفهم ويعلم الله ببلوغه فلا نحيل أن يقال له إذا بلغت فأنت مأمور بالصلاة ~~والزكاة والصبا لا ينافي مثل هذا الخطاب وإنما ينافي خطابا يعرضه للعقاب في الصبا # الثانية: قولهم الخطاب يراد لفائدة وما لا فائدة فيه فيكون وجوده كعدمه ~~ولا يجوز أن يقول أبجد هوز ويريد به وجوب الصلاة والصوم ثم يبينه من بعد ~~لأنه لغو من الكلام وكذلك المجمل الذي لا يفيد # قلنا: إنما يجوز الخطاب بمجمل يفيد فائدة ما لأن قوله تعالى {وآتوا حقه ~~يوم حصاده } ]الأنعام: من الآية141[يعرف منه وجوب الإيتاء ووقته وأنه حق في ~~المال فيمكن العزم فيه على الامتثال والاستعداد له ولو عزم على تركه عصى ~~وكذلك مطلق الأمر إذا ورد ولم يتبين أنه للإيجاب أو الندب أو أنه على الفور ~~أو التراخي أو أنه للتكرار أو للمرة الواحدة أفاد ms298 علم اعتقاد الأصل ومعرفة ~~التردد بين الجهتين وكذلك { أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح } ]البقرة:23 ~~[يعرف إمكان سقوط المهر بين الزوج والولي فلا يخلو عن أصل الفائدة وإنما ~~يخلو عن كمالها وذلك غير مستنكر بل هو واقع في الشريعة والعادة بخلاف قوله ~~أبجد هوز فإن ذلك لا فائدة له أصلا # الثالثة: أنه لا خلاف في أنه لو قال في خمس من الإبل شاة وأراد خمسا من ~~الأفراس لا يجوز ذلك وإن كان بشرط البيان بعده لأنه تجهيل في الحال وإيهام ~~لخلاف المراد فكذلك قوله {فاقتلوا المشركين} ]التوبة: من الآية5[ يوهم قتل ~~كل مشرك وهو خلاف المراد فهو تجهيل في الحال ولو أراد بالعشرة سبعة كان ذلك ~~تجهيلا وإن كان ذلك جائزا إن اتصل الاستثناء به بأن يقول عشرة إلا ثلاثة ~~وكذلك العموم للاستغراق في الوضع إنما يراد به الخصوص بشرط قرينة متصلة ~~مبينة فأما إرادة الخصوص دون القرينة فهو تغيير للوضع PageV02P044 ~~وهذا حجة من فرق بين العام والمجمل # والجواب أن العموم لو كان نصا في الاستغراق لكان كما ذكرتموه وليس كذلك ~~بل هو مجمل عند أكثر المتكلمين متردد بين الاستغراق والخصوص وهو ظاهر عند ~~أكثر الفقهاء في الاستغراق وإرادة الخصوص به من كلام العرب فإن الرجل قد ~~يعبر بلفظ العموم عن كل ما تمثل في ذهنه وحضر في فكره فيقول مثلا ليس ~~للقاتل من الميراث شيء فإذا قيل له فالجلاد والقاتل قصاصا لم يرث فيقول ما ~~أردت هذا ولم يخطر لي بالبال ويقول للبنت النصف من الميراث فيقال فالبنت ~~الرقيقة والكافرة لا ترث شيئا فيقول ما خطر ببالي هذا وإنما أردت غير ~~الرقيقة والكافرة ويقول الأب إذا انفرد يرث المال أجمع فيقال والأب الكافر ~~أو الرقيق لا يرث فيقول إنما خطر ببالي الأب غير الرقيق والكافر فهذا من ~~كلام العرب وإذا أراد السبعة بالعشرة فليس من كلام العرب فإذا اعتقد العموم ~~قطعا فذلك لجهله بل ينبغي أن يعتقد أنه ظاهر في العموم محتمل للخصوص وعليه ~~الحكم بالعموم إن خلي والظاهر ms299 وينتظر أن ينبه على الخصوص أيضا # الرابعة: أنه إن جاز تأخير البيان إلى مدة مخصوصة طويلة كانت أو قصيرة ~~فهو تحكم وإن جاز إلى غير نهاية فربما يخترم النبي قبل البيان فيبقى العامل ~~بالعموم في ورطة الجهل متمسكا بعموم ما أريد به الخصوص PageV02P045 ~~قلنا النبي عليه السلام لا يؤخر البيان إلا إذا جوز له التأخير أو أوجب ~~وعين له وقت البيان وعرف أنه يبقى إلى ذلك الوقت فإن اخترم قبل البيان بسبب ~~من الأسباب فيبقى العبد مكلفا بالعموم عند من يرى العموم ظاهرا ولا يلزمه ~~حكم ما لم يبلغه كما لو اخترم قبل النسخ لما أمر بنسخه فإنه يبقى مكلفا به ~~دائما فإن أحالوا اخترامه قبل تبليغ النسخ فيما أنزل عليه النسخ فيه ~~فيستحيل أيضا اخترامه قبل بيان الخصوص فيما أريد به الخصوص ولا فرق # مسألة هل يجوز منع التدرج في البيان ؟ # ذهب بعض المجوزين لتأخير البيان في العموم إلى منع التدريج في البيان ~~فقالوا إذا ذكر إخراج شيء من العموم فينبغي أن يذكر جميع ما يخرج وإلا أوهم ~~ذلك استعمال العموم في الباقي # وهذا أيضا غلط بل من توهم ذلك فهو المخطىء فإنه كما كان يجوز الخصوص فإنه ~~ينبغي أن يبقى مجوزا له في الباقي وإن أخرج البعض إذ ليس في إخراج البعض ~~تصريح بحسم سبيل لشيء آخر كيف وقد نزل قوله تعالى {ولله على الناس حج البيت ~~من استطاع إليه سبيلا } ]آل عمران: من الآية97[ فسئل النبي عليه السلام عن ~~الاستطاعة فقال الزاد والراحلة ولم يتعرض لأمن الطريق والسلامة وطلب ~~الخفارة وذلك يجوز أن يتبين بدليل آخر بعده وقال تعالى {والسارق والسارقة} ~~]المائدة: من الآية38[ثم ذكر النصاب بعده ثم ذكر الحرز بعد ذلك وكذلك كان ~~يخرج شيئا شيئا من العموم على قدر وقوع الوقائع وكذلك يخرج من قوله ~~{فاقتلوا المشركين} ]التوبة: من الآية5[أهل الذمة مرة والعسيف مرة والمرأة ~~مرة أخرى وكذلك على PageV02P046 ~~التدريج ولا إحالة في شيء من ذلك # فإن قيل :فإذا كان كذلك فمتى يجب على المجتهد ms300 الحكم بالعموم ولا يزال ~~منتظرا لدليل بعده؟ # قلنا: سيأتي ذلك في كتاب العموم والخصوص إن شاء الله # مسألة: هل يصح تخصيص المتواتر بخبر الآحاد ؟: # لا يشترط أن يكون طريق البيان للمجمل والتخصيص للعموم كطريق المجمل ~~والعموم حتى يجوز بيان مجمل القرآن وعمومه وما ثبت بالتواتر بخبر الواحد ~~خلافا لأهل العراق فإنهم لم يجوزوا التخصيص في عموم القرآن والمتواتر بخبر ~~الواحد وأما المجمل فيما تعم به البلوى كأوقات الصلاة وكيفيتها وعدد ~~ركعاتها ومقدار واجب الزكاة وجنسها فإنهم قالوا لا يجوز أن يبين إلا بطريق ~~قاطع وأما ما لا تعم به البلوى كقطع يد السارق وما يجب على الأئمة من الحد ~~وذكر أحكام المكاتب والمدبر فيجوز أن يبين بخبر الواحد وهذا يتعلق طرف منه ~~بطريق التخصيص وسيأتي في القسم الرابع وطرف يتعلق بما تعم به البلوى وقد ~~ذكرناه في كتاب الأخبار PageV02P047 ### ||| AUTO القسم الثاني من الفن الأول في الظاهر والمؤول # ... # القسم الثاني من الفن الأول في الظاهر والمؤول # إعلم أنا بينا أن اللفظ الدال الذي ليس بمجمل إما أن يكون نصا وإما أن ~~يكون ظاهرا والنص هو الذي لا يحتمل التأويل والظاهر هو الذي يحتمله فهذا ~~القدر قد عرفته على الجملة وبقي عليك الآن أن تعرف الاختلاف في إطلاق لفظ ~~النص وأن تعرف حده وحد الظاهر وشرط التأويل المقبول # فنقول: النص إسم مشترك يطلق في تعارف العلماء على ثلاثة أوجه : # الأول : ما أطلقه الشافعي رحمه الله فإنه سمى الظاهر نصا وهو منطبق على ~~اللغة ولا مانع منه في الشرع والنص في اللغة بمعنى الظهور تقول العرب نصت ~~الظبية رأسها إذا رفعته وأظهرته وسمي الكرسي منصة إذ تظهر عليه العروس وفي ~~الحديث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد فرجة نص # فعلى هذا حده حد الظاهر: هو اللفظ الذي يغلب على الظن فهم معنى منه من ~~غير قطع فهو بالإضافة إلى ذلك المعنى الغالب ظاهر ونص # الثاني: وهو الأشهر :ما لا يتطرق إليه احتمال أصلا لا على قرب ولا على ~~بعد ms301 كالخمسة مثلا فإنه نص في معناه لا يحتمل الستة ولا الأربعة وسائر ~~الأعداد ولفظ الفرس لا يحتمل الحمار والبعير وغيره فكل ما كانت PageV02P048 ~~دلالته على معناه في هذه الدرجة سمي بالإضافة إلى معناه نصا في طرفي ~~الإثبات والنفي أعني في إثبات المسمى ونفي ما لا ينطلق عليه الاسم فعلى هذا ~~حده اللفظ الذي يفهم منه على القطع معنى فهو بالإضافة إلى معناه المقطوع به نص # ويجوز أن يكون اللفظ الواحد :نصا ظاهرا مجملا لكن بالإضافة إلى ثلاثة ~~معان لا إلى معنى واحد # الثالث : التعبير بالنص عما لا يتطرق إليه احتمال مقبول يعضده دليل أما ~~الاحتمال الذي لا يعضده دليل فلا يخرج اللفظ عن كونه نصا # فكان شرط النص بالوضع الثاني أن لا يتطرق إليه احتمال أصلا وبالوضع ~~الثالث أن لا يتطرق إليه احتمال مخصوص وهو المعتضد بدليل ولا حجر في إطلاق ~~اسم النص على هذه المعاني الثلاثة لكن الإطلاق الثاني أوجه وأشهر وعن ~~الاشتباه بالظاهر أبعد # هذا هو القول في النص والظاهر # أما القول في التأويل فيستدعي تمهيد أصل وضرب أمثلة # أما التمهيد : فهو أن التأويل عبارة عن احتمال يعضده دليل يصير به أغلب ~~على الظن من المعنى الذي يدل عليه الظاهر ويشبه أن يكون كل تأويل صرفا للفظ ~~عن الحقيقة إلى المجاز وكذلك تخصيص العموم يرد اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز ~~فإنه إن ثبت أن وضعه وحقيقته للاستغراق فهو مجاز في الاقتصار على البعض ~~فكأنه رد له إلى المجاز إلا أن الاحتمال تارة يقرب وتارة يبعد فإن قرب كفى ~~في إثباته دليل قريب وإن لم يكن بالغا في القوة وإن كان بعيدا افتقر إلى ~~دليل قوي يجبر بعده حتى يكون ركوب ذلك الاحتمال البعيد أغلب على الظن من ~~مخالفة ذلك الدليل وقد يكون ذلك الدليل قرينة وقد يكون قياسا وقد يكون ~~ظاهرا آخر أقوى منه # ورب تأويل لا ينقدح إلا بتقدير قرينة وإن لم تنقل القرينة كقوله عليه ~~السلام :"إنما الربا في النسيئة" فإنه يحمل على مختلفي الجنس ولا ms302 ينقدح هذا PageV02P049 ~~التخصيص إلا بتقدير واقعة وسؤال عن مختلفي الجنس ولكن يجوز تقدير مثل هذه ~~القرينة إذا اعتضد بنص وقوله عليه السلام لا تبيعوا البر بالبر إلا سواء ~~بسواء نص في إثبات ربا الفضل وقوله إنما الربا في النسيئة حصر للربا في ~~النسيئة ونفي لربا الفضل فالجمع بالتأويل البعيد الذي ذكرناه أولى من ~~مخالفة النص ولهذا المعنى كان الاحتمال البعيد كالقريب في العقليات فإن ~~دليل العقل لا تمكن مخالفته بوجه ما والاحتمال البعيد يمكن أني يكون مرادا ~~باللفظ بوجه ما # فلا يجوز التمسك في العقليات إلا بالنص بالوضع الثاني وهو الذي لا يتطرق ~~إليه احتمال قريب ولا بعيد ومهما كان الاحتمال قريبا وكان الدليل أيضا ~~قريبا وجب على المجتهد الترجيح والمصير إلى ما يغلب على ظنه فليس كل تأويل ~~مقبولا بوسيلة كل دليل بل ذلك يختلف ولا يدخل تحت ضبط إلا أنا نضرب أمثلة ~~فيما يرتضي من التأويل وما لا يرتضي ونرسم في كل مثال مسألة ونذكر لأجل ~~المثال عشر مسائل خمسة في تأويل العموم وخمسة في تخصيص العموم # مسألة فساد التأويل بقرائن # التأويل وإن كان محتملا فقد تجتمع قرائن تدل على فساده وأحاد تلك القرائن ~~لا تدفعه لكن يخرج بمجموعها عن أن يكون منقدحا غالبا # مثاله قوله عليه السلام لغيلان حين أسلم على عشر نسوة :أمسك أربعا وفارق ~~سائرهن وقوله عليه السلام لفيروز الديلمي حين أسلم على أختين أمسك إحداهما ~~وفارق الأخرى فإن ظاهر هذا يدل على دوام النكاح فقال أبو حنيفة أراد به ~~ابتداء النكاح أي أمسك أربعا فأنكحهن وفارق سائرهن أي انقطع عنهن ولا ~~تنكحهن ولا شك أن ظاهر لفظ PageV02P050 ~~الإمساك الاستصحاب والاستدامة وما ذكره أيضا محتمل ويعتضد أحتماله بالقياس ~~إلا أن جملة من القرائن عضدت الظاهر وجعلته أقوى في النفس من التأويل # أولها: أنا نعلم أن الحاضرين من الصحابة لم يسبق إلى إفهامهم من هذه ~~الكلمة إلا الاستدامة في النكاح وهو السابق إلى أفهامنا فإنا لو سمعناه في ~~زماننا لكان هو السابق إلى أفهامنا # الثاني : أنه ms303 قابل لفظ الإمساك بلفظ المفارقة وفوضه إلى اختياره فليكن ~~الإمساك والمفارقة إليه وعندهم الفراق واقع والنكاح لا يصح إلا برضا المرأة # الثالث: أنه لو أراد ابتداء النكاح لذكر شرائطه فإنه كان لا يؤخر البيان ~~عن وقت الحاجة وما أحوج جديد العهد بالإسلام إلى أن يعرف شروط النكاح # الرابع : أنه لا يتوقع في اطراد العادة انسلاكهن في ربقة الرضا على حسب ~~مراده بل ربما كان يمتنع جميعهن فكيف أطلق الأمر مع هذا الإمكان ؟ # الخامس : أن قوله أمسك أمر وظاهره الإيجاب فكيف أوجب عليه ما لم يجب ~~ولعله أراد أن لا ينكح أصلا # السادس : أنه ربما أراد أن لا ينكحهن بعد أن قضى منهن وطرا فكيف حصره ~~فيهن ؟بل كان ينبغي أن يقول إنكح أربعا ممن شئت من نساء العالم PageV02P051 ~~من الأجنبيات فإنهن عندكم كسائر نساء العالم فهذا وأمثاله من القرائن ينبغي ~~أن يلتفت إليها في تقرير التأويل ورده وآحادها لا يبطل الاحتمال لكن ~~المجموع يشكك في صحة القياس المخالف للظاهر ويصير اتباع الظاهر بسببها أقوى ~~في النفس من اتباع القياس # والإنصاف أن ذلك يختلف بتنوع أحوال المجتهدين وإلا فلسنا نقطع ببطلان ~~تأويل أبي حنيفة مع هذه القرائن وإنما المقصود تذليل الطريق للمجتهدين # مسألة التأويل في حديث غيلان الثقفي # من تأويلاتهم في هذه المسألة أن الواقعة ربما وقعت في ابتداء الإسلام قبل ~~الحصر في عدد النساء فكان على وفق الشرع وإنما الباطل من أنكحة الكفار ما ~~يخالف الشرع كما لو جمع في صفقة واحدة بين عشر بعد نزول الحصر # فنقول: إذا سلم هذا أمكن القياس عليه لأن قياسهم يقتضي اندفاع جميع هذه ~~الأنكحة كما لو نكح أجنبيتين ثم حدث بينهما أخوة برضاع اندفاع النكاح ولم يتخير # ومع هذا فنقول :هذا بناء تأويل على احتمال من غير نقل ولم يثبت عندنا رفع ~~حجر في ابتداء الإسلام ويشهد له أنه لم ينقل عن أحد من الصحابة زيادة على ~~أربعة وهم الناكحون ولو كان جائزا لفارقوا عند نزول الحصر ولأوشك أن ينقل ~~ذلك وقوله تعالى ms304 {وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف } ]النساء: من ~~الآية23[أراد به زمان الجاهلية هذا ما ورد في التفسير # فإن قيل :فلو صح رفع حجر في الابتداء هل كان هذا الاحتمال مقبولا ؟ # قلنا قال بعض أصحابنا الأصوليين لا يقبل لأن الحديث استقل حجة فلا يدفع ~~بمجرد الاحتمال ما لم ينقل وقوع نكاح غيلان قبل نزول الحجر وهذا ضعيف لأن ~~الحديث لا يستقل حجة ما لم ينقل تأخر نكاحه عن نزول PageV02P052 ~~الحصر لأنه إن تقدم فليس بحجة وإن تأخر فهو حجة فليس أحد الاحتمالين أولى ~~من الآخر ولا تقوم الحجة باحتمال يعارضه غيره # مسألة: هل يرفع التأويل النص؟ : # قال :بعض الأصوليين كل تأويل يرفع النص أو شيئا منه فهو باطل # ومثاله تأويل أبي حنيفة في مسألة الأبدال حيث قال عليه الصلاة والسلام في ~~أربعين شاة شاة فقال أبو حنيفة الشاة غير واجبة وإنما الواجب مقدار قيمتها ~~من أي مال كان قال فهذا باطل لأن اللفظ نص في وجوب شاة وهذا رفع وجوب الشاة ~~فيكون رفعا للنص فإن قوله { وآتوا الزكاة } ]النساء: من الآية77[للإيجاب ~~وقوله عليه السلام "في أربعين شاة شاة" بيان للواجب وإسقاط وجوب الشاة رفع للنص # وهذا غير مرضي عندنا فإن وجوب الشاة إنما يسقط بتجويز الترك مطلقا فأما ~~إذا لم يجز تركها إلا ببدل يقوم مقامها فلا تخرج الشاة عن كونها واجبة فإن ~~من أدى خصلة من خصال الكفارة المخير فيها فقد أدى واجبها وإن كان الوجوب ~~يتأدى بخصلة أخرى فهذا توسيع للوجوب واللفظ نعى في أصل الوجوب لا في تعيينه ~~وتصنيفه ولعله ظاهر في التعيين محتمل للتوسيع والتخيير وهو كقوله وليستنج ~~بثلاثة أحجار فإن إقامة المدر مقامه لا يبطل وجوب الاستنجاء لكن الحجر يجوز ~~أن يتعين ويجوز أن يتخير بينه وبين ما في معناه نعم إنما ينكر الشافعي هذا ~~التأويل لا من حيث أنه نص لا يحتمل لكن من وجهين # أحدهما : أن دليل الخصم أن المقصود سد الخلة # ومسلم أن سد الخلة مقصود لكن غير مسلم أنه كل ms305 المقصود فلعله قصد مع ذلك ~~التعبد بإشراك الفقير في جنس مال الغني فالجمع بين الظاهر وبين التعبد ~~ومقصود سد الخلة أغلب على الظن في العبادات لأن العبادات مبناها PageV02P053 ~~على الاحتياط من تجريد النظر إلى مجرد سد الخلة # الثاني: أن التعليل بسد الخلة مستنبط من قوله في أربعين شاة شاة وهو ~~استنباط يعود على أصل النص بالإبطال أو على الظاهر بالرفع وظاهره وجوب ~~الشاة على التعيين فإبراز معنى لا يوافق الحكم السابق إلى الفهم من اللفظ ~~لا معنى له لأن العلة ما يوافق الحكم والحكم لا معنى له إلا ما يدل عليه ~~ظاهر اللفظ وظاهر اللفظ يدل على تعيين الشاة وهذا التعليل يدفع هذا الظاهر # وهذا أيضا عندنا في محل الاجتهاد فإن معنى سد الخلة ما يسبق إلى الفهم من ~~إيجاب الزكاة للفقراء وتعيين الشاة يحتمل أن يكون للتعبد كما ذكر الشافعي ~~رحمه الله ويحتمل أن لا يكون متعينا لكن الباعث على تعيينه شيئان : # أحدهما: أن الأيسر على الملاك والأسهل في العبادات كما عين ذكر الحجر في ~~الاستنجاء لأنه أكثر في تلك البلاد وأسهل وكما يقول المفتي وجبت عليه كفارة ~~اليمين تصدق بعشرة أمداد من البر لأنه يرى ذلك أسهل عليه من العتق ويعلم من ~~عادته أنه لو خير بينهما لاختار الإطعام على الإعتاق ليسره فيكون ذلك باعثا ~~على تخصيصه بالذكر # والثاني: أن الشاة معيار لمقدار الواجب فلا بد من ذكرها إذ القيمة تعرف ~~بها وهي تعرف بنفسها فهي أصل على التحقيق ولو فسر النبي عليه الصلاة ~~والسلام كلامه بذلك لم يكن متناقضا ولكان حكما بأن البدل يجري في الزكاة ~~فهذا كله في محل الاجتهاد وإنما تشمئز عنه طباع من لم يأنس بتوسع العرب في ~~الكلام وظن اللفظ نصا في كل ما يسبق إلى الفهم منه # فليس يبطل الشافعي رحمه الله هذا الانتفاء الاحتمال لكن لقصور الدليل ~~الذي يعضده ولإمكان كون التعبد مقصودا مع سد الخلة ولأنه ذكر الشاة في PageV02P054 ~~خمس من الإبل وليس من جنسه حتى يكون للتسهيل ثم في ms306 الجبران يردهم بين شاة ~~وعشرة دراهم ولم يردهم إلى قيمة الشاة وفي خمس من الإبل لم يردهم # فهذه قرائن تدل على التعبد والباب باب التعبد والاحتياط فيه أولى # مسألة: تأويل آية مصارف الزكاة # يقرب مما ذكرنا تأويل الآية في مسألة أصناف الزكاة فقال قوم قوله تعالى ~~{إنما الصدقات للفقراء والمساكين } ]التوبة: من الآية60[الآية نص في ~~التشريك فالصرف إلى واحد إبطال له # وليس كذلك عندنا بل هو عطف على قوله تعالى {ومنهم من يلمزك في الصدقات ~~فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون} ]التوبة:58[إلى ~~قوله: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين } ]التوبة: من الآية60[يعني أن ~~طمعهم في الزكاة مع خلوهم عن شرط الاستحقاق باطل ثم عدد شروط الاستحقاق ~~ليبين مصرف الزكاة ومن يجوز صرف الزكاة إليه فهذا محتمل فإن منعه فللقصور ~~في دليل التأويل لا لانتفاء الاحتمال فهذا وأمثاله ينبغي أن يسمى نصا ~~بالوضع الأول أو الثالث أما بالوضع الثاني فلا # مسألة هل المعتبر العدد أم الجنس # قال قوم :قوله تعالى {فإطعام ستين مسكينا} ]المجادلة: من الآية4[نص في ~~وجوب رعاية العدد ومنع الصرف إلى مسكين واحد في ستين يوما وقطعوا ببطلان تأويله # وهو عندنا من جنس ما تقدم فإنه إن أبطل لقصور الاحتمال وكون الآية PageV02P055 ~~نصا بالوضع الثاني فهو غير مرضي فإنه يجوز أن يكون ذكر المساكين لبيان ~~مقدار الواجب ومعناه فإطعام طعام ستين مسكينا وليس هذا ممتنعا في توسع لسان ~~العرب نعم دليله تجريد النظر إلى سد الخلة # والشافعي: يقول لا يبعد أن يقصد الشرع ذلك لإحياء ستين مهجة تبركا ~~بدعائهم وتحصنا عن حلول العذاب بهم ولا يخلو جمع من المسلمين عن ولي من ~~الأولياء يغتنم دعاؤه ولا دليل على بطلان هذا المقصود فتصير الآية نصا ~~بالوضع الأول والثالث لا بالوضع الثاني # هذه أمثلة التأويل # ولنذكر أمثلة التخصيص فإن العموم إن جعلنا ظاهرا في الاستغراق لم يكن في ~~التخصيص إلا إزالة ظاهر فلأجل ذلك عجلنا ذكر هذا القدر وإلا فبيانه في ~~القسم الرابع المرسوم لبيان العموم أليق # مسألة ms307 :أقسام العموم # إعلم أن العموم عند من يرى التمسك به ينقسم إلى قوي يبعد عن قبول التخصيص ~~إلا بدليل قاطع أو كالقاطع وهو الذي يحوج إلى تقدير قرينة حتى تنقدح إرادة ~~الخصوص به وإلى ضعيف ربما يشك في ظهوره ويقتنع في تخصيصه بدليل ضعيف وإلى متوسط # مثال القوي منه : قوله صلى الله عليه وسلم " أيما امرأة نكحت بغير إذن ~~وليها فنكاحها باطل الحديث" وقد حمله الخصم على الأمة فنبا عن قبوله قوله ~~"فلها المهر بما استحل من فرجها" فإن مهر الأمة للسيد فعدلوا إلى الحمل على ~~المكاتبة # وهذا تعسف ظاهر لأن العموم قوي والمكاتبة نادرة بالإضافة إلى النساء وليس ~~من كلام العرب إرادة النادر الشاذ باللفظ الذي ظهر منه قصد العموم إلا ~~بقرينة تقترن باللفظ وقياس النكاح على المال وقياس الإناث على الذكور ليس ~~قرينة مقترنة باللفظ حتى يصلح لتنزيله على صورة نادرة # ودليل ظهور قصد التعمم بهذا اللفظ أمور : PageV02P056 # الأول: أنه صدر الكلام بأي وهي من كلمات الشرط ولم يتوقف في عموم أدوات ~~الشرط جماعة ممن توقف في صيغ العموم # الثاني : أنه أكده بما فقال أيما وهي من المؤكدات المستقلة بإفادة العموم أيضا # الثالث : أنه قال فنكاحها باطل رتب الحكم على الشرط في معرض الجزاء وذلك ~~أيضا يؤكد قصد العموم # ونحن نعلم أن العربي الفصيح لو اقتراح عليه بأن يأتي بصيغة عامة دالة على ~~قصد العموم مع الفصاحة والجزالة لم تسمح قريحته بأبلغ من هذه الصيغة ونحن ~~نعلم قطعا أن الصحابة رضي الله عنهم لم يفهموا من هذه الصيغة المكاتبة وأنا ~~لو سمعنا واحدا منا يقول لغيره أيما امرأة رأيتها اليوم فأعطها درهما لا ~~يفهم منه المكاتبة ولو قال أردت المكاتبة نسب إلى الألغاز والهزء ولو قال ~~أيما أهاب دبغ فقد طهر ثم قال أردت به الكلب أو الثعلب على الخصوص لنسب إلى ~~اللكنة والجهل باللغة # ثم لو أخرج الكلب أو الثعلب أو المكاتبة وقال ما خطر ذلك ببالي لم يستنكر ~~فما لا يخطر بالبال أو بالأخطار وجاز أن ms308 يشذ عن ذكر اللافظ وذهنه حتى جاز ~~إخراجه عن اللفظ كيف يجوز قصر اللفظ عليه ؟! # بل نقول :من ذهب إلى إنكار صيغ العموم وجعلها مجملة فلا ينكر منع التخصيص ~~إذا دلت القرائن عليه فالمريض إذا قال لغلامه لا تدخل علي الناس فأدخل عليه ~~جماعة من الثقلاء وزعم أني أخرجت هذا من عموم لفظ الناس فإنه ليس نصا في ~~الاستغراق استوجب التعزيز # فلنتخذ هذه المسألة مثالا لمنع التخصيص بالنوادر PageV02P057 ~~مسألة: # مثال عن العام القوي يقرب من هذا قوله عليه الصلاة والسلام من ملك ذا رحم ~~محرم عتق عليه إذ قبله بعض أصحاب الشافعي وخصصه بالأب # وهذا بعيد لأن الأب يختص بخاصية تتقاضى تلك الخاصية التنصيص عليه فيما ~~يوجب الاحترام والعدول عن لفظه الخاص إلى لفظ يعم قريب من الألغاز والألباس ~~ولا يليق بمنصب الشارع عليه السلام إلا إذا اقترن به قرينة معرفة ولا سبيل ~~إلى وضع القرائن من غير ضرورة وليس قياس الشافعي في تخصيص النفقة بالبعضية ~~بالغا في القوة مبلغا ينبغي أن يخترع تقدير القرائن بسببه فلو صح هذا اللفظ ~~لعمل الشافعي رحمه الله بموجبه فإن من كان من عادته إكرام أبيه فقال من ~~عادتي إكرام الناس كان ذلك خلفا من الكلام ولكن قال الشافعي الحديث موقوف ~~على الحسن بن عمارة # مسألة # مثال عن العام الضعيف ما ذكرناه مثال العموم القوي أما مثال العموم ~~الضعيف فقوله عليه السلام فيما سقت السماء العشر وفيما سقي ينضح أو دالية ~~نصف العشر فقد ذهب بعض القائلين بصيغ العموم إلى أن هذا لا يحتج به في ~~إيجاب العشر ونصف العشر في جميع ما سقته السماء ولا في جميع ما سقي بنضح ~~لأن المقصود منه الفرق بين العشر ونصف العشر لا بيان ما يجب فيه العشر حتى ~~يتعلق بعمومه # وهذا فيه نظر عندنا إذ لا يبعد أن يكون كل واحد مقصودا وهو إيجاب العشر ~~في جميع ما سقته السماء وإيجاب نصفه في جميع ما سقي بنضح واللفظ عام في ~~صيغته فلا يزول ظهوره بمجرد الوهم ms309 لكن يكفي في PageV02P058 ~~التخصيص أدنى دليل # لكنه لو لم يرد إلا بهذا اللفظ ولم يرد دليل مخصص لوجب التعميم في ~~الطرفين على مذهب من يرى صيغ العموم حجة # مسألة تأويل آية الأنفال قال الله تعالى {اعلموا أنما غنمتم من شيء فأن ~~لله خمسه وللرسول ولذي القربى } ]لأنفال: من الآية41[فقال أبو حنيفة: تعتبر ~~الحاجة مع القرابة ثم جوز حرمان ذوي القربى فقال أصحاب الشافعي رحمه الله ~~هذا تخصيص باطل لا يحتمله اللفظ لأنه أضاف المال إليهم بلام التمليك وعرف ~~كل جهة بصفة وعرف هذه الجهة في الاستحقاق بالقرابة وأبو حنيفة ألغى القرابة ~~المذكورة واعتبر الحاجة المتروكة وهو مناقضة للفظ لا تأويل # وهذا عندنا في مجال الاجتهاد وليس فيه إلا تخصيص عموم لفظ ذوي القربى ~~بالمحتاجين منهم كما فعله الشافعي على أحد القولين في اعتبار الحاجة مع ~~اليتم في سياق هذه الآية # فإن قيل: لفظ اليتم ينبىء عن الحاجة # قيل فلم لا يحمل عليه قوله لا تنكح اليتيمة حتى تستأمر ؟ # فإن قيل :قرينة إعطاء المال هي التي تنبه على اعتبار الحاجة مع اليتم # فله هو أن يقول واقتران ذوي القربى باليتامى والمساكين قرينة أيضا وإنما ~~دعا إلى ذكر القرابة كونهم محرومين عن الزكاة حتى يعلم أنهم ليسوا محرومين ~~عن هذا المال وهذا تخصيص لو دل عليه دليل فلا بد من قبوله فليس ينبو عنه ~~اللفظ نبوة حديث النكاح بلا ولي عن المكاتبة # مسألة: تأويل نية الصيام # قوله عليه السلام "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل" حمله أبو حنيفة ~~على القضاء والنذر # فقال:أصحابنا :قوله لا صيام نفي عام لا يسبق منه إلى الفهم إلا الصوم ~~الأصلي الشرعي وهو الفرض والتطوع ثم التطوع غير مراد فلا يبقى إلا PageV02P059 ~~الفرض الذي هو ركن الدين وهو صوم رمضان وأما القضاء والنذر فيجب بأسباب ~~عارضة ولا يتذكر بذكر الصوم مطلقا ولا يخطر بالبال بل يجري مجرى النوادر ~~كالمكاتبة في مسألة النكاح بلا ولي # وهذا فيه نظر إذ ليس ندور القضاء والنذر كندور المكاتبة وإن كان ms310 الفرض ~~أسبق منه إلى الفهم فيحتاج مثل هذا التخصيص إلى دليل قوي فليس يظهر بطلانه ~~كظهور بطلان التخصيص بالمكاتبة # وعند هذا يعلم أن إخراج النادر قريب والقصر على النادر ممتنع وبينهما ~~درجات متفاوتة في القرب والبعد لا تدخل تحت الحصر ولكل مسألة ذوق ويجب أن ~~تفرد بنص خاص ويليق ذلك بالفروع ولم نذكر هذا القدر إلا لوقوع الأنس بجنس ~~التصرف فيه والله أعلم # هذا تمام النظر في المجمل والمبين والظاهر والمؤول وهو نظر يتعلق ~~بالألفاظ كلها والقسمان الباقيان نظر أخص فإنه نظر في الأمر والنهي خاصة ~~وفي العموم والخصوص خاصة فلذلك قدمنا النظر في الأعم على النظر في الأخص PageV02P060 ### ||| AUTO القسم الثالث في الأمر والنهي # ... # القسم الثالث في الأمر والنهي # فنبدأ بالأمر فنقول أولا :في حده وحقيقته # وثانيا في صيغته # وثالثا في مقتضاه من الفور والتراخي أو الوجوب أو الندب # وفي التكرار والاتحاد وإثباته # النظر الأول في حده وحقيقته # وهو قسم من أقسام الكلام: إذ بينا أن الكلام ينقسم إلى أمر ونهي وخبر ~~واستخبار فالأمر أحد أقسامه # وحد الأمر :أنه القول المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به # والنهي :هو القول المقتضي ترك الفعل وقيل # في حد الأمر أنه طلب الفعل واقتضاؤه على غير وجه المسألة وممن هو دون ~~الآمر في الدرجة احترازا عن قوله اللهم اغفر لي وعن سؤال العبد من سيده ~~والولد من والده # ولا حاجة إلى هذا الاحتراز بل يتصور من العبد والولد أمر السيد والوالد ~~وإن لم تجب عليهما الطاعة فليس من ضرورة كل أمر أن يكون واجب الطاعة بل ~~الطاعة لا تجب إلا لله تعالى والعرب قد تقول فلان أمر أباه والعبد أمر سيده ~~ومن يعلم أن طلب الطاعة لا يحسن منه فيرون PageV02P061 ~~ذلك أمرا وإن لم يستحسنوه وكذلك قوله اغفر لي فلا يستحيل أن يقوم بذاته ~~اقتضاء الطاعة من الله تعالى أو من غيره فيكون آمرا ويكون عاصيا بأمره # فإن قيل: قولكم الأمر هو القول المقتضي طاعة المأمور أردتم به القول ~~باللسان أو كلام النفس ms311 ؟ # قلنا: الناس فيه فريقان: الفريق الأول :هم المثبتون لكلام النفس وهؤلاء ~~يريدون بالقول ما يقوم بالنفس من اقتضاء الطاعة وهو الذي يكون النطق عبارة ~~عنه ودليلا عليه وهو قائم بالنفس وهو أمر بذاته وجنسه ويتعلق بالمأمور به ~~وهو كالقدرة فإنها قدرة لذاتها وتتعلق بمتعلقها ولا يختلف في الشاهد ~~والغائب في نوعه وحده وينقسم إلى قديم ومحدث كالقدرة ويدل عليه تارة ~~بالإشارة والرمز والفعل وتارة بالألفاظ فإن سميت الإشارة المعرفة أمرا ~~فمجاز لأنه دليل على الأمر لا أنه نفس الأمر # وأما الألفاظ فمثل قوله أمرتك فاقتضى طاعته # وهو ينقسم إلى إيجاب وندب # ويدل على معنى الندب بقوله ندبتك ورغبتك فافعل فإنه خير لك وعلى معنى ~~الوجوب بقوله أوجبت عليك أو فرضت أو حتمت فافعل فإن تركت فأنت معاقب وما ~~يجري مجراه # وهذه الألفاظ الدالة على معنى الأمر تسمى أمرا وكأن الاسم مشترك بين ~~المعنى القائم بالنفس وبين اللفظ الدال فيكون حقيقة فيهما أو يكون حقيقة PageV02P062 ~~في المعنى القائم بالنفس وقوله إفعل يسمى أمرا مجازا كما تسمى الإشارة ~~المعرفة أمرا مجازا ومثل هذا الخلاف جاز في اسم الكلام أنه مشترك بين ما في ~~النفس وبين اللفظ أو هو مجاز في اللفظ # الفريق الثاني: هم المنكرون لكلام النفس وهؤلاء انقسموا إلى ثلاثة أصناف ~~وتحزبوا على ثلاث مراتب: الحزب الأول: قالوا لا معنى للأمر إلا حرف وصوت ~~وهو مثل قوله إفعل أو ما يفيد معناه وإليه ذهب البلخي من المعتزلة وزعم أن ~~قوله إفعل أمر لذاته وجنسه وأنه لا يتصور أن لا يكون أمرا # فقيل له هذه الصيغة قد تصدر للتهديد كقوله {اعملوا ما شئتم } [فصلت: من ~~الآية40] وقد تصدر للإباحة كقوله {وإذا حللتم فاصطادوا } [المائدة: من ~~الآية2] فقال ذلك جنس آخر لا من هذا الجنس وهو مناكرة للحس فلما استشعر ضعف ~~هذه المجاحدة اعترف # الحزب الثاني وفيهم جماعة من الفقهاء يقولون إن قوله أفعل ليس أمرا بمجرد ~~صيغته ولذاته بل لصيغته وتجرده عن القرائن الصارفة له عن جهة الأمر إلى ~~التهديد والإباحة وغيره ms312 وزعموا أنه لو صدر من النائم والمجنون أيضا لم يكن ~~أمرا للقرينة # وهذا بعارضه قوله من قال أنه لغير الأمر إلا إذا صرفته قرينة إلى معنى ~~الأمر لأنه إذا سلم إطلاق العرب هذه الصيغة على أوجه مختلفة فحوالة البعض ~~على الصيغة وحوالة الباقي على القرينة تحكم مجرد لا يعلم بضرورة العقل ولا ~~بنظر ولا بنقل متواتر من أهل اللغة فيجب التوقف PageV02P063 ~~فيه فعند ذلك اعترف # الحزب الثالث من محققي المعتزلة أنه ليس أمر الصيغة وذاته ولا لكونه ~~مجردا عن القرائن مع الصيغة بل يصير أمرا بثلاث إرادات إرادة المأمور به ~~وإرادة إحداث الصيغة وإرادة الدلالة بالصيغة على الأمر دون الإباحة ~~والتهديد # وقال بعضهم: تكفي إرادة واحدة وهي إرادة المأمور # وهذا فاسد من أوجه: # الأول أنه يلزم أن يكون قوله تعالى {ادخلوها بسلام آمنين} ~~]الحجر:46[وقوله {كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية} ~~]الحاقة:24[أمرا لأهل الجنة ولا يمكن تحقيق الأمر إلا بوعد ووعيد فتكون ~~الدار الآخرة دار تكليف ومحنة وهو خلاف الاجماع # وقد ركب ابن الجبائي هذا وقال إن الله مريد دخولهم الجنة وكاره امتناعهم ~~إذ يتعذر به إيصال الثواب إليهم وهذا ظلم والله سبحانه يكره الظلم # فإن قيل: قد وجدت إرادة الصيغة وإرادة المأمور به لكن لم توجد إرادة ~~الدلالة به على الأمر # قلنا :وهل للأمر معنى وراء الصيغة حتى تراه الدلالة عليه أم لا فإن كان ~~له معنى فما هو وهل له حقيقة سوى ما يقول بالنفس من اقتضاء الطاعة وإن لم ~~يكن سوى الصيغة فلا معنى لاعتبار هذه الإرادة الثالثة # الوجه الثاني : أنه يلزمهم أن يكون القائل لنفسه إفعل مع إرادة الفعل من ~~نفسه آمرا لنفسه وهو محال بالاتفاق فإن الأمر هو المقتضى وأمره لنفسه لا ~~يكون مقتضيا للفعل بل المقتضي دواعيه وأغراضه ولهذا لو قال لنفسه إفعل وسكت ~~وجد هاهنا إرادة الصيغة وإرادة المأمور به وليس بأمر فدل أن حقيقته اقتضاء ~~الطاعة وهو معنى قائم بالنفس من ضرورته أن يتعلق PageV02P064 ~~بغيره وهل يشترط أن لا يكون ذلك ms313 الغير فوقه في الرتبة ؟فيه كلام سبق # فإن قيل: وما الدليل على قيام معنى بالنفس سوى إرادة الفعل المأمور به؟ # فإن السيد لا يجد من نفسه عند قوله لعبده إسقني أو أسرج الدابة إلا إرادة ~~السقي والإسراج أعني طلبه والميل إليه لارتباط غرضه به فإن ثبت أن الأمر ~~يرجع إلى هذه الإرادة لزم إقتران الأمر والإرادة في حق الله تعالى حتى لا ~~تكون المعاصي الواقعة إلا مأمورا بها مرادة إذ الكائنات كلها مرادة أو ينكر ~~وقوعها بإرادة الله فيقال إنها على خلاف إرادته وهو شنيع إذ يؤدي إلى أن ~~يكون ما يجري في ملكه على خلاف ما أراد أكثر مما يجري على وفق إرادته وهي ~~الطاعات وذلك أيضا منكر فما المخلص من هذه الورطة ؟ # قلنا: هذه الضرورة التي دعت الأصحاب إلى تمييز الأمر عن الإرادة فقالوا ~~قد يأمر السيد عبده بما لا يريده كالمعاتب من جهة السلطان على ضرب عبده إذا ~~مهد عنده عذره لمخالفة أوامره فقال له بين يدي الملك أسرج الدابة وهو يريد ~~أن لا يسرج إذ في إسراجه خطر وإهلاك للسيد فيعلم أنه لا يريده وهو آمرا إذ ~~لولاه لما كان العبد مخالفا ولما تمهد عذره عند السلطان وكيف لا يكون آمرا ~~وقد منهم العبد والسلطان والحاضرون منه الأمر فدل أنه قد يأمر بما لا يريده # هذا منتهى كلامهم وتحته غور لو كشفناه لم تحتمل الأصول التفصي عن عهدة ما ~~يلزم منه ولتزلزلت به قواعد لا يمكن تداركها إلا بتفهيمها على وجه يخالف ما ~~سبق إلى أوهام أكثر المتكلمين والقول فيه يطول ويخرج عن خصوص مقصود الأصول PageV02P065 ~~النظر الثاني في الصيغة # وقد حكى بعض الأصوليين خلافا في أن الأمر هل له صيغة وهذه الترجمة خطأ ~~فإن قول الشارع أمرتكم بكذا وأنتم مأمورون بكذا أو قول الصحابي أمرت بكذا ~~كل ذلك صيغ دالة على الأمر وإذا قال أوجبت عليكم أو فرضت عليكم أو أمرتكم ~~بكذا وأنتم معاقبون على تركه فكل ذلك يدل على الوجوب ولو قال أنتم مثابون ms314 ~~على فعل كذا ولستم معاقبين على تركه فهو صيغة دالة على الندب # فليس في هذا خلاف وإنما الخلاف في أن قوله إفعل هل يدل على الأمر بمجرد ~~صيغته إذا تجرد عن القرائن فإنه قد يطلق على أوجه منها بالوجوب كقوله { أقم ~~الصلاة} والندب كقوله {فكاتبوهم } [النور: من الآية33] والإرشاد كقوله ~~{واستشهدوا} [البقرة: من الآية282] والإباحة كقوله {فاصطادوا } [المائدة: ~~من الآية2] والتأديب كقوله صلى الله عليه وسلم لابن عباس "كل مما يليك " ~~والامتنان كقوله :{ كلوا مما رزقكم الله} [الأنعام: من الآية142[ وإلا كرام ~~كقوله{ادخلوها بسلام آمنين}[الحجر:46] الحجر والتهديد كقوله{اعملوا ما شئتم ~~}[فصلت: من الآية40] والتسخير كقوله {كونوا قردة خاسئين} [البقرة: من ~~الآية65] ، والتعجيز ، كقوله :{ كونوا حجارة أو PageV02P066 ~~حديدا} [الاسراء: من الآية50 [والإهانة كقوله {ذق إنك أنت العزيز الكريم} ~~[الدخان:49[ الدخان والتسوية كقوله {فاصبروا أو لا تصبروا } [الطور: من ~~الآية16[ الطور والإنذار كقوله {كلوا وتمتعوا } [المرسلات: من ~~الآية46[والدعاء كقوله "اللهم اغفر لي" والتمني كقول الشاعر # ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي # ولكمال القدرة كقوله {كن فيكون} [يس: من الآية82[ وأما صيغة النهي وهو ~~قوله لا تفعل فقد تكون للتحريم وللكراهية والتحقير كقوله {لا تمدن عينيك } ~~[الحجر: من الآية88[ الحجر ولبيان العاقبة كقوله {ولا تحسبن الله غافلا عما ~~يعمل الظالمون} [ابراهيم: من الآية42[ إبراهيم وللدعاء كقوله ولا تكلنا إلى ~~أنفسنا طرفة عين ولليأس كقوله {لا تعتذروا اليوم} [ التحريم: من الآية7[ ~~التحريم وللإرشاد كقوله {لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم } [المائدة: ~~من الآية101 [{لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم } [المائدة: من ~~الآية101[ فهذه خمسة عشر وجها في إطلاق صيغة الأمر وسبعة أوجه في إطلاق ~~صيغة النهي فلا بد من البحث عن الوضع الأصلي في جملة ذلك ما هو؟ والمتجوز ~~به ما هو ؟ # وهذه الأوجه عدها الأصوليون شغفا منهم بالتكثير وبعضها كالمتداخل. # فإن قوله : "كل مما يليك" جعل للتأديب وهو داخل في الندب والآداب مندوب ~~إليها {تمتعوا } وقوله للآخرة المرسلات للإنذار قريب من قوله { اعملوا ما ~~شئتم } الذي هو للتهديد .ولا ms315 نطول بتفصيل ذلك وتحصيله فالوجوب والندب PageV02P067 ~~والإرشاد والإباحة: أربعة وجوه محصلة ولا فرق بين الإرشاد والندب إلا أن ~~الندب لثواب الآخرة والإرشاد للتنبيه على المصلحة الدنيوية فلا ينقص ثواب ~~بترك الإشهاد في المداينات ولا يزيد بفعله. # وقال قوم: هو مشترك بين هذه الوجوه الخمسة عشر كلفظ العين والقرء . # وقال قوم: يدل على أقل الدرجات وهو الإباحة وقال قوم هو للندب ويحمل على ~~الوجوب بزيادة قرينة # وقال قوم: هو للوجوب فلا يحمل على ما عداه إلا بقرينة # وسبيل كشف الغطاء أن نرتب النظر على مقامين الأول في بيان أن هذه الصيغة ~~هل تدل على اقتضاء وطلب أم لا؟ والثاني: في بيان أنه إن اشتمل في اقتضاء ~~والإقتضاء موجود في الندب والوجوب على اختيارنا في أن الندب داخل تحت الأمر ~~فهل يتعين لأحدهما أو هو مشترك ؟ # المقام الأول: في دلالته على اقتضاء الطاعة : # فنقول: قد أبعد من قال أن قوله إفعل مشترك بين الإباحة والتهديد الذي هو ~~المنع وبين الاقتضاء فإنا ندرك التفرقة في وضع اللغات كلها بين قولهم إفعل ~~ولا تفعل وإن شئت فافعل وإن شئت فلا تفعل حتى إذا قدرنا انتفاء القرائن ~~كلها وقدرنا هذا منقولا على سبيل الحكاية عن ميت أو غائب لا في فعل معين من ~~قيام وقعود وصيام وصلاة بل في الفعل مجملا سبق إلى فهمنا اختلاف معاني هذه ~~الصيغ وعلمنا قطعا أنها ليست أسامي مترادفة على معنى واحد كما أنا ندرك ~~التفرقة بين قولهم في الأخبار قام زيد ويقوم زيد وزيد قائم في أن الأول ~~للماضي والثاني PageV02P068 ~~للمستقبل الثالث للحال هذا هو الوضع وإن كان قد يعبر بالماضي عن المستقبل ~~والثالث للحال هذا هو الوضع وإن كان قد يعبر بالماضي عن المستقبل ~~وبالمستقبل عن الماضي لقرائن تدل عليه. # وكما ميزوا الماضي عن المستقبل ميزوا الأمر عن النهي وقالوا في باب الأمر ~~إفعل وفي باب النهي لا تفعل وإنهما لا ينبئان عن معنى قوله إن شئت فافعل ~~وإن شئت فلا تفعل فهذا أمر نعلمه بالضرورة من العربية ms316 والتركية والعجمية ~~وسائر اللغات لا يشككنا فيه لطلاق مع قرينة التهديد ومع قرينة الإباحة في ~~نوادر الأحوال # فإن قيل: بم تنكرون على من يحمله على الإباحة لأنها أقل الدرجات فهو ~~مستيقن ؟ # قلنا: هذا باطل من وجهين: # أحدهما :أنه محتمل للتهديد والمنع فالطريق الذي يعرف أنه لم يوضع للتهديد ~~يعرف أنه لم يوضع للتخيير. # الثاني :أن هذا من قبيل الاستصحاب لا من قبيل البحث عن الوضع فإنا نقول ~~هل تعلم أن مقتضى قوله إفعل للتخيير بين الفعل والترك ؟فإن قال :نعم فقد ~~باهت واخترع وإن قال :لا فنقول فأنت شاك في معناه فيلزمك التوقف # فيحصل من هذا أن قوله إفعل يدل على ترجيح جانب الفعل على جانب الترك بأنه ~~ينبغي أن يوجد وقوله لا تفعل يدل على ترجيح جانب الترك على جانب الفعل وأنه ~~ينبغي أن لا يوجد وقوله أبحت لك فإن شئت فافعل وإن شئت فلا تفعل يرفع ~~الترجيح # المقام الثاني : في ترجيح بعض ما ينبغي أن يوجد فإن الواجب والمندوب كل ~~واحد منهما ينبغي أن يوجد ويرجح فعله على تركه وكذا ما أرشد إليه إلا أن ~~الإرشاد يدل على أنه ينبغي أن يوجد ويرجح فعله على تركه لمصلحة العبد في ~~الدنيا والندب لمصلحته في الآخرة والوجوب لنجاته في الآخرة هذا إذا فرض من الشارع PageV02P069 ~~وفي حق السيد إذا قال لعبده: إفعل أيضا يتصور ذلك مع زيادة أمر وهو أن يكون ~~لغرض السيد فقط كقوله إسقني عند العطش وهو غير متصور في حق الله تعالى { ~~فإن الله غني عن العالمين} ]آل عمران: من الآية97 [{ومن جاهد فإنما يجاهد ~~لنفسه } ]العنكبوت: من الآية6[ # وقد ذهب ذاهبون إلى أن وضعه للوجوب وقال قوم :هو للندب وقال قوم :يتوقف ~~فيه ثم منهم من قال :هو مشترك كلفظ العين ومنهم من قال لا ندري أيضا أنه ~~مشترك أو وضع لأحدهما واستعمل في الثاني مجازا # والمختار أنه متوقف فيه # والدليل القاطع فيه أن كونه موضوعا لواحد من الأقسام لا يخلو :إما أن ~~يعرف عن عقل ms317 أو نقل # ونظر العقل إما ضروري أو نظري ولا مجال للعقل في اللغات # والنقل إما متواتر أو آحاد ولا حجة في الآحاد # والتواتر في النقل لا يعدو أربعة أقسام :فإنه إما أن ينقل عن أهل اللغة ~~عند وضعهم أنهم صرحوا بأنا وضعناه لكذا أو أقروا به بعد الوضع وإما أن ينقل ~~عن الشارع الأخبار عن أهل اللغة بذلك أو تصديق من ادعى ذلك وإما أن ينقل عن ~~أهل الإجماع وإما أن يذكر بين يدي جماعة يمتنع عليهم السكوت على الباطل # فهذه الوجوه الأربعة هي وجوه تصحيح النقل ودعوى شيء من ذلك في PageV02P070 ~~قوله: إفعل أو في قوله أمرتك بكذا أو قول الصحابي أمرنا بكذا لا يمكن فوجب ~~التوقف فيه. # وكذلك قصر دلالة الأمر على الفور أو التراخي وعلى التكرار أو الاتحاد ~~يعرف بمثل هذه الطريق # وكذلك التوقف في صيغة العموم عمن توقف فيها هذا مستنده # وعليه ثلاثة أسئلة بها يتم الدليل ونذكر شبه المخالفين # السؤال الأول : قولهم إن هذا ينقلب عليكم في إخراج الإباحة والتهديد من ~~مقتضى اللفظ مع أنه لا يدل عليه عقل ولا نقل فإنه لم ينقل عن العرب صريحا ~~بأنا ما وضعنا هذه الصيغة للإباحة والتهديد لكن استعملناها فيهما على سبيل ~~التجوز؟ # قلنا: ما يعرف باستقراء اللغة وتصفح وجوه الاستعمال أقوى مما يعرف بالنقل ~~الصريح ونحن كما عرفنا أن الأسد وضع لسبع والحمار وضع لبهيمة وإن كان كل ~~واحد منهما يستعمل في الشجاع والبليد فيتميز عندنا بتواتر الاستعمال ~~الحقيقة من المجاز فكذلك يتميز صيغة الأمر والنهي والتخيير تميز صيغة ~~الماضي والمستقبل والحال ولسنا نشك فيه أصلا وليس كذلك تميز الوجوب عن الندب # السؤال الثاني :قولهم إن هذا ينقلب عليكم في الوقف فإن الوقف في هذه ~~الصيغة غير منقول عن العرب فلم توقفتم بالتحكم ؟ PageV02P071 # قلنا :لسنا نقول: التوقف مذهب لكنهم أطلقوا هذه الصيغة للندب مرة وللوجوب ~~أخرى ولم يوقفونا على أنه موضوع لأحدهما دون الثاني فسبيلنا أن لا ننسب ~~إليهم ما لم يصرحوا به وأن نتوقف عن التقول ms318 والاختراع عليهم وهذا كقولنا ~~بالاتفاق أنا رأيناهم يستعملون لفظ الفرقة والجماعة والنفر تارة في الثلاثة ~~وتارة في الأربعة وتارة في الخمسة فهي لفظة مرددة ولا سبيل إلى تخصيصها ~~بعدد على سبيل الحكم وجعلها مجازا في الباقي # السؤال الثالث :قولهم إن هذا ينقلب عليكم في قولكم إن هذه الصيغة مشتركة ~~اشتراك لفظ الجارية بين المرأة والسفينة والقرء بين الطهر والحيض فإنه لم ~~ينقل أنه مشترك # قلنا لسنا نقول أنه مشترك لكنا نقول نتوقف في هذه أيضا فلا ندري أنه وضع ~~لأحدهما وتجوز به عن الآخر أو وضع لهما معا ويحتمل أن نقول أنه مشترك بمعنى ~~أنا إذا رأيناهم أطلقوا اللفظ لمعنيين ولم يوقفونا على أنهم وضعوه لأحدهما ~~وتجوزوا به في الآخر فنحمل إطلاقهم فيهما على لفظ الوضع لهما وكيفما قلنا ~~فالأمر فيه قريب # شبه المخالفين الصائرين إلى أنه للندب : # وقد ذهب إليه كثير من المتكلمين وهم المعتزلة وجماعة من الفقهاء ومنهم من ~~نقله عن الشافعي وقد صرح الشافعي في كتاب أحكام القرآن بتردد الأمر بين ~~الندب والوجوب وقال النهي على التحريم فقال إنما أوجبنا تزويج الأيم لقوله ~~تعالى {فلا تعضلوهن} [ البقرة: من الآية232]وقال :لم يتبين لي وجوب إنكاح ~~العبد لأنه لم يرد فيه النهي عن العضل بل لم يرد إلا قوله تعالى {وأنكحوا ~~الأيامى } [النور: من الآية32]الآية فهذا أمر وهو محتمل للوجوب والندب # الشبهة الأولى :لمن ذهب إلى أنه للندب: أنه لا بد من تنزيل قوله إفعل PageV02P072 ~~وقوله أمرتكم على أقل ما يشترك فيه الوجوب والندب وهو طلب الفعل واقتضاؤه ~~وأن فعله خير من تركه وهذا معلوم وأما لزوم العقاب بتركه فغير معلوم فيتوقف فيه # وهذا فاسد من ثلاثة أوجه : # الأول : أن هذا استدلال والاستدلال لا مدخل له في اللغات وليس هذا نقلا ~~عن أهل اللغة قوله إفعل للندب . # الثاني : أنه لو وجب تنزيل الألفاظ على الأقل المستيقن لوجب تنزيل هذا ~~على الإباحة والإذن إذ قد يقال أذنت لك في كذا فافعله فهو الأقل المشترك ~~أما حصول الثواب بفعله فليس بمعلوم ms319 كلزوم العقاب بتركه لا سيما على مذهب ~~المعتزلة فالمباح عندهم حسن ويجوز أن يفعله الفاعل لحسنه ويأمر به وكذلك ~~يلزم تنزيل صيغة الجمع على أقل الجمع ولم يذهبوا إليه # الثالث: وهو التحقيق :أن ما ذكروه إنما يستقيم أن لو كان الواجب ندبا ~~وزيادة فتسقط الزيادة المشكوك فيها ويبقى الأصل . # وليس كذلك بل يدخل في حد الندب جواز تركه فهل تعلمون أن المقول فيه إفعل ~~يجوز تركه أم لا ؟فإن لم تعلموه فقد شككتم في كونه ندبا وإن علمتموه فمن ~~أين ذلك واللفظ لا يدل على لزوم المأثم بتركه فلا يدل على سقوط المأثم ~~بتركه أيضا # فإن قيل: لا معنى لجواز تركه إلا أنه لا حرج عليه في فعله وذلك كان ~~معلوما قبل ورود السمع فلا يحتاج فيه إلى تعريف السمع بخلاف لزوم المأثم PageV02P073 ~~قلنا: لا يبقى لحكم العقل بالنفي بعد ورود صيغة الأمر حكم فإنه معين للوجوب ~~عند قوم فلا أقل من احتمال حصل الشك في كونه ندبا فلا وجه إلا التوقف نعم ~~يجوز الاستدلال به على بطلان قول من يقول أنه منهي عنه محرم لأنه ضد الوجوب ~~والندب جميعا # الشبهة الثانية التمسك بقوله عليه السلام "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما ~~استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا" ففوض الأمر إلى استطاعتنا ومشيئتنا ~~وجزم في النهي طلب الانتهاء # قلنا هذا اعتراف بأنه من جهة اللغة والوضع ليس للندب واستدلال بالشرع ولا ~~يثبت مثل ذلك بخبر الواحد لو صحت دلالته كيف ولا دلالة له إذ لم يقل ~~فافعلوا ما شئتم بل قال: ما استطعتم كما قال : { فاتقوا الله ما استطعتم} ~~[التغابن:16] وكل إيجاب مشروط بالاستطاعة وأما قوله فانتهوا كيف دل على ~~وجوب الانتهاء وقوله فانتهوا صيغة أمر وهو محتمل للندب ؟ # شبه الصائرين إلى أنه للوجوب: # وجميع ما ذكرناه في إبطال مذهب الندب جار هاهنا وزيادة وهو أن الندب داخل ~~تحت الأمر حقيقة كما قدمناه ولو حمل على الوجوب لكان مجازا في الندب وكيف ~~يكون مجازا فيه مع وجود حقيقته إذ حقيقة ms320 الأمر ما يكون ممتثله مطيعا ~~والممتثل مطيع بفعل الندب ولذلك إذا قيل أمرنا بكذا حسن أن يستفهم فيقال ~~أمر إيجاب أو أمر استحباب وندب؟ ولو قال رأيت أسدا لم يحسن أن يقال أردت ~~سبعا أو شجاعا ؟لأنه موضوع للسبع ويصرف إلى الشجاع بقرينة PageV02P074 ~~وشبههم سبع : # الأولى :قولهم إن المأمور في اللغة والشرع جميعا يفهم وجوب المأمور به ~~حتى لا يسبعد الذم والعقاب عند المخالفة ولا الوصف بالعصيان وهم اسم ذم ~~ولذلك فهمت الأمة وجوب الصلاة والعبادات ووجوب السجود لآدم بقوله { إسجدوا} ~~وبه يفهم العبد والولد وجوب أمر السيد والوالد # قلنا: هذا كله نفس الدعوى وحكاية المذهب وليس شيء من ذلك مسلما وكل ذلك ~~علم بالقرائن فقد تكون للآمر عادة مع المأمور وعهد وتقترن به أحوال وأسباب ~~بها يفهم الشاهد الوجوب واسم العصيان لا يسلم إطلاقه على وجه الذم إلا بعد ~~قرينة الوجوب لكن قد يطلق لا على وجه الذم كما يقال أشرت عليك فعصيتني ~~وخالفتني # الشبهة الثانية : أن الإيجاب من المهمات في المحاورات فإن لم يكن قولهم ~~إفعل عبارة عنه فلا يبقى له اسم ومحال إهمال العرب ذلك # قلنا: هذا يقابله أن الندب أمر مهم فليكن إفعل عبارة عنه فإن زعموا أن ~~دلالته قولهم ندبت وأرشدت ورغبت فدلالة الوجوب قولهم أوجبت وحتمت وفرضت ~~وألزمت فإن زعموا أنه صيغة إخبار أو صيغة إرشاد فأين صيغة الإنشاء عورضوا ~~بمثله في الندب # ثم يبطل عليهم بالبيع والإجارة والنكاح إذ ليس لها إلا صيغة الأخبار ~~كقولهم بعت وزوجت وقد جعله الشرع إنشاء إذ ليس لإنشائه لفظ # الشبهة الثالثة :أن قوله إفعل إما أن يفيد المنع أو التخيير أو الدعاء ~~فإذا بطل التخيير والمنع تعين الدعاء والإيجاب قلنا: بل يبقى قسم رابع وهو ~~أن لا يفيد واحدا من الأقسام إلا بقرينة PageV02P075 ~~كالألفاظ المشتركة # فإن قيل :أليس قوله لا تفعل أفاد التحريم ؟فقوله :إفعل ينبغي أن يفيد ~~الإيجاب # قلنا :هذا قد نقل عن الشافعي والمختار أن قوله لا تفعل متردد بين التنزيه ~~والتحريم كقوله إفعل ولو ms321 صح ذلك في النهي لما جاز قياس الأمر عليه فإن ~~اللغة تثبت نقلا لا قياسا # فهذه شبههم اللغوية والعقلية # أما الشبهة الشرعية فهي أقرب فإنه لو دل دليل الشرع على أن الأمر للوجوب ~~لحملناه على الوجوب لكن لا دليل عليه # وإنما الشبهة الأولى قولهم: نسلم أن اللغة والعقل لا يدل على تخصيص الأمر ~~بالوجوب لكن يدل عليه من جهة الكتاب قوله تعال {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم ~~تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} ]النساء: من الآية59[ثم ~~قال {فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم } ]النور: من ~~الآية54[وهذا لا حجة فيه لأن الخلاف في قوله{ وأطيعوا }]النساء: من ~~الآية59[قائم أنه للندب أو الوجوب وقوله {فإنما عليه ما حمل وعليكم ما ~~حملتم } ]النور: من الآية54[أي كل واحد عليه ما حمل من التبليغ والقبول ~~وهذا إن كان معناه التهديد والنسبة إلى الأعراض عن الرسول عليه السلام فهو ~~دليل على أنه أراد به الطاعة في أصل الإيمان وهو على الوجوب بالاتفاق وغاية ~~هذا اللفظ عموم فنخصه بالأوامر التي هي على الوجوب # وكل ما يتمسك به من الآيات من هذا الجنس فهي صيغ أمر يقع النزاع في أنه ~~للندب أم لا فإن اقترن بذكر وعيد فيكون قرينة دالة على وجوب ذلك الأمر خاصة ~~فإن كان أمرا عاما يحمل على الأمر بأصل الدين وما عرف بالدليل أنه على الوجوب # وبه يعرف الجواب عن قوله تعالى {وما آتاكم الرسول فخذوه } ]الحشر: من ~~الآية7[ وقوله تعالى{ وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون} ]المرسلات:48[وقوله ~~تعالى {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} PageV02P076 ~~]النساء: من الآية65 [فكل ذلك أمر بتصديقه ونهى عن الشك في قوله وأمر ~~بالانقياد في الإتيان بما أوجبه # الشبهة الثانية: تمسكهم بقوله:{ فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم ~~فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} ]النور: من الآية63[ # قلنا: تدعون أنه نص في كل أمر أو عام ؟ولا سبيل إلى ms322 دعوى النص وإن ادعيتم ~~العموم فقد لا نقول بالعموم ونتوقف في صيغته كما نتوقف في صيغة الأمر أو ~~نخصصه بالأمر بالدخول في دينه بدليل أن ندبه أيضا أمره ومن خالف عن أمره في ~~قوله تعالى {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا } ]النور: من الآية33[ وقوله ~~{واستشهدوا شهيدين } ]البقرة: من الآية282[وأمثاله لا يتعرض للعقاب # ثم نقول: هذا نهي عن المخالفة وأمر بالموافقة أي يؤتى به على وجهه إن كان ~~واجبا فواجبا وإن كان ندبا فندبا والكلام في صيغة الإيجاب لا في الموافقة ~~والمخالفة ثم لا تدل الآية إلا على وجوب أمر الرسول عليه السلام فأين ~~الدليل على وجوب أمر الله تعالى ؟ # الشبهة الثالثة : تمسكهم من جهة السنة بأخبار آحاد لو كانت صريحة صحيحة ~~لم يثبت بها مثل هذا الأصل وليس شيء منها صريحا # فمنها: قوله عليه السلام لبريرة وقد عتقت تحت عبد وكرهته لو راجعتيه ~~فقالت :بأمرك يا رسول الله ؟فقال: لا إنما أنا شافع فقالت :لا حاجة لي فيه ~~فقد علمت أنه لو كان أمرا لوجب وكذلك عقلت الأمة # قلنا :هذا وضع على بريرة وتوهم فليس في قولها إلا استفهام أنه أمر شرعي ~~من جهة الله تعالى حتى تطيع طلبا للثواب أو شفاعة لسبب الزوج حتى تؤثر غرض ~~نفسها عليه PageV02P077 ~~فإن قيل: شفاعة الرسول عليه السلام أيضا مندوب إلى إجابتها وفيها ثواب # قلنا :وكيف قالت لا حاجة لي فيه ؟والمسلم يحتاج إلى الثواب فلا يقول ذلك ~~لكنها اعتقدت أن الثواب في طاعته في الأمر الصادر عن الله تعالى وفيما هو ~~لله لا فيما يتعلق بالاغراض الدنيوية أو علمت أن ذلك في الدرجة دون ما ندبت ~~إليه فاستفهمت أو أفهمت بالقرينة أنها شكت في الوجوب فعبرت بالأمر عن ~~الوجوب فأفهمت . # ومنها :قوله عليه السلام "لولا أني أخاف أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك ~~عند كل صلاة" فدل على أنه للوجوب وإلا فهو مندوب # قلنا: لما كان حثهم على السواك ندبا قبل ذلك أفهم أنه أراد بالأمر ما هو ~~شاق أو كان قد ms323 أوحي إليه أنك لو أمرتهم بقولك استاكوا لأوجبنا ذلك عليهم ~~فعلمنا أن ذلك يجب بإيجاب الله تعالى عند إطلاقه صيغة الأمر . # ومنها قوله عليه السلام لأبي سعيد الخدري لما دعاه وهو في الصلاة فلم ~~يجبه أما سمعت الله تعالى يقول {استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما ~~يحييكم} ]لأنفال: من الآية24[فكان هذا التوبيخ على مخالفة أمره # قلنا: لم يصدر منه أمر بل مجرد نداء وكان قد عرفهم بالقرائن تفهيما ~~ضروريا وجوب التعظيم له وأن ترك جواب النداء تهاون وتحقير بأمره بدليل PageV02P078 ~~أنه كان في الصلاة وإتمام الصلاة واجب ومجرد النداء لا يدل على ترك واجب بل ~~يجب تركه بما هو أوجب منه كما يجب ترك الصلاة لانقاذ الغرقى ومجرد النداء ~~لا يدل عليه # ومنها: قول الأقرع بن حابس أحجنا هذا لعامنا هذا أم للأبد فقال عليه ~~السلام للأبد ولو قلت نعم لوجب فدل على أن جميع أوامره للإيجاب # قلنا: قد كان عرف وجوب الحج بقوله تعالى {ولله على الناس حج البيت } ]آل ~~عمران: من الآية97[وبأمور أخر صريحة لكن شك في أن الأمر للتكرار أو للمرة ~~الواحدة فإنه متردد بينهما ولو عين الرسول عليه السلام أحدهما لتعين وصار ~~متعينا في حقنا ببيانه فمعنى قوله لو قلت نعم لوجب أي لو عينت لتعين # الشبهة الرابعة:من جهة الاجماع :زعموا أن الأمة لم تزل في جميع الأعصار ~~ترجع في إيجاب العبادات وتحريم المحظورات إلى الأوامر والنواهي كقوله ~~{وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} ]البقرة: من الآية110 [{ وقاتلوا المشركين ~~كافة} ]التوبة: من الآية36 [{ولا تقربوا الزنى} ]الاسراء: من الآية32[وقوله ~~{لا تأكلوا الربا } ]آل عمران: من الآية130 [{ولا تأكلوا أموالهم إلى ~~أموالكم } ]النساء: من الآية2 [{ولا تقتلوا أنفسكم } ]النساء: من الآية29 ~~[{ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم } ]النساء: من الآية22[وأمثاله # والجواب أن هذا وضع وتقول على الأمة ونسبه لهم إلى الخطأ ويجب تنزيههم ~~عنه نعم يجوز أن يصدر ذلك من طائفة ظنوا أن ظاهر الأمر للوجوب وإنما فهم ~~المحصلون وهم الأقلون ذلك من القرائن والأدلة بدليل أنهم قطعوا بوجوب ~~الصلاة ms324 وتحريم الزنا والأمر محتمل للندب وإن لم يكن موضوعا له والنهي يحتمل ~~التنزيه وكيف قطعوا مع الاحتمال لولا أدلة قاطعة ؟وما قولهم إلا كقول من ~~يقول: الأمر للندب بالاجماع لأنهم حكموا بالندب في الكتابة والاستشهاد ~~وأمثاله لصيغة الأمر والأوامر التي PageV02P079 ~~حملتها الأمة على الندب أكثر فإن النوافل والسنن والآداب أكثر من الفرائض ~~إذا ما من فريضة إلا ويتعلق بها وبإتمامها وبآدابها سنن كثيرة أو نقول هي ~~للإباحة بدليل حكمهم بالإباحة في قوله { فاصطادوا } ]المائدة: من ~~الآية2[وقوله :{فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض } ]الجمعة: من ~~الآية10[وإن كان ذلك للقرائن فكذلك الوجوب # فإن قيل :وما تلك القرائن؟ # قلنا: أما في الصلاة فمثل قوله تعالى {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا ~~موقوتا} ]النساء: من الآية103[وما ورد من التهديدات في ترك الصلاة وما ورد ~~من تكليف الصلاة في حال شدة الخوف والمرض إلى غير ذلك # وأما الزكاة فقد اقترن بقوله تعالى {وآتوا الزكاة} ]البقرة: من ~~الآية43[وقوله تعالى {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل ~~الله} ]التوبة: من الآية34[إلى قوله{ فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم } ~~]التوبة: من الآية35[ # وأما الصوم فقوله {كتب عليكم الصيام} ]البقرة: من الآية183[وقوله {أياما ~~معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين ~~يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن ~~كنتم تعلمون} ]البقرة:184[وإيجاب تداركه على الحائض # وكذلك الزنا والقتل ورد فيهما تهديدات ودلالات تواردت على طول مدة النبوة ~~لا تحصى فلذلك قطعوا به لا بمجرد الأمر الذي منتهاه أن يكون ظاهرا فيتطرق ~~إليه الاحتمال # مسألة: هل بعد انتهاء الخطر فيه إباحة # فإن قال قائل: قوله :افعل بعد الحظر :ما موجبه ؟وهل لتقدم الحظر تأثير؟ # قلنا: قال قوم :لا تأثير لتقدم الحظر أصلا . # وقال قوم: هي قرينة تصرفها إلى الإباحة . # والمختار: أنه ينتظر فإن كان الحظر السابق عارضا لعلة وعلقت صيغة افعل ~~بزواله كقوله تعالى {وإذا حللتم فاصطادوا} ]المائدة: من الآية2[فعرف ~~الاستعمال يدل على أنه لرفع الذم فقط ms325 حتى يرجع حكمه إلى ما قبله وإن PageV02P080 ~~احتمل أن يكون رفع هذا الحظر بندب وإباحة لكن الأغلب ما ذكرناه كقوله ~~{فانتشروا} ]الجمعة: من الآية10[وكقوله عليه السلام: "كنت نهيتكم عن لحوم ~~الأضاحي فادخروا " # أما إذا لم يكن الحظر عارضا لعلة ولا صيغة افعل علق بزوالها فيبقى موجب ~~الصيغة على أصل التردد بين الندب والإباحة ونزيح هاهنا احتمال الإباحة ~~ويكون هذا قرينة تزيح هذا الاحتمال وإن لم تعينه إذ لا يمكن دعوى عرف ~~الاستعمال في هذه الصيغة حتى يغلب العرف الوضع # أما إذا لم ترد صيغة افعل لكن قال :فإذا حللتم المائدة فأنتم مأمورون ~~بالاصطياد فهذا يحتمل الوجوب والندب ولا يحتمل الإباحة لأنه عرف في هذه الصورة # وقوله: "أمرتكم بكذا" يضاهي قوله افعل في جميع المواضع إلا في هذه الصورة ~~وما يقرب منها PageV02P081 ~~النظر الثالث في موجب الأمر ومقتضاه في موجب الأمر ومقتضاه بالإضافة إلى ~~الفور والتراخي والتكرار وغيره # ولا يتعلق هذا النظر بصيغة مخصوصة بل يجري في قوله افعل كان للندب أو ~~للوجوب وفي قوله أمرتكم وأنتم مأمورون وفي كل دليل يدل على الأمر بالشيء ~~إشارة كانت أو لفظا أو قرينة أخرى # لكنا نتكلم في مقتضى قوله افعل ليقاس عليه غيره # ونرسم فيه مسائل : # مسألة : أحكام الأمر : # قوله صم كما أنه في نفسه يتردد بين الوجوب والندب فهو بالإضافة إلى ~~الزمان يتردد بين الفور والتراخي وبالإضافة إلى المقدار يتردد بين المرة ~~الواحدة واستغراق العمر # وقد قال قوم: هو للمرة ويحتمل التكرار . # وقال قوم :هو للتكرار. # والمختار أن المرة الواحدة معلومة وحصول براءة الذمة بمجردها مختلف فيه ~~واللفظ بوضعه ليس فيه دلالة على نفي الزيادة ولا على إثباتها # وقياس مذهب الواقفية التوقف فيه لتردد اللفظ كتردده بين الوجوب والندب ~~لكني أقول ليس هذا ترددا في نفس اللفظ على نحو تردد المشترك بل اللفظ خال ~~عن التعرض لكمية المأمور به لكن يحتمل الإتمام ببيان الكمية كما أنه يحتمل ~~أن نتممه بسبع مرات أو خمس وليس في نفس اللفظ تعرض للعدد ولا هو موضوع ms326 ~~لآحاد الأعداد وضع اللفظ المشترك وكما أن قوله أقتل إذا لم يقل أقتل زيدا ~~أو عمرا بل ليس فيه تعرض PageV02P082 ~~له فإن تعرض لزيد أو عمرو فهو زيادة فهو دون زيادة كلام ناقص فإتمامه بلفظ ~~دال على تلك الزيادة لا بمعنى البيان # فإن قيل :بين مسألتنا وبين القتل فرق فإن قوله اقتل كلام ناقص لا يمكن ~~امتثاله وقوله صم كلام تام مفهوم يمكن امتثاله # قلنا: يحتمل أن يقال يصير ممتثلا بقتل أي شخص كان بمجرد قوله أقتل كما ~~يصير ممتثلا بصوم أي يوم كان إذا قال صم يوما بلا فرق ويكون قوله أقتل ~~كقوله أقتل شخصا لأن الشخص القتيل من ضرورة القتل وإن لم يذكر كما أن اليوم ~~من ضرورة الصوم وإن لم يصرح به # فيتحصل من هذا أنه تبرأ ذمته بالمرة الواحدة لأن وجوبها معلوم والزيادة ~~لا دليل على وجوبها إذ لم يتعرض اللفظ لها فصار كما قبل قوله صم وكنا لا ~~نشك في نفي الوجوب بل نقطع بانتفائه وقوله صم دال على القطع في يوم واحد ~~فبقي الزائد على ما كان هذا هو الظاهر من مطلق اللفظ المجرد عن الكمية # ويعتضد هذا باليمين فإنه لو قال :والله لأصومن لبر بيوم واحد ولو قال لله ~~علي صوم لتفصى عن عهدة النذر بيوم واحد لأن الزائد لم يتعرض له # فإن قيل: فلو فسر التكرار بصوم العمر فقد فسره بمحتمل أو كان ذلك الحاق ~~زيادة كما لو قال أردت بقولي اقتل أي أقتل زيدا وبقولي صم أي صم يوم السبت ~~خاصة فإن هذا تفسير بما لا يحتمله اللفظ بل ليس تفسيرا إنما ذكر زيادة لم ~~يذكرها ولم يوضع اللفظ المذكور لها لا بالإشتراك ولا بالتجوز ولا بالتنصيص # قلنا :هذا فيه نظر والأظهر عندنا أنه إن فسره بعدد مخصوص كتسعة أو عشرة ~~فهو إتمام بزيادة وليس بتفسير إذ اللفظ لا يصلح للدلالة على تكرر PageV02P083 ~~وعدد وإن أراد إستغراق العمر فقد أراد كلية الصوم في حقه وكأن كلية الصوم ~~شيء فرد أذله حد ms327 واحد وحقيقة واحدة فهو واحد بالنوع كما أن اليوم الواحد ~~واحد بالعدد واللفظ يحتمله ويكون ذلك بيانا للمراد لا استئناف زيادة ولهذا ~~لو قال أنت طالق ولم يخطر بباله عدد كانت الطلقة الواحدة ضرورة لفظه فيقتصر ~~عليها ولو نوى الثلاثة بعد لأنه كلية الطلاق فهو كالواحد بالجنس أو النوع ~~ولو نوى طلقتين فالأغوص ما قاله أبو حنيفة وهو أنه لا يحتمله ووجه مذهب ~~الشافعي قد تكلفناه في كتاب المبادىء والغايات # فإن قيل: الزيادة التي هي كالمتممة لا تبعد إرادتها في اللفظ فلو قال ~~طلقت زوجتي وله أربع نسوة وقال أردت زينب بنيتي وقع الطلاق من وقت اللفظ ~~ولولا احتماله لوقع من وقت التعيين # قلنا: الفرق أغوص لأن قوله زوجتي مشترك بين الأربع يصلح لكل واحدة فهو ~~كإدارة إحدى المسميات بالمشترك أما الطلاق فموضوع لمعنى لا يتعرض للعدد ~~والصوم موضوع لمعنى لا يتعرض للسبعة والعشرة وليست الأعداد موجودات فيكون ~~اسم الصوم مشتركا بينهما اشتراك اسم الزوجة بين النسوة الزوجات # شبه المخالفين ثلاث: # الشبهة الأولى : قولهم:قوله:اقتلوا المشركين التوبة يعم قتل كل مشرك ~~فقوله صم وصل ينبغي أن يعم كل زمان لأن إضافته إلى جميع الأزمان واحد ~~كإضافة لفظ المشترك إلى جميع الأشخاص # قلنا :إن سلمنا صيغة العموم فليس هذا نظيرا له بل نظيره أن يقال صم ~~الأيام وصل في الأوقات أما مجرد قوله صم فلا يتعرض للزمان لا بعموم ولا ~~بخصوص لكن الزمان من ضرورته كالمكان ولا يجب عموم الأماكن بالفعل وإن كان ~~نسبة الفعل إلى كل مكان على وتيرة واحدة وكذلك الزمان # الشبة الثانية: قولهم: إن قوله صم كقوله:لا تصم وموجب النهي ترك PageV02P084 ~~الصوم أبدا فليكن موجب الأمر فعل الصوم أبدا وتحقيقه أن الأمر بالشيء نهي ~~عن ضده فقوله قم وقوله لا تقعد واحد وقوله تحرك وقوله لا تسكن واحد ولو قال ~~لا تسكن لزمت الحركة دائما فقوله تحرك تضمن قوله لا تسكن # قلنا:أما قولكم أن الأمر بالشيء نهي عن ضده فقد أبطلناه في القطب الأول ~~وإن سلمنا فعموم النهي الذي ms328 هو ضمن بحسب الأمر المتضمن لأنه تابع له فلو ~~قال تحرك مرة واحدة كان السكون المنهي عنه مقصورا على المرة وقوله تحرك ~~كقوله تحرك مرة واحدة كما سبق تقريره وأما قياسهم الأمر على النهي فباطل من ~~خمسة أوجه الأول: أن القياس باطل في اللغات لأنها تثبت توقيفا # الثاني : أنا لا نسلم في النهي لزوم الانتهاء مطلقا بمجرد اللفظ بل لو ~~قيل للصائم لا تصم يجوز أن تقول نهاني عن صوم هذا اليوم أو عن الصوم أبدا ~~فيستفسر بل التصريح أن يقول لا تصم أبدا ولا تصم يوما واحدا فإذا اقتصر على ~~قوله لا تصم فانتهى يوما واحدا جاز أن يقال قضى حق النهي ولا يغنيهم عن هذا ~~الاسترواح إلى المناهي الشرعية والعرفية وحملها على الدوام فإن هذا القائل ~~يقول عرفت ذلك بأدلة أفادت علما ضروريا بأن الشرع يريد عدم الزنا والسرقة ~~وسائر الفواحش مطلقا وفي كل حال لا بمجرد صيغة النهي وهذا كما أنا نوجب ~~الأيمان دائما لا بمجرد قوله آمنوا لكن الأدلة دلت على أن دوام الأيمان مقصود # الثالث: أنا نفرق ولعله الأصح فنقول إن الأمر يدل على أن المأمور ينبغي ~~أن يوجد مطلقا والنهي يدل على أنه ينبغي أن لا يوجد مطلقا والنفي المطلق ~~يعم والوجود المطلق لا يعم فكل ما وجد مرة فقد وجد مطلقا وما انتفى مرة فما ~~انتفى مطلقا ولذلك إذا قال في اليمين لأفعلن بر بمرة ولو قال لا أفعل حنث ~~بمرة ومن قال لأصومن صدق وعده بمرة ومن قال لا أصوم كان كاذبا مهما صام مرة PageV02P085 ~~الرابع: أنه لو حمل الأمر على التكرار لتعطلت الأشغال كلها وحمل النهي على ~~التكرار لا يفضي إليه إذ يمكن الانتهاء في حال واحدة عن أشياء كثيرة مع ~~الإشتغال بشغل ليس ضد المنهي عنه # وهذا فاسد لأنه تفسير للغة بما يرجع إلى المشقة والتعذر ولو قال افعل ~~دائما لم يتغير موجب اللفظ بتعذره وإن كان التعذر هو المانع فليقتصر على ما ~~يطاق ويشق دون ما يتيسر # الخامس: أن ms329 النهي يقتضي قبح المنهي عنه ويجب الكف عن القبيح كله والأمر ~~يقتضي الحسن ولا يجب الإتيان بالحسن كله. # وهذا أيضا فاسد فإن الأمر والنهي لا يدلان على الحسن والقبح فإن الأمر ~~بالقبيح تسميه العرب أمرا فتقول أمر بالقبيح وما كان ينبغي أن يأمر به وأما ~~الأمر الشرعي فقد ثبت أنه لا يدل على الحسن ولا النهي على القبح فإنه لا ~~معنى للحسن والقبح بالإضافة إلى ذوات الأشياء بل الحسن ما أمر به والقبيح ~~ما نهى عنه فيكون الحسن والقبح تابعا للأمر والنهي لا علة ولا متبوعا # الشبهة الثالثة: أن أوامر الشرع في الصوم والصلاة والزكاة حملت على ~~التكرار فتدل على أنه موضوع له # قلنا:وقد حمل في الحج على الاتحاد فليدل على أنه موضوع له فإن كان ذلك ~~بدليل فكذلك هذا بدليل وقرائن بل بصرائح سوى مجرد الأمر # وقد أجاب قوم عن هذا بأن القرينة فيه إضافتها إلى أسباب وشروط وكل ما ~~أضيف إلى شر وتكرر الشرط تكرر الوجوب وسنبين ذلك في المسألة التالية . # مسألة: تكرار الأمر المضاف لشرط # اختلف الصائرون إلى أن الأمر ليس للتكرار في الأمر المضاف إلى شرط PageV02P086 ~~فقال قوم :لا أثر للإضافة. # وقال قوم :يتكرر بتكرر الشرط. # والمختار أنه لا أثر للشرط لأن قوله اضربه أمر ليس يقتضي التكرار فقوله ~~اضربه إن كان قائما أو إذا كان قائما لا يقتضيه أيضا بل لا يريد إلا اختصاص ~~الضرب الذي يقتضيه الإطلاق بحالة للقيام وهو كقوله لوكيله طلق زوجتي إن ~~دخلت الدار لا يقتضي التكرار بتكرر الدخول بل لو قال إن دخلت الدار فأنت ~~طالق لم يتكرر بتكرر الدخول إلا أن يقول كلما دخلت الدار وكذلك قوله تعالى ~~{فمن شهد منكم الشهر فليصمه } ]البقرة: من الآية185[وإذا زالت الشمس فصل ~~قوله لزوجاته فمن شهد منكن الشهر فهي طالق ومن زالت عليها الشمس فهي طالق # ولهم شبهتان: # الأولى : أن الحكم يتكرر بتكرر العلة والشرط كالعلة فإن علل الشرع علامات # قلنا:العلة إن كانت عقلية فهي موجبة لذاتها ولا يعقل وجود ذاتها دون ms330 ~~المعلول وإن كانت شرعية فلسنا نسلم تكرر الحكم بمجرد إضافة الحكم إلى العلة ~~ما لم تقترن به قرينة أخرى وهو التعبد بالقياس ومعنى التعبد بالقياس الأمر ~~باتباع العلة وكأن الشرع يقول الحكم يثبت بها فاتبعوها. # الشبهة الثانية :إن أوامر الشرع إنما تتكرر بتكرر الأسباب كقوله تعالى ~~{وإن كنتم جنبا فاطهروا } ]المائدة: من الآية6[و{إذا قمتم إلى الصلاة ~~فاغسلوا }] المائدة: من الآية6[ # قلنا:ليس ذلك بموجب اللغة ومجرد الإضافة بل بدليل شرعي في كل شرط فقد قال ~~تعالى {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } ]آل عمران: من ~~الآية97[ولا يتكرر الوجوب بتكرر الاستطاعة # فإن أحالوا ذلك على الدليل أحلنا ما يتكرر أيضا على الدليل كيف ومن قام ~~إلى الصلاة غير محدث فلا يتكرر عليه ومن كان جنبا فليس عليه أن يتطهر إذا لم PageV02P087 ~~يرد الصلاة فلم يتكرر مطلقا لكن اتبع فيه موجب الدليل # مسألة: هل الأمر على الفور أم لا؟ : # مطلق الأمر يقتضي الفور عند قوم ولا يقتضيه عند قوم وتوقف فيه من ~~الواقفية قوم ثم منهم من قال التوقف في المؤخر هل هو ممتثل أم لا أما ~~المبادر فممتثل قطعا ومنهم من غلا وقال يتوقف في المبادر أيضا # والمختار: أنه لا يقتضي إلا الامتثال ويستوي فيه البدار والتأخير وندل ~~على بطلان الوقف أولا فنقول للمتوقف المبادر ممتثل أم لا فإن توقفت فقد ~~خالفت إجماع الأمة قبلك فإنهم متفقون على أن المسارع إلى الامتثال مبالغ في ~~الطاعة مستوجب جميل الثناء والمأمور إذا قيل له قم فقام يعلم نفسه ممتثلا ~~ولا يعد به مخطئا باتفاق أهل اللغة قبل ورود الشرع وقد أثنى الله تعالى على ~~المسارعين فقال عز من قائل {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم } ]آل عمران: من ~~الآية133[وقال {أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون} ]المؤمنون:61[ # وإذا بطل هذا التوقف فنقول لا معنى للتوقف في المؤخر لأن قوله اغسل هذا ~~الثوب مثلا لا يقتضي إلا طلب الغسل والزمان من ضرورة الغسل كالمكان وكالشخص ~~في القتل والضرب والسوط والسيف في الضرب ثم ms331 لا يقتضي الأمر بالضرب مضروبا ~~مخصوصا ولا سوطا ولا مكانا للأمر فكذلك الزمان لأن اللافظ ساكت عن التعرض ~~للزمان والمكان فهما سيان # ويعتضد هذا بطريق ضرب المثال لا بطريق القياس بصدق الوعد إذا قال أغسل ~~وأقتل فإنه صادق بادر أو أخر ولو حلف لأدخلن الدار لم يلزمه البدار # وتحقيقه أن مدعي الفور متحكم وهو محتاج إلى أن ينقل عن أهل اللغة أن PageV02P088 ~~قولهم افعل للبدار ولا سبيل إلى نقل ذلك لا تواترا ولا آحادا # ولهم شبهتان: # الأولى: أن الأمر للوجوب وفي تجويز التأخير ما ينافي الوجوب إما بالتوسع ~~وإما بالتخيير في فعل لا بعينه من جملة الأفعال الواقعة في الأوقات والتوسع ~~والتخيير كلاهما يناقض الوجوب # قلنا: قد بينا في القطب الأول أن الواجب المخير والموسع جائز ويدل عليه ~~أنه لو صرح وقال اغسل الثوب أي وقت شئت فقد أوجبته عليك لم يتناقض. # ثم لا نسلم أن الأمر للوجوب ولو كان للوجوب أما بنفسه أو بقرينة فالتوسع ~~لا ينافيه كما سبق # الشبهة الثانية : أن الأمر يقتضي وجوب الفعل واعتقاد الوجوب والعزم على ~~الامتثال ثم وجوب الاعتقاد والعزم على الفور فليكن كذلك الفعل # قلنا: القياس باطل في اللغات ثم هو منقوض بقوله افعل أي وقت شئت فإن ~~الاعتقاد والعزم فيه على الفور دون الفعل . # ثم نقول: وجوب الفور في العزم والاعتقاد معلوم بقرينة وأدلة دلت على ~~التصديق للشارع والعزم على الانقياد له ولم يحصل ذلك بمجرد الصيغة # مسألة: قضاء العبادات # :مذهب بعض الفقهاء أن وجوب القضاء لا يفتقر إلى أمر مجدد ومذهب المحصلين ~~أن الأمر بعبادة في وقت لا يقتضي القضاء لأن تخصيص العبادة بوقت الزوال أو ~~شهر رمضان كتخصيص الحج بعرفات وتخصيص الزكاة بالمساكين وتخصيص الضرب والقتل ~~بشخص وتخصيص الصلاة بالقبلة فلا فرق بين الزمان والمكان والشخص فإن جميع ~~ذلك تقييد للمأمور بصفة والعاري عن تلك الصفة لا يتناوله اللفظ بل يبقى على ~~ما كان قبل الأمر # فإن قيل:الوقت للعبادة كالأجل للدين فكما لا يسقط الدين بانقضاء الأجل لا ~~تسقط الصلاة ms332 الواجبة في الذمة بانقضاء المدة PageV02P089 ~~قلنا: مثال الأجل الحول في الزكاة لا جرم لا تسقط الزكاة بانقضائه لأن ~~الأجل مهلة لتأخير المطالبة حتى ينجز بعد المدة وأما الوقت فقد صار وصفا ~~للواجب كالمكان والشخص ومن أوجب عليه شيء بصفة فإذا أتى به لا على تلك ~~الصفة لم يكن ممتثلا # نعم يجب القضاء في الشرع إما بنص كقوله صلى الله عليه وسلم "من نام عن ~~صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" أو بقياس فإنا نقيس الصوم إذا نسيه على ~~الصلاة إذا نسيها ونراه في معناها ولا نقيس عليه الجمعة ولا الأضحية فإنهما ~~لا يقضيان في غير وقتهما وفي رمي الجمار تردد أنه بأي الأصلين أشبه ولا ~~نقيس صلاة الحائض على صومها في القضاء لفرق النص ولا نقيس صلاة الكافر ~~وزكاته على صلاة المرتد وإن تساويا في أصل الأمر والوجوب عندنا # مسألة : في موضوع القضاء أيضا : # ذهب بعض الفقهاء إلى أن الأمر يقتضي وقوع الأجزاء بالمأمور به إذا امتثل ~~وقال بعض المتكلمين لا يدل على الأجزاء لا بمعنى أنه لا يدل على كونه طاعة ~~وقربة وسبب ثواب وامتثالا لكن بمعنى أنه لا يمنع الامتثال من وجوب القضاء ~~ولا يلزم حصول الأجزاء بالأداء بدليل أن من أفسد حجه فهو مأمور بالإتمام ~~ولا يجزئه بل يلزمه القضاء ومن ظن أنه متطهر فهو مأمور بالصلاة وممتثل إذا ~~صلى ومطيع ومتقرب ويلزمه القضاء فلا يمكن إنكار كونه مأمورا ولا إنكار كونه ~~ممتثلا حتى يسقط العقاب ولا إنكار كونه مأمورا بالقضاء فهذه أمور مقطوع بها # والصواب عندنا أن نفصل ونقول إذا ثبت أن القضاء يجب بأمر متجدد وأنه مثل ~~الواجب الأول فالأمر بالشىء لا يمنع إيجاب مثله بعد الامتثال وهذا لا شك ~~فيه ولكن ذلك المثل إنما يسمى قضاء إذا كان فيه تدارك لفائت من أصل العبادة ~~أو وصفها وإن لم يكن فوات وخلل استحال تسميته قضاء # فنقول: الأمر يدل على أجزاء المأمور إذا أدى بكمال وصفه وشرطه من غير خلل ~~وإن تطرق إليه خلل كما في ms333 الحج الفاسد والصلاة على غير الطهارة فلا يدل ~~الأمر على أجزائه بمعنى منع إيجاب القضاء PageV02P090 ~~فإن قيل:فالذي ظن أنه متطهر مأمور بالصلاة على تلك الحالة أو مأمور ~~بالطهارة فإن كان مأمور بالطهارة مع تنجز الصلاة فينبغي أن يكون عاصيا وإن ~~كان مأمورا بالصلاة على حالته فقد امتثل من غير خلل فبم عقل إيجاب القضاء ~~وكذلك المأمور بإتمام الحج الفاسد أتم كما أمر # قلنا هذا مأمور بالصلاة مع الخلل بضرورة نسيانه فقد أتى بصلاة مختلة ~~فاقدة شرطها لضرورة حاله فعقل الأمر لتدارك الخلل أما إذا لم يكن الخلل لا ~~عن قصد ولا عن نسيان فلا تدارك فيه فلا يعقل إيجاب قضائه وهو المعني ~~بأجزائه وكذلك مفسد الحج مأمور بحج خال عن فساد وقد فوت على نفسه ذلك ~~فيقضيه. # مسألة: دليل الأمر: # الأمر بالأمر بالشيء ليس أمرا بالشيء ما لم يدل عليه دليل مثاله قوله ~~تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم} ]التوبة: من ~~الآية103[لا يدل على وجوب الأداء بمجرده على الأمة وربما ظن ظان أنه يدل ~~على الوجوب وليس الأمر كذلك لكن دل الشرع على أن أمر النبي عليه الصلاة ~~والسلام واجب الطاعة وأنهم لو كانوا مأذونين في المنع لكان ذلك تحقيرا ~~للنبي عليه السلام وتنفيرا للأمة عنه وذلك يغض من قدره ويشوش مقصود الشرع ~~وإلا فلا يستحيل أن يقال للزوج الشافعي إذا قال لزوجته أنت بائن علي نية ~~الطلاق راجعها وطالبها بالوطء ويقال للحنفية التي ترى أنها بائنة يجب عليك ~~المنع ويقال للولي الذي يرى أن لطفله على طل غيره شيئا أطلبه ويقال للمدعي ~~عليه إذا عرف أنه لا شيء على طفله لا تعطه ومانعه ويقول السيد لأحد العبدين ~~أوجبت عليك أن تأمر العبد الآخر ويقول للآخر أوجبت عليك العصيان له PageV02P091 ~~وبهذا تعرف أن قوله عليه السلام :"مروهم بالصلاة لسبع" ليس خطابا من الشرع # مع الصبي ولا إيجابا عليه مع أن الأمر واجب على الولي # فإن قيل:فلو قال للنبي:أوجبت عليك أن توجب على الأمة وقال للأمة أوجبت ms334 ~~عليكم خلافه ؟ # قلنا :ذلك يدل على أن الواجب على النبي أن يقول أوجبت لا على حقيقة ~~الإيجاب فإن أراد حقيقة الإيجاب فهو متناقض بخلاف {خذ من أموالهم صدقة } ~~]التوبة: من الآية103[فإن ذلك لا يناقضه أمرهم بالمنع # فإن قيل: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب والتسلم لا يتم إلا بالتسليم # قلنا:لا يجب التسلم بل يجب الطلب فقط ثم إن وجب التسلم فذلك يتم بالتسليم ~~المحرم وإنما يناقض التسلم أنتفاء التسليم في نفسه لانتفاء علته وحكمه # وبالجملة: كما أن من أمر زيدا بضرب عمرو فلا يطلب من عمرو شيئا فكذلك إذا ~~أمره يأمر عمرا فلا يطلب من عمرو شيئا # مسألة : خطاب الجماعة بالأمر: # ظاهر الخطاب مع جماعة بالأمر يقتضي وجوبه على كل واحد إلا أن يدل دليل ~~على سقوط الفرض عن الجميع بفعل واحد أو يرد الخطاب بلفظ لا يعم الجميع ~~كقوله تعالى {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن ~~المنكر } ]آل عمران: من الآية104[ كقوله تعالى {فلولا نفر من كل فرقة منهم ~~طائفة ليتفقهوا في الدين} ]التوبة: من الآية122[فإن هذا لا يدل على الوجوب ~~في حق كل واحد على التعيين . # فإن قيل فما حقيقة فرض الكفاية ؟ أهو فرض على الجميع ثم يسقط الفرض PageV02P092 ~~بفعل البعض أو هو فرض على واحد لا بعينه أي واحد كان كالواجب المخير في ~~خصال الكفارة أو هو واجب على من حضر وتعين أعني حضر الجنازة أو المنكر أما ~~من لم يتعين فهو ندب في حقه # قلنا:الصحيح من هذه الأقسام الأول وهو عموم الفرضية فإن سقوط الفرض دون ~~الأداء يمكن إما بالنسخ أو بسبب آخر ويدل عليه أنهم لو فعلوا بأجمعهم نال ~~كل واحد منهم ثواب الفرض وإن امتنعوا عم الحرج الجميع ولو خلا بعضهم عن ~~الوجوب لا نفك عن الإثم أما الإيجاب على واحد لا بعينه فمحال لأن المكلف ~~ينبغي أن يعلم أنه مكلف وإذا أبهم الوجوب تعذر الامتثال كما حققناه في بيان ~~الواجب المخير # مسألة: متى يعلم الأمر والامتثال # ذهبت ms335 المعتزلة إلى أن المأمور لا يعلم كونه مأمورا قبل التمكن من ~~الامتثال وذهب القاضي وجماهير أهل الحق إلى أنه يعلم ذلك # وفي تفهيم حقيقة المسألة غموض وسبيل كشف الغطاء عنه أن نقول إنما يعلم ~~المأمور كونه مأمورا مهما كان مأمورا لأن العلم يتبع المعلوم وإنما يكون ~~مأمورا إذا توجه الأمر عليه ولا خلاف أنه يتصور أن يقول السيد لعبده صم غدا ~~وأن هذا أمر محقق ناجز في الحال وإن كان مشروطا ببقاء العبد إلى غد ولكن ~~اتفقت المعتزلة على أن الأمر المقيد بالشرط أمر حاصل ناجز في الحال لكن ~~يشترط أن يكون تحقق الشرط مجهولا عند الآمر والمأمور أما إذا كان معلوما ~~فلا فإنه لو قال صم إن صعدت إلى السماء أو إن عشت ألف سنة فليس هذا بأمر أي ~~هذه الصيغة ليست عبارة عن حقيقة المعنى الذي يقوم بالنفس ويسمى أمرا أي هذه ~~الصيغة ليست عبارة عن حقيقة المعنى الذي يقوم بالنفس ويسمى أمرا ولو قال صم ~~إن كان العالم مخلوقا أو كان الله موجودا فهذا أمر ولكن ليس بمقيد بشرط ~~وليس هذا من الشرط في شيء فإن الشرط هو الذي يمكن أن يوجد ولا يوجد فلما ~~كان العلم بوجود الشرط أو عدمه منافيا وجود الأمر المقيد PageV02P093 ~~بالشرط زعموا أن الله عالم بعواقب الأمر فالشرط في أمره محال # ونحن نسلم أن جهل المأمور شرط أما جهل الآمر فليس بشرط حتى لو علم السيد ~~بقول نبي صادق أن عبده يموت قبل رمضان فيتصور أن يأمره بصوم رمضان مهما جهل ~~العبد ذلك وربما كان له فيه لطف يدعوه إلى الطاعات ويزجره عن المعاصي وربما ~~كان لطفا لغير المأمور بحث أو زجر وربما كان امتحانا له ليشتغل بالاستعداد ~~فيثاب على العزم على الامتثال ويعاقب على العزم على الترك # والمعتزلة أحالوا ذلك وقالوا إذا شهد العبد هلال رمضان توجه عليه الأمر ~~بحكم قوله تعالى {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} [البقرة:185] لكن ذلك بناء ~~على ظن البقاء ودوام القدرة فإن الحياة والقدرة شرط في ms336 التكليف فإذا مات في ~~منتصف الشهر تبينا أنه كان مأمورا بالنصف الأول وأنه لم يكن مأمورا بالنصف الثاني # ويدلك على بطلان مذهبهم مسالك: # المسلك الأول : أن الأمة مجمعة قبل ظهور المعتزلة أن الصبي كما يبلغ يجب ~~عليه أن يعلم ويعتقد كونه مأمورا بشرائع الإسلام منهيا عن الزنا والسرقة ~~والقتل في الحال وإن لم يحضره وقت صلاة ولا زكاة ولا حضر من يمكن قتله ~~والزنا به ولا حضر مال تمكن سرقته ولكن يعلم نفسه مأمورا منهيا بشرط التمكن ~~لأنه جاهل بعواقب أمره وعلمه بأن الله تعالى عالم بها لا يدفع عنه وجوب هذا ~~الاعتقاد # المسلك الثاني : أن الأمة مجمعة على أن من عزم على ترك ما ليس منهيا عنه ~~فليس بمتقرب إلى الله تعالى ومن عزم على ترك المنهيات والإتيان بالمأمورات ~~كان متقربا إلى الله تعالى وإن احتمل أن لا يكون مأمورا أو منهيا لعلم الله ~~بأنه لا يساعده التمكن فينبغي أن نشك في كونه متقربا ونتوقف، PageV02P094 ~~ونقول إن مت بعد هذا العزم وقبل التمكن فلا ثواب لك لأنه لا تقرب منك وإن ~~عشت وتمكنت تبينا عند ذلك كونك متقربا وهذا خلاف الإجماع # المسلك الثالث: إجماع الأمة على أن صلاة الفرض لا تصح إلا بنية الفرضية ~~ولا يعقل تثبيت نية الفرضية إلا بعد معرفة الفرضية والعبد ينوي في أول وقت ~~الصلاة فرض الظهر وربما يموت في أثناء وقت الصلاة فيتبين عند المعتزلة أنه ~~لم يكن فرضا فليكن شاكا في الفرضية وعند ذلك تمتنع النية فإن النية قصد لا ~~يتوجه إلا إلى معلوم # فإن قيل:إن نوى فرضية أربع ركعات فلو مات بعد ركعتين يعلم أنه لم تكن إلا ~~ربع فريضة وهو مجوز للموت فكيف ينوي فرض ما هو شاك فيه ؟ # قلنا ليس شاكا فيه بل هو قاطع بأن الأربع فرض بشرط البقاء فالأمر بالشرط ~~أمر في الحال وليس بمعلق والفرض بالشرط فرض أي أنه مأمور أمر إيجاب من عزم ~~عليه يثاب ثواب من عزم على واجب وإذا قال السيد لعبده صم غدا ms337 فهو أمر في ~~الحال يصوم في الغد لا أنه أمر في الغد وإذا قال له أوجبت عليك بشرط بقائك ~~وقدرتك فهو موجب في الحال لكن إيجابا بشرط فهكذا ينبغي أن تفهم حقيقة هذه ~~المسألة وكذلك إذا قال لوكيله بع داري غدا فهو موكل وآمر في الحال والوكيل ~~مأمور ووكيل في الحال حتى يعقل أن يعزل قبل مجيء الغد فإذا قال الوكيل ~~وكلني ثم عزلني وأمرني ثم منعني كان صادقا فلو مات قبل مجيء الغد لا يتبين ~~أنه كان كاذبا # وقد حققنا هذا في مسألة نسخ الأمر قبل التمكن من الامتثال وفي نسخ الذبح ~~عن إبراهيم عليه السلام ولهذا فرق الفقهاء بين أن يقول إذا جاء رأس الشهر ~~فأنت وكيلي وبين أن يقول وكلتك ببيع داري لكن تبيعها عند رأس الشهر فإن ~~الأول تعليق ومن منع تعليق الوكالة ربما جوز تنجيز الوكالة مع تأخير ~~التنفيذ إلى رأس الشهر # المسلك الرابع: إجماع الأمة على لزوم الشروع في صوم رمضان أعني أول يوم PageV02P095 ~~مثلا ولو كان الموت في أثناء النهار يبين عدم الأمر فالموت مجوز فيصير ~~الأمر مشكوكا فيه ولا يلزمه الشروع بالشك # فإن قيل:لأنه إن بقي كان واجبا والظاهر بقاؤه والحاصل في الحال يستصحب ~~والاستصحاب أصل تبنى عليه الأمور كما أن من أقبل عليه سبع يهرب وإن كان ~~يحتمل موت السبع قبل الانتهاء إليه لكن الأصل بقاؤه فيستصحبه ولأنه لو فتح ~~هذا الباب لم يتصور امتثال الأوامر المضيقة أوقاتها كالصوم فإنه إنما يعلم ~~تمام التمكن بعد انقضاء اليوم ويكون قد فات # قلنا:هذا يلزمكم في الصوم ومذهبكم هو الذي يفضي إلى هذا المحال وما يفضي ~~إلى المحال فهو محال وأما الهرب من السبع فحزم وأخذ بأسوأ الأحوال ويكفي ~~فيه الاحتمال البعيد فإن من شك في سبع على الطريق أو سارق فيحسن منه الحزم ~~والاحتراز أما الوجوب فلا يثبت بالشك والاحتمال # وينبغي أن يقال من أعرض عن الصوم ومات قبل الغروب لم يكن عاصيا لأنه أخذ ~~بالاحتمال الآخر وهو احتمال الموت فليكن معذورا به ms338 فإن زعموا أن ظن البقاء ~~بالاستصحاب أورث ظن الوجوب وظن الوجوب اقتضى تحقق الوجوب من الشرع جزما ~~قطعا فهذا تعسف وتناقض # المسلك الخامس : أن الإجماع منعقد على أن من حبس المصلي في أول الوقت ~~وقيده ومنعه من الصلاة متعد عاص بسبب منعه من الصلاة الواجبة فإن كان ~~التكليف يندفع به فقد أحسن إليه إذ منع التكليف عنه فلم عصي ؟ # وهذا فيه نظر لأنه عصي لأن التصرف في الغير بضبطه ومنعه حرام وإن منعه ~~غير مباح أيضا ولأن منعه صار سببا لوجوب القضاء في ذمته وهو على خطر من ~~فواته أو يحرم لأنه أخرجه عن أن يكلفه وفي التكليف مصلحة وقد فوتها عليه ~~بدليل أنه لو قيده قبل وقت الصلاة أو قبل وقت الصلاة أو قبل البلوغ إلى أن ~~بلغ ودخل وقت الصلاة عصى ولم يكن على الصبي أمر ناجز لا بشرط ولا بغير شرط PageV02P096 ~~شبه المعتزلة # الأولى : قولهم إثبات الأمر بشرط يؤدي إلى أن يكون وجود الشيء مشروطا بما ~~يوجد بعده والشرط ينبغي أن يقارن أو يتقدم أما تأخير الشرط عن المشروط فمحال # قلنا ليس هذا شرطا لوجود ذات الأمر وقيامه بذات الآمر بل الأمر وقيامه ~~بذات الآمر بل الأمر موجود قائم بذات الآمر وجد الشرط أو لم يوجد وإنما هو ~~شرط لكون الأمر لازما واجب التنفيذ وليس ذلك من شرط كونه موجودا بسبيل ~~ولهذا قلنا الأمر أمر للمعدوم بتقدير الوجود وإن لم يبلغه بشرط بلوغه فليس ~~البلوغ شرطا لقيام نفس الأمر بذات الآمر بل للزوم تنفيذه # فإن قال قائل اختلاف قول الشافعي في أن من جامع في نهار رمضان ثم مات أو ~~جن قبل الغروب هل يلزمه الكفارة هل يلتفت إلى هذا الأصل ؟ # قلنا أما من ذهب إلى أنا نتبين عند زوال الحياة انتفاء الأمر من أصله فلا ~~يمكنه إيجاب الكفارة وأما من ذهب إلى أنا لا نتبين عدم الأمر فيحتمل منه ~~التردد إذ يحتمل أن يقول قد أفسد بالجماع الصوم الذي كان واجبا عليه وقطع ~~الصوم الواجب بحكم ms339 الوقت وإفساده يوجب الكفارة يحتمل أن يقال وجبت الكفارة ~~بإفساد صوم لا يتعرض للفساد والانقطاع قبل الغروب وهذا متعرض له فيكون هذا ~~مانعا من الإلحاق بالصوم الذي يتعين الجماع لإفساده # فإن قال قائل فلو علمت المرأة بالعادة أنها تحيض في أثناء النهار أو بقول ~~نبي صادق حيضا أو جنونا أو موتا فهل يلزمها الصوم حتى تصوم بعض اليوم # قلنا على مذهب المعتزلة لا ينبغي أن يلزم لأن بعض اليوم غير مأمور به وهي ~~غير مأمورة بالكل أما عندنا فالأظهر وجوبه لأن المرخص في الإفطار لم يوجد ~~والأمر قائم في الحال والميسور لا يسقط بالمعسور PageV02P097 ~~فإن قال قائل: لو قال إن صليت أو شرعت في الصلاة أو الصوم فزوجتي طالق ثم ~~شرع ثم أفسد أو مات أو جن قبل الإتمام فقد اختلفوا في وقوع الطلاق فهل ~~يلتفت هذا إلى هذا الأصل ؟ # قلنا: نعم قياس مذهب المعتزلة أن لا يحنث لأن بعض الصوم ليس بصوم والفاسد ~~ليس بصوم وقد تبين ذلك بالآخرة وعلى مذهبنا ينبغي أن يحنث وهذه صلاة في ~~الحال وتمامها مقيد بالشرط حتى لو قال والله لأعتكفن صائما أوان اعتكفت ~~صائما فزوجتي طالق ثلاثا فاعتكف ساعة صائما ثم جن أو مات لم تجب الكفارة في ~~تركته ولم ترثه زوجته. # ولا تخلو هذه المسائل عن الالتفات إلى هذا الأصل # ولو قال إن أمرت عبدي فزوجتي طالق ثم قال صم غدا طلقت زوجته فإن مات قبل ~~الغد فلا يتبين انتفاء الطلاق ولو قال إن وكلت وكيلا فزوجتي طالق وإن عزلت ~~وكيلا فعبدي حر ثم وكل من يبيع داره غدا ثم عزل قبل الغد طلقت زوجته وعتق عبده # الشبهة الثانية : وهي الأقوى قولهم إن الأمر طلب فلا يقوم بذات من يعلم ~~امتناع وجود المأمور فكيف يقوم بذات السيد طلب الخياطة إن صعد العبد إلى ~~السماء وهو يعلم أنه لا يصعد نعم يمكن أن يقول خط إن صعدت إلى السماء لكنه ~~صيغة أمر ولا يقوم الطلب بذاته كما لو قال له اصعد إلى السماء ms340 لم يكن أمرا ~~لعجزه وعلم الآمر بامتناعه إلا على مذهب من يجوز تكليف ما لا يطاق وأنتم قد ~~ملتم إلى منع تكليف المحال وبه يفارق الآمر الجاهل فإن من لا يعرف عجز عبده ~~عن القيام يتصور أن يقول قم ويقوم بذاته الطلب أما إذا علم عجزه فلا يقوم ~~بذاته طلب الممتنع # وهذا التحقيق وهو أن الجهل إذا كان شرطا لقيام هذا الأمر بذاته فالمؤثر ~~في صفة ذاته جهله لا جهل المأمور فهما علم الآمر عدم الشرط فكيف يكون طالبا ~~وإذا لم يكن طالبا فكيف يكون آمرا والآمر هو الطلب هذا واقع ؟ # والجواب أن هذا لا يصح من المعتزلة مع إنكارهم كلام النفس PageV02P098 ~~أما عندنا فليس المراد بالطلب الذي هو معنى الأمر إرادة وتشوقا لأن المعاصي ~~عندنا مرادة وهي غير مأمور بها والطاعات مأمور بها وقد لا تكون مرادة فإن ~~ما أراد الله واقع والتشوق على الله محال وإنما معناه اقتضاء فعله لمصلحة ~~العبد ولكنه يكون توطئة للنفس على عزم الامتثال أو الترك لما يخالفه لطفا ~~به في الاستعداد والانحراف عن الفساد وهذا لطف متصور من الله تعالى # ويتصور أيضا من السيد أن يستصلح عبده بأوامر ينجزها عليه مع عزمه على نسخ ~~الأمر قبل الامتثال امتحانا للعبد واستصلاحا له وكل أمر مقيد بشرط أن لا ~~ينسخ وكل وكالة مقيدة بشرط أن لا يعزل الوكيل وقوله وكلتك ببيع العبد غدا ~~مع العلم بأنه سيعتق العبد قبل الغد وكالة في الحال يقصد بها استمالة ~~الوكيل مثلا وامتحانه في إظهار الاستبشار بأمره أو الكراهية فكل ذلك معقول ~~لهذه الفائدة وليس تحت الأمر إلا أنه اقتضاء من هذا الجنس والله أعلم # القول في صيغة النهي # اعلم أن ما ذكرناه من مسائل الأوامر تتضح به أحكام النواهي إذ لكل مسألة ~~وزان من النهي على العكس فلا حاجة إلى التكرار ولكنا نتعرض لمسائل لا بد من ~~افرادها بالكلام # مسألة هل النهي يقتضي الفساد اختلفوا في أن النهي عن البيع والنكاح ~~والتصرفات المفيدة للأحكام هل يقتضي فسادها؟ PageV02P099 # فذهب ms341 الجماهير إلى أنه يقتضي فسادها # وذهب قوم إلى أنه إن كان نهيا عنه لعينه دل على الفساد وإن كان لغيره فلا ~~والمختار أنه لا يقتضي الفساد # وبيانه أنا نعني بالفساد تخلف الأحكام عنها وخروجها عن كونها أسبابا ~~مفيدة للأحكام ولو صرح الشارع وقال حرمت عليك إستيلاد جارية الابن ونهيتك ~~عنه لعينه لكن إن فعلت ملكت الجارية ونهيتك عن الطلاق في الحيض لعينه لكن ~~إن فعلت بانت زوجتك ونهيتك عن إزالة النجاسة عن الثوب بالماء المغصوب لكن ~~إن فعلت طهر الثوب ونهيتك عن ذبح شاة الغير بسكين الغير من غير إذن لكن إن ~~فعلت حلت الذبيحة فشيء من هذا ليس يمتنع ولا يتناقض # بخلاف قوله حرمت عليك الطلاق وأمرتك به أو أبحثه لك وحرمت عليك الاستيلاد ~~لجارية الابن وأوجبته عليك فإن ذلك متناقض لا يعقل لأن التحريم يضاد ~~الإيجاب ولا يضاده كون المحرم منصوبا علامة على حصول الملك والحل وسائر ~~الأحكام إذ يتناقض أن يقول حرمت الزنا وأبحته ولا يتناقض أن يقول حرمت ~~الزنا وجعلت الفعل الحرام في عينه سببا لحصول الملك في العوضين فإن شرط ~~التحريم التعرض لعقاب الآخرة فقط دون تخلف الثمرات والأحكام عنه # فإذا ثبت هذا فقوله لا تبع ولا تطلق ولا تنكح لو دل على تخلف الأحكام وهو ~~المراد بالفساد فلا يخلو إما أن يدل من حيث اللغة أو من حيث الشرع ومحال أن ~~يدل من حيث اللغة لأن العرب قد تنهى عن الطاعات وعن الأسباب المشروعة ~~وتعتقد ذلك نهيا حقيقيا دالا على أن المنهي ينبغي أن لا يوجد أما الأحكام ~~فإنها شرعية لا يناسبها اللفظ من حيث وضع اللسان إذ يعقل أن يقول العربي ~~هذا العقد الذي يفيد الملك والأحكام إياك أن تفعله وتقدم عليه ولو صرح به ~~الشارع أيضا لكان منتظما مفهوما أما من حيث الشرع فلو قام دليل على أن ~~النهي للإفساد ونقل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم صريحا لكان ذلك من جهة ~~الشرع تصرفا في اللغة بالتغيير أو كان النهي من ms342 جهته منصوبا علامة على ~~الفساد ويجب قبول ذلك ولكن الشأن في إثبات هذه الحجة ونقلها PageV02P100 ~~وشبههم الشرعية أربع: # الشبهة الأولى : قولهم إن المنهي عنه قبيح ومعصية فكيف يكون مشروعا قلنا ~~إن أردتم بالمشروع كونه مأمورا به أو مباحا أو مندوبا فذلك محال ولسنا نقول ~~به وإن عنيتم به كونه منصوبا علامة للملك أو الحال أو حكم من الأحكام ففيه ~~وقع النزاع فلم ادعيتم استحالته ولم يستحل أن يحرم الاستيلاد وينصب سببا ~~لملك الجارية ويحرم الطلاق وينصب سببا للفراق؟ بل لا يستحيل أن ينهي عن ~~الصلاة في الدار المغصوبة وتنصب سببا لبراءة الذمة وسقوط الفرض # الشبهة الثانية : قولهم: إن النهي لا يرد من الشارع في البيع والنكاح إلا ~~لبيان خروجه عن كونه مملكا أو مشروعا . # قلنا:في هذا وقع النزاع الدليل عليه وكم من بيع ونكاح ونهي عنه وبقي سببا ~~للإفادة فما هذا التحكم ؟ الشبهة الثالثة: قوله عليه السلام "كل عمل ليس ~~عليه أمرنا فهو رد ومن أدخل في ديننا ما ليس منه فهو رد" # قلنا: معنى قوله رد أي غير مقبول طاعة وقربة ولا شك في أن المجرم لا يقع ~~طاعة أما أن لا يكون سببا للحكم فلا فإن الاستيلاد والطلاق وذبح شاة الغير ~~ليس عليه أمرنا ثم ليس برد بهذا المعنى # الشبهة الرابعة :قولهم :أجمع سلف الأمة على الاستدلال بالمناهي على ~~الفساد ففهموا فساد الربا من قوله {وذروا ما بقي من الربا } ]البقرة: من ~~الآية278[واحتج ابن عمر PageV02P101 ~~رضي الله عنه في فساد نكاح المشركات بقوله {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن } ~~]البقرة: من الآية221[وفي نكاح المحارم بالنهي # قلنا:هذا يصح من بعض الأمة أما من جميع الأمة فلا يصح ولا حجة في قول ~~البعض نعم يتمسك به في التحريم والمنع أما في الإفساد فلا # مسألة:الفرق بين الفساد والبطلان # الذين اتفقوا على أن النهي عن التصرفات لا يدل على فسادها اختلفوا في أنه ~~هل يدل على صحتها ؟ # فنقل أبو زيد عن محمد بن الحسن وأبي حنيفة أنه يدل على الصحة وأنه PageV02P102 ~~يستدل بالنهي ms343 عن صوم يوم النحر على انعقاده فإنه لو استحال انقعاد لما نهي ~~عنه فإن المحال لا ينهي عنه كما لا يؤمر فلا يقال للأعمى لا تبصر كما لا ~~يقال له أبصر فزعموا أن النهي عن الزنا يدل على انعقاده # وهذا فاسد لأنا بينا أن الأمر بمجرده لا يدل على الأجزاء والصحة فكيف يدل ~~عليه النهي ؟بل الأمر والنهي يدل على اقتضاء الفعل واقتضاء الترك فقط أو ~~على الوجوب والتحريم فقط أما حصول الأجزاء والفائدة أو نفيهما فيحتاج إلى ~~دليل آخر واللفظ من حيث اللغة غير موضوع لهذه القضايا بالشرعية # وأما من حيث الشرع: فلو قال الشارع إذا نهيتكم عن أمر أردت به صحته ~~لتلقيناه منه ولكنه لم يثبت ذلك صريحا لا بالتواتر ولا بنقل الآحاد وليس من ~~ضرورة المأمور أن يكون صحيحا مجزئا فكيف يكون من ضرورة المنهي ذلك فإذا لم ~~يثبت ذلك شرعا ولغة وضرورة بمقتضى اللفظ فالمصير إليه تحكم بل الاستدلال به ~~على فساده أقرب من الاستدلال به على صحته # فإن قيل:المحال لا ينهي عنه لأن الأمر كما يقتضي مأمورا يمكن امتثاله ~~فالنهي يقتضي منهيا يمكن ارتكابه فصوم يوم النحر إذا نهى عنه ينبغي أن يصح ~~ارتكابه ويكون صوما فاسم الصوم للصوم الشرعي لا للإمساك فإنه صوم لغة لا ~~شرعا والأسامي الشرعية تحمل على موضوع الشرع هذا هو الأصل ولا يلزم عليه ~~قوله دعي الصلاة أيام أقرائك وقوله تعالى {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من ~~النساء} ]النساء: من الآية22[ لأنه حمل النكاح والصلاة بالمعنى اللغوي على ~~خلاف الوضعي بدليل دل عليه ولا يلزم عليه قوله عليه السلام لا صلاة إلا ~~بطهور ولا نكاح إلا بشهود لأن ذلك نفي وليس نهيا # قلنا :الأصل أن الاسم لموضوعه اللغوي إلا ما صرفه عنه عرف الاستعمال في ~~الشرع وقد ألفينا عرف الشرع في الأوامر أنه يستعمل الصوم والنكاح والبيع ~~لمعانيها الشرعية أما في المنهيات فلم يثبت هذا العرف المغير للوضع بدليل ~~قوله دعي الصلاة أيام أقرائك {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من ms344 النساء} PageV02P103 ~~وأمثال هذه المناهي مما لا ينعقد أصلا ولم يثبت فيه عرف استعمال الشرع ~~فيرجع إلى أصل الوضع ونقول إذا تعارض فيه عرف الشرع والوضع فمن صام يوم ~~النحر فقد ارتكب النهي وإن لم ينعقد صومه ويكون هذا أولى لأن مذهبهم يفضي ~~إلى صرف النهي عن ذلك المنهي عنه إلى غيره فإنه لو كان منهيا في عينه ~~استحال أن يكون عبادة منعقدة ومطلق النهي عن الشيء يدل على النهي عن عينه ~~إلا أن يدل دليل فلا معنى لترك الظاهر من غير ضرورة # فإن قيل: فإذا اخترتم أن النهي لا يدل على الصحة ولا على الفساد في أسباب ~~المعاملات فما قولكم في النهي عن العبادات؟ # قد بينا أن النهي يضاد كون المنهي عنه قربة وطاعة لأن الطاعة عبارة عما ~~يوافق الأمر والأمر والنهي متضادان فعلى هذا صوم يوم النحر لا يكون منعقدا ~~إن أريد بانعقاده كونه طاعة وقربة وامتثالا لأن النهي يضاده وإذا لم يكن ~~قربة لم يلزم بالنذر إذ لا يلزم بالنذر ما ليس بقربة نعم لو أمكن صرف النهي ~~عن عين الصوم إلى ترك إجابة دعوة الله تعالى فذلك لا يمنع انعقاده ولكن ذلك ~~أيضا فاسد كما سبق في القطب الأول # وإن قيل فقد حمل بعض المناهي في الشرع على الفساد دون البعض فما الفصل # قلنا النهي لا يدل على الفساد وإنما يعرف فساد العقد والعبادة بفوات شرطه ~~وركنه ويعرف فوات الشرط إما بالإجماع كالطهارة في الصلاة وستر العورة ~~واستقبال القبلة وإما بنص وإما بصيغة النفي كقوله لا صلاة إلا بطهور ولا ~~نكاح إلا بشهود فذلك ظاهر في النفي عند عدم الشرط وأما القياس على منصوص ~~فكل نهي يتضمن ارتكابه الإخلال بالشرط فيدل على الفساد من حيث الإخلال ~~بالشرط لا من حيث النهي وشرط المبيع أن يكون مالا متقوما مقدورا على تسليمه ~~معينا أما كونه مرئيا ففي اشتراطه خلاف وشرط الثمن أن PageV02P104 ~~يكون مالا معلوم القدر والجنس وليس من شرط النكاح الصداق فلذلك لم يفسد ~~بكون النكاح على خمر ms345 أو خنزير أو مغصوب وإن كان منهيا عنه ولا فرق بين ~~الطلاق السني والبدعي في شرط النفوذ وإن اختلفا في التحريم # فإن قيل فلو قال قائل كل نهي رجع إلى عين الشيء فهو دليل الفساد دون ما ~~يرجع إلى غيره فهل يصح ؟ # قلنا :لا لأنه لا فرق بين الطلاق في حال الحيض والصلاة في الدار المغصوبة ~~لأنه إن أمكن أن يقال ليس منهيا عن الطلاق لعينه ولا عن الصلاة لعينها بل ~~لوقوعه في حال الحيض ولوقوعها في الدار المغصوبة أمكن تقدير مثله في الصلاة ~~في حال الحيض # فلا اعتماد إلا على فوات الشرط ويعرف الشرط بدليل يدل عليه وعلى ارتباط ~~الصحة به ولا يعرف بمجرد النهي فإنه لا يدل عليه وضعا وشرعا كما سبق في ~~المسألة التي قبلها # وهذا القدر كاف في صيغة الأمر والنهي فإن ما يتعلق منه بحقيقة الوجوب ~~والتحريم ويضادهما ويوافقهما فقد ميزناه عما يتعلق بمقتضى الصيغة وقررناه ~~في القطب الأول عند البحث عن حقيقة الحكم فإن ذلك نظر عقلي وهذا نظر لغوي ~~من حيث دلالة الألفاظ فلذلك ميزناه على خلاف عادة الأصوليين PageV02P105 ### ||| AUTO القسم الرابع من النظر في الصيغة القول في العام والخاص ### |||| AUTO المقدمة # ... # القسم الرابع من النظر في الصيغة القول في العام والخاص # ويشتمل على مقدمة وخمسة أبواب: # المقدمة القول في حد العام والخاص ومعناهما # أعلم أن العموم والخصوص من عوارض الألفاظ لا من عوارض المعاني والأفعال # والعام عبارة عن اللفظ الواحد الدال من جهة واحدة على شيئين فصاعدا مثل ~~الرجال والمشركين ومن دخل الدار فأعطه درهما ونظائره كما سيأتي تفصيل صيغ العموم # واحترزنا بقولنا من جهة واحدة عن قولهم ضرب زيد عمرا وعن قولهم ضرب زيدا ~~عمرو فإنه يدل على شيئين ولكن بلفظين لا بلفظ واحد ومن جهتين لا من جهة واحدة # وأعلم أن اللفظ: إما خاص في ذاته مطلقا كقولك زيد وهذا الرجل وإما عام ~~مطلقا كالمذكور والمعلوم إذ لا يخرج منه موجود ولا معدوم وإما عام بالإضافة ~~كلفظ المؤمنين فإنه عام ms346 بالإضافة إلى آحاد المؤمنين خاص بالإضافة إلى ~~جملتهم إذ يتناولهم دون المشركين فكأنه يسمى عاما من حيث شموله لما شمله ~~خاصا من حيث اقتصاره على ما شمله وقصوره عما لم يشمله ومن هذا الوجه يمكن ~~أن يقال ليس في الألفاظ عام مطلق لأن لفظ المعلوم لا يتناول المجهول ~~والمذكور لا يتناول المسكوت عنه PageV02P106 ~~العموم من عوارض الألفاظ لا من عوارض المعاني : # فإن قيل :فلم قلتم إن العموم من عوارض الألفاظ لا من عوارض المعاني ~~والأفعال والعطاء فعل وقد يعطي عمرا وزيدا وتقول عممهما بالعطاء والوجود ~~معنى وهو يعم الجواهر والأعراض # قلنا:عطاء زيد متميز عن عطاء عمرو من حيث أنه فعل فليس في الوجود فعل ~~واحد هو عطاء وتكون نسبته إلى زيد وعمرو واحدة وكذلك وجود السواد يفارق ~~وجود البياض وليس الوجود معنى واحدا حاصلا مشركا بينهما وإن كانت حقيقته ~~واحدة في العقل وعلوم الناس وقدرهم وإن كانت مشتركة في كونها علما وقدرة لا ~~يوصف بأنه عموم # فقولنا :الرجل له وجود في الأعيان وفي الأذهان وفي اللسان أما وجوده في ~~الأعيان فلا عموم فيه إذ ليس في الوجود رجل مطلق بل إما زيد وإما عمرو وليس ~~يشملهما شيء واحد هو الرجولية وأما وجوده في اللسان فلفظ الرجل قد وضع ~~للدلالة ونسبته في الدلالة إلى زيد وعمرو واحدة يسمى عاما باعتبار نسبة ~~الدلالة إلى المدلولات الكثيرة وأما ما في الأذهان من معنى الرجل فيسمى ~~كليا من حيث أن العقل يأخذ من مشاهدة زيد حقيقة الإنسان وحقيقة الرجل فإذا ~~رأى عمرا لم يأخذ منه صورة أخرى وكان ما أخذه من قبل نسبته إلى عمرو والذي ~~حدث الآن كنسبته إلى زيد الذي عهده أولا فهذا معنى كليته فإن سمي عاما بهذا ~~فلا بأس # فإن قيل: فهل يجوز أن يقال هذا عام مخصوص وهذا عام قد خصص؟ # قلنا: لا لأن المذاهب ثلاثة: مذهب أرباب الخصوص ومذهب أرباب العموم ومذهب ~~الواقفية PageV02P107 ~~أما أرباب الخصوص فإنهم يقولون لفظ المشركين مثلا موضوع لأقل الجمع وهو ~~للخصوص فكيف يقولون ms347 إنه عموم قد خصص ؟ # وأما أرباب العموم :فيقولون هو الاستغراق فإن أريد به البعض فقد تجوز به ~~عن حقيقته ووضعه فلم يتصرف في الوضع ولم يغير حتى يقال إنه خصص العام أو هو ~~عام مخصوص # وأما الواقفية: فإنهم يقولون إن اللفظ مشترك وإنما ينزل على خصوص أو عموم ~~بقرينة وإرادة معينة كلفظ العين فإن أريد به الخصوص فهو موضوع له لا أنه ~~عام قد خصص وإن أريد به العموم فهو موضوع له لا أنه خاص قد عمم # فإذا :هذا اللفظ مؤول على كل مذهب فيكون معناه أنه كان يصلح أن يقصد به ~~العموم فقصد به الخصوص وهذا على مذهب الوقف # وعلى مذهب الاستغراق أن وضعه للعموم واستعمل في غير وضعه مجازا فهو عام ~~بالوضع خاص بالإرادة والتجوز وإلا فالعام والخاص بالوضع لا ينقلب عن وضعه ~~بإرادة المتكلم # فإن قيل فما معنى قولهم خصص فلأن عموم الآية والخبران كان العام لا يقبل ~~التخصيص # قلنا تخصيص العام محال كما سبق وتأويل هذا اللفظ أن يعرف أنه أريد باللفظ ~~العام بالوضع أو الصالح لإرادة العموم الخصوص فيقال على سبيل التوسع لمن ~~عرف ذلك أنه خصص العموم أي عرف أنه أريد به الخصوص ثم من لم يعرف ذلك لكن ~~اعتقده أو ظنه أو أخبر عنه بلسانه أو نصب الدليل عليه يسمى مخصصا وإنما هو ~~معرف ومخبر عن إرادة المتكلم ومستدل عليه بالقرائن لا أنه مخصص بنفسه # هذه هي المقدمة PageV02P108 ### |||| AUTO في أن العموم هل له صيغة في اللغة أم لا # ... # أما الأبواب فهي خمسة: # الباب الأول :في أن العموم هل له صيغة أم لا واختلاف المذاهب فيه . # الباب الثاني: في تمييز ما يمكن دعوى العموم فيه عما لا يمكن # الباب الثالث : في تفصيل الأدلة المخصصة . # الباب الرابع :في تعارض العمومين # الباب الخامس في الاستثناء والشرط # الباب الأول في أن العموم هل له صيغة في اللغة أم لا # ولنشرح أولا صيغ العموم عند القائلين بها # ثم اختلاف المذاهب # ثم أدلة أرباب الخصوص # ثم أدلة أرباب ms348 العموم # ثم أدلة أرباب الوقف # ثم المختار فيه عندنا # ثم حكم العام عند القائلين به إذا دخله التخصيص . # فهذه سبعة فصول PageV02P109 ~~في صيغ العموم # وأعلم أنها عند القائلين بها خمسة أنواع # الأول : ألفاظ الجموع أما المعرفة كالرجال والمشركين وأما المنكرة كقولهم ~~رجال ومشركون كما قال تعالى { ما لنا لا نرى رجالا} ]ص: من الآية62[ ~~والمعرفة للعموم إذا لم يقصد بها تعريف المعهود كقولهم أقبل الرجل والرجال ~~أي المعهودون المنتظرون # الثاني : من وما إذا ورد للشرط والجزاء كقوله عليه السلام من أحيا أرضا ~~ميتة فهي له وعلى اليد ما أخذت حتى تؤديه وفي معناه متى وأين للمكان ~~والزمان كقوله متى جئتني أكرمتك وأينما كنت أتيتك # الثالث :ألفاظ النفي كقولك: ما جاءني أحد وما في الدار ديار # الرابع : الاسم المفرد إذا دخل عليه الألف واللام لا للتعريف كقوله تعالى ~~:{إن الأنسان لفي خسر} ]العصر:2[ وقوله {والسارق والسارقة} ]المائدة: من ~~الآية38[أما النكرة كقولك مشرك وسارق فلا يتناول إلا واحدا # الخامس : الألفاظ المؤكدة كقولهم: كل وجميع وأجمعون وأكتعون PageV02P110 ~~تفصيل المذاهب # أعلم أن الناس اختلفوا في هذه الأنواع الخمسة على ثلاثة مذاهب: # فقال قوم يلقبون بأرباب الخصوص :إنه موضوع لأقل الجمع وهو إما اثنان وإما ~~ثلاثة على ما سيأتي الخلاف فيه . # وقال أرباب العموم :هو للاستغراق بالوضع إلا أن يتجوز به عن وضعه # وقالت الواقفية :لم يوضع لا لخصوص ولا لعموم بل أقل الجمع داخل فيه ~~لضرورة صدق اللفظ بحكم الوضع وهو بالإضافة إلى الاستغراق للجميع أو ~~الاقتصار على الأقل أو تناول صنف أو عدد بين الأقل والاستغراق مشترك يصلح ~~لكل واحد من الأقسام كاشتراك لفظ الفرقة والنفر بين الثلاثة والخمسة والستة ~~إذ يصلح لكل واحد منهم فليس مخصوصا في الوضع بعدد وإن كنا نعلم أن أقل ~~الجمع لا بد منه ليجوز إطلاقه. # ثم أرباب العموم اختلفوا في التفصيل في ثلاث مسائل: # الأولى: الفرق بين المعرف والمنكر فقال الجمهور لا فرق بين قولنا اضربوا ~~الرجال وبين قولنا اضربوا رجالا واقتلوا المشركين وأقتلوا مشركين وإليه ذهب ms349 ~~الجبائي وقال قوم يدل المنكر على جمع غير معين ولا مقدر ولا يدل على ~~الاستغراق وهو الأظهر # الثاني : اختلفوا في الجمع المعرف بالألف واللام كالسارقين والمشركين ~~والفقراء والمساكين والعاملين فقال قوم هو للاستغراق وقال قوم هو لأقل ~~الجمع ولا يحمل على الاستغراق إلا بدليل PageV02P111 ~~والأول أقوى وأليق بمذاهب أرباب العموم # الثالثة: الاسم المفرد إذا دخل عليه الألف واللام كقولهم الدينار خير من ~~الدرهم فمنهم من قال هو لتعريف الواحد فقط وذلك في تعريف المعهود وقال قوم ~~هو للاستغراق وقال قوم يصلح للواحد والجنس ولبعض الجنس فهو مشترك # ومذهب الواقفية أن جميع هذه الألفاظ مشتركة ولم يبق منها شيء للاستغراق ~~حتى كل وكلما وأي والذي ومن وما # واختلفوا في مسألة واحدة فقال قوم إنما التوقف في العموم الواردة في ~~الأخبار والوعد والوعيد أما الأمر والنهي فلا فإنا متعبدون بفهمه ولو كان ~~مشتركا لكان مجملا غير مفهوم # وهذا فاسد لا يليق بمذهب الواقفية لأن دليلهم لا يفرق بين جنس وجنس إذ ~~العرب تريد بصيغ الجمع البعض في كل جنس كما تريد الكل ويستوي في ذلك قولهم ~~فعلوا وافعلوا وقولهم قتل المشركون واقتلوا المشركين ولأن من الأخبار ما ~~تعبد بفهمه كقوله تعالى {وهو بكل شيء عليم} ]البقرة: من الآية29[ البقرة ~~الأنعام وقوله {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} ]هود: من الآية6[ # تنبيه لا ينبغي أن يقول الواقفية الوقف في ألفاظ العموم جائز وفيما مخرجه ~~مخرج العموم واجب فقد أطلق ذلك الشيخ أبو الحسن الأشعري وجماعة لأن المتوقف ~~لا يسلم أنه لفظ العموم كما لا يسلم أنه لفظ الخصوص إلا أن يعني به أنه لفظ ~~العموم عند معتقدي العموم بل ينبغي أن يقول التوقف في صيغ الجموع وأدوات ~~الشرط واجب PageV02P112 ~~القول في أدلة أرباب العموم ونقضها # وهي خمسة: # الدليل الأول : أن أهل اللغة بل أهل جميع اللغات كما عقلوا الأعداد ~~والأنواع والأشخاص والأجناس ووضعوا لكل واحدا اسما لحاجتهم إليه عقلوا أيضا ~~معنى العموم واستغراق الجنس واحتاجوا إليه فكيف لم يضعوا له ms350 صيغة ولفظا # الاعتراض من أربعة أوجه: # الأول : أن هذا قياس واستدلال في اللغات واللغة تثبت توقيفا ونقلا لا ~~قياسا واستدلالا بل هي كسنن الرسول عليه السلام وليس لقائل أن يقول الشارع ~~كما عرف الأشياء الستة وجريان الربا فيها ومست إليه حاجة الخلق ونص عليها ~~فينبغي أن يكون قد نص على سائر الربويات وهذا فاسد # الثاني: أنه وإن سلم أن ذلك واجب في الحكمة فمن يسلم عصمة واضعي اللغة ~~حتى لا يخالفوا الحكمة في وضعها وهم في حكم من يترك ما لا تقتضي الحكمة تركه . # الثالث :إن هذا منقوض فإن العرب عقلت الماضي والمستقبل والحال ثم لم تضع ~~للحال لفظا مخصوصا حتى لزم استعمال المستقبل أو اسم الفاعل فيها فتقول ~~رأيته يضرب أو ضاربا ثم كما عقلت الألوان عقلت الروائح ثم لم تضع للروائح ~~أسامي حتى لزم تعريفها بالإضافة فيقال ريح المسك وريح العود ولا يقال لون ~~الدم ولون الزعفران بل أصفر أو أحمر . PageV02P113 # الرابع : أنا لا نسلم أنهم لم يضعوا للعموم لفظا كما لا نسلم أنهم لم يضعوا ~~للعين الباصرة لفظا وإن كان العين مشتركا بين أشياء لم يخرج عن كونه موضوعا ~~له وإن لم يكن وقفا عليه بل صالحا له ولغيره وكذلك صيغ الجموع مشتركة بين ~~العموم والخصوص # الدليل الثاني : أنه يحسن أن تقول اقتلوا المشركين إلا زيدا ومن دخل ~~الدار فأكرمه إلا الفاسق ومن عصاني عاقبته إلا المعتذر ومعنى الاستثناء ~~إخراج ما لولاه لوجب دخوله تحت اللفظ إذ لا يجوز أن تقول اكرم الناس إلا الثور # الاعتراض أن للاستثناء فائدتين إحداهما ما ذكرتموه وهو إخراج ما يجب ~~دخوله تحت اللفظ كقوله علي عشرة إلا ثلاثة والثاني ما يصلح أن يدخل تحته ~~ويتوهم أن يكون مرادا به وهذا صالح لأن يدخل تحت اللفظ والاستثناء لقطع ~~صلاحيته لا لقطع وجوبه بخلاف الثور إن لفظ الناس لا يصلح لإرادته # الدليل الثالث: # أن تأكيد الشيء ينبغي أن يكون موافقا لمعناه ومطابقا له وتأكيدا لخصوص ~~غير تأكيد العموم إذ يقال اضرب زيدا نفسه ms351 واضرب الرجال أجمعين # أكتعين ولا يقال اضرب زيدا كلهم # الاعتراض أن الخصم يسلم أن لفظ الجمع يتناول قوما وهو أقل الجمع فما زاد ~~ويجوز أن يقال اضرب القوم كلهم لأن للقوم كلية وجزئية أما زيد والواحد ~~المعين ليس له بعض فليس فيه كل وكما أن الفظ العموم لا يتعين مبلغ PageV02P114 ~~المراد منه بعد مجاوزة أقل الجمع فكذلك لفظ المشركين والمؤمنين والكلام في ~~أنه لاستغراق الجنس أو لأقل الجمع أو لعدد بين الدرجتين وكيفما كان فلفظ ~~الكلية لائق به # فإن قيل فإذا قال أكرم الناس أكتعين أجمعين كلهم وكافتهم ينبغي أن يدل ~~هذا على الاستغراق ثم يكون الدال هو المؤكد دون التأكيد فإن التأكيد تابع ~~وإنما يؤكد بالاستغراق ما يدل على استغراق الجماعة الذين أرادهم بلفظ الناس # قلنا لا يشعر بالاستغراق كما لو قال أكرم الفرقة والطائفة كلهم وكافتهم ~~وجملتهم لم يتغير به مفهوم لفظ الفرقة ولم يتعين للأكثر بل نقول لو كان لفظ ~~الناس يدل على الاستغراق لم يحسن أن يقول كافتهم وجملتهم فإنما تذكر هذه ~~الزيادة لمزيد فائدة فهو مشعر بنقيض غرضهم # الدليل الرابع: أن صيغ العموم باطل أن تكون لأقل الجمع خاصة كما سيأتي ~~وباطل أن تكون مشتركا إذ يبقى مجهولا ولا يفهم إلا بقرينة وتلك القرينة لفظ ~~أو معنى فإن كان لفظا فالنزاع في ذلك اللفظ قائم فإن الخلاف في أنه هل وضع ~~العرب صيغة تدل على الاستغراق أم لا وإن كان معنى فالمعنى تابع للفظ فكيف ~~تزيد دلالته على اللفظ ؟ # الاعتراض إن قصد الاستغراق يعلم بعلم ضروري يحصل عن قرائن أحوال ورموز ~~وإشارات وحركات من المتكلم وتغيرات في وجهه وأمور معلومة من عادته ومقاصده ~~وقرائن مختلفة لا يمكن حصرها في جنس ولا ضبطها بوصف بل هي كالقرائن التي ~~يعلم بها خجل الخجل ووجل الوجل وجبن الجبان وكما يعلم قصد المتكلم إذا قال ~~السلام عليكم أنه يريد التحية أو PageV02P115 ~~الاستهزاء واللهو ومن جملة القرائن فعل المتكلم فإنه إذا قال على المائدة ~~هات الماء فهم أنه يريد الماء ms352 العذب البارد دون الحار الملح وقد تكون دليل ~~العقل كعموم قوله تعالى {وهو بكل شيء عليم} ]البقرة: من الآية29[ {وما من ~~دابة في الأرض إلا على الله رزقها} ]هود: من الآية6[وخصوص قوله تعالى {الله ~~خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل} ]الزمر:62[إذ لا يدخل فيه ذاته وصفاته ~~ومن جملته تكرير الألفاظ المؤكدة كقوله اضرب الجناة وأكرم المؤمنين كافتهم ~~صغيرهم وكبيرهم شيخهم وشابهم ذكرهم وأنثاهم كيف كانوا وعلى أي وجه وصورة ~~كانوا ولا تغادر منهم أحدا بسبب من الأسباب ووجه من الوجوه ولا يزال يؤكد ~~حتى يحصل علم ضروري بمراده # أما قولهم :ما ليس بلفظ فهو تابع للفظ فهو فاسد فمن سلم أن حركة المتكلم ~~وأخلاقه وعادته وأفعاله وتغير لونه وتقطيب وجهه وجبينه وحركة رأسه وتقليب ~~عينيه تابع للفظه بل هذه أدلة مستقلة يفيد اقتران جملة علوما ضرورية # فإن قيل:فبم عرفت الأمة عموم ألفاظ الكتاب والسنة إن لم يفهموه من اللفظ؟ # وبم عرف الرسول صلى الله عليه وسلم من جبريل وجبريل من الله تعالى حتى ~~عمموا الأحكام؟ # قلنا:أما الصحابة رضوان الله عليهم فقد عرفوه بقرائن أحوال النبي صلى ~~الله عليه وسلم وتكريراته وعادته المتكررة وعلم التابعون بقرائن أحوال ~~الصحابة وإشاراتهم ورموزهم وتكريراتهم المختلفة وأما جبريل عليه السلام فإن ~~سمع من الله بغير واسطة فالله تعالى يخلق له العلم الضروري بما يريده ~~بالخطاب بكلامه المخالف لأجناس كلام الخلق وإن رآه جبريل في اللوح المحفوظ ~~فبأن يراه مكتوبا بلغة ملكية ودلالة قطعية لا احتمال فيها PageV02P116 ~~الدليل الخامس : وهو عمدتهم إجماع الصحابة فإنهم وأهل اللغة بأجمعهم أجروا ~~ألفاظ الكتاب والسنة على العموم إلا ما دل الدليل على تخصيصه وإنهم كانوا ~~يطلبون دليل الخصوص لا دليل العموم فعملوا بقول الله تعالى {يوصيكم الله في ~~أولادكم} ]النساء: من الآية11[ واستدلوا به على إرث فاطمة رضي الله عنها ~~حتى نقل أبو بكر رضي الله عنه عن النبي: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث" ~~وقوله {الزانية والزاني } ]النور: من الآية2[ {والسارق والسارقة )]المائدة: ~~من الآية38 [{ومن قتل مظلوما ms353 ) ]الاسراء: من الآية33[ {وذروا ما بقي من ~~الربا} ]البقرة: من الآية278[ {ولا تقتلوا أنفسكم} ]النساء: من الآية29 ~~[{لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم } ]المائدة: من الآية95[ المائدة ولا وصية ~~لوارث ولا تنكح المرأة على عمتها وخالتها ومن ألقى سلاحه فهو آمن ولا يرث ~~القاتل ولا يقتل والد بولده إلى غير ذلك مما لا يحصى # ويدل عليه أنه لما نزل قوله تعالى {لا يستوي القاعدون من المؤمنين} ~~]النساء: من الآية95[قال ابن أم مكتوم ما قال وكان ضريرا فنزل قوله تعالى { ~~غير أولي الضرر} ]النساء: من الآية95[فشمل الضرير وغيره عموم لفظ المؤمنين # ولما نزل قوله تعالى {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها ~~واردون} ]الانبياء:98[قال بعض اليهود :أنا أخصم لكم محمدا فجاءه وقال: قد ~~عبدت الملائكة وعبد المسيح فيجب أن يكونوا من حطب جهنم فأنزل الله عز وجل ~~{إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون} ]الانبياء:101[تنبيها ~~على التخصيص ولم ينكر النبي عليه السلام والصحابة رضي الله عنهم تعلقه ~~بالعموم وما قالوا له لم استدللت بلفظ مشترك مجمل؟ PageV02P117 # ولما نزل قوله تعالى {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } ]الأنعام: من ~~الآية82[قالت الصحابة: فأينا لم يظلم ؟ فبين أنه إنما أراد ظلم النفاق والكفر # واحتج عمر رضي الله عنه على أبي بكر الصديق رضي الله عنه بقوله صلى الله ~~عليه وسلم "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" فدفعه أبو بكر ~~بقوله: "إلا بحقها" ولم ينكر عليه التعلق بالعموم وهذا وأمثاله لا تنحصر ~~حكايته . # الاعتراض من وجهين: # أحدهما : أن هذا إن صح من بعض الأمة فلا يصح من جميعهم فلا يبعد من بعض ~~الأمة اعتقاد العموم فإنه الأسبق إلى أكثر الأفهام ولا يسلم صحة ذلك على ~~كافة الصحابة. # الثاني : إنه لو نقل ما ذكروه عن جملة الصحابة فلم ينقل عنهم قولهم على ~~التواتر إنا حكمنا في هذه المسائل بمجرد العموم لأجل اللفظ من غير التفات ~~إلى قرينة فلعل بعضهم قضى باللفظ مع القرينة المسوية بين المراد باللفظ ~~وبين ms354 بقية المسميات لعلمه بأنه لا مدخل في التأثير للفارق بين محل القطع ~~ومحل الشك والخلاف راجع إلى أن العموم متمسك به بشرط انتفاء قرينة مخصصة أو ~~بشرط اقتران قرينة مسوية بين المسميات ولم يصرح الصحابة بحقيقة هذه المسألة ~~ومجرى الخلاف فيها وأنه متمسك به بشرط انتفاء المخصص لا بشرط وجود القرينة ~~المسوية PageV02P118 ~~شبه أرباب الخصوص # ذهب قوم إلى أن لفظ الفقراء والمساكين والمشركين ينزل على أقل الجمع ~~واستدلوا بأنه القدر المستيقن دخوله تحت اللفظ والباقي مشكوك فيه ولا سبيل ~~إلى إثبات حكم بالشك # وهذا استدلال فاسد لأن كون هذا القدر مستيقنا لا يدل على كونه مجازا في ~~الزيادة والخلاف في أنه لو أريد به الزيادة لكان حقيقة أو مجازا فإن ~~الثلاثة مستيقنة من لفظ العشرة ولا يوجب كونه مجازا في الباقي وكون ارتفاع ~~الحرج معلوما من صيغة الأمر لا يوجب كونه مجازا في الوجوب والندب وكون ~~الواحد مستيقنا من لفظ الناس لا يوجب كونه مجازا في الباقي وكون الندب ~~مستقينا من الأمر لا يوجب كونه مجازا في الوجوب وكون الفعلة الواحدة ~~مستيقنة في الأمر لا يوجب كونه مجازا في التكرار وكون البدار معلوما في ~~الأمر لا يوجب كونه مجازا في التراخي # ثم نقول: هذا متناقض لأن قولهم :إن الثلاثة هو المفهوم فقط يناقض قولهم ~~الباقي مشكوك لأنه إن كان هو المفهوم فقط فالباقي غير داخل قطعا وإن كانوا ~~شاكين في الباقي فقد شكوا في نفس المسألة فإن الخلاف في الباقي وأخطأوا في ~~قولهم إن الثلاثة مفهومه فقط # شبه أرباب الوقف # قد ذهب القاضي والأشعري وجماعة من المتكلمين إلى الوقف ولهم شبه ثلاث : PageV02P119 # الأولى : أن كون هذه الصيغ موضوعة للعموم لا يخلو إما أن تعرف بعقل أو نقل ~~والنقل إما نقل عن أهل اللغة أو نقل عن الشارع وكل واحد إما آحاد وإما ~~تواتر والآحاد لا حجة فيها والتواتر لا يمكن دعواه فإنه لو كان لأفاد علما ~~ضروريا والعقل لا مدخل له في اللغات وهلم جرا إلى تمام الدليل الذي سقناه ms355 ~~في بيان أن صيغة الأمر مترددة بين الإيجاب والندب # الاعتراض: أن هذا مطالبة بالدليل وليس بدليل ومسلم أنه إن لم يدل دليل ~~فلا سبيل إلى القول به وسنذكر وجه الدليل عليه إن شاء الله # الثانية: إنا لما رأينا العرب تستعمل لفظ العين في مسمياته ولفظ اللون في ~~السواد والبياض والحمرة استعمالا واحدا متشابها قضينا بأنه مشترك فمن ادعى ~~أنه حقيقة في واحد ومجاز في الآخر فهو متحكم وكذلك رأيناهم يستعملون هذه ~~الصيغ للعموم والخصوص جميعا بل استعمالهم لها في الخصوص أكثر فقلما وجد في ~~الكتاب والسنة والكلمات المطلقة في المحاورات ما لا يتطرق إليه التخصيص فمن ~~زعم أنه مجاز في الخصوص حقيقة في العموم كان كمن قال هو حقيقة في الخصوص ~~مجاز في العموم والقولان متقابلان فيجب تدافعهما والاعتراف بالاشتراك # الاعتراض :إن هذا أيضا يرجع إلى المطالبة بالدليل وليس بدليل لأن العرب ~~تستعمل المجاز والحقيقة كما تستعمل اللفظ المشترك ولم تقيموا دليلا على أن ~~هذا ليس من قبيل المجاز والحقيقة بل طالبتم بالدليل على أن هذا ليس من ~~المشترك # الشبهة الثالثة :قولهم إنه كم يحسن الاستفهام في قوله افعل إنه للوجوب أو ~~الندب فيحسن الاستفهام في صيغ الجمع أنه أريد به البعض أو الكل فإنه إذا قال PageV02P120 ~~السيد لعبده من أخذ مالي فأقتله يحسن أن يقول وإن كان إباك أو ولدك فيقول ~~لا أو نعم ويقول من أطاعني فأكرمه فيقول وإن كان كافرا أو فاسقا فيقول لا ~~أو نعم فكل ذلك مما يحسن فلو قال اقتل كل مشرك فيقول والمؤمن أيضا اقتله أم ~~لا ؟فلا يحسن هذا الاستفهام # قلنا :لان المشرك لايصلح للمؤمن،لما أنه لم يوضع له وإنما يحسن الاستفهام ~~لظهور التجوز به عن الخصوص # قلنا المجاز إذا كثر استعماله كان للمستفهم الاحتياط في طلبه أو يحسن إذا ~~عرف من عادة المتكلم أنه يهين الفاسق والكافر وإن أطاعه ويسامح الأب في بذل ~~المال والقرينة تشهد للخصوص واللفظ يشهد للعموم ويتعارض ما يورث الشك فيحسن ~~الاستفهام # بيان الطريق المختار عندنا في ms356 إثبات العموم # أعلم أن هذا النظر لا يختص بلغة العرب بل هو جار في جميع اللغات لأن صيغ ~~العموم محتاج إليها في جميع اللغات فيبعد أن يغفل عنها جميع أصناف الخلق ~~فلا يضعونها مع الحاجة إليها # ويدل على وضعها توجه الاعتراض على من عصى الأمر العام وسقوط الاعتراض عمن ~~أطاع ولزوم النقض والخلف عن الخبر العام وجواز بناء الاستحلال على المحللات العامة # فهذه أمور أربعة تدل على الغرض PageV02P121 ~~وبيانها أن السيد إذا قال لعبده من دخل اليوم داري فأعطه درهما أو رغيفا ~~فأعطى كل داخل لم يكن للسيد أن يعترض عليه فإن عاتبه في إعطائه واحدا من ~~الداخلين مثلا وقال لم أعطيت هذا من جملتهم وهو قصير وإنما أردت الطوال أو ~~هو أسود وإنما أردت البيض فللعبد أن يقول ما أمرتني بإعطاء الطوال ولا ~~البيض بل بإعطاء من دخل وهذا داخل فالعقلاء إذا سمعوا هذا الكلام في اللغات ~~كلها أو إعتراض السيد ساقطا وعذر العبد متوجها وقالوا للسيد أنت أمرته ~~بإعطاء من دخل وهذا قد دخل ولو أنه أعطى الجميع إلا واحدا فعاتبه السيد ~~وقال لم لم تعطه فقال العبد لأن هذا طويل أو أبيض وكان لفظك عاما فقلت لعلك ~~أردت القصار أو السود استوجب التأديب بهذا الكلام وقيل له مالك وللنظر إلى ~~الطول واللون وقد أمرت بإعطاء الداخل فهذا معنى سقوط الاعتراض عن المطيع ~~وتوجهه على العاصي # وأما النقض على الخبر: فإذا قال ما رأيت اليوم أحدا وكان قد رأى جماعة ~~كان كلامه خلفا منقوضا وكذبا فإن أردت أحدا غير تلك الجماعة كان مستنكرا ~~وهذه كصيغ الجميع فإن النكرة في النفي تعم عند القائلين بالعموم ولذلك قال ~~الله تعالى {إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي ~~جاء به موسى نورا وهدى للناس} ]الأنعام: من الآية91[وإنما أورد هذا نقضا ~~على كلامهم فإن لم يكن عاما فلم ورد النقض عليهم ؟ فإن هم أرادوا غير موسى ~~فلم لزم دخول موسى تحت اسم البشر ؟ # وأما الاستحلال ms357 بالعموم :فإذا قال الرجل أعتقت عبيدي وإمائي ومات عقيبه ~~جاز لمن سمعه أن يزوج من أي عبيده شاء ويتزوج من أي جواريه شاء بغير رضا ~~الورثة وإذا قال العبيد الذين هم في يدي ملك فلان كان ذلك إقرارا محكوما به ~~في الجميع وبناء الأحكام على أمثال هذه العمومات في سائر اللغات لا ينحصر ~~ولا خلاف في أنه لو قال أنفق على عبدي غانم أو على زوجتي PageV02P122 ~~زينب أو قال غانم حر وزينب طالق وله عبدان اسمهما غانم وزوجتان اسمهما زينب ~~فتجب المراجعة والاستفهام لأنه أتى باسم مشترك غير مفهوم فإن كان لفظ ~~العموم فيما وراء أقل الجمع مشتركا فينبغي أن يجب التوقف على العبد إذا ~~أعطى ثلاثة ممن دخل الدار وينبغي أن يراجع في الباقي وليس كذلك عند العقلاء ~~كلهم في اللغات كلها # فإن قيل: إن سلم لكم ما ذكرتموه فإنما يسلم بسبب القرائن لا بمجرد اللفظ ~~فإن عرى عن القرائن فلا يسلم # قلنا: كل قرينة قدرتموها فعلينا أن نقدر نفيها أو يبقى حكم الاعتراض ~~والنقض كما سبق فإن غايتهم أن يقولوا إذا قال أنفق على عبيدي وجواري في ~~غيبتي كان مطيعا بالانفاق على الجميع لأجل قرينة لحاجة إلى النفقة أو أعط ~~من دخل داري فهو بقرينة إكرام الزائر فهذا وما يجري مجراه إذا قدروه ~~فسبيلنا أن نقدر أضدادها فإنه لو قال لا تنفق على عبيدي وزوجاتي كان عاصيا ~~بالانفاق مطيعا بالتضييع ولو قال اضربهم لم يكن عليه أن يقتصر على ثلاثة بل ~~إذا ضرب جميعهم عد مطيعا ولو قال من دخل داري فخذ منه شيئا بقي العموم # بل نقدر ما لا غرض في نفيه وإثباته فلو قال من قال من عبيدي جيم فقل له ~~صاد ومن قال من جواري ألف فأعتقها فامتثل أو عصى كان ما ذكرناه من سقوط ~~الاعتراض وتوجهه جاريا بل نعلم قطعا أنه لو ورد من صادق عرف صدقه بالمعجزة ~~ولم يعش إلا ساعة من نهار وقال في تلك الساعة من سرق فأقطعوه ومن زنى ~~فاضربوه ms358 والصلاة واجبة على كل عاقل بالغ وكذلك الزكاة ومن قتل مسلما فعلية ~~القصاص ومن كان له ولد فعليه النفقة ومات عقيب هذا الكلام ولم نعرف له عادة ~~ولا أدركنا من أحواله قرينة ولا صدر منه سوى هذه الألفاظ إشارة ورمزا ولا ~~ظهر في وجهه حالة لكنا نحكم بهذه الألفاظ ونتبعها ولا يقال جاء بألفاظ ~~مشتركة مجملة ومات قبل أن يبينها فلا يمكن العمل بها ولو قدروا قرينة في ~~نطقه وصورة حركته عند كلامه فليقدر أنه كتب في كتاب وسلمه إلينا وقال ~~اعملوا بما فيه ومات وإن قدروا قرينة مناسبة بين هذه الجنايات والعقوبات ~~فنقدر أمورا لا مناسبة فيها كحروف المعجم فإذا PageV02P123 ~~قال: من قال لكم ألف فقولوا جيم وأمثاله فيكون جميع ذلك مفهوما معمولا به ~~وكل قرينة قدروها فنقدر نفيها ويبقى ما ذكرنا بمجرد اللفظ # وبهذا تبين أن الصحابة إنما تمسكوا بالعمومات بمجرد اللفظ وانتفاء ~~القرائن المخصصة لا أنهم طلبوا قرينة معممة وتسوية بين أقل الجمع والزيادة # فإن قيل: إذا قال من دخل داري فأعطه فيحسن أن يقال ولو كان كافرا فاسقا؟ ~~فربما يقول نعم وربما يقول لا فلو عم اللفظ فلم حسن الاستفهام ؟ # قلنا :لا يحسن أن يقال وإن كان طويلا أو أبيض أو محترفا وما جرى مجراه ~~وإنما حسن السؤال عن الفاسق لأنه يفهم من الإعطاء الإكرام ويعلم من عادته ~~أنه لا يكرم الفاسق أو علم من عادة الناس ذلك فتوهم أنه يقتدي بالناس فيه ~~فلتوهم هذه القرينة المخصصة حسن منه السؤال ولذلك لم يحسن في سائر الصفات ~~ولذلك لو لم يراجع وأعطى الفاسق وعاتبه السيد فله أن يقول أمرتني بإعطاء كل ~~داخل وهذا قد دخل فيقول السيد كان ينبغي أن تعرف بعقلك أن هذا إكرام ~~والفاسق لا يكرم فيتمسك بقرينة مخصصة فربما يكون مقبولا فلو لم يقل هذا ~~ولكن قال كان لفظي مشتركا غير مفهوم فلم أقدمت قبل السؤال لم يكن هذا ~~العتاب متوجها قطعا # فإن قيل: فقد فرضتم الكلام في أداة الشرط وقد قال بعمومه من ms359 أنكر سائر ~~العمومات فما الدليل في سائر الصور ؟ # قلنا :هذا يجري في من وما ومتى وحيث وأي وقت وأي شخص ونظائره ويجري أيضا ~~في النكرة في النفي كقوله ما رأيت أحدا مثل قوله تعالى {ما أنزل الله على ~~بشر من شيء } ]الأنعام: من الآية91[وكذلك في قولهم كل وجميع وأجمعون بل هو ~~أظهر وهو النوع الثالث وكذلك في النوع PageV02P124 ~~الرابع وهي صيغ الجموع كالفقراء والمساكين وهذا أيضا جار فيه فإنه إذا قال ~~لعبده أعط الفقراء واقتل المشركين واقتصر على هذا وانتفت القرائن جري حكم ~~الطاعة والعصيان وتوجه الاعتراض وسقوطه كما سبق وهو جار في كل جمع إلا في ~~بعض الجموع المبنية للتقليل كما ورد على وزن الأفعال كالأثواب والأفعلة ~~كالأرغفة والأفعل كالأكلب والفعلة كالصبية وقد قال سيبويه جميع هذا للتقليل ~~وما عداه للتكثير وقيل أيضا جمع السلامة للتقليل وهذا بعيد لا سيما فيما ~~ليس فيه جمع مبني للتكثير وجمع القلة أيضا لا يتقدر المراد منه بل يختلف ~~ذلك بالقرائن والأحوال إلا أنه ليس موضوعا للاستغراق # وأما النوع الخامس ،وهو الاسم المفرد إذا دخل عليه الألف واللام فهذا فيه ~~نظر وقد اختلفوا فيه والصحيح التفصيل وهو أنه ينقسم إلى ما يتميز فيه لفظ ~~الواحد عن الجنس بالهاء كالتمرة والتمر والبرة والبر فإن عري عن الهاء فهو ~~للاستغراق فقوله لا تبيعوا البر بالبر ولا التمر بالتمر يعم كل بر وتمر وما ~~لا يتميز بالهاء ينقسم إلى ما يتشخص ويتعدد كالدينار والرجل حتى يقال دينار ~~واحد ورجل واحد وإلى ما لا يتشخص واحد منه كالذهب إذ لا يقال ذهب واحد فهذا ~~لاستغراق الجنس أما الدينار والرجل فيشبه أن يكون للواحد والألف واللام فيه ~~للتعريف فقط وقولهم الدينار أفضل من الدرهم يعرف بقرينة التسعير ويحتمل أن ~~يقال هو دليل على الاستغراق فإنه لو قال لا يقتل المسلم بالكافر ولا يقتل ~~الرجل بالمرأة فهم ذلك في الجميع فإنه لو قد حيث لا مناسبة فلا يخلو عن ~~الدلالة على الجنس PageV02P125 ~~القول في العموم إذا خص هل يصير ms360 مجازا في الباقي وهل يبقى حجة # وهما نظران :أما صيرورته مجازا فقد اختلفوا فيه على أربعة مذاهب # فقال قوم: يبقى حقيقة لأنه كان متناولا لما بقي حقيقة فخروج غيره عنه لا يؤثر # وقال قوم: يصير مجازا لأنه وضع للعموم فإذا أريد به غير ما وضع له ~~بالقرينة كان مجازا وإن لم يكن هذا مجازا فلا يبقى للمجاز معنى ولا يكفي ~~تناوله مع غيره لأنه لا خلاف أنه لورد إلى ما دون أقل الجمع صار مجازا فإذا ~~قال لا تكلم الناس ثم قال أردت زيدا خاصة كان مجازا وإن كان هو داخلا فيه # وقال قوم :هو حقيقة في تناوله مجاز في الإقتصار عليه # وهذا ضعيف فإنه لورد إلى الواحد كان مجازا مطلقا لأنه تغير عن وضعه في ~~الدلالة فالسارق مهما صار عبارة عن سارق النصاب خاصة فقد تغير الوضع ~~واستعمل لا على الوجه الذي وضعته العرب # وقد اختار القاضي في التفريع على مذهب أرباب العموم أنه صار مجازا لكن ~~قال إنما يصير مجازا إذا أخرج منه البعض بدليل منفصل من عقل أو نقل أما ما ~~خرج بلفظ متصل كالاستثناء فلا يجعله مجازا بل يصير الكلام بسبب الزيادة ~~المتصلة به كلاما آخر موضوعا لشيء آخر فإنا نريد الواو والنون في قولنا ~~مسلم فنقول مسلمون فيدل على أمر زائد ولا نجعله مجازا ونزيد الألف واللام ~~على قولنا رجل فنقول الرجل فيزيد فائدة أخرى وهي التعريف لأن هذه صارت صيغة ~~أخرى بهذه الزيادة فجاز أن يدل على معنى آخر ولا فرق بين PageV02P126 ~~أن نزيد حرفا أو كلمة فإذا قال يقطع السارق إلا من سرق دون النصاب كان ~~مجموع هذا الكلام موضوعا للدلالة على ما دل عليه فقوله تعالى {فلبث فيهم ~~ألف سنة إلا خمسين عاما} ]العنكبوت: من الآية14[دل على تسعمائة وخمسين لا ~~على سبيل المجاز بل الوضع كذلك وضع وكأن العرب وضعت عن تسعمائة وخمسين ~~عبارتين إحداهما ألف سنة إلا خمسين والأخرى تسعمائة وخمسون # ويمكن أن يقال :ما صار عبارة بالوضع عن هذا القدر ms361 بل بقي الألف للألف ~~والخمسون للخمسين وإلا للرفع بعد الإثبات ونحن بعلم الحساب عرفنا أن هذا ~~تسعمائة وخمسون فإنا إذا وضعنا ألفا ورفعنا خمسين علمنا مقدار الباقي بعلم ~~الحساب فلا نقول المجموع صار عبارة موضوعة عن هذا العدد وهذا أدق وأحق لا ~~كزيادة الألف واللام والياء والنون على المسلم فإن تلك الزيادة لا معنى لها ~~بغير اللفظ الأول # فإن قيل: لو قال الله تعالى براءة من الله ورسوله فقال الرسول متصلا به ~~إلا زيدا فهل يكون هذا كالمتصل الذي لا يجعل لفظ المشركين مجازا في الباقي ؟ # قلنا :اختلفوا فيه والظاهر أن هذا من غير المتكلم يجري مجرى الدليل ~~المنفصل من قياس العقل والنقل ولهذا لو قال زيد وقال غيره قام لا يصير خبرا ~~حتى يصدر من الأول قوله قام لأن نظم الكلام إنما يكون من متكلم واحد وذلك ~~يجعله خبرا # فإن قيل: فلو أخرج بالاستثناء عن لفظ المشركين الجميع إلا زيدا فهل يصير ~~لفظ المشركين مجازا ؟ # قلنا :نعم لأنه للجمع بالاتفاق والخلاف في أنه مستغرق أو غير مستغرق فهو ~~عند أرباب العموم عند الاستثناء لجمع غير مستغرق دون الاستثناء لجمع PageV02P127 ~~مستغرق # هل يبقى العموم حجة في الباقي بعد التخصيص ؟ # وأما النظر الثاني في كونه حجة في الباقي فقد قال قوم من القائلين ~~بالعموم إنه لا يبقى حجة بل صار مجملا وإليه ذهبت القدرية لأنه إذا لم يترك ~~على الوضع فلا يبقى للفهم معتمد سوى القرينة وتلك القرينة غير معينة فلا ~~يهتدي إليها # ومن هؤلاء من قال :أقل الجمع يبقى لأنه مستيقن. # واحتج القائلون بكونه مجملا بأن السارق إذا خرج منه سارق ما دون النصاب ~~والسارق من غير الحرز ومن يستحق النفقة وغير ذلك فبم يفهم المراد منه على ~~سبيل الحصر وقد خرج الوضع من أيدينا ؟ ولا قرينة تفصل وتحصر فيبقى مجملا # والصحيح أنه يبقى حجه إلا إذا استثنى منه مجهولا كما لو قال اقتلوا ~~المشركين إلا رجلا أما إذا استخرج منه معلوم فإنه يبقى دليلا في الباقي # ولأجله تمسك الصحابة ms362 بالعمومات وما من عموم إلا وقد تطرق إليه التخصيص ~~وهذا لأن لفظ السارق يتناول كل سارق بالوضع لولا دليل مخصوص والدليل ~~المخصوص صرف دلالته عن البعض ولا مسقط لدلالته في الباقي نعم لا يدل اللفظ ~~على إخراج ما خرج فافتقر إلى دليل مخرج وقصوره عنه لا يدل على قصوره عن ~~تناول الباقي فمن قال أعتق رقبة ثم قال لا تعتق معيبة ولا كافرة لم يخرج به ~~كلامه الأول عن كونه مفهوما والرجوع في هذا إلى عادة اللسان وأهل اللغة ~~وعادات الصحابة إذ لم يطرحوا جميع عمومات الكتاب والسنة لتطرق التخصيص إليها # وعلى الجملة كلام الواقفية في العموم المخصص أظهر لا محالة PageV02P128 ~~فإن قيل :قد سلمتم أنه صار مجازا فيفتقر العمل به إلى دليل إذا المجاز لا ~~يعمل به إلا بدليل # قلنا :هو حقيقة في وضعه والدليل المخصص هو الذي جعله مجازا أما سقوط ~~دلالة المجاز فلا وجه له لا سيما المجاز المعروف فإنا نتمسك به بغير دليل ~~زائد كقوله تعالى {أو جاء أحد منكم من الغائط} ]النساء: من الآية43[ فإنه ~~وإن كان مجازا فهو معروف وكذلك التفهيم بالعمومات المخصصة معروف في اللسان ~~ولا يمكن اطراحه PageV02P129 ### |||| AUTO في تمييز ما يمكن دعوى العموم فيه عما لا يمكن # ... # الباب الثاني في تمييز ما يمكن دعوى العموم فيه عما لا يمكن # وفيه مسائل: # مسألة: بيان العموم # إنما يمكن دعوى العموم فيما ذكره الشارع على سبيل الابتداء أما ما ذكره ~~في جواب السائل فإنه ينظر فإن أتى بلفظ مستقل لو ابتدأ به كان عاما كما سئل ~~صلى الله عليه وسلم عن بئر بضاعة فقال "خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء ~~إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه" وكما سئل عن ماء البحر فقال هو الطهور ~~ماؤه الحل ميتته" # وأما إذا لم يكن مستقلا نظر ،فإن لم يكن لفظ السائل عاما فلا يثبت العموم PageV02P129 ~~للجواب كما لو قال السائل توضأت بماء البحر فقال يجزيك أو قال وطئت في نهار ~~رمضان فقال "أعتق رقبة" ms363 فهذا لا عموم له لأنه خطاب مع شخص واحد وإنما يثبت ~~الحكم في حق غيره بدليل مستأنف من قياس إذا ورد التعبد بالقياس أو تعلق ~~بقوله عليه السلام حكمي على الواحد حكمي على الجماعة وذلك بشرط أن يكون حال ~~غيره مثل حاله في كل وصف مؤثر في الحكم حتى لا يفترقا إلا في الشخص ~~والأحوال التي لا مدخل لها في التفرقة من الطول واللون وأمثاله # والذكورة والأنوثة كالطول واللون في بعض الأحكام كالعتق ولذلك قلنا: حكمه ~~في العبد بالسراية حكم في الأمة وفي باب ولاية النكاح ليس كذلك إذ عرف من ~~الشرع ترك الالتفات إلى الذكورة والأنوثة في العتق والرق ولم يعرف ذلك في ~~النكاح ولذلك نقول روي في الصحيح أن أبا بكر رضي الله عنه أم بالناس في مرض ~~النبي صلى الله عليه وسلم فخرج صلى الله عليه وسلم وهو في أثناء الصلاة فهم ~~بأن يتخلف فأشار عليه بالمنع ووقف بجانبه واقتدى أبو بكر بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم واستمر الناس على الاقتداء بأبي بكر رضي الله عنه وصلى الناس ~~بصلاة أبي بكر وصلى أبو بكر بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم # وفيه اقتداء الإمام بغيره واقتداء الناس بالمقتدى بغيره وليس يظهر لنا أن ~~غير رسول الله صلى الله عليه وسلم في معنى النبي صلى الله عليه وسلم فإن ~~التقدم عليه مع حضوره مستبعد فيما يرجع إلى الإمام وللنبوة فيها تأثير وهذا ~~فعل خاص لا عموم له ودعوى الإلحاق تحكم مع ظهور الفرق ولا عموم يتعلق به بل ~~قوله لعبد الرحمن بن عوف البس الحرير ولأبي بردة بن نيار في الأضحية بجذعة ~~من الضان تجزيك وإذنه للعرنيين بشرب أبوال الإبل وقوله لعمر مره فليراجعها ~~إلا عموم لشيء منه فيفتقر تعميمه إلى دليل متسأنف من قياس أو غيره أما ما ~~نقل من اقتداء الناس بأبي بكر مع اقتدائه بالنبي صلى الله عليه وسلم فيحتمل ~~أن مقتدي الكل كان بالنبي عليه السلام PageV02P130 ~~وكان أبو بكر سفيرا برفع الصوت بالتكبيرات # أما إذا ms364 كان لفظ السائل عاما نزل منزلة عموم لفظ الشارع كما لو سأله سائل ~~عمن أفطر في نهار رمضان فقال أعتق رقبة كان كما لو قال من أفطر في نهار ~~رمضان أعتق رقبة لأنه يجيب عن السؤال فلا يكون الجواب إلا مطابقا للسؤال أو ~~أعم منه فأما أخص منه فلا أما لو قال السائل أفطر زيد في نهار رمضان فقال ~~عليه عتق رقبة أو قال طلق ابن عمر زوجته فقال مره فليراجعها فهذا لا عموم ~~له فلعله عرف من حاله ما يوجب العتق والمراجعة عليه خاصة ولا نعرف ما تلك ~~الحال ومن الذي يساويه فيها ولا يدري أنه أفطر عمدا أو سهوا أو بأكل أو جماع # فإن قيل :ترك الاستفصال مع تعارض الأحوال يدل على عموم الحكم وهذا من ~~كلام الشافعي قلنا من أين تحقق ذلك ولعله عليه السلام عرف خصوص الحال فأجاب ~~بناء على معرفته ولم يستفصل فهذا تقرير عموم بالوهم المجرد # مسألة :العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص سبب؟! # ورود العام على سبب خاص لا يسقط دعوى العموم كقوله صلى الله عليه وسلم ~~حيث مر بشاة ميمونة "أيما إهاب دبغ فقد طهر" # وقال قوم: يسقط عمومه # وهو خطأ نعم يصير احتمال التخصيص أقرب ويقنع فيه بدليل أخف PageV02P131 ~~وأضعف وقد يعرف بقرينة اختصاصه بالواقعة كما إذا قيل كلم فلانا في واقعة ~~فقال :والله لا أكلمه أبدا فإنه يفهم بالقرينة أنه يريد ترك الكلام في تلك ~~الواقعة لا على الإطلاق # والدليل على بقاء العموم أن الحجة في لفظ الشارع لا في السؤال والسبب ~~ولذلك يجوز أن يكون الجواب معد ولا عن سنن السؤال حتى لو قال السائل أيحل ~~شرب الماء وأكل الطعام والاصطياد فيقول الأكل واجب والشرب مندوب والصيد ~~حرام فيجب اتباع هذه الأحكام وإن كان فيه خطر ووجوب والسؤال وقع عن الإباحة فقط # وكيف ينكر هذا وأكثر أصول الشرع خرجت على أسباب كقوله تعالى :{والسارق ~~والسارقة } [المائدة: من الآية38] نزل في سرقة المجن أو رداء صفوان ونزلت ~~آية الظهار في سلمة ms365 بن صخر وآية اللعان في هلال بن أمية وكل ذلك على العموم # وشبه المخالفين ثلاث: # الأولى : أنه لو لم يكن للسبب تأثير والنظر إلى اللفظ خاصة فينبغي أن ~~يجوز إخراج السبب بحكم التخصيص عن عموم المسميات كما لو لم يرد على سبب # قلنا:لا خلاف في أن كلامه بيان للواقعة لكن الكلام في أنه بيان له خاصة ~~أوله ولغيره واللفظ يعمه ويعم غيره وتناوله له مقطوع به وتناوله لغيره ظاهر ~~فلا يجوز أن يسأل عن شيء فيجيب عن غيره نعم يجوز أن يجيب عنه وعن غيره ~~ويجوز أيضا أن يجيب عن غيره بما ينبه على محل السؤال كما قال لعمر "أرأيت ~~لو تمضمضت؟" وقد سأله عن القبلة وقال للخثعمية "أرأيت لو كان على أبيك دين ~~فقضيته" # الشبهة الثانية : إنه لو لم يكن للسبب مدخل لما نقله الراوي إذ لا فائدة فيه PageV02P132 ~~قلنا:فائدته معرفة أسباب التنزيل والسير والقصص واتساع علم الشريعة وأيضا ~~امتناع إخراج السبب بحكم التخصيص بالاجتهاد ولذلك غلط أبو حنيفة رحمه الله ~~في إخراج الأمة المستفرشة من قوله صلى الله عليه وسلم "الولد للفراش" ~~والخبر إنما ورد في وليدة زمعة إذ قال عبد بن زمعة هو أخي وابن وليدة أبي ~~ولد على فراشه فقال عليه السلام الولد للفراش وللعاهر الحجر فأثبت للأمة ~~فراشا وأبو حنيفة لم يبلغه السبب فأخرج الأمة من العموم # الشبهة الثالثة :إنه لولا أن المراد بيان السبب لما أخر البيان إلى وقوع ~~الواقعة فإن الغرض إذا كان تمهيد قاعدة عامة فلم أخرها إلى وقوع واقعة؟ # قلنا:ولم قلتم لا فائدة في تأخيره والله تعالى أعلم بفائدته ولم طلبتم ~~لأفعال الله فائدة؟ بل لله تعالى أن ينشىء التكليف في أي وقت شاء ولا يسأل ~~عما يفعل # ثم نقول: لعله علم أن تأخيره إلى الواقعة لطف ومصلحة للعباد داعية إلى ~~الانقياد ولا يحصل ذلك بالتقديم والتأخير # ثم نقول: يلزم لهذه العلة اختصاص الرجم بماعز والظهار واللعان وقطع ~~السرقة بالأشخاص الذين ورد فيهم لأن الله تعالى آخر البيان إلى وقوع ~~وقائعهم ms366 وذلك خلاف الإجماع # مسألة: العموم للالفاظ دون المعاني # المقتضى لا عموم له وإنما العموم للألفاظ لا للمعاني فتضمنها من ضرورة PageV02P133 ~~الألفاظ # بيانه :أن قوله صلى الله عليه وسلم " لا صيام لمن لم يبيت الصيام من ~~الليل" ظاهره ينفي صورة الصوم حسا لكن وجب رده إلى الحكم وهو نفي الأجزاء ~~أو الكمال # وقد قيل: إنه متردد بينهما فهو مجمل # وقيل :إنه عام لنفي الأجزاء والكمال وهو غلط # نعم لو قال :لا حكم لصوم بغير تبييت لكن الحكم لفظا عاما في الأجزاء ~~والكمال أما إذا قال لا صيام فالحكم غير منطوق به وإنما أثبت ذلك من طريق ~~الضرورة # وكذلك قوله عليه السلام "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان " معناه حكم الخطأ ~~والنسيان ولا عموم له ولو قال لا حكم للخطأ لأمكن حمله على نفي الإثم ~~والغرم وغير ذلك لا على العموم في الإجزاء والكمال لأن الأجزاء الصحة إذا ~~انتفيا كان انتفاء الكمال ضرورة وإنما العموم ما يشتمل على معنيين يمكن ~~انتفاء كل واحد منهما PageV02P134 ~~دون الآخر # مسألة العام في الفعل المتعدي؟ # الفعل المتعدي إلى مفعول اختلفوا في أنه بالإضافة إلى مفعولاته هل يجري ~~مجرى العموم # فقال أصحاب: أبي حنيفة لا عموم له حتى لو قال والله لا آكل ونوى طعاما ~~بعينه أو قال إن أكلت فأنت طالق ونوى طعاما بعينه لم يقبل وكذلك إذا نوى ~~بالضرب آلة بعينها # واستدل أصحاب أبي حنيفة بأن هذا من قبيل المقتضى فلا عموم له لأن الأكل ~~يستدعي مأكولا بالضرورة لا أن اللفظ تعرض له فما ليس منطوقا لا عموم له ~~فالمكان للخروج والطعام للأكل والآلة للضرب كالوقت للفعل والحال للفاعل ولو ~~قال أنت طالق ثم قال أردت به إن دخلت الدار أو أردت به يوم الجمعة لم يقبل ~~وكذلك قالوا لو نوى بقوله أنت طالق عددا لم يجزه # وجوز أصحاب الشافعي ذلك # والانصاف أن هذا ليس من قبيل المقتضى ولا هو من قبيل الوقت والحال فإن ~~اللفظ المعتدي إلى المفعول يدل على المفعول بصيغته ووضعه فأما الحال ms367 والوقت ~~فمن ضرورة وجود الأشياء لكن لا تعلق بها بالألفاظ والمقتضى هو ضرورة صدق ~~الكلام كقوله لا صيام أو ضرورة وجود المذكور كقوله أعتق عني فإنه يدل على ~~حصول الملك قبله لا من حيث اللفظ لكن من حيث كون الملك شرطا لتصور العتق ~~شرعا أما الأكل فيدل على المأكول والضرب على الآلة والخروج على المكان ~~وتتشابه نسبته إلى الجميع فهو بالعموم أشبه PageV02P135 ~~فإن قيل :لا خلاف في أنه لو أمر بالأكل والضرب والخروج كان ممتثلا بكل طعام ~~وبكل آلة وكل مكان ولو علق العتق حصل بالجميع فهذا يدل على العموم # قلنا:ليس ذلك لأجل العموم ولكن لأجل أن ما علق عليه وجد والآلة والمكان ~~والمأكول غير متعرض له أصلا حتى لو تصور هذه الأفعال دون الطعام والآلة ~~والمكان والمأكول يحصل الامتثال وهو كالوقت والحال فإنه إن أكل وهو داخل في ~~الدار أو خارج وراكب أو راجل حنث وكان ممتثلا لا لعموم اللفظ لكن لحصول ~~الملفوظ في الأحوال كلها وإنما تظهر فائدة العموم في إرادة بعض هذه الأمور # وإلأظهر عندنا جواز نية البعض وأنه جار مجرى العموم ومفارق للمقتضى كما ذكرنا # مسألة العموم في الأفعال # لا يمكن دعوى العموم في الفعل لأن الفعل لا يقع إلا على وجه معين فلا ~~يجوز أن يحمل على كل وجه يمكن أن يقع عليه لأن سائر الوجوه متساوية بالنسبة ~~إلى محتملاته والعموم ما يتساوى بالنسبة إلى دلالة اللفظ عليه بل الفعل ~~كاللفظ المجمل المتردد بين معان متساوية في صلاح اللفظ # ومثاله ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم "أنه صلى بعد غيبوبة الشفق" ~~فقال قائل:الشفق شفقان الحمرة والبياض وأنا أحمله على وقوع صلاة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بعدهما جميعا PageV02P136 ~~وكذلك صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكعبة فليس لقائل أن يستدل به ~~على جواز الفرض في البيت مصيرا إلى أن الصلاة تعم النفل والفرض لأنه إنما ~~يعم لفظ الصلاة لا فعل الصلاة أما الفعل فإما أن يكون فرضا فلا يكون نفلا ms368 ~~أو يكون نفلا فلا يكون فرضا # مسألة هل الفعل النبي عموم ؟ # فعل النبي عليه السلام كما لا عموم له بالإضافة إلى أحوال الفعل فلا عموم ~~له بالإضافة إلى غيره بل يكون خاصا في حقه إلا أن يقول أريد بالفعل بيان ~~حكم الشرع في حقكم كما قال "صلوا كما رأيتموني أصلي" بل نزيد ونقول قوله ~~تعالى {يا أيها النبي اتق الله} [الأحزاب: من الآية1] وقوله {لئن أشركت ~~ليحبطن عملك } [الزمر: من الآية65]مختص به بحكم اللفظ وإنما يشاركه غيره ~~بدليل لا بموجب هذا اللفظ كقوله {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} ~~[المائدة: من الآية67] وقوله تعالى {فاصدع بما تؤمر} [الحجر: من الآية94] # وقال قوم: ما ثبت في حقه فهو ثابت في حق غيره إلا ما دل الدليل على أنه خاص به # وهذا فاسد لأن الأحكام إذ قسمت إلى خاص وعام فالأصل اتباع موجب الخطاب ~~فما ثبت بمثل قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا }و{يا أيها الناس }و{ يا ~~عبادي }و{ أيها المؤمنون } [النور :31] فيتناول النبي إلا ما استثنى بدليل ~~وما ثبت للنبي كقوله { يا أيها النبي } فيختص به إلا ما دل الدليل على ~~الالحاق وقوله تعالى {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء } [الطلاق: من ~~الآية1] عام لأن ذكر النبي جرى في صدر الكلام تشريفا وإلا فقوله طلقتم عام ~~في صيغته وكذلك قول PageV02P137 ~~النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة افعل ولابن عمر راجعها خاص إنما يشمل ~~الحكم غيره بدليل آخر مثل قوله حكمي على الواحد حكمي على الجماعة أو ما جرى مجراه # مسألة: هل النهي يقتضي العموم: # قول الصحابي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كذا كبيع الغرر ونكاح ~~الشغار وغيره لا عموم له لأن الحجة في المحكي لا في قول الحاكي ولفظه وما ~~رواه الصحابي من حكى النهي يحتمل أن يكون فعلا لا عموم له نهى عنه النبي ~~عليه السلام ويحتمل أن يكون لفظا خاصا ويحتمل أن يكون لفظا عاما فإذا تعارض ~~الاحتمالات لم يكن إثبات العموم ms369 بالتوهم فإذا قال الصحابي نهى عن بيع الرطب ~~بالتمر فيحتمل أن يكون قد رأى شخصا باع رطبا بتمر فنهاه فقال الراوي ما قال ~~ويحتمل أن يكون قد سمع الرسول عليه السلام ينهي عنه ويقول أنهاكم عن بيع ~~الرطب بالتمر ويحتمل أن يكون قد سئل عن واقعة معينة فنهى عنها فالتمسك ~~بعموم هذا تمسك بتوهم العموم لا بلفظ عرف عمومه بالقطع وهذا على مذهب من ~~يرى هذا حجة في أصل النهي # وقد قال قوم :لا بد أن يحكي الصحابي قول الرسول ولفظه وإلا فربما سمع ما ~~يعتقده نهيا باجتهاده ولا يكون نهيا فإن قوله لا تفعل فيه خلاف أنه للنهي ~~أم لا وكذلك في ألفاظ أخر # وكذلك إذا قال نسخ فلا يحتج به ما لم يقل سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول "نسخت PageV02P138 ~~آية كذا" لأنه ربما يرى ما ليس بنسخ نسخا وهذا قد ذكرناه في باب الأخبار ~~وهو أصل السنة في القطب الثاني # مسألة: هل قول الصحابي: يقتضي العموم: # قول الصحابي قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالشفعة للجار وبالشاهد ~~واليمين كقوله نهى في أنه لا عموم له لأن حكاية والحجة في المحكي ولعله حكم ~~في عين أو بخطاب خاص مع شخص فكيف يتمسك بعمومه فيقال مثلا يقضي بالشاهد ~~واليمين في البضع أو في الدم لأن الراوي أطلق مع أن للراوي أن يطلق هذا إذا ~~رآه قد قضى في مال أو في بضع بل لو قال الصحابي سمعته يقول قضيت بالشفعة ~~للجار فهذا يحتمل الحكاية عن قضاء الجار معروف ويكون الألف واللام للتعريف ~~وقوله قضيت حكاية فعل ماض # فأما لو قال قضيت بأن الشفعة للجار فهذا أظهر في الدلالة على التعريف ~~للحكم دون الحكاية ولو قال الراوي قضى النبي عليه السلام بأن الشفعة للجار ~~اختلفوا فيه فمنهم من جعله عاما ومنهم من قال يجوز أن يكون قد قضى في واقعة ~~بأن الشفعة للجار فدعوى العموم فيه حكم بالتوهم # مسألة: لا عموم لواقعة الحال # لا يمكن دعوى العموم في واقعة ms370 لشخص معين قضى فيها النبي عليه السلام بحكم ~~وذكر علة حكمه أيضا إذا أمكن اختصاص العلة بصاحب الواقعة # مثاله :حكمه في أعرابي محرم وقصت به ناقته لا تخمروا رأسه ولا تقربوه ~~طيبا فإنه يحشر يوم القيامة ملبيا فإن لفظه خاص وعلته خاصة أيضا فلعله علم PageV02P139 ~~من حاله انه يحشر يوم القيامة ملبيا لانه وقصت به ناقته محرما لا بمجرد ~~إحرامه أو لأنه علم من نيته أنه كان مخلصا في عبادته وأنه مات مسلما وغيره ~~لا يعلم موته على الإسلام فضلا عن الإخلاص # وكذلك قال عليه السلام في قتلي أحد "زملوهم بكلومهم ودمائهم فإنهم يحشرون ~~وأوداجهم تشخب دما" يجوز أن يكون لقتلى أحد خاصة لعلو درجتهم أو لعلمه أنهم ~~أخلصوا الله فهم شهداء حقا ولو صرح بأن ذلك خاصيتهم قبل ذلك فاللفظ خاص ~~والتعميم وهم # والشافعي رحمه الله تعالى عمم هذا الحكم نظرا إلى العلة وأن ذلك كان بسبب ~~الجهاد والإحرام وأن العلة حشرهم على هذه الصفات وعلة حشرهم الجهاد أو ~~الإحرام وقد وقعت الشركة في العلة وهذا أسبق إلى الفهم لكن خلافه وهو الذي ~~اختاره القاضي ممكن والاحتمال متعارض والحكم بأحد الاحتمالين لأنه أسبق إلى ~~الفهم فيه نظر فإن الحكم بالعموم إنما أخذ من العادة ومن وضع اللسان ولم ~~يثبت ههنا في مثل هذه الصورة لا وضع ولا عادة فلا يكون في معنى العموم # مسألة : هل للمفهوم عموم : # من يقول بالمفهوم قد يظن للمفهوم عموما ويتمسك به وفيه نظر لأن العموم ~~لفظ تتشابه دلالالته بالإضافة إلى المسميات والمتمسك بالمفهوم والفحوى ليس ~~متمسكا بلفظ بل بسكوت فإذا قال عليه السلام في سائمة الغنم زكاة فنفي ~~الزكاة في المعلوفة ليس بلفظ حتى يعم اللفظ أو يخص وقوله تعالى {فلا تقل PageV02P140 ~~لهما أف }]الاسراء: من الآية23[دل على تحريم الضرب لا بلفظه المنطوق به حتى ~~يتمسك بعمومه وقد ذكرنا أن العموم للألفاظ لا للمعاني ولا للأفعال. # مسألة :لا يقتضي العطف العموم: # ظن قوم أن من مقتضيات العموم الاقتران بالعام والعطف عليه وهو غلط إذ ms371 ~~المختلفات قد تجمع العرب بينهما فيجوز أن يعطف الواجب على الندب والعام على ~~الخاص فقوله تعالى {والمطلقات يتربصن بأنفسهن} [البقرة: من الآية228]عام ~~وقوله بعد {وبعولتهن أحق بردهن} [البقرة: من الآية228] في ذلك خاص وقوله ~~تعالى {كلوا من ثمره إذا أثمر} [الأنعام: من الآية141] إباحة وقوله بعده { ~~وآتوا حقه يوم حصاده } ]الأنعام: من الآية141[إيجاب وقوله تعالى { ~~فكاتبوهم}[ النور: من الآية33] استحباب وقوله {وآتوهم من مال الله الذي ~~آتاكم } [النور: من الآية33] إيجاب # مسألة :هل في المشترك عموم؟ # الاسم المشترك بين مسميين لا يمكن دعوى العموم فيه عندنا خلافا للقاضي ~~والشافعي لأن المشترك لم يوضع للجمع مثاله القرء للطهر والحيض والجارية ~~للسفينة والأمة والمشتري للكوكب السعد وقابل البيع والعرب ما وضعت هذه ~~الألفاظ وضعا يستعمل في مسمياتها إلا على سبيل البدل أما على سبيل الجمع ~~فلا نعم نسبة المشترك إلى مسمياته متشابهة ونسبة العموم إلى آحاد المسميات ~~متشابهة لكن تشابه نسبة كل واحد من آحاد العموم على الجمع ونسبة كل واحد من ~~آحاد المشترك على البدل وتشاب نسبة المفهوم في السكوت عن الجمع لا في ~~الدلالة وتشابه نسبة الفعل في إمكان وقوعه على كل وجه إذ الصلاة المعينة ~~إذا تلقيت من فعل النبي عليه السلام أمكن أن تكون فرضا ونفلا وأداء وقضاء ~~وظهرا وعصرا والإمكان شامل بالإضافة إلى علمنا أما الواقع في نفسه وفي علم ~~الله تعالى واحد متعين لا يحتمل غيره PageV02P141 ~~فهذه أنواع التشابه والوهم سابق إلى التسوية بين المتشابهات وأنواع هذا ~~التشابه متشابهة من وجه فربما يسبق إلى بعض الأوهام أن العموم كان دليلا ~~لتشابه نسبة اللفظ إلى المسميات والتشابه ههنا موجود فيثبت حكم العموم وهو ~~غفلة عن تفصيل هذا التشابه وإن تشابه نسبة العموم إلى مسمياته في دلالته ~~على الجمع بخلاف هذه الأنواع # احتج القاضي بأنه لو ذكر اللفظ مرتين وأراد في كل مرة معنى آخر جاز فأي ~~بعد في أن يقتصر على مرة واحدة ويريد به كلا المعنيين مع صلاح اللفظ للكل ~~بخلاف ما إذا قصد بلفظ المؤمنين ms372 الدلالة على المؤمنين والمشركين جميعا فإن ~~لفظ المؤمنين لا يصلح للمشركين بخلاف اللفظ المشترك # فنقول:إن قصد باللفظ الدلالة على المعنيين جميعا بالمرة الواحدة فهذا ~~ممكن لكن يكون قد خالف الوضع كما في لفظ المؤمنين فإن العرب وضعت اسم العين ~~للذهب والعضو الباصر على سبيل البدل لا على سبيل الجمع # مسألة :هل يمكن أن يعم اللفظ حقيقته ومجازه ؟ : # فإن قيل: اللفظ الذي هو حقيقة في شيء مجاز في غيره هل يطلق لإرادة معنييه ~~جميعا مثل النكاح للوطء والعقد واللمس للجس وللوطء حتى يحمل قوله {ولا ~~تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء } [ النساء: من الآية22] على وطء الأب ~~وعقده جميعا وقوله تعالى أو {لامستم النساء}[ النساء: من الآية43] على ~~الوطء والمس جميعا ؟ # قلنا هذا عندنا كاللفظ المشترك وإن كان التعميم فيه أقرب قليلا وقد نقل ~~عن الشافعي رحمه الله أنه قال أحمل آية اللمس على المس والوطء جميعا وإنما ~~قلنا إن هذا أقرب لأن المس مقدمة الوطء والنكاح أيضا يراد للوطء فهو مقدمته ~~ولأجله استعير للعقد اسم النكاح الذي وضعه للوطء واستعير للوطء اسم اللمس ~~فلتعلق أحدهما بالآخر ربما لا يبعد أن يقصدا جميعا PageV02P142 ~~باللفظ المذكور مرة واحدة لكن الأظهر عندنا أن ذلك أيضا على خلاف عادة العرب # فإن قيل :فقد قال الله تعالى {إن الله وملائكته يصلون على النبي} ~~]الأحزاب: من الآية56[والصلاة من الله مغفرة ومن الملائكة استغفار وهما ~~معنيان مختلفان والاسم مشترك وقد ذكر مرة واحدة وأريد به المعنيان جميعا ~~وكذلك قوله تعالى {ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض ~~والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس} [الحج: من ~~الآية18] وسجود الناس غير سجود الشجر والدواب بل هو في الشجر مجاز # قلنا:هذا يعضد ما ذكره الشافعي رحمه الله # ويفتح هذا الباب في معنيين يتعلق أحدهما بالآخرة فإن طلب المغفرة يتعلق ~~بالمغفرة لكن الأظهر عندنا أن هذا إنما أطلق على المعنيين بإزاء معنى واحد ~~مشترك بين المعنيين وهو العناية بأمر الشيء لشرفه وحرمته والعناية ms373 من الله ~~مغفرة ومن الملائكة إستغفار ودعاء ومن الأمة دعاء وصلوات وكذلك العذر عن السجود PageV02P143 ~~مسألة :]هل العبد مخاطب بالتكاليف الشرعية[ : # ما ورد من الخطاب مضافا إلى الناس والمؤمنين يدخل تحته العبد كقوله تعالى ~~{ولله على الناس حج البيت } [ آل عمران: من الآية97] وأمثاله # وقال قوم: لا يدخل تحته لأنه مملوك للآدمي بتمليك الله تعالى فلا يتناوله ~~إلا خطاب خاص به # وهذا هوس لأنه لم يخرج عن معظم التكاليف وخروجه عن بعضها كخروج المريض ~~والحائض والمسافر وذلك لا يوجب رفع العموم فلا يجوز إخراجه إلا بدليل خاص # مسألة : هل الخطاب الشرعي يعم الكافر؟ : # يدخل الكافر تحت خطاب الناس وكل لفظ عام لأنا بينا أن خطابه بفروع ~~العبادات ممكن وإنما خرج عن بعضها بدليل خاص # ومن الناس من أنكر ذلك وهو باطل لما قررناه في أحكام التكاليف # مسألة: هل تدخل النساء في عموم الخطاب ؟ : # يدخل النساء تحت الحكم المضاف إلى الناس فأما المؤمنون والمسلمون وصيغ ~~جمع الذكر اختلفوا فيه فقال قوم تدخل النساء تحته لأن الذكور والإناث إذا ~~اجتمعوا غلبت العرب التذكير # واختار القاضي أنها لا تدخل وهو الأظهر لأن الله تعالى ذكر المسلمين ~~والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات فجمع الذكور متميز نعم إذا اجتمعوا في الحكم ~~وأراد الأخبار تجوز العرب الاقتصار على لفظ التذكير أما ما ينشأ على سبيل ~~الابتداء ويخصه بلفظ المؤمنين فإلحاق المؤمنات إنما يكون PageV02P144 ~~بدليل آخر من قياس أو كونه في معنى المنصوص أو ما جرى مجراه # مسألة هل تدخل الأمة عند خطاب الله للنبي صلى الله عليه وسلم ؟: # كما لا تدخل الأمة تحت خطاب النبي صلى الله عليه وسلم في قوله { يا أيها ~~النبي } لا يدخل النبي تحت الخطاب الخاص بالأمة أما الخطاب بقوله تعالى { ~~يا عبادي }و{ يا أيها الذين آمنوا }و{ يا أيها الناس } فيدخل النبي تحته ~~،لعموم هذه الألفاظ . # وقال قوم لا يدخل لأنه قد خص بالخطاب في أحكام فلا يلزمه إلا الخطاب الذي يخصه . # وهو فاسد لأنه قد خص المسافر والعبد والحائض والمريض بأحكام ms374 ولا يمنع ذلك ~~دخولهم تحت العموم حيث يعم الخطاب كذلك ههنا # مسألة: هل للمشافهة عموم ؟ : # المخاطبة شفاها لا يمكن دعوى العموم فيها بالإضافة إلى جميع الحاضرين ~~فإذا قال لجميع نسائه الحاضرات طلقتكن ولجميع عبيده أعتقتكم فإنما يكون ~~مخاطبا من جملتهم من أقبل عليه بوجهه وقصد خطابه وذلك يعرف بصورته وشمائله ~~والتفاته ونظره فقد يحضره جماعة من الغلمان من البالغين والصبيان فيقول ~~اركبوا معي ويريد به أهل الركوب منهم دون من ليس أهلا له فلا يتناول خطابه ~~إلا من قصده ولا يعرف قصده إلا بلفظه أو شمائله الظاهرة فلا يمكن دعوى ~~العموم فيها # فنقول على هذا :كل حكم يدل بصيغة المخابة كقوله تعالى { يا أيها الذين PageV02P145 ~~آمنوا }و{يا أيها المؤمنون }و{ يا أيها الناس } فهو خطاب مع الموجودين في ~~عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وإثباته في حق من يحدث بعده بدليل زائد ~~دال على أن كل حكم ثبت في زمانه فهو دائم إلى يوم القيامة على كل مكلف ~~ولولاه لم يقتض مجرد اللفظ ذلك ولما ثبت ذلك أفاد مثل هذه الألفاظ فائدة ~~العموم لاقتران الدليل الآخر بها لا بمجرد الخطاب # فإن قيل: فإذا كان الخطاب خاصا مع شخص مشافهة أو مع جمع فهل يدل على ~~العموم ؟ مثل قوله تعالى{ وما أرسلناك إلا كافة للناس }[ سبأ: من الآية28] ~~وقوله عليه السلام "بعثت إلى الناس كافة " و"بعثت إلى الأحمر والأسود" ~~وقوله "حكمي على لواحد حكمي على الجماعة " وقوله تعالى {واتقون يا أولي ~~الألباب} ]البقرة: من الآية197[و{يا أولي الأبصار} ]الحشر: من الآية2[ و{ ~~يا أيها الناس } وأمثاله # قلنا:لا، بل عرف الصحابة عموم الحكم الثابت في عصره للأعصار كلها بقرائن ~~كثيرة وعرفنا ذلك من الصحابة ضرورة ومجرد هذه الألفاظ ليست قاطعة فإنه وإن ~~كان مبعوثا إلى الكافة فلا يلزم تساويهم في الأحكام فهو مبعوث إلى الحر ~~والعبد والحائض والطاهر والمريض والصحيح ليعرفهم أحكامهم المختلفة وكذلك ~~قوله تعالى {لأنذركم به ومن بلغ } ]الأنعام: من الآية19[ أي ينذر كل قوم بل ~~كل شخص بحكمه فيكون ms375 شرعه عاما وقوله "حكمي على الواحد حكمي على الجماعة" لا ~~يتناول إلا عصره فإن الجماعة عبارة عن الموجودين فلا يتناول من بعده PageV02P146 ~~فإن قيل: فهل يدل على عموم الحكم أنه كان إذا أراد التخصيص خصص وقال "تجزىء ~~عنك ولا تجزىء عن أحد بعدك" وحلل الحرير لعبد الرحمن بن عوف خاصة ؟ # قلنا:لا لأنه ذكره حيث قدم عموما أو حيث توهم أنهم يلحقون غيره به للتعبد ~~بالقياس وكذلك قوله تعالى {خالصة لك من دون المؤمنين } ]الأحزاب: من ~~الآية50[لا يدل على أن الخطاب معه خطاب مع الأمة لمثل ما ذكرناه # مسألة: ]التفريق بين العام والمجمل[ : # من الصيغ ما يظن عموما وهي إلى الإجمال أقرب مثل من يتمسك في إيجاب الوتر ~~بقوله {وافعلوا الخير} ]الحج: من الآية77[مصيرا إلى أن ظاهر الأمر الوجوب ~~والخير اسم عام وإخراج ما قام الدليل على نفي وجوبه لا يمنع التمسك به وكمن ~~يستدل على منع قتل المسلم بالذمي بقوله تعالى {الذين يتربصون بكم فإن كان ~~لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم ~~نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل ~~الله للكافرين على المؤمنين سبيلا} ]النساء:141[ قالوا ألم نكن معكم وإن ~~كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من لمؤمنين فلله يحكم ~~بينكم يوم لقيامة ولن يجعل لله للكافرين على لمؤمنين سبيلا النساء وأن ذلك ~~يفيد منع السلطنة إلا ما دل عليه الدليل من الدية والضمان والشركة وطلب ~~الثمن وغيره أو يستدل بقوله {لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة } ]الحشر: ~~من الآية20[ وأن إيجاب القصاص تسوية # وهذا كله مجمل ولفظ الخير ولفظ السبيل ولفظ الاستواء إلى الإجمال أقرب ~~وينضم إليه أن المستثنى من هذه العمومات ليس داخلا تحت الحصر وليس مضبوطا ~~بضابط واحد ولا بضوابط محصورة وإن لم ينحصر المستثنى كان المستثني مجهولا # وليس من هذا القبيل قوله صلى الله عليه وسلم "فيما سقت السماء العشر " PageV02P147 # وقد قال قوم: لا يتمسك بعمومه لأن المقصود ذكر الفصل بين ms376 العشر ونصف العشر # وهذا فاسد لأن صيغة ما صيغة شرط وضع للعموم بخلاف لفظ السبيل والخير ~~والاستواء نعم تردد الشافعي في قوله تعالى {وأحل الله البيع} ]البقرة: من ~~الآية275[ في أنه عام أو مجمل من حيث أن الألف واللام احتمل أن يكون فيه ~~للتعريف ومعناه وأحل الله البيع الذي عرف الشرع بشرطه # مسألة :هل المخاطب يندرج تحت العموم ؟: # المخاطب يندرج تحت الخطاب العام # وقال قوم:لا يندرج تحت خطابه بدليل قوله تعالى :{وهو رب كل شيء } ~~]الأنعام: من الآية164[ ولا يدخل هو تحته وبدليل قول القائل لغلامه من دخل ~~الدار فأعطه درهما فإنه لا يحسن أن يعطي السيد # وهذا فاسد: لأن الخطاب عام والقرينة هي التي أخرجت المخاطب مما ذكروه ~~ويعارضه قوله {وهو بكل شيء عليم} ]البقرة: من الآية29[وهو عالم بذاته ~~ويتناوله اللفظ ومجرد كونه مخاطبا ليس قرينة قاضية بالخروج عن العموم في كل ~~خطاب بل القرائن فيه تتعارض والأصل اتباع العموم في اللفظ # مسألة فائدة العموم للاسم المفرد: # اسم الفرد وإن لم يكن على صيغة الجمع يفيد فائدة العموم في ثلاثة مواضع : # أحدها : أن يدخل عليه الألف واللام كقوله صلى الله عليه وسلم "لا تبيعوا ~~البر بالبر" # والثاني: النفي في النكرة لأن النكرة في النفي تعم كقولك "ما رأيت رجلا" ~~لأن النفي لا خصوص له بل هو مطلق فإذا أضيف إلى منكر لم يتخصص . PageV02P148 # بخلاف قوله:رأيت رجلا فإنه إثبات والإثبات يتخصص في الوجود فإذا أخبر عنه ~~لم يتصور عمومه وإذا أضيف إلى مفرد اختص به # الثالث :أن يضاف إليه أمر أو مصدر والفعل بعد غير واقع بل منتظر كقوله ~~أعتق رقبة وقوله تعالى {فتحرير رقبة} فإنه ما من رقبة إلا وهو ممتثل ~~باعتاقها والاسم متناول للكل فنزل منزلة العموم بخلاف قوله أعتقت رقبة فإنه ~~إخبار عن ماض قد تم وجوده ولا يدخل في الوجود إلا فعل خاص # مسألة أقل عدد الجمع : # صرف العموم إلى غير الاستغراق جائز وهو معتاد أما رده إلى ما دون أقل ~~الجمع فغير جائز . # ولا بد ms377 من بيان أقل الجمع وقد اختلفوا فيه : # فقال عمر وزيد بن ثابت:إنه اثنان وبه قال مالك وجماعة وقال ابن عباس ~~والشافعي وأبو حنيفة ثلاثة حتى قال ابن عباس لعثمان حين رد الأم من الثلث ~~إلى السدس بأخوين ليس الأخوان أخوة في لغة قومك فقال حجبها قومك يا غلام ~~وقال ابن مسعود إذا اقتدى بالإمام ثلاثة اصطفوا خلفه وإذا اقتدى اثنان وقف ~~كل واحد عن جانب وهذا يشعر من مذهبه بأنه يرى أقل الجمع ثلاثة # وليس من حقيقة هذا الخلاف منع جمع الاثنين بلفظ يعمهما فإن ذلك جائز ~~ومعتاد لكن الخلاف في أن لفظ الناس والرجال والفقراء وأمثاله يطلق على ~~ثلاثة فما زاد حقيقة وهل يطلق على الاثنين حقيقة أم لا PageV02P149 ~~واختار القاضي أن أقل الجمع اثنان واستدل بإجماع أهل اللغة على جواز إطلاق ~~اسم الجمع على اثنين في قولهم فعلتم وفعلنا وتفعلون وقد ورد به القرآن قال ~~الله تعالى في قصة موسى وهارون {إنا معكم مستمعون} ]الشعراء: من الآية15[ ~~وقال {عسى الله أن يأتيني بهم جميعا} ]يوسف: من الآية83[وهما يوسف وأخوه ~~وقال {فقد صغت قلوبكما } ]التحريم: من الآية4[ ولهما قلبان وقال {وداود ~~وسليمان إذ يحكمان في الحرث } ]الانبياء: من الآية78[إلى قوله {وكنا لحكمهم ~~شاهدين} وهما اثنان وقال {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ~~} ]الحجرات: من الآية9[وهما طائفتان وقال {وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا ~~المحراب} ]ص:21[وهما ملكان # فإن قيل عن كل واحد من هذا جواب # فقوله {إنا معكم مستمعون} ]الشعراء: من الآية15[الشعراء يعني هارون وموسى ~~وفرعون وقومه وهم جماعة وقوله {قلوبكما } ]التحريم: من الآية4[لضرورة ~~استثقال الجمع بين اثنتين مع أن القلوب على وزن الواحد في بعض الألفاظ ~~وقوله {عسى الله أن يأتيني بهم جميعا} ]يوسف: من الآية83[ أراد به يوسف ~~وأخاه والأخ الأكبر الذي تخلف عن الأخوة وقوله تعالى {وكنا لحكمهم شاهدين} ~~]الانبياء: من الآية78[أي حكمهما مع الجمع المحكوم عليهم وقوله {وإن ~~طائفتان } ]الحجرات: من الآية9[كل طائفة جمع # قلنا:هذه تعسفات وتكلفات إنما يحوج إليها ضرورة نقل من أهل اللغة ms378 في ~~استحالة إطلاق اسم الجمع على الإثنين وإذا لم يكن نقل صريح فيحمل خلافهم ~~على الحقيقة كما ورد # فإن قيل:ههنا أدلة أربعة: # الأول : أن الإثنين لو كانا جمعا لكان قولنا فعلا اسم جمع فليجز إطلاقه على PageV02P150 ~~الثلاثة فصاعدا كقوله فعلوا فإنه لما كان اسم جمع جاز على الثلاثة فما فوقها # قلنا:فعلوا اسم جمع مشترك بين سائر أعداد الجمع وفعلا اسم جمع خاص لأن ~~الجمع لا يستدعي إلا الانضمام وذلك يحصل في الاثنين وهو كالعشرة فإنه اسم ~~جمع لكن جمع خاص فلا يصلح لغيره وكيف ينكر كون الاثنين جمعا ويقول الرجلان ~~نحن فعلنا # فإن قيل:قد يقول الواحد ذلك كقوله {إنا أنزلناه في ليلة القدر} ]القدر:1[ # قلنا ذلك مجاز بالاتفاق وهذا ليس بمجاز # الثاني قولهم أجمع أهل اللغة على أن الأسماء ثلاثة أضرب توحيد وتثنية ~~وجمع وهو رجل ورجلان ورجال فلتكن هذه الثلاثة متباينة # قلنا ما قالوا الرجلان ليس اسم جمع لكن وضعوا البعض أعداد الجمع اسما ~~خاصا كالعشرة وجعلوا اسم الرجال مشتركا # الثالث قولهم فرق في اللسان بين الرجال والرجلين وما ذكرتموه رفع للفرق # قلنا:الفرق أن الرجلين اسم جمع خاص وهو للإثنين والرجال اسم جمع مشترك ~~لكل جمع من الإثنين والثلاثة فما زاد # الرابع :قولهم لو صح هذا لجاز أن يقال رأيت اثنين رجال كما يقال رأيت ~~ثلاثة رجال # قلنا :هذا ممتنع لأن العرب لم تستعمله على هذا الوجه ولا يمكن تعدي عرفهم # وعلى الجملة: فمن يرد لفظ الجمع إلى الاثنين ربما يفتقر إلى دليل أظهر ممن PageV02P151 ~~يرده إلى الثلاثة وإذا رده إلى الواحد فقد غير اللفظ النص بقرينة # فإن قيل: فقد يقول لامرأته أتخرجين وتكلمين الرجال ؟وربما يريد رجلا واحدا # قلنا:ذلك استعمال لفظ الجمع بدلا عن لفظ الواحد لتعلق غرض الزوج لجنس ~~الرجال لا أنه عنى بلفظ الرجال رجلا واحدا أما إذا أراد رجلين أو ثلاثة فقد ~~ترك اللفظ على حقيقته # الباب الثالث في الأدلة التي يخص بها العموم # لا نعرف خلافا بين القائلين بالعموم في جواز تخصيصه بالدليل إما ms379 بدليل ~~العقل أو السمع أو غيرهما وكيف ينكر ذلك مع الاتفاق على تخصيص قوله تعالى ~~{خالق كل شيء} ]الأنعام: من الآية102[ { يجبى PageV02P152 ~~إليه ثمرات كل شيء} ]القصص: من الآية57[و{تدمر كل شيء } ]الاحقاف: من ~~الآية25 [{وأوتيت من كل شيء } ] النمل: من الآية23[وقوله {فاقتلوا ~~المشركين} ]التوبة: من الآية5 [{والسارق والسارقة} ]المائدة: من الآية38 ~~[{الزانية والزاني } ]النور: من الآية2 [{وورثه أبواه } ]النساء: من ~~الآية11[ويشرك النساء وفيما سقت السماء العشر فإن جميع عمومات الشرع مخصصة ~~بشروط في الأصل والمحل والسبب وقلما يوجد عام لا يخصص مثل قوله تعالى {وهو ~~بكل شيء عليم} ]البقرة: من الآية29[ فإنه باق على العموم والأدلة التي يخص ~~بها العموم أنواع عشرة الأول دليل الحس وبه خصص قوله تعالى {وأوتيت من كل ~~شيء } ]النمل: من الآية23[فإن ما كان في يد سليمان لم يكن في يدها وهو شيء ~~وقوله تعالى {تدمر كل شيء بأمر ربها } ]الاحقاف: من الآية25[ خرج منه ~~السماء والأرض وأمور كثيرة بالحس # الثاني: دليل العقل وبه خصص قوله تعالى {خالق كل شيء } ]الأنعام: من ~~الآية102[ إذ خرج عنه ذاته وصفاته إذ القديم يستحيل تعلق القدرة به وكذلك ~~قوله تعالى {ولله على الناس حج البيت} ]آل عمران: من الآية97[خرج منه الصبي ~~والمجنون لأن العقل قد دل على استحالة تكليف من لا يفهم # فإن قيل:كيف يكون العقل مخصصا وهو سابق على أدلة السمع والمخصص ينبغي أن ~~يكون متأخرا ولأن التخصيص إخراج ما يمكن دخوله تحت اللفظ وخلاف المعقول لا ~~يمكن أن يتناوله اللفظ # قلنا:قال قائلون لا يسمى دليل العقل مخصصا لهذا الحال وهو نزاع في عبارة ~~فإن تسمية الأدلة مخصصة تجوز فقد بينا أن تخصيص العام محال لكن الدليل يعرف ~~إرادة المتكلم وأنه أراد باللفظ الموضوع للعموم معنى PageV02P153 ~~خاصا ودليل العقل يجوز أن يبين لنا أن الله تعالى ما أراد بقوله {خالق كل ~~شيء} ]الأنعام: من الآية102[نفسه وذاته فإنه وإن تقدم دليل العقل فهو موجود ~~أيضا عند نزول اللفظ وإنما يسمى مخصصا بعد نزول الآية لا قبله # وأما قولهم: لا ms380 يجوز دخوله تحت اللفظ فليس كذلك بل يدخل تحت اللفظ من حيث ~~اللسان ولكن يكون قائله كاذبا ولما وجب الصدق في كلام الله تعالى تبين أنه ~~يمتنع دخوله تحت الإرادة مع شمول اللفظ له من حيث الوضع # الثالث : دليل الإجماع ويخصص به العام لأن الإجماع قاطع لا يمكن الخطأ ~~فيه والعام يتطرق إليه الاحتمال ولا تقضي الأمة في بعض مسميات العموم بخلاف ~~موجب العموم إلا عن قاطع بلغهم في نسخ اللفظ الذي كان قد أريد به العموم أو ~~في عدم دخوله تحت الإرادة عند ذكر العموم والإجماع أقوى من النص الخاص لأن ~~النص الخاص محتمل نسخه والإجماع لا ينسخ فإنه إنما ينعقد بعد انقطاع الوحي # الرابع :النص الخاص يخصص اللفظ العام فقوله صلى الله عليه وسلم فيما سقت ~~السماء العشر يعم ما دون النصاب وقد خصصه قوله عليه السلام لا زكاة فيما ~~دون خمسة أوسق وقوله تعالى {والسارق والسارقة } ]المائدة: من الآية38 [يعم ~~كل مال وخرج ما دون النصاب بقوله صلى الله عليه وسلم "لا قطع إلا في ربع ~~دينار فصاعدا" وقوله { فتحرير رقبة } ]القصص: من الآية3[ يعم الكافرة فلو ~~ورد مرة أخرى {فتحرير رقبة مؤمنة} ]النساء: من الآية92[في الظهار بعينة ~~لتبين لنا أن المراد بالرقبة المطلبة العامة هي المؤمنة على الخصوص # وقد ذهب قوم إلى أن الخاص والعام يتعارضان ويتدافعان فيجوز أن يكون الخاص ~~سابقا وقد ورد العام بعده لأرادة العموم فنسخ الخاص ويجوز أن يكون العام ~~سابقا وقد أريد به العموم ثم نسخ باللفظ الخاص بعده فعموم الرقبة مثلا ~~يقتضي أجزاء الكافرة مهما أريد به العموم والتقييد بالمؤمنة يقتضي منع ~~أجزاء الكافرة فهما متعارضان وإذا أمكن النسخ والبيان جميعا فلم يتحكم ~~بحمله على البيان دون النسخ ولم يقطع بالحكم على العام بالخاص ولعل العام ~~هو المتأخر الذي أريد به العموم وينسخ به الخاص وهذا هو الذي اختاره القاضي PageV02P154 ~~والأصح عندنا تقديم الخاص وإن كان ما ذكره القاضي ممكنا ولكن تقدير النسخ ~~محتاج إلى الحكم بدخول الكافرة تحت اللفظ ms381 ثم خروجه عنه فهو إثبات وضع ورفع ~~بالتوهم وإرادة الخاص باللفظ العام غالب معتاد بل هو الأكثر والنسخ كالنادر ~~فلا سبيل إلى تقديره بالتوهم ويكاد يشهد لما ذكرناه من سير الصحابة ~~والتابعين كثير فإنهم كانوا يسارعون إلى الحكم بالخاص على العام وما ~~اشتغلوا بطلب التاريخ والتقدم والتأخر # الخامس :المفهوم بالفحوى:كتحريم ضرب الأب حيث فهم من النهي عن التأفيف ~~فهو قاطع كالنص وإن لم يكن مستندا إلى لفظ ولسنا نريد اللفظ بعينه بل ~~لدلالته فكل دليل سمعي قاطع فهو كالنص # والمفهوم عند القائلين به أيضا كالمنطوق حتى إذا ورد عام في إيجاب الزكاة ~~في الغنم ثم قال الشارع في سائمة الغنم زكاة أخرجت المعلوفة من مفهوم هذا ~~اللفظ عن عموم اسم الغنم والنعم # السادس :فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو دليل على ما سيأتي بشرطه ~~عند ذكر دلالة الأفعال # وإنما يكون دليلا إذا عرف من قوله أنه قصد به بيان الأحكام كقوله عليه ~~السلام "صلوا كما رأيتموني أصلي"و"خذوا عني مناسككم" # فإن لم يتبين أنه أراد به البيان فإذا ناقض فعله لحكمه الذي حكم به فلا ~~يرفع أصل الحكم بفعله المخالف لكن قد يدل على التخصيص # ونذكر له ثلاثة أمثلة : # المثال الأول: إنه صلى الله عليه وسلم "نهى عن الوصال ثم واصل فقيل له ~~نهيت عن الوصال ونراك تواصل؟ فقال:إني لست كأحدكم إني أظل عند ربي يطعمني ~~ويسقيني " فبين أنه ليس يريد بفعله بيان الحكم ثم تحريم الوصال إن كان ~~بقوله لا تواصلوا أو نهيتكم عن الوصال فلا يدخل فيه الرسول عليه PageV02P155 ~~السلام لأنه مخاطب غيره والمخاطب إنما يدخل تحت خطاب نفسه إذا أثبت الحكم ~~بلفظ عام كقوله حرم الوصال على كل عبد أو على كل مكلف أو على كل إنسان أو ~~كل مؤمن أو ما يجري مجراه وإن كان بلفظ عام فيكون فعله تخصيصا # المثال الثاني : أنه نهى عن استقبال القبلة في قضاء الحاجة ثم رآه ابن ~~عمر مستقبلا بيت المقدس على سطح فيحتمل أنه تخصيص لأنه كان وراء ms382 سترة ~~والنهي كان مطلقا وأريد به ما إذا لم يكن ساتر ويحتمل أنه كان مستثنى ~~ومخصوصا فهو دليل على خروجه عن العموم إن كان اللفظ المحرم عاما له ولا ~~يصلح هذا لأن ينسخ به تحريم الاستقبال لأنه فعل يكون في خلوة وخفية فلا ~~يصلح لأن يراد به البيان فإن ما أريد به البيان يلزمه إظهاره عند أهل ~~التواتر أن تعبد فيه الخلق بالعلم وإن لم يتعبدوا إلا بالظن والعمل فلا بد ~~من إظهاره لعدل أو لعدلين # المثال الثالث: أنه نهى عن كشف العورة ثم كشف فخذه بحضرة أبي بكر وعمر ثم ~~دخل عثمان رضي الله عنهم فستره فعجبوا منه فقال ألا أستحي ممن تستحي منه ~~ملائكة السماء فهذا لا يرفع النهي لاحتمال أنه لم يكن داخلا فيه أو لعله ~~كشفه لعارض وعذر فإنه حكاية حال أو أريد بالفخذ ما يقرب منه وليس داخلا في ~~حده أو إباحته خاصة له أو نسخ تحريم كشف العورة وإذا تعارضت الاحتمالات فلا ~~يرتفع التحريم في حق غيره بالوهم. # السابع: تقرير رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدا من أمته على خلاف موجب ~~العموم وسكوته عليه السلام عليه يحتمل نسخ أصل الحكم أو تخصيص ذلك الشخص ~~بالنسخ في حقه خاصة له أو تخصيص وصف وحال ووقت ذلك الشخص ملابس له فيشاركه ~~في الخصوص من شاركه في ذلك المعنى فإن كان قد ثبت PageV02P156 ~~ذلك الحكم في كل وقت وفي كل حال تعين تقرير لكونه نسخا إما على الجملة وإما ~~في حقه خاصة والمستيقن حقه خاصة لكن لو كان من خاصيته لوجب على النبي عليه ~~السلام أن يبين اختصاصه بعد أن عرف أمته أن حكمه في الواحد كحكمه في ~~الجماعة فيدل من هذا الوجه على النسخ المطلق ولما أقر عليه السلام أصحابه ~~على ترك زكاة الخيل مع كثرتها في أيديهم دل على سقوط زكاة الخيل إذ ترك ~~الفرض منكر يجب إنكاره # فإن قيل فلعلهم أخرجوا ولم ينقل إلينا أو لعله لم يكن في خيلهم سائمة ؟ # قلنا: العادة ms383 تحيل اندراس إخراجهم الزكاة طول أعمارهم والسوم قريب من ~~الأمكان ويجب شرح ما يقرب وقوعه فلو وجب لذكره # فهذه سبع مخصصات : ووراءها ثلاثة تظن مخصصات وليست منها فننظمها في سلك ~~المخصصات : # الثامن :عادة المخاطبين فإذا قال لجماعة من أمته حرمت عليكم الطعام ~~والشراب مثلا وكانت عادتهم تناولهم جنسا من الطعام فلا يقتصر بالنهي على ~~معتادهم بل يدخل فيه لحم السمك والطير وما لا يعتاد في أرضهم لأن الحجة في ~~لفظه وهو عام وألفاظه غير مبنية على عادة الناس في معاملاتهم حتى يدخل فيه ~~شرب البول وأكل التراب وابتلاع الحصاة والنواة وهذا بخلاف لفظ الدابة فإنها ~~تحمل على ذوات الأربع خاصة لعرف أهل اللسان في تخصيص اللفظ وأكل النواة ~~والحصاة يسمى أكلا في العادة وإن كان لا يعتاد فعله ففرق بين أن لا يعتاد ~~الفعل وبين أن يعتاد إطلاق الاسم على الشيء # وعلى الجملة:فعادة الناس تؤثر في تعريف مرادهم من ألفاظهم حتى أن الجالس ~~على المائدة يطلب الماء يفهم منه العذب البارد لكن لا تؤثر في تغيير خطاب ~~الشارع إياهم # التاسع :مذهب الصحابي إذا كان بخلاف العموم فيجعل مخصصا PageV02P157 ~~عند من يرى قول الصحابي حجة يجب تقليده وقد أفسدناه # وكذلك تخصيص الراوي يرفع العموم عند من يرى أن مذهب الراوي إذا خالف ~~روايته يقدم مذهبه على روايته وهذا أيضا مما أفسدناه بل الحجة في الحديث ~~ومخالفته وتأويله وتخصيصه يجوز أن تكون عن اجتهاد ونظر لا نرتضيه فلا نترك ~~الحجة بما ليس بحجة بل لو كان اللفظ محتملا وأخذ الراوي بأحد محتملاته ~~واحتمل أن يكون ذلك عن توقيف فلا تجب متابعته ما لم يقل إني عرفته من ~~التوقيف بدليل أنه لو رواه روايان وأخذ كل واحد باحتمال آخر فلا يمكننا أن ~~نتبعهما أصلا # العاشر: خروج العام على سبب خاص جعل دليلا على تخصصه عند قوم # وهو غير مرضي عندنا كما سبق تقريره # واختتام هذا الكتاب بذكر مسألتين في تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد ~~وبالقياس # مسألة :تخصيص العموم بخبر الواحد خبر الواحد إذا ms384 ورد مخصصا لعموم القرآن # اتفقوا على جواز التعبد به لتقديم أحدهما على الآخر لكن اختلفوا في وقوعه ~~على أربعة مذاهب : # فقال:بتقديم العموم قوم # وبتقديم الخبر قوم PageV02P158 ~~وبتقابلهما والتوقف إلى ظهور دليل آخر قوم # وقال قوم: إن كان العموم مما دخله التخصيص بدليل قاطع فقد ضعف وصار مجازا ~~فالخبر أولى منه وإلا فالعموم أولى وإليه ذهب عيسى بن أبان # حجج القائلين بترجيح عموم القران على خبر الواحد : # احتج القائلون بترجيح العموم بمسلكين # المسلك الأول: أن عموم الكتاب مقطوع به وخبر الواحد مظنون فكيف يقدم عليه ؟ # الاعتراض من أوجه: # الأول :أن دخول أصل محل الخصوص في العموم وكونه مراد به مظنون ظنا ضعيفا ~~يستند إلى صيغة العموم وقد أنكره الواقفية وزعموا أنه مجمل فكيف ينفع كون ~~أصل الكتاب مقطوعاته فيما لا يقطع بكونه مرادا بلفظه؟. # الثاني : أنه لو كان مقطوعا به للزم تكذيب الراوي قطعا ولا شك في إمكان صدقه # فإن قيل:فلو نقل النسخ فصدقه أيضا ممكن ولا يقبل # قلنا:لا جرم لا يعلل رده بكون الآية مقطوعا بها لأن دوام حكمها إنما يقطع ~~به بشرط أن الإيراد ناسخ فلا يبقى القطع مع وروده لكن الإجماع منع من نسخ ~~القرآن بخبر الواحد ولا مانع من التخصيص. # الثالث :أن براءة الذمة قبل ورود السمع مقطوع بها ثم ترفع بخبر الواحد ~~لأنه مقطوع بها بشرط أن لا يرد سمع وماء البحر مقطوع بطهارته إذا جعل في ~~كوز لكن بشرط أن لا يرد سمع بأن يخبر عدل بوقوع النجاسة فيه PageV02P159 ~~وكذلك العموم ظاهر في الاستغراق بشرط أن لا يرد خاص # الرابع: أن وجوب العمل بخبر الواحد مقطوع به بالإجماع وإنما الاحتمال في ~~صدق الراوي ولا تكليف علينا في اعتقاد صدقه فإن سفك الدم وتحليل البضع واجب ~~بقول عدلين قطعا مع أنا لا نقطع بصدقهما فوجوب العمل بالخبر مقطوع به وكون ~~العموم مستغرقا غير مقطوع به # فإن قيل:إنما يجب العمل بخبر لا يقابل عموم القرآن # قلنا:يقابله أنه إنما يجب العمل بعموم لا يخصصه حديث نص ينقله عدل ms385 ولا ~~فصل بين الكلامين # المسلك الثاني :قولهم:إن الحديث إما أن يكون نسخا أو بيانا والنسخ لا ~~يثبت بخبر الواحد إتفاقا وإن كان بيانا فعال إذا البيان ما يقترن بالمبين ~~وما يعرفه الشارع أهل التواتر حتى تقوم الحجة به # قلنا:هو بيان ولا يجب اقتران البيان بل يجوز تأخيره عندنا وما يدريهم أنه ~~وقع متراخيا فلعله كان مقترنا والراوي لم يرو اقترانه كيف ويجوز أن يقول ~~بعد ورود آية السرقة لا قطع إلا في ربع دينار من الحرز ؟ # وأما قولهم :ينبغي أن يلقيه إلى عدد التواتر فتحكم بل إذا لم يكلفهم ~~العلم بل العمل جاز تكليفهم بقول عدل واحد ثم ما يدر بهم فلعله ألقاه إلى ~~عدد التواتر فماتوا قبل النقل أو نسوا أو هم في الأحياء لكنا ما لقينا منهم ~~إلا واحدا # حجة القائلين بتقديم الخبر : # أن الصحابة ذهبت إليه إذ روى أبو هريرة أن المرأة لا تنكح على عمتها ~~وخالتها فخصصوا به قوله تعالى {وأحل لكم ما وراء ذلكم} ]النساء: من ~~الآية24[ PageV02P160 ~~وخصصوا عموم آية المواريث برواية أبي هريرة أنه لا يرث القاتل والعبد ولا ~~أهل ملتين ورفعوا عموم آية الوصية بقوله لا وصية لوارث ورفعوا عموم قوله ~~تعالى {حتى تنكح زوجا غيره} ]البقرة: من الآية230[برواية من روى حتى تذوق ~~عسيلتها إلى نظائر لذلك كثيرة لا تحصى # الاعتراض: إن هذا ليس قاطعا بأنهم رفعوا العموم بمجرد قول الراوي بل ربما ~~قامت الحجة عندهم على صحة قوله بأمور وقرائن وأدلة سوى مجرد قوله كما نقل ~~أن أهل قباء تحولوا عن القبلة بخبر واحد وهو نسخ لكنهم لعلهم عرفوا صدقه ~~برفع صوته في جوار النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه وأن ذلك لا يمكن ~~الكذب فيه # حجة القائلين بالتوقف: # وهو اختيار القاضي: أن العموم وحده دليل مقطوع الأصل مظنون الشمول والخبر ~~وحده مظنون الأصل مقطوع به في اللفظ والمعنى وهما متقابلان ولا دليل على ~~الترجيح فيتعارضان والرجوع إلى دليل آخر # والمختار: أن خبر العدل أولى لأن سكون النفس إلى عدل واحد في الرواية ms386 لما ~~هو نص كسكونها إلى عدلين في الشهادة. # أما اقتضاء آية المواريث الحكم في حق القاتل والكافر ضعيف وكلام من PageV02P161 ~~يدعي إجمال العموم قوي واقع وكلام من ينكر خبر الواحد ولا يجعله حجة في ~~غاية الضعف ولذلك ترك توريث فاطمة رضي الله عنها بقول أبي بكر نحن معاشر ~~الأنبياء لا نورث الحديث فنحن نعلم أن تقدير كذب أبي بكر وكذب كل عدل أبعد ~~في النفس من تقدير كون آية المواريث مسوقة لتقدير المواريث لا للقصد إلى ~~بيان حكم النبي عليه الصلاة والسلام والقاتل والعبد والكافر وهذه النوادر # مسألة:تعارض القياس مع العموم : # قياس نص خاص إذا قابل عموم نص آخر فالذاهبون إلى أن العموم حجة لو انفرد ~~والقياس حجة لو انفرد اختلفوا فيه على خمسة مذاهب: # فذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وأبو الحسن الأشعري إلى تقديم القياس على العموم # ذهب الجبائي وابنه وطائفة من المتكلمين والفقهاء إلى تقديم العموم # وذهب القاضي وجماعة إلى التوقف لحصول التعارض # وقال قوم: يقدم على العموم جلى القياس دون خفيه. # وقال عيسى بن أبان: يقدم القياس على عموم دخله التخصيص دون ما لم يدخله # حجاج من قدم العموم ثلاث: # الأولى: أن القياس فرع والعموم أصل فكيف يقدم فرع على أصل ؟ # الاعتراض من وجوه: PageV02P162 # الأول: أن القياس فرع نص آخر لا فرع النص المخصوص به والنص تارة يخصص بنص ~~آخر وتارة بمعقول نص آخر ولا معنى للقياس إلا معقول النص وهو الذي يفهم ~~المراد من النص والله هو الواضع لإضافة الحكم إلى معنى النص إلا أنه مظنون ~~نص كما أن العموم وتناوله للمسمى الخاص مظنون نص آخر فهما ظنان في نصين ~~مختلفين وإذا خصصنا بقياس الأرز على البر عموم قوله {وأحل الله البيع وحرم ~~الربا } ]البقرة: من الآية275[لم نخصص الأصل بفرعه فإن الأرز فرع حديث البر ~~لا فرع آية إحلال البيع # الثاني :أنه يلزم أن لا يخصص القرآن بخبر الواحد لأنه فرع فإنه يثبت بأصل ~~من كتاب وسنة فيكون فرعا له فقد سلم التخصيص بخبر الواحد من ms387 لا يسلم ~~التخصيص بالقياس فهذا لازم لهم # فإن قيل:خبر الواحد ثبت بالإجماع لا بالظاهر والنص # قلنا:وكون القياس حجة ثبت أيضا بالإجماع ثم لا مستند للإجماع سوى النص ~~فهو فرع الإجماع والإجماع فرع النص # الحجة الثانية : أنه إنما يطلب القياس حكم ما ليس منطوقا به فما هو منطوق ~~به كيف يثبت بالقياس ؟ # الاعتراض:أنه ليس منطوقا به كالنطق بالعين الواحدة لأن زيدا في قوله ~~{فاقتلوا المشركين } ]التوبة: من الآية5[ليس كقوله اقتلوا زيدا والأرز في ~~قوله {وأحل الله البيع وحرم الربا } ]البقرة: من الآية275[ليس كقوله يحل ~~بيع الأرز بالأرز متفاضلا ومتماثلا فإذا كان كونه مرادا بآية إحلال البيع ~~مشكوكا فيه كان كونه منطوقا به مشكوكا فيه لأن العام إذا أريد به الخاص كان ~~ذلك نطقا بذلك القدر ولم يكن نطقا بما ليس بمراد والدليل عليه جواز تخصيصه ~~بدليل العقل القاطع ودليل العقل لا يجوز أن يقابل النطق الصريح من الشارع ~~لأن الأدلة لا تتعارض # فإن قيل: ما أخرجه العقل عرف أنه لم يدخل تحت العموم ؟ PageV02P163 # قلنا:تحت لفظه أو تحت الارادة فإن قلتم تحت اللفظ فإن الله تعالى شيء وهو ~~داخل تحت اللفظ من قوله تعالى {خالق كل شيء} ]الأنعام: من الآية102[وإن ~~قلتم لا يدخل تحت الإرادة فكذلك دليل القياس يعرفنا ذلك ولا فرق # الحجة الثالثة :أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لمعاذ بم تحكم ؟فقال ~~بكتاب الله قال فإن لم تجد ؟قال بسنة رسول الله قال فإن لم تجد؟ قال أجتهد ~~رأيي فجعل الاجتهاد مؤخرا فكيف يقدم على الكتاب ؟ # قلنا: كونه مذكورا في الكتاب مبني على كونه مرادا بالعموم وهو مشكوك فيه ~~فكونه في الكتاب مشكوك فيه ولذلك جاز لمعاذ ترك العموم بالخبر المتواتر ~~وخبر الواحد ونص الكتاب لا يترك بالسنة إلا أن تكون السنة بيانا لمعنى ~~الكتاب والكتاب يبين الكتاب والسنة تبين السنة تارة بلفظ وتارة بمعقول لفظ # ثم نقول: حكم العقل الأصلي في براءة الذمة يترك بخبر الواحد وبقياس خبر ~~الواحد لأنه ليس يحكم به العقل مع ورود الخبر فيصير مشكوكا ms388 فيه معه فكذلك العموم # حجج القائلين بتقديم القياس اثنتان # الأولى :أن العموم يحتمل المجاز والخصوص والاستعمال في غير ما وضع له ~~والقياس لا يحتمل شيئا من ذلك ولأنه يخصص العموم بالنص الخاص مع إمكان كونه ~~مجازا ومؤولا فالقياس أولى. # الاعتراض :أن احتمال الغلط في القياس ليس بأقل من احتمال ما ذكر في ~~العموم من احتمال الخصوص والمجاز بل ذلك موجود في أصل القياس وزيادة ضعف ما ~~يختص به من احتمال الخصوص والمجاز إذ القياس ربما يكون منتزعا من خبر PageV02P164 ~~واحد فيتطرق الاحتمال إلى أصله وربما استنبطه من ليس أهلا للاجتهاد فظن أنه ~~من أهله ولا حكم لاجتهاد غير الأهل والعموم لا يستند إلى اجتهاد وربما ~~يستدل على إثبات العلة بما يظنه دليلا وليس بدليل وربما لا يستوفي جميع ~~أوصاف الأصل فيشذ عنه وصف داخل في الاعتبار وربما يغلط في إلحاق الفرع به ~~لفرق دقيق بينهما لم يتنبه له # فمظنة الاحتمال والغلط في القياس أكثر # الحجة الثانية :قولهم تخصيص العموم بالقياس جمع بين القياس وبين الكتاب ~~فهو أولى من تعطيل أحدهما أو تعطيلهما. # وهذا فاسد لأن القدر الذي وقع فيه التقابل ليس فيه جمع بل هو رفع للعموم ~~وتجريد للعمل بالقياس # حجة الواقفية : # قالوا إذا بطل كلام المرجحين كما سبق وكل واحد من القياس والعموم دليل لو ~~انفرد وقد تقابلا ولا ترجيح فهل يبقى إلا التوقف لأن الترجيح إما أن يدرك ~~بعقل أو نقل والعقل إما نظري أو ضروري والنقل إما تواتر أو آحاد ولم يتحقق ~~شيء من ذلك فيجب طلب دليل آخر # فإن قيل:هذا يخالف الإجماع لأن الأمة مجمعة على تقديم أحدهما وإن اختلفوا ~~في التعيين ولم يذهب أحد قبل القاضي إلى التوقف # أجاب القاضي: بأنهم لم يصرحوا ببطلان التوقف قطعا ولم يجمعوا عليه لكن كل ~~واحد رأى ترجيحا والإجماع لا يثبت بمثل ذلك كيف ومن لا يقطع ببطلان مذهب ~~مخالفه في ترجيح القياس كيف يقطع بخطئه إن توقف؟! # حجة من فرق بين جلى القياس وخفيه: # وهي أن جلي القياس ms389 قوي وهو أقوى من العموم والخفي ضعيف # ثم حكي عنهم أنهم فسروا الجلي بقياس العلة والخفي بقياس الشبه وعن # بعضهم أن الجلي مثل قوله عليه السلام "لا يقض القاضي وهو غضبان" PageV02P165 # وتعليل ذلك بما يدهش العقل عن تمام الفكر حتى يجري في الجائع والحاقن خفي # والمختار: أن ما ذكروه غير بعيد فإن العموم يفيد ظنا والقياس يفيد ظنا ~~وقد يكون أحدهما أقوى في نفس المجتهد فيلزمه اتباع الأقوى والعموم تارة ~~يضعف بأن لا يظهر منه قصد التعميم ويظهر ذلك بأن يكثر المخرج منه ويتطرق ~~إليه تخصيصات كثيرة كقوله تعالى {وأحل الله البيع} ]البقرة: من ~~الآية275[فإن دلالة قوله عليه السلام " لا تبيعوا البر بالبر " على تحريم ~~الأرز والتمر أظهر من دلالة هذا العموم على تحليله وقد دل الكتاب على تحريم ~~الخمر وخصص به قوله تعالى: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم ~~يطعمه} ]الأنعام: من الآية145[وإذا ظهر منه التعليل بالإسكار فلو لو يرد ~~خبر في تحريم كل مسكر لكان إلحاق النبيذ بالخمر بقياس الإسكار أغلب على ~~الظن من بقائه تحت عموم قوله { لا أجد في ما أوحي إلي محرما} وهذا ظاهر في ~~هذه الآية وآية احلال البيع لكثرة ما أخرج منهما ولضعف قصد العموم فيهما ~~ولذلك جوزه عيسى بن أبان في أمثاله دون ما بقي على العموم # ولكن لا يبعد ذلك عندنا أيضا فيما بقي عاما لأنا لا نشك في أن العمومات ~~بالإضافة إلى بعض المسميات تختلف في القوة لاختلافها في ظهور إرادة قصد ذلك ~~المسمى بها فإن تقابلا وجب تقديم أقوى العمومين # وكذلك أقوى القياسين إذا تقابلا قدمنا أجلاهما وأقواهما # فكذلك العموم والقياس إذا تقابلا فلا يبعد أن يكون قياس قوي أغلب على ~~الظن من عموم ضعيف أو عموم قوي أغلب على الظن من قياس ضعيف فنقدم الأقوى PageV02P166 ~~وإن تعادلا فيجب التوقف كما قاله القاضي إذ ليس كون هذا عموما أو كون ذلك ~~قياسا مما يوجب ترجيحا لعينهما بل لقوة دلالتهما فمذهب القاضي صحيح بهذا الشرط # تخصيص ms390 عموم الكتاب بقياس مستنبط من حديث نبوي : # فإن قيل:فهذا الخلاف الذي في تخصيص بقياس مستنبط من الكتاب إذا خصص به ~~عموم الكتاب فهل يجري في قياس مستنبط من الأخبار؟ # قلنا:نسبة قياس الكتاب إلى عموم الكتاب كنسبة قياس الخبر المتواتر إلى ~~عموم الخبر المتواتر وكنسبة قياس خبر الواحد إلى عموم خبر الواحد والخلاف ~~جار في الكل وكذا قياس الخبر المتواتر بالنسبة إلى عموم الكتاب وقياس نص ~~الكتاب بالإضافة إلى عموم الخبر المتواتر # أما قياس خبر الواحد إذا عارض عموم القرآن فلا يخفي ترجيح الكتاب عند من ~~لا يقدم خبر الواحد على عموم القرآن أما من يقدم الخبر فيجوز أن يتوقف في ~~قياس الخبر فإنه ازداد ضعفا وبعدا وما في معنى الأصل والمعلوم بالنظر الجلي ~~قريب من الأصل فلا يبعد أن يكون أقوى في النفس في بعض الأحوال من ظن العموم ~~فالنظر فيه إلى المجتهد # فإن قيل:الخلاف في هذه المسألة من جنس الخلاف في القطعيات أو في ~~المجتهدات قلنا يدل سياق كلام القاضي على أن القول في تقديم خبر الواحد على ~~عموم الكتاب وفي تقديم القياس على العموم مما يجب القطع بخطأ المخالف فيه ~~لأنه من مسائل الأصول # وعندي أن إلحاق هذا بالمجتهدات أولى فإن الأدلة من سائر الجوانب فيه ~~متقاربة غير بالغة مبلغ القطع PageV02P167 ### |||| AUTO في تعارض العمومين ووقت جواز الحكم بالعموم # ... # الباب الرابع في تعارض العمومين ووقت جواز الحكم بالعموم # وفيه فصول: # الفصل الأول في التعارض : # اعلم أن المهم الأول معرفة محل التعارض # فنقول: كل ما دل العقل فيه على أحد الجانبين فليس للتعارض فيه مجال إذ ~~الأدلة العقلية يستحيل نسخها وتكاذبها فإن ورد دليل سمي على خلاف العقل ~~فأما لا يكون متواترا فيعلم أنه غير صحيح وإما أن يكون متواترا فيكون مؤولا ~~ولا يكون متعارضا وأما نص متواتر لا يحتمل الخطأ والتأويل وهو على خلاف ~~دليل العقل فذلك محال لأن دليل العقل لا يقبل النسخ والبطلان # مثال ذلك المؤول في العقليات قوله تعالى {خالق كل شيء} ]الأنعام: من ~~الآية102[إذ ms391 خرج بدليل العقل ذات القديم وصفاته وقوله {وهو بكل شيء عليم} ~~]البقرة: من الآية29[ دل العقل على عمومه ولا يعارضه قوله تعالى { قل ~~أتنبئون الله بما لا يعلم } ]يونس: من الآية18[إذ معناه ما لا يعلم له أصلا ~~أي يعلم أنه لا أصل له ولا يعارضه قوله تعالى {حتى نعلم المجاهدين منكم ~~والصابرين ونبلو أخباركم} ]محمد: من الآية31[إذا معناه أنه يعلم المجاهدة ~~كائنة وحاصلة وفي الأزل لا يوصف علمه بتعلقه بحصول المجاهدة قبل حصولها ~~وكذلك قوله تعالى {وتخلقون إفكا} PageV02P168 ~~]العنكبوت: من الآية17[ لا يعارض قوله {خالق كل شيء } ]الأنعام: من ~~الآية102[ لأن المعنى به الكذب دون الايجاد وكذلك قوله تعالى {وإذ تخلق من ~~الطين كهيئة الطير} ]المائدة: من الآية110[لأن معناه تقدر والخلق هو ~~التقدير وكذلك قوله { أحسن الخالقين} ]المؤمنون: من الآية14[ أي المقدرين ~~وهكذا أبدا تأويل ما خالف دليل العقل أو خالف دليلا شرعا دل العقل على عمومه # دفع التعارض في الشرعيات بالجمه إن أمكن ، ثم النسخ ، ثم الترجيح ثم ~~التخيير : # أما الشرعيات: فإذا تعارض فيها دليلان فأما أن يستحيل الجمع أو يمكن فإن ~~امتنع الجمع لكونهما متناقضين كقوله مثلا من بدل دينه فاقتلوه من بدل دينه ~~فلا تقتلوه لا يصح نكاح بغير ولي يصح نكاح بغير ولي فمثل هذا لا بد أن يكون ~~أحدهما ناسخا والآخر منسوخا # فإن أشكل التاريخ فيطلب الحكم من دليل آخر ويقدر تدافع النصين # فإن عجزنا عن دليل آخر فنتخير العمل بأيهما شئنا لأن الممكنات أربعة ~~:العمل بهما وهو متناقض أو اطراحهما وهو إخلاء الواقعة عن الحكم وهو متناقض ~~أو استعمال واحد بغير مرجح وهو تحكم فلا يبقى إلا التخير الذي يجوز ورود ~~التعبدية ابتداء فإن الله تعالى لو كلفنا واحدا بعينه لنصب عليه دليلا ~~ولجعل لنا إليه سبيلا إذ لا يجوز تكليف بالمحال # وفي التخيير بين الدليلين المتعارضين مزيد غور سنذكره في كتاب الاجتهاد ~~عند تخير المجتهد وتحيره # مراتب الجمع بين الدليلين المتعارضين : # أما إذا أمكن الجمع بوجه ما فهو على مراتب: # المرتبة الأولى: عام ms392 وخاص كقوله عليه السلام "فيما سقت السماء العشر" مع PageV02P169 ~~قوله "لا صدقة فيما دون خمسة أوسق" فقد ذكرنا من مذهب القاضي أن التعارض ~~واقع لإمكان كون أحدهما نسخا بتقدير إرادة العموم بالعام # والمختار أن يجعل بيانا ولا يقدر النسخ إلا لضرورة فإن فيه تقدير دخول ما ~~دون النصاب تحت وجوب العشر ثم خروجه منه وذلك لا سبيل إلى إثباته بالتوهم ~~من غير ضرورة . # المرتبة الثانية:وهي قريبة من الأولى أن يكون اللفظ المؤول قويا في ~~الظهور بعيدا عن التأويل لا ينقدح تأويله إلا بقرينة فكلام القاضي فيه أوجه. # ومثاله قوله عليه السلام إنما الربا في النسيئة كما رواه ابن عباس فإنه ~~كالصريح في نفي ربا الفضل ورواية عبادة بن الصامت في قوله صلى الله عليه ~~وسلم "الحنطة بالحنطة مثلا بمثل" صريح في إثبات ربا الفضل فيمكن أن يكون ~~أحدهما ناسخا للآخر ويمكن أن يكون قوله إنما الربا في النسيئة أي في مختلفي ~~الجنس ويكون قد خرج على سؤال خاص عن المختلفين أو حاجة خاصة حتى ينقدح ~~الاحتمال والجمع بهذا التقدير ممكن # والمختار أنه وإن بعد أولى من تقدير النسخ # وللقاضي أن يقول: قطعكم بأنه أراد به الجنسين تحكم لا يدل عليه قاطع ~~ويخالف ظاهر اللفظ المفيد للظن والتحكم بتقدير ليس يعضده دليل قطعي ولا ظني ~~لا وجه له # قلنا:يحملنا عليه ضرورة الاحتراز عن النسخ # فيقول: فما المانع من تقدير النسخ وليس في إثباته اتركاب محال ولا مخالفة ~~دليل قطعي ولا ظني وفيما ذكرتم مخالفة صيغة العموم ودلالة اللفظ وهو دليل PageV02P170 ~~ظني فما هو الخوف والحذر من النسخ وإمكانه كإمكان البيان فليس أحدهما بأولى ~~من الآخر ؟ # فإن قلنا:البيان أغلب على عادة الرسول عليه السلام من النسخ وهو أكثر وقوعا # فله أن يقول:وما الدليل على جواز الأخذ بالاحتمال الأكثر وإذا اشتبهت ~~رضيعة بعشر نسوة فالأكثر حلال وإذا اشتبه إناء نجس بعشر أوان طاهرة فلا ~~ترجيح للأكثر بل لا بد من الاجتهاد والدليل ولا يجوز أن يأخذوا واحدا ويقدر ~~حله أو طهارته لأن جنسه ms393 أكثر # لكنا نقول: الظن عبارة عن أغلب الاحتمالين ولكن لا يجوز إتباعه إلا بدليل ~~فخبر الواحد لا يورث إلا غلبة الظن من حيث إن صدق العدل أكثر وأغلب من كذبه ~~وصيغة العموم تتبع لأن إرادة ما يدل عليه الظاهر أغلب وأكثر من وقوع غيره ~~والفرق بين الفرع والأصل ممكن غير مقطوع ببطلائه في الأقيسة الظنية لكن ~~الجمع أغلب على الظن واتباع الظن في هذه الأصول لا لكونه ظنا لكن لعمل ~~الصحابة به واتفاقاتهم عليه # فكذا نعلم من سيرة الصحابة إنهم ما اعتقدوا كون غير القرآن منسوخا من ~~أوله إلى آخره ولم يبق فيه عام لم يخصص إلا قوله تعالى {وهو بكل شيء عليم} ~~]البقرة: من الآية29[وألفاظ نادرة بل قدروا جملة ذلك بيانا وورد العام ~~والخاص في الأخبار ولا يتطرق النسخ إلى الخبر كقوله تعالى {فأقبل بعضهم على ~~بعض يتلاومون} ]القلم:30 [ القلم وتخصيصا لقوله تعالى هذا يوم لا ينطقون ~~المرسلات وتخصيص قوله تعالى {وأوتيت من كل شيء} ]النمل: من الآية23[و{تدمر ~~كل شيء بأمر ربها} ]الاحقاف: PageV02P171 # من الآية25[و{يجبى إليه ثمرات كل شيء } ]القصص: من الآية57[وكانوا لا ~~ينسخون إلا بنص وضرورة أما بالتوهم فلا # ولعل السبب أن في جعلهما متضادين إسقاطهما ذا لم يظهر التاريخ وفي جعله ~~بيانا استعمالها وإذا تخيرنا بين الاستعمال والإسقاط فالاستعمال هو الأصل ~~ولا يجوز الإسقاط إلا لضرورة # تنبيه : أعلم أن القاضي أيضا إنما يقدر النسخ بشرط أن لا يظهر دلالة على ~~إرادة البيان مثاله قوله صلى الله عليه وسلم " لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ~~ولا عصب " عام يعارضه خصوص قوله صلى الله عليه وسلم "أيما إهاب دبغ فقد ~~طهر" لكن القاضي يقدره نسخا بشرطين # أحدهما :أن لا ينبت في اللسان اختصاص اسم الإهاب بغير المدبوغ فقد قيل ما ~~لم يدبغ الجلد يسمى إهابا فإذا دبغ فأديم وصرم وغيره فإن صح هذا فلا تعارض ~~بين اللفظين # الثاني: أنه روي عن ابن عباس أنه عليه السلام مر بشاة لميمونة ميتة فقال ~~ألا أخذوا إهابها فدبغوه وانتفعوا به وكانوا قد تركوها ms394 لكونها ميتة ثم كتب ~~لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب فساق الحديث سياقا يشعر بأنه جرى متصلا ~~فيكون بيانا ناسخا لأن شرط النسخ التراخي # المرتبة الثالثة : من التعارض أن يتعارض عمومان فيزيد أحدهما على الآخر ~~من وجه وينقص عنه من وجه # مثاله قوله عليه السلام:" من بدل دينه فاقتلوه" فإنه يعم النساء مع قوله ~~"نهيت عن قتل النساء " فإنه يعم المرتدات وكذلك قوله "نهيت عن الصلاة بعد ~~العصر " فإنه يعم الفائتة أيضا مع قوله "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها ~~إذا ذكرها" فإنه يعم المستيقظ بعد العصر # وكذلك قوله {وأن تجمعوا بين الأختين } ]النساء: من الآية23[ فإنه يشمل ~~جمع الأختين في ملك اليمين أيضا مع قوله {أو ما ملكت أيمانكم} ]النساء: من ~~الآية3[ PageV02P172 ~~فإنه يحل الجمع بين الأختين بعمومه فيمكن أن يخصص قوله {وأن تجمعوا بين ~~الأختين } ]النساء: من الآية23[ بجمع الأختين في النكاح دون ملك اليمين ~~لعموم قوله {أو ما ملكت أيمانكم} ]النساء: من الآية3[ فهو على مذهب القاضي ~~تعارض وتدافع بتقدير النسخ ويشهد له قول علي وعثمان رضي الله عنهما لما ~~سئلا عن هذه المسألة أعني جمع أختين في ملك اليمين فقالا حرمتهما آية ~~وحللتهما آية # أما على مذهبنا في حمله على البيان ما أمكن ليس أيضا أحدهما بأولى من ~~الآخر ما لم يظهر ترجيح # وقد ظهر فنقول حفظ عموم قوله وأن تجمعوا بين الأختين أولى لمعنيين : # أحدهما : إنه عموم لم يتطرق إليه تخصيص متفق عليه فهو أقوى من عموم تطرق ~~إليه التخصيص بالإتفاق إذ قد استثنى عن تحليل ملك اليمن المشتركة ~~والمستبرأة والمجوسية والأخت من الرضاع والنسب وسائر المحرمات أما الجمع ~~بين الأختين فحرام على العموم # الثاني : أن قوله {وأن تجمعوا بين الأختين } ]النساء: من الآية23[ سيق ~~بعد ذكر المحرمات وعدها على الاستقصاء إلحاق لمحرمات تعم الحرائر والإماء ~~وقوله {أو ما ملكت أيمانكم} ]النساء: من الآية3[ ما سيق لبيان المحللات ~~قصدا بل في معرض الثناء على أهل التقوى الحافظين فروجهم عن غير الزوجات ~~والسراري فلا ms395 يظهر منه قصد البيان PageV02P173 ~~فإن قيل :هل يجوز أن يتعارض عمومان ويخلوا عن دليل الترجيح ؟ # قلنا:قال قوم لا يجوز ذلك لأنه يؤدي إلى التهمة ووقوع الشبهة لتناقض ~~الكلامين وهو منفر عن الطاعة والإتباع والتصديق # وهذا فاسد بل ذلك جائز ويكون ذلك مبينا لأهل العصر الأول وإنما خفي علينا ~~لطول المدة واندراس القرائن والأدلة ويكون ذلك محنة وتكليفا علينا لنطلب ~~الدليل من وجه آخر من ترجيح أو نتخير ولا تكليف في حقنا إلا بما بلغنا فليس ~~فيه محال # وأما ما ذكروه من التنفير والتهمة فباطل فإن ذلك قد نفر طائفة من الكفار ~~في ورود النسخ حتى قال تعالى وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل ~~قالوا إنما أنت مفتر النحل الآية ثم ذلك لم يدل على استحالة النسخ # الفصل الثاني في جواز إسماع العموم من لم يسمع الخصوص # وقد اختلفوا في جوازه فقيل :لا يجوز ذلك لأن فيه الباسا وتجهيلا # ونحن نقول: يجب على الشارع أن يذكر دليل الخصوص إما مقترنا وإما متراخيا ~~على ما ذكرناه من تأخير البيان # وليس من ضرورة كل مجتهد بلغه العموم أن يبلغه دليل الخصوص بل يجوز أن ~~يغفل عنه ويكون حكم الله عليه والعمل بالعموم وهذا القدر الذي بلغه لا يكلف ~~ما لم يبلغه # ودليل جوازه وقوعه بالإجماع فإن من الأدلة المخصصة ما هي عقلية غامضة عجز ~~عنها الأكثرون إلا الراسخون في العلم وغلطوا فيها فالألفاظ المتشابهة في PageV02P174 ~~القرآن الموهمة للتشبيه بلغت الجميع والأدلة العقلية الغامضة لم ينتبه لها ~~الجميع ولم يرد الشرع صريحا بنفي التشبيه وقطع الوهم وذلك سبب للجهل ~~والدليل عليه وقوع الجهل للمشبهة # فإن قيل:العقل الذي يدل على التخصيص عتيد لكل عاقل فالحوالة عليه ليس بتجهيل # قلنا:وأي شيء ينفع كونه عتيدا ولم يزل به جهل الأكثرين وكان يزول ~~بالتصريح والنص الذي لا يوهم التشبيه أصلا ؟ # احتجوا بشبهتين: # الأولى : إنه لو جاز ذلك لجاز أن يسمعهم المنسوخ دون الناسخ والمستثنى ~~دون الاستثناء # قلنا:ذلك جائز في النسخ وعليه العمل بالمنسوخ إلى أن ms396 يبلغه الناسخ وليس ~~عليه إلا تجويز النسخ والتصفح عن دليله فإذا لم يبلغه فلا تكليف عليه بما ~~لم يبلغه كما إذا عجز من معرفة التخصيص بعد البحث عمل بالعموم وأما ~~الاستثناء فيشترط إتصاله فكيف لا يبلغه؟ نعم يجوز أن يسمعه الأول فينزعج عن ~~المكان لعارض قبل سماع الاستثناء فلا يسمعه فلا يكون مكلفا بما لم يبلغه # الشبهة الثانية : قولهم تبليغ العام دون دليل الخصوص تجهيل فإنه يعتقد ~~العموم وهو جهل . # قلنا:جهل من جهته إن اعتقد جزما عمومه بل ينبغي أن يعتقد أن ظاهره العموم ~~وهو محتمل للخصوص ومكلف بطلب دليل الخصوص إلى أن يبلغه أو يظهر له انتفاؤه ~~لأنه إن اعتقد أنه عام قطعا أو خاص قطعا أو لا عام ولا خاص أو هو عام وخاص ~~معا فكل ذلك جهل فإذا بطل الكل لم PageV02P175 ~~يبق إلا اعتقاد أنه ظاهر في العموم محتمل للخصوص وبهذا يتبين بطلان مذهب ~~أبي حنيفة حيث قال قوله {فتحرير رقبة} ]النساء: من الآية92[ يجب أن يعتقد ~~عمومه قطعا حتى يكون إخراج الكافرة نسخا وقوله{ وليطوفوا بالبيت العتيق} ~~]الحج: من الآية29[يجب اعتقاد إجزائه قطعا حتى يكون اشتراط الطهارة بدليل ~~آخر نسخا وهو خطأ بل يعتقده ظاهرا محتملا أو يتوقف عن القطع والجزم نفيا ~~وإثباتا فإنه ليس بقاطع # الفصل الثالث في الوقت الذي يجوز للمجتهد الحكم بالعموم فيه # فإن قال قائل:إذا لم يجز الحكم بالعموم ما لم يتبين انتفاء دليل الخصوص ~~فمتى يتبين له ذلك وهل يشترط أن يعلم انتفاء المخصص قطعا أو يظنه ظنا ؟ # قلنا :لا خلاف في أنه لا يجوز المبادرة إلى الحكم بالعموم قبل البحث عن ~~الأدلة العشرة التي أوردناها في المخصصات لأن العموم دليل بشرط انتفاء ~~المخصص والشرط بعد لم يظهر وكذلك كل دليل يمكن أن يعارضه دليل فهو دليل ~~بشرط السلامة عن المعارضة فلا بد من معرفة الشرط وكذلك الجمع بعلة مخيلة ~~بين الفرع والأصل دليل بشرط أن لا ينقدح فرق فعليه أن يبحث عن الفوارق جهده ~~أو ينفيها ثم يحكم بالقياس وهذا ms397 الشرط لا يحصل إلا بالبحث . # إلى درجة يجب البحث عن المخصصات : # ولكن المشكل أنه إلى متى يجب البحث فإن المجتهد وإن استقصى أمكن أن يشذ ~~عنه دليل لم يعثر عليه فكيف يحكم مع إمكانه أو كيف ينحسم سبيل إمكانه وقد ~~انقسم الناس في هذا على ثلاثة مذاهب: PageV02P176 # فقال قوم:يكفيه أن يحصل غلبة الظن بالإنتفاء عند الاستقصاء في البحث كالذي ~~يبحث عن متاع في بيت فيه أمتعة كثيرة فلا يجده فيغلب على ظنه عدمه . # وقائل يقول: لا بد من اعتقاد جازم وسكون نفس بأنه لا دليل أما إذا كان ~~يشعر بجواز دليل يشذ عنه ويحيك في صدره إمكانه فكيف يحكم بدليل يجوز أن ~~يكون الحكم به حراما ؟نعم إذا اعتقد جزما وسكنت نفسه إلى الدليل جاز له ~~الحكم كان مخطئا عند الله أو مصيبا كما لو سكنت نفسه إلى القبلة فصلى إليها # وقال قوم :لا بد أن يقطع بانتفاء الأدلة وإليه ذهب القاضي لأن الاعتقاد ~~الجزم من غير دليل قاطع سلامة قلب وجهل بل العالم الكامل يشعر نفسه ~~بالاحتمال حيث لا قاطع ولا تسكن نفسه # والمشكل على هذا طريق تحصيل القطع بالنفي وقد ذكر فيه القاضي مسلكين : # أحدهما :إنه إذا بحث في مسألة قتل المسلم بالذمي عن مخصصات قوله لا يقتل ~~مؤمن بكافر مثلا فقال هذه مسألة طال فيها خوض العلماء وكثر بحثهم فيستحيل ~~في العادة أن يشذ عن جميعهم مدركها وهذه المدارك المنقولة عنهم علمت ~~بطلانها فأقطع بأن لا مخصص. # لها وهذا فاسد من وجهين: # أحدهما إنه حجر على الصحابة أن يتمسكوا بالعموم في كل واقعة لم يكثر ~~الخوض فيها ولم يطل البحث عنها ولا شك في عملهم مع جواز التخصيص بل مع جواز ~~نسخ لم يبلغهم كما حكموا بصحة المخابرة بدليل عموم إحلال البيع حتى روى ~~رافع بن خديج النهي عنها # الثاني :أنه بعد طول الخوض لا يحصل اليقين بل إن سلم إنه لا يشذ PageV02P177 ~~المخصص عن جميع العلماء فمن أين لقي جميع العلماء ؟ومن أين عرف أنه بلغه ms398 ~~كلام جميعهم ؟فلعل منهم من تنبه لدليله وما كتبه في تصنيفه ولا نقل عنه وإن ~~أورده في تصنيفه فلعله لم يبلغه وعلى الجملة لا يظن بالصحابة فعل المخابرة ~~مع اليقين بانتفاء النهي وكان النهي حاصلا ولم يبلغهم بل كان الحاصل إما ~~ظنا وإما سكون نفس # المسلك الثاني :قال القاضي لا يبعد أن يدعي المجتهد اليقين وإن لم يدع ~~الإحاطة بجميع المدارك إذ يقول لو كان الحكم خاصا لنصب الله تعالى عليه ~~دليلا للمكلفين ولبلغهم ذلك وما خفي عليهم وهذا أيضا من الطراز الأول فإنه ~~لو اجتمعت الأمة على شيء أمكن القطع بأن لا دليل يخالفه إذ يستحيل إجماعهم ~~على الخطأ أما في مسألة الخلاف كيف يتصور ذلك ؟ # والمختار عندنا :أن تيقن الإنتفاء إلى هذا الحد لا يشترط وأن المبادرة ~~قبل البحث لا تجوز بل عليه تحصيل علم وظن باستقصاء البحث أما الظن فبانتفاء ~~الدليل في نفسه وأما القطع فبانتفائه في حقه بتحقق عجز نفسه عن الوصول إليه ~~بعد بذل غاية وسعه فيأتي بالبحث الممكن إلى حد يعلم أن بحثه بعد ذلك سعي ~~ضائع ويحس من نفسه بالعجز يقينا فيكون العجز عن العثور على الدليل في حقه ~~يقينا وانتفاء الدليل في نفسه مظنون وهو الظن بالصحابة في المخابرة ~~ونظائرها # وكذلك الواجب في القياس والاستصحاب وكل ما هو مشروط بنفي دليل آخر PageV02P178 ### |||| AUTO في الاستثناء والتقييد بعد الإطلاق # ... # الباب الخامس في الاستثناء والشرط والتقييد بعد الإطلاق الكلام في ~~الاستثناء # والنظر في حقيقته وحده # ثم في شرطه # ثم في تعقب الجمل المترادفة # فهذه ثلاثة فصول: # الفصل الأول في حقيقة الاستثناء # وصيغه معرفة وهي إلا وعدا وحاشا وسوى وما جرى مجراها # وأم الباب لا # وحده أنه قول ذو صيغ مخصوصة محصورة دال على أن المذكور فيه لم يرد بالقول الأول # ففيه احتراز عن أدلة التخصيص لأنها قد لا تكون قولا وتكون فعلا وقرينة ~~ودليل عقل فإن كان قولا فلا تنحصر صيغه # واحترزنا بقولنا: ذو صيغ محصورة عن قوله رأيت المؤمنين ولم أر زيدا فإن ms399 ~~العرب لا تسميه استثناء وإن أفاد ما يفيده قوله إلا زيدا # ويفارق الاستثناء التخصيص في أنه يشترط اتصاله وأنه يتطرق إلى الظاهر ~~والنص جميعا إذ يجوز أن يقول عشرة إلا ثلاثة كما يقول اقتلوا المشركين إلا ~~زيدا والتخصيص لا يتطرق إلى النص أصلا PageV02P179 ~~وفيه احتراز عن النسخ إذ هو رفع وقطع # وفرق بين النسخ والاستثناء والتخصيص أن النسخ رفع لما دخل تحت اللفظ ~~والاستثناء يدخل على الكلام فيمنع أن يدخل تحت اللفظ ما كان يدخل لولاه ~~والتخصيص يبين كون اللفظ قاصرا عن البعض فالنسخ قطع ورفع والاستثناء رفع ~~والتخصيص بيان # وسيأتي لهذا مزيد تحقيق في فصل الشرط إن شاء الله # الفصل الثاني في الشروط # وهي ثلاثة: # الأول : الاتصال فمن قال اضرب المشركين ثم قال بعد ساعة إلا زيدا لم يعد ~~هذا كلاما بخلاف ما لو قال أردت بالمشركين قوما ما دون قوم # ونقل عن ابن عباس أنه جوز تأخير الاستثناء ولعله لا يصح عنه النقل إذ لا ~~يليق ذلك بمنصبه وأن صح فلعله أراد به إذا نوى الاستثناء أولا ثم أظهر نيته PageV02P180 ~~بعده فيدين بينه وبين الله فيما نواه ومذهبه أن ما يدين فيه العبد فيقبل ~~ظاهرا أيضا فهذا له وجه # أما تجويز التأخير لو أجيز عليه دون هذا التأويل فيرد عليه اتفاق أهل ~~اللغة على خلافه لأنه جزء من الكلام يحصل به الاتمام فإذا انفصل لم يكن ~~إتماما كالشرط وخبر المبتدأ فإنه لو قال اضرب زيدا إذا قام فهذا شرط فلو ~~أخر ثم قال بعد شهر إذا قام لم يفهم هذا الكلام فضلا عن أن يصير شرطا وكذلك ~~قوله إلا زيدا بعد شهر لا يفهم وكذلك لو قال زيد ثم قال بعد شهر قام لم يعد ~~هذا خبرا أصلا # ومن ههنا قال قوم:يجوز التأخير لكن بشرط أن يذكر عند قوله إلا زيدا أني ~~أريد الاستثناء حتى يفهم # وهذا أيضا لا يغني فإن هذا لا يسمى استثناء # احتجوا:بجواز تأخير النسخ وأدلة التخصيص وتأخير البيان # فنقول:إن جاز القياس في اللغة فينبغي ms400 أن يقاس عليه الشرط والخبر ولا ذاهب ~~إليه لأنه لا قياس في اللغات وكيف يشبه بأدلة التخصيص وقوله إلا زيدا يخرج ~~عن كونه مفهوما فضلا عن أن يكون إتماما للكلام الأول # والشرط الثاني: أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه كقوله رأيت الناس ~~إلا زيدا ولا تقول رأيت الناس إلا حمارا أو تستثنى جزءا مما دخل تحت اللفظ ~~كقوله رأيت الدار إلا بابها ورأيت زيدا إلا وجهه وهذا استثناء من غير الجنس ~~لأن اسم الدار لا ينطلق على الباب ولا اسم زيد على وجهه بخلاف قوله مائة ~~ثوب إلا ثوبا # وعن هذا قال قوم:ليس من شرط الاستثناء أن يكون من الجنس قال الشافعي : PageV02P181 # لو قال علي مائة درهم إلا ثوبا صح ويكون معناه إلا قيمة ثوب ولكن إذا رد ~~إلى القيمة فكأنه تكلف رده إلى الجنس . # وقد ورد الاستثناء من غير الجنس كقوله تعالى {فسجد الملائكة كلهم أجمعون ~~الا إبليس} ]الحجر:30[ كيف الحجر ولم يكن من الملائكة فإنه قال {إلا إبليس ~~كان من الجن ففسق عن أمر ربه } ]الكهف: من الآية50[ وقال تعالى {وما كان ~~لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ} ]النساء: من الآية92[ النساء استثنى الخطأ من ~~العمد وقال تعالى {فإنهم عدو لي إلا رب العالمين} ]الشعراء:77[وقال {لا ~~تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة} ]النساء: من الآية29[وقال ~~تعالى {وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى} ~~]الليل:19[وهذا الاستثناء ليس فيه معنى التخصيص والإخراج إذ المستثنى ما ~~كان ليدخل تحت اللفظ أصلا # ومن معتاد كلام العرب ما في الدار رجل إلا امرأة وما له ابن إلا ابنة وما ~~رأيت أحدا إلا ثورا وقال شاعرهم: # وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس # وقال آخر # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب # وقد تكلف قوم عن هذا كله جوابا فقالوا :ليس هذا استثناء حقيقة بل هو مجاز # وهذا خلاف اللغة فإن إلا في اللغة للاستثناء والعرب تسمى هذا استثناء ~~ولكن تقول هو ms401 استثناء من غير الجنس # وأبو جنيفة رحمه الله جوز استثناء المكيل من الموزون وعكسه ولم يجوز ~~استثناء غير المكيل والموزون منهما في الأقارير PageV02P182 ~~وجوزه الشافعي رحمه الله # والأولى التجويز في الأقارير لأنه إذا صار معتادا في كلام العرب وجب ~~قبوله لانتظامه # نعم: اسم الاستثناء عليه مجاز أو حقيقة ؟وهذا فيه نظر # واختار القاضي رحمه الله أنه حقيقة # والأظهر عندي أنه مجاز لأن الاستثناء من الثني تقول ثنيت زيدا عن رأيه ~~وثنيت العنان فيشعر الاستثناء بصرف الكلام عن صوبه الذي كان يقتضيه سياقه ~~فإذا ذكر ما لا دخول له في الكلام الأول لولا الاستثناء أيضا فما صرف ~~الكلام ولا ثناه عن وجه استرساله فتسميته استثناء تجوز باللفظ عن موضعه ~~فتكون إلا في هذا الموضع بمعنى لكن # ثم قال الامام : إنما يستحسن ذلك أن لو كان بين المستثنى والمستثنى منه ~~نوع مناسبة ، كما إذا قال : ليس لفلان ابن إلا بنت . فلو قال : ليس لفلان ~~ابن إلا أنه باع داره، فلا يسمع منه هذا الاستثناء ، لعدم المناسبة ، ولعدم ~~انتظامه في نفسه . # الشرط الثالث: أن لا يكون مستغرقا فلو قال لفلان علي عشرة إلا عشرة لزمته ~~العشرة لأنه رفع الإقرار والإقرار لا يجوز رفعه وكذلك كل منطوق به لا يرفع ~~ولكن يتمم بما يجري مجرى الجزء من الكلام وكما أن الشرط جزء من الكلام ~~فالاستثناء جزء وإنما لا يكون رفعا بشرط أن يبقى للكلام معنى # استثناء الأكثر : # أما استثناء الأكثر فقد اختلفوا فيه والأكثرون على جوازه قال القاضي رحمه ~~الله وقد نظرنا في مواضع جوازه والأشبه أن لا يجوز لأن العرب تستقبح ~~استثناء الأكثر وتستمحق قول القائل:رأيت ألفا إلا تسعمائة وتسعة وتسعين بل ~~قال كثير PageV02P183 ~~من أهل اللغة لا يستحسن استثناء عقد صحيح بأن يقول عندي مائة إلا عشرة أو ~~عشرة إلا درهم بل مائة إلا خمسة وعشرة إلا دانقا كما قال تعالى {فلبث فيهم ~~ألف سنة إلا خمسين عاما} [العنكبوت: من الآية14] فلو بلغ المائة لقال فلبث ~~فيهم تسعمائة ولكن لما كان كسرا ms402 استثناه . # قال:ولا وجه لقول من قال لا ندري استقباحهم أطراح لهذا الكلام عن لغتهم ~~أو هو كراهة واستثقال لأنه إذا ثبت كراهتهم وإنكارهم ثبت أنه ليس من لغتهم ~~ولو جاز في هذا لجاز في كل ما أنكروه وقبحوه من كلامهم # احتجوا:بأنه لما جاز استثناء الأقل جاز استثناء الأكثر . # وهذا قياس فاسد ،كقول القائل :إذا جاز استثناء البعض جاز استثناء الكل ~~ولا قياس في اللغة ثم كيف يقاس ما كرهوه وأنكروه على استحسنوه ؟ # واحتجوا بقوله تعالى {قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد ~~عليه} [المزمل:2] # فلملقيات المزمل ولا فرق بين استثناء النصف والأكثر فإنه ليس بأقل وقال ~~الشاعر : # أدوا التي نقصت تسعين من مائة ثم ابعثوا حكما بالحق قوالا # والجواب أن قوله تعالى {قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد ~~عليه} أي قم نصفه وليس باستثناء وقول الشاعر ليس باستثناء إذ يجوز أن تقول ~~أسقطت تسعين من جملة المائة # هذا ما ذكره القاضي # والأولى عندنا أن هذا استثناء صحيح وإن كان مستكرها فإذا قال علي عشرة ~~إلا تسعة فلا يلزمه باتفاق الفقهاء إلا درهم ولا سبب له إلا أنه استثناء PageV02P184 ~~صحيح وإن كان قبيحا كقوله علي عشرة إلا تسع سدس ربع درهم فإن هذا قبيح لكن ~~يصح وإنما المستحسن استثناء الكسر وأما قوله عشرة إلا أربعة فليس بمستحسن ~~بل ربما يستنكر أيضا لكن الاستنكار على الأكثر أشد وكلما ازداد قلة ازداد حسنا # الفصل الثالث في تعقب الجمل بالاستثناء # فإذا قال القائل من قذف زيدا فأضر به وأرد شهادته واحكم بفسقه إلا أن ~~يتوب أور{إلا الذين تابوا } [النور: من الآية5]ومن دخل الدار وأفحش الكلام ~~وأكل الطعام عاقبه إلا من تاب # فقال قوم:يرجع إلى الجميع . # وقال قوم: يقصر على الأخير # وقال قوم يحتمل كليهما فيجب التوقف إلى قيام دليل. # وحجج القائلين بالشمول ثلاث: # الأولى: أنه لا فرق بين أن يقول اضرب الجماعة التي منها قتلة وسراق وزناة ~~إلا من تاب وبين قوله عاقب من قتل ms403 وزنى وسرق إلا من تاب في رجوع الاستثناء ~~إلى الجميع # الاعتراض:أن هذا قياس ولا مجال للقياس في اللغة فلم قلتم أن اللفظ ~~المتفاضل المتعدد كاللفظ المتحد ؟ PageV02P185 # الثانية: قولهم أهل اللغة مطبقون على أن تكرار الاستثناء عقيب كل جملة نوع ~~من العي واللكنة كقوله إن دخل الدار فأضربه إلا أن يتوب وإن أكل فاضربه إلا ~~أن يتوب وإن تكلم فاضربه إلا أن يتوب # وهذا ما لا يستنكر الخصم استقباحه بل يقول ذلك واجب لتعرف شمول الاستثناء # الثالثة : أنه لو قال والله لا أكلت الطعام ولا دخلت الدار ولا كلمت زيدا ~~إن شاء الله تعالى يرجع الاستثناء إلى الجميع وكذلك الشرط عقيب الجمل يرجع ~~إليها كقوله أعط العلوية والعلماء إن كانوا فقراء # وهذا مما لا تسلمه الواقفية بل يقولون هو متردد بين الشمول والاقتصار ~~والشك كاف في استصحاب الأصل من براءة الذمة في اليمن ومنع الاعطاء إلا عند ~~الأذن المستيقن # ومن سلم من المخصصة ذلك فهو مشكل عليه إلا أن يجيب بإظهار دليل فقهي يقضي ~~في الشرط خاصة دون الاستثناء # وحجة المخصصة اثنتان: # الأولى : قولهم:أن المعممين عمموا لأن كل جملة غير مستقلة فصارت جملة ~~واحدة بالواو والعاطفة ونحن إذا خصصنا بالأخير جعلناها مستقلة . # وهذا تقرير علة للخصم واعتراض عليهم ولعلهم لا يعللون بذلك ثم علة عدم ~~الاستقلال أنه لو اقتصر عليه لم يغد وهذا لا يندفع بتخصيص الاستثناء به # الثانية: قولهم إطلاق الكلام الأول معلوم ودخوله تحت الاستثناء مشكوك فيه ~~فلا ينبغي أن يخرج منه ما دخل فيه إلا بيقين # وهذا فاسد من أوجه: # الأول أنا لا نسلم إطلاق الأول قبل تمام الكلام وما تم PageV02P186 ~~الكلام حتى أردف باستثناء يرجع إليه عند المعمم ويحتمل الرجوع إليه عند ~~المتوقف # الثاني : أنه لا يتعين رجوعه إلى الأخير بل يجوز رجوعه إلى الأول فقط ~~فكيف نسلم اليقين؟! # الثالث : أنه لا يسلم ما ذكروه في الشرط والصفة ويسلم أكثرهم عموم ذلك ~~ويلزمهم قصر لفظ الجمع على الاثنين أو الثلاثة لأنه المستيقن . # حجة الواقفية: # أنه إذا بطل ms404 التعميم والتخصيص لأن كل واحد تحكم ورأينا العرب تستعمل كل ~~واحد منهما لا يمكن الحكم بأن أحدهما حقيقة والآخر مجاز فيجب التوقف لا ~~محالة إلا أن يثبت نقل متواتر من أهل اللغة أنه حقيقة في أحدهما مجاز في الآخرة # وهذا هو الأحق # وإن لم يكن بد من رفع التوقف فمذهب المعممين أولى لأن الواو ظاهرة في ~~العطف وذلك يوجب نوعا من الاتحاديين بين المعطوف والمعطوف عليه لكن الواو ~~محتمل أيضا للابتداء كقوله تعالى {يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث ~~فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة ~~لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا ~~أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم ~~شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل ~~زوج بهيج} [الحج:5]وقوله عز وجل {فإن يشأ الله يختم على قلبك ويمح الله ~~الباطل } [الشورى: من الآية24] # والذي يدل على أن التوقف أولى أنه ورد في القرآن الأقسام كلها من الشمول ~~والاقتصار على الأخير والرجوع إلى بعض الجمل السابقة كقوله تعالى {والذين ~~يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا ~~لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا } [النور: 5-4]فقوله ~~تعالى {إلا الذين تابوا } [النور: من الآية5 ]لا يرجع إلى الجلد ويرجع إلى ~~الفسق وهل يرجع إلى الشهادة PageV02P187 ~~فيه خلاف وقوله تعالى {فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن ~~يصدقوا } [النساء: من الآية92]يرجع إلى الأخير وهو الدية لأن التصدق لا ~~يؤثر في الإعتاق وقوله تعالى {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن ~~يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون ~~أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة ~~أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون} ~~[المائدة:89] فقوله ms405 {فمن لم يجد} يرجع إلى الخصال الثلاثة وقوله تعالى ~~{وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى ~~أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته ~~لاتبعتم الشيطان إلا قليلا } [النساء:83] فهذا يبعد حمله على الذي يليه ~~لأنه يؤذي إلى أن لا يتبع الشيطان بعض من لم يشمله فضل الله ورحمته فقيل ~~أنه محمول على قوله { لعلمه الذين يستنبطونه منهم } [النساء: من الآية83] ~~منهم لتقصير وإهمال وغلط وقيل إنه يرجع إلى قوله {أذاعوا به } ولا يبعد أن ~~يرجع إلى الأخير ومعناه ولولا فصل الله عليكم ورحمته ببعثة محمد عليه ~~السلام لأتبعتم الشيطان إلا قليلا قد كان تفضل عليهم بالعصمة من الكفر قبل ~~البعثة كأويس القرني وزيد بن عمرو بن نفيل وقس بن ساعدة وغيرهم ممن تفضل ~~الله عليهم بتوحيده واتباع رسوله قبله # القول في دخول الشرط على الكلام # اعلم أن الشرط عبارة عما لا يوجد المشروط مع عدمه لكن لا يلزم أن يوجد ~~عند وجوده # وبه يفارق العلة إذ العلة يلزم وجودها وجود المعلول والشرط يلزم من عدمه ~~عدم المشروط ولا يلزم من وجوده وجوده # والشرط عقلي وشرعي ولغوي : # والعقلي كالحياة للعلم والعلم للإرادة والمحل للحياة إذ الحياة تنتفي ~~بانتفاء المحل فإنه لا بد لها من محل ولا يلزم وجودها بوجود المحل # والشرعي كالطهارة للصلاة والإحصان للرجم PageV02P188 ~~واللغوي كقوله إن دخلت الدار فأنت طالق وإن جئتني أكرمتك فإن مقتضاه في ~~اللسان باتفاق أهل اللغة اختصاص الإكرام بالمجيء فإنه إن كان يكرمه دون ~~المجيء لم يكن كلامه اشتراطا فنزل الشرط منزلة تخصيص العموم ومنزلة ~~الاستثناء إذ لا فرق بين قوله فاقتلوا المشركين التوبة إلا أن يكونوا أهل ~~عهد وبين أن يقول اقتلوا المشركين إن كانوا حربيين # وكل واحد من الشرط والاستثناء يدخل على الكلام فيغيره عما كان يقتضيه ~~لولا الشرط والاستثناء حتى يجعله متكلما بالباقي لا إنه مخرج من كلامه ما ~~دخل فيه فإنه لو دخل فيه لما خرج نعم كان يقبل ms406 القطع في الدوام بطريق النسخ ~~فأما رفع ما سبق دخوله في الكلام فمحال فإذا قال أنت طالق إن دخلت الدار ~~فمعناه أنك عند الدخول طالق فكأنه لم يتكلم بالطلاق إلا بالإضافة إلى حال ~~الدخول أما أن نقول تكلم بالطلاق عاما مطلقا دخل أو لم يدخل ثم أخرج ما قبل ~~الدخول فليس هذا بصحيح # فإن قيل:قوله فاقتلوا المشركين إلا أهل الذمة أو إن لم يكونوا ذميين فلفظ ~~المشركين متناول للجميع ولأهل الذمة لكن خرج أهل الذمة بإخراجه بالشرط ~~والاستثناء # قلنا:هو كذلك لو اقتصر عليه ولذلك يمتنع الإخراج بالشرط والاستثناء ~~منفصلا ولو قدر على الإخراج لم يفرق بين المنفصل والمتصل ولكن إذا لم يقتصر ~~وألحق به ما هو جزء منه وإتمام له غير موضوع الكلام فجعله كالناطق بالباقي ~~ودفع دخول البعض ومعنى الدفع أنه كان يدخل لولا الشرط والاستثناء فإذا لحقا ~~قبل الوقوف دفعا فقوله تعالى {فويل للمصلين} [الماعون:4] لاحكم له قبل ~~إتمام الكلام فإذا تم الكلام كان الويل مقصورا على من وجد فيه شرط السهو ~~والرياء لا أنه دخل فيه كل مصل ثم خرج البعض # فهكذا ينبغي أن يفهم حقيقة الاستثناء والشرط فاعلموه ترشدوا PageV02P189 ~~القول في المطلق والمقيد # اعلم أن التقييد اشتراط والمطلق محمول على المقيد إن اتحد الموجب والموجب ~~كما لو قال لا نكاح إلا بولي وشهود وقال لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل فيحمل ~~المطلق على المقيد فلو قال في كفارة القتل فتحرير رقبة ثم قال فيها مرة ~~أخرى {فتحرير رقبة }] النساء: من الآية92[فيكون هذا اشتراطا ينزل عليه ~~الاطلاق # وهذا صحيح ولكن على مذهب من لا يرى بين الخاص والعام تقابل الناسخ ~~والمنسوخ كما نقلناه عن القاضي والقاضي مع مصيره إلى التعارض نقل الإتفاق ~~عن العلماء على تنزيل المطلق على المقيد عند اتحاد الحكم # أما إذا اختلف الحكم كالظهار والقتل فقال قوم يحمل المطلق على المقيد من ~~غير حاجة إلى دليل كما لو اتحدت الواقعة # وهذا تحكم محض يخالف وضع اللغة إذ لا يتعرض القتل للظهار فكيف يرفع ~~الإطلاق ms407 الذي فيه والأسباب المختلفة تختلف في الأكثر شروط واجباتها كيف ~~ويلزم من هذا تناقض فإن الصوم مقيد بالتتابع في الظهار والتفريق في الحج ~~حيث قال تعالى {ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم} ]البقرة: من الآية196[ ~~ومطلق في اليمين فليت شعري على أي المقيدين يحمل؟ # فقال قوم لا يحمل على المقيد أصلا وإن قام دليل القياس لأنه نسخ ولا PageV02P190 ~~سبيل إلى نسخ الكتاب بالقياس وإلى هذا ذهب أبو حنيفة إذا جعل الزيادة على ~~النص نسخا # وقد بينا فساد هذا في كتاب النسخ وأن قوله تعالى {فتحرير رقبة } ليس هو ~~نصا في أجزاء الكافرة بل هو عام يعتقد ظهوره مع تجويز قيام الدليل على ~~خصوصه أما أن يعتقد عمومه قطعا فهذا خطأ في اللغة # وقال الشافعي رحمه الله إن قام دليل حمل عليه ولم يكن فيه إلا تخصيص العموم # وهذا هو الطريق الصحيح # فإن قيل:إنما يطلب بالقياس حكم مما ليس منطوقا به في كفارة الظهار ~~ومقتضاها أجزاء الكافرة # قلنا:بينا أن كون الكافرة منطوقا بها مشكوك فيه إذ ليس تناول عموم الرقبة ~~له كالتنصيص على الكافرة وقد كشفنا الغطاء في مسألة تخصيص عموم القرآن ~~بالقياس # هذا تمام القول في العموم والخصوص ولواحقه من الاستثناء والشرط والتقييد ~~وبه تم الكلام في الفن الأول وهو دلالة اللفظ على معناه من حيث الصيغة والوضع PageV02P191 ### || AUTO ### ||| AUTO الفن الثاني: فيما يقتبس من الألفاظ # * # ... # الفن الثاني فيما يقتبس من الألفاظ لا من حيث صيغتها بل من حيث فحواها ~~وإشارتها # وهي خمسة أضرب : # الضرب الأول ما يسمى اقتضاء # وهو الذي لا يدل عليه اللفظ ولا يكون منطوقا به ولكن يكون من ضرورة اللفظ ~~إما من حيث لا يمكن كون المتكلم صادقا إلا به أو من حيث يمتنع وجود الملفوظ ~~شرعا إلا به أو من حيث يمتنع نبوته عقلا إلا به # أما المقتضى الذي هو ضرورة صدق المتكلم فكقوله عليه السلام "لا صيام لمن ~~لم يبيت الصيام من الليل" فإنه نفى الصوم والصوم لا ينتفي بصورته فمعناه لا ~~صيام ms408 صحيح أو كامل فيكون حكم الصوم هو المنفي لا نفسه والحكم غير منطوق به ~~لكن لا بد منه لتحقيق صدق الكلام # فعن هذا قلنا: لا عموم له لأنه ثبت اقتضاء لا لفظا . # وهذا يصح على مذهب من ينكر الأسماء الشرعية ويقول لفظ الصوم باق على ~~مقتضى اللغة فيفتقر فيه إلى إضمار الحكم أما من جعله عبارة عن الصوم PageV02P192 ~~الشرعي فيكون انتفاؤه بطريق النطق لا بطريق الاقتضاء بل مثاله لا عمل إلا ~~بنية ورفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما سبقت أمثلته في باب المجمل # وأما مثال ما ثبت اقتضاء لتصور المنطوق به شرعا فقول القائل أعتق عبدك ~~عني فإنه يتضمن الملك ويقتضيه ولم ينطق به لكن العتق المنطوق به شرط نفوذه ~~شرعا تقدم الملك فكان ذلك مقتضى اللفظ # وكذلك لو أشار إلى عبد الغير وقال والله لأعتقن هذا العبد يلزمه تحصيل ~~الملك فيه إن أراد البرد وإن لم يتعرض له لضرورة الملتزم # وأما مثال ما ثبت اقتضاء لتصور المنطوق به عقلا فقوله تعالى {حرمت عليكم ~~أمهاتكم } [ النساء: من الآية23]فإنه يقتضي إضمار الوطء أي حرم عليكم وطء ~~أمهاتكم لأن الأمهات عبارة عن الأعيان والأحكام لا تتعلق بالأعيان بل لا ~~يعقل تعلقها إلا بأفعال المكلفين فاقتضى اللفظ فعلا وصار ذلك هو الوطء من ~~بين سائر الأفعال بعرف الاستعمال وكذلك قوله {حرمت عليكم الميتة والدم} ~~[المائدة: من الآية3] {أحلت لكم بهيمة الأنعام }[ المائدة: من الآية1] أي ~~الأكل ويقرب منه {واسأل القرية } [ يوسف: من الآية82] أي أهل القرية لأنه ~~لا بد من الأهل حتى يعقل السؤال فلا بد من إضماره # ويجوز أن يلقب هذا بالإضمار دون الاقتضاء والقول في هذا قريب # الضرب الثاني : ما يؤخذ من إشارة اللفظ لا من اللفظ: # ونعني به ما يتسع اللفظ من غير تجريد قصد إليه فكما أن المتكلم قد يفهم ~~بإشارته وحركته في أثناء كلامه ما لا يدل عليه نفس اللفظ فيسمى إشارة فكذلك ~~قد يتبع اللفظ ما لم يقصد به ويبني عليه # ومثال ذلك: تمسك العلماء في تقدير ms409 أقل الطهر وأكثر الحيض بخمسة عشر PageV02P193 ~~يوما بقوله عليه السلام "إنهن ناقصات عقل ودين" فقيل ما نقصان دينهن ؟ فقال ~~"تقعد إحداهن في قعر بيتها شطر دهرها لا تصلي ولا تصوم" فهذا إنما سيق ~~لبيان نقصان الدين وما وقع المنطق قصدا إلا به لكن حصل به إشارة إلى أكثر ~~الحيض وأقل الطهر وأنه لا يكون فوق شطر الدهر وهو خمسة عشر يوما من الشهر ~~إذ لو تصور الزيادة لتعرض لها عند قصد المبالغة في نقصان دينها # ومثاله استدلال الشافعي رحمه الله في تنجس الماء القليل بنجاسة لا تغيره ~~بقوله عليه السلام إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في لإناء حتى ~~يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده إذ قال لولا أن يقين النجاسة ينجس ~~لكان توهمها لا يوجب الاستحباب # ومثاله تقدير أقل مدة الحمل بستة أشهر أخذا من قوله {وحمله وفصاله ثلاثون ~~شهرا} [الاحقاف: من الآية15] وقد قال في موضع آخر {وفصاله في عامين } ~~[لقمان: من الآية14]ومثاله المصير إلى من وطىء بالليل في رمضان فأصبح جنبا ~~لم يفسد صومه لأنه قال {وكلوا واشربوا حتى يتبين } [البقرة: من ~~الآية187]وقال { فالآن باشروهن } [البقرة: من الآية187]ثم مد الرخصة إلى ~~يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر فتشعر الآية بجواز الأكل ~~والشرب والجماع في جميع الليل ومن فعل ذلك في آخر الليل استأخر غسله إلى ~~النهار وإلا وجب إن يحرم الوطء في آخر جزء من الليل بمقدار ما يتسع للغسل # فهذا وأمثاله مما يكثر ويسمى إشارة اللفظ # الضرب الثالث: فهم التعليل من إضافة الحكم إلى الوصف المناسب. # كقوله تعالى {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } [المائدة: من الآية38] ~~و{الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما } [النور: من الآية2] فإنه كما ~~فهم وجوب القطع والجلد PageV02P194 ~~على السارق والزاني وهو المنطوق به فهم كون السرقة والزنا علة للحكم وكونه ~~علة غير منطوق به لكن يسبق إلى الفهم من فحوى الكلام وقوله تعالى{إن ~~الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم}]الانفطار:13[أي لبرهم وفجورهم وكذلك ~~كل ما خرج مخرج ms410 الذم والمدح والترغيب والترهيب وكذلك إذا قال ذم الفاجر ~~وامدح المطيع وعظم العالم فجميع ذلك يفهم منه التعليل من غير نطق به # وهذا قد يسمى:إيماء وإشارة كما يسمى فحوى الكلام ولحنه وإليك الخيرة في ~~تسميته بعد الوقوف على جنسه وحقيقته. # الضرب الرابع: فهم غير المنطوق به من المنطوق بدلالة سياق الكلام ومقصوده ~~كفهم تحريم الشتم والقتل والضرب من قوله تعالى {فلا تقل لهما أف ولا ~~تنهرهما} ]الاسراء: من الآية23[ وفهم تحريم مال اليتيم وإحراقه وإهلاكه من ~~قوله تعالى {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما } ]النساء: من الآية10[ ~~وفهم ما وراء الذرة والدينار من قوله تعالى {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} ~~]الزلزلة:7[وقوله {ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك} ]آل عمران: من ~~الآية75[وكذلك قول القائل ما أكلت له برة ولا شربت له شربة ولا أخذت من ~~ماله حبة فإنه يدل على ما وراءه # فإن قيل:هذا من قبيل التنبيه بالأدنى على الأعلى # قلنا:لاحجر في هذه التسمية لكن يشترط أن يفهم أن مجرد ذكر الأدنى لا يحصل ~~هذا التنبيه ما لم يفهم الكلام وما سيق له فلولا معرفتنا بأن الآية سيقت ~~لتعظيم الوالدين واحترامهما لما فهمنا منع الضرب والقتل من منع التأفيف إذ ~~قد يقول السلطان إذا أمر بقتل ملك لا تقل له أف لكن اقتله وقد يقول والله ~~ما أكلت مال فلان ويكون قد أحرق ماله فلا يحنث PageV02P195 ~~فإن قيل:الضرب حرام قياسا على التأفيف لأن التأفيف إنما حرم للإيذاء وهذا ~~الإيذاء فوقه # قلنا:إن أردت بكونه قياسا أنه محتاج إلى تأمل واستنباط علة فهو خطأ وإن ~~أردت أنه مسكوت فهم من منطوق فهو صحيح بشرط أن يفهم أنه أسبق إلى الفهم من ~~المنطوق أو هو معه وليس متأخرا عنه # وهذا قد يسمى مفهوم الموافقة وقد يسمى فحوى اللفظ ولكل فريق اصطلاح آخر ~~فلا تلتفت إلى الألفاظ واجتهد في إدراك حقيقة هذا الجنس # الضرب الخامس هو المفهوم # ومعناه الاستدلال بتخصيص الشيء بالذكر على نفي الحكم عما عداه # ويسمى مفهوما لأنه مفهوم مجرد ms411 لا يستند إلى منطوق وإلا فما دل عليه ~~المنطوق أيضا مفهوم وربما سمي هذا دليل الخطاب ولا التفات إلى الأسامي # وحقيقته أن تعليق الحكم بأحد وصفي الشيء هل يدل على نفيه عما يخالفه في ~~الصفة ؟كقوله تعالى { ومن قتله منكم متعمدا } [المائدة: من الآية95] وكقوله ~~عليه السلام في سائمة الغنم الزكاة والثيب أحق بنفسها من وليها ومن باع ~~نخلة مؤبرة فثمرتها للبائع فتخصيص العمد والسوم والثيوبة والتأبير بهذه ~~الأحكام هل يدل على نفي الحكم عما عداها ؟ # فقال الشافعي وما لك والأكثرون من أصحابهما:أنه يدل وإليه ذهب PageV02P196 ~~الأشعري إذا احتج في إثبات خبر الواحد بقوله تعالى {إن جاءكم فاسق بنبأ ~~فتبينوا } ]الحجرات: من الآية6[ قال هذا يدل على أن العدل بخلافه واحتج في ~~مسألة الرؤية بقوله تعالى {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} ~~]المطففين:15[قال وهذا يدل على أن المؤمنين بخلافهم # وقال جماعة من المتكلمين ومنهم القاضي وجماعة من حذاق الفقهاء ومنهم ابن ~~شريح إن ذلك لا دلالة له # وهو الأوجه عندنا ويدل عليه مسالك: # الأول :أن إثبات زكاة السائمة مفهوم أما نفيها عن المعلوفة اقتباسا من ~~مجرد الإثبات لا يعلم إلا بنقل من أهل اللغة متواترا وجار مجرى المتواتر ~~والجاري مجرى المتواتر كعلمنا بأن قولهم ضروب وقتول وأمثاله للتكثير وأن ~~قولهم عليم وأعلم وقدير وأقدر للمبالغة أعني الأفعل أما نقل الآحاد فلا ~~يكفي إذ الحكم على لغة ينزل عليها كلام الله تعالى بقول الآحاد مع جواز ~~الغلط لا سبيل إليه PageV02P197 ~~فإن قيل:فمن نفي المفهوم افتقر إلى نقل متواترا أيضا ؟ # قلنا:لا حاجة إلى حجة فيما لم يضعوه فإن ذلك لا يناهي إنما الحجة على من ~~يدعي الوضع # الثاني :حسن الاستفهام فإن من قال إن ضربك زيد عامدا فاضربه حسن أن يقول ~~فإن ضربني خاطئا أف أضربه ؟وإذا قال أخرج الزكاة من ما شيتك السائمة حسن أن ~~يقول هل أخرجها من المعلوفة؟ وحسن الاستفهام يدل على أن ذلك غير مفهوم فإنه ~~لا يحسن في المنطوق وحسن في المسكوت عنه # فإن قيل:حسن لأنه قد ms412 لا يراد به النفي مجازا # قلنا:الأصل أنه إذا احتمل ذلك كان حقيقة وإنما يرد إلى المجاز بضرورة ~~دليل ولا دليل # المسلك الثالث : أنا نجدهم يعلقون الحكم على الصفة تارة مع مساواة ~~المسكوت عنه للمنطوق وتارة مع المخالفة فالثبوت للموصوف معلوم منطوق، PageV02P198 ~~والنفي عن المسكوت محتمل فليكن على الوقف إلى البيان بقرينة زائدة ودليل ~~آخر أما دعوى كونه مجازا عند الموافقة حقيقة عند المخالفة فتحكم بغير دليل ~~يعارضه عكسه من غير ترجيح # المسلك الرابع: أن الخبر عن ذي الصفة لا ينفي غير الموصوف فإذا قال قام ~~الأسود أو خرج أو قعد لم يدل على نفيه عن الأبيض بل هو سكوت عن الأبيض وإن ~~منع ذلك مانع وقد قيل به لزمه تخصيص اللقب والاسم العلم حتى يكون قولك رأيت ~~زيدا نفيا للرؤية عن غيره وإذا قال ركب زيد دل على نفي الركوب عن غيره وقد ~~تبع هذا بعضهم وهو بهت واختراع على اللغات كلها فإن قولنا رأيت زيدا لا ~~يوجب نفي رؤيته عن ثوب زيد ودابته وخادمه ولا عن غيره إذ يلزم أن يكون قوله ~~زيد عالم كفرا لأنه نفي للعلم عن الله وملائكته ورسله وقوله عيسى نبي الله ~~كفرا لأنه نفي النبوة عن محمد عليه السلام وعن غيره من الأنبياء # فإن قيل:هذا قياس الوصف على اللقب ولا قياس في اللغة # قلنا:ما قصدنا به إلا ضرب مثال ليتنببه به حتى يعلم أن الصفة لتعريف ~~الموصوف فقط كما أن أسماء الأعلام لتعريف الأشخاص ولا فرق بين قوله في ~~الغنم زكاة في نفي الزكاة عن البقر والإبل وبين قوله في سائمة الغنم زكاة ~~في نفي الزكاة عن المعلوفة # المسلك الخامس: أنا كما أنا لا نشك في أن للعرب طريقا إلى الخبر عن مخبر ~~واحد واثنين وثلاثة اقتصارا عليه مع السكوت عن الباقي فلها طريق أيضا في ~~الخبر عن الموصوف بصفة فتقول رأيت الظريف وقام الطويل ونكحت الثيب، PageV02P199 ~~واشتريت السائمة وبعت النخلة المؤبرة فلو قال بعد ذلك نكحت البكر أيضا ~~واشتريت المعلوفة أيضا لم يكن ms413 هذا مناقضا للأول ورفعا له وتكذيبا لنفسه كما ~~لو قال ما نكحت الثيب وما اشتريت السائمة ولو فهم النفي كما فهم الإثبات ~~لكان الإثبات بعده تكذيبا ومضادا لما سبق # أدلة القائلين بمفهوم المخالفة # وقد احتج القائلون بالمفهوم بمسالك: # الأول :أن الشافعي رحمه الله من جملة العرب ومن علماء اللغة وقد قال ~~بدليل الخطاب # وكذلك أبو عبيدة من أئمة اللغة وقد قال في قوله عليه السلام "لي الواجد ~~ظلم يحل عرضه وعقوبته " فقال دليله أن من ليس بواجد لا يحل ذلك منه وفي ~~قوله صلى الله عليه وسلم: " لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحا حتى يريه خيرمن أن ~~يمتلىء شعرا" فقيل أنه أراد الهجاء والسب أو هجو الرسول عليه السلام فقال ~~ذلك حرام قليله وكثيره امتلأ به الجوف أو قصر فتخصيصه بالامتلاء يدل على أن ~~ما دونه بخلافه وأن من لم يتجرد للشعر ليس مرادا بهذا الوعيد # والجواب أنهما ما إن قالاه عن اجتهاد فلا يجب تقليدهما وقد صرحا ~~بالاجتهاد إذ قالا لو لم يدل على النفي لما كان للتخصيص بالذكر فائدة وهذا ~~الاستدلال معرض للاعتراض كما سيأتي فليس على المجتهد قبول قول من لم يثبت عصمته PageV02P200 ~~عن الخطأ فيما يظنه بأهل اللغة أو بالرسول صلى الله عليه وسلم وإن كان ما ~~قالاه عن نقل فلا يثبت هذا بقول الآحاد ويعارضه أقوال جماعة أنكروه وقد قال ~~قوم لا تثبت اللغة بنقل أرباب المذاهب والآراء فإنهم يميلون إلى نصرة ~~مذاهبهم فلا تحصل الثقة بقولهم # المسلك الثاني:أن الله تعالى قال {إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله ~~لهم} [ التوبة: من الآية80] التوبة فقال عليه السلام لأزيدن على السبعين ~~فهذا يدل على أن حكم ما عدا السبعين بخلافه # والجواب من أوجه: # الأول :أن هذا خبر واحد لا تقوم به الحجة في إثبات اللغة والأظهر أنه غير ~~صحيح لأنه عليه السلام أعرف الخلق بمعاني الكلام وذكر السبعين جرى مبالغة ~~في اليأس وقطع الطمع عن الغفران كقول القائل أشفع أو لا تشفع وإن شفعت لهم ~~سبعين ms414 مرة لم أقبل منك شفاعتك # الثاني :أنه قال لأزيدن على السبعين ولم يقل ليغفر لهم فما كان ذلك ~~لانتظار الغفران بل لعله كان لاستمالة قلوب الأحياء منهم لما رأى من ~~المصلحة فيهم ولترغيبهم في الدين لا لانتظار غفران الله تعالى للموتى مع ~~المبالغة في اليأس وقطع الطمع # الجواب الثالث :أن تخصيص نفي المغفرة بالسبعين أدل على جواز المغفرة بعد ~~السبعين أو على وقوعها؟ PageV02P201 # فإن قلتم:على وقوعه فهو خلاف الإجماع وإن قلتم على جوازه فقد كان الجواز ~~ثابتا بالعقل قبل الآية فانتفى الجواز المقدر بالسبعين والزيادة ثبت جوازها ~~بدليل العقل لا بالمفهوم # المسلك الثالث : أن الصحابة قالوا:قوله صلى الله عليه وسلم "الماء من ~~الماء" منسوخ بقول عائشة رضي الله عنهاإذا التقى الختانان فقد وجب الغسل" ~~فلو لم يتضمن نفي الماء عن غير الماء لما كان وجوبه بسبب آخر نسخا له فإنه ~~لم ينسخ وجوبه بالماء بل انحصاره عليه واختصاصه به # والجواب من أوجه: # الأول: أن هذا نقل آحاد ولا تثبت به اللغة # الثاني : أنه إنما يصح عن قوم مخصوصين لا عن كافة الصحابة فيكون ذلك ~~مذهبا لهم بطريق الاجتهاد ولا يجب تقليدهم # الثالث : أنه يحتمل أنهم فهموا منه أن كل الماء من الماء ففهموا من لفظ ~~الماء المذكور أولا العموم والاستغراق لجنس استعمال الماء وفهموا أخيرا كون ~~خبر التقاء PageV02P202 ~~الختانين نسخا لعموم الأول لا لمفهومه ودليل خطابه وكل عام أريد به ~~الاستغراق فالخاص بعده يكون نسخا لبعضه ويتقابلان إن اتحدث الواقعة # الرابع:أنه نقل عنه عليه السلام أنه قال لا ماء إلا من الماء وهذا تصريح ~~بطرفي النفي والإثبات كقوله عليه السلام "لا نكاح إلا بولي ولا صلاة إلا ~~بطهور" وروي أنه صلى الله عليه وسلم أتى باب رجل من الأنصار فصاح به فلم ~~يخرج ساعة ثم خرج ورأسه يقطر ماء فقال عليه السلام: " عجلت عجلت ولم تنزل ~~فلا تغتسل فالماء من الماء" وهذا تصريح بالنفي فرأوا خبر التقاء الختانين ~~ناسخا لما فهم من هذه الأدلة # الخامس: أنه قال في رواية إنما ms415 الماء من الماء وقد قال بعض منكري المفوم ~~أن هذا للحصر والنفي والإثبات ولا مفهوم للقب والماء اسم لقب فدل أنه مأخوذ ~~من الحصر الذي دل عليه الألف واللام وقوله إنما ولم يقل أحد من الصحابة أن ~~المنسوخ مفهوم هذا اللفظ فلعل المنسوخ عمومه أو حصره المعلوم لا بمجرد ~~التخصيص والكلام في مجرد التخصيص # المسلك الرابع :قولهم أن يعلى بن أمية قال لعمر رضي الله عنه ما بالنا ~~نقصر وقد أمنا فقال تعجبت مما تعجبت منه فسألت النبي عليه الصلاة والسلام ~~فقال: "هي صدقة تصدق الله بها عليكم أو على عباده فاقبلوا صدقته" وتعجبهما ~~من بطلان مفهوم تخصيص قوله تعالى {فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن ~~خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } [النساء: من الآية101 ] # قلنا لأن الأصل الإتمام واستثنى حالة الخوف فكان الإتمام واجبا عند عدم ~~الخوف بحكم الأصل لا بالتخصيص # المسلك الخامس : أن ابن عباس رضي الله عنهما فهم من قوله صلى الله عليه ~~وسلم "إنما الربا في النسيئة" نفي ربا الفضل وكذلك عقل من قوله تعالى {فإن ~~كان له إخوة فلأمه PageV02P203 ~~السدس }[ النساء: من الآية11] إنه إن كان له إخوان فلأمه الثلث وكذلك ~~قال:الأخوات لا يرثن مع الأولاد لقوله تعالى {إن امرؤ هلك ليس له ولد وله ~~أخت فلها نصف ما ترك }[ النساء: من الآية176]فإنه لما جعل لها النصف بشرط ~~عدم الولد دل على انتفائه عند وجود الولد # والجواب عن هذا من أوجه: # الأول : أن هذا غايته أن يكون مذهب ابن عباس ولا حجة فيه # الثاني : أن جميع الصحابة خالفوه في ذلك فإن دل مذهبه عليه دل مذهبهم على نقيضه # الثالث: أنه لم يثبت أنه دفع ربا الفضل بمجرد هذا اللفظ بل ربما دفعه ~~بدليل آخر وقرينة أخرى # الرابع: أنه لعله اعتقد أن البيع أصله على الإباحة بدليل العقل أو عموم ~~قوله تعالى {وأحل الله البيع وحرم الربا} [البقرة: من الآية275]فإذا كان ~~النهي قاصرا على النسيئة كان الباقي حلالا بالعموم ودليل العقل لا بالمفهوم # الخامس : أنه ms416 روي أنه قال لا ربا إلا في النسيئة وهذا نص في النفي ~~والإثبات وقوله إنما الربا في النسيئة أيضا قد أقربه بعض منكري المفهوم لما ~~فيه من الحصر PageV02P204 ~~المسلك السادس: أنه إذا قال اشتر لي عبدا أسود يفهم نفي الأبيض وإذا قال ~~أضربه إذا قام يفهم المنع إذا لم يقم # قلنا هذا باطل بل الأصل منع الشراء والشرب إلا فيما أذن والأذن قاصر فبقي ~~الباقي على النفي وتولد منه درك الفرق بين الأبيض والأسود وعماد الفرق ~~إثبات ونفي ومستندا لنفي الأصل ومستند الإثبات الأذن القاصر والذهن إنما ~~ينتبه للفرق عند الإذن القاصر على الأسود فإنه يذكر الأبيض فيسبق إلى ~~الأوهام العامية أن إدراك الذهن هذا الاختصاص والفرق من الذكر القاصر لا بل ~~هو عند الذكر القاصر لكن أحد طرفي الفرق حصل من الذكر والآخر كان حاصلا في ~~الأصل فيذكره عند التخصيص فكان حصول الفرق عنده لا به فهذا مزلة القدم وهو ~~دقيق ولأجله غلط الأكثرون # ويدل عليه أيضا أنه لو عرض على البيع شاة وبقرة وغانما وسالما وقال اشتر ~~غانما والشاة لسبق إلى الفهم الفرق بين غانم وسالم وبين البقرة والشاة ~~واللقب لا مفهوم له بالإتفاق عند كل محصل إذ قوله لا تبيعوا البر بالبر لم ~~يدل على نفي الربا من غير الأشياء الستة بالإتفاق ولو دل لا نحسم باب ~~القياس وإن القياس فائدته إبطال التخصيص وتعدية الحكم من المنصوص إلى غيره ~~لكن مزلة القدم ما ذكرناه # وهو جار في كل ما يتضمن الاقتطاع من أصل ثابت كقوله أنت طالق إن دخلت ~~الدار فإن لم تدخل لم تطلق لأن الأصل عدم الطلاق لا لتخصيص الدخول بدليل ~~أنه لو قال إن دخلت فلست بطالق فلا يقع إذا لم تدخل لأنه ليس الأصل وقوع ~~الطلاق حتى يكون تخصيص النفي بالدخول موجبا للرجوع إلى الأصل عند عدم ~~الدخول وهذا واضح # المسلك السابع:وعليه تعويل الأكثرين وهو السبب الأعظم في وقوع هذا الوهم ~~أن تخصيص الشيء بالذكر لا بد أن تكون له فائدة فإن استوت ms417 السائمة والمعلوفة ~~والثيب والبكر والعمد والخطأ فلم خصص البعض بالذكر والحكم PageV02P205 ~~شامل والحاجة إلى البيان تعم القسمين فلا داعي له إلى اختصاص الحكم وإلا ~~صار الكلام لغوا # والجواب من أربعة أوجه : # الأول: أن هذا عكس الواجب فإنكم جعلتم طلب الفائدة طريقا إلى معرفة وضع ~~اللفظ وينبغي أن يفهم أولا الوضع ثم ترتب الفائدة عليه والعلم بالفائدة ~~ثمرة معرفة الوضع أما أن يكون الوضع تبع معرفة الفائدة فلا # الثاني: وأن عماد هذا الكلام أصلان أحدهما أنه لا بد من فائدة التخصيص ~~والثاني أنه لا فائدة إلا اختصاص الحكم والنتيجة أنه الفائدة إذا # ومسلم أنه لا بد من فائدة لكن الأصل الثاني وهو أنه لا فائدة إلا هذا ~~فغير مسلم فلعل فيه فائدة فليست الفائدة محصورة في هذا بل البواعث على ~~التخصيص كثرة واختصاص الحكم أحد البواعث # فإن قيل فلو كان له فائدة أو عليه باعث سوى اختصاص الحكم لعرفناه # قلنا ولم قلتم أن كل فائدة ينبغي أن تكون معلومة لكم فلعلها حاضرة ولم ~~تعثروا عليها فكأنكم جعلتم عدم علم الفائدة علما بعدم الفائدة وهذا خطأ PageV02P206 ~~فعماد هذا الدليل هو الجهل بفائدة أخرى # الثالث: وهو قاصمة الظهر على هذا المسلك :أن تخصيص اللقب لا يقول به محصل ~~فلم لم تطلبوا الفائدة فيه فإذا خصص الأشياء الستة في الربا وعمم الحكم في ~~المكيلات والمطعومات كلها وخصص الغنم بالزكاة مع وجوبها في الإبل والبقر ~~فما سببه مع استواء الحكم فيقال لعل إليه داعيا من سؤال أو حاجة أو سبب لا ~~نعرفه فليكن كذلك في تخصيص الوصف # الرابع: أن في تخصيص الحكم بالصفة الخاصة فوائد: # الأولى: أنه لو استوعب جميع محل الحكم لم يبق للاجتهاد مجال فأراد بتخصيص ~~بعض الألقاب والأوصاف بالذكر أن يعرض المجتهدين لثواب جزيل في الاجتهاد إذ ~~بذلك تتوفر دواعيهم على العلم ويدوم العلم محفوظا بإقبالهم ونشاطهم في ~~الفكر والاستنباط ولولا هذا لذكر لكل حكم رابطة عامة جامعة لجميع مجاري ~~الحكم حتى لا يبقى للقياس مجال # الثانية: أنه لو قال في الغنم ms418 زكاة ولم يخصص السائمة لجاز للمجتهد إخراج ~~السائمة عن العموم بالاجتهاد الذي ينقدح له فخص السائمة بالذكر لتقاس ~~المعلوفة عليها إن رأى أنها في معناها أو لا تلحق بها فتبقى السائمة بمعزل ~~عن محل الاجتهاد وكذلك لو قال لا تبيعوا الطعام بالطعام ربما أدى اجتهاد ~~مجتهد إلى إخراج البر والتمر فنص على ما لا وجه لإخراجه وترك ما هو موكول ~~إلى الاجتهاد لا سيما ولو ذكر الطعام أو الغنم وهو لفظ عام لصار عند ~~الواقفية محتملا للعموم وللبر خاصة أو التمر خاصة وللمعلوفة خاصة وللسائمة خاصة PageV02P207 ~~فأخرج المخصوص عن محل الوقف والشك ورد الباقي إلى الاجتهاد لما رأى فيه من ~~اللطف والصلاح # الثالثة: أن يكون الباعث على التخصيص للأشياء الستة عموم وقوع أو خصوص ~~سؤال أو وقوع واقعة أو اتفاق معاملة فيها خاصة أو غير ذلك من أسباب لا نطلع ~~عليها فعدم علمنا بذلك لا ينزل بمنزلة علمنا بعدم ذلك بل نقول لعل إليه ~~داعيا لم نعرفه فكذلك في الأوصاف # المسلك الثامن: قولهم إن التعليق بالصفة كالتعليق بالعلة وذلك يوجب ~~الثبوت بثبوت العلة والانتفاء بانتفائها # والجواب:أن الخلاف في العلة والصفة واحد فتعليق الحكم بالعلة يوجب ثبوته ~~بثبوتها أما انتفاؤه بانتفائها فلا بل يبقى بعد انتفاء العلة على ما يقتضيه ~~الأصل وكيف ونحن نجوز تعليل الحكم بعلتين فلو كان إيجاب القتل بالردة نافيا ~~للقتل عند انتفائها لكان إيجاب القصاص نسخا لذلك النفي بل فائدة ذكر العلة ~~معرفة الرابطة فقط وليس من فائدته أيضا تعدية العلة من محلها إلى غير محلها ~~فإن ذلك عرف بورود التعبد بالقياس ولولاه لكان قوله حرمت عليكم الخمر ~~لشدتها لا يوجب تحريم النبيذ المشتد بل يجوز أن تكون العلة شدة الخمر خاصة ~~إلى أن يرد دليل وتعبد باتباع العلة وترك الالتفات إلى المحل # المسلك التاسع: استدلالهم بتخصيصات في الكتاب والسنة خالف الموصوف فيها ~~غير الموصوف بتلك الصفات # وسبيل الجواب عن جميعها إما لبقائها على الأصل أو معرفتها بدليل آخر أو ~~بقرينة ولو دل ما ذكروه لدلت تخصيصات ms419 في الكتاب والسنة لا أثر لها على ~~نقيضه كقوله تعالى {ومن قتله منكم متعمدا } [المائدة: من الآية95]في جزاء ~~الصيد إذ يجب على الخاطىء وقوله تعالى {ومن قتل مؤمنا خطأ PageV02P208 ~~فتحرير رقبة مؤمنة }[ النساء: من الآية92] إذ تجب على العامد عند الشافعي ~~رحمه الله وقوله{ فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم} [النساء: ~~من الآية101] الآية وقوله في الخلع{ وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من ~~أهله وحكما من أهلها } [النساء: من الآية35] وقوله عليه السلام "أيما امرأة ~~نكحت بغير إذن وليها" إلى أمثال له لا تحصى # القول في درجات دليل الخطاب # اعلم أن توهم النفي من الإثبات على مراتب ودرجات وهي ثمانية: # الأولى:مفهوم اللقب: # وهي أبعدها وقد أقر ببطلانها كل محصل من القائلين بالمفهوم وهو مفهوم ~~اللقب كتخصيص الأشياء الستة في الربا # الثانية: الاسم المشتق الدال على جنس كقوله لا تبيعوا الطعام بالطعام ~~وهذا أيضا يظهر إلحاقه باللقب لأن الطعام لقب لجنسه وإن كان مشتقا مما يطعم ~~إذ لا تدرك تفرقة بين قوله في الغنم زكاة وفي الماشية زكاة وإن كانت ~~الماشية مشتقة مثلا # الثالث : تخصيص الأوصاف التي تطرأ وتزول كقوله الثيب أحق بنفسها والسائمة ~~تجب فيها الزكاة فلأجل أن السوم يطرأ ويزول ربما يتقاضى الذهن طلب سبب ~~التخصيص وإذا لم يجد حمله على انتفاء الحكم PageV02P209 ~~وهو أيضا ضعيف ومنشؤه الجهل بمعرفة الباعث على التخصيص # الرابعة: أن يذكر الاسم العام ثم تذكر الصفة الخاصة في معرض الاستدراك ~~والبيان كما لو قال في الغنم السائمة زكاة وكقوله من باع نخلة مؤبرة فثمرها ~~للبائع واقتلوا المشركين الحربيين فإنه ذكر الغنم والنخلة والمشركين وهي ~~عامة فلو كان الحكم يعمها لما أنشأ بعده استدراكا لكن الصحيح أن مجرد هذا ~~التخصيص من غير قرينة لا مفهوم له فيرجع حاصل الكلام إلى طلب سبب الاستدراك ~~ويجوز أن يكون له سبب سوى اختصاص الحكم لم نعرفه # ووجه التفاوت بين هذه الصور أن تخصيص اللقب يمكن حمله على أنه لم يحضره ~~ذكر المسكوت عنه ولذلك ذكر ms420 الأشياء الستة فهذا احتمال وهو الغفلة عن غير ~~المنطوق به والغفلة عن البكر عند التعرض للثيب أبعد لأن ذكر الصفة بذكر ~~ضدها يضعف هذا الاحتمال فصار احتمال المفهوم أظهر وعند الاستدراك بعد ~~التعميم انقطع هذا الاحتمال بالكلية فظهر احتمال المفهوم لانحسام أحد ~~الاحتمالات الباعثة على التخصيص # لكن وراء هذه احتمالات داعية إلى التخصيص وإن لم نعرفها فلا يحتج بما لا ~~يعلم فينظر إلى لفظه ومن تعرض للغنم السائمة والنخلة المؤبرة فهو ساكت عن ~~المعلوفة وغير المؤبرة كما لو قال في السائمة وفي المؤبرة وكما قال في ~~سائمة الغنم زكاة # الخامسة: الشرط: # وذلك أن يقول:إن كان كذا فافعل كذا وإن جاءكم كريم قوم فأكرموه PageV02P210 ~~{وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن } [الطلاق: من الآية6]وقد ذهب ابن شريح ~~وجماعة من المنكرين للمفهوم إلى أن هذا يدل على النفي # والذي ذهب إليه القاضي إنكاره وهو الصحيح عندنا على قياس ما سبق لأن ~~الشرط يدل على ثبوت الحكم عند وجود الشرط فقط فيقصر عن الدلالة على الحكم ~~عند عدم الشرط يدل على ثبوت الحكم عند وجود الشرط فقط فيقصر عن الدلالة على ~~الحكم عند عدم الشرط أما أن يدل على عدمه عند العدم فلا وفرق بين أن لا يدل ~~على الوجود فيبقى على ما كان قبل الذكر وبين أن يدل على النفي فيتغير عما كان # والدليل عليه أنه يجوز تعليق الحكم بشرطين كما يجوز بعلتين فإذا قال احكم ~~بالمال للمدعي إن كانت له بينة واحكم له بالمال إن شهد له شاهدان لا يدل ~~على نفي الحكم بالإقرار واليمين والشاهد ولا يكون الأمر بالحكم بالإقرار ~~والشاهد واليمين نسخا له ورفعا للنص أصلا ولهذا المعنى جوزناه بخبر الواحد # وقوله تعالى {وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن }[ الطلاق: من الآية6] أنكر ~~أبو حنيفة مفهومه لما ذكرناه # ويجوز أن نوافق الشافعي في هذه المسألة وإن خالفناه في المفهوم من حيث أن ~~انقطاع ملك النكاح يوجب سقوط النفقة إلا ما استثنى والحامل هي المستثنى ~~فيبقى الحائل على أصل النفي وانتفت ms421 نفقتها إلا بالشرط لكن بانتفاء النكاح ~~الذي كان علة النفقة # السادسة: قوله عليه السلام: "إنما الماء من الماء" "وإنما الشفعة فيما لم ~~يقسم" "وإنما الولاء لمن أعتق" "وإنما الربا بالنسيئة" "إنما الأعمال ~~بالنيات" وهذا قد أصر أصحاب أبي حنيفة وبعض المنكرين للمفهوم على إنكاره ~~وقالوا إنه إثبات فقط ولا يدل على الحصر PageV02P211 ~~وأقر القاضي بأنه ظاهر في الحصر محتمل للتأكيد إذ قوله تعالى {إنما الله ~~إله واحد} [النساء: من الآية171]و{إنما يخشى الله من عباده العلماء} [فاطر: ~~من الآية28]يشعر بالحصر ولكن قد يقول إنما النبي محمد وإنما العالم في ~~البلد زيد يريد به الكمال والتأكيد # وهذا هو المختار عندنا أيضا # ولكن خصص القاضي هذا بقوله إنما ولم يطرده في قوله الأعمال بالنيات ~~والشفعة فيما لم يقسم وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم والعالم في البلد زيد # وعندنا أن هذا يلحق بقوله إنما وإن كان دونه في القوة لكنه ظاهر في الحصر ~~أيضا فإنا ندرك التفرقة بين قول القائل زيد صديقي وبين قوله صديقي زيد وبين ~~قوله زيد عالم وبين قوله العالم زيد # وهذا التحقيق وهو أن الخبر لا يجوز أن يكون أخص من المبتدأ بل ينبغي أن ~~يكون أعم منه أو مساويا له فلا يجوز أن تقول الحيوان إنسان ويجوز أن تقول ~~الإنسان حيوان فإذا جعل زيدا مبتدأ وقال زيد صديقي جاز أن تكون الصداقة أعم ~~من زيد وزيد أخص من الصديق لأن المبتدأ يجوز أن يكون أخص من الخبر أما إذا ~~جعل الصديق مبتدأ فقال صديقي زيد فلو كان له صديق آخر كان المبتدأ أعم من ~~الخبر والخبر أخص وكان كقوله اللون سواد والحيوان إنسان وذلك ممتنع وإن كان ~~عكسه جائزا # فإن قيل:يجوز أن يقول صديقي زيد وعمرو أيضا والولاء لمن أعتق ولمن كاتب ~~ولمن باع بشرط العتق ولو كان للحصر لكان هذا نقضا له قلنا هو للحصر بشرط أن ~~لا يقترن به قبل الفراغ من الكلام ما يغيره كما أن العشرة لمعناها بشرط أن ~~لا يتصل بها الاستثناء وقوله {فاقتلوا المشركين ms422 } [التوبة: من الآية5] ظاهر ~~في الجميع بشرط أن لا يقول إلا زيدا PageV02P212 ~~السابعة: مد الحكم إلى غاية بصيغة إلى وحتى كقوله تعالى {ولا تقربوهن حتى ~~يطهرن } [البقرة: من الآية222] # {فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره}[ البقرة: من الآية230] وقوله ~~تعالى {حتى يعطوا الجزية عن يد } [التوبة: من الآية29] وقد أصر على إنكار ~~هذا أصحاب أبي حنيفة وبعض المنكرين للمفهوم وقالوا هذا نطق بما قبل الغاية ~~وسكوت عما بعد الغاية فيبقى على ما كان قبل النطق # وأقر القاضي بهذا لأن قوله تعالى{ حتى تنكح زوجا غيره}[ البقرة: من ~~الآية230] {حتى يطهرن } ليس كلاما مستقلا فإن لم يتعلق بقوله { ولا تقربوهن ~~} وقوله { فلا تحل له } فيكون لغوا من الكلام وإنما صح لما فيه من إضمار ~~وهو قوله حتى يطهرن فأقربوهن وحتى تنكح فتحل ولهذا يقبح الاستفهام إذا قال ~~لا تعط زيدا حتى يقوم ولو قال أعطه إذا قام فلا يحسن إذ معناه أعطه إذا قام ~~ولأن الغاية نهاية ونهاية الشيء مقطعة فإن لم يكن مقطع فلا يكون نهاية فإنه ~~إذا قال اضربه حتى يتوب فلا يحسن معه أن يقول وهل أضربه وإن تاب؟ # وهذا وإن كان له ظهور ما ولكن لا ينفك عن نظر إذ يحتمل أن يقال كل ماله ~~ابتداء فغايته مقطع لبدايته فيرجع الحكم بعد الغاية إلى ما كان قبل البداية ~~فيكون الإثبات مقصورا أو ممدودا إلى الغاية المذكورة ويكون ما بعد الغاية ~~كما قبل البداية # فإذا هذه الرتبة أضعف في الدلالة على النفي مما قبلها # الرتبة الثامنة: مفهوم الحصر بالنفي والإثبات: # لا عالم في البلد إلا زيد وهذا قد أنكره غلاة منكري المفهوم وقالوا هذا ~~نطق بالمستثنى عنه وسكوت عن المستثنى فما خرج بقوله إلا فمعناه أنه لم يدخل ~~في الكلام فصار الكلام مقصورا على الباقي PageV02P213 ~~وهذا ظاهر البطلان لأن هذا صريح في النفي والإثبات فمن قال لا إله إلا الله ~~لم يقتصر على النفي بل أثبت لله تعالى الألوهية ونفاها عن غيره ومن قال لا ms423 ~~عالم إلا زيد ولا فتى إلا علي ولا سيف إلا ذو الفقار فقد نفى وأثبت قطعا # وليس كذلك قوله لا صلاة إلا بطهور ولا نكاح إلا بولي ولا تبيعوا البر ~~بالبر إلا سواء بسواء هذا صيغة الشرط ومقتضاها نفي المنفى عند انتفاء الشرط ~~فليس منطوقا به بل تفسد الصلاة مع الطهارة لسبب آخر وكذلك النكاح مع الولي ~~والبيع مع المساواة وهذا على وفق قاعدة المفهوم فإن إثبات الحكم عند ثبوت ~~وصف لا يدل على إبطاله عند انتفائه بل يبقى على ما كان قبل النطق # وكذلك نفيه عند انتفاء شيء لا يدل على إثباته عند ثبوت ذلك الشيء بل يبقى ~~على ما كان قبل النطق ويكون المنطوق به النفي عند الانتفاء فقط بخلاف قوله ~~لا إله إلا الله ولا عالم إلا زيد لأنه إثبات ورد على النفي والاستثناء من ~~النفي إثبات ومن الإثبات نفي وقوله لا صلاة ليس فيه تعرض للطهارة بل للصلاة ~~فقط وقوله إلا بطهور ليس إثباتا للصلاة بل للطهور الذي لم يتعرض له في ~~الكلام فلا يفهم منه إلا الشرط # مسألة: مفهوم اللقب # القائلون بالمفهوم أقروا بأنه لا مفهوم لقوله {وإن خفتم شقاق بينهما} ~~[النساء: من الآية35]ولا لقوله إيما امرأة نكحت بغير إذن وليها لأن الباعث على PageV02P214 ~~التخصيص العادة لأن الخلع لا يجري إلا عند الشقاق والمرأة لا تنكح نفسها ~~إلا إذا أبى الولي # وكذلك القائلون بمفهوم اللقب قالوا لا مفهوم لقوله صبوا عليه ذنوبا من ~~ماء وليستنج بثلاثة أحجار لأنه ذكرهما لكونهما غالبين وإذا كان يسقط ~~المفهوم بمثل هذا الباعث فحيث لم يظهر لنا الباعث احتمل أن يكون ثم باعث لم ~~يظهر لنا فكيف يبني الحكم على عدم ظهور الباعث لنا ؟ # عود إلى مناقشة فائدة تخصيص الوصف بالذكر # فإن قيل:فلو انتفى الباعث المخصص في علم اللهتعالى واستوت الحاجة في ~~المذكور والمسكوت واستويا في الذكر ولم يكن أحدهما منسيا فهل يجوز للنبي ~~عليه السلام أن يخص أحدهما بالذكر ؟فإن جوزتم فهو نسبة له إلى اللغو والعبث ~~وكان كقوله ms424 يجب الصوم على الطويل والأبيض فقلنا وهل يجب على القصير والأسود ~~فقال نعم قلنا فلم خصصت هذا بالذكر فقال بالتشهي والتحكم فلا شك أنه ينسب ~~إلى خلاف الجد ويصلح ذلك لأن يلقب به ليضحك منه كما يقول القائل اليهودي ~~إذا مات لا يبصر فيكون ذلك هزؤا فثبت بهذا أن هذا دليل إن لم يكن باعث فإذا ~~لم يظهر فالأصل عدمه أما إسقاط دلالته لتوهم باعث على التخصيص سوى اختصاص ~~الحكم به فهو رفع للدلالة بالتوهم # قلنا ما ذكرتموه مسلم وهو أيضا جار في تخصيص اللقب واليهودي اسم PageV02P215 ~~لقب ويستقبح تخصيصه ولا مفهوم للقب لأن ذلك يحسم سبيل القياس وإنما أسقط ~~مفهوم اللقب لأنه ليس فيه دلالة من حيث اللفظ بل هو نطق بشيء وسكوت عن شيء ~~فينبغي أن يقال فلم سكت عن البعض ونطق بالبعض فنقول لا ندري فإن ذلك يحتمل ~~أن يكون بسبب اختصاص الحكم ويحتمل أن يكون بسبب آخر فلا يثبت الاختصاص ~~بمجرد احتمال ووهم وكذلك تخصيص الوصف ولا فرق # فإذا لسنا ندرأ الدليل بالوهم بل الخصم يبني الدليل على الوهم فإنه ما لم ~~ينتف سائر البواعث لا يتعين باعث اختصاص الحكم وتقدير انتفاء البواعث وهم ~~مجرد وأما قول القائل اليهودي إذا مات لا يبصر فليس استقباحه للتخصيص بل ~~لأنه ذكر ما هو جلي فإنه لو قال الإنسان إذا مات لم يبصر أو الحيوان إذا ~~مات لا يبصر استقبح ذلك لأنه تعرض لما هو واضح في نفسه فإن تعرض لمشكل فلا ~~يستقبح التخصيص في كل مقام كقوله العبد إذا وقع في الحج لزمته الكفارة فهذا ~~لا يستقبح وإن شاركه الحر وكقوله الإنسان لا يتحرك إلا بالإرادة ولا يريد ~~إلا بعد الإدراك فلا يستقبح وإن كان سائر الحيوان شاركه فيهما هذا تمام ~~التحقيق في المفهوم وبه تمام النظر في الفن الثاني وهو اقتباس الحكم من ~~اللفظ لا من حيث صيغته ووضعه بل من حيث فحواه وإشارته # ولم يبق إلا الفن الثالث وهو اقتباس الحكم من حيث معناه ومعقوله وهو ms425 ~~القياس والقول فيه طويل # ونرى أن نلحق بآخر الفن الثاني القول في فعل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وسكوته ووجه دلالته على الأحكام فإنه قد يظن أنه نازل منزلة القول في ~~الدلالة PageV02P216 ### ||| AUTO القول في دلالة أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم # ... # ثم بعد الفراغ منه نخوض في الفن الثالث وهو شرح القياس # القول في دلالة أفعال النبي عليه السلام وسكوته واستبشاره # وفيه ثلاثة فصول: # الفصل الأول في دلالة الفعل # ونقدم عليه مقدمة في عصمة الأنبياء فنقول : # لما ثبت ببرهان العقل صدق الأنبياء وتصديق الله تعالى إياهم بالمعجزات ~~فكل ما يناقض مدلول المعجزة فهو محال عليهم بدليل العقل ويناقض مدلول ~~المعجزة جواز الكفر والجهل بالله تعالى وكتمان رسالة الله والكذب والخطأ ~~والغلط فيما يبلغ والتقصير في التبليغ والجهل بتفاصيل الشرع الذي أمر ~~بالدعوة إليه # أما ما يرجع إلى مقارفة الذنب فيما يخصه ولا يتعلق بالرسالة فلا يدل على ~~عصمتهم عنه عندنا دليل العقل بل دليل التوقيف والإجماع قد دل على عصمتهم عن ~~الكبائر وعصمتهم أيضا عما يصغر أقدارهم من القاذورات كالزنا والسرقة ~~واللواط # أما الصغائر فقد أنكرها جماعة وقالوا الذنوب كلها كبائر فأوجبوا عصمتهم ~~عنها والصحيح أن من الذنوب صغائر وهي التي تكفرها الصلوات الخمس PageV02P217 ~~واجتناب الكبائر كما ورد في الخبر وكما قررنا حقيقته في كتاب التوبة من ~~كتاب إحياء علوم الدين فإن قيل:لم لم تثبت عصمتهم بدليل العقل لأنهم لو لم ~~يعصموا لنفرت قلوب الخلق عنهم ؟ # قلنا:لا يجب عندنا عصمتهم من جميع ما ينفر فقد كانت الحرب سجالا بينه صلى ~~الله عليه وسلم وبين الكفار وكان ذلك ينفر قلوب قوم عن الإيمان ولم يعصم ~~عنه وإن ارتاب المبطلون مع أنه حفظ عن الخط والكتابة كي لا يرتاب المبطلون ~~وقد ارتاب جماعة بسبب النسخ كما قال تعالى{ وإذا بدلنا آية مكان آية والله ~~أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر } [النحل: من الآية101] وجماعة بسبب ~~المتشابهات فقالوا كان يقدر على كشف الغطاء لو كان نبيا لخلص الخلق من ~~كلمات ms426 الجهل والخلاف كما قال تعالى {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات ~~محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما ~~تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله ~~والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو ~~الألباب} [آل عمران:7] # وهذا لأن نفي المنفرات ليس بشرط دلالة المعجزة # هذا حكم الذنوب # أما النسيان والسهو فلا خلاف في جوازه عليهم فيما يخصهم من العبادات ولا ~~خلاف في عصمتهم بما يتعلق بتبليغ الشرع والرسالة فإنهم كلفوا تصديقه جزما ~~ولا يمكن التصديق مع تجويز الغلط # وقد قال قوم:يجوز عليه الغلط فيما شرعه بالاجتهاد لكن لا يقر عليه PageV02P218 ~~وهذا على مذهب من يقول المصيب واحد من المجتهدين أما من قال كل مجتهد مصيب ~~فلا يتصور الخطأ عنده في اجتهاد غيره فكيف في اجتهاده ؟! # أقسام أفعال النبي صلى الله عليه وسلم وحكم كل منها : # رجعنا إلى المقصود وهو أفعاله عليه السلام # فما عرف بقوله أنه تعاطاه بيانا للواجب كقوله عليه السلام "صلوا كما ~~رأيتموني أصلي" و"خذوا عني مناسككم" أو علم بقرينة الحال أنه إمضاء لحكم ~~نازل كقطع يد السارق من الكوع فهذا دليل وبيان # وما عرف أنه خاصيته فلا يكون دليلا في حق غيره # وأما ما لم يقترن به بيان في نفي ولا إثبات فالصحيح عندنا أنه لا دلالة ~~له بل هو متردد بين الإباحة والندب والوجوب وبين أن يكون مخصوصا به وبين أن ~~يشاركه غيره فيه PageV02P219 ~~ولا يتعين واحد من هذه الأقسام إلا بدليل زائد بل يحتمل الحظر أيضا عند من ~~يجوز عليهم الصغائر # وقال قوم :أنه على الحظر # وقال قوم:على الإباحة . # وقال قوم:على الندب # وقال قوم:على الوجوب إن كان في العبادات وإن كان في العادات فعلى الندب ~~ويستحب التأسي به # وهذه تحكمات لأن الفعل لا صيغة له وهذه الاحتمالات متعارضة ونحن نفرد كل ~~واحد بالإبطال: # الرد على القائلين بالتحريم : # أما إبطال الحمل على الحظر فهو أن هذا خيال من رأى ms427 الأفعال قبل ورود ~~الشرع على الحظر قال وهذا الفعل لم يرد فيه شرع ولا يتعين بنفسه لإباحة ولا ~~لوجوب فيبقى على ما كان فلقد صدق في إبقاء الحكم على ما كان وأخطأ في قوله ~~بأن الأحكام قبل الشرع على الحظر وقد أبطلنا ذلك # ويعارضه قول من قال:إنها على الإباحة وهو أقرب من الحظر # ثم يلزم منه تناقض وهو أن يأتي بفعلين متضادين في وقتين فيؤدي إلى أن ~~يحرم الشيء وضده وهو تكليف المحال # الرد على القائلين بالإباحة : # أما إبطال الإباحة فهو أنه إن أراد به أنه أطلق لنا مثل ذلك فهو تحكم لا ~~يدل عليه عقل ولا سمع وإن أراد به أن الأصل في الأفعال نفي الحرج فيبقى على PageV02P220 ~~ما كان قبل الشرع فهو حق وقد كان كذلك قبل فعله فلا دلالة إذا لفعله # الرد على قول الندب : # أما إبطال الحمل على الندب :فإنه تحكم إذا لم يحمل على الوجوب لاحتمال ~~كونه ندبا فلا يحمل على الندب لاحتمال كونه واجبا بل لاحتمال كونه مباحا # وقد تمسكوا بشبهتين : # الأولى: أن فعله يحتمل الوجوب والندب والندب أقل درجاته فيحمل عليه # قلنا: إنما يصح ما ذكروه لو كان الندب داخلا في الوجوب ويكون الوجوب ندبا ~~وزيادة وليس كذلك إذ يدخل جواز الترك في حد الندب دون حد الوجوب # وأقرب ما قيل فيه الحمل على الندب لا سيما في العبادات # أما في العادات فلا أقل من حمله على الإباحة لا بمجرد الفعل ولكن نعلم أن ~~الصحابة كانوا يعتقدون في كل فعل له أنه جائز ويستدلون به على الجواز ويدل ~~هذا على نفي الصغائر عنه وكانوا يتبركون بالاقتداء به في العادات لكن هذا ~~أيضا ليس بقاطع إذ يحتمل أن يكون استدلالهم بذلك مع قرائن حسمت بقية ~~الاحتمالات وكلامنا في مجرد الأفعال دون قرينة ولا شك في أن ابن عمر لما ~~رآه مستقبل بيت المقدس في قضاء حاجته استدل به على كونه مباحا إذا كان في ~~بناء لأنه كان في البناء ولم يعتقد أنه ينبغي أن ms428 يقتدي به فيه لأنه خلا بنفسه PageV02P221 ~~فلم يكن يقصد إظهاره ليعلم بالقرينة قصده الدعاء إلى الاقتداء فتبين من هذا ~~أنهم اعتقدوا وأن ما فعله مباح وهذا يدل على أنهم لم يجوزوا عليه الصغائر ~~وأنهم لم يعتقدوا الاقتداء في كل فعل بل ما يقترن به قرينة تدل على إرادته ~~البيان بالفعل # الثانية :التمسك بقوله {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة}[ الأحزاب: ~~من الآية21] فأخبر أن لنا التأسي ولم يقل عليكم التأسي فيحمل على الندب لا ~~على الوجوب # قلنا:الآية حجة عليكم لأن التأسي به في إيقاع الفعل الذي أوقعه على ما ~~أوقعه فما أوقعه واجبا أو مباحا إذا أوقعناه على وجه الندب لم نكن مقتدين ~~به كما أنه إذا قصد الندب فأوقعناه واجبا خالفنا التأسي فلا سبيل إلى ~~التأسي به قبل معرفة قصده ولا يعرف قصده إلا بقوله أو بقرينة # ثم نقول:إذا انقسمت أفعاله إلى الواجب والندب لم يكن من يحمل الكل على ~~الوجوب متأسيا ومن يجعل الكل أيضا ندبا متأسيا بل كان النبي عليه السلام ~~يفعل ما لا يدري فمن فعل ما لا يدري على أي وجه فعله لم يكن متأسيا # الرد على من قال بالوجوب : # أما أبطال الحمل على الوجوب فإن ذلك لا يعرف بضرورة عقل ولا نظر ولا ~~بدليل قاطع فهو تحكم لأن فعله متردد بين الوجوب والندب وعند من لم يوجب ~~عصمته من الصغائر يحتمل الحظر أيضا فلم يتحكم بالحمل على الوجوب ولهم شبه : PageV02P222 # الأولى قولهم لا بد من وصف فعله بأنه حق وصواب ومصلحة ولولاه لما أقدم عليه ~~ولا تعيد به # قلنا:جملة ذلك مسلم في حقه خاصة ليخرج به عن كونه محظورا وإنما الكلام في ~~حقنا وليس يلزم الحكم بأن ما كان في حقه حقا وصوابا ومصلحة كان في حقنا ~~كذلك بل لعله مصلحة بالإضافة إلى صفة النبوة أو صفة هو يختص بها ولذلك ~~خالفنا في جملة من الجائزات والواجبات والمحظورات بل اختلف المقيم والمسافر ~~والحائض والطاهر في الصلوات فلم يمتنع اختلاف النبي والأمة # الثانية ms429 : أنه نبي وتعظيم النبي واجب والتأسي به تعظيم # قلنا:تعظيم الملك في الانقياد له فيما يأمر وينهي لا في التربع إذا تربع ~~ولا في الجلوس على السرير إذا جلس عليه فلو نذر الرسول أشياء لم يكن تعظيمه ~~في أن ننذرها مثل ما نذرها ولو طلق أو باع أو اشترى لم يكن تعظيمه في ~~التشبه به # الثالث: أنه لو لم يتابع في أفعاله لجاز أن لا يتابع في أقواله وذلك ~~تصغير لقدره وتنفير للقلوب عنه # قلنا:هذا هذيان فإن المخالفة في القول عصيان له وهو مبعوث للتبليغ حتى ~~يطاع في أقاويله لأن قوله متعد إلى غيره وفعله قاصر عليه وأما التنفير فقد ~~بينا أنه لا التفات إليه ولو كان ترك التشبه به تصغيرا له لكنا تركنا ~~للوصال وتركنا نكاح تسع بل تركنا دعوى النبوة تصغيرا # فاستبان أن هذه خيالات وأن التحقيق أن الفعل متردد كما أن اللفظ المشترك ~~كالقرء متردد فلا يجوز حمله على أحد الوجوه إلا بدليل زائد # الرابعة: تمسكهم بآي من الكتاب كقوله تعالى : { فاتبعوه} [الأنعام: من ~~الآية153]وأنه يعم الأقوال والأفعال وكقوله تعالى {فليحذر الذين يخالفون عن ~~أمره } [النور: من الآية63]وقوله{ وما آتاكم الرسول فخذوه } [الحشر: من ~~الآية7]وأمثاله PageV02P223 ~~وجمع ذلك يرجع إلى قبول أقواله وغايته أن يعم الأقوال والأفعال وتخصيص ~~العموم ممكن ولذلك لم يجب على الحائض والمريض موافقته مع أنهم مأمورون ~~بالإتباع والطاعة # الخامسة وهي أظهرها: تمسكهم بفعل الصحابة وهو أنهم واصلوا الصيام لما ~~واصل وخلعوا نعالهم في الصلاة لما خلع وأمرهم عام الحديبية بالتحلل بالحلق ~~فتوقفوا فشكا إلى أم سلمة فقالت أخرج إليهم واذبح واحلق ففعل فذبحوا وحلقوا ~~مسارعين وإنه خلع خاتمه فخلعوا وبأن عمر كان يقبل الحجر ويقول إني لأعلم ~~أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت النبي عليه السلام يقبلك ما قبلتك ~~وبأنه قال في جواب من سأل أم سلمة عن قلبة الصائم فقال "ألا أخبرته أني ~~أقبل وأنا صائم" وكذلك الصحابة رضي الله عنهم بأجمعهم اختلفوا في الغسل من ~~التقاء الختانين فقالت عائشة رضي ms430 الله عنها "فعلته أنا ورسول الله ~~فاغتسلنا" فرجعوا إلى ذلك # الجواب من وجوه: # الأول: أن هذه أخبار آحاد وكما لا يثبت القياس وخبر الواحد إلا بدليل PageV02P224 ~~قاطع فكذلك هذا لأنه أصل من الأصول # الثاني: أنهم لم يتبعوه في جميع أفعاله وعباداته فكيف صار اتباعهم للبعض ~~دليلا ولم تصر مخالفتهم في البعض دليل جواز المخالفة # الثالث: وهو التحقيق:أن أكثر هذه الأخبار تتعلق بالصلاة والحج والصوم ~~والوضوء وقد كان بين لهم أن شرعه وشرعهم فيه سواء فقال "صلوا كما رأيتموني ~~أصلي" "وخذوا عني مناسككم" وعلمهم الوضوء وقال هذا "وضوئي ووضوء الأنبياء ~~من قبلي" . # وأما الوصال فإنهم ظنوا لما أمرهم بالصوم واشتغل معهم به أنه قصد بفعله ~~امتثال الواجب وبيانه فرد عليهم ظنهم وأنكر عليهم الموافقة . # وكذلك في قبلة الصائم ربما كان قد بين لهم مساواة الحكم في المفطرات وأن ~~شرعه شرعهم. # وكذلك في الأحداث قد عرفهم مساواة الحكم فيها ففهموا لا بمجرد حكاية ~~الفعل كيف وقد نقل أنه عليه السلام قال "إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل" # وأما خلع الخاتم فهو مباح فلما خلع أحبوا موافقته لا لاعتقادهم وجوب ذلك ~~عليهم أو توهموا أنه لما ساواهم في سنة التختم فيساويهم في سنة الخلع # فإن قيل:الأصل أن ما ثبت في حقه عام إلا ما استثنى # قلنا:لا بل الأصل أن ما ثبت في حقه فهو خاص إلا ما عممه PageV02P225 ~~فإن قيل:التعميم أكثر فلينزل عليه # قلنا: ولم يجب التنزيل على الأكثر ؟وإذا اشتبهت أخت بعشر أجنبيات فالأكثر ~~حلال ولا يجوز الأخذ به كيف والمباحات أكثر من المندوبات فلتلحق بها ~~والمندوبات أكثر من الواجبات فلتلحق بها بل ربما قال القائل المحظورات أكثر ~~من الواجبات فلتنزل عليها. # الفصل الثاني في شبهات متفرقة في أحكام الأفعال # الخطوات التي يتبعها المجتهد لاستفادة الأحكام من الأفعال: # الأولى : قال قائل إذا نقل إلينا فعله عليه السلام فما الذي يجب على ~~المجتهد أن يبحث عنه؟وما الذي يستحب؟ # قلنا: لا يجب إلا أمر واحد وهو البحث عنه هل ورد بيانا لخطاب عام أو ms431 ~~تنفيذا لحكم لازم عام فيجب علينا اتباعه أو ليس كذلك فيكون قاصرا عليه فإن ~~لم يقم دليل على كونه بيانا لحكم عام فالبحث عن كونه ندبا في حقه أو واجبا ~~أو مباحا أو محظورا أو قضاء أو أداء موسعا أو مضيقا لا يجب بل هو زيادة PageV02P226 ~~درجة وفضل في العلم يستحب للعالم أن يعرفه # الثاني : اصناف ما يحتاج إلى بيان : # فإن قيل:كم أصناف ما يحتاج إلى البيان سوى الفعل # قلنا:ما يتطرق إليه احتمال كالمجمل والمجاز والمنقول عن وضعه والمنقول ~~بتصرف الشرع والعام المحتمل للخصوص والظاهر المحتمل للتأويل ونسخ الحكم بعد ~~استقراره ومعنى قول افعل أنه للندب أو للوجوب أو أنه على الفور أو التراخي ~~أو أنه للتكرار أو المرة الواحد والجمل المعطوفة إذا أعقبت باستثناء وما ~~يجري مجراه مما يتعارض فيه الاحتمال والفعل من جملة ذلك # حكم الفعل البياني في حق النبي صلى الله عليه وسلم # فإن قيل:فإن بين لنا بفعله ندبا فهل يكون فعله واجبا ؟ # قلنا: نعم هو من حيث أنه بيان واجب لأنه تبليغ للشرعه ومن حيث أنه فعل ندب # وذهب بعض القدرية إلى أن بيان الواجب واجب وبيان الندب ندب وبيان المباح مباح # ويلزم على ذلك أن يكون بيان المحظور محظورا فإذا كان بيان المحظور واجبا ~~فلم لا يكون بيان الندب واجبا وكذلك بيان المباح وهي أحكام الله تعالى على ~~عباده والرسول مأمور بالتبليغ وبيانه بالقول أو الفعل وهو مخير بينهما فإذا ~~أتى بالفعل فقد أتى بإحدى خصلتي الواجب فيكون فعله واقعا عن الواجب PageV02P227 ~~الرابع : مايعرف به أن الفعل بيان : # فإن قيل وبم يعرف كون فعله صلى الله عليه وسلم بيانا # قلنا: إما بصريح قوله وهو ظاهر أو بقرائن وهي كثيرة # إحداها: أن يرد خطاب مجمل ولم يبينه بقوله إلى وقت الحاجة ثم فعل عند ~~الحاجة والتنفيذ للحكم فعلا صالحا للبيان فيعلم أنه بيان إذا لم يكن لكان ~~مؤخرا للبيان عن وقت الحاجة وذلك محال عقلا عند قوم وسمعا عند آخرين وكونه ~~غير واقع متفق عليه لكن ms432 كون الفعل متعينا للبيان يظهر للصحابة إذ قد علموا ~~عدم البيان بالقول أما نحن فيجوز أن يكون قد بين بالقول ولم يبلغنا فيكون ~~الظاهر عندنا أن الفعل بيان فقطع يد السارق من الكوع وتيممه إلى المرفقين ~~بيان لقوله عز وجل {فاقطعوا أيديهما} (المائدة: من الآية38) المائدة ولقوله ~~تعالى {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم}[ النساء: من الآية43] # الثانية: أن ينقل فعل غير مفصل كمسحه رأسه وأذنيه من غير تعرض لكونهما ~~مسحا بماء واحد أو بماء جديد ثم ينقل أنه أخذ لأذنيه ماء جديدا فهذا في ~~الظاهر يزيل الاحتمال عن الأول ولكن يحتمل أن الواجب ماء واحد PageV02P228 ~~وأن المستحب ماء جديدا فيكون أحد الفعلين على الأقل والثاني على الأكمل # الثالثة: أن يترك ما لزمه فيكون بيانا لكونه منسوخا في حقه أما في حق ~~غيره فلا يثبت النسخ إلا ببيان الاشتراك في الحكم نعم لو ترك غيره بين يديه ~~فلم ينكر مع معرفته به فيدل على النسخ في حق الغير # الرابعة: أنه إذا أتى بسارق ثمر أو ما دون النصاب.فلم يقطع فيدل على ~~تخصيص الآية لكن هذا بشرط أن يعلم انتفاء شبهة أخرى تدرأ القطع لأنه لو أتى ~~بسارق سيف فلم يقطعه فلا يتبين لنا سقوط القطع في السيف ولا في الحديد لكن ~~يبحث عن سببه فكذلك الثمر وما دون النصاب # وكذلك تركه القنوت والتسمية والتشهد الأول مرة واحدة لا يدل على النسخ إذ ~~يحمل على نسيان أو على بيان جواز ترك السنة وإن ترك مرات دل على عدم الوجوب ~~وكذلك لو ترك الفخذ مكشوفا دل على أنه ليس من العورة # الخامسة: إذا فعل في الصلاة ما لو لم يكن واجبا لأفسد الصلاة دل على ~~الوجوب كزيادة ركوع في الخسوف وكحمل أمامة في الصلاة يدل على أن الفعل ~~القليل لا يبطل وأنه فعل قليل هذا مع قوله صلوا كما رأيتموني أصلي يكون ~~بيانا في حقنا # السادسة: إذا أمر الله تعالى بالصلاة وأخذ الجزية والزكاة مجملا ثم أنشأ ~~الصلاة وابتدأ بأخذ الجزية فيظهر كونه بيانا وتنفيذا ms433 لكن إن لم تكن الحاجة ~~متنجزة بحيث يجوز تأخير البيان فلا يتعين لكونه بيانا بل يحتمل أن يكون ~~فعلا أمر به خاصة في ذلك الوقت فإذا لا يصير بيانا للحكم العام إلا بقرينة أخرى PageV02P229 ~~السابعة : أخذه مالا ممن فعل فعلا أو إيقاعه به ضربا أو نوع عقوبة فإنه له ~~خاصة ما لم ينبه على أن من فعل ذلك الفعل فعليه مثل ذلك المال فإنه لا ~~يمتنع لأنه وإن تقدم ذلك الفعل فلا يتعين لكونه موجب أخذ المال وأنه لا ~~يمتنع وجود سبب آخر هو المقتضى للمال وللعقوبة # أما قضاؤه على من فعل فعلا بعقوبة أو مال كقضائه على الأعرابي بإعتاق ~~رقبة فإنه يدل على أنه موجب ذلك الفعل لأن الراوي لا يقول قضى على فلان ~~بكذا لما فعل كذا إلا بعد معرفته بالقرينة # الخامس : هل يقتدى بزمان الفعل أو مكانه: # فإن قيل:فإذا فعل فعلا وكان بيانا ووقع في زمان ومكان وعلى هيئة فهل يتبع ~~الزمان والمكان والهيئة ؟ # فيقال:أما الهيئة والكيفية فنعم وأما الزمان والمكان فهو كتغيم السماء ~~وصحوها ولا مدخل له في الأحكام إلا أن يكون الزمان والمكان لائقا به بدليل ~~دل عليه كاختصاص الحج بعرفات والبيت واختصاص الصلوات بأوقات لأنه لو اتبع ~~المكان للزم مراعاة تلك الرواية بعينها ووجب مراعاة ذلك الوقت وقد انقضى ~~ولا يمكن إعادته وما بعده من الأوقات ليس مثلا فيجب إعادة الفعل في الزمان ~~الماضي وهو محال # وقد قال قوم إن تكرر فعله في مكان واحد وزمان واحد دل على الاختصاص وإلا فلا # وهو فاسد لما سبق ذكره PageV02P230 ~~السادس : حكم التقرير # فإن قيل إن كان فعله بيانا فتقريره على الفعل وسكوته عليه وتركه الإنكار ~~واستبشاره بالفعل أو مدحه له هل يدل على الجواز وهل يكون بيانا ؟ # قلنا:نعم سكوته مع المعرفة وتركه الإنكار دليل على الجواز إذ لا يجوز له ~~ترك الإنكار لو كان حراما ولا يجوز له الاستبشار بالباطل فيكون دليلا على ~~الجواز كما نقل في قاعدة القيافة وإنما تسقط دلالته عند من يحمل ذلك ms434 على ~~المعصية ويجوز عليه الصغيرة ونحن نعلم إتفاق الصحابة على إنكار ذلك وإحالته # فإن قيل:لعله منع من الإنكار مانع كعلمه بأنه لم يبلغه التحريم فلذلك ~~فعله أو بلغه الإنكار مرة فلم ينجح فيه فلم يعاوده ؟ # قلنا:ليس هذا مانعا لأن من لم يبلغه التحريم فيلزمه تبليغه ونهيه حتى لا ~~يعود ومن بلغه ولم ينجح فيه فيلزمه إعادته وتكراره كيلا يتوهم نسخ التحريم # فإن قيل:فلم لم يجب عليه أن يطوف صبيحة كل سبت وأحد على اليهود والنصارى ~~إذا اجتمعوا في كنائسهم وبيعهم ؟ # قلنا :لأنه علم أنهم مصرون مع تبليغه وعلم الخلق أنه مصر على تكفيرهم ~~دائما فلم يكن ذلك مما يوهم النسخ بخلاف فعل يجري بين يديه مرة واحدة أو PageV02P231 ~~مرات فإن السكوت عنه يوهم النسخ # الفصل الثالث في تعارض الفعلين # فنقول معنى التعارض التناقض # فإن وقع في الخبر أوجب كون واحد منهما كذبا ولذلك لا يجوز التعارض في ~~الأخبار من الله تعالى ورسوله . # وإن وقع في الأمر والنهي والأحكام فيتناقض فيرفع الأخير الأول ويكون نسخا ~~وهذا متصور # التعارض بين فعل وفعل: # وإذا عرفت أن التعارض هو التناقض فلا يتصور التعارض في الفعل لأنه لا بد ~~من فرض الفعلين في زمانين أو في شخصين فيمكن الجمع بين وجوب أحدهما وتحريم ~~الآخر فلا تعارض # فإن قيل:فالقول أيضا لا يتناقض إذ يوجد القولان في حالتين وإنما يتناقض ~~حكمهما فكذلك يتناقض حكم الفعلين # قلنا: إنما يتناقض حكم القولين لأن القول الأول اقتضى حكما دائما فيقطع ~~القول الثاني دوامه والفعل لا يدل أصلا على حكم ولا على دوام حكم نعم لو ~~أشعرنا الشارع بأنه يريد بمباشرة فعل بيان دوام وجوبه ثم ترك ذلك الفعل بعده PageV02P232 ~~كان ذلك نسخا وقطعا لدوام حكم ظهر بالفعل مع تقدم الأشعار فهذا القدر ممكن # التعارض بين الأقوال والأفعال: # وأما التعارض بين القول والفعل فممكن بأن يقول قولا يوجب على أمته فعلا ~~دائما وأشعرهم بأن حكمه فيه حكمهم ابتداء ونسخا ثم فعل خلافه أو سكت على ~~خلافه كان الأخير نسخا # وإن أشكل ms435 التاريخ وجب طلبه وإلا فهو متعارض كما روي أنه قال في السارق ~~وإن سرق خامسة فاقتلوه ثم أتى بمن سرق خامسة فلم يقتله فهذا إن تأخر فهو ~~نسخ القول والفعل وإن تأخر القول فهو نسخ ما دل عليه الفعل # وقد قال قوم:إذا تعارضا وأشكل التاريخ يقدم القول لأن القول بيان بنفسه ~~بخلاف الفعل فإن الفعل يتصور أن يخصه والقول يتعدى إلى غيره ولأن القول ~~يتأكد بالتكرار بخلاف الفعل # فنقول: أما قولكم أن الفعل ليس بيانا بنفسه فمسلم ولكن كلامنا في فعل صار ~~بيانا لغيره فلا يتأخر عما كان بيانا بنفسه PageV02P233 ~~وأما خصوص الفعل فمسلم أيضا ولكن كلامنا في فعل لا يمكن حمله على خاصيته # وأما تأكيد القول بالتكرار :إن عني به أنه إذا تواتر أفاد العلم فهذا ~~مسلم إذا توتر من أشخاص فليس ذلك تكرارا وتكراره من شخص واحد لا أثر له ~~كتكرار الفعل # هذا تمام الكلام في الأفعال الملحقة بالأقوال وبيان ما فيها من البيان ~~والإجمال # ولنشتغل بعدها بالفن الثالث من القطب وهو المرسوم لبيان كيفية دلالة ~~الألفاظ على المدلولات بمعقولها ومعناها وهو الذي يسمى قياسا فلنخض في شرح ~~كتاب القياس مستعينين بالله عز وجل PageV02P234 ### || AUTO ### ||| AUTO الفن الثالث: في كيفية استثمار الأحكام من ~~الألفاظ والاقتباس من معقول الألفاظ بطريق القياس # * # ... # الفن الثالث في كيفية استثمار الأحكام من الألفاظ والاقتباس من معقول ~~الألفاظ بطريق القياس # ويشتمل على مقدمتين وأربعة أبواب: # الأول: في إثبات أصل القياس على منكريه # الثاني: في طريق إثبات العلة # الثالث: في قياس الشبه # الرابع: في أركان القياس وهي أربعة الأصل والفرع والعلة والحكم وبيان ~~شروط كل ركن من هذه الأركان PageV02P235 ~~مقدمة في حد القياس # وحده أنه جمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بأمر جامع ~~بينهما من إثبات حكم أو صفة أو نفيهما عنهما # ثم إن كان الجامع موجبا للاجتماع على الحكم كان قياسا صحيحا وإلا كان فاسدا # واسم القياس يشتمل على الصحيح والفاسد في اللغة # ولا بد في كل قياس من ms436 فرع وأصل وعلة وحكم # وليس من شرط الفرع والأصل كونهما موجودين بل ربما يستدل بالنفي على النفي ~~فلذلك لم نقل حمل شيء لأن المعدوم ليس بشيء عندنا وأبدلنا لفظ الشيء ~~بالمعلوم ولم نقل حمل فرع على أصل لأنه ربما ينبو هذا اللفظ عن المعدوم وإن ~~كان لا يبعد إطلاق هذا الاسم عليه بتأويل ما # والحكم يجوز أن يكون نفيا ويجوز أن يكون إثباتا والنفي كانتفاء الضمان ~~والتكليف والانتفاء أيضا يجوز أن يكون علة فلذلك أدرجنا الجميع في الحد # ودليل صحة هذا الحد إطراده وانعكاسه PageV02P236 ~~نقد بعض الحدود الأخرى للقياس: # أما قول من قال في حد القياس :أنه الدليل الموصل إلى الحق أو :العلم ~~الواقع بالمعلوم عن نظر أو رد غائب إلى شاهد فبعض هذا أعم من القياس وبعضه ~~أخص ولا حاجة إلى الأطناب في إبطاله # وأبعد منه إطلاق الفلاسفة اسمه على تركيب مقدمتين يحصل منهما نتيجة كقول ~~القائل كل مسكر حرام وكل نبيذ مسكر فيلزم منه أن كل نبيذ حرام فإن لزوم هذه ~~النتيجة من المقدمتين لا ننكره لكن القياس يستدعي أمرين يضاف أحدهما إلى ~~الآخر بنوع من المساواة إذ تقول العرب لا يقاس فلان إلى فلان في عقله ونسبه ~~وفلان يقاس إلى فلان فهو عبارة عن معنى إضافي بين شيئين. # وقال بعض الفقهاء:القياس هو الاجتهاد وهو خطأ لأن الاجتهاد أعم من القياس ~~لأنه قد يكون بالنظر في العمومات ودقائق الألفاظ وسائر طرق الأدلة سوى ~~القياس ثم أنه لا ينبىء في عرف العلماء إلا عن بذل المجتهد وسعه في طلب ~~الحكم ولا يطلق إلا على من يجهد نفسه ويستفرغ الوسع فمن حمل خردلة لا يقال ~~اجتهد ولا ينبىء هذا عن خصوص معنى القياس بل عن الجهد الذي هو حال القياس فقط # مقدمة أخرى في حصر مجاري الإجتهاد في العلل # اعلم أنا نعني بالعلة في الشرعيات مناط الحكم أي ما أضاف الشرع الحكم ~~إليه وناطه به ونصبه علامة على الحكم # والاجتهاد في العلة إما أن يكون في تحقيق مناط الحكم أو ms437 في تنقيح مناط ~~الحكم أو في تخريج مناط الحكم واستنباطه PageV02P237 ~~الاجتهاد الأول : في تحقيق مناط الحكم: # أما الاجتهاد في تحقيق مناط الحكم فلا نعرف خلافا بين الأمة في جوازه ~~مثاله الاجتهاد في تعيين الإمام بالاجتهاد مع قدرة الشارع في الإمام الأول ~~على النص وكذا تعيين الولاة والقضاة وكذلك في تقدير المقدرات وتقدير ~~الكفايات في نفقة القرابات وإيجاب المثل في قيم المتلفات وأروش الجنايات ~~وطلب المثل في جزاء الصيد فإن مناط الحكم في نفقة القريب الكفاية وذلك ~~معلوم النص أما أن الرطل كفاية لهذا الشخص أم لا فيدرك بالاجتهاد والتخمين # وينتظم هذا الاجتهاد بأصلين:أحدهما:أنه لا بد من الكفاية والثاني:أن ~~الرطل قدر الكفاية فيلزم منه أنه الواجب على القريب # أما الأصل الأول فمعلوم بالنص والإجماع وأما الثاني فمعلوم بالظن # وكذلك نقول يجب في حمار الوحش بقرة لقوله تعالى {فجزاء مثل ما قتل من ~~النعم } [المائدة: من الآية95] فنقول المثل واجب والبقرة مثل فإذا هي ~~الواجب والأول معلوم بالنص وهي المثلية التي هي مناط الحكم أما تحقق ~~المثلية في البقرة فمعلوم بنوع من المقايسة والاجتهاد # وكذلك:من أتلف فرسا فعليه ضمانه والضمان هو المثل في القيمة أما كونه ~~مائة درهم مثلا في القيمة فإنما يعرف بالاجتهاد # ومن هذا القبيل الاجتهاد في القبلة وليس ذلك من القياس في شيء بل الواجب ~~استقبال جهة القبلة وهو معلوم بالنص أما أن هذه جهة القبلة فإنه يعلم ~~بالاجتهاد والأمارات الموجبة للظن عند تعذر اليقين، وكذلك حكم القاضي بقول ~~الشهود ظني لكن الحكم بالصدق واجب وهو معلوم بالنص وقول العدل صدق معلوم ~~بالظن وأمارات العدالة والعدالة لا تعلم إلا بالظن # فلنعبر عن هذا الجنس بتحقيق مناط الحكم لأن المناط معلوم بنص أو إجماع PageV02P238 ~~لا حاجة إلى استنباطه لكن تعذرت معرفته باليقين فاستدل عليه بإمارات ظنية ~~وهذا لا خلاف فيه بين الأمة وهو نوع اجتهاد والقياس مختلف فيه فكيف يكون ~~هذا قياسا وكيف يكون مختلفا فيه ؟وهو ضرورة كل شريعة لأن التنصيص على عدالة ~~الأشخاص وقدر كفاية كل شخص محال ms438 فمن ينكر القياس ينكره حيث يمكن التعريف ~~للحكم بالنص المحيط بمجاري الحكم # الاجتهاد: الثاني في تنقيح مناط الحكم # وهذا أيضا يقربه أكثر منكري القياس # مثاله:أن يضيف الشارع الحكم إلى سبب وينوطه به وتقترن به أوصاف لا مدخل ~~لها في الإضافة فيجب حذفها عن درجة الاعتبار حتى يتسع الحكم # مثاله:إيجاب العتق على الأعرابي حيث أفطر في رمضان بالوقاع مع أهله فإنا ~~نلحق به أعرابيا آخر بقوله عليه السلام "حكمي على الواحد حكمي على الجماعة ~~" أو بالإجماع على أن التكليف يعم الأشخاص ولكنا نلحق التركي والعجمي به ~~لأنا نعلم أن مناط الحكم وقاع مكلف لا وقاع أعرابي ونلحق به من أفطر في ~~رمضان آخر لأنا نعلم أن المناط هتك حرمة رمضان لا حرمة ذلك PageV02P239 ~~الرمضان بل نلحق به يوما آخر من ذلك الرمضان ولو وطىء أمته أوجبنا عليه ~~الكفارة لأنا نعلم أن كون الموطوءة منكوحة لا مدخل له في هذا الحكم بل يلحق ~~به الزنا لأنه أشد في هتك الحرمة # إلا أن هذه إلحاقات معلومة تنبىء على تنقيح مناط الحكم بحذف ما علم بعادة ~~الشرع في موارده ومصادره في أحكامه أنه لا مدخل له في التأثير # وقد يكون حذف بعض الأوصاف مظنونا فينقدح الخلاف فيه كإيجاب الكفارة ~~بالأكل والشرب إذ يمكن أن يقال مناط الكفارة كونه مفسدا للصوم المحترم ~~والجماع آلة الإفساد كما أن مناط القصاص في القتل بالسيف كونه مزهقا روحا ~~محترمة والسيف آلة فيلحق به السكين والرمح والمثقل فكذلك الطعام والشراب آلة # ويمكن أن يقال: الجماع مما لا تنزجر النفس عنه عند هيجان شهوته لمجرد ~~وازع الدين فيحتاج فيه إلى كفارة وازعة بخلاف الأكل وهذا محتمل # والمقصود أن هذا تنقيح المناط بعد أن عرف المناط بالنص لا بالاستنباط ~~ولذلك أقر به أكثر منكري القياس بل قال أبو حنيفة رحمه الله لا قياس في ~~الكفارات وأثبت هذا النمط من التصرف وسماه استدلالا فمن جحد هذا الجنس من ~~منكري القياس وأصحاب الظاهر لم يخف فساد كلامه # الإجتهاد الثالث:في تخريج مناط الحكم واستنباطه ms439 # مثاله أن يحكم بتحريم في محل ولا يذكر إلا الحكم والمحل ولا يتعرض لمناط ~~الحكم وعلته كتحريم شرب الخمر والربا في البر فنحن نستنبط المناط بالرأي ~~والنظر فنقول حرمه لكونه مسكرا وهو العلة ونقيس عليه النبيذ وحرم الربا في ~~البر لكونه مطعوما ونقيس عليه الأرز والزبيب ويوجب العشر في البر فنقول ~~أوجبه لكونه قوتا فنلحق به الأقوات أو لكونه نبات الأرض وفائدتها فنلحق به ~~الخضراوات وأنواع النبات PageV02P240 ~~فهذا هو الاجتهاد القياسي الذي عظم الخلاف فيه وأنكره أهل الظاهر وطائفة من ~~معتزلة بغداد وجميع الشيعة # والعلة المستنبطة أيضا عندنا لا يجوز التحكم بها بل قد تعلم بالإيماء ~~وإشارة النص فتلحق بالمنصوص وقد تعلم بالسير حيث يقوم دليل على وجوب ~~التعليل وتنحصر الأقسام في ثلاثة مثلا ويبطل قسمان فيتعين الثالث فتكون ~~العلة ثابتة بنوع من الاستدلال فلا تفارق تحقيق المناط وتنقيح المناط وقد ~~يقوم الدليل على كون الوصف المستنبط مؤثرا بالإجماع فيلحق به ما لا يفارقه ~~إلا فيما لا مدخل له في التأثير كقولنا الصغير يولي عليه في ماله لصغره ~~فيلحق بالمال البضع إذ ثبت بالإجماع تأثير الصغر في جلب الحكم ولا يفارق ~~البضع المال في معنى مؤثر في الحكم فكل ذلك استدلال قريب من القسمين ~~الأولين # والقسم الأول متفق عليه والثاني مسلم من الأكثرين # هذا شرح المقدمتين ولنشرع الآن في الأبواب PageV02P241 ### ||| AUTO في إثبات القياس عل منكريه # ... # الباب الأول في إثبات القياس على منكريه # وقد قالت الشيعة وبعض المعتزلة يستحيل التعبد بالقياس عقلا # وقال قوم:في مقابلتهم يجب التعبد به عقلا # وقال قوم:لا حكم للعقل فيه بإحالة ولا إيجاب ولكنه في مظنة الجواز # ثم اختلفوا في وقوعه فأنكر أهل الظاهر وقوعه بل ادعوا حظر الشرع له # والذي ذهب إليه الصحابة رضي الله عنهم بأجمعهم وجماهير الفقهاء ~~والمتكلمين بعدهم رحمهم الله وقوع التعبد به شرعا # ففرق المبطلة له ثلاث:المحيل له عقلا والموجب له عقلا والحاظر له شرعا ~~فنفرض على كل فريق مسألة ونبطل عليهم خيالهم # الرد على من قضى باستحالة التعبد بالقياس عقلا: ms440 # ونقول للمحيل للتعبد به عقلا بم عرفت إحالته بضرورة أو نظر ولا سبيل إلى ~~دعوى شيء من ذلك ولهم مسالك: # الأول: قولهم كلما نصب الله تعالى دليلا قاطعا على معرفته فلا نحيل ~~التعبد به إنما نحيل التعبد بما لا سبيل إلى معرفته لأن رحم الظن جهل ولا ~~صلاح للخلق في إقحامهم ورطة الجهل حتى يتخبطوا فيه ويحكموا بما لا يتحققون ~~أنه حكم الله بل يجوز أنه نقيض حكم الله تعالى # فهذا أصلان: أحدهما:أن الصلاح واجب على الله تعالى والثاني أنه لا صلاح ~~في التعبد بالقياس ففي أيهما النزاع ؟ # والجواب: إننا ننازعكم في الأصلين جميعا # أما إيجاب صلاح العباد على الله تعالى فقد أبطلناه فلا نسلم وإن سلمنا ~~فقد جوز التعبد بالقياس بعض من أوجب الصلاح وقال لعل الله تعالى علم لطفا PageV02P242 ~~بعباده في الرد إلى القياس لتحمل كلفة الاجتهاد وكد القلب والعقل في ~~الاستنباط لنيل الخيرات الجزيلة: { يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين ~~أوتوا العلم درجات } [المجادلة: من الآية11] وتجشم القلب بالفكر لا يتقاعد ~~عن تجشم البدن بالعبادات # فإن قيل:كان الشارع قادرا على أن يكفيهم بالتنصيص كلمات الظن وذلك أصلح # قلنا:من أوجب الصلاح لا يوجب الأصلح ثم لعل الله تعالى علم من عباده أنه ~~لو نص على جميع التكاليف لبقوا وعصوا وإذا فرض إلى رأيهم انبعث حرصهم ~~لاتباع اجتهادهم وظنونهم # ثم نقول:أليس قد أقحمهم ورطة الجهل في الحكم بقول الشاهدين والاستدلال ~~على القبلة وتقدير المثل والكفايات في النفاقات والجنايات وكل ذلك ظن ~~وتخمين ؟! # فإن قيل:ما تعبد القاضي بصدق الشاهدين فإن ذلك لا يقدر عليه بل أوجب ~~الحكم عليه عند ظن الصدق وأوجب استقبال جهة يظن أن القبلة فيها لا استقبال القبلة # قلنا:وكذلك تعبد المجتهد بأن يحكم بشهادة الأصل للفرع إذا غلب على ظنه ~~دلالته عليه وشهادته له ولا تكليف عليه في تحقيق تلك الشهادة بل هو مكلف ~~بظنه وإن فسدت الشهادة كما كلف الحاكم الحكم بظنه وإن كان كذب الشهود ممكنا ~~ولا فرق ولذلك نقول كل مجتهد مصيب والخطأ محال ms441 إذ يستحيل أن يكلف إصابة ما ~~لم ينصب عليه دليل قاطع وما ذكروه إنما يشكل على من يقول المصيب واحد # وتحقيقه أنه لو قال الشارع :حرمت كل مسكر أو حرمت الخمر لكونه مسكرا، PageV02P243 ~~لم يكن التعبد به ممتنعا فلو قال متى حرمت الربا في البر فأسيروا حاله ~~وقسموا صفاته فإن غلب على ظنكم بإمارة أني حرمته لكونه قوتا وحرمت الخمر ~~لكونه مسكرا فقد حرمت عليكم كل قوت وكل مسكر ومن غلب على ظنه أني حرمته ~~لكونه مكيلا فقد حرمت عليه كل مكيل لم يكن بين هذا وبين قوله إذا اشتبهت ~~عليكم القبلة فكل جهة غلب على ظنكم أن القبلة فيها فاستقبلوها فرق حتى لو ~~غلب جهتان على ظن رجلين فيكون كل واحد مصيبا وكما لم يمتنع أن يلحق ظن ~~القبلة بمشاهدتها وظن صدق العدل بتحقيق صدق الرسول المؤيد بالمعجزة وصدق ~~الراوي الواحد بتحقيق صدق التواتر فكذلك لا يمتنع أن يلحق ظن ارتباط الحكم ~~بمناط بتحقيق ارتباطه به بالنص الصريح # فإن قيل فأي مصلحة في تحريم الربا في البر لكونه مكيلا أو قوتا أو مطعوما # قلنا: ومن أوجب الأصلح لم يشترط كون المصلحة مكشوفة للعباد وأي مصلحة في ~~تقدير المغرب ثلاث ركعات والصبح بركعتين ؟وفي تقدير الحدود والكفارات ونصب ~~الزكوات بمقادير مختلفة ؟لكن علم الله تعالى في التعبد لطفا استأثر بعلمه ~~يقرب العباد بسببه من الطاعة ويبعدون به عن المعصية وأسباب الشقاوة حتى لو ~~أضاف الحكم إلى اسم مجرد ثبت واعتقدنا فيه لطفا ندركه فكيف لا يتصور ذلك في ~~الأوصاف؟! # الشبهة الثانية: قولهم لا يستقيم قياس إلا بعلة والعلة ما توجب الحكم ~~لذاتها وعلل الشرع ليست كذلك فكيف يستقيم التعليل مع أن ما نصب علة للتحريم ~~يجوز أن يكون علة للتحليل ؟ # قلنا: لا معنى لعلة الحكم إلا علامة منصوبة على الحكم ويجوز أن ينصب PageV02P244 ~~الشرع السكر علامة لتحريم الخمر ويقول اتبعوا هذه العلامة واجتنبوا كل مسكر ~~ويجوز أن ينصبه علامة للتحليل أيضا ويجوز أن يقول من ظن أنه علامة للتحليل ~~فقد ms442 حللت له كل مسكر ومن ظن أنه علامة للتحريم فقد حرمت عليه كل مسكر حتى ~~يختلف المجتهدون في هذه الظنون # وكلهم مصيبون # الشبهة الثالثة: قولهم حكم الله تعالى خبره ويعرف ذلك بتوقيف فإذا لم ~~يخبر الله عن حكم الزبيب فكيف يقال حكم الله في الزبيب التحريم والنص لم ~~ينطق إلا بالأشياء الستة قلنا إذا قال الله تعالى قد تعبدتكم بالقياس فإذا ~~ظننتم أني حرمت الربا في البر لكونه مطعوما فقيسوا عليه كل مطعوم فيكون هذا ~~خبرا عن حكم الزبيب وما لم يقم دليل على التعبد بالقياس لا يجوز القياس ~~عندنا فالقياس عندنا حكم بالتوقيف المحض كما قررناه في كتاب أساس القياس ~~لكن هذا النص بعينه PageV02P245 ~~وإن لم يرد فقد دل إجماع الصحابة على القياس على أنهم ما فعلوا ذلك إلا وقد ~~فهموا من الشارع هذا المعنى بألفاظ وقرائن وإن لم ينقلوها إلينا # الشبهة الرابعة قولهم إذا اشتبهت رضيعة بعشر أجنبيات أو ميتة بعشر مذكيات ~~لم يجز مد اليد إلى واحدة وإن وجدت علامات لأمكان الخطأ والخطأ ممكن في كل ~~اجتهاد وقياس فكيف يجوز الهجوم مع إمكان الخطأ ولا يلزم هذا على الاجتهاد ~~في القبلة وعدالة الشاهد والقاضي والإمام ومتولي الأوقاف لمعنيين: # أحدهما: أن ذلك حكم في الأشخاص والأعيان ولا نهاية لها ولا يمكن تعريفها بالنص # والثاني : أن الخطأ فيه غير ممكن لأنهم متعبدون بظنونهم لا بصدق الشهود # قلنا وكذلك نحن نعترف بأنه لا خلاص عن هذا الإشكال إلا بتصويب كل مجتهد ~~وأن المجتهد وإن خالف النص فهو مصيب إذ لم يكلف إلا بما بلغه فالخطأ غير ~~ممكن في حقه أما من ذهب إلى أن المصيب واحد فيلزمه هذا الإشكال # وأما اختلاط الرضيعة بأجنبيات فلسنا نسلم أن المانع مجرد إمكان الخطأ ~~فإنه لو شك في رضاع امرأة حل له نكاحها والخطأ ممكن لكن الشرع إنما أباح ~~نكاح امرأة يعلم أنها أجنبية بيقين وحكم أن اليقين لا يندفع بالشك الطارىء ~~أما إذا تعارض يقينان وهو يقين التحريم والتحليل فليس ذلك في معنى ms443 اليقين ~~الصافي عن المعارضة ولا في معنى اليقين الذي لم يعارضه إلا الشك المجرد فلم ~~يلحق به PageV02P246 ~~اتباعا لموجب الدليل ولو ورد الشرع بالرخصة فيه لم يكن ذلك ممتنعا # مسألة: القائلين بوجوب القياس عقلا : # الذين ذهبوا إلى أن التعبد بالقياس واجب عقلا متحكمون فمطالبون بالدليل ~~ولهم شبهتان: # الأولى: أن الأنبياء مأمورون بتعميم الحكم في كل صورة والصور لا نهاية ~~لها فكيف تحيط النصوص بها؟ فيجب ردهم إلى الاجتهاد ضرورة ؟ # فنقول: هذا فاسد لأن الحكم في الأشخاص التي ليست متناهية إنما يتم ~~بمقدمتين كلية كقولنا كل مطعوم ربوي وجزئية كقولنا هذا النبات مطعوم أو ~~الزعفران مطعوم وكقولنا كل مسكر حرام وهذا الشراب بعينه مسكر وكل عدل مصدق ~~وزيد عدل وكل زان مرجوم وماعز قد زنى فهو إذا مرجوم # والمقدمة الجزئية هي التي لا تتناهى مجاريها فيضطر فيها إلى الاجتهاد لا ~~محالة وهو اجتهاد في تحقيق مناط الحكم وليس ذلك بقياس أما المقدمة الكلية ~~فتشتمل على مناط الحكم وروابطه وذلك يمكن التنصيص عليه بالروابط الكلية ~~كقوله كل مطعوم ربوي بدلا عن قوله لا تبيعوا البر بالبر وكقوله كل مسكر ~~حرام بدلا عن قوله حرمت الخمر وإذا أتى بهذه الألفاظ العامة وقع الاستغناء ~~عن استنباط مناط الحكم واستغنى عن القياس PageV02P247 ~~هذا مع أنه يمكن منازعة هذا القائل بأنه لم يجب استيعاب جميع الصور بالحكم ~~ولم يستحيل خلو بعضها عن الحكم فإنه في المقدمة الجزئية أيضا يمكن أن يراد ~~فيه إلى اليقين فيقال من تيقنتم صدقة وما تيقنتم كونه مطعوما أو مسكرا ~~فاحكموا به وما لم تتيقنوا به فاتركوه على حكم الأصل # إلا أن هذا لا يجري في جميع الجزئيات لأنه لا سبيل إلى تيقين صدق الشهود ~~وعدالة القضاة والولاة ولا سبيل إلى تعطيل الأحكام وكذلك لا سبيل إلى تقدير ~~متيقن في كفاية الأقارب وأروش المتلفات فإن التكثير فيه إلى حصول اليقين ~~ربما يضر بجانب الموجب عليه كما يضر التقليل بجانب الموجب له فالاجتهاد في ~~تحقيق مناط الحكم ضرورة أما في تخريج المناط وتنقيح ms444 المناط فلا # الثانية قولهم: إن العقل كما دل على العلل العقلية دل على العلل الشرعية ~~فإنها تدرك بالعقل ومناسبة الحكم مناسبة عقلية مصلحة يتقاضى العقل ورود ~~الشرع بها # وهذا فاسد لأن القياس إنما يتصور لخصوص النص ببعض مجاري الحكم وكل حكم ~~قدر خصوصه فتعميمه ممكن فلو عم لم يبق للقياس مجال وما ذكروه من قياس العلة ~~الشرعية بالعلة العقلية خطأ لأن من العلل ما لا يناسب وما تناسب لا توجب ~~الحكم لذاتها بل يجوز أيتخلف الحكم عنها فيجوز أن لا يحرم المسكر وأن لا ~~يوجب الحد بالزنا والسرقة وكذا سائر العلل والأسباب # مسألة الرد على منكري الاجتهاد في الرد على من حسم سبيل الاجتهاد بالظن ~~ولم يجوز الحكم في الشرع إلا بدليل قاطع كالنص وما يجري مجراه : PageV02P248 # فأما الحكم بالرأي والاجتهاد فمنعوه وزعموا أنه لا دليل عليه وإنما الرد ~~عليهم بإظهار الدليل # وما عندي أن أحدا ينازع في الاجتهاد في تحقيق مناط الحكم فلا تصرف الزكاة ~~إلا إلى فقير ويعلم فقره بأمارة ظنية ولا يحكم إلا بقول عدل وتعرف عدالته ~~بالظن وكذلك الاجتهاد في الوقت والقبلة وأروش الجنايات وكفاية القريب # وإن اعتذروا عن جميع ذلك بأن كل عبد مأمور باتباع ظنه في ذلك موجود قطعا ~~والحكم عند الظن واجب قطعا فنحن كذلك نقول في سائر الاجتهادات # وإن اعتذروا عن ذلك بأن ذلك ضرورة فإنما نزاعنا في معرفة مناط الأحكام ~~بالرأي والاجتهاد فيستدل على ذلك بإجماع الصحابة على الحكم بالرأي ~~والاجتهاد في كل واقعة وقعت لهم ولم يجدوا فيها نصا وهذا مما تواتر إلينا ~~عنهم تواترا لا شك فيه فننقل من ذلك بعضه وإن لم يمكن نقل الجميع # النقول عن الصحابه من عملهم بالقياس والاجتهاد المظنون : # فمن ذلك حكم الصحابة بإمامة أبي بكر رضي الله عنه بالاجتهاد مع انتفاء ~~النص ونعلم قطعا بطلان دعوى النص عليه وعلى علي وعلى العباس إذ لو كان لنقل ~~ولتمسك به المنصوص عليه ولم يبق للمشورة مجال حتى ألقى عمر رضي الله عنه ~~الشورى بين ستة ms445 وفيهم علي رضي الله عنه فلو كان منصوصا عليه وقد استصلحه له ~~فلم تردد بينه وبين غيره ؟! # ومن ذلك قياسهم العهد على العقد إذ ورد في الأخبار عقد الإمامة بالبيعة ~~ولم ينص على واحد وأبو بكر عهد إلى عمر خاصة ولم يرد فيه نص ولكن PageV02P249 ~~قاسوا تعيين الإمام على تعيين الأمة لعقد البيعة فكتب أبو بكر هذا ما عهد ~~أبو بكر ولم يعترض عليه أحد # ومن ذلك رجوعهم إلى اجتهاد أبي بكر ورأيه في قتال ما نعى الزكاة حتى قال ~~عمر فكيف تقاتلهم وقد قال عليه السلام أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا ~~إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها فقال أبو ~~بكر ألم يقل إلا بحقها فمن حقها إيتاء الزكاة كما أن من حقها إقام الصلاة ~~فلا أفرق بين ما جمع الله والله لو منعوني عقالا مما أعطوا النبي عليه ~~السلام لقاتلتهم عليه # وبنو حنيفة الممتنعون من الزكاة جاؤوا إلى أبي بكر رضي الله عنه متمسكين ~~بدليل أصحاب الظاهر في اتباع النص وقالوا إنما أمر النبي عليه السلام بأخذ ~~الصدقات لأن صلاته كانت سكنا لنا وصلاتك ليست بسكن لنا إذ قال الله تعالى ~~{خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم} ~~[التوبة: من الآية103]فأوجبوا تخصيص الحكم بمحل النص وقاس أبو بكر والصحابة ~~خليفة الرسول على الرسول إذ الرسول إنما كان يأخذ للفقراء لا لحق نفسه ~~والخليفة نائب في استيفاء الحقوق # ومن ذلك ما أجمعوا عليه من طريق الاجتهاد بعد طول التوقف فيه ككتب المصحف ~~وجمع القرآن بين الدفتين فاقترح عمر ذلك أولا على أبي بكر فقال كيف أفعل ما ~~لم يفعله النبي عليه السلام ؟حتى شرح الله له صدر أبي بكر PageV02P250 ~~وكذلك جمعه عثمان على ترتيب واحد بعد أن كثرت المصاحف مختلفة الترتيب # ومن ذلك إجماعهم على الاجتهاد في مسألة الجد والأخوة على وجوه مختلفة مع ~~قطعهم بأنه لا نص في المسألة التي قد أجمعوا على الاجتهاد فيها # وننقل ms446 الآن من أخبارهم ما يدل على قولهم بالرأي : # فمن ذلك قول أبي بكر لما سئل عن الكلالة أقول فيها برأيي فإن يكن صوابا ~~فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله منه بريئان الكلالة ما ~~عدا الوالد والولد ومن ذلك أنه ورث أم الأم دون أم الأب فقال له بعض ~~الأنصار لقد ورثت امرأة من ميت لو كانت هي الميتة لم يرثها وتركت امرأة لو ~~كانت هي الميتة ورث جميع ما تركت فرجع إلى الاشتراك بينهما في السدس # ومن ذلك حكمه بالرأي في التسوية في العطاء فقال عمر لا نجعل من ترك دياره ~~وأمواله مهاجرا إلى النبي عليه السلام كمن دخل في الإسلام كرها فقال أبو ~~بكر إنما أسلموا الله وأجورهم على الله وإنما الدنيا بلاغ ولما انتهت ~~الخلافة إلى عمر فرق بينهم ووزع على تفاوت درجاتهم واجتهاد أبي بكر أن ~~العطاء إذا لم يكن جزاء على طاعتهم لم يختلف باختلافها واجتهاد عمر أنه ~~لولا الإسلام لما استحقوها فيجوز أن يختلفوا وأن يجعل معيشة العالم أوسع من ~~معيشة الجاهل PageV02P251 ~~ومن ذلك قول عمر رضي الله عنه أقضي في الجد برأيي وأقول فيه برأيي وقضى ~~بآراء مختلفة وقوله من أحب أن يقتحم جراثيم جهنم فليقض في الجد برأيه أي ~~الرأي العاري عن الحجة وقال لما سمع الحديث في الجنين لولا هذا لقضينا فيه ~~برأينا ولما قيل في مسألة المشتركة هب أن أبانا كان حمارا ألسنا من أم ~~واحدة أشرك بينهم بهذا الرأي # ومن ذلك أنه قيل لعمر إن سمرة أخذ من تجار اليهود الخمر في العشور وخللها ~~وباعها فقال قاتل الله سمرة أما علم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعن ~~الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها فقاس عمر الخمر على ~~الشحم وأن تحريمها تحريم لثمنها # وكذلك جلد أبا بكرة لما لم يكمل نصاب الشهادة مع أنه جاء شاهدا في مجلس ~~الحكم لا قاذفا لكنه قاسه على القاذف # وقال علي رضي الله عنه: اجتماع رأيي ورأي ms447 عمر في أم الولد أن لا تباع ~~ورأيت الآن بيعهن فهو تصريح بالقول بالرأي # وكذلك عهد عمر إلى أبي موسى الأشعري أعرف الأشباه والأمثال ثم قس الأمور برأيك PageV02P252 ~~ومن ذلك قول عثمان لعمر رضي الله عنهما في بعض الأحكام إن اتبعت رأيك فرأيك ~~أسد وإن تتبع رأي من قبلك فنعم الرأي كان فلو كان في المسألة دليل قاطع لما ~~صوبهما جمعا # وقال عثمان وعلي رضي الله عنهما في الجمع بين الأختين المملوكتين أحلتهما ~~آية وحرمتهما آية # وقضى عثمان بتوريث المبتوتة بالرأي # ومن ذلك قول علي رضي الله عنه في حد الشرب من شرب هذي ومن هذي افترى فأرى ~~عليه حد المفتري وهو قياس للشرب على القذف لأنه مظنة القذف التفاتا إلى أن ~~الشرع قد ينزل مظنة الشيء منزلته كما أنزل النوم منزلة الحدث والوطء في ~~إيجاب العدة منزلة حقيقة شغل الرحم ونظائره # ومن ذلك قول ابن مسعود في المفوضة برأيه بعد أن استمهل شهرا وكان ابن ~~مسعود يوصي من يلي القضاء بالرأي ويقول "الأمر في القضاء PageV02P253 ~~بالكتاب والسنة وقضايا الصالحين فإن لم يكن شيء من ذلك فاجتهد رأيك # ومن ذلك قول معاذ بن جبل للنبي صلى الله عليه وسلم "أجتهد رأيي عند فقد ~~الكتاب والسنة فزكاة النبي صلى الله عليه وسلم # ومن ذلك قول ابن عباس لمن قضى بتفاوت الدية في الأسنان لاختلاف منافعها ~~كيف لم يعتبروا بالأصابع وقال في العول من شاء باهلته الحديث ولما سمع نهيه ~~عن بيع الطعام قبل أن يقبض قال لا أحسب كل شيء إلا مثله وقال في المتطوع ~~إذا بدا له الإفطار أنه كالمتبرع أراد التصدق بمال فتصدق ببعضه ثم بدا له # ومن ذلك قول زيد في الفرائض والحجب وميراث الجد # ولما ورث زيد ثلث ما بقي في مسألة زوج وأبوين قال ابن عباس أين وجدت في ~~كتاب الله ثلث ما بقي؟ فقال زيد أقول برأيي وتقول برأيك # فهذا وأمثاله مما لا يدخل تحت الحصر مشهور وما من مفت إلا وقد قال بالرأي ~~ومن ms448 لم يقل فلانه أغناه غيره عن الاجتهاد ولم يعترض عليهم في الرأي فانقعد ~~اجماع قاطع على جواز القول بالرأي # وجه الاستدلال أنه في هذه المسائل التي اختلفوا واجتهدوا فيها فلا يخلوا ~~إما أن يكون فيها دليل قاطع لله على حكم معين أو لم يكن فإن لم يكن وقد ~~حكموا بما ليس بقاطع فقد ثبت الاجتهاد وإن كان فمحال إذ كان يجب على من عرف ~~الدليل القاطع أن لا يكتمه ولو أظهره وكان قاطعا لما خالفه أحد ولو PageV02P254 ~~خالفه لوجب تفسيقه وتأثيمه ونسبته إلى البدعة والضلال ولوجب منعه من الفتوى ~~ومنع العامة من تقليده هذا أقل ما يجب فيه إن لم يجب قتله وقد قال به قوم ~~وإن كنا لا نراه # وعلى الجملة فلو كان فيها دليل قاطع لكان المخالف فاسقا وكان المحق ~~بالسكوت عن المخالف وترك دعوته إلى الحق فاسقا فيعم الفسق جميع الصحابة بل ~~يعم العباد جميعهم # وليس هذا كالعقليات فإن أدلتها غامضة قد لا يدركها بعض الخلق فلا يكون ~~معاندا أما القاطع الشرعي فهو نص ظاهر # وقد قال أهل الظاهر :إنما يحكم بنص منطوق به أو بدليل ظاهر فيما ليس ~~منطوقا به لا يحتمل التأويل كقوله تعالى {وورثه أبواه فلأمه} [النساء: من ~~الآية11] فمعقول هذا أن لأبيه الثلثين وقوله تعالى {فاسعوا إلى ذكر الله} [ ~~الجمعة: من الآية9] فمعقوله تحريم التجارة والجلوس في البيت وقوله {ولا ~~تظلمون فتيلا} ]النساء: من الآية77[و{فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} ~~[الزلزلة:7] و{فلا تقل لهما أف} [الاسراء: من الآية23]فلم يرخص في الحكم في ~~المسكوت عنه إلا في هذا الجنس # ولا يخفى هذا على عامي فكيف خفي على الصحابة رضي الله عنهم مع جلالة ~~قدرهم حتى نشأ الخلاف بينهم في المسائل ؟ PageV02P255 # هذا تمهيد الدليل وتمامه بدفع الاعتراضات # أدلة القائلين بمنع القياس والاجتهاد بالرأي: # وقد يعترض الخصم عليه تارة بإنكار كون الإجماع حجة وهو قول النظام وقد ~~فرغنا من إثباته وتارة بإنكار تمام الإجماع في القياس من حيث أن ما ذكرناه ~~منقول عن بعضهم وليس للباقين ms449 إلا السكوت وقد نقلوا عن بعضهم إنكار الرأي ~~وتارة يسلمون السكوت لكن حملوه على المجاملة في ترك الاعتراض لا على ~~الموافقة في الرأي وتارة يقرون بالإجماع ولا يكترثون بتفسيق الصحابة وتارة ~~يردون رأيهم إلى العمومات ومقتضى الألفاظ وتحقيق مناط الحكم دون القياس # فهذه مدارك اعتراضتهم وهي خمسة : # الاعتراض الأول: قال الجاحظ حكاية عن النظام:إن الصحابة لو لزموا العمل ~~بما أمروا به ولم يتكلفوا ما كفوا القول فيه من أعمال الرأي والقياس لم يقع ~~بينهم التهارج والخلاف ولم يسفكوا الدماء لكن لما عدلوا عما كلفوا وتخيروا ~~وتآمروا وتكلفوا القول بالرأي جعلوا الخلاف طريقا وتورطوا فيما كان بينهم ~~من القتل والقتال # وكذلك الرافضة بأسرهم :زعموا أن السلف بأسرهم تآمروا وغصبوا الحق أهله ~~وعدلوا عن طاعة الإمام المعصوم المحيط بجميع النصوص المحيطة بالأحكام إلى ~~القيامة فتورطوا فيما شجر بينهم من الخلاف # وهذا اعتراض من عجز عن إنكار اتفاقهم على الرأي ففسق وضل ونسبهم إلى ~~الصلال ويدل على فساد قوله ما دل على أن الأمة لا تجتمع على الخطأ وما دل ~~على منصب الصحابة رضوان الله عليهم من ثناء القرآن والأخبار عليهم كما PageV02P256 ~~تتركز في كتاب الإمامة وكيف يعتقد العاقل القدح فمن أثنى الله ورسوله عليهم ~~بقول مبتدع مثل النظام # الاعتراض الثاني : قولهم لا يصح الرأي والقياس إلا من بعضهم وكذلك السكوت ~~لا يصح إلا من بعضهم فإن فيهم من لم يخض في القياس وفيهم من لم يسكت عن ~~الاعتراض قال النظام فيما حكاه الجاحظ عنه إنه لم يخض في القياس إلا نفر ~~يسير من قدمائهم كأبي بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت وأبي بن كعب ومعاذ بن ~~جبل ونفر يسير من أحداثهم كابن مسعود وابن عباس وابن الزبير ثم شرع في ثلب ~~العبادلة وقال كأنهم كانوا أعرف بأحوال النبي عليه السلام من آبائهم وأثنى ~~على العباس والزبير إذ تركا القول بالرأي ولم يشرعا # وقال الداودية لا نسلم سكوت جميعهم عن إنكار الرأي والتخطئة فيه إذ قال ~~أبو بكر أي سماء تظلني وأي أرض ms450 تقلني إذا قلت في كتاب الله برأيي وقال أقول ~~في الكلالة برأيي فإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان # وقال علي لعمر رضي الله عنهما في قصة الجنين إن اجتهدوا فقد أخطأوا وإن ~~لم يجتهدوا فقد غشوا وقالت عائشة رضي الله عنها أخبروا زيد بن أرقم أنه قد ~~أبطل جهاده مع PageV02P257 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لم يتب لفتواه بالرأي في مسألة العينة # وقال ابن عباس من شاء باهلته إن الله لم يجعل في المال النصف والثلثين ~~وقال ألا يتقي الله زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ابنا ولا يجعل أبا الأب أبا؟! # وقال ابن مسعود في مسألة المفوضة إن يك خطأ فمني ومن الشيطان # وقال عمر إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن ~~يحفظوها فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا # وقال علي وعثمان رضي الله عنهما لو كان الدين بالرأي لكان المسح على باطن ~~الخف أولى من ظاهره وقال عمر رضي الله عنه اتهموا الرأي على الدين فإن ~~الرأي منا تكلف وظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا وقال أيضا إن قوما يفتون ~~بآرائهم ولو نزل القرآن لنزل بخلاف ما يفتون # وقال ابن مسعود قراؤكم وصلحاؤكم يذهبون ويتخذ الناس رؤساء جهالا يقيسون ~~ما لم يكن بما كان وقال أيضا إن حكمتم في دينكم بالرأي أحللتم كثيرا مما ~~حرمه الله وحرمتم كثيرا مما أحله الله # وقال ابن عباس إن الله لم يجعل لأحد أن يحكم في دينه برأيه وقال الله PageV02P258 ~~تعالى لنبيه عليه السلام {لتحكم بين الناس بما أراك الله}[ النساء: من ~~الآية105]ولم يقل بما رأيت وقال إياكم والمقاييس فما عبدت الشمس إلا ~~بالمقاييس # وقال ابن عمر ذروني من أرأيت وأرأيت # وكذلك أنكر التابعون القياس قال الشعبي ما أخبروك عن أصحاب أحمد فأقبله ~~وما أخبروك عن رأيهم فألقه في الجش أن السنة لم توضع بالمقاييس # وقال مسروق بن الأجدع لا أقيس شيئا بشيء أخاف أن تزل قدم بعد ثبوتها # والجواب من أوجه: # الأول: أنا بينا بالقواطع من جميع ms451 الصحابة الاجتهاد والقول بالرأي ~~والسكوت عن القائلين به وثبت ذلك بالتواتر في وقائع مشهورة كميراث الجد ~~والأخوة وتعيين الإمام بالبيعة وجمع المصحف والعهد إلى عمر الخلافة وما لم ~~يتواتر كذلك فقد صح من آحاد الوقائع بروايات صحيحة لا ينكرها أحد من الأمة ~~ما أورث علما ضروريا بقولهم بالرأي وعرف ذلك ضرورة كما عرف سخاء حاتم ~~وشجاعة علي فجاوز الأمر حدا يمكن التشكك في حكمهم بالاجتهاد # وما نقلوه بخلافه فأكثرها مقاطيع ومروية عن غير ثبت وهي بعينها معارضة ~~برواية صحيحة عن صاحبها بنقيضه فكيف يترك المعلوم ضرورة بما ليس مثله؟! ولو ~~تساوت في الصحة لوجب إطراح جميعها والرجوع إلى ما تواتر مشاورة الصحابة ~~واجتهادهم # الثاني : أنه لو صحت هذه الروايات وتواترت أيضا لوجب الجمع بينها وبين ~~المشهور من اجتهاداتهم فيحمل ما أنكروه على الرأي المخالف للنص أو الرأي PageV02P259 ~~الصادر عن الجهل الذي يصدر ممن ليس أهلا للاجتهاد أو وضع الرأي في غير محله ~~والرأي الفاسد الذي لا يشهد له أصل ويرجع إلى محض الاستحسان ووضع الشرع ~~ابتداء من غير نسخ على منوال سابق # وفي ألفاظ روايتهم ما يدل عليه إذ قال اتخذ الناس رؤساء جهالا وقال لو ~~قالوا بالرأي لحرموا الحلال وأحلوا الحرام # فإذا القائلون بالقياس مقرون بإبطال أنواع من الرأي والقياس والمنكرون ~~للقياس لا يقرون بصحة شيء منه أصلا # ونحن نقر بفساد أنواع من الرأي والقياس كقياس أصحاب الظاهر إذا قالوا ~~الأصول لا تثبت قياسا فلتكن الفروع كذلك ولا تثبت الأصول بالظن فكذلك ~~الفروع وقالوا لو كان في الشريعة علة لكانت كالعلة العقلية فقاسوا الشيء ~~بما لا يشبهه فإذا إن بطل كل قياس فليبطل قياسهم ورأيهم في إبطال القياس ~~أيضا وذلك يؤدي إلى إبطال المذهبين # الاعتراض الثالث: أن دليل الإجماع إنما تم بسكوت الباقين وإن ذلك لو كان ~~باطلا لأنكروه فنقول لعلهم سكتوا على سبيل المجاملة والمصالحة خيفة من ~~ثوران فتنة النزاع أو سكتوا عن إظهار الدليل لخفائه والدليل عليه أن مسائل ~~الأصول فيها قواطع وقد اختلف الأصوليون في صيغة ms452 الأمر وصيغة العموم ~~والمفهوم واستصحاب الحال وأفعال النبي عليه السلام بل في أصل خبر الواحد ~~وأصل القياس وأصل الأجماع وفي هذه المسائل أدلة قاطعة عندكم في النفي ~~والإثبات ولم ينقل عن الصحابة والتابعين التأثيم والتفسيق فيها # والجواب أن حمل سكوتهم على المجاملة والمصالحة واتقاء الفتنة محال لأنهم ~~اختلفوا في المسائل وتناظروا وتحاجوا ولم يتجاملوا ثم افترقت بهم المجالس ~~عن اجتهادات مختلفة ولم ينكر بعضهم على بعض ولو كان ذلك بالغا PageV02P260 ~~مبلغا قطعيا لبادروا إلى التأثيم والتفسيق كما فعلوا بالخوارج والروافض ~~والقدرية وكل من عرف بقاطع فساد مذهبهم # وأما سكوتهم لخفاء الدليل فمحال فإن قول القائل لغيرة لست شارعا ولا ~~مؤذونا من جهة الشارع فلم تضع أحكام الله برأيك ليس كلاما خفيا عجز عن دركه ~~الإفهام وكل من قاس بغير إذن فقد شرع فلولا علمهم حقيقة بالأذن لكانوا ~~ينكرون على من يسامي رسول الله صلى الله عليه وسلم في وضع الشرع واختراع ~~الأحكام # وأما ما ذكروه من مسائل الأصول فليس بين الصحابة خلاف في صحة القياس ولا ~~في خبر الواحد ولا في الإجماع بل أجمعوا عليه وبإجماعهم تمسكنا في هذه ~~القواعد وأما العموم والمفهوم وصيغة الأمر فقلما خاضوا في هذه المسائل ~~بتجريد النظر فيما خوض الأصوليين ولكن كانوا يتمسكون في مناراتهم بالعموم ~~والصيغة ولم يذكروا أنا نتمسك بمجرد الصيغة من غير قرينة بل كانت القرائن ~~المعرفة للأحكام المتقرنة بالصيغ في زمانهم غضة طرية متوافرة متظاهرة فما ~~جردوا النظر في هذه المسائل كيف وقد قال بعض الفقهاء ليس في هذه المسائل ~~سوى خبر الواحد وأصل القياس والإجماع أدلة قاطعة بل هي في محل الاجتهاد فمن ~~سلك هذا الطريق اندفع عنه الإشكال وإن لم يكن هذا مرضيا عند المحققين من ~~الأصوليين فإن هذه أصول الأحكام فلا ينبغي أن تثبت إلا بقاطع لكن الصحابة ~~لم يجردوا النظر فيها # وبالجملة من اعتقد في مسألة دليلا قاطعا فلا يسكت عن تعصية مخالفة ~~وتأثيمه كما سبق في حق الخوارج والروافض والقدرية # الاعتراض الرابع: قولهم إن ما ذكرتموه ms453 نقل للحكم بالظن والاجتهاد فلعلهم ~~عولوا فيه على صيغة عموم وصيغة أمر واستصحاب حال ومفهوم لفظ واستنباط معنى ~~صيغة من حيث الوضع واللغة في جمع بين آيتين وخبرين وصحة رد مقيد إلى مطلق ~~وبناء عام على خاص وترجيح خبر على خبر وتقرير PageV02P261 ~~على حكم العقل الأصلي وما جاوز هذا كان اجتهادهم في تحقيق مناط الحكم لا في ~~تنقيحه واستنباطه والحكم إذا صار معلوما بضابط فتحقيق الضابط في كل محل ~~يحتاج إلى اجتهاد لا ننكره # فقد علموا قطعا أنه لا بد من إمام وعلموا أن الأصلح ينبغي أن يقدم وعرفوا ~~بالاجتهاد الأصلح إذ لا بد منه ولا سبيل إلى معرفته إلا بالاجتهاد وعرفوا ~~أن حفظ القرآن عن الاختلاط والنسيان واجب قطعا وعلموا أنه لا طريق إلى حفظه ~~إلا الكتبة في المصحف فهذه أمور علقت على المصلحة نصا وإجماعا ولا يمكن ~~تعيين المصلحة في الأشخاص والأحوال إلا بالاجتهاد فهو من قبيل تحقيق المناط ~~للحكم وما جاوز هذا من تشبيه مسألة بمسألة واعتبارها بها كان ذلك في معرض ~~النقض بخيال فاسد لا في معرض اقتباس الحكم كقول ابن عباس في دية الأسنان ~~كيف لم يعتبروا بالأصابع ؟ إذ عللوا اختلاف دية الأسنان باختلاف منافعها ~~وذلك منقوض بالأصابع # ونحن لا ننكر أن النقض من طرق إفساد القياس وإن كان القياس فاسدا بنفسه أيضا # وكذلك قول علي أيضا أرأيت لو اشتركوا في السرقة ؟حيث توقف عمر عن قتل ~~سبعة بواحد فإنه لما تخيل كون الشركة مانعا بنوع من القياس نقضه علي ~~بالسرقة فإذا ليس في شيء مما ذكرتموه ما يصحح القياس أصلا # والجواب: أن هذا اعتراف بأنه لا حاجة في الحكم إلى دليل قاطع وأن الحكم ~~بالظن جائز # والإنصاف الاعتراف بأنه لو لم يثبت إلا هذا النوع من الظن لكنا لا نقيس ~~ظن القياس على ظن الاجتهاد في مفهوم الألفاظ وتحقيق مناط الأحكام إذ يجوز ~~أن يتعبد PageV02P262 ~~بنوع من الظن دون نوع ولكن بان لنا على القطع أن اجتهاد الصحابة لم يكن ~~مقصورا على ما ذكروه ms454 بل جاوزوا ذلك إلى القياس والتشبيه وحكموا بأحكام لا ~~يمكن تصحيح ذلك إلا بالقياس تعليل النص وتنقيح مناط الحكم وذلك كعهد أبي ~~بكر إلى عمر رضي الله عنهما فإنه قاس العهد على العقد بالبيعة وقياس أبي ~~بكر الزكاة على الصلاة في قتال من منع الزكاة ورجوع أبي بكر إلى توريث أم ~~الأب قياسا على أم الأم وقياس عمر الخمر على الشحم في تحريم ثمنه وقياسه ~~الشاهد على القاذف في حد أبي بكرة وتصريح علي بالقياس على الإفتراء في حد ~~الشرب ولسنا نعني بالقياس إلا هذا الجنس وهو معلوم منهم ضرورة في وقائع لا ~~تحصى ولا تنحصر # ولنعين مسألتين مشهورتين نقلنا على التواتر وهي مسألة الجد والأخوة ~~ومسألة الحرام # أما في قوله أنت علي حرام ألحقه بعضهم بالظهار وبعضهم بالطلاق وبعضهم ~~باليمين وكل ذلك قياس وتشبيه في مسألة لا نص فيها إذ النص ورد في المملوكة ~~في قوله تعالى {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك } [التحريم: من ~~الآية1] والنزاع وقع في المنكوحة فكان من حقهم أن يقولوا هذه لفظة لا نص في ~~النكاح فلا حكم لها ويبقى الحل والملك مستمرا كما كان لأن قطع الحل والملك ~~أو إيجاب الكفارة يعرف بنص أو ياس على منصوص ولا نص والقياس باطل فلا حكم # فلم قاسوا المنكوحة على الأمة ؟ولم قاسوا هذا اللفظ على لقظ الطلاق وعلى PageV02P263 ~~لفظ الظهار وعلى لفظ اليمين ولم يقل أحد من الصحابة قد أغناكم الله عن ~~إثبات حكم في مسألة لا نص فيها # وكذلك الجد وحده عصبة بالنص والأخ وحده عصبة ولا نص عند الاجتماع فقضوا ~~حيث لا نص بقضايا مختلفة وصرحوا بالتشبيه بالحوضين والخليجين وصرح من قدم ~~الجد وقال ابن الابن ابن فليكن أبو الأب أبا وصرح من سوى بينهما بأن الأخ ~~يدلي بالأب والجد أيضا يدلي به والمدلي به واحد والإدلاء مختلف فقاسوا ~~الإدلاء بجهة الأبوة على الإدلاء بجهة البنوة مع أن البنوة قد تفارق الأبوة ~~في أحكام # وكذلك قال زيد في مسألة زوج ms455 وأبوين للأم ثلث ما بقي فقال ابن عباس أين ~~رأيت في كتاب الله تعالى ثلث ما بقي فقال أقول برأيي وتقول برأيك فزيد قاس ~~حال وجود الزوج على ما إذا لم يكن زوج إذ يكون للأب ضعف ما للأم فقال نقدر ~~كأن الباقي بعد الزوج والزوجة كل المال ونقدر كأن الزوج لم يكن # وكذلك من فتش عن اختلافاتهم في مسائل الفرائض وغيرها علم ضرورة سلوكم طرق ~~المقايسة والتشبيه وأنهم إذا رأوا فارقا بين محل النص وغيره ورأوا جامعا ~~وكان الجامع في اقتضاء الاجتماع أقوى في القلب من الفارق في اقتضاء ~~الافتراق مالوا إلى الأقوى الأغلب فإنا نعلم أنهم ما طلبوا PageV02P264 ~~المشابهة من كل وجه إذ لو تشابها من كل وجه لأتحدت المسألة ولم تتعدد فيبطل ~~التشبيه والمقايسة وكانوا لا يكتفون بالإشتراك في أي وصف كان بل في وصف هو ~~مناط الحكم وكون ذلك الوصف مناطا لو عرفوه بالنص لما بقي للاجتهاد والخلاف ~~مجال فكانوا يدركون ذلك بظنون وأمارات ونحن أيضا نشترط ذلك في كل قياس كما ~~سيأتي في باب إثبات علة الأصل # الاعتراض الخامس: أن الصحابة إن قالوا بالقياس اختراعا من تلقاء أنفسهم ~~فهو محال وإن قالوا به عن سماع من النبي عليه السلام فيجب إظهار مستندهم ~~والتمسك به فإنكم تسلمون أنه لا حجة فيما أبدعوه ووضعوه ونحن نسلم وجوب ~~الإتباع فيما سمعوه فإنه إذا قال عليه السلام إذا غلب على ظنكم أن مناط ~~الحكم بعض الأوصاف فاتبعوه فإن الأمر كما ظننتموه أو حكم الظان على ما ظنه ~~فهي علامة في حقه وغير علامة في حق من ظنه بخلافه فلا ينكر وجوب قبول هذا ~~لو صرح به فإنه إذا قال إذا ظننتم أن زيدا في الدار فاعلموا أن عمرا في ~~الدار واعلموا أني حرمت الربا في البر لكنا نقطع بتحريم البر وكون عمرو في ~~الدار مهما ظننا أن زيدا في الدار فإن هذا يرجع إلى القول بالقياس ولكن من ~~أين فهم الصحابة هذا وليس في الكتاب والسنة ما يدل عليه ms456 ؟ # والجواب من وجهين: # أحدهما: أن هذه مؤونة كفيناها فإنهم مهما أجمعوا على القياس فقد ثبت ~~بالقواطع أن الأمة لا تجتمع على الخطأ بل لو وضعوا القياس واخترعوا ~~استصوابا برأيهم ومن عند أنفسهم لكان ذلك حقا واجب الإتباع فلا يجمع الله ~~أمة محمد عليه السلام على الخطأ فلا حاجة بنا إلى البحث عن مستندهم # الثاني: هو أنا نعلم أنهم قالوا ذلك عن مستندات كثيرة خارجة عن الحصر وعن ~~دلالات وقرائن أحوال وتكريرات وتنبيهات تفيد علما ضروريا بالتعبد PageV02P265 ~~وبالقياس وربط الحكم بما غلب على الظن كونه مناطا للحكم لكن انقسمت تلك ~~المستندات إلى ما اندرس فلم ينقل اكتفاء بما علمته الأمة ضرورة وإلى ما نقل ~~ولكن لم يبق في هذه الأعصار إلا نقل الآحاد لم يبق على حد التواتر ولا يورث ~~العلم وإلى ما تواتر ولكن آحاد لفظها يتطرق الاحتمال والتأويل إليه فلا ~~يحصل العلم بآحادها وإلى ما هي قرائن أحوال يعسر وصفها ونقلها فلم ينقل ~~إلينا فكفينا مؤونة البحث عن المستند لما علمناه عل التواتر من إجماعهم # ونحن مع هذا نشبع القول في شرح مستندات الصحابة والألفاظ التي هي مدارك ~~تنبيهاتهم للتعبد بالقياس # مستندات الصحابة في العمل بالقياس : # وذلك من القرآن وقوله تعالى: { فاعتبروا يا أولي الأبصار} [الحشر: من ~~الآية2] إذ معنى الاعتبار العبور من الشيء إلى نظيره إذا شاركه في المعنى ~~كما قال ابن عباس هلا اعتبروا بالأصابع وقوله تعالى {لعلمه الذين يستنبطونه ~~منهم } [النساء: من الآية83]وقوله {ما فرطنا في الكتاب من شيء } [الأنعام: ~~من الآية38] وليس في الكتاب مسألة الجد والأخوة ومسألة الحرام إذا لم يكن ~~الاقتباس من المعاني التي في الكتاب # وقد تمسك القائلون بالقياس بهذه الآيات وليست مرضية لأنها ليست بمجردها ~~نصوصا صريحة إن لم تنضم إليها قرائن # ومن ذلك قوله عليه السلام لمعاذ بم تحكم؟ قال بكتاب الله وسنة نبيه قال: ~~فإن لم تجد قال أجتهد رأيي فقال الحمد الله الذي وفق رسول رسول الله لما ~~يرضاه رسول الله وهذا حديث تلقته الأمة بالقبول ولم يظهر ms457 أحد فيه طعنا ~~وإنكارا PageV02P266 ~~وما كان كذلك فلا يقدح فيه كونه مرسلا بل لا يجب البحث عن إسناده وهذا ~~كقوله لا وصية لوارث ولا تنكح المرأة على عمتها ولا يتوارث أهل ملتين وغير ~~ذلك مما علمت به الأمة كافة إلا أنه نص في أصل الاجتهاد ولعله في تحقيق ~~المناط وتعيين المصلحة فيما علق أصله بالمصلحة فلا يتناول القياس إلا بعمومه # ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لعمر حين تردد في قبلة الصائم "أرأيت لو ~~تمضمضت أكان عليك من جناح؟ " فقال :لا فقال فلم إذا فشبه مقدمة الوقاع ~~بمقدمة الشرب لكنه ليس بصريح إلا بقرينه إذ يمكن أن يكون ذلك نقضا لقياسه ~~حيث ألحق مقدمة الشيء بالشيء فقال إن كنت تقيس غير المنصوص على المنصوص ~~لأنه مقدمته فألحق المضمضة بالشرب # ومن ذلك قوله عليه السلام للخثعمية أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته ~~أكان ينفعه؟ قالت: نعم قال فدين الله أحق بالقضاء فهو تنبيه على قياس دين ~~الله تعالى على دين الخلق ولا بد من قرينة تعرف القصد أيضا إذ لو كان لتعلم ~~القياس لقيس عليه السلام الصوم والصلاة # ومن ذلك قوله عليه السلام: " كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي لأجل الدافة أي ~~القافلة فادخروا" فبين أنه وان سكت عن العلة فقد كان النهي لعلة وقد زالت ~~العلة فزال الحكم # ومن ذلك قوله عليه السلام: " أينقض الرطب إذا يبس؟ فقيل نعم قال فلا إذا PageV02P267 ~~وقوله تعالى {كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم} [الحشر: من الآية7] وقال ~~لأم سلمة وقد سئلت عن قبلة الصائم ألا أخبرتيه "أني أقبل وأنا صائم تنبيها ~~على قياس غيره عليه # وروت أم سلمة رضي الله عنها أنه قال أني أقضي بينكم بالرأي فيما لم ينزل ~~فيه وحي ودل عليه قوله تعالى {لتحكم بين الناس بما أراك الله } [لنساء: من ~~الآية105] # وليس الرأي إلا تشبيها وتمثيلا بحكم ما هو أقرب إلى الشيء وأشبه به وإذا ~~ثبت أنه كان مجتهدا بالأمر وثبت اجتهاد الصحابة فيعلم أنهم اجتهدوا بالأمر ms458 # وقال عمر يا أيها الناس إن الرأي كان من النبي عليه السلام مصيبا فإن ~~الله تعالى كان يسدده وإنما هو منا الظن والتكلف فلم يفرق إلا في العصمة # ومن ذلك أمره صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ أن يحكم في بني قريظة برأيه ~~فأمرهم بالنزول على حكمه فأمر بقتلهم وسبي نسائهم فقال عليه السلام لقد ~~وافق حكمه حكم الله # ومن ذلك قوله إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر وإن أصاب فله أجران # ومن ذلك أنه عليه السلام شاور الصحابة في عقوبة الزنا والسرقة قبل نزول الحد # ومن ذلك قوله عليه السلام لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها ~~وباعوها وأكلوا أثمانها علل تحريم ثمنها بتحريم أكلها واستدل عمر بهذا في ~~الرد على سمرة حيث أخذ الخمر في عشور الكفار وباعها PageV02P268 ~~ومن ذلك تعليلاته بعض الأحكام كقوله لا تخمروا رأسه فإنه يحشر ملبيا وقوله ~~في الشهداء مثل لك وقوله أنها من الطوافين عليكم والطوافات وقوله في الذي ~~ابتاع غلاما واستغفله ثم رده الخراج بالضمان # فهذه أجناس لا تدخل تحت الحصر وآحادها لا تدل دلالة قاطعة ولكن لا يبعد ~~تأثير اقترانها مع نظائرها في أشعار الصحابة بكونهم متعبدين بالقياس والله أعلم # القول في شبه المنكرين للقياس والصائرين إلى حظره من جهة الكتاب والسنة: # وهي سبع: # الأولى:تمسكهم بقوله تعالى {ما فرطنا في الكتاب من شيء} [الأنعام: من ~~الآية38]وقوله {تبيانا لكل شيء} [النحل: من الآية89]قالوا معناه بيانا لكل ~~شيء مما شرع لكم فإنه ليس فيه بيان الأشياء كلها فليكن كل مشروع في الكتاب ~~وما ليس مشروعا فيبقى على النفي الأصلي # والجواب من أوجه: # الأول: أنه أين في كتاب الله تعالى مسألة الجد والأخوة والعول والمبتوتة ~~والمفوضة وأنت علي حرام ؟وفيها حكم لله تعالى شرعي اتفق الصحابة على PageV02P269 ~~طلبه والكتاب بيان له إما بتمهيد طريق الاعتبار أو بالدلالة على الإجماع ~~والسنة وقد ثبت القياس بالإجماع والسنة فيكون الكتاب قد بينه # الثاني: أنكم حرمتم القياس وليس في كتاب الله تعالى بيان تحريمه فيلزمكم ~~تخصيص قوله ms459 تعالى {لكل شيء } [الأنعام: من الآية154]كما خصص قوله {خالق كل ~~شيء } [الرعد: من الآية16]{ وأوتيت من كل شيء } [النمل: من الآية23 ] {تدمر ~~كل شيء } [الاحقاف: من الآية25] # الثانية: قوله تعالى {وأن احكم بينهم بما أنزل الله } ]المائدة: من ~~الآية49[وهذا حكم بغير المنزل # قلنا: القياس ثابت بالسنة والإجماع وقد دل عليه الكتاب المنزل كيف ومن ~~حكم بمعنى استنبط من المنزل فقد حكم بالمنزل # ثم هذا خطاب مع الرسول عليه السلام وقد قاسوا عليه غيره فأقروا بالقياس ~~في معرض إبطال القياس مع انقداح الفرق إذ قال قوم لم يجز الاجتهاد للرسول ~~عليه السلام كي لا يتهم ولأنه كان يقدر على التبليغ بالوحي بخلاف الأمة # وهذا الجواب أيضا عن قوله {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم } [لأعراف: من ~~الآية3 ]{ومن لم يحكم بما أنزل الله } [المائدة: من الآية44] # الثالثة: قوله تعالى {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} ]البقرة: من ~~الآية169 [{ولا تقف ما ليس لك به علم} ]الاسراء: من الآية36[ {وإن الظن لا ~~يغني من الحق شيئا} [لنجم: من الآية28]و{إن بعض الظن إثم } [الحجرات: من ~~الآية12] PageV02P270 ~~قلنا إذا علمنا أنا إذا ظننا كون زيد في الدار حرم علينا الربا في البر ثم ~~ظننا كان الحكم مقطوعا به لا مظنونا كما إذا ظن القاضي صدق الشهود وكما في ~~القبلة وجزاء الصيد وأبواب تحقيق مناط الحكم # ثم نقول: هذا عام أراد به ظنون الكفار المخالفة للأدلة القاطعة # ثم نقول: ألستم قاطعين بإبطال القياس مع أنا نقطع بخطئكم فلا تحكموا ~~بالظن وليس من الجواب المرضي قول القائل الظن علم في الظاهر فإن العلم ليس ~~له ظاهر وباطن # الرابعة: قوله تعالى {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم } ~~[الأنعام: من الآية121]قالوا وأنتم تجادلون في القياس # قلنا: وأنتم تجادلون في نفيه وإبطاله فإن قلتم أراد به الجدال الباطل فهو ~~عذرنا فإنه رد عليهم في جدالهم بخلاف النص حيث قالوا نأكل مما قتلناه ولا ~~نأكل مما قتله الله ؟!وكما قاسوا الربا على البيع فرد الله تعالى عليهم في ~~قولهم ms460 {إنما البيع مثل الربا } [البقرة: من الآية275] # الخامسة : قوله تعلقهم بقوله تعالى: { فردوه إلى الله والرسول} [النساء: ~~من الآية59]قالوا: وأنتم تردون إلى الرأي # قلنا لا بل نرده إلى العلل المستنبطة من نصوص النبي عليه السلام والقياس ~~عبارة عن تفهم معاني النصوص بتجريد مناط الحكم وحذف الحشو الذي لا أثر له ~~في الحكم # وأنتم فقد رددتم القياس من غير رد إلى نص النبي عليه السلام ولا إلى معنى ~~مستنبط من النص PageV02P271 ~~السادسة: قوله عليه السلام: " تعمل هذه الأمة برهة بالكتاب وبرهة بالسنة ~~وبرهة بالقياس فإذا فعلوا ذلك فقد ضلوا" # قلنا: أراد به الرأي المخالف للنص بدليل قوله ستفترق أمتي نيفا وسبعين ~~فرقة أعظمها فتنة على أمتي قوم يقيسون الأمور برأيهم فيحلون الحرام ويحرمون ~~الحلال وما نقلوا من آثار الصحابة في ذم الرأي والقياس قد تكلمنا عليه # السابعة: قول الشيعة وأهل التعليم إنكم اعترفتم ببطلان القياس بخلاف النص ~~والنصوص محيطة بجميع المسائل وإنما يعلمها الإمام المعصوم وهو نائب الرسول ~~فيجب مراجعته . # قالوا:ولا يمنع من هذا كون الوقائع غير متناهية وكون النصوص متناهية لأن ~~التي لا تتناهى أحكام الأشخاص كحكم زيد وعمرو في أنه عدل تقبل شهادته أم لا ~~وفقير تصرف إليه الزكاة أم لا ومسلم أن هذا يعرف بالاجتهاد لأنه يرجع إلى ~~تحقيق مناط الحكم أما الروابط الكلية للأحكام فيمكن ضبطها بالنص بأن نقول ~~مثلا من سرق نصابا كاملا من حرز مثله لا شبهة له فيه فيلزمه القطع ومن أفطر ~~في نهار رمضان بجماع تام أثم به لأجل الصوم لزمته الكفارة فما تناولته ~~الرابطة الجامعة يجري فيه الحكم وما خرج عنه مما لا يتناهى يبقى على الحكم ~~الأصلي فتكون محيطة بهذه الطرق # والجواب: أنا لا نسلم بطلان القياس مع النص ونسلم إمكان الربط بالضوابط ~~والروابط الكلية لكنكم اخترعتم هذه الدعوى فإن الصحابة رضي الله عنهم ~~اختلفوا في مسألة الجد والحرام والمفوضة ومسائل كثيرة وكانوا PageV02P272 ~~يطلبون من سمع فيها حديثا من النبي صلى الله عليه وسلم وفيهم المعصوم ~~بزعمكم وكانوا يشاورونه ويراجعونه فتارة ms461 وافقوه وتارة خالفوه ولم ينقل قط ~~حديث ولا نص إلا ساعدوه بل قبلوا النقل من كل عدل فضلا عن الخلفاء الراشدين ~~فلم كتم النص عنهم في بعض المسائل وتركهم مختلفين إن كانت النصوص محيطة ~~؟فبالضرورة يعلم من اجتهادهم واختلافهم أن النصوص لم تكن محيطة فدل هذا ~~أنهم كانوا متعبدين بالاجتهاد # القول في شبههم المعنوية : # وهي ست: # الأولى: قول الشيعة والتعليمية إن الاختلاف ليس من دين الله ودين الله ~~واحد ليس بمختلف وفي رد الخلق إلى الظنون ما يوجب الاختلاف ضرورة الرأي ~~منبع الخلاف فإن كان كل مجتهد مصيبا فكيف يكون الشيء ونقيضه دينا وإن كان ~~المصيب واحدا فهو محال إذ ظن هذا كظن ذاك والطنيات لا دليل فيها بل ترجع ~~إلى ميل النفوس ورب كلام تميل إليه نفس زيد وهو بعينه ينفر عنه قلب عمرو ~~والدليل على ذم الاختلاف قوله تعالى {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه ~~اختلافا كثيرا} [النساء: من الآية82]وقال {أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا ~~فيه}[ الشورى: من الآية13]وقال {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم } ~~[لأنفال: من الآية46]وقال تعالى {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست ~~منهم في شيء } [الأنعام: من الآية159]وقال تعالى {ولا تكونوا كالذين تفرقوا ~~واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات} [آل عمران: من الآية105] PageV02P273 ~~وكذلك ذم الصحابة رضي الله عنهم الاختلاف فقال عمر رضي الله عنه لا تختلفوا ~~فإنكم إن اختلفتم كان من بعدكم أشد اختلافا وسمع ابن مسعود وأبي بن كعب ~~يختلفان في صلاة الرجل في الثوب الواحد والثوبين فصعد عمر إلى المنبر وقال ~~اختلف رجلان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فعن أي فتياكم يصدر ~~المسلمون لا أسمع اثنين يختلفان بعد مقامي هذا إلا فعلت وصنعت وقال جرير بن ~~كليب رأيت عمر ينهى عن المتعة وعلي يأمر بها فقلت إن بينكما لشرا فقال علي ~~ما بيننا إلا خير ولكن خيرنا أتبعنا لهذا الدين وكتب علي رضي الله عنه إلى ~~قضاته أيام الخلافة أن اقضوا كما كنتم تقضون فإني أكره الخلاف وأرجو ms462 أن ~~أموت كما مات أصحابي # والجواب:أن الذي نراه تصويب المجتهدين وقولهم أن الشيء ونقيضه كيف يكون ~~دينا؟ قلنا يجوز ذلك في حق شخصين كالصلاة وتركها في حق الحائض والطاهر ~~والقبلة في حق من يظنها إذا اختلف الاجتهاد في القبلة وكجواز ركوب البحر ~~وتحريمه في حق رجلين يغلب على ظن أحدهما السلامة وعلى ظن الآخر الهلاك ~~وكتصديق الراوي والشاهد وتكذيبهما في حق قاضيين ومفتيين يظن أحدهما الصدق ~~والآخر الكذب # وأما قولهم كيف يكون الاختلاف مأمورا به ؟! # قلنا بل يؤمر المجتهد بظنه وإن خالفه غيره فليس رفعه داخلا تحت اختياره ~~فالاختلاف واقع ضرورة لا أنه أمر به وقوله تعالى {ولو كان من عند غير الله ~~لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} [النساء: من الآية82]معناه التناقض والكذب الذي ~~يدعيه الملحدة أو الاختلاف في البلاغة واضطراب اللفظ الذي يتطرق إلى كلام ~~البشر بسبب اختلاف أحواله في نظمه ونثره وليس المراد به نفي الاختلاف في ~~الأحكام لأن جميع الشرائع والملل من عند الله وهي مختلفة والقرآن فيه PageV02P274 ~~أمر ونهي وإباحة ووعد ووعيد وأمثال ومواعظ وهذه اختلافات # أما قوله {ولا تتفرقوا } [الشورى: من الآية13] {ولا تنازعوا} فكل ذلك نهي ~~عن الاختلاف في التوحيد والإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم والقيام بنصرته ~~وكذلك أصول جميع الديانات التي الحق فيها واحد ولذلك قال تعالى {من بعد ما ~~جاءهم البينات} [آل عمران: من الآية105]وقوله تعالى {ولا تنازعوا فتفشلوا ~~وتذهب ريحكم } [لأنفال: من الآية46]أراد به التخاذل عن نصرة الدين # وأما ما رووه عن الصحابة رضي الله عنهم في ذم الاختلاف فكيف يصح وهم أول ~~المختلفين والمجتهدين؟ واختلافهم واجتهادهم معلوم تواترا كيف تدفعها روايات ~~يتطرق إلى سندها ضعف وإلى متنها تأويل من النهي عن الاختلاف في أصل الدين ~~أو نصرة الدين أو في أمر الخلافة والإمامة والخلاف بعد الإجماع أو الاختلاف ~~على الأئمة والولاة والقضاة أو نهي العوام عن الاختلاف بالرأي وليسوا أهل ~~الاجتهاد # وأما إنكار عمر اختلاف ابن مسعود وأبي بن كعب فلعله قد كان سبق إجماع على ~~ثوب واحد ومن خالف ms463 ظن أن انقضاء العصر شرط في الإجماع ولذلك قال عمر عن أي ~~فتياكم يصدر المسلمون وأنتم جميعا تروون عن النبي عليه السلام أو لعل كل ~~واحد أثم صاحبه وبالغ فيه فنهى عن وجه الاختلاف لا عن أصله أو لعلهما ~~اختلفا على مستفت واحد فتحير السائل فقال عن أي فتياكم يصدر الناس أي ~~العامة بل إذا ذكر المفتي في محل الاجتهاد شيئا للعامي فلا ينبغي للمفتي ~~الآخر أن يخالفه بين يديه فيتحير السائل PageV02P275 ~~وأما اختلاف عمر وعلي رضي الله عنهما في تحريم المتعة فلا يصح بل صح عن علي ~~نقله تحريم متعة النساء ولحوم الحمر الأهلية يوم خيبر كيف وقد علم قطعا ~~أنهم جوزوا الاجتهاد # أما كتاب علي إلى قضاته وكراهية الاختلاف فيحتمل وجوها أحدها أنهم ربما ~~كتبوا إليه يطلبون رأيه في بعض الوقائع فقال اقضوا كما كنتم تقضون إذ لو ~~خالفتموهم الآن لا نفتق به فتق آخر وحمل ذلك على تعصب مني ومخالفة ويحتمل ~~أنهم استأذنوه في مخالفة إجماع الصحابة رضي الله عنهم على ظن أن العصر لم ~~ينقرض بعد فيجوز الخلاف فكره لهم مخالفة السابقين واستأذنوه في القضاء ~~بشهادة أهل البصرة من الخوارج وغيرهم أو ردها فأمرهم بقبولها كما كان قبل ~~الحرب لأنهم حاربوا على تأويل وفي رد شهادتهم تعصب وتجديد خلاف # الثانية قولهم:النفي الأصلي معلوم والاستثناء عنه بالنص معلوم فيبقى ~~المسكوت عنه على النفي الأصلي المعلوم فكيف يندفع المعلوم على القطع ~~بالقياس المظنون # قلنا: العموم والظواهر وخبر الواحد وقول المقوم في أروش الجنايات PageV02P276 ~~والنفقات وجزاء الصيد وصدق الشهود وصدق المخالف في مجلس الحكم كل ذلك مظنون ~~ويرفع به النفي الأصلي # ثم نقول نحن لا نرفع ذلك إلا بقاطع فإنا إذا تعبدنا بإتباع العلة ~~المظنونة وظننا فنقطع بوجود الظن ونقطع بوجود الحكم عند الظن فلا يرفع ذلك ~~إلا بقاطع # الثالثة: قولهم كيف يتصرف بالقياس في شرع مبناه على التحكم والتعبد ~~والفرق بين المتماثلات والجمع بين المتفرقات إذ قال يغسل الثوب من بول ~~الصبية ويرش من بول الصبي ويجب الغسل ms464 من المني والحيض ولا يجب من البول ~~والمذي وفرق في حق الحائض بين قضاء الصلاة والصوم وأباح النظر إلى الرقيقة ~~دون الحرة # وجمع بين المختلفات فأوجب جزاء الصيد على من قتله عمدا أو خطأ وفرق في ~~حلق الشعر والتطيب بين العمد والخطأ وأوجب الكفارة بالظهار والقتل واليمين ~~والأفطار وأوجب القتل على الزاني والكافر والقاتل وتارك الصلاة وقال لأبي ~~"بردة تجزىء عنك ولا تجزىء عن أحد بعدك" في الأضحية وقيل للنبي عليه السلام ~~{خالصة لك من دون المؤمنين } [الأحزاب: من الآية50] # وكيف يتحاسر في شرع هذا منهاجه على إلحاق المسكوت بالمنطوق وما من نص على ~~محل إلا ويمكن أن يكون ذلك تحكما وتعبدا؟! PageV02P277 # قلنا لا ننكر إشتمال الشرع على تحكمات وتعبدات فلا جرم نقول الأحكام ثلاثة ~~أقسام قسم لا يعلل أصلا وقسم يعلم كونه معللا كالحجر على الصبي فإنه لضعف ~~عقله وقسم يتردد فيه ونحن لا نقيس ما لم يقم لنا دليل على كون الحكم معللا ~~ودليل على عين العلة المستنبطة ودليل على وجود العلة في الفرع وعند ذلك ~~يندفع الأشكال المذكور # ولما كثرت التعبدات في العبادات لم يرتضى قياس غير التكبير والتسليم ~~والفاتحة عليها ولا قياس غير المنصوص في الزكاة على المنصوص وإنما نقيس في ~~المعاملات وغرامات الجنايات وما علم بقرائن كثيرة بناؤها على معان معقولة ~~ومصالح دنيوية # الرابعة:قولهم إن النبي عليه السلام قد أوتي جوامع الكلم فكيف يليق به أن ~~يترك الوجيز المفهم ويعدل إلى الطويل الموهم؟! فيعدل عن قوله حرمت الربا في ~~كل مطعوم أو كل مكيل إلى عد الأشياء الستة ليرتبك الخلق في ظلمات الجهل # قلنا: ولو ذكر الأشياء الستة وذكر معها أن ما عداها لا ربا فيه وأن ~~القياس حرام فيه لكان ذلك أصرح وللجهل والاختلاف أدفع فلم لم يصرح وقد كان ~~قادرا ببلاغته على قطع الاحتمال للألفاظ العامة والظواهر وعلى أن يبين ~~الجميع في القرآن المتواتر ليحسم الاحتمال عن المتن والسند جميعا؟ وكان ~~قادرا على رفع احتمال التشبيه في صفات الله تعالى بالتصريح بالحق في ms465 جميع ~~ما وقع الخلاف فيه في العقليات وإذا لم يفعل فلا سبيل إلى التحكم على الله ~~ورسوله فيما صرح ونبه وطول وأوجز والله أعلم بأسرار ذلك كله # ثم نقول: إن علم الله تعالى لطفا وسرا في تعبد العلماء بالاجتهاد وأمرهم PageV02P278 ~~بالتشمير عن ساق الجد في استنباط أسرار الشرع فيتعين عليه أن يذكر البعض ~~ويسكت عن البعض وينبه عليها تنبيها يحرك الدواعي للاجتهاد { يرفع الله ~~الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} [المجادلة: من الآية11] ~~المجادلة هذا على مذهب من يوجب الصلاح وعندنا فلله تعالى أن يفعل بعباده ما يشاء # الخامسة:قولهم أن الحكم يثبت في الأصل بالنص لا بالعلة فكيف يثبت في ~~الفرع بالعلة وهو تابع للأصل .؟فكيف يكون ثبوت الحكم فيه بطرق سوى طريق ~~الأمل وأن ثبت في الأصل ؟بالعلة فهو محال لأن النص قاطع والعلة مظنونة ~~والحكم مقطوع به فكيف يحال المقطوع به على العلة المظنونة ؟ # قلنا: الحكم في الأصل يثبت بالنص وفائدة استنباط العلة المظنونة إما ~~تعدية العلة وأما الوقوف على مناط الحكم المظنون للمصلحة وأما زوال الحكم ~~عند زوال المناط كما سيأتي في العلة القاصرة # وأما الحكم في الفرع وإن كان تابعا للأصل في الحكم فلا يلزم أن يتبعه في ~~الطريق فإن الضروريات والمحسوسات أصل للنظريات ولا يلزم مساواة الفرع لها ~~في الطريق وإن لزمت المساواة في الحكم # السادسة: وهي عمدتهم الكبرى أن الحكم لا يثبت إلا بتوقيف والعلة غايتها ~~أن تكون منصوصا عليها فلو قال الشارع اتقوا الربا في كل مطعوم فهو توقيف ~~عام ولو قال اتقوا الربا في البر لأنه مطعوم فهذا لا يساويه ولا يقتضي ~~الربا في غير البر كما لو قال المالك أعتق من عبيدي كل أسود عتق كل أسود ~~فلو قال أعتق غانما لسواده أو لأنه أسود لم يعتق جميع عبيده PageV02P279 ~~السود وكذلك لو علل بمخيل وقال أعتقوا غانما لأنه سيء الخلق حتى أتخلص منه ~~لم يلزم عتق سالم وإن كان أسوأ خلقا منه فإذا كانت العلة المنصوصة لا يمكن ~~تعديتها لقصور ms466 لفظها فالمستنبطة كيف تعدى أو كيف يفرق بين كلام الشارع وبين ~~كلام غيره في الفهم وإنما منهاج الفهم وضع اللسان وذلك لا يختلف # والجواب: أن نفاة القياس ثلاث فرق وهذا لا يستقيم من فريقين وإنما يستقيم ~~من الفريق الثالث إذ منهم من قال التنصيص على العلة كذكر اللفظ العام فإنه ~~لا فرق بين قوله حرمت الخمر لشدتها وبين قوله حرمت كل مشتد في أن كل واحد ~~يوجب تحريم النبيذ لكن بطريق اللفظ لا بطريق القياس بل فائدة قوله لشدتها ~~إقامة الشدة مقام الإسم العام فقد أقر هذا القائل بالإلحاق وإنما أنكر ~~تسميته قياسا # الفريق الثاني: من القاشانية والنهروانية فإنهم أجازوا القياس بالعلة ~~المنصوصة دون المستنبطة فقالوا إذا كشف النص أو دليل آخر عن الأصل كانت ~~العلة جامعة للحكم في جميع مجاريها # وما فارقهم الفريق الأول إلا في التسمية حيث لم يسموا هذا الفن قياسا PageV02P280 ~~والفريقان مقران بأن هذا في العتق والوكالة لا يجري فلا يصح منهما ~~الاستشهاد مع الإقرار بالفرق # أما الفريق الثالث: وهو من أنكر الإلحاق مع التنصيص على العلة فتستقيم ~~لهم هذه الحجة # وجوابهم من ثلاثةأوجه : # الأول أن الصيرفي من أصحابنا يتشوف إلى التسوية فقال لو قال أعتقت هذا ~~العبد لسواده فاعتبروا وقيسوا عليه كل أسود لعتق كل عبد أسود وهو وزان ~~مسألتنا إذا أمر بالقياس والاعتبار ولو لم يثبت التعبد به لكان مجرد ~~التنصيص على العلة لا يرخص في الإلحاق إذ يجوز أن تكون العلة شدة الخمرخاصة # ومنهم من قال إن علم قطعا قصده إلى عتقه لسواده عتق كل عبد أسود بقوله ~~أعتقت غانما لسواده ومنهم من قال لا يكفي أن يعلم قصده عتقه بمجرد السواد ~~ما لم ينو بهذا اللفظ عتق جميع السودان فإن نوى كفاه هذا اللفظ لإعتاق جميع ~~السودان مع النية ولم يكن فيه إلا إرادته معنى عاما بلفظ خاص وذلك غير منكر ~~كما لو قال والله لا أكلت لفلان خبزا ولا شربت من مائة جرعة ونوى به دفع ~~المنة حنث بأخذ الدراهم والثياب ms467 والأمتعة وصلح اللفظ الخاص مع هذه النية ~~للمعنى العام كما صلح قوله تعالى {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما} ~~[النساء: من الآية10]للنهي عن الإتلاف العام وقوله {فلا تقل لهما أف} ~~[الاسراء: من الآية23]للنهي عن الإيذاء العام # فإذا: يستتب لهؤلاء الفرق التسوية بين الخطابين فإنهم إنما يعممون الحكم ~~إذا دل الدليل على إرادة الشرع تعليق الحكم بالشدة المجردة PageV02P281 ~~ولكنه غير مرضي عندنا بل الصحيح أنه لا يعتق إلا غانم بقوله أعتقت غانما ~~لسواده وإن نوى عتق السودان لأنه يبقى في حق غير غانم مجرد النية والإرادة ~~فلا تؤثر # الوجه الثاني: من الجواب أن الأمة مجمعة على الفرق إذ تجب التسوية في ~~الحكم مهما قال حرمت الخمر لشدتها فقيسوا عليها كل مشتد ولو قال أعتقت ~~غانما لسواده فقيسوا عليه كل أسود اقتصر العتق على غانم عند الأكثرين فكيف ~~يقاس أحدهما على الآخر مع الاعتراف بالفرق ؟ # وإنما اعترفوا بالفرق لأن الحكم لله في أملاك العباد وفي أحكام الشرع وقد ~~علق أحكام الأملاك حصولا وزوالا بالألفاظ دون الإرادات المجردة وأما أحكام ~~الشرع فتتبت بكل ما دل على رضا الشرع وإرادته من قرينة ودلالة وإن لم يكن ~~لفظا بدليل أنه لو بيع مال لتاجر بمشهد منه بأضعاف ثمنه فاستبشر وظهر أثر ~~الفرح عليه لم ينفذ البيع إلا بتلفظه بإذن سابق أو إجازة لاحقة عند أبي ~~حنيفة ولو جرى بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل فسكت عليه دل ~~سكوته على رضاه وثبت الحكم به فكيف يتساويان ؟ # بل ضيق الشرع تصرفات العباد حتى لم تحصل أحكامها بكل لفظ بل ببعض الألفاظ ~~فإنه لو قال الزوج فسخت النكاح وقطعت الزوجية ورفعت علاقة الحل بيني وبين ~~زوجتي لم يقع الطلاق ما لم ينو الطلاق فإذا تلفظ بالطلاق وقع وإن نوى غير ~~الطلاق فإذا لم تحصل الأحكام بجميع الألفاظ بل ببعضها فكيف تحصل بما دون ~~اللفظ مما يدل على الرضا # الوجه الثالث: أن قول القائل لا تأكل هذه الحشيشة لأنها سم ولا تأكل ~~الهليلج فإنه مسهل ولا ms468 تأكل العسل فإنه حار ولا تأكل أيها المفلوج القثاء ~~فإنه بارد ولا تشرب الخمر فإنه يزيل العقل ولا تجالس فلانا فإنه أسود فأهل اللغة PageV02P282 ~~متفقون على أن معقول هذا التعليل تعدى النهي إلى كل ما فيه العله هذا مقتضى ~~اللغة وهذا أيضا مقتضاه في العتق لكن التعبد منع من الحكم بالعتق بالتعليل ~~بل لا بد فيه من اللفظ الصريح المطابق للمحل ولا مانع منه في الشرع إذ كل ~~ما عرف بإشارة وأمارة وقرينة فهو كما عرف باللفظ فكيف يستويان مع الإجماع ~~على الفرق لأن المفرق بين المتماثلات كالجامع بين المختلفات فمن أثبت الحكم ~~للخلافين يتعجب منه ويطلب منه الجامع ومن فرق بين المثلين يتعجب منه لماذا ~~فرق بينهما # .فإن قيل: إن قال من تجب طاعته بع هذه الدابة لجماحها وبع هذا العبد لسوء ~~خلقه فهل يجوز للمأمور بيع ما شاركه في العلة ؟فإن قلتم يجوز فقد خالفتم ~~الفقهاء وإن منعتم فما الفرق بين كلامه وبين كلام الشارع مع الاتفاق في ~~الموضعين ؟وإن ثبت تعبد في لفظ العتق والطلاق بخصوص الجهة فلم يثبت في لفظ ~~الوكالة # قلنا: أن كان قد قال له إن ما ظهر لك إرادتي إياه أو رضاي به بطرق ~~الاستدلال دون صريح اللفظ فافعله فله أن يفعل ذلك وهو وزان حكم الشرع لكن ~~يشترط أمر آخر وهو أن يقطع بأنه أمر ببيعه لمجرد سوء الخلق لا لسوء الخلق ~~مع القبح أو مع الخرق في الخدمة فإنه قد يذكر بعض أوصاف العلة فإن لم يعلم ~~قطعا ولكن ظنه ظنا فينبغي أن يكون قد قال له ظنك نازل منزلة العلم في ~~تسليطك على التصرف فإن اجتمع هذه الشروط جاز التصرف وهو وزان مسألتنا # فإن قيل: وإن كان الشارع قد قال ما عرفتموه بالقرائن والدلائل من رضاي ~~وإرادتي فهو كما عرفتموه بالصريح فلم يقل إني إذا ذكرت علة شيء ذكرت PageV02P283 ~~تمام أوصافه فلعله علل تحريم الخمر بشدة الخمر وتحريم الربا بطعم البر خاصة ~~لا للشدة المجردة ولله أسرار في الأعيان فقد ms469 حرم الخنزير والميتة والدم ~~والموقوذة والحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير لخواص ~~لا يطلع عليها فلم يبعد أن يكون لشدة الخمر من الخاصية ما ليس لشدة النبيذ ~~فبماذا يقع الأمر عن هذا ؟ # وهذا أوقع كلام في مدافعة القياس # والجواب: أن خاصة المحل قد يعلم ضرورة سقوط اعتبارها كقوله أيما رجل مات ~~أو أفلس فصاحب المتاع أولى بمتاعه إذ يعلم أن المرأة في معناه وقوله من ~~أعتق شركا له في عبد قوم عليه الباقي فالأمة في معناه لأنا عرفنا بتصفح ~~أحكام العتق والبيع وبمجموع إمارات وتكريرات وقرائن أنه لا مدخل للأنوثة في ~~البيع والعتق وقد يعلم ذلك ظنا بسكون النفس إليه وقد عرفنا أن الصحابة رضي ~~الله عنهم عولوا على الظن فعلمنا أنهم فهموا من النبي عليه السلام قطعا ~~إلحاق الظن بالقطع ولولا سيرة الصحابة لما تجاسرنا عليه وقد اختلفوا في ~~مسائل ولو كانت قطيعة لما اختلفوا فيها فعلمنا أن الظن كالعلم أما حيث ~~انتفى الظن والعلم وحصل الشك فلا يقدم على القياس أصلا # مسألة العلة المنصوصة # قال النظام العلة المنصوصة توجب الإلحاق لكن لا بطريق القياس بل بطريق ~~اللفظ والعموم إذ لا فرق في اللغة بين قوله حرمت كل مشتد وبين PageV02P284 ~~قوله: حرمت الخمر لشدتها في أنه يقتضي تحريم النبيذ المشتد . # وهذا فاسد لأن قوله حرمت الخمر لشدتها لا يقتضي من حيث اللفظ والوضع إلا ~~تحريم الخمر خاصة ولا يجوز إلحاق النبيذ ما لم يرد التعبد بالقياس وإن لم ~~يرد فهو كقوله أعتقت غانما لسواده فإنه لا يقتضي إعتاق جميع السودان فكيف ~~يصح هذا ولله أن ينصب شدة الخمر خاصة علة ويكون فائدة ذكر العلة زوال ~~التحريم عند زوال الشدة ويجوز أن يعلم الله خاصية في شدة الخمر تدعو إلى ~~ركوب القبائح ويعلم في شدة النبيذ لطفا داعيا إلى العبادات # فإذا قد ظن النظام أنه منكر للقياس وقد زاد علينا إذ قاس حيث لا نقيس ~~لكنه أنكر اسم القياس # فإن قيل: قول السيد والوالد ms470 لعبده ولده لا تأكل هذا لأنه سم وكل هذا فإنه ~~غذاء يفهم منه المنع عن أكل سم آخر والأمر يتناول ما هو مثله في الإغتذاء # قلنا: لأن ذلك معلوم بقرينة إطراد العادات ومعرفة أخلاق الآباء والسادات ~~في مقاصدهم من العبيد والأبناء وأنهم لا يفرقون بين سم وسم وإنما يتقون ~~الهلاك وأما الله تعالى إذا حرم شيئا بمجرد إرادته فيجوز أن يبيح مثله وأن ~~يحرم لأن فيه رفقا ومصلحة فيجوز أن يكون قد سبق في علمه أن مثله مفسدة لأن ~~تضمنه الصلاح والفساد ليس لطبعه ولذاته ولوصف هو عليه في نفسه بل يجوز أن ~~يكون في فعل شيء وقت الزوال مصلحة وفيه وقت العصر مفسدة وكذلك يجوز أن ~~يختلف بيوم السبت والجمعة والمكان والحال فكذلك يجوز أن يفارق شدة الخمر ~~شدة النبيذ # فإن قيل: فإن لم يفهم النبيذ من الخمر فينبغي أن لا يفهم تحريم الضرب ~~والأذى من التأفيف # قلنا الحق عندنا أن ذلك غير مفهوم من مجرد اللفظ العاري عن القرينة لكن PageV02P285 ~~إذا دلت قرينة الحال على قصد الإكرام فعند ذلك يدل لفظ التأفيف على تحريم ~~الضرب بل يكون ذلك أسبق إلى الفهم من التأفيف المذكور إذا التأفيف لا يكون ~~مقصودا في نفسه بل يقصد به التنبيه على منع الإيذاء بذكر أقل درجاته وكذلك ~~النقير والقطمير والذرة والدينار لا يدل بمجرد اللفظ على ما فوقه في قوله ~~تعالى {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} [الزلزلة:7]وفي قوله تعالى {ومنهم من ~~إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك } [آل عمران: من الآية75] وفي قوله والله ما ~~شربت لفلان جرعة ولا أخذت من ماله حبة بل بقرينة دفع المنة وإظهار جزاء العمل # وليس إلحاق الضرب بالتأفيف أيضا بطريق القياس لأن الفرع المسكوت عنه ~~الملحق بطريق القياس هو الذي يتصور أن يغفل عنه المتكلم ولا يقصده بكلامه ~~وهاهنا المسكوت عنه هو الأصل في القصد الباعث على النطق بالتأفيف وهو ~~الأسبق إلى فهم السامع فهذا مفهوم من لحن القول وفحواه وعند ظهور القرينة ~~المذكورة ربما تظهر ms471 قرينة أخرى تمنع هذا الفهم إذا الملك قد يقتل أخاه ~~المنازع له فيقول للجلاد اقتله ولا تهنه ولا تقل له أف # أما تحريم النبيذ بتحريم الخمر فليس من هذا بالقبيل بل لا وجه له إلا ~~القياس فإذا لم يرد التعبد بالقياس فقوله حرمت الخمر لشدتها لا يفهم تحريم ~~النبيذ بخلاف قوله حرمت كل مشتد # مسألة:تخصيص القياس: # ذهب القاشاني والنهرواني إلى الإقرار بالقياس لأجل إجماع الصحابة لكن ~~خصصوا ذلك بموضعين: # أحدهما : أن تكون العلة منصوصة كقوله حرمت الخمر لشدتها وفإنها من ~~الطوافين عليكم والطوافات # الثاني: الأحكام المعلقة بالأسباب كرجم ماعز لزناه وقطع سارق رداء PageV02P286 ~~صفوان وكأنهم يعنون بهذا الجنس تنقيح مناط الحكم ويعترفون به # قلنا: هذا المذهب يمكن تنزيله على ثلاثة أوجه:أحدها أن يشترطوا مع هذا أن ~~يقول وحرمت كل مشارك للخمر في الشدة ويقول في رجم ماعز وحكمي على الواحد ~~حكمي على الجماعة # فهذا ليس قولا بالقياس بل بالعموم فلا يحصل التقصي به عن عهدة الإجماع ~~المنعقد من الصحابة على القياس # الثاني : أن لا يشترط هذا ولا يشترط أيضا ورود التعبد بالقياس فهذه زيادة ~~علينا وقول بالقياس حيث لا نقول به كما رددناه على النظام # الثالث: أن يقول مهما ورد التعبد بالقياس جاز الإلحاق بالعلة المنصوصة ~~فهذا قول حق في الأصل خطأ في الحصر فإنه قصر طريق إثبات علة الأصل على النص ~~وليس مقصورا عليه بل ربما دل عليه السبر والتقسيم أو دليل آخر وما لم يدل ~~عليه دليل فنحن لا نجوز الجمع بين الفرع والأصل ولا فرق بين دليل ودليل # فإن قيل إذا كانت العلة منصوصة كان الحكم في الفرع معلوما ولم يكن مظنونا ~~وحصل الأمن من الخطأ وإن كانت مستنبطة لم يؤمن الخطأ # قلنا أخطأتم في طرفي الكلام حيث ظننتم حصول الأمن بالنص وإمكان الخطأ عند ~~عدم النص فإن وإن نص على شدة الخمر فلا نعلم قطعا أن شدة النبيذ في معناها ~~بل يجوز أن يكون معللا بشدة الخمر خاصة إلا أن يصرح ويقول يتبع الحكم مجرد ~~الشدة ms472 في كل محل فيكون ذلك لفظا عاما ولا يكون حكما بالقياس فلا يحصل ~~التقصي عن عهدة الإجماع وإذا لم يصرح فنحن نظن أن النبيذ في معناه ولا نقطع ~~فللظن مثاران في العلة المستنبطة أحدهما أصل العلة والآخر إلحاق الفرع ~~بالأصل فإنه مشروط بانتفاء الفوارق وفي PageV02P287 ~~العلة المنصوصة مثار الظن واحد وهو إلحاق الفرع لأنه مبني على الوقوف على ~~جميع أوصاف علة الأصل وأنه الشدة بمجردها دون شدة الخمر وذلك لا يعلم إلا ~~بنص يوجب عموم الحكم ويدفع الحاجة إلى القياس # أما قوله في العلة المستنبطة:أنه لا يؤمن فيها الخطأ فهذا لا يستقيم على ~~مذهب من يصوب كل مجتهد إذ شهادة الأصل للفرع عنده كشهادة العدل عند القاضي ~~والقاضي في أمن من الخطأ وإن كان الشاهد مزورا لأنه لم يتعبد باتباع الصدق ~~بل باتباع ظن الصدق وكذلك هاهنا لم يتعبد باتباع العلة بل باتباع ظن العلة ~~وقد تحقق الظن # نعم هذا الإشكال متوجه من يقول المصيب واحد لأنه لا يأمن الخطأ ولا دليل ~~يميز الصواب عن الخطأ إذ لو كان عليه دليل لكان آثما إذا أخطأ كما في ~~العقليات # ثم نقول: إنما حملهم على الإقرار بهذا القياس إجماع الصحابة ولم يقتصر ~~قياسهم على العلة المنصوصة إذ قاسوا في قوله أنت علي حرام وفي مسألة الجد ~~والإخوة وفي تشبيه حد الشرب بحد القذف لما فيه من خوف الافتراء والقذف أوجب ~~ثمانين جلدة لأنه نفس الإفتراء لا الخوف من الافتراء ولكنهم رأوا الشارع في ~~بعض المواضع أقام مظنة الشيء مقام نفسه فشبهوا هذا به بنوع من الظن هو في ~~غاية الضعف فدل أنهم لم يطلبوا النص ولا القطع بل اكتفوا بالظن # ثم نقول إذا جاز القياس بالعلة المعلومة فلنلحق بها المظنونة في حق العمل ~~كما لتحق رواية العدل بالتواتر وشهادة العدل بشهادة النبي عليه السلام ~~المعصوم والقبلة المظنونة بالقبلة المعاينة # وهذا فيه نظر لأنا وإن أثبتنا خبر الواحد وقبول الشهادة بأدلة قاطعة ~~فقبول الشرع الظن في موضع لا يرخص لنا في قياس ظن ms473 آخر عليه بل لا بد من ~~دليل على القياس المظنون كما في خبر الواحد وغيره PageV02P288 ~~مسألة التفريق بين الفعل والترك : # فرق بعض القدرية الفعل والترك فقال إذا علل الشارع وجوب فعل بعلة فلا ~~يقاس عليه غيره إلا بتعبد بالقياس ولو علل تحريم الخمر بعلة وجب قياس ~~النبيذ عليه دون التعبد بالقياس لأن من ترك العسل لحلاوته لزمه أن يترك كل ~~حلو ومن ترك الخمر لإسكاره لزمه أن يترك كل مسكر أما من شرب العسل لحلاوته ~~فلا يلزمه أن يشرب كل حلو ومن صلى لأنها عبادة لا يلزمه أن يأتي بكل عبادة ~~وبنوا على هذا أن التوبة لا تصح من بعض الذنوب بل من ترك ذنبا لكونه معصية ~~لزمه ترك كل ذنب أما من أتى بعبادة لكونها طاعة فلا يلزمه أن يأتي بكل طاعة # وهذا محال في الطرفين لأنه لا يبعد في جانب التحريم أن يحرم الخمر لشدة ~~الخمر خاصة ويفرق بين شدة الخمر وشدة النبيذ وأما في جانب الفعل فمن تناول ~~العسل لحلاوته ولفراغ معدته وصدق شهوته لا يفرق بين عسل وعسل نعم لا يلزمه ~~أن يأكل مرة بعد أخرى لزوال الشهوة وامتلاء المعدة واختلاف الحال فما ثبت ~~للشيء ثبت لمثله كان ذلك في ترك أو فعل لكن المثل المطلق لا يتصور إذا ~~الأثنينية شرط المثلية ومن شرط الأثنينية مغايرة ومخالفة وإذا جاءت ~~المخالفة بطلت المماثلة وهذا له غور وليس هذا موضع بيانه هذا تمام النظر في ~~إثبات أصل القياس على منكريه PageV02P289 ### ||| AUTO في طريق إثبات علة الأصل # ... # الباب الثاني في طريق إثبات علة الأصل وكيفية إقامة الدلالة على صحة آحاد ~~الأقيسة: # وننبه في صدر الكتاب على : # مثارات الاحتمال في كل قياس إذ لا حاجة إلى الدليل إلا في محل الاحتمال ~~ثم على انحصار الدليل في الأدلة السمعية ثم على انقسام الأدلة السمعية ، # إلى ظنية وقطعية # فهذه ثلاث مقدمات # المقدمة الأولى في مواضع الاحتمال من كل قياس : # وهي ستة: # الأول: يجوز أن لا يكون الأصل معلولا عند الله تعالى فيكون ms474 القائس قد علل ~~ما ليس بمعلل # الثاني: أنه إن كان معللا فلعله لم يصب ما هو العلة عند الله تعالى بل ~~علله بعلة أخرى # الثالث: أنه إن أصاب في أصل التعليل وفي عين العلة فلعله قصر على وصفين ~~أو ثلاثة وهو معلل به مع قرينة أخرى زائدة على ما قصر اعتباره عليه PageV02P290 ~~الرابع: أن يكون قد جمع إلى العلة وصفا ليس مناطا للحكم فزاد على الواحد # الخامس: أن يصيب في أصل العلة وتعيينها وضبطها لكن يخطىء في وجودها في ~~الفرع فيظنها موجودة بجميع قيودها وقرائنها ولا تكون كذلك # السادس: أن يكون قد استدل على تصحيح العلة بما ليس بدليل وعند ذلك لا يحل ~~له القياس وإن أصاب العلة كما لو أصاب بمجرد الوهم والحدس من غير دليل وكما ~~لو ظن القبلة في جهة من غير اجتهاد فصلى فإنه لا تصح الصلاة # وزاد آخرون احتمالا سابعا : وهو الخطأ في أصل القياس إذا يحتمل أن يكون ~~أصل القياس في الشرع باطلا # وهذا خطأ لأن صحة القياس ليس مظنونا بل هو مقطوع به ولو تطرق إليه احتمال ~~التطرق إلى جميع القطعيات من التوحيد والنبوة وغيرهما # لا خطاء في القياس على مذهب المصوبة # والمثارات الستة لاحتمال الخطأ إنما تستقيم على مذهب من يقول المصيب واحد ~~وفي موضع يقدر نصب الله تعالى أدلة قاطعة يتصور أن يحيط بها الناظر أما من ~~قال كل مجتهد مصيب فليس في الأصل وصف معين هو العلة عند الله تعالى حتى ~~يخطىء أصلها أو وصفها بل العلة عند الله تعالى في حق كل مجتهد ما ظنه علة ~~فلا يتصور الخطأ ولكنه على الجملة يحتاج إلى إقامة الدليل في هذه وإن كانت ~~أدلة ظنية # المقدمة الثانية # إن هذه الأدلة لا تكون إلا سمعية بل لا مجال للنظر العقلي في هذه ~~المثارات PageV02P291 ~~إلا في تحقيق وجود علة الأصل في الفرع فإن العلة إذا كانت محسوسة كالسكر ~~والطعم والطوف في السؤر فوجود ذلك في النبيذ والأرز والفأرة قد يعلم بالحس ~~وبالأدلة العقلية أما ms475 أصل تعليل الحكم وإثبات عين العلة ووصفها فلا يمكن ~~إلا بالأدلة السمعية لأن العلة الشرعية علامة وأمارة لا توجب الحكم بذاتها ~~إنما معنى كونها علة نصب الشرع إياها علامة وذلك وضع من الشارع ولا فرق بين ~~وضع الحكم وبين وضع العلامة ونصبها أمارة على الحكم فالشدة التي جعلت أمارة ~~التحريم يجوز أن يجعلها الشرع أمارة الحل فليس إيجابها لذاتها ولا فرق بين ~~قوله الشارع راجموا ماعزا وبين قوله جعلت الزنا علامة إيجاب الرجم # هل تثبت العلة بغير النص ؟ # فإن قيل:فالحكم لا يثبت إلا توقيفا ونصا فلتكن العلة كذلك ؟ # قلنا:لا يثبت الحكم إلا توقيفا لكن ليس طريق معرفة التوقيف في الأحكام ~~مجرد النص بل النص والعموم والفحوى ومفهوم القول وقرائن الأحوال وشواهد ~~الأصول وأنواع الأدلة فكذلك إثبات العلة تتسع طرقه ولا يقتصر فيه على النص . # المقدمة الثالثة: درجات إلحاق المسكوت بالمنوطوق: # إن الحاق المسكوت بالمنطوق ينقسم إلى مقطوع ومظنون والمقطوع به على ~~مرتبتين: # إحداهما : أن يكون المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق به كقوله {فلا تقل ~~لهما أف } [الاسراء: من الآية23] فإنه أفهم تحريم الضرب والشتم وكقوله عليه ~~السلام "أدوا الخيط والمخيط" فإنه أفهم تحريم الغلول في الغنيمة بكل PageV02P292 ~~قليل وكثير وكنهيه عن الضحية بالعوراء والعرجاء فإنه أفهم المنع من العمياء ~~ومقطوعة الرجلين وكقوله العينان وكاء السه فإذا نامت العينان استطلق الوكاء ~~فإن الجنون والإغماء والسكر وكل ما أزال العقل أولى به من النوم. # وقد اختلفوا في تسمية هذا قياسا وتبعد تسميته قياسا لأنه لا يحتاج فيه ~~إلى فكر واستنباط علة ولأن المسكوت عنه هاهنا كأنه أولى بالحكم من المنطوق ~~به ومن سماه قياسا اعترف بأنه مقطوع به ولا مشاحة في الأسامي فمن كان ~~القياس عنده عبارة عن نوع من الإلحاق يشمل هذه الصورة فإنما مخالفته في عبارة # وهذا الجنس قد يلتحق بأذياله ما يشبهه من وجه ولكنه يفيد الظن دون العلم ~~كقولهم إذا وجبت الكفارة في قتل الخطأ فبأن تجب في العمد أولى لأن فيه ما ~~فيه الخطأ وزيادة عدوان ms476 وإذا ردت شهادة الفاسق فالكافر أولى لأن الكفر فسق ~~وزيادة وإذا أخذت الجزية من الكتابي فمن الوثني أولى لأنه كافر مع زيادة ~~جهل وهذا يفيد الظن في حق بعض المجتهدين وليس من جنس الأول بل جنس الأول أن ~~يقول إذا قبلت شهادة اثنين فشهادة الثلاثة أولى وهو مقطوع به لأنه وجد فيه ~~الأول وزيادة والعمياء عوراء مرتين ومقطوع الرجلين أعرج مرتين # فأما العمد فيخالف الخطأ فيجوز أن لا تقوى الكفارة على محوه بخلاف الخطأ ~~بل جنس الأول قولنا من واقع أهله في نهار رمضان فعليه الكفارة فالزاني به ~~أولى إذ وجد في الزنا إفساد الصوم بالوطء وزيادة ولم يوجد في العمد الخطأ ~~وزيادة وكذلك الفاسق متهم في دينه فيكذب والكافر يحترز من الكذب لدينه ~~وقبول الجزية نوع احترام وتخفيف ربما لا يستوجبه الوثني بدليل أنه لو وقع ~~التصريح بالفرق بين هذه المسائل لم تنفر النفس عن قبوله ولو قيل تجزىء ~~العمياء دون العوراء أو تقبل شهادة اثنين ولا تقبل PageV02P293 ~~شهادة ثلاثة كان ذلك مما تنفر النفس عن قبوله وإنما نفرت النفس عن قبوله ~~لما علم قطعا من أن منع العوراء لأجل نقصانها وقبول شهادة اثنين لظهور صدق ~~الدعوى وتحريم التأفيف لإكرام الآباء فمع فهم هذه المعاني يتناقض الفرق ولم ~~يفهم مثل ذلك من قتل الخطأ وشهادة الكافر وجزية الوثني # المرتبة الثانية: ما يكون المسكوت عنه مثل المنطوق به ولا يكون أولى منه ~~ولا هو دونه فيقال إنه في معنى الأصل وربما اختلفوا في تسميته قياسا ومثاله ~~قوله صلى الله عليه وسلم "من أعتق شركا له في عبد قوم عليه الباقي" فإن ~~الأمة في معناه وقوله "أيما رجل أفلس أو مات فصاحب المتاع أحق بمتاعه" ~~فالمرأة في معناه وقوله تعالى وبكم النساء فالعبد في معناها وقوله عليه ~~السلام من باع عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع فإن ~~الجارية في معناه وقوله في موت الحيوان في السمن أنه يراق المائع ويقور ما ~~حوالي الجامد أن العسل لو كان جامدا ms477 في معناه # وهذا جنس يرجع حاصله إلى العلم بأن الفارق بين المسكوت عنه والمنطوق به ~~لا مدخل له في التأثير في جنس ذلك الحكم وإنما يعرف أنه لا مدخل له في ~~التأثير باستقراء أحكام الشرع وموارده ومصادره في ذلك الجنس حتى يعلم أن ~~حكم الرق والحرية ليس يختلف بذكورة وأنوثة كما لا يختلف بالبياض والسواد ~~والطول والقصر والحسن والقبح فلا يجري هذا في جنس من الحكم تؤثر الذكورة ~~فيه والأنوثة كولاية النكاح والقضاء والشهادة وأمثالها # وضابط هذا الجنس أن لا يحتاج إلى التعرض للعلة الجامعة بل يتعرض للفارق ~~ويعلم أنه لا فارق إلا كذا ولا مدخل له في التأثير قطعا فإن تطرق الاحتمال ~~إلى قولنا لا فارق إلا كذا بأن احتمل أن يكون ثم فارق آخر وتطرق الاحتمال ~~إلى قولنا لا مدخل له في التأثير بأن احتمل أن يكون له مدخل لم يكن هذا ~~الالحاق مقطوعا به بل ربما كان مظنونا PageV02P294 ~~ويتعلق بأذيال هذا الجنس ما هو مظنون كقولنا إنه لو أضاف العتق إلى عضو ~~معين سرى فإنه إذا أضاف إلى النصف سرى لأنه بعض واليد بعض وهذا يغلب على ظن ~~بعض المجتهدين ومساواة البعض المعين للبعض الشائع في هذا الحكم غير مقطوع ~~به لأن هذا النوع من المفارقة لا يبعد أن يكون له مدخل في التأثير ومن هذا ~~الجنس ما يتعلق بتنقيح مناط الحكم كقوله للأعرابي الذي جامع امرأته في ~~رمضان أعتق رقبة فإنا نعلم أن التركي والهندي في معنى العربي إذ علمنا أن ~~ذلك لا مدخل له في الحكم ويعلم أن العبد في معنى الحر فيلزمه الصوم لأنه ~~شاركه في وجوب الصوم # ولا نرى الصبي فيمعناه لأنه لا يشاركه في اللزوم وللزوم مدخل في التأثير # وإن نظرنا إلى المحل فقد واقع أهله فيعلم أنه لو واقع مملوكته فهو في ~~معناه بل لو زنى بامرأة فهو بالكفارة أولى أما اللواط وإتيان البهيمة ~~والمرأة الميتة هل هو في معناه ؟ربما يتردد فيه والأظهر أن اللواط في معناه # وإن نظرنا إلى ms478 الصوم المجني عليه فقد جرى وقاع الأعرابي في يوم معين وشهر ~~معين فيعلم أن سائر الأيام في ذلك الشهر وسائر شهور رمضان في معناه # والقضاء والنذر ليس في معناه لأن حرمة رمضان أعظم فهتكها أفحش وللحرمة ~~مدخل في جنس هذا الحكم # وإن نظرنا إلى نفس هذا الفعل فهل يلتحق به الأكل والشرب وسائر المفطرات ~~؟هذا في محل النظر إذ يحتمل أن يقال إنما وجبت الكفارة لتفويت الصوم والوطء ~~آلته كما يجب القصاص لتفويت الدم ثم السيف والسكين وسائر الآلات PageV02P295 ~~على وتيرة واحدة ويحتمل أن يقال الكفارة زجر ودواعي الوقاع لا تنخنس بمجرد ~~وازع الدين فافتقر إلى كفارة زاجرة بخلاف داعية الأكل وهذه ظنون تختلف ~~بالإضافة إلى المجتهدين # وهل يسمى إلحاق الأكل ههنا بالجماع قياسا ؟اختلفوا فيه فقال أصحاب أبي ~~حنيفة لا قياس في الكفارات وهذا استدلال وليس بقياس بل هو استدلال على ~~تجريد مناط الحكم وحذف الحشو منه ولفظة القياس اصطلاح للفقهاء فيختلف ~~إطلاقها بحسب اختلافهم في الاصطلاح فلست أرى الأطناب في تصحيح ذلك أو ~~إفساده لأن أكثر تدوار النظرلا فيه على اللفظ # وعلى الجملة فلا يظه بالظاهر في المنكر للقياس إنكار المعلوم والمقطوع به ~~من هذه الإلحاقات لكن لعله ينكر المظنون منه ويقول ما علم قطعا أنه لا مدخل ~~له في التأثير فه كاختلاف الزمان والمكان والسواد والبياض والطوال والقصر ~~فيجب حذفه عن درجة الاعتبار أما ما يحتمل فلا يجوز حذفه بالظن وإذا بان لنا ~~إجماع الصحابة أنهم عملوا بالظن كان ذلك دليلا على نزول الظن منزلة العلم ~~في وجوب العمل لأن المسائل التي اختلفوا فيها واجتهدوا كمسألة الحرام ~~ومسألة الجد وحد الخمر والمفوضة وغيرها من المسائل ظنية وليست قطعية # وعلى الجملة فلإلحاق المسكوت عنه بالمنطوق طريقان متباينان: # أحدهما: الإلحاق بنفي الفارق: # أن لا يتعرض إلا للفارق وسقوط أثره فيقول لا فارق إلا كذا وهذه مقدمة ثم ~~يقول ولا مدخل لهذا الفارق في التأثير وهذه مقدمة أخرى فيلزم منه نتيجة وهو ~~أنه لا فرق في الحكم # وهذا إنما يحسن ms479 إذا ظهر التقارب بين الفرع والأصل كقرب الأمة من العبد ~~لأنه لا يحتاج إلى التعرض للجامع لكثرة ما فيه من الاجتماع PageV02P296 ~~الطريق الثاني: الإلحاق للاستواء في العلة: # أن يتعرض للجامع ويقصد نحوه ولا يلتفت إلى الفوارق وإن كثرت ويظهر تأثير ~~الجامع في الحكم فيقول العلة في الأصل كذا وهي موجودة في الفرع فيجب ~~الاجتماع في الحكم # وهذا هو الذي يسمى قياسا بالاتفاق أما الأول ففي تسميته قياسا خلاف لأن ~~القياس ما قصد به الجمع بين شيئين وذلك قصد فيه نفي الفرق فحصل الاجتماع ~~بالقصد الثاني لا بالقصد الأول فلم يكن على صورة المقايسة بالإضافة إلى ~~القصد الأول # والطريق الأول الذي هو التعرض للفارق ونفيه ينتظم حيث لم تعرف علة الحكم ~~بل ينتظم في حكم لا يعلل وينتظم حيث عرف أنه معلل لكن لم تتعين العلة فإنا ~~نقول الزبيب في معنى التمر في الربا قبل أن يتعين عندنا علة الربا أنه ~~الطعم أو الكيل أو القوت وينتظم حيث ظهر أصل العلة وتعين أيضا ولكن لم ~~تتلخص بعد أوصافه ولم تتحرر بعد قيوده وحدوده # أما الطريق الثاني وهو الجمع فلا يمكن إلا بعد تعين العلة وتلخيصها بحدها ~~وقيودها وبيان تحقيق وجودها بكمالها في الفرع # وكل واحد من الطريقين ينقسم إلى مقطوع به وإلى مظنون # فإذا تمهدت هذه المقدمات فيرجع إلى المقصود وهو بيان إثبات العلة في ~~الطريق الثاني الذي هو القياس بالاتفاق وهو رد فرع إلى أصل بعلة جامعة بينهما # وهذا القياس يحتاج إلى إثبات مقدمتين: # إحداهما مثلا أن علة تحريم الخمر الإسكار # والثانية أن الإسكار موجود في النبيذ # أما الثانية فيجوز أن تثبت بالحس ودليل العقل والعرب وبدليل الشرع وسائر ~~أنواع الأدلة أما الأولى فلا تثبت إلا بالأدلة الشرعية من الكتاب PageV02P297 ~~والسنة والإجماع أو نوع استدلال مستنبط فإن كون الشدة علامة التحريم وضع ~~شرعي كما أن نفس التحريم كذلك وطريقه طريقه # وجملة الأدلة الشرعية ترجع إلى ألفاظ الكتاب والسنة والإجماع والاستنباط ~~فنحصره في ثلاث أقسام: # القسم الأول إثبات العلة بأدلة نقلية ms480 : # وذلك إنما يستفاد من صريح النطق أو من الإيماء أو من التنبيه على الأسباب ~~وهي ثلاثة أضرب: # الضرب الأول:الصريح وذلك أن يرد فيه لفظ التعليل كقوله لكذا أو لعلة كذا ~~أو لأجل كذا أو لكيلا يكون كذا وما يجري مجراه من صيغ التعليل مثل قوله ~~تعالى {كي لا يكون دولة بين الأغنياء} [الحشر: من الآية7] {من أجل ذلك ~~كتبنا على بني إسرائيل } [المائدة: من الآية32] المائدة و{ذلك بأنهم شاقوا ~~الله ورسوله} [الأنفال: من الآية13]وقوله عليه السلام إنما جعل الاستئذان ~~لأجل البصر وإنما نهيتكم لأجل الدافة فهذه صيغ التعليل إلا إذا دل دليل على ~~أنه ما قصد التعليل فيكون مجازا كما يقال: لم فعلت ؟فيقول لأني أردت أن ~~أفعل فهذا لا يصح أن يكون علة فهو استعمال اللفظ في غير محله # قال القاضي: قوله تعالى {أقم الصلاة لدلوك الشمس} [الاسراء: من الآية78] من هذا PageV02P298 ~~الجنس لأن هذا لام التعليل والدلوك لا يصلح أن يكون علة فمعناه صل عنده فهو ~~للتوقيت # وهذا فيه نظر إذ الزوال والغروب لا يبعد أن ينصبه الشرع علامة للوجوب ولا ~~معنى لعلة الشرع إلا العلامة المنصوبة وقد قال الفقهاء الأوقات أسباب ولذلك ~~يتكرر الوجوب بتكررها ولا يبعد تسمية السبب علة # الضرب الثاني: التنبيه والإيماء على العلة كقوله عليه السلام لما سئل عن ~~الهرة إنها من الطوافين عليكم أو الطوافات فإنه وإن لم يقل لأنها أو لأجل ~~أنها من الطوافين لكن أومأ إلى التعليل لأنه لو لم يكن علة لم يكن ذكر وصف ~~الطواف مفيدا فإنه لو قال إنها سوداء أو بيضاء لم يكن منظوما إذ لم يرد ~~التعليل وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم :"فإنه يحشر يوم القيامة ملبيا" ~~وإنهم يحشرون وأوداجهم تشخب دما وقوله جل جلاله {إنما يريد الشيطان أن يوقع ~~بينكم العداوة والبغضاء} [المائدة: من الآية91] فإنه بيان لتعليل تحريم ~~الخمر حتى يطرد في كل مسكر # وكذلك ذكر الصفة قبل الحكم كقوله {قل هو أذى فاعتزلوا النساء في PageV02P299 ~~المحيض} فهو تعليل حتى يفهم منه تحريم ms481 الإتيان في غير المأتي لأن الأذى فيه ~~دائم ولا يجري في المستحاضة لأن ذلك عارض وليس بطبيعي # وكذلك قوله "تمرة طيبة وماء طهور" فإن ذلك لو لم يكن تعليلا لاستعماله ~~لما كان الكلام واقعا في محله وهو الذي يدل على أنه كان ماء نبذ فيه تميرات ~~فيقاس عليه الزبيب وغيره ولا يقاس عليه المرقة والعصيدة وما انقلب شيئا آخر بالطبخ # وكذلك قوله عليه السلام:"أينقص الرطب إذا يبس ؟"فقيل نعم فقال فلا إذا ~~ففيه تنبيه على العلة من ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه لا وجه لذكر هذا الوصف لولا التعليل به # الثاني : قوله إذا فإنه للتعليل # الثالث: الفاء في قوله فلا إذافإنه للتعقيب والتسبيب # ومن ذلك أن يجيب عن المسألة بذكر نظيرها كقوله "أرأيت لو تمضمضت " "أرأيت ~~لو كان على أبيك دين فقضيتيه" فإنه لو لم يكن للتعليل لما كان التعرض لغير ~~محل السؤال منتظما # ومن ذلك أن يفصل الشارع بين قسمين بوصف ويخصه بالحكم كقول "القائل القاتل PageV02P300 ~~لا يرث" فإنه يدل في الظاهر على أنه لا يرث لكونه قاتلا وليس هذا للمناسبة ~~بل لو قال الطويل لا يرث أو الأسود لا يرث لكنا نفهم منه جعله الطول ~~والسواد علامة على انفصاله عن الورثة # فهذا وأمثاله مما يكثر ولا يدخل تحت الحصر فوجوه التنبيه لا تنضبط وقد ~~أطنبنا في تفصيلها في كتاب شفاء الغليل وهذا القدر كاف ههنا # الضرب الثالث: التنبيه على الأسباب بترتيب الأحكام عليها بصيغة الجزاء ~~والشرط وبالفاء التي هي للتعقيب والتسبيب كقوله عليه السلام :"من أحيا أرضا ~~ميتة فهي له" و"من بدل دينه فاقتلوه" وقوله تعالى{ والسارق والسارقة ~~فاقطعوا أيديهما } [المائدة: من الآية38]و{الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد ~~منهما} [النور: من الآية2]وقوله تعالى { فلم تجدوا ماء فتيمموا } [المائدة: ~~من الآية6] ويلتحق بهذا القسم ما يرتبه الراوي بفاء الترتيب كقوله زنى ماعز ~~فرجم وسها النبي فسجد ورضخ يهودي رأس جارية فرضخ النبي رأسه فكل هذا يدل ~~على التسبيب وليس للمناسبة فإن قوله "من مس ذكره فليتوضأ " يفهم منه السبب ~~وإن لم ms482 يناسب # بل يلتحق بهذا الجنس كل حكم حدث عقيب وصف حادث سواء كان من الأقوال كحدوث ~~الملك والحل عند البيع والنكاح والتصرفات أو من الأفعال كاشتغال الذمة عند ~~القتل والاتلاف أو من الصفات كتحريم الشرب عند طريان الشدة على العصير ~~وتحريم الوطء عند طريان الحيض فإنه ينقدح أن يقال لا يتجدد إلا بتجدد سبب ~~ولم يتجدد إلا هذا فإذا هو السبب وإن لم يناسب # فإن قيل: فهذه الوجوه المذكورة تدل على السبب والعلة دلالة قاطعة أو ~~دلالة ظنية؟ PageV02P301 # قلنا:أما ما رتب على غيره بفاء الترتيب وصيغة الجزاء والشرط فيدل على أن ~~المرتب عليه معتبر في الحكم لا محالة فهو صريح في أصل الاعتبار أما اعتباره ~~بطريق كونه علة أو سببا متضمنا للعلة بطريق الملازمة والمجاورة أو شرطا ~~يظهر الحكم عنده بسبب آخر أو يفيد الحكم على تجرده حتى يعم الحكم المحال أو ~~يضم إليه وصف آخر حتى يختص ببعض المحال فمطلق الإضافة من الألفاظ المذكورة ~~ليس صريحا فيها ولكن قد يكون ظاهرا من وجه ويحتمل غيره وقد يكون مترددا بين ~~وجهين فيتبع فيه موجب الأدلة وإنما الثابت بالإيماء والتنبيه كون الوصف ~~المذكور معتبرا بحيث لا يجوز إلغاؤه # مثال هذا قوله عليه السلام : "لا يقض القاضي وهو غضبان " وهو تنبيه على ~~أن الغضب علة في منع القضاء لكن قد يتبين بالنظر أنه ليس علة لذاته بل لما ~~يتضمنه من الدهشة المانعة من استيفاء الفكر حتى يلحق به الجائع والحاقن ~~والمتألم فيكون الغضب مناطا لا لعينه بل لمعنى يتضمنه # وكذلك قوله "سها فسجد" يحتمل أن يكون السبب هو السهو لعينه ويحتمل أن ~~يكون لما يتضمنه من ترك أبعاض الصلاة حتى لو تركه عمدا ربما قيل يسجد أيضا. # وكذلك قوله "زنى ماعز فرجم" احتمل أن يكون لأنه زنى واحتمل أن يكون لما ~~يتضمنه الزنا من إيلاج فرج في فرج محرم قطعا مشتهى طبعا حتى يتعدى إلى ~~اللواط . # وكذلك قوله "من جامع في نهار رمضان فعليه ما على المظاهر" يحتمل أن يكون ~~لنفس الجماع ms483 ويحتمل أن يكون لما يتضمنه من هتك حرمة الشهر PageV02P302 ~~ويحتمل أن يكون لما يتضمنه من إفساد الصوم حتى يتعدى إلى الأكل والظاهر ~~الإضافة إلى الأصل ومن صرفه عن الأصل إلى ما يتضمنه من إفساد الصوم حتى ~~يتعدى إلى الأكل افتقر إلى دليل # وهذا النوع من التصرف غير منقطع عن هذه الإضافات فهذا ظاهر في الإضافات ~~اللفظية إيماء كان أو صريحا أما ما يحدث بحدوث وصف كحدوث الشدة ففي إضافة ~~الحكم إليه نظر سيأتي في الطرد والعكس # القسم الثاني في إثبات العلة بالإجماع على كونها مؤثرة في الحكم : # مثاله قولهم: إذا قدم الأخ من الأب والأم على الأخ للأب في الميراث ~~فينبغي أن يقدم في ولاية النكاح فإن العلة في الميراث التقديم بسبب امتزاج ~~الأخوة وهو المؤثر بالاتفاق # وكذلك قول بعضهم:الجهل بالمهر يفسد النكاح لأنه جهل بعوض في معاوضة فصار ~~كالبيع إذ الجهل مؤثر في الإفساد في البيع بالاتفاق # وكذلك نقول يجب الضمان على السارق وإن قطع لأنه مال تلف تحت اليد العارية ~~فيضمن كما في الغصب وهذا الوصف هو المؤثر في الغصب اتفاقا PageV02P303 ~~وكذلك يقول الحنفي:صغيرة فيولي عليها قياسا لثيب الصغيرة على البكر الصغيرة ~~فالمطالبة منقطعة عن إثبات علة الأصل لأنها بالاتفاق مؤثرة # ويبقى سؤال وهو أن يقال:لم قلتم:إذا أثر امتزاج الأخوة في التقديم في ~~الإرث فينبغي أن يؤثر في النكاح؟ وإذا أثر الصغر في البكر فهو يؤثر في ~~الثيب ؟ # وهذا السؤال إما أن يوجهه المجتهد على نفسه أو يوجهه المناظر في المناظرة ~~أما المجتهد فيدفعه بوجهين أحدهما: أن يعرف مناسبة المؤثر كالصغر فإنه يسلط ~~الولي على التزويج للعجز فنقول الثيب كالبكر في هذه المناسبة # الثاني: أن يتبين أنه لا فارق بين الفرع والأصل إلا كذا وكذا ولا مدخل له ~~في التأثر كما ذكرناه في إلحاق الأمة بالعبد في سراية العتق ونظائره فيكون ~~هذا القياس تمامه بالتعرض للجامع ونفي الفارق جميعا وإن ظهرت المناسبة ~~استغنى عن التعرض للفارق # وإن كان السؤال من مناظر فيكفي أن يقال القياس لتعدية حكم العلة ms484 من موضع ~~إلى موضع وما من تعدية إلا ويتوجه عليها هذا السؤال فلا ينبغي أن يفتح هذ ~~الالباب بل يكلف المعترض الفرق أو التنبيه على مثار خيال الفرق بأن يقول ~~مثلا إخوة الأم أثرت في الميراث في الترجيح لأن مجردها يؤثر في التوريث فلم ~~قلت إذا استعمل في الترجيح ما يستقل بالتأثير فيستعمل حيث لا يستقل ؟فتقبل ~~المطالبة على هذه الصيغة وهي أولى من إبدائه في معرض الفرق ابتداء # أما إذا لم ينبه على مثار خيال الفرق وأصر على صرف المطالبة فلا ينبغي أن ~~يصطلح المناظرون على قبوله لأنه يفتح بابا من اللجاج لا ينسد ولا يجوز ~~إرهافه إلى طلب المناسبة فإن ما ظهر تأثيره بإضافة الحكم إليه فهو علة ناسب ~~أو لم يناسب فقد قال عليه السلام "من مس ذكره فليتوضأ" فنحن نقيس عليه ذكر ~~غيره ولا مناسبة ولكن نقول ظهر تأثير المس ولا مدخل للفارق في التأثير فإنه ~~وإن ظهر مناسبته أيضا فيجوز أن يختص اعتبار المناسب PageV02P304 ~~ببعض المواضع إذ السرقة تناسب القطع ثم تختص بالنصاب والزنا يناسب الرجم ثم ~~يختص بالمحصن فيتوجه على المناسب أيضا أن يقول لم قلت إذا أثر هذا المناسب ~~وهو الصغر في ولاية المال فينبغي أن يؤثر في ولاية البضع؟ وإذا أثر في ~~البكر يؤثر في الثيب؟ وإذا أثر في التزويج من الابن يؤثر في التزويج من ~~البنت ومن المناسبات ما يختص ببعض المواضع وهذا السؤال يستمد من خيال منكري ~~القياس فلا ينبغي أن يقبل # القسم الثالث في إثبات العلة بالاستنباط وطرق الاستدلال: # وهي أنواع : # النوع الأول السبر والتقسيم: # وهو دليل صحيح وذلك بأن يقول هذا الحكم معلل ولا علة له إلا كذا أو كذا ~~وقد بطل أحدهما فتعين الآخر # وإذا استقام السبر كذلك فلا يحتاج إلى مناسبة بل له أن يقول حرم الربا في ~~البر ولا بد من علامة تضبط مجرى الحكم عن موقعه ولا علامة إلا الطعم # أو القوت أو الكيل وقد بطل القوت والكيل بدليل كذا وكذا فثبت الطعم لكن ms485 ~~يحتج ههنا إلى إقامة الدليل على ثلاثة أمور: # أحدها: أنه لا بد من علامة إذ قد يقال هو معلوم باسم البر فلا يحتاج إلى ~~علامة وعلة فنقول ليس كذلك لأن إذا صار دقيقا وخبزا وسويقا نفى حكم الربا ~~وزال اسم البر فدل أن مناط الربا أمر أعم من اسم البر # الثاني: أن يكون سبره حاصرا فيحصر جميع ما يمكن أن يكون علة أما بأن PageV02P305 ~~يوافقه الخصم على أن الممكنات ما ذكره وذلك ظاهر أو لا يسلم فإن كان يسلم # فإن كان مجتهدا فعليه سبر بقدر إمكانه حتى يعجز عن إيراد غيره # وإن كان مناظرا فيكفيه أن يقول:هذا منتهى قدرتي في السبر فإن شاركتني في ~~الجهل بغيره لزمك مالزمني وإن أطلعت على علة أخرى فيلزمك التنبيه عليها حتى ~~أنظر في صحتها أو فسادها فإن قال لا يلزمني ولا أظهر العلة وإن كنت أعرفها ~~فهذا عناد محرم وصاحبه إما كاذب وإما فاسق بكتمان حكم مست الحاجة إلى إظهار ~~ومثل هذا الجدل حرام وليس من الدين # ثم إفساد سائر العلل تارة يكون ببيان سقوط أثرها في الحكم بأن يظهر بقاء ~~الحكم مع انتفائها أو بانتقاضها بأن يظهر انتفاء الحكم مع وجودها # النوع الثاني من الاستنباط إثبات العلة بإبداء مناسبتها للحكم # والاكتفاء بمجرد المناسبة في إثبات الحكم مختلف فيه # وينشأ منه أن المراد بالمناسب ما هو على منهاج المصالح بحيث إذا أضيف ~~الحكم إليه انتظم مثاله قولنا حرمت الخمر لأنها تزيل العقل الذي هو مناط ~~التكليف وهو مناسب لا كقولنا حرمت لأنها تقذف بالزبد أو لأنها تحفظ في الدن ~~فإن ذلك لا يناسب PageV02P306 ~~وقد ذكرنا حقيقة المناسب وأقسامه ومراتبه في آخر القطب الثاني من باب ~~الاستحسان والاستصلاح فلا نعيده # لكنا نقول: المناسب ينقسم إلى مؤثر وملائم وغريب . # ومثال المؤثر:التعليل للولاية بالصغر ومعنى كونه مؤثرا أنه ظهر تأثيره في ~~الحكم بالإجماع أو النص وإذا ظهر تأثيره فلا يحتاج إلى المناسبة بل قوله من ~~مس ذكره فليتوضأ لما دل على تأثير المس قسنا عليه مس ذكر ms486 غيره # أما الملائم:فعبارة عما لم يظهر تأثير عينه في عين ذلك الحكم كما في ~~الصغر لكن ظهر تأثير جنسه في جنس ذلك الحكم # مثاله: قوله: لا يجب على الحائض قضاء الصلاة دون الصوم لما في قضاء ~~الصلاة من الحرج بسبب كثرة الصلاة وهذا قد ظهر تأثير جنسه لأن لجنس المشقة ~~تأثيرا في التخفيف أما هذه المشقة نفسها وهي مشقة التكرر فلم يظهر تأثيرها ~~في موضع آخر نعم لو كان قد ورد النص بسقوط قضاء الصلاة عن الحرائر الحيض ~~وقسنا عليهن الإماء لكان ذلك تعليلا بما ظهر تأثير عينه في عين الحكم لكن ~~في محل مخصوص فعديناه إلى محل آخر # ومثاله أيضا: قولنا إن قليل النبيذ وإن لم يسكر حرام قياسا على قليل ~~الخمر وتعليلنا قليل الخمر بأن ذلك منه يدعو إلى كثيره فهذا مناسب لم يظهر ~~تأثير عينه لكن ظهر تأثير جنسه إذا الخلوة لما كانت داعية إلى الزنا حرمها ~~الشرع كتحريم الزنا فكان هذا ملائما للجنس بصرف الشرع وأن لم يظهر تأثير ~~عينه في الحكم : # وأما الغريب الذي لم يظهر تأثيره ولا ملاءمته لجنس تصرفات الشرع فمثاله ~~قولنا إن الخمر إنماح رمت لكونها مسكرة ففي معناها كل مسكر ولم يظهر أثر ~~السكر في موضع آخر لكنه مناسب وهذا مثال الغريب لو لم يقدبر التنبيه بقوله PageV02P307 ~~{إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر } [المائدة: ~~من الآية91] # ومثاله أيضا قولنا:المطلقة ثلاثا في مرض الموت ترث لأن الزوج قصد الفرار ~~من ميراثها فيعارض بنقيض قصده قياسا على القاتل فإنه لا يرث لأنه يستعجل ~~الميراث فعورض بنقيض قصده فإن التعليل حرمان القاتل بهذا تعليل بمناسب لا ~~يلائم جنس تصرفات الشرع لأنا لا نرى الشرع في موضع آخر قد التفت إلى جنسه ~~فتبقى مناسبة مجردة غريبة ولو علل الحرمان بكونه متعديا بالقتل وجعل هذا ~~جزاء على العدوان كان تعليلا بمناسبة ملائم ليس بمؤثر لأن الجناية بعينها ~~وإن ظهر تأثيرها في العقوبات فلم يظهر تأثيرها في الحرمان عن الميراث فلم ~~يؤثر في ms487 عين الحكم وإنما أثر في جنس آخر من الأحكام فهو من جنس الملائم لا ~~من جنس المؤثر ولا من جنس الغريب # فإذا عرفت مثال هذه الأقسام الثلاثة فأعلم أن المؤثر مقبول باتفاق ~~القائلين بالقياس وقصر أبو زيد الدبوسي القياس عليه وقال لا يقبل إلا مؤثر ~~ولكن أورد للمؤثر أمثله عرف بها أنه قبل الملائم لكنه سماه أيضا مؤثرا # وذكرنا تفصيل أمثلته والاعتراض عليها في كتاب شفاء الغليل # ولا سبيل إلى الاقتصار على المؤثر لأن المطلبو غلبة الظن ومن استقرأ ~~أقيسة الصحابة رضي الله عنهم واجتهاداتهم علم أنهم لم يشترطوا في كل قياس ~~كون العلة معلومة بالنص والإجماع # التعليل بمجرد المناسبة: # وأما المناسب الغريب فهذا في محل الاجتهاد ولا يبعد عندي أن يغلب ذلك على ~~ظن بعض المجتهدين ولا يدل دليل قاطع على بطلان اجتهاده PageV02P308 ~~فإن قيل:يدل على بطلانه أنه متحكم بالتعليل من غير دليل يشهد لإضافة الحكم ~~إلى علته # قلنا: إثبات الحكم على وفقه يشهد لملاحظة الشرع له ويغلب ذلك على الظن # فإن قيل: قولكم إثبات الحكم على وفقه تلبيس إذ معناه أنه تقاضى الحكم ~~بمناسبة وبعث الشارع على الحكم فأجاب باعثه وانبعث على وفق بعثه وهذا تحكم ~~لأنه يحتمل أن يكون حكم الشرع بتحريم الخمر تعبدا أو تحكما كتحريم الخنزير ~~والميتة والدم والحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير ~~مع تحليل الضبع والثعلب على بعض المذاهب وهي تحكمات لكن اتفق معنى الإسكار ~~في الخمر فظن أنه لأجل الإسكار ولم يتفق مثله في الميتة والخنزير فقيل أنه ~~تحكم وهذا على تقدير عدم التنبيه في القرآن بذكر العداوة والبغضاء # ويحتمل أن يكون بمعنى آخر مناسب لم يظهر لنا # ويحتمل أن يكون للإسكار # فهذه ثلاثة احتمالات فالحكم بواحد من هذه الثلاثة تحكم بغير دليل وإلا ~~فبم يترجح هذا الإحتمال؟ وهذا لا ينقلب في المؤثر فإنه عرف كونه علة بإضافة ~~الحكم إليه نصا أو إجماعا كالصغر وتقديم الأخ للأب والأم . # والجواب: أنا نرجح هذا الاحتمال على احتمال التحكم ms488 بما رددنا به مذهب ~~منكري القياس كما في المؤثر فإن العلة إذا أضيف الحكم إليها في محل احتمل ~~أن يكون مختصا بذلك المحل كما اختص تأثير الزنا بالمحصن وتأثير السرقة ~~بالنصاب فلا يبعد أن يؤثر الصغر في ولاية المال دون ولاية البضع وامتزاج ~~الأخوة في التقديم في الميراث دون الولاية وبه اعتصم نفاة القياس لكن قيل PageV02P309 ~~لهم: علم من الصحابة رضي الله عنهم اتباع العلل وإطراح تنزيل الشرع على ~~التحكم ما أمكن فكذلك ههنا ولا فرق وأما قولهم:لعل فيه معنى آخر مناسبا هو ~~الباعث للشارع ولم يظهر لنا وإنما مالت أنفسنا إلى المعنى الذي ظهر لعدم ~~ظهور الآخر لا لدليل دل عليه فهو وهم محض فنقول: غلبة الظن في كل موضع ~~تستند إلى مثل هذا الوهم وتعتمد انتفاء الظهور في معنى آخر لو ظهر لبطلت ~~غلبة الظن ولو فتح هذا الباب لم يستقم قياس فإن العلة الجامعة بين الفرع ~~والأصل وإن كانت مؤثرة فإنما يغلب على الظن الاجتماع لعدم ظهور الفرق ولعل ~~فيه معنى لو ظهر لزالت عنه غلبة الظن ولعدم علة معارضة لتلك العلة فلو ظهر ~~أصل آخر يشهد للفرع بعلة أخرى تناقض العلة الأولى لا تدفع غلبة الظن بل ~~يحصل الظن من صيغ العموم والظواهر بشرط انتفاء قرينة مخصصة لو ظهرت لزال ~~الظن لكن إذا لم تظهر جاز التعويل عليه وذلك لأنه لم يظهر لنا من إجماع ~~الصحابة رضي الله عنهم على الاجتهاد إلا اتباع الرأي الأغلب وإلا فلم ~~يضبطوا أجناس غلبة الظن ولم يميزوا جنسا عن جنس فإن سلمتم حصول الظن بمجرد ~~المناسبة وجب إتباعه # فإن قيل لا نسلم أن هذا ظن بل هو وهم مجرد فإن التحكم محتمل ومناسب آخر ~~لم يظهر لنا محتمل وهذا الذي ظهر محتمل ووهم الإنسان مائل إلى طلب علة وسبب ~~لكل حكم ثم أنه سباق إلى ما ظهر له وقاض بأنه ليس في الوجود إلا ما ظهر له ~~فتقضي نفسه بأنه لا بد من سبب ولا سبب إلا هذا فإذا هو ms489 السبب فقوله لا بد ~~من سبب إن سلمناه ولم ينزل على التحكم ونقول بلا علة ولا سبب فقوله لا سبب ~~إلا هذا تحكم مستنده أنه لم يعلم إلا هذا فجعل عدم علمه بسبب آخر علما بعدم ~~سبب آخر وهو غلط وبمثل هذا الطريق PageV02P310 ~~أبطلتم القول بالمفهوم إذ مستند القائل به أنه لا بد من باعث على التخصيص ~~ولم يظهر لنا باعث سوى اختصاص الحكم فإذا هو الباعث إذ قلتم بما عرفتم أنه ~~لا باعث سواه فلعله بعثه على التخصيص باعث لم يظهر لكم # وهذا كلام واقع في إمكان التعليل بمناسب لا يؤثر ولا يلائم # والجواب: أن هذا استمداد من مأخذ نفاة القياس وهو منقلب في المؤثر ~~والملائم فإن الظن الحاصل به أيضا يقابله احتمال التحكم واحتمال فرق ينقدح ~~واحتمال علة تعارض هذه العلة في الفرع ولا فرق بين هذه الاحتمالات ولولاها ~~لم يكن الإلحاق مظنونا بل مقطوعا كإلحاق الأمة بالعبد وفهم الضرب من ~~التأفيف # وقول القائل أن هذا وهم وليس بظن ليس كذلك فإن الوهم عبارة عن ميل النفس ~~من غير سبب مرجح والظن عبارة عن الميل بسبب ومن بنى أمره في المعاملات ~~الدنيوية على الوهم سفه في عقله ومن بناه على الظن كان معذورا حتى لو تصرف ~~في مال الطفل بالوهم ضمن ولو تصرف بالظن لم يضمن فمن رأى مركب الرئيس على ~~باب دار السلطان فاعتقد أن الرئيس ليس في داره بل في دار السلطان وبنى عليه ~~مصلحته لم يعد متوهما وإن أمكن أن يكون الرئيس قد أعار مركبه أو باعه أو ~~ركبه الركابي في شغل ومن رأى الرئيس أمر غلامه بضرب رجل وكان قد عرف أنه ~~يشتم الرئيس فحمل ضربه على أنه شتمه كان معذورا ومن رأى ماعزا أقر بالزنا ~~ثم رأى النبي عليه السلام قد أمر برجمه فاعتقد أنه أمر برجمه لزناه وروى ~~ذلك كان معذورا ظانا ولم يكن متوهما ومن عرف شخصا بأنه جاسوس ثم رأى ~~السلطان قد أمر بقتله فحمله عليه لم يكن متوهما # فإن ms490 قيل لا بل يكون متوهما فإنه لو عرف من عادة الرئيس أنه يقابل الإساءة ~~بالإحسان ولا يضرب من يشتمه وعرف من عادة الأمير الإغضاء عن الجاسوس إما ~~استهانة بالخصم أو استمالة ثم رآه قتل جاسوسا فحكم بأنه قتله لتجسسه فهو ~~متوهم متحكم أما إذا عرف من عادته ذلك فتكون عادته المطردة علامة PageV02P311 ~~شاهدة لحكم ظنه ووزانه من مسألتنا الملائم الذي التفت الشرع إلى مثله وعرف ~~من عادته ملاحظة عينه أو ملاحظة جنسه وكلامنا في الغريب الذي ليس بملائم ~~ولا مؤثر # والجواب أن ههنا ثلاث مراتب: # إحداها أن يعرف أن من عادة الرئيس الإحسان إلى المسيء ومن عادة الأمير ~~الإغضاء عن الجاسوس فهذا يمنع تعليل الضرب والقتل بالشتم والتجسس ووزانه أن ~~يعلل الحكم بمناسب أعرض الشرع عنه وحكم بنقيض موجبه فهذا لا يعول عليه لأن ~~الشرع كما التفت إلى مصالح فقد أعرض عن مصالح فما أعرض عنه لا يعلل به # والثانية أن يعرف من عادة الرئيس والأمير ضرب الشاتم وقتل الجاسوس فوزانه ~~الملائم وهذا مقبول وفاقا من القائسين # وإنما النظر في رتبة ثالثة وهو :من لم تعرف له عادة أصلا في الشاتم ~~والجاسوس فنحن نعلم أنه لو ضرب وقتل غلب على ظنون العقلاء الحوالة عليه ~~وأنه سلك مسلك المكافأة لأن الجريمة تناسب العقوبة # فإن قيل: لأن أغلب عادة الملوك ذلك والأغلب أن طبائعهم تتقارب # قلنا: فليس في هذا إلا الأخذ بالأغلب وكذلك أغلب عادات الشرع في غير ~~العبادات اتباع المناسبات والمصالح دون التحكمات الجامدة فتنزيل حكمه عليه ~~أغلب على الظن ويبقى أن يقال لعله حكم بمناسب آخر لم يظهر لنا ؟فنقول ما ~~بحثنا عنه بحسب جهدنا فلم نعثر عليه فهو معدوم في حقنا ولم يكلف المجتهد ~~غيره وعليه دلت أقيسة الصحابة والتمسك بالمؤثر والملائم لقول النبي عليه ~~السلام لعمر أرأيت لو تمضمضت معناه لم لم تفهم أن القبلة مقدمة الوقاع ~~والمضمضة مقدمة الشرب فلو قال عمر لعلك عفوت عن المضمضة لخاصية في المضمضة ~~أو لمعنى مناسب لم يظهر لي ولا يتحقق ms491 ذلك في القبلة PageV02P312 ~~لم يقبل منه ذلك وعدم ذلك مجادلة وكذلك قوله أرأيت لو كان على أبيك دين ~~فتقضينه وكذلك كل قياس نقل عن الصحابة # وبالجملة: إذا فتح باب القياس فالضبط بعده غير ممكن لكن يتبع الظن # والظن على مراتب وأقواه المؤثر فإنه لا يعارضه إلا احتمال التعليل بتخصيص المحل # ودونه الملائم # ودونه المناسب الذي لا يلائم وهو أيضا درجات وإن كان على ضعف ولكن يختلف ~~باختلاف قوة المناسبة وربما يورث الظن لبعض المجتهدين في بعض المواضع فلا ~~يقطع ببطلانه # ولا يمكن ضبط درجات المناسبة أصلا بل لكل مسألة ذوق آخر ينبغي أن ينظر ~~فيه المجتهد # وأما المفهوم فلا يبعد أيضا أن يغلب في بعض المواضع على ظن بعض المتجهدين ~~وعند ذلك يعسر الوقوف على أن ذلك الظن حصل بمجرد التخصيص وحده أو به مع ~~قرينة فلا يبعد أن يقال هو مجتهد فيه وليس مقطوعا فإنه ظهر لنا أن صيغة ~~العموم بمجردها إذا تجردت عن القرائن أفادت العموم وليس يفهم ذلك من مجرد ~~لفظ التخصيص وإن كان يمكن انقداحه في النفس في بعض المواضع فليكن ذلك أيضا ~~في محل الاجتهاد # وقد خرج على هذا أن المعنى باعتبار الملاءمة وشهادة الأصل المعين أربعة ~~أقسام : # ملائم يشهد له أصل معين يقبل قطعا عند القائسين، # ومناسب لا يلائم ولا يشهد له أصل معين فلا يقبل قطعا عند القائسين فإنه ~~استحسان ووضع للشرع بالرأي ومثاله حرمان القاتل لو لم يرد فيه نص لمعارضته ~~بنقيض قصده فهذا وضع للشرع بالرأي PageV02P313 ~~ومناسب يشهد له أصل معين لكن لا يلائم فهو في محل الاجتهاد # وملائم لا يشهد له أصل معين وهو الاستدلال المرسل وهو أيضا في محل ~~الاجتهاد وقد ذكرناه في باب الاستصلاح في آخر القطب الثاني وبينا مراتبه # القول في المسالك الفاسدة في إثبات علة الأصل # وهي ثلاثة: # الأول أن نقول الدليل على صحة علة الأصل سلامتها عن علة تعارضها تقتضي ~~نقيض حكمها وسلامتها عن المعارضة دليل صحتها # وهذا فاسد لأنه إن سلم عنه فإنما سلم ms492 عن مفسد واحد فربما لا يسلم عن مفسد ~~آخر وإن سلم عن كل مفسد أيضا لم يدل على صحته كما لو سلم شهادة المجهول عن ~~علة قادحة لا يدل على كونه حجة ما لم تقم بينة معدلة مزيكة فكذلك لا يكفي ~~للصحة انتفاء المفسد بل لا بد من قيام الدليل على الصحة # فإن قيل: دليل صحتها انتفاء المفسد # قلنا لا بل دليل فساده انتفاء المصحح فهذا منقلب ولا فرق بين الكلامين # المسلك الثاني: الاستدلال على صحتها بأطرادها وجريانها في حكمها # وهذا لا معنى له إلا سلامتها عن مفسد واحد وهو النقض فهو كقول القائل PageV02P314 ~~زيد عالم لأنه لا دليل يفسد دعوى العلم ويعارضه أنه جاهل لأنه لا دليل يفسد ~~دعوى الجهل والحق أنه لا يعلم كونه عالما بانتفاء دليل الجهل ولا كونه ~~جاهلا بانتفاء دليل العلم بل يتوقف فيه إلى ظهور الدليل فكذلك الصحة ~~والفساد فإن قيل ثبوت حكمها معها واقترانه بها دليل على كونها علة قلنا ~~غلطتم في قولكم ثبوت حكمها لأن هذه إضافة للحكم لا تثبت إلا بعد قيام ~~الدليل على كونها علة فإذا لم يثبت لم يكن حكمها بل بحال غلبة الظن عليه ~~كان حكم علته واقترن بها والاقتران لا يدل على الإضافة فقد يلزم الخمر لون ~~وطعم يقترن به التحريم ويطرد وينعكس والعلة الشدة واقترانه بما ليس بعلة ~~كاقتران الأحكام بطلوع كوكب وهبوب ريح وبالجملة فنصب العلة مذهب يفتقر إلى ~~دليل كوضع الحكم ولا يكفي في إثبات الحكم أنه لا نقض عليه ولا مفسد له بل ~~لا بد من دليل فكذلك العلة # المسلك الثالث الطرد والعكس : وقد قال قوم الوصف إذا ثبت الحكم معه وزال ~~مع زواله يدل على أنه علة # وهو فاسد لأن الرائحة المخصوصة مقرونة بالشدة في الخمر ويزول التحريم عند ~~زوالها ويتجدد عند تجددها وليس بعلة بل هو مقترن بالعلة وهذا لأن الوجود ~~عند الوجود طرد محض فزيادة العكس لا تؤثر لأن العكس ليس بشرط في العلل ~~الشرعية فلا أثر لوجوده وعدمه ولأن ms493 زواله عند زواله يحتمل أن يكون لملازمته ~~للعلة كالرائحة أو لكونه جزءا من أجزاء العلة أو شرطا من شروطها والحكم ~~ينتفي بانتفاء بعض شروط العلة وبعض أجزائها فإذا تعارضت الاحتمالات فلا ~~معنى للتحكم PageV02P315 ~~وعلى الجملة فنسلم أن ما ثبت الحكم بثبوته فهو علة فكيف إذا انضم إليه أنه ~~زال بزواله أما ما ثبت مع ثبوته وزال مع زواله فلا يلزم كونه علة كالرائحة ~~المخصوصة مع الشدة # أما إذا انضم إليه سبر وتقسيم كان ذلك حجة كما لو قال هذا الحكم لا بد له ~~من علة لأنه حدث بحدوث حادث ولا حادث يمكن أن يعلل به إلا كذا وكذا وقد بطل ~~الكل إلا هذا فهو العلة # ومثل هذا السبر حجة في الطرد المحض وإن لم ينضم إليها العكس # ولا يرد على هذا إلا أنه ربما شذ عنه وصف آخر هو العلة ولا يجب على ~~المجتهد إلا سبر بحسب وسعه ولا يجب على الناظر غير ذلك وعلى من يدعي وصفا ~~رخر إبرازه حتى ينظر فيه # فإن قيل فما معنى إبطالكم التمسك بالطرد والعكس وقد رأيتم تصويب ~~المجتهدين وقد غلب هذا على ظن قوم فإن قلتم لا يجوز لهم الحكم به فمحال إذ ~~ليس على المجتهد إلا الحكم بالظن وإن قلتم لم يغلب PageV02P316 ~~على ظنهم فمحال لأن هذا قد غلب على ظن قوم ولولاه لما حكموا به # قلنا:أجاب القاضي رحمه الله عن هذا بأن قال نعني بإبطاله أنه باطل في ~~حقنا لأنه لم يصح عندنا ولم يغلب على ظننا إما من غلب على ظنه فهو صحيح في حقه # وهذا فيه نظر عندي لأن المجتهد مصيب إذا استوفى النظر وأتمه وأما إذا قضى ~~بسابق الرأي وبادىء الوهم فهو مخطىء فإن سبر وقسم فقد أتم النظر وأصاب أما ~~حكمه قبل السبر والتقسيم بأن ما اقترن بشيء ينبغي أن يكون علة فيه تحكم ~~ووهم إذ تمام دليله أن ما اقترن بشيء فهو علته وهذا قد اقترن به فهو إذا ~~علته والمقدمة الأولى منقوضة بالطم والرم فإذا ms494 كأنه لم ينظر ولم يتمم النظر ~~ولم يعثر على مناسبة العلة ولم يتوصل إليه بالسير والتقسيم ومن كشف له هذا ~~لم يبق له غلبة ظن بالطرد المجرد إلا أن يكون جاهلا ناقص الرتبة عن درجة ~~المجتهدين ومن اجتهد وليس أهلا له فهو مخطىء وليس كذلك عندي المناسب الغريب ~~والاستدلال المرسل فإن ذلك مما يوجب الظن لبعض المجتهدين وليس يقوم فيه ~~دليل قاطع من عرفه محق ظنه بخلاف الطرد المجرد الذي ليس معه سبر وتقسيم # وهذا تمام القول في قياس العلة ولنشرع في قياس الشبه PageV02P317 ### ||| AUTO في قياس الشبه # ... # الباب الثالث في قياس الشبه: # ويتعلق النظر في هذا الباب بثلاثة: # الطراف الطرف الأول في حقيقة الشبه وأمثلته وتفصيل المذاهب فيه وإقامة ~~الدليل على صحته # أما حقيقته فاعلم أن اسم الشبه يطلق على كل قياس فإن الفرع يلحق بالأصل ~~بجامع يشبهه فيه فهو إذا يشبهه وكذلك اسم الطرد لأن الإطراد شرط كل علة جمع ~~فيها بين الفرع والأصل # ومعنى الطرد السلامة عن النقض # لكن العلة الجامعة إن كانت مؤثرة أو مناسبة عرفت بأشرف صفاتها وأقواها ~~وهو التأثير والمناسبة دون الأخس الأعم الذي هو الاطراد والمشابهة فإن لم ~~يكن للعلة خاصية إلا الاطراد الذي هو أعم أوصاف العلل وأضعفها في الدلالة ~~على الصحة خص باسم الطرد لا لاختصاص الاطراد بها لكن لأنه لا خاصية لها ~~سواه فإن انضاف إلى الاطراد زيادة ولم ينته إلى درجة المناسب والمؤثر سمي ~~شبها وتلك الزيادة هي مناسبة الوصف الجامع لعلة الحكم وإن لم يناسب نفس الحكم # بيانه أنا نقدر أن لله تعالى في كل حكم سرا وهو مصلحة مناسبة للحكم وربما ~~لا يطلع على عين تلك المصلحة لكن يطلع على وصف يوهم الاشتمال PageV02P318 ~~على تلك المصلحة ويظن أنه مظنتها وقالبها الذي يتضمنها وإن كنا لا نطلع على ~~عين ذلك السر فالاجتماع في ذلك الوصف الذي يوهم الاجتماع في المصلحة ~~الموجبة للحكم يوجب الاجتماع في الحكم ويتميز عن المناسب بأن المناسب هو ~~الذي يناسب الحكم ويتقاضاه بنفسه كمناسبة ms495 الشدة للتحريم # ويتميز عن الطرد بأن الطرد لا يناسب الحكم ولا المصلحة المتوهمة للحكم بل ~~نعلم إن ذلك الجنس لا يكون مظنة المصالح وقالبها كقول القائل الخل مائع لا ~~تبنى القنطرة على جنسه فلا يزيل النجاسة كالدهن وكأنه علل إزالة النجاسة ~~بالماء بأنه تبنى القنطرة على جنسه واحترز من الماء القليل فإنه وإن كان لا ~~تبنى القنطرة عليه فإنه تبنى على جنسه فهذه علة مطردة لا نقض عليها ليس ~~فيها خصلة سوى الإطراد ونعلم أنه لا يناسب الحكم ولا يناسب العلة التي ~~تقتضي الحكم بالتضمن لها والاشتمال عليها فإنا نعلم أن الماء جعل مزيلا ~~للنجاسة لخاصية وعلة وسبب يعلمه الله تعالى وإن لم نعلمها ونعلم أن بناء ~~القنطرة مما لا يوهم الاشتمال عليها ولا يناسبها # فإذا معنى التشبيه الجمع بين الفرع والأصل بوصف مع الأعتراف بأن ذلك ~~الوصف ليس علة للحكم بخلاف قياس العلة فإنه جمع بما هو علة الحكم # فإن لم يرد الأصوليون بقياس الشبه هذا الجنس فلست أدري ما الذي أرادوا ~~وبم فصلوه عن الطرد المحض وعن المناسب # وعلى الجملة فنحن نريد هذا بالشبه # فعلينا الآن تفهيمه بالأمثلة وإقامة الدليل على صحته # أما أمثلة قياس الشبه فهي كثيرة ولعل جل أقيسة الفقهاء ترجع إليها إذ يعسر PageV02P319 ~~إظهار تأثير العلل بالنص والإجماع والمناسبة المصلحية # المثال الأول: قول أبي حنيفة مسح الرأس لا يتكرر تشبيها له بمسح الخف ~~والتيمم والجامع أنه مسح فلا يستحب فيه التكرار قياسا على التيمم ومسح الخف # ولا مطمع فيما ذكره أبو زيد من تأثير المسح فإنه أورد هذا مثالا للقياس ~~المؤثر وقال ظهر تأثير المسح في التخفيف في الخف والتيمم فهو تعليل بمؤثر # وقد غلط فيه إذ ليس يسلم الشافعي أن الحكم في الأصل معلل بكونه مسحا بل ~~لعله تعبد ولا علة له أو معلل بمعنى آخر مناسب لم يظهر لنا # والنزاع واقع في علة الأصل وهو أن مسح الخف لم لا يستحب تكراره أيقال أنه ~~تعبد لا يعلل أو لأن تكراره يؤدي إلى تمزيق ms496 الخف أو لأنه وظيفة تعبدية ~~تمرينية لا تفيد فائدة الأصل إذ لا نظافة فيه لكن وضع لكيلا تركن النفس إلى ~~الكسل أو لأنه وظيفة على بدل محل الوضوء لا على الأصل # فمن سلم أن العلة المؤثرة في الأصل هي المسح يلزمه فالشافعي يقول أصل ~~يؤدي بالماء فيتكرر كالأعضاء الثلاثة فكأنه يقول هي إحدى الوظائف الأربع في ~~الوضوء فالأشبه التسوية بين الأركان الأربعة ولا يمكن ادعاء التأثير ~~والمناسبة في التعلتين على المذهبين ولا ينكر تأثير كل واحد من الشبهين في ~~تحريك الظن إلى أن يترجح PageV02P320 ~~المثال الثاني: قال الشافعي رحمه الله في مسألة النية طهارتان فكيف يفترقان ~~؟وقد يقال طهارة موجبها في غير محل موجبها فتفتقر إلى النية كالتيمم وهذا ~~يوهم الاجتماع في مناسب هو مأخذ النية وإن لم يطلع على ذلك المناسب # المثال الثالث: تشبيه الأرز والزبيب بالتمر والبر لكونهما مطعومين أو ~~قوتين فإن ذلك إذا قوبل بالتشبيه بكونهما مقدرين أو مكيلين ظهر الفرق إذ ~~يعلم أن الربا ثبت لسر ومصلحة والطعم والقوت وصف ينبىء عن معنى به قوام ~~النفس والأغلب على الظن أن تلك المصلحة في ضمنهما لا في ضمن الكيل الذي هو ~~عبارة عن تقدير الأجسام # المثال الرابع: تعليلنا وجوب الضمان في يد السوم بأنه أخذ لغرض نفسه من ~~غير استحقاق ونعديه إلى يد العارية وتعليل أبي حنيفة بأنه أخذ على جهة ~~الشراء والمأخوذ على جهة الشراء كالمأخوذ على حقيقته ويعديه إلى الرهن فكل ~~واحدة من العلتين ليست مناسبة ولا مؤثرة إذ لم يظهر بالنص أو الإجماع إضافة ~~الحكم إلى هذين الوصفين في غير يد السوم وهو في يد السوم متنازع فيه # المثال الخامس: كقولنا إن قليل أرش الجناية يضرب على العاقلة، PageV02P321 ~~لأنه بدل الجناية على الآدمي كالكثير فإنا نقول ثبت ضرب الدية وضرب أرش ~~اليد والأطراف ونحن لا نعرف معنى مناسبا يوجب الضرب على العاقلة فإنه على ~~خلاف المناسب لكن يظن أن ضابط الحكم الذي تميز به عن الأموال هو أنه بدل ~~الجناية على الآدمي فهو مظنة ms497 المصلحة التي غابت عنا # المثال السادس قولنا في مسألة التبييت أنه صوم مفروض فافتقر إلى التبييت ~~كالقضاء وهم يقولون صوم عين فلا يفتقر إلى التبييت كالتطوع وكأن الشرع رخص ~~في التطوع ومنع من القضاء فظهر لنا أن فاصل الحكم هو الفرضية # فهذا وأمثاله مما يكثر # شبهه ربما ينقدح لبعض المنكرين للشبه في بعض هذه الأمثلة إثبات العلة بتأثير PageV02P322 ~~أو مناسبة أو بالتعرض للفارق وإسقاط أثره فيقول هي مأخذ هذه العلة لا ما ~~ذكرته من الإيهام # فنقول:لا يطرد ذلك في جميع الأمثلة وحيث يطرد فليقدر انتفاء ذلك المأخذ ~~الذي ظهر لهذا الناظر وعند انتفائه يبقى ما ذكرناه من الإيهام وهو كتقديرنا ~~في تمثيل المناسب بإسكار الخمر عدم ورود الإيماء في قوله تعالى {إنما يريد ~~الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء} [المائدة: من الآية91] والمقصود ~~أن المثال ليس مقصودا في نفسه فإن انقدح في بعض الصور معنى زائد على ~~الإيهام المذكور فليقدر انتفاؤه # هذا حقيقة الشبه وأمثلته # إقامة الديل على الوصف الشبهي في آحاد الأقسية: # وأما إقامة الدليل على صحته فهو أن الدليل إما أن يطلب من المناظر أو ~~يطلبه المجتهد من نفسه # والأصل هو المجتهد وهذا الجنس مما يغلب على ظن بعض المجتهدين وما من ~~مجتهد يمارس النظر في مأخذ الأحكام إلا ويجد ذلك من نفسه فمن أثر ذلك في ~~نفسه حتى غلب ذلك على ظنه فهو كالمناسب ولم يكلف إلا غلبة الظن فهو صحيح في ~~حقه ومن لم يغلب ذلك على ظنه فليس له الحكم به وليس معنا دليل قاطع يبطل ~~الاعتماد على هذا الظن بعد حصوله بخلاف الطرد على ما ذكرناه # أما المناظر فلا يمكنه إقامة الدليل على على الخصم المنكر فإنه إن خرج ~~إلى طريق السبر والتقسيم كان ذلك طريقا مستقلا لو ساعد مثله في الطرد لكان ~~دليلا وإذا لم يسبر فطريقه أن يقول هذا يوهم الاجتماع في مأخذ الحكم ويغلب PageV02P323 ~~على الظن والخصم يجاحد إما معاندا جاحدا وإما صادقا من حيث أنه لا يوهم ~~عنده ولا يغلب ms498 على ظنه وإن غلب على ظن خصمه # والمجتهدون الذين أفضى بهم النظر إلى أن هذا الجنس مما يغلب على الظن لا ~~ينبغي أن يصطلحوا في المناظرة على فتح باب المطالبة أصلا كما فعله القدماء ~~من الأصحاب فإنهم لم يفتحوا هذا الباب واكتفوا من العلل بالجمع بين الفرع ~~والأصل بوصف جامع كيف كان وأخرجوا المعترض إلى إفساده بالنقض أو الفرق أو ~~المعارضة لأن إضافة وصف آخر من الأصل إلى ما جعله علة الأصل وإبداء ذلك في ~~معرض قطع الجمع أهون من تكليف إقامة الدليل على كونه مغلبا على الظن فإن ~~ذلك يفتح طريق النظر في أوصاف الأصل والمطالبة تحسم سبيل النظر وترهق إلى ~~ما لا سبيل فيه إلى إرهاق الخصم وإفحامه والجدل شريعة وضعها الجدليون ~~فليضعوها على وجه هو أقرب إلى الاتنفاع # فإن قيل: وضعها كذلك يفتح باب الطرديات المستقبحة وذلك أيضا شنيع # قلنا الطرد الشنيع يمكن إفساده على الفور بطريق أقرب من المطالبة فإنه ~~إذا علل الأصل بوصف مطرد يشمل الفرع فيعارض بوصف مطرد يخص الأصل ولا يشمل ~~الفرع فيكون ذلك معارضة الفاسد بالفاسد وهو مسكت معلوم على الفور # والاصطلاح عليه كما فعله قدماء الأصحاب أولى بل لا سبيل إلى الاصطلاح على ~~غيره لمن يقول بالشبه PageV02P324 ~~فإن لم يستحسن هذا الاصطلاح فليقع الاصطلاح على أن يسير المعلل أوصاف الأصل ~~ويقول لا بد للحكم من مناط وعلامة ضابطة ولا علة ولا مناط إلا كذا وكذا وما ~~ذكرته أولى من غيره أو ما عدا ما ذكرته فهو منقوض وباطل فلا يبقى عليه سؤال ~~إلا أن يقول مناط الحكم في محل النص الاسم أو المعنى الذي يخص المحل كقوله ~~الحكم في البر معلوم باسم البر فلا حاجة إلى علامة أخرى وفي الدراهم ~~والدنانير معلوم بالنقدية التي تخصها أو يقول مناط الحكم وصف آخر لا أذكره ~~ولا يلزمني أن أذكره وعليك تصحيح علة نفسك # وهذا الثاني مجادلة محرمة محظورة إذ يقال له إن لم يظهر لك إلا ما ظهر لي ~~لزمك ما لزمني بحكم ms499 استفراغ الوسع في السبر وإن ظهر لك شيء آخر يلزمك ~~التنبيه عليه بذكره حتى أنظر فيه فأفسده أو أرجح علتي على علتك # فإن قال: هو اسم البر أو النقدية فذلك صحيح مقبول # وعلى المعلل أن يفسد ما ذكره بأن يقول ليس المناط اسم البر بدليل أنه إذا ~~صار دقيقا أو عجينا أو خبزا دام حكم الربا وزال اسم البر فدل أن علامة ~~الحكم أمر يشترط فيه هذه الأحوال من طعم أو قوت أو كيل والقوت لا يشهد له ~~الملح فالطعم الذي يشهد له الملح أولى والكيل ينبىء عن معنى يشعر بتضمن ~~المصالح بخلاف الطعم # فهكذا نأخذ من الترجيح ونتجاذب أطراف الكلام # فإذا الطريق إما اصطلاح القدماء وإما الاكتفاء بالسبر وإما إبطال القول ~~بالشبه رأسا والاكتفاء بالمؤثر الذي دل النص أو الاجماع أو السبر القاطع ~~على كونه مناطا للحكم ويلزم منه أيضا ترك المناسب وإن كان ملائما فكيف إذا ~~كان غريبا فإن للخصم أن يقول إنما غلب على ظنك مناسبته من حيث لم تطلع على ~~مناسبة أظهر وأشد إخالة مما اطلعت عليه وما أنت إلا كمن رأى PageV02P325 ~~إنسانا أعطى فقيرا شيئا فظن أنه أعطاه لفقره لأنه لم يطلع على أنه ابنه ولو ~~اطلع لم يظن ما ظنه وكمن رأى ملكا قتل جاسوسا فظن أنه قتله لذلك ولم يعلم ~~أنه دخل على حريمه وفجر بأهله ولو علم لما ظن ذلك الظن # فإن قبل من المتمسك بالمناسب أن يقول هذا ظني بحسب سبري وجهدي واستفراغ ~~وسعي فليقبل ذلك من المشبه بل من الطارد ويلزم إبداء ما هو أظهر منه حتى ~~يمحق ظنه وهذا تحقيق قياس الشبه وتمثيله ودليله ما تفصيل المذاهب فيه ونقل ~~الأقاويل المختلفة في تفهيمه فقد آثرت الأعراض عنه لقلة فائدته فمن عرف ما ~~ذكرناه لم يخف عليه غور ما سواه ومن طلب الحق من أقاويل الناس دار رأسه ~~وحار عقله وقد استقصيت ذلك في تهذيب الأصول # الطرف الثاني في بيان التدريج في منازل هذه الأقيسة من أعلاها إلى أدناها # وأدناها ms500 الطرد الذي ينبغي أن ينكره كل قائل بالقياس وأعلاها ما في معنى ~~الأصل الذي ينبغي أن يقربه كل منكر للقياس # وبيانه أن القياس أربعة أنواع:المؤثر ثم المناسب ثم الشبه ثم الطرد ~~والمؤثر يعرف كونه مؤثرا بنص أو إجماع أو سبر حاصر # وأعلاها المؤثر وهو ما ظهر تأثيره في الحكم أي الذي عرف إضافة الحكم إليه ~~وجعله مناطا # وهو باعتبار النظر إلى عين العلة وجنسها وعين الحكم وجنسه أربعة:لأنه إما ~~أن يظهر تأثير عينه في عين ذلك الحكم أو تأثير عينه في جنس PageV02P326 ~~ذلك الحكم أو تأثير جنسه في جنس ذلك الحكم أو تأثير جنسه في عين ذلك الحكم # فإن ظهر تأثير عينه في عين ذلك الحكم فهو الدي يقال له أنه في معنى الأصل ~~وهو المقطوع به الذي ربما يعترف به منكرو القياس إذ لا يبقى بين الفرع ~~والأصل مباينة إلا تعدد المحل فإنه إذا ظهر أن عين السكر أثر في تحريم عين ~~الشرب في الخمر والنبيذ ملحق به قطعا وإذا ظهر أن علة الربا في التمر الطعم ~~فالزبيب ملحق به قطعا إذ لا يقى إلا اختلاف عدد الأشخاص التي هي مجازي ~~المعنى ويكون ذلك كظهور أثر الوقاع في إيجاب الكفارة على الأعرابي إذ يكون ~~الهندي والتركي في معناه # الثاني في المرتبة: أن يظهر تأثير عينه في جنس ذلك الحكم لا في عينه ~~كتأثير أخوة الأب والأم في التقديم في الميراث فيقاس عليه ولاية النكاح فإن ~~الولاية ليس هي عين الميراث لكن بينهما مجانسة في الحقيقة فإن هذا حق وذلك حق # فهذا دون الأول لأن المفارقة بين جنس وجنس غير بعيد بخلاف المفارقة بين ~~محل ومحل لا يفترقان أصلا فيما يتوهم أن له مدخلا في التأثير # الثالث في المرتبة: أن يؤثر جنسه في عين ذلك الحكم كإسقاط قضاء الصلاة عن ~~الحائض تعليلا بالجرح والمشقة فإنه ظهر تأثير جنس الحرج في إسقاط قضاء ~~الصلاة كتأثير مشقة السفر في إسقاط قضاء الركعتين الساقطتين بالقصر وهذا هو ~~الذي خصصناه باسم الملائم وخصصنا اسم ms501 المؤثر بما ظهر تأثير عينه # الرابع في المرتبة:ما ظهر تأثير جنسه في جنس ذلك الحكم وهو الذي سميناه PageV02P327 ~~المناسب الغريب لأن الجنس الأعم للمعاني كونها مصلحة والمناسب مصلحة وقد ~~ظهر أثر المصالح في الأحكام إذ عهد من الشرع الالتفات إلى المصالح # فلأجل هذا الاستمداد العام من ملاحظة الشرع جنس المصالح اقتضى ظهور ~~المناسبة تحريك الظن # ولأجل شمة من الالتفات إلى عادة الشرع أيضا أفاد الشبه الظن لأنه عبارة ~~عن أنواع من الصفات عهد من الشرع ضبط الأحكام بجنسها ككون الصيام فرضا في ~~مسألة التبييت وككون الطهارة تعبدا موجبها في غير محل موجبها وكون الواجب ~~بدل الجناية على الآدمي في مسألة ضرب القليل على العاقلة بخلاف بناء ~~القنطرة على الماء وأمثاله من الصفات فإن الشرع لم يلتفت إلى جنسه والمألوف ~~من عادة الشرع هو الذي يعرف مقاصد الشرع والعادة تارة تثبت في جنس وتارة ~~تثبت في عين # ثم للجنسية أيضا مراتب بعضها أعم من بعض وبعضها أخص وإلى العين أقرب فإن ~~أعم أوصاف الأحكام كونه حكما ثم تنقسم إلى تحريم وإيجاب وندب وكراهة ~~والواجب مثلا ينقسم إلى عبادة وغير عبادة والعبادة تنقسم إلى صلاة وغير ~~صلاة والصلاة تنقسم إلى فرض ونفل وما ظهر تأثيره في الفرض أخص مما ظهر ~~تأثيره في الصلاة وما ظهر تأثيره في الصلاة أخص مما ظهر تأثيره في العبادة ~~وما ظهر تأثيره في العبادة أخص مما ظهر في جنس الواجبات وما ظهر في جنس ~~الواجبات أخص مما ظهر في جنس الأحكام وكذلك في جانب المعنى أعم أوصافه أن ~~يكون وصفا تناط الأحكام بجنسه حتى يدخل فيه الأشباه وأخص منه كونه مصلحة ~~حتى يدخل فيه المناسب دون الشبه وأخص منه أن يكون مصلحة خاصة كالردع والزجر ~~أو معنى سد الحاجات أو معنى حفظ العقل بالإحتراز عن المسكوات فليس كل جنس ~~على مرتبة واحدة # فالأشباه أضعفها لأنها لا تعتضد بالعادة المألوفة إلا من حيث أنه من جنس PageV02P328 ~~الأوصاف التي قد يضبط الشرع الأحكام بها # وأقواها المؤثر الذي ظهر أثر ms502 عينه في عين الحكم فإن قياس الثيب الصغيرة ~~على البكر الصغيرة في ولاية التزويج ربما كان أقرب من بعض الوجوه من قياسه ~~على ولاية المال فإن الصغر إن أثر في ولاية المال فولاية البضع جنس آخر ~~فإذا ظهر أثره في حق الابن الصغير في نفس ولاية النكاح ربما كان أقرب من ~~بعض الوجوه من قياسه على ولاية المال فقد عرفت بهذا أن الظن ليس بتحريك ~~والنفس ليست تميل إلا بالالتفات إلى عادة الشرع في التفات الشرع إلى عين ~~ذلك المعنى أو جنسه في عين ذلك الحكم أو جنسه وأن للجنسية درجات متفاوتة في ~~القرب والبعد لا تنحصر فلأجل ذلك تتفاوت درجات الظن # والأعلى مقدم على الأسفل والأقرب مقدم على الأبعد في الجنسية ولكل مسألة ~~ذوق مفرد ينظر فيه المجتهد ومن حاول حصر هذه الأجناس في عدد وضبط فقد كلف ~~نفسه شططا لا تتسع له قوة البشر وما ذكرناه هو النهاية في الإشارة إلى ~~الأجناس ومراتبها وفي مقنع وكفاية # تنبيه آخر على خواص الأقيسة: # إعلم أن المؤثر من خاصيته أن يستغنى عن السبر والحصر فلا يحتاج إلى نفي ~~ما عداه لأنه لو ظهر في الأصل مؤثر آخر لم يطرح بل يجب التعليل بهما فإن ~~الحيض والردة والعدة قد تجتمع على امرأة ويعلل تحريم الوطء بالجميع لأنه قد ~~ظهر تأثير كل واحد على الانفراد بإضافة الشرع التحريم إليه PageV02P329 ~~أما المناسب فلم يثبت إلا بشهادة المناسبة وإثبات الحكم على وفقه فإذا ظهرت ~~مناسبة أخرى انمحقت الشهادة الأولى كما في إعطاء الفقير القريب فإنا لا ~~ندري أنه أعطى للفقر أو للقرابة أو لمجموع الأمرين فلا يتم نظر المجتهد في ~~التعليل بالمناسب ما لم يعتقد نفي مناسب آخر أقوى منه ولم يتوصل بالسبر ~~إليه أما المناظر فينبغي أن يكتفي منه بإظهار المناسبة ولا يطالب بالسبر ~~لأن المناسبة تحرك الظن إلا في حق من اطلع على مناسب آخر فيلزم المعترض ~~إظهاره إن اطلع عليه وإلا فليعترض بطريق آخر # فهذا فرق ما بين المناسب والمؤثر # وأما الشبه ms503 فمن خاصيته أنه يحتاج إلى نوع ضرورة في استنباط مناط الحكم ~~فإن لم تكن ضرورة فقد ذهب ذاهبوان إلى أنه لا يجوز اعتباره وليس هذا بعيدا ~~عندي في أكثر المواضع فإنه إذا أمكن قصر الحكم على المحل وكان المحل ~~المنصوص عليه معرفا بوصف مضبوط فأي حاجة إلى طلب ضابط آخر ليس بمناسب فكان ~~تمام النظر في الشبه بأن يقال لا بد من علامة ولا علامة أولى من هذا فإذا ~~هو العلامة كما تقول الربا جار في الدقيق والعجين فلم ينضبط باسم البر فلا ~~بد من ضابط ولا ضابط أولى من الطعم والضرب على العاقلة ورد في النفس والطرف ~~وفارق المال فلا بد من ضابط ولا ضابط إلا أنه بدل الجناية على الآدمي وهذا ~~يجري في القليل والتطوع يستغني عن التبييت والقضاء لا يستغنى والأداء دائر ~~بينهما ولا بد من فاصل للقسمين والفرضية أولى الفواصل # وهذا بخلاف المناسب فإنه يجذب الظن ويحركه وإن لم يكن إلى طلب العلة ضرورة # فإن قيل: فإذا تحققت الضرورة حتى جاز أن يقال لا بد من علامة وتم السبر ~~حتى لم تظهر علامة إلا الطرد المحض الذي لا يوهم جاز القياس به أيضا فإنه PageV02P330 ~~خاصية تنفي الشبه وإيهام الإشتمال على مخيل ؟! # قلنا: لهذا السؤال قال قائلون لا تشترط هذه الضرورة في الشبه كما في ~~المناسب فإن شرطناه فيكاد لا يبقى بين الشبه والطرد من حيث الذات فرق لكن ~~من حيث الإضافة إلى القرب والبعد فإن جعلنا الطرد عبارة عما بعد عن ذات ~~الشيء كبناء القنطرة فيقضي بادىء الرأي ببطلانه لأنه يظهر سواه على البديهة ~~صفات هي أحرى بتضمن حكم المصلحة فيه فيكون فساده لظهور ما هو أقرب منه لا لذاته # وعلى الجملة:فمهما ظهر الأقرب والأخص أمحق الظن الحاصل بالأبعد وقد يكون ~~ظهور الأقرب بديهيا لا يحتاج إلى تأمل فيصير بطلان الأبعد بديهيا فيظن أنه ~~لذاته وإنما هو لانمحاق الظن به من حيث وجد ما هو أقرب # وقد بينا أن ضبط هذا الجنس بالضوابط الكلية عسير بل ms504 للمجتهد في كل مسألة ~~ذوق يختص بها فلنفوض ذلك إلى رأي المجتهد وإنما القدر الذي قطعنا به في ~~إبطال الطرد أن مجرد كون الحكم مع الوصف لا يحرك الظن للتعليل به ما لم ~~يستمد من شمة إخالة أو مناسبة أو إيهام مناسبة أو سبر وحصر مع ضرورة طلب ~~مناط وقد ينطوي الذهن على معنى تلك الضرورة والسبر وإن لم يشعر صاحبه بشعور ~~نفسه به فإن الشعور بالشيء غير الشعور بالشعور فلو قدر تجرده عن هذا الشعور ~~لم يحرك ظن عاقل أصلا PageV02P331 ~~الطرف الثالث في بيان ما يظن أنه من الشبه المختلف فيه وليس منه # وهي ثلاثة أقسام: # الأول: ما عرف منه مناط الحكم قطعا وافتقر إلى تحقيق المناط # مثاله طلب الشبه في جزاء الصيد وبه فسر بعض الأصوليين الشبه # وهذا خطأ لأن صحة ذلك مقطوع به لأنه قال {فجزاء مثل ما قتل من النعم } ~~[المائدة: من الآية95]،فعلم أن المطلوب هو المثل وليس في النعم ما يماثل ~~الصيد من كل وجه فعلم أن المراد به الأشبه الأمثل فوجب طلبه كما أوجب الشرع ~~مهر المثل وقيمة المثل وكفاية المثل في الأقارب ولا سبيل إلا المقايسة ~~بينها وبين نساء العشيرة وبين شخص القريب المكفى في السن والحال والشخص ~~وبين سائر الأشخاص لتعرف الكفاية فذلك مقطوع به فكيف يمثل به الشبه المختلف ~~فيه الذي يصعب الدليل على إثباته ؟! # القسم الثاني: ما عرف منه مناط الحكم ثم اجتمع مناطان متعارضان في موضع ~~واحد فيجب ترجيح أحد المناطين ضرورة فلا يكون ذلك من الشبه # مثاله أن بدل المال غير مقدر وبدل النفس مقدر والعبد نفس كالحر ومال ~~كالفرس فأما أن يقدر بدله أو لا يقدر فتارة يشبه بالفرس وتارة بالحر PageV02P332 ~~وذلك يظهر في ترجيح أحد المعنيين على الآخر وقد ظهر كون المعنيين من مناط ~~الحكم وإنما المشكل من الشبه جعل الوصف الذي لا يناسب مناطا مع أن الحكم لم ~~يضف إليه وههنا بالاتفاق الحكم ينضاف إلى هذين المناطين # القسم الثالث: ما لم يوجد فيه كل مناط ms505 على الكمال لكن تركبت الواقعة من ~~مناطين وليس يتمحض أحدهما فيحكم فيه بالأغلب # مثاله أن اللعان مركب من الشهادة واليمين وليس بيمين محض لأن يمين المدعي ~~لا تقبل والملاعن مدع وليس بشهادة لأن الشاهد يشهد لغيره وهو إنما يشهد ~~لنفسه وفي اللعان لفظ اليمين والشهادة فإذا كان العبد من أهل اليمين لا من ~~أهل الشهادة وتردد في أنه هل هو من أهل اللعان وبان لنا غلبة إحدى ~~الشائبتين فلا ينبغي أن يختلف في أن الحكم به واجب وليس من الشبه المختلف فيه # وكذلك الظهار: لفظ محرم وهو كلمة زور فيدور بين القذف والطلاق وزكاة ~~الفطر تتردد بين المؤنة والقربة والكفارة تتردد بين العبادة والعقوبة وفي ~~مشابههما فإذا تناقض حكم الشائبتين ولا يمكن إخلاء الواقعة عن أحد الحكمين ~~وظهر دليل على غلبة إحدى الشائبتين ولم يظهر معنى مناسب في الطرفين فينبغي ~~أن يحكم بالأغلب الأشبه # وهذا أشبه هذه الأقسام الثلاثة بمأخذ الشبه فإنا نظن أن العبد ممنوع من ~~الشهادة لسر فيه مصلحة وممكن من اليمين لمصلحة وأشكل الأمر في اللعان PageV02P333 ~~وبان أن إحدى الشائبتين أغلب فيكون الأغلب على ظننا بقاء تلك المصلحة ~~المودعة تحت المعنى الأغلب # فإن قيل:وبم يعلم غلبة أحد المعنيين ؟ # قلنا تارة بالبحث عن حقيقة الذات وتارة بالأحكام وكثرتها وتارة بقوة بعض ~~الأحكام وخاصيته في الدلالة وهو مجال نظر المجتهدين وإنما يتولى بيانه ~~الفقيه دون الأصولي # والغرض أنه إذا سلم أن أحد المناطين أغلب وجب الاعتراق بالحكم بموجبه ~~لأنه إما أن يخلى عن أحد الحكمين المتناقضين وهو محال أو يحكم بالمغلوب أو ~~بالغالب فيتيعين الحكم بالغالب فيكيف يلحق هذا بالشبه المشكل المختلف فيه ؟ # نعم لو دار الفرع بين أصلين وأشبه أحدهما في وصف ليس مناطا وأشبه الآخر ~~في وصفين ليسا مناطين فهذا من قبيل الحكم بالشبه والإلحاق بالأشبه # والأمر فيه إلى المجتهد:فإن غلب على ظنه أن المشاركة في الوصفين توهم ~~المشاركة في المصلحة المجهولة عنده التي هي مناط الحكم عند الله تعالى وكان ~~ذلك أغلب في نفسه من مشاركة ms506 الأصل الآخر الذي لم يشبهه إلا في صفة واحدة ~~فحكم هنا بظنه فهذا من قبيل الحكم بالشبه # أما كل وصف ظهر كونه مناطا للحكم فاتباعه من قبيل قياس العلة لا من قبيل ~~قياس الشبه هذا ما أردنا ذكره في قياس الشبه . # وكان القول فيه من تتمة الباب الثاني لأنه نظر في طريق إثبات علة الأصل ~~لكنا أفردناه بباب لكيلا يطول الكلام في الباب الأول # وإذا فرغنا من طريق إثبات العلل فلا بد من بيان أركان القياس وشروطه بعد ذلك PageV02P334 ### ||| AUTO في أركان القياس وشروط كل ركن # ... # الباب الرابع في أركان القياس وشروط كل ركن # وأركانه أربعة:الأصل والفرع والعلة والحكم فلنميز القول في شرط كل ركن ~~ليكون أقرب إلى الضبط: # الركن الأول وهو الأصل # وله شروط ثمانية : # الشرط الأول: أن يكون حكم الأصل ثابتا فإنه إن أمكن توجيه المنع عليه لم ~~ينتفع به الناظر ولا المناظر قبل إقامة الدليل على ثبوته # الثاني: أن يكون الحكم ثابتا بطريق سمعي شرعي إذ ما ثبت بطريق عقلي أو ~~لغوي لم يكن حكما شرعيا والحكم اللغوي والعقلي لا يثبت قياسا عندنا كما ~~ذكرناه في كتاب أساس القياس # الثالث: أن يكون الطريق الذي به عرف كون المستنبط من الأصل علة سمعا لأن ~~كون الوصف علة حكم شرعي ووضع شرعي # الرابع: أن لا يكون الأصل فرعا لأصل آخر بل يكون ثبوت الحكم فيه بنص أو ~~إجماع فلا معنى لقياس الذرة على الأزر ثم قياس الأرز على البر لأن الوصف ~~الجامع إن كان موجودا في الأصل الأول كالطعم مثلا فتطويل الطريق عبث إذ ~~ليست الذرة بأن تجعل فرعا للأرز أولى من عكسه وإن لم يكن موجودا في الأصل ~~فبم يعرف كون الجامع علة وإنما يعرف كون الشبه والمناسب علة بشهادة الحكم ~~وإثباته على وفق المعنى فإذا لم يكن الحكم منصوصا عليه أو مجمعا عليه لم ~~يصح لأن يستدل به على ملاحظة المعنى المقرون به لأن ذلك يؤدي في قياس PageV02P335 ~~الشبه إلى أن يشبه بالفرع الثالث رابع وبالرابع خامس ms507 فينتهي الأخير إلى حد ~~لا يشبه الأول كما لو التقط حصاة وطلب ما يشبهها ثم طلب ما يشبه الثانية ثم ~~طلب ما يشبه الثالثة ثم ينتهي بالآخرة إلى أن لا يشبه العاشر الأول لأن ~~الفروق الدقيقة تجتمع فتظهر المفارقة # فإن قيل:فأي فائدة لفرض المناظر الكلام في بعض الصور # قلنا: للفرض محلان # أحدهما: أن يعم السائل بسؤاله جملة من الصور فيخصص المناظر بعض الصور إذ ~~يساعده فيه خبر أو دليل خاص أو يندفع فيه بعض شبه الخصم # الثاني : أن تبني فرعا على فرع آخر وهو ممتنع على الناظر المجتهد لما ~~ذكرناه أما قبوله من المناظر فإنه ينبني على اصطلاح الجدليين فالجدل شريعة ~~وضعها المتناظرون ونظرنا في المجتهد وهو لا ينتفع بذلك # وموافقة الخصم على الفرع لا تنفع ولا تجعله أصلا إذ الخطأ ممكن على ~~الخصمين إلا أن يكون ذلك إجماعا مطلقا فيصير أصلا مستقلا # الخامس: أن يكون دليل إثبات العلة في الأصل مخصوصا بالأصل لا يعم PageV02P336 ~~الفرع مثاله: أنه لو قال: السفرجل مطعوم فيجري فيه الربا قياسا على البر ثم ~~استدل على إثبات كون الطعم علة بقوله عليه السلام لا تبيعوا الطعام بالطعام ~~أو قال فضل القاتل القتيل بفضيلة الإسلام فلا يقتل به كما لو قتل المسلم ~~المعاهد ثم استند في إثبات علته إلى قوله صلى الله عليه وسلم :"لا يقتل ~~مؤمن بكافر" فهذا قياس منصوص على منصوص وهو كقياس البر على الشعير والدراهم ~~على الدنانير # السادس: قال قوم شرط الأصل أن يقوم دليل بجواز القياس عليه . # وقال قوم: بل أن يقوم دليل على وجوب تعليله . # وهذا كلام مختل لا أصل له فإن الصحابة حيث قاسوا لفظ الحرام على الظهار ~~أو الطلاق أو اليمين لم يقم دليل عندهم على وجوب تعليل أو جوازه لكن الحق ~~أنه إن القدح فيه معنى مخيل غلب على الظن اتباعه وترك الالتفات إلى المحل ~~الخاص وإن كان الوصف من قبيل الشبه كالطعم الذي يناسب فيحتمل أن يقال لولا ~~ضرورة جريان الربا في الدقيق والعجين وامتناع ضبط ms508 الحكم باسم البر لما وجب ~~استنباط الطعم فهذا له وجه وقد ذكرناه وإن لم يرد به هذا فلا وجه له PageV02P337 ~~السابع: أن لا يتغير حكم الأصل بالتعليل ومعناه ما ذكرناه من أن العلة إذا ~~عكرت على الأصل بالتخصيص فلا تقبل كما ذكرناه في كتاب التأويل في مسألة ~~الأبدال وقد بينا أن المعنى إن كان سابقا إلى الفهم جاز أن يكون قرينة ~~مخصصة للعموم أما المستنبط بالتأمل ففيه نظر # الثامن: أن لا يكون الأصل معدولا به عن سنن القياس فإن الخارج عن القياس ~~لا يقاس عليه غيره # وهذا مما أطلق ويحتاج إلى تفصيل فنقول : # قاعدة : الخارج عن القياس لا يقاس عليه: # قد اشتهر في ألسنة الفقهاء أن الخارج عن القياس لا يقاس عليه غيره . # ويطلق اسم الخارج عن القياس على أربعة أقسام مختلفة: # فإن ذلك يطلق على ما استثنى من قاعدة عامة . # وتارة على ما استفتح ابتداء من قاعدة مقررة بنفسها لم تقطع من أصل سابق. PageV02P338 # وكل واحد من المستثنى والمستفتح ينقسم إلى ما يعقل معناه وإلى ما لا يعقل ~~معناه فهي أربعة أقسام: # الأول: الخصائص # ما استثنى عن قاعدة عامة وخصص بالحكم ولا يعقل معنى التخصيص فلا يقاس ~~عليه غيره لأنه فهم ثبوت الحكم في محله على الخصوص وفي القياس إبطال الخصوص ~~المعلوم بالنص # ولا سبيل إلى إبطال النص بالقياس بيانه ما فهم من تخصيص النبي عليه ~~السلام واستثناؤه في تسع نسوة وفي نكاح امرأة على سبيل الهبة من غير مهر ~~وفي تخصيصه بصفي المغنم وما ثبت من تخصيصه خزيمة بقبول شهادته وحده وتخصيصه ~~أبا بردة في العناق أنها تجزىء عنه في الضحية فهذا لا يقاس عليه لأنه لم ~~يرد ورود النسخ للقاعدة السابقة بل ورود الاستثناء مع إبقاء القاعدة فكيف ~~يقاس عليه ؟! # وكونه خاصية لمن ورد في حقه:تارة يعلم وتارة يظن فالمظنون كاختصاص قوله ~~لا تخمروا رأسه ولا تقربوه طيبا فإنه يحشر يوم القيامة ملبيا وقوله في ~~شهداء أحد زملوهم بكلومهم ودمائهم فقال أبو حنيفة لا ترفع به قاعدة ms509 الغسل ~~في حق المحرمين والشهداء لأن اللفظ خاص ويحتمل أن يكو الحكم خاصا لاطلاعه ~~عليه السلام على إخلاصهم في العبادة ونحن لا نطلع على موت غيرهم على ~~الإسلام فضلا عن موتهم على الإحرام والشهادة # ولما قال للأعرابي الذي واقع أهله في نهار رمضان تصدق به على أهل بيتك ~~ولم يقر الكفارة في ذمته عند عجزه وجعل الشبق عجزا عن الصوم قال أكثر ~~العلماء هو خاصية وقال صاحب التقريب يلتحق به من يساويه في الشبق والعجز # ومن جعله خاصية استند فيه إلى أنه لو فتح هذا الباب فيلزم مثله في كفارة PageV02P339 ~~المظاهر وسائر الكفارات ونص القرآن دليل على أنهم لا ينفكون عن واجب وإن ~~اختلفت أحوالهم في العجز فحمله على الخاصية أهون من هدم القواعد المعلومة. # القسم الثاني: ما استثنى عن قاعدة سابقة ويتطرق إلى استثنائه معنى فهذا ~~يقاس عليه كل مسألة دارت بين المستثنى والمستبقى وشارك المستثنى في علة ~~الاستثناء مثاله:استثناء العرايا فإنه لم يرد ناسخا لقاعدة الربا ولا هادما ~~لها لكن استثني للحاجة فنقيس العنب على الرطب لأنا نراه في معناه # وكذلك:إيجاب صاع من تمر في لبن المصراة لم يردها دما لضمان المثليات ~~بالمثل لكن لما اختلط اللبن الحادث بالكائن في الضرع عند البيع ولا سبيل ~~إلى التمييز ولا إلى معرفة القدر وكان متعلقا بمطعوم يقرب الأمر فيه خلص ~~الشارع المتبايعين من ورطة الجهل بالتقدير بصاع من تمر فلا جرم نقول لورد ~~المصراة بعيب آخر لا بعيب التصرية فيضمن اللبن أيضا بصاع وهو نوع الحاق وإن ~~كان في معنى الأصل # ولولا أنا نشم منه رائحة المعنى لم نتجاسر على الإلحاق فإنه لما فرق في ~~بول الصبيان بين الذكور والإناث وقال يغسل من بول الصبية ويرش على بول ~~الغلام ولم ينقدح فيه معنى لم يقس عليه الفرق في حق البهائم بين ذكورها ~~وإناثها # وكذلك حكم الشرع ببقاء صوم الناسي على خلاف قياس المأمورات قالأبو حنيفة ~~لا نقيس عليه كلام الناسي في الصلاة ولا أكل المكره والمخطىء في المضمضة ~~ولكن قال ms510 جماع الناسي في معناه لأن الإفطار باب واحد # والشافعي قال: الصوم من جملة المأمورات بمعناه إذا افتقر إلى النية ~~والتحق بأركان العبادات وهو من جملة المنهيات في نفسه وحقيقته إذ ليس فيه ~~إلا ترك يتصور من النائم جميع النهار فإسقاط الشرع عهدة الناسي ترجيح ~~لنزوعه إلى PageV02P340 ~~المنهيات فنقيس عليه كلام الناسي ونقيس عليه المكره والمخطىء على قول # القسم الثالث: القاعدة المستقلة المستفتحة التي لا يعقل معناها فلا يقاس ~~عليها غيرها لعدم العلة فيسمى خارجا عن القياس تجوزا إذ معناه أنه ليس ~~منقاسا لأنه لم يسبق عموم قياس ولا استثناء حتى يسمى المستثنى خارجا عن ~~القياس بعد دخوله فيه ومثاله المقدرات في أعداد الركعات ونصب الزكوات ~~ومقادير الحدود والكفارات وجميع التحكمات المبتدأة التي لا ينقدح فيها معنى ~~فلا يقاس عليها غيرها لأنها لا تعقل علتها # القسم الرابع: في القواعد المبتدأة العديمة النظير لا يقاس عليها مع أنه ~~يعقل معناها لأنه لا يوجد لها نظير خارج مما تناوله النص والإجماع # والمانع من القياس فقد العلة في غير المنصوص فكأنه معلل بعلة قاصرة # ومثاله: رخص السفر في القصر والمسح على الخفين ورخصة المضطر في أكل ~~الميتة وضرب الدية على العاقلة وتعلق الأرش برقبة العبد وإيجاب غرة الجنين ~~والشفعة في العقار وخاصية الإجارة والنكاح وحكم اللعان والقسامة وغير ذلك ~~من نظائرها فإن هذه القواعد متباينة المأخذ فلا يجوز أن يقال بعضها خارج عن ~~قياس البعض بل لكل واحد من هذه القواعد معنى منفرد به لايوجد له نظير فيه ~~فليس البعض بأن يوضع أصلا ويجعل PageV02P341 ~~الآخر خارجا عن قياسه بأولى من عكسه ولا ينظر فيه إلى كثرة العدد وقلته # وتحقيقه : أنا نعلم أنه إنما جوز المسح على الخف لعسر النزع ومسيس الحاجة ~~إلى استصحابه فلا نقيس عليه العمامة والقفازين وما لا يستر جميع القدم لا ~~لأنه خارج عن القياس لكن لأنه لا يوجد ما يساويه في الحاجة وعسر النزع ~~وعموم الوقوع # وكذلك رخصة السفر: لا شك في ثبوتها بالمشقة ولا يقاس عليها مشقة أخرى ~~لأنها ms511 لا يشاركها غيرها في جملة معانيها ومصالحها لأن المرض يحوج إلى الجمع ~~لا إلى القصر وقد يقضي في حقه بالرد من القيام إلى القعود ولما ساواه في ~~حاجة الفطر سوى الشرع بينهما # وكذلك قولهم: تناول الميتة رخصة خارجة عن القياس غلط لأنه إن أريد به أنه ~~لا يقاس عليه غير المضطر فلأنه ليس في معناه وإلا فلنقس الخمر على الميتة ~~والمكره على المضطر فهو منقاس # وكذلك بداءة الشرع بإيمان المدعي في القسامة لشرف أمر الدم ولخاصية لا ~~يوجد مثلها في غيره ولأنه عديم النظير فلا يقاس عليه وأقرب شيء إليه البضع ~~وقد ورد تصديق المدعي باللعان على ما يليق به PageV02P342 ~~وكذلك ضرب الدية على العاقلة فإن ذلك حكم الجاهلية قرره الشرع لكثرة وقوع ~~الخطأ وشدة الحاجة إلى ممارسة السلاح ولا نظير له في غير الدية وهذا مما يكثر # فبهذا يعرف أن قول الفقهاء:تأقت الإجارة خارج عن قياس البيع والنكاح خطأ ~~كقولهم تأبد البيع والنكاح خارج عن قياس الإجارة وتأقت المساقاة خارج عن ~~تأبد القراض بل تأبد القراض خارج عن قياس تأقت المسافاة # فإذا هذه الأقسام الأربعة لا بد من فهمها وبفهم بيانها يحصل الوقوف على ~~سر هذا الأصل . # الركن الثاني للقياس: الفرع # وله خمسة شروط # الشرط الأول: أن تكون علة الأصل موجودة في الفرع فإن تعدي الحكم فرع تعدي ~~العلة فإن كان وجودها في الفرع غير مقطوع به لكنه مظنون صح الحكم # وقال قوم: لا يجوز ذلك لأن مشاركته للأصل في العلة لم تعلم وإنما PageV02P343 ~~المعلوم بالقياس أن الحكم يتبع العلة ولا يقتصر على المحل أما إذا وقع الشك ~~في العلة فلا يلحق # وهذا ضعيف،لأنه إذا ثبت أن النجاسة هي علة بطلان البيع في جلد الميتة ~~قسنا عليه الكلب إذا ثبت عندنا نجاسة الكلب بدليل مظنون وكذلك قد يكون علة ~~الكفارة العصيان ويدرك تحقيقه في بعض الصور بدليل ظني فإذا ثبت التحق ~~بالأصل وكذلك الماء الكثير إذا تغير بالنجاسة فطرح فيه التراب فإن كان ~~التراب ساترا كالزعفران لم تزل النجاسة ms512 وإن كان مبطلا كهبوب الريح وطول ~~المدة زالت النجاسة وربما يعرف ذلك بدليل ظني فالظن كالعلم في هذه الأبواب # الشرط الثاني: أن لا يتقدم الفرع في الثبوت على الأصل ومثاله قياس الوضوء ~~على التيمم في النية والتيمم متأخر وهذا فيه نظر، لأنه إذا كان بطريق ~~الدلالة فالدليل يجوز أن يتأخر عن المدلول فإن حدوث العالم دل على الصانع ~~القديم وإن كان بطريق التعليل فلا يستقيم لأن الحكم يحدث بحدوث العلة فكيف ~~يتأخر عن المعلول ؟ # لكن يمكن العدول إلى طريق الاستدلال فإن إثبات الشرع الحكم في التيمم على ~~وفق العلة يشهد لكونه ملحوظا بعين الاعتبار وإن كان للعلة دليل آخر سوى ~~التيمم فلا يكون التيمم وحده دليلا لعلة الوضوء السابق # الشرط الثالث : أن لا يفارق حكم الفرع حكم الأصل في جنسية ولا في زيادة ~~ولا نقصان فإن القياس عبارة عن تعدية حكم من محل إلى محل فكيف يختلف ~~بالتعدية وليس من شكل القياس قول القائل بلغ رأس المال أقصى مراتب الأعيان ~~فليبلغ المسلم PageV02P344 ~~فيه أقصى مراتب الديون قياسا لأحد العوضين على الآخر لأن هذا إلحاق فرع ~~بأصل في إثبات خلاف حكمه # الرابع: أن يكون الحكم في الفرع مما ثبتت حملته بالنص وإن لم يثبت تفصيله ~~وهذا ذكره أبو هاشم وقال لولا أن الشرع ورد بميراث الجد جملة لما نظرت ~~الصحابة في توريث الجد مع الأخوة # وهذا فاسد،لأنهم قاسوا قوله أنت علي حرام على الظهار والطلاق واليمين ولم ~~يكن قد ورد فيه حكم لا على العموم ولا على الخصوص بل الكم إذا ثبت في الأصل ~~بعلة تعدي بتعدي العلة كيفما كان # الخامس : أن لا يكون الفرع منصوصا عليه فإنه إنما يطلب الحكم بقياس أصل ~~آخر فيما لا نص فيه # فإن قيل:فلم قستم كفارة الظهار على كفارة القتل في الرقبة المؤمنة ~~والظهار أيضا منصوص عليه واسم الرقبة يشمل الكافرة # قلنا: اسم الرقبة ليس نصا في إجزاء الكافرة لكنه ظاهر فيه كما في المعيبة ~~وعلة اشتراط الأيمان في كفارة القتل عرفنا تخصيص عموم آية ms513 الظهار فخرج عن ~~أن يكون أجزاء الكافرة منصوصا عليه فطلبنا حكمه بالقياس لذلك PageV02P345 ~~الركن الثالث الحكم : # وشرطه أن يكون حكما شرعيا لم يتعبد فيه بالعلم وبيانه بمسائل : # مسألة : لا قياس في اللغويات والعقليات الحكم العقلي والاسم اللغوي لا ~~يثبت بالقياس: # فلا يجوز إثبات اسم الخمر للنبيذ الزنا للواط والسرقة للنبش والخليط ~~للجار بالقياس لأن العرب تسمي الخمر إذا حمضت خلا لحموضته ولا تجريه في كل ~~حامض وتسمي الفرس أدهم لسواده ولا تجريه في كل أسود وتسمي القطع في الآنف ~~جدعا ولا تطرده في غيره # وهذه المسألة قد قدمناها فلا نعيدها # وكذلك لا يعرف كون المكره قاتلا والشاهد قاتلا والشريك قاتلا بالقياس بل ~~يتعرف حد القتل بالبحث العقلي وكذلك غاصب الماشية هل هو غاصب للنتاج؟ ~~والمستولي على العقار هل هو غاصب للغلة ؟فهذه مباحث عقلية تعرف بصناعة ~~الجدل نعم يجوز أن يقال ألحق الشرع الشريك بالمنفرد بالقتل حكما فنقيس عليه ~~الشريك في القطع والحق المكره بالقاتل فنقيس عليه الشاهد إذا رجع وذلك ~~إلحاق من ليس قائلا بالقاتل في الحكم # مسألة لا قياس في الأمور التعبدية ما تعبد فيه بالعلم لا يجوز إثباته ~~بالقياس: # كمن يريد إثبات خبر الواحد بالقياس على قبول الشهادة ولذلك أورد في PageV02P346 ~~مثال هذا الباب إثبات صلاة سادسة أو صوم شوال أنه لا يثبت بالقياس لأن مثل ~~هذه الأصول ينبغي أن تكون معلومة # وهذا فيه نظر إذ يمكن أن يقال إن الوتر صلاة سادسة وقد وقع الخلاف في ~~وجوبها فلم يشترط أن تكون السادسة معلومة الوجوب على القطع؟بل سبب بطلان ~~هذا القياس علمنا ببطلانه لأنه لو وجب صوم شوال وصلاة سادسة لكانت العادة ~~تحيل أن لا يتواتر أو لأنا لا نجد أصلا نقيسه عليه فإنه لا يمكن قياس شوال ~~على رمضان إذ لم يثبت لنا أن وجوب صوم رمضان لأنه شهر من الشهور أو وقت من ~~الأوقات أو لو صف يشاركه فيه شوال حتى يقاس عليه # مسألة: قياس الدلالة وقياس العلة : # اختلفوا في أن النفي الأصلي هل يعرف ms514 بالقياس وأعني بالنفي الأصلي البقاء ~~على ما كان قبل ورود الشرع # والمختار أنه يجري فيه قياس الدلالة لا قياس العلة # وقياس الدلالة أن يستبدل بانتفاء الحكم عن الشيء على انتفائه عن مثله ~~ويكون ذلك ضم دليل إلى دليل وإلا فهو باستصحاب موجب العقل النافي للأحكام ~~قبل ورود الشرع مستغن عن الاستدلال بالنظر # أما قياس العلة فلا يجري لأن الصلاة السادسة وصوم شوال انتفى وجوبهما ~~لأنه لا موجب لهما كما كان قبل ورود الشرع وليس ذلك حكما حادثا سمعيا حتى ~~تطلب له علة شرعية بل ليس ذلك من أحكام الشرع بل هو نفي لحكم الشرع ولا علة ~~له إنما العلة لما يتجدد فحدوث العالم له سبب وهو إرادة الصانع أما عدمه في ~~الأزل فلم تكن له علة إذ لو أحيل على إرادة الله تعالى لوجب أن ينقلب ~~موجودا لو قدرنا عدم المريد والإرادة كما أن الإرادة لو قدر انتفاؤها ~~لانتفى وجود العالم في وقت حدوثه فإذا لم يكن الانتفاء الأصلي حكما شرعيا ~~على لتحقيق لم يثبت بعلة سمعية PageV02P347 ~~أما النفي الطارىء كبراءة الذمة عن الدين فهو حكم شرعي يفتقر إلى علة فيجري ~~فيه قياس العلة # مسألة: قياس الحكم المعلل : # كل حكم شرعي أمكن تعليله فالقياس جار فيه # وحكم الشرع نوعان:أحدهما:نفس الحكم والثاني نصب أسباب الحكم فلله تعالى ~~في إيجاب الرجم والقطع على الزاني والسارق حكمان أحدهما إيجاب الرجم والآخر ~~نصب الزنا سببا لوجوب الرجم فيقال وجب الرجم في الزنا لعلة كذا وتلك العلة ~~موجودة في اللواط فنجعله سببا وإن كان لا يسمى زنا # وأنكر أبو زيد الدبوسي هذا النوع من التعليل وقال الحكم يتبع السبب دون ~~حكمة السبب وإنما الحكمة ثمرة وليست بعلة فلا يجوز أن يقال جعل القتل سببا ~~للقصاص للزجر والردع فينبغي أن يجب القصاص على شهود القصاص لمسيس الحاجة ~~إلى الزجر وإن لم يتحقق القتل # وهذا فاسد # والبرهان القاطع على أن هذا الحكم شرعي أعني نصب الأسباب لإيجاب الأحكام ~~فيمكن أن تعقل علته ويمكن أن يتعدى إلى سبب ms515 آخر فإن اعترفوا بإمكان معرفة ~~العلة وإمكان تعديته ثم توقفوا عن التعدية كانوا متحكمين بالفرق بين حكم ~~وحكم كمن يقول يجري القياس في حكم الضمان لا في القصاص وفي البيع لا في ~~النكاح وإن ادعوا الإحالة فمن أين عرفوا استحالته أبضرورة أو نظر ولا بد من ~~بيانه كيف ونحن نبين إمكانه بالأمثلة ؟ PageV02P348 # فإن قيل: الإمكان مسلم في العقل لكنه غير واقع لأنه لا يلفي للأسباب علة ~~مستقيمة تتعدى. # فنقول: الآن قد ارتفع النزاع الأصولي إذ لا ذاهب إلى تجويز القياس حيث لا ~~تعقل العلة أو لا تتعدى وهم قد ساعدوا على جواز القياس حيث أمكن معرفة ~~العلة وتعديتها فارتفع الخلاف # الجواب الثاني: هو أنا نذكر إمكان القياس في الأسباب على منهجين : # المنهج الأول: ما لقبناه بتنقيح مناط الحكم فنقول قياسنا اللائط والنباش ~~على الزاني والسارق مع الاعتراق بخروج النباش واللائط عن اسم الزاني ~~والسارق كقياسكم الأكل على الجماع في كفارة الفطر مع أن الأكل لا يسمى ~~وقاعا وقد قال الأعرابي واقعت في نهار رمضان # فإن قيل: ليس هذا قياسا فإنا نعرف بالبحث أن الكفارة ليست كفارة الجماع ~~بل كفارة الإفطار # قلنا: وكذلك نقول ليس الحد حد الزنا بل حد إيلاج الفرج في الفرج المحرم ~~قطعا المشتهى طبعا والقطع قطع أخذ مال محرز لا شبهة للأخذ فيه # فإن قيل: إنما القياس أن يقال علق الحكم بالزنا لعلة كذا وهي موجودة في ~~غير الزنا وعلقت الكفارة بالوقاع لعلة كذا وهي موجودة في الأكل كما ~~يقال:أثبت التحريم في الخمر لعلة الشدة وهي موجودة في النبيذ ونحن في ~~الكفارة نبين أنه لم يثبت الحكم للجماع ولم يتعلق به فنتعرف محل الحكم ~~الوارد شرعا أنه أين ورد وكيف ورد وليس هذا قياسا فإن استمر لكم مثل هذا في ~~اللائط والنباش فنحن لا ننازع فيه. قلنا:فهذا الطريق جار لنا في اللائط ~~والنباش بلا فرق وهو نوع إلحاق لغير المنصوص بالمنصوص بفهم العلة التي هي ~~مناط الحكم فيرجع النزاع إلى الاسم # المنهج الثاني: هو أنا نقول:إذا انفتح ms516 باب المنهج الأول تعدينا إلى إيقاع ~~الحكم والتعليل بها فإنا لسنا نعني بالحكمة إلا المصلحة المخيلة المناسبة ~~كقولنا في PageV02P349 ~~قوله عليه السلام : "لا يقض القاضي وهو غضبان" إنه إنما جعل الغضب سبب ~~المنع لأنه يدهش العقل ويمنع من استيفاء الفكر وذلك موجود في الجوع المفرط ~~والعطش المفرط والألم المبرح فنقيسه عليه وكقولنا أن الصبي يولي عليه لحكمة ~~وهي عجزه عن النظر لنفسه فليس الصبا سبب الولاية لذاته بل لهذه الحكمة ~~فننصب الجنون سببا قياسا على الصغر # والدليل على جواز مثل ذلك اتفاق عمر وعلي رضي الله عنهما على جواز قتل ~~الجماعة بالواحد والشرع إنما أوجب القتل على القاتل والشريك ليس بقاتل على ~~الكمال لكنهم قالوا إنما اقتص من القاتل لأجل الزجر وعصمة الدماء وهذا ~~المعنى يقتضي إلحاق المشارك بالمنفرد # ونزيد على هذا القياس ونقول: هذه الحكمة جريانها في الأطراف كجريانها في ~~النفوس فيصان الطرف في القصاص عن المشارك كما يصان عن المنفرد وكذلك نقول ~~يجب القصاص بالجارح لحكمة الزجر وعصمة الدماء فالمثقل في معنى الجارح ~~بالإضافة إلى هذه العلة فهذه تعليلات معقولة في هذه الأسباب لا فرق بينها ~~وبين تعليل تحريم الخمر بالشدة وتعليل ولاية الصغر بالعجز ومنع الحكم بالغضب # فإن قيل:المانع منه أن الزجر حكمة وهي ثمرة وإنما تحصل بعد القصاص وتتأخر ~~عنه فكيف تكون علة وجوب القصاص ؟بل علة وجوب القصاص القتل # قلنا: مسلم أن علة وجوب القصاص القتل لكن علة كون القتل علة للقصاص ~~الحاجة إلى الزجر والحاجة إلى الزجر هي العلة دون نفس الزجر والحاجة سابقة ~~وحصول الزجر هو المتأخر إذ يقال خرج الأمير عن البلد للقاء زيد ولقاء زيد ~~يقع بعد خروجه ولكن تكون الحاجة إلى اللقاء علة باعثة على الخروج سابقة ~~عليه وإنما المتأخر نفس اللقاء فكذلك الحاجة إلى عصمة الدماء هي الباعثة ~~للشرع على جعل القتل سببا للقصاص والشريك في هذا المعنى يساوي PageV02P350 ~~المنفرد والمثقل يساوي الجارح فألحق به قياسا # مسألة: قياس الحدود والكفارات # نقل عن قوم أن القياس لا يجري في الكفارات ms517 والحدود # وما قدمناه يبين فساد هذا الكلام # فإن إلحاق الأكل بالجماع قياس وإلحاق النباش بالسارق قياس # فإن زعموا أن ذلك تنقيح لمناط الحكم لا استنباط للمناط فما ذكروه حق ~~والانصاف يقتضي مساعدتهم إذ فسروا كلامهم بهذا فيجب الاعتراف بأن الجاري في ~~الكفارات والحدود بل وفي سائر أسباب الأحكام المنهج الأول في الإلحاق دون ~~المنهج الثاني وأن المنهج الثاني يرجع إلى تنقيح مناط الحكم وهو المنهج ~~الأول فإنا إذا ألحقنا المجنون بالصبي بان لنا أن الصبا لم يكن مناط ~~الولاية بل أمر أعم منه وهو فقد عقل التدبير وإذا ألحقنا PageV02P351 ~~الجوع بالغضب بان لنا أن الغضب لم يكن مناطا بل أمر أعم منه وهو ما يدهش ~~العقل عن النظر # وعند هذا يظهر الفرق للمنصف بين تعليل الحكم وتعليل السبب فإن تعليل ~~الحكم تعدية الحكم عن محله وتقريره في محله فإنا نقول حرم الشرع شرب الخمر ~~والخمر محل الحكم ونحن نطلب مناط الحكم وعلته فإذا تبينت لنا الشدة عديناها ~~إلى النبيذ فضممنا النبيذ إلى الخمر في التحريم ولم نغير من أمر الخمر شيئا ~~أما ههنا إذا قلنا علق الشرع الرجم بالزنا لعلة كذا فيلحق به غير الزنا ~~يناقض آخر الكلام أوله لأن الزنا إن كان مناطا من حيث أنه زنا فإذا ألحقنا ~~به ما ليس بزنا فقد أخرجنا الزنا عن كونه مناطا فكيف يعلل كونه مناطا بما ~~يخرجه عن كونه مناطا والتعليل تقرير لا تغيير # ومن ضرورة تعليل الأسباب تغييرها فإنك إذا اعترفت بكونه سببا ثم أثبت ذلك ~~الحكم بعينه عند فقد ذلك السبب فقد نقضت قولك الأول أنه سبب فإنا إذا ~~ألحقنا الأكل بالجماع بان لنا بالآخرة أن الجماع لم يكن هو السبب بل معنى ~~أعم منه وهو الإفطار # وإنما كان يكون هذا تعليلا لو بقي الجماع مناطا وانضم إليه مناط آخر ~~يشاركه في العلة كما بقي الخمر محلا للتحريم وانضم إليه محل آخر وهو النبيذ ~~فلم يخرج المحل الذي طلبنا علة حكمه عن كونه محلا لكن انضم إليه محل آخر ms518 ~~وهو الأكل وذلك محال بل الحاق الأكل يخرج وصف الجماع عن كونه مناطا ويوجب ~~حذفه عن درجة الاعتبار ويوجب إضافة الحكم إلى معنى آخر حتى يصير وصف الجماع ~~حشوا زائدا وكذلك يصير وصف الزنا حشوا زائدا ويعود الأمر إلى أن مناط الرجم ~~وصف زائد لأن مناط الرجم أمر أعم من الزنا وهو إيلاج فرج في فرج حرام PageV02P352 ~~فإذا مهما فسر مذهبهم على هذا الوجه اقتضى الانصاف المساعدة والله أعلم # الركن الرابع العلة : # ويجوز أن تكون العلة حكما كقولنا بطل بيع الخمر لأن حرم الانتفاع به ~~ولأنه نجس وغلط من قال أن الحكم أيضا يحتاج إلى علة فلا يعلل به # ويجوز أن يكون وصفا محسوسا عارضا كالشدة أو لازما كالطعم والنقدية والصغر ~~أو من أفعال المكلفين كالقتل والسرقة أو وصفا مجردا أو مركبا من أوصاف ولا ~~فرق بين أن يكون نفيا أو إثباتا # ويجوز أن يكون مناسبا وغير مناسب أو متضمنا لمصلحة مناسبة # ويجوز أن لا تكون العلة موجودة في محل الحكم كتحريم نكاح الأمة بعلة رق الولد # وتفارق العلة الشرعية في بعض هذه المعاني العلة العقلية على ما بينا في ~~كتاب التهذيب ولم نر فيه فائدة لأن العلة العقلية مما لا نراها أصلا فلا ~~معنى لقولهم العلم علة كون العالم عالما لا كون الذات عالمة ولا أن ~~العالمية حال وراء قيام العلم بالذات فلا وجه لهذا عندنا في المعقولات بل ~~لا معنى لكونه عالما إلا قيام العلم بذاته # وأما الفقهيات فمعنى العلة فيها العلامة وسائر الأقسام التي ذكرناها يجوز ~~أن ينصبها الشارع علامة PageV02P353 ~~فالذي نتعرض له في هذا الركن كيفية إضافة الحكم إلى العلة ويتهذب ذلك ~~بالنظر في أربع مسائل: # إحداها: تخلف الحكم عن العلة مع وجودها وهو الملقب بالنقض والتخصيص # والثانية: وجود الحكم دون العلة وهو الملقب بالعكس وتعليل الحكم بعلتين # والثالثة: أن الحكم في محل النص يضاف إلى النص أو إلى العلة # وعنه تتشعب الرابعة وهي العلة القاصرة # مسألة : تخصيص العلة الله تبارك وتعالى رضي الله عنهن الرب ms519 عز وجل : # اختلفوا في تخصيص العلة ومعناه أن فقد الحكم مع وجود العلة يبين فساد ~~العلة وانتفاضها أو يبقيها علة ولكن يخصصها بما وراء موقعها # فقال قوم: إنه ينقض العلة ويفسدها ويبين أنها لم تكن علة إذ لو كانت ~~لاطردت ووجد الحكم حيث وجدت وقال قوم تبقى علة فيما وراء النقض وتخلف الحكم ~~عنها يخصصها كتخلف حكم العموم فإنه يخصص العموم بما وراءه # وقال قوم: إن كانت العلة مستنبطة مظنونة انتقضت وفسدت وإن كانت منصوصا ~~عليها تخصصت ولم تنتقض # وسبيل كشف الغطاء عن الحق أن نقول تخلف الحكم عن العلة يعرض على ثلاثة أوجه: # الأول : أن يعرض في صوب جريان العلة ما يمنع اطرادها وهو الذي يسمى نقضا ~~وهو ينقسم إلى ما يعلم أنه ورد مستثنى عن القياس وإلى ما لا يظهر ذلك منه : PageV02P354 # فما ظهر أنه ورد مستثنى عن القياس مع استبقاء القياس فلا يرد نقضا على ~~القياس ولا يفسد العلة بل يخصصها بما وراء المستثنى فتكون علة في غير محل ~~الاستثناء ولا فرق بين أن يرد ذلك على علة مقطوعة أو مظنونة . # مثال الوارد على العلة المقطوعة إيجاب صاع من التمر في لبن المصراة فإن ~~علة إيجاب المثل في المثليات المتلفة تماثل الأجزاء والشرع لم ينقض هذه ~~العلة إذ عليها تعويلنا في الضمانات لكن استثنى هذه الصورة فهذا الاستثناء ~~لا يبين للمجتهد فساد هذه العلة # ولا ينبغي أن يكلف المناظر الاحتراز عنه حتى يقول في علته تماثل أجزاء في ~~غير المصراة فيقتضي إيجاب المثل لأن هذا تكليف قبيح # وكذلك صدور الجناية من الشخص علة وجوب الغرامة عليه فورود الضرب على ~~العاقلة لم ينقض هذه العلة ولم يفسد هذا القياس لكن استثنى هذه الصورة ~~فتخصصت العلة بما وراءها . # ومثال ما يرد على العلة المظنونة: # مسألة العرايا فإنها لا تنقض التعليل بالطعم إذ فهم أن ذلك استثناء لرخصة ~~الحاجة ولم يرد ورود النسخ للربا ودليل كونه مستثنى أنه يرد على علة الكيل ~~وعلى كل علة # وكذلك إذا قلنا:عبادة مفروضة فتفتقر ms520 إلى تعيين النية لم تنتقض بالحج فإنه ~~ورد على خلاف قياس العبادات لأنه لو أهل بإهلال زيد صح ولا يعهد مثله في ~~العبادات # أما إذا لم يرد مورد الاستثناء فلا يخلو إما أن يرد على العلة المنصوصة ~~أو على المظنونة: PageV02P355 # فإن ورد على المنصوصة فلا يتصور هذا إلا بأن ينعطف منه قيد على العلة ~~ويتبين أن ما ذكرناه لم يكن تمام العلة # ومثاله: قولنا: خارح فينقض الطهارة أخذا من قوله الوضوء مما خرج ثم بأن ~~أنه لم يتوضأ من الحجامة فعلمنا أن العلة بتمامها لم يذكرها وأن العلة خارج ~~من المخرج المعتاد فكان ما ذكرناه بعض العلة . # فالعلة إن كانت منصوصة ولم يرد النقض مورد الاستثناء لم يتصور إلا كذلك # فإن لم تكن كذلك فيجب تأويل التعليل إذ قد يرد بصيغة التعليل ما لا يراد ~~به التعليل لذلك الحكم فقوله تعالى {يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين} ~~[الحشر: من الآية2]ثم قال :{ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله} [الحشر: من ~~الآية4] وليس كل من يشاقق الله يخرب بيته فتكون العلة منقوضة ولا يمكن أن ~~يقال إنه علة في حقهم خاصة لأن هذا يعد تهافتا في الكلام بل نقول تبين بآخر ~~الكلام أن الحكم المعلل ليس هو نفس الخراب بل استحقاق الخراب خرب أو لم ~~يخرب أو نقول ليس الخراب معلولا بهذه العلة لكونه خرابا بل لكونه عذابا وكل ~~من شاق الله وسوله فهو معذب إما بخراب البيت أو غيره فإن لم يتكلف مثل هذا ~~كان الكلام منتقضا # أما إذا ورد على العلة المظنونة لا في معرض الاستثناء وانقدح جواب عن محل ~~النقض من طريق الإخالة أن كانت العلة مخيلة أو من طريق الشبه إن كانت شبها ~~فهذا بين أن ما ذكرناه أولا لم يكن تمام العلة وانعطف قيد على العلة من ~~مسألة النقض به يندفع النقص PageV02P356 ~~أما إذا كانت العلة مخيلة ولم ينقدح جواب مناسب وأمكن أن يكون النقض دليلا ~~على فساد العلة وأمكن أن يكون معرفا اختصاص العلة بمجراها بوصف من قبيل ms521 ~~الأوصاف الشبيهة يفصلها عن غير مجراها فهذا: الاحتراز عنه مهم في الجدل ~~للمتناظرين لكن المجتهد الناظر ماذا عليه أن يعتقد في هذه العلة الانتقاض ~~والفساد أو التخصيص ؟هذا عندي في محل الاجتهاد ويتبع كل مجتهد ما غلب على ظنه # ومثاله قولنا: صوم رمضان يفتقر إلى النية لأن النية لا تنعطف على ما مضى ~~وصوم جميع النهار واجب وأنه لا يتجزأ فينتقض هذا بالتطوع فإنه لا يصح إلا ~~بنية ولا يتجزأ على المذهب الصحيح ولا مبالاة بمذهب من يقول إنه صائم بعض ~~النهار فيحتمل أن ينقدح عند المجتهد فساد هذه العلة بسبب التطوع ويحتمل أن ~~ينقدح له أن التطوع ورد مستثنى رخصة لتكثير النوافل فإن الشرع قد سامح في ~~النفل بما لم يسامح به في الفرض . # فالمخيل الذي ذكرناه يستعمل في الفرض ويكون وصف الفرضية فاصلا بين مجرى ~~العلة وموقعها ويكون ذلك وصفا شبيها اعتبر في استعمال المخيل وتميز مجراه ~~عن موقعه ومن أنكر قياس الشبه جوز الاحتراز عن النقض بمثل هذا الوصف الشبهي ~~فأكثر العلل المخيلة خصص الشرع اعتبارها بمواضع لا ينقدح في تعيين المحل ~~معنى مناسب على مذاق أصل العلة وهذا التردد إنما ينقدح في معنى مؤثرة ~~بالاتفاق من قولنا إن كل اليوم واجب وإن النية عزم لا ينعطف على الماضي وأن ~~الصوم لا يصح إلا بنية # فإن كانت العلة مناسبة بحيث تفتقر إلى أصل يستشهد به فإنما يشهد لصحتها PageV02P357 ~~ثبوت الحكم في موضع آخر على وفقه فتنتقض هذه الشهادة بتخلف الحكم عنه في ~~موضع آخر فإن إثبات الحكم على وفق المعنى إن دل على التفات الشرع فقطع ~~الحكم أيضا يدل على إعراض الشرع وقول القائل أنا أتبعه إلا في محل إعراض ~~الشرع بالنص ليس هو أولى ممن قال أعرض عنه إلا في محل اعتبار الشرع إياه ~~بالتنصيص على الحكم # وعلى الجملة:يجوز أن يصرح الشرع بتخصيص العلة واستثناء صورة حكم عنها ~~ولكن إذا لم يصرح واحتمل نفي الحكم مع وجود العلة احتمل أن يكون لفساد ~~العلة واحتمل أن يكون ms522 لتخصيص العلة # فإن كانت العلة قطعية كان تنزيلها على التخصيص أولى من التنزيل على نسخ ~~العلة وإن كانت العلة مظنونة ولا مستند للظن إلا إثبات الحجم في موضع على ~~وفقها فينقطع هذا الظن بإعراض الشرع عن اتباعها في موضع آخر وإن كانت ~~مستقلة مؤثرة كما ذكرناه في مسألة تبييت النية كان ذلك في محل الاجتهاد # الوجه الثاني لانتفاء حكم العلة: أن ينتفي لا لخلل في نفس العلة لكن ~~يندفع الحكم عنه بمعارضة علة أخرى دافعة # مثاله قولنا: إن علة رق الولد ملك الأم ثم المغرور بحرية جارية ينعقد ~~ولده حرا وقد وجد رق الأم وانتفى الولد لكن هذا انعدام بطريق الاندفاع لعلة ~~دافعة مع كمال العلة المرقة بدليل أن الغرم يجب على المغرور ولولا أن الرق ~~في حكم الحاصل المندفع لما وجبت قيمة الولد # فهذا النمط لا يرد نقضا على المناظر ولا يبين لنظر المجتهد فسادا في ~~العلة لأن الحكم ههنا كأنه حاصل تقديرا PageV02P358 ~~الوجه الثالث: أن يكون النقض مائلا عن صوب جريان العلة ويكون تخلف الحكم لا ~~لخلل في ركن العلة لكن لعدم مصادفتها محلها أو شرطها أو أهلها كقولنا ~~السرقة علة القطع وقد وجدت في النباش فليجب القطع فقيل يبطل بسرقة ما دون ~~النصاب وسرقة الصبي والسرقة من غير الحرز ونقول البيع علة الملك وقد جرى ~~فليثبت الملك في زمان الخيار فقيل هذا باطل ببيع المستولدة والموقوف ~~والمرهون وأمثال ذلك # فهذا جنس لا يلتفت إليه المجتهد لأن نظره في تحقيق العلة دون شرطها ~~ومحلها فهو مائل عن صوب نظره # أما المناظر فهل يلزمه الاحتراز عنه أو يقبل منه العذر بأن هذا منحرف عن ~~مقصد النظر وليس عليه البحث عن المحل والشرط هذا مما اختلف الجدليون فيه ~~والخطب فيه يسير فالجدل شريعة وضعها الجدليون وإليهم وضعها كيف شاؤوا وتكلف ~~الاحتراز أجمع لنشر الكلام وذلك بأن يقول بيع صدر من أهله وصادف محله وجمع ~~شرطه فيفيد الملك ويقول سرق نصابا كاملا من حرز لا شبهة له فيه فيفيد القطع # مايعرف ms523 به أن المسألة المستثناة ليست ناقضة للعلة # فإن قيل: فقد ذكرتم أن النقض إذا ورد على صوب جريان العلة وكان مستثنى عن ~~القياس لم يقبل فبم يعرف الاستثناء وما من معلل يرد عليه نقض إلا وهو يدعي ذلك؟ # قلنا: أما المجتهد فلا يعاند نفسه فيتبع فيه موجب ظنه # وأما المناظر فلا يقبل ذلك منه إلا أن يبين اضطرار الخصم إلى الاعتراف بأنه PageV02P359 ~~على خلاف قياسه أيضا فإن قياس أبي حنيفة في الحاجة إلى تعيين النية يوجب ~~افتقار الحج إلى التعيين فهو خارج عن قياسه أيضا فإن أمكنه إبراز قياس سوى ~~مسألة النقض على قياس نفسه كانت علته المطردة أولى من علته المنقوضة ولم ~~تقبل دعوى المعلل أنه خارج عن القياس # هل العلة موجودة في الصورة المستثناةى ترخيصا ؟ # فإن قيل: فحيث أوردتم مسألة المصراة مثالا فهل تقولون إن العلة موجودة في ~~مسألة المصراة وهي تماثل الأجزاء لكن اندفع الحكم بمانع النص كما تقولون في ~~مسألة المغرور بحرية الولد ؟ # قلنا: لا لأن التماثل ليس علة لذاته بل يجعل الشرع إياه علامة على الحكم ~~فحيث لم يثبت الحكم لم يجعله علامة فلم يكن علة كما أنا لا نقول الشدة ~~الموجودة قبل تحريم الخمر كانت علة لكن لم يرتب الشرع عليها الحكم بل ما ~~صارت علة إلا حيث جعلها الشرع علة وما جعلها علة إلا بعد نسخ إباحة الشرب ~~فكذلك التماثل ليس علة في مسألة المصراة بخلاف مسألة المغرور فإن الحكم فيه ~~ثابت تقديرا وكأنه ثبت ثم اندفع فهو في حكم المنقطع لا في حكم الممتنع # ولو نصب شبكة ثم مات فتعقل بها صيد لقضى منه ديونه ويستحقه ورثته لأن نصب ~~الشبكة سبب ملك الناصب للصيد ولكن الموت حالة تعقل الصيد دفع الملك فتلقاه ~~الوارث وهو في حكم الثابت للميت المنتقل إلى الوارث فليفهم دقيقة الفرق بينهما # هل يجب عن التخصيص وةوالنقض في كل علة ؟ # فإن قيل: إ ذا لم يكن التماثل علة في المصراة فقد انعطف به قيد على ~~التماثل أفتقولون العلة في ms524 غير المصراة التماثل المطلق أو تماثل مضاف إلى ~~غير المصراة فإن قلتم هو مطلق التماثل ومجرده فهو محال لأنه موجود PageV02P360 ~~في المصراة ولا حكم وإن قلتم هو تماثل مضاف فليجب على المعلل الاحتراز فإنه ~~إذا ذكر التماثل المطلق فقد ذكر بعض العلة إذ ليست العلة مجرد التماثل بل ~~التماثل مع قيد الإضافة إلى غير المصراة وعند هذا يكون انتفاء الحكم في ~~مسألة المصراة لعدم العلة فلا يكون نقضا للعلة ولا تخصيصا فإذا قال القائل ~~اقتلوا زيدا لسواده اقتضى ظاهره قتل كل أسود فلو ظهر بنص قاطع أنه ليس يقتل ~~إلا زيد فقد بان أن العلة لم تكن السواد المطلق بل سواد زيد وسواد زيد لا ~~يوجد إلا في زيد فإن لم يقتل غيره فلعدم العلة لا لخصوص العلة ولا ~~لانتقاضها ولا لاستثنائها عن العلة # والجواب: أن هذا منشأ تخبط الناس في هذه المسألة وسبب غموضها أنهم تكلموا ~~في تسمية مطلق التماثل علة قبل معرفة حد العلة وأن العلة الشرعية تسمى علة ~~أي اعتبار # وقد أطلق الناس اسم العلة باعتبارات مختلفة ولم يشعروا بها ثم تنازعوا في ~~تسمية مثل هذا علة وفي تسمية مجرد السبب علة دون المحل والشرط # من اين استعير اسم وأثر ذلك على المناظرة في القياس: # فنقول: اسم العلة مستعار في العلامات الشرعية وقد استعاروها من ثلاثة ~~مواضع على أوجه مختلفة : الأول : الاستعارة من العلة العقلية وهو عبارة عما ~~يوجب الحكم لذاته PageV02P361 ~~فعلى هذا لا يسمى التماثل علة لأنه بمجرده لا يوجب الحكم ولا يسمى السواد ~~علة بل سواد زيد ولا تسمى الشدة المجردة علة لأنه بمجرده لا يوجب الحكم بل ~~شدة في زمان . # الثاني: الاستعارة من البواعث فإن الباعث على الفعل يسمى علة الفعل فمن ~~أعطى فقيرا فيقال أعطاه لفقره فلو علل به ثم منع فقيرا آخر فقيل له لم لم ~~تعطه وهو فقير ؟فيقول لأنه عدوي ومنع فقيرا ثالثا وقال لأنه معتزلي فلذلك ~~لم أعطه فمن تغلب على طبعه عجرفة الكلام وجدله فقد يقول أخطأ في ms525 تعليلك ~~الأول فكان من حقك أن تقول أعطيته لأنه فقير وليس عدوا ولا هو معتزلي ومن ~~بقي على الاستقامة التي يقتضيها أصل الفطرة وطبع المحاورة لم يستبعد ذلك ~~ولم يعده متناقضا وجوز أن يقول أعطيته لأنه فقير لأن باعثه هو الفقر وقد لا ~~يحضره عند الإعطاء العداوة والاعتزال ولا انتفاؤهما ولو كانا جزأين من ~~الباعث لم ينبعث إلا عند حضورهما في ذهنه وقد انبعث ولم يخطر بباله إلا ~~مجرد الفقر # فمن جوز تسمية الباعث علة فيجوز أن يسمى مجرد التماثل علة لأنه الذي ~~يبعثنا على إيجاب المثل في ضمانه وإن لم يخطر ببالنا إضافنه إلى غير ~~المصراة فإنه قد لا تحضرنا مسألة المصراة أصلا في تلك الحالة # المأخذ الثالث : لاسم العلة علة المريض وما يظهر المرض عنده كالبرودة ~~فإنها علة المرض مثلا والمرض يظهر عقيب غلبة البرودة وإن كان لا يحصل بمجرد ~~البرودة بل ربما ينضاف إليها من المزاج الأصلي أمور مثلا PageV02P362 ~~كالبياض لكن انضاف المرض إلى البرودة الحادثة وكما ينضاف الهلاك إلى اللطم ~~الذي تحصل التردية به في البئر وإن كان مجرد اللطم لا يهلك دون البئر لكن ~~يحال بالحكم على اللطم لا على التردية التي ظهر بها الهلاك دون ما تقدم # وبهذا الاعتبار سمى الفقهاء الأسباب عللا فقالوا :علة القصاص القتل وعلة ~~القطع السرقة ولم يلتفوا إلى المحل والشرط # فعلى هذا المأخذ أيضا يجوز أن يسمى التماثل المطلق علة # وإذا عرف هذا المأخذ فمن قال :مجرد التماثل هل هو علة فيقال له ما الذي ~~تفهم من العلة ؟وما الدي تعني بها ؟فإن عنيت بها الموجب للحكم فهذا بمجرده ~~لا يوجب فلا يكون علة # وهذا هو اللائق بمن غلب طبع الكلام ولهذا أنكر الأستاذ أبو إسحق تخصيص ~~العلة وإن كانت منصوصة وقال يصير التخصيص قيدا مضموما إلى العلة ويكون ~~المجموع هو العلة وانتفاء الحكم عند انتفاء المجموع وفاء بالعلة وليس بنقص لها PageV02P363 ~~وإن عنيت به الباعث أو ما يظهر الحكم به عند الناظر وإن غفل عن غيره فيجوز ~~تسميته ms526 علة # هذا حكم النظر في التسمية في حق المجتهد # أما الاحتراز في الجدل فهو تابع للاصطلاح ويقبح أن يكلف الاحتراز فيه ~~فيقول تماثل في غير المصراة وشدة في غير ابتداء الإسلام وما يجري مجراه # إن أخذت العلة الشرعية من العقلية فهل بين ركنها ومحلها وشرطها فرق ؟: # وأعلم أن العلة إن أخذت من العلة العقلية لم يكن للفرق بين المحل والعلة ~~والشرط معنى بل العلة المجموع والمحل والأهل وصف من أوصاف العلة ولا فرق ~~بين الجميع لأن العلة هي العلامة وإنما العلامة جملة الأوصاف والإضافات # نعم لا ينكر ترجيح البعض على البعض في أحكام الضمان وغيرها إذ يحال ~~الضمان على المردي دون الحافر وإن كان الهلاك لا يتم إلا بهما لنوع من ~~الترجيح وكذلك لا ينكرون أن تعجيل الزكاة قبل الحول لا يدل على تعجيل ~~الزكاة قبل تمام النصاب وإن كان كل واحد لا بد منه لكن ربما لا ينقدح ~~للمجتهد التسوية بين جميع أجزاء العلة ويراها متفاوتة في مناسبة الحكم # ولا يمتنع أيضا الاصطلاح على التعبير عن البعض بالمحل وعن البعض بركن ~~العلة وهذا فيه كلام طويل ذكرناه في كتاب شفاء الغليل ولم نورده ههنا لأنها ~~مباحث فقهية قد استوفيناها في الفقه فلا نطول الأصول بها # مسألة: تعليل الحكم بعلتين: # اختلفوا في تعليل الحكم بعلتين والصحيح عندنا جوازه لأن العلة الشرعية ~~علامة ولا يمتنع نصب علامتين على شيء واحد وإنما يمتنع هذا في العلل ~~العقلية # ودليل جوازه وقوعه فإن من لمس ومس وبال في وقت واحد ينتقض PageV02P364 ~~وضوؤه ولا يحال على واحد من هذه الأسباب ومن أرضعته زوجة أخيك وأختك أيضا ~~أو جمع لبنهما وانتهى إلى حلق المرضع في لحظة واحدة حرمت عليك لأنك خالها ~~وعمها والنكاح فعل واحد وتحريمه حكم واحد ولا يمكن أن يحال على الخؤولة دون ~~العمومة أو بعكسه ولا يمكن أن يقال هما تحريمان وحكمان بل التحريم له حد ~~واحد وحقيقة واحدة ويستحيل اجتماع مثلين # نعم لو فرض رضاع ونسب فيجوز أن يرجح النسب لقوته أو ms527 اجتمع ردة وعدة وحيض ~~فيحرم الوطء فيجوز أن يتوهم تعديد التحريمات ولو قتل وارتد فيجوز أن يقال ~~المستحق قتلان ولو قتل شخصين فكذلك ولو باع حرا بشرط خيار مجهول ربما قيل ~~علة البطلان الحرية دون الخيار فهذه أوهام ربما تنقدح في بعض المواضع وإنما ~~فرضناه في اللمس والمس والخؤولة والعمومة لدفع هذه الخيالات فدل هذا على ~~إمكان نصب علامتين على حكم واحد وعلى وقوعه أيضا # فإن قيل فإذا قاس المعلل على أصل بعلة فذكر المعترض علة أخرى في الأصل ~~بطل قياس المعلل وإن أمكن الجمع بين علتين فلم يقبل هذا الاعتراض ؟ # فنقول:إنما يبطل به استشهاده بالأصل إن كانت علته ثابتة بطريق المناسبة ~~المجردة دون التأثير أو بطريق العلامة الشبيهة أما إن كان بطريق التأثير ~~أعني ما دل النص أو الإجماع على كونه علة فاقتران علة أخرى بها لا يفسدها ~~كالبول والمس والخؤولة والعمومة في الرضاع إذ دل الشرع على أن كل واحد من ~~المعنيين علة على حيالها . # أما إذا كان إثباته بشهادة الحكم والمناسبة انقطع الظن بظهور علة أخرى مثاله PageV02P365 ~~إن من أعطى إنسانا فوجدناه فقيرا ظننا أنه أعطاه لفقره وعللناه به وإن ~~وجدناه قريبا عللنا بالقرابة فإن ظهر لنا الفقر بعد القرابة أمكن أن يكون ~~الإعطاء للفقر لا للقرابة أو يكون لاجتماع الأمرين فيزول ذلك الظن لأن تمام ~~ذلك الظن بالسبر وهو أنه لا بد من باعث على العطاء ولا باعث إلا الفقر فإذا ~~هو الباعث أو لا باعث إلا القرابة فإذا هو الباعث فإذا ظهرت علة أخرى بطلت ~~إحدى مقدمتي السبر وهو أنه لا باعث إلا كذا # وكذلك عتقت بريرة تحت عبد فخيرها النبي عليه السلام فيقول أبو حنيفة ~~خيرها لملكها نفسها ولزوال قهر الرق عنها فإنها كانت مقهورة في النكاح وهذا ~~مناسب فيبني عليه تخييرها وإن عتقت تحت حر # فقلنا: العلة خيرها لتضررها بالمقام تحت عبد ولا يجري ذلك في الحر فكيف ~~يلحق به وإمكان هذا يقدح في الظن الأول فإنه لا دليل له عليه إلا المناسبة ms528 ~~ودفع الضرر أيضا مناسب وليست الحوالة على ذلك أولى من هذا إلا أن يظهر ~~ترجيح لأحد المعنيين # وأما مثال العلامة الشبهية فعلة الربا فإنه لم يذهب أحد إلى الجمع بين ~~القوت والطعم والكيل على أن كل واحد علة لأنه لم يقم دليل من جهة النص ~~والاجماع بل طريقة إظهار الضرورة في طلب علامة ضابطة مميزة مجرى الحكم عن ~~موقعه إذ جرى الربا في الخبز والعجين مع زوال اسم البر فلا يتم النظر إلا ~~بقولنا ولا بد من علامة ولا علامة أولى من الطعم فإذا هو العلامة فإذا ظهرت ~~علامة أخرى مساوية بطلت المقدمة الثانية من النظر فانقطع الظن # والحاصل أن كل تعليل يفتقر إلى السبر فمن ضرورته اتحاد العلة وإلا انقطع ~~شهادة الحكم للعلة وما لا يفتقر إلى السبر كالمؤثر فوجود علة أخرى لا يضر PageV02P366 ~~وقد ذكرنا هذا في خواص هذه الأقيسة # مسألة: اشتراط العكس في العلة: # اختلفوا في اشتراط العكس في العلل الشرعية # وهذا الخلاف لا معنى له بل لا بد من تفصيل # وقبل التفصيل فاعلم أن العلامات الشرعية دلالات فإذا جاز اجتماع دلالات ~~:لم يكن من ضرورة انتفاء بعضها انتفاء الحكم. # لكنا نقول: إن لم يكن للحكم إلا علة واحدة فالعكس لازم لا لأن انتفاء ~~العلة يوجب انتفاء الحكم بل لأن الحكم لا بد له من علة فإذا اتحدت العلة ~~وانتفت فلو بقي الحكم لكان ثابتا بغير سبب أما حيث تعددت العلة فلا يلزم ~~انتفاء الحكم عند انتفاء بعض العلل بل عند انتفاء جميعها. # والذي يدل على لزوم العكس عند اتحاد العلة أنا إذا قلنا لا تثبت الشفعة ~~للجار لأن ثبوتها للشريك معلل بعلة الضرر اللاحق من التزاحم على المرافق ~~المتخذة من المطبخ والخلاء والمطرح للتراب ومصعد السطح وغيره # فلأبي حنيفة أن يقول:هذا لا مدخل له في التأثير فإن الشفعة ثابتة في ~~العرصة البيضاء وما لا مرافق له فهذا الآن عكس وهو لازم لأنه يقول لو كان ~~هذا مناطا للحكم لانتفى الحكم عند انتفائه # فنقول: السبب فيه ضرر ms529 مزاحمة الشركة. # فنقول: لو كان كذلك لثبت في شركة العبيد والحيوانات والمنقولات . # فإن قلنا: ضرر الشركة فيما يبقى ويتأبد # فيقول:فلتجز في الحمام الصغير وما لا ينقسم . PageV02P367 # فلا يزال يؤاخذنا بالطرد والعكس وهي مؤاخذة صحيحة إلى أن نعلل بضرر مؤونة ~~القسمة ونأتي بتمام قيود العلة بحيث يوجد الحكم بوجودها ويعدم بعدمها وهذا ~~المكان أنا أثبتنا هذه العلة بالمناسبة وشهادة الحكم لها لوروده على وفقها ~~وشرط مثل هذه العلة الاتحاد وشرط الاتحاد العكس # معنى آخر للعكس: # فإن قيل: ولفظ العكس هل يراد به معنى سوى انتفاء الحكم عند انتفاء العلة؟ # قلنا:هذا هو المعنى الأشهر وربما أطلق على غيره بطريق التوهم كما يقول ~~الحنفي لما لم يجب القتل بصغير المثقل لم يجب بكبيره بدليل عكسه وهو أنه ~~لما وجب بكبير الجارح وجب بصغيره . # وقالوا:لما سقط بزوال العقل جميع العبادات ينبغي أن يجب برجوع العقل جميع ~~العبادات # وهذا فاسد، لأنه لا مانع من أن يرد الشرع بوجوب القصاص بكل جارح وإن صغر ~~ثم يخصص في المثقل بالكبير ولا بعد في أن يكون العقل شرطا في العبادات ثم ~~لا يكفي مجرده للوجوب بل يستدعي شرطا آخر . # مسألة :هل تصح العلة القاصرة أم لا : # العلة القاصرة صحيحة وذهب أبو حنيفة إلى إبطالها # ونحن نقول:أولا ينظر الناظر في استنباط العلة وإقامة الدليل على صحتها ~~بالإيماء أو بالمناسبة أو تضمن المصلحة المبهمة ثم بعد ذلك ينظر فإن كان PageV02P368 ~~أعم من النص عدي حكمها وإلا اقتصر فالتعدية فرع الصحة فكيف يكون ما يتبع ~~الشيء مصححا له؟ فإن قيل:كما أن البيع يراد للملك والنكاح للحل فإذا تخلفت ~~فائدتهما قيل أنهما باطلان فكذلك العلة تراد لإثبات الحكم بها في غير محل ~~النص فإذا لم يثبت بها حكم كانت باطلة لخلوها عن الفائدة # وللجواب منهاجان : # أحدهما: أن نسلم عدم الفائدة ونقول إن عنيتم بالبطلان أنه لا يثبت بها ~~حكم في غير محل النص فهو مسلم ونحن لا نعني بالصحة إلا أن الناظر ينظر ~~ويطلب العلة ولا ندري أن ما سيفضي إليه نظره ms530 قاصر أو متعد ويصحح العلة بما ~~يغلب على ظنه من مناسبة أو مصلحة أو تضمن مصلحة ثم يعرف بعد ذلك تعديه أو ~~قصوره فما ظهر من قصوره لا ينعطف فسادا على مأخذ ظنه ونظره ولا ينزع من ~~قلبه ما قر في نفسه من التعليل # فإذا فسرنا الصحة بهذا القدر لم يمكن جحده وإذا فسروا البطلان بما ذكروه ~~لم نجحده وارتفع الخلاف # الثاني: أنا لا نسلم عدم الفائدة بل له فائدتان : # الأولى: معرفة باعث الشرع ومصلحة الحكم استمالة للقلوب إلى الطمأنينة ~~والقبول بالطبع والمسارعة إلى التصديق فإن النفوس إلى قبول الأحكام ~~المعقولة الجارية على ذوق المصالح أميل منها إلى قهر التحكم ومرارة التعبد ~~ولمثله هذا الغرض استحب الوعظ وذكر محاسن الشريعة ولطائف معانيها وكون ~~المصلحة PageV02P369 ~~مطابقة للنص وعلى قدر حذقه يزيدها حسنا وتأكيدا # فإن قيل: هذا إنما يجري في المناسب دون الأوصاف الشبيهة مثل النقدية في ~~الدراهم والدنانير وقد جوزتم التعليل بمثل هذه العلة القاصرة # قلنا: تعريف الأحكام بمعان توهم الاشتمال على مصلحة ومناسبة أقرب إلى ~~العقول من تعريفها بمجرد الإضافة إلى الأسامي فلا تخلو من فائدة. # ثم إن لم تجر هذه الفائدة في العلة الشبهية فالفائدة الثانية جارية # الفائدة الثانية: المنع من تعدية الحكم عند ظهور علة أخرى متعدية إلا ~~بشرط الترجيح # فإن قيل: تمتنع تعدية الحكم لا بظهور علة قاصرة بل بأن لا تظهر علة ~~متعدية فأي حاجة إلى العلة القاصرة وإن ظهرت علة متعدية فلا يمتنع التعليل ~~بالعلة القاصرة بل يعلل الحكم في الأصل بعلتين وفي الفرع بعلة واحدة # قلنا: ليس كذلك فإن كل علة مخيلة أو شبهية فإنما تثبت بشهادة الحكم وتتم ~~بالسبر وشرطه الاتحاد كما سبق فإذا ظهرت علة أخرى انقطع الظن فإذا ظهرت علة ~~متعدية يجب تعدية الحكم فإن أمكن التعليل بعلة قاصرة عارضت المتعدية ~~ودفعتها إلا إذا اختصت المتعدية بنوع ترجيح فإذا أفادت القاصرة دفع ~~المتعدية التي تساويها والمتعدية دفع القاصرة وتقاوما بقي الحكم مقصورا على ~~النص ولولا القاصرة لتعدي الحكم # فإن قيل: إنما ms531 تصح العلة بفائدتها الخاصة بها وفائدة العلة الحكم بالفرع ~~دون حكم الأصل فإن حكم الأصل ثابت بالنص لا بالعلة إنما الذي يثبت بالعلة ~~حكم الفرع إذ فائدتها تعدية الحكم فإذا لم تكن تعدية فلا حكم للعلة . PageV02P370 # قلنا: قولكم فائدة العلة حكم الفرع محال لأن علة تحريم الربا في البر طعم ~~البر ولا تحرم الذرة بطعم البر بل بطعم الذرة فحكم الفرع فائدة علة في ~~الفرع لا فائدة علة في الأصل وقولكم حكمها التعدية محال فإن لفظ التعية ~~تجوز واستعارة وإلا فالحكم لا يتعدى من الأصل إلى الفرع بل يثبت في الفرع ~~مثل حكم الأصل عند وجود مثل تلك العلة فلا حقيقة للتعدي . # ويتولد من هذا النظر: # مسألة :حكم الأصل أهو مضاف إلى النص أم إلى العلة ؟ # وهي أن العلة إذا كانت متعدية فالحكم في محل النص يضاف إلى العلة أو إلى النص؟ # فقال أصحاب الرأي: يضاف إلى النص لأن الحكم مقطوع به في المنصوص والعلة ~~مظنونة فكيف يضاف مقطوع إلى مظنون # وقال أصحابنا يضاف إلى العلة # وهو نزاع لا تحقيق تحته فإنا لا نعني بالعلة إلا باعث الشرع على الحكم ~~فإنه لو ذكر جميع المسكرات بأسمائها فقال لا تشربوا الخمر والنبيذ وكذا ~~وكذا ونص على جميع مجاري الحكم لكان استيعابه مجاري الحكم لا يمنعنا من أن ~~نظن أن الباعث له على التحريم الإسكار فنقول الحكم مضاف إلى الخمر والنبيذ ~~بالنص ولكن الإضافة إليه معلل بالشدة بمعنى أن باعث الشرع على التحريم هو ~~الشدة وقولهم إنه مظنون فنقول ونحن لا نزيد على أن نقول نظن أن باعث الشرع ~~الشدة فلا يسقط هذا الظن باستيعاب مجاري الحكم ولا حجر علينا في أن نصدق ~~فنقول إنما نظن كذا مهما ظننا ذلك # فإن قيل: الظن جهل إنما يجوز لضرورة العمل والعلة القاصرة لا يتعلق بها ~~عمل فلا يجوز الهجرة عليها برجم الظنون . PageV02P371 # وعند هذا كاع بعض الأصحاب وقال:إن كانت منصوصة جاز إضافة الحكم إليها في ~~محل النص كالسرقة مثلا وإلا فلا . # ونحن نقول: لا ms532 مانع من هذا الظن للفائدتين المذكورتين . # إحداهما: استمالة القلوب إلى حسن التصديق والانقياد وأكثر المواعظ على ~~هذه الصفة ظنية وخلقت طباع الآدميين مطيعة للظنون بل للأوهام وأكثر بواعث ~~الناس على أعمالهم وعقائدهم في مصادرهم ومواردهم ظنون # الفائدة الثانية: مدافعة العلة المعارضة له كما سبق # خاتمة لهذا الباب فيما يفسد العلة قطعا وما يفسدها ظنا واجتهادا # القسم الاول: مثارات فساد العلل القطعية # وهي أربعة: # الأول: الأصل وشروطه أربعة : # الأول: أن يكون حكما شرعيا فإن كان عقليا فلا يمكن أن يعلل بعلة تثبت ~~حكما سمعيا # الثاني: أن يكون حكم الأصل معلوما بنص أو إجماع فإن كان مقيسا على أصل ~~فهو فرع فالقياس عليه باطل قطعا إن لم يكن الجامع هو علة الأصل PageV02P372 ~~الأول وإن كان هو تلك العلة فتعيين الفرع مع إمكان القياس على الأصل عبث ~~بلا فائدة # والثالث: أن يكون الأصل قابلا للتعليل لا كوجوب شهر رمضان وتقدير صلاة ~~المغرب بثلاث ركعات وأمثاله وكان هذا فاسدا من جهة عدم الدليل على صحة العلة # الرابع: أن يكون الأصل المستنبط منه غير منسوخ فإن المنسوخ كان أصلا وليس ~~هو الآن أصلا وليس من هذا القبيل قياس رمضان على صوم عاشوراء في التبييت ~~فإن من سلم وجوبه في ابتداء الإسلام وسلم افتقاره إلى التبييت لم يبعد أن ~~يستشهد به على رمضان الذي أبدل وجوب عاشوراء به فإن المنسوخ نفس الوجوب ~~وليس نقيس في الوجوب لكن في مأخذ دلالة الوجوب على الحاجة إلى التبييت PageV02P373 ~~وهذا أيضا وإن كان قريبا فلا يخلو عن نظر # المثار الثاني: أن يكون من جهة الفرع # وله وجوه ثلاثة : # الأول: أن يثبت في الفرع خلاف حكم الأصل مثاله قوله بلغ برأس المال في ~~السلم أقصى مراتب الأعيان فليبلغ بعوضه أقصى مراتب الديون قياسا لأحد ~~العوضين على الآخر فهذا باطل قطعا لأنه خلاف صورة القياس إذ القياس لتعدية ~~الحكم وليس هذا تعدية # الثاني: أن تثبت العلة في الأصل حكما مطلقا ولا يمكن أن تثبت في الفرع ~~إلا بزيادة أو نقصان فهو باطل ms533 قطعا لأنه ليس على صورة تعدية الحكم فلا يكون قياسا # مثاله قولهم:شرع في صلاة الكسوف ركوع زائد لأنها صلاة تشرع فيها الجماعة ~~فتختص بزيادة كصلاة الجمعة فإنها تختص بالخطبة وصلاة العيد فإنها تختص ~~بالتكبيرات # وهذا فاسد.،فإنه ليس يتمكن من تعدية الحكم على وجه وتفصيله # الثالث: أن لا يكون الحكم اسما لغويا فقد بينا أن اللغة لا تثبت قياسا ~~وتلك المسألة قطعية وربما جعلها قوم مسألة اجتهادية وإثبات اسم الزنا ~~والسرقة والخمر للائط والنباش والنبيذ من هذا القبيل فكان هذا بالمثار ~~الأول أليق # المثار الثالث أن يرجع الفساد إلى طريق العلة # وهو على أوجه : # الأول انتفاء دليل على صحة العلة فإنه دليل قاطع على فاسدها فمن PageV02P374 ~~استدل على صحة علته بأنه لا دليل على فسادها فقياسه باطل قطعا وكذلك إن ~~استدل بمجرد الاطراد على صحة العلة فإنه دليل قاطع على فاسدها فمن استدل ~~على صحة علته بأنه لا دليل على فسادها فقياسه باطل قطعا وكذلك إن استدل ~~بمجرد الاطراد إن لم ينضم إليه سبر وربما رأي بعضهم إبطال الطرد في محل ~~الاجتهاد # الثاني: أن يستدل على صحة العلة بدليل عقلي فهو باطل قطعا فإن كون الشيء ~~علة للحكم أمر شرعي الثالث: أن تكون العلة دافعة للنص ومناقضة لحكم منصوص ~~فالقياس على خلاف النص باطل قطعا وكذا على خلاف الإجماع وكذلك ما يخالف ~~العلة المنصوصة كتعليل تحريم الخمر بغير الإسكار المثير للعداوة والبغضاء # وليس التعليل بالكيل من هذا الجنس وإن دفع قوله لا تبيعوا الطعام بالطعام ~~لأنه إيماء إلى التعليل بالطعم وليس بصريح لا يقبل التأويل # وليس من هذا القبيل التعليل بعلة غير علة صاحب الشرع مع تقرير العلة ~~المنصوصة فإن النص على علة واحدة لا يمنع وجود علة أخرى ولذلك يجوز تعليل ~~الحكم بغير ما علل به الصحابة إذا لم تدفع علتهم إذ لم يكن فرض الصحابة ~~استنباط جميع العلل # المثار الرابع: وضع القياس في غير موضعه: # كمن أراد أن يثبت أصل القياس أو أصل خبر الواحد بالقياس فقاس الرواية على ms534 ~~الشهادة وكذلك المسائل الأصولية العقلية لا سبيل إلى إثباتها بالأقيسة ~~الظنية فاستعمال القياس فيها وضع له في غير موضعه # هذه المفسدات القطعية PageV02P375 ~~القسم الثاني: في المفسدات الظنية الاجتهادية # التي نعني بفسادها أنها فاسدة عندنا وفي حقنا إذ لم تغلب على ظننا وهي ~~صحيحة في حق من غلبت على ظنه # ومن قال: المصيب واحد فيقول هي فاسدة في نفسها لا بالإضافة إلى أني أجوز ~~أن أكون أنا المخطىء # وعلى الجملة: لا تأثيم في محل الاجتهاد ومن خالف الدليل القطعي فهو آثم # وهذه المفسدات تسع: # الأول: العلة المخصوصة باطلة عند من لا يرى تخصيص العلة صحيحة عند من ~~يبقى ظنه مع التخصيص الثاني: علة مخصصة لعموم القرآن هي صحيحة عندنا فاسدة ~~عند من رأى تقديم العموم على القياس الثالث :علة عارضتها علة تقتضي نقيض ~~حكمها فاسدة عند من يقول المصيب واحد صحيحة عند من صوب كل مجتهد وهما ~~علامتان لحكمين في حق المجتهدين وفي حق مجتهد واحد في حالتين فإن اجتمعا في ~~حالة واحدة فقد نقول إنه يوجب التخيير كما سيأتي # الرابع: أن لا يدل على صحتها إلا الطرد والعكس وقد يقال ما يدل عليه مجرد ~~الاطراد فهو أيضا في محل الاجتهاد # الخامس: أن يتضمن زيادة على النص كما في مسألة الرقبة الكافرة # السادس: القياس في الكفارات والحدود وقد ذكرنا في هذا ما يظن أنه يرفع PageV02P376 ~~الخلاف # السابع: ذهب قوم إلى أنه لا يجوز انتزاع العلة من خبر الواحد بل ينبغي أن ~~تؤخذ من أصل مقطوع به # وهذا فاسد ولا يبعد من أن يكون فساده مقطوعا به # الثامن: علة تخالف مذهب الصحابة وهي فاسدة عند من يوجب اتباع الصحابة وإن ~~كان المنع من تقليد الصحابي مسألة اجتهادية فهذا مجتهد فيه ولا يبعد أن ~~يقول بطلان ذلك المذهب مقطوع به # التاسع: أن يكون وجود العلة في الفرع مظنونا لا مقطوعا به وقد ذكرنا فيه ~~خلافا والله أعلم # هذه هي المفسدات. # ووراء هذا اعتراضات مثل المنع وفساد الوضع وعدم التأثير والكسر والفرق ~~والقول بالموجب ms535 والتعدية والتركيب # وما يتعلق فيه تصويب نظر المجتهدين قد انطوى تحت ما ذكرناه وما لم يندرج ~~تحت ما ذكرناه فهو نظر جدلي يتبع شريعة الجدل التي وضعها الجدليون ~~باصطلاحهم فإن لم يتعلق بها فائدة دينية فينبغي أن تشح على الأوقات أن ~~تضيعها بها وتفصيلها وإن تعلق بها فائدة من ضم نشر الكلام ورد كلام ~~المناظرين إلى PageV02P377 ~~مجرى الخصام كيلا يذهب كل واحد عرضا وطولا في كلامه منحرفا عن مقصد نظره ~~فهي ليست فائدة من جنس أصول الفقه بل هي من علم الجدل فينبغي أن تفرد ~~بالنظر ولا تمزح بالأصول التي يقصد بها تذليل طرق الاجتهاد للمجتهدين # وهذا آخر القطب الثالث المشتمل على طرق استثمار الأحكام إما من صيغة ~~اللفظ وموضوعه أو إشارته ومقتضاه ومعقوله ومعناه فقد استوفيناه والله أعلم PageV02P378 ### | AUTO القطب الرابع: في حكم المستثمر وهو المجتهد ### || AUTO الفن الأول: في الاجتهاد ### ||| AUTO في أركان الاجتهاد # ... # القطب الرابع في حكم المستثمر وهو المجتهد # ويشتمل هذا القطب على ثلاثة فنون: # فن في الاجتهاد # وفين في التقليد # وفن في ترجيح المجتهد دليلا على دليل عند التعارض PageV02P379 ~~الفن الأول في الاجتهاد # والنظر في أركانه وأحكامه PageV02P381 ~~النظر ألاول: في أركان الاجتهاد # أما أركانه فثلاثة المجتهد والمجتهد فيه نفس الاجتهاد # الركن الأول في نفس الاجتهاد # وهو عبارة عن بذل المجهود واستفراغ الوسع في فعل من الأفعال ولا يستعمل ~~إلا فيما فيه كلفة وجهد فيقال اجتهد في حمل حجر الرحا ولا يقال اجتهد في ~~حمل خردلة # لكن صار اللفظ في عرف العلماء مخصوصا ببذل المجتهد وسعه في طلب العلم ~~بأحكام الشريعة والاجتهاد التام أن يبذل الوسع في الطلب بحيث يحس من نفسه ~~بالعجز عن مزيد طلب # الركن الثاني المجتهد # وله شرطان: # أحدهما : أن يكون محيطا بمدارك الشرع متمكنا من استثارة الظن بالنظر فيها ~~وتقديم ما يجب تقديمه وتأخير ما يجب تأخيره # والشرط الثاني: أن يكون عدلا مجتنبا للمعاصي القادحة في العدالة وهذا PageV02P382 ~~يشترط لجواز الاعتماد على فتواه فمن ليس عدلا فلا تقبل فتواه أما هو في ms536 ~~نفسه فلا فكأن العدالة شرط القبول للفتوى لا شرط صحة الاجتهاد # فإن قيل: متى يكون محيطا بمدارك الشرع ؟وما تفصيل العلوم التي لا بد منها ~~لتحصيل منصب الاجتهاد ؟ # قلنا: إنما يكون متمكنا من الفتوى بعد أن يعرف المدارك المثمرة للأحكام ~~وأن يعرف كيفية الاستثمار # والمدارك المثمرة للأحكام كما فصلناها أربعة:الكتاب والسنة والإجماع والعقل # وطريق الاستثمار يتم بأربعة علوم:اثنان مقدمان واثنان متممان وأربعة في ~~الوسط فهذه ثمانية فلنفصلها ولننبه فيها على دقائق أهملها الأصوليون # أما كتاب الله عز وجل فهو الأصل ولا بد من معرفته ولنخفف عنه أمرين # أحدهما: إنه لا يشترط معرفة جميع الكتاب بل ما تتعلق به الأحكام منه وهو ~~مقدار خمسمائة آية # الثاني: لا يشترط حفظها عن ظهر قلبه بل أن يكون عالما بمواضعها بحيث يطلب ~~فيها الآية المحتاج إليها في وقت الحاجة PageV02P383 ~~وأما السنة: فلا بد من معرفة الأحاديث التي تتعلق بالأحكام وهي وإن كانت ~~زائدة على ألوف فهي محصورة # وفيها التخفيفان المذكوران:إذ لا يلزمه معرفة ما يتعلق من الأحاديث ~~بالمواعظ وأحكام الآخرة وغيرها الثاني:لا يلزمه حفظها عن ظهر قلبه بل أن ~~يكون عنده أصل مصحح لجميع الأحاديث المتعلقة بالأحكام كسنن أبي داود ومعرفة ~~السنن لأحمد البيهقي أو أصل وقعت العناية فيه بجميع الأحاديث المتعلقة ~~بالأحكام ويكفيه أن يعرف مواقع كل باب فيراجعه وقت الحاجة إلى الفتوى وإن ~~كان يقدر على حفظه فهو أحسن وأكمل # وأما الاجماع: فينبغي أن تتميز عنده مواقع الاجماع حتى لا يفتي بخلاف ~~الإجماع كما يلزمه معرفة النصوص حتى لا يفتي بخلافها # والتخفيف في هذا الأصل أنه لا يلزمه أن يحفظ جميع مواقع الإجماع والخلاف ~~بل كل مسألة يفتي فيها فينبغي أن يعلم أن فتواه ليس مخالفا للإجماع إما بأن ~~يعلم أنه موافق مذهبا من مذاهب العلماء أيهم كان أو يعلم أن هذه واقعة ~~متولدة في العصر لم يكن لأهل الإجماع فيها خوض فهذا القدر فيه كفاية # وأما العقل: فنعني به مستند النفي الأصلي للأحكام فإن العقل قد دل على نفي PageV02P384 ~~الحرج في ms537 الأقوال والأفعال وعلى نفي الأحكام عنها من صور لا نهاية لها أما ~~ما استثنته الأدلة السمعية من الكتاب والسنة فالمستثناة محصورة وإن كانت كثيرة # فينبغي أن يرجع في كل واقعة إلى النفي الأصلي والبراءة الأصلية ويعلم أن ~~ذلك لا يغير إلا بنص أو قياس على منصوص فيأخذ في طلب النصوص # وفي معنى النصوص الإجماع وأفعال الرسول بالإضافة إلى ما يدل عليه الفعل ~~على الشرط الذي فصلناه # هذه المدارك الأربعة # فأما العلوم الأربعة التي بها يعرف طرق الاستثمار فعلمان مقدمان: # أحدهما: معرفة نصب الأدلة وشروطها التي بها تصير البراهين والأدلة منتجة ~~والحاجة إلى هذا تعم المدارك الأربعة # والثاني: معرفة اللغة والنحو على وجه يتيسر له به فهم خطاب العرب وهذا ~~يخص فائدة الكتاب والسنة # ولكل واحد من هذين العلمين تفصيل وفيه تخفيف وتثقيل # أما تفصيل العلم الأول:فهو أن يعلم أقسام الأدلة وأشكالها وشروطها فيعلم ~~أن الأدلة ثلاثة عقلية تدل لذاتها وشرعية صارت أدلة بوضع الشرع ووضعية وهي ~~العبارات اللغوية # ويحصل تمام المعرفة فيه بما ذكرناه في مقدمة الأصول من مدارك العقول لا ~~بأقل منه فإن من لم يعرف شروط الأدلة لم يعرف حقيقة الحكم ولا حقيقة الشرع ~~ولم يعرف مقدمة الشارع ولا عرف من أرسل الشارع # ثم قالوا لا بد أن يعرف حدوث العالم وافتقاره إلى محدث موصوف بما يجب ~~لهومن الصفات منزه عما يستحيل عليه وأنه متعبد عباده ببعثة الرسل وتصديقهم PageV02P385 ~~بالمعجزات وليكن عارفا بصدق الرسول والنظر في معجزته # والتخفيف في هذا عندي أن القدر الواجب من هذه الجملة اعتقاد جازم إذ به ~~يصير مسلما والإسلام شرط المفتي لا محالة # فأما معرفته بطرق الكلام والأدلة المحررة على عادتهم فليس بشرط إذا لم ~~يكن في الصحابة والتابعين من يحسن صنعة الكلام # فأما مجاوزة حد التقليد فيه إلى معرفة الدليل فليس بشرط أيضا لذاته لكنه ~~يقع من ضرورة منصب الاجتهاد فإنه لا يبلغ رتبة الاجتهاد في العلم إلا وقد ~~قرع سمعه أدلة خلق العالم وأوصاف الخالق وبعثة الرسل وإعجاز القرآن فإن كل ms538 ~~ذلك يشتمل عليه كتاب الله وذلك محصل للمعرفة الحقيقية مجاوز بصاحبه حد ~~التقليد وإن لم يمارس صاحبه صنعة الكلام فهذا من لوازم منصب الاجتهاد حتى ~~لو تصور مقلد محض في تصديق الرسول وأصول الإيمان لجاز له الاجتهاد في الفروع # أما المقدمة الثانية:فعلم اللغة والنحو:أعني القدر الذي يفهم به خطاب ~~العرب وعادتهم في الاستعمال إلى حد يميز بين صريح الكلام وظاهره ومجمله ~~وحقيقته ومجازه وعامه وخاصه ومحكمه ومتشابهة ومطلقه ومقيده ونصه وفحواه ~~ولحنه ومفهومه # والتخفيف فيه أنه لا يشترط أن يبلغ درجة الخليل والمبرد وأن يعرف جميع ~~اللغة ويتعمق في النحو بل القدر الذي يتعلق بالكتاب والسنة ويستولي به على ~~مواقع الخطاب ودرك حقائق المقاصد منه # وأما العلمان المتممان: # فأحدهما معرفة الناسخ والمنسوخ من الكتاب والسنة وذلك في آيات وأحاديث مخصوصة # والتخفيف فيه: أن لا يشترط أنيكون جميعه على حفظه بل كل واقعة يفتي PageV02P386 ~~فيها بآية أو حديث فينبغي أن يعلم أن ذلك الحديث وتلك الآية ليست من جملة ~~المنسوخ وهذا يعم الكتاب والسنة # الثاني: وهو يخص السنة معرفة الرواية وتمييز الصحيح منها عن الفاسد ~~والمقبول عن المردود فإن ما لا ينقله العدل عن العدل فلا حجة فيه # والتخفيف فيه: أن كل حديث يفتى به مما قبلته الأمة فلا حاجة به إلى النظر ~~في إسناده وإن خالفه بعض العلماء فينبغي أن يعرف رواته وعدالتهم فإن كانوا ~~مشهورين عنده كما يرويه الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر مثلا اعتمد ~~عليه فهؤلاء قد تواتر عند الناس عدالتهم وأحوالهم والعدالة إنما تعرف ~~بالخبرة والمشاهدة أو بتواتر الخبر فمانزل عنه فهو تقليد وذلك بأن يقلد ~~البخاري ومسلما في أخبار الصحيحين وإنهما ما رووها إلا عمن عرفوا عدالته ~~فهذا مجرد تقليد # وإنما يزول التقليد بأن يعرف أحوال الرواة بتسامع أحوالهم وسيرهم ثم ينظر ~~في سيرهم أنها تقتضي العدالة أم لا وذلك طويل وهو في زماننا مع كثرة ~~الوسائط عسير # والتخفيف فيه: أن يكتفي بتعديل الإمام العدل بعد أن عرفنا أن مذهبه في ~~التعديل مذهب ms539 صحيح فإن المذاهب مختلفة فيما يعدل به ويجرح فإن من مات قبلنا ~~بزمان امتنعت الخبرة والمشاهدة في حقه ولو شرط أن تتواتر سيرته فذلك لا ~~يصادف إلا في الأئمة المشهورين فيقلد في معرفة سيرته عدلا فيما يخبر فنقلده ~~في تعديله بعد أن عرفنا صحة مذهبه في التعديل . # فإن جوزنا للمفتي الاعتماد على الكتب الصحيحة التي ارتضى الأئمة رواتها ~~قصر الطريق على المفتي وإلا طال الأمر وعسر الخطب في هذا الزمان مع كثرة PageV02P387 ~~الوسائط ولا يزال الأمر يزداد شدة بتعاقب الأعصار. # فهذه هي العلوم الثمانية التي يستفاد بها منصب الاجتهاد # ومعظم ذلك يشتمل عليه ثلاثة فنون: # علم الحديث وعلم اللغة وعلم أصول الفقه فأما الكلام وتفاريع الفقه فلا ~~حاجة إليهما وكيف يحتاج إلى تفاريع الفقه وهذه التفاريع يولدها المجتهدون ~~ويحكمون فيها بعد حيازة منصب الاجتهاد فكيف تكون شرطا في منصب الاجتهاد ~~وتقدم الاجتهاد عليها شرط نعم إنما يحصل منصب الاجتهاد في زماننا بممارسته ~~فهو طريق تحصيل الدربة في هذا الزمان ولم يكن الطريق في زمان الصحابة ذلك ~~ويمكن الآن سلوك طريق الصحابة أيضا PageV02P388 ~~دقيقة في التخفيف يغفل عنها اللأكثرون : تجزؤ الاجتهاد: # أيضا دقيقة في التخفيف يغفل عنها الأكثرون اجتماع هذه العلوم الثمانية ~~إنما يشترط في حق المجتهد المطلق الذي يفتي في جميع الشرع # وليس الاجتهاد عندي منصبا لا يتجزأ بل يجوز أن يقال للعالم بمنصب ~~الاجتهاد في بعض الأحكام دون بعض فمن عرف طريق النظر القياسي فله أن يفتي ~~في مسألة قياسية وإن لم يكن ماهرا في علم الحديث فمن ينظر في مسألة ~~المشتركة يكفيه أن يكون فقيه النفس عارفا بأصول الفرائض ومعانيها وإن لم ~~يكن قد حصل الأخبار التي وردت في مسألة تحريم المسكرات أو في مسألة النكاح ~~بلا ولي فلا استمداد لنظر هذه المسألة منها ولا تعلق لتلك الأحاديث بها فمن ~~أين تصير الغفلة عنها أو القصور عن معرفتها نقصا ومن عرف أحاديث قتل المسلم ~~بالذمي وطريق التصرف فيه فما يضره قصوره عن علم النحو الذي يعرف قوله تعالى ms540 ~~{وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين} [المائدة: من الآية6]وقس عليه ما في ~~معناه وليس من شرط المفتي أن يجيب عن كل مسألة فقد سئل مالك رحمه الله عن ~~أربعين مسألة فقال في ستة وثلاثين منها لا أدري وكم توقف الشافعي رحمه الله ~~بل الصحابة في المسائل فإذا لا يشترط إلا أن يكون على بصيرة فيما يفتي ~~فيفتي فيما يدري ويدري أنه يدري ويميز بين ما لا يدري وبين ما يدري فيتوقف ~~فيما لا يدري ويفتي فيما يدري PageV02P389 ~~الركن الثالث المجتهد فيه # والمجتهد فيه كل حكم شرعي ليس فيه دليل قطعي # واحترزنا بالشرعي عن العقليات ومسائل الكلام فإن الحق فيها واحد والمصيب ~~واحد والمخطىء آثم وإنما نعني بالمجتهد فيه ما لا يكون المخطىء فيه آثما # ووجوب الصلوات الخمس والزكوات وما اتفقت عليه الأمة من جليات الشرع فيها ~~أدلة قطعية يأثم فيها المخالف فليس ذلك محل الاجتهاد # فهذه هي الأركان # فإذا صدر الاجتهاد التام من أهله وصادف محله كان ما أدى إليه الاجتهاد ~~حقا وصوابا كما سيأتي # وقد ظن ظانون أن شرط المجتهد أن لا يكون نبيا فلم يجوزوا الاجتهاد للنبي ~~وأن شرط الاجتهاد أن لا يقع في زمن النبوة فنرسم فيه مسألتين # مسألة الاجتهاد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم # اختلفوا في جواز التعبد بالقياس والاجتهاد في زمان الرسول عليه السلام ~~فمنعه قوم وأجازه قوم وقال قوم يجوز للقضاة والولاة في غيبته لا في حضور ~~النبي صلى الله عليه وسلم # والذين جوزوا: منهم من قال يجوز بالأذن ومنهم من قال يكفي سكوت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # ثم اختلف المجوزون في وقوعه PageV02P390 ~~والمختار: أن ذلك جائز في حضرته وغيبته وأن يدل عليه بالأذن أو السكوت لأنه ~~ليس في التعبد به استحالة في ذاته ولا يفضي إلى محال ولا إلى مفسدة وإن ~~أوجبنا الصلاح فيجوز أن يعلم الله لطفا يقتضي ارتباط صلاح العباد بتعبدهم ~~بالاجتهاد لعلمه بأنه لو نص لهم على قاطع لبغوا وعصوا # فإن قيل: الاجتهاد مع النص محال وتعرف ms541 الحكم بالنص بالوحي الصريح ممكن ~~فكيف يردهم إلى ورطة الظن ؟ # قلنا فإذا قال لهم أوحي إلي أن حكم الله تعالى عليكم ما أدى إليه ~~اجتهادكم وقد تعبدكم بالاجتهاد فهذا نص وقولهم الاجتهاد مع النص محال مسلم ~~ولكن لم ينزل نص في الواقعة وإمكان النص لا يضاد الاجتهاد وإنما يضاده نفس ~~النص كيف وقد تعبد النبي صلى الله عليه وسلم بالقضاء بقول الشهود حتى قال ~~إنكم لتختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض وكان يمكن نزول ~~الوحي بالحق الصريح في كل واقعة حتى لا يحتاج إلى رجم بالظن وخوف الخطأ # فأما وقوعه فالصحيح أنه قام الدليل على وقوعه في غيبته بدليل قصة معاذ ~~فأما في حضرته فلم يقم فيه دليل # فإن قيل فقد قال لعمرو بن العاص أحكم في بعض القضايا فقال إجتهد وأنت ~~حاضر فقال نعم إن أصبت فلك أجران وإن أخطأت فلك أجر PageV02P391 ~~وقال لعقبة بن عامر ولرجل من الصحابة اجتهدوا فإن أصبتما فلكما عشر حسنات ~~وإن أخطأتما فلكما حسنة # قلنا: حديث معاذ مشهور قبلته الأمة وهذه أخبار آحاد لا تثبت وأن ثبتت ~~احتمل أن يكون مخصوصا بهما أو في واقعة معينة وإنما الكلام في جواز ~~الاجتهاد مطلقا في زمانه # مسألة : اجتهاد النبيى صلى الله عليه وسلم # اختلفوا في النبي صلى الله عليه وسلم هل يجوز له الحكم بالاجتهاد فيما لا ~~نص فيه والنظر في الجواز والوقوع # والمختار: جواز تعبد بذلك لأنه ليس بمحال في ذاته ولا يفضي إلى محال ومفسدة # فإن قيل: المانع منه أنه قادر على استكشاف الحكم بالوحي الصريح فكيف يرجم الظن ؟ # قلنا: فإذا استكشف فقيل له حكمنا عليك أن تجتهد وأنت متعبد به فهل له أن ~~ينازع الله فيه أو يلزمه أن يعتقد أن صلاحه فيما تعبد به ؟! # فإن قيل: قوله صلى الله عليه وسلم نص قاطع يضاد الظن والظن يتطرق إليه ~~احتمال الخطأ فهما متضادان ؟ # قلنا: إذا قيل له ظنك علامة الحكم فهو يستيقن الظن والحكم جميعا فلا ~~يحتمل الخطأ وكذلك ms542 اجتهاد غيره عندنا ويكون كظنه صدق الشهود فإنه يكون ~~مصيبا وإن كان الشاهد مزورا في الباطن PageV02P392 ~~فإن قيل: فإن ساواه غيره في كونه مصيبا بكل حال فليجز لغيره أن يخالف قياسه ~~باجتهاد نفسه # قلنا:لو تعبد بذلك لجاز ولكن دل الدليل من الإجماع على تحريم مخالفة ~~اجتهاده كما دل على تحريم مخالفة الأمة كافة وكما دل على تحريم مخالفة ~~اجتهاد صلى الله عليه وسلم الإمام الأعظم والحاكم لأن صلاح الخلق في اتباع ~~دل على تحريم مخالفة الأمة كافة وكما دل على تحريم مخالفة اجتهاد الإمام ~~الأعظم والحاكم لأن صلاح الخلق في اتباع رأي الإمام والحاكم وكافة الأمة ~~فكذلك النبي صلى الله عليه وسلم # ومن ذهب إلى أن المنصيب واحد يرجح اجتهاده لكونه معصوما عن الخطأ دون ~~غيره ومنهم من جوز عليه الخطأ ولكن لا يقر عليه # فإن قيل كيف يجوز ورود التعبد بمخالفة اجتهاده وذلك يناقض الاتباع وينفر ~~عن الانقياد ؟ # قلنا:إذا عرفهم على لسانه بأن حكمهم اتباع ظنهم وإن خالف ظن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان اتباعه في امتثال ما رسمه لهم كما في القضاء بالشهود ~~فإن لو قضي النبي بشهادة شخصين لم يعرف فسقهما فشهدا عند حاكم عرف فسقهما ~~لم يقبلهما # وأما التنفير فلا يحصل بل تكون مخالفته فيه كمخالفته في الشفاعة وفي ~~تأبير النخل ومصالح الدنيا PageV02P393 ~~فإن قيل: لو قاس فرعا على أصل أفيجوز إيراد القياس على فرعه أم لا ؟إن قلتم ~~لا فمحال لأنه صار منصوصا عليه من جهته وإن قلتم نعم فكيف يجوز القياس على ~~الفرع ؟ # قلنا: يجوز القياس عليه وعلى كل فرع أجمعت الأمة على إلحاقه بأصل لأنه ~~صار أصلا بالإجماع والنص فلا ينظر إلى مأخذهم وما ألحقه بعض العلماء فقد ~~جوز بعضهم القياس عليه وإن لم توجد علة الأصل # هل وقع من النبي صلى الله عليه وسلم الحكم بالاجتهاد : # أما الوقوع فقد قال به قوم وأنكره آخرون وتوقف فيه فريق ثالث وهو الأصح ~~فإنه لم يثبت فيه قاطع # احتج القائلون به: بأنه عوتب عليه ms543 الصلاة والسلام في أسارى بدر وقيل {ما ~~كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض} [لأنفال: من الآية67] وقال ~~النبي عليه السلام "ولو نزل عذاب ما نجا منه إلا عمر" لأنه كان قد أشار ~~بالقتل ولو كان قد حكم بالنص لما عوتب # قلنا: لعله كان مخيرا بالنص في إطلاق الكل أو قتل الكل أو فداء الكل ~~فأشار بعض الأصحاب بتعيين الإطلاق على سبيل المنع عن غيره فنزل العتاب مع ~~الذي عينوا لا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن ورد بصيغة الجمع ~~والمراد به أولئك خاصة PageV02P394 ~~واحتجوا:بأنه لما قال لا يختلي خلاها ولا يعضد شجرها قال العباس إلا الأذخر ~~فقال صلى الله عليه وسلم إلا الأذخر # وقال في الحج :"هو للأبد ولو قلت لعامنا لوجب" # ونزل منزلا للحرب فقيل له:إن كان بوحي فسمعا وطاعة وإن كان باجتهاد ورأي ~~فهو منزل مكيدة فقال بل باجتهاد ورأي فرحل # قلنا: أما الأذخر فلعله كان نزل الوحي بأن لا يستثنى الأذخر إلا عند قول ~~العباس أو كان جبريل عليه السلام حاضرا فأشار عليه بإجابة العباس # وأما الحج فمعناه :لو قلت لعامنا لما قلته إلا عن وحي ولوجب لا محالة # وأما المنزل فذلك اجتهاد في مصالح الدنيا وذلك جائز بلا خلاف إنما الخلاف ~~في أمور الدين # أحتج المنكرون لذلك بأمور : # أحدها: أنه لو كان مأمورا به لأجاب عن كل سؤال ولما انتظر الوحي # الثاني: أنه لو كان مجتهدا لنقل ذلك عنه واستفاض # الثالث أنه : لو كان لكان ينبغي أن يختلف اجتهاده ويتغير فيتهم بسبب تغير الرأي PageV02P395 ~~قلنا: أما انتظار الوحي فلعله كان حيث لم ينقدح له اجتهاد أو في حكم لا ~~يدخله الاجتهاد أو نهي عن الاجتهاد فيه # وأما الاستفاضة بالنقل فعلعه لم يطلع الناس عليه وإن كان متعبدا به أو ~~لعله كان متعبدا بالاجتهاد إذا لم ينزل نص وكان ينزل النص فيكون كمن تبعد ~~بالزكاة والحج إن ملك النصاب والزاد فلم يملك فلا يدل على أنه لم يكن متعبدا # وأما التهمة ms544 بتغير الرأي فلا تعويل عليها فقد اتهم بسب النسخ كما قال ~~تعالى {قالوا إنما أنت مفتر} [النحل: من الآية101] ولم يدل ذلك على استحالة النسخ # كيف وقد عورض هذا الكلام بجنسه فقيل:لو لم يكن متعبدا بالاجتهاد لفاته ~~ثواب المجتهدين ولكان ثواب المجتهدين أجزل من ثوابه ؟ # وهذا أيضا فاسد: لأن ثواب تحمل الرسالة والأداء عن الله تعالى فوق كل ثواب # فإن قيل: فهل يجوز التعبد بوضع العبادات ونصب الزكوات وتقديراتها ~~بالاجتهاد # قلنا: لا محيل لذلك ولا يفضي إلى محال ومفسدة ولا بعد في أن يجعل الله ~~تعالى صلاح عباده فيما يؤدي إليه اجتهاد رسوله لو كان الأمر مبينا على الصلاح # ومنع القدرية هذا وقالوا: إن وافق ظنه الصلاح في البعض فيمتنع أو يوافق الجميع # وهذا فساد لأنه لا يبعد أن يلقى الله في اجتهاد رسوله ما فيه صلاح عباده ~~هذا هو الجواز العقلي PageV02P396 ~~أما وقوعه فبعيد وإن لم يكن محالا بل الظاهر أن ذلك كله كان عن وحي صريح ~~ناص على التفصيل PageV02P397 ### ||| AUTO في أحكام الاجتهاد # ... # النظر الثاني في أحكام الاجتهاد # والنظر في حق المجتهد # في تأثيمه # وتخطئته وإصابته وتحريم # التقليد عليه # وتحريم نقض حكمه الصادر عن الاجتهاد # أحكام النظر الأول في تأثيم المخطىء في الاجتهاد # والإثم ينتفي عن كل من جمع صفات المجتهدين إذا تمم الاجتهاد في محله فكل ~~اجتهاد تام إذا صدر من أهله وصادف محله فثمرته حق وصواب والإثم عن المجتهد منفي # والذي نختاره:أن الإثم والخطأ متلازمان فكل مخطىء آثم وكل آثم مخطىء ومن ~~انتفى عنه الإثم انتفى عنه الخطأ PageV02P398 ~~فلنقدم حكم الإثم أولا: فنقول: # النظريات تنقسم إلى ظنية وقطعية: # فلا إثم في الظنيات إذ لا خطأ فيها والمخطىء في القطعيات آثم : # والقطعيات ثلاثة أقسام:كلامية وأصولية وفقهية : # أما الكلامية: فنعني بها العقليات المحضة والحق فيها واحد ومن أخطأ الحق ~~فيها فهو آثم ويدخل فيه حدوث العالم وإثبات المحدث وصفاته الواجبة والجائزة ~~والمستحيلة وبعثة الرسل وتصديقهم بالمعجزات وجواز الرؤية وخلق الأعمال ~~وإرادة الكائنات وجميع ما الكلام فيه مع المعتزلة ms545 والخوارج والروافض ~~والمبتدعة # وحد المسائل الكلامية المحضة ما يصح للناظر درك حقيقته بنظر العقل قبل ~~ورود الشرع فهذه المسائل الحق فيها واحد ومن أخطأه فهو آثم فإن أخطأ فيما ~~يرجع إلى الإيمان بالله ورسوله فهو كافر وإن أخطأ فيما لا يمنعه من معرفة ~~الله عز وجل ومعرفة رسوله كما في مسألة الرؤية وخلق الأعمال وإرادة ~~الكائنات وأمثالها فهو آثم من حيث عدل عن الحق وضل ومخطىء من حيث أخطأ الحق ~~المتيقن ومبتدع من حيق قال قولا مخالفا للمشهورين السلف ولا يلزم الكفر # وأما الأصولية: فنعني بها كون الإجماع حجة وكون القياس حجة وكون خبر ~~الواحد حجة ومن جملته خلاف من جوز خلاف الإجماع المنبرم قبل انقضاء العصر ~~وخلاف الإجماع الحاصل عن اجتهاد ومنع المصير إلى أحد قولي الصحابة ~~والتابعين عند اتفاق الأمة بعدهم على القول الآخر ومن جملته اعتقاد PageV02P399 ~~كون المصيب واحدا في الظنيات فإن هذه مسائل أدلتها قطعية والمخالف فيها آثم مخطىء # وقد نبهنا على القطعيات والظنيات في أدراج الكلام في جملة الأصول # وأما الفقهية:فالقطعية منها وجوب الصلوات الخمس والزكاة والحج والصوم ~~وتحريم الزنا والقتل والسرقة والشرب وكل ما علم قطعا من دين الله فالحق ~~فيها واحد وهو المعلوم والمخالف فيها آثم # ثم ينظر:فإن أنكر ما علم ضرورة من مقصود الشارع كإنكار تحريم الخمر ~~والسرقة ووجوب الصلاة والصوم فهو كافر لأن هذا الإنكار لا يصدر إلا عن مكذب ~~بالشرع وإن علم قطعا بطريق النظر لا بالضرورة ككون الإجماع حجة وكون القياس ~~وخبر الواحد حجة وكذلك الفقهيات المعلومة بالإجماع فهي قطعية فمنكرها ليس ~~بكافر لكنه آثم مخطىء # فإن قيل كيف حكمتم بأن وجوب الصلاة والصوم ضروري ولا يعرف ذلك إلا بصدق ~~الرسول وصدق الرسول نظري ؟ # قلنا:نعني به أن إيجاب الشارع له معلوم تواترا أو ضرورة أما أن ما أوجبه ~~فهو واجب فذلك نظري يعرف بالنظر في المعجزة المصدقة ومن ثبت عنده صدقه فلا ~~بد أن يعترف به فإن أنكره فذلك لتكذيبه الشارع ومكذبه كافر فلذلك كفرناه به ~~أما ما عدا ms546 من الفقهيات الظنية التي ليس عليها دليل قاطع فهو في محل ~~الاجتهاد فليس فيها عندنا حق معين ولا إثم على المجتهد إذا تمم اجتهاده ~~وكان من أهله . # فخرج من هذا أن النظريات قسمان:قطعية وظنية فالمخطىء في القطعيات آثم ولا ~~إثم في الظنيات أصلا لا عند من قال المصيب فيها واحد ولا عند من قال كل ~~مجتهد مصيب هذا هو مذهب الجماهير PageV02P400 ~~وقد ذهب بشر المريسي إلى إلحاق الفروع بالأصول وقال فيها حق واحد متعين ~~والمخطىء آثم # وقد ذهب الجاحظ والعنبري إلى إلحاق الأصول بالفروع وقال العنبري كل مجتهد ~~في الأصول أيضا مصيب وليس فيها حق متعين وقال الجاحظ فيها حق واحد متعين ~~لكن المخطىء فيها معذور غير آثم كما في الفروع # فلنرسم في الرد على هؤلاء الثلاثة ثلاث مسائل: # مسألة:مخالفة أهل الكتاب للإسلام # ذهب الجاحظ إلى أن مخالف ملة الإسلام من اليهود والنصارى والدهرية إن كان ~~معاندا على خلاف اعتقاده فهو آثم وإن نظر فعجز عن درك الحق فهو معذور غير ~~آثم وإن لم ينظر من حيث لم يعرف وجوب النظر فهو أيضا معذور وإنما الآثم ~~المعذب هو المعاند فقط لأن الله تعالى {لا تكلف نفس إلا وسعها } [البقرة: ~~من الآية233]وهؤلاء قد عجزوا عن درك الحق ولزموا عقائدهم خوفا من الله ~~تعالى إذ استد عليهم طريق المعرفة # وهذا الذي ذكره ليس بمحال عقلا لو ورد الشرع به وهو جائز ولو ورد التعبد ~~كذلك لوقع ولكن الواقع خلاف هذا فهو باطل بأدلة سمعية ضرورية فإنا كما نعرف ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالصلاة والزكاة ضرورة فيعلم أيضا ضرورة ~~أنه أمر اليهود والنصارى بالإيمان به واتباعه وذمهم على إصرارهم على ~~عقائدهم ولذلك قاتل جميعهم وكان يكشف عن مؤتزر من بلغ منهم ويقتله ويعلم ~~قطعا أن المعاند PageV02P401 ~~العارف مما يقل وإنما الأكثر المقلدة الذين اعتقدوا دين آبائهم تقليدا ولم ~~يعرفوا معجزة الرسول عليه السلام وصدقه والآيات الدالة في القرآن على هذا ~~لا تحصى كقوله تعالى {ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين ms547 كفروا من النار} [ص: ~~من الآية27] وقوله تعالى {وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم } [فصلت: من ~~الآية23]وقوله تعالى {إن هم إلا يظنون} [الجاثية: من الآية24[ وقوله تعالى ~~{ويحسبون أنهم على شيء} [المجادلة: من الآية18]وقوله تعالى {في قلوبهم مرض} ~~[البقرة: من الآية10] أي شك # وعلى الجملة: ذم الله تعالى والرسول عليه السلام المكذبين من الكفار مما ~~لا ينحصر في الكتاب والسنة # وأما قوله "كيف يكلفهم ما لا يطيقون" قلنا: نعلم ضرورة أنه كلفهم أما ~~أنهم يطيقون أو لا يطيقون فلننظر فيه بل نيه الله تعالى على أنه أقدرهم ~~عليه بما رزقهم من العقل ونصب من الأدلة وبعث من الرسل # المؤيدين بالمعجزات الذين نبهوا العقول وحركوا دواعي النظر حتى لم يبق ~~على الله لأحد حجة بعد الرسل # مسألة: الاجتهاد في العقليات: # ذهب عبد الله بن الحسن العنبري إلى أن كل مجتهد مصيب في العقليات كما في الفروع # فنقول له: إن أردت أنهم لم يؤمروا إلا بما هم عليه وهو منتهى مقدورهم في PageV02P402 ~~الطلب فهذا غير محال عقلا ولكنه باطل إجماعا وشرعا كما سبق رده على الجاحظ ~~وإن عنيت به أن ما أعتقده فهو على ما اعتقده فنقول كيف يكون قدم العالم ~~وحدوثه حقا وإثبات الصانع ونفيه حقا وتصديق الرسول وتكذيبه حقا وليست هذه ~~الأوصاف وضعية كالأحكام الشرعية إذ يجوز أن يكون الشيء حراما على زيد ~~وحلالا لعمرو إذا وضع كذلك أما الأمور الذاتية فلا تتبع الاعتقاد بل ~~الاعتقاد يتبعها # فهذا المذهب شر من مذهب الجاحظ فإنه أقر بأن المصيب واحد ولكن جعل ~~المخطىء معذورا بل هو شر من مذهب السوفسطائية لأنهم نفوا حقائق الأشياء ~~وهذا قد أثبت الحقائق ثم جعلها تابعة للاعتقادات فهذا أيضا لو ورد بهالشرع ~~لكان محالا بخلاف مذهب الجاحظ # وقد استبشع إخوانه من المعتزلة هذا المذهب فأنكروه وأولوه وقالوا أراد به ~~اختلاف المسلمين في المسائل الكلامية التي لا يلزم فيها تكفير كمسألة ~~الرؤية وخلق الأعمال وخلق القرآن وإرادة الكائنات لأن الآيات والأخبار فيها ~~متشابهة وأدلة الشرع فيها متعارضة وكل ms548 فريق ذهب إلى ما رآه أوفق لكلام الله ~~وكلام رسوله عليه السلام وأليق بعظمة الله سبحانه وثبات دينه فكانوا فيه ~~مصيبين ومعذورين # فنقول: أن زعم أنهم فيه مصيبون فهذا محال عقلا لأن هذه أمور ذاتية لا ~~تختلف بالإضافة بخلاف التكليف فلا يمكن أن يكون القرآن قديما ومخلوقا PageV02P403 ~~أيضا بل أحدهما والرؤية محالا وممكنا أيضا والمعاصي بإرادة الله تعالى ~~وخارجة عن إرادته أو يكون القرآن مخلوقا في حق زيد قديما في حق عمرو بخلاف ~~الحلال والحرام فإن ذلك لا يرجع إلى أوصاف الذوات # وإن أراد أن المصيب واحد لكم المخطىء معذور غير آثم فهذا ليس بمحال عقلا ~~لكنه باطل بدليل الشرع واتفاق سلف الأمة على ذم المبتدعة ومهاجرتهم وقطع ~~الصحبة معهم وتشديد الإنكار عليهم مع ترك التشديد على المختلفين في مسائل ~~الفرائض وفروع الفقه # فهذا من حيث الشرع دليل قاطع وتحقيقه أن اعتقاد الشيء على خلاف ما هو به ~~جهل والجهل بالله حرام مذموم والجهل بجواز رؤية الله تعالى وقدم كلامه الذي ~~هو صفته وشمول إرادته المعاصي وشمول قدرته في التعلق بجميع الحوادث كل ذلك ~~جهل بالله وجهل بدين الله فينبغي أن يكون حراما ومهما كان الحق في نفسه ~~واحدا متعينا كان أحدهما معتقدا للشيء على خلاف ما هو عليه فيكون جاهلا # فإن قيل: يبطل هذا بالجهل في المسائل الفقهية وبالجهل في الأمور الدنيوية ~~كجهل إذا اعتقد أن الأمير في الدار وليس فيها وأن المسافة بين مكة والمدينة ~~أقل أو أكثر مما هي عليها # قلنا أما الفقهيات فلا يتصور الجهل فيها إذ ليس فيها حق معين وأما ~~الدنيويات فلا ثواب في معرفتها ولا عقاب على الجهل فيها أما معرفة الله ~~تعالى ففيها ثواب وفي الجهل بها عقاب والمستند فيه الإجماع دون دليل العقل ~~وإلا فدليل العقل لا يحيل حط المأثم عن الجاهل بالله فضلا عن الجاهل بصفات ~~الله تعالى وأفعاله # فإن قيل إنما يأثم بالجهل فيما يقدر فيه على العلم ويظهر عليه الدليل ~~والأدلة غامضة والشبهات في هذه المسائل متعارضة PageV02P404 ~~قلنا ms549 وكذلك في مسألة حدوث العالم وإثبات النبوات وتمييز المعجزة عن السحر ~~ففيها أدلة غامضة ولكنه لم ينته الغموض إلى حد لا يمكن فيه تمييز الشبهة عن ~~الدليل فكذلك في هذه المسألة عندنا أدلة قاطعة على الحق ولو تصورت مسألة لا ~~دليل عليها لكنا نسلم أنه لا تكليف على الخلق فيها # مسألة إثم المجتهد في الفروع # ذهب بشر المريسي إلى أن الإثم غير محطوط عن المجتهدين في الفروع بل فيها ~~حق معين وعليه دليل قاطع فمن أخطأه فهو آثم كما في العقليات لكن المخطىء قد ~~يكفر كما في أصل الإلهية والنبوة وقد يفسق كما في مسألة الرؤية وخلق القرآن ~~ونظائرها وقد يقتصر على مجرد التأثيم كما في الفقهيات وتابعه على هذا من ~~القائلين بالقياس ابن علية وأبو بكر الأصم ووافقه جميع نفاة القياس ومنهم ~~الإمامية وقالوا لا مجال للظن في الأحكام لكن العقل قاض بالنفي الأصلي في ~~جميع الأحكام إلا ما استثناه دليل سمعي قاطع فما أثبته قاطع سمعي فهو ثابت ~~بدليل قاطع وما لم يثبته فهو باق على النفي الأصلي قطعا ولا مجال للظن فيه PageV02P405 ~~وإنما استقام هذا لهم لإنكارهم القياس وخبر الواحد وربما أنكروا أيضا القول ~~بالعموم والظاهر المحتمل حتى يستقيم لهم هذا المذهب وما ذكروه هو اللازم ~~على قول من قال المصيب واحد ويلزمهم عليه منع المقلد من استفتاء المخالفين # وقد ركب بعض معتزلة بغداد رأسه في الوفاء بهذا القياس وقال يجب على ~~العامي النظر وطلب الدليل # وقال بعضهم: يقلد العالم أصاب المقلد أم أخطأ # ويدل على فساد هذا المذهب دليلان : # الأول: ما سنذكره في تصويب المجتهدين ونبين أن هذه المسائل ليس فيها دليل ~~قاطع ولا فيها حكم معين والأدلة الظنية لا تدل لذاتها وتختلف بالإضافة ~~فتكليف الإصابة لما لم ينصب عليه دليل قاطع تكليف ما لا يطاق وإذا بطل ~~الإيجاب بطل التأثيم فانتفاء الدليل القاطع ينتج نفي التكليف ينتج نفي ~~الإثم ولذلك يستدل تارة بنفي الإثم على نفي التكليف كما يستدل في مسألة ~~التصويب ويستدل في هذه ms550 المسألة بانتفاء التكليف على انتفاء الإثم فإن ~~النتيجة تدل على المنتج كما يدل المنتج على النتيجة # الدليل الثاني: إجماع الصحابة على ترك النكير على المختلفين في الجد ~~والأخوة ومسألة العول ومسألة الحرام وسائر ما اختلفوا فيه من الفرائض ~~وغيرها فكانوا يتشاورون ويتفرقون مختلفين ولا يعترض بعضهم على بعض ولا PageV02P406 ~~يمنعه من فتوى العامة ولا يمنع العامة من تقليده ولا يمنعه من الحكم ~~باجتهاده وهذا متواتر تواترا لا شك فيه وقد بالغوا في تخطئة الخوارج وما ~~نعي الزكاة ومن نصب إماما من غير قريش أو رأى نصب إمامين بل لو أنكر منكر ~~وجوب الصلاة والصوم وتحريم السرقة والزنا لبالغوا في التأثيم والتشديد لأن ~~فيها أدلة قاطعة فلو كان سائر المجتهدات كذلك لأثموا وأنكروا # فإن قيل: لهم لعلهم أثموا ولم ينقل إلينا أو أضمروا التأثيم ولم يظهروا ~~خوف الفتنة والهرج # قلنا:العادة تحيل اندراس التأثيم والإنكار لكثرة الاختلاف والوقائع بل لو ~~وقع لتوفرت الدواعي على النقل كما نقلوا الإنكار على ما نعي الزكاة ومن ~~استباح الدار وعلى الخوارج في تكفير علي وعثمان وعلى قاتلي عثمان ولو جاز ~~أن يتوهم إندراس مثل هذا لجاز أن يدعي أن بعضهم نقض حكم بعض وأنهم اقتتلوا ~~في المجتهدات ومنعوا العوام من التقليد للمخالفين أو للعلماء أو أوجبوا على ~~العوام النظر أو اتباع إمام معين معصوم # ثم نقول:تواتر إلينا تعظيم بعضهم بعضا مع كثرة الاختلافات إذ كان توقيرهم ~~وتسليمهم للمجتهد العمل باجتهاده وتقريره عليه أعظم من التوقير والمجاملة ~~والتسليم في زماننا ومن علمائنا ولو اعتقد بعضهم في البغض التعصية والتأثيم ~~بالاختلاف لتهاجروا ولتقاطعوا وارتفعت المجاملة وامتنع التوقير والتعظيم # فأما امتناعهم من التأثيم للفتنة فمحال فإنهم حيث اعتقدوا ذلك لم تأخذهم ~~في الله لومة لائم ولا منعهم ثوران الفتنة وهيجان القتال حتى جرى في قتال ~~مانعي الزكاة وفي واقعة علي وعثمان والخوارج ما جرى فهذا توهم محال # فإن قيل فقد نقل الإنكار والتشديد والتأثيم حتى قال ابن عباس ألا يتقي ~~الله زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ابنا ولا ms551 يجعل أبا الأب أبا؟ وقال أيضا من ~~شاء باهلته أن الله لم يجعل في المال النصف والثلثين وقالت عائشة رضي PageV02P407 ~~الله عنها أخبروا زيد بن أرقم أنه أحبط جهاده مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إن لم يتب # قلنا: ما تواتر إلينا من تعظيم بعضهم بعضا وتسليمهم لكل مجتهد أن يحكم ~~ويفتي ولكل عامي أن يقلد من شاء جاوز حدا لا يشك فيه فلا يعارضه أخبار آحاد ~~لا يوثق بها # ثم نقول: من ظن بمخالفه أنه خالف دليلا قاطعا فعليه التأثيم والإنكار ~~وإنما نقل إلينا في مسائل معدودة ظن أصحابها أن أدلتها قاطعة فظن ابن عباس ~~أن الحساب مقطوع به فلا يكون في المال نصف وثلثان وظنت عائشة رضي الله عنها ~~أن حسم الذرائع مقطوع به فمنعت مسألة العينة وقد أخطأوا في هذا الظن فهذه ~~المسائل أيضا ظنية ولا يجب عصمتها عن مثل هذا الغلط أما عصمة جملة الصحابة ~~عن العصيان بتعظيم المخالفين وترك تأثيمهم لو أثموا فواجب # الحكم الثاني في الاجتهاد والتصويب والتخطئة # وقد اختلف الناس فيها واختلفت الرواية عن الشافعي وأبي حنيفة # وعلى الجملة: قد ذهب قوم إلى أن كل مجتهد في الظنيات مصيب . # وقال قوم: المصيب واحد PageV02P408 ~~واختلف الفريقان جميعا في أنه هل في الواقعة التي لا نص فيها حكم معين لله ~~تعالى هو مطلوب المجتهد ؟ فالذي ذهب إليه محققو المصوبة أنه ليس في الواقعة ~~التي لا نص فيها حكم معين يطلب بالظن بل الحكم يتبع الظن وحكم الله تعالى ~~على كل مجتهد ما غلب على ظنه وهو المختار وإليه ذهب القاضي # وذهب قوم من المصوبة إلى أن فيه حكما معينا يتوجه إليه الطلب إذ لا بد ~~للطلب من مطلوب لكن لم يكلف المجتهد إصابته فلذلك كان مصيبا وإن أخطأ ذلك ~~الحكم المعين الذي لم يؤمر بإصابته بمعنى أنه أدى ما كلف فأصاب ما عليه # وأما القائلون بأن المصيب واحد فقد اتفقوا على أن فيه حكما معينا لله ~~تعالى لكن اختلفوا في أنه هل عليه دليلا ms552 أم لا : # فقال قوم: لا دليل عليه وإنما هو مثل دفين يعثر الطلب عليه بالاتفاق فلمن ~~عثر عليه أجران ولمن حاد عنه أجر واحد لأجل سعيه وطلبه # والذين ذهبوا إلى أن عليه دليلا اختلفوا في أن عليه دليلا قاطعا أو ظنيا فقال PageV02P409 ~~قوم: وهو قاطع ولكن الأثم محطوط عن المخطىء لغموض الدليل وخفائه ومن هذا ~~تمادي بشر المريسي في إتمام هذا القياس فقال إذا كان الدليل قطعيا أثم ~~المخطىء كما في سائر القطعيات وهو تمام الوفاء بقياس مذهب من قال المصيب واحد # ثم الذين ذهبوا إلى أن عليه دليلا ظنيا اختلفوا في أن المجتهد هل أمر ~~قطعيا بإصابة ذلك الدليل: # فقال قوم لم يكلف المجتهد إصابته لخفائه وغموضه فلذلك كان معذورا ومأجورا # وقال قوم: أمر بطلبه ،وإذا أخطأ لم يكن مأجورا لكن حط الأثم عنه تخفيفا ~~هذا تفصيل المذاهب # والمختار عندنا وهو الذي نقطع به ونخطىء المخالف فيه أن كل مجتهد في ~~الظنيات مصيب وأنها ليس فيها حكم معين لله تعالى . # وسنكشف الغطاء عن ذلك بفرض الكلام في طرفين: # الطرف الأول: مسألة فيها نص للشارع وقد أخطأ مجتهد النص فنقول ينظر فإن ~~كان النص مما هو مقدور على بلوغه لو طلبه المجتهد بطريقه فقصر ولم يطلب فهو ~~مخطىء وآثم بسبب تقصيره لأنه كلف الطلب المقدور عليه فتركه فعصى وأثم وأخطأ ~~حكم الله تعالى عليه # أما إذا لم يبلغه النص لا لتقصير من جهته لكن لعائق من جهة بعد المسافة ~~وتأخير المبلغ والنص قبل أن يبلغه ليس حكما في حقه فقد يسمى مخطئا مجازا ~~على معنى أنه أخطأ بلوغ ما لو بلغه لصار حكما في حقه ولكنه قبل البلوغ ليس ~~حكما في حقه فليس مخطئا حقيقة وذلك أنه لو صلى النبي عليه السلام إلى بيت ~~المقدس بعد أن أمر الله تعالى جبريل أن ينزل على محمد عليه السلام ويخبره PageV02P410 ~~بتحويل القبلة فلا يكون النبي مخطئا لأن خطاب استقبال الكعبة بعد لم يبلغه ~~فلا يكون مخطئا في صلاته # فلو نزل فأخبره وأهل ms553 مسجد قباء يصلون إلى بيت المقدس ولم يخرج بعد إليهم ~~النبي عليه السلام ولا مناد من جهته فليسوا مخطئين إذ ذلك ليس حكما في حقهم ~~قبل بلوغه # فلو بلغ ذلك أبا بكر وعمر واستمر سكان مكة على استقبال بيت المقدس قبل ~~بلوغ الخبر إليهم فليسوا مخطئين لأنهم ليسوا مقصرين # وكذلك نقل عن ابن عمر أنا كنا نخابر أربعين سنة حتى روى لنا رافع بن خديج ~~النهي عن المخابرة فليس ذلك خطأ منهم قبل البلوغ لأن الراوي غاب عنهم أو ~~قصر في الرواية # فإذا ثبت هذا في مسألة فيها نص فالمسألة التي لا نص فيها كيف يتصور الخطأ فيها # فإن قيل:فرضتم المسألة حيث لا دليل على الحكم المنصوص ونحن نخطئه إذا كان ~~عليه دليل ووجب عليه طلبه فلم يعثر عليه # قلنا: عليه دليل قاطع أو دليل ظني؟فإن كان عليه دليل قاطع فلم يعثر عليه ~~وهو قادر عليه فهو آثم عاص ويجب تأثيمه وحيث وجب تأثيمه وجبت تخطئته كانت ~~المسألة فقهية أو أصولية أو كلامية # وإنما كلامنا في مسائل ليس عليها دليل قاطع ولو كان لنبه عليه من عثر ~~عليه من الصحابة غيره ولشدد الإنكار عليهم فإن الدليل القاطع في مثل هذه PageV02P411 ~~المسألة نص صريح أو في معنى المنصوص على وجه يقطع به ولا يتطرق الشك إليه ~~والتنبيه على ذلك سهل أفيقولون لم يعثر عليه جميع الصحابة رضي الله عنهم ~~فأخطأ أهل الإجماع الحق ؟أو عرفه بعضهم وكتمه أو أظهره فلم يفهمه الآخرون ~~أو فهموه فعاندوا الحق وخالفوا النص الصريح وما يجري مجراه وجميع هذه ~~الاحتمالات مقطوع ببطلانها # ومن نظر في المسائل الفقهية التي لا نص فيها علم ضرورة انتفاء دليل قاطع ~~فيها وإذا انتفى الدليل فتكليف الإصابة من غير دليل قاطع تكليف محال فإذا ~~انتفى التكليف انتفى الخطأ # فإن قيل عليه دليل ظني بالاتفاق فمن أخطأ الدليل الظني فقد أخطأ # قلنا الأمارات الظنية ليست أدلة بأعيانها بل يختلف ذلك بالإضافات فرب ~~دليل يفيد الظن لزيد وهو بعينه لا يفيد الظن لعمرو ms554 مع إحاطته به وربما يفيد ~~الظن لشخص واحد في حال دون حال بل قد يقوم في حق شخص واحد في حال واحدة في ~~مسألة واحدة دليلان متعارضان كان كل واحد لو انفرد لأفاد الظن # ولا يتصور في الأدلة القطعية تعارض # وبيانه أن أبا بكر رأى التسوية في العطاء إذ قال:الدنيا بلاغ كيف وإنما ~~عملوا لله عز وجل وأجورهم على الله حيث قال عمر كيف تساوي بين الفاضل ~~والمفضول ورأى عمر التفاوت ليكون ذلك ترغيبا في طلب الفضائل ولأن أصل ~~الإسلام وإن كان لله فيوجب الاستحقاق # والمعنى الذي ذكره أبو بكر فهمه عمر رضي الله عنهما ولم يفده غلبة الظن وما PageV02P412 ~~رآه عمر فهمه أبو بكر ولم يفده غلبة الظن ولا مال قلبه إليه وذلك لاختلاف ~~أحوالهما # فمن خلق خلقة أبي بكر في غلبة التأله وتجريد النظر في الآخرة غلب على ظنه ~~لا محالة ما ظنه أبو بكر ولم ينقدح في نفسه إلا ذلك ومن خلقه الله خلقة عمر ~~وعلى حالته وسجيته في الالتفات إلى السياسة ورعاية مصالح الخلق وضبطهم ~~وتحريك دواعيهم للخير فلا بد أن تميل نفسه إلى ما مال إليه عمر مع إحاطة كل ~~واحد منهما بدليل صاحبه # ولكن اختلاف الأخلاق والأحوال والممارسات يوجب اختلاف الظنون فمن مارس ~~علم الكلام ناسب طبعه أنواعا من الأدلة يتحرك بها ظنه لا يناسب ذلك طبع من ~~مارس الفقه ولذلك من مارس الوعظ صار مائلا إلى جنس ذلك الكلام بل يختلف ~~باختلاف الأخلاق فمن غلب عليه الغضب مالت نفسه إلى كل ما فيه شهامة وانتقام ~~ومن لان طبعه ورق قلبه نفر عن ذلك ومال إلى ما فيه الرفق والمساهلة # فالامارات كحجر المغناطيس تحرك طبعا يناسبها كما يحرك المغناطيس الحديد ~~دون النحاس بخلاف دليل العقل فإنه موجب لذاته فإن تسليم المقدمتين على ~~الشكل الذي ذكرناه في مدارك العقول يوجب التصديق ضرورة بالنتيجة # فإذا لا دليل في الظنيات على التحقيق وما يسمى دليلا فهو على سبيل التجوز ~~بالإضافة إلى ما مالت نفسه إليه PageV02P413 ~~فإذا أصل ms555 الخطأ في هذه المسألة إقامة الفقهاء للأدلة الظنية وزنا حتى ظنوا ~~أنها أدلة في أنفسها لا بالإضافة وهو خطأ محض يدل على بطلانه البراهين ~~القاطعة # فإن قيل: لم تنكرون على من يقول فيه أدلة قطعية وإنما لم يؤثم المخطىء ~~لغموض الدليل؟ # قلنا: الشيء ينقسم إلى معجوز عنه ممتنع وإلى مقدور عليه على يسر وإلى ~~مقدور عليه على عسر فإن كان درك الحق المتعين معجوزا عنه ممتنعا فالتكليف ~~به محال وإن كان مقدورا على يسر فالتارك له ينبغي أن يأثم قطعا لأنه ترك ما ~~قدر عليه وقد أمر به وإن كان مقدورا على عسر فلا يخلوا إما أن يكون العسر ~~صار سببا للرخصة وحط التكليف كإتمام الصلاة في السفر أو بقي التكليف مع ~~العسر . # فإن بقي التكليف مع العسر .فتركه مع القدرة إثم كالصبر على قتل الكفار مع ~~تضاعف عددهم فإنه شديد جدا وعسير ولكن يعصى إذا تركه لأن التكليف لم يزل ~~بهذا العسر وكذلك صبر المرأة على الضرات وحسن التبعل مع أن ذلك جهاد شديد ~~على النفس ولكنها تأثم بتركه مع ضعفها وعجزها وكذلك التمييز بين الدليل ~~والشبهة في مسألة حدوث العالم ودلالة المعجزة وتمييزها عن السحر في غاية ~~الغموض ومن أخطأ فيه أثم بل كفر واستحق التخليد في النار # وكذلك الحق في المسائل الفقهية مع العسران أمر به فالمخطىء آثم فيه وإن ~~لم يؤمر بإصابة الحق بل بحسب غلبة الظن فقد أدى ما كلف وأصاب ما هو حكم في ~~حقه وأخطأ ما ليس حكما في حقه بل هو بصدد أن يكون حكما في حقه لو خوطب به ~~أو نصب على معرفته دليل قاطع # فإذا:الحاصل أن الإصابة محال أو ممكن ولا تكليف بالمحال ومن أمر بممكن ~~فتركه عصى وأثم ومحال أن يقال هو مأمور به لكن إن خالف لم يعص ولم يأثم ~~وكان معذورا لأن هذا يناقض حد الأمر والإيجاب إذ حد الإيجاب ما يتعرض تاركه ~~للعقاب والذم # وهذا تقسيم قاطع يرفع الخلاف مع كل منصف ويرد النزاع إلى عبارة ms556 وهو PageV02P414 ~~إن ما ليس حكما في حقه قد أخطأه وذلك مسلم ولكنه نوع مجاز كتخطئة المصلي ~~إلى بيت المقدس قبل بلوغ الخبر # ثم هذا المجاز أيضا إنما ينقدح في حكم نزل من السماء ونطق به الرسول صلى ~~الله عليه وسلم كما في تحويل القبلة ومسألة المخابرة أما سائر المجتهدات ~~التي يلحق فيها المسكوت بالمنطوق قياسا واجتهادا فليس فيها حكم معين أصلا ~~إذا الحكم خطاب مسموع أو مدلول عليه بدليل قاطع وليس فيها خطاب ونطق فلا ~~حكم فيها أصلا إلا ما غلب على ظن المجتهد # وسنفرد لهذا مسألة ونبين أنه ليس في المسألة أشبه عند الله عز وجل # الأدلة العقلية للقائلين بالتخطئة: # ونذكر الآن شبه المخالفين وهي أربع # الشبهة الأولى: قولهم:هذا المذهب في نفسه محال لأنه يؤدي إلى الجمع بين ~~النقيضين وهو أن يكون قليل النبيذ مثلا حلالا حراما والنكاح بلا ولي صحيحا ~~باطلا والمسلم إذا قتل كافرا مهدرا ومقادا إذ ليس في المسألة حكم معين وكل ~~واحد من المجتهدين مصيب فإذا الشيء ونقيضه حق وصواب # وتبجح بعضهم بهذا الدليل حتى قال:هذا مذهب أوله سفسطة وآخره زندقة لأنه ~~في الابتداء يجعل الشيء ونقيضه حقا وبالآخر يرفع الحجر ويخير المجتهد PageV02P415 ~~بين الشيء ونقيضه عند تعارض الدليلين ويخير المستفتى لتقليد من شاء وينتقي ~~من المذاهب أطيبها عنده # والجواب: أن هذا كلام فقيه سليم القلب جاهل بالأصول وبحد النقيضين ~~وبحقيقة الحكم ظان أن الحل والحرمة وصف للأعيان فيقول يستحيل أن يكون ~~النبيذ حلالا حراما كما يستحيل أن يكون الشيء قديما حادثا وليس يدري أن ~~الحكم خطاب لا يتعلق بالأعيان بل بأفعال المكلفين ولا يتناقض أن يحل لزيد ~~ما يحرم على عمرو كالمنكوحة تحل للزوج وتحرم على الأجنبي وكالميتة تحل ~~للمضطر دون المختار وكالصلاة تجب على الطاهر وتحرم على الحائض وإنما ~~المتناقض أن يجتمع التحليل والتحريم في حالة واحدة لشخص واحد في فعل واحد ~~من وجه واحد فإذا تطرق التعدد والانفصال إلى شيء من هذه الجملة انتفى ~~التناقض حتى نقول الصلاة في الدار المغصوبة حرام ms557 قربة في حالة واحدة لشخص ~~واحد لكن من وجه دون وجه # فإذا اختلاف الأحوال ينفي التناقص ولا فرق بين أن يكون اختلاف الأحوال ~~بالحيض والطهر والسفر والحضر أو بالعلم والجهل أو غلبة الظن فالصلاة حرام ~~على المحدث إذا علم أنه محدث واجبة عليه إذا جهل كونه محدثا ولو قال الشارع ~~يحل ركوب البحر لمن غلب على ظنه السلامة ويحرم على من غلب على ظنه الهلاك ~~فغلب على ظن الجبان الهلاك وعلى ظن الجسور السلامة حرم على الجبان وحل ~~للجسور لاختلاف حالهما # وكذلك لو صرح الشارع وقال من غلب على ظنه أن النبيذ بالخمر أشبه فقد ~~حرمته عليه ومن غلب على ظنه أنه بالمباحات أشبه فقد حللته له لم يتناقض PageV02P416 ~~فصريح مذهبنا إن لو نطق به الشرع لم يكن متناقضا ولا محالا ومذهب الخصم لو ~~صرح به الشرع كان محالا وهو أن يقول كلفتك العثور على ما لا دليل عليه أو ~~يقول كلفتك العثور على ما عليه دليل لكن لو تركته مع القدرة لم تأثم فيكون ~~الأول محالا من جهة تكليف ما لا يطاق ويكون الثاني محالا من جهة تناقض حد ~~الأمر إذ حد الأمر ما يعصى تاركه # الجواب الثاني: أن نقول لو سلمنا أن الحل والحرمة وصف للأعيان أيضا لم ~~يتناقض إذ يكون من الأوصاف الإضافية ولا يتناقض أن يكون الشخص الواحد أبا ~~وأبنا لكن لشخصين وأن يكون الشيء مجهولا ومعلوما لكن لإثنين وتكون المرأة ~~حلالا حراما لرجلين كالمنكوحة حرام للأجنبي حلال للزوج والميتة حرام ~~للمختار حلال للمضطر # الجواب الثالث: هو أن التناقض ما ركبه الخصم فإنه اتفق كل محصل لم يهذ ~~هذيان المريسي أن كل مجتهد يجب عليه أن يعمل بما أدى إليه اجتهاده ويعصي ~~بتركه فالمجتهدان في القبلة يجب على أحدهما استبقال جهة يحرم على الآخر ~~استقبالها فإن المصيب لا يتميز عن المخطىء فيجب على كل واحد منهما العمل ~~بنقيض ما يعمل به الآخر # الشبهة الثانية: قولهم:إن سلمنا لكم أن هذه المذهب ليس بمحال في نفسه لو ~~صرح ms558 الشرع به فهو مؤد إلى المحال في بعض الأمور وما يؤدي إلى المحال فهو محال # فأداؤه إلى المحال فهو في حق المجتهد بأن يتقاوم عنده دليلان فيتحير عندكم PageV02P417 ~~بين الشيء ونقيضه في حالة واحدة وأما في حق صاحب الواقعة فإذا نكح مجتهد ~~مجتهدة ثم قال لها أنت بائن وراجعها والزوج شفعوي يرى الرجعة والزوجة حنفية ~~ترى الكنايات قاطعة للعصمة والرجعة فيسلط الزوج على مطالبتها بالوطء ويجب ~~عليها مع تسلط الزوج عليها منعه # وكذلك إذا نكح بغير ولي أولا ثم نكح آخر بولي فإن كان كل واحد من ~~المذهبين حقا فالمرأة حلال للزوجين وهذا محال # ويمكن أن يستعمل هذا في نصرة الشبهة الأولى # والاعتراض: على ما ذكرنا من دفع التناقض ورده إلى شخصين فقد تكلفوا ~~تقريره في حق شخص واحد # والجواب من أوجه:وحاصله أنه لا إشكال في هذه المسائل ولا استحالة وما فيه ~~من الأشكال فينقلب عليهم ولا يختص إشكاله بهذا المذهب: # أما المجتهد إذا تعارض عنده دليلان قلنا فيه رأيان # أحدهما : وهو الذي ننصره في هذه المسألة أنه يتوقف ويطلب الدليل من موضع ~~آخر لأنه مأمور باتباع غالب الظن ولم يغلب على ظنه شيء فقولنا فيه قولكم ~~فإنه وإن كان أحدهما حقا عندكم فقد تعذر عليه الوصول إليه وهذا يقطع مادة ~~الإشكال # وعلى رأيي نقول يتخير بأي دليل شاء # وسنفرد هذه المسألة بالذكر وننبه على غورها PageV02P418 ~~أما الثانية فقولنا فيها أيضا قولكم فإن المصيب وإن كان واحدا عندهم فلا ~~يتميز عن المخطىء ويجب على المخطىء في الحال العمل بموجب اجتهاده لجهله ~~بكونه مخطئا إذا لا يتميز عن صاحبه فقد أوجبوا عليها المنع وأباحوا للزوج ~~الطلب فقد ركبوا المحال إن كان هذا محالا فسيقولون إنه ليس بمحال # وهو جوابنا الثاني. # ووجهه: أن إيجاب المنع عليها لا يناقض إباحة الطلب للزوج ولا إيجابه بل ~~للسيد أن يقول لأحد عبديه أوجبت عليك سلب فرس الآخر ويقول للآخر أوجبت عليك ~~منعه ودفعه ويقول لهذا إن لم تسلب عاقبتك ويقول للآخر إن لم تحفظ عاقبتك ms559 ~~وكذلك يجب على ولي الطفل أن يطلب غرامة مال الطفل إذا أخبره عدلان بأنه ~~أتلفه طفل آخر ويجب على ولي الطفل المنسوب إلى الاتلاف إذا عاين صدور ~~الاتلاف من غير الطفل أو علم كذب الشاهدين أن يمنع ويدفع فيجب الطلب على ~~أحدهما والدفع على الآخر مؤاخذة لكل واحد بموجب اعتقاده # نعم هذا السؤال يحسن من منكري الاجتهاد من التعليمية وغيرهم إذ يقولون ~~أصل الاجتهاد باطل لأدائه إلى هذا النوع من التناقض وجوابه ما ذكرناه # ونقابله على مذهبه أيضا بما لا يجد عنه محيصا فنقول إن أنكرت الظنون لم ~~تنكر القواطع وسعي الإنسان في هلاك نفسه أو إهلاك غيره حرام بالقواطع فلو ~~اضطر شخصان إلى قدر من الميتة لا يفي إلا بسد رمق أحدهما ولو قسماه أو ~~تركاه ماتا ولو أخذه أحدهما هلك الآخر ولو وكله إليه أهلك نفسه فماذا يجب ~~عليه وكيفما قال فهو مناقض ولا مخلص فإن أوجب على كل واحد أن يأخذ فقد أوجب ~~الأخذ على هذا وأوجب الدفع على ذاك فإن أوجب عليهما PageV02P419 ~~الترك فقد أوجب إهلاكهما جميعا وإن خص أحدهما بالأخذ فهو تحكم وإن قال ~~يتخير كل واحد منهما بين الأخذ والترك فقد سلط هذا على الأخذ وذاك على ~~الدفع فإن أحدهما لو اختار الأخذ واختار الآخر الدفع جاز وهو أيضا متناقض ~~بزعمهم فماذا يقولون ؟! # والمختار عندنا في هذه الصورة التخيير لكل واحد فإنه إنما يجب الأخذ إذا ~~لم يهلك غيره وإنما يجب الترك والإيثار إذا لم يهلك نفسه فإذا تعارضا تخيرا # ويحتمل أن يقرع بينهما كبينتين متعارضتين # وأما المسألة الثانية: إذا نشب الخصام بين الزوج وزوجته احتمل وجهين # أحدهما: أن يقول:يلزمهما الرفع إلى حاكم البلد فإن قضى بثبوت الرجعة لزم ~~تقديم اجتهاد الحاكم على اجتهاد أنفسهما وحل لهما مخالفة اجتهاد أنفسهما إذ ~~اجتهاد الحاكم أولى من اجتهادهما لضرورة رفع الخصومات فإن عجزا عن حاكم ~~فعليهما تحكيم عالم فيقضي بينهما فإن لم يفعلا أثما وعصيا . # وكل ذلك احتمالات فقهية ويحتمل أن يتركا متنازعين ولا يبالي بتمانعهما ms560 ~~فإنه تكليف بنقيضين في حق شخصين فلا يتناقض # وأما المسألة الثالثة: وهي أن تنكح بولي من نكحت بغير ولي فنقول إن كان ~~النكاح بلا ولي صدر من حنفي يعتقد ذلك فقد صح النكاح في حقه والنكاح الثاني ~~بعده باطل قطعا لأنها صارت زوجة للأول وإن كان الحنفي عقده بإجتهاد نفسه ~~واتصل به قضاء حنفي فذلك أوكد فإن كان مقلدا فقد صح أيضا في حقه وإن صدر ~~العقد من شفعوي على خلاف معتقده احتمل أمرين :أحدهما: أن نقطع ببطلانه فإنا ~~إنما نجعله حقا إذا صدر من معتقده عن تقليد أو اجتهاد حيث لا يأثم ولا يعصي ~~وهذا قد عصى فهو مخطىء ويحتمل أن يقال ما لم يطلق أو لم يقض حاكم ببطلانه ~~فلا تحل لغيره لأنه نكاح بصدد أن يقضي به حنفي فينحسم سبيل نقضه فلا يعقد ~~نكاح آخر قبل نقضه # وقد اختلفوا في أن الحنفي لو قضى لشفعوي بشفعة الجار أو بصحة النكاح بلا ~~ولي فهل يؤثر قضاؤه في الإحلال باطنا ؟ PageV02P420 # فغلا أبو حنيفة وجعل القضاء بشهادة الزور يغير الحكم باطنا فيما للقاضي فيه ~~ولاية الفسخ والعقد # وغلا قوم فقالوا: لا يحل القضاء شيئا بل يبقى على ما كان عليه وإن كان ~~قضاؤه في محل الاجتهاد # وقال قوم:يؤثر في محل الاجتهاد ويغير الحكم باطنا ولا يؤثر حيث قاله أبو حنيفة # وهذه احتمالات فقهية لا يستحيل شيء منها فنختار منها ما نشاء فلا يتناقض ~~ولا يلزمنا في الأصول تصحيح واحد من هذه الاختيارات الفقهية فإنها ظنيات ~~محتملة كل مجتهد أيضا فيها مصيب # الشبهة الثالثة: تمسكهم بطريق الدلالة بقولهم لو صح ما ذكرتموه لجاز لكل ~~واحد من المجتهدين في القبلة والإناءين إذا اختلف اجتهادهما أن يقتدي ~~بالآخر لأن صلاة كل واحد صحيحة فلم لا يقتدي بمن صحت صلاته وكذلك ينبغي أن ~~يصح اقتداء الشافعي بحنفي إذا ترك الفاتحة أيضا صحيحة لأنه بناها على ~~الاجتهاد فلما اتفقت الأمة على فساد هذا الاقتداء دل على أن الحق واحد # والجواب: أن الاتفاق في هذا غير ms561 مسلم فمن العلماء من جوز الاقتداء مع ~~اختلاف المذاهب وهو منقدح لأن كل مصل يصلي لنفسه ولا يجب الاقتداء إلا بمن ~~هو في صلاة وصلاة الإمام غير مقطوع ببطلانها فكيف يمتنع الاقتداء ولو بان ~~كون الإمام جنبا ربما لم يجب قضاء الصلاة # ولو سلمنا فنقول: إنما يجوز الاقتداء بمن صحت صلاته في حق المقتدي ~~وللمقتدي أن يقول صلاة الإمام صحيحة في حقه لأنها على وفق اعتقاده فاسدة في ~~حقي لأنها على خلاف اعتقادي فظهر أثر صحتها في كل ما يخص PageV02P421 ~~المجتهد أما ما يتعلق بمخالفته فينزل منزلة الباطل والاقتداء يتعلق ~~بالمقتدي فصلاته لا تصلح لقدوة من يعتقد فسادها في حق نفسه وإن كان يعتقد ~~صحتها في حق غيره # والدليل عليه أن الإمام وإن صلى بغير فاتحة فيحتمل صلاته الصحة بالاتفاق ~~إذ الشافعي لا يقطع بخطئه فلم فسد اقتداؤه بمن تجوز صحة صلاته ويجوز ~~بطلانها وكل إمام فيحتمل أن تكون صلاته باطلة بحدث أو نجاسة لا يعرفها ~~المقتدي ولا تبطل صلاته بالاحتمال فلا سبب لها إلا أنها باطلة في اعتقاده ~~وبموجب اجتهاده # ونحن نقول:هي باطلة بموجب اعتقاده في حقه لا في حق إمامه وبطلانها في حقه ~~كاف لبطلان اقتدائه # الشبهة الرابعة: قولهم:إن صح تصويب المجتهدين فينبغي أن نطوي بساط ~~المناظرات في الفروع لأن مقصود المناظرة دعوة الخصم إلى الانتقال عن مذهبه ~~فلم يدع إلى الانتقال بل ينبغي أن يقال ما اعتقدته فهو حق فلازمه فإنه لا ~~فضل لمذهبي على مذهبك فالمناظرة إما واجبة وإما ندب وإما مفيدة ولا يبقى ~~لشيء من ذلك وجه مع التصويب # والجواب أنا لا ننكر أن جماعة من ضعفة الفقهاء يتناظرون لدعوة الخصم إلى ~~الانتقال لظنهم أن المصيب واحد بل لاعتقادهم في أنفسهم أنهم المصيبون وأن ~~خصمهم مخطىء على التعيين أما المحصلون فلا يتناظرون في الفروع لذلك لكن ~~يعتقدون وجوب المناظرة لغرضين واستحبابها لستة أغراض: # أما الوجوب ففي موضعين: # أحدهما: أنه يجوز أن يكون في المسألة دليل قاطع من نص أو ما في معنى النص ~~أو دليل ms562 عقلي قاطع فيما يتنازع فيه في تحقيق مناط الحكم ولو عثر عليه PageV02P422 ~~لامتنع الظن والاجتهاد فعليه المباحثة والمناظرة حتى ينكشف انتفاء القاطع ~~الذي يأثم ويعصي بالغفلة عنه # الثاني: أن يتعارض عنده دليلان ويعسر عليه الترجيح فيستعين بالمباحثة على ~~طلب الترجيح فإنا وإن قلنا على رأي أنه يتخير فإنما يتخير إذا حصل اليأس عن ~~طلب الترجيح وإنما يحصل اليأس بكثرة المباحثة # وأما الندب ففي مواضع # الأول: أن يعتقد فيه أنه معاند فيما يقوله غير معتقد له وأنه إنما يخالف ~~حسدا أو عنادا أو نكرا فيناظر ليزيل عنهم معصية سوء الظن ويبين أنه يقوله ~~عن اعتقاد واجتهاد # الثاني : أن ينسب إلى الخطأ وأنه قد خالف دليلا قاطعا فيعلم جهلهم فيناظر ~~ليزيل عنهم الجهل كما أزال في الأول معصية التهمة # الثالث: أن ينبه الخصم على طريقه في الاجتهاد حتى إذا فسد ما عنده لم ~~يتوقف ولم يتخير وكان طريقه عنده عتيدا يرجع إليه إذا فسد ما عنده وتغير ~~فيه ظنه # الرابع: أن يعتقد أن مذهبه أثقل وأشد وهو لذلك أفضل وأجزل ثوابا فيسعى في ~~استجرار الخصم من الفاضل إلى الأفضل ومن الحق إلى الأحق # الخامس: أنه يفيد المستمعين معرفة طرق الاجتهاد ويذلل لهم مسلكه ويحرك ~~دواعيهم إلى نيل رتبة الاجتهاد ويهديهم إلى طريقه فيكون كالمعاونة على ~~الطاعات والترغيب في القربات # السادس: وهو الأهم وهو أن يستفيد هو وخصمه تذليل طرق النظر في الدليل حتى ~~يترقى من الظنيات إلى ما الحق فيه واحد من الأصول فيحصل بالمناظرة نوع من ~~الارتباض وتشحيذ الخاطر وتقوية المنة في طلب الحقائق PageV02P423 ~~ليترقى به إلى نظر هو فرض عينه إن لم يكن في البلد من يقوم به أو كان قد ~~وقع الشك في أصل من الأصول أو إلى ما هو فرض على الكفاية إذ لا بد في كل ~~بلد من عالم مليء بكشف معضلات أصول الدين وما لا يتوصل إلى الواجب إلا به ~~فهو واجب متعين إن لم يكن إليه طريق سواه وإن كان إليه طريق سواه فيكون هو ms563 ~~إحدى خصال الواجب فهذا في بعض الصور يلتحق بالمناظرة الواجبة # فهذه فوائد مناظرات المحصلين دون الضعفاء المغترين حين يطلبون من الخصم ~~الانتقال ويفتون بأنه يجب على خصمهم العمل بما غلب على ظنه وأنه لو وافقه ~~على خلاف اجتهاد نفسه عصى وأثم وهل في عالم الله تناقض أظهر منه # فهذه شبههم العقلية # الأدلة النقلية للقائلين بالتخطئة : # أما الشبه النقلية فخمس # الأولى: تمسكهم بقوله تعالى {وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت ~~فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما} ~~[الانبياء77:78] وهذا يدل على اختصاص سليمان بمدرك الحق وأن الحق واحد # الجواب من ثلاثة أوجه: # الأول: أنه من أين صح أنهما بالاجتهاد حكما ومن العلماء من منع اجتهاد ~~الأنبياء عقلا ومنهم من منعه سمعا ومن أجاز أحال الخطأ عليهم فكيف ينسب ~~الخطأ إلى داود عليه السلام ومن أين يعلم أنه قال ما قال عن اجتهاد ؟ PageV02P424 # الثاني: أن الآية أدل على نقيض مذهبهم إذ قال { وكلا آتينا حكما } والباطل ~~والخطأ يكون ظلما وجهلا لا حكما وعلما ومن قضى بخلاف حكم الله تعالى لا ~~يوصف بأنه حكم الله وأنه الحكم والعلم الذي آتاه الله لا سيما في معرض ~~المدح والثناء # فإن قيل: فما معنى قوله تعالى { ففهمناها سليمان } # قلنا لا يلزمنا ذكر ذلك بعد أن أبطلنا نسبة الخطأ إلى داود # الجواب الثالث: التأويل وهو أنه يحتمل أنهما كانا مأذونين في الحكم ~~باجتهادهما فحكما وهما محقان ثم نزل الوحي على وفق اجتهاد سليمان فصار ذلك ~~حقا متعينا بنزول الوحي على سليمان بخلافه لكن لنزوله على سليمان أضيف إليه # ويتعين تنزيل ذلك على الوحي إذ نقل المفسرون أن سليمان حكم بأنه يسلم ~~الماشية إلى صاحب الزرع حتى ينتفع بدرها ونسلها وصوفها حولا كاملا وهذا ~~إنما يكون حقا وعدلا إذا علم أن الحاصل منه في جميع السنة يساوي ما فات على ~~صاحب الزرع وذلك يدركه علام الغيوب ولا يعرف بالاجتهاد PageV02P425 ~~الشبهة الثانية:قوله تعالى {لعلمه الذين يستنبطونه منهم} [النساء: من ~~الآية83] وقوله {وما ms564 يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم } [آل عمران: ~~من الآية7]فدل على أن في مجال النظر حقا متعينا يدركه المستنبط # وهذا فاسد من وجهين : # أحدهما : أنه ربما أراد به الحق فيما الحق فيه واحد من العقليات ~~والسمعيات القطعيات إذ منها ما يعلم بطريق قاطع نظري مستنبط # والثاني: أنه ليس فيه تخصيص بعض العلماء فكل ما أفضى إليه نظر عالم فهو ~~استنباطه وتأويله وهو حق مستنبط وتأويل أذن للعلماء فيه دون العوام وجعل ~~الحق في حق العوام الحق الذي استنبطه العلماء بنظرهم وتأويلهم فهذا لا يدل ~~على تخطئة البعض # الشبهة الثالثة: قوله عليه السلام:إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن ~~أخطأ فله أجر فدل أن فيه خطأ وصوابا وقد ادعيتم استحالة الخطأ في الاجتهاد # والجواب من وجهين: # الأول : أن هذا هو القاطع على أن كل واحد مصيب إذ له أجر وإلا فالمخطىء ~~الحاكم بغير حكم الله تعالى كيف يستحق الأجر # الثاني: هو أنا لا ننكر إطلاق اسم الخطأ على سبيل الإضافة إلى مطلوبه لا ~~إلى ما وجب عليه فإن الحاكم يطلب رد المال إلى مستحقه وقد يخطىء ذلك فيكون ~~مخطئا فيما طلبه مصيبا فيما هو حكم الله تعالى عليه وهو اتباع ما غلب على ~~ظنه من صدق الشهود وكذلك كل من اجتهد في القبلة يقال:أخطأ أي PageV02P426 ~~أخطأ ما طلبه ولم يجب عليه الوصول إلى مطلوبه بل الواجب استقبال جهة يظن أن ~~مطلوبه فيها # فإن قبل: ولم كان للمصيب أجران وهما في التكليف وأداء ما كلفا سواء ؟ # قلنا:لقضاء الله تعالى وقدره وإرادته فإنه لو جعل للمخطىء أجرين لكان له ~~ذلك وله أن يضاعف الأجر على أخف العملين لأن ذلك منه تفضل # ثم السبب فيه أنه أدى ما كلف وحكم بالنص إذ بلغه والآخر حرم الحكم بالنص ~~إذ لم يبلغه ولم يكلف إصابته لعجزه ففاته فضل التكليف والامتثال وهذا ينقدح ~~في كل مسألة فيها نص وفي كل اجتهاد يتعلق بتحقيق مناط الحكم كأروش الجنايات ~~وقدر كفاية الأقارب فإن فيها حقيقة متعينة عند الله ms565 تعالى وإن لم يكلف ~~المجتهد طلبها وهو جار في المسائل التي لا نص فيها عند من قال في كل مسألة ~~حكم متعين وأشبه عند الله تعالى وسيأتي وجه فساده بعد هذا إن شاء الله تعالى # الشبهة الرابعة: تمسكهم بقوله تعالى {ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم ~~} [آل عمران: من الآية103 ]{ ولا تنازعوا فتفشلوا } [لأنفال: من الآية46 ~~]{ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا } [آل عمران: من الآية105]وكذلك {ولا ~~يزالون مختلفين إلا من رحم ربك} } [هود: من الآية118الى الآية119]والإجماع ~~منعقد على الحث على الإلفة والموافقة والنهي عن الفرقة فدل أن الحق واحد ~~ومذهبكم أن دين الله مختلف {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا} [النساء: من الآية82 ] # والجواب من أوجه: # الأول: أن اختلاف الحكم باختلاف الأحوال في العلم والجهل والظن كاختلافه ~~باختلاف السفر والإقامة والحيض والطهر والحرية والرق والاضطرار والاختيار # الثاني : أن الأمة مجمعة على أنه يجب على المختلفين في الاجتهاد أن يحكم كل PageV02P427 ~~واحد بموجب اجتهاده وهو مخالف لغيره والأمر باتباع المختلف أمر بالاختلاف ~~فهذا ينقلب عليكم إشكاله وإنما يصح هذا السؤال من منكري أصل الاجتهاد # الثالث: وهو جواب منكري أصل الاجتهاد أيضا أنه لو كان المراد ما ذكروه ~~لما جاز للمجتهدين في القبلة أن يصلوا إلى جهات مختلفة مع أن القبلة عند ~~الله تعالى واحدة ولما جاز في الكفارات المختلفة أن يعتق واحد ويصوم آخر ~~ولما جاز للمضطرين إلى ميتة لا تفي برمق جميعهم أن يتقارعوا ولما جاز ~~الاجتهاد في أروش الجنايات وتقدير النفقات وفي مصالح الحرب وكل ما سميناه ~~بتحقيق مناط الحكم وذلك كله ضروري في الدين # وليس مرادنا الاختلاف المنهي عنه بل المنهي عنه الاختلاف في أصول الدين ~~وعلى الولاة والأئمة # الشبهة الخامسة: قولهم:حسمتم إمكان الخطأ في الاجتهاد والصحابة مجمعون ~~على الحذر من الخطأ حتى قالأبو بكر رضي الله عنه أقول في الكلالة برأيي فإن ~~كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمن الشيطان وقال علي لعمر رضي الله عنهما ~~إن لم يجتهدوا فقد غشوا وإن ms566 اجتهدوا فقد أخطأوا أما الإثم فأرجو أن يكون ~~عنك زائلا وأما الدية فعليك # ولما كتب أبو موسى كتابا عن عمر كتب فيه هذا ما أرى الله عمر فقال امحه ~~واكتب هذا ما رأى عمر فإن يك خطأ فمن عمر وقال في جواب المرأة التي ردت ~~عليه في النهي عن لمبالغة في المهر حيث ذكرت القنطار في الكتاب أصابت امرأة ~~وأخطأ عمر وقال ابن مسعود في المفوضة إن كانت خطأ فمني ومن الشيطان بعد أن ~~اجتهد شهرا PageV02P428 ~~الجواب: إنا نثبت الخطأ في أربعة أجناس أن يصدر الاجتهاد من غير أهله أو لا ~~يستتم المجتهد نظره أو يضعه في غير محله بل في موضع فيه دليل قاطع أو يخالف ~~في اجتهاده دليلا قاطعا كما ذكرناه في باب مثارات إفساد القياس وإنا ذكرنا ~~عشرة أوجه تبطل القياس قطعا لا ظنا فجميع هذا محال الخطأ . # وإنما ينتفي الخطأ متى صدر الاجتهاد من أهله وتم في نفسه ووضع في محله ~~ولم يقع مخالفا لدليل قاطع ثم مع ذلك كله يثبت اسم الخطأ بالإضافة إلى ما ~~طلب لا إلى ما وجب كما في القبلة وتحقيق مناط الأحكام # فمن ذكره من الصحابة فإما إن كان اعتقد أن الخطأ ممكن وذهب مذهب من قال ~~المصيب واحد أو خاف على نفسه أن يكون قد خالف دليلا قاطعا غفل عنه أو لم ~~يستتم نظره ولم يستفرغ تمام وسعه أو يخاف أن لا يكون أهلا للنظر في تلك ~~المسألة أو أمن ذلك كله لكن قال ما قال إظهارا للتواضع والخوف من الله ~~تعالى كما يقولون أنا مؤمن بالله إن شاء الله مع أنهم لم يشكوا في إيمانهم # ثم جميع ما ذكروا أخبار آحاد لا يقوم بها حجة ويتطرق إليها الاحتمال ~~المذكور فلا يندفع بها البراهين القاطعة التي ذكرناها PageV02P429 ~~مسألة الخطأ والإصابة في الاجتهاد القول في نفي حكم معين في المجتهدات # أما من ذهب إلى أن المصيب واحد فقد وضع في كل مسألة حكما معينا هو قبلة ~~الطالب ومقصد طلبه فيصيب أو ms567 يخطىء # أما المصوبة فقد اختلفوا فيه فذهب بعضهم إلى إثباته وإليه تشير نصوص ~~الشافعي رحمه الله لأنه لا بد للطالب من مطلوب وربما عبروا عنه بأن مطلوب ~~المجتهد الأشبه عند الله تعالى والأشبه معين عند الله # والبرهان الكاشف للغطاء عن هذا الكلام المبهم هو أنا نقول المسائل منقسمة ~~إلى ما ورد فيها نص وإلى ما لم يرد # أما ما ورد فيه نص فالنص كأنه مقطوع به من جهة الشرع لكن لا يصير حكما في ~~حق المجتهد إلا إذا بلغه وعثر عليه أو كان عليه دليل قاطع يتيسر معه العثور ~~عليه إن لم يقصر في طلبه فهذا مطلوب المجتهد وطلبه واجب وإذا لم يصب فهو ~~مقصر آثم أما إذا لم يكن إليه طريق متيسر قاطع كما في النهي عن المخابرة ~~وتحويل القبلة قبل بلوغ الخبر فقد بينا أن ذلك حكم في حق من بلغه لا في حق ~~من لم يبلغه لكنه عرضة أن يصير حكما فيه حكم بالقوة لا بالفعل وإنما يصير ~~حكما بالبلوغ أو تيسر طريقه على وجه يأثم من لا يصيبه # فمن قال: في هذه المسائل حكم معين لله تعالى وأراد به أنه حكم موضوع ~~ليصير حكما في حق المكلف إذا بلغه وقبل البلوغ وتيسر الطريق ليس حكما في PageV02P430 ~~حقه بالفعل بل بالقوة فهو صادق وإن أراد به غيره فهو باطل # أما المسائل التي لا نص فيها فيعلم أنه لا حكم فيها لأن حكم الله تعالى ~~خطابه وخطابه يعرف بأن يسمع من الرسول صلى الله عليه وسلم أو يدل عليه دليل ~~قاطع من فعل النبي عليه السلام أو سكوته فإنه قد يعرفنا خطاب الله تعالى من ~~غير استماع صيغة فإذا لم يكن خطاب لا مسموع ولا مدلول عليه فكيف يكون فيه ~~حكم فقليل النبيذ إن اعتقد فيه كونه عند الله حراما فمعنى تحريمه أنه قيل ~~فيه لا تشربوه وهذا خطاب والخطاب يستدعي مخاطبا والمخاطب به هم الملائكة أو ~~الجن أو الآدميون ولا بد أن يكون المخاطب به هم المكلفون ms568 من الآدميين ومتى ~~خوطبوا ولم ينزل فيه نص بل هو مسكوت عنه غير منطوق به ولا مدلول عليه بدليل ~~قاطع سوى النطق فإذا لا يعقل خطاب لا مخاطب به كما لا يعقل PageV02P431 ~~علم لا معلوم له وقتل لا مقتول له ويستحيل أن يخاطب من لا يسمع الخطاب ولا ~~يعرفه بدليل قاطع # فإن قيل: عليه أدلة ظنية # قلنا: قد بينا أن تسمية الأمارات أدلة مجاز فإن الأمارات لا توجب الظن ~~لذاتها بل تختلف بالإضافة فمما لا يفيد الظن لزيد فقد يفيد لعمرو وما يفيد ~~لزيد حكما فقد يفيد لعمرو ونقيضه وقد يختلف تأثيره في حق زيد في حالتين فلا ~~يكون طريقا إلى المعرفة ولو كان طريقا لعصى إذا لم يصبه فسبب هذا الغلط ~~إطلاق اسم الدليل على الأمارات مجازا فظن أنه دليل محقق وإنما الظن عبارة ~~عن ميل النفس إلى شيء # واستحسان المصالح كاستحسان الصور فمن وافق طبعه صورة مال إليها وعبر عنها ~~بالحسن وذلك قد يخالف طبع غيره فيعبر عنه بالقبح حيث ينفر عنه فالأسمر حسن ~~عند قوم قبيج عند قوم فهي أمور إضافية ليس لها حقيقة في نفسها فلو قال قائل ~~الأسمر حسن عند الله أو قبيح قلنا:لا حقيقة لحسنه وقبحه عند الله إلا ~~موافقته لبعض الطباع ومخالفته لبعضها وهو عند الله كما هو عند الناس فهو ~~عند الله حسن عند زيد قبيح عند عمرو إذ لا معنى لحسنه إلا موافقته طبع زيد ~~ولا معنى لقبحه إلا مخالفته لطبع عمرو # وكذلك تحريك الرغبة للفضائل والتفاوت في العطاء هو حسن عند عمر رضي الله ~~عنه موافق لرأيه وهو بعينه ليس موافقا لأبي بكر رضي الله عنه بل الحسن PageV02P432 ~~عند أن يجعل الدنيا بلاغا ولا يلتفت إليها # فهذه الحقيقة في الظنون ينبغي أن تفهم حتى ينكشف الغطاء وإنما غلط فيه ~~الفقهاء من حيث ظنوا أن الحلال والحرام وصف للأعيان كما ظن قوم أن الحسن ~~والقبح وصف للذوات # فإن قيل: نحن لا ننكر أن ما لم يرد فيه نطق ولا دليل قاطع ms569 فليس فيه حكم ~~نازل موضوع لكن نعني بالأشبه فيما هو قبلة للطالب الحكم الذي كان الله ~~ينزله لو أنزله وربما كان الشارع يقوله لو رجع في تلك المسألة . # قلنا:هذا هو الحكم بالقوة وما كان ينزل لو نزل إنما يكون حكما لو نزل ~~فقبل نزوله ليس حكما فقد ظهر أنه لا حكم ومن أخطأ لم يخطىء الحكم بل أخطأ ~~ما كان لعله سيصير حكما لو جرى في تقدير الله انزله ولم يجر في تقديره فلا ~~معنى له # ويلزم من هذا أن يجوز خطأ المجتهدين جميعا في تقديره وإصابة المجتهدين ~~جميعا فإنه ربما كان ينزل لو أنزل التخيير بين المذهبين وتصويب كل من قال ~~فيه قولا كيفما قال أو ينزل تخطئة كل من قطع القول بإثبات أو نفي حيث لم ~~يتخير بين الحكمين فإن هذه التجويزات لا تنحصر فربما يعلم الله صلاح العباد ~~في أن لا يضع في الوقائع حكما بل يجعل حكمها تابعا لظن المجتهدين فتعبدهم ~~بما يظنون ويبطل مذهب من يقول فيها بحكم معين فيكون في هذا تخطئة كل من ~~أثبت من المجتهدين حكما معينا نفيا أو إثباتا # احتجوا بأن قالوا:إنما اضطرنا إلى هذا ضرورة الطلب فإنه يستدعي مطلوبا ~~فمن علم أن الجماد ليس بعالم ولا جاهل لا يتصور أن يطلب الظن أو العلم ~~بجهله وعلمه ومن اعتقد أن العالم خال عن وصف القدم والحدوث هل يتصور أن ~~يطلب ما يعتقد انتفاءه ؟فإذا اعتقد الطلب أن قليل النبيذ ليس عند الله ~~حراما ولا حلالا فكيف يجتهد في طلب أحدهما ؟ PageV02P433 # قلنا: فقد أخطأ إذ ظننتم أن المجتهد يطلب حكم الله مع علمه بأن حكم الله ~~خطابه فإن الواقعة لا نص فيها ولا خطاب بل إنما يطلب غلبة الظن وهو كمن كان ~~على ساحل البحر وقيل له إن غلب على ظنك السلامة أبيح لك الركوب وإن غلب على ~~ظنك الهلاك حرم عليك الركوب وقبل حصول الظن لا حكم لله عليك وإنما حكمه ~~يترتب على ظنك ويتبع ظنك بعد حصوله فهو يطلب الظن ms570 دون الإباحة والتحريم # فإن قيل: هذا في البحر معقول لأنه ينظر في أمارات الهلاك والسلامة فذلك ~~مطلوبة والإباحة والتحريم أمر وراءه وفي مسألتنا لا مطلوب سوى الحكم ~~قلنا:من ههنا غلطتم فإنه لا فرق بين الصورتين ونحن نكشف ذلك بالأمثلة فنقول ~~لو قلنا: للشارع ما حكم الله تعالى في العطاء الواجب التسوية أو التفضيل ~~فقال حكم الله على كل إمام ظن أن الصلاح في التسوية هو التسوية وحكمه على ~~كل من ظن أن المصلحة في التفضيل ولا حكم عليهم قبل تحصيل الظن إنما يتجدد ~~حكمه بالظن وبعده كما يتجدد الحكم على راكب البحر بعد الظن ويتجدد على ~~قاضيين شهد عندهما في واقعتين شخصان وجوب القبول ووجوب الرد عند ظن الصدق ~~وظن الكذب فيجب على أحدهما التصديق وعلى الآخر التكذيب # وكذلك إذا قلنا: ما حكمه في قليل النبيذ؟ فقال حكمه تحريم الشرب على من ~~ظن أني حرمت قليل الخمر لأنه يدعوه إلى كثيره والتحليل لمن ظن أني حرمت ~~الخمر لعينها إلا لهذه العلة ولا حكم لله تعالى قبل هذا الظن # وكذلك إذا قلنا: ما حكم الله في قيمة العبد أتضرب على العاقلة أم على PageV02P434 ~~الجاني؟فقال: حكم الله تعالى على من ظن أنه بالحر أشبه الضرب على العاقلة ~~وعلى من ظن أنه بالبهيمة أشبه الضرب على الجاني # وكذلك نقول: ما حكم الله في المفاضلة في بيع الجص والبطيخ فقال حكم الله ~~على من ظن إني حرمت ربا الفضل في البر لأنه مطعوم تحريم البطيخ دون الجص ~~وعلى من ظن أني حرمته للكيل تحريم الجص دون البطيخ # فإن قيل: فما علة تحريم ربا البر عند الله أهي الطعم أم الكيل أم القوت؟ # فنقول: كل واحد من الطعم والكيل لا يصلح أن يكون علة لذاتها بل معنى ~~كونها علة أنها علامة فمن ظن أن الكيل علامة فهو علامة في حقه دون من ظن أن ~~علامته الطعم وليست العلة وصفا ذاتيا كالقدم والحدوث للعالم حتى يجب أن ~~يكون في علم الله على أحد الوصفين لا محالة ms571 بل هو أمر وضعي والوضع يختلف ~~بالإضافة وقد وضعته كذلك # فهذا لو صرح الشارع به فهو معقول وجانب الخصم لو صرح به كان محالا وهو أن ~~يكون لله حكم ليس بخطاب ولا يتعلق بمخاطب ومكلف فإن هذا يضاد حد الحكم ~~وحقيقته أو يقول تعلق به لكن لا طريق له إلى معرفته فهو محال لما فيه من ~~تكليف ما لا يطاق أو يقول له طريق إلى معرفته وقد أمر به لكنه لا يعصي ~~بتركه فهو أيضا يضاد حد الواجب ويضاد حد الاجماع PageV02P435 ~~المنعقد على أن المجتهد يجب عليه العمل بموجب اجتهاده فكيف يجب عليه مع ذلك ~~ضده ؟وكيف يكون مأمورا باستقبال القبلة من غلب على ظنه أن القبلة في جهة ~~أخرى ؟بل بالإجماع لو خالف اجتهاد نفسه واستقبل جهة أخرى فاتفق إن كان جهة ~~القبلة عصى ولزمه القضاء # فاستبان أن ذلك المذهب محال لو وقع التصريح به . ومذهبنا معقول يمكن ~~التصريح به . فيجب تنزيل الاجتهاد الشرعي على الممكن دون المحال PageV02P436 ~~فصل # به تمام كشف القناع عن غموض المسألة ، ألحقناه بعد الفراغ من تصنيف ~~الكتاب وانتشار النسخ # ويتبين الغرض من هذا الفصل بأسئلة : # الأول: إن قال قائل : إذا استقر رأيكم على أن بعض المجتهادت ليس فيها حكم ~~معين . صار الطلب محالا .لان المتيمم إذا علم يقينا أن ليس حواليه ماء : ~~والحكم هو مطلوب المجتهد ، كما أن الماء مطلوب المتيمم # قلنا : المتيمم إن جوز أن يكون حواليه ماء ، وأن لا يكون ، يتصور منه ~~الطلب ، كما يتصور إذا علم يقينا أن حواليه ماء لكن لم يعرف مكانه ، فكذلك ~~المجتهد يجوز في كل مسألة أن يكون الحكم باقيا على النفي الأصلي ، أو ~~متغيرا عنه بنص قاطع ، أو إجماع ، أو ما في معنى النص والإجماع ، قطعا أو ~~مافي معناهما ظنا . ولولا تجويزه حكما معينا. لما تصور منه الطلب . فما من ~~مسألة يبتدئ الاجتهاد فيها إلا ونجوز فيها حكما معينا # فالأحوال ثلاثة : وجود الحكم ،وأن يعلم انتفاءه ، وأن يجوز وجوده ~~وانتفاءه وهذه. الحالة الثالثة في معنى الحالة ms572 الأولى:في تصحيح الطلب ، لا ~~في معنى الحالة الثانية ، كما في طلب الماء . ثم بالآخرة قد يعلم أن لا ماء ~~حواليه ، فكذلك قد يعلم أن ليس في المسألة دليل قاطع ، فليس فيها حكم معين . PageV02P437 # فإن قيل: فالطلب إن لم يكن واجبا فلم يشتغل به ؟وإن كان واجبا فلم لا يعصي ~~إذا لم يصب الحكم ؟ # قلنا: لأن الطلب واجب ، والوصول المحقق ليس بواجب لأن الطلب مقدور ، ~~والوصول المحقق الموافق لعلم الله تعالى غير مقدور، والوصول المظنون مقدور ~~، كما في الطلب القبلة . # فإن قيل: سلمنا لكم أن من أخطاء النص حيث لا يقدر على الوصول إليه فهو ~~خطأ بالإضافة إلى ما طلب ، لا بالإضافة إلى ما وجب . ولسنا نعني بتخطئة أحد ~~المجتهدين إلا أحدهما ، فإن لم يكن فيه حكم معين ، فيلزم تخطئة المجتهدين جميعا. # وبيان هذا بحصر مجال نظر المجتهدين ، وهي عشرة : # الأول: العموم ، كقوله عليه السلام : " أيما إهاب دبغ فقد طهر " فالشارع ~~إن أراد إدارج ]جلد[ الكلب فالشافعي مخطئ ، وإن أراد إخراج ]جلد[فأبو حنيفة ~~مخطئ ، وإن لم يرد لا هذا ولا هذا ، بل لم يخطر الكلب بباله ، فهما مخطئان ~~، فإن أحدهما يقول : أراد إدراجه وقصد العموم ، والآخر يقول : أراد إخراجه . # الثاني : الظاهر : مثله قول النبي صلى الله عليه وسلم لفيروز الديلمي ، ~~وقد أسلم على أختين :"أمسك إحداهما وفارق الأخرى" فإن أراد به ابتداء ~~النكاح فالشافعي مخطئ ، وإن أراد به الاستصحاب فأبو حنيفة مخطئ ، وإن لم ~~يرد لاهذا ولا ذاك فهو محال متناقض ، إذا يلزم منه تخطئة الفريقين ، فيقول ~~الشافعي : ما أراد الابتداء ، ويقول أبو حنيفه : أراد الابتداء للنكاح . # الثالث: المفهوم مثاله قول النبي صلى الله عليه وسلم :"الثيب أحق بنفسها" ~~فإن أراد نفي PageV02P438 ~~الحق عن البكر فإبو حنيفة مخطئ ، وإن لم يرد فالشافعي مخطئ . ولا بد أن ~~يريد أحداهما ، أما احتمال فمحال . # الرابع: الاستدال بقول الصحابي إذا خالف القياس ، قال أبو حنيفة مخطئ . # الخامس: طلب الأصلح ، كقول أبي بكر رضي الله عنه : يسوي الإمام في العطاء ~~، لأنه أصلح ،إذ الدنيا بلاغ. وقال ms573 عمر: بل يفاوت ، تحريكا للرغبة في ~~الفضائل .لأنه أصلح : إن كان الأصلح عند الله تعالى التسوية ، فعمر رضي ~~الله عنه مخطئ . وإن كان التفاوت أصلح فأبو بكر مخطئ ، فإن استويا في ~~الصلاح عند الله تعالى فهما مخطئان ، إذ كل واحد منهما يقول هذا أصلح . # السادس : طلب الأشبه : كقول الشافعي العبد بل الفرس أشبه ، فيضمن بكمال ~~قيمته ، قول أبي حنيفة : هو بالحر أشبه . فإن كان عند الله تعالى بالحر ~~أشبه ، فالشافعي مخطئ ، وإن كان بالفرس أشبه فأبو حنيفة مخطئ ، وإن لم يكن ~~بأحدهما أشبه بل يشبه هذا كما يشبه هذا ، فهما مخطئان # السابع : النظر في تخريج مناط الحكم واستنباطه ، كقول أبي حنيفة : الماء ~~جعل مزيلا للنجاسة لأنه يزيل العين والأثر ، فهو العلة والمناط ، والشافعي ~~يقول : بل هو خاصية الماء فلا علة ولا مناط . فإن قصد الشارع تخصيص الماء ~~بخاصية فأبو حنيفة مخطئ وإن قصد تعليقه بمعنى الإزالة فالشافعي مخطئ . وإن ~~لم يقصد لا هذا ولا ذاك فهما مخطئان # الثامن: تنقيح مناط الحكم : كقول النبي صلى الله عليه وسلم :"من جامع ~~فعليه ما على المظاهر" فإن الكفارة وجبت على المجامع في نهار رمضان بطريان PageV02P439 ~~الجماع ،لكن لكونه جماعا ، أو إفساد للصوم ؟ فإن علقه الشارع بالجماع فمالك ~~مخطئ ، إذ يعلقه بكل إفطار . وإن علقه بالإفساد فالشافعي مخطئ إذ علقه ~~بكونه جماعا. # والفرق بين تخريج مناط الحكم وبين تنقيحه كما ذكرناه في أول كتاب القياس ~~،فإن الحكم إذا رتب على الجماع وهو فعل حادث ، صار منوطا بالوصف الطارئ ، ~~ومضافا إليه قطعا ويقع النظر في تنقيح المناط وتجريده عن بعض الأوصاف . # أما ذكر حكم الماء في إزالة النجاسة ، وحكم الخمر في الإسكار ،وحكم البر ~~في الربا : فإلحاق الخل بالماء ،والنبيذ بالخمر والبطيخ بالبر مبني على ~~استنباط المناط وتخريجه . والمانع من الإلحاق ينكر أصل العلة والمناط ~~ويقول: الشارع صلى الله عليه وسلم ذكر حكما ، ومحلة ، ولم يذكر علته . # التاسع: تعيين المناط ،كعتق بريرة. إذ يقول الشافعي : خيرت لما عليها من ~~الضرر في المقام تحت عبد ، ويقول ms574 أبو حنيفه :بل لزوال الرق القاهر ، إذ ~~زوجت بغير رضاها والآن قد صارت من أهل الرضا . والعلتان مختلفتان في الأمة ~~إذا أعتقت تحت حر .فإن كان باعث الشرع في بريرة دفع ضرر العبد فأبو حنيفة ~~مخطئ ، وإن كان الباعث زوال قهر الرق فالشافعي مخطئ . وإن لم يكن لا هذا ~~باعثا فهما مخطئان .وفرق بين تنقيح المناط ،فإن تعيين المناط كالخلاف في أن ~~علة الربا الطعم أو الكيل ، ولا يدخل شيء من الطعم في الكيل. والنظر في ~~التنقيح يبقي شيئا متفقا عليه بين الفريقين ، ويرد الخلاف إلى تفصيله ، ~~كالنظر في النفقة المبثوثة ،فإنه ينبني على أن النكوحة لم تستحق النفقة، ~~ولا خلاف في أن النكاح علة استحقاق النفقة ، لكن باعتبار كونه مفيدا للحل ، ~~أو الملك ، أو سلطنة ما أو ليس للحل ، بدليل استحقاق الرجعية ، وليس للملك ~~، بدليل الكافر إذا أسلم على عشرة نسوة ، فإنه ينفق على جميعهن قبل ~~الاختبار ولا ملك في PageV02P440 ~~الإسلام إلا على أربع ، لكن له سلطان تقرير النكاح على كل واحدة منهن ، فهي ~~محبوسة تحت سلطنة . # فيقول أبو حنيفة: المعتدة البائنة ]كذا[ أيضا تحت سلطنة النكاح ، فإن هذه ~~العدة من اثر النكاح . وكونه عاجزا عن إسقاط هذه السلطنه أبلغ في تأكيد ~~الحق . بل الكافر إذا أسلم أيضا لا يقدر على إسقاط سلطنة الاختبار . فيرجع ~~الخلاف إلى أن النكاح معتبر باعتبار أي علاقة وأي أثر ، مع الاتفاق على أنه ~~لابد من النكاح ، فإن المعتدة بالشبهة لا تستحق ، لأن عدتها ليست أثر نكاح . # والشافعي يقول: هو باعتبار سلطنة تقرير النكاح ، وذلك موجود في الذي أسلم ~~،وفي الرجعية . # ويقول أبو حنيفة: ليس ذلك معتبرا ،بدليل ما لو كان له زوجتان ،فقال : إن ~~كان هذا الطائر غرابا فزينب طالق ، وإن لم يكن غرابا فعمرة طالق ، وغاب ~~الطائر ولم يعرف ، فإنه يلزمه نفقتهما ، والمنوكوحة إحداهما . ولكن واحدة ~~محبوسة بسببه . # فيقول الشافعي: لاتجب للحبس ، بل للنكاح ، فإن كل واحدة كانت منكوحة ~~يقينا والشك في الطلاق شك في النفقة ، فلا تسقط نفقتها بالشك # والمقصود: أنهما ms575 مع الإتفاق على اعتبار أصل مشترك وهو النكاح ، اختلفا في ~~تعيين آثار ذلك المعنى ، لا كالمختلفين في الطعم والكيل ، فإنهما معنيان ~~متباينان لا يدخل أحدهما في الآخر # وكأن هذا الكلام خارج عن غرضنا . وقد سنح عرضا ، فذكرناه # العاشر: النظر في التحقيق المناط في الفرع: كما لو كانت العلة ملخصة ~~معلومة في الاصل ، لكن وقع الشك في تحققها في الفرع، كالتردد في أن رائحة ~~النجاسة إذا أزيلت عن الماء الكثير بطرح التراب فيه ، أنه هل يعود طاهرا: ~~لأنه لو زال بهبوب الريح وطول المكث طهر ، ولو زال بالقاء المسك والزعفران لم PageV02P441 ~~يطهر لأن ستر لا إزالة ، وإذا زال ففيه خلاف منشؤه أن التراب مزيل أو ساتر ~~؟ عند الله تعالى فقد أخطاء من قال لا يطهر ، وإن كان ساترا عند الله تعالى ~~: فقد أخطاء الآخر ،ولابد من أحد الأمرين. # ومن أمثلة تحقيق المناط الخلاف في أن رماد الزبل طاهر أم لا . والعين ~~النجسة إذا استحالت طهرت ، كالبيضة المذرة إذا استحالت فرخا ، وكالزبل إذا ~~تولد منه حيوان أو نبات ، وإن تغير لم يعد طاهرا . والرماد زبل متغير أو هو ~~عين أخرى استحال إليها الزبل كما يستحيل الكلب في المملحة ملحا ؟ فعلة ~~الاصل ها هنا معلومة ، والخلاف في تحققها في الفرع . # فهذه مثارات جولان نظر المجتهدين استوفيناها للإحاطة بمجمعها ، ولبيان ~~أنه لابد من تعين حق عند الله تعالى في جميعها ، فإن لم يتعين فيلزم تخطئة ~~المجتهدين جميعها # وهذه العشرة العموم ،والظاهر ، والمفهوم ، وقول الصحابي ، وطلب الصلح ~~،وطلب الأشبه ، والنظر في تخريج المناط أو تنقيحه أو تعيينه أو تحقيقه . ~~ولايعدو نظر المجتهدين هذه الجملة أو مايناسبها . # والجواب: أن نقول: إنكم إذا قنعتم بحق موضوع لم يبلغ المكلف ولم يؤمر ~~بطلبه حتى يلزم منه خطا مجازي ، فهو مسلم في كل مسألة يدور الأمر فيها بين ~~النفي والإثبات ، كالنظر في تحقيق المناط في الفرع ، وكالنظر في المفهوم، ~~وقول الصحابي ، فهذه المسائل لابد فيها لابد فيها من أحد قسمين ، وهو حق موضوع PageV02P442 ~~متعين ،كالقبلة في حق المجتهدين فيها ms576 . # لكن من المسائل ما لا يتعين فيها حكم بحيث يتميز أحد المجتهدين عن الآخر ~~في الخطاء المجازي أيضا ، كالعموم ، وتخريج المناط وطلب الأشبه والأصلح # بيانه أنا لو سألنا الشارع عن قوله :"أيما إهاب دبغ فقد طهر" إنك أردت ~~إدراج الكلب أو إخراجه جاز أن يقول :أردت الإدخال ، أو أردت الإخراج ،أو ~~:لم يخطر ببالي الكلب ، ولا الإخراج ، لكن يقول: احكم الله على من سبق إلى ~~فهمه من اللفظ # واللفظ لايدل بعينه ، بل بالمواضعة : # واللفظ باعتبار المواضعة ثلاثة: # نص صريح: لا احتمال فيه ، كالخمسة ، لاتحتمل الستة والأربعة . فمن فهم ~~منه غير الخمسة فهو مخطئ ، لأن دلالته قاطعة . # ولفظ مجمل: كالقرء ، والعين ،فلا يفهم إلا مع قرينة معينة أو قياس . وتلك ~~المعاني تختلف بالإضافة إلى الطباع والأحوال . # ولفظ محتمل: أحد احتماليه أظهر ، ويسمى ظاهرا وليست دلالته نصا قاطعا بل ~~ربما أفهم في حق زيد ما لا يفهم في حق عمرو ، ولأن المقياس والمعاني قرائن ~~تنتهض في تفهم أحد معنييه ،وتلك القرائن تختلف بالإضافة ،فيختلف الفهم ~~.فالظاهر من هذا كالمجمل لا كالنص ،لكن موافقة اللفظ لأصل الوضع قرينة ~~مرجحة ، بشرط انتفاء قرينة أخرى ترجح جانب التجوز عن الوضع .فاللفظ صالح ~~للحقيقة والمجاز جميعا، لا كلفظ الستة فإنه لا يصلح للخمسة لا مجازا ولا ~~حقيقة . PageV02P443 # فيقول الشارع: الحكم ها هنا تابع لهم ، والفهم في الستة تابع للحكم ، لأن ~~دلالته على الحكم قاطعة . ونقول : كما أن الحكم مادام عند جبريل عليه ~~السلام لم يصير حكما في الارض حتى ينزل إلى الأرض ، فإذا نزل إلى الأرض . ~~وكان في قلب الرسول صلى الله عليه وسلم ،لم يصر حكما مالم يتلفظ به ، فإذا ~~نزل تلفظ به لم يصير حكما بالفعل، وقبل ذلك كان حكما بالقوة . فيقول الشارع ~~: لاحكم لله تعالى في مسألة الدباغ قبل الوقوع في الفهم: فمن طبعه كطبع ~~الشافعي ، يفهم أن الدباغ لا يزيد على الحياة ، فيكون ذلك هو الحكم في حقه ~~ومن طبعه ابي حنيفة: يفهم العموم ، فهو الحكم في حقه. # فلو صرح الشارع به ms577 كان معقولا، ولم يتميز أحدهما عن الاخر في صواب ولا ~~خطاء ، إذ ليس فيه حكم موضوع قبل نظرهما . # وكذلك يقول في قول ه عليه السلام أمسك أربعا : إني أردت الإمساك أو ~~الابتداء لامحالة . ولكن مالكم ولإرادتي ولا سبيل لكم إلى معرفتها ، إنما ~~تعبدتم بما يصل إلى فهمكم . # وهذا اللفظ أفهم الحاضرين مع قرينة شاهدوها ، أما أنتم معاشر التابعين ~~ومن بعدهم فقد اندرست في حقكم القرينة ، وبقي مجرد اللفظ ، وليس مفهما أحد ~~المعنيين تفهيما قاطعا ، بل من طبعه طبع الشافعي في استحقار القياس يفهم ~~منه ما يوافق الوضع ، وهو الإمساك ، ومن طبعه طبع أبي حنيفة في التفاته إلى ~~قياس الرضاع الطارئ على النكاح ، يفهم من هذا في فهمه من هذا اللفظ ابتداء ~~النكاح . وحكم الله تعالى على كل واحد ما القاه في فهمه من هذا اللفظ ، لا ~~ما في ضمير الشارع ،وسبيل لهم إلى معرفة حقيقته . # وكذلك في مسألة الأصلح: يجوز أن يكون كل واحد منهما مثل الآخر في الصلاح ~~ولا يتميز أحدهما عن الآخر في خطاء وإصابة . PageV02P444 # وكذلك قد يقول الشارع: الماء يزل النجاسة ، ولا يخطر له قصد الخصوص ، ~~ولاقصد التعليق بعلة تعم الخل ، لكن يقول: من ظن أن التعليق بالعلة ، كان ~~الحكم في حقه أن الخل يطهر ، ومن لا فلا . فيكون الحكم تابعا # وقد ينظر المجتهدان في الطلب الأحسن ، ويختلفان فيه ، فلا يكون عند الله ~~تعالى أحسن ، لأنه أمر إضافي . أما الأصلح فإنه أمر ذاتي ، ولا بد عند الله ~~تعالى من أن يكون أحدهما أصلح ، أو يتساويان في الصلاح. # ومسألة الأشبه يحتمل أن يقال إنه من قبيل الأحسن ، فليس عند الله تعالى ~~فيه شئ ، لأن الأشبه إنما يكون في حق الجاهل ببواطن الأمور ، فلا يكون في ~~حق الله تعالى أشبه . ففي هذه المسألة لايتميز أحد المجتهدين عن الآخر لا ~~بالخطأ المجازي ولا بالخطأ الحقيقي . # فصل: # فإن قالوا : :فإذا اعترفتم بالخطأ المجازي ، وقنع الخصم به فإلى ماذا ~~يرجع الخلاف ؟ وماذا كان سعيكم في تدقيق هذه المسألة وتحقيقها ؟ # قلنا: أما من ms578 قنع بالخطأ المجازي فسعينا معه في أمرين : أحدهما: أن نبين ~~أن من الأقسام ما.ليس فيه خطأ مجازي أيضا ، كمسألة الأحسن والأشبه . # والثاني: أن نبين أن الخطأ المجازي ليس بخطأ ،بل هو كذب وخلف ، إذ لو كان ~~خطأ لوجب نسبة الرسول إلى الخطأ ، إذا قضى لأحدهم بشئ من مال أخيه ولو جب ~~تخطئة أهل الإجماع ، وتخطئة المجتهدين جميعا ، كما قالوه ولا خلاف في عصمة ~~الرسول والأمة عن الخطأ . فغايتنا أن نلحق المجتهد بالرسول وبالأمة . وقد ~~فعلنا ذلك ، وبينا أن الخطأ المجازي ليس بخطأ PageV02P445 ~~وأما من أثبت خطأ حقيقيا فقد ابطلنا ذلك عليه بما مهدناه من الأصول . # وترجع تلك الأصول إلى عشرة : # الأول: بيان أن الأدلة الظنية إضافية لا حقيقية ، بخلاف الأدلة العقلية . # الثاني : أن العلل الشرعية علامات إضافية ، فيجوز أن يكون الكيل من حهة ~~الله تعالى علامة منصوبة في حق أب حنيفة ، والطعم علامة في حق الشافعي . # الثالث : التميز بين ماهو حكم بالقوة ، وبين ماهو حكم بالفعل . # الرابع: أن الحلال والحرم ليسا من أوصاف الأعيان حتى يستحيل أن يكون الشئ ~~الواحد حلالا حراما في حق شخصين ., # الخامس : أن الحكم أمر وضعي إضافي ليس بذاتي ،فيجوز أن يكون تابعا للظن ، ~~ومبينا عليه ،ولا يجب أن يكون سابقا على الظن ، حتى يجوز أن يكون المظنون ~~مشكوكا فيه ، والحكم المبني عليه مقطوعا به كحكم الرسول صلى الله عليه وسلم ~~بشهادة الشاهدين عند غلبة ظن الصدق ، فإنه يشك في صدقهما ويقطع بالحكم ~~،ويقطع بكونه مصيبا يفي الحكم ، فكذلك المجتهد عند شهادة الأصل للفرع . # السادس : أن الحكم هو تكليف ، وشرط التكليف بلوغ المكلف ، وليس عند الله ~~تعالى تكليف قبل بلوغ المكلف ، فلا حكم عنده قبله # السابع : أن الطلب مع انتفاء حكم عند الله تعالى ممكن ، من حيث إنه يجوز ~~أن يكون في الواقعة حكم معين ، وإن جوز أيضا أن لا يكون فيها حكم . # الثامن : أن الخطأ أسم ، قد يقال بالإضافة إلى ما وجب ، وهو الحقيقي ، ~~وقد يقال بالإضافة إلى ما طلب ،وهذا مجاز . # التاسع: أنه لايجوز ms579 أن يكون مأمورا بالإصابة ثم يكون غير مأثوم إذا تركها ~~مع القدرة . PageV02P446 # العاشر: أنه لا يجوز أن يكون مأمورا بإصابة ما ليس علية دليل قاطع ، فإنه ~~تكليف بما لا يطاق . # فهذه عشرة أصول ، كل واد ماتهة لجماعة وقد بيناها # هذا حكم التأثيم والتصويب ونذكر بقية أحكام الاجتهاد في صور مسائل : # مسألة:تعارض الأدلة : # مع بعضها إذا تعارض دليلان عند المجتهد وعجز عن الترجيح ولم يجد دليلا من ~~موضع آخر وتحير فالذين ذهبوا إلى أن المصيب واحد يقولون هذا بعجز المجتهد ~~وإلا فليس في أدلة الشرع تعارض من غير ترجيح فيلزم التوقف أو الأخذ ~~بالاحتياط أو تقليد مجتهد آخر عثر على الترجيح # وأما المصوبة فاختلفوا:فمنهم من قال:يتوقف لأنه متعبد باتباع غالب الظن ~~ولم يغلب عليه ظن شيء وهذا هو الأسلم الأسهل # وقال القاضي: يتخير لأنه تعارض عنده دليلان وليس أحدهما أولى من الآخر ~~فيعمل بأيهما شاء # وهذا ربما يستنكر ويستبعد ويقال كيف يتخير في حال واحدة بين الشيء وضده ؟ PageV02P447 # وليس هذا محالا لأن التخيير بين حكمين مما ورد الشرع به كالتخيير بين خصال ~~الكفارة ولو صرح الشرع بالتخيير كان له ذلك فقد اضطررنا إلى التخيير لأن ~~الحكم تارة يؤخذ من النص وتارة من المصلحة وتارة من الشبه وتارة من ~~الاستصحاب فإن نظرنا إلى النص فيجوز أن يتعارض في حقنا نصان ولا يتبين ~~تاريخ أو يتعارض عمومان ولا يتبين ترجيح أو يتعارض استصحابان كما في مسائل ~~تقابل الأصلين أو يتعارض شبهان بأن تدور المسألة بين أصلين ويكون شبهه هذا ~~كشبهه ذاك أو يتعارض مصلحتان بحيث لا ترجيح # فلو قلنايتوقف: فإلى متى يتوقف ؟وربما لا يقبل الحكم التأخير ولا نجد ~~مأخذا آخر للحكم ولا نجد مفتيا آخر يترجح عنده أو وجد من ترجح عنده بخيال ~~هو فاسد عنده يعلم أنه لا يصلح للترجيح فكيف يرجح بما يعتقد أنه لا يصلح ~~للترجيح بل لا سبيل إلا التخيير كما لو اجتمع على العامي مفتيان استوى ~~حالهما عنده في العلم والورع ولم يجد ثالثا فلا طريق إلا ms580 التخيير # وللفقهاء في تعارض البينتين مذاهب:فمنهم من قال نقسم المال بينهما ومعناه ~~تصديق البينتين وتقدير أنه قام لكل واحد سبب كمال الملك لكن ضاق المحل عن ~~الوفاء بهما ولا ترجيح فصار كما لو استحقاه بالشفعة إذ لكل واحد من ~~الشفيعين سبب كامل في استحقاق جميع الشقص المبيع لكن ضاق المحل فيوزع عليهما # وعلى الجملة:الاحتمالات أربعة:أما العمل بالدليلين جميعا أو إسقاطهما ~~جميعا أو تعيين أحدهما بالتحكم أو التخيير: # ولا سبيل إلى الجمع عملا وإسقاطا لأنه متناقض ولا سبيل إلى التوقف إلى ~~غير نهاية فإن فيه تعطيلا ولا سبيل إلى التحكم بتعيين أحدهما فلا يبقى إلا PageV02P448 ~~الرابع وهو التخيير كما في اجتماع المفتيين على العامي # فإن قيل: كما استحالت الأقسام الثلاثة فالتخيير أيضا جمع بين النقيضين ~~فهو محال # قلنا: المحال ما لو صرح الشرع به لم يعقل ولو قال الشارع من دخل الكعبة ~~فله أن يستقبل أي جدار أراد فيتخير بين أن يستقبل جدارا أو يستدبره كان ~~معقولا لأنه كيفما فعل فهو مستقبل شيئا من الكعبة وكيفما تقلب فإليها ينقلب ~~وكذلك إذا قال تعبدتكم باتباع الاستصحاب ثم تعارض استصحابان فكيفما تقلب ~~فهو مستصحب كما إذا أعتق عن كفارته عبدا غائبا انقطع خبره فالأصل بقاء ~~الحياة والأصل بقاء اشتغال الذمة فقد تعارضا وكذلك إذا علم المجتهد أن في ~~التسوية في العطاء مصلحة وهي الأحتراز عن وحشة الصدور بمقدار التفاوت الذي ~~لا يتقدر إلا بنوع من الاجتهاد وفي التفاوت مصلحة تحريك رغبات الفضائل وهما ~~مصلحتان ربما تساوتا عند الله تعالى أيضا فكيفما فعل فقد مال إلى مصلحة # وكذلك قد تشبه المسألة أصلين شبها متساويا وقد أمرنا باتباع الشبه فكيفما ~~فعل فهو ممتثل ومثاله قوله صلى الله عليه وسلم في زكاة الإبل: "في كل ~~أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة " فمن له من الإبل مائتان فإن أخرج ~~الحقاق فقد عمل بقوله عليه السلام في كل خمسين حقة وإن أخرج بنات لبون فقد ~~عمل بقوله في كل أربعين بنت لبون وليس أحد اللفظين بأولى من ms581 الآخر فيتخير ~~فكذلك عند تعارض الاستصحاب والمصلحة والشبه # فإن قيل: التخيير بين التحريم ونقيضه يرفع التحريم والتخيير بين الواجب PageV02P449 ~~وتركه يرفع الوجوب والجمع بين أختين مملوكتين أما أن يحرم أو لا يحرم فإن ~~قلنا بهما جميعا فهو متناقض # قلنا:يحتمل أن يرجع عند تعارض الدليل الموجب والمسقط إلى الوجه الآخر وهو ~~القول بالتساقط ويطلب الدليل من موضع آخر ويخص وجه التخيير بما لو ورد ~~الشرع فيه بالتخيير لم يتناقض مما يضاهي مسألة بنات اللبون والحقاق ~~وكالاختلاف في المحرم إذا جمع بين التحليلين الواجب عليه بدنة أو شاة إذ ~~التخيير بينهما معقول # فيحصل في تعارض الدليلين ثلاثة أوجه:وجه في التساقط ووجه في التخيير ووجه ~~في التفصيل وفصل بين ما يمكن التخيير فيه من الواجبات إذ يمكن التخيير فيها ~~وبين ما يتعارض فيه الموجب والمبيح أو المحرم والمبيح فلا يمكن التخيير فيه ~~فيرجع إلى التساقط # وإن أردنا الإصرار على وجوب التخيير مطلقا فله وجه أيضا وهو أنا نقول ~~إنما يناقض الوجوب جواز الترك مطلقا أما جوازه بشرط فلا بدليل أن الحج واجب ~~على التراخي وإذا أخر ثم مات قبل الأداء لم يلق الله عاصيا عندنا إذا أخر ~~مع العزم على الامتثال فجواز تركه بشرط العزم لا ينافي الوجوب # بل المسافر مخير بين أن يصلي أربعا فرضا وبين أن يترك ركعتين فالركعتان ~~واجبتان ويجوز أن يتركهما ولكن جاز تركهما بشرط أن يقصد الترخص ويقبل صدقة ~~قد تصدق الله بها على عباده فهو كمن يستحق أربعة دراهم على غيره فقال له ~~تصدقت عليك بدرهمين إن قبلت وإن لم تقبل وأتيت بالأربعة قبلت الأربعة PageV02P450 ~~عن الدين الواجب فإن شاء قبل الصدقة وأتى بدرهمين وإن شاء اتى بالأربعة عن ~~الواجب ولا يتناقض فكذلك في مسألتنا إذا اقتضى استصحاب شغل الذمة إيجاب عتق ~~آخر بعد أن أعتق عبدا غائبا فلا يجوز له تركه إلا بشرط أن يقصد استصحاب ~~الحياة ويعمل بموجبه فمن لم يخطر له الدليل المعارض أو خطر له ولم يقصد ~~العمل وترك الواجب لم يجز # وكذلك ms582 إذا سمع قوله تعالى {وأن تجمعوا بين الأختين} [النساء: من ~~الآية23]حرم عليه الجمع بين المملوكتين وإنما يجوز له قصد العمل بموجب # الدليل الثاني هو قوله تعالى {أو ما ملكت أيمانكم} [النساء: من الآية3] ~~كما قال عثمان أحلتهما آية وحرمتهما آية وسئل ابن عمر عمن نذر صوم يوم من ~~كل أسبوع فوافق يوم العيد فقال أمر الله بوفاء النذر ونهى النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن صوم يوم العيد ولم يزد على هذا معناه أنه إذا لم يظهر ترجيح ~~فيحرم صوم العيد بالنهي ويجوز أن يصوم بشرط أن يقصد العمل بموجب # الدليل الثاني: وهو الأمر بالوفاء وكان ذلك جوازا بشرط فلا يتناقض الواجب # وأما إذا تعارض الموجب والمحرم فيتولد منه التخيير المطلق كالولي إذا لم ~~يجد من اللبن إلا ما يسد رمق أحد رضيعيه ولو قسم عليهما أو منعهما لماتا ~~ولو أطعم أحدهما مات الآخر فإذا أشرنا إلى رضيع معين كان إطعامه واجبا لأن ~~فيه إحياءه وحراما لأن فيه هلاك غيره فنقول هو مخير بين أن يطعم هذا فيهلك ~~ذاك أو ذاك فيهلك هذا فلا سبيل إلا التخييرة PageV02P451 ~~فإذا مهما تعارض دليلان في واجبين كالشاة والبدنة في الجمع بين التحليلين ~~تخيير بينهما وأن تعارض دليل الوجوب ودليل الإباحة تخير بشرط قصد العمل ~~بموجب الدليل المبيح كما يتخير بين ترك الركعتين قصدا وبين إتمامهما لكن ~~بشرط قصد الترخص وإن تعارض الموجب والمحرم حصل التخيير المطلق أيضا هذا ~~طريق نصره اختيار القاضي في التخيير # فإن قيل:تعارض دليلين من غير ترجيح محال وإنما يخفى الترجيح على المجتهد # قلنا:وبم عرفتم استحالة ذلك فكما تعارض موجب بنات اللبون والحقاق فلم ~~يستحل أن يتعارض استصحابان وشبهان ومصلحتان وينتفى الترجيح في علم الله تعالى # فإن قيل: فما معنى قول الشافعي المسألة على قولين ؟ # قلنا: هو التخيير في بعض المواضع والتردد في بعض المواضع كتردده في أن ~~البسملة هل هي آية في أول كل سورة فإن ذلك لا يحتمل التخيير لأنه في نفسه ~~أمر حقيقي ليس بإضافي فيكون الحق ms583 فيه واحدا . # فإن قيل: فمذهب التخيير يفضي إلى محال وهو أن يخير الحاكم المتخاصمين في ~~شفعة الجوار أو استغراق الجد للميراث أو المقاسمة لأن حكم الله الخيرة ~~وكذلك يخير المفتي العامي وكذلك يحكم لزيد بشفعة الجوار ولعمرو بنقيضه PageV02P452 ~~ويوم السبت باستغراق الجد للميراث ويوم الأحد بالمقاسمة بل تثبت الشفعة يوم ~~الأحد وتسترد يوم الاثنين بالرأي الآخر # قلنا: لا تخيير للمخاصمين بين النقيضين لأن الحاكم منصوب لفصل الخصومة ~~عند التنازع فيلزمه أن يفصل الخصومة بأي رأي أراد كما لو تنازع الساعي ~~والمالك في بنات اللبون والحقاق وفي الشاة والدراهم في الجبران فالحاكم ~~يحكم بما أراد أما الرجوع فغير جائز لمصلحة الحكم أيضا فإنه لو تغير ~~اجتهاده عندكم تغير فتواه ولا ينقض الحكم السابق للمصلحة # أما قضاؤه يوم الأحد بخلاف قضائه يوم السبت وفي حق زيد بخلاف ما في حق ~~عمرو فما قولكم فيه لو تغير اجتهاده أليس ذلك جائزا ؟فكذلك إذا اجتمع ~~دليلان عليه عندنا كما في الحقاق وبنات اللبون يجوز أن يشير بإشارة مختلفة ~~فيأمر زيدا ببنات اللبون وعمرا بالحقاق # وعلى الجملة: يجوز أن يغاير أمر الحكم أمر الفتوى لمصلحة الحكم كما لو ~~تغير الاجتهاد فإنه لا ينقض الحكم الماضي ويحكم في المستقبل بالاجتهاد الثاني # وكذلك المجتهد في القبلة:إذا تعارض عنده دليلان في جهتين والصلاة لا تقبل ~~التأخير ولا مجتهد يقلد فهل له سبيل إلا أن يتخير إحدى الجهتين فيصلي إلى ~~أي الجهتين شاء ولا يجوز له أن يعدل إلى الجهتين الباقيتين اللتين دل ~~اجتهاده على أن القبلة ليست فيهما # فهذه أمور لو وقع التصريح بها من الشارع كان مقبولا ومعقولا وإليه ~~الإشارة PageV02P453 ~~بقول علي وعثمان رضي الله عنهما في الجمع بين المملوكتين أحلتهما آية ~~وحرمتهما آية # مسألة: نقض الاجتهاد في نقض الاجتهاد: # المجتهد إذا أداه اجتهاده إلى أن الخلع فسخ فنكح امرأة خالعها ثلاثا ثم ~~تغير اجتهاده لزمه تسريحها ولم يجز له إمساكها على خلاف اجتهاده # ولو حكم بصحة النكاح حاكم بعد أن خالع الزوج ثلاثا ثم تغير اجتهاده ms584 لم ~~يفرق بين الزوجين ولم ينقض اجتهاده السابق بصحة النكاح لمصلحة الحكم فإنه ~~لو نقض الاجتهاد بالاجتهاد لنقض النقض أيضا ولتسلسل فاضطربت الأحكام ولم ~~يوثق بها # أما إذا نكح المقلد بفتوى مفت وأمسك زوجته بعد دور الطلاق وقد نجز الطلاق ~~بعد الدور ثم تغير اجتهاد المفتي فهل على المقلد تسريح زوجته # هذا ربما يتردد فيه # والصحيح أنه يجب تسريحها كما لو تغير اجتهاد مقلده عن القبلة في أثناء ~~الصلاة فإنه يتحول إلى الجهة الأخرى كما لو تغير اجتهاده في نفسه وإنما حكم ~~الحاكم هو الذي لا ينقض ولكن بشرط أن لا يخالف نصا ولا دليلا قاطعا فإن ~~أخطأ النص نقصنا حكمه وكذلك إذا تنبهنا لأمر معقول في تحقيق مناط الحكم أو ~~تنقيحه بحيث يعلم أنه لو تنبه له لعلم قطعا بطلان حكمه فينقض الحكم # فإن قيل: قد ذكرتم أن مخالف النص مصيب إذا لم يقصر لأن ذلك حكم الله ~~تعالى عليه بحسب حاله فلم ينقض حكمه ؟ # قلنا: نعم هو مصيب بشرط دوام الجهل كمن ظن أنه متطهر فحكم الله عليه وجوب ~~الصلاة ولو علم أنه محدث فحكم الله عليه تحريم الصلاة مع PageV02P454 ~~الحدث لكن عند الجهل الصلاة واجبة عليه وجوبا حاصلا ناجزا وهي حرام عليه ~~بالقوة أي هي بصدد أن تصير حراما ما لو علم محدث فمهما علم لزمه تدارك ما ~~مضى وكان ذلك صلاة بشرط دوام الجهل # وكذلك مهما بلغ المجتهد النص نقض حكمه الواقع فكذلك الحاكم الآخر العالم ~~بالنص ينقض حكمه # إزالة سبب التخفيف هل هي واجبة ؟: # وعند هذا ننبه على دقيقة :وهي أنا ذكرنا أن اختلاف حال المكلف في الظن ~~والعلم كاختلاف حاله في السفر والإقامة والطهر والحيض فيجوز أن يكون ذلك ~~سببا لاختلاف الحكم # لكن بينهما فرق وهو أن من سقط عنه وجوب لسفره أو عجزه فلا يجب إزالة سفره ~~وعجزه ليتحقق الوجوب ومن سقط عنه لجهله وجب إزالة جهله فإن التعليم وتبليغ ~~حكم الشرع وتعريف أسبابه واجب # وكذلك نقول:من صلى وعلى ثوبه نجاسة لا يعرفها ms585 تصح صلاته ولا يقضيها على ~~قول فمن رأى في ثوبه تلك النجاسة يلزمه تعريفه ولو تيمم ليصلي وقدر غيره ~~على أن يزيل عجزه بحمل ماء إليه لم يلزمه # ففي هذه الدقيقة يختلف حكم العلم والجهل وحكم سائر الأوصاف # نقض حكم الحاكم بمخالفة الأدلة الظنية: # فإن قيل: فلو خالف الحاكم قياسا جليا هل ينقض حكمه ؟ # قلنا:قال الفقهاء ينقض فإن أرادوا به ما هو في معنى الأصل مما يقطع به ~~فهو صحيح وإن أرادوا به قياسا مظنونا مع كونه جليا فلا وجه له إذ لا فرق ~~بين ظن وظن فإذا أنتقى القاطع فالظن يختلف بالإضافة وما يختلف بالإضافة فلا ~~سبيل إلى تتبعه # فإن قيل: فمن حكم على خلاف خبر الواحب أو بمجرد صيغة لأمر أو حكم في ~~الفساد بمجرد النهي فهل ينقض حكمه وقد قطعتم بصحة خبر الواحد وأن PageV02P455 ~~صيغة الأمر لا تدل على الوجوب والنهي لا يدل بمجرده على الفساد # قلنا: معما كانت المسألة ظنية فلا ينقض الحكم لأنا لا ندري أنه حكم لرده ~~خبر الواحد أو أنه حكم بمجرد صيغة الأمر بل لعله كان حكم لدليل آخر ظهر له ~~فإن علمنا أنه حكم لذلك لا لغيره وكانت المسألة مع ذلك ظنية اجتهادية فلا ~~ينبغي أن ينقض لأنه ليس لله في المسألة الظنية حكم معين فقد حكم بما هو حكم ~~الله تعالى على بعض المجتهدين فإن أخطأ في الطريق فليس مخطئا في نفس الحكم ~~بل حكم في محل الاجتهاد # وعلى الجملة:الحكم في مسألة فيها خبر واحد على خلاف الخبر ليس حكما برد ~~الخبر مطلقا وإنما المقطوع به كون الخبر حجة على الجملة أما آحاد المسائل ~~فلا يقطع فيها بحكم # فإن قيل: فإن حكم بخلاف اجتهاده لكن وافق مجتهدا آخر وقلده فهل ينقض حكمه ~~ولو حكم حاكم مقلد بخلاف مذهب إمامه فهل ينقض # قلنا: هذا في حق المجتهد لا يعرف يقينا بل يحتمل تغير اجتهاده # وأما المقلد فلا يصح حكمه عند الشافعي ونحن وإن حكمنا يتنفيذ حكم ~~المقلدين في زماننا لضرورة الوقت ms586 فإن قضينا بأنه لا يجوز للمقلد أن يتبع أي ~~مفت شاء بل عليه اتباع إمامه الذي هو أحق بالصواب في ظنه فينبغي أن ينقض ~~حكمه ولو جوزنا ذلك فإذا وافق مذهب ذي مذهب فقد وقع الحكم في محل الاجتهاد ~~فلا ينقض # وهذه مسائل فقهية أعني نقض الحكم في هذه الصور وليست من الأصول في شيء ~~والله أعلم PageV02P456 ### ||| AUTO حكم الإجتهاد # ... # حكم الإجتهاد # مسألة:في وجوب الاجتهاد على المجتهد وتحريم التقليد عليه: # وقد اتفقوا على أنه إذا فرغ من الاجتهاد وغلب على ظنه حكم فلا يجوز له أن ~~يقلد مخالفه ويعمل بنظر غيره ويترك نظر نفسه أما إذا لم يجتهد بعد ولم ينظر ~~فإن كان عاجزا عن الاجتهاد كالعامي فله التقليد وهذا ليس مجتهدا # لكن ربما يكون متمكنا من الاجتهاد في بعض الأمور وعاجزا عن البعض إلا ~~بتحصيل علم على سبيل الابتداء كعلم النحو مثلا في مسألة نحوية وعلم صفات ~~الرجال وأحوالهم في مسألة نحوية خبرية وقع النظر فيها في صحة الإسناد فهذا ~~من حيث حصل بعض العلوم واستقل بها لا يشبه العامي ومن حيث أنه لم يحصل هذا ~~العلم فهو كالعامي فيلحق بالعامي أو بالعالم ؟ # فيه نظر والأشهر والأشبه أنه كالعامي وإنما المجتهد هو الذي صارت العلوم ~~عنده بالقوة القريبة أما إذا احتاج إلى تعب كثير في التعلم بعد فهو في ذلك ~~الفن عاجز وكما يمكنه تحصيله فالعامي أيضا يمكنه التعلم ولا يلزمه بل يجوز ~~له ترك الاجتهاد # وعلى الجملة: بين درجة المبتدىء في العلم وبين رتبة الكمال منازل واقعة ~~بين طرفين وللنظر فيها مجال وإنما كلامنا الآن في المجتهد لو بحث عن مسألة ~~ونظر في الأدلة لاستقل بها ولا يفتقر إلى تعلم علم من غيره فهذا هو المجتهد ~~فهل يجب عليه الاجتهاد أم يجوز له أن يقلد غيره هذا مما اختلفوا فيه PageV02P457 ~~فذهب قوم إلى أن الإجماع قد حصل على أن من وراء الصحابة لا يجوز تقليدهم # وقال قوم: من وراء الصحابة والتابعين # وكيف يصح دعوى الإجماع وممن قال بتقليد ms587 العالم أحمد بن حنبل وإسحق بن ~~راهويه وسفيان الثوري # وقال محمد بن الحسن يقلد العالم الأعلم ولا يقلد من هو دونه أو مثله # وذهب الأكثرون من أهل العراق إلى جواز تقليد العالم العالم فيما يفتي ~~وفيما يخصه # وقال قوم يجوز فيما يخصه دون ما يفتي به # وخصص قوم من جملة ما يخصه ما يفوت وقته لو اشتغل بالاجتهاد # واختار القاضي منع تقليد العالم للصحابة ولمن بعدهم وهو الأظهر عندنا ~~والمسألة ظنية اجتهادية # والذي يدل عليه أن تقليد من لا تثبت عصمته ولا يعلم بالحقيقة إصابته بل ~~يجوز خطؤه وتلبيسه حكم شرعي لا يثبت إلا بنص أو قياس على منصوص ولا نص ولا ~~منصوص إلا العامي والمجتهد إذ للمجتهد أن يأخذ بنظر نفسه وإن لم يتحقق ~~وللعامي أن يأخذ بقوله # أما المجتهد إنما يجوز له الحكم بظنه لعجزه عن العلم فالضرورة دعت إليه ~~في كل مسألة ليس فيها دليل قاطع # أما العامي فإنما جوز له تقليد غيره للعجز عن تحصيل العلم والظن بنفسه ~~والمجتهد غير عاجز فلا يكون في معنى العاجز فينبغي أن يطلب الحق بنفسه فإنه ~~يجوز الخطأ على العالم بوضع الاجتهاد في غير محله والمبادرة قبل استتمام ~~الاجتهاد والغفلة عن دليل قاطع وهو قادر على معرفة جميع ذلك ليتوصل في PageV02P458 ~~بعضها إلى اليقين وفي بعضها إلى الظن فكيف يبني الأمر على عماية كالعميان ~~وهو بصير بنفسه # فإن قيل:وهو ليس يقدر إلا على تحصيل ظن وظن غيره كظنه ولا سيما عندكم وقد ~~صوبتم كل مجتهد ؟ # قلنا: مع هذا إذا حصل ظنه لم يجز له اتباع ظن غيره فكان ظنه أصلا وظن ~~غيره بدلا يدل عليه أنه لم يجز العدول إليه مع وجود المبدل فلا يجوز مع ~~القدرة على المبدل كما في سائر الإبدال والمبدلات إلا أن يرد نص بالتخيير ~~فترتفع البدلية أو يرد نص بأنه بدل عند الوجود لا عند العدم كبنت مخاض وابن ~~لبون في خمس وعشرين من الإبل فإن وجوب بنت مخاض يمنع من قبول ابن لبون ~~والقدرة ms588 على شرائه لا تمنع منه # فإن قيل: حصرتم طريق معرفة الحق في الإلحاق ثم قطعتم طريق الإلحاق # ولا نسلم أن مأخذه الإلحاق بل عمومات تشمل العامي والعالم كقوله تعالى ~~{فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [الانبياء: من الآية7]وما أراد من ~~لا تعلم شيئا أصلا فإن ذاك مجنون أو صبي بل من لا يعلم تلك المسألة وكذلك ~~قوله تعالى {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم } [النساء: من ~~الآية59] وهم العلماء قلنا أما قوله تعالى { فاسألوا أهل الذكر } فإنه لا ~~حجة فيه من وجهين: # أحدهما: أن المراد به أمر العوام بسؤال العلماء إذ ينبغي أن يتميز السائل ~~عن المسؤول فمن هو من أهل العلم مسؤول وليس بسائل ولا يخرج عن كونه من أهل ~~العلم بأن لا تكون المسألة حاضرة في ذهنه إذ هو متمكن من معرفتها من غير أن ~~يتعلم من غيره . # الثاني: أن معناه سلوا لتعلموا أي سلوا عن الدليل لتحصيل العلم كما يقال ~~كل لتشبع واشرب لتروي وأما أولو الأمر فإنما أراد بهم الولاة إذ أوجب ~~طاعتهم كطاعة الله ورسوله ولا يجب على المجتهد اتباع المجتهد فإن كان المراد PageV02P459 ~~بأولي الأمر الولاة فالطاعة على الرعية وإن كان هم العلماء فالطاعة على ~~العوام ولا نفهم غير ذلك ثم نقول يعارض هذه العمومات عمومات أقوى منها يمكن ~~التمسك بها ابتداء في المسألة كقوله تعالى { فاعتبروا يا أولي الأبصار} ~~[الحشر: من الآية2]وقوله تعالى {لعلمه الذين يستنبطونه منهم } [النساء: من ~~الآية83]وقوله {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} [محمد:24] وقوله ~~{وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله } [الشورى: من الآية10] وقوله { ~~فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول } ]النساء: من الآية59[ فهذا ~~كله أمر بالتدبر والاستنباط والاعتبار وليس خطابا مع العوام فلم يبق مخاطب ~~إلا العلماء والمقلد تارك للتدبر والاعتبار والاستنباط # وكذلك قوله تعالى {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه ~~أولياء } [لأعراف: من الآية3] وهذا بظاهره يوجب الرجوع إلى الكتاب فقط لكن ~~دل الكتاب على اتباع ms589 السنة والسنة على الإجماع والإجماع على القياس وصار ~~جميع ذلك منزلا فهو المتبع دون أقوال العباد # فهذه ظواهر قوية والمسألة ظنية يقوي فيها التمسك بأمثالها ويعتضد ذلك ~~بفعل الصحابة فإنهم تشاوروا في ميراث الجد والعول والمفوضة ومسائل كثيرة ~~وحكم كل واحد منهم بظن نفسه ولم يقلد غيره # فإن قيل: لم ينقل عن طلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف وهم أهل ~~الشورى نظر في الأحكام مع ظهور الخلاف والأظهر أنهم أخذوا بقول غيرهم # قلنا: كانوا لا يفتون اكتفاء بمن عداهم في الفتوى أما عملهم في حق أنفسهم ~~لم يكن إلا بما سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم والكتاب وعرفوه فإن وقعت ~~واقعة لم يعرفوا دليلها شاوروا غيرهم لتعرف الدليل لا للتقليد PageV02P460 ~~فإن قيل:فما تقولون في تقليد الأعلم ؟ # قلنا:الواجب أن ينظر أولا فإن غلب على ظنه ما وافق الأعلم فذاك وإن غلب ~~على ظنه خلافه فما ينفع كونه أعلم وقد صار رأيه مزيفا عنده والخطأ جائز على ~~الأعلم وظنه أقوى في نفسه من ظن غيره وله أن يأخذ بظن نفسه وفاقا ولم يلزمه ~~تقليده لكونه أعلم فينبغي أن لا يجوز تقليده # ويدل عليه إجماع الصحابة رضي الله عنهم على تسويغ الخلاف لابن عباس وابن ~~عمر وابن الزبير وزيد بن ثابت وأبي سلمة بن عبد الرحمن وغيرهم من أحداث ~~الصحابة لأكابر الصحابة ولأبي بكر ولعمر رضي الله عن جميعهم # فإن قيل:فهل من فرق بين ما يخصه وبين ما يفتي به ؟ # قلنا:يجوز له أن ينقل للمستفتي مذهب الشافعي وأبي حنيفة لكن لا يفتي من ~~يستفتيه بتقليد غيره إذ لو جاز ذلك لجاز الفتوى الشافعي وأبي حنيفة لكن لا ~~يفتي من يستفتيه بتقليد غيره إذا لو جاز ذلك لجاز الفتوى للعوام # وأما ما يخصه إذا ضاق الوقت وكان في البحث تفويت فهذا هل يلحقه بالعاجز ~~في جواز التقليد ؟فيه نظر فقهي ذكرناه في مسألة العدول إلى التيمم عند ضيق ~~الوقت وتناوب جماعة على بئر ماء فهذه مسألة محتملة والله أعلم PageV02P461 ### || AUTO الفن الثاني: ms590 في التقليد والاستفتاء # ... # الفن الثاني من هذا القطب في التقليد والاستفتاء وحكم العوام فيه # وفيه أربع مسائل : # مسألة: تعريف التقليد: # التقليد هو قبول قول بلا حجة # وليس ذلك طريقا إلى العلم لا في الأصول ولا في الفروع # وذهب الحشوية والتعليمية إلى أن طريق معرفة الحق التقليد وأن ذلك هو ~~الواجب وأن النظر والبحث حرام PageV02P462 ~~ويدل على بطلان مذهبهم مسالك : # الأول: هو أن صدق المقلد لا يعلم ضرورة فلا بد من دليل ودليل الصدق ~~المعجزة فيعلم صدق الرسول عليه السلام بمعجزته وصدق كلام الله بأخبار ~~الرسول عن صدقه وصدق أهل الإجماع بأخبار الرسول عن عصمتهم ويجب على القاضي ~~الحكم بقول العدول لا بمعنى اعتقاد صدقهم لكن من حيث دل السمع على تعبد ~~القضاة باتباع غلبة الظن صدق الشاهد أم كذب ويجب على العامي اتباع المفتي ~~إذ دل الإجماع على أن فرض العوام اتباع ذلك كذب المفتي أم صدق أم أصاب # فنقول: قول المفتي والشاهد لزم بحجة الإجماع فهو قبول قول بحجة فلم يكن ~~تقليدا فإنا نعني بالتقليد قبول قول بلا حجة فحيث لم تقم حجة ولم يعلم ~~الصدق بضرورة ولا بدليل فالاتباع فيه اعتماد على الجهل # المسلك الثاني: أن نقول أتحيلون الخطأ على مقلدكم أم تجوزونه ؟فإن ~~جوزتموه فإنكم شاكون في صحة مذهبكم وإن أحلتموه فبم عرفتم استحالته بضرورة ~~أم بنظر أو تقليد ؟ولا ضرورة ولا دليل فإن قلدتموه في قوله أن مذهبه حق فبم ~~عرفتم صدقه في تصديق نفسه وإن قلدتم فيه غيره فبم عرفتم صدق المقلد الآخر ~~؟وإن عولتم على سكون النفس إلى قوله فبم تفرقون بين سكون نفوسكم وسكون نفوس ~~النصارى واليهود؟ وبم تفرقون بين قول مقلدكم إني صادق محق وبين قول مخالفكم ؟ # ويقال لهم أيضا في إيجاب التقليد:هل تعلمون وجوب التقليد أم لا ؟فإن لم ~~تعلموه فلم قلدتم ؟وإن علمتم فبضرورة أم بنظر أو تقليد ؟ويعود عليهم السؤال ~~في التقليد ولا سبيل لهم إلى النظر والدليل فلا يبقى إلا إيجاب التقليد ~~بالتحكم PageV02P463 ~~فإن قيل: عرفنا صحته بأنه ms591 مذهب للأكثرين فهو أولى بالاتباع # قلنا: وبم أنكرتم على من يقول الحق دقيق غامض لا يدركه إلا الأقلون ويعجز ~~عنه الأكثرون لأنه يحتاج إلى شروط كثيرة من الممارسة والتفرغ للنظر ونفاذ ~~القريحة والخلو عن الشواغل # ويدل عليه أنه عليه السلام كان محقا في ابتداء أمره وهو في شرذمة يسيرة ~~على خلاف الأكثرين وقد قال تعالى {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل ~~الله } [الأنعام: من الآية116]كيف وعدد الكفار في زماننا أكثر ؟! # ثم يلزمكم أن تتوقفوا حتى تدوروا في جميع العالم وتعدوا جميع المخالفين ~~فإن ساووهم توقفوا وإن غلبوا رجحوا كيف وهو على خلاف نص القرآن؟ قال الله ~~تعالى {وقليل من عبادي الشكور} [سبأ: من الآية13] ولكن {ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون} [الطور: من الآية47 ]{وأكثرهم للحق كارهون} [المؤمنون: من الآية70] # فإن قيل: فقد قال عليه السلام عليكم :"بالسواد الأعظم" و:" من سره أن ~~يسكن بحبوحة الجنة فليلزم الجما عة" و"الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد " # قلنا: أولا: بم عرفتم صحة هذه الأخبار وليست متواترة فإن كان عن تقليد ~~فبم تتميزون عن مقلد اعتقد فسادها ؟ # ثم لو صح فمتبع السواد الأعظم ليس بمقلد بل علم بقول الرسول وجوب اتباعه ~~وذلك قبول قول بحجة وليس بتقليد # ثم المراد بهذه الأخبار ذكرناه في كتاب الإجماع وأنه الخروج عن موافقة ~~الإمام أو موافقة الإجماع # أدلة القائلين بوجوب التقليد : # ولهم شبه: PageV02P464 # الشبهة الأولى: قولهم:إن الناظر متورط في شبهات وقد كثر ضلال الناظرين فترك ~~الخطر وطلب السلامة أولى # قلنا: وقد كثر ضلال المقلدين من اليهود والنصارى فبم تفرقون بين تقليدكم ~~وتقليد سائر الكفار حيث قالوا {إنا وجدنا آباءنا على أمة } [الزخرف: من ~~الآية23] ثم نقول إذا وجبت المعرفة كان التقليد جهلا وضلالا فكأنكم حملتم ~~هذا خوفا من الوقوع في الشبهة كمن يقتل نفسه عطشا وجوعا خيفة من أن يغص ~~بلقمة أو يشرق بشربة لو أكل وشرب وكالمريض يترك العلاج رأسا خوفا من أن ~~يخطىء في العلاج وكمن يترك التجارة والحراثة خوفا من نزول صاعقة ms592 فيختار ~~الفقر خوفا من الفقر # الشهبة الثانية: تمسكهم بقوله تعالى {ما يجادل في آيات الله إلا الذين ~~كفروا } ]غافر: من الآية4[وأنه نهى عن الجدال في القدر والنظر يفتح باب ~~الجدال قلنا نهى عن الجدال بالباطل كما قال تعالى {وجادلوا بالباطل ليدحضوا ~~به الحق } [غافر: من الآية5]بدليل قوله تعالى {وجادلهم بالتي هي أحسن } ~~[النحل: من الآية125]فأما القدر فنهاهم عن الجدال فيه إما لأنه كان قد ~~وقفهم على الحق بالنص فمنعهم عن الممارة في النص أو كان في بدء الإسلام ~~فاحترز عن أن يسمعه المخالف فيقول هؤلاء بعد لم تستقر قدمهم في الدين أو ~~لأنهم كانوا مدفوعين إلى الجهاد الذي هو أهم عندهم ثم إنا نعارضهم بقوله ~~تعالى {ولا تقف ما ليس لك به علم} [الاسراء: من الآية36] {وأن تقولوا على ~~الله ما لا تعلمون} [البقرة: من الآية169 ]{قل هاتوا برهانكم} [البقرة: من ~~الآية111]هذا كله نهي عن التقليد وأمر PageV02P465 ~~بالعلم ولذلك عظم شأن العلماء وقال تعالى {يرفع الله الذين آمنوا منكم ~~والذين أوتوا العلم درجات} [المجادلة: من الآية11] وقال عليه السلام يحمل ~~هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وتأويل الجاهلين ~~وانتحال المبطلين ولا يحصل هذا بالتقليد بل بالعلم وقالابن مسعود لا تكونن ~~إمعة قيل وما إمعة قال أن يقول الرجل أنا مع الناس إن ضلوا ضللت وإن اهتدوا ~~اهتديت ألا لا يوطنن أحدكم نفسه أن يكفر إن كفر الناس # مسألة تقليد العامي للعلماء العامي يجب عليه الاستفتاء واتباع العلماء : # وقال قوم من القدرية:يلزمهم النظر في الدليل واتباع الإمام المعصوم # وهذا باطل بمسلكين # أحدهما: إجماع الصحابة فإنهم كانوا يفتون العوام ولا يأمرونهم بنيل درجة ~~الاجتهاد وذلك معلوم على الضرورة والتواتر من علمائهم وعوامهم . # فإن قال قائل من الإمامية: كان الواجب عليهم اتباع على لعصمته وكان علي ~~لا ينكر عليهم تقية وخوفا من الفتنة # قلنا: هذا كلام جاهل سد على نفسه باب الاعتماد على قول علي وغيره من ~~الأئمة في حال ولايته إلى آخر عمره لأنه لم يزل في اضطراب ms593 من أمره فلعل ~~جميع ما قاله خالف فيه الحق خوفا وتقية PageV02P466 ~~المسلك الثاني : إن الإجماع منعقد على أن العامي مكلف بالأحكام وتكليفه طلب ~~رتبة الاجتهاد محال لأنه يؤدي إلى أن ينقطع الحرث والنسل وتتعطل الحرف ~~والصنائع ويؤدي إلى خراب الدنيا لو اشتغل الناس بحملتهم بطلب العلم وذلك ~~يرد العلماء إلى طلب المعايش ويؤدي إلى اندراس العلم بل إلى إهلاك العلماء ~~وخراب العالم # وإذا استحال هذا لم يبق إلا سؤال العلماء # فإن قيل:فقد أبطلتم التقليد وهذا عين التقليد # قلنا: التقليد قبول قول بلا حجة وهؤلاء وجب عليهم ما أفتى به المفتي ~~بدليل الإجماع كما وجب على الحاكم قبول قول الشهود ووجب علينا قبول خبر ~~الواحد وذلك عند ظن الصدق والظن معلوم ووجوب الحكم عند الظن معلوم بدليل ~~سمعي قاطع فهذا الحكم قاطع والتقليد جهل # فإن قيل: فقد رفعتم التقليد من الدين وقد قال الشافعي رحمه الله ولا يحل ~~تقليد أحد سوى النبي عليه السلام فقد أثبت تقليدا # قلنا: قد صرح بإبطال التقليد رأسا إلا ما استثنى فظهر أنه لم يجعل ~~الاستفتاء وقبول خبر الواحد وشهادة العدول تقليد نعم يجوز تسمية قبول قول ~~الرسول تقليدا توسعا واستثناؤه من غير جنسه ووجه التجوز أن قبول قوله وإن ~~كان لحجة دلت على صدقه جملة فلا تطلب منه حجة على غير تلك المسألة فكأنه ~~تصديق بغير حجة خاصة ويجوز أن يسمى ذلك تقليدا مجازا # مسألة: فتوى العامي للعلماء العدول: # لا يستفتي العامي إلا من عرفه بالعلم والعدالة أما من عرفه بالجهل فلا ~~يسأله وفاقا # وأن سأل من لا يعرف جهله فقد قال قوم: يجوز وليس عليه البحث # وهذا فساد لأن كل من وجب عليه قبول قول غيره فيلزمه معرفة حاله فيجب على ~~الأمة معرفة حال الرسول بالنظر في معجزته فلا يؤمن بكل مجهول يدعي أنه رسول ~~الله ووجب على الحاكم معرفة حال الشاهد في العدالة وعلى المفتي PageV02P467 ~~معرفة حال الراوي وعلى الرعية معرفة حال الإمام والحاكم # وعلى الجملةكيف يسأل من يتصور أن يكون أجهل من ms594 السائل ؟ # فإن قيل: إذا لم يعرف عدالة المفتي هل يلزمه البحث ؟إن قلتم يلزمه البحث ~~فقد خالفتم العادة لأن من دخل بلدة فيسأل عالم البلدة ولا يطلب حجة على ~~عدالته وإن جوزتم مع الجهل فكذلك في العلم # قلنا: من عرفه بالفسق فلا يسأله ومن عرفه بالعدالة فيسأله ومن لم يعرف ~~حاله فيحتمل أن يقال لا يهجم بل يسأل عن عدالته أولا فإنه لا يأمن كذبه ~~وتلبيسه ويحتمل أن يقال ظاهر حال العالم العدالة لا سيما إذا اشتهر بالفتوى ~~ولا يمكن أن يقال ظاهر حال الخلق العلم ونيل درجة الفتوى والجهل أغلب على ~~الخلق فالناس كلهم عوام إلا الأفراد بل العلماء كلهم عدول إلا الآحاد # فإن قيل: فإن وجب السؤال لمعرفة عدالته أو علمه فيفتقر إلى التواتر أم لا ~~يفتقر إليه قيل يحتمل أن يقال ذلك فإن ذلك ممكن ويحتمل أن يقال يكفي غالب ~~الظن الحاصل بقول عدل أو عدلين ؟ # قلنا: لا بد من المعرفة الحقيقية بالتواتر ، فإن ذلك ممكمن . ويحتمل أن ~~يقال : يكفي غالب الظن الحاصل بقول عدل أو عدلين وقد جوز قوم العمل بإجماع ~~نقله العدل الواحد وهذا يقرب منه من وجه # مسألة تعدد العلماء بالنسبة لسؤال العامي: # إذا لم يكن في البلدة إلا مفت واحد وجب على العامي مراجعته # وإن كانوا جماعة فله أن يسأل ممن شاء ولا يلزمه مراجعة الأعلم كما فعل في ~~زمان الصحابة إذ سأل العوام الفاضل والمفضول ولم يحجر على الخلق في سؤال ~~غير أبي بكر وعمر وغير الخلفاء الراشدين PageV02P468 ~~وقال قوم: تجب مراجعة الأفضل فإن استووا تخير بينهم وهذا يخالف إجماع ~~الصحابة إذ لم يحجر الفاضل على المفضول الفتوى بل لا تجب إلا مراجعة من ~~عرفه بالعلم والعدالة وقد عرف كلهم بذلك # مايصنع المستفتي إن اختلف عليه المفتون: # نعم إذا اختلف عليه مفتيان في حكم فإن تساويا راجعهما مرة أخرى وقال ~~تناقض فتواكما وتساويتما عندي فما الذي يلزمني فإن خيراه تخير وإن اتفقا ~~على الأمر بالاحتياط أو الميل إلى جانب معين فعل وإن ms595 أصرا على الخلاف لم ~~يبق إلا التخيير فإنه لا سبيل إلى تعطيل الحكم وليس أحدهما بأولى من الآخر ~~والأئمة كالنجوم فبأيهم اقتدى اهتدى # أما إذا كان أحدهما أفضل وأعلم في اعقتاده: اختار القاضي أنه يتخير أيضا ~~لأن المفضول أيضا من أهل الاجتهاد لو انفرد فكذلك إذا كان معه غيره فزيادة ~~الفضل لا تؤثر # والأولى عندي أنه يلزمه اتباع الأفضل فمن اعتقد أن الشافعي رحمه الله ~~أعلم والصواب على مذهبه أغلب فليس له أن يأخذ بمذهب مخالفه بالتشهي # اتباع المقلدين أيسر الأقوال في المذاهب: # وليس للعامي أن ينتقي من المذاهب في كل مسألة أطيبها عنده فيتوسع بل هذا ~~الترجيح عنده كترجيح الدليلين المتعارضين عند المفتي فإنه يتبع ظنه في ~~الترجيح فكذلك ههنا وإن صوبنا كل مجتهد ولكن الخطأ ممكن بالغفلة عن دليل ~~قاطع وبالحكم قبل تمام الاجتهاد واستفراغ الوسع والغلط على الأعلم أبعد لا محالة # وهذا التحقيق وهو أنا نعتقد أن لله تعالى سرا في رد العباد إلى ظنونهم ~~حتى لا يكونوا مهملين متبعين للهوى مسترسلين استرسال البهائم من غير أن ~~يزمهم لجام التكليف فيردهم من جانب إلى جانب فيتذكرون العبودية ونفاذ حكم ~~الله تعالى فيهم في كل حركة وسكون يمنعهم من جانب إلى جانب فما دمنا نقدر ~~على ضبطهم بضابط فذلك أولى من تخييرهم وإهمالهم كالبهائهم والصبيان PageV02P469 ~~أما إذا عجزنا عند تعارض مفتيين وتساويهما أو عند تعارض دليلين فذلك ضرورة ~~والدليل عليه أنه إذا كان يمكن أن يقال كل مسألة ليس لله تعالى فيها حكم ~~معين أو يصوب فيها كل مجتهد فلا يجب على المجتهد فيها النظر بل يتخير فيفعل ~~ما شاء إذ ما من جانب إلا ويجوز أن يغلب على ظن مجتهد والإجماع منعقد على ~~أنه يلزمه أولا تحصيل الظن ثم يتبع ما ظنه فكذلك ظن العامي ينبغي أن يؤثر # فإن قيل: المجتهد لا يجوز له أن يتبع ظنه قيل أن يتعلم طرق الاستدلال ~~والعامي يحكم بالوهم ويغتر بالظواهر وربما يقدم المفضول على الفاضل فإن جاز ~~أن يحكم بغير ms596 بصيرة فلينظر في نفس المسألة وليحكم بما يظنه فلمعرفة مراتب ~~الفضل أدلة غامضة ليس دركها من شأن العوام . # وهذا سؤال واقع # ولكنا نقول: من مرض له طفل وهو ليس بطبيب فسقاه دواء برأيه كان متعديا ~~مقصرا ضامنا ولو راجع طبيبا لم يكن مقصرا فإن كان في البلد طبيبان فاختلفا ~~في الدواء فخالف الأفضل عد مقصرا ويعلم فضل الطبيبين بتواتر الأخبار ~~وبإذعان المفضول له وبتقديمه بأمارات تفيد غلبة الظن فكذلك في حق العلماء ~~:يعلم الأفضل بالتسامع وبالقرائن دون البحث عن نفس العلم والعامي أهل له ~~فلا ينبغي أن يخالف الظن بالتشهي فهذا هو الأصح عندنا والأليق بالمعنى ~~الكلي في ضبط الخلق بلجام التقوى والتكليف والله أعلم PageV02P470 ### || AUTO الفن الثالث: في الترجيح وكيفية تصرف المجتهد عند تعارض الأدلة ### ||| AUTO مقدمة # ... # الفن الثالث من القطب الرابع في الترجيح وكيفية تصرف المجتهد عند تعارض الأدلة # ويشتمل هذا الفن على مقدمات ثلاث وبابين : # أما المقدمة الأولى ففي بيان ترتيب الأدلة : # فنقول يجب على المجتهد في كل مسألة أن يرد نظره إلى النفي الأصلي قبل ~~ورود الشرع ثم يبحث عن الأدلة السمعية المغيرة # فينظر أول شيء في الإجماع فإن وجد في المسألة إجماعا ترك النظر في الكتاب ~~والسنة فإنهما يقبلان النسخ والإجماع لا يقبله فالإجماع على خلاف ما في ~~الكتاب والسنة دليل قاطع على النسخ إذ لا تجتمع الأمة على الخطأ PageV02P471 ~~ثم ينظر في الكتاب والسنة المتواترة وهما على رتبة واحدة لأن كل واحد يفيد ~~العلم القاطع ولا يتصور التعارض في القطعيات السمعية إلا بأن يكون أحدهما ~~ناسخا فما وجد فيه نص كتاب أو سنة متواترة أخذ به # وينظر بعد ذلك إلى عمومات الكتاب وظواهره # ثم ينظر في مخصصات العموم من أخبار الآحاد ومن الأقيسة فإن عارض قياس ~~عموما أو خبر واحد عموما فقد ذكرنا ما يجب تقديمه منها # فإن لم يجد لفظا نصا ولا ظاهرا نظر إلى قياس النصوص # فإن تعارض قياسات أو خبران أو عمومان طلب الترجيح كما سنذكره # فإن تساويا عنده توقف على ms597 رأي وتخير على رأي آخر كما سبق # المقدمة الثانية في حقيقة التعارض ومحله # اعلم أن الترجيح إنما يجري بين ظنين لأن الظنون تتفاوت في القوة ولا ~~يتصور ذلك في معلومين إذ ليس بعض العلوم أقوى وأغلب من بعض وإن كان بعضها ~~أجلى وأقرب حصولا وأشد أستغناء عن التأمل بل بعضها يستغني عن أصل التأمل ~~وهو البديهي وبعضها غير بديهي يحتاج إلى تأمل لكنه بعد الحصول PageV02P472 ~~محقق يقيني لا يتفاوت في كونه محققا فلا ترجيح لعلم على علم # ولذلك قلنا: إذا تعارض نصان قاطعان فلا سبيل إلى الترجيح بل إن كانا ~~متواترين حكم بأن المتأخر ناسخ ولا بد أن يكون أحدهما ناسخا # وإن كانا من أخبار الآحاد وعرفنا التاريخ أيضا حكمنا بالمتأخر # وإن لم نعرف فصدق الراوي مظنون فنقدم الأقوى في نفوسنا # وكما لا يجوز التعارض والترجيح بين نصين قاطعين فكذلك في علتين قاطعتين ~~فلا يجوز أن ينصب الله علة قاطعة للتحريم في موضع وعلة قاطعة للتحليل في ~~موضع وتدور بينهما مسألة توجد فيها العلتان ونتعبد بالقياس لأنه يؤدي إلى ~~أن يجتمع قاطع على التحريم وقاطع على التحليل في فرع واحد في حق مجتهد واحد # وهو محال لا كالعلل المظنونة لأن الظنون تختلف بالإضافات فلا تجتمع في حق ~~مجتهد واحد فإن تقاوم ظنان أوجبنا التوقف على رأي كما لو تعارض قاطعان # ومن أمر بالتخيير أجاب بأنه لا يجوز أن يرد نصان قاطعان بالتحريم ~~والتحليل من غير تقدم وتأخر ويكون معناه التخيير لأن اللفظ لا يحتمل ~~التخيير فكذلك التعبد بالقياس مع التصريح بالتعليل تصريح بالنفي والإثبات ~~لا يحتمل التخيير من حيث اللفظ فيكون متناقضا # أما الدليل الذي دل على تعبد المجتهد باتباع الظن فيصلح لأن ينزل على ~~اتباع أغلب الظنين وعند التعارض :على التخيير بينهما فإنه أمر بإتباع ~~المصلحة وبالتشبيه وبالاستصحاب فإذا تعارضا فكيفما فعل فهو مستصحب ومشبه ~~ومتبع للمصلحة أما القواطع فمتضادة ومتناقضة لا بد من أن تكون ناسخا أو ~~منسوخا فلا تقبل الجمع نعم لو أشكل التاريخ وعجزنا عن طلب ms598 دليل آخر فلا بد ~~أن يتخير إذ ليس أحدهما بأولى من الآخر مع تضادهما PageV02P473 ~~فإن قيل فهل يجوز أن يجتمع علم وظن ؟. # قلنا: لا فإن الظن لو خالف العلم فهو محال لأن ما علم كيف يظن خلافه وظن ~~خلافه شك فكيف يشك فيما يعلم وإن وافقه فإن أثر الظن يمحي بالكلية بالعلم ~~فلا يؤثر معه # المقدمة الثالثة: في دليل وجوب الترجيح # فإن قال قائل: لم رجحتم أحد الظنين وكل ظن لو انفرد بنفسه لوجب اتباعه ~~وهلا قضيتم بالتخيير أو التوقف ؟ # قلنا: كان يجوز أن يرد التعبد بالتسوية بين الظنين وإن تفاوتا لكن ~~الإجماع قد دل على خلافه على ما علم من السلف في تقديم بعض الأخبار على بعض ~~لقوة الظن بسبب علم الرواة وكثرتهم وعدالتهم وعلو منصبهم فلذلك قدموا خبر ~~أزواجه عليه السلام على غيره من النساء وقدموا خبر عائشة رضي الله عنها في ~~التقاء الختانين على خبر من روى لاماء إلا من الماء وخبر من روت من أزواجه ~~أنه كان يصبح جنبا على ما روى أبو هريرة عن الفضل بن عباس أن من أصبح جنبا ~~فلا صوم له وكما قوي علي خبر أبي بكر فلم يحلفه وحلف غيره وقوى أبو بكر خبر ~~المغيرة في ميراث الجدة لما روى معه محمد بن مسلمة وقوى عمر خبر أبي موسى ~~الأشعري في الاستئذان بموافقة أبي سعيد الخدري في الرواية إلى غير ذلك مما ~~يكثر تتبعه # وكذلك إذا غلب على الظن كون الفرع أشبه بأحد الأصلين وجب اتابعه بالإجماع ~~فقد فهم من أهل الإجماع أنهم تعبدوا بما هو عادة للناس في ميراثهم وتجارتهم ~~وسلوكهم الطرق المخوفة فإنهم عند تعارض الأسباب المخوفة يرجحون ويميلون إلى الأقوى PageV02P474 ~~فإن قيل: فلم لم ترجحوا في الشهادة بالكثرة وقوة غلبة الظن بل يقضي ~~بالتعارض عند تناقض البينتين ؟ # قلنا لأن أهل الإجماع لم يرجحوا في الشهادة وقد رجحوا في الرواية وسببه ~~أن باب الشهادة مبني على التعبد حتى لو أتى عشرة بلفظ الأخبار دون الشهادة ~~لم تقبل ولا تقبل ms599 شهادة مائة امرأة ولا مائة عبد على باقة بقل # هذه هي المقدمات PageV02P475 ### ||| AUTO فيما ترجح به الأخبار # ... # الباب الأول فيما ترجح به الأخبار # اعلم أن التعارض هو التناقض # فإن كان في خبرين فأحدهما كذب والكذب محال على الله ورسوله # وإن كان في حكمين من أمر ونهي وحظر وإباحة فالجمع تكليف محال فأما أن ~~يكون أحدهما كذبا أو يكون متأخرا ناسخا أو أمكن الجمع بينهما بالتنزيل على ~~حالتين كما إذا قال النبي صلى الله عليه وسلم "الصلاة واجبة على أمتي ~~الصلاة غير واجبة على أمتي" فنقول أراد بالأول المكلفين وأراد بالثاني ~~الصبيان والمجانين أو في حالتي العجز والقدرة أو في زمن دون زمن # وإن عجزنا عن الجمع وعن معرفة المتقدم والمتأخر رجحنا وأخذنا بالأقوى ~~وتقوى الخبر في نفوسنا بصدق الراوي وصحته وتضعيف الخبر في نفوسنا إما ~~باضطراب في متنه أو بضعف في سنده أو بأمر خارج من السند والمتن # أسباب الترجيح بين الخبرين المتعارضين لأمر في السند أو المتن: # أما ما يتعلق بالسند والمتن فسبعة عشر : # الأول: سلامة متن أحد الخبرين عن الاختلاف والاضطراب دون الآخر فسلامته ~~مرجحة فإن ما لا يضطرب فهو بقول الرسول أشبه فإن انضاف إلى اضطراب PageV02P476 ~~اللفظ اضطراب المعنى كان أبعد عن أن يكون قول الرسول صلى الله عليه وسلم ~~فيدل على الضعف وتساهل الراوي في الرواية. # فإن قيل: فيجب أن تكون رواية الزيادة في متن الحديث اضطرابا يوجب إطراحه # قلنا: لا يجب لأنه في معنى خبرين منفصلين إلا أن يعرف محدث بكثرة ~~الانفراد بالرواية عن الحفاظ فيجوز أن يقدم خبر غيره على خبره # الثاني: اضطراب السند بأن يكون في أحدهما ذكر رجال تلتبس أسماؤهم ونعوتهم ~~وصفاتهم بأسماء قوم ضعفاء وصفاتهم بحيث يعسر التمييز # الثالث : أن يروي أحدهما في تضاعيف قصة مشهورة متداولة بين أهل النقل ~~ومعارضة قد انفرد به الراوي لا في جملة القصة فما روي في الجماعة أقوى في ~~النفوس وأقرب إلى السلامة من الغلط مما يرويه الواحد عاريا عن قصته ~~المشهورة # الرابع: أن يكون ms600 راويه معروفا بزيادة التيقظ وقلة الغلط فالثقة بروايته ~~عند الناس أشد # الخامس: أن يقول أحدهما سمعنا النبي عليه السلام والآخر أن يقول كتب إلي ~~بكذا فإن التحريف والتصحيف في المكتوب أكثر منه في المسموع # السادس: أن يتطرق الخلاف إلى أحد الخبرين أنه موقوف على الراوي أو مرفوع ~~فالمتفق على كونه مرفوعا أولى PageV02P477 ~~السابع: أن يكون منسوبا إليه نصا وقولا والآخر ينسب إليه اجتهادا بأن يروي ~~أنه كان في زمانه أو في مجلسه ولم ينكره فما نسب إليه قولا ونصا أقوى لأن ~~النص غير محتمل وما في زمانه ربما لم يبلغه وما في مجلسه ربما غفل عنه # الثامن : أن يروي أحد الخبرين عمن تعارضت الرواية عنه فنقل عنه أيضا ضده ~~فيقدم عليه ما لم يتعارض لأن المتعارض متساقط فيبقى الآخر سليما عن ~~المعارضة # التاسع: أن يكون الراوي صاحب الواقعة فهو أولى بالمعرفة من الأجنبي ~~فرواية ميمونة تزوجني النبي عليه السلام ونحن حلالان بعدما رجع مقدمة على ~~رواية ابن عباس أنه نكحها وهو حرام # العاشر: أن يكون أحد الراويين أعدل وأوثق وأضبط وأشد تيقظا وأكثر تحريا # الحادي عشر: أن يكون أحدهما على وفق عمل أهل المدينة فهو أقوى لأن ما ~~رآهمالك رحمه الله حجة وإجماعا إن لم يصلح حجة فيصلح للترجيح لأن المدينة ~~دار الهجرة ومهبط الوحي الناسخ فيبعد أن ينطوي عليهم # الثاني عشر: أن يوافق أحد الخبرين مرسل غيره فيرجح به من يرجح بكثرة ~~الرواة لأن المرسل حجة عند قوم فإن لم يكن حجة فلا أقل من أن يكون مرجحا # الثالث عشر: أن تعمل الأمة بموجب أحد الخبرين فإنه إذا احتمل أن يكون ~~عملهم بدليل آخر فيحتمل أن يكون هذا الخبر فيكون صدقه أقوى في النفس # الرابع عشر : أن يشهد القرآن أو الإجماع أو النص المتواتر أو دليل العقل PageV02P478 ~~لوجوب العمل على وفق الخبر فيرجح به # فإن قيل: ذلك قاطع في تصديقه # قلنا: لا بل يتصور أن يكذب على النبي عليه السلام فيما يوافق القرآن ~~والاجماع فيقول سمعت ما لم يسمعه ms601 وإنما يجب صدقه إذا اجتمعت الأمة على صدقه ~~لا إذا اجتمعت على عمل يوافق خبره ولعله عن دليل آخر # الخامس عشر: أن يكون أحدهما أخص والآخر أعم فيقدم ما هو أخص بالمقصود ~~كتقديم قوله في الرقة ربع العشر في إيجابه على الطفل والبالغ على قوله رفع ~~القلم عن ثلاثة لأن هذا تعرض لنفي الخطاب العام وليس بتعرض للزكاة ولا ~~لسقوط الزكاة عن الولي بإخراج زكاته والحديث الأول متعرض لخصوص الزكاة ~~ومتناول لعمومه مال الصبي فهو أخص وأمس بالمقصود # السادس عشر: أن يكون أحدهما مستقلا بالإفادة ومعارضه لا يفيد إلا بتقدير ~~إضمار أو حذف وذلك مما يتطرق إليه زيادة التباس لا يتطرق إلى المستقبل # السابع عشر: أن يكون رواة أحد الخبرين أكثر فالكثرة تقوي الظن ولكن رب ~~عدل أقوى في النفس من عدلين لشدة تيقظه وضبطه والاعتماد في ذلك على ما غلب ~~على ظن المجتهد # هذا ما يوجب الترجيح لأمر في سند الخبر أو في متنه # الترجيح بأمر خارج عن السند والمتن: # وقد يرجح لأمور خارجة عنها وهي خمسة : PageV02P479 # الأول: كيفية استعمال الخير في محل الخبر كقوله صلى الله عليه وسلم : "لا ~~نكاح إلا بولي " مع قوله : "الأيم أحق بنفسها من وليها" لأنا نحمل ذلك على ~~أنها أحق بنفسها في الأذن لا في العقد واللفظ يعم الأذن والعقد وهم يحملون ~~خبرنا على الصغير أو الأمة أو النكاح من غير كفء ولاخلاف واقع في الكبيرة ~~وهم صرفوا خبرنا عن محل الخلاف ونحن استعملنا الخبرين في الكبيرة فتأويلنا ~~أقرب فإنه لا ينبو عنه اللفظ بل كان اللفظ محتملا لهما أما تنزيل خبرنا على ~~الصغيرة والأمة فبعيد # الثاني: أن يكون أحد الخبرين يوجب غضا من منصب الصحابة فيكون أضعف كما ~~رووا من أمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة بإعادة الوضوء عند القهقهة. ~~فخبرنا وهو قوله كان يأمرنا إذا كنا مسافرين أن لا ننزع خفافنا إلا من ~~جنابة لا من بول أو غائط أو نوم وليس فيه القهقهة فهو أولى من خبرهم # الثالث: أن ms602 يكون أحد الخبرين متنازعا في خصوصه والآخر متفق على تطرق ~~الخصوص إليه فقد قال قوم أنه يسقط الاحتجاج به فإن لم يصح ذلك فيدل على ~~ضعفه لا محالة # الرابع: أن يكون أحد الخبرين قد قصد به بيان الحكم المتنازع فيه دون ~~الآخر كقوله:صلى الله عليه وسلم : "أيما إهاب دبغ فقد طهر " لم يفرق فيه ~~بين ما يؤكل وبين ما لا يؤكل فدلالة عمومه على جلد ما لا يؤكل أقوى من ~~دلالة نهيه صلى الله عليه وسلم عن افتراش جلود السباع لأنه ما سيق لبيان ~~النجاسة والطهارة بل ربما نهى عن الافتراش للخيلاء أو لخاصية لا نعقلها # الخامس: يتضمن أحد الخبرين إثبات ما ظهر تأثيره في الحكم دون الآخر حتى ~~تقدم رواية عائشة وابن عمر وابن عباس أن "بريرة أعتقت تحت PageV02P480 ~~عبد "على ما روي أنها أعتقت تحت حر لأن ضرر الرق في الخيار قد ظهر أثره ولا ~~يجري ذلك في الحر # القول فيما يظن أنه ترجيح وليس بترجيح # وله أمثلة ستة: # الأول: أن يعمل أحد الراويين بالخبر دون الآخر أو يعمل بعض الأمة أو بعض ~~الأئمة بموجب أحد الخبرين # فلا يرجح به إذ لا يجب تقليدهم فالمعمول به وغير المعمول به واحد # الثاني: أن يكون أحدهما غريبا لا يشبه الأصول كحديث القهقهة وغرة الجنين ~~وضرب الدية على العاقلة وخبر نبيذ التمر ودفع القيمة في إحدى عيني الفرس PageV02P481 ~~فهذه الأحاديث لو صحت لا تؤخر عن معارضها الموافق للأصول لأن للشارع أن ~~يتعبد بالغريب والمألوف # نعم لو ثبت التقاوم بين الخبرين تساقطا ورجعنا إلى القياس وذلك ليس من ~~الترجيح في شيء # الثالث: الخبر الذي يدرأ الحد لا يقدم على الموجب وإن كان الحد يسقط ~~بالشبهة # وقال قوم:الرافع أولى وهو ضيعف لأن هذا لا يوجب تفاوتا في صدق الراوي ~~فيما ينقله من لفظ الإيجاب أو الإسقاط # الرابع: إذا روي خبران من فعل النبي صلى الله عليه وسلم أحدهما مثبت ~~والآخر ناف فلا يرجع أحدهما على الآخر لاحتمال وقوعهما في حالين فلا يكون ~~بينهما ms603 تعارض # وقد بينا في باب أفعال النبي عليه السلام محل امتناع التعارض بين الفعلين # الخامس: خبر يتضمن العتق والآخر يتضمن نفيه قال قوم من أهل العراق:المثبت ~~للعتق أولى لغلبة العتق ولأنه لا يقبل الفسخ # وهذا ضعيف لأن هذا لا يوجب تفاوتا في صدق الراوي وثبوت نقله # السادس: الخبر الحاظر لا يرجح على المبيح على ما ظنه قوم لأنهما حكمان ~~شرعيان صدق الراوي فيهما على وتيرة واحدة PageV02P482 ### ||| AUTO في ترجيح العلل # ... # الباب الثاني في ترجيح العلل # ومجامع ما يرجع إليه ترجيح العلل خمسة : # الأول: ما يرجع إلى قوة الأصل الذي منه الانتزاع فإن قوة الأصل تؤكد العلة # الثاني : ما يرجع إلى تقوية نفس العلة في ذاتها # الثالث : ما يرجع إلى قوة طريق إثبات العلة من نص أو إجماع أو أمارة # الرابع: ما يقوي حكم العلة الثابت بها # الخامس: أن تتقوى بشهادة الأصول وموافقتها لها # القسم الأول: ما يرجع إلى قوة الأصل : # وهي عشرة: # الأول : أن تكونا إحدى العلتين منتزعة من أصل معلوم استقراره في الشرع ~~ضرورة والأخرى من أصل معلوم لكن بنظر ودليل فإنهما وإنا كانا معلومين فجاحد ~~الضروري يكفر وجاحد النظري لا يكفر فذلك أقوى # فإن قيل: أليس قد قدمتم أنه لا يقدم معلوم على معلوم # قلنا: العلتان مظنونتان وإنما المعلوم أصلاهما والترجيح للعلة المظنونة # الثاني : أن يكون أحد الأصلين محتملا للنسخ أو ذهب بعض العلماء إلى نسخه ~~فما سلم عن الاختلاف والاحتمال أولى وأقوى # الثالث : أن يثبت أصل إحدى العلتين بخبر الواحد والآخر بخبر متواتر وأمر ~~مقطوع به فإن العمل بخبر الواحد وإن كان واجبا قطعا فهو حق بالإضافة إلى من ~~ظن صدق الراوي والآخر حق في نفسه مطلقا لا بالإضافة # الرابع : أن يكون أحد الأصلين ثابتا بروايات كثيرة والآخر برواية واحدة ~~فإنه يرجح الأول عند من يرجح بكثرة الرواة ولا يرجح عند من لا يرى ذلك PageV02P483 ~~الخامس: أن يكون أحد الأصلين ثابتا بعموم لم يدخله التخصيص فيقدم على ما ~~ثبت بعموم دخله التخصيص لضعفه # السادس: أن يكون أحد ms604 الأصلين ثابتا بصريح النص والآخر ثبت بتقدير إضمار ~~أو حذف دقيق فالنص الصريح أولى # السابع: أن يكون أحد الأصلين أصلا بنفسه والآخر فرعا لأصل آخر فالفرع ~~ضعيف عند من جوز القياس عليه والأظهر منع القياس عليه وكذلك أصل ثبت بخبر ~~الواحد أقوى من أصل ثبت بالقياس على خبر الواحد # الثامن: أن يكون أحد الأصلين مما اتفق القائسون على تعليله والآخر ~~اختلفوا فيه فالمتفق على تعليله من القائسين وإن لم يكونوا كل الأمة أقرب ~~إلى كونه معلوما من المختلف فيه # التاسع: أن يكون دليل أحد الأصلين مكشوفا معينا والآخر أجمعوا على أنه ~~ثابت بدليل فإن لم يكن معينا فيقدم المكشوف لأنه يمكن معرفة رتبته وتقديمه ~~على غيره والمجهول لا يدري ما رتبته وما وجه معارضته لغيره ومساواته له # العاشر: أن يكون أحد الأصلين مغيرا للنفي الأصلي والآخر مقررا فالمغير ~~أولى لأنه حكم شرعي وأصل سمعي والآخر نفي للحكم على الحقيقة # القسم الثاني: ما لا يرجع إلى الأصل: # ونرجع إلى بقية الأقسام الأربعة نوردها من غير تفصيل لتعلق بعضها بالعض ~~ويرجع ذلك إلى قريب من عشرين وجها # الأول: أن تثبت إحدى العلتين بنص قاطع # وهذا قد أورد في الترجيح وهو ضعيف لأن الظن ينمحي في مقابلة القاطع فلا ~~يبقى معه حتى يحتاج إلى ترجيح إذ لو بقي معه لتطرق شكنا إليه ويخرج PageV02P484 ~~عن كونه معلوما وقد بينا أنه لا ترجيح لمعلوم على معلوم ولا لمظنون على مظنون # الثاني: أن تعتضد إحدى العلتين بموافقة قول صحابي انتشر وسكت عنه الآخرون ~~وهذا يصح على مذهب من لا يرى ذلك إجماعا أما من اعتقده إجماعا صار عنده ~~قاطعا ويسقط الظن في مقابلته # الثالث : أن تعتضد بقول صحابي وحده ولم ينتشر فقد قال قوم قوله حجة فإن ~~لم يكن حجة فلا يبعد أن يقوى القياس به في ظن مجتهد إذ يقول إن كان ما قاله ~~عن توقيف فهو أولى وإن كان قال ما قاله عن ظن وقياس فهو أولى بفهم مقاصد ~~الشرع منا ويجوز أن لا ms605 يترجح عند مجتهد # الرابع : أن يترجح بموافقته بخبر مرسل أو بخبر مردود عنده لكن قال به بعض ~~العلماء فهذا مرجح بشرط أن لا يكون قاطعا ببطلان مذهب القائلين به بل يرى ~~ذلك في محل الاجتهاد # الخامس: أن تشهد الأصول بمثل حكم إحدى العلتين أعني لجنسها لا لعينها ~~فإنه إن شهدت لعينها كان قاطعا رافعا للظنون إلى النيات وشهادة الكفارات ~~لاستواء البدل والمبدل في النية فهذا أيضا يصلح للترجيح عند من غلب على ظنه ذلك # السادس : أن يكون نفس وجود العلة ضروريا في أحدهما نظريا في الآخر فإن ~~كانا معلومين أو كان أحدهما متيقنا والآخر مظنونا فإن من أوصاف العلة ما ~~يتيقن ككون البر قوتا وكون الخمر مسكرا ومنه ما يظن ككون الكلب نجسا PageV02P485 ~~إذا عللنا منع بيعه بنجاسته وككون التراب مبطلا رائحة النجاسة إذا ألقي في ~~الماء الكثير المتغير لا ساترا # وكذلك علة مركبة من وصفين أحدهما ضروري والآخر نظري أو أحدهما معلوم ~~والآخر مظنون إذا عارضها ما هو ضروري الوصفين أو معلوم الوصفين لأن ما علم ~~مجموع وصفيه أولى مما تطرق الشك أو الظن إلى أحد وصفيه لأن الحكم لا محالة ~~يتبع وجود نفس العلة فما قوى العلم أو الظن بوجود العلة قوى الظن بحكم العلة # السابع: الترجيح بما يعود إلى التعلق بالعلم بالعلة فإذا كان إحدى ~~العلتين حكما ككنونه حراما أو نجسا والأخرى حسيا ككونه قوتا ومسكرا زعموا ~~أن رد الحكم إلى الحكم أولى حتى أن تعليل الحكم بالحرية والرق أولى من ~~تعليله بالتمييز والعقل وتعليله بالتكليف أولى من تعليله بالإنسانية وهذا ~~من الترجيحات الضعيفة # الثامن: أن تكون إحدى العلتين سببا أو سببا للسبب كما لو جعل الزنا ~~والسرقة علة للحد والقطع كان أولى من جعل أخذ مال الغير على سبيل الخفية ~~علة ومن جعل إيلاج الفرج في الفرج علة حتى يتعدى إلى النباش واللائط لأن ~~تلك العلة استندت إلى الاسم الذي ظهر الحكم به # هذا إذا تساوت العلتان من كل وجه أما إذا دل الدليل على أن ms606 الحكم غير ~~منوط بالسبب الظاهر بل بمعنى تضمنه فالدليل متبع فيه كما أن القاضي لا يقضي ~~في حالة الغضب لا للغضب ولكن لكونه ممنوعا من استيفاء الفكر فيجري في ~~الحاقن والجائع وهو أولى من التعليل بالغضب الذي ينسب الحكم إليه # التاسع: الترجيح بشدة التأثير ولا نعني بشدة التأثير قيام الدليل على ~~كونه علة لأن الدليل يقوم على المعنى الكائن في نفسه دون الدليل فليكن لكون ~~العلة مؤثرة معنى ثم إذا تحقق ذلك في نفسه وفي علم الله تعالى ربما PageV02P486 ~~نصب الله عليه دليلا معرفا أو أمارة معلنة وربما لم ينصب دليلا # فإذا قوة الدليل المعرف بكونها علة ليس من شدة التأثير في شيء بل فسروا ~~شدة التأثير بوجوه # أولها: انعكاس العلة مع اطرادها فهي أولى من التي لا تنعكس عند قوم إذ ~~دوران الحكم مع عدمها ووجودها نفيا وإثباتا يدل على شدة تأثيرها كشدة الخمر ~~إذ يزول الحكم بزوالها # الثاني: أن تكون العلة مع كونها علة داعية إلى فعل ما هي علة تحريمه ~~كالشدة فإنها محرمة وهي داعية إلى الشرب المحرم لما فيها من الأطراب ~~والسرور فهي مع تأثيرها في الحكم أثرت في تحصيل محل الحكم وهو الشرب # الثالث: أن تكون علة ذات وصف واحد وعارضها علة ذات أوصاف فقال قوم الوصف ~~الواحد أولى لأن الحكم الثابت به المخالف للنفي الأصلي أكثر فكان تأثيره ~~أكثر فروعا فهي أكثر تأثيرا وقال قوم ذات أوصاف أولى لأن الشريعة حنيفية ~~فالباقي على النفي الأصلي أكثر ولا يبعد أن يغلب على ظن المجتهد شيء من ذلك # الرابع : أن تكون إحداهما أكثر وقوعا فهي أكثر تأيرا فتكون أولى وهذا ~~بعيد لأن تأثيرا العلة إنما يكون في محل وجودها أما حيث وجود لها كيف يطلب ~~تأثيرها # الخامس: علة يشهد لها أصلان أولى مما يشهد لها أصل واحد عند قوم وهذا ~~يظهر إن كان طريق الاستنباط مختلفا وإن كان متساويا فهو ضعيف ولا يبعد أن ~~يقوي ظن مجتهد به وتكون كثرة الأصول ككثرة الرواة للخبر مثاله أنا ms607 إذا ~~تنازعنا في أن يد السوم لم توجب الضمان فقال الشافعي رحمه الله علته أنه ~~أخذ لغرض نفسه من غير استحقاق وعداه إلى المستعير وقال الخصم بل PageV02P487 ~~علته أنه أخذ ليتملك فيشهد للشافعي في علته رحمه الله يد الغاصب ويد ~~المستعير من الغاصب ولا يشهد لأبي حنيفة رحمه الله إلا يد الرهن فلا يبعد ~~أن يغلب رجحان علة الشافعي عند مجتهد ويكون كل أصل كأنه شاهد آخر وكذلك ~~الربا إذا علل بالطعم بشهد له الملح أيضا وإن علل بالقوت لم يشهد له فلا ~~يبعد أن يكون ذلك من الترجيحات # العاشر: من الترجيحات العلة المثبتة للعموم الذي منه الاستنباط فهي أولى ~~من المخصصة قال الله تعالى {أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا ~~طيبا} [النساء: من الآية43] فبرزت علة تقتضي إخراج المحرم والصغيرة من ~~العموم وبرزت علة أخرى توافق العموم فالذي ينفي العموم لمجرده حجة فلا أقل ~~من الترجيح به وقال قوم المخصصة أولى لأنها عرفت ما لم يعرف العموم فأفادت ~~والعلة المقررة للعموم لم تفد مزيدا فكانت أولى كالمتعدية فإنها أولى من ~~القاصرة عند قوم # وهذا ضعيف لأن المتعدية قررت الملفوظ وألحقت به المسكوت وأفادت والقاصرة ~~لم تفد شيئا حتى قال قائلون هي فاسدة فتخيل قوم لذلك ترجيح المتعدية وليس ~~ذلك بصحيح أيضا وأما المخصصة فخالفت موجب العموم فكانت أضعف من التي لم تخالف # الحادي عشر: ترجيح العلة بكثرة شبهها بأصلها على التي هي أقل شبها بأصلها # وهذا ضعيف عند من لا يرى مجرد الشبه في الوصف الذي لا يتعلق الحكم به ~~موجبا للحكم ومن رأى ذلك موجبا فغاينه أن تكون كعلة أخرى ولا يجب ترجيح ~~علتين على علة واحدة لأن الشيء يترجح بقوته لا بانضمام مثله إليه كما PageV02P488 ~~لا يترجح الحكم الثابت بالكتاب والسنة والاجماع على الثابت بأحد هذه الأصول # ويقرب من هذا قولهم رد الشيء إلىجنسه أولى من رده إلى غير جنسه حتى يكون ~~قياس الصلاة على الصلاة أولى من قياسها على الصوم والحج لأنه أقرب شبها ms608 به ~~وهذا ليس ببعيد لأن اختلاف الأصول يناسب اختلاف الأحكام فإذا كان جنس ~~المظنون واحدا كان التفاوت أغلب على الظن وعن هذا جعل مجرد الشبه حجة عند قوم # الثاني عشر: علة أوجبت حكما وزيادة مرجحة على ما لا يوجب الزيادة عند قوم ~~لأن العلة تراد لحكمها فما كانت فائدتها أكثر فهي أولى حتى قالوا ما أوجب ~~الجلد والتغريب أولى مما لا يوجب إلا الجلد وعلى مسافة قالوا علة تقتضي ~~الوجوب أولى مما تقتضي الندب وما تقتضي الندب أولى مما تقتضي الإباحة لأن ~~في الواجب معنى الندب وزيادة # الثالث عشر: ترجيح المتعدية على القاصرة وهو ضعيف عند من لا يفسد القاصرة ~~لأن كثرة الفروع بل وجود أصل الفروع لا تبين قوة في ذات العلة بل ينقدح أن ~~يقال القاصرة أوفق للنص فهي أولى # الرابع عشر: ترجيح الناقلة عن حكم العقل على المقررة لأ الناقلة أثبتت ~~حكما شرعيا والمقررة ما أثبتت شيئا وقال قوم بل المقررة أولى لأنها معتضدة ~~بحكم العقل الذي يستقل بالنفي لولا هذه العلة ومثاله علة تقتضي الزكاة في ~~الخضراوات وأخرى تنفي الزكاة وعلة توجب الربا في الأرز وأخرى تنفي # فإن قيل: فلم صحت العلة المبقية على حكم الأصل ولم تفد شيئا لأنها لو لم ~~تكن علة لكنا نبقي الحكم أيضا ؟ # قلنا إن كان الأمر كذلك فلا يصح كمن علل ليدل على أن هبوب الرياح لا يوجب ~~الصوم والوضوء بل ينبغي أن يقتضي تفصيلا لا يقتضيه العقل أو تقتضي زيادة ~~شرط أو إطلاقا لا يقتضيه العقل كما لو نصب علة لجواز بيع غير القوت فإن ~~تخصيص غير القوت PageV02P489 ~~عن القوت مما لا يقتضيه العقل # الخامس عشر: تقديم العلة المثبتة على النافية قال به قوم وهو غير صحيح ~~لأن النفي الذي لا يثبت إلا شرعا كالإثبات وإن كان نفيا أصليا يرجع إلى ما ~~قدمناه من الناقلة والمقررة وقد قال الكرخي العلة الدارئة للحد أولى من ~~الموجبة وهذا يصح بعد ثبوت قوله عليه السلام ادرؤوا الحدود بالشبهات ولا ~~يجري في العبادات ms609 والكفارات وما لا يسقط بالشبهات بل إذا كان للوجوب وجه ~~وللسقوط وجه وتعارض الوجهان كان المحل محل شبهة فيسقط لعموم الخبر لا ~~لترجيح الدارئة على الموجبة # السادس عشر: ترجيح علة هي بطريق الأولى على ما هي مثل كتعليل قبول شهادة ~~التائب وقياسه على ما قبل إقامة حد القذف وتعليل وجوب كفارة العمد وقياسه ~~على الخطأ وتعليل صحة النكاح عند فساد التسمية قياسا على ترك التسمية وإن ~~كان ذلك بطريق الأولى فهو أقوى # السابع عشر: رجح قوم العلة الملازمة على التي تفارق في بعض الأحوال وهو ~~ضعيف إذ رب لازم لا يكون علة كحمرة الخمر بل كوجود الخمر والبر # الثامن عشر:رجح قوم علة انتزعت من أصل سلم من المعارضة على علة انتزعت من ~~أصل لم يسلم من المعارضة بمثلها # التاسع عشر: رجح قوم علة توجب حكما أخف لأن الشريعة حنيفية سمحة ورجح ~~آخرون بالضد لأن التكليف شاق ثقيل فهذه ترجيحات ضعيفة # العشرون : ترجيح علة توجب في الفرع مثل حكمها على علة توجب في الفرع خلاف ~~حكمها كتعليل الشافعي رحمه الله في مسألة جنين الأمة يوجب حكما مساويا ~~للأصل في التسوية بين الذكر والأنثى وتعليل أبي حنيفة رضي الله عنه يوجب ~~الفرق بين الذكر والأنثى في الفرع إذ أوجب في الأنثى من الأمة عشر PageV02P490 ~~قيمتها وفي الذكر نصف عشر قيمته والأصل هو جنين الحرة وفي الذكر والأنثى ~~منه خمس من الإبل والعلة التي تقطع النظر عن الأنوثة والذكورة أولى لأنها ~~أوفق للأصل # فهذه وجوه الترجيحات وبعضها ضعيف يفيد الظن لبعض المجتهدين دون بعض # ويمكن أن يكون وراء هذه الجملة ترجيحات من جنسها وفيما ذكرناه تنبيه ~~عليها إن شاء الله تعالى هذا تمام القول في القطب الرابع وبه وقع الفراغ من ~~الأقطاب الأربعة التي عليها مدار أصول الفقه وبالله التوفيق PageV02P491 ~~ ms610