######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0005459 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي (المتوفى: 505هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 505 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: المستصفى #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: أصول الفقه والقواعد الفقهية #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0005459 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-5459 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/5459 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: محمد عبد السلام عبد الشافي #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1413هـ - 1993م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | [خطبة الكتاب] # الحمد لله القوي القادر، الولي الناصر، اللطيف القاهر، المنتقم الغافر، ~~الباطن الظاهر، الأول الآخر الذي جعل العقل أرجح الكنوز والذخائر، والعلم ~~أربح المكاسب والمتاجر، وأشرف المعالي والمفاخر، وأكرم المحامد والمآثر ~~وأحمد الموارد والمصادر؛ فشرفت بإثباته الأقلام والمحابر، وتزينت بسماعه ~~المحاريب والمنابر، وتحلت برقومه الأوراق والدفاتر، وتقدم بشرفه الأصاغر ~~على الأكابر، واستضاءت ببهائه الأسرار والضمائر، وتنورت بأنواره القلوب ~~والبصائر، واستحقر في ضيائه ضياء الشمس الباهر على الفلك الدائر، واستصغر ~~في نوره الباطن ما ظهر من نور الأحداق والنواظر حتى تغلغل بضيائه في أعماق ~~المغمضات جنود الخواطر، وإن كلت عنها النواظر، وكثفت عليها الحجب والسواتر. # والصلاة على محمد رسوله ذي العنصر الطاهر، والمجد المتظاهر، والشرف ~~المتناصر، والكرم المتقاطر، المبعوث بشيرا للمؤمنين ونذيرا للكافرين، ~~وناسخا بشرعه كل شرع غابر ودين دائر، المؤيد بالقرآن المجيد الذي لا يمله ~~سامع ولا آثر، ولا يدرك كنه جزالته ناظم ولا ناثر، ولا يحيط بعجائبه وصف ~~واصف ولا ذكر ذاكر وكل بليغ دون ذوق فهم جليات أسراره قاصر، وعلى آله ~~وأصحابه وسلم كثيرا كثرة ينقطع دونها عمر العاد الحاصر. أما بعد فقد تناطق ~~قاضي العقل وهو الحاكم الذي لا يعزل ولا يبدل، وشاهد الشرع وهو الشاهد ~~المزكى المعدل، بأن الدنيا دار غرور لا دار سرور، ومطية عمل لا مطية كسل، ~~ومنزل عبور لا متنزه حبور، ومحل تجارة لا مسكن عمارة، ومتجر بضاعتها الطاعة ~~وربحها الفوز يوم تقوم الساعة. # والطاعة طاعتان عمل وعلم، والعلم أنجحها وأربحها، فإنه أيضا من العمل ~~ولكنه عمل القلب الذي هو أعز الأعضاء وسعي العقل الذي هو أشرف الأشياء لأنه ~~مركب الديانة وحامل الأمانة إذ عرضت على الأرض والجبال والسماء فأشفقن من ~~حملها وأبين أن يحملنها غاية الإباء. # ثم العلوم ثلاثة: عقلي محض لا يحث الشرع عليه ولا يندب إليه كالحساب ~~والهندسة والنجوم وأمثاله من العلوم فهي بين ظنون كاذبة لائقة، وإن بعض ~~الظن إثم؛ وبين علوم صادقة لا منفعة لها ونعوذ بالله من علم لا ينفع وليست ~~المنفعة في الشهوات الحاضرة والنعم ms001 الفاخرة فإنها فانية دائرة، بل النفع ~~ثواب دار الآخرة. # PageV01P003 # ونقلي محض كالأحاديث والتفاسير، والخطب في أمثالها يسير؛ إذ يستوي في ~~الاستقلال بها الصغير والكبير؛ لأن قوة الحفظ كافية في النقل وليس فيها ~~مجال للعقل. وأشرف العلوم ما ازدوج فيه العقل والسمع واصطحب فيه الرأي ~~والشرع، وعلم الفقه وأصوله من هذا القبيل فإنه يأخذ من صفو الشرع والعقل ~~سواء السبيل، فلا هو تصرف بمحض العقول بحيث لا يتلقاه الشرع بالقبول ولا هو ~~مبني على محض التقليد الذي لا يشهد له العقل بالتأييد والتسديد. # ولأجل شرف علم الفقه وسببه وفر الله دواعي الخلق على طلبه وكان العلماء ~~به أرفع العلماء مكانا وأجلهم شأنا وأكثرهم أتباعا وأعوانا؛ فتقاضاني في ~~عنفوان شبابي اختصاص هذا العلم بفوائد الدين والدنيا وثواب الآخرة والأولى ~~أن أصرف إليه من مهلة العمر صدرا وأن أخص به من متنفس الحياة قدرا، فصنفت ~~كتبا كثيرة في فروع الفقه وأصوله، ثم أقبلت بعده على علم طريق الآخرة ~~ومعرفة أسرار الدين الباطنة فصنفت فيه كتبا بسيطة ككتاب " إحياء علوم الدين ~~" ووجيزة ككتاب جواهر القرآن ووسيطة ككتاب كيمياء السعادة. # ثم ساقني قدر الله تعالى إلى معاودة التدريس والإفادة، فاقترح علي طائفة ~~من محصلي علم الفقه تصنيفا في أصول الفقه أصرف العناية فيه إلى التلفيق بين ~~الترتيب والتحقيق وإلى التوسط بين الإخلال والإملال على وجه يقع في الفهم ~~دون كتاب " تهذيب الأصول " لميله إلى الاستقصاء والاستكثار، وفوق كتاب " ~~المنخول " لميله إلى الإيجاز والاختصار، فأجبتهم إلى ذلك مستعينا بالله، ~~وجمعت فيه بين الترتيب والتحقيق لفهم المعاني فلا مندوحة لأحدهما عن ~~الثاني، فصنفته وأتيت فيه بترتيب لطيف عجيب يطلع الناظر في أول وهلة على ~~جميع مقاصد هذا العلم ويفيده الاحتواء على جميع مسارح النظر فيه، فكل علم ~~لا يستولي الطالب في ابتداء نظره على مجامعه ولا مبانيه فلا مطمع له في ~~الظفر بأسراره ومباغيه؛ وقد سميته كتاب " المستصفى من علم الأصول والله ~~تعالى هو المسئول لينعم بالتوفيق ويهدي إلى سواء الطريق وهو بإجابة ~~السائلين حقيق. # PageV01P004 ### | [صدر الكتاب] ms002 ### | [بيان حد أصول الفقه] # صدر الكتاب اعلم أن هذا العلم الملقب بأصول الفقه قد رتبناه وجمعناه في ~~هذا الكتاب وبنيناه على مقدمة وأربعة أقطاب، المقدمة لها كالتوطئة ~~والتمهيد، والأقطاب هي المشتملة على لباب المقصود. ولنذكر في صدر الكتاب ~~معنى أصول الفقه وحده وحقيقته أولا، ثم مرتبته ونسبته إلى العلوم ثانيا، ثم ~~كيفية انشعابه به إلى هذه المقدمة والأقطاب الأربعة ثالثا، ثم كيفية اندراج ~~جميع أقسامه وتفاصيله تحت الأقطاب الأربعة رابعا، ثم وجه تعلقه بهذه ~~المقدمة خامسا. بيان حد أصول الفقه # اعلم أنك لا تفهم معنى أصول الفقه ما لم تعرف أولا معنى الفقه، والفقه ~~عبارة عن العلم والفهم في أصل الوضع، يقال فلان يفقه الخير والشر أي يعلمه ~~ويفهمه، ولكن صار بعرف العلماء عبارة عن العلم بالأحكام الشرعية الثابتة ~~لأفعال المكلفين خاصة، حتى لا يطلق بحكم العادة اسم الفقيه على متكلم ~~وفلسفي ونحوي ومحدث ومفسر بل يختص بالعلماء بالأحكام الشرعية الثابتة ~~للأفعال الإنسانية كالوجوب والحظر والإباحة والندب والكراهة وكون العقد ~~صحيحا وفاسدا وباطلا وكون العبادة قضاء وأداء وأمثاله. ولا يخفى عليك أن ~~للأفعال أحكاما عقلية أي مدركة بالعقل ككونها أعراضا وقائمة بالمحل ومخالفة ~~للجوهر وكونها أكوانا حركة وسكونا وأمثالها، والعارف بذلك يسمى متكلما لا ~~فقيها. # وأما أحكامها من حيث إنها واجبة ومحظورة ومباحة ومكروهة ومندوب إليها ~~فإنما يتولى الفقيه بيانها، فإذا فهمت هذا فافهم أن أصول الفقه عبارة عن ~~أدلة هذه الأحكام وعن معرفة وجوه دلالتها على الأحكام من حيث الجملة لا من ~~حيث التفصيل، فإن علم الخلاف من الفقه أيضا مشتمل على أدلة الأحكام ووجوه ~~دلالتها ولكن من حيث التفصيل، كدلالة حديث خاص في مسألة النكاح بلا ولي على ~~الخصوص ودلالة آية خاصة في مسألة متروك التسمية على الخصوص. # وأما الأصول فلا يتعرض فيها لإحدى المسائل ولا على طريق ضرب المثال، بل ~~يتعرض فيها لأصل الكتاب والسنة والإجماع ولشرائط صحتها وثبوتها ثم لوجوه ~~دلالتها الجملية إما من حيث صيغتها أو مفهوم لفظها أو مجرى لفظها أو معقول ~~لفظها وهو ms003 القياس من غير أن يتعرض فيها لمسألة خاصة فبهذا تفارق أصول الفقه ~~فروعه وقد عرفت # PageV01P005 # من هذا أن أدلة الأحكام الكتاب والسنة والإجماع، فالعلم بطرق ثبوت هذه ~~الأصول الثلاثة وشروط صحتها ووجوه دلالتها على الأحكام هو العلم الذي يعبر ~~عنه بأصول الفقه ### | [بيان مرتبة علم الأصول ونسبته إلى العلوم] # بيان مرتبة هذا العلم ونسبته إلى العلوم # اعلم أن العلوم تنقسم إلى عقلية كالطب والحساب والهندسة وليس ذلك من ~~غرضنا. وإلى دينية كالكلام والفقه وأصوله وعلم الحديث وعلم التفسير وعلم ~~الباطن، أعني علم القلب وتطهيره عن الأخلاق الذميمة وكل واحد من العقلية ~~والدينية ينقسم إلى كلية وجزئية. # فالعلم الكلي من العلوم الدينية هو الكلام وسائر العلوم من الفقه وأصوله ~~والحديث والتفسير علوم جزئية، لأن المفسر لا ينظر إلا في معنى الكتاب خاصة ~~والمحدث لا ينظر إلا في طريق ثبوت الحديث خاصة، والفقيه لا ينظر إلا في ~~أحكام أفعال المكلفين خاصة، والأصولي لا ينظر إلا في أدلة الأحكام الشرعية ~~خاصة والمتكلم هو الذي ينظر في أعم الأشياء وهو الموجود، فيقسم الموجود ~~أولا إلى قديم حادث، ثم يقسم المحدث إلى جوهر وعرض، ثم يقسم العرض إلى ما ~~تشترط فيه الحياة من العلم والإرادة والقدرة والكلام والسمع والبصر وإلى ما ~~يستغني عنها كاللون والريح والطعم، ويقسم الجوهر إلى الحيوان والنبات ~~والجماد ويبين أن اختلافها بالأنواع أو بالأعراض. # ثم ينظر في القديم فيبين أنه لا يتكثر ولا ينقسم انقسام الحوادث، بل لا ~~بد أن يكون واحدا وأن يكون متميزا عن الحوادث بأوصاف تجب له وبأمور تستحيل ~~عليه وأحكام تجوز في حقه ولا تجب ولا تستحيل، ويفرق بين الجائز والواجب ~~والمحال في حقه. # ثم يبين أن أصل الفعل جائز عليه، وأن العالم فعله الجائز، وأنه لجوازه ~~افتقر إلى محدث، وأن بعثة الرسل من أفعاله الجائزة، وأنه قادر عليه وعلى ~~تعريف صدقهم بالمعجزات، وأن هذا الجائز واقع. عند هذا ينقطع كلام المتكلم ~~وينتهي تصرف العقل، بل العقل يدل على صدق النبي. ثم يعزل نفسه ويعترف بأنه ~~يتلقى ms004 من النبي بالقبول ما يقوله في الله واليوم الآخر مما يستقل العقل ~~بدركه ولا يقضي أيضا باستحالته فقد يرد الشرع بما يقصر العقل عن الاستقلال ~~بإدراكه إذ لا يستقل العقل بإدراك كون الطاعة سببا للسعادة في الآخرة وكون ~~المعاصي للشقاوة، لكنه لا يقضي باستحالته أيضا، ويقضي بوجوب صدق من دلت ~~المعجزة على صدقه، فإذا أخبر عنه صدق العقل به بهذه الطريق فهذا ما يحويه ~~علم الكلام فقد عرفت هذا أنه يبتدئ نظره في أعم الأشياء أولا وهو الموجود، ~~ثم ينزل بالتدريج إلى التفصيل الذي ذكرناه فيثبت فيه مبادئ سائر العلوم ~~الدينية من الكتاب والسنة وصدق الرسول، فيأخذ المفسر من جملة ما نظر فيه ~~المتكلم واحدا خاصا وهو الكتاب فينظر في تفسيره، ويأخذ المحدث واحدا خاصا ~~وهو السنة فينظر في طرق ثبوتها، والفقيه يأخذ واحدا خاصا وهو فعل المكلف ~~فينظر في نسبته إلى خطاب الشرع من حيث الوجوب والحظر والإباحة، ويأخذ ~~الأصولي واحدا خاصا وهو قول الرسول الذي دل المتكلم على صدقه فينظر في وجه ~~دلالته على الأحكام إما بملفوظه أو بمفهومه أو بمعقول معناه ومستنبطه، ولا ~~يجاوز نظر الأصولي قول الرسول - عليه السلام - وفعله. # فإن الكتاب # PageV01P006 # إنما يسمعه من قوله والإجماع يثبت بقوله والأدلة هي الكتاب والسنة ~~والإجماع فقط وقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - إنما يثبت صدقه وكونه حجة ~~في علم الكلام. # فإذا الكلام هو المتكفل بإثبات مبادئ العلوم الدينية كلها، فهي جزئية ~~بالإضافة إلى الكلام، فالكلام هو العلم الأعلى في الرتبة إذ منه النزول إلى ~~هذه الجزئيات فإن قيل: فليكن من شرط الأصولي والفقيه والمفسر والمحدث أن ~~يكون قد حصل علم الكلام لأنه قبل الفراغ من الكلي الأعلى كيف يمكنه النزول ~~إلى الجزئي الأسفل؟ قلنا: ليس ذلك شرطا في كونه أصوليا وفقيها ومفسرا ~~ومحدثا وإن كان ذلك شرطا في كونه عالما مطلقا مليئا بالعلوم الدينية، وذلك ~~أنه ما من علم من العلوم الجزئية إلا وله مباد تؤخذ مسلمة بالتقليد في ذلك ~~العلم ويطلب برهان ثبوتها في علم آخر. ms005 # فالفقيه ينظر في نسبة فعل المكلف إلى خطاب الشرع في أمره ونهيه وليس عليه ~~إقامة البرهان على إثبات الأفعال الاختياريات للمكلفين فقد أنكرت الجبرية ~~فعل الإنسان وأنكرت طائفة وجود الأعراض والفعل عرض. ولا على الفقيه إقامة ~~البرهان على ثبوت خطاب الشرع وأن لله تعالى كلاما قائما بنفسه هو أمر ونهي، ~~ولكن يأخذ ثبوت الخطاب من الله تعالى وثبوت الفعل من المكلف على سبيل ~~التقليد وينظر في نسبة الفعل إلى الخطاب فيكون قد قام بمنتهى علمه. وكذلك ~~الأصولي يأخذ بالتقليد من المتكلم أن قول الرسول حجة ودليل واجب الصدق، ثم ~~ينظر في وجوه دلالته وشروط صحته. # فكل عالم بعلم من العلوم الجزئية فإنه مقلد لا محالة في مبادئ علمه إلى ~~أن يترقى إلى العلم الأعلى فيكون قد جاوز علمه إلى علم آخر. ### | [بيان كيفية دوران علم الأصول على الأقطاب الأربعة] # بيان كيفية دورانه على الأقطاب الأربعة اعلم أنك إذا فهمت أن نظر الأصولي ~~في وجوه دلالة الأدلة السمعية على الأحكام الشرعية لم يخف عليك أن المقصود ~~معرفة كيفية اقتباس الأحكام من الأدلة، فوجب النظر في الأحكام، ثم في ~~الأدلة وأقسامها، ثم في كيفية اقتباس الأحكام من الأدلة، ثم في صفات ~~المقتبس الذي له أن يقتبس الأحكام، فإن الأحكام ثمرات وكل ثمرة فلها صفة ~~وحقيقة في نفسها ولها مثمر ومستثمر وطريق في الاستثمار. # والثمرة هي الأحكام، أعني الوجوب والحظر والندب والكراهة والإباحة والحسن ~~والقبح والقضاء والأداء والصحة والفساد وغيرها والمثمر هي الأدلة، وهي ~~ثلاثة الكتاب والسنة والإجماع فقط. وطرق الاستثمار هي وجوه دلالة الأدلة ~~وهي أربعة، إذ الأقوال إما أن تدل على الشيء بصيغتها ومنظومها، أو بفحواها ~~ومفهومها وباقتضائها وضرورتها أو بمعقولها ومعناها المستنبط منها. # والمستثمر هو المجتهد، ولا بد من معرفة صفاته وشروطه وأحكامه. فإذا جملة ~~الأصول تدور على أربعة أقطاب: # القطب الأول: في الأحكام، والبداءة بها أولى لأنها الثمرة المطلوبة. # القطب الثاني: في الأدلة، وهي الكتاب والسنة والإجماع وبها التثنية إذ ~~بعد الفراغ من معرفة الثمرة لا أهم من معرفة ms006 المثمر. # القطب الثالث: في طريق الاستثمار، وهو وجوه دلالة الأدلة، وهي أربعة: ~~دلالة بالمنظوم، ودلالة بالمفهوم، ودلالة بالضرورة والاقتضاء، ودلالة ~~بالمعنى المعقول. # القطب الرابع: في المستثمر وهو المجتهد الذي يحكم بظنه، ويقابله المقلد # PageV01P007 # الذي يلزمه اتباعه، فيجب ذكر شروط المقلد والمجتهد وصفاتهما. ### | [بيان كيفية اندراج الشعب الكثيرة من أصول الفقه تحت هذه الأقطاب الأربعة] # لعلك تقول أصول الفقه تشتمل على أبواب كثيرة وفصول منتشرة فكيف يندرج ~~جملتها تحت هذه الأقطاب الأربعة؟ فنقول: القطب الأول: هو الحكم. # وللحكم حقيقة في نفسه وانقسام، وله تعلق بالحاكم وهو الشارع والمحكوم ~~عليه وهو المكلف وبالمحكوم فيه وهو فعل المكلف وبالمظهر له وهو السبب ~~والعلة، ففي البحث عن حقيقة الحكم في نفسه يتبين أنه عبارة عن خطاب الشرع ~~وليس وصفا للفعل ولا حسن ولا قبح ولا مدخل للعقل فيه ولا حكم قبل ورود ~~الشرع، وفي البحث عن أقسام الحكم يتبين حد الواجب والمحظور والمندوب ~~والمباح والمكروه والقضاء والأداء والصحة والفساد والعزيمة والرخصة وغير ~~ذلك من أقسام الأحكام. وفي البحث عن الحاكم يتبين أن لا حكم إلا لله وأنه ~~لا حكم للرسول ولا للسيد على العبد ولا لمخلوق على مخلوق، بل كل ذلك حكم ~~الله تعالى ووضعه لا حكم لغيره. وفي البحث عن المحكوم عليه يتبين خطاب ~~الناسي والمكره والصبي، وخطاب الكافر بفروع الشرع، وخطاب السكران ومن يجوز ~~تكليفه ومن لا يجوز. وفي البحث عن المحكوم فيه يتبين أن الخطاب يتعلق ~~بالأفعال لا بالأعيان وأنه ليس وصفا للأفعال في ذواتها. وفي البحث عن مظهر ~~الحكم يتبين حقيقة السبب والعلة والشرط والمحل والعلامة، فيتناول هذا القطب ~~جملة من تفاريق فصول الأصول أوردها الأصوليون مبددة في مواضع شتى لا تتناسب ~~ولا تجمعها رابطة، فلا يهتدي الطالب إلى مقاصدها ووجه الحاجة إلى معرفتها ~~وكيفية تعلقها بأصول الفقه. القطب الثاني: في المثمر، وهو الكتاب والسنة ~~والإجماع. وفي البحث عن أصل الكتاب يتبين حد الكتاب وما هو منه وما ليس ~~منه، وطريق إثبات الكتاب وإنه التواتر فقط وبيان ما يجوز أن ms007 يشتمل عليه ~~الكتاب من حقيقة ومجاز وعربية وعجمية. وفي البحث عن السنة يتبين حكم ~~الأقوال والأفعال من الرسول وطرق ثبوتها من تواتر وآحاد وطرق روايتها من ~~مسند ومرسل وصفات رواتها من عدالة وتكذيب، إلى تمام كتاب الأخبار. ويتصل ~~بالكتاب والسنة كتاب النسخ فإنه لا يرد إلا عليهما، وأما الإجماع فلا يتطرق ~~النسخ إليه. وفي البحث عن أصل الإجماع تتبين حقيقته ودليله وأقسامه وإجماع ~~الصحابة وإجماع من بعدهم إلى جميع مسائل الإجماع القطب الثالث: في طرق ~~الاستثمار. # وهي أربعة الأولى: دلالة اللفظ من حيث صيغته، وبه يتعلق النظر في صيغة ~~الأمر والنهي والعموم والخصوص والظاهر والمؤول والنص. والنظر في كتاب ~~الأوامر والنواهي والعموم والخصوص نظر في مقتضى الصيغ اللغوية وأما الدلالة ~~من حيث الفحوى والمفهوم فيشتمل عليه كتاب المفهوم ودليل # PageV01P008 # الخطاب، وأما الدلالة من حيث ضرورة اللفظ واقتضاؤه فيتضمن جملة من إشارات ~~الألفاظ كقول القائل: أعتق عبدك عني، فتقول: أعتقت، فإنه يتضمن حصول الملك ~~للملتمس ولم يتلفظا به لكنه من ضرورة ملفوظهما ومقتضاه. وأما الدلالة من ~~حيث معقول اللفظ فهو كقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يقضي القاضي وهو ~~غضبان» فإنه يدل على الجائع والمريض والحاقن بمعقول معناه، ومنه ينشأ ~~القياس وينجر إلى بيان جميع أحكام القياس وأقسامه. القطب الرابع: في ~~المستثمر، وهو المجتهد وفي مقابلته المقلد، وفيه يتبين صفات المجتهد وصفات ~~المقلد والموضع الذي يجري فيه الاجتهاد دون الذي لا مجال للاجتهاد فيه ~~والقول في تصويب المجتهدين وجملة أحكام الاجتهاد. فهذه جملة ما ذكر في علم ~~الأصول وقد عرفت كيفية انشعابها من هذه الأقطاب الأربعة ### | [بيان المقدمة ووجه تعلق الأصول بها] # اعلم أنه لما رجع حد أصول الفقه إلى معرفة أدلة الأحكام اشتمل الحد على ~~ثلاثة ألفاظ: المعرفة والدليل والحكم فقالوا: إذا لم يكن بد من معرفة الحكم ~~حتى كان معرفته أحد الأقطاب الأربعة فلا بد أيضا من معرفة الدليل ومعرفة ~~المعرفة، أعني العلم. ثم العلم المطلوب لا وصول إليه إلا بالنظر، فلا بد من ~~معرفة النظر فشرعوا في بيان ms008 حد العلم والدليل والنظر ولم يقتصروا على تعريف ~~صور هذه الأمور، ولكن انجر بهم إلى إقامة الدليل على إثبات العلم على ~~منكريه من السوفسطائية وإقامة الدليل على النظر على منكري النظر وإلى جملة ~~من أقسام العلوم وأقسام الأدلة، وذلك مجاوزة لحد هذا العلم وخلط له ~~بالكلام، وإنما أكثر فيه المتكلمون من الأصوليين لغلبة الكلام على طبائعهم ~~فحملهم حب صناعتهم على خلطه بهذه الصنعة، كما حمل حب اللغة والنحو بعض ~~الأصوليين على مزج جملة من النحو بالأصول فذكروا فيه من معاني الحروف ~~ومعاني الإعراب جملا هي من علم النحو خاصة، وكما حمل حب الفقه جماعة من ~~فقهاء ما وراء النهر كأبي زيد - رحمه الله - وأتباعه على مزج مسائل كثيرة ~~من تفاريع الفقه بالأصول، فإنهم وإن أوردوها في معرض المثال وكيفية إجراء ~~الأصل في الفروع فقد أكثروا فيه وعذر المتكلمين في ذكر حد العلم والنظر ~~والدليل في أصول الفقه أظهر من عذرهم في إقامة البرهان على إثباتها مع ~~المنكرين، لأن الحد يثبت في النفس صور هذه الأمور ولا أقل من تصورها إذا ~~كان الكلام يتعلق بها، كما أنه لا أقل من تصور الإجماع والقياس لمن يخوض في ~~الفقه. # وأما معرفة حجية الإجماع وحجية القياس فذلك من خاصية أصول الفقه، فذكر ~~حجية العلم والنظر على منكريه استجرار الأصول إلى الفروع. وبعد أن عرفناك ~~إسرافهم في هذا الخلط فإنا لا نرى أن نخلي هذا المجموع عن شيء منه لأن ~~الفطام عن المألوف شديد والنفوس عن الغريب نافرة، لكنا نقتصر من ذلك على ما ~~تظهر فائدته على العموم في جملة العلوم من تعريف مدارك العقول وكيفية ~~تدرجها من الضروريات إلى النظريات على وجه يتبين فيه حقيقة العلم والنظر ~~والدليل وأقسامها وحججها تبيينا بليغا تخلو عنه مصنفات الكلام. # PageV01P009 ### | [مقدمة الكتاب] ### | [بيان حصر مدارك العلوم النظرية في الحد والبرهان] # مقدمة الكتاب بيان حصر مدارك العلوم النظرية في الحد والبرهان نذكر في ~~هذه المقدمة مدارك العقول وانحصارها في الحد والبرهان، ونذكر شرط الحد ~~الحقيقي وشرط البرهان الحقيقي وأقسامهما ms009 على منهاج أوجز مما ذكرناه في كتاب ~~محك النظر " وكتاب معيار العلم ". وليست هذه المقدمة من جملة علم الأصول ~~ولا من مقدماته الخاصة به، بل هي مقدمة العلوم كلها، ومن لا يحيط بها فلا ~~ثقة له بعلومه أصلا، فمن شاء أن لا يكتب هذه المقدمة فليبدأ بالكتاب من ~~القطب الأول فإن ذلك هو أول أصول الفقه وحاجة جميع العلوم النظرية إلى هذه ~~المقدمة لحاجة أصول الفقه. # بيان حصر مدارك العلوم النظرية في الحد والبرهان اعلم أن إدراك الأمور ~~على ضربين: إدراك الذوات المفردة كعلمك بمعنى الجسم والحركة والعالم ~~والحديث والقديم وسائر ما يدل عليه بالأسامي المفردة، الثاني: إدراك نسبة ~~هذه المفردات بعضها إلى بعض بالنفي أو الإثبات، وهو أن تعلم أولا معنى لفظ ~~العالم وهو أمر مفرد ومعنى لفظ الحادث ومعنى لفظ القديم وهما أيضا أمران ~~مفردان، ثم تنسب مفردا إلى مفرد بالنفي أو الإثبات كما تنسب القدم إلى ~~العالم بالنفي فتقول: ليس العالم قديما، وتنسب الحدوث إليه بالإثبات فتقول: ~~العالم حادث، والضرب الأخير هو الذي يتطرق إليه التصديق والتكذيب. # وأما الأول فيستحيل فيه التصديق والتكذيب إذ لا يتطرق التصديق، إلا إلى ~~خبر، وأقل ما يتركب منه جزءان مفردان وصف وموصوف، فإذا نسب الوصف إلى ~~الموصوف بنفي أو إثبات، صدق أو كذب. فأما قول القائل حادث أو جسم أو قديم ~~فأفراد ليس فيها صدق ولا كذب، ولا بأس أن يصطلح على التعبير عن هذين ~~الضربين بعبارتين مختلفتين فإن حق الأمور المختلفة أن تختلف ألفاظها الدالة ~~عليها، إذ الألفاظ مثل المعاني فحقها أن تحاذى بها المعاني. # وقد سمى المنطقيون معرفة المفردات تصورا ومعرفة النسبة الخبرية بينهما ~~تصديقا فقالوا: العلم إما تصور وإما تصديق، وسمى بعض علمائنا الأول معرفة ~~والثاني علما تأسيا بقول النحاة في قولهم المعرفة تتعدى إلى مفعول واحد، إذ ~~تقول: عرفت زيدا، والظن يتعدى إلى مفعولين، إذ تقول: ظننت زيدا عالما، ولا ~~تقول: ظننت زيدا، ولا: ظننت عالما، والعلم من باب الظن، فتقول: علمت زيدا ~~عدلا. # والعادة في هذه ms010 الاصطلاحات مختلفة. وإذا فهمت افتراق الضربين فلا مشاحة ~~في الألقاب، فنقول الآن: إن # PageV01P010 # الإدراكات صارت محصورة في المعرفة والعلم أو في التصور والتصديق وكل علم ~~تطرق إليه تصديق فمن ضرورته أن يتقدم عليه معرفتان أي: تصوران فإن من لا ~~يعرف المفرد كيف يعلم المركب ومن لا يفهم معنى العالم ومعنى الحادث كيف ~~يعلم أن العالم حادث، ومعرفة المفردات قسمان: أولي، وهو الذي لا يطلب ~~بالبحث وهو الذي يرتسم معناه في النفس من غير بحث وطلب كلفظ الوجود والشيء ~~وككثير من المحسوسات، ومطلوب وهو الذي يدل اسمه منه على أمر جملي غير مفصل ~~ولا مفسر فيطلب تفسيره بالحد، وكذلك العلم ينقسم إلى أولي كالضروريات، وإلى ~~مطلوب كالنظريات. # والمطلوب من المعرفة لا يقتنص إلا بالحد، والمطلوب من العلم الذي يتطرق ~~إليه التصديق والتكذيب لا يقتنص إلا بالبرهان، فالبرهان والحد هو الآلة ~~التي بها يقتنص سائر العلوم المطلوبة. فلتكن هذه المقدمة المرسومة لبيان ~~مدارك العقول مشتملة على دعامتين دعامة في الحد ودعامة في البرهان. ### | [الدعامة الأولى في الحد] ### | [الفن الأول في القوانين] # الدعامة الأولى: في الحد الفن الأول: في القوانين ويجب تقديمها لأن ~~المفردات تتقدم على معرفة المركبات، وتشتمل على فنين: فن يجري مجرى ~~القوانين، وفن يجري مجرى الامتحانات لتلك القوانين. # الفن الأول: في القوانين وهي ستة: القانون الأول # أن الحد إنما يذكر جوابا عن سؤال في المحاورات، ولا يكون الحد جوابا عن ~~كل سؤال بل عن بعضه والسؤال طلب وله لا محالة مطلوب وصيغة، والصيغ والمطالب ~~كثيرة ولكن أمهات المطالب أربع # المطلب الأول: ما يطلب بصيغة " هل ". يطلب بهذه الصيغة أمران إما أصل ~~الوجود كقولك: هل الله تعالى موجود، أو يطلب حال الموجود ووصفه كقولك: هل ~~الله تعالى خالق البشر، وهل الله تعالى متكلم وآمر وناه. # المطلب الثاني: ما يطلب بصيغة " ما ". # ويطلق لطلب ثلاثة أمور: # الأول: أن يطلب به شرح اللفظ كما يقول من لا يدري العقار: ما العقار؟ ~~فيقال له: الخمر، إذا كان يعرف لفظ الخمر # الثاني: أن يطلب لفظ ms011 محرر جامع مانع يتميز به المسئول عنه من غيره كيفما ~~كان الكلام سواء كان عبارة عن عوارض ذاته ولوازمه البعيدة عن حقيقة ذاته أو ~~حقيقة ذاته كما سيأتي الفرق بين الذاتي والعرضي، كقول القائل: ما الخمر؟ ~~فيقال: هو المائع الذي يقذف بالزبد ثم يستحيل إلى الحموضة ويحفظ في الدن. ~~والمقصود أن لا يتعرض لحقيقة ذاته بل يجمع من عوارضه ولوازمه ما يساوي ~~بجملته الخمر بحيث لا يخرج منه خمر ولا يدخل فيه ما ليس بخمر. # والثالث: أن يطلب به ماهية الشيء وحقيقة ذاته، كمن يقول: ما الخمر؟ ~~فيقال: هو شراب مسكر معتصر من العنب، فيكون ذلك كاشفا عن حقيقته ثم يتبعه ~~لا محالة التمييز. واسم الحد في العادة. يطلق على هذه الأوجه الثلاثة ~~بالاشتراك، فلنخترع لكل # PageV01P011 # واحد اسما ولنسم الأول حدا لفظيا إذ السائل لا يطلب به إلا شرح اللفظ، ~~ولنسم الثاني حدا رسميا إذ هو مطلب مرتسم بالعلم غير متشوف إلى درك حقيقة ~~الشيء، ولنسم الثالث حدا حقيقيا إذ مطلب الطالب منه درك حقيقة الشيء، وهذا ~~الثالث شرطه أن يشتمل على جميع ذاتيات الشيء، فإنه لو سئل عن حد الحيوان ~~فقيل جسم حساس فقد جيء بوصف ذاتي، وهو كاف في الجمع والمنع ولكنه ناقص بل ~~حقه أن يضاف إليه المتحرك بالإرادة، فإن كنه حقيقة الحيوان يدركه العقل ~~بمجموع أمرين، فأما المرتسم الطالب للتمييز فيكتفي بالحساس وإن لم يقل إنه ~~جسم أيضا. # المطلب الثالث: ما يطلب بصيغة " لم ". وهو سؤال عن العلة وجوابه بالبرهان ~~على ما سيأتي حقيقته # المطلب الرابع: ما يطلب بصيغة " أي ". وهو الذي يطلب به تمييز ما عرف ~~جملته عما اختلط به، كما إذا قيل: ما الشجر؟ فقيل: إنه جسم، فينبغي أن ~~يقال: أي جسم هو؟ فيقول: نام. وأما مطلب (كيف) و (أين) و (متى) وسائر صيغ ~~السؤال فداخل في مطلب " هل " والمطلوب به صفة الوجود. # القانون الثاني: أن الحاد ينبغي أن يكون بصيرا بالفرق بين الصفات الذاتية ~~واللازمة والعرضية، وذلك غامض فلا بد من بيانه فنقول: ms012 المعنى إذا نسب إلى ~~المعنى الذي يمكن وصفه به وجد بالإضافة إلى الموصوف، إما ذاتيا له ويسمى ~~صفة نفس، وإما لازما ويسمى تابعا، وإما عارضا لا يبعد أن ينفصل عنه في ~~الوجود، ولا بد من إتقان هذه النسبة فإنها نافعة في الحد والبرهان جميعا. # أما الذاتي أعني به كل داخل في ماهية الشيء وحقيقته دخولا لا يتصور فهم ~~المعنى دون فهمه، وذلك كاللونية للسواد والجسمية للفرس والشجر فإن من فهم ~~الشجر فقد فهم جسما مخصوصا فتكون الجسمية داخلة في ذات الشجرية دخولا به ~~قوامها في الوجود والعقل لو قدر عدمها لبطل وجود الشجرية، وكذا الفرس، ولو ~~قدر خروجها عن الذهن لبطل فهم الشجر والفرس من الذهن وما يجري هذا المجرى ~~فلا بد من إدراجه في حد الشيء، فمن يحد النبات يلزمه أن يقول: " جسم نام " ~~لا محالة. # وأما اللازم فما لا يفارق الذات ألبتة ولكن فهم الحقيقة والماهية غير ~~موقوف عليه، كوقوع الظل لشخص الفرس والنبات والشجر عند طلوع الشمس، فإن هذا ~~أمر لازم لا يتصور أن يفارق وجوده عند من يعبر عن مجاري العادات باللزوم ~~ويعتقده ولكنه من توابع الذات ولوازمه وليس بذاتي له، وأعني به أن فهم ~~حقيقته غير موقوف على فهم ذلك له إذ الغافل عن وقوع الظل يفهم الفرس ~~والنبات بل يفهم الجسم الذي هو أعم منه وإن لم يخطر بباله ذلك، وكذلك كون ~~الأرض مخلوقة وصف لازم للأرض لا يتصور مفارقته له، ولكن فهم الأرض غير ~~موقوف على فهم كونها مخلوقة فقد يدرك حقيقة الأرض والسماء من لم يدرك بعد ~~أنهما مخلوقتان فإنا نعلم أولا حقيقة الجسم ثم نطلب بالبرهان كونه مخلوقا، ~~ولا يمكننا أن نعلم الأرض والسماء ما لم نعلم الجسم. # وأما العارض فأعني به ما ليس من ضرورته أن يلازم بل يتصور مفارقته إما # PageV01P012 # سريعا كحمرة الخجل أو بطيئا كصفرة الذهب وزرقة العين وسواد الزنجي، وربما ~~لا يزول في الوجود كزرقة العين ولكن يمكن رفعه في الوهم. وأما كون الأرض ~~مخلوقة وكون الجسم ms013 الكثيف ذا ظل مانع نور الشمس فإنه ملازم لا تتصور ~~مفارقته. # ومن مثارات الأغاليط الكثيرة التباس اللازم التابع بالذاتي فإنهما ~~مشتركان في استحالة المفارقة، واستقصاء ذلك في هذه المقدمة التي هي ~~كالعلاوة على هذا العلم غير ممكن، وقد استقصيناه في كتاب معيار العلم ". # فإذا فهمت الفرق بين الذاتي واللازم فلا تورد في الحد الحقيقي إلا ~~الذاتيات، وينبغي أن تورد جميع الذاتيات حتى يتصور بها كنه حقيقة الشيء ~~وماهيته، وأعني بالماهية ما يصلح أن يقال في جواب " ما هو " فإن القائل: ما ~~هو؟ يطلب حقيقة الشيء فلا يدخل في جوابه إلا الذاتي. والذاتي ينقسم إلى عام ~~ويسمى جنسا وإلى خاص ويسمى نوعا، فإن كان الذاتي العام لا أعم منه سمي جنس ~~الأجناس، وإن كان الذاتي الخاص لا أخص منه سمي نوع الأنواع وهو اصطلاح ~~المنطقيين ولنصالحهم عليه فإنه لا ضرر فيه وهو كالمستعمل أيضا في علومنا، ~~ومثاله أنا إذا قلنا: الجوهر ينقسم إلى جسم وغير جسم والجسم ينقسم إلى نام ~~وغير نام والنامي ينقسم إلى حيوان وغير حيوان والحيوان ينقسم إلى عاقل وهو ~~الإنسان وغير عاقل، فالجوهر جنس الأجناس إذ لا أعم منه والإنسان نوع ~~الأنواع إذ لا أخص منه والنامي نوع بالإضافة إلى الجسم لأنه أخص منه وجنس ~~بالإضافة إلى الحيوان لأنه أعم منه، وكذلك الحيوان بين النامي الأعم ~~والإنسان الأخص. # فإن قيل: كيف لا يكون شيء أعم من الجوهر وكونه موجودا أعم منه؟ وكيف لا ~~يكون شيء أخص من الإنسان وقولنا شيخ وصبي وطويل وقصير وكاتب وخياط أخص منه؟ ~~قلنا: لم نعن في هذا الاصطلاح بالجنس، الأعم فقط بل عنينا الأعم الذي هو ~~ذاتي للشيء أي داخل في جواب " ما هو " بحيث لو بطل عن الذهن التصديق بثبوته ~~بطل المحدود وحقيقته عن الذهن وخرج عن كونه مفهوما للعقل وعلى هذا الاصطلاح ~~فالموجود لا يدخل في الماهية إذ بطلانه لا يوجب زوال الماهية عن الذهن. # بيانه إذا قال القائل: ما حد المثلث؟ فقلنا شكل يحيط به ثلاثة أضلاع، أو ~~قال: ms014 ما حد المسبع؟ فقلنا شكل يحيط به سبعة أضلاع فهم السائل حد المسبع وإن ~~لم يعلم أن المسبع موجود في العالم أصلا فبطلان العلم بوجوده لا يبطل عن ~~ذهنه فهم حقيقة المسبع، ولو بطل عن ذهنه الشكل لبطل المسبع ولم يبق مفهوما ~~عنده. وأما ما هو أخص من الإنسان من كونه طويلا أو قصيرا أو شيخا أو صبيا ~~أو كاتبا أو أبيض أو محترفا فشيء منه لا يدخل في الماهية إذ لا يتغير جواب ~~الماهية بتغيره، فإذا قيل لنا: ما هذا؟ فقلنا إنسان وكان صغيرا فكبر أو ~~قصيرا فطال فسئلنا مرة أخرى: ما هو؟ لست أقول من هو لكان الجواب ذلك بعينه. # ولو أشير إلى ما ينفصل من الإحليل عند الوقاع وقيل: ما هو؟ لقلنا نطفة، ~~فإذا صار جنينا ثم مولودا فقيل: ما هو؟ تغير الجواب ولم يحسن أن يقال نطفة ~~بل يقال إنسان. وكذلك الماء إذا سخن فقيل: ما هو؟ قلنا ماء، كما في حالة ~~البرودة ولو استحال بالنار بخارا ثم هواء ثم قيل: ما هو؟ تغير الجواب. فإذا ~~انقسمت الصفات إلى ما يتبدل الجواب عن الماهية بتبدلها وإلى ما لا يتبدل ~~فلنذكر في الحد الحقيقي ما يدخل في الماهية. # وأما الحد اللفظي والرسمي # PageV01P013 # فمؤنتهما خفيفة إذ طالبهما قانع بتبديل لفظ العقار بالخمر وتبديل لفظ ~~العلم بالمعرفة أو بما هو وصف عرضي جامع مانع، وإنما العويص المتعذر هو ~~الحد الحقيقي وهو الكاشف عن ماهية الشيء لا غير # القانون الثالث: أن ما وقع السؤال عن ماهيته وأردت أن تحده حدا حقيقيا ~~فعليك فيه وظائف لا يكون الحد حقيقيا إلا بها، فإن تركتها سميناه رسميا أو ~~لفظيا ويخرج عن كونه معربا عن حقيقة الشيء ومصورا لكنه معناه في النفس. # الأولى: أن تجمع أجزاء الحد من الجنس والفصول، فإذا قال لك مشيرا إلى ما ~~ينبت من الأرض: ما هو؟ فلا بد أن تقول: جسم، لكن لو اقتصرت عليه لبطل عليك ~~بالحجر فتحتاج إلى الزيادة فتقول: نام، فتحترز به عما لا ينمو، فهذا ms015 ~~الاحتراز يسمى فصلا أي فصلت المحدود عن غيره. # الثانية: أن تذكر جميع ذاتياته وإن كانت ألفا ولا تبالي بالتطويل، لكن ~~ينبغي أن تقدم الأعم على الأخص فلا تقول نام جسم بل بالعكس. # وهذه لو تركتها لتشوش النظم ولم تخرج الحقيقة عن كونها مذكورة مع اضطراب ~~اللفظ، فالإنكار عليك في هذا أقل مما في الأول وهو أن تقتصر على الجسم. # الثالثة: أنك إذا وجدت الجنس القريب فلا تذكر البعيد معه فتكون مكررا، ~~كما تقول: مائع شراب، أو تقتصر على البعيد فتكون مبعدا، كما تقول في حد ~~الخمر، جسم مسكر مأخوذ من العنب. وإذا ذكرت هذا فقد ذكرت ما هو ذاتي ومطرد ~~ومنعكس لكنه مختل قاصر عن تصوير كنه حقيقة الخمر، بل لو قلت: مائع مسكر، ~~كان أقرب من الجسم، وهو أيضا ضعيف بل ينبغي أن تقول: شراب مسكر، فإنه ~~الأقرب الأخص ولا تجد بعده جنسا أخص منه، فإذا ذكرت الجنس فاطلب بعده الفصل ~~إذ الشراب يتناول سائر الأشربة فاجتهد أن تفصل بالذاتيات إلا إذا عسر عليك ~~ذلك وهو كذلك عسير في أكثر الحدود فاعدل بعد ذكر الجنس إلى اللوازم واجتهد ~~أن يكون ما ذكرته من اللوازم الظاهرة المعروفة فإن الخفي لا يعرف، # كما إذا قيل: ما الأسد؟ فقلت: " سبع أبخر " ليتميز بالبخر عن الكلب، فإن ~~البخر من خواص الأسد لكنه خفي، ولو قلت: سبع شجاع عريض الأعالي، لكانت هذه ~~اللوازم والأعراض أقرب إلى المقصود لأنها أجلى. # وأكثر ما ترى في الكتب من الحدود رسمية إذ الحقيقة عسرة جدا، وقد يسهل ~~درك بعض الذاتيات ويعسر بعضها فإن درك جميع الذاتيات حتى لا يشذ واحد منها ~~عسر. والتمييز بين الذاتي واللازم عسر، ورعاية الترتيب حتى لا يبتدأ بالأخص ~~قبل الأعم عسر وطلب الجنس الأقرب عسر، فإنك ربما تقول في الأسد إنه حيوان ~~شجاع ولا يحضرك لفظ السبع فتجمع أنواعا من العسر، وأحسن الرسميات ما وضع ~~فيه الجنس الأقرب وتمم بالخواص المشهورة المعروفة. # الرابعة: أن تحترز من الألفاظ الغريبة الوحشية والمجازية البعيدة ~~والمشتركة المترددة، ms016 واجتهد في الإيجاز ما قدرت وفي طلب اللفظ النص ما ~~أمكنك، فإن أعوزك النص وافتقرت إلى الاستعارة فاطلب من الاستعارات ما هو ~~أشد مناسبة للغرض، واذكر مرادك للسائل فما كل أمر معقول له عبارة صريحة ~~موضوعة للإنباء عنه. # ولو طول مطول واستعار مستعير أو أتى بلفظ مشترك وعرف مراده بالتصريح أو ~~عرف بالقرينة فلا ينبغي أن يستعظم صنيعه ويبالغ في # PageV01P014 # ذمه إن كان قد كشف عن الحقيقة بذكر جميع الذاتيات فإنه المقصود وهذه ~~المزايا تحسينات وتزيينات كالأبازير من الطعام المقصود، وإنما المتحذلقون ~~يستعظمون مثل ذلك ويستنكرونه غاية الاستنكار لميل طباعهم القاصرة عن ~~المقصود الأصلي إلى الوسائل والرسوم والتوابع حتى ربما أنكروا قول القائل ~~في العلم: إنه الثقة بالمعلوم أو إدراك المعلوم من حيث إن الثقة مترددة بين ~~الأمانة والفهم، وهذا هوس لأن الثقة إذا قرنت بالمعلوم تعين فيها جهة ~~الفهم. # ومن قال: حد اللون ما يدرك بحاسة العين على وجه كذا وكذا، فلا ينبغي أن ~~ينكر من حيث إن لفظ العين مشترك بين الميزان والشمس والعضو الباصر لأن ~~قرينة الحاسة أذهبت عنه الاحتمال وحصل التفهيم الذي هو مطلوب السؤال، ~~واللفظ غير مراد بعينه في الحد الحقيقي إلا عند المرتسم الذي يحوم حول ~~العبارات فيكون اعتراضه عليها وشغفه بها. # القانون الرابع: في طريق اقتناص الحد. اعلم أن الحد لا يحصل بالبرهان، ~~لأنا إذا قلنا في حد الخمر: إنه شراب مسكر، فقيل لنا: لم؟ لكان محالا أن ~~يقام عليه برهان، فإن لم يكن معنا خصم وكنا نطلبه فكيف نطلبه بالبرهان ~~وقولنا: الخمر شراب مسكر، دعوى هي قضية محكومها الخمر وحكمها أنه شراب ~~مسكر، وهذه القضية إن كانت معلومة بلا وسط فلا حاجة إلى البرهان، وإن لم ~~تعلم وافتقرت إلى وسط وهو معنى البرهان أعني طلب الوسط كان صحة ذلك الوسط ~~للمحكوم عليه وصحة الحكم للوسط كل واحد قضية واحدة فبماذا تعرف صحتها؟ # فإن احتيج إلى وسط تداعى إلى غير نهاية، وإن وقف في موضع بغير وسط فبماذا ~~تعرف في ذلك الموضع صحته؟ ms017 فليتخذ ذلك طريقا في أول الأمر، مثاله لو قلنا في ~~حد العلم: إنه المعرفة، فقيل: لم؟ فقلنا: لأن كل علم فهو اعتقاد مثلا وكل ~~اعتقاد فهو معرفة فكل علم إذن معرفة لأن هذا طريق البرهان على ما سيأتي، ~~فيقال ولم قلتم كل علم فهو اعتقاد ولم قلتم كل اعتقاد فهو معرفة؟ فيصير ~~السؤال سؤالين، وهكذا يتداعى إلى غير نهاية. # بل الطريق أن النزاع إن كان مع خصم أن يقال: عرفنا صحته باطراده وانعكاسه ~~فهو الذي يسلمه الخصم بالضرورة. أما كونه معربا عن تمام الحقيقة ربما ينازع ~~فيه ولا يقر به، فإن منع اطراده وانعكاسه على أصل نفسه طالبناه بأن يذكر حد ~~نفسه وقابلنا أحد الحدين بالآخر وعرفنا ما فيه التفاوت من زيادة أو نقصان ~~وعرفنا الوصف الذي فيه يتفاوتان وجردنا النظر إلى ذلك الوصف وأبطلناه ~~بطريقة أو أثبتناه بطريقة، مثاله إذا قلنا: المغصوب مضمون وولد المغصوب ~~مغصوب فكان مضمونا فقالوا: لا نسلم أن ولد المغصوب مغصوب، قلنا: حد الغصب ~~إثبات اليد العادية على مال الغير. # وقد وجد فربما منع كون اليد عادية وكونه إثباتا، بل نقول: هذا ثبوت ولكن ~~ليس ذلك من غرضنا بل ربما قال: نسلم أن هذا موجود في ولد المغصوب لكن لا ~~نسلم أن هذا حد الغصب فهذا لا يمكن إقامة برهان عليه إلا أنا نقول: هو مطرد ~~منعكس فما الحد عندك؟ فلا بد من ذكره حتى ننظر إلى موضع التفاوت، فيقول: بل ~~حد الغصب إثبات اليد المبطلة المزيلة لليد المحقة، فنقول: قد زدت وصفا وهو ~~الإزالة. # فلننظر هل يمكننا أن نقدر على اعتراف الخصم بثبوت الغصب مع عدم هذا ~~الوصف، فإن قدرنا عليه بان أن الزيادة عليه محذوفة وذلك بأن نقول: الغاصب ~~من الغصب # PageV01P015 # يضمن للمالك وقد أثبت اليد المبطلة ولم يزل المحقة فإنها كانت زائلة، ~~فهذا طريق قطع النزاع مع المناظر. وأما الناظر مع نفسه إذا تحررت له حقيقة ~~الشيء وتخلص له اللفظ الدال على ما تحرر في مذهبه علم أنه واجد لحد فلا ~~يعاند ms018 نفسه. # القانون الخامس: في حصر مداخل الخلل في الحدود # وهي ثلاثة، فإنه تارة يدخل من جهة الجنس وتارة من جهة الفصل وتارة من جهة ~~أمر مشترك بينهما. أما الخلل من جهة الجنس فأن يؤخذ الفصل بدله، كما يقال ~~في العشق: إنه إفراط المحبة، وإنما ينبغي أن يقال إنه المحبة المفرطة، ~~فالإفراط يفصلها عن سائر أنواع المحبة. ومن ذلك أن يؤخذ المحل بدل الجنس ~~كقولك في الكرسي: إنه خشب يجلس عليه، وفي السيف: إنه حديد يقطع به، بل ~~ينبغي أن يقال للسيف: إنه آلة صناعية من حديد مستطيلة عرضها كذا ويقطع بها ~~كذا، فالآلة جنس والحديد محل الصورة لا جنس. # وأبعد منه أن يؤخذ بدل الجنس ما كان موجودا والآن ليس بموجود، كقولك ~~للرماد: إنه خشب محترق، وللولد: إنه نطفة مستحيلة، فإن الحديد موجود في ~~السيف في الحال والنطفة والخشب غير موجودين في الولد والرماد. # ومن ذلك أن يؤخذ الجزء بدل الجنس كما يقال في حد العشرة: إنها خمسة وخمسة ~~ومن ذلك أن توضع القدرة موضع المقدور كما يقال حد العفيف هو الذي يقوى على ~~اجتناب اللذات الشهوانية وهو فاسد بل هو الذي يترك وإلا فالفاسق يقوى على ~~الترك ولا يترك. ومن ذلك أن يضع اللوازم التي ليست بذاتية بدل الجنس، ~~كالواحد والموجود إذا أخذته في حد الشمس أو الأرض مثلا. # ومن ذلك أن يضع النوع مكان الجنس كقولك: الشر هو ظلم الناس، والظلم نوع ~~من الشر. وأما من جهة الفصل فأن يأخذ اللوازم والعرضيات في الاحتراز بدل ~~الذاتيات وأن لا يورد جميع الفصول. وأما الأمور المشتركة فمن ذلك أن يحد ~~الشيء بما هو أخفى منه كقول القائل حد الحادث ما تتعلق به القدرة. # ومن ذلك حد الشيء بما هو مساو له في الخفاء، كقولك: العلم ما يعلم به أو ~~ما يكون الذات به عالما. ومن ذلك أن يعرف الضد بالضد فيقول: حد العلم ما ~~ليس بظن ولا جهل، وهكذا حتى يحصر الأضداد، وحد الزوج ما ليس بفرد، ثم يمكنك ~~أن ms019 تقول في حد الفرد: ما ليس بزوج، فيدور الأمر ولا يحصل له بيان. ومن ذلك ~~أن يأخذ المضاف في حد المضاف وهما متكافئان في الإضافة، كقول القائل حد ~~الأب من له ابن، ثم لا يعجز أن يقول حد الابن من له أب، بل ينبغي أن يقول: ~~الأب حيوان تولد من نطفته حيوان آخر هو من نوعه، فهو أب من حيث هو كذلك، ~~ولا يحيل على الابن فإنهما في الجهل والمعرفة يتلازمان. ومن يقول في حد ~~الشمس: إنه كوكب يطلع نهارا، فيقال وما حد النهار؟ فيلزمه أن يقول: النهار ~~زمان من طلوع الشمس إلى غروبها، إن أراد الحد الصحيح، ولذلك نظائر لا يمكن ~~إحصاؤها. # القانون السادس: في أن المعنى الذي لا تركيب فيه ألبتة لا يمكن حده إلا ~~بطريق # PageV01P016 # شرح اللفظ أو بطريق الرسم، وأما الحد الحقيقي فلا، والمعنى المفرد مثل ~~الموجود. فإذا قيل لك: ما حد الموجود؟ فغايتك أن تقول: هو الشيء أو الثابت، ~~فتكون قد أبدلت اسما باسم مرادف له ربما يتساويان في التفهيم. وربما يكون ~~أحدهما أخفى في موضع اللسان كمن يقول: ما العقار؟ فيقال: الخمر، وما ~~الغضنفر؟ فيقال الأسد. # وهذا أيضا إنما يحسن بشرط أن يكون المذكور في الجواب أشهر من المذكور في ~~السؤال ثم لا يكون إلا شرحا للفظ، وإلا فمن يطلب تلخيص ذات الأسد فلا يتخلص ~~له ذلك في عقله إلا بأن يقول: هو سبع من صفته كيت وكيت، فأما تكرار الألفاظ ~~المترادفة فلا يغنيه. ولو قلت: حد الموجود أنه المعلوم أو المذكور، وقيدته ~~بقيد احترزت به عن المعدوم، كنت ذكرت شيئا من توابعه ولوازمه وكان حدك ~~رسميا غير معرب عن الذات فلا يكون حقيقيا، فإذا الموجود لا حد له فإنه مبدأ ~~كل شرح فكيف يشرح في نفسه؟ إنما قلنا المعنى المفرد ليس له الحد الحقيقي ~~لأن معنى قول القائل ما حد الشيء، قريب من معنى قوله ما حد هذه الدار، ~~وللدار جهات متعددة إليها ينتهي الحد فيكون تحديد الدار بذكر جهاتها ~~المختلفة المتعددة التي ms020 الدار محصورة مسورة بها. # فإذا قال: ما حد السواد؟ فكأنه يطلب به المعاني والحقائق التي بائتلافها ~~تتم حقيقة السواد، فإن السواد لون وموجود وعرض ومرئي ومعلوم ومذكور وواحد ~~وكثير ومشرق وبراق وكدر وغير ذلك من الأوصاف، وهذه الأوصاف بعضها عارض يزول ~~وبعضها لازم لا يزول ولكن ليست ذاتية ككونه معلوما وواحدا وكثيرا، وبعضها ~~ذاتي لا يتصور فهم السواد دون فهمه، ككونه لونا. # فطالب الحد كأنه يقول: إلى كم معنى تنتهي حدود حقيقة السواد؟ لتجمع له ~~تلك المعاني المتعددة، ويتخلص بأن يبتدئ بالأعم ويختم بالأخص ولا يتعرض ~~للعوارض. وربما يطلب أن لا يتعرض للوازم بل للذاتيات خاصة، فإذا لم يكن ~~المعنى مؤتلفا من ذاتيات متعددة كالموجود فكيف يتصور تحديده؟ فكان السؤال ~~عنه كقول القائل: ما حد الكرة؟ ويقدر العالم كله كرة، فكيف يذكر حده على ~~مثال حدود الدار إذ ليس له حدود، فإن حده عبارة عن منقطعه ومنقطعه سطحه ~~الظاهر وهو سطح واحد متشابه وليس سطوحا مختلفة ولا هو منته إلى مختلفة حتى ~~يقال أحد حدوده ينتهي إلى كذا والآخر إلى كذا. # فهذا المثال المحسوس وإن كان بعيدا عن المقصود ربما يفهم مقصود هذا ~~الكلام. ولا يفهم من قولي السواد مركب من معنى اللونية والسوادية واللونية ~~جنس والسوادية نوع أن في السواد ذوات متعددة متباينة متفاضلة، فلا تقل: إن ~~السواد لون وسواد بل لون ذلك اللون بعينه هو سواد ومعناه يتركب ويتعدد ~~للعقل حتى يعقل اللونية مطلقا ولا يخطر له السواد مثلا ثم يعقل السواد ~~فيكون العقل قد عقل أمرا زائدا لا يمكنه جحد تفاصيله في الذهن ولكن لا يمكن ~~أن يعتقد تفاصيله في الوجود، ولا تظنن أن منكر الحال يقدر على حد شيء ~~ألبتة. # والمتكلمون يسمون اللونية حالا لأن منكر الحال إذا ذكر الجنس واقتصر بطل ~~عليه الحد، وإن زاد شيئا للاحتراز فيقال له: إن الزيادة عين الأول أو غيره؟ ~~فإن كان عينه فهو تكرار فاطرحه، وإن كان غيره فقد اعترف بأمرين. # وإن قال في حد الجوهر: إنه موجود بطل ms021 بالعرض، فإن زاد أنه متحيز فيقال ~~له: قولك متحيز مفهومه غير مفهوم الموجود أو عينه؟ فإن كان عينه فكأنك قلت # PageV01P017 # موجود موجود والمترادفة كالمتكررة فهو إذا يبطل بالعرض، وإن كان غيره حتى ~~اندفع النقض بقولك " متحيز " ولم يندفع بقولك " موجود " فهو غير بالمعنى لا ~~باللفظ، فوجب الاعتراف بتغاير المعنى في العقل. # والمقصود بيان أن المفرد لا يمكن أن يكون له حد حقيقي وإنما يحد له بحد ~~لفظي كقولك في حد الموجود: إنه الشيء، أو رسمي كقولك في حد الموجود: إنه ~~المنقسم إلى الخالق والمخلوق والقادر والمقدور أو الواحد والكثير أو القديم ~~والحادث أو الباقي والفاني أو ما شئت من لوازم الموجود وتوابعه وكل ذلك ليس ~~ينبئ عن ذات الموجود عن تابع لازم لا يفارقه ألبتة. واعلم أن المركب إذا ~~حددته بذكر آحاد الذاتيات توجه السؤال عن حد الآحاد، فإذا قيل لك: ما حد ~~الشجر؟ فقلت: نبات قائم على ساق، فقيل لك: ما حد النبات؟ فتقول: جسم نام، ~~فيقال: ما حد الجسم؟ فتقول: جوهر مؤتلف أو الجوهر الطويل العريض العميق، ~~فيقال وما حد الجوهر؟ وهكذا، فإن كل مؤلف فيه مفردات فله حقيقة وحقيقته ~~أيضا تأتلف من مفردات. # ولا تظن أن هذا يتمادى إلى غير نهاية بل ينتهي إلى مفردات يعرفها العقل ~~والحس معرفة أولية لا تحتاج إلى طلب بصيغة الحد، كما أن العلوم التصديقية ~~تطلب بالبرهان عليها وكل برهان ينتظم من مقدمتين ولا بد لكل مقدمة أيضا من ~~برهان يأتلف من مقدمتين وهكذا فيتمادى إلى أن ينتهي إلى أوليات، فكما أن في ~~العلوم أوليات فكذلك في المعارف، فطالب حدود الأوليات إنما يطلب شرح اللفظ ~~لا الحقيقة، فإن الحقيقة تكون ثابتة في عقله بالفطرة الأولى كثبوت حقيقة ~~الوجود في العقل، فإن طلب الحقيقة فهو معاند كمن يطلب البرهان على أن ~~الاثنين أكثر من الواحد، فهذا بيان ما أردنا ذكره من القوانين ### | [الفن الثاني من دعامة الحد في الامتحانات للقوانين] # في الامتحانات للقوانين بحدود مفصلة: # وقد أكثرنا أمثلتها في كتاب معيار العلم ومحك ms022 النظر " ونحن الآن مقتصرون ~~على حد الحد وحد العلم وحد الواجب لأن هذا النمط من الكلام دخيل في علم ~~الأصول فلا يليق فيه الاستقصاء. # الامتحان الأول: اختلف الناس في حد الحد، فمن قائل، يقول: حد الشيء هو ~~حقيقته وذاته، ومن قائل يقول: حد الشيء هو اللفظ المفسر لمعناه على وجه ~~يمنع ويجمع، ومن قائل ثالث يقول: هذه المسألة خلافية فينصر أحد الحدين على ~~الآخر، فانظر كيف تخبط عقل هذا الثالث فلم يعلم أن الاختلاف إنما يتصور بعد ~~التوارد على شيء واحد، وهذان قد تباعدا وتنافرا وما تواردا على شيء واحد. ~~وإنما منشأ هذا الغلط الذهول عن معرفة الاسم المشترك على ما سنذكره فإن من ~~يحد العين بأنه العضو المدرك للألوان بالرؤية لم يخالف من حده بأنه الجوهر ~~المعدني الذي هو أشرف النقود بل حد هذا أمرا مباينا لحقيقة الأمر الآخر، ~~وإنما اشتركا في اسم العين فافهم هذا فإنه قانون كثير النفع. فإن قلت: فما ~~الصحيح عندك في حد الحد فاعلم أن كل من طلب المعاني من الألفاظ ضاع وهلك ~~وكان كمن استدبر المغرب وهو يطلبه ومن قرر المعاني أولا في عقله ثم أتبع ~~المعاني الألفاظ فقد اهتدى. فلنقرر المعاني، فنقول: الشيء له في الوجود ~~أربع مراتب # الأولى: حقيقته في نفسه. # PageV01P018 # الثانية: ثبوت مثال حقيقة في الذهن وهو الذي يعبر عنه بالعلم. # الثالثة: تأليف صوت بحروف تدل عليه وهو العبارة الدالة على المثال الذي ~~في النفس. # الرابعة: تأليف رقوم تدرك بحاسة البصر دالة على اللفظ وهو الكتابة، ~~فالكتابة تبع للفظ إذ تدل عليه واللفظ تبع للعلم إذ يدل عليه والعلم تبع ~~للمعلوم إذ يطابقه ويوافقه، وهذه الأربعة متطابقة متوازية إلا أن الأولين ~~وجودان حقيقيان لا يختلفان بالأعصار والأمم والآخرين وهو اللفظ والكتابة ~~يختلفان بالأعصار والأمم لأنهما موضوعان بالاختيار، ولكن الأوضاع وإن ~~اختلفت صورها فهي متفقة في أنها قصد بها مطابقة الحقيقة، ومعلوم أن الحد ~~مأخوذ من المنع وإنما استعير لهذه المعاني لمشاركته في معنى المنع، فانظر ~~المنع أين تجده في هذه ms023 الأربعة. فإذا ابتدأت بالحقيقة لم تشك في أنها حاصرة ~~للشيء مخصوصة به إذ حقيقة كل شيء خاصيته التي له وليست لغيره فإذا الحقيقة ~~جامعة مانعة، وإن نظرت إلى مثال الحقيقة في الذهن وهو العلم وجدته أيضا ~~كذلك لأنه مطابق للحقيقة المانعة والمطابقة توجب المشاركة في المنع، وإن ~~نظرت إلى العبارة عن العلم وجدتها أيضا حاصرة فإنها مطابقة للعلم المطابق ~~للحقيقة والمطابق للمطابق مطابق، وإن نظرت إلى الكتابة وجدتها مطابقة للفظ ~~المطابق للعلم المطابق للحقيقة فهي أيضا مطابقة فقد وجدت المنع في الكل إلا ~~أن العادة لم تجر بإطلاق الحد على الكتابة التي هي الرابعة ولا على العلم ~~الذي هو الثاني بل هو مشترك بين الحقيقة وبين اللفظ وكل لفظ مشترك بين ~~حقيقتين فلا بد أن يكون له حدان مختلفان كلفظ العين. فإذا عند الإطلاق على ~~نفس الشيء يكون حدا لحد أنه حقيقة الشيء وذاته وعند الإطلاق الثاني يكون ~~حدا لحد أنه اللفظ الجامع المانع، إلا أن الذين أطلقوه على اللفظ أيضا ~~اصطلاحهم مختلف كما ذكرناه في الحد اللفظي والرسمي والحقيقي، فحد الحد عند ~~من يقنع بتكرير اللفظ كقولك الموجود هو الشيء والعلم هو المعرفة والحركة هي ~~النقلة هو تبديل اللفظ بما هو أوضح عند السائل على شرط أن يجمع ويمنع. وأما ~~حد الحد عند من يقنع بالرسميات فإنه اللفظ الشارح للشيء بتعديد صفاته ~~الذاتية أو اللازمة على وجه يميزه عن غيره تمييزا يطرد وينعكس، وأما حده ~~عند من لا يطلق اسم الحد إلا على الحقيقي فهو أنه القول الدال على تمام ~~ماهية الشيء، ولا يحتاج في هذا إلى ذكر الطرد والعكس لأن ذلك تبع للماهية ~~بالضرورة، ولا يحتاج إلى التعرض للوازم فإنها لا تدل على الماهية بل لا يدل ~~على الماهية إلا الذاتيات فقد عرفت أن اسم الحد مشترك في الاصطلاحات بين ~~الحقيقة وشرح اللفظ والجمع بالعوارض والدلالة على الماهية، فهذه أربعة أمور ~~مختلفة كما دل لفظ العين على أمور مختلفة، # فتعلم صناعة الحد. # فإذا ذكر لك اسم وطلب منك ms024 حده فانظر فإن كان مشتركا فاطلب عدة المعاني ~~التي فيها الاشتراك، فإن كانت ثلاثة فاطلب لها ثلاثة حدود، فإن الحقائق إذا ~~اختلفت فلا بد من اختلاف الحدود، فإذا قيل لك: ما الإنسان؟ فلا تطمع في حد ~~واحد فإن الإنسان مشترك بين أمور، إذ يطلق على إنسان العين وله حد وعلى ~~الإنسان المعروف وله حد آخر وعلى الإنسان المصنوع على # PageV01P019 # الحائط المنقوش وله حد آخر وعلى الإنسان الميت وله حد آخر، فإن اليد ~~المقطوعة والذكر المقطوع يسمى ذكرا أو تسمى يدا ولكن بغير الوجه الذي كانت ~~تسمى به حين كانت غير مقطوعة، فإنها كانت تسمى به من حيث إنها آلة البطش ~~وآلة الوقاع، وبعد القطع تسمى به من حيث إن شكلها شكل آلة البطش، حتى لو ~~بطل بالتقطيعات الكثيرة شكلها سلب هذا الاسم عنها، ولو صنع شكلها من خشب أو ~~حجر أعطي الاسم. # وكذلك إذا قيل: ما حد العقل؟ فلا تطمع في أن تحده بحد واحد فإنه هوس، لأن ~~اسم العقل مشترك يطلق على عدة معان، إذ يطلق على بعض العلوم الضرورية ويطلق ~~على الغريزة التي يتهيأ بها الإنسان لدرك العلوم النظرية ويطلق على العلوم ~~المستفادة من التجربة، حتى إن من لم تحنكه التجارب بهذا الاعتبار لا يسمى ~~عاقلا، ويطلق على من له وقار وهيبة وسكينة في جلوسه وكلامه وهو عبارة عن ~~الهدو، فيقال فلان عاقل أي فيه هدو، وقد يطلق على من جمع العمل إلى العلم، ~~حتى إن المفسد وإن كان في غاية من الكياسة يمنع عن تسميته عاقلا فلا يقال ~~للحجاج عاقل بل داه ولا يقال للكافر عاقل وإن كان محيطا بجملة العلوم ~~الطبية والهندسية، بل إما فاضل وإما داه وإما كيس. # فإذا اختلفت الاصطلاحات فيجب بالضرورة أن تختلف الحدود، فيقال في حد ~~العقل باعتبار أحد مسمياته إنه بعض العلوم الضرورية كجواز الجائزات ~~واستحالة المستحيلات كما قاله القاضي أبو بكر الباقلاني - رحمه الله -، ~~وبالاعتبار الثاني إنه غريزة يتهيأ بها النظر في المعقولات وهكذا بقية ~~الاعتبارات. # فإن قلت: فنرى الناس ms025 يختلفون في الحدود وهذا الكلام يكاد يحيل الاختلاف ~~في الحد، أترى أن المتنازعين فيه ليسوا عقلاء؟ فاعلم أن الاختلاف في الحد ~~يتصور في موضعين أحدهما: أن يكون اللفظ في كتاب الله تعالى أو سنة رسوله - ~~صلى الله عليه وسلم - أو قول إمام من الأئمة يقصد الاطلاع على مراده به ~~فيكون ذلك اللفظ مشتركا فيقع النزاع في مراده به فيكون قد وجد التوارد على ~~القائل والتباين بعد التوارد فالخلاف تباين بعد التوارد، وإلا فلا نزاع بين ~~من يقول: السماء قديمة وبين من يقول: الإنسان مجبور على الحركات، إذ لا ~~توارد، فلو كان لفظ الحد في كتاب الله تعالى أو في كتاب إمام لجاز أن ~~يتنازع في مراده ويكون إيضاح ذلك من صناعة التفسير لا من صناعة النظر ~~العقلي الثاني: أن يقع الاختلاف في مسألة أخرى على وجه محقق ويكون المطلوب ~~حده أمرا ثانيا لا يتحد حده على المذهبين فيختلف، كما يقول المعتزلي: حد ~~العلم اعتقاد الشيء على ما هو به ونحن نخالف في ذكر الشيء، فإن المعدوم ~~عندنا ليس بشيء وهو معلوم، فالخلاف في مسألة أخرى يتعدى إلى هذا الحد. # وكذلك يقول القائل: حد العقل بعض العلوم الضرورية على وجه كذا وكذا، ~~ويخالف من يقول في حده إنه غريزة يتميز بها الإنسان عن الذئاب وسائر ~~الحيوانات من حيث إن القائل الأول ينكر تميز العين بغريزة عن العقب وتميز ~~الإنسان بغريزة عن الذئاب بها يتهيأ للنظر في العقليات، لكن الله تعالى ~~أجرى العادة بخلق العلم في القلب دون العقب وفي الإنسان دون الذئاب وخلق ~~البصر في العين دون العقب لا لتميزه بغريزة استعد بسببها لقبوله، فيكون ~~منشأ الاختلاف في الحد الاختلاف في إثبات هذه الغريزة أو نفيها. # فهذه أمور وإن أوردناها في # PageV01P020 # معرض الامتحان فقد أدرجنا فيها ما يجري على التحقيق مجرى القوانين. # امتحان ثان: اختلف في حد العلم فقيل إنه المعرفة، وهو حد لفظي وهو أضعف ~~أنواع الحدود فإنه تكرير لفظ بذكر ما يرادفه كما يقال حد الأسد الليث وحد ~~العقار ms026 الخمر وحد الموجود الشيء وحد الحركة النقلة، ولا يخرج عن كونه لفظيا ~~بأن يقال معرفة المعلوم على ما هو به لأنه في حكم تطويل وتكرير إذ المعرفة ~~لا تطلق إلا على ما هو كذلك، فهو كقول القائل: حد الموجود الشيء الذي له ~~ثبوت ووجود، فإن هذا تطويل لا يخرجه عن كونه لفظيا. ولست أمنع من تسمية هذا ~~حدا، فإن لفظ الحد مباح في اللغة لمن استعاره لما يريده مما فيه نوع من ~~المنع. هذا إذا كان الحد عنده عبارة عن لفظ مانع، وإن كان عنده عبارة عن ~~قول شارح لماهية الشيء مصور حقيقته في ذهن السائل فقد ظلم بإطلاق هذا الاسم ~~على قوله العلم هو المعرفة. وقيل أيضا إنه الذي يعلم به وإنه الذي تكون ~~الذات به عالمة، وهذا أبعد من الأول فإنه مساو له في الخلو عن الشرح ~~والدلالة على الماهية، ولكن قد يتوهم في الأول شرح اللفظ بأن يكون أحد ~~اللفظين عند السائل أشهر من الآخر فيشرح الأخفى بالأشهر، أما العالم ويعلم ~~فهما مشتقان من نفس العلم، ومن أشكل عليه المصدر كيف يتضح له بالمشتق منه ~~والمشتق أخفى من المشتق منه؟ وهو كقول القائل في حد الفضة: أنها التي تصاغ ~~منها الأواني الفضية. وقد قيل في # حد العلم: إنه الوصف الذي يتأتى للمتصف به إتقان الفعل وأحكامه، وهذا ذكر ~~لازم من لوازم العلم فيكون رسميا، وهو أبعد مما قبله من حيث إنه أخص من ~~العلم فإنه لا يتناول إلا بعض العلوم ويخرج منه العلم بالله وصفاته إذ ليس ~~يتأتى به إتقان فعل وأحكامه، ولكنه أقرب مما قبله بوجه فإنه ذكر لازم قريب ~~من الذات ليفيد شرحا وبيانا بخلاف قوله ما يعلم به وما تكون الذات به ~~عالمة. فإن قلت: فما حد العلم عندك؟ فاعلم أنه اسم مشترك قد يطلق على ~~الإبصار والإحساس وله حد بحسبه، ويطلق على النخيل وله حد بحسبه، ويطلق على ~~الظن وله حد آخر، ويطلق على علم الله تعالى على وجه آخر أعلى وأشرف، ولست ms027 ~~أعني به شرفا بمجرد العموم فقط بل بالذات والحقيقة لأنه معنى واحد محيط ~~بجميع التفاصيل ولا تفاصيل ولا تعدد في ذاته. # وقد يطلق على إدراك العقل وهو المقصود بالبيان، وربما يعسر تحديده على ~~الوجه الحقيقي بعبارة محررة جامعة للجنس والفصل الذاتي، فإنا بينا أن ذلك ~~عسير في أكثر الأشياء بل أكثر المدركات الحسية يتعسر تحديدها، فلو أنا ~~أردنا أن نحد رائحة المسك أو طعم العسل لم نقدر عليه. وإذا عجزنا عن حد ~~المدركات فنحن عن تحديد الإدراكات أعجز ولكنا نقدر على شرح معنى العلم ~~بتقسيم ومثال، أما التقسيم فهو أن نميزه عما يلتبس به ولا يخفى وجه تميزه ~~عن الإرادة والقدرة وسائر صفات النفس، وإنما يلتبس بالاعتقادات، ولا يخفى ~~أيضا وجه تميزه عن الشك والظن لأن الجزم منتف عنهما والعلم عبارة عن أمر ~~جزم لا تردد فيه ولا تجويز. ولا يخفى أيضا وجه تميزه عن الجهل فإنه متعلق ~~بالمجهول على خلاف ما هو به والعلم مطابق للمعلوم، وربما يبقى ملتبسا ~~باعتقاد المقلد الشيء على ما هو به عن تلقف لا عن بصيرة وعن جزم لا عن ~~تردد، لأجله خفي على المعتزلة حتى قالوا في حد العلم: إنه # PageV01P021 # اعتقاد الشيء على ما هو به. وهو خطأ من وجهين أحدهما: تخصيص الشيء مع أن ~~العلم يتعلق بالمعدوم الذي ليس شيئا عندنا. والثاني: أن هذا الاعتقاد حاصل ~~للمقلد وليس بعالم قطعا، فإنه كما يتصور أن يعتقد الشيء جزما على خلاف ما ~~هو به لا عن بصيرة كاعتقاد اليهودي والمشرك فإنه تصميم جازم لا تردد فيه ~~يتصور أن يعتقد الشيء بمجرد التلقين والتلقف على ما هو به مع الجزم الذي لا ~~يخطر بباله جواز غيره. # فوجه تميز العلم عن الاعتقاد هو أن الاعتقاد معناه السبق إلى أحد معتقدي ~~الشاك مع الوقوف عليه من غير إخطار نقيضه بالبال ومن غير تمكين نقيضه من ~~الحلول في النفس، فإن الشاك يقول: العالم حادث أم ليس بحادث، والمعتقد ~~يقول: حادث، ويستمر عليه ولا يتسع صدره لتجويز القدم، والجاهل ms028 يقول قديم، ~~ويستمر عليه. والاعتقاد وإن وافق المعتقد فهو جنس من الجهل في نفسه وإن ~~خالفه بالإضافة فإن معتقد كون زيد في الدار لو قدر استمراره عليه حتى خرج ~~زيد من الدار بقي اعتقاده كما كان لم يتغير في نفسه وإنما تغيرت إضافته، ~~فإنه طابق المعتقد في حالة وخالفه في حالة. وأما العلم فيستحيل تقدير بقائه ~~مع تغير المعلوم فإنه كشف وانشراح، والاعتقاد عقدة على القلب والعلم عبارة ~~عن انحلال العقد فهما مختلفان، ولذلك لو أصغى المعتقد إلى المشكك لوجد ~~لنقيض معتقده مجالا في نفسه، والعالم لا يجد ذلك أصلا وإن أصغى إلى الشبه ~~المشككة، ولكن إذا سمع شبهة فإما أن يعرف حلها وإن لم تساعده العبارة في ~~الحال وإما أن تساعده العبارة أيضا على حلها وعلى كل حال فلا يشك في بطلان ~~الشبهة بخلاف المقلد. وبعد هذا التقسيم والتمييز يكاد يكون العلم مرتسما في ~~النفس بمعناه وحقيقته من غير تكلف تحديد، وأما المثال فهو أن إدراك البصيرة ~~الباطنة تفهمه بالمقايسة بالبصر الظاهر ولا معنى للبصر الظاهر إلا انطباع ~~صورة المبصر في القوة الباصرة من إنسان العين كما يتوهم انطباع الصور في ~~المرآة مثلا، فكما أن البصر يأخذ صور المبصرات أي ينطبع فيها مثالها ~~المطابق لها لا عينها فإن عين النار لا تنطبع في العين بل مثال يطابق ~~صورتها، وكذلك يرى مثال النار في المرآة لا عين النار فكذلك العقل على مثال ~~مرآة تنطبع فيها صور المعقولات على ما هي عليها، وأعني بصور المعقولات ~~حقائقها وماهياتها. # فالعلم عبارة عن أخذ العقل صور المعقولات وهيأتها في نفسه وانطباعها فيه ~~كما يظن من حيث الوهم انطباع الصور في المرآة، ففي المرآة ثلاثة أمور ~~الحديد وصقالته والصورة المنطبعة فيها، فكذلك جوهر الآدمي كحديد المرآة ~~وعقله هيئة وغريزة في جوهره ونفسه بها يتهيأ للانطباع بالمعقولات، كما أن ~~المرآة بصقالتها واستدارتها تتهيأ لمحاكاة الصور، فحصول الصور في مرآة ~~العقل التي هي مثال الأشياء هو العلم، والغريزة التي بها يتهيأ لقبول هذه ~~الصور هي العقل، والنفس ms029 التي هي حقيقة الآدمي المخصوصة بهذه الغريزة ~~المهيأة لقبول حقائق المعقولات كالمرآة، فالتقسيم الأول يقطع العلم عن مظان ~~الاشتباه. # وهذا المثال يفهمك حقيقة العلم، فحقائق المعقولات إذا انطبع بها النفس ~~العاقلة تسمى علما، وكما أن السماء والأرض والأشجار والأنهار يتصور أن ترى ~~في المرآة حتى كأنها موجودة في المرآة وكأن المرآة حاوية لجميعها، فكذلك ~~الحضرة الإلهية بجملتها يتصور أن تنطبع بها نفس الآدمي، والحضرة الإلهية ~~عبارة عن جملة الموجودات فكلها من الحضرة # PageV01P022 # الإلهية إذ ليس في الوجود إلا الله تعالى وأفعاله، فإذا انطبعت بها صارت ~~كأنها كل العالم لإحاطتها به تصورا وانطباعا. وعند ذلك ربما ظن من لا يدري ~~الحلول، فيكون كمن ظن أن الصورة حالة في المرآة، وهو غلط لأنها ليست في ~~المرآة ولكن كأنها في المرآة. # فهذا ما نرى الاقتصار عليه في شرح حقيقة العلم في هذه المقدمة التي هي ~~علاوة على هذا العلم. # امتحان ثالث اختلفوا في حد الواجب، فقيل: الواجب ما تعلق به الإيجاب، وهو ~~فاسد، كقولهم: العلم ما يعلم به، وقيل: ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه، ~~وقيل: ما يجب بتركه العقاب، وقيل: ما لا يجوز العزم على تركه، وقيل: ما ~~يصير المكلف بتركه عاصيا، وقيل: ما يلام تاركه شرعا. وأكثر هذه الحدود تعرض ~~للوازم والتوابع، وسبيلك إن أردت الوقوف على حقيقته أن تتوصل إليه بالتقسيم ~~كما أرشدناك إليه في حد العلم. فاعلم أن الألفاظ في هذا الفن خمسة الواجب، ~~والمحظور، والمندوب، والمكروه، والمباح، فدع الألفاظ جانبا ورد النظر إلى ~~المعنى أولا، فأنت تعلم أن الواجب اسم مشترك إذ يطلقه المتكلم في مقابلة ~~الممتنع، ويقول وجود الله تعالى واجب وقال الله تعالى: {وجبت جنوبها} ~~[الحج: 36] . ويقال وجبت الشمس، وله بكل معنى عبارة، والمطلوب الآن مراد ~~الفقهاء. وهذه الألفاظ لا شك أنها لا تطلق على جوهر بل على عرض، ولا على كل ~~عرض بل من جملتها على الأفعال فقط، ومن الأفعال على أفعال المكلفين لا على ~~أفعال البهائم. فإذا نظرك إلى أقسام الفعل لا من ms030 حيث كونه مقدورا وحادثا ~~ومعلوما ومكتسبا ومخترعا، وله حسب كل نسبة انقسامات إذ عوارض الأفعال ~~ولوازمها كثيرة فلا نظر فيها ولكن إطلاق هذا الاسم عليها من حيث نسبتها إلى ~~خطاب الشرع فقط، فنقسم الأفعال بالإضافة إلى خطاب الشرع، فنعلم أن الأفعال ~~تنقسم إلى ما لا يتعلق به خطاب الشرع كفعل المجنون وإلى ما يتعلق به والذي ~~يتعلق به ينقسم إلى ما يتعلق به على وجه التخيير والتسوية بين الإقدام عليه ~~وبين الإحجام عنه ويسمى مباحا وإلى ما ترجح فعله على تركه وإلى ما ترجح ~~تركه على فعله، والذي ترجح فعله على تركه ينقسم إلى ما أشعر بأنه لا عقاب ~~على تركه ويسمى مندوبا وإلى ما أشعر بأنه يعاقب على تركه ويسمى واجبا. ثم ~~ربما خص فريق اسم الواجب بما أشعر بالعقوبة عليه ظنا وما أشعر به قطعا خصوه ~~باسم الفرض. ثم لا مشاحة في الألفاظ بعد معرفة المعاني، وأما المرجح تركه ~~فينقسم إلى ما أشعر بأنه لا عقاب على فعله ويسمى مكروها، وقد يكون منه ما ~~أشعر بعقاب على فعله في الدنيا كقوله - صلى الله عليه وسلم - «من نام بعد ~~العصر فاختلس عقله فلا يلومن إلا نفسه» وإلى ما أشعر بعقاب في الآخر على ~~فعله، وهو المسمى محظورا وحراما ومعصية، فإن قلت: فما معنى قولك أشعر؟ ~~فمعناه أنه عرف بدلالة من خطاب صريح أو قرينة أو معنى مستنبط أو فعل أو ~~إشارة، فالإشعار يعم جميع المدارك فإن قلت: فما معنى قولك عليه عقاب؟ قلنا: ~~معناه أنه أخبر أنه سبب العقاب في الآخرة، فإن قلت: فما المراد بكونه سببا؟ ~~فالمراد به ما يفهم من قولنا الأكل سبب الشبع وحز الرقبة سبب الموت والضرب ~~سبب الألم والدواء سبب الشفاء. فإن قلت: فلو كان سببا لكان لا يتصور أن لا ~~يعاقب، وكم من تارك واجب يعفى عنه # PageV01P023 # ولا يعاقب فأقول: ليس كذلك، إذ لا يفهم من قولنا الضرب سبب الألم والدواء ~~سبب الشفاء أن ذلك واجب في كل شخص أو في معين مشار ms031 إليه، بل يجوز أن يعرض ~~في المحل أمر يدفع السبب ولا يدل ذلك على بطلان السببية، فرب دواء لا ينفع ~~ورب ضرب لا يدرك المضروب ألمه لكونه مشغول النفس بشيء آخر، كمن يجرح في حال ~~القتال وهو لا يحس في الحال به، وكما أن العلة قد تستحكم فتدفع أثر الدواء ~~فكذلك قد يكون في سريرة الشخص وباطنه أخلاق رضية وخصال محمودة عند الله ~~تعالى مرضية توجب العفو عن جريمته ولا يوجب ذلك خروج الجريمة عن كونها سبب ~~العقاب. # فإن قال قائل: هل يتصور أن يكون للشيء الواحد حدان؟ قلنا: أما الحد ~~اللفظي فيجوز أن يكون ألفا إذ ذلك بكثرة الأسامي الموضوعة للشيء الواحد، ~~وأما الرسمي فيجوز أيضا أن يكثر لأن عوارض الشيء الواحد ولوازمه قد تكثر. ~~وأما الحد الحقيقي فلا يتصور أن يكون إلا واحدا لأن الذاتيات محصورة، فإن ~~لم يذكرها لم يكن حدا حقيقيا، وإن ذكر مع الذاتيات زيادة فالزيادة حشو. ~~فإذا هذا الحد لا يتعدد وإن جاز أن تختلف العبارات المترادفة، كما يقال في ~~حد الحادث إنه الموجود بعد العدم أو الكائن بعد أن لم يكن أو الموجود ~~المسبوق بعدم أو الموجود عن عدم، فهذه العبارات لا تؤدي إلا معنى واحدا ~~فإنها في حكم المترادفة. # ولنقتصر في الامتحانات على هذا القدر فالتنبيه حاصل به إن شاء الله ~~تعالى. ### | [الدعامة الثانية من مدارك العقول] ### | [الفن الأول في السوابق] # الدعامة الثانية من مدارك العقول الدعامة الثانية من مدارك العقول: في ~~البرهان الذي به التوصل إلى العلوم التصديقية المطلوبة بالبحث والنظر # وهذه الدعامة تشتمل على ثلاثة فنون: سوابق، ولواحق، ومقاصد. # الفن الأول: في السوابق ويشتمل على تمهيد كلي وثلاثة فصول: # التمهيد: اعلم أن البرهان عبارة عن أقاويل مخصوصة ألفت تأليفا مخصوصا ~~بشرط مخصوص يلزم منه رأي هو مطلوب الناظر بالنظر، وهذه الأقاويل إذا وضعت ~~في البرهان لاقتباس المطلوب منها سميت مقدمات. # والخلل في البرهان تارة يدخل في جهة نفس المقدمات إذ قد تكون خالية عن ~~شروطها، وأخرى من كيفية الترتيب والنظم ms032 وإن كانت المقدمات صحيحة يقينية ~~ومرة منها جميعا. ومثاله من المحسوسات البيت، المبني، فإنه أمر مركب تارة ~~يختل بسبب في هيئة التأليف بأن تكون الحيطان معوجة والسقف منخفضا إلى موضع ~~قريب من الأرض فيكون فاسدا من حيث الصورة وإن كانت الأحجار والجذوع وسائر ~~الآلات صحيحة، وتارة يكون البيت صحيح الصورة في تربيعها ووضع حيطانها ~~وسقفها ولكن يكون الخلل من رخاوة في الجذوع وتشعب في اللبنات هذا حكم ~~البرهان والحد وكل أمر مركب، فإن الخلل إما أن يكون في هيئة تركيبه وإما أن ~~يكون في الأصل الذي يرد عليه التركيب، كالثوب في القميص والخشب في الكرسي ~~واللبن في الحائط والجذوع في السقف. # وكما أن من يريد بناء بيت بعيد عن الخلل يفتقر إلى أن يعد الآلات المفردة ~~أولا # PageV01P024 # كالجذوع واللبن والطين، ثم إن أراد اللبن افتقر إلى إعداد مفرداته وهو ~~التبن والتراب والماء والقالب الذي فيه يضرب، فيبدأ أولا بالأجزاء المفردة ~~فيركبها ثم يركب المركب، وهكذا إلى آخر العمل. # وكذلك طالب البرهان ينبغي أن ينظر في نظمه وصورته وفي المقدمات التي فيها ~~النظم والترتيب، وأقل ما ينتظم منه برهان مقدمتان أعني علمين يتطرق إليهما ~~التصديق والتكذيب، وأقل ما تحصل منه مقدمة معرفتان توضع إحداهما مخبرا عنها ~~والأخرى خبرا ووصفا فقد انقسم البرهان إلى مقدمتين وانقسم كل مقدمة إلى ~~معرفتين تنسب إحداهما إلى الأخرى وكل مفرد فهو معنى ويدل عليه لا محالة ~~بلفظ، فيجب ضرورة أن ننظر في المعاني المفردة وأقسامها ثم في الألفاظ ~~المفردة ووجوه دلالتها. # ثم إذا فهمنا اللفظ مفردا والمعنى مفردا ألفنا معنيين وجعلناهما مقدمة، ~~وننظر في حكم المقدمة وشروطها ثم نجمع مقدمتين ونصوغ منهما برهانا وننظر في ~~كيفية الصياغة الصحيحة وكل من أراد أن يعرف البرهان بغير هذا الطريق فقد ~~طمع في المحال وكان كمن طمع في أن يكون كاتبا يكتب الخطوط المنظومة وهو لا ~~يحسن كتابة الكلمات، أو يكتب الكلمات وهو لا يحسن كتب الحروف المفردة. # وهكذا القول في كل مركب، فإن أجزاء المركب تقدم على المركب ms033 بالضرورة حتى ~~لا يوصف القادر الأكبر بالقدرة على خلق العلم بالمركب دون الآحاد، إذ لا ~~يوصف بالقدرة على تعليم الخطوط المنظومة دون تعليم الكلمات. فلهذه الضرورة ~~اشتملت دعامة البرهان على فن في السوابق وفن في المقاصد وفن في اللواحق. ### | [الفصل الأول في دلالة الألفاظ على المعاني] # الفن الأول في السوابق فيه ثلاثة فصول الفصل الأول: في دلالة الألفاظ على ~~المعاني ويتضح المقصود منه بتقسيمات: # التقسيم الأول: أن دلالة اللفظ على المعنى تنحصر في ثلاثة أوجه وهي ~~المطابقة والتضمن والالتزام، فإن لفظ البيت دل على معنى البيت بطريق ~~المطابقة ويدل على السقف وحده بطريق التضمن لأن البيت يتضمن السقف لأن ~~البيت عبارة من السقف والحيطان، وكما يدل لفظ الفرس على الجسم إذ لا فرس ~~إلا وهو جسم. وأما طريق الالتزام فهو كدلالة لفظ السقف على الحائط فإنه غير ~~موضوع للحائط وضع لفظ الحائط للحائط حتى يكون مطابقا ولا هو متضمن، إذ ليس ~~الحائط جزءا من السقف كما كان السقف جزءا من نفس البيت وكما كان الحائط ~~جزءا من نفس البيت، لكنه كالرفيق الملازم الخارج عن ذات السقف الذي لا ينفك ~~السقف عنه. وإياك أن تستعمل في نظر العقل من الألفاظ ما يدل بطريق ~~الالتزام، لكن اقتصر على ما يدل بطريق المطابقة والتضمن، لأن الدلالة بطريق ~~الالتزام لا تنحصر في حد إذ السقف يلزم الحائط والحائط الأس والأس الأرض ~~وذلك لا ينحصر. # التقسيم الثاني: أن الألفاظ بالإضافة إلى خصوص المعنى وشموله تنقسم إلى ~~لفظ يدل على عين واحدة ونسميه معينا، كقولك زيد وهذه الشجرة وهذا الفرس ~~وهذا السواد، وإلى ما يدل على أشياء كثيرة تتفق في معنى واحد ونسميه مطلقا. # والأول حده اللفظ الذي لا يمكن أن يكون مفهومه إلا ذلك الواحد بعينه فلو ~~قصدت اشتراك غيره فيه منع نفس مفهوم # PageV01P025 # اللفظ منه. # وأما المطلق فهو الذي لا يمنع نفس مفهومه من وقع الاشتراك في معناه، ~~كقولك السواد والحركة والفرس والإنسان. وبالجملة الاسم المفرد في لغة العرب ~~إذا أدخل عليه الألف واللام ms034 للعموم. فإن قلت: وكيف يستقيم هذا وقولك الإله ~~والشمس والأرض لا يدل إلا على شيء واحد مفرد مع دخول الألف واللام؟ فاعلم ~~أن هذا غلط، فإن امتناع الشركة ههنا ليس لنفس مفهوم اللفظ بل الذي وضع ~~اللغة لو جوز في الإله عددا لكان وجود هذا اللفظ عاما في الآلهة كلها، فإن ~~امتنع الشمول لم يكن لوضع اللفظ بل لاستحالة وجود إله ثان، فلم يكن امتناع ~~الشركة لمفهوم اللفظ. # والمانع في الشمس أن الشمس في الوجود واحدة، فلو فرضنا عوالم في كل واحد ~~شمس وأرض كان قولنا الشمس والأرض شاملا للكل. فتأمل هذا فإنه مزلة قدم في ~~جملة من الأمور النظرية، فإن من لا يفرق بين قوله السواد وبين قوله هذا ~~السواد وبين قوله الشمس وبين قوله هذه الشمس عظم سهوه في النظريات من حيث ~~لا يدري. # التقسيم الثالث: إن الألفاظ المتعددة بالإضافة إلى المسميات المتعددة على ~~أربعة منازل، ولنخترع لها أربعة ألفاظ وهي: المترادفة والمتباينة ~~والمتواطئة والمشتركة. أما المترادفة فنعني بها الألفاظ المختلفة والصيغ ~~المتواردة على مسمى واحد كالخمر والعقار والليث والأسد والسهم والنشاب، ~~وبالجملة كل اسمين لمسمى واحد يتناوله أحدهما من حيث يتناوله الآخر من غير ~~فرق. # وأما المتباينة فنعني بها الأسامي المختلقة للمعاني المختلفة كالسواد ~~والقدرة والأسد والمفتاح والسماء والأرض وسائر الأسامي وهي الأكثر. وأما ~~المتواطئة فهي التي تنطلق على أشياء متغايرة بالعدد ولكنها متفقة بالمعنى ~~الذي وضع الاسم عليها، كاسم الرجل فإنه ينطلق على زيد وعمرو وبكر وخالد، ~~واسم الجسم ينطلق على السماء والأرض والإنسان، لاشتراك هذه الأعيان في معنى ~~الجسمية التي وضع الاسم بإزائها وكل اسم مطلق ليس بمعين كما سبق فإنه ينطلق ~~على آحاد مسمياته الكثيرة بطريق التواطؤ كاسم اللون للسواد والبياض والحمرة ~~فإنها متفقة في المعنى الذي به سمي اللون لونا وليس بطريق الاشتراك ألبتة. # وأما المشتركة فهي الأسامي التي تنطلق على مسميات مختلفة لا تشترك في ~~الحد والحقيقة ألبتة، كاسم العين للعضو الباصر وللميزان وللموضع الذي يتفجر ~~منه الماء وهي العين الفوارة وللذهب ms035 والشمس وكاسم المشتري لقابل عقد البيع ~~وللكوكب المعروف. ولقد ثار من ارتباك المشتركة بالمتواطئة غلط كثير في ~~العقليات حتى ظن جماعة من ضعفاء العقول أن السواد لا يشارك البياض في ~~اللونية إلا من حيث الاسم وأن ذلك كمشاركة الذهب للحدقة الباصرة في اسم ~~العين وكمشاركة قابل عقد البيع للكوكب في المشتري، وبالجملة الاهتمام ~~بتمييز المشتركة عن المتواطئة مهم فلنزد له شرحا فنقول: الاسم المشترك قد ~~يدل على المختلفين كما ذكرناه، وقد يدل على المتضادين كالجلل للحقير ~~والخطير والناهل للعطشان والريان والجون للسواد والبياض والقرء للطهر ~~والحيض. # واعلم أن المشترك قد يكون مشكلا قريب الشبه من المتواطئ ويعسر على الذهن ~~وإن كان في غاية الصفاء الفرق ولنسم ذلك متشابها، وذلك مثل اسم النور ~~الواقع على الضوء المبصر # PageV01P026 # من الشمس والنار والواقع على العقل الذي به يهتدى في الغوامض، فلا مشاركة ~~بين حقيقة ذات العقل والضوء إلا كمشاركة السماء للإنسان في كونها جسما إذ ~~الجسمية فيهما لا تختلف البتة مع أنه ذاتي لهما. # ويقرب من لفظ النور لفظ الحي على النبات والحيوان، فإنه بالاشتراك المحض ~~إذ يراد به من النبات المعنى الذي به نماؤه ومن الحيوان المعنى الذي به يحس ~~ويتحرك بالإرادة، وإطلاقه على الباري تعالى إذا تأملت عرفت أنه لمعنى ثالث ~~يخالف الأمرين جميعا. # ومن أمثال هذه تتابع الأغاليط مغلطة أخرى قد تلتبس المترادفة بالمتباينة، ~~وذلك إذا أطلقت أسام مختلفة على شيء واحد باعتبارات مختلفة ربما ظن أنها ~~مترادفة كالسيف والمهند والصارم، فإن المهند يدل على السيف مع زيادة نسبة ~~إلى الهند فخالف إذا مفهومه مفهوم السيف، والصارم يدل على السيف مع صفة ~~الحدة والقطع لا كالأسد والليث. # وهذا كما أنا في اصطلاحاتنا النظرية نحتاج إلى تبديل الأسامي على شيء ~~واحد عند تبدل اعتباراته، كما أنا نسمي العلم التصديقي الذي هو نسبة بين ~~مفردين دعوى إذا تحدى به المتحدي ولم يكن عليه برهان إن كان في مقابلة خصم ~~وإن لم يكن في مقابلة خصم سميناه قضية كأنه قضي فيه على شيء ms036 بشيء، فإن خاض ~~في ترتيب قياس الدليل عليه سميناه مطلوبا، فإن دل بقياسه على صحته سميناه ~~نتيجة فإن استعمله دليلا في طلب أمر آخر ورتبه في أجزاء القياس سميناه ~~مقدمة، وهذا ونظائره مما يكثر. # مثال الغلط في المشترك قول الشافعي - رحمه الله - تعالى في مسألة المكره ~~على القتل: " يلزمه القصاص لأنه مختار ويقول الحنفي " لا يلزمه القصاص لأنه ~~مكره وليس بمختار " ويكاد الذهن لا ينبو عن التصديق بالأمرين، وأنت تعلم أن ~~التصديق بالضدين محال، وترى الفقهاء يتعثرون فيه ولا يهتدون إلى حله. وإنما ~~ذلك؛ لأن اللفظ المختار مشترك، إذ قد يجعل لفظ المختار مرادا، فاللفظ ~~القادر ومساويا له إذ قوبل بالذي لا قدرة له على الحركة الموجودة كالمحمول، ~~فيقال: هذا عاجز محمول، وهذا قادر مختار، ويراد بالمختار الذي يقدر على ~~الفعل وتركه وهو صادق على المكره. # وقد يعبر بالمختار عمن تخلى في استعمال قدرته ودواعي ذاته بلا تحرك ~~دواعيه من خارج، وهذا يكذب على المكره ونقيضه، وهو أنه ليس بمختار يصدق ~~عليه، فإذا صدق عليه مختار وإنه ليس بمختار ولكن بشرط أن يكون مفهوم ~~المختار المنفي غير مفهوم المختار المثبت. ولهذا نظائر في النظريات لا تحصى ~~تاهت فيها عقول الضعفاء فليستدل بهذا القليل على الكثير. ### | [الفصل الثاني النظر في المعاني المفردة] # الفصل الثاني من الفن الأول النظر في المعاني المفردة النظر في المعاني ~~المفردة. ويظهر الغرض من ذلك بتقسيمات ثلاثة: الأول: أن المعنى إذا وصف ~~بالمعنى ونسب إليه وجد إما ذاتيا وإما عرضيا وإما لازما وقد فصلناه. ~~والثاني أنه إذا نسب إليه وجد إما أعم كالوجود بالإضافة إلى الجسمية، وإما ~~أخفى كالجسمية بالإضافة إلى الوجود، وإما مساويا كالمتحيز بالإضافة إلى ~~الجوهر عند قوم وإلى الجسم عند قوم. # الثالث: أن المعاني باعتبار أسبابها المدركة لها ثلاثة: محسوسة ومتخيلة ~~ومعقولة؛ ولنصطلح على تسمية سبب الإدراك قوة، فنقول في حدقتك معنى به تميزت ~~الحدقة عن الجبهة حتى صرت تبصر بها، وإذا بطل ذلك المعنى # PageV01P027 # بطل الإبصار، والحالة التي تدركها عند الإبصار شرطها وجود ms037 المبصر، فلو ~~انعدم المبصر انعدم الإبصار وتبقى صورته في دماغك كأنك تنظر إليها. # وهذه الصورة لا تفتقر إلى وجود المتخيل، بل عدمه وغيبته لا تنفي الحالة ~~المسماة تخيلا وتنفي الحالة التي تسمى إبصارا. ولما كنت تحس بالتخيل في ~~دماغك لا في فخذك وبطنك فاعلم أن في الدماغ غريزة وصفة بها يتهيأ للتخيل ~~وبها باين البطن والفخذ كما باين العين الجبهة والعقب في الإبصار بمعنى ~~اختص به لا محالة والصبي في أول نشئه تقوى فيه قوة الإبصار لا قوة التخيل؛ ~~فلذلك إذا ولع بشيء فغيبته عنه وأشغلته بغيره اشتغل به ولها عنه. # وربما يحدث في الدماغ مرض يفسد القوة الحافظة للتخيل ولا يفسد الإبصار ~~فيرى الأشياء ولكنه كما تغيب عنه ينساها، وهذه القوة يشارك البهيمة فيها ~~الإنسان؛ ولذلك مهما رأى الفرس الشعير تذكر صورته التي كانت له في دماغه ~~فعرف أنه موافق له وأنه مستلذ لديه فبادر إليه، فلو كانت الصورة لا تثبت في ~~خياله لكانت رؤيته لها ثانيا كرؤيته لها أولا حتى لا يبادر إليه ما لم ~~يجربه بالذوق مرة أخرى. # ثم فيك قوة ثالثة شريفة يباين الإنسان بها البهيمة تسمى عقلا محلها إما ~~دماغك وإما قلبك، وعند من يرى النفس جوهرا قائما بذاته غير متحيز محلها ~~النفس. وقوة العقل تباين قوة التخيل مباينة أشد من مباينة التخيل للإبصار، ~~إذ ليس بين قوة الإبصار وقوة التخيل فرق، إلا أن وجود المبصر شرط لبقاء ~~الإبصار وليس شرطا لبقاء التخيل، وإلا فصورة الفرس تدخل في الإبصار مع قدر ~~مخصوص ولون مخصوص وبعد منك مخصوص، ويبقى في التخيل ذلك البعد وذلك القدر ~~واللون وذلك الوضع والشكل حتى كأنك تنظر إليه. # ولعمري فيك قوة رابعة تسمى المفكرة شأنها أن تقدر على تفصيل الصور التي ~~في الخيال وتقطيعها وتركيبها وليس لها إدراك شيء آخر، ولكن إذا حضر في ~~الخيال صورة إنسان قدر على أن يجعلها نصفين فيصور نصف إنسان، وربما ركب ~~شخصا نصفه من إنسان ونصفه من فرس، وربما تصور إنسانا يطير إذ ثبت في ms038 الخيال ~~صورة الإنسان وحده وصورة الطير وحده؛ وهذه القوة تجمع بينهما كما تفرق بين ~~نصفي الإنسان. # وليس في وسعها ألبتة اختراع صورة لا مثال لها في الخيال بل كل تصوراتها ~~بالتفريق والتأليف في الصور الحاصلة في الخيال، والمقصود أن مباينة إدراك ~~العقل لإدراك التخيل أشد من مباينة التخيل للإبصار، إذ ليس للتخيل أن يدرك ~~المعاني المجردة العارية عن القرائن الغريبة التي ليست داخلة في ذاتها، ~~أعني التي ليست ذاتية كما سبق، فإنك لا تقدر على تخيل السواد إلا في مقدار ~~مخصوص من الجسم ومعه شكل مخصوص ووضع مخصوص منك بقرب أو بعد ومعلوم أن الشكل ~~غير اللون والقدر غير الشكل؛ فإن المثلث له شكل واحد صغيرا كان أو كبيرا. # وإنما إدراك هذه المفردات المجردة بقوة أخرى اصطلحنا على تسميتها عقلا ~~فيدرك السواد ويقضي بقضايا ويدرك اللونية مجردة ويدرك الحيوانية والجسمية ~~مجردة وحيث يدرك الحيوانية قد لا يحضره الالتفات إلى العاقل وغير العاقل ~~وإن كان الحيوان لا يخلو عن القسمين؛ وحيث يستمر في نظره قاضيا على الألوان ~~بقضية قد لا يحضر معنى السوادية والبياضية وغيرهما. # وهذه من عجيب خواصها وبديع أفعالها، فإذا رأى فرسا واحدا أدرك الفرس ~~المطلق الذي يشترك فيه الصغير # PageV01P028 # والكبير والأشهب والكميت والبعيد منه في المكان والقريب، بل يدرك الفرسية ~~المجردة المطلقة متنزهة عن كل قرينة ليست ذاتية لها، فإن القدر المخصوص ~~واللون المخصوص ليس للفرس ذاتيا بل عارضا أو لازما في الوجود، إذ مختلفات ~~اللون والقدر تشترك في حقيقة الفرسية وهذه المطلقات المجردة الشاملة لأمور ~~مختلفة هي التي يعبر عنها المتكلمون بالأحوال والوجوه والأحكام ويعبر عنها ~~المنطقيون بالقضايا الكلية المجردة ويزعمون أنها موجودة في الأذهان لا في ~~الأعيان، وتارة يعبرون عنها بأنها غير موجودة من خارج بل من داخل - يعنون ~~خارج الذهن وداخله - ويقول أرباب الأحوال: إنها أمور ثابتة، تارة يقولون ~~أنها موجودة معلومة وتارة يقولون لا موجودة ولا معلومة ولا مجهولة، وقد ~~دارت فيه رءوسهم وحارت عقولهم. # والعجب أنه منزل ينفصل فيه المعقول عن المحسوس، إذ ms039 من ههنا يأخذ العقل ~~الإنساني في التصرف وما كان قبله كان يشارك التخيل البهيمي فيه التخيل ~~الإنساني. ومن تحير في أول منزل من منازل العقل كيف يرجى فلاحه في تصرفاته. ### | [الفصل الثالث في أحكام المعاني المؤلفة] # الفصل الثالث من السوابق في أحكام المعاني المؤلفة قد نظرنا في مجرد ~~اللفظ ثم في مجرد المعنى، فننظر الآن في تأليف المعنى على وجه يتطرق إليه ~~التصديق والتكذيب، كقولنا مثلا: العالم حادث والباري تعالى قديم، فإن هذا ~~يرجع إلى تأليف القوة المفكرة بين معرفتين لذاتين مفردتين بنسبة إحداهما ~~إلى الأخرى إما بالإثبات كقولك العالم حادث أو بالسلب كقولك العالم ليس ~~بقديم؛ وقد التأم هذا من جزأين يسمي النحويون أحدهما مبتدأ والآخر خبرا، ~~ويسمي المتكلمون أحدهما وصفا والآخر موصوفا، ويسمي المنطقيون أحدهما موضوعا ~~والآخر محمولا، ويسمي الفقهاء أحدهما حكما والآخر محكوما عليه، ويسمى ~~المجموع قضية. # وأحكام القضايا كثيرة، ونحن نذكر منها ما تكثر الحاجة إليه وتضر الغفلة ~~عنه؛ وهو حكمان: الأول: القضية تنقسم بالإضافة إلى المقضي عليه إلى التعيين ~~والإهمال والعموم والخصوص، فهي أربع # الأولى: قضية في عين، كقولنا زيد كاتب وهذا السواد عرض. # الثانية: قضية مطلقة خاصة، كقولنا بعض الناس عالم وبعض الأجسام ساكن # الثالثة: قضية مطلقة عامة، كقولنا كل جسم متحيز وكل سواد لون # الرابعة: قضية مهملة، كقولنا: الإنسان في خسر وعلة هذه القسمة أن المحكوم ~~عليه إما أن يكون عينا مشارا إليه أو لا يكون عينا، فإن لم يكن عينا فإما ~~أن يحصر بسور يبين مقداره بكليته فتكون مطلقة عامة أو بجزئيته فتكون خاصة ~~أو لا يحصر بسور فتكون مهملة؛ والسور هو قولك كل " وبعض وما يقوم مقامهما. # ومن طرق المغالطين في النظر استعمال المهملات بدل القضايا العامة، فإن ~~المهملات قد يرد بها الخصوص والعموم فيصدق طرفا النقيض، كقولك: الإنسان في ~~خسر، تعني الكافر. الإنسان ليس في خسر، تعني الأنبياء. ولا ينبغي أن يسامح ~~بهذا في النظريات، مثال أن يقول الشفعوي مثلا: معلوم أن المطعوم ربوي ~~والسفرجل مطعوم فهو إذا ربوي؛ فإن ms040 قيل: لم قلت المطعوم ربوي؟ فتقول: دليله ~~البر والشعير والتمر بمعنى فإنها مطعومات وهي ربوية. # فينبغي أن يقال: فقولك المطعوم ربوي أردت به كل المطعومات أو بعضها؟ فإن ~~أردت البعض لم تلزم النتيجة إذ يمكن أن يكون السفرجل من # PageV01P029 # البعض الذي ليس ربويا ويكون هذا خللا في نظم القياس كما يأتي وجهه، وإن ~~أردت الكل فمن أين عرفت هذا وما عددته من البر والشعير ليس كل المطعومات؟ # النظر الثاني: في شروط النقيض. وهو محتاج إليه إذ رب مطلوب لا يقوم ~~الدليل عليه ولكن على بطلان نقيضه فيستبان من إبطاله صحة نقيضه، والقضيتان ~~المتناقضتان يعني بهما كل قضيتين إذا صدقت إحداهما كذبت الأخرى بالضرورة، ~~كقولنا: العالم حادث العالم ليس بحادث. وإنما يلزم صدق إحداهما عند كذب ~~الأخرى بستة شروط: # الأول: أن يكون المحكوم عليه في القضيتين واحدا بالذات لا بمجرد اللفظ، ~~فإن اتحد اللفظ دون المعنى لم يتناقضا، كقولك: النور مدرك بالبصر غير مدرك ~~بالبصر، إذا أردت بأحدهما الضوء وبالآخر العقل؛ ولذلك لا يتناقض قول ~~الفقهاء: المضطر مختار المضطر ليس بمختار، وقولهم: المضطر آثم المضطر ليس ~~بآثم، إذ قد يعبر بالمضطر عن المرتعد والمحمول المطروح على غيره، وقد يعبر ~~به عن المدعو بالسيف إلى الفعل، فالاسم متحد والمعنى مختلف # الثاني: أن يكون الحكم واحدا والاسم مختلف، كقولك: العالم قديم العالم ~~ليس بقديم، أردت بأحد القديمين ما أراده الله تعالى بقوله: {كالعرجون ~~القديم} [يس: 39] . # ولذلك لم يتناقض قولهم: المكره مختار المكره ليس بمختار؛ لأن المختار ~~عبارة عن معنيين مختلفين # الثالث: أن تتحد الإضافة في الأمور الإضافية، فإنك لو قلت زيد أب زيد ليس ~~بأب، لم يتناقضا إذ يكون أبا لبكر ولا يكون أبا لخالد وكذلك تقول زيد أب ~~زيد ابن، فلا يتعدد بالإضافة إلى شخصين، والعشرة نصف والعشرة ليست بنصف أي ~~بالإضافة إلى العشرين والثلاثين؛ وكما يقال المرأة مولى عليها المرأة غير ~~مولى عليها، وهما صادقان بالإضافة إلى النكاح والبيع لا إلى شيء واحد وإلى ~~العصبة والأجنبي لا إلى شخص واحد. # الرابع: ms041 أن يتساويا في القوة والفعل، فإنك تقول: الماء في الكوز مرو، أي ~~بالقوة؛ وليس الماء بمرو أي بالفعل؛ والسيف في الغمد قاطع وليس بقاطع. ومنه ~~ثار الخلاف في أن البارئ في الأزل خالق أو ليس بخالق. # الخامس: التساوي في الجزء والكل، فإنك تقول الزنجي أسود الزنجي ليس ~~بأسود، أي ليس بأسود الأسنان؛ وعنه نشأ الغلط، حيث قيل إن العالمية حال ~~لزيد بجملته لأن زيدا عبارة عن جملته ولم يعرف أنا إذا قلنا زيد في بغداد ~~لم نعن به أنه في جميع بغداد بل في جزء منها وهو مكان يساوي مساحته. # السادس: التساوي في المكان والزمان فإنك تقول: العالم حادث العالم ليس ~~بحادث، أي هو حادث عند أول وجوده وليس بحادث قبله ولا بعده بل قبله معدوم ~~وبعده باق والصبي تنبت له أسنان والصبي لا تنبت له أسنان، ونعني بأحدهما ~~السنة الأولى # PageV01P030 # وبالآخر التي بعدها. وبالجملة فالقضية المتناقضة هي التي تسلب ما أثبتته ~~الأولى بعينه عما أثبتته بعينه، وفي ذلك الوقت والمكان والحال وبتلك ~~الإضافة بعينها وبالقوة إن كان ذلك بالقوة وبالفعل إن كان ذلك بالفعل وكذلك ~~في الجزء والكل، وتحصيل ذلك بأن لا تخالف القضية النافية المثبتة إلا في ~~تبديل النفي بالإثبات فقط ### | [الفن الثاني في المقاصد وفيه فصلان] ### | [الفصل الأول في صورة البرهان] # الفن الثاني: في المقاصد وفيه فصلان فصل في صورة البرهان وفصل في مادته # الفصل الأول: في صورة البرهان صورة البرهان. # والبرهان عبارة عن مقدمتين معلومتين تؤلف تأليفا مخصوصا بشرط مخصوص، ~~فيتولد بينهما نتيجة، وليس يتحد نمطه بل يرجع إلى ثلاثة أنواع مختلفة ~~المأخذ والبقايا ترجع إليها. # النمط الأول ثلاثة أضرب: مثال الأول قولنا كل جسم مؤلف وكل مؤلف حادث، ~~فلزم أن كل جسم حادث. ومن الفقه قولنا كل نبيذ مسكر وكل مسكر حرام، فلزم أن ~~كل نبيذ حرام. فهاتان مقدمتان إذا سلمتا على هذا الوجه لزم بالضرورة تحريم ~~النبيذ، فإن كانت المقدمات قطعية سميناها برهانا، وإن كانت مسلمة سميناها ~~قياسا جدليا. # وإن كانت مظنونة سميناها قياسا ms042 فقهيا. وسيأتي الفرق بين اليقين والظن إذا ~~ذكرنا أصل القياس، فإن كل مقدمة أصل، فإذا ازدوج أصلان حصلت النتيجة وعادة ~~الفقهاء في مثل هذا النظم أنهم يقولون: النبيذ مسكر فكان حراما قياسا على ~~الخمر، وهذا لا تنقطع المطالبة عنه ما لم يرد إلى النظم الذي ذكرناه، فإن ~~رد إلى هذا النظم ولم يكن مسلما فلا تلزم النتيجة إلا بإقامة الدليل حتى ~~يثبت كونه مسكرا إن نوزع فيه بالحس والتجربة، وكون المسكر حراما بالخبر وهو ~~قوله - صلى الله عليه وسلم - «كل مسكر حرام» وقد ذكرنا في كتاب أساس القياس ~~أن تسمية هذا قياسا تجوز، فإن حاصله راجع إلى ازدواج خصوص تحت عموم. # وإذا فهمت صورة هذا النظم فاعلم أن في هذا البرهان مقدمتين إحداهما قولنا ~~كل نبيذ مسكر، والأخرى قولنا كل مسكر حرام وكل مقدمة تشتمل على جزأين مبتدأ ~~وخبر، المبتدأ محكوم عليه والخبر حكم، فيكون مجموع أجزاء البرهان أربعة ~~أمور إلا أن أمرا واحدا يتكرر في المقدمتين فيعود إلى ثلاثة أجزاء ~~بالضرورة، لأنها لو بقيت أربعة لم تشترك المقدمتان في شيء واحد وبطل ~~الازدواج بينهما فلا تتولد النتيجة، فإنك إذا قلت: النبيذ مسكر، ثم لم ~~تتعرض في المقدمة الثانية لا للنبيذ ولا للمسكر لكن قلت: والمغصوب مضمون أو ~~العالم حادث، فلا ترتبط إحداهما بالأخرى، فبالضرورة ينبغي أن تكرر الأجزاء ~~الأربعة فلنصطلح على تسمية المتكرر " علة " وهو الذي يمكن أن يقترن بقولك " ~~لأن " في جواب المطالبة " بلم " فإنه إذا قيل لك: لم قلت إن النبيذ حرام ~~قلت لأنه مسكر، ولا تقول لأنه نبيذ، ولا تقول لأنه حرام، فما يقترن به " ~~لأن " هو العلة. # ولنسم ما يجري مجرى النبيذ محكوما عليه وما يجري مجرى الحرام حكما، فإنا ~~في النتيجة نقول: فالنبيذ حرام. ولنشتق للمقدمتين اسمين منهما لا من العلة؛ ~~لأن العلة متكررة فيهما، فنسمي المقدمة المشتملة على المحكوم المقدمة ~~الأولى وهي قولنا كل نبيذ مسكر، والمشتملة على الحكم المقدمة الثانية وهي # PageV01P031 # قولنا كل مسكر حرام، أخذا من النتيجة، فإنا نقول: فكل نبيذ ms043 حرام، فتذكر ~~النبيذ أولا ثم الحرام، وغرض هذه التسمية سهولة التعريف عند التفصيل ~~والتحقيق. # ومهما كانت المقدمات معلومة كان البرهان قطعيا، وإن كانت منظومة كان ~~فقهيا، وإن كانت ممنوعة فلا بد من إثباتها، وأما بعد تسليمها فلا يمكن الشك ~~في النتيجة أصلا بل كل عاقل صدق بالمقدمتين فهو مضطر إلى التصديق بالنتيجة ~~مهما أحضرهما في الذهن وأحضر مجموعهما بالبال. وحاصل وجه الدلالة في هذا ~~النظم أن الحكم على الصفة حكم على الموصوف؛ لأنا إذا قلنا: النبيذ مسكر، ~~جعلنا المسكر وصفا، فإذا حكمنا على كل مسكر بأنه حرام فقد حكمنا على الوصف، ~~فبالضرورة يدخل الموصوف فيه فإنه إن بطل قولنا النبيذ حرام مع كونه مسكرا ~~بطل قولنا كل مسكر حرام إذا ظهر لنا مسكر ليس بحرام. # وهذا الضرب له شرطان في كونه منتجا: شرط في المقدمة الأولى وهو أن تكون ~~مثبتة، فإن كانت نافية لم تنتج لأنك إذا نفيت شيئا عن شيء لم يكن الحكم على ~~النفي حكما على المنفي عنه، فإنك إذا قلت: لا خل واحد مسكر وكل مسكر حرام، ~~لم يلزم منه حكم في الخل إذا وقعت المباينة بين المسكر والخل، فحكمك على ~~المسكر بالنفي والإثبات لا يتعدى إلى الخل الشرط الثاني في المقدمة ~~الثانية: وهو أن تكون عامة كلية حتى يدخل المحكوم عليه بسبب عمومها فيها، ~~فإنك إذا قلت كل سفرجل مطعوم وبعض المطعوم ربوي، لم يلزم منه كون السفرجل ~~ربويا إذ ليس من ضرورة الحكم على بعض المطعوم أن يتناول السفرجل. # نعم إذا قلت وكل مطعوم ربوي لزم في السفرجل، ويثبت ذلك بعموم الخبر. فإن ~~قلت: فبماذا يفارق هذا الضرب الضربين الآخرين بعده؟ فاعلم أن العلة إما أن ~~توضع محكوما عليها في المقدمتين، أو محكوما بها في المقدمتين، أو توضع حكما ~~في إحداهما محكومة في الأخرى، وهذا الأخير هو النظم الأول، والثاني والثالث ~~لا يتضحان غاية الاتضاح إلا بالرد إليه فلذلك قدمنا ذكره. النظم الثاني: أن ~~تكون العلة حكما في المقدمتين، مثاله قولنا: الباري تعالى ليس بجسم؛ ms044 لأن ~~الباري غير مؤلف وكل جسم مؤلف فالباري تعالى إذن ليس بجسم. # فههنا ثلاثة معان: الباري والمؤلف والجسم، والمكرر هو المؤلف فهو العلة، ~~وتراه خبرا في المقدمتين وحكما بخلاف المسكر في النظم الأول إذ كان خبرا في ~~إحداهما مبتدأ في الأخرى ووجه لزوم النتيجة منه أن كل شيئين ثبت لأحدهما ما ~~انتفى عن الآخر فهما متباينان، فالتأليف ثابت للجسم منتف عن الباري تعالى، ~~فلا يكون بين معنى الجسم وبين الباري التقاء أي لا يكون الباري جسما ولا ~~الجسم هو الباري تعالى. # ويمكن بيان لزوم النتيجة بالرد إلى النظم الأول بطريق العكس كما أوضحناه ~~في كتاب " معيار العلم " وكتاب " محك النظر " فلا نطول الآن به. وهذا النظم ~~هو الذي يعبر عنه الفقهاء بالفرق، إذ يقولون: الجسم مؤلف والباري غير مؤلف. ~~وخاصية هذا النظم أنه لا ينتج إلا قضية نافية سالبة، وأما النظم الأول فإنه ~~ينتج النفي والإثبات جميعا. # ومن شروط هذا النظم أن تختلف المقدمتان في النفي والإثبات، فإن كانتا ~~مثبتتين لم ينتجا؛ لأن حاصل هذا النظم يرجع إلى الحكم بشيء واحد على شيئين، ~~وليس من # PageV01P032 # ضرورة كل شيئين يحكم عليهما بشيء واحد أن يخبر بأحدهما عن الآخر، فإنا ~~نحكم على السواد والبياض باللونية ولا يلزم أن يخبر عن السواد بأنه بياض ~~ولا عن البياض بأنه سواد. # ونظمه أن يقال كل سواد لون وكل بياض لون، فلا يلزم كل سواد بياض ولا كل ~~بياض سواد. نعم كل شيئين أخبر عن أحدهما بما يخبر عن الآخر بنفيه يجب أن ~~يكون بينهما انفصال وهو النفي. النظم الثالث: أن تكون العلة مبتدأ في ~~المقدمتين، وهذا يسميه الفقهاء نقضا. وهذا إذا اجتمعت شروطه أنتج نتيجة ~~خاصة لا عامة، مثاله قولنا كل سواد عرض وكل سواد لون، فيلزم منه أن بعض ~~العرض لون. وكذلك لو قلت كل بر مطعوم وكل بر ربوي، فيلزم منه أن بعض ~~المطعوم ربوي ووجه دلالته أن الربوي والمطعوم شيئان حكمنا بهما على شيء ~~واحد وهو البر فالتقيا عليه، وأقل درجات الالتقاء ms045 أن يوجب حكما خاصا وإن لم ~~يكن عاما فأمكن أن يقال بعض المطعوم ربوي وبعض الربوي مطعوم. # النمط الثاني من البرهان: وهو نمط التلازم. يشتمل على مقدمتين، والمقدمة ~~الأولى تشتمل على قضيتين، والمقدمة الثانية تشتمل على ذكر إحدى تينك ~~القضيتين تسليما إما بالنفي أو بالإثبات حتى تستنتج منه إحدى تينك القضيتين ~~أو نقيضها. ولنسم هذا نمط التلازم، ومثاله قولنا: إن كان العالم حادثا فله ~~محدث، فهذه مقدمة، ومعلوم أنه حادث وهي المقدمة الثانية، فيلزم منه أن له ~~محدثا. والأولى اشتملت على قضيتين لو أسقط منهما حرف الشرط لانفصلتا؛ ~~إحداهما قولنا: إن كان العالم حادثا. # والثانية قولنا: فله محدث. ولنسم القضية الأولى المقدم، ولنسم القضية ~~الثانية اللازم والتابع. والقضية الثانية اشتملت على تسليم عين القضية التي ~~سميناها مقدما، وهو قولنا: ومعلوم أن العالم حادث، فتلزم منه النتيجة وهو ~~أن للعالم محدثا وهو عين اللازم، ومثاله في الفقه قولنا: إن كان الوتر يؤدى ~~على الراحلة بكل حال فهو نفل، ومعلوم أنه يؤدى على الراحلة فثبت أنه نفل. # وهذا النمط يتطرق إليه أربع تسليمات تنتج منها اثنتان ولا تنتج اثنتان، ~~أما المنتج فتسليم عين المقدم ينتج عين اللازم، مثاله قولنا: إن كانت هذه ~~الصلاة صحيحة فالمصلي متطهر، ومعلوم أن هذه الصلاة صحيحة فيلزم أن يكون ~~المصلي متطهرا. ومثاله من الحس: إن كان هذا سوادا فهو لون، ومعلوم أنه سواد ~~فإذا هو لون أما المنتج الآخر فهو تسليم نقيض اللازم فإنه ينتج نقيض المقدم ~~مثاله قولنا: إن كانت هذه الصلاة صحيحة فالمصلي متطهر، ومعلوم أن المصلي ~~غير متطهر فينتج أن الصلاة غير صحيحة. وإن كان بيع الغائب صحيحا فهو يلزم ~~بصريح الإلزام، ومعلوم أنه لا يلزم بصريح الإلزام فيلزم منه أنه ليس بصحيح. # ووجه دلالة هذا النمط على الجملة أن ما يفضي إلى المحال فهو محال وهذا ~~يفضي إلى المحال فهو إذا محال، كقولنا: لو كان الباري سبحانه وتعالى مستقرا ~~على العرش لكان إما مساويا للعرش أو أكبر أو أصغر وكل ذلك محال، فما ms046 يفضي ~~إليه محال وهذا يفضي إلى المحال فهو إذا محال. # وأما الذي لا ينتج فهو تسليم عين اللازم، فإنا لو قلنا: إن كانت الصلاة ~~صحيحة فالمصلي متطهر، ومعلوم أن المصلي متطهر فلا يلزم منه لا صحة الصلاة ~~ولا فسادها إذ قد تفسد الصلاة بعلة أخرى. وكذلك تسليم نقيض المقدم لا ينتج ~~عين اللازم ولا نقيضه، فإنا # PageV01P033 # لو قلنا: ومعلوم أن الصلاة ليست صحيحة، فلا يلزم من هذا كون المصلي ~~متطهرا ولا كونه غير متطهر. # وتحقيق لزوم النتيجة من هذا النمط أنه مهما جعل شيء لازما لشيء فينبغي أن ~~لا يكون الملزوم أعم من اللازم بل إما أخص أو مساويا، ومهما كان أخص فثبوت ~~الأخص بالضرورة يوجب ثبوت الأعم، إذ يلزم من ثبوت السواد ثبوت اللون، وهو ~~الذي عنيناه بتسليم عين اللازم وانتفاء الأعم يوجب انتفاء الأخص بالضرورة، ~~إذ يلزم من انتفاء اللون انتفاء السواد وهو الذي عنيناه بتسليم نقيض ~~اللازم. وأما ثبوت الأعم فلا يوجب ثبوت الأخص فإن ثبوت اللون لا يوجب ثبوت ~~السواد، فلذلك قلنا تسليم عين اللازم لا ينتج. # وأما انتفاء الأخص فلا يوجب انتفاء الأعم ولا ثبوته، فإن انتفاء السواد ~~لا يوجب انتفاء اللون ولا ثبوته، وهو الذي عنيناه بقولنا: إن تسليم نقيض ~~المقدم لا ينتج أصلا. وإن جعل الأخص لازما للأعم فهو خطأ، كمن يقول: إن كان ~~هذا لونا فهو سواد. فإن كان اللازم مساويا للمقدم أنتج منه أربع تسليمات، ~~كقولنا: إن كان زنا المحصن موجودا فالرجم واجب لكنه موجود فإذا هو واجب، ~~لكنه واجب فإذا هو موجود، لكن الرجم غير واجب فالزنا غير موجود، لكن زنا ~~المحصن غير موجود فالرجم غير واجب. وكذلك كل معلول له علة واحدة، كقولنا: ~~إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود لكنها طالعة فالنهار موجود، لكن النهار ~~موجود فهي إذا طالعة، لكنها غير طالعة فالنهار غير موجود، لكن النهار غير ~~موجود فهي إذا غير طالعة. # النمط الثالث: نمط التعاند. وهو على ضد ما قبله، والمتكلمون يسمونه " ~~السبر والتقسيم "، والمنطقيون يسمونه " الشرطي ms047 المنفصل " ويسمون ما قبله " ~~الشرطي المتصل ". وهو أيضا يرجع إلى مقدمتين ونتيجة، ومثاله: العالم إما ~~قديم وإما حادث. وهذه مقدمة وهي قضيتان، الثانية أن تسلم إحدى القضيتين أو ~~نقيضها فيلزم منه لا محالة نتيجة وينتج فيه أربع تسليمات، فإنا نقول: لكنه ~~حادث فليس بقديم، لكنه قديم فليس بحادث، لكنه ليس بحادث فهو قديم، لكنه ليس ~~بقديم فهو حادث. # وبالجملة كل قسمين متناقضين متقابلين إذا وجد فيهما شرائط التناقض كما ~~سبق فينتج إثبات أحدهما نفي الآخر ونفي أحدهما إثبات الآخر. ولا يشترط أن ~~تنحصر القضية في قسمين بل شرطه أن تستوفي أقسامه، فإن كانت ثلاثة فإنا ~~نقول: العدد إما مساو أو أقل أو أكثر، فهذه ثلاثة لكنها حاصرة فإثبات واحد ~~ينتج نفي الآخرين وإبطال اثنين ينتج إثبات الثالث وإثبات واحد ينتج انحصارا ~~لحق في الآخرين في أحدهما لا بعينه. # والذي لا ينتج فيه انتقاء واحد هو أن لا يكون محصورا، كقولك زيد إما ~~بالعراق وإما بالحجاز، فهذا مما يوجب إثبات واحد ونفي الآخر، أما إبطال ~~واحد فلا ينتج إثبات الآخر إذ ربما يكون في صقع آخر. وقول من أثبت رؤية ~~الله بعلة الوجود يكاد لا ينحصر كلامه إلا أن نتكلف له وجها، فإن قول مصحح ~~الرؤية لا يخلو إما أن يكون كونه جوهرا فيبطل بالعرض أو كونه عرضا فيبطل ~~بالجوهر أو كونه سوادا أو لونا فيبطل بالحركة، فلا تبقى شركة لهذه ~~المختلفات إلا في الوجود، وهذا غير حاصر إذ يمكن أن يكون قد بقي أمر آخر ~~مشترك سوي الوجود لم يعثر عليه الباحث مثل كونه بجهة من الرائي مثلا، فإن ~~أبطل # PageV01P034 # هذا فلعله لمعنى آخر إلا أن يتكلف حصر المعاني وينفي جميعها سوى الوجود، ~~فعند ذلك ينتج. # فهذه أشكال البراهين، فكل دليل لا يمكن رده إلى واحد من هذه الأنواع ~~الخمسة فهو غير منتج ألبتة ولهذا شرح أطول من هذا ذكرناه في كتاب " محك ~~النظر " وكتاب " معيار العلم ". ### | [الفصل الثاني بيان مادة البرهان] # الفصل الثاني من فن المقاصد بيان مادة البرهان ms048 في بيان مادة البرهان: وهي ~~المقدمات الجارية من البرهان مجرى الثوب من القميص والخشب من السرير، فإن ~~ما ذكرناه يجري مجرى الخياطة من القميص وشكل السرير من السرير، وكما لا ~~يمكن أن يتخذ من كل جسم سيف وسرير إذ لا يتأتى من الخشب ولا من الثوب سيف ~~ولا من السيف سرير فكذلك لا يمكن أن يتخذ من كل مقدمة برهان منتج، بل ~~البرهان المنتج لا ينصاغ إلا من مقدمات يقينية إن كان المطلوب يقينيا أو ~~ظنية إن كان المطلوب فقهيا. # فلنذكر معنى اليقين في نفسه لتفهم ذاته، ولنذكر مدركه لتفهم الآلة التي ~~بها يقتنص اليقين. أما اليقين فشرحه أن النفس إذا أذعنت للتصديق بقضية من ~~القضايا وسكنت إليها فلها ثلاثة أحوال: # أحدها: أن يتيقن ويقطع به وينضاف إليه قطع ثان، وهو أن يقطع بأن قطعها به ~~صحيح ويتيقن بأن يقينها فيه لا يمكن أن يكون به سهو ولا غلط ولا التباس، ~~فلا يجوز الغلط في يقينها الأول ولا في يقينها الثاني، ويكون صحة يقينها ~~الثاني كصحة يقينها الأول، بل تكون مطمئنة آمنة من الخطأ، بل حيث لو حكي ~~لها عن نبي من الأنبياء أنه أقام معجزة وادعى ما يناقضها فلا تتوقف في ~~تكذيب الناقل بل تقطع بأنه كاذب، أو تقطع بأن القائل ليس بنبي وأن ما ظن ~~أنه معجزة فهي مخرقة، وبالجملة فلا يؤثر هذا في تشكيكها بل تضحك من قائله ~~وناقله. # وإن خطر ببالها إمكان أن يكون الله قد أطلع نبيا على سر به انكشف له نقيض ~~اعتقادها فليس اعتقادها يقينا، مثاله قولنا: الثلاثة أقل من الستة وشخص ~~واحد لا يكون في مكانين، والشيء الواحد لا يكون قديما حادثا موجودا معدوما ~~ساكنا متحركا في حالة واحدة. # الحالة الثانية: أن تصدق بها تصديقا جزما لا تتمارى فيه ولا تشعر بنقيضها ~~ألبتة، ولو أشعرت بنقيضها تعسر إذعانها للإصغاء إليه، ولكنها لو ثبتت وأصغت ~~وحكي لها نقيض معتقدها عمن هو أعلم الناس عندها كنبي أو صديق أورث. ذلك ~~فيها توقفا. # ولنسم هذا ms049 الجنس اعتقادا جزما وهو أكثر اعتقادات عوام المسلمين واليهود ~~والنصارى في معتقداتهم وأديانهم، بل اعتقاد أكثر المتكلمين في نصرة مذاهبهم ~~بطريق الأدلة، فإنهم قبلوا المذهب والدليل جميعا بحسن الظن في الصبا فوقع ~~عليه نشؤهم، فإن المستقل بالنظر الذي يستوي ميله في نظره إلى الكفر ~~والإسلام عزيز. # الحالة الثالثة: أن يكون لها سكون إلى الشيء والتصديق به. وهي تشعر ~~بنقيضه أو لا تشعر، لكن لو أشعرت به لم ينفر طبعها عن قبوله، وهذا يسمى ظنا ~~وله درجات في الميل إلى الزيادة والنقصان لا تحصى، فمن سمع من عدل شيئا ~~سكنت إليه نفسه، فإن انضاف إليه ثان زاد السكون وإن انضاف إليه ثالث زاد ~~السكون. والقوة فإن انضافت إليه تجربة لصدقهم على الخصوص زادت القوة، فإن ~~انضافت إليه قرينة كما إذا أخبروا عن أمر مخوف وقد اصفرت وجوههم واضطربت ~~أحوالهم زاد الظن، وهكذا لا يزال # PageV01P035 # يترقى قليلا قليلا إلى أن ينقلب الظن علما عند الانتهاء إلى حد التواتر. # والمحدثون يسمون أكثر هذه الأحوال علما ويقينا، حتى يطلقوا القول بأن ~~الأخبار التي تشتمل عليها الصحاح توجب العلم والعمل. وكافة الخلق إلا آحاد ~~المحققين يسمون الحالة الثانية يقينا ولا يميزون بين الحالة الثانية ~~والأولى. والحق أن اليقين هو الأول والثاني مظنة الغلط، فإذا ألفت برهانا ~~من مقدمات يقينية على الذوق الأول وراعيت صورة تأليفه على الشروط الماضية ~~فالنتيجة ضرورية يقينية يجوز الثقة بها هذا بيان نفس اليقين، أما مدارك ~~اليقين فجميع ما يتوهم كونه مدركا لليقين # . والاعتقاد الجزم ينحصر في سبعة أقسام: الأول: الأوليات. وأعني بها ~~العقليات المحضة التي أفضى ذات العقل بمجرده إليها من غير استعانة بحس أو ~~تخيل مجبل على التصديق بها، مثل علم الإنسان بوجود نفسه وبأن الواحد لا ~~يكون قديما حادثا وأن النقيضين إذا صدق أحدهما كذب الآخر وأن الاثنين أكثر ~~من الواحد ونظائره، وبالجملة هذه القضايا تصادف مرتسمة في العقل منذ وجوده، ~~حتى يظن العاقل أنه لم يزل عالما بها ولا يدري متى تجدد ولا يقف حصوله على ~~أمر ms050 سوى وجود العقل، إذ يرتسم فيه الموجود مفردا والقديم مفردا والحادث ~~مفردا. # والقوة المفكرة تجمع هذه المفردات وتنسب بعضها إلى بعض، مثل أن القديم ~~حادث. فيكذب العقل به، وإن القديم ليس بحادث فيصدق العقل به، فلا يحتاج إلا ~~إلى ذهن ترتسم فيه المفردات وإلى قوة مفكرة تنسب بعض هذه المفردات إلى ~~البعض، فينتهض العقل على البديهة إلى التصديق أو التكذيب. # الثاني: المشاهدات الباطنة وذلك كعلم الإنسان بجوع نفسه وعطشه وخوفه ~~وفرحه وجميع الأحوال الباطنة التي يدركها من ليس له الحواس الخمس فهذه ليست ~~من الحواس الخمس ولا هي عقلية، بل البهيمة تدرك هذه الأحوال من نفسها بغير ~~عقل، وكذا الصبي، والأوليات لا تكون للبهائم ولا للصبيان. # الثالث: المحسوسات الظاهرة كقولك: الثلج أبيض والقمر مستدير والشمس ~~مستنيرة. وهذا الفن واضح لكن الغلط يتطرق إلى الأبصار لعوارض مثل بعد مفرط ~~وقرب مفرط أو ضعف في العين وأسباب الغلط في الأبصار التي هي على الاستقامة ~~ثمانية والذي بالانعكاس كما في المرآة أو بالانعطاف، كما يرى مما وراء ~~البلور والزجاج فيتضاعف في أسباب الغلط، واستقصاء ذلك في هذه العلاوة غير ~~ممكن، فإن أردت أن تفهم منه أنموذجا فانظر إلى طرف الظل فتراه ساكنا والعقل ~~يقضي بأنه متحرك، وإلى الكواكب فتراها ساكنة وهي متحركة، وإلى الصبي في أول ~~نشوئه والنبات في أول النشوء وهو في النمو والتزايد في كل لحظة على التدريج ~~فتراه واقفا، وأمثال ذلك مما يكثر # الرابع: التجريبيات وقد يعبر عنها باطراد العادات، وذلك مثل حكمك بأن ~~النار محرقة والخبز مشبع والحجر هاو إلى أسفل والنار صاعدة إلى فوق والخمر ~~مسكر والسقمونيا مسهل. فإذا المعلومات التجريبية يقينية عند من جربها. # والناس يختلفون في هذه العلوم # PageV01P036 # لاختلافهم في التجربة. فمعرفة الطبيب بأن السقمونيا مسهل كمعرفتك بأن ~~الماء مرو، وكذلك الحكم بأن المغناطيس جاذب للحديد عند من عرفه. وهذه غير ~~المحسوسات؛ لأن مدرك الحس هو أن هذا الحجر يهوي إلى الأرض، وأما الحكم بأن ~~كل حجر هاو فهي قضية عامة لا قضية في عين وليس ms051 للحس إلا قضية في عين. وكذلك ~~إذا رأى مائعا وقد شربه فسكر فحكم بأن جنس هذا المائع مسكر فالحس لم يدرك ~~إلا شربا وسكرا واحدا معينا، فالحكم في الكل إذا هو للعقل ولكن بواسطة الحس ~~أو بتكرر الإحساس مرة بعد أخرى، إذ المرة الواحدة لا يحصل العلم بها، فمن ~~تألم له موضع فصب عليه مائعا فزال ألمه لم يحصل له العلم بأنه المزيل إذ ~~يحتمل أن زواله بالاتفاق، بل هو كما لو قرأ عليه سورة الإخلاص فزال فربما ~~يخطر له أن إزالته بالاتفاق فإذا تكرر مرات كثيرة في أحوال مختلفة انغرس في ~~النفس يقين وعلم بأنه المؤثر، كما حصل بأن الاصطلاء بالنار مزيل للبرد ~~والخبز مزيل لألم الجوع. # وإذا تأملت هذا عرفت أن العقل قد ناله بعد التكرر على الحس بواسطة قياس ~~خفي ارتسم فيه ولم يشعر بذلك القياس؛ لأنه لم يلتفت إليه ولم يشغله بلفظ، ~~وكأن العقل يقول لو لم يكن هذا السبب يقتضيه لما اطرد في الأكثر ولو كان ~~بالاتفاق لاختلف. وهذا الآن يحرك قطبا عظيما في معنى تلازم الأسباب ~~والمسببات التي يعبر عنها باطراد العادات، وقد نبهنا على غورها في كتاب " ~~تهافت الفلاسفة " والمقصود تمييز التجريبيات عن الحسيات، ومن لم يمعن في ~~تجربة الأمور تعوزه جملة من اليقينيات فيتعذر عليه ما يلزم منها من النتائج ~~فيستفيدها من أهل المعرفة بها، وهذا كما أن الأعمى والأصم تعوزهما جملة من ~~العلوم التي تستنتج من مقدمات محسوسة حتى يقدر الأعمى على أن يعرف بالبرهان ~~أن الشمس أكبر من الأرض، فإن ذلك يعرف بأدلة هندسية تنبني على مقدمات حسية ~~ولما كان السمع والبصر شبكة جملة من العلوم قرنهما الله تعالى بالفؤاد في ~~كتابه في مواضع. # الخامس: متواترات. كعلمنا بوجود مكة ووجود الشافعي وبعدد الصلوات الخمس ~~بل كعلمنا بأن من مذهب الشافعي أن المسلم لا يقتل بالذمي فإن هذا أمر وراء ~~المحسوس إذ ليس للحس إلا أن يسمع صوت المخبر بوجود مكة وأما الحكم بصدقه ~~فهو للعقل وآلته السمع ولا مجرد السمع ms052 بل تكرر السماع ولا ينحصر العدد ~~الموجب للعلم في عدد ومن تكلف حصر ذلك فهو في شطط بل هو كتكرر التجربة ولكل ~~مرة في التجربة شهادة أخرى إلى أن ينقلب الظن علما ولا يشعر بوقته فكذلك ~~التواتر. # فهذه مدارك العلوم اليقينية الحقيقية الصالحة لمقدمات البراهين وما بعدها ~~ليس كذلك # السادس: الوهميات وذلك مثل قضاء الوهم بأن كل موجود ينبغي أن يكون مشارا ~~إلى جهته فإن موجود إلا متصلا بالعلم ولا منفصلا عنه ولا داخلا ولا خارجا ~~محال وأن إثبات شيء مع القطع بأن الجهات الست خالية عنه محال، وهذا عمل قوة ~~في التجويف الأوسط من الدماغ وتسمى وهمية شأنها ملازمة المحسوسات ومتابعتها ~~والتصرف فيها فكل ما لا يكون على وفق المحسوسات التي ألفتها فليس في طباعها ~~إلا النبوة عنها وإنكارها ومن هذا القبيل نفرة الطبع عن قول القائل ليس ~~وراء العالم خلاء ولا ملاء وهاتان قضيتان وهميتان # PageV01P037 # كاذبتان والأولى منهما ربما وقع لك الأنس بتكذيبها لكثرة ممارستك للأدلة ~~العقلية الموجبة لإثبات موجود ليس في جهة والثانية ربما لم تأنس بتكذيبها ~~لقلة ممارستك لأدلتها وإذا تأملت عرفت أن ما أنكره الوهم من نفي الخلاء ~~والملاء غير ممكن؛ لأن الخلاء باطل بالبراهين القاطعة إذ لا معنى له ~~والملاء متناه بأدلة قاطعة إذ يستحيل وجود أجسام لا نهاية لها وإذا ثبت ~~هذان الأصلان علم أنه لا خلاء ولا ملاء وراء العالم وهذه القضايا مع أنها ~~وهمية فهي في النفس لا تتميز عن الأوليات القطعية مثل قولك لا يكون شخص في ~~مكانين بل يشهد به أول الفطرة كما يشهد بالأوليات العقلية وليس كل ما تشهد ~~به الفطرة قطعا هو صادق بل الصادق ما يشهد به قوة العقل فقط ومداركه الخمسة ~~المذكورة وهذه الوهميات لا يظهر كذبها للنفس إلا بدليل العقل. # ثم بعد معرفة الدليل أيضا لا تنقطع منازعة الوهم بل تبقى على نزاعها فإن ~~قلت فبماذا أميز بينها وبين الصادقة والفطرة قاطعة بالكل ومتى يحصل الأمان ~~منها فاعلم أن هذه ورطة تاه فيها جماعة ms053 فتسفسطوا وأنكروا كون النظر مفيد ~~العلم اليقين، فقال بعضهم طلب اليقين غير ممكن وقالوا بتكافؤ الأدلة وادعوا ~~اليقين بتكافؤ الأدلة وقال بعضهم لا تيقن أيضا بتكافؤ الأدلة بما هو أيضا ~~في محل التوقف وكشف الغطاء عن هذه الورطة يستدعي تطويلا فلا نشتغل به ~~ونفيدك الآن طريقين تستعين بهما في تكذيب الوهم: الأول جملي وهو أنك لا تشك ~~في وجود الوهم والقدرة والعلم والإرادة وهذه الصفات ليست من النظريات ولو ~~عرضت على الوهم نفس الوهم لأنكره، فإنه يطلب له سمكا ومقدارا ولونا فإذا لم ~~يجده أباه، ولو كلفت الوهم أن يتأمل ذات القدرة والعلم والإرادة لصور لكل ~~واحد قدرا ومكانا مفردا ولو فرضت له اجتماع هذه الصفات في جزء واحد أو جسم ~~واحد لقدر بعضها منطبقا على البعض كأنه ستر رقيق مرسل على وجهه ولم يقدر ~~على اتحاد البعض بالبعض بأسره فإنه ربما يشاهد الأجسام ويراها متميزة في ~~الوضع فيقضي في كل شيئين بأن أحدهما متميز في الوضع عن الآخر. # الطريق الثاني وهو معيار في آحاد المسائل وهو أن يعلم أن جميع قضايا ~~الوهم ليست كاذبة فإنها توافق العقل في استحالة وجود شخص في مكانين بل لا ~~تنازع في جميع العلوم الهندسية والحسابية وما يدرك بالحس وإنما تنازع فيما ~~وراء المحسوسات؛ لأنها تمثل غير المحسوسات بالمحسوسات إذ لا تقبله إلا على ~~نحو المحسوسات فحيلة العقل مع الوهم في أن يثق بكذبه مهما نظر في غير محسوس ~~أن يأخذ مقدمات يقينية ليساعده الوهم عليها وينظمها نظم البرهان الذي ~~ذكرناه. فإن الوهم يساعد على أن اليقينيات إذا نظمت كذلك كانت النتيجة ~~لازمة كما سبق في الأمثلة وكما في الهندسيات فتجد ذلك ميزانا وحاكما بينه ~~وبينه فإذا رأى الوهم قد زاغ عن قبول نتيجة دليل قد ساعد على مقدماته وساعد ~~على صحة نظمها وعلى كونها نتيجة علم أن ذلك من قصور في طباعه عن إدراك مثل ~~هذا الشيء الخارج عن المحسوسات. # فاكتف بهذا القدر فإن تمام الإيضاح فيه تطويل. # السابع: المشهورات. وهي آراء محمودة ms054 يوجب التصديق بها. أما شهادة الكل أو ~~الأكثر أو شهادة جماهير الأفاضل كقولك الكذب قبيح وإيلام البريء قبيح ~~وكفران النعم قبيح وشكر المنعم وإنقاذ الهلكى حسن وهذه قد تكون صادقة وقد ~~تكون كاذبة فلا يجوز أن يعول # PageV01P038 # عليها في مقدمات البرهان فإن هذه القضايا ليست أولية ولا وهمية فإن ~~الفطرة الأولى لا تقضي بها بل إنما ينغرس قبولها في النفس بأسباب كثيرة ~~تعرض من أول الصبا. # وذلك بأن تكرر على الصبي ويكلف اعتقادها ويحسن ذلك عنده وربما يحمل عليها ~~حب التسالم وطيب المعاشرة وربما تنشأ من الحنان ورقة الطبع فترى أقواما ~~يصدقون بأن ذبح البهائم قبيح ويمتنعون عن أكل لحومها وما يجري هذا المجرى، ~~فالنفوس المجبولة على الحنان والرقة أطوع لقبولها وربما يجبل على التصديق ~~بها الاستقراء الكثير وربما كانت القضية صادقة ولكن بشرط دقيق لا يفطن ~~الذهن لذلك الشرط ويستمر على تكرير التصديق فيرسخ في نفسه كمن يقول مثلا: ~~التواتر لا يورث العلم؛ لأن كل واحد من الآحاد لا يورث العلم، فالمجموع لا ~~يورث؛ لأنه لا يزيد على الآحاد وهذا غلط؛ لأن قول الواحد لا يوجب العلم ~~بشرط الانفراد وعند التواتر فات هذا الشرط فيذهل عن هذا الشرط لدقته ويصدق ~~به مطلقا وكذلك يصدق بقوله {إن الله على كل شيء قدير} [البقرة: 20] مع أنه ~~ليس قادرا على خلق ذاته وصفاته وهو شيء لكن هو قدير على كل شيء بشرط كونه ~~ممكنا في نفسه فيذهل عن هذا الشرط ويصدق به مطلقا لكثرة تكرره على اللسان ~~ووقوع الذهول عن شرطه الدقيق. # وللتصديق بالمشهورات أسباب كثيرة وهي من مثارات الغلط العظيمة، وأكثر ~~قياسات المتكلمين والفقهاء مبنية على مقدمات مشهورة يسلمونها بمجرد الشهرة ~~فلذلك ترى أقيستهم تنتج نتائج متناقضة فيتحيرون فيها فإن قلت فبم يدرك ~~الفرق بين المشهور والصادق فاعرض قول القائل: العدل جميل والكذب قبيح على ~~العقل الأول الفطري الموجب للأوليات وقدر أنك لم تعاشر أحدا ولم تخالط أهل ~~ملة ولم تأنس بمسموع ولم تتأدب باستصلاح ولم تهذب بتعليم أستاذ ومرشد وكلف ms055 ~~نفسك أن تشكك فيه فإنك تقدر عليه وتراه متأتيا وإنما الذي يعسر عليك هذه ~~التقديرات أنك على حالة تضادها فإن تقدير الجوع في حال الشبع عسير وكذا ~~تقدير كل حالة أنت منفك عنها في الحال ولكن إذا تحذقت فيها أمكنك التشكك ~~ولو كلفت نفسك الشك في أن الاثنين أكثر من الواحد لم يكن الشك متأتيا بل لا ~~يتأتى الشك في أن العالم ينتهي إلى خلاء أو ملاء وهو كاذب وهمي لكن فطرة ~~الوهم تقتضيه والآخر يقتضيه فطرة العقل وأما كون الكذب قبيحا فلا يقتضيه ~~فطرة الوهم ولا فطرة العقل بل ما ألفه الإنسان من العادات والأخلاق ~~والاستصلاحات وهذه أيضا معارضة مظلمة يجب التحرز عنها. # فهذا القدر كاف في المقدمات التي منها ينتظم البرهان فالمستفاد من ~~المدارك الخمسة بعد الاحتراز عن مواقع الغلط فيها يصلح لصناعة البرهان ~~والمستفاد من غلط الوهم لا يصلح ألبتة والمشهورات تصلح للفقهيات الظنية ~~والأقيسة الجدلية ولا تصلح لإفادة اليقين ألبتة. ### | [الفن الثالث في اللواحق وفيه فصول] ### | [الفصل الأول في بيان ما تنطق به الألسنة في معرض الدليل والتعليل] # الفن الثالث من دعامة البرهان في اللواحق # وفيه فصول: الفصل الأول: في بيان أن ما تنطق به الألسنة في معرض الدليل ~~والتعليل # في بيان أن ما تنطق به الألسنة في معرض الدليل والتعليل في جميع أقسام ~~العلوم يرجع إلى الضروب التي ذكرناها، فإن لم يرجع إليها لم يكن دليلا، ~~وحيث يذكر لا على ذلك النظم فسببه إما قصور علم الناظر، أو إهماله إحدى ~~المقدمتين للوضوح، أو لكون التلبيس في ضمنه حتى لا ينتبه له، أو لتركيب ~~الضروب وجمع جملة منها في سياق # PageV01P039 # كلام واحد، مثال ترك إحدى المقدمتين لوضوحها، وذلك غالب في الفقهيات ~~والمحاورات احترازا عن التطويل كقول القائل: هذا يجب عليه الرجم؛ لأنه زنى ~~وهو محصن، وتمام القياس أن تقول كل من زنى وهو محصن فعليه الرجم وهذا زنى ~~وهو محصن " ولكن ترك المقدمة الأولى لاشتهارها. # وكذلك يقال: العالم محدث، فيقال: لم؟ فيقول؛ لأنه جائز، ويقتصر عليه، ms056 ~~وتمامه أن يقول كل جائز فله فاعل والعالم جائز فإذا له فاعل ". ويقول في ~~نكاح الشغار: هو فاسد؛ لأنه منهي عنه، وتمامه أن يقول كل منهي عنه فهو فاسد ~~والشغار منهي عنه فهو إذا فاسد، ولكن ترك الأولى لأنها موضوع النزاع، ولو ~~صرح بها لتنبه الخصم لها فربما تركها للتلبيس مرة كما تركها للوضوح أخرى. # وأكثر أدلة القرآن كذلك تكون، مثل قوله تعالى {لو كان فيهما آلهة إلا ~~الله لفسدتا} [الأنبياء: 22] فينبغي أن يضم إليها، ومعلوم أنهما لم تفسدا. ~~وقوله تعالى: {إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا} [الإسراء: 42] وتمامه أنه ~~معلوم أنهم لم يبتغوا إلى ذي العرش سبيلا. # ومثال ما يترك للتلبيس أن يقال فلان خائن في حقك، فتقول: لم؟ فيقال لأنه ~~كان يناجي عدوك، وتمامه أن يقال كل من يناجي العدو فهو عدو وهذا يناجي ~~العدو فهو إذا عدو " ولكن لو صرح به لتنبه الذهن بأن من يناجي العدو فقد ~~ينصحه وقد يخدعه فلا يجب أن يكون عدوا. وربما يترك المقدمة الثانية وهي ~~مقدمة المحكوم عليه، مثاله أن يقال: لا تخالط فلانا، فيقول: لم؟ فيقال: لأن ~~الحساد لا يخالطون؛ وتمامه أن يضم إليه: " إن هذا حاسد والحاسد لا يخالط ~~فهذا إذا لا يخالط ". # وسبيل من يريد التلبيس إهمال المقدمة التي التلبيس تحتها استغفالا للخصم ~~واستجهالا له، وهذا غلط في النظم الأول ويتطرق ذلك إلى النظم الثاني ~~والثالث، مثاله قولك كل شجاع ظالم، فيقال: لم؟ فيقال: لأن الحجاج كان شجاعا ~~وظالما، وتمامه أن يقول: " الحجاج شجاع والحجاج ظالم فكل شجاع ظالم ". وهذا ~~غير منتج؛ لأنه طلب نتيجة عامة من النظم الثالث، وقد بينا أنه لا ينتج إلا ~~نتيجة خاصة. # وإنما كان من النظم الثالث؛ لأن الحجاج هو العلة لأنه المتكرر في ~~المقدمتين لأنه محكوم عليه في المقدمتين، فيلزم منه أن بعض الشجعان ظالم، ~~ومن ههنا غلط من حكم على كل المتصوفة أو كل المتفقهة بالفساد إذا رأى ذلك ~~من بعضهم، ونظم قياسه " أن فلانا متفقه وفلان فاسق فكل متفقه فاسق ms057 وذلك لا ~~يلزم، بل يلزم أن بعض المتفقهة فاسق وكثيرا ما يقع مثل هذا الغلط في الفقه ~~أن يرى الفقيه حكما في موضع معين فيقضي بذلك الحكم على العموم، فيقول مثلا: ~~البر مطعوم والبر ربوي فالمطعوم ربوي. # وبالجملة مهما كانت العلة أخص من الحكم والمحكوم عليه في النتيجة لم يلزم ~~منه إلا نتيجة جزئية وهو معنى النظم الثالث، ومهما كانت العلة أعم من ~~المحكوم عليه وأخص من الحكم أو مساوية له كان من النظم الأول وأمكن استنتاج ~~القضايا الأربعة منه، أعني الموجبة العامة والخاصة والنافية العامة ~~والخاصة. ومهما كانت العلة أعم من الحكم والمحكوم عليه جميعا كان من النظم ~~الثاني ولم ينتج منه إلا النفي، فأما الإيجاب فلا. ومثال المختلطات المركبة ~~من كل نمط كقولك: " الباري تعالى إن كان على العرش إما مساو أو أكبر أو ~~أصغر وكل مساو وأصغر وأكبر مقدر وكل مقدر فإما أن يكون جسما أو لا # PageV01P040 # يكون جسما، وباطل أن لا يكون جسما فثبت أنه جسم، فيلزم أن يكون الباري ~~تعالى جسما، ومحال أن يكون جسما فمحال أن يكون على العرش ". # وهذا السياق اشتمل على النظم الأول والثاني والثالث مختلطا كذلك، فمن لا ~~يقدر على تحليله وتفصيله فربما انطوى التلبيس في تفاصيله وتضاعيفه فلا ~~يتنبه لموضعه، ومن عرف المفردات أمكنه رد المختلطات إليها فإذا لا يتصور ~~النطق باستدلال إلا ويرجع إلى ما ذكرناه. ### | [الفصل الثاني في بيان الاستقراء والتمثيل] # الفصل الثاني: في بيان رجوع الاستقراء والتمثيل إلى ما ذكرناه أما ~~الاستقراء فهو عبارة عن تصفح أمور جزئية لنحكم بحكمها على أمر يشمل تلك ~~الجزئيات، كقولنا في الوتر: ليس بفرض؛ لأنه يؤدى على الراحلة والفرض لا ~~يؤدى على الراحلة. فيقال: لم قلتم إن الفرض لا يؤدى على الراحلة؟ فيقال: ~~عرفناه بالاستقراء إذ رأينا القضاء والأداء والمنذور وسائر أصناف الفرائض ~~لا تؤدى على الراحلة، فقلنا: إن كل فرض لا يؤدى على الراحلة. # ووجه دلالة هذا لا يتم إلا بالنظم الأول بأن يقول: كل فرض فإما قضاء أو ~~أداء ms058 أو نذر وكل قضاء وأداء ونذر فلا يؤدى على الراحلة، فكل فرض لا يؤدى ~~على الراحلة " وهذا مختل يصلح للظنيات دون القطعيات، والخلل تحت قوله " إما ~~أداء " فإن حكمه بأن كل أداء لا يؤدى على الراحلة يمنعه الخصم إذ الوتر ~~عنده أداء واجب ويؤدى على الراحلة، وإنما يسلم الخصم من أداء الصلوات الخمس ~~وهذه صلاة سادسة عنده فيقول: وهل استقريت حكم الوتر في تصفحك وكيف وجدته؟ ~~فإن قلت وجدته لا يؤدى على الراحلة فالخصم لا يسلم، فإن لم تتصفحه فلم يبن ~~لك إلا الأداء، فخرجت المقدمة الثانية عن أن تكون عامة وصارت خاصة، وذلك لا ~~ينتج لأنا بينا أن المقدمة الثانية في النظم الأول ينبغي أن تكون عامة، ~~ولهذا غلط من قال: إن صانع العالم جسم؛ لأنه قال كل فاعل جسم وصانع العالم ~~فاعل فهو إذا جسم "، فقيل: لم قلت إن كل فاعل جسم؟ فيقول: لأني تصفحت ~~الفاعلين من خياط وبناء وإسكاف وحجام وحداد وغيرهم فوجدتهم أجساما فيقال: ~~وهل تصفحت صانع العالم أم لا؟ فإن لم تتصفحه فقد تصفحت البعض دون الكل ~~فوجدت بعض الفاعلين جسما فصارت المقدمة الثانية خاصة لا تنتج، وإن تصفحت ~~الباري فكيف وجدته؟ فإن قلت وجدته جسما فهو محل النزاع، فكيف أدخلته في ~~المقدمة؟ فثبت بهذا أن الاستقراء إن كان تاما رجع إلى النظم الأول وصلح ~~للقطعيات، وإن لم يكن تاما لم يصلح إلا للفقهيات لأنه مهما وجد الأكثر على ~~نمط، غلب على الظن أن الآخر كذلك. ### | [الفصل الثالث في وجه لزوم النتيجة من المقدمات] # وجه لزوم النتيجة من المقدمات. # وهو الذي يعبر عنه بوجه الدليل، ويلتبس الأمر فيه على الضعفاء فلا ~~يتحققون أن وجه الدليل عين المدلول أو غيره، فنقول كل مفردين جمعتهما القوة ~~المفكرة ونسبت أحدهما إلى الآخر بنفي أو إثبات وعرضته على العقل لم يخل ~~العقل فيه من أحد أمرين: إما أن يصدق به أو يمتنع من التصديق، فإن صدق فهو ~~الأولي المعلوم بغير واسطة ويقال: إنه معلوم بغير نظر ودليل وحيلة وتأمل ms059 ~~وكل ذلك بمعنى واحد، وإن لم يصدق فلا مطمع في التصديق إلا بواسطة وتلك ~~الواسطة هي التي تنسب إلى الحكم فيكون خبرا عنها وتنسب إلى المحكوم عليه ~~فتجعل # PageV01P041 # خبرا عنه فيصدق فيلزم من ذلك بالضرورة التصديق بنسبة الحكم إلى المحكوم ~~عليه. # بيانه أنا إذا قلنا للعقل احكم على النبيذ بالحرام فيقول: لا أدري ولم ~~يصدق به، فعلمنا أنه ليس يلتقي في الذهن طرفا هذه القضية وهو الحرام ~~والنبيذ، فلا بد أن يطلب واسطة ربما صدق العقل بوجودها في النبيذ وصدق ~~بوجود وصف الحرام لتلك الواسطة فيلزمه التصديق بالمطلوب. فيقال: هل النبيذ ~~مسكر؟ فيقول: نعم، إذا كان قد علم ذلك بالتجربة. فيقال: وهل المسكر حرام؟ ~~فيقول: نعم، إذا كان قد حصل ذلك بالسماع وهو المدرك بالسمع. قلنا: فإن صدقت ~~بهاتين المقدمتين لزمك التصديق بالثالث لا محالة وهو أن النبيذ حرام ~~بالضرورة، فيلزمه أن يصدق بذلك ويذعن للتصديق به. # فإن قلت: فهذه القضية ليست خارجة عن القضيتين وليست زائدة عليهما فاعلم ~~أن ما توهمت حق من وجه وغلط من وجه، أما الغلط فهو أن هذه قضية ثالثة لأن ~~قولك: النبيذ حرام غير قولك: النبيذ مسكر وغير قولك: المسكر حرام، بل هذه ~~ثلاث مقدمات مختلفات وليس فيها تكرير أصلا بل النتيجة اللازمة غير المقدمات ~~الملتزمة. # وأما وجه كونه حقا فهو أن قولك المسكر حرام شمل بعمومه النبيذ الذي هو ~~أحد المسكرات، فقولك النبيذ حرام ينطوي فيه لكن بالقوة لا بالفعل، وقد يحضر ~~العام في الذهن ولا يحضر الخاص، فمن قال الجسم متحيز ربما لا يخطر بباله ~~ذلك الوقت أن الثعلب متحيز بل ربما لا يخطر بباله ذلك الثعلب فضلا عن أن ~~يخطر بباله أنه متحيز، فإذا النتيجة موجودة في إحدى المقدمتين بالقوة ~~القريبة والموجود بالقوة القريبة لا يظن أنه موجود بالفعل. فاعلم أن هذه ~~النتيجة لا تخرج من القوة إلى الفعل بمجرد العلم بالمقدمتين ما لم تحضر ~~المقدمتين في الذهن وتخطر ببالك وجه وجود النتيجة في المقدمتين بالقوة، ~~فإذا تأملت ذلك صارت النتيجة ms060 بالفعل، إذ لا يبعد أن ينظر الناظر إلى بغلة ~~منتفخة البطن فيتوهم أنها حامل، فيقال له: هل تعلم أن البغلة عاقر لا تحمل؟ ~~فيقول: نعم، فيقال: وهل تعلم أن هذه بغلة؟ فيقول: نعم، فيقال: كيف توهمت ~~أنها حامل؟ فيتعجب من توهم نفسه مع علمه بالمقدمتين، إذ نظمها " أن كل بغلة ~~عاقر وهذه بغلة فهي إذا عاقر. # والانتفاخ له أسباب، فإذا انتفاخها من سبب آخر. ولما كان السبب الخاص ~~لحصول النتيجة في الذهن التفطن لوجود النتيجة بالقوة في المقدمة أشكل على ~~الضعفاء فلم يعرفوا أن وجه الدليل عين المدلول أو غيره، فالحق أن المطلوب ~~هو المدلول المستنتج وأنه غير التفطن لوجوده في المقدمتين بالقوة، ولكن هذا ~~التفطن هو سبب حصوله على سبيل التولد عند المعتزلة وعلى سبيل استعداد القلب ~~لحضور المقدمتين مع التفطن لفيضان النتيجة من عند واهب الصور المعقولة الذي ~~هو العقل الفعال عند الفلاسفة وعلى سبيل تضمن المقدمات للنتيجة بطريق ~~اللزوم الذي لا بد منه عند أكثر أصحابنا المخالفين للتولد الذي ذكره ~~المعتزلة وعلى سبيل حصوله بقدرة الله تعالى عقيب حضور المقدمتين في الذهن ~~والتفطن لوجه تضمنهما له بطريق إجراء الله تعالى العادة على وجه يتصور ~~خرقها بأن لا يخلق عقيب تمام النظر عند بعض أصحابنا. # ثم ذلك من غير نسبة له إلى القدرة الحادثة عند بعضهم بل بحيث لا تتعلق به ~~قدرة العبد، وإنما قدرته على إحضار المقدمتين ومطالعة # PageV01P042 # وجه تضمن المقدمتين للنتيجة على معنى وجودها فيهما بالقوة فقط، أما ~~صيرورة النتيجة بالفعل فلا تتعلق بها القدرة، وعند بعضهم هو كسب مقدور. # والرأي الحق في ذلك لا يليق بما نحن فيه، والمقصود كشف الغطاء عن النظر ~~وأن وجه الدليل ما هو والمدلول ما هو والنظر الصحيح ما هو والنظر الفاسد ما ~~هو. وترى الكتب مشحونات بتطويلات في هذه الألفاظ من غير شفاء، وإنما الكشف ~~يحصل بالطريق الذي سلكناه فقط، فلا ينبغي أن يكون شغفك بالكلام المعتاد ~~المشهور بل بالكلام المفيد الموضح وإن خالف المعتاد مغالطة من منكري النظر: ms061 ~~وهو أن يقول: ما تطلب بالنظر هو معلوم لك أم لا؟ فإن علمت فكيف تطلب وأنت ~~واجد؟ وإن جهلته فإذا وجدته فبم تعرف أنه مطلوبك؟ وكيف يطلب العبد الآبق من ~~لا يعرفه؟ فإنه لو وجده لم يعرف أنه مطلوبه. فنقول: أخطأت في نظم شبهتك، ~~فإن تقسيمك ليس بحاصر؛ إذ قلت تعرفه أو لا تعرفه بل ههنا قسم ثالث وهو أني ~~أعرفه من وجه وأعلمه من وجه وأجهله من وجه؛ وأعني الآن بالمعرفة غير العلم، ~~فإني أفهم مفردات أجزاء المطلوب بطريق المعرفة والتصور وأعلم جملة النتيجة ~~المطلوبة بالقوة لا بالفعل، أي في قوتي أن أقبل التصديق بها بالفعل وأجهلها ~~من وجه أي لا أعلمها بالفعل، ولو كنت أعلمها بالفعل لما طلبتها، ولو لم ~~أعلمها بالقوة لما طمعت في أن أعلمها إذ ما ليس في قوتي علمه يستحيل حصوله ~~كاجتماع الضدين، ولولا أني أفهمه بالمعرفة والتصور لأجزائه المنفردة لما ~~كنت أعلم الظفر بمطلوبي إذا وجدته، وهو كالعبد الآبق فإني أعرف ذاته ~~بالتصور وإنما أطلب مكانه وأنه في البيت أم لا، وكونه في البيت أفهمه ~~بالمعرفة والتصور، أي أفهم البيت مفردا والكون مفردا وأعلمه بالقوة أي في ~~قوتي أن أصدق بكونه في البيت وأطلب حصوله بالفعل من جهة حاسة البصر، فإذا ~~رأيته في البيت صدقت بكونه في البيت؛ فكذلك طلبي لكون العالم حادثا إذا ~~وجدته. ### | [الفصل الرابع في انقسام البرهان إلى برهان علة وبرهان دلالة] # انقسام البرهان إلى برهان علة وبرهان دلالة. # أما برهان الدلالة فهو أن يكون الأمر المتكرر في المقدمتين معلولا ~~ومسببا، فإن العلة والمعلول يتلازمان وكذلك السبب والمسبب والموجب والموجب؛ ~~فإن استدللت بالعلة على المعلول فالبرهان برهان علة، وإن استدللت بالمعلول ~~على العلة فهو برهان دلالة، وكذلك لو استدللت بأحد المعلولين على الآخر ~~ومثال قياس العلة المحسوسات أن تستدل على المطر بالغيم وعلى شبع زيد بأكله، ~~فتقول: أكل كثيرا فهو في الحال شبعان وزيد قد أكل كثيرا، فهو إذا شبعان. # وإن قلت: إن كل شبعان قد أكل كثيرا وزيد شبعان ms062 فإذا قد أكل كثيرا؛ فهذا ~~برهان دلالة، ومثاله من الكلام قولك كل فعل محكم ففاعله عالم، والعالم فعل ~~محكم فصانعه عالم. ومثال الاستدلال بإحدى النتيجتين على الأخرى في الفقه ~~قولنا: الزنا يوجب حرمة المصاهرة؛ لأن كل وطء لا يوجب المحرمية فلا يوجب ~~الحرمة، وهذا لا يوجب المحرمية فلا يوجب الحرمة فإن الحرمة والمحرمية ليست ~~إحداهما علة للأخرى بل هما نتيجتا علة واحدة، وحصول إحدى النتيجتين يدل على ~~حصول الأخرى بواسطة العلة، فإنها تلازم علتها والنتيجة # الثانية أيضا تلازم علتها وملازم الملازم ملازم لا محالة. وجميع ~~استدلالات الفراسة # PageV01P043 # من قبيل الاستدلال بإحدى النتيجتين على الأخرى، حتى إنه يستدل بخطوط حمر ~~في كتف الشاة على إراقة الدماء في تلك السنة، ويستدل بالخلق على الأخلاق؛ ~~ولا يمكن ذلك إلا بطريق تلازم النتائج الصادرة عن سبب واحد. ولنقتصر من ~~مدارك العقول على هذا القدر فإنه كالعلاوة على علم الأصول، ومن أراد مزيدا ~~عليه فليطلبه من كتاب " محك النظر " وكتاب " معيار العلم "، ولنشتغل الآن ~~بالأقطاب الأربعة التي يدور عليها علم الأصول، والحمد لله وحده، والصلاة ~~والسلام على خير خلقه محمد وآله وعلى جميع أصحابه # PageV01P044 ### | [القطب الأول في الثمرة وهي الحكم والكلام فيه ينقسم إلى فنون أربعة] ### | [الفن الأول في حقيقة الحكم] # بسم الله الرحمن الرحيم القطب الأول: في الثمرة وهي الحكم والكلام فيه ~~ينقسم إلى فنون أربعة الفن الأول: في حقيقته فن في حقيقة الحكم، وفن في ~~أقسامه، وفن في أركانه وفن فيما يظهره الفن الأول: في حقيقته ويشتمل على ~~تمهيد وثلاث مسائل. أما التمهيد فهو أن الحكم عندنا عبارة عن خطاب الشرع ~~إذا تعلق بأفعال المكلفين، فالحرام هو المقول فيه " اتركوه ولا تفعلوه "، ~~والواجب هو المقول فيه " افعلوه ولا تتركوه "، والمباح هو المقول فيه " إن ~~شئتم فافعلوه وإن شئتم فاتركوه "؛ فإن لم يوجد هذا الخطاب من الشارع فلا ~~حكم، فلهذا قلنا العقل لا يحسن ولا يقبح ولا يوجب شكر المنعم، ولا حكم ~~للأفعال قبل ورود الشرع. فلنرسم كل مسألة برأسها. مسألة: ذهبت المعتزلة إلى ms063 ~~أن الأفعال تنقسم إلى حسنة وقبيحة. # ، فمنها ما يدرك بضرورة العقل كحسن إنقاذ الغرقى والهلكى وشكر المنعم ~~ومعرفة حسن الصدق وكقبح الكفران وإيلام البريء والكذب الذي لا غرض فيه، ~~ومنها ما يدرك بنظر العقل كحسن الصدق الذي فيه ضرر وقبح الكذب الذي فيه ~~نفع، ومنها ما يدرك بالسمع كحسن الصلاة والحج وسائر العبادات؛ وزعموا أنها ~~متميزة بصفة ذاتها عن غيرها بما فيها من اللطف المانع من الفحشاء الداعي ~~إلى الطاعة لكن العقل لا يستقل بدركه، فنقول: قول القائل هذا حسن وهذا قبيح ~~لا يحس بفهم معناه ما لم يفهم معنى الحسن والقبح، فإن الاصطلاحات في إطلاق ~~لفظ الحسن والقبح مختلفة فلا بد من تلخيصها. # والاصطلاحات فيه ثلاثة: # الأول: الاصطلاح المشهور العامي. وهو أن الأفعال تنقسم إلى ما يوافق غرض ~~الفاعل، وإلى ما يخالفه وما لا يوافق ولا يخالف. فالموافق يسمى حسنا، ~~والمخالف يسمى قبيحا، والثالث يسمى عبثا وعلى هذا الاصطلاح إذا كان الفعل ~~موافقا لشخص مخالفا لآخر فهو حسن في حق من وافقه، قبيح في حق من خالفه، حتى ~~إن قتل الملك الكبير يكون حسنا في حق أعدائه قبيحا في حق أوليائه؛ وهؤلاء ~~لا يتحاشون عن تقبيح فعل الله تعالى إذا خالف غرضهم، ولذلك يسبون الدهر ~~والفلك ويقولون خرب الفلك وتعس الدهر وهم يعلمون أن الفلك مسخر ليس إليه ~~شيء؛ ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تسبوا الدهر فإن الله هو ~~الدهر» فإطلاق اسم الحسن والقبح على الأفعال عند هؤلاء كإطلاقه على الصور، ~~فمن مال طبعه إلى صورة أو صوت شخص قضى بحسنه، ومن نفر طبعه عن # PageV01P045 # شخص استقبحه. # ورب شخص ينفر عنه طبع ويميل إليه طبع فيكون حسنا في حق هذا قبيحا في حق ~~ذاك، حتى يستحسن سمرة اللون جماعة ويستقبحها جماعة، فالحسن والقبح عند ~~هؤلاء عبارة عن الموافقة والمنافرة وهما أمران إضافيان لا كالسواد والبياض ~~إذ لا يتصور أن يكون الشيء أسود في حق زيد أبيض في حق عمرو. # الاصطلاح الثاني: التعبير بالحسن عما حسنه الشرع بالثناء ms064 على فاعله، ~~فيكون فعل الله تعالى حسنا في كل حال خالف الغرض أو وافقه، ويكون المأمور ~~به شرعا - ندبا كان أو إيجابا - حسنا والمباح لا يكون حسنا. # الاصطلاح الثالث: التعبير بالحسن عن كل ما لفاعله أن يفعله، فيكون المباح ~~حسنا مع المأمورات وفعل الله يكون حسنا بكل حال. وهذه المعاني الثلاثة كلها ~~أوصاف إضافية وهي معقولة، ولا حجر على من يجعل لفظ الحسن عبارة عن شيء ~~منها، فلا مشاحة في الألفاظ. فعلى هذا إذا لم يرد الشرع لا يتميز فعل عن ~~غيره إلا بالموافقة والمخالفة، ويختلف ذلك بالإضافات ولا يكون صفة للذات. ~~فإن قيل: نحن لا ننازعكم في هذه الأمور الإضافية ولا في هذه الاصطلاحات ~~التي تواضعتم عليها، ولكن ندعي الحسن والقبح وصفا ذاتيا للحسن والقبيح ~~مدركا بضرورة العقل في بعض الأشياء كالظلم والكذب والكفران والجهل؛ ولذلك ~~لا نجوز شيئا من ذلك على الله تعالى لقبحه ونحرمه على كل عاقل قبل ورود ~~الشرع؛ لأنه قبيح لذاته، وكيف ينكر ذلك والعقلاء بأجمعهم متفقون على القضاء ~~به من غير إضافة إلى حال دون حال؟ قلنا: أنتم منازعون فيما ذكرتموه في ~~ثلاثة أمور: # أحدها في كون القبح وصفا ذاتيا. # والثاني في قولكم إن ذلك مما يعلمه العقلاء بالضرورة. # والثالث: في ظنكم أن العقلاء لو اتفقوا عليه لكان ذلك حجة مقطوعا بها ~~ودليلا على كونه ضروريا. أما الأول وهو دعوى كونه وصفا ذاتيا فهو تحكم بما ~~لا يعقل، فإن القتل عندهم قبيح لذاته بشرط أن لا تسبقه جناية ولا يعقبه عوض ~~حتى جاز إيلام البهائم وذبحها ولم يقبح من الله تعالى ذلك؛ لأنه يثيبها ~~عليه في الآخرة. # والقتل في ذاته له حقيقة واحدة لا تختلف بأن تتقدمه جناية أو تتعقبه لذة ~~إلا من حيث الإضافة إلى الفوائد والأغراض، وكذلك الكذب كيف يكون قبحه ذاتيا ~~ولو كان فيه عصمة دم نبي بإخفاء مكانه عن ظالم يقصد قتله لكان حسنا بل ~~واجبا يعصى بتركه؟ والوصف الذاتي كيف يتبدل بالإضافة إلى الأحوال؟ وأما ~~الثاني وهو كونه مدركا ms065 بالضرورة، وكيف يتصور ذلك ونحن ننازعكم فيه والضروري ~~لا ينازع فيه خلق كثير من العقلاء وقولكم إنكم مضطرون إلى المعرفة وموافقون ~~عليه ولكنكم تظنون أن مستند معرفتكم السمع كما ظن الكعبي أن مستند علمه ~~بخبر التواتر النظر، ولا يبعد التباس مدرك العلم وإنما يبعد الخلاف في نفس ~~المعرفة ولا خلاف فيها؛ قلنا: هذا كلام فاسد؛ لأنا نقول يحسن من الله تعالى ~~إيلام البهائم ولا نعتقد لها جريمة ولا ثوابا فدل أنا ننازعكم في نفس ~~العلم. # وأما الثالث فهو أنا لو سلمنا اتفاق العقلاء على هذا أيضا لم تكن فيه ~~حجة، إذ لم يسلم كونهم مضطرين إليه بل # PageV01P046 # يجوز أن يقع الاتفاق منهم على ما ليس بضروري فقد اتفق الناس على إثبات ~~الصانع وجواز بعثة الرسل ولم يخالف إلا الشواذ، فلو اتفق أن ساعدهم الشواذ ~~لم يكن ذلك ضروريا، فكذلك اتفاق الناس على هذا الاعتقاد يمكن أن يكون بعضه ~~عن دليل السمع الدال على قبح هذه الأشياء وبعضه عن تقليد مفهوم من الآخذين ~~عن السمع وبعضه عن الشبهة التي وقعت لأهل الضلال، فالتئام الاتفاق من هذه ~~الأسباب لا يدل على كونه ضروريا فلا يدل على كونه حجة لولا منع السمع عن ~~تجويز الخطأ على كافة هذه الأمة خاصة إذ لا يبعد اجتماع الكافة على الخطأ ~~عن تقليد وعن شبهة، وكيف وفي الملحدة من لا يعتقد قبح هذه الأشياء ولا حسن ~~نقائضها، فكيف يدعى اتفاق العقلاء؟ احتجوا بأنا نعلم قطعا أن من استوى عنده ~~الصدق والكذب آثر الصدق ومال إليه إن كان عاقلا وليس ذلك إلا لحسنه، وإن ~~الملك العظيم المستولي على الأقاليم إذا رأى ضعيفا مشرفا على الهلاك يميل ~~إلى إنقاذه وإن كان لا يعتقد أصل الدين لينتظر ثوابا ولا ينتظر منه أيضا ~~مجازاة وشكرا، ولا يوافق ذلك أيضا غرضه بل ربما يتعب به بل يحكم العقلاء ~~بحسن الصبر على السيف إذا أكره على كلمة الكفر أو على إفشاء السر ونقض ~~العهد وهو على خلاف غرض المكره وعلى الجملة استحسان مكارم ms066 الأخلاق وإفاضة ~~النعم مما لا ينكره عاقل إلا عن عناد. # والجواب أنا لا ننكر اشتهار هذه القضايا بين الخلق وكونها محمودة مشهورة، ~~ولكن مستندها إما التدين بالشرائع وإما الأغراض؛ ونحن إنما ننكر هذا في حق ~~الله تعالى لانتفاء الأغراض عنه، فأما إطلاق الناس هذه الألفاظ فيما يدور ~~بينهم فيستمر من الأغراض ولكن قد تدق الأغراض وتخفى فلا ينتبه لها إلا ~~المحققون؛ ونحن ننبه على مثارات الغلط فيه وهي ثلاث مثارات يغلط الوهم فيها # الأولى: أن الإنسان يطلق اسم القبح على من يخالف غرضه وإن كان يوافق غرض ~~غيره من حيث إنه لا يلتفت إلى الغير، فإن كل طبع مشغوف بنفسه ومستحقر لغيره ~~فيقضي بالقبح مطلقا. # وربما يضيف القبح إلى ذات الشيء ويقول: هو بنفسه قبيح، فيكون قد قضى ~~بثلاثة أمور هو مصيب في واحد منها وهو أصل الاستقباح ومخطئ في أمرين # أحدهما إضافة القبح إلى ذاته، إذ غفل. عن كونه قبيحا لمخالفة غرضه. # والثاني حكمه بالقبح مطلقا، ومنشؤه عدم الالتفات إلى غيره بل عدم ~~الالتفات إلى بعض أحوال نفسه، فإنه قد يستحسن في بعض الأحوال عين ما ~~يستقبحه إذا اختلف الغرض. # الغلطة الثانية: أن ما هو مخالف للغرض في جميع الأحوال إلا في حالة واحدة ~~نادرة قد لا يلتفت الوهم إلى تلك الحالة النادرة بل لا يخطر بالبال فيراه ~~مخالفا في كل الأحوال، فيقضي بالقبح مطلقا لاستيلاء أحوال قبحه على قلبه ~~وذهاب الحالة النادرة عن ذكره، كحكمه على الكذب بأنه قبيح مطلقا وغفلته عن ~~الكذب الذي تستفاد به عصمة دم نبي أو ولي. # وإذا قضى بالقبح مطلقا واستمر عليه مدة وتكرر ذلك على سمعه ولسانه انغرس ~~في نفسه استقباح منفر، فلو وقعت تلك الحالة النادرة وجد في نفسه نفرة عنه ~~لطول نشوه على الاستقباح فإنه ألقي إليه منذ الصبا على سبيل التأديب ~~والإرشاد أن الكذب قبيح لا ينبغي أن يقدم عليه # PageV01P047 # أحد، ولا ينبه على حسنه في بعض الأحوال خيفة من أن لا تستحكم نفرته عن ~~الكذب فيقدم عليه وهو ms067 قبيح في أكثر الأحوال، والسماع في الصغر كالنقش في ~~الحجر، فينغرس في النفس ويحن إلى التصديق به مطلقا وهو صدق لكن لا على ~~الإطلاق بل في أكثر الأحوال؛ وإذا لم يكن في ذكره إلا أكثر الأحوال فهو ~~بالإضافة إليه كل الأحوال فلذلك يعتقده مطلقا. # الغلطة الثالثة: سببها سبق الوهم إلى العكس، فإن ما يرى مقرونا بالشيء ~~يظن أن الشيء أيضا - لا محالة - مقرون به مطلقا ولا يدري أن الأخص أبدا ~~مقرون بالأعم والأعم لا يلزم أن يكون مقرونا بالأخص ومثاله نفرة نفس السليم ~~وهو الذي نهشته الحية عن الحبل المبرقش اللون؛ لأنه وجد الأذى مقرونا بهذه ~~الصورة فتوهم أن هذه الصورة مقرونة بالأذى، وكذلك تنفر النفس عن العسل إذا ~~شبه بالعذرة؛ لأنه وجد الأذى والاستقذار مقرونا بالرطب الأصفر فتوهم أن ~~الرطب الأصفر مقرون به الاستقذار، ويغلب الوهم حتى يتعذر الأكل وإن حكم ~~العقل يكذب الوهم؛ لكن خلقت قوى النفس مطيعة للأوهام وإن كانت كاذبة حتى إن ~~الطبع لينفر عن حسناء سميت باسم اليهود، إذ وجد الاسم مقرونا بالقبح فظن أن ~~القبح أيضا ملازم للاسم؛ ولذا تورد على بعض العوام مسألة عقلية جليلة ~~فيقبلها، فإذا قلت هذا مذهب الأشعري أو الحنبلي أو المعتزلي نفر عنه إن كان ~~يسيء الاعتقاد فيمن نسبته إليه. # وليس هذا طبع العامي خاصة بل طبع أكثر العقلاء المتسمين بالعلوم إلا ~~العلماء الراسخين الذين أراهم الله الحق حقا وقواهم على اتباعه. وأكثر ~~الخلق قوى نفوسهم مطيعة للأوهام الكاذبة مع علمهم بكذبها، وأكثر إقدام ~~الخلق وإحجامهم بسبب هذه الأوهام، فإن الوهم عظيم الاستيلاء على النفس؛ ~~ولذلك ينفر طبع الإنسان عن المبيت في بيت فيه ميت مع قطعه بأنه لا يتحرك ~~ولكنه كأنه يتوهم في كل ساعة حركته ونطقه فإذا تنبهت لهذه المثارات فنرجع ~~ونقول: إنما يترجح الإنقاذ على الإهمال في حق من لا يعتقد الشرائع لدفع ~~الأذى الذي يلحق الإنسان من رقة الجنسية وهو طبع يستحيل الانفكاك عنه، ~~وسببه أن الإنسان يقدر نفسه في تلك البلية ويقدر غيره معرضا ms068 عنه وعن إنقاذه ~~فيستقبحه منه بمخالفة غرضه، فيعود ويقدر ذلك الاستقباح من المشرف على ~~الهلاك في حق نفسه فيدفع عن نفسه ذلك القبح المتوهم. # فإن فرض في بهيمة أو في شخص لا رقة فيه فهو بعيد تصوره، ولو تصور فيبقى ~~أمر آخر وهو طلب الثناء على إحسانه، فإن فرض حيث لا يعلم أنه المنقذ فيتوقع ~~أن يعلم فيكون ذلك التوقع باعثا، فإن فرض في موضع يستحيل أن يعلم فيبقى ميل ~~النفس وترجح يضاهي نفرة طبع السليم عن الحبل المبرقش؛ وذلك أنه رأى هذه ~~الصورة مقرونة بالثناء فظن أن الثناء مقرون بها بكل حال، كما أنه لما رأى ~~الأذى مقرونا بصورة الحبل وطبعه ينفر عن الأذى فنفر عن المقرون بالأذى ~~فالمقرون باللذيذ لذيذ والمقرون بالمكروه مكروه، بل الإنسان إذا جالس من ~~عشقه في مكان فإذا انتهى إليه أحس في نفسه تفرقة بين ذلك المكان وغيره؛ ~~ولذلك قال الشاعر: # أمر على الديار ديار ليلى ... أقبل ذا الجدار وذا الجدارا # وما تلك الديار شغفن قلبي ... ولكن حب من سكن الديارا # PageV01P048 # وقال ابن الرومي منبها على سبب حب الأوطان: # وحبب أوطان الرجال إليهم ... مآرب قضاها الشباب هنالكا # إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم ... عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا # وشواهد ذلك مما يكثر وكل ذلك من حكم الوهم. # وأما الصبر على السيف في ترك كلمة الكفر مع طمأنينة النفس فلا يستحسنه ~~جميع العقلاء لولا الشرع، بل ربما استقبحوه؛ وإنما استحسنه من ينتظر الثواب ~~على الصبر أو من ينتظر الثناء عليه بالشجاعة والصلابة في الدين، وكم من ~~شجاع يركب متن الخطر ويتهجم على عدد هم أكثر منه وهو يعلم أنه لا يطيقهم ~~ويستحقر ما يناله من الألم لما يعتاضه من توهم الثناء والحمد ولو بعد موته. ~~وكذلك إخفاء السر وحفظ العهد إنما تواصى الناس بهما لما فيهما من المصالح ~~وأكثروا الثناء عليهما، فمن يحتمل الضرر فيه فإنما يحتمله لأجل الثناء، فإن ~~فرض حيث لا ثناء فقد وجد مقرونا بالثناء فيبقى ميل الوهم إلى المقرون ~~باللذيذ وإن كان خاليا ms069 عنه فإن فرض من لا يستولي عليه هذا الوهم ولا ينتظر ~~الثواب والثناء فهو مستقبح للسعي في هلاك نفسه بغير فائدة ويستحمق من يفعل ~~ذاك قطعا، فمن يسلم أن مثل هذا يؤثر الهلاك على الحياة وعلى هذا يجري ~~الجواب عن الكذب وعن جميع ما يفرضونه. # ثم نقول: نحن لا ننكر أن أهل العادة يستقبح بعضهم من بعض الظلم والكذب، ~~وإنما الكلام في القبح والحسن بالإضافة إلى الله تعالى، ومن قضى به فمستنده ~~قياس الغائب على الشاهد وكيف يقيس والسيد لو ترك عبيده وإماءه وبعضهم يموج ~~في بعض ويرتكبون الفواحش وهو مطلع عليهم وقادر على منعهم لقبح منه، وقد فعل ~~الله تعالى ذلك بعباده ولم يقبح منه. وقولهم: إنه تركهم لينزجروا بأنفسهم ~~فيستحقوا الثواب هوس؛ لأنه علم أنهم لا ينزجرون فليمنعهم قهرا، فكم من ~~ممنوع عن الفواحش بعنة أو عجز، وذلك أحسن من تمكينهم مع العلم لأنهم لا ~~ينزجرون. ### | [مسألة شكر المنعم] # مسألة: لا يجب شكر المنعم عقلا لا يجب شكر المنعم عقلا خلافا للمعتزلة. # ودليله أن لا معنى للواجب إلا ما أوجبه الله تعالى وأمر به وتوعد بالعقاب ~~على تركه، فإذا لم يرد خطاب فأي معنى للوجوب؟ ثم تحقيق القول فيه أن العقل ~~لا يخلو إما أن يوجب ذلك لفائدة أو لا لفائدة، ومحال أن يوجب لا لفائدة فإن ~~ذلك عبث وسفه وإن كان لفائدة فلا يخلو إما أن ترجع إلى المعبود وهو محال إذ ~~يتعالى ويتقدس عن الأغراض، أو إلى العبد وذلك لا يخلو إما أن تكون في ~~الدنيا أو في الآخرة، ولا فائدة له في الآخرة بل يتعب بالنظر والفكر ~~والمعرفة والشكر ويحرم به عن الشهوات واللذات، ولا فائدة له في الآخرة فإن ~~الثواب تفضل من الله يعرف بوعده وخبره فإذا لم يخبر عنه فمن أين يعلم أنه ~~يثاب عليه؟ فإن قيل: يخطر له أنه إن كفر وأعرض ربما يعاقب والعقل يدعو إلى ~~سلوك طريق الأمن. # قلنا: لا بل العقل يعرف طريق الأمن ثم الطبع يستحث على سلوكه، ms070 إذ كل ~~إنسان مجبول على حب نفسه وعلى كراهة الألم فقد غلطتم في قولكم إن العقل داع ~~بل العقل هاد والبواعث والدواعي تنبعث من النفس تابعة لحكم العقل، وغلطتم ~~أيضا في قولكم إنه يثاب على جانب الشكر والمعرفة خاصة؛ لأن هذا الخاطر ~~مستنده توهم غرض في جانب الشكر يتميز به عن الكفر وهما متساويان بالإضافة ~~إلى # PageV01P049 # جلال الله تعالى، بل إن فتح باب الأوهام فربما يخطر له أن الله يعاقبه لو ~~شكره ونظر فيه لأنه أمده بأسباب النعم فلعله خلقه ليترفه وليتمتع، فإتعابه ~~نفسه تصرف في مملكته بغير إذنه. # ولهم شبهتان إحداهما قولهم: اتفاق العقلاء على حسن الشكر وقبح الكفران لا ~~سبيل إلى إنكاره. وذلك مسلم لكن في حقهم؛ لأنهم يهتزون ويرتاحون للشكر ~~ويغتمون بالكفران، والرب تعالى يستوي في حقه الأمران فالمعصية والطاعة في ~~حقه سيان؛ ويشهد له أمران # أحدهما: أن المتقرب إلى السلطان بتحريك أنملته في زاوية بيته وحجرته ~~مستهين بنفسه وعبادة العباد بالنسبة إلى جلال الله دونه في الرتبة. # والثاني: أن من تصدق عليه السلطان بكسرة خبز في مخمصة فأخذ يدور في ~~البلاد وينادي على رءوس الأشهاد بشكره كان ذلك بالنسبة إلى الملك قبيحا ~~وافتضاحا. وجملة نعم الله تعالى على عباده بالنسبة إلى مقدوراته دون ذلك ~~بالنسبة إلى خزائن الملك؛ لأن خزانة الملك تفنى بأمثال تلك الكثرة لتناهيها ~~ومقدورات الله تعالى لا تتناهى بأضعاف ما أفاضه على عبده. # الشبهة الثانية: قولهم حصر مدارك الوجوب في الشرع يفضي إلى إفحام الرسل، ~~فإنهم إذا أظهروا المعجزات قال لهم المدعون لا يجب علينا النظر في معجزاتكم ~~إلا بالشرع، ولا يستقر الشرع إلا بنظرنا في معجزاتكم، فثبتوا علينا وجوب ~~النظر حتى ننظر ولا نقدر على ذلك ما لم ننظر فيؤدي إلى الدور. # والجواب من وجهين أحدهما: من حيث التحقيق، وهو أنكم غلطتم في ظنكم بنا ~~أنا نقول استقرار الشرع موقوف على نظر الناظرين، بل إذا بعث الرسول وأيد ~~بمعجزته بحيث يحصل بها إمكان المعرفة لو نظر العاقل فيها فقد ثبت الشرع ~~واستقر ms071 ورود الخطاب بإيجاب النظر، إذ لا معنى للواجب إلا ما ترجح فعله على ~~تركه بدفع ضرر معلوم أو موهوم، فمعنى الوجوب رجحان الفعل على الترك والموجب ~~هو المرجح والله تعالى هو المرجح وهو الذي عرف رسوله وأمره أن يعرف الناس ~~أن الكفر سم مهلك والمعصية داء والطاعة شفاء؛ فالمرجح هو الله تعالى، ~~والرسول هو المخبر، والمعجزة سبب يمكن العاقل من التوصل إلى معرفة الترجيح، ~~والعقل هو الآلة التي بها يعرف صدق المخبر عن الترجيح، والطبع المجبول على ~~التألم بالعذاب والتلذذ بالثواب هو الباعث المستحث على الحذر من الضرر. ~~وبعد ورود الخطاب حصل الإيجاب الذي هو الترجيح، وبالتأييد بالمعجزة حصل ~~الإمكان في حق العاقل الناظر إذ قدر به على معرفة الرجحان، فقوله: لا أنظر ~~ما لم أعرف ولا أعرف ما لم أنظر، مثاله ما لو قال الأب لوالده: التفت فإن ~~وراءك سبعا عاديا هو ذا يهجم عليك إن غفلت عنه، فيقول: لا ألتفت ما لم أعرف ~~وجوب الالتفات ولا يجب الالتفات ما لم أعرف السبع ولا أعرف السبع ما لم ~~ألتفت، فيقول له: لا جرم تهلك بترك الالتفات وأنت غير معذور لأنك قادر على ~~الالتفات وترك العناد. # فكذلك النبي يقول: الموت وراءك ودونه الهوام المؤذية والعذاب الأليم إن ~~تركت الإيمان والطاعة، وتعرف ذلك بأدنى نظر في معجزتي، فإن نظرت وأطعت نجوت ~~وإن غفلت وأعرضت فالله تعالى غني عنك وعن عملك، وإنما أضررت بنفسك. فهذا ~~أمر معقول لا تناقض فيه # الجواب الثاني: المقابلة بمذهبهم فإنهم قضوا بأن العقل هو الموجب، وليس ~~يوجب بجوهره إيجابا ضروريا لا ينفك منه أحد، إذ لو كان # PageV01P050 # كذلك لم يخل عقل عاقل عن معرفة الوجوب، بل لا بد من تأمل ونظر، ولو لم ~~ينظر لم يعرف وجوب النظر، وإذا لم يعرف وجوب النظر فلا ينظر، فيؤدي أيضا ~~إلى الدور كما سبق فإن قيل: العاقل لا يخلو عن خاطرين يخطران له أحدهما: ~~أنه إن نظر وشكر أثيب، والثاني: أنه إن ترك النظر عوقب، فيلوح له على القرب ~~وجوب ms072 سلوك طريق الأمن. # قلنا: كم من عاقل انقضى عليه الدهر ولم يخطر له هذا الخاطر، بل قد يخطر ~~له أنه لا يتميز في حق الله تعالى أحدهما عن الآخر فكيف أعذب نفسي بلا ~~فائدة ترجع إلي ولا إلى المعبود؟ ثم إن كان عدم الخلو عن الخاطر بعد إنذار ~~النبي وتحذيره، ونحن لا ننكر أن الإنسان إذا استشعر المخافة استحثه طبعه ~~على الاحتراز، فإن الاستشعار إنما يكون بالتأمل الصادر عن العقل. فإن سمى ~~مسم معترف الوجوب موجبا فقد تجوز في الكلام، بل الحق الذي لا مجاز فيه أن ~~الله موجب أي: مرجح على الترك والنبي مخبر والعقل معرف والطبع باعث ~~والمعجزة ممكنة من التعريف، والله تعالى أعلم. ### | [مسألة الأفعال قبل ورود الشرع على الإباحة] # ذهب جماعة من المعتزلة إلى أن الأفعال قبل ورود الشرع على الإباحة # وقال بعضهم على الحظر وقال بعضهم على الوقف. ولعلهم أرادوا بذلك فيما لا ~~يقضي العقل فيه بتحسين ولا تقبيح ضرورة أو نظرا كما فصلناه من مذهبهم. وهذه ~~المذاهب كلها باطلة، أما إبطال مذهب الإباحة فهو أنا نقول: المباح يستدعي ~~مبيحا كما يستدعي العلم والذكر ذاكرا وعالما. والمبيح هو الله تعالى إذ خير ~~بين الفعل والترك بخطابه، فإذا لم يكن خطاب لم يكن تخيير فلم تكن إباحة. ~~وإن عنوا بكونه مباحا أنه لا حرج في فعله ولا تركه فقد أصابوا في المعنى ~~وأخطئوا في اللفظ؛ فإن فعل البهيمة والصبي والمجنون لا يوصف بكونه مباحا ~~وإن لم يكن في فعلهم وتركهم حرج. # والأفعال في حق الله تعالى، أعني ما يصدر من الله، لا توصف بأنها مباحة ~~ولا حرج عليه في تركها؛ لكنه متى انتفى التخيير من المخير انتفت الإباحة، ~~فإن استجرأ مستجرئ على إطلاق اسم المباح على أفعال الله تعالى ولم يرد به ~~إلا نفي الحرج فقد أصاب في المعنى، وإن كان لفظه مستكرها. فإن قيل: العقل ~~هو المبيح لأنه خير بين فعله وتركه إذ حرم القبيح وأوجب الحسن وخير فيما ~~ليس بحسن ولا قبيح. # قلنا تحسين ms073 العقل قد أبطلناه وهذا مبني عليه فيبطل، ثم تسمية العقل مبيحا ~~مجاز كتسميته موجبا، فإن العقل يعرف الترجيح ويعرف انتفاء الترجيح ويكون ~~معنى وجوبه رجحان فعله على تركه والعقل يعرف ذلك، ومعنى كونه مباحا انتفاء ~~الترجيح، والعقل معرف لا مبيح فإنه ليس بمرجح، ولا مسو، لكنه معرف للرجحان ~~والاستواء. ثم نقول: بم تنكرون على أصحاب الوقف إذا أنكروا استواء الفعل ~~والترك وقالوا ما من فعل مما لا يحسنه العقل ولا يقبحه إلا ويجوز أن يرد ~~الشرع بإيجابه، فيدل على أنه متميز بوصف ذاتي لأجله يكون لطفا ناهيا عن ~~الفحشاء داعيا إلى العبادة ولذلك أوجبه الله تعالى، والعقل لا يستقل بدركه ~~ويجوز أن يرد الشرع بتحريمه، فيدل على أنه متميز بوصف ذاتي يدعو بسببه إلى ~~الفحشاء لا يدركه العقل وقد استأثر الله بعلمه؟ هذا مذهبهم. # ثم يقولون: بم تنكرون على أصحاب الحظر إذ قالوا لا نسلم استواء الفعل ~~وتركه، فإن التصرف في ملك الغير بغير إذنه قبيح، والله # PageV01P051 # تعالى هو المالك ولم يأذن؟ فإن قيل لو كان قبيحا لنهي عنه وورد السمع به، ~~فعدم ورود السمع دليل على انتفاء قبحه. قلنا لو كان حسنا لأذن فيه وورد ~~السمع به، فعدم ورود السمع به دليل على انتفاء حسنه فإن قيل: إذا أعلمنا ~~الله تعالى أنه نافع ولا ضرر فيه فقد أذن فيه. # قلنا: فإعلام المالك إيانا أن طعامه نافع لا ضرر فيه ينبغي أن يكون إذنا. ~~فإن قيل الملك منا يتضرر والله لا يتضرر فالتصرف في مخلوقاته بالإضافة إليه ~~يجري مجرى التصرف في مرآة الإنسان بالنظر فيها وفي حائطه بالاستظلال به وفي ~~سراجه بالاستضاءة به قلنا لو كان قبح التصرف في ملك الغير لتضرره لا لعدم ~~إذنه لقبح وإن أذن إذا كان متضررا، كيف ومنع المالك من المرآة والظل ~~والاستضاءة بالسراج قبيح، وقد منع الله عباده من جملة من المأكولات ولم ~~يقبح؟ فإن كان ذلك لضرر العبد فما من فعل إلا ويتصور أن يكون فيه ضرر خفي ~~لا يدركه العقل ويرد التوقيف ms074 بالنهي عنه. # ثم نقول: قولكم إنه إذا كان لا يتضرر الباري بتصرفنا فيباح، فلم قلتم ~~ذلك؟ فإن نقل مرآة الغير من موضع إلى موضع وإن كان لا يتضرر به صاحبها ~~يحرم، وإنما يباح النظر؛ لأن النظر ليس تصرفا في المرآة كما أن النظر إلى ~~الله تعالى وإلى السماء ليس تصرفا في المنظور، ولا في الاستظلال تصرف في ~~الحائط ولا في الاستضاءة تصرف في السراج، فلو تصرف في نفس هذه الأشياء ربما ~~يقضي بتحريمه إلا إذا دل السمع على جوازه. # فإن قيل: خلق الله تعالى الطعوم فيها والذوق دليل على أنه أراد انتفاعنا ~~بها فقد كان قادرا على خلقها عارية عن الطعوم قلنا: الأشعرية وأكثر ~~المعتزلة مطبقون على استحالة خلوها عن الأعراض التي هي قابلة لها فلا ~~يستقيم ذلك وإن سلم، فلعله خلقها لا لينتفع بها أحد بل خلق العالم بأسره لا ~~لعلة، أو لعله خلقها ليدرك ثواب اجتنابها مع الشهوة كما يثاب على ترك ~~القبائح المشتهاة وأما مذهب أصحاب الحظر فأظهر بطلانا إذ لا يعرف حظرها ~~بضرورة العقل ولا بدليله؛ ومعنى الحظر ترجيح جانب الترك على جانب الفعل ~~لتعلق ضرر بجانب الفعل، فمن أين يعلم ذلك ولم يرد سمع والعقل لا يقضي به بل ~~ربما يتضرر بترك اللذات عاجلا؟ فكيف يصير تركها أولى من فعلها؟ وقولهم إنه ~~تصرف في ملك الغير بغير إذنه وهو قبيح فاسد؛ لأنا لا نسلم قبح ذلك لولا ~~تحريم الشرع ونهيه ولو حكم فيه العادة فذلك يقبح في حق من تضرر بالتصرف في ~~ملكه، بل القبيح المنع مما لا ضرر فيه. # ثم قد بينا أن حقيقة درك القبح ترجع إلى مخالفة الغرض وأن ذلك لا حقيقة ~~له. وأما مذهب الوقف إن أرادوا به أن الحكم موقوف قبل ورود السمع ولا حكم ~~في الحال فصحيح، إذ معنى الحكم الخطاب ولا خطاب قبل ورود السمع؛ وإن أريد ~~به أنا نتوقف فلا ندري أنها محظورة أو مباحة فهو خطأ لأنا ندري أنه لا حظر، ~~إذ معنى الحظر قول الله ms075 تعالى لا تفعلوه، ولا إباحة إذ معنى الإباحة قوله ~~إن شئتم فافعلوه وإن شئتم فاتركوه ولم يرد شيء من ذلك. ### | [الفن الثاني في أقسام الأحكام] # ويشتمل على تمهيد ومسائل خمس عشرة: أما التمهيد فإن أقسام الأحكام ~~الثابتة لأفعال المكلفين خمسة: الواجب والمحظور والمباح والمندوب والمكروه. ~~ووجه هذه القسمة أن خطاب الشرع إما أن يرد باقتضاء الفعل # PageV01P052 # أو اقتضاء الترك أو التخيير بين الفعل والترك، فإن ورد باقتضاء الفعل فهو ~~أمر، فإما أن يقترن به الإشعار بعقاب على الترك فيكون واجبا أو لا يقترن ~~فيكون ندبا. # والذي ورد باقتضاء الترك، فإن أشعر بالعقاب على الفعل فحظر وإلا فكراهية، ~~وإن ورد بالتخيير فهو مباح. ولا بد من ذكر حد كل واحد على الرسم؛ فأما حد ~~الواجب فقد ذكرنا طرفا منه في مقدمة الكتاب؛ نذكر الآن ما قيل فيه، فقال ~~قوم: إنه الذي يعاقب على تركه. فاعترض عليه بأن الواجب قد يعفى عن العقوبة ~~على تركه ولا يخرج عن كونه واجبا؛ لأن الوجوب ناجز والعقاب منتظر. وقيل: ما ~~توعد بالعقاب على تركه. فاعترض عليه بأنه لو توعد لوجب تحقيق الوعيد، فإن ~~كلام الله تعالى صدق ويتصور أن يعفى عنه ولا يعاقب. وقيل: ما يخاف العقاب ~~على تركه. وذلك يبطل بالمشكوك في تحريمه ووجوبه فإنه ليس بواجب ويخاف ~~العقاب على تركه وقال القاضي أبو بكر: - رحمه الله - الأولى في حده أن يقال ~~هو الذي يذم تاركه ويلام شرعا بوجه ما؛ لأن الذم أمر ناجز والعقوبة مشكوك ~~فيها. وقوله " بوجه ما " قصد أن يشمل الواجب المخير، فإنه يلام على تركه مع ~~بدله والواجب الموسع فإنه يلام على تركه مع ترك العزم على امتثاله. # فإن قيل: فهل من فرق بين الواجب والفرض؟ قلنا: لا فرق عندنا بينهما بل ~~هما من الألفاظ المترادفة كالحتم واللازم وأصحاب أبي حنيفة اصطلحوا على ~~تخصيص اسم الفرض بما يقطع بوجوبه وتخصيص اسم الواجب بما لا يدرك إلا ظنا، ~~ونحن لا ننكر انقسام الواجب إلى مقطوع ومظنون ولا حجر في الاصطلاحات بعد ms076 ~~فهم المعاني. وقد قال القاضي لو أوجب الله علينا شيئا ولم يتوعد بعقاب على ~~تركه لوجب، فالوجوب إنما هو بإيجابه لا بالعقاب. # وهذا فيه نظر؛ لأن ما استوى فعله وتركه في حقنا فلا معنى لوصفه بالوجوب، ~~إذ لا نعقل وجوبا إلا أن يترجح فعله على تركه بالإضافة إلى أغراضنا، فإذا ~~انتفى الترجيح فلا معنى للوجوب أصلا، وإذا عرفت حد الواجب فالمحظور في ~~مقابلته ولا يخفى حده. وأما حد المباح فقد قيل فيه: ما كان تركه وفعله ~~سيين، ويبطل بفعل الطفل والمجنون والبهيمة، ويبطل بفعل الله تعالى، وكثير ~~من أفعاله يساوي الترك في حقنا وهما في حق الله تعالى أبدا سيان، وكذلك ~~الأفعال قبل ورود الشرع تساوي الترك ولا يسمى شيء من ذلك مباحا، بل حده أنه ~~الذي ورد الإذن من الله تعالى بفعله وتركه غير مقرون بذم فاعله ومدحه ولا ~~بذم تاركه ومدحه. ويمكن أن يحد بأنه الذي عرف الشرع أنه لا ضرر عليه في ~~تركه ولا فعله ولا نفع من حيث فعله وتركه؛ احترازا عما إذا ترك المباح ~~بمعصية فإنه يتضرر لا من حيث ترك المباح بل من حيث ارتكاب المعصية. وأما حد ~~الندب فقيل فيه: إنه الذي فعله خير من تركه من غير ذم يلحق بتركه. ويرد ~~عليه الأكل قبل ورود الشرع، فإنه خير من تركه لما فيه من اللذة وبقاء ~~الحياة. قالت القدرية: هو الذي إذا فعله فاعله استحق المدح ولا يستحق الذم ~~بتركه. ويرد عليه فعل الله تعالى فإنه لا يسمى ندبا مع أنه يمدح على كل فعل ~~ولا يذم، فالأصح في حده أنه المأمور به الذي لا يلحق الذم بتركه من حيث هو ~~ترك له من غير حاجة إلى بدل احترازا عن الواجب المخير والموسع. # وأما المكروه فهو لفظ مشترك في عرف الفقهاء بين معان # أحدها: المحظور، فكثيرا ما يقول الشافعي - رحمه الله - " وأكره كذا " # PageV01P053 # وهو يريد التحريم # الثاني: ما نهي عنه نهي تنزيه، وهو الذي أشعر بأن تركه خير من فعله وإن ~~لم يكن ms077 عليه عقاب كما أن الندب هو الذي أشعر بأن فعله خير من تركه # الثالث: ترك ما هو الأولى وإن لم ينه عنه، كترك صلاة الضحى مثلا لا لنهي ~~ورد عنه ولكن لكثرة فضله وثوابه قيل: فيه إنه مكروه تركه. # الرابع: ما وقعت الريبة والشبهة في تحريمه كلحم السبع وقليل النبيذ. وهذا ~~فيه نظر؛ لأن من أداه اجتهاده إلى تحريمه فهو عليه حرام ومن أداه اجتهاده ~~إلى حله فلا معنى للكراهية فيه إلا إذا كان من شبهة الخصم حزازة في نفسه ~~ووقع في قلبه فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «الإثم حزاز القلب» فلا يقبح ~~إطلاق لفظ الكراهة لما فيه من خوف التحريم وإن كان غالب الظن الحل. # ويتجه هذا على مذهب من يقول المصيب واحد، فأما من صوب كل مجتهد فالحل ~~عنده مقطوع به إذا غلب على ظنه الحل. وإذ فرغنا من تمهيد الأقسام فلنذكر ~~المسائل المتشعبة عنها. ### | [مسألة الواجب ينقسم إلى معين وإلى مبهم بين أقسام محصورة] # الواجب ينقسم إلى معين وإلى مبهم بين أقسام محصورة # ويسمى واجبا مخيرا كخصلة من خصال الكفارة، فإن الواجب من جملتها واحد لا ~~بعينه. وأنكرت المعتزلة ذلك وقالوا: لا معنى للإيجاب مع التخيير فإنهما ~~متناقضان، ونحن ندعي أن ذلك جائز عقلا، وواقع شرعا أما دليل جوازه عقلا فهو ~~أن السيد إذا قال لعبده: أوجبت عليك خياطة هذا القميص أو بناء هذا الحائط ~~في هذا اليوم أيهما فعلت اكتفيت به وأثبتك عليه، وإن تركت الجميع عاقبتك ~~ولست أوجب الجميع وإنما أوجب واحدا لا بعينه أي واحد أردت، فهذا كلام ~~معقول. # ولا يمكن أن يقال إنه لم يوجب عليه شيئا؛ لأنه عرضه للعقاب بترك الجميع ~~فلا ينفك عن الوجوب، ولا يمكن أن يقال أوجب واحدا لا بعينه. وأما دليل ~~وقوعه شرعا فخصال الكفارة، بل إيجاب إعتاق الرقبة فإنه بالإضافة إلى أعيان ~~العبيد مخير، وكذلك تزويج البكر الطالبة للنكاح من أحد الكفؤين الخاطبين ~~واجب ولا سبيل إلى إيجاب الجمع، وكذلك عقد الإمامة لأحد الإمامين الصالحين ~~للإمامة ms078 واجب والجمع محال. # فإن قيل: الواجب جميع خصال الكفارة فلو تركها عوقب على الجميع، ولو أتى ~~بجميعها وقع الجميع واجبا، ولو أتى بواحد سقط عنه الآخر وقد يسقط الواجب ~~بأسباب دون الأداء وذلك غير محال. # قلنا: هذا لا يطرد في الإمامين والكفؤين فإن الجمع فيه حرام فكيف يكون ~~الكل واجبا؟ ثم هو خلاف الإجماع في خصال الكفارة إذ الأمة مجمعة على أن ~~الجميع غير واجب، واحتجوا بأن الخصال الثلاثة إن كانت متساوية الصفات عند ~~الله تعالى بالإضافة إلى صلاح العبد، فينبغي أن يجب الجميع تسوية بين ~~المتساويات وأن تميز بعضها بوصف يقتضي الإيجاب، فينبغي أن يكون هو الواجب ~~ولا يجعل مبهما بغيره كي لا يلتبس بغيره قلنا: ومن سلم لكم أن للأفعال ~~أوصافا في ذواتها لأجلها يوجبها الله تعالى؟ بل الإيجاب إليه وله أن يعين ~~واحدة من الثلاث المتساويات فيخصصها بالإيجاب دون غيرها وله أن يوجب واحدا ~~لا بعينه ويجعل مناط التعيين اختيار المكلف لفعله حتى لا يتعذر عليه ~~الامتثال احتجوا بأن الواجب هو الذي يتعلق به الإيجاب، وإذا كان الواجب ~~واحدا من الخصال الثلاث علم الله تعالى ما تعلق به الإيجاب فيتميز ذلك في ~~علمه فكان هو الواجب قلنا: إذا أوجب واحدا لا بعينه # PageV01P054 # فإنا نعلمه غير معين، ولو خاطب السيد عبده بأني أوجبت عليك الخياطة أو ~~البناء فكيف يعلمه الله تعالى ولا يعلمه إلا على ما هو عليه من نعته، ونعته ~~أنه غير معين فيعلمه غير معين كما هو عليه. # وهذا التحقيق وهو أن الواجب ليس له وصف ذاتي من تعلق الإيجاب به، وإنما ~~هو إضافة إلى الخطاب والخطاب بحسب النطق والذكر وخلق السواد في أحد الجسمين ~~لا بعينه وخلق العلم في أحد الشخصين لا بعينه غير ممكن؛ فأما ذكر واحد من ~~اثنين لا على التعيين فممكن، كمن يقول لزوجتيه: إحداكما طالق، فالإيجاب قول ~~يتبع النطق. فإن قيل: الموجب طالب ومطلوبه لا بد أن يتميز عنده. # قلنا: يجوز أن يكون طلبه متعلقا بأحد أمرين، كما تقول المرأة: زوجني ms079 من ~~أحد الخاطبين أيهما كان وأعتق رقبة من هذه الرقاب أيها كانت وبايع أحد هذين ~~الإمامين أيهما كان؛ فيكون المطلوب أحدهما لا بعينه وكل ما تصور طلبه تصور ~~إيجابه. # فإن قيل: إن الله سبحانه يعلم ما سيأتي به المكلف ويتأدى به الواجب فيكون ~~معينا في علم الله تعالى. قلنا: يعلمه الله تعالى غير معين ثم يعلم أنه ~~يتعين بفعله ما لم يكن متعينا قبل فعله، ثم لو أتى بالجميع أو لم يأت ~~بالجميع فكيف يتعين واحد في علم الله تعالى؟ فإن قيل: فلم لا يجوز أن يوجب ~~على أحد شخصين لا بعينه؟ ولم قلتم بأن فرض الكفاية على الجميع مع أن الوجوب ~~يسقط بفعل واحد؟ قلنا: لأن الوجوب يتحقق بالعقاب، ولا يمكن عقاب أحد ~~الشخصين لا بعينه، ويجوز أن يقال إنه يعاقب على أحد الفعلين لا بعينه. ### | [مسألة الواجب ينقسم بالإضافة إلى الوقت إلى مضيق وموسع] # الواجب ينقسم بالإضافة إلى الوقت إلى مضيق وموسع # وقال قوم: التوسع يناقض الوجوب وهو باطل عقلا وشرعا؛ أما العقل فإن السيد ~~إذا قال لعبده خط هذا الثوب في بياض هذا النهار إما في أوله أو في أوسطه أو ~~في آخره كيفما أردت فمهما فعلت فقد امتثلت إيجابي، فهذا معقول. ولا يخلو ~~إما أن يقال لم يوجب شيئا أصلا أو أوجب شيئا مضيقا وهما محالان فلم يبق إلا ~~أنه أوجب موسعا. # وأما الشرع فالإجماع منعقد على وجوب الصلاة عند الزوال وأنه مهما صلى كان ~~مؤديا للفرض وممتثلا لأمر الإيجاب مع أنه لا تضييق. فإن قيل: حقيقة الواجب ~~ما لا يسع تركه بل يعاقب عليه والصلاة والخياطة إن أضيفا إلى آخر الوقت ~~فيعاقب على تركه فيكون وجوبه في آخر الوقت أما قبله فيتخير بين فعله وتركه، ~~وفعله خير من تركه وهذا حد الندب قلنا كشف الغطاء عن هذا أن الأقسام في ~~العقل ثلاثة: فعل لا عقاب على تركه مطلقا وهو الندب، وفعل يعاقب على تركه ~~مطلقا وهو الواجب، وفعل يعاقب على تركه بالإضافة إلى مجموع الوقت ms080 ولكن لا ~~يعاقب بالإضافة إلى بعض أجزاء الوقت، وهذا قسم ثالث فيفتقر إلى عبارة ~~ثالثة، وحقيقته لا تعدو الندب والوجوب، فأولى الألقاب به الواجب الموسع أو ~~الندب الذي لا يسع تركه. # وقد وجدنا الشرع يسمي هذا القسم واجبا بدليل انعقاد الإجماع على نية ~~الفرض في ابتداء وقت الصلاة وعلى أنه يثاب على فعله ثواب الفرض لا ثواب ~~الندب. فإذا الأقسام الثلاثة لا ينكرها العقل والنزاع يرجع إلى اللفظ، ~~والذي ذكرناه أولى. فإن قيل: ليس هذا قسما ثالثا بل هو بالإضافة إلى أول ~~الوقت ندب إذ يجوز تركه، وبالإضافة إلى آخر الوقت حتم إذ لا # PageV01P055 # يسع تأخيره عنه. # وقولكم إنه ينوي الفرض فمسلم، لكنه فرض بمعنى أنه يصير فرضا كمعجل الزكاة ~~ينوي فرض الزكاة ويثاب ثواب معجل الفرض لا ثواب الندب ولا ثواب الفرض الذي ~~ليس بمعجل. قلنا: قولكم إنه بالإضافة إلى أول الوقت يجوز تأخيره فهو ندب ~~خطأ، إذ ليس هذا حد الندب بل الندب ما يجوز تركه مطلقا وهذا لا يجوز تركه ~~إلا بشرط، وهو الفعل بعده أو العزم على الفعل وما جاز تركه ببدل وشرط فليس ~~بندب، بدليل ما لو أمر بالإعتاق، فإنه ما من عبد إلا ويجوز له ترك إعتاقه ~~لكن بشرط أن يعتق عبدا آخر. # وكذلك خصال الكفارة ما من واحدة إلا ويجوز تركها لكن ببدل، ولا يكون ندبا ~~بل كما يسمى ذلك واجبا مخيرا يسمى هذا واجبا غير مضيق. وإذا كان حظ المعنى ~~منه متفقا عليه وهو الانقسام إلى الأقسام الثلاثة فلا معنى للمناقشة وما ~~جاز تركه بشرط يفارق ما لا يجوز تركه مطلقا وما يجوز تركه مطلقا فهو قسم ~~ثالث. # وأما ما ذكرتموه من أنه تعجيل للفرض فلذلك سمي فرضا فمخالف للإجماع، إذ ~~يجب نية التعجيل في الزكاة وما نوى أحد من السلف في الصلاة في أول الوقت ~~إلا ما نواه في آخره ولم يفرقوا أصلا وهو مقطوع به. فإن قيل: قد قال قوم: ~~يقع نفلا ويسقط الفرض عنده وقال قوم: يقع موقوفا فإن ms081 بقي بنعت المكلفين إلى ~~آخر الوقت تبين وقوعه فرضا وإن مات أو جن وقع نفلا. # قلنا لو كان يقع نفلا لجازت بنية النفل بل استحال وجود نية الفرض من ~~العالم بكونه نفلا، إذ النية قصد يتبع العلم والوقف باطل، إذ الأمة مجمعة ~~على أن من مات في وسط الوقت بعد الفراغ من الصلاة مات مؤديا فرض الله تعالى ~~كما نواه وأداه إذا قال نويت أداء فرض الله تعالى. فإن قيل: بنيتم كلامكم ~~على أن تركه جائز بشرط وهو العزم على الامتثال أو الفعل، وليس كذلك فإن ~~الواجب المخير ما خير فيه بين شيئين كخصال الكفارة وما خير الشرع بين فعل ~~الصلاة والعزم؛ ولأن مجرد قوله صل في هذا الوقت ليس فيه تعرض للعزم، ~~فإيجابه زيادة على مقتضى الصيغة؛ ولأنه لو غفل وخلا عن العزم ومات في وسط ~~الوقت لم يكن عاصيا. # قلنا: أما قولكم لو ذهل لا يكون عاصيا فمسلم، وسببه أن الغافل لا يكلف، ~~أما إذا لم يغفل عن الأمر فلا يخلو عن العزم إلا بضده وهو العزم على الترك ~~مطلقا وذلك حرام وما لا خلاص من الحرام إلا به فهو واجب. فهذا الدليل قد دل ~~على وجوبه وإن لم يدل عليه مجرد الصيغة من حيث وضع اللسان، ودليل العقل ~~أقوى من دلالة الصيغة؛ فإذا يرجع حاصل الكلام إلى أن الواجب الموسع كالواجب ~~المخير بالإضافة إلى أول الوقت وبالإضافة إلى آخره أيضا، فإنه لو أخلي عنه ~~في آخره لم يعص إذا كان قد فعل في أوله ### | [مسألة إذا مات في أثناء وقت الصلاة فجأة بعد العزم على الامتثال] # إذا مات في أثناء وقت الصلاة فجأة بعد العزم على الامتثال لا يكون عاصيا # وقال بعض من أراد تحقيق معنى الوجوب: إنه يعصي. وهو خلاف إجماع السلف، ~~فإنا نعلم أنهم كانوا لا يؤثمون من مات فجأة بعد انقضاء مقدار أربع ركعات ~~من وقت الزوال أو بعد انقضاء مقدار ركعتين من أول الصبح، وكانوا لا ينسبونه ~~إلى تقصير لا سيما إذا اشتغل ms082 بالوضوء أو نهض إلى المسجد فمات في الطريق، بل ~~محال أن يعصي وقد جوز له التأخير فمن فعل ما يجوز له كيف يمكن تعصيته. # فإن قيل: جاز له التأخير بشرط سلامة العاقبة. # PageV01P056 # قلنا: هذا محال، فإن العاقبة مستورة عنه، فإذا سألنا وقال العاقبة مستورة ~~عني وعلي صوم يوم وأنا أريد أن أؤخره إلى غد فهل يحل لي التأخير مع الجهل ~~بالعاقبة أم أعصي بالتأخير؟ فلا بد له من جواب؛ فإن قلنا: لا يعصي فلم أثم ~~بالموت الذي ليس إليه، وإن قلنا: يعصي، فهو خلاف الإجماع في الواجب الموسع، ~~وإن قلنا: إن كان في علم الله تعالى أنك تموت قبل الغد فأنت عاص وإن كان في ~~علمه أن تحيا فلك التأخير، فيقول وما يدريني ماذا في علم الله فما فتواكم ~~في حق الجاهل؟ فلا بد من الجزم بالتحليل أو التحريم. # فإن قيل: فإن جاز تأخيره أبدا ولا يعصي إذا مات فأي معنى لوجوبه؟ قلنا ~~تحقق الوجوب بأنه لم يجز التأخير إلا بشرط العزم ولا يجوز العزم على ~~التأخير إلا إلى مدة يغلب على ظنه البقاء إليها، كتأخيره الصلاة من ساعة ~~إلى ساعة وتأخيره الصوم من يوم إلى يوم مع العزم على التفرغ له في كل وقت ~~وتأخيره الحج من سنة إلى سنة، فلو عزم المريض المشرف على الهلاك على ~~التأخير شهرا أو الشيخ الضعيف على التأخير سنين وغالب ظنه أنه لا يعيش إلى ~~تلك المدة عصى بهذا التأخير وإن لم يمت ووفق للعمل لكنه مأخوذ بموجب ظنه، ~~كالمعزر إذا ضرب ضربا يهلك أو قاطع سلعة وغالب ظنه الهلاك أثم وإن سلم؛ ~~ولهذا قال أبو حنيفة: لا يجوز تأخير الحج؛ لأن البقاء إلى سنة لا يغلب على ~~الظن، وأما تأخير الصوم والزكاة إلى شهر وشهرين فجائز؛ لأنه لا يغلب على ~~الظن الموت إلى تلك المدة والشافعي - رحمه الله - يرى البقاء إلى السنة ~~الثانية غالبا على الظن في حق الشاب الصحيح دون الشيخ والمريض. # ثم المعزر إذا فعل ما غالب ظنه السلامة فهلك ms083 ضمن لا؛ لأنه آثم لكن؛ لأنه ~~أخطأ في ظنه والمخطئ ضامن غير آثم. ### | [مسألة ما لا يتم الواجب إلا به هل يوصف بالوجوب] # مسألة اختلفوا في أن ما لا يتم الواجب إلا به هل يوصف بالوجوب اختلفوا في ~~أن ما لا يتم الواجب إلا به هل يوصف بالوجوب؟ # والتحقيق في هذا أن هذا ينقسم إلى ما ليس إلى المكلف كالقدرة على الفعل ~~وكاليد في الكتابة وكالرجل في المشي، فهذا لا يوصف بالوجوب بل عدمه يمنع ~~الإيجاب إلا على مذهب من يجوز تكليف ما لا يطاق، وكذلك تكليف حضور الإمام ~~الجمعة وحضور تمام العدد فإنه ليس إليه فلا يوصف بالوجوب بل يسقط بتعذره ~~الواجب. وأما ما يتعلق باختيار العبد فينقسم إلى الشرط الشرعي وإلى الحسي، ~~فالشرعي كالطهارة في الصلاة يجب وصفها بالوجوب عند وجوب الصلاة، فإن إيجاب ~~الصلاة إيجاب لما يصير به الفعل صلاة. # وأما الحسي فكالسعي إلى الجمعة وكالمشي إلى الحج وإلى مواضع المناسك، ~~فينبغي أن يوصف أيضا بالوجوب إذ أمر البعيد عن البيت بالحج أمر بالمشي إليه ~~لا محالة، وكذلك إذا وجب غسل الوجه ولم يمكن إلا بغسل جزء من الرأس، وإذا ~~وجب الصوم ولم يمكن إلا بالإمساك جزءا من الليل قبل الصبح فيوصف ذلك ~~بالوجوب. ونقول: ما لا يتوصل إلى الواجب إلا به وهو فعل المكلف فهو واجب. # وهذا أولى من أن نقول يجب التوصل إلى الواجب بما ليس بواجب، إذ قولنا: " ~~يجب فعل ما ليس بواجب " متناقض، وقولنا: " ما ليس بواجب صار واجبا " غير ~~متناقض فإنه واجب؛ لكن الأصل وجب بالإيجاب قصدا إليه، والوسيلة وجبت بواسطة ~~وجوب المقصود وقد وجب كيفما كان وإن كان علة وجوبه غير علة وجوب المقصود ~~فإن قيل: لو كان واجبا # PageV01P057 # لكان مقدرا، فما المقدار الذي يجب غسله من الرأس وإمساكه من الليل؟ قلنا: ~~قد وجب التوصل به إلى الواجب وهو غير مقدر، بل يجب مسح الرأس ويكفي أقل ما ~~ينطلق عليه الاسم وهو غير مقدر، فكذلك الواجب أقل ما يمكن به غسل ms084 الوجه. # وهذا التقدير كاف في الوجوب. فإن قيل لو كان واجبا لكان يثاب على فعله ~~ويعاقب على تركه، وتارك الوضوء لا يعاقب على ما تركه من غسل الرأس بل من ~~غسل الوجه، وتارك الصوم لا يعاقب على ترك الإمساك ليلا. قلنا: ومن أنبأكم ~~بذلك؟ ومن أين عرفتم أن ثواب البعيد عن البيت لا يزيد على ثواب القريب في ~~الحج، وأن من زاد عمله لا يزيد ثوابه وإن كان بطريق التوصل؟ وأما العقاب ~~فهو عقاب على ترك الصوم والوضوء وليس يتوزع على أجزاء الفعل، فلا معنى ~~لإضافته إلى التفاصيل. # فإن قيل: لو قدر على الاقتصار على غسل الوجه لم يعاقب، قلنا: هذا مسلم؛ ~~لأنه إنما يجب على العاجز أما القادر فلا وجوب عليه. ### | [مسألة إذا اختلطت منكوحة بأجنبية] # مسألة قال قائلون إذا اختلطت منكوحة بأجنبية قال قائلون: إذا اختلطت ~~منكوحة بأجنبية وجب الكف عنهما. # لكن الحرام هي الأجنبية والمنكوحة حلال ويجب الكف عنها. وهذا متناقض، بل ~~ليس الحرمة والحل وصفا ذاتيا لهما بل هو متعلق بالفعل، فإذا حرم فعل الوطء ~~فيهما فأي معنى لقولنا وطء المنكوحة حلال ووطء الأجنبية حرام؟ بل هما ~~حرامان إحداهما بعلة الأجنبية والأخرى بعلة الاختلاط بالأجنبية، فالاختلاف ~~في العلة لا في الحكم. # وإنما وقع هذا في الأوهام من حيث ضاهى الوصف بالحل والحرمة الوصف بالعجز ~~والقدرة والسواد والبياض والصفات الحسية، وذلك وهم نبهنا عليه إذ ليست ~~الأحكام صفات للأعيان أصلا؛ بل نقول: إذا اشتبهت رضيعة بنساء بلدة فنكح ~~واحدة حلت واحتمل أن تكون هي الرضيعة في علم الله تعالى؛ ولا نقول إنها ~~ليست في علم الله تعالى زوجة له، إذ لا معنى للزوجة إلا من حل وطؤها بنكاح، ~~وهذه قد حل وطؤها فهي حلال عنده وعند الله تعالى. # ولا نقول هي حرام عند الله تعالى وحلال عنده في ظنه، بل إذا ظن الحل فهي ~~حلال عند الله تعالى وسيأتي تحقيق هذا في مسألة تصويب المجتهد. أما إذا قال ~~لزوجتيه: " إحداكما طالق " فيحتمل أن يقال يحل وطؤهما والطلاق ms085 غير واقع؛ ~~لأنه لم يعين له محلا فصار كما إذا باع أحد عبديه، ويحتمل أن يقال حرمتا ~~جميعا فإنه لا يشترط تعيين محل الطلاق ثم عليه التعيين وإليه ذهب أكثر ~~الفقهاء، والمتبع في ذلك موجب ظن المجتهد أما المصير إلى أن إحداهما محرمة ~~والأخرى منكوحة كما توهموه في اختلاط المنكوحة بالأجنبية فلا ينقدح ههنا؛ ~~لأن ذلك جهل من الآدمي عرض بعد التعيين، وأما هنا فليس متعينا في نفسه بل ~~يعلمه الله تعالى مطلقا لإحداهما لا بعينها. # فإن قيل: إذا وجب عليه التعيين فالله تعالى يعلم ما سيعينه فتكون هي ~~المحرمة المطلقة بعينها في علم الله تعالى، وإنما هو مشكل علينا. قلنا: ~~الله تعالى يعلم الأشياء على ما هي عليه، فلا يعلم الطلاق الذي لم يعين ~~محله متعينا بل يعلمه قابلا للتعيين إذا عينه المطلق، ويعلم أنه سيعين زينب ~~مثلا، فيتعين الطلاق بتعيينه إذا عين لا قبله. # وكذلك نقول في الواجب المخير: الله تعالى يعلم ما سيفعله العبد من خلال ~~الكفارة ولا يعلمه واجبا بعينه بل واجبا غير معين في الحال، ثم يعلم ~~صيرورته متعينا بالتعيين بدليل أنه لم يعلم أنه يموت # PageV01P058 # قبل التكفير وقبل التعيين فيعلم الوجوب والطلاق على ما هو عليه من عدم ~~التعيين. ### | [مسألة الواجب الذي لا يتقدر بحد محدود] # مسألة اختلفوا في الواجب الذي لا يتقدر بحد محدود اختلفوا في الواجب الذي ~~لا يتقدر بحد محدود # كمسح الرأس والطمأنينة في الركوع والسجود ومدة القيام أنه إذا زاد على ~~أقل الواجب هل توصف الزيادة بالوجوب؟ فلو مسح جميع الرأس هل يقع فعله ~~بجملته واجبا أو الواجب الأقل والباقي ندب؟ فذهب قوم إلى أن الكل يوصف ~~بالوجوب؛ لأن نسبة الكل إلى الأمر واحد والأمر في نفسه أمر واحد وهو أمر ~~إيجاب ولا يتميز البعض من البعض فالكل امتثال. والأولى أن يقال: الزيادة ~~على الأقل ندب، فإنه لم يجب إلا أقل ما ينطلق عليه الاسم، وهذا في ~~الطمأنينة والقيام وما وقع متعاقبا أظهر، وكذلك المسح إذا وقع متعاقبا وما ~~وقع ms086 من جملته معا وإن كان لا يتميز بعضه من بعض بالإشارة والتعيين، فيحتمل ~~أن يقال قدر الأقل منه واجب والباقي ندب وإن لم يتميز بالإشارة المندوب عن ~~الواجب؛ لأن الزيادة على الأقل لا عقاب على تركها مطلقا من غير شرط بدل فلا ~~يتحقق فيه حد الوجوب. ### | [مسألة الوجوب يباين الجواز والإباحة بحدة] # الوجوب يباين الجواز والإباحة بحده. # فلذلك قلنا: يقضى بخطإ من ظن أن الوجوب إذا نسخ بقي الجواز، بل الحق أنه ~~إذا نسخ رجع الأمر إلى ما كان قبل الوجوب من تحريم أو إباحة وصار الوجوب ~~بالنسخ كأن لم يكن. فإن قيل كل واجب فهو جائز وزيادة، إذ الجائز ما لا عقاب ~~على فعله والواجب أيضا لا عقاب على فعله وهو معنى الجواز، فإذا نسخ الوجوب ~~فكأنه أسقط العقاب على تركه فيبقى سقوط العقاب على فعله وهو معنى الجواز. ~~قلنا: هذا كقول القائل كل واجب فهو ندب وزيادة، فإذا نسخ الوجوب بقي الندب ~~ولا قائل به. ولا فرق بين الكلامين وكلاهما وهم، بل الواجب لا يتضمن معنى ~~الجواز فإن حقيقة الجواز التخيير بين الفعل والترك والتساوي بينهما بتسوية ~~الشرع وذلك منفي عن الواجب. وذكر هذه المسألة ههنا أولى من ذكرها في كتاب ~~النسخ، فإنه نظر في حقيقة الوجوب والجواز لا في حقيقة النسخ. ### | [مسألة الجائز لا يتضمن الأمر والمباح غير مأمور به] # كما فهمت أن الواجب لا يتضمن الجواز # فافهم أن الجائز لا يتضمن الأمر وأن المباح غير مأمور به لتناقض حديهما ~~كما سبق، خلافا للبلخي فإنه قال: المباح مأمور به لكنه دون الندب، كما أن ~~الندب مأمور به لكنه دون الواجب. وهذا محال إذ الأمر اقتضاء وطلب والمباح ~~غير مطلوب بل مأذون فيه ومطلق له، فإن استعمل لفظ الأمر في الإذن فهو تجوز. ~~فإن قيل: ترك الحرام واجب والسكوت المباح يترك به الحرام من الزنا والسرقة، ~~والسكوت المباح أو الكلام المباح يترك به الكفر والكذب، وترك الكفر والكذب ~~والزنا مأمور به. # قلنا قد يترك بالندب حرام فليكن واجبا، ms087 وقد يترك بالحرام حرام آخر فليكن ~~الشيء الواحد واجبا حراما، وهو تناقض، ويلزم هذا على مذهب من زعم أن الأمر ~~بالشيء نهي عن ضده والنهي عن الشيء أمر بأحد أضداده، بل يلزم عليه كون ~~الصلاة حراما إذا تحرم بها من ترك الزكاة # PageV01P059 # الواجبة؛ لأنه أحد أضداد الواجب وكل ذلك قياس مذهب هؤلاء، لكنهم لم ~~يقولوا به. # فإن قيل: فالمباح هل يدخل تحت التكليف وهل هو من التكاليف؟ قلنا: إن كان ~~التكليف عبارة عن طلب ما فيه كلفة فليس ذلك في المباح، وإن أريد به ما عرف ~~من جهة الشرع إطلاقه والإذن فيه فهو تكليف، وإن أريد به أنه الذي كلف ~~اعتقاد كونه من الشرع فقد كلف ذلك لكن لا بنفس الإباحة بل بأصل الإيمان. # وقد سماه الأستاذ أبو إسحاق - رحمه الله - تكليفا بهذا التأويل الأخير، ~~وهو بعيد مع أنه نزاع في اسم. فإن قيل: فهل المباح حسن؟ قلنا: إن كان الحسن ~~عبارة عما لفاعله أن يفعله فهو حسن، وإن كان عبارة عما أمر بتعظيم فاعله ~~والثناء عليه أو وجب اعتقاد استحقاقه للثناء والقبيح ما يجب اعتقاد استحقاق ~~صاحبه للذم أو العقاب فليس المباح بحسن. # واحترزنا باعتقاد الاستحقاق عن معاصي الأنبياء فقد دل الدليل على وقوعها ~~منهم ولم يؤمر بإهانتهم وذمهم، لكنا نعتقد استحقاقهم لذلك مع تفضل الله ~~تعالى بإسقاط المستحق من حيث أمرنا بتعظيمهم والثناء عليهم ### | [مسألة المباح من الشرع] # المباح من الشرع # وقد ذهب بعض المعتزلة إلى أنه ليس من الشرع، إذ معنى المباح رفع الحرج عن ~~الفعل والترك وذلك ثابت قبل السمع، فمعنى إباحة الشرع شيئا أنه تركه على ما ~~كان عليه قبل ورود السمع ولم يغير حكمه وكل ما لم يثبت تحريمه ولا وجوبه ~~بقي على النفي الأصلي فعبر عنه بالمباح وهذا له غور. وكشف الغطاء عنه أن ~~الأفعال ثلاثة أقسام قسم بقي على الأصل فلم يرد فيه من الشرع تعرض لا بصريح ~~اللفظ ولا بدليل من أدلة السمع فينبغي أن يقال استمر فيه ما كان ولم ms088 يتعرض ~~له السمع فليس فيه حكم. # وقسم صرح الشرع فيه بالتخيير وقال إن شئتم فافعلوه وإن شئتم فاتركوه فهذا ~~خطاب والحكم لا معنى له إلا الخطاب ولا سبيل إلى إنكاره وقد ورد. وقسم ثالث ~~لم يرد فيه خطاب بالتخيير لكن دل دليل السمع على نفي الحرج عن فعله وتركه ~~فقد عرف بدليل السمع، ولولا هذا الدليل لكان يعرف بدليل العقل نفي الحرج عن ~~فاعله وبقاؤه على النفي الأصلي؛ فهذا فيه نظر إذا اجتمع عليه دليل العقل ~~والسمع، وفي الطرفين الآخرين أيضا نظر إذ يمكن أن يقال قول الشارع إن شئت ~~فقم وإن شئت فاقعد ليس بتجديد حكم هو تقرير للحكم السابق. # ومعنى تقريره أنه ليس بغير أمره بل يتركه على ما هو عليه، فليس ذلك أمرا ~~حادثا بالشرع فلا يكون شرعيا. وأما الطرف الآخر وهو الذي لم يرد فيه خطاب ~~ولا دليل فيمكن أيضا إنكاره بأن يقال قد دل السمع على أن ما لم يرد فيه طلب ~~ولا طلب ترك، فالمكلف فيه مخير. # وهذا دليل على العموم فيما لا يتناهى من الأفعال، فلا يبقى فعل إلا ~~مدلولا عليه من جهة الشرع فتكون إباحته من الشرع وإلا عورض أن الإباحة من ~~جهة الشرع تقرير لا تغيير، وليس مع التقرير تجديد أمر بل بيان أنه لم يجدد ~~فيه أمرا بل كف عن التعرض له. وسيأتي لهذا تحقيق في مسألة إقامة الدليل على ~~النافي. ### | [مسألة المندوب مأمور به] # المندوب مأمور به # وإن لم يكن المباح مأمورا به؛ لأن الأمر اقتضاء وطلب والمباح غير مقتضى. ~~أما المندوب فإنه مقتضى لكن مع إسقاط الذم عن تاركه، والواجب مقتضى لكن مع ~~ذم تاركه إذا تركه مطلقا أو تركه وبدله وقال قوم: المندوب غير داخل تحت # PageV01P060 # الأمر. وهو فاسد من وجهين: أحدهما: أنه شاع في لسان العلماء أن الأمر ~~ينقسم إلى أمر إيجاب وأمر استحباب وما شاع أنه ينقسم إلى أمر إباحة وأمر ~~إيجاب مع أن صيغة الأمر قد تطلق لإرادة الإباحة كقوله تعالى: {وإذا حللتم ~~فاصطادوا} ms089 [المائدة: 2] {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا} [الجمعة: 10] والثاني: ~~أن فعل المندوب طاعة بالاتفاق. # وليس طاعة لكونه مرادا إذ الأمر عندنا يفارق الإرادة. ولا لكونه موجودا ~~أو حادثا أو لذاته أو صفة نفسه، إذ يجري ذلك في المباحات. ولا لكونه مثابا ~~عليه، فإن المأمور وإن لم يثب ولم يعاقب إذا امتثل كان مطيعا. وإنما الثواب ~~للترغيب في الطاعة؛ ولأنه قد يحبط بالكفر ثواب طاعته ولا يخرج عن كونه ~~مطيعا. # فإن قيل: الأمر عبارة عن اقتضاء جازم لا تخيير معه والندب مقرون بتجويز ~~الترك والتخيير فيه، وقولكم إنه يسمى مطيعا يقابله أنه لو ترك لا يسمى ~~عاصيا. قلنا: الندب اقتضاء جازم لا تخيير فيه؛ لأن التخيير عبارة عن ~~التسوية فإذا رجح جهة الفعل بربط الثواب به ارتفعت التسوية والتخيير، وقد ~~قال تعالى في المحرمات أيضا {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} [الكهف: 29] ~~فلا ينبغي أن يظن أن الأمر اقتضاء جازم بمعنى أن الشرع يطلب منه شيئا لنفسه ~~بل يطلب منه لما فيه من صلاحه، والله تعالى يقتضي من عباده ما فيه صلاحهم ~~ولا يرضى الكفر لهم، وكذلك يقتضي الندب لنيل الثواب، ويقول: الفعل والترك ~~سيان بالإضافة إلي أما في حقك فلا مساواة ولا خيرة إذ في تركه ترك صلاحك ~~وثوابك، فهو اقتضاء جازم. # وأما قولهم: إنه لا يسمى عاصيا، فسببه أن العصيان اسم ذم وقد أسقط الذم ~~عنه، نعم يسمى مخالفا وغير ممتثل كما يسمى فاعله موافقا ومطيعا # مسألة: إذا عرفت أن الحرام ضد الواجب # ؛ لأنه المقتضى تركه والواجب هو المقتضى فعله، فلا يخفى عليك أن الشيء ~~الواحد يستحيل أن يكون واجبا حراما طاعة معصية؛ لكن ربما تخفى عليك حقيقة ~~الواحد، فالواحد ينقسم إلى واحد بالنوع وإلى واحد بالعدد. أما الواحد ~~بالنوع كالسجود مثلا، فإنه نوع واحد من الأفعال؛ فيجوز أن ينقسم إلى الواجب ~~والحرام ويكون انقسامه بالأوصاف والإضافات كالسجود لله تعالى والسجود ~~للصنم، إذ أحدهما واجب والآخر حرام ولا تناقض. # وذهب بعض المعتزلة إلى تناقض، فإن السجود نوع واحد مأمور به فيستحيل ms090 أن ~~ينهى عنه، بل الساجد للصنم عاص بقصد تعظيم الصنم لا بنفس السجود. وهذا خطأ ~~فاحش، فإنه إذا تغاير متعلق الأمر والنهي لم يتناقض، والسجود للصنم غير ~~السجود لله تعالى؛ لأن اختلاف الإضافات والصفات يوجب المغايرة إذ الشيء لا ~~يغاير نفسه. # والمغايرة تارة تكون باختلاف النوع وتارة باختلاف الوصف وتارة باختلاف ~~الإضافة، وقد قال الله تعالى: {لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله} ~~[فصلت: 37] ، وليس المأمور به هو المنهي عنه، والإجماع منعقد على أن الساجد ~~للشمس عاص بنفس السجود والقصد جميعا. # فقولهم: إن السجود نوع واحد لا يغني مع انقسام هذا النوع إلى أقسام ~~مختلفة المقاصد، إذ المقصود بهذا السجود تعظيم الصنم دون تعظيم الله تعالى، ~~واختلاف وجوه الفعل كاختلاف نفس الفعل في حصول الغيرية الرافعة للتضاد، فإن ~~التضاد إنما يكون بالإضافة إلى واحد ولا وحدة مع المغايرة # PageV01P061 # مسألة: ما ذكرناه في الواحد بالنوع ظاهر، # أما الواحد بالتعيين كصلاة زيد في دار مغصوبة من عمرو فحركته في الصلاة ~~فعل واحد بعينه هو مكتسبه ومتعلق قدرته؛ فالذين سلموا في النوع الواحد ~~نازعوا ههنا فقالوا: لا تصح هذه الصلاة، إذ يؤدي القول بصحتها إلى أن تكون ~~العين الواحدة من الأفعال حراما واجبا، وهو متناقض فقيل لهم: هذا خلاف ~~إجماع السلف، فإنهم ما أمروا الظلمة عند التوبة بقضاء الصلوات المؤداة في ~~الدور المغصوبة مع كثرة وقوعها، ولا نهوا الظالمين عن الصلاة في الأراضي ~~المغصوبة، فأشكل الجواب على القاضي أبي بكر - رحمه الله - فقال: يسقط ~~الوجوب عندها لا بها بدليل الإجماع ولا يقع واجبا؛ لأن الواجب ما يثاب ~~عليه. # وكيف يثاب على ما يعاقب عليه وفعله واحد هو كون في الدار المغصوبة وسجوده ~~وركوعه أكوان اختيارية هو معاقب عليها ومنهي عنها؟ وكل من غلب عليه الكلام ~~قطع بهذا نظرا إلى اتحاد أكوانه في حالة من أحواله وأن الحادث منه الأكوان ~~لا غيرها وهو معاقب عليها عاص بها، فكيف يكون متقربا بما هو معاقب عليه ~~ومطيعا بما هو به عاص؟ وهذا غير مرضي عندنا، بل ms091 نقول: الفعل وإن كان واحدا ~~في نفسه فإذا كان له وجهان متغايران يجوز أن يكون مطلوبا من أحد الوجهين ~~مكروها من الوجه الآخر، وإنما المحال أن يطلب من الوجه الذي يكره بعينه، ~~وفعله من حيث إنه صلاة مطلوب ومن حيث إنه غصب مكروه، والغصب معقول دون ~~الصلاة والصلاة معقولة دون الغصب، وقد اجتمع الوجهان في فعل واحد ومتعلق ~~الأمر والنهي الوجهان المتغايران. # وكذلك يعقل من السيد أن يقول لعبده: " صل اليوم ألف ركعة وخط هذا الثوب ~~ولا تدخل هذه الدار، فإن ارتكبت النهي ضربتك وإن امتثلت الأمر أعتقتك ". ~~فخاط الثوب في الدار وصلى ألف ركعة في تلك الدار، فيحسن من السيد أن يضربه ~~ويعتقه ويقول أطاع بالخياطة والصلاة وعصى بدخول الدار، فكذلك فيما نحن فيه ~~من غير فرق. فالفعل وإن كان واحدا فقد تضمن تحصيل أمرين مختلفين يطلب ~~أحدهما ويكره الآخر. ولو رمى سهما واحدا إلى مسلم بحيث يمرق إلى كافر أو ~~إلى كافر بحيث يمرق إلى مسلم، فإنه يثاب ويعاقب ويملك سلب الكافر ويقتل ~~بالمسلم قصاصا لتضمن فعله الواحد أمرين مختلفين. # فإن قيل: ارتكاب المنهي عنه إذا أخل بشرط العبادة أفسدها بالاتفاق، ونية ~~التقرب بالصلاة شرط، والتقرب بالمعصية محال، فكيف ينوي التقرب؟ فالجواب من ~~أوجه: الأول: أن الإجماع إذا انعقد على صحة هذه الصلاة فليعلم به بالضرورة ~~أن نية التقرب ليس بشرط أو نية التقرب بهذه الصلاة ممكن، وأبو هاشم الجبائي ~~ومن خالف في صحة الصلاة مسبوق بإجماع الأمة على ترك تكليف الظلمة قضاء ~~الصلوات مع كثرتهم، وكيف ينكر سقوط نية التقرب؟ وقد اختلفوا في اشتراط نية ~~الفرضية ونية الإضافة إلى الله تعالى، فقال قوم: لا يجب إلا أن ينوي الظهر ~~أو العصر فهو في محل الاجتهاد. # وقد ذهب قوم إلى أن الصلاة تجب في آخر الوقت والصبي إذا صلى في أول الوقت ~~ثم بلغ آخره أجزأه، ولو بلغ في وسط الوقت مع أنه لا تتحقق الفرضية في حقه. # فإن قيل من نوى الصلاة فقد تضمنت نيته القربة قلنا: ms092 إذا صحت الصلاة ~~بالإجماع واستحال نية التقرب فتلغى تلك النية. ويصح أن يقال تعلقت نية ~~التقرب ببعض أجزاء # PageV01P062 # الصلاة من الذكر والقراءة وما لا يزاحم حق المغصوب منه، فإن الأكوان هي ~~التي تتناول منافع الدار. # ثم كيف يستقيم من المعتزلة هذا وعندهم لا يعلم المأمور كونه مأمورا ولا ~~كون العبادة واجبة قبل الفراغ من الامتثال كما سيأتي؟ فكيف ينوي التقرب ~~بالواجب وهو لا يعرف وجوبه؟ الجواب الثاني، وهو الأصح أنه ينوي التقرب ~~بالصلاة ويعصي بالغصب. # وقد بينا انفصال أحدهما عن الآخر؛ ولذلك يجد المصلي من نفسه نية التقرب ~~بالصلاة وإن كان في دار مغصوبة؛ لأنه لو سكن ولم يفعل لكان غاصبا في حالة ~~النوم وعدم استعمال القدرة، وإنما يتقرب بأفعاله وليست تلك الأفعال شرطا ~~لكونه غاصبا فإن قيل: هو في حالة القعود والقيام غاصب بفعله، ولا فعل له ~~إلا قيامه وقعوده، وهو متقرب بفعله فيكون متقربا بعين ما هو عاص به. # قلنا: هو من حيث إنه مستوف منافع الدار غاصب ومن حيث إنه أتى بصورة ~~الصلاة متقرب كما ذكرناه في صورة الخياطة، إذ قد يعقل كونه غاصبا ولا يعلم ~~كونه مصليا، ويعلم كونه مصليا ولا يعلم كونه غاصبا. # فهما وجهان مختلفان وإن كان ذات الفعل واحدا. الجواب الثالث: هو أنا ~~نقول: تنكرون على القاضي - رحمه الله - حيث حكم بأن الفرض يسقط عندها لا ~~بها بدليل الإجماع؟ فسلم أنه معصية؛ ولكن الأمر لا يدل على الإجزاء إذا أتى ~~بالمأمور ولا النهي يدل على عدم الإجزاء، بل يؤخذ الإجزاء من دليل آخر كما ~~سيأتي. # فإن قيل: هذه المسألة اجتهادية أم قطعية؟ قلنا: هي قطعية والمصيب فيها ~~واحد؛ لأن من صحح أخذ من الإجماع وهو قاطع، ومن أبطل أخذ من التضاد الذي ~~بين القربة والمعصية، ويدعى كون ذلك محالا بدليل العقل فالمسألة قطعية. # فإن قيل: ادعيتم الإجماع في هذه المسألة وقد ذهب أحمد بن حنبل إلى بطلان ~~هذه الصلاة وبطلان كل عقد منهي عنه حتى البيع في وقت النداء يوم الجمعة، ~~فكيف تحتجون ms093 عليه بالإجماع؟ قلنا: الإجماع حجة عليه، إذ علمنا أن الظلمة لم ~~يؤمروا بقضاء الصلوات مع كثرة وقوعها مع أنهم لو أمروا به لانتشر، وإذا ~~أنكر هذا فيلزمه أظهر منه وهو أن لا تحل امرأة لزوجها وفي ذمته دانق ظلم ~~به، ولا يصح بيعه ولا صلاته ولا تصرفاته، وإنه لا يحصل التحليل بوطء من هذه ~~حاله؛ لأنه عصى بترك رد المظلمة ولم يتركها إلا بتزويجه وبيعه وصلاته ~~وتصرفاته، فيؤدي إلى تحريم أكثر النساء وفوات أكثر الأملاك، وهو خرق ~~للإجماع قطعا وذلك لا سبيل إليه ### | [مسألة كما يتضاد الحرام والواجب فيتضاد المكروه والواجب] # كما يتضاد الحرام والواجب فيتضاد المكروه والواجب # فلا يدخل مكروه تحت الأمر حتى يكون شيء واحد مأمورا به مكروها، إلا أن ~~تنصرف الكراهية عن ذات المأمور إلى غيره ككراهية الصلاة في الحمام وأعطان ~~الإبل وبطن الوادي وأمثاله، فإن المكروه في بطن الوادي التعرض لخطر السيل ~~وفي الحمام التعرض للرشاش أو لتخبط الشياطين وفي أعطان الإبل التعرض ~~لنفارها وكل ذلك مما يشغل القلب في الصلاة. وربما شوش الخشوع بحيث لا ينقدح ~~صرف الكراهة عن المأمور إلى ما هو في جواره وصحبته لكونه خارجا عن ماهيته ~~وشروطه وأركانه، فلا يجتمع الأمر والكراهية؛ فقوله تعالى: {وليطوفوا بالبيت ~~العتيق} [الحج: 29] لا يتناول طواف المحدث الذي نهي عنه؛ لأن المنهي عنه لا ~~يكون مأمورا به، والمنهي عنه في مسألة الصلاة في الدار المغصوبة انفصل # PageV01P063 # عن المأمور، إذ المأمور به الصلاة والمنهي عنه الغصب وهو في جواره. ### | [مسألة المتفقون على صحة الصلاة في الدار المغصوبة] # ينقسم النهي عندهم إلى ما يرجع إلى ذات المنهي عنه فيضاد وجوبه، وإلى ما ~~يرجع إلى غيره فلا يضاد وجوبه، وإلى ما يرجع إلى وصف المنهي عنه لا إلى ~~أصله. وقد اختلفوا في هذا القسم الثالث؛ ومثال القسمين الأولين ظاهر، ومثال ~~القسم الثالث يوجب الطواف وينهى عن إيقاعه مع الحدث، أو يأمر بالصوم وينهى ~~عن إيقاعه في يوم النحر. # فيقال: الصوم من حيث إنه صوم مشروع مطلوب ومن حيث إنه ms094 واقع في هذا اليوم ~~غير مشروع، والطواف مشروع بقوله تعالى: {وليطوفوا بالبيت العتيق} [الحج: ~~29] ، ولكن وقوعه في حالة الحدث مكروه. والبيع من حيث إنه بيع مشروع ولكن ~~من حيث وقوعه مقترنا بشرط فاسد أو زيادة في العوض في الربويات مكروه، ~~والطلاق من حيث إنه طلاق مشروع ولكن من حيث وقوعه في الحيض مكروه، وحراثة ~~الولد من حيث إنها حراثة مشروعة ولكنها من حيث وقوعها في غير المنكوحة ~~مكروهة، والسفر من حيث إنه سفر مشروع ولكن من حيث قصد الإباق به عن السيد ~~غير مشروع، فجعل أبو حنيفة هذا قسما ثالثا، وزعم أن ذلك يوجب فساد الوصف لا ~~انتفاء الأصل؛ لأنه راجع إلى الوصف لا إلى الأصل والشافعي - رحمه الله - ~~ألحق هذا بكراهة الأصل ولم يجعله قسما ثالثا، وحيث نفذ الطلاق في الحيض صرف ~~النهي عن أصله ووصفه إلى تطويل العدة أو لحوق الندم عند الشك في الولد وأبو ~~حنيفة حيث أبطل صلاة المحدث دون طواف المحدث زعم أن الدليل قد دل على كون ~~الطهارة شرطا في الصلاة، فإنه قال - عليه الصلاة والسلام -: «لا صلاة إلا ~~بطهور» فهو نفي للصلاة لا نهي وفي المسألة نظران # أحدهما: في موجب مطلق النهي من حيث اللفظ وذلك نظر في مقتضى الصيغة، وهو ~~بحث لغوي نذكره في كتاب الأوامر والنواهي. # والنظر الثاني نظر في تضاد هذه الأوصاف وما يعقل اجتماعه وما لا يعقل إذا ~~وقع التصريح به من القائل، وهو أنه هل يعقل أن يقول السيد لعبده أنا آمرك ~~بالخياطة وأنهاك عنها؟ ولا شك في أن ذلك لا يعقل منه، فإنه فيه يكون الشيء ~~الواحد مطلوبا مكروها. ويعقل منه أن يقول أنا أطلب منك الخياطة وأكره دخول ~~هذه الدار والكون فيها، ولا يتعرض في النهي للخياطة؛ وذلك معقول. وإذا خاط ~~في تلك الدار أتى بمطلوبه ومكروهه جميعا. وهل يعقل أن يقول: أطلب منك ~~الخياطة وأنهاك عن إيقاعها في وقت الزوال؟ فإذا خاط في وقت الزوال فهل جمع ~~بين المكروه والمطلوب أو ما أتى بالمطلوب؟ هذا ms095 في محل النظر، والصحيح أنه ~~ما أتى بالمطلوب، وأن المكروه هو الخياطة الواقعة وقت الزوال لا الوقوع في ~~وقت الزوال مع بقاء الخياطة مطلوبة إذ ليس الوقوع في الوقت شيئا منفصلا عن ~~الواقع. # فإن قيل: فلم صحت الصلاة في أوقات الكراهة ولم صحت الصلاة الواقعة في ~~الأماكن السبعة من بطن الوادي وأعطان الإبل؟ وما الفرق بينهما وبين النهي ~~عن صوم يوم النحر؟ قلنا من صحح هذه الصلوات لزمه صرف النهي عن أصل الصلاة ~~ووصفها إلى غيره. وقد اختلفوا في انعقاد الصلاة في الأوقات المكروهة ~~لترددهم في أن النهي نهي عن إيقاع الصلاة من حيث إنه إيقاع صلاة أو من أمر ~~آخر مقترن # PageV01P064 # به وأما صوم يوم النحر. فقطع الشافعي - رحمه الله - ببطلانه؛ لأنه لم ~~يظهر انصراف النهي عن عينه ووصفه ولم يرتض قولهم إنه نهي عنه؛ لما فيه من ~~ترك إجابة الدعوة بالأكل، فإن الأكل ضد الصوم، فكيف يقال له كل أي أجب ~~الدعوة ولا تأكل أي صم؟ والآن تفصيل هذه المسائل ليس على الأصولي بل هو ~~موكول إلى نظر المجتهدين في الفروع، وليس على الأصولي إلا حصر هذه الأقسام ~~الثلاثة وبيان حكمها في التضاد وعدم التضاد. # وأما النظر في آحاد المسائل أنها من أي قسم هي فإلى المجتهد، وقد يعلم ~~ذلك بدليل قاطع، وقد يعلم ذلك بظن. وليس على الأصولي شيء من ذلك. وتمام ~~النظر في هذا ببيان أن النهي المطلق يقتضي من هذه الأقسام أيها وأنه يقتضي ~~كون المنهي عنه مكروها لذاته أو لغيره أو لصفته، وسيأتي. ### | [مسألة الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده] # اختلفوا في أن الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده؟ # وللمسألة طرفان أحدهما: يتعلق بالصيغة ولا يستقيم ذلك عند من لا يرى ~~للأمر صيغة، ومن رأى ذلك فلا شك في أن قوله " قم " غير قوله " لا تقعد " ~~فإنهما صورتان مختلفتان، فيجب عليهم الرد إلى المعنى، وهو أن قوله " قم " ~~له مفهومان أحدهما طلب القيام، والآخر: ترك القعود، فهو دال على المعنيين، ~~فالمعنيان المفهومان ms096 منه متحدان أو أحدهما غير الآخر فيجب الرد إلى المعنى. # والطرف الثاني: البحث عن المعنى القائم بالنفس، وهو أن طلب القيام هل هو ~~بعينه طلب ترك القعود أم لا، وهذا لا يمكن فرضه في حق الله تعالى فإن كلامه ~~واحد هو أمر ونهي ووعد ووعيد فلا تتطرق الغيرية إليه. # فليفرض في المخلوق، وهو أن طلبه للحركة هل هو بعينه كراهة للسكون وطلب ~~لتركه؟ وقد أطلق المعتزلة أنه ليس الأمر بالشيء نهيا عن ضده. واستدل القاضي ~~أبو بكر - رحمه الله - عليهم بأن قال: لا خلاف أن الآمر بالشيء ناه عن ضده، ~~فإذا لم يقم دليل على اقتران شيء آخر بأمره دل على أنه ناه بما هو آمر به ~~قال: وبهذا علمنا أن السكون عين ترك الحركة وطلب السكون عين طلب ترك ~~الحركة، وشغل الجوهر بحيز انتقل إليه عين تفريغه للحيز المنتقل عنه، والقرب ~~من المغرب عين البعد من المشرق، فهل فعل واحد بالإضافة إلى المشرق بعد ~~وبالإضافة إلى المغرب قرب، وكون واحد بالإضافة إلى حيز شغل وبالإضافة إلى ~~الآخر تفريغ، وكذلك ههنا طلب واحد بالإضافة إلى السكون أمر وإلى الحركة نهي ~~قال: والدليل على أنه ليس معه غيره، أن ذلك الغير لا يخلو من أن يكون ضدا ~~له أو مثلا أو خلافا، ومحال كونه ضدا؛ لأنهما لا يجتمعان وقد اجتمعا، ومحال ~~كونه مثلا لتضاد المثلين، ومحال كونه خلافا إذ لو كان خلافا لجاز وجود ~~أحدهما دون الآخر، إما هذا دون ذاك أو ذاك دون هذا؛ كإرادة الشيء مع العلم ~~به لما اختلفا تصور وجود العلم دون الإرادة وإن لم يتصور وجود الإرادة دون ~~العلم، بل كان يتصور وجوده مع ضد الآخر، وضد النهي عن الحركة الأمر بها، ~~فلنجز أن يكون آمرا بالسكون والحركة معا فيقول: تحرك واسكن وقم واقعد. # وهذا الذي ذكره دليل على المعتزلة حيث منعوا تكليف المحال وإلا فمن يجوز ~~ذلك يجوز أن يقول: اجمع بين القيام والقعود. ولا نسلم أيضا أن ضرورة كل آمر ~~بالشيء أن يكون ناهيا ms097 عن ضده، بل يجوز أن يكون آمرا بضده فضلا عن أن يكون ~~لا آمرا # PageV01P065 # ولا ناهيا وعلى الجملة فالذي صح عندنا بالبحث النظري الكلامي تفريعا على ~~إثبات كلام النفس، أن الأمر بالشيء ليس نهيا عن ضده، لا بمعنى أنه عينه ولا ~~بمعنى أنه يتضمنه ولا بمعنى أنه يلازمه؛ بل يتصور أن يأمر بالشيء من هو ~~ذاهل عن أضداده، فكيف يقوم بذاته قول متعلق بما هو ذاهل عنه؟ وكذلك ينهى عن ~~الشيء ولا يخطر بباله أضداده حتى يكون آمرا بأحد أضداده لا بعينه. # فإن أمر ولم يكن ذاهلا عن أضداد المأمور به فلا يقوم بذاته زجر عن أضداده ~~مقصود إلا من حيث يعلم أنه لا يمكن فعل أضداد المأمور به فلا يقوم بذاته ~~زجر عن أضداده مقصود إلا من حيث، يعلم أنه لا يمكن فعل المأمور به إلا بترك ~~أضداده، فيكون ترك أضداد المأمور ذريعة بحكم ضرورة الوجود لا بحكم ارتباط ~~الطلب به، حتى لو تصور على الاستحالة الجمع بين القيام والقعود إذا قيل له ~~" قم " فجمع كان ممتثلا؛ لأنه لم يؤمر إلا بإيجاد القيام وقد أوجده. # ومن ذهب إلى هذا المذهب لزمه فضائح الكعبي من المعتزلة، حيث أنكر المباح ~~وقال: ما من مباح إلا وهو ترك لحرام فهو واجب. ويلزمه وصف الصلاة بأنها ~~حرام إذا ترك بها الزكاة الواجبة على الفور. وإن فرق مفرق فقال: النهي ليس ~~أمرا بالضد والأمر نهي عن الضد، لم يجد إليه سبيلا إلا التحكم المحض. فإن ~~قيل فقد قلتم إن ما لا يتوصل إلى الواجب، إلا به فهو واجب، ولا يتوصل إلى ~~فعل الشيء إلا بترك ضده فليكن واجبا قلنا: ونحن نقول ذلك واجب، وإنما ~~الخلاف في إيجابه هل هو عين إيجاب المأمور به أو غيره؟ فإذا قيل: " اغسل ~~الوجه " فليس عين هذا إيجابا لغسل جزء من الرأس ولا قوله: " صم النهار " ~~إيجابا بعينه لإمساك جزء من الليل، ولذلك لا يجب أن ينوي إلا صوم النهار، ~~ولكن ذلك يجب بدلالة العقل على وجوبه من حيث ms098 هو ذريعة إلى المأمور لا أنه ~~عين ذلك الإيجاب؛ فلا منافاة بين الكلامين. ### | [الفن الثالث من القطب الأول في أركان الحكم] # وهي أربعة: الحاكم، والمحكوم عليه، والمحكوم فيه، ونفس الحكم. أما نفس ~~الحكم فقد ذكرناه وأنه يرجع إلى الخطاب وهو. الركن الأول # الركن الثاني: الحاكم. # وهو المخاطب، فإن الحكم خطاب وكلام فاعله كل متكلم، فلا يشترط في وجود ~~صورة الحكم إلا هذا القدر. أما استحقاق نفوذ الحكم فليس إلا لمن له الخلق ~~والأمر، فإنما النافذ حكم المالك على مملوكه لا مالك إلا الخالق فلا حكم ~~ولا أمر إلا له أما النبي - صلى الله عليه وسلم - والسلطان والسيد والأب ~~والزوج فإذا أمروا وأوجبوا لم يجب شيء بإيجابهم بل بإيجاب الله تعالى ~~طاعتهم، ولولا ذلك لكان كل مخلوق أوجب على غيره شيئا كان للموجب عليه أن ~~يقلب عليه الإيجاب، إذ ليس أحدهما أولى من الآخر. فإذا الواجب طاعة الله ~~تعالى وطاعة من أوجب الله تعالى طاعته. # فإن قيل: لا بل من قدر على التوعد بالعقاب وتحقيقه حسيا فهو أهل للإيجاب، ~~إذ الوجوب إنما يتحقق بالعقاب قلنا: قد ذكرنا من مذهب القاضي - رحمه الله - ~~أن الله تعالى لو أوجب شيئا لوجب وإن لم يتوعد عليه بالعقاب، لكن عند البحث ~~عن حقيقة الوجوب لا يتحصل على طائل إذا لم يتعلق به ضرر محذور، وإن كان في ~~الدنيا فقد يقدر عليه، إلا أن العادة جارية بتخصيص هذا الاسم # PageV01P066 # بالضرر الذي يحذر في الآخرة ولا قدرة عليه إلا لله تعالى، فإن أطلق على ~~كل ضرر محذور وإن كان في الدنيا فقد يقدر عليه الآدمي، فعند ذلك يجوز أن ~~يكون موجبا لا بمعنى أنا نتحقق قدرته عليه فإنه ربما يعجز عنه قبل تحقيق ~~الوعيد، لكن نتوقع قدرته ويحصل به نوع خوف. # الركن الثالث: المحكوم عليه وهو المكلف، وشرطه أن يكون عاقلا يفهم ~~الخطاب، فلا يصح خطاب الجماد والبهيمة بل خطاب المجنون والصبي الذي لا ~~يميز؛ لأن التكليف مقتضاه الطاعة والامتثال، ولا يمكن ذلك إلا بقصد ~~الامتثال، وشرط ms099 القصد العلم بالمقصود والفهم للتكليف، فكل خطاب متضمن للأمر ~~بالفهم، فمن لا يفهم كيف يقال له افهم؟ ومن لا يسمع الصوت كالجماد كيف ~~يكلم؟ وإن سمع الصوت كالبهيمة ولكنه لا يفهم، فهو كمن لا يسمع. ومن يسمع ~~وقد يفهم فهما ما، لكنه لا يعقل ولا يثبت كالمجنون وغير المميز فمخاطبته ~~ممكنة، لكن اقتضاء الامتثال منه مع أنه لا يصح منه قصد صحيح غير ممكن فإن ~~قيل فقد وجبت الزكاة والغرامات والنفقات على الصبيان. # قلنا: ليس ذلك من التكليف في شيء، إذ يستحيل التكليف بفعل الغير، وتجب ~~الدية على العاقلة لا بمعنى أنهم مكلفون بفعل الغير ولكن بمعنى أن فعل ~~الغير سبب لثبوت الغرم في ذمتهم فكذلك الإتلاف. وملك النصاب سبب لثبوت هذه ~~الحقوق في ذمة الصبيان، بمعنى أنه سبب لخطاب الولي بالأداء في الحال وسبب ~~لخطاب الصبي بعد البلوغ، وذلك غير محال إنما المحال أن يقال لمن لا يفهم " ~~افهم " وأن يخاطب من لا يسمع ولا يعقل. # وأما أهلية ثبوت الأحكام في الذمة فمستفاد من الإنسانية التي بها يستعد ~~لقبول قوة العقل الذي به فهم التكليف في ثاني الحال، حتى إن البهيمة لما لم ~~تكن لها أهلية فهم الخطاب بالفعل ولا بالقوة لم تتهيأ لإضافة الحكم إلى ~~ذمتها. والشرط لا بد أن يكون حاصلا أو ممكنا أن يحصل على القرب، فيقال: إنه ~~موجود بالقوة، كما أن شرط المالكية الإنسانية وشرط الإنسانية الحياة. # والنطفة في الرحم قد يثبت لها الملك بالإرث والوصية والحياة غير موجودة ~~بالفعل ولكنها بالقوة إذ مصيرها إلى الحياة؛ فكذلك الصبي مصيره إلى العقل ~~فصلح لإضافة الحكم إلى ذمته ولم يصلح للتكليف في الحال. فإن قيل: فالصبي ~~المميز مأمور بالصلاة. # قلنا: مأمور من جهة الولي والولي مأمور من جهة الله تعالى، إذ قال - عليه ~~السلام - «مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر» ~~وذلك؛ لأنه يفهم خطاب الولي ويخاف ضربه فصار أهلا له، ولا يفهم خطاب الشارع ~~إذ لا يعرف الشارع ولا يخاف عقابه إذ لا ms100 يفهم الآخرة. فإن قيل: فإذا قارب ~~البلوغ عقل ولم يكلفه الشرع، أفيدل ذلك على نقصان عقله؟ قلنا: قال القاضي ~~أبو بكر - رحمه الله -: ذلك يدل عليه. # وليس يتجه ذلك؛ لأن انفصال النطفة منه لا يزيده عقلا لكن حط الخطاب عنه ~~تخفيفا؛ لأن العقل خفي، وإنما يظهر فيه على التدريج فلا يمكن الوقوف بغتة ~~على الحد الذي يفهم به خطاب الشرع ويعرف المرسل والرسول والآخرة، فنصب ~~الشرع له علامة ظاهرة. ### | [مسألة تكليف الناسي والغافل عما يكلف محال] # تكليف الناسي والغافل عما يكلف محال، إذ من لا يفهم، كيف يقال له افهم # PageV01P067 # أما ثبوت الأحكام بأفعاله في النوم والغفلة فلا ينكر كلزوم الغرامات ~~وغيرها، وكذلك تكليف السكران الذي لا يعقل محال كتكليف الساهي والمجنون ~~والذي يسمع ولا يفهم، بل السكران أسوأ حالا من النائم الذي يمكن تنبيهه ومن ~~المجنون الذي يفهم كثيرا من الكلام. # وأما نفوذ طلاقه ولزوم الغرم فذلك من قبيل ربط الأحكام بالأسباب، وذلك ~~مما لا ينكر. فإن قيل: فقد قال الله تعالى {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} ~~[النساء: 43] وهذا خطاب للسكران. قلنا: إذا ثبت بالبرهان استحالة خطابه وجب ~~تأويل الآية، ولها تأويلان # أحدهما: أنه خطاب مع المنتشي الذي ظهر فيه مبادئ النشاط والطرب ولم يزل ~~عقله، فإنه قد يستحسن من اللعب والانبساط ما لا يستحسنه قبل ذلك ولكنه ~~عاقل، وقوله تعالى: {حتى تعلموا ما تقولون} [النساء: 43] معناه حتى تتبينوا ~~ويتكامل فيكم ثباتكم، كما يقال للغضبان: اصبر حتى تعلم ما تقول، أي حتى ~~يسكن غضبك فيكمل علمك، وإن كان أصل عقله باقيا؛ وهذا لأنه لا يشتغل بالصلاة ~~مثل هذا السكران وقد يعسر عليه تصحيح مخارج الحروف وتمام الخشوع # الثاني أنه ورد الخطاب به في ابتداء الإسلام قبل تحريم الخمر، وليس ~~المراد المنع من الصلاة بل المنع من إفراط الشرب في وقت الصلاة، كما يقال: ~~لا تقرب التهجد وأنت شبعان، ومعناه لا تشبع فيثقل عليك التهجد. # مسألة: قال قائل: ليس من شرط الأمر عندكم كون المأمور موجودا فإن قال ~~قائل: ليس ms101 من شرط الأمر عندكم كون المأمور موجودا. # إذ قضيتم بأن الله تعالى آمر في الأزل لعباده قبل خلقهم، فكيف شرطتم كون ~~المكلف سميعا عاقلا والسكران والناسي والصبي والمجنون أقرب إلى التكليف من ~~المعدوم؟ قلنا: ينبغي أن يفهم معنى قولنا إن الله تعالى آمر وإن المعدوم ~~مأمور، فإنا نعني به أنه مأمور على تقدير الوجود أنه مأمور في حالة العدم، ~~إذ ذلك محال؛ لكن أثبت الذاهبون إلى إثبات كلام النفس أنه لا يبعد أن يقوم ~~بذات الأب طلب تعلم العلم من الولد الذي سيوجد، وإنه لو قدر بقاء ذلك الطلب ~~حتى وجد الولد صار الولد مطالبا بذلك الطلب ومأمورا به، فكذلك المعنى ~~القائم بذات الله تعالى الذي هو اقتضاء الطاعة من العباد قديم تعلق بعباده ~~على تقدير وجودهم، فإذا وجدوا صاروا مأمورين بذلك الاقتضاء. # ومثل هذا جار في حق الصبي والمجنون، فإن انتظار العقل لا يزيد على انتظار ~~الوجود. ولا يسمى هذا المعنى في الأزل خطابا إنما يصير خطابا إذا وجد ~~المأمور وأسمع. وهل يسمى أمرا؟ فيه خلاف، والصحيح أنه يسمى به إذ يحسن أن ~~يقال فيمن أوصى أولاده بالتصدق بماله أن يقال فلان أمر أولاده بكذا وإن كان ~~بعض أولاده مجتنا في البطن أو معدوما، ولا يحسن أن يقال خاطب أولاده إلا ~~إذا حضروا وسمعوا، ثم إذا أوصى فنفذوا وصيته يقال: قد أطاعوه وامتثلوا ~~أمره؛ مع أن الآمر الآن معدوم والمأمور كان وقت وجود الآمر معدوما. # وكذلك نحن الآن بطاعتنا ممتثلون أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وهو معدوم عن عالمنا هذا وإن كان حيا عند الله تعالى، فإذا لم يكن وجود ~~الأمر شرطا لكون المأمور مطيعا ممتثلا، فلم يشترط وجود المأمور لكون الأمر ~~أمرا فإن قيل: أفتقولون إن الله تعالى في الأزل آمر للمعدوم على وجه ~~الإلزام، قلنا: نعم، نحن نقول هو آمر لكن على تقدير الوجود كما يقال الوالد ~~موجب وملزم على أولاده التصدق إذا عقلوا وبلغوا، # PageV01P068 # فيكون الإلزام والإيجاب حاصلا ولكن بشرط الوجود والقدرة ولو قال ms102 لعبده: ~~صم غدا فقد أوجب وألزم في الحال صوم الغد، ولا يمكن صوم الغد في الوقت بل ~~في الغد وهو موصوف بأنه ملزم وموجب في الحال. # الركن الرابع: المحكوم فيه: وهو الفعل، إذ لا يدخل تحت التكليف إلا ~~الأفعال الاختيارية. وللداخل تحت التكليف شروط # الأول: صحة حدوثه لاستحالة تعلق الأمر بالقديم والباقي وقلب الأجناس ~~والجمع بين الضدين وسائر المحالات التي لا يجوز التكليف بها عند من يحيل ~~تكليف ما لا يطاق، فلا أمر إلا بمعدوم يمكن حدوثه. # وهل يكون الحادث في أول حال حدوثه مأمورا به كما كان قبل الحدوث أو يخرج ~~عن كونه مأمورا كما في الحالة الثانية من الوجود؟ اختلفوا فيه، وفيه بحث ~~كلامي لا يليق بمقاصد أصول الفقه ذكره # الثاني: جواز كونه مكتسبا للعبد حاصلا باختياره، إذ لا يجوز تكليف زيد ~~كتابة عمرو وخياطته وإن كان حدوثه ممكنا، فليكن مع كونه ممكنا مقدورا ~~للمخاطب # الثالث: كونه معلوما للمأمور معلوم التمييز عن غيره حتى يتصور قصده إليه، ~~وأن يكون معلوما كونه مأمورا به من جهة الله تعالى حتى يتصور منه قصد ~~الامتثال، وهذا يختص بما يجب فيه قصد الطاعة والتقرب. # فإن قيل: فالكافر مأمور بالإيمان بالرسول - عليه السلام - وهو لا يعلم ~~أنه مأمور به. قلنا: الشرط لا بد أن يكون معلوما أو في حكم المعلوم، بمعنى ~~أن يكون العلم ممكنا بأن تكون الأدلة منصوبة والعقل والتمكن من النظر ~~حاصلا، حتى إن ما لا دليل عليه أو من لا عقل له مثل الصبي والمجنون لا يصح ~~في حقه # الرابع: أن يكون بحيث يصح إرادة إيقاعه طاعة وهو أكثر العبادات. ويستثنى ~~من هذا شيئان أحدهما: الواجب الأول وهو النظر المعرف للوجوب، فإنه لا يمكن ~~قصد إيقاعه طاعة وهو لا يعرف وجوبه إلا بعد الإتيان به. # الثاني: أصل إرادة الطاعة والإخلاص، فإنه لو افتقرت إلى إرادة لافتقرت ~~الإرادة إلى إرادة وتسلسل. # ويتشعب عن شروط الفعل خمس مسائل. # مسألة: ذهب قوم إلى أن كون المكلف به ممكن الحدوث ليس بشرط. # بل يجوز ms103 تكليف ما لا يطاق والأمر بالجمع بين الضدين وقلب الأجناس وإعدام ~~القديم وإيجاد الموجود، وهو المنسوب إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري - رحمه ~~الله -. وهو لازم على مذهبه من وجهين أحدهما: أن القاعدة عنده غير قادر على ~~القيام إلى الصلاة؛ لأن الاستطاعة عنده مع الفعل لا قبله، وإنما يكون ~~مأمورا قبله. # والآخر: أن قدرة الحادثة لا تأثير لها في إيجاد المقدور بل أفعالنا حادثة ~~بقدرة الله تعالى واختراعه، فكل عبد هو عنده مأمور بفعل الغير. واستدل على ~~هذا بثلاثة أشياء: قوله تعالى: {ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} [البقرة: ~~286] ، والمحال لا يسأل دفعه فإنه مندفع بذاته. وهو ضعيف،؛ لأن المراد به ~~ما يشق ويثقل علينا إذ من أتعب بالتكليف بأعمال تكاد تفضي إلى هلاكه لشدتها ~~كقوله: {اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم} [النساء: 66] فقد يقال حمل ما ~~لا طاقة له به؛ فالظاهر المؤول ضعيف الدلالة في القطعيات. # الثاني: قولهم إن الله تعالى أخبر أن أبا جهل لا يصدق وقد كلفه الإيمان، ~~ومعناه أن يصدق محمدا فيما جاء به ومما جاء به أنه لا يصدقه؛ فكأنه أمره أن ~~يصدقه في أن لا يصدقه وهو # PageV01P069 # محال. وهذا ضعيف أيضا؛ لأن أبا جهل أمر بالإيمان بالتوحيد والرسالة ~~والأدلة منصوبة والعقل حاضر، إذ لم يكن هو مجنونا فكان الإمكان حاصلا، لكن ~~الله تعالى علم أنه يترك ما يقدر عليه حسدا وعنادا. # فالعلم يتبع المعلوم ولا يغيره، فإذا علم كون الشيء مقدورا لشخص وممكنا ~~منه ومتروكا من جهته مع القدرة عليه فلو انقلب محالا لانقلب العلم جهلا ~~ويخرج عن كونه ممكنا مقدورا. وكذلك نقول القيامة مقدور عليها من جهة الله ~~تعالى في وقتنا هذا وإن أخبر أنه لا يقيمها ويتركها مع القدرة عليها، وخلاف ~~خبره محال إذ يصير وعيده كذبا؛ ولكن هذه استحالة لا ترجع إلى نفس الشيء فلا ~~تؤثر فيه. # الثالث: قولهم: لو استحال تكليف المحال لاستحال إما لصيغته أو لمعناه أو ~~لمفسدة تتعلق به أو؛ لأنه يناقض الحكمة، ولا يستحيل لصيغته إذ لا ms104 يستحيل أن ~~يقول: {كونوا قردة خاسئين} [البقرة: 65] ، وأن يقول السيد لعبده الأعمى: ~~أبصر، وللزمن امش. وأما قيام معناه بنفسه فلا يستحيل أيضا، إذ يمكن أن يطلب ~~من عبده كونه في حالة واحدة في مكانين ليحفظ ماله في بلدين. ومحال أن يقال ~~إنه ممتنع للمفسدة أو مناقضة الحكمة، فإن بناء الأمور على ذلك في حق الله ~~تعالى محال. # إذ لا يقبح منه شيء ولا يجب عليه الأصلح ثم الخلاف فيه وفي العباد واحد ~~والفساد والسفه من المخلوق ممكن فلم يمتنع ذلك مطلقا والمختار استحالة ~~التكليف بالمحال لا لقبحه ولا لمفسدة تنشأ عنه ولا لصيغته، إذ يجوز أن ترد ~~صيغته ولكن للتعجيز لا للطلب، كقوله تعالى: {كونوا حجارة أو حديدا} ~~[الإسراء: 50] ، وكقوله: {كونوا قردة خاسئين} [البقرة: 65] أو لإظهار ~~القدرة، كقوله تعالى: {كن فيكون} [البقرة: 117] لا بمعنى أنه طلب من ~~المعدوم أن يكون بنفسه ولكن يمتنع لمعناه، إذ معنى التكليف طلب ما فيه ~~كلفة، والطلب يستدعي مطلوبا وذلك المطلوب ينبغي أن يكون مفهوما للمكلف ~~بالاتفاق، فيجوز أن يقول: تحرك، إذ التحرك مفهوم، فلو قال له: تمرك، فليس ~~بتكليف إذ معناه ليس بمعقول ولا مفهوم ولا له معنى في نفسه فإنه لفظ مهمل، ~~فلو كان له معنى في بعض اللغات يعرفه الآمر دون المأمور فلا يكون ذلك ~~تكليفا أيضا؛ لأن التكليف هو الخطاب بما فيه كلفة وما لا يفهمه المخاطب لا ~~يكون خطابا معه وإنما يشترط كونه مفهوما ليتصور منه الطاعة؛ لأن التكليف ~~اقتضاء طاعة، فإذا لم يكن في العقل طاعة لم يكن اقتضاء الطاعة متصورا ~~معقولا إذ يستحيل أن يقوم بذات العاقل طلب الخياطة من الشجر؛ لأن الطلب ~~يستدعي مطلوبا معقولا أولا وهذا غير معقول أي: لا وجود له في العقل، فإن ~~الشيء قبل أن يوجد في نفسه فله وجود في العقل، وإنما يتوجه إليه الطلب بعد ~~حصوله في العقل، وإحداث القديم غير داخل في العقل فكيف يقوم بذاته طلب ~~إحداث القديم؟ وكذلك سواد الأبيض لا وجود له في العقل، وكذلك قيام القاعد، ms105 ~~فكيف يقول له: قم وأنت قاعد؟ فهذا الطلب يمتنع قيامه بالقلب لعدم المطلوب، ~~فإنه كما يشترط في المطلوب أن يكون معدوما في الأعيان يشترط أن يكون موجودا ~~في الأذهان، أي: في العقل، حتى يكون إيجاده في الأعيان على وفقه في الأذهان ~~فيكون طاعة وامتثالا أي: احتذاء لمثال ما في نفس الطالب، فما # PageV01P070 # لا مثال له في النفس لا مثال له في الوجود. # فإن قيل: فإذا لم يعلم عجز المأمور عن القيام تصور أن يقوم بذاته طلب ~~القيام؟ قلنا: ذلك طلب مبني على الجهل، وربما يظن الجاهل أن ذلك تكليف فإذا ~~انكشف تبين أنه لم يكن طلبا، وهذا لا يتصور من الله تعالى. فإن قيل: فإذا ~~لم تؤثر القدرة الحادثة في الإيجاد وكانت مع الفعل كان كل تكليف تكليفا بما ~~لا يطاق. # قلنا: نحن ندرك بالضرورة تفرقة بين أن يقال للقاعد الذي ليس بزمن ادخل ~~البيت، وبين أن يقال: اطلع السماء، أو يقال له: قم مع استدامة القعود، أو ~~اقلب السواد حركة والشجرة فرسا. إلا أن النظر في أن هذه التفرقة إلى ماذا ~~ترجع ويعلم أنها ترجع إلى تمكن وقدرة بالإضافة إلى أحد هذه الأوامر دون ~~البقية. # ثم النظر في تفصيل تأثير القدرة وقت حدوث القدرة كيف ما استقر أمره لا ~~يشككنا في هذا؛ ولذلك جاز أن نقول: لا تحملنا ما لا طاقة لنا به، فإن استوت ~~الأمور كلها فأي معنى لهذا الدعاء وأي معنى لهذه التفرقة الضرورية؟ فغرضنا ~~من هذه المسألة غير موقوف على البحث عن وجه تأثير القدرة ووقتها وعلى ~~الجملة سبب غموض هذا أن التكليف نوع خاص من كلام النفس وفي فهم أصل كلام ~~النفس غموض، فالتفريع عليه وتفصيل أقسامه لا محالة يكون أغمض. # مسألة لا يجوز أن يقال لا تتحرك ولا تسكن كما لا يجوز أن يقال: اجمع بين ~~الحركة والسكون. # لا يجوز أن يقال: لا تتحرك ولا تسكن؛ لأن الانتهاء عنهما محال كالجمع ~~بينهما. فإن قيل: فمن توسط مزرعة مغصوبة فيحرم عليه المكث ويحرم عليه ~~الخروج، ms106 إذ في كل واحد إفساد زرع الغير فهو عاص بهما. قلنا: حظ الأصولي من ~~هذا أن يعلم أنه لا يقال له لا تمكث ولا تخرج ولا ينهى عن الضدين فإنه ~~محال؛ كما لا يؤمر بجمعهما. فإن قيل: فما يقال له؟ قلنا: يؤمر بالخروج كما ~~يؤمر المولج في الفرج الحرام بالنزع وإن كان به مماسا للفرج الحرام، ولكن ~~يقال له: انزع على قصد التوبة لا على قصد الالتذاذ، فكذلك في الخروج من ~~الغصب تقليل الضرر وفي المكث تكثيره وأهون الضررين يصير واجبا وطاعة ~~بالإضافة إلى أعظمهما، كما يصير شرب الخمر واجبا في حق من غص بلقمة، وتناول ~~طعام الغير واجبا على المضطر في المخمصة وإفساد مال الغير ليس حراما لعينه؛ ~~ولذلك لو أكره عليه بالقتل وجب أو جاز. # فإن قيل: فلم يجب الضمان بما يفسده في الخروج؟ قلنا: الضمان لا يستدعي ~~العدوان، إذ يجب على المضطر في المخمصة مع وجوب الإتلاف، ويجب على الصبي ~~وعلى من رمي إلى صف الكفار وهو مطيع به. فإن قيل: فالمضي في الحج الفاسد إن ~~كان حراما للزوم القضاء فلم يجب، وإن كان واجبا وطاعة فلم وجب القضاء ولم ~~عصى به؟ قلنا: عصى بالوطء المفسد وهو مطيع بإتمام الفاسد، والقضاء يجب بأمر ~~مجدد وقد يجب بما هو طاعة إذا تطرق إليه خلل، وقد يسقط القضاء بالصلاة في ~~الدار المغصوبة مع أنه عدوان، فالقضاء كالضمان. # فإن قيل: فبم تنكرون على أبي هاشم حيث ذهب إلى أنه لو مكث عصى ولو خرج ~~عصى وأنه ألقى بنفسه في هذه الورطة فحكم العصيان ينسحب على فعله؟ قلنا: ~~وليس لأحد أن يلقي بنفسه في حال تكلف ما لا يمكن، فمن ألقى نفسه من سطح ~~فانكسرت رجله لا يعصي بالصلاة قاعدا وإنما يعصي بكسر الرجل لا بترك الصلاة ~~قائما، وقول القائل ينسحب # PageV01P071 # عليه حكم العدوان إن أراد به أنه إنما نهي عنه مع النهي عن ضده فهو محال، ~~والعصيان عبارة عن ارتكاب منهي قد نهي عنه، فإن لم يكن نهي لم يكن ms107 عصيان ~~فكيف يفرض النهي عن شيء وعن ضده أيضا؟ ومن جوز تكليف ما لا يطاق عقلا فإنه ~~يمنعه شرعا، لقوله تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286] . ~~فإن قيل: فإن رجحتم جانب الخروج لتقليل الضرر، فما قولكم فيمن سقط على صدر ~~صبي محفوف بصبيان وقد علم أنه لو مكث قتل من تحته أو انتقل قتل من حواليه ~~ولا ترجيح فكيف السبيل؟ قلنا: يحتمل أن يقال: امكث، فإن الانتقال فعل ~~مستأنف لا يصح إلا من حي قادر، وأما ترك الحركة فلا يحتاج إلى استعمال ~~قدرة. # ويحتمل أن يقال: يتخير، إذ لا ترجيح. ويحتمل أن يقال: لا حكم لله تعالى ~~فيه فيفعل ما يشاء؛ لأن الحكم لا يثبت إلا بنص أو قياس على منصوص، ولا نص ~~في هذه المسألة ولا نظير لها في المنصوصات حتى يقاس عليه، فبقي على ما كان ~~قبل ورود الشرع، ولا يبعد خلو واقعة عن الحكم فكل هذا محتمل، وأما تكليف ~~المحال فمحال. ### | [مسألة في المقتضى بالتكليف] # مسألة اختلفوا في المقتضى بالتكليف اختلفوا في المقتضى بالتكليف # والذي عليه أكثر المتكلمين أن المقتضى به الإقدام أو الكف وكل واحد كسب ~~العبد، فالأمر بالصوم أمر بالكف والكف فعل يثاب عليه، والمقتضى بالنهي عن ~~الزنا والشرب التلبس بضد من أضداده وهو الترك فيكون مثابا على الترك الذي ~~هو فعله وقال بعض المعتزلة: قد يقتضي الكف فيكون فعلا، وقد يقتضي أن لا ~~يفعل ولا يقصد التلبس بضده. فأنكر الأولون هذا وقالوا: المنتهي بالنهي مثاب ~~ولا يثاب إلا على شيء، وأن لا يفعل عدم وليس بشيء ولا تتعلق به قدرة، إذ ~~القدرة تتعلق بشيء، فلا يصح الإعدام بالقدرة، وإذا لم يصدر منه شيء فكيف ~~يثاب على لا شيء؟ والصحيح أن الأمر فيه منقسم، أما الصوم فالكف فيه مقصود ~~ولذلك تشترط فيه النية، وأما الزنا والشرب فقد نهي عن فعلهما فيعاقب ~~فاعلهما، ومن لم يصدر منه ذلك فلا يعاقب ولا يثاب إلا إذا قصد كف الشهوة ~~عنهما مع التمكن فهو مثاب على فعله، ms108 وأما من لم يصدر منه النهي عن فعله فلا ~~يعاقب عليه ولا يثاب؛ لأنه لم يصدر منه شيء؛ ولا يبعد أن يكون مقصود الشرع ~~أن لا تصدر منه الفواحش، ولا يقصد منه التلبس بأضدادها. ### | [مسألة فعل المكره يجوز أن يدخل تحت التكليف] # فعل المكره يجوز أن يدخل تحت، التكليف # بخلاف فعل المجنون والبهيمة؛ لأن الخلل ثم في المكلف لا في المكلف به. ~~فإن شرط تكليف المكلف السماع والفهم وذلك في المجنون والبهيمة معدوم ~~والمكره يفهم وفعله في حيز الإمكان إذ يقدر على تحقيقه وتركه، فإن أكره على ~~أن يقتل جاز أن يكلف ترك القتل؛ لأنه قادر عليه وإن كان فيه خوف الهلاك، ~~وإن كلف على وفق الإكراه فهو أيضا ممكن بأن يكره بالسيف على قتل حية همت ~~بقتل مسلم إذ يجب قتلها، أو أكره الكافر على الإسلام فإذا أسلم نقول: قد ~~أدى ما كلف. # وقالت المعتزلة: إن ذلك محال؛ لأنه لا يصح منه إلا فعل ما أكره عليه فلا ~~يبقى له خيرة، وهذا محال؛ لأنه قادر على تركه ولذلك يجب عليه ترك ما أكره ~~عليه إذا أكره على قتل مسلم. وكذلك لو أكره على قتل حية فيجب قتل الحية. # وإذا أكره على إراقة الخمر فيجب عليه إراقة الخمر. وهذا ظاهر ولكن فيه ~~غور، وذلك؛ لأن الامتثال إنما يكون طاعة إذا كان الانبعاث له # PageV01P072 # بباعث الأمر والتكليف دون باعث الإكراه. فإن أقدم للخلاص من سيف المكره ~~لا يكون مجيبا داعي الشرع، وإن انبعث بداعي الشرع بحيث كان يفعله لولا ~~الإكراه بل كان يفعله لو أكره على تركه فلا يمتنع وقوعه طاعة لكن لا يكون ~~مكرها وإن وجد صورة التخويف، فليتنبه لهذه الدقيقة. ### | [مسألة ليس من شرط الفعل المأمور به أن يكون شرطه حاصلا حالة الأمر] # ليس من شرط الفعل المأمور به أن يكون شرطه حاصلا حالة الأمر، # بل يتوجه الأمر بالشرط والمشروط ويكون مأمورا بتقديم الشرط، فيجوز أن ~~يخاطب الكفار بفروع الإسلام كما يخاطب المحدث بالصلاة بشرط تقديم الوضوء ~~والملحد بتصديق ms109 الرسول بشرط تقديم الإيمان بالرسل. وذهب أصحاب الرأي إلى ~~إنكار ذلك، والخلاف إما في الجواز وإما في الوقوع. أما الجواز العقلي ~~فواضح، إذ لا يمتنع أن يقول الشارع «بني الإسلام على خمس» وأنتم مأمورون ~~بجميعها وبتقديم الإسلام من جملتها، فيكون الإيمان مأمورا به لنفسه ولكونه ~~شرطا لسائر العبادات كما في المحدث والملحد. # فإن منع مانع الجميع وقال: كيف يؤمر بما لا يمكن امتثاله، والمحدث لا ~~يقدر على الصلاة فهو مأمور بالوضوء فإذا توضأ توجه عليه حينئذ الأمر ~~بالصلاة؟ قلنا: فينبغي أن يقال لو ترك الوضوء والصلاة جميع عمره لا يعاقب ~~على ترك الصلاة؛ لأنه لم يؤمر قط بالصلاة، وهذا خلاف الإجماع. وينبغي أن لا ~~يصح أمره بعد الوضوء بالصلاة بل بالتكبير، فإنه يشترط تقديمه، ولا بالتكبير ~~بل بهمزة التكبير أولا ثم بالكاف ثانيا وعلى هذا الترتيب. # وكذلك السعي إلى الجمعة ينبغي أن لا يتوجه الأمر به إلا بالخطوة الأولى ~~ثم بالثانية. وأما الوقوع الشرعي فنقول: كان يجوز أن يخصص خطاب الفروع ~~بالمؤمنين كما خصص وجوب العبادات بالأحرار والمقيمين والأصحاء والطاهرات ~~دون الحيض؛ ولكن وردت الأدلة بمخاطبتهم، وأدلته ثلاثة، الأول: قوله تعالى: ~~{ما سلككم في سقر} [المدثر: 42] {قالوا لم نك من المصلين} [المدثر: 43] ~~الآية، فأخبر أنه عذبهم بترك الصلاة وحذر المسلمين به. # فإن قيل: هذه حكاية قول الكفار فلا حجة فيها قلنا: ذكره الله - تعالى - ~~في معرض التصديق لهم بإجماع الأمة وبه يحصل التحذير، إذ لو كان كذبا لكان ~~كقولهم: عذبنا؛ لأنا مخلوقون وموجودون، كيف وقد عطف عليه قوله: {وكنا نكذب ~~بيوم الدين} [المدثر: 46] فكيف يعطف ذلك على ما لا عذاب عليه؟ فإن قيل: ~~العقاب بالتكذيب لكن غلظ بإضافة ترك الطاعات إليه. قلنا: لا يجوز أن يغلظ ~~بترك الطاعات كما لا يجوز أن يغلظ بترك المباحات التي لم يخاطبوا بها. # فإن قيل: عوقبوا لا بترك الصلاة لكن لإخراجهم أنفسهم بترك الإيمان عن ~~العلم بقبح ترك الصلاة. قلنا: هذا باطل من أوجه: أحدها: أنه ترك للظاهر من ~~غير ضرورة ولا دليل، فإن ms110 ترك العلم بقبح ترك الصلاة غير ترك الصلاة، وقد ~~قالوا {لم نك من المصلين} [المدثر: 43] الثاني: أن ذلك يوجب التسوية بين ~~كافر باشر القتل وسائر المحظورات وبين من اقتصر على الكفر؛ لأن كليهما ~~استويا في إخراج النفس بالكفر عن العلم بقبح المحظورات، والتسوية بينهما ~~خلاف الإجماع. الثالث: أن من ترك النظر والاستدلال ينبغي أن لا يعاقب على ~~ترك الإيمان؛ لأنه أخرج نفسه بترك النظر عن أهلية العلم بوجوب المعرفة ~~والإيمان. # فإن قيل: لم # PageV01P073 # نك من المصلين أي من المؤمنين، لكن عرفوا أنفسهم بعلامة المؤمنين كما قال ~~- صلى الله عليه وسلم -: «نهيت عن قتل المصلين» أي: المؤمنين لكن عرفهم بما ~~هو شعارهم. قلنا: هذا محتمل، لكن الظاهر لا يترك إلا بدليل ولا دليل للخصم. ~~الدليل الثاني: قوله تعالى: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون ~~النفس التي حرم الله} [الفرقان: 68] إلى قوله تعالى: {يضاعف له العذاب} ~~[الفرقان: 69] فالآية نص في مضاعفة عذاب من جمع بين الكفر والقتل والزنا لا ~~كمن جمع بين الكفر والأكل والشرب. الدليل الثالث انعقاد الإجماع على تعذيب ~~الكافر على تكذيب الرسول كما يعذب على الكفر بالله - تعالى -. # وهذا يهدم معتمدهم، إذ قالوا: لا تتصور العبادة مع الكفر فكيف يؤمر بها؟ ~~احتجوا بأنه لا معنى لوجوب الزكاة وقضاء الصلاة عليه مع استحالة فعله في ~~الكفر ومع انتفاء وجوبه لو أسلم، فكيف يجب ما لا يمكن امتثاله؟ قلنا: وجب ~~حتى لو مات على الكفر لعوقب على تركه، لكن إذا أسلم عفي له عما سلف، ~~فالإسلام يجب ما قبله. ولا يبعد نسخ الأمر قبل التمكن من الامتثال، فكيف ~~يبعد سقوط الوجوب بالإسلام؟ فإن قيل: إذا لم تجب الزكاة إلا بشرط الإسلام، ~~والإسلام الذي هو شرط الوجوب هو بعينه مسقط، فالاستدلال بهذا على أنه لم ~~يجب أولى من إيجابه ثم الحكم بسقوطه. # قلنا: لا بعد في قولنا استقر الوجوب بالإسلام وسقط بحكم العفو، فليس في ~~ذلك مخالفة نص، ونصوص القرآن دلت على عقاب الكافر المتعاطي للفواحش، وكذا ~~الإجماع دل ms111 على الفرق بين كافر قتل الأنبياء والأولياء وشوش الدين وبين ~~كافر لم يرتكب شيئا من ذلك، فما ذكرناه أولى. فإن قيل: فلم أوجبتم القضاء ~~على المرتد دون الكافر الأصلي؟ قلنا: القضاء إنما وجب بأمر مجدد فيتبع فيه ~~موجب الدليل ولا حجة فيه، إذ قد يجب القضاء على الحائض ولم تؤمر بالأداء، ~~وقد يؤمر بالأداء من لا يؤمر بالقضاء. # وقد اعتذر الفقهاء بأن المرتد قد التزم بالإسلام القضاء والكافر لم ~~يلتزم. وهذا ضعيف، فإن ما ألزمه الله - تعالى - فهو لازم، التزمه العبد أو ~~لم يلتزمه. فإن كان يسقط بعدم التزامه فالكافر الأصلي لم يلتزم العبادات ~~وترك المحظورات، فينبغي أن لا يلزمه ذلك. ### | [الفن الرابع من القطب الأول فيما يظهر الحكم به فصول] ### | [الفصل الأول في الأسباب] # الفن الرابع من القطب الأول فيما يظهر الحكم به وهو الذي يسمى سببا ~~وكيفية نسبة الحكم إليه وفيه أربعة فصول: الفصل الأول في الأسباب اعلم أنه ~~لما عسر على الخلق معرفة خطاب الله - تعالى - في كل حال لا سيما بعد انقطاع ~~الوحي، أظهر الله - سبحانه - خطابه لخلقه بأمور محسوسة نصبها أسبابا ~~لأحكامه وجعلها موجبة ومقتضية للأحكام على مثال اقتضاء العلة الحسية ~~معلولها، ونعني بالأسباب ههنا أنها هي التي أضاف الأحكام إليها، كقوله - ~~تعالى -: {أقم الصلاة لدلوك الشمس} [الإسراء: 78] وقوله تعالى: {فمن شهد ~~منكم الشهر فليصمه} [البقرة: 185] وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «صوموا ~~لرؤيته وأفطروا لرؤيته» . # وهذا ظاهر فيما يتكرر من العبادات كالصلاة والصوم والزكاة، فإن ما يتكرر ~~الوجوب بتكرره فجدير بأن يسمى سببا؛ أما ما لا يتكرر كالإسلام والحج فيمكن ~~أن يقال: ذلك معلوم بقوله - تعالى -: {ولله على الناس حج البيت} [آل عمران: ~~97] وكذا وجوب المعرفة على كل مكلف يعلم # PageV01P074 # بالعمومات، فلا حاجة إلى إضافتها إلى سبب. # ويمكن أن يقال سبب وجوب الإيمان والمعرفة الأدلة المنصوبة، وسبب وجوب ~~الحج البيت دون الاستطاعة؛ ولما كان البيت واحدا لم يجب الحج إلا مرة ~~واحدة، والإيمان معرفة فإذا حصلت دامت والأمر فيه قريب. هذا قسم العبادات، ~~وأما قسم ms112 الغرامات والكفارات والعقوبات فلا تخفى أسبابها. # وأما قسم المعاملات فلحل الأموال والأبضاع، وحرمتها أيضا أسباب ظاهرة من ~~نكاح وبيع وطلاق وغيره، وهذا ظاهر وإنما المقصود أن نصب الأسباب أسبابا ~~للأحكام أيضا حكم من الشرع، فلله تعالى في الزاني حكمان أحدهما: وجوب الحد ~~عليه، والثاني: نصب الزنا سببا للوجوب في حقه؛ لأن الزنا لا يوجب الرجم ~~لذاته وعينه بخلاف العلل العقلية، وإنما صار موجبا بجعل الشرع إياه موجبا، ~~فهو نوع من الحكم فلذلك أوردناه في هذا القطب ولذلك يجوز تعليله ونقول: نصب ~~الزنا علة للرجم والسرقة علة للقطع لكذا وكذا، فاللواط في معناه فينتصب ~~أيضا سببا، والنباش في معنى السارق؛ وسيأتي تحقيق ذلك في كتاب القياس. # واعلم أن اسم السبب مشترك في اصطلاح الفقهاء، وأصل اشتقاقه من الطريق ومن ~~الحبل الذي به ينزح الماء من البئر، وحده ما يحصل الشيء عنده لا به، فإن ~~الوصول بالسير لا بالطريق ولكن لا بد من الطريق، ونزح الماء بالاستقاء لا ~~بالحبل ولكن لا بد من الحبل، فاستعار الفقهاء لفظ السبب من هذا الموضع ~~وأطلقوه على أربعة أوجه: الوجه الأول: وهو أقربها إلى المستعار منه: ما ~~يطلق في مقابلة المباشرة، إذ يقال: إن حافر البئر مع المردي فيه صاحب سبب، ~~والمردي صاحب علة، فإن الهلاك بالتردية لكن عند وجود البئر فما يحصل الهلاك ~~عنده لا به يسمى سببا. # الثاني: تسميتهم الرمي سببا للقتل من حيث إنه سبب للعلة، وهو على التحقيق ~~علة العلة لكن لما حصل الموت لا بالرمي بل بالواسطة أشبه ما لا يحصل الحكم ~~إلا به. الثالث: تسميتهم ذات العلة مع تخلف وصفها سببا، كقولهم: الكفارة ~~تجب باليمين دون الحنث، فاليمين هو السبب. وملك النصاب هو سبب الزكاة دون ~~الحول مع أنه لا بد منهما في الوجوب. ويريدون بهذا السبب ما تحسن إضافة ~~الحكم إليه، ويقابلون هذا بالمحل والشرط فيقولون ملك النصاب سبب والحول ~~شرط. # الرابع: تسميتهم الموجب سببا فيكون السبب بمعنى العلة، وهذا أبعد الوجوه ~~عن وضع اللسان، فإن السبب في الوضع ms113 عبارة عما يحصل الحكم عنده لا به؛ ولكن ~~هذا يحسن في العلل الشرعية؛ لأنها لا توجب الحكم لذاتها بل بإيجاب الله - ~~تعالى -، ولنصبه هذه الأسباب علامات لإظهار الحكم، فالعلل الشرعية في معنى ~~العلامات المظهرة فشابهت ما يحصل الحكم عنده. ### | [الفصل الثاني في وصف السبب بالصحة والبطلان والفساد] # وصف السبب بالصحة والبطلان والفساد. # اعلم أن هذا يطلق في العبادات تارة وفي العقود أخرى، وإطلاقه في العبادات ~~مختلف فيه، فالصحيح عند المتكلمين عبارة عما وافق الشرع وجب القضاء أو لم ~~يجب، وعند الفقهاء عبارة عما أجزأ وأسقط القضاء. حتى إن صلاة من ظن أنه ~~متطهر صحيحة في اصطلاح المتكلمين؛ لأنه وافق الأمر المتوجه عليه في الحال، ~~وأما القضاء فوجوبه بأمر مجدد فلا يشتق منه اسم الصحة. # وهذه الصلاة فاسدة عند الفقهاء؛ لأنها غير مجزئة، وكذلك من قطع صلاته ~~بإنقاذ # PageV01P075 # غريق فصلاته صحيحة عند المتكلم فاسدة عند الفقيه وهذه الاصطلاحات وإن ~~اختلفت فلا مشاحة فيها، إذ المعنى متفق عليه. # وأما إذا أطلق في العقود فكل سبب منصوب لحكم إذا أفاد حكمه المقصود منه ~~يقال إنه صح، وإن تخلف عنه مقصوده يقال إنه بطل. فالباطل هو الذي لا يثمر؛ ~~لأن السبب مطلوب لثمرته، والصحيح هو الذي أثمر، والفاسد مرادف للباطل في ~~اصطلاح أصحاب الشافعي - رضي الله عنه -. # فالعقد إما صحيح وإما باطل وكل باطل فاسد وأبو حنيفة أثبت قسما آخر في ~~العقود بين البطلان والصحة وجعل الفاسد عبارة عنه وزعم أن الفاسد منعقد ~~لإفادة الحكم؛ لكن المعنى بفساده أنه غير مشروع بوصفه، والمعنى بانعقاده ~~أنه مشروع بأصله، كعقد الربا فإنه مشروع من حيث إنه بيع وممنوع من حيث إنه ~~يشتمل على زيادة في العوض، فاقتضى هذا درجة بين الممنوع بأصله ووصفه جميعا ~~بين المشروع بأصله ووصفه جميعا، فلو صح له هذا القسم لم يناقش في التعبير ~~عنه بالفاسد ولكنه ينازع فيه إذ كل ممنوع بوصفه فهو ممنوع بأصله كما سبق ~~ذكره. ### | [الفصل الثالث في وصف العبادة بالأداء والقضاء والإعادة] # وصف العبادة بالأداء والقضاء والإعادة ms114 # اعلم أن الواجب إذا أدي في وقته سمي أداء، وإن أدي بعد خروج وقته المضيق ~~أو الموسع المقدر سمي قضاء، وإن فعل مرة على نوع من الخلل ثم فعل ثانيا في ~~الوقت سمي إعادة. فالإعادة اسم لمثل ما فعل، والقضاء اسم لفعل مثل ما فات ~~وقته المحدود. ويتصدى النظر في شيئين # أحدهما أنه لو غلب على ظنه في الواجب الموسع أنه يخترم قبل الفعل فلو أخر ~~عصى بالتأخير. # فلو أخر وعاش قال القاضي - رحمه الله -: ما يفعله هذا قضاء؛ لأنه تقدر ~~وقته بسبب غلبة الظن. وهذا غير مرضي عندنا، فإنه لما انكشف خلاف ما ظن زال ~~حكمه وصار كما لو علم أنه يعيش، فينبغي أن ينوي الأداء، أعني المريض إذا ~~أخر الحج إلى السنة الثانية وهو مشرف على الهلاك ثم شفي # الثاني: أن الزكاة على الفور عند الشافعي - رحمه الله -، فلو أخر ثم أدى ~~فيلزم على مساق كلام القاضي - رحمه الله - أن يكون قضاء؛ والصحيح أنه أداء؛ ~~لأنه لم يعين وقته بتقدير وتعيين، وإنما أوجبنا البدار بقرينة الحاجة، وإلا ~~فالأداء في جميع الأوقات موافق لموجب الأمر وامتثال له وكذلك من لزمه قضاء ~~صلاة الفور فأخر فلا نقول إنه قضاء القضاء، ولذلك نقول: يفتقر وجوب القضاء ~~إلى أمر مجدد، ومجرد الأمر بالأداء كاف في دوام اللزوم، فلا يحتاج إلى دليل ~~آخر وأمر مجدد. # فإذا الصحيح أن اسم القضاء مخصوص بما عين وقته شرعا ثم فات الوقت قبل ~~الفعل. دقيقة: اعلم أن القضاء قد يطلق مجازا وقد يطلق حقيقة فإنه تلو ~~الأداء. وللأداء أربعة أحوال # الأولى: أن يكون واجبا، فإذا تركه المكلف عمدا أو سهوا وجب عليه القضاء، ~~ولكن حط المأثم عنه عند سهوه على سبيل العفو، فالإتيان بمثله بعده يسمى ~~قضاء حقيقة. # الثانية: أن لا يجب الأداء كالصيام في حق الحائض فإنه حرام، فإذا صامت ~~بعد الطهر فتسميته قضاء مجاز محض وحقيقته أنه فرض مبتدأ، لكن لما تجدد هذا ~~الفرض بسبب حالة عرضت منعت من إيجاب الأداء حتى فات لفوات إيجابه ms115 سمي قضاء. ~~وقد أشكل هذا على طائفة فقالوا: وجب الصوم على الحائض دون الصلاة بدليل ~~وجوب القضاء. # وجعل هذا # PageV01P076 # الاسم مجازا أولى من مخالفة الإجماع، إذ لا خلاف أنه لو ماتت الحائض لم ~~تكن عاصية فكيف تؤمر بما تعصي به لو فعلته؟ وليس الحيض كالحدث، فإن إزالته ~~تمكن. فإن قيل: فلم تنوي قضاء رمضان؟ قلنا: إن عنيت بذلك أنها تنوي قضاء ما ~~صنع الحيض من وجوبه فهو كذلك وإن عنيت أنه قضاء وجب عليها في حالة الحيض ~~فهو خطأ ومحال. فإن قيل: فلينو البالغ القضاء لما فات إيجابه في حالة ~~الصغر. # قلنا لو أمر بذلك لنواه، ولكن لم يجعل فوات الإيجاب بالصبا سببا لإيجاب ~~فرض مبتدأ بعد البلوغ، كيف والمجاز إنما يحسن بالاشتهار؟ وقد اشتهر ذلك في ~~الحيض دون الصبا. ولعل سبب اختصاص اشتهاره أن الصبا يمنع أصل التكليف، ~~والحائض مكلفة فهي بصدد الإيجاب. # الحالة الثالثة: حالة المريض والمسافر إذا لم يجب عليهما لكنهما إن صاما ~~وقع عن الفرض، فهذا يحتمل أن يقال إنه مجاز أيضا، إذ لا وجوب، ويحتمل أن ~~يقال إنه حقيقة إذا فعله في الوقت لصح منه فإذا أخل بالفعل مع صحته ولو ~~فعله شبيه بمن وجب عليه وتركه سهوا أو عمدا، أو نقول قال الله تعالى: {فعدة ~~من أيام أخر} [البقرة: 184] فهو على سبيل التخيير، فكان الواجب أحدهما ~~بعينه. # إلا أن هذا البدل لا يمكن إلا بعد فوات الأول، والأول سابق بالزمان فسمي ~~قضاء لتعلقه بفواته بخلاف العتق والصيام في الكفارة إذ لا يتعلق أحدهما ~~بفوات الآخر، ولكن يلزم على هذا أن تسمى الصلاة في آخر الوقت قضاء؛ لأنه ~~مخير بين التقديم والتأخير كالمسافر. والأظهر أن تسمية صوم المسافر قضاء ~~مجاز، أو القضاء اسم مشترك بين ما فات أداؤه الواجب وبين ما خرج عن وقته ~~المشهور المعروف به ولرمضان خصوص نسبة إلى الصوم ليس ذلك لسواه بدليل أن ~~الصبي المسافر لو بلغ بعد رمضان لا يلزمه، ولو بلغ في آخر وقت الصلاة ~~لزمته؛ فإخراجه عن مظنة ms116 أدائه في حق العموم يوهم كونه قضاء، والذي يقتضيه ~~التحقيق أنه ليس بقضاء فإن قيل: فالنائم والناسي يقضيان ولا خطاب عليهما؛ ~~لأنهما لا يكلفان. # قلنا: هما منسوبان إلى الغفلة والتقصير، ولكن الله تعالى عفا عنهما وحط ~~عنهما المأثم بخلاف الحائض ثم في المسافر ولذلك يجب عليهما الإمساك بقية ~~النهار تشبها بالصائمين دون الحائض ثم في المسافر مذهبان ضعيفان # أحدهما مذهب أصحاب الظاهر أن المسافر لا يصح صومه في السفر، لقوله تعالى: ~~{فعدة من أيام أخر} [البقرة: 184] ، فلم يأمره إلا بأيام أخر. # وهو فاسد؛ لأن سياق الكلام يفهمنا إضمار الإفطار، ومعناه من كان مريضا أو ~~على سفر فأفطر فعدة من أيام أخر، كقوله تعالى: {فقلنا اضرب بعصاك الحجر ~~فانفجرت منه} [البقرة: 60] . ويعني: فضرب فانفجرت؛ ولأن أصحاب رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - في السفر كانوا يصومون ويفطرون ولا يعترض بعضهم على ~~بعض # والثاني مذهب الكرخي أن الواجب أيام أخر، ولكن لو صام رمضان صح وكان ~~معجلا للواجب، كمن قدم الزكاة على الحول. وهو فاسد؛ لأن الآية لا تفهم إلا ~~الرخصة في التأخير وتوسيع الوقت عليه، والمؤدي في أول الوقت الموسع غير ~~معجل بل هو # PageV01P077 # مؤد في وقته كما سبق في الصلاة في أول الوقت. # الحالة الرابعة: حال المريض، فإن كان لا يخشى الموت من الصوم فهو ~~كالمسافر، أما الذي يخشى الموت أو الضرر العظيم فيعصي بترك الأكل فيشبه ~~الحائض من هذا الوجه، فلو صام يحتمل أن يقال: لا ينعقد؛ لأنه عاص به فكيف ~~يتقرب بما يعصي به؟ ويحتمل أن يقال: إنما عصى بجنايته على الروح التي هي حق ~~الله تعالى، فيكون كالمصلي في الدار المغصوبة يعصي لتناوله حق الغير. ويمكن ~~أن يقال: قد قيل للمريض كل فكيف يقال له لا تأكل، وهو معنى الصوم بخلاف ~~الصلاة والغصب. # ويمكن أن يجاب بأنه قيل له لا تهلك نفسك وقيل له صم، فلم يعص من حيث إنه ~~صائم بل من حيث سعيه في الهلاك، ويلزم عليه صوم يوم النحر فإنه نهي لترك ~~إجابة الدعوة ms117 إلى أكل القرابين والضحايا وهي ضيافة الله تعالى، ويعسر الفرق ~~بينهما جدا. فهذه احتمالات يتجاذبها المجتهدون. فإن قلنا: لا ينعقد صومه ~~فتسمية تداركه قضاء مجاز محض كما في حق الحائض، وإلا فهو كالمسافر. ### | [الفصل الرابع في العزيمة والرخصة] # العزيمة والرخصة. # اعلم أن العزم عبارة عن القصد المؤكد قال الله تعالى: {فنسي ولم نجد له ~~عزما} [طه: 115] أي: قصدا بليغا. وسمي بعض الرسل أولي العزم لتأكيد قصدهم ~~في طلب الحق. والعزيمة في لسان حملة الشرع عبارة عما لزم العباد بإيجاب ~~الله تعالى. والرخصة في اللسان عبارة عن اليسر والسهولة، يقال: رخص السعر ~~إذا تراجع وسهل الشراء، وفي الشريعة عبارة عما وسع للمكلف في فعله لعذر ~~وعجز عنه مع قيام السبب المحرم، فإن ما لم يوجبه الله تعالى علينا من صوم ~~شوال وصلاة الضحى لا يسمى رخصة وما أباحه في الأصل من الأكل والشرب لا يسمى ~~رخصة، ويسمى تناول الميتة رخصة، وسقوط صوم رمضان عن المسافر يسمى رخصة وعلى ~~الجملة فهذا الاسم يطلق حقيقة ومجازا، فالحقيقة في الرتبة العليا كإباحة ~~النطق بكلمة الكفر بسبب الإكراه، وكذلك إباحة شرب الخمر وإتلاف مال الغير ~~بسبب الإكراه والمخمصة والغصص بلقمة لا يسيغها إلا الخمر التي معه. وأما ~~المجاز البعيد عن الحقيقة، فتسمية ما حط عنا من الإصر والأغلال التي وجبت ~~على من قبلنا في الملل المنسوخة رخصة وما لم يجب علينا ولا على غيرنا لا ~~يسمى رخصة وهذا لما أوجب على غيرنا، فإذا قابلنا أنفسنا به حسن إطلاق اسم ~~الرخصة تجوزا فإن الإيجاب على غيرنا ليس تضييقا في حقنا، والرخصة فسحة في ~~مقابلة التضييق. ويتردد بين هاتين الدرجتين صور بعضها أقرب إلى الحقيقة ~~وبعضها أقرب إلى المجاز، منها القصر والفطر في حق المسافر وهو جدير بأن ~~يسمى رخصة حقيقة؛ لأن السبب هو شهر رمضان وهو قائم، وقد دخل المسافر تحت ~~قوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} [البقرة: 185] وأخرج عن العموم ~~بعذر وعسر. أما التيمم عند عدم الماء فلا يحسن تسميته رخصة؛ لأنه لا يمكن ms118 ~~تكليف استعمال الماء مع عدمه، فلا يمكن أن يقال: السبب قائم مع استحالة ~~التكليف بخلاف المكره على الكفر والشرب فإنه قادر على الترك. نعم تجويز ذلك ~~عند المرض أو الجراحة أو بعد الماء عنه أو بيعه بأكثر من ثمن المثل رخصة، ~~بل التيمم عند فقد الماء كالإطعام عند فقد الرقبة، وذلك ليس برخصة بل أوجبت # PageV01P078 # الرقبة في حالة والإطعام في حالة، فلا نقول السبب قائم عند فقد الرقبة بل ~~الظهار سبب لوجوب العتق في حالة ولوجوب الإطعام في حالة. فإن قيل: إن كان ~~سبب وجوب الوضوء مندفعا عند فقد الماء فسبب تحريم الكفر والشرب والميتة ~~مندفع عند خوف الهلاك، فكان المحرم محرما بشرط انتفاء الخوف. قلنا المحرم ~~في الميتة الخبث وفي الخمر الإسكار وفي الكفر كونه جهلا بالله تعالى أو ~~كذبا عليه، وهذه المحرمات قائمة وقد اندفع حكمها بالخوف، فكل تحريم اندفع ~~بالعذر والخوف مع إمكان تركه يسمى اندفاعه رخصة، ولا يمنع من ذلك تغيير ~~العبارة بأن يجعل انتفاء العذر شرطا مضموما إلى الموجب. فإن قيل: فالرخص ~~تنقسم إلى ما يعصى بتركه كترك أكل الميتة والإفطار عند خوف الهلاك، وإلى ما ~~لا يعصى كالإفطار والقصر وترك كلمة الكفر وترك قتل من أكره على قتل نفسه، ~~فكيف يسمى ما يجب الإتيان به رخصة؟ وكيف فرق بين البعض والبعض؟ قلنا: أما ~~تسميته رخصة وإن كانت واجبة فمن حيث إن فيه فسحة، إذ لم يكلف إهلاك نفسه ~~بالعطش وجوز له تسكينه بالخمر وأسقط عنه العقاب. فمن حيث إسقاط العقاب عن ~~فعله هو فسحة رخصة، ومن حيث إيجاب العقاب على تركه هو عزيمة. وأما سبب ~~الفرق فأمور مصلحية رآها المجتهدون، وقد اختلفوا فيها فمنهم من لم يجوز ~~الاستسلام للصائل ومنهم من جوز وقال قتل غيره محظور كقتله وإنما جوز له ~~نظرا له وله أن يسقط حق نفسه إذا قابله مثله، وليس له أن يهلك نفسه ليمتنع ~~عن ميتة وخمر، فإن حفظ المهجة أهم في الشرع من ترك الميتة والخمر في حالة ~~نادرة. # ومنها السلم، ms119 فإنه بيع ما لا يقدر على تسليمه في الحال فقد يقال إنه ~~رخصة؛ لأن عموم نهيه - صلى الله عليه وسلم - في حديث حكيم بن حزام عن بيع ~~ما ليس عنده يوجب تحريمه، وحاجة المفلس اقتضت الرخصة في السلم، ولا شك في ~~أن تزويج الآبقة يصح ولا يسمى ذلك رخصة، فإذا قوبل ببيع الآبق فهو فسحة، ~~لكن قيل: النكاح عقد آخر فارق شرطه شرط البيع فلا مناسبة بينهما، ويمكن أن ~~يقال: السلم عقد آخر فهو بيع دين وذلك بيع عين فافترقا، وافتراقهما في ~~الشرط لا يلحق أحدهما بالرخص، فيشبه أن يكون هذا مجازا، فقول الراوي: نهى ~~عن بيع ما ليس عند الإنسان وأرخص في السلم، تجوز في الكلام. # واعلم أن بعض أصحاب الرأي قالوا: حد الرخصة أنه الذي أبيح مع كونه حراما ~~وهذا متناقض، فإن الذي أبيح لا يكون حراما. وحذق بعضهم وقال: ما أرخص فيه ~~مع كونه حراما. وهو مثل الأول لأن الترخيص إباحة أيضا. # وقد بنوا هذا على أصلهم إذ قالوا: الكفر قبيح لعينه فهو حرام فبالإكراه ~~رخص له فيما هو قبيح في نفسه، وعن هذا لو أصر ولم يتلفظ بالكفر كان مثابا ~~وزعموا أن المكره على الإفطار لو لم يفطر يثاب لأن الإفطار قبيح والصوم ~~قيام بحق الله تعالى. والمكره على إتلاف المال أيضا لو استسلم قالوا: يثاب، ~~والمكره على تناول الميتة وشرب الخمر زعموا أنه يأثم إن لم يتناول. وفي هذه ~~التفاصيل نظر فقهي لا يتعلق بمحض الأصول، والمقصود أن قولهم إنه رخص في ~~الحرام متناقض لا وجه له، والله تعالى أعلم. وقد تم النظر في القطب الأول، ~~وهو النظر في حقيقة الحكم وأقسامه. فلننظر الآن في مثمر الحكم وهو الدليل. # PageV01P079 ### | [القطب الثاني في أدلة الأحكام] ### | [الأصل الأول من أصول الأدلة كتاب الله تعالى] # القطب الثاني: في أدلة الأحكام وهي أربعة: الكتاب، والسنة، والإجماع، ~~ودليل العقل المقرر على النفي الأصلي. فأما قول الصحابي وشريعة ما قبلنا ~~فمختلف فيه. الأصل الأول من أصول الأدلة: كتاب الله تعالى واعلم ms120 أنا إذا ~~حققنا النظر بان أن أصل الأحكام واحد، وهو قول الله تعالى، إذ قول الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - ليس بحكم ولا ملزم، بل هو مخبر عن الله تعالى أنه حكم ~~بكذا وكذا فالحكم لله تعالى وحده. والإجماع يدل على السنة، والسنة على حكم ~~الله تعالى. وأما العقل فلا يدل على الأحكام الشرعية بل يدل على نفي ~~الأحكام عند انتفاء السمع، فتسمية العقل أصلا من أصول الأدلة تجوز على ما ~~يأتي تحقيقه. إلا أنا إذا نظرنا إلى ظهور الحكم في حقنا فلا يظهر إلا بقول ~~الرسول - عليه السلام -؛ لأنا لا نسمع الكلام من الله تعالى ولا من جبريل ~~فالكتاب يظهر لنا بقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - فإذن إن اعتبرنا ~~المظهر لهذه الأحكام فهو قول الرسول فقط، إذ الإجماع يدل على أنهم استندوا ~~إلى قوله. وإن اعتبرنا السبب الملزم فهو واحد وهو حكم الله تعالى، لكن إذا ~~لم نجرد النظر وجمعنا المدارك صارت الأصول التي يجب النظر فيها أربعة كما ~~سبق. ### | [النظر الأول في حقيقة القرآن] # فلنبدأ بالكتاب والنظر في حقيقته، ثم في حده المميز له عما ليس بكتاب، ثم ~~في ألفاظه، ثم في أحكامه. # النظر الأول: في حقيقته. ومعناه هو الكلام القائم بذات الله تعالى، وهو ~~صفة قديمة من صفاته. والكلام اسم مشترك قد يطلق على الألفاظ الدالة على ما ~~في النفس، تقول: سمعت كلام فلان وفصاحته. وقد يطلق على مدلول العبارات وهي ~~المعاني التي في النفس، كما قيل: # إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا # وقال الله تعالى: {ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول} ~~[المجادلة: 8] وقال تعالى: {وأسروا قولكم أو اجهروا به} [الملك: 13] فلا ~~سبيل إلى إنكار كون هذا الاسم مشتركا. وقد قال قوم: وضع في الأصل للعبارات ~~وهو مجاز في مدلولها، وقيل عكسه، ولا يتعلق به غرض بعد ثبوت الاشتراك وكلام ~~النفس ينقسم إلى خبر واستخبار وأمر ونهي وتنبيه، وهي معان تخالف بجنسها ~~الإرادات والعلوم، وهي متعلقة بمتعلقاتها لذاتها كما تتعلق ms121 القدرة والإرادة ~~والعلم. وزعم قوم أنه يرجع إلى العلوم والإرادات وليس جنسا برأسه وإثبات ~~ذلك على المتكلم لا على الأصولي. # فصل: كلام الله تعالى واحد # وهو مع وحدته متضمن لجميع معاني الكلام. كما أن علمه واحد، وهو مع وحدته ~~محيط بما لا يتناهى من المعلومات حتى لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات ~~ولا في الأرض. وفهم ذلك غامض، وتفهيمه على المتكلم لا على # PageV01P080 # الأصولي. وأما كلام النفس في حقنا فهو يتعدد كما تتعدد العلوم. ويفارق ~~كلامه كلامنا من وجه آخر، وهو أن أحدا من المخلوقين لا يقدر على أن يعرف ~~غيره كلام نفسه إلا بلفظ أو رمز أو فعل، والله تعالى قادر على أن يخلق لمن ~~يشاء من عباده علما ضروريا بكلامه من غير توسط حرف وسوط ودلالة، ويخلق لهم ~~السمع أيضا بكلامه من غير توسط صوت وحرف ودلالة. ومن سمع ذلك من غير توسط ~~فقد سمع كلام الله تحقيقا، وهو خاصية موسى صلوات الله تعالى عليه وعلى ~~نبينا وسائر الأنبياء. وأما من سمعه من غيره ملكا كان أو نبيا كان تسميته ~~سامعا كلام الله تعالى كتسميتنا من سمع شعر المتنبي من غيره بأنه سمع شعر ~~المتنبي، وذلك أيضا جائز، ولأجله قال الله تعالى: {وإن أحد من المشركين ~~استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} [التوبة: 6] ### | [النظر الثاني في حد القرآن] # النظر الثاني: في حده وحد الكتاب ما نقل إلينا بين دفتي المصحف على ~~الأحرف السبعة المشهورة نقلا متواترا. ونعني بالكتاب القرآن المنزل، ~~وقيدناه بالمصحف؛ لأن الصحابة بالغوا في الاحتياط في نقله حتى كرهوا ~~التعاشير والنقط وأمروا بالتجريد كي لا يختلط بالقرآن غيره، ونقل إلينا ~~متواترا، فعلم أن المكتوب في المصحف المتفق عليه هو القرآن، وأن ما هو خارج ~~عنه فليس منه. إذ يستحيل في العرف والعادة مع توفر الدواعي على حفظه أن ~~يهمل بعضه فلا ينقل أو يخلط به ما ليس منه. فإن قيل: هلا حددتموه بالعجز؟ ~~قلنا: لا؛ لأن كونه معجزا يدل على صدق الرسول - عليه السلام ms122 - لا على كونه ~~كتاب الله تعالى لا محالة، إذ يتصور الإعجاز بما ليس بكتاب الله تعالى؛ ~~ولأن بعض الآية ليس بمعجز وهو من الكتاب. فإن قيل: فلم شرطتم التواتر؟ ~~قلنا: ليحصل العلم به؛ لأن الحكم بما لا يعلم جهل، وكون الشيء كلام الله ~~تعالى أمر حقيقي ليس بوضعي حتى يتعلق بظننا فيقال إذا ظننتم كذا فقد حرمنا ~~عليكم فعلا أو حللناه لكم، فيكون التحريم معلوما عند ظننا ويكون ظننا علامة ~~يتعلق التحريم به، لأن التحريم بالوضع فيمكن الوضع عند الظن، وكون الشيء ~~كلام الله تعالى أمر حقيقي ليس بوضعي، فالحكم فيه بالظن جهل. ويتشعب عن حد ~~الكلام # مسألتان: مسألة: التتابع في صوم كفارة اليمين # ليس بواجب على قول، وإن قرأ ابن مسعود: " فصيام ثلاثة أيام متتابعات "؛ ~~لأن هذه الزيادة لم تتواتر فليست من القرآن، فتحمل على أنه ذكرها في معرض ~~البيان لما اعتقده مذهبا. فلعله اعتقد التتابع حملا لهذا المطلق على المقيد ~~بالتتابع في الظهار وقال أبو حنيفة: يجب؛ لأنه وإن لم يثبت كونه قرآنا فلا ~~أقل من كونه خبرا والعمل يجب بخبر الواحد. وهذا ضعيف، لأن خبر الواحد لا ~~دليل على كذبه، وهو إن جعله من القرآن فهو خطأ قطعا؛ لأنه وجب على رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أن يبلغه طائفة من الأمة تقوم الحجة بقولهم ~~وكان لا يجوز له مناجاة الواحد به، وإن لم يجعله من القرآن احتمل أن يكون ~~ذلك مذهبا له لدليل قد دله عليه واحتمل أن يكون خبرا وما تردد بين أن يكون ~~خبرا أو لا يكون فلا يجوز العمل به وإنما يجوز العمل بما يصرح الراوي ~~بسماعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # PageV01P081 ### | [مسألة البسملة آية من القرآن] # البسملة آية من القرآن. # لكنه هل هي آية من أول كل سورة؟ فيه خلاف، وميل الشافعي - رحمه الله - ~~إلى أنها آية من كل سورة الحمد وسائر السور، لكنها في أول كل سورة آية ~~برأسها. وهي مع أول آية من سائر السور آية، هذا مما ms123 نقل عن الشافعي - رحمه ~~الله -، فيه تردد وهذا أصح من قول من حمل تردد قول الشافعي على أنها هل هي ~~من القرآن في أول كل سورة، بل الذي يصح أنها حيث كتبت مع القرآن بخط القرآن ~~فهي من القرآن. # فإن قيل: القرآن لا يثبت إلا بطريق قاطع متواتر، فإن كان هذا قاطعا فكيف ~~اختلفوا فيه؟ وإن كان مظنونا فكيف يثبت القرآن بالظن؟ ولو جاز هذا لجاز ~~إيجاب التتابع في صوم كفارة اليمين بقول ابن مسعود، ولجاز للروافض أن ~~يقولوا قد ثبتت إمامة علي - رضي الله عنه - بنص القرآن ونزلت فيه آيات ~~أخفاها الصحابة بالتعصب. وإنما طريقنا في الرد عليهم أنا نقول: نزل القرآن ~~معجزة للرسول - عليه السلام - وأمر الرسول - عليه السلام - بإظهاره مع قوم ~~تقوم الحجة بقولهم وهم أهل التواتر، فلا يظن بهم التطابق على الإخفاء ولا ~~مناجاة الآحاد به حتى لا يتحدث أحد بالإنكار، فكانوا يبالغون في حفظ القرآن ~~حتى كانوا يضايقون في الحروف ويمنعون من كتبة أسامي السور مع القرآن ومن ~~التعاشير والنقط كي لا يختلط بالقرآن غيره، فالعادة تحيل الإخفاء فيجب أن ~~يكون طريق ثبوت القرآن القطع. # وعن هذا المعنى قطع القاضي - رحمه الله - بخطإ من جعل البسملة من القرآن ~~إلا في سورة النمل، فقال لو كانت من القرآن لوجب على الرسول - عليه السلام ~~- أن يبين أنها من القرآن بيانا قاطعا للشك والاحتمال. إلا أنه قال: أخطئ ~~القائل به ولا أكفره، لأن نفيها من القرآن لم يثبت أيضا بنص صريح متواتر ~~فصاحبه مخطئ وليس بكافر واعترف بأن البسملة منزلة على رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - مع أول كل سورة وأنها كتبت مع القرآن بخط القرآن بأمر رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فقد قال ابن عباس - رضي الله عنه -: «كان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - لا يعرف ختم سورة وابتداء أخرى حتى ينزل عليه ~~جبريل ببسم الله الرحمن الرحيم» لكنه لا يستحيل أن ينزل عليه ما ليس بقرآن. # وأنكر قول من نسب عثمان - رضي الله ms124 عنه - إلى البدعة في كتبه " بسم الله ~~الرحمن الرحيم " في أول كل سورة وقال لو أبدع لاستحال في العادة سكوت أهل ~~الدين عنه مع تصلبهم في الدين، كيف وقد أنكروا على من أثبت أسامي السور ~~والنقط والتعشير؟ فما بالهم لم يجيبوا بأنا أبدعنا ذلك كما أبدع عثمان - ~~رضي الله عنه - كتبة البسملة لا سيما واسم السور يكتب بخط آخر متميز عن ~~القرآن، والبسملة مكتوبة بخط القرآن متصلة به بحيث لا تتميز عنه؟ فتحيل ~~العادة السكوت على من يبدعها لولا أنه بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- والجواب أنا نقول: لا وجه لقطع القاضي بتخطئة الشافعي - رحمه الله -، لأن ~~إلحاق ما ليس بقرآن بالقرآن كفر، كما أنه من ألحق القنوت أو التشهد أو ~~التعوذ بالقرآن فقد كفر. # فمن ألحق البسملة لم لا يكفر، ولا سبب له إلا أنه يقال لم يثبت انتفاؤه ~~من القرآن بنص متواتر؟ فنقول لو لم يكن من القرآن لوجب على الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - التصريح بأنه ليس من القرآن وإشاعة ذلك على وجه يقطع الشك ~~كما في التعوذ والتشهد. # فإن قيل: ما ليس من القرآن لا حصر له حتى ينفى إنما الذي يجب التنصيص ~~عليه ما هو # PageV01P082 # من القرآن. # قلنا: هذا صحيح لو لم تكتب البسملة بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- مع القرآن بخط القرآن، ولو لم يكن منزلا على رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - مع أول كل سورة، وذلك يوهم قطعا أنه من القرآن. ولا يظن برسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه لم يعرف كونه موهما ولا جواز السكوت عن نفيه مع ~~توهم إلحاقه، فإذا القاضي - رحمه الله - يقول لو كان من القرآن لقطع الشك ~~بنص متواتر تقوم الحجة به، ونحن نقول لو لم يكن من القرآن لوجب على رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - التصريح بأنه ليس من القرآن وإشاعته، ولنفاه ~~بنص متواتر بعد أن أمر بكتبه بخط القرآن، إذ لا عذر في السكوت عن قطع هذا ~~التوهم. # فأما ms125 عدم التصريح بأنه من القرآن فإنه كان اعتمادا على قرائن الأحوال، إذ ~~كان يملي على الكاتب مع القرآن «كان الرسول - عليه السلام - في أثناء ~~إملائه لا يكرر مع كل كلمة وآية أنها من القرآن، بل كان جلوسه له وقرائن ~~أحواله تدل عليه وكان يعرف كل ذلك قطعا. ثم لما كانت البسملة أمر بها في ~~أول كل أمر ذي بال ووجد ذلك في أوائل السور» ظن قوم أنه كتب على سبيل ~~التبرك وهذا الظن خطأ، ولذلك قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: سرق الشيطان ~~من الناس آية من القرآن لما ترك بعضهم البسملة في أول السورة فقطع بأنها ~~آية ولم ينكر عليه كما ينكر على من ألحق التعوذ والتشهد بالقرآن، فدل على ~~أن ذلك كان مقطوعا به وحدث الوهم بعده. # فإن قيل: بعد حدوث الوهم والظن صارت البسملة اجتهادية وخرجت عن مظنة ~~القطع، فكيف يثبت القرآن بالاجتهاد؟ قلنا: جوز القاضي - رحمه الله - الخلاف ~~في عدد الآيات ومقاديرها، وأقر بأن ذلك منوط باجتهاد القراء وأنه لم يبين ~~بيانا شافيا قاطعا للشك، والبسملة من القرآن في سورة النمل هي مقطوع بكونها ~~من القرآن، وإنما الخلاف في أنها من القرآن مرة واحدة أو مرات كما كتبت، ~~فهذا يجوز أن يقع الشك فيه، ويعلم بالاجتهاد؛ لأنه نظر في تعيين موضع الآية ~~بعد كونها مكتوبة بخط القرآن فهذا جائز وقوعه. # والدليل على إمكان الوقوع وأن الاجتهاد قد تطرق إليه، أن النافي لم يكفر ~~الملحق والملحق لم يكفر النافي بخلاف القنوت والتشهد، فصارت البسملة نظرية، ~~وكتبها بخط القرآن مع القرآن مع صلابة الصحابة وتشددهم في حفظ القرآن عن ~~الزيادة قاطع أو كالقاطع في أنها من القرآن. فإن قيل: فالمسألة صارت نظرية ~~وخرجت عن أن تكون معلومة بالتواتر علما ضروريا فهي قطعية أو ظنية. قلنا: ~~الإنصاف أنها ليست قطعية بل هي اجتهادية، ودليل جواز الاجتهاد فيها وقوع ~~الخلاف فيها في زمان الصحابة - رضي الله عنهم - حتى قال ابن عباس - رضي ~~الله عنه - سرق الشيطان من الناس آية ولم ms126 يكفر بإلحاقها بالقرآن ولا أنكر ~~عليه. # ونعلم أنه لو نقل الصديق - رضي الله عنه - أن الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - قال البسملة من سورة الحمد وأوائل السور المكتوبة معها لقبل ذلك ~~بسبب كونها مكتوبة بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولو نقل أن ~~القنوت من القرآن، لعلم بطلان ذلك بطريق قاطع لا يشك فيه وعلى الجملة إذا ~~أنصفنا وجدنا أنفسنا شاكين في مسألة البسملة قاطعين في مسألة التعوذ ~~والقنوت، وإذا نظرنا في كتبها مع القرآن بأمر رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - مع سكوته عن التصريح بنفي كونها من القرآن بعد تحقق سبب الوهم # PageV01P083 # كان ذلك دليلا ظاهرا كالقطع في كونها من القرآن، فدل أن الاجتهاد لا ~~يتطرق إلى أصل القرآن، أما ما هو من القرآن وهو مكتوب بخطه فالاجتهاد فيه ~~يتطرق إلى تعيين موضعه وأنه من القرآن مرة أو مرات. # وقد أوردنا أدلة ذلك في كتاب حقيقة القرآن وتأويل ما طعن به على الشافعي ~~- رحمه الله - من ترديده القول في هذه المسألة. فإن قيل: قد أوجبتم قراءة ~~البسملة في الصلاة وهو مبني على كونها قرآنا، وكونها قرآنا لا يثبت بالظن، ~~فإن الظن علامة وجوب العمل في المجتهدات، وإلا فهو جهل أي ليس بعلم، فليكن ~~كالتتابع في قراءة ابن مسعود قلنا وردت أخبار صحيحة صريحة في وجوب قراءة ~~البسملة، وكونها قرآنا متواترا معلوم وإنما المشكوك فيه أنها قرآن مرة في ~~سورة النمل أو مرات كثيرة في أول كل سورة، فكيف تساوي قراءة ابن مسعود ولا ~~يثبت بها القرآن ولا هي خبر؟ وههنا صحت أخبار في وجوب البسملة وصح بالتواتر ~~أنها من القرآن وعلى الجملة فالفرق بين المسألتين ظاهر. ### | [النظر الثالث في ألفاظ القرآن وفيه ثلاث مسائل] ### | [مسألة ألفاظ العرب تشتمل على الحقيقة والمجاز] # ألفاظ العرب تشتمل على الحقيقة والمجاز النظر الثالث: في ألفاظه، وفيه ~~ثلاث مسائل: مسألة: ألفاظ العرب تشتمل على الحقيقة والمجاز كما سيأتي في ~~الفرق بينهما. فالقرآن يشتمل على المجاز، خلافا لبعضهم، فنقول المجاز اسم ~~مشترك قد ms127 يطلق على الباطل الذي لا حقيقة له، والقرآن منزه عن ذلك، ولعله ~~الذي أراده من أنكر اشتمال القرآن على المجاز. وقد يطلق على اللفظ الذي ~~تجوز به عن موضوعه، وذلك لا ينكر في القرآن مع قوله تعالى: {واسأل القرية ~~التي كنا فيها والعير} [يوسف: 82] وقوله: {جدارا يريد أن ينقض} [الكهف: 77] ~~وقوله: {لهدمت صوامع وبيع وصلوات} [الحج: 40] فالصلوات كيف تهدم؟ {أو جاء ~~أحد منكم من الغائط} [المائدة: 6] {الله نور السماوات والأرض} [النور: 35] ~~{يؤذون الله} [الأحزاب: 57] وهو يريد رسوله، {فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى ~~عليكم} [البقرة: 194] والقصاص حق فكيف يكون عدوانا؟ {وجزاء سيئة سيئة ~~مثلها} [الشورى: 40] و {الله يستهزئ بهم} [البقرة: 15] {ويمكرون ويمكر ~~الله} [الأنفال: 30] {كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله} [المائدة: 64] ~~{أحاط بهم سرادقها} [الكهف: 29] وذلك ما لا يحصى وكل ذلك مجاز كما سيأتي ### | [مسألة القرآن عربي كله لا عجمية فيه] # قال القاضي - رحمه الله -: القرآن عربي كله لا عجمية فيه # وقال قوم: فيه لغة غير العرب، واحتجوا بأن المشكاة هندية والإستبرق ~~فارسية. وقوله: {وفاكهة وأبا} [عبس: 31] قال بعضهم: الأب ليس من لغة العرب ~~والعرب قد تستعمل اللفظة العجمية فقد استعمل في بعض القصائد العثجاة يعني ~~صدر المجلس، وهو معرب كمشكاة. وقد تكلف القاضي إلحاق هذه الكلمات بالعربية ~~وبين أوزانها وقال كل كلمة في القرآن استعملها أهل لغة أخرى فيكون أصلها ~~عربيا، وإنما غيرها غيرهم تغييرا ما كما غير العبرانيون فقالوا للإله لاهوت ~~وللناس ناسوت. وأنكر أن يكون في القرآن لفظ عجمي مستدلا بقوله تعالى: {لسان ~~الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين} [النحل: 103] # PageV01P084 # وقال: أقوى الأدلة قوله تعالى: {ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا ~~فصلت آياته أأعجمي وعربي} [فصلت: 44] ولو كان فيه لغة العجم لما كان عربيا ~~محضا بل عربيا وعجميا، ولاتخذ العرب ذلك حجة وقالوا: نحن لا نعجز عن ~~العربية أما العجمية فنعجز عنها. وهذا غير مرضي عندنا؛ إذ اشتمال جميع ~~القرآن على كلمتين أو ثلاث أصلها عجمي وقد استعملتها العرب ووقعت في ~~ألسنتهم لا يخرج القرآن عن ms128 كونه عربيا وعن إطلاق هذا الاسم عليه ولا يتمهد ~~للعرب حجة، فإن الشعر الفارسي يسمى فارسيا وإن كانت فيه آحاد كلمات عربية ~~إذا كانت تلك الكلمات متداولة في لسان الفرس؛ فلا حاجة إلى هذا التكلف. ### | [مسألة في القرآن محكم ومتشابه] # القرآن محكم ومتشابه # كما قال تعالى {منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} [آل عمران: ~~7] . واختلفوا في معناه. وإذا لم يرد توقيف في بيانه فينبغي أن يفسر بما ~~يعرفه أهل اللغة ويناسب اللفظ من حيث الوضع، ولا يناسبه قولهم: المتشابه هي ~~الحروف المقطعة في أوائل السور والمحكم ما وراء ذلك، ولا قولهم: المحكم ما ~~يعرفه الراسخون في العلم والمتشابه ما ينفرد الله تعالى بعلمه، ولا قولهم: ~~المحكم الوعد والوعيد والحلال والحرام والمتشابه القصص والأمثال، وهذا ~~أبعد. # بل الصحيح أن المحكم يرجع إلى معنيين # أحدهما: المكشوف المعنى الذي لا يتطرق إليه إشكال واحتمال والمتشابه ما ~~تعارض فيه الاحتمال # الثاني: أن المحكم ما انتظم وترتب ترتيبا مفيدا على ما ظاهر أو على تأويل ~~ما لم يكن فيه متناقض ومختلف، لكن هذا المحكم يقابله المثبج والفاسد دون ~~المتشابه، وأما المتشابه فيجوز أن يعبر به عن الأسماء المشتركة كالقرء ~~وكقوله تعالى {الذي بيده عقدة النكاح} [البقرة: 237] فإنه مردد بين الزوج ~~والولي، وكاللمس المردد بين المس والوطء. # وقد يطلق على ما ورد في صفات الله مما يوهم ظاهره الجهة والتشبيه ويحتاج ~~إلى تأويله. فإن قيل: قوله تعالى {وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في ~~العلم} [آل عمران: 7] الواو للعطف أم الأولى الوقف على الله؟ قلنا كل واحد ~~محتمل، فإن كان المراد به وقت القيامة فالوقف أولى وإلا فالعطف، إذ الظاهر ~~أن الله تعالى لا يخاطب العرب بما لا سبيل إلى معرفته لأحد من الخلق. # فإن قيل: فما معنى الحروف في أوائل السور، إذ لا يعرف أحد معناها؟ قلنا: ~~أكثر الناس فيها وأقربها أقاويل، أحدها: أنها أسامي السور حتى تعرف بها، ~~فيقال سورة يس. وقيل: ذكرها الله تعالى لجمع دواعي العرب إلى الاستماع؛ ~~لأنها تخالف ms129 عادتهم فتوقظهم عن الغفلة حتى تصرف قلوبهم إلى الإصغاء فلم ~~يذكرها لإرادة معنى. # وقيل: إنما ذكرها كناية عن سائر حروف المعجم التي لا يخرج عنها جميع كلام ~~العرب تنبيها أنه ليس يخاطبهم إلا بلغتهم وحروفهم. وقد ينبه ببعض الشيء على ~~كله، يقال: قرأ سورة البقرة وأنشد " ألا هبي " يعني جميع السورة والقصيدة ~~قال الشاعر: # يناشدني حاميم والرمح شاجر ... فهلا تلا حاميم قبل التقدم # كنى بحاميم عن القرآن فقد ثبت أنه ليس في القرآن ما لا تفهمه العرب. # فإن قيل # PageV01P085 # العرب إنما تفهم من قوله تعالى: {وهو القاهر فوق عباده} [الأنعام: 18] و ~~{الرحمن على العرش استوى} [طه: 5] الجهة والاستقرار وقد أريد به غيره فهو ~~متشابه. قلنا: هيهات فإن هذه كنايات واستعارات يفهمها المؤمنون من العرب ~~المصدقين بأن الله تعالى {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] وأنها مؤولة تأويلات ~~تناسب تفاهم العرب. ### | [النظر الرابع في أحكام القرآن] # النظر الرابع: في أحكامه. ومن أحكامه تطرق التأويل إلى ظاهر ألفاظه وتطرق ~~التخصيص إلى صيغ عمومه وتطرق النسخ إلى مقتضياته. أما التخصيص والتأويل ~~فسيأتي في القطب الثالث إذا فصلنا وجوه الاستثمار والاستدلال من الصيغ ~~والمفهوم وغيرها. وأما النسخ فقد جرت العادة بذكره بعد كتاب الأخبار، لأن ~~النسخ يتطرق إلى الكتاب والسنة جميعا، لكنا ذكرناه في أحكام الكتاب لمعنيين # أحدهما: أن إشكاله وغموضه من حيث تطرقه إلى كلام الله تعالى مع استحالة ~~البداء عليه. # الثاني: إن الكلام على الأخبار قد طال لأجل تعلقه بمعرفة طرقها من ~~التواتر والآحاد، فرأينا ذكره على أثر أحكام الكتاب أولى. ### | [كتاب النسخ] ### | [الباب الأول وفيه فصول] ### | [الأول في حد النسخ وحقيقته] # كتاب النسخ # وهذا كتاب النسخ # الباب الأول: في حده وحقيقته وإثباته والنظر في حده وحقيقته، ثم في ~~إثباته على منكريه، ثم في أركانه وشروطه وأحكامه فنرسم فيه أبوابا # الباب الأول: في حده وحقيقته وإثباته # أما حده: فاعلم أن النسخ عبارة عن الرفع والإزالة في وضع اللسان، يقال: ~~نسخت الشمس الظل ونسخت الريح الآثار، إذا أزالتها. وقد يطلق لإرادة نسخ ~~الكتاب، فهو مشترك. ms130 ومقصودنا النسخ الذي هو بمعنى الرفع والإزالة، فنقول: ~~حده أنه الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه ~~لولاه لكان ثابتا به مع تراخيه عنه. وإنما آثرنا لفظ الخطاب على لفظ النص ~~ليكون شاملا للفظ والفحوى والمفهوم وكل دليل، إذ يجوز النسخ بجميع ذلك. # وإنما قيدنا الحد بالخطاب المتقدم؛ لأن ابتداء إيجاب العبادات في الشرع ~~مزيل حكم العقل من براءة الذمة، ولا يسمى نسخا؛ لأنه لم يزل حكم خطاب. ~~وإنما قيدنا بارتفاع الحكم ولم نقيد بارتفاع الأمر والنهي ليعم جميع أنواع ~~الحكم من الندب والكراهة والإباحة، فجميع ذلك قد ينسخ. # وإنما قلنا لولاه لكان الحكم ثابتا به؛ لأن حقيقة النسخ الرفع، فلو لم ~~يكن هذا ثابتا لم يكن هذا رافعا؛ لأنه إذا ورد أمر بعبادة مؤقتة وأمر ~~بعبادة أخرى بعد تصرم ذلك الوقت لا يكون الثاني نسخا، فإذا قال: {ثم أتموا ~~الصيام إلى الليل} [البقرة: 187] ثم قال: في الليل لا تصوموا لا يكون ذلك ~~نسخا بل الرافع ما لا يرتفع الحكم لولاه. وإنما قلنا مع تراخيه عنه؛ لأنه ~~لو اتصل به لكان بيانا وإتماما لمعنى الكلام وتقديرا له بمدة أو شرط. # وإنما يكون رافعا إذا ورد بعد أن ورد الحكم واستقر بحيث يدوم لولا ~~الناسخ. وأما الفقهاء فإنهم لم يعقلوا الرفع لكلام الله تعالى فقالوا في حد ~~النسخ: إنه الخطاب الدال الكاشف عن مدة العبادة أو عن زمن انقطاع العبادة، ~~وهذا يوجب أن يكون قوله: صم بالنهار # PageV01P086 # وكل بالليل نسخا، وقوله تعالى: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} [البقرة: ~~187] نسخا. # وليس فيه معنى الرفع. ولا يغنيهم أن يزيدوا شرط التراخي، فإن قوله الأول ~~إذا لم يتناول إلا النهار فهو متقاعد عن الليل بنفسه، فأي معنى لنسخه؟ ~~وإنما يرفع ما دخل تحت الخطاب الأول وأريد باللفظ الدلالة عليه وما ذكروه ~~تخصيص وسنبين وجه مفارقة النسخ للتخصيص، بل سنبين أن الفعل الواحد إذا أمر ~~به في وقت واحد يجوز نسخه قبل التمكن من الامتثال وقبل وقته فلا يكون بيانا ~~لانقطاع مدة ms131 العبادة. # وأما المعتزلة فإنهم حدوه بأنه الخطاب الدال على أن مثل الحكم الثابت ~~بالنص المتقدم زائل على وجه لولاه لكان ثابتا، وربما أبدلوا لفظ الزائل ~~بالساقط، وربما أبدلوه بالغير الثابت كل ذلك حذرا من الرفع، وحقيقة النسخ ~~الرفع فكأنهم أخلوا الحد عن حقيقة المحدود. # فإن قيل: تحقيق معنى الرفع في الحكم يمتنع من خمسة أوجه. # الأول: أن المرفوع إما حكم ثابت أو ما لا ثبات له، والثابت لا يمكن رفعه ~~وما لا ثبات له لا حاجة إلى رفعه، فدل أن النسخ هو رفع مثل الحكم الثابت لا ~~رفع عينه أو هو بيان لمدة العبادة كما قاله الفقهاء # الثاني: أن كلام الله تعالى قديم عندكم والقديم لا يتصور رفعه. # الثالث: أن ما أثبته الله تعالى إنما أثبته لحسنه، فلو نهى عنه لأدى إلى ~~أن ينقلب الحسن قبيحا وهو محال # الرابع: أن ما أمر به أراد وجوده فما كان مرادا كيف ينهى عنه حتى يصير ~~مراد العدم مكروها. # الخامس: أنه يدل على البداء، فإنه نهى عنه بعدما أمر به فكأنه بدأ له ~~فيما كان قد حكم به وندم عليه. فالاستحالة الأولى من جهة استحالة نفس ~~الرفع، والثانية من جهة قدم الكلام، والثالثة من جهة صفة ذات المأمور في ~~كونه حسنا قبيحا، والرابعة من جهة الإرادة المقترنة بالأمر، والخامسة من ~~جهة العلم المتعلق به وظهور البداء بعده. # والجواب عن الأول: أن الرفع من المرفوع كالكسر من المكسور وكالفسخ من ~~العقد، إذ لو قال قائل: ما معنى كسر الآنية وإبطال شكلها من تربيع وتسديس ~~وتدوير، فإن الزائل بالكسر تدوير موجود أو معدوم والمعدوم لا حاجة إلى ~~إزالته والموجود لا سبيل إلى إزالته؟ فيقال: معناه أن استحكام شكل الآنية ~~يقتضي بقاء صورتها دائما لولا ما ورد عليه من السبب الكاسر، فالكاسر قطع ما ~~اقتضاه استحكام بنية الآنية دائما لولا الكسر، فكذلك الفسخ يقطع حكم العقد ~~من حيث إن الذي ورد عليه لولاه لدام، فإن البيع سبب للملك مطلقا بشرط أن لا ~~يطرأ قاطع. # وليس طريان ms132 القاطع من الفسخ مبينا لنا أن البيع في وقته انعقد مؤقتا ~~ممدودا إلى غاية الفسخ، فإنا نعقل أن نقول بعتك هذه الدار سنة ونعقل أن ~~نقول بعتك وملكتك أبدا ثم نفسخ بعد انقضاء السنة وندرك الفرق بين الصورتين. ~~وأن الأول وضع لملك قاصر بنفسه، والثاني وضع لملك مطلق مؤبد إلى أن يقطع ~~بقاطع، فإذا فسخ كان الفسخ قاطعا لحكمه الدائم بحكم العقد لولا القاطع لا ~~بيانا لكونه في نفسه قاصرا. # وبهذا يفارق النسخ التخصيص، فإن التخصيص يبين لنا أن اللفظ ما أريد به ~~الدلالة إلا على البعض والنسخ يخرج عن اللفظ ما أريد به الدلالة عليه، ~~ولأجل خفاء معنى الرفع أشكل على الفقهاء ووقعوا في إنكاره معنى النسخ. وأما ~~الجواب عن الثاني وهو استحالة رفع الكلام القديم، فهو فاسد، إذ ليس معنى ~~النسخ رفع الكلام بل قطع تعلقه بالمكلف والكلام # PageV01P087 # القديم يتعلق بالقادر العاقل، فإذا طرأ العجز والجنون زال التعلق، فإذا ~~عاد العقل والقدرة عاد التعلق، والكلام القديم لا يتغير في نفسه، فالعجز ~~والموت سبب من جهة المخاطب يقطع تعلق الخطاب عنه، والنسخ سبب من جهة ~~المخاطب يقطع تعلق الخطاب، كما أن حكم البيع وهو ملك المشتري إياه تارة ~~ينقطع بموت العبد المبيع وتارة بفسخ العاقد. # ولأجل خفاء هذه المعاني أنكر طائفة قدم الكلام. وأما الجواب عن الثالث، ~~وهو انقلاب الحسن قبيحا فقد أبطلنا معنى الحسن والقبح وإنه لا معنى لهما، ~~وهذا أولى من الاعتذار بأن الشيء يجوز أن يحسن في وقت ويقبح في وقت؛ لأنه ~~قد قال في رمضان: لا تأكل بالنهار وكل بالليل، لأن النسخ ليس مقصورا عندنا ~~على مثل ذلك، بل يجوز أن يأمر بشيء واحد في وقت وينهى عنه قبل دخول الوقت ~~فيكون قد نهى عما أمر به كما سيأتي. # وأما الجواب عن الرابع، وهو صيرورة المراد مكروها، فهو باطل؛ لأن الأمر ~~عندنا يفارق الإرادة. فالمعاصي مرادة عندنا وليست مأمورا بها، وسيأتي ~~تحقيقه في كتاب الأوامر. وأما الجواب عن الخامس وهو لزوم البداء، فهو فاسد؛ ~~لأنه ms133 إن كان المراد أنه يلزم من النسخ أن يحرم ما أباح وينهى عما أمر فذلك ~~جائز {يمحوا الله ما يشاء ويثبت} [الرعد: 39] ولا تناقض فيه، كما أباح ~~الأكل بالليل وحرمه بالنهار، وإن كان المراد أنه انكشف له ما لم يكن عالما ~~به فهو محال، ولا يلزم ذلك من النسخ، بل يعلم الله تعالى أنه يأمرهم بأمر ~~مطلق ويديم عليهم التكليف إلى وقت معلوم ثم يقطع التكليف بنسخه عنهم فينسخه ~~في الوقت الذي علم نسخه فيه، وليس فيه تبين بعد جهل. # فإن قيل فهم مأمورون في علمه إلى وقت النسخ أو أبدا؟ فإن كان إلى وقت ~~النسخ فالنسخ قد بين وقت العبادة كما قاله الفقهاء، وإن كانوا مأمورين أبدا ~~فقد تغير علمه ومعلومه. قلنا هم مأمورون في علمه إلى وقت النسخ الذي هو قطع ~~الحكم المطلق عنهم الذي لولاه لدام الحكم، كما يعلم الله تعالى البيع ~~المطلق مفيدا للملك إلى أن ينقطع بالفسخ ولا يعلم البيع في نفسه قاصرا على ~~مدة بل يعلمه مقتضيا لملك مؤبد بشرط أن لا يطرأ قاطع، لكن يعلم أن النسخ ~~سيكون فينقطع الحكم لانقطاع شرطه لا لقصوره في نفسه. # فليس إذا في النسخ لزوم البداء، ولأجل قصور فهم اليهود عن هذا أنكروا ~~النسخ، ولأجل قصور فهم الروافض عنه ارتكبوا البداء، ونقلوا عن علي - رضي ~~الله عنه - أنه كان لا يخبر عن الغيب مخافة أن يبدو له تعالى فيه فيغيره، ~~وحكوا عن جعفر بن محمد أنه قال: ما بدا الله في شيء كما بدا له في إسماعيل ~~أي في أمره بذبحه. وهذا هو الكفر الصريح ونسبة الإله تعالى إلى الجهل ~~والتغير. # ويدل على استحالته ما دل على أنه محيط بكل شيء علما وأنه ليس محلا ~~للحوادث والتغيرات. وربما احتجوا بقوله تعالى: {يمحوا الله ما يشاء ويثبت} ~~[الرعد: 39] وإنما معناه أنه يمحو الحكم المنسوخ ويثبت الناسخ أو يمحو ~~السيئات بالتوبة، كما قال تعالى: {إن الحسنات يذهبن السيئات} [هود: 114] ، ~~ويمحو الحسنات بالكفر والردة، أو يمحو ما ترفع إليه الحفظة ms134 من المباحات ~~ويثبت الطاعات. # فإن قيل: فما الفرق بين التخصيص والنسخ؟ قلنا: هما مشتركان من وجه، إذ كل ~~واحد يوجب اختصاص الحكم ببعض ما تناول اللفظ، لكن التخصيص بيان أن ما أخرج ~~عن عموم الصيغة ما أريد باللفظ الدلالة عليه، والنسخ # PageV01P088 # يخرج عن اللفظ ما قصد به الدلالة عليه، فإن قوله: افعل أبدا يجوز أن ينسخ ~~وما أريد باللفظ بعض الأزمنة بل الجميع، لكن بقاؤه مشروط بأن لا يرد ناسخ ~~كما إذا قال: ملكتك أبدا، ثم يقول: فسخت، فالفسخ هذا إبداء ما ينافي شرط ~~استمرار الحكم بعد ثبوته وقصد الدلالة عليه باللفظ، فلذلك يفترقان في خمسة ~~أمور: # الأول: أن الناسخ يشترط تراخيه، والتخصيص يجوز اقترانه؛ لأنه بيان بل يجب ~~اقترانه عند من لا يجوز تأخير البيان. # الثاني: أن التخصيص لا يدخل في الأمر بمأمور واحد والنسخ يدخل عليه. # والثالث: أن النسخ لا يكون إلا بقول وخطاب، والتخصيص قد يكون بأدلة العقل ~~والقرائن وسائر أدلة السمع. # الرابع: أن التخصيص يبقي دلالة اللفظ على ما بقي تحته حقيقة كان أو مجازا ~~على ما فيه من الاختلاف، والنسخ يبطل دلالة المنسوخ في مستقبل الزمان ~~بالكلية. # الخامس: أن تخصيص العام المقطوع بأصله جائز بالقياس، وخبر الواحد وسائر ~~الأدلة، ونسخ القاطع لا يجوز إلا بقاطع، وليس من الفرق الصحيح قول بعضهم إن ~~النسخ لا يتناول إلا الأزمان والتخصيص يتناول الأزمان والأعيان والأحوال، ~~وهذا تجوز واتساع؛ لأن الأعيان والأزمان ليست من أفعال المكلفين، والنسخ ~~يرد على الفعل في بعض الأزمان والتخصيص أيضا يرد على الفعل في بعض الأحوال، ~~فإذا قال: اقتلوا المشركين إلا المعاهدين، معناه: لا تقتلوهم في حالة العهد ~~واقتلوهم في حالة الحرب، والمقصود أن ورود كل واحد منهما على الفعل. # وهذا القدر كاف في الكشف عن حقيقة النسخ. ### | [الفصل الثاني في إثبات النسخ على منكريه] # الفصل الثاني من هذا الباب: في إثباته على منكريه إثباته على منكريه. # والمنكر إما جوازه عقلا أو وقوعه سمعا، أما جوازه عقلا فيدل عليه أنه لو ~~امتنع لكان إما ms135 ممتنعا لذاته وصورته أو لما يتولد عنه من مفسدة أو أداء إلى ~~محال. ولا يمتنع لاستحالة ذاته وصورته بدليل ما حققناه من معنى الرفع ~~ودفعناه من الإشكالات عنه. # ولا يمتنع لأدائه إلى مفسدة وقبح، فإنا أبطلنا هذه القاعدة وإن سامحنا ~~بها، فلا بعد في أن يعلم الله تعالى مصلحة عباده في أن يأمرهم بأمر مطلق ~~حتى يستعدوا له ويمتنعوا بسبب العزم عن معاص وشهوات ثم يخفف عنهم. وأما ~~وقوعه سمعا فيدل عليه الإجماع والنص، أما الإجماع فاتفاق الأمة قاطبة على ~~أن شريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - نسخت شرع من قبله إما بالكلية وإما ~~فيما يخالفها فيه، وهذا متفق عليه فمنكر هذا خارق للإجماع. # وقد ذهب شذوذ من المسلمين إلى إنكار النسخ وهم مسبوقون بهذا الإجماع فهذا ~~الإجماع حجة عليهم وإن لم يكن حجة على اليهود. وأما النص فقوله تعالى: ~~{وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر} ~~[النحل: 101] الآية. والتبديل يشتمل على رفع وإثبات، والمرفوع إما تلاوة ~~وإما حكم، وكيفما كان فهو رفع ونسخ. # فإن قيل: ليس المعني به رفع المنزل، فإن ما أنزل لا يمكن رفعه وتبديله، ~~لكن المعني به تبديل مكان الآية بإنزال آية بدل ما لم ينزل، فيكون ما لم ~~ينزل كالمبدل بما أنزل، قلنا: هذا تعسف بارد، فإن الذي لم ينزل كيف يكون ~~مبدلا والبدل يستدعي مبدلا؟ وكيف يطلق اسم التبديل على ابتداء الإنزال؟ ~~فهذا هوس وسخف. والدليل الثاني: قوله تعالى: {فبظلم من الذين هادوا حرمنا ~~عليهم طيبات أحلت لهم} [النساء: 160] ولا معنى للنسخ # PageV01P089 # إلا تحريم ما أحل، وكذلك قوله تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير ~~منها أو مثلها} [البقرة: 106] . # فإن قيل لعله أراد به التخصيص. قلنا: قد فرقنا بين التخصيص والنسخ فلا ~~سبيل إلى تغيير اللفظ، كيف والتخصيص لا يستدعي بدلا مثله أو خيرا منه وإنما ~~هو بيان معنى الكلام؟ الدليل الثالث: ما اشتهر في الشرع من نسخ تربص الوفاة ~~حولا بأربعة أشهر وعشر، ونسخ فرض ms136 تقديم الصدقة أمام مناجاة الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - حيث قال تعالى: {فقدموا بين يدي نجواكم صدقة} [المجادلة: ~~12] ومنه نسخ تحويل القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة بقوله تعالى: {فول ~~وجهك شطر المسجد الحرام} [البقرة: 144] وعلى الجملة اتفقت الأمة على إطلاق ~~لفظ النسخ في الشرع. # فإن قيل: معناه نسخ ما في اللوح المحفوظ إلى صحف الرسل والأنبياء وهو ~~بمعنى نسخ الكتاب ونقله. قلنا: فإذا شرعنا منسوخ كشرع من قبلنا، وهذا اللفظ ~~كفر بالاتفاق، كيف وقد نقلنا من قبلة إلى قبلة ومن عدة إلى عدة؟ فهو تغيير ~~وتبديل ورفع قطعا. ### | [الفصل الثالث في مسائل تتشعب عن النظر في حقيقة النسخ] ### | [مسألة نسخ الأمر قبل التمكن من الامتثال] # الفصل الثالث: في مسائل تتشعب عن النظر في حقيقة النسخ وهي ست مسائل. ~~مسألة: يجوز عندنا نسخ الأمر قبل التمكن من الامتثال خلافا للمعتزلة. # وصورته أن يقول الشارع في رمضان حجوا في هذه السنة ثم يقول قبل يوم عرفة ~~لا تحجوا فقد نسخت عنكم الأمر. أو يقول: اذبح ولدك: فيبادر إلى إحضار ~~أسبابه، فيقول قبل ذبحه: لا تذبح فقد نسخت عنك الأمر، لأن النسخ عندنا رفع ~~للأمر أي لحكم الأمر ومدلوله وليس بيانا لخروج المنسوخ عن لفظ الأمر بخلاف ~~التخصيص، فلو قال: صلوا أبدا، فيجوز أن ينسخ بعد سنة وجوب الصلاة في ~~المستقبل لا بمعنى أنه لم يقصد باللفظ الأول الدلالة على جميع الأزمان، ~~ولكن بمعنى قطع حكم اللفظ بعد دوامه، إذ كان دوامه مشروطا بعدم النسخ، فكل ~~أمر مضمن بشرط أن لا ينسخ، فكأنه يقول: صلوا أبدا ما لم أنهكم ولم أنسخ ~~عنكم أمري. # وإذا كان كذلك عقل نسخ الحج قبل عرفة ونسخ الذبح قبل فعله؛ لأن الأمر قبل ~~التمكن حاصل وإن كان أمرا بشرط التمكن؛ لأن الأمر بالشرط ثابت، ولذلك يعلم ~~المأمور كونه مأمورا قبل التمكن من الامتثال. ولما لم تفهم المعتزلة هذا ~~أنكروا ثبوت الأمر بالشرط كما سيأتي فساد مذهبهم في كتاب الأوامر. وأقرب ~~دليل على فساده أن المصلي ينوي الفرض ms137 وامتثال الأمر في ابتداء الصلاة، ~~وربما يموت في أثنائها وقبل تمام التمكن، ولو مات قبل لم يتبين أنه لم يكن ~~مأمورا بل نقول كان مأمورا بأمر مقيد بشرط والأمر المقيد بالشرط ثابت في ~~الحال وجد الشرط أو لم يوجد وهم يقولون: إذا لم يوجد الشرط علمنا انتفاء ~~الأمر من أصله وأنا كنا نتوهم وجوبه. # فبان أنه لم يكن. فهذه المسألة فرع لتلك المسألة، ولذلك أحالت المعتزلة ~~النسخ قبل التمكن وقالوا أيضا: إنه يؤدي إلى أن يكون الشيء الواحد في وقت ~~واحد على وجه واحد مأمورا منهيا حسنا قبيحا مكروها مرادا مصلحة مفسدة، ~~وجميع ما يتعلق بالحسن والقبح والصلاح والفساد قد أبطلناه. # ولكن يبقى لهم مسلكان. # المسلك الأول: أن الشيء الواحد في وقت واحد كيف يكون منهيا عنه ومأمورا ~~به على وجه واحد؟ وفي الجواب عنه طريقتان # الأولى: أنا لا نسلم أنه منهي عنه # PageV01P090 # على الوجه الذي هو مأمور به بل على وجهين، كما ينهى عن الصلاة مع الحدث ~~ويؤمر بها مع الطهارة، وينهى عن السجود للصنم ويؤمر بالسجود لله عز وجل، ~~لاختلاف الوجهين. # ثم اختلفوا في كيفية اختلاف الوجهين، فقال قوم: هو مأمور بشرط بقاء ~~الأمر، منهي عنه عند زوال الأمر، فهما حالتان مختلفتان. ومنهم من أبدل لفظ ~~بقاء الأمر بانتفاء النهي أو بعدم المنع، والألفاظ متقاربة وقال قوم: هو ~~مأمور بالفعل في الوقت المعين بشرط أن يختار الفعل أو العزم، وإنما ينهى ~~عنه إذا علم أنه لا يختاره. وجعلوا حصول ذلك في علم الله تعالى بشرط هذا ~~النسخ. # وقال قوم: يأمر بشرط كونه مصلحة، وإنما يكون مصلحة مع دوام الأمر، أما ~~بعد النهي فيخرج عن كونه مصلحة. وقال قوم: إنما يأمر في وقت يكون الأمر ~~مصلحة ثم يتغير الحال فيصير النهي مصلحة، وإنما يأمر الله تعالى به مع علمه ~~بأن إيجابه مصلحة مع دوام الأمر، أما بعد النهي فيخرج عن كونه مصلحة وقال ~~قوم: إنما يأمر الله به مع العلم بأن الحال ستتغير ليعزم المكلف على فعله ~~إن بقيت ms138 المصلحة في الفعل وكل هذا متقارب، وهو ضعيف؛ لأن الشرط ما يتصور أن ~~يوجد وأن لا يوجد، فأما ما لا بد منه فلا معنى لشرطيته، والمأمور لا يقع ~~مأمورا إلا عند دوام الأمر وعدم النهي فكيف يقول آمرك بشرط أن لا أنهاك؟ ~~فكأنه يقول: آمرك بشرط أن آمرك، وبشرط أن يتعلق الأمر بالمأمور، وبشرط أن ~~يكون الفعل المأمور به حادثا أو عرضا أو غير ذلك مما لا بد منه، فهذا لا ~~يصلح للشرطية، وليس هذا كالصلاة مع الحدث والسجود للصنم، فإن الانقسام ~~يتطرق إليه. # ومن رغب في هذه الطريقة فأقرب العبارات أن يقول: الأمر بالشيء قبل وقته ~~يجوز أن يبقى حكمه على المأمور إلى وقته ويجوز أن يزال حكمه قبل وقته، ~~فيجوز أن يجعل بقاء حكمه شرطا في الأمر فيقال: افعل ما أمرتك به إن لم يزل ~~حكم أمري عنك بالنهي عنه، فإذا نهي عنه كان قد زال حكم الأمر فليس منهيا ~~على الوجه الذي أمر به. # الطريقة الثانية: أنا لا نلتزم إظهار اختلاف الوجه، لكن نقول: ما أمرناك ~~أن تفعله على وجه فقد نهيناك عن فعله على ذلك الوجه. ولا استحالة فيه، إذ ~~ليس المأمور حسنا في عينه أو لوصف هو عليه قبل الأمر به حتى يتناقض ذلك، ~~ولا المأمور مرادا حتى يتناقض أن يكون مرادا مكروها، بل جميع ذلك من أصول ~~المعتزلة وقد أبطلناها. فإن قيل: فإذا علم الله تعالى أنه سينهى عنه فما ~~معنى أمره بالشيء الذي يعلم انتفاءه قطعا لعلمه بعواقب الأمور؟ قلنا: لا ~~يصح ذلك إن كانت عاقبة أمره معلومة للمأمور أما إذا كان مجهولا عند المأمور ~~معلوما عند الآمر أمكن الأمر لامتحانه بالعزم والاشتغال بالاستعداد المانع ~~له من أنواع اللهو والفساد حتى يتعرض بالعزم للثواب وبتركه للعقاب، وربما ~~يكون فيه لطف واستصلاح كما سيأتي تحقيقه في كتاب الأوامر. # والعجب من إنكار المعتزلة ثبوت الأمر بالشرط مع أنهم جوزوا الوعد من ~~العالم بعواقب الأمور بالشرط، وقالوا وعد الله تعالى على الطاعة ثوابا بشرط ~~عدم ما ms139 يحبطها من الفسق والردة وعلى المعصية عقابا بشرط خلوها عما يكفرها ~~من التوبة، والله تعالى عالم بعاقبة أمر من يموت على الردة والتوبة، ثم شرط ~~ذلك في وعده فلم يستحل أن يشرط في أمره ونهيه. # وتكون شرطيته بالإضافة إلى العبد الجاهل بعاقبة الأمر فيقول: أثيبك على # PageV01P091 # طاعتك ما لم تحبطها بالردة، وهو عالم بأنه يحبط أم لا يحبط، وكذلك يقول: ~~أمرتك بشرط البقاء والقدرة وبشرط أن لا أنسخ عنك. # المسلك الثاني: في إحالة النسخ قبل التمكن. قولهم: الأمر والنهي عندكم ~~كلام الله تعالى القديم، وكيف يكون الكلام الواحد أمرا بالشيء الواحد ونهيا ~~عنه في وقت واحد؟ بل كيف يكون الرافع والمرفوع واحدا والناسخ والمنسوخ كلام ~~الله تعالى؟ قلنا: هذا إشارة إلى إشكالين # أحدهما: كيفية اتحاد كلام الله تعالى، ولا يختص ذلك بهذه المسألة بل ذلك ~~عندنا كقولهم: العالمية حالة واحدة ينطوي فيها العلم بما لا نهاية له من ~~التفاصيل، وإنما يحل إشكاله في الكلام. # وأما الثاني: فهو أن كلامه واحد، وهو أمر بالشيء ونهي عنه، ولو علم ~~المكلف ذلك دفعة واحدة لما تصور منه اعتقاد الوجوب والعزم على الأداء ولم ~~يكن ذلك منه بأولى من اعتقاد التحريم والعزم على الترك، فنقول كلام الله ~~تعالى في نفسه واحد، وهو بالإضافة إلى شيء أمر وبالإضافة إلى شيء خبر، ~~ولكنه إنما يتصور الامتحان به إذا سمع المكلف كليهما في وقتين ولذلك شرطنا ~~التراخي في النسخ ولو سمع كليهما في وقت واحد لم يجز. # وأما جبريل - عليه السلام - فإنه يجوز أن يسمعه في وقت واحد إذ لم يكن هو ~~مكلفا ثم يبلغ الرسول - صلى الله عليه وسلم - في وقتين إن كان ذلك الرسول ~~داخلا تحت التكليف، فإن لم يكن فيبلغ في وقت واحد لكن يؤمر بتبليغ الأمة في ~~وقتين، فيأمرهم مطلقا بالمسالمة وترك قتال الكفار ومطلقا باستقبال بيت ~~المقدس في كل صلاة، ثم ينهاهم عنها بعد ذلك فيقطع عنهم حكم الأمر المطلق ~~كما يقطع حكم العقد بالفسخ. # ومن أصحابنا من قال: الأمر لا يكون ms140 أمرا قبل بلوغ المأمور، فلا يكون أمرا ~~ونهيا في حالة واحدة بل في حالتين. فهذا أيضا يقطع التناقض ويدفعه. ثم ~~الدليل القاطع من جهة السمع على جوازه قصة إبراهيم - عليه السلام - ونسخ ~~ذبح ولده عنه قبل الفعل، وقوله تعالى: {وفديناه بذبح عظيم} [الصافات: 107] ~~فقد أمر بفعل واحد ولم يقصر في البدار والامتثال ثم نسخ عنه. # وقد اعتاص هذا على القدرية حتى تعسفوا في تأويله وتحزبوا فرقا وطلبوا ~~الخلاص من خمسة أوجه: # أحدها: أن ذلك كان مناما لا أمرا. # الثاني: أنه كان أمرا لكن قصد به تكليفه العزم على الفعل لامتحان سره في ~~صبره على العزم، فالذبح لم يكن مأمورا به. # الثالث: أنه لم ينسخ الأمر لكن قلب الله تعالى عنقه نحاسا أو حديدا فلم ~~ينقطع، فانقطع التكليف لتعذره. # الرابع: المنازعة في المأمور وأن المأمور به كان هو الإضجاع والتل للجبين ~~وإمرار السكين دون حقيقة الذبح. # الخامس: جحود النسخ وأنه ذبح امتثالا فالتأم واندمل. والذاهبون إلى هذا ~~التأويل اتفقوا على أن إسماعيل ليس بمذبوح. واختلفوا في كون إبراهيم - عليه ~~السلام - ذابحا، فقال قوم: هو ذابح للقطع والولد غير مذبوح لحصول الالتئام ~~وقال قوم: ذابح لا مذبوح له محال وكل ذلك تعسف وتكلف. # أما الأول وهو كونه مناما، فمنام الأنبياء جزء من النبوة وكانوا يعرفون ~~أمر الله تعالى به، فلقد كانت نبوة جماعة من الأنبياء - عليهم السلام - ~~بمجرد المنام. # ويدل على فهمه الأمر قول ولده: افعل ما تؤمر، ولو لم يؤمر لكان كاذبا، ~~وإنه لا يجوز قصد الذبح والتل للجبين بمنام لا أصل له، وإنه سماه البلاء ~~المبين # PageV01P092 # وأي بلاء في المنام وأي معنى للفداء. # وأما الثاني وهو أنه كان مأمورا بالعزم اختبارا، فهو محال، لأن علام ~~الغيوب لا يحتاج إلى الاختبار ولأن الاختبار إنما يحصل بالإيجاب، فإن لم ~~يكن إيجاب لم يحصل اختبار. # وقولهم العزم هو الواجب محال؛ لأن العزم على ما ليس بواجب لا يجب بل هو ~~تابع للمعزوم، ولا يجب العزم ما لم يعتقد وجوب المعزوم عليه. ولو لم ms141 يكن ~~المعزوم عليه واجبا لكان إبراهيم - عليه السلام - أحق بمعرفته من القدرية، ~~كيف وقد قال إني أرى في المنام أني أذبحك فقال له ولده افعل ما تؤمر يعني ~~الذبح؟ وقوله تعالى {وتله للجبين} [الصافات: 103] استسلام لفعل الذبح لا ~~للعزم. # وأما الثالث: وهو أن الإضجاع بمجرده هو المأمور به؛ فهو محال إذ لا يسمى ~~ذلك ذبحا ولا هو بلاء ولا يحتاج إلى الفداء بعد الامتثال. # وأما الرابع، وهو إنكار النسخ وأنه امتثال لكن انقلب عنقه حديدا ففات ~~التمكن فانقطع التكليف، فهذا لا يصح على أصولهم؛ لأن الأمر بالمشروط لا ~~يثبت عندهم، بل إذا علم الله تعالى أنه يقلب عنقه حديدا فلا يكون آمرا بما ~~يعلم امتناعه فلا يحتاج إلى الفداء فلا يكون بلاء في حقه. # وأما الخامس، وهو أنه فعل والتأم، فهو محال؛ لأن الفداء كيف يحتاج إليه ~~بعد الالتئام؟ ولو صح ذلك لاشتهر وكان ذلك من آياته الظاهرة ولم ينقل ذلك ~~قط وإنما هو اختراع من القدرية. فإن قيل: أليس قد قال: {قد صدقت الرؤيا} ~~[الصافات: 105] . قلنا: معناه أنك عملت في مقدماته عمل مصدق بالرؤيا، ~~والتصديق غير التحقيق والعمل. ### | [مسألة نسخ بعض العبادة أو شرطها أو سنة من سننها] # مسألة: إذا نسخ بعض العبادة أو شرطها أو سنة من سننها إذا نسخ بعض ~~العبادة أو شرطها أو سنة من سننها # كما لو أسقطت ركعتان من أربع أو أسقط شرط الطهارة فقد قال قائلون: هو نسخ ~~لأصل العبادة وقال قائلون نسخ الشرط ليس نسخا للأصل أما نسخ البعض فهو نسخ ~~للأصل ولم يسمحوا بتسمية الشرط بعضا، ومنهم من أطلق ذلك. # وكشف الغطاء عندنا أن نقول: إذا أوجب أربع ركعات ثم اقتصر على ركعتين فقد ~~نسخ أصل العبادة؛ لأن حقيقة النسخ الرفع والتبديل، ولقد كان حكم الأربع ~~الوجوب فنسخ وجوبها بالكلية، والركعتان عبادة أخرى لا أنها بعض من الأربعة، ~~إذ لو كانت بعضا لكان من صلى الصبح أربعا فقد أتى بالواجب وزيادة، كما لو ~~صلى بتسليمتين وكما لو وجب عليه درهم فتصدق ms142 بدرهمين. فإن قيل: إذا رد ~~الأربع إلى ركعة فقد كانت الركعة حكمها أنها غير مجزئة والآن صارت مجزئة، ~~فهل هذا نسخ آخر مع نسخ الأربع؟ قلنا: كون الركعة غير مجزئة معناه أن ~~وجودها كعدمها، وهذا حكم أصلي عقلي ليس من الشرع. # والنسخ هو رفع ما ثبت بالشرع، فإذا لم يرد بلفظ النسخ إلا الرفع كيف كان ~~من غير نظر إلى المرفوع فهذا نسخ، لكنا بينا في حد النسخ خلافه، وأما إذا ~~أسقطت الطهارة فقد نسخ وجوب الطهارة وبقيت الصلاة واجبة. نعم كان حكم ~~الصلاة بغير طهارة أن لا تجزئ والآن صارت مجزئة، لكن هذا تغيير لحكم أصلي ~~لا لحكم شرعي، فإن الصلاة بغير طهارة لم تكن مجزئة؛ لأنها لم تكن مأمورا ~~بها شرعا. # فإن قيل: كانت صحة الصلاة متعلقة بالطهارة فنسخ تعلق صحتها بها شرعا فهو ~~نسخ متعلق بنفس العبادة، فالصلاة مع الطهارة غير الصلاة مع الحدث كما أن ~~الثلاث غير الأربع، فليكن هذا نسخا لتلك # PageV01P093 # الصلاة وإيجابا لغيرها. قلنا: لهذا تخيل قوم أن نسخ شرط العبادة. # كنسخ البعض، ولا شك أنه لو أوجب الصلاة مع الحدث لكان لإيجابها مع ~~الطهارة وكانت هذه عبادة أخرى، أما إذا جوزت الصلاة كيف كانت مع الطهارة ~~وغير الطهارة فقد كانت الصلاة بغير طهارة غير مجزئة لبقائها على الحكم ~~الأصلي إذ لم يؤمر بها فالآن جعلت مجزئة وارتفع الحكم الأصلي، أما صحة ~~الصلاة وأنها كانت متعلقة بالطهارة فنسخ هذا التعلق نسخ لأصل العبادة أو ~~نسخ لتعلق الصحة ولمعنى الشرطية؟ هذا فيه نظر والخطب فيه يسير، فليس يتعلق ~~به كبير فائدة. # وأما إذا نسخت سنة من سننها لا يتعلق بها الإجزاء كالوقوف على يمين ~~الإمام أو ستر الرأس، فلا شك أن هذا لا يتعرض للعبادة بالنسخ، فإذا تبعيض ~~مقدار العبادة نسخ لأصل العبادة، وتبعيض السنة لا يتعرض للعبادة، وتبعيض ~~الشرط فيه نظر وإذا حقق كان إلحاقه بتبعيض قدر العبادة أولى. ### | [مسألة الزيادة على النص نسخ] # الزيادة على النص نسخ عند قوم وليست بنسخ عند قوم ms143 # والمختار عندنا التفصيل فنقول ينظر إلى تعلق الزيادة بالمزيد عليه. ~~والمراتب فيه ثلاثة: # الأولى: أن يعلم أنه لا يتعلق به كما إذا أوجب الصلاة والصوم ثم أوجب ~~الزكاة والحج لم يتغير حكم المزيد عليه، إذ بقي وجوبه وإجزاؤه، والنسخ هو ~~رفع حكم وتبديل ولم يرتفع. # الرتبة الثانية: وهي في أقصى البعد عن الأولى أن تتصل الزيادة بالمزيد ~~عليه اتصال اتحاد يرفع التعدد والانفصال كما لو زيد في الصبح ركعتان، فهذا ~~نسخ إذ كان حكم الركعتين الإجزاء والصحة وقد ارتفع. # نعم الأربعة استؤنف إيجابها ولم تكن واجبة، وهذا ليس بنسخ إذ المرفوع هو ~~الحكم الأصلي دون الشرعي. فإن قيل: اشتملت الأربعة على الثنتين وزيادة فهما ~~قارتان لم ترفعا وضمت إليهما ركعتان. قلنا: النسخ رفع الحكم لا رفع المحكوم ~~فيه فقد كان من حكم الركعتين الإجزاء والصحة وقد ارتفع، كيف وقد بينا أنه ~~ليس الأربعة ثلاثا وزيادة بل هي نوع آخر؟ إذ لو كان لكانت الخمسة أربعة ~~وزيادة. فإذا أتى بالخمسة فينبغي أن تجزئ ولا صائر إليه. # الرتبة الثالثة: وهي بين المرتبتين زيادة عشرين جلدة على ثمانين جلدة في ~~القذف، وليس انفصال هذه الزيادة كانفصال الصوم عن الصلاة ولا اتصالها ~~كاتصال الركعات. # وقد قال أبو حنيفة - رحمه الله -: هو نسخ، وليس بصحيح بل هو بالمنفصل ~~أشبه؛ لأن الثمانين نفي وجوبها وإجزاؤها عن نفسها ووجبت زيادة عليها مع ~~بقائها فالمائة ثمانون وزيادة، ولذلك لا ينتفي الإجزاء عن الثمانين بزيادة ~~عليها بخلاف الصلاة. وفائدة هذه المسألة جواز إثبات التغريب بخبر الواحد ~~عندنا ومنعه عندهم، لأن القرآن لا ينسخ بخبر الواحد. فإن قيل: قد كانت ~~الثمانون حدا كاملا فنسخ اسم الكمال رفع لحكمه لا محالة. # قلنا هو رفع، ولكن ليس ذلك حكما مقصودا شرعيا بل المقصود وجوده وإجزاؤه ~~وقد بقي كما كان، فلو أثبت مثبت كونه حكما مقصودا شرعيا لامتنع نسخه بخبر ~~الواحد، بل هو كما لو أوجب الشرع الصلاة فقط فمن أتى بها فقد أدى كلية ما ~~أوجبه الله تعالى عليه بكماله، فإذا أوجب ms144 الصوم خرجت الصلاة عن كونها كلية ~~الواجب لكن ليس هذا حكما مقصودا. فإن قيل: هو نسخ لوجوب الاقتصار على ~~الثمانين، لأن إيجاب الثمانين مانع من الزيادة. # قلنا ليس # PageV01P094 # منع الزيادة بطريق المنطوق بل بطريق المفهوم ولا يقولون به ولا نقول به ~~ههنا ثم رفع المفهوم كتخصيص العموم، فإنه رفع بعض مقتضى اللفظ فيجوز بخبر ~~الواحد. ثم إنما يستقيم هذا لو ثبت أنه ورد حكم المفهوم واستقر ثم ورد ~~التغريب بعده، وهذا لا سبيل إلى معرفته، بل لعله ورد بيانا لإسقاط المفهوم ~~متصلا به أو قريبا منه. فإن قيل: التفسيق ورد الشهادة يتعلق بالثمانين، ~~فإذا زيد عليها زال تعلقه بها. # قلنا: يتعلق التفسيق ورد الشهادة بالقذف لا بالحد، ولو سلمنا لكان ذلك ~~حكما تابعا للحد لا مقصودا وكان كحل النكاح بعد انقضاء أربعة أشهر وعشر من ~~عدة الوفاة، وتصرف الشرع في العدة بردها من حول إلى أربعة أشهر وعشر ليس ~~تصرفا في إباحة النكاح بل في نفس العدة والنكاح تابع. فإن قيل: فلو أمر ~~بالصلاة مطلقا ثم زيد شرط الطهارة فهل هو نسخ؟ قلنا: نعم، لأنه كان حكم ~~الأول إجزاء الصلاة بغير طهارة فنسخ إجزاؤها وأمر بصلاة مع طهارة. # فإن قيل: فيلزمكم المصير إلى إجزاء طواف المحدث؛ لأنه تعالى قال: ~~{وليطوفوا بالبيت العتيق} [الحج: 29] ولم يشرط الطهارة والشافعي - رحمه ~~الله - منع الإجزاء لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «الطواف بالبيت صلاة» ~~وهو خبر الواحد وأبو حنيفة - رحمه الله - قضى بأن هذا الخبر يؤثر في إيجاب ~~الطهارة أما في إبطال الطواف وإجزائه وهو معلوم بالكتاب فلا. قلنا لو استقر ~~قصد العموم في الكتاب واقتضى إجزاء الطواف محدثا ومع الطهارة فاشتراط ~~الطهارة رفع ونسخ ولا يجوز بخبر الواحد، ولكن قوله تعالى: {وليطوفوا بالبيت ~~العتيق} [الحج: 29] يجوز أن يكون أمرا بأصل الطواف ويكون بيان شروطه موكولا ~~إلى الرسول - عليه السلام -، فيكون قوله بيانا وتخصيصا للعموم لا نسخا، ~~فإنه نقصان من النص لا زيادة على النص، لأن عموم النص يقتضي إجزاء الطواف ~~بطهارة وغير طهارة فأخرج ms145 خبر الواحد أحد القسمين من لفظ القرآن فهو نقصان ~~من النص لا زيادة عليه، ويحتمل أن يكون رفعا إن استقر العموم قطعا وبيانا ~~إن لم يستقر، ولا معنى لدعوى استقراره بالتحكم. # وهذا نظير قوله تعالى: {فتحرير رقبة} [المجادلة: 3] ، فإنه يعم المؤمنة ~~وغير المؤمنة، فيجوز تخصيص العموم إذ قد يراد بالآية ذكر أصل الكفارة ويكون ~~أمرا بأصل الكفارة دون قيودها وشروطها، فلو استقر العموم وحصل القطع يكون ~~العموم مرادا لكان نسخه ورفعه بالقياس وخبر الواحد ممتنعا. فإن قيل: فما ~~قولكم في تجويز المسح على الخفين هل هو نسخ لغسل الرجلين؟ قلنا: ليس نسخا ~~لإجزائه ولا لوجوبه لكنه نسخ لتضييق وجوبه وتعينه وجاعل إياه أحد الواجبين، ~~ويجوز أن يثبت بخبر الواحد. # فإن قيل: فالكتاب أوجب غسل الرجلين على التضييق. قلنا: قد بقي تضييقه في ~~حق من لم يلبس خفا على الطهارة وأخرج من عمومه من لبس الخف على الطهارة، ~~وذلك في ثلاثة أيام أو يوم وليلة. فإن قيل: فقوله تعالى: {واستشهدوا شهيدين ~~من رجالكم} [البقرة: 282] الآية، توجب إيقاف الحكم على شاهدين، فإذا حكم ~~بشاهد ويمين بخبر الواحد فقد رفع إيقاف الحكم فهو نسخ. # قلنا: ليس كذلك، فإن الآية لا تقتضي إلا كون الشاهدين حجة وجواز الحكم ~~بقولهما، أما امتناع الحكم بحجة أخرى فليس من الآية بل هو كالحكم بالإقرار، ~~وذكر حجة واحدة لا يمنع وجود حجة أخرى. وقولهم ظاهر # PageV01P095 # الآية أن لا حجة سواه، فليس هذا ظاهر منطوقه ولا حجة عندهم بالمفهوم، ولو ~~كان فرفع المفهوم رفع بعض مقتضى اللفظ وكل ذلك لو سلم استقرار المفهوم ~~وثباته، وقد ورد خبر الشاهد واليمين بعده وكل ذلك غير مسلم ### | [مسألة ليس من شرط النسخ إثبات بدل غير المنسوخ] # ليس من شرط النسخ إثبات بدل غير المنسوخ # وقال قوم: يمتنع ذلك. فنقول: يمتنع ذلك عقلا أو سمعا؟ ولا يمتنع عقلا. ~~جوازه إذ لو امتنع لكان الامتناع لصورته أو لمخالفته المصلحة والحكمة، ولا ~~يمتنع لصورته إذ يقول قد أوجبت عليك القتال ونسخته عنك ورددتك إلى ما ms146 كان ~~قبل من الحكم الأصلي، ولا يمتنع للمصلحة فإن الشرع لا ينبني عليها وإن ~~ابتنى فلا يبعد أن تكون المصلحة في رفعه من غير إثبات بدل. وإن منعوا جوازه ~~سمعا فهو تحكم، بل نسخ النهي عن ادخار لحوم الأضاحي وتقدمة الصدقة أمام ~~المناجاة ولا بدل لها وإن نسخت القبلة إلى بدل ووصية الأقربين إلى بدل وغير ~~ذلك. وحقيقة النسخ هو الرفع فقط، أما قوله تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها ~~نأت بخير منها أو مثلها} [البقرة: 106] إن تمسكوا به فالجواب من أوجه، ~~الأول: أن هذا لا يمنع الجواز وإن منع الوقوع عند من يقول بصيغة العموم، ~~ومن لا يقول، بها فلا يلزمه أصلا، ومن قال بها فلا يلزمه من هذا أنه لا ~~يجوز في جميع المواضع إلا ببدل بل يتطرق التخصيص إليه بدليل الأضاحي ~~والصدقة أمام المناجاة، ثم ظاهره أنه أراد أن نسخ آية بآية أخرى مثلها لا ~~يتضمن الناسخ إلا رفع المنسوخ أو يتضمن مع ذلك، فكل ذلك محتمل. ### | [مسألة يجوز النسخ بالأخف ولا يجوز بالأثقل] # مسألة: قال قوم: يجوز النسخ بالأخف ولا يجوز بالأثقل قال قوم: يجوز النسخ ~~بالأخف ولا يجوز بالأثقل. # فنقول امتناع النسخ بالأثقل عرفتموه عقلا أو شرعا؟ ولا يستحيل عقلا لأنه ~~لا يمتنع لذاته ولا للاستصلاح، فإنا ننكره وإن قلنا به، فلم يستحيل أن تكون ~~المصلحة في التدريج والترقي من الأخف إلى الأثقل كما كانت المصلحة في ~~ابتداء التكليف ورفع الحكم الأصلي. فإن قيل: إن الله تعالى رءوف رحيم ~~بعباده ولا يليق به التشديد. قلنا: فينبغي أن لا يليق به ابتداء التكليف ~~ولا تسليط المرض والفقر وأنواع العذاب على الخلق. # فإن قالوا: إنه يمتنع سمعا لقوله تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد ~~بكم العسر} [البقرة: 185] ولقوله تعالى: {يريد الله أن يخفف عنكم} [النساء: ~~28] قلنا: فينبغي أن يتركهم وإباحة الفعل ففيه اليسر، ثم ينبغي أن لا ينسخ ~~بالمثل لأنه لا يسر فيه إذ اليسر في رفعه إلى غير بدل أو بالأخف، وهذه ~~الآيات وردت ms147 في صور خاصة أريد بها التخفيف وليس فيه منع إرادة التثقيل ~~والتشديد. # فإن قيل فقد قال: {ما ننسخ من آية أو ننسها} [البقرة: 106] الآية، وهذا ~~خير عام والخير ما هو خير لنا وإلا فالقرآن خير كله، والخير لنا ما هو أخف ~~علينا. قلنا: لا بل الخير ما هو أجزل ثوابا وأصلح لنا في المآل وإن كان ~~أثقل في الحال. فإن قيل: لا يمتنع ذلك عقلا بل سمعا؛ لأنه لم يوجد في الشرع ~~نسخ بالأثقل. # قلنا: ليس كذلك، إذ أمر الصحابة أولا بترك القتال والإعراض ثم بنصب ~~القتال مع التشديد بثبات الواحد للعشرة، وكذلك نسخ التخيير بين الصوم ~~والفدية بالإطعام بتعيين الصيام وهو تضييق، وحرم الخمر ونكاح المتعة والحمر ~~الأهلية بعد إطلاقها، ونسخ جواز تأخير الصلاة عند الخوف إلى إيجابها في ~~أثناء القتال، # PageV01P096 # ونسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان وكانت الصلاة ركعتين عند قوم فنسخت بأربع في ~~الحضر. ### | [مسألة النسخ في حق من لم يبلغه الخبر] # مسألة: اختلفوا في النسخ في حق من لم يبلغه الخبر اختلفوا في النسخ في حق ~~من لم يبلغه الخبر. # فقال قوم: النسخ حصل في حقه وإن كان جاهلا به وقال قوم: ما لم يبلغه لا ~~يكون نسخا في حقه والمختار أن للنسخ حقيقة وهو ارتفاع الحكم السابق ونتيجة ~~وهو وجوب القضاء وانتفاء الإجزاء بالعمل السابق، أما حقيقته فلا يثبت في حق ~~من لم يبلغه وهو رفع الحكم لأن من أمر باستقبال بيت المقدس فإذا نزل النسخ ~~بمكة لم يسقط الأمر عمن هو باليمن في الحال بل هو مأمور بالتمسك بالأمر ~~السابق ولو ترك لعصى وإن بان أنه كان منسوخا، ولا يلزمه استقبال الكعبة بل ~~لو استقبلها لعصى وهذا لا يتجه فيه خلاف. # وأما لزوم القضاء للصلاة إذا عرف النسخ فيعرف ذلك بدليل نص أو قياس وربما ~~يجب القضاء حيث لا يجب الأداء، كما في الحائض لو صامت عصت ويجب عليها ~~القضاء، فكذلك يجوز أن يقال هذا لو استقبل الكعبة عصى ويلزمه استقبالها في ~~القضاء، وكما نقول ms148 في النائم والمغمى عليه إذا تيقظ وأفاق يلزمهما قضاء ما ~~لم يكن واجبا لأن من لا يفهم لا يخاطب. # فإن قيل: إذا علم النسخ ترك تلك القبلة بالنسخ أو بعلمه بالنسخ والعلم لا ~~تأثير له، فدل أن الحكم انقطع بنزول الناسخ، لكنه جاهل به وهو مخطئ فيه ~~لكنه معذور. قلنا: الناسخ هو الرافع، لكن العلم شرط ويحال عند وجود الشرط ~~على الناسخ ولكن لا نسخ قبل وجود الشرط؛ لأن الناسخ خطاب ولا يصير خطابا في ~~حق من لم يبلغه. # وقولهم: إنه مخطئ، محال؛ لأن اسم الخطأ يطلق على من طلب شيئا فلم يصب أو ~~على من وجب عليه الطلب فقصر، ولا يتحقق شيء منه في محل النزاع. ### | [الباب الثاني في أركان النسخ وشروطه] # أركان النسخ وشروطه # ويشتمل على تمهيد لمجامع الأركان والشروط وعلى مسائل تتشعب من أحكام ~~الناسخ والمنسوخ. أما التمهيد، فاعلم أن أركان النسخ أربعة: النسخ، ~~والناسخ، والمنسوخ، والمنسوخ عنه. فإذا كان النسخ حقيقته رفع الحكم، ~~فالناسخ هو الله تعالى فإنه الرافع للحكم، والمنسوخ هو الحكم المرفوع، ~~والمنسوخ عنه هو المتعبد المكلف، والنسخ قوله الدال على رفع الحكم الثابت. # وقد يسمى الدليل ناسخا على سبيل المجاز، فيقال: هذه الآية ناسخة لتلك. ~~وقد يسمى الحكم ناسخا مجازا، فيقال: صوم رمضان ناسخ لصوم عاشوراء. والحقيقة ~~هو الأول؛ لأن النسخ هو الرفع، والله تعالى هو الرافع بنصب الدليل على ~~الارتفاع وبقوله الدال عليه. وأما مجامع شروطه فالشروط أربعة: # الأول: أن يكون المنسوخ حكما شرعيا لا عقليا أصليا، كالبراءة الأصلية ~~التي ارتفعت بإيجاب العبادات. # الثاني: أن يكون النسخ بخطاب، فارتفاع الحكم بموت المكلف ليس نسخا إذ ليس ~~المزيل خطابا رافعا لحكم خطاب سابق، ولكنه قد قيل أولا الحكم عليك ما دمت ~~حيا. فوضع الحكم قاصر على الحياة فلا يحتاج إلى الرفع. # الثالث: أن لا يكون الخطاب المرفوع حكمه مقيدا بوقت. # PageV01P097 # يقتضي دخوله زوال الحكم، كقوله تعالى: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} ~~[البقرة: 187] . # الرابع: أن يكون الخطاب الناسخ متراخيا، لا كقوله تعالى: {ولا تقربوهن ms149 ~~حتى يطهرن} [البقرة: 222] وقوله تعالى: {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم ~~صاغرون} [التوبة: 29] . # وليس يشترط فيه تسعة أمور: # الأول: أن يكون رافعا للمثل بالمثل بل أن يكون رافعا فقط. # الثاني: أن لا يشترط ورود النسخ بعد دخول وقت المنسوخ بل يجوز قبل دخول ~~وقته. # الثالث: أن لا يشترط أن يكون المنسوخ مما يدخله الاستثناء والتخصيص بل ~~يجوز ورود النسخ على الأمر بفعل واحد في وقت واحد. # الرابع: أن لا يشترط أن يكون نسخ القرآن بالقرآن والسنة بالسنة فلا تشرط ~~الجنسية بل يكفي أن يكون مما يصح النسخ به. # الخامس: أن لا يشترط أن يكونا نصين قاطعين إذ يجوز نسخ خبر الواحد بخبر ~~الواحد وبالمتواتر وإن كان لا يجوز نسخ المتواتر بخبر الواحد. # السادس: لا يشترط أن يكون الناسخ منقولا بمثل لفظ المنسوخ بل أن يكون ~~ثابتا بأي طريق كان، فإن التوجه إلى بيت المقدس لم ينقل إلينا بلفظ القرآن ~~والسنة وناسخه نص صريح في القرآن، وكذلك لا يمتنع نسخ الحكم المنطوق به ~~باجتهاد النبي - صلى الله عليه وسلم - وقياسه وإن لم يكن ثابتا بلفظ ذي ~~صيغة وصورة ويجب نقلها. # السابع: لا يشترط أن يكون الناسخ مقابلا للمنسوخ حتى لا ينسخ الأمر إلا ~~بالنهي ولا النهي إلا بالأمر بل يجوز أن ينسخ كلاهما بالإباحة وأن ينسخ ~~الواجب المضيق بالموسع، وإنما يشترط أن يكون الناسخ رافعا حكما من المنسوخ ~~كيف كان. # الثامن: لا يشترط كونهما ثابتين بالنص بل لو كان بلحن القول وفحواه ~~وظاهره وكيف كان بدليل أن النبي - عليه السلام - بين أن آية وصية الأقارب ~~نسخت بقوله: «إن الله تعالى قد أعطى كل ذي حق حقه، ألا لا وصية لوارث» مع ~~أن الجمع بين الوصية والميراث ممكن فليسا متنافيين تنافيا قاطعا. # التاسع: لا يشترط نسخ الحكم ببدل أو بما هو أخف بل يجوز بالمثل والأثقل ~~وبغير بدل كما سبق. ### | [مسائل تتشعب عن النظر في ركني المنسوخ والناسخ] ### | [مسألة ما من حكم شرعي إلا وهو قابل للنسخ] # ولنذكر الآن مسائل تتشعب عن ms150 النظر في ركني المنسوخ والناسخ، وهي مسألتان ~~في المنسوخ وأربع مسائل في المنسوخ به. # مسألة: ما من حكم شرعي إلا وهو قابل للنسخ # ، خلافا للمعتزلة فإنهم قالوا من الأفعال ما لها صفات نفسية تقتضي حسنها ~~وقبحها فلا يمكن نسخها. مثل معرفة الله تعالى والعدل وشكر المنعم فلا يجوز ~~نسخ وجوبه، ومثل الكفر والظلم والكذب فلا يجوز نسخ تحريمه. وبنوا هذا على ~~تحسين العقل وتقبيحه وعلى وجوب الأصلح على الله تعالى، وحجروا بسببه على ~~الله تعالى في الأمر والنهي. وربما بنوا هذا على صحة إسلام الصبي وأن وجوبه ~~بالعقل وأن استثناء الصبي غير ممكن. وهذه أصول أبطلناها وبينا أنه لا يجب ~~أصل التكليف على الله تعالى كان فيه صلاح العباد أو لم يكن، نعم بعد أن ~~كلفهم لا يمكن أن ينسخ جميع التكاليف إذ لا يعرف النسخ إلا الله عز وجل ~~ويجب على المكلف معرفة النسخ والناسخ والدليل المنصوب عليه، فيبقى هذا ~~التكليف بالضرورة. ونسلم أيضا أنه لا يجوز أن يكلفهم أن لا يعرفوه وأن يحرم ~~عليهم معرفته، لأن قوله: أكلفك أن لا تعرفني، # PageV01P098 # يتضمن المعرفة، أي: عرفني لأني كلفتك أن لا تعرفني، وذلك محال فيمتنع ~~التكليف فيه عند من يمنع تكليف المحال. وكذلك لا يجوز أن يكلفه معرفة شيء ~~من الحوادث على خلاف ما هو به لأنه محال لا يصح فعله ولا تركه. ### | [مسألة الآية إذا تضمنت حكما يجوز نسخ تلاوتها] # الآية إذا تضمنت حكما # يجوز نسخ تلاوتها دون حكمها ونسخ حكمها دون تلاوتها ونسخهما جميعا، وظن ~~قوم استحالة ذلك. فنقول: هو جائز عقلا وواقع شرعا، أما جوازه عقلا فإن ~~التلاوة وكتبتها في القرآن وانعقاد الصلاة بها كل ذلك حكمها، كما أن ~~التحريم والتحليل المفهوم من لفظها حكمها وكل حكم فهو قابل للنسخ، وهذا حكم ~~فهو إذن قابل للنسخ. # وقد قال قوم نسخ التلاوة أصلا ممتنع لأنه لو كان المراد منها الحكم لذكر ~~على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما أنزله الله تعالى عليه إلا ~~ليتلى ويثاب عليه، ms151 فكيف يرفع؟ قلنا: وأي استحالة في أن يكون المقصود مجرد ~~الحكم دون التلاوة لكن أنزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلفظ ~~معين. # فإن قيل: فإن جاز نسخها فلينسخ الحكم معها؛ لأن الحكم تبع للتلاوة، فكيف ~~يبقى الفرع مع نسخ الأصل؟ قلنا: لا بل التلاوة حكم وانعقاد الصلاة بها حكم ~~آخر فليس بأصل، وإنما الأصل دلالتها، وليس في نسخ تلاوتها، والحكم بأن ~~الصلاة لا تنعقد بها نسخ لدلالتها فكم من دليل لا يتلى ولا تنعقد به صلاة، ~~وهذه الآية دليل لنزولها وورودها لا لكونها متلوة في القرآن، والنسخ لا ~~يرفع ورودها ونزولها ولا يجعلها كأنها غير واردة بل يلحقها بالوارد الذي لا ~~يتلى، كيف ويجوز أن ينعدم الدليل ويبقى المدلول؟ فإن الدليل علامة لا علة ~~فإذا دل فلا ضرر في انعدامه، كيف والموجب للحكم كلام الله تعالى القديم ولا ~~ينعدم ولا يتصور رفعه ونسخه؟ فإذا قلنا الآية منسوخة أردنا به انقطاع ~~تعلقها عن العبد وارتفاع مدلولها وحكمها لا ارتفاع ذاتها. فإن قيل نسخ ~~الحكم مع بقاء التلاوة متناقض لأنه رفع للمدلول مع بقاء الدليل. # قلنا: إنما يكون دليلا عند انفكاكه عما يرفع حكمه فإذا جاء خطاب ناسخ ~~لحكمه زال شرط دلالته. ثم الذي يدل على وقوعه سمعا قوله تعالى {وعلى الذين ~~يطيقونه فدية طعام مسكين} [البقرة: 184] الآية، وقد بقيت تلاوتها ونسخ ~~حكمها بتعيين الصوم. والوصية للوالدين والأقربين متلوة في القرآن وحكمها ~~منسوخ بقوله - صلى الله عليه وسلم - «لا وصية لوارث» ونسخ تقديم الصدقة ~~أمام المناجاة والتلاوة باقية، ونسخ التربص حولا عن المتوفى عنها زوجها، ~~والحبس والأذى عن اللاتي يأتين الفاحشة بالجلد والرجم مع بقاء التلاوة. # وأما نسخ التلاوة فقد تظاهرت الأخبار بنسخ تلاوة آية الرجم مع بقاء ~~حكمها، وهي قوله تعالى: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالا من ~~الله والله عزيز حكيم ". واشتهر عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: ~~أنزلت عشر رضعات محرمات فنسخن بخمس. وليس ذلك في الكتاب. ### | [مسألة نسخ القرآن بالسنة والسنة بالقرآن] # يجوز نسخ ms152 القرآن بالسنة والسنة بالقرآن # ؛ لأن الكل من عند الله عز وجل، فما المانع منه؟ ولم يعتبر التجانس مع أن ~~العقل لا يحيله، كيف وقد دل السمع على وقوعه؟ إذ التوجه إلى بيت المقدس ليس ~~في القرآن وهو في السنة وناسخه في القرآن، وكذلك قوله تعالى: {فالآن ~~باشروهن} [البقرة: 187] نسخ لتحريم المباشرة وليس التحريم في # PageV01P099 # القرآن، ونسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان وكان عاشوراء ثابتا بالسنة وصلاة ~~الخوف وردت في القرآن ناسخة لما ثبت في السنة من جواز تأخيرها إلى انجلاء ~~القتال، حتى قال - عليه السلام - يوم الخندق وقد أخر الصلاة: «حشا الله ~~قبورهم نارا» لحبسهم له عن الصلاة، وكذلك قوله تعالى: {فلا ترجعوهن إلى ~~الكفار} [الممتحنة: 10] نسخ لما قرره - عليه السلام - من العهد والصلح. # وأما نسخ القرآن بالسنة فنسخ الوصية للوالدين والأقربين بقوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «ألا لا وصية لوارث» ؛ لأن آية الميراث لا تمنع الوصية ~~للوالدين والأقربين، إذ الجمع ممكن. وكذلك قال - صلى الله عليه وسلم -: «قد ~~جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد ~~مائة والرجم» . فهو ناسخ لإمساكهن في البيوت. وهذا فيه نظر؛ لأنه - صلى ~~الله عليه وسلم - بين أن آية الميراث نسخت آية الوصية ولم ينسخها هو بنفسه ~~- صلى الله عليه وسلم -، وبين أن الله تعالى جعل لهن سبيلا وكان قد وعد به ~~فقال: {أو يجعل الله لهن سبيلا} [النساء: 15] فإن قيل قال الشافعي - رحمه ~~الله -: لا يجوز نسخ السنة بالقرآن كما لا يجوز نسخ القرآن بالسنة، وهو أجل ~~من أن لا يعرف هذه الوجوه في النسخ، فكأنه يقول: إنما تلتغي السنة بالسنة ~~إذ يرفع النبي - صلى الله عليه وسلم - سنته بسنته ويكون هو مبينا لكلام ~~نفسه وللقرآن ولا يكون القرآن مبينا للسنة، وحيث لا يصادف ذلك فلأنه لم ~~ينقل وإلا فلم يقع النسخ إلا كذلك. # قلنا: هذا إن كان في جوازه عقلا، فلا يخفى أنه يفهم من القرآن وجوب ~~التحول إلى الكعبة وإن كان التوجه إلى بيت المقدس ثابتا بالسنة، ms153 وكذلك عكسه ~~ممكن. وإن كان يقول لم يقع هذا فقد نقلنا وقوعه، ولا حاجة إلى تقدير سنة ~~خافية مندرسة؛ إذ لا ضرورة في هذا التقدير والحكم بأن ذلك لم يقع أصلا تحكم ~~محض. وإن قال: الأكثر كان ذلك فربما لا ينازع فيه. # احتجوا بقوله تعالى {قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو ~~بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي} ~~[يونس: 15] . فدل أنه لا ينسخ القرآن بالسنة. قلنا: لا خلاف في أنه لا ينسخ ~~من تلقاء نفسه بل بوحي يوحى إليه، لكن لا يكون بنظم القرآن. وإن جوزنا ~~النسخ بالاجتهاد فالإذن في الاجتهاد يكون من الله عز وجل، والحقيقة أن ~~الناسخ هو الله عز وجل على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم -. # والمقصود أنه ليس من شرطه أن ينسخ حكم القرآن بقرآن، بل على لسان رسوله - ~~صلى الله عليه وسلم - بوحي ليس بقرآن وكلام الله تعالى واحد هو الناسخ ~~باعتبار، والمنسوخ باعتبار، وليس له كلامان أحدهما قرآن والآخر ليس بقرآن، ~~وإنما الاختلاف في العبارات فربما دل كلامه بلفظ منظوم يأمرنا بتلاوته ~~فيسمى قرآنا وربما دل بغير لفظ متلو فيسمى سنة، والكل مسموع من الرسول - ~~عليه السلام - والناسخ هو الله تعالى في كل حال على أنهم طالبوه بقرآن مثل ~~هذا القرآن فقال لا أقدر عليه من تلقاء نفسي وما طالبوه بحكم غير ذلك، فأين ~~هذا من نسخ القرآن بالسنة وامتناعه؟ احتجوا بقوله تعالى: {ما ننسخ من آية ~~أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} [البقرة: 106] وبين أن الآية لا تنسخ إلا ~~بمثلها أو بخير منها فالسنة لا تكون مثلها. # ثم تمدح وقال: {ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير} [البقرة: 106] بين أنه ~~لا يقدر عليه غيره. قلنا: قد حققنا أن الناسخ هو # PageV01P100 # الله تعالى وأنه المظهر له على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - المفهم ~~إيانا بواسطته نسخ كتابه، ولا يقدر عليه غيره. # ثم لو نسخ الله تعالى آية ms154 على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - ثم أتى ~~بآية أخرى مثلها كان قد حقق وعده، فلم يشترط أن تكون الآية الأخرى هي ~~الناسخة للأولى. ثم نقول: ليس المراد الإتيان بقرآن آخر خير منها؛ لأن ~~القرآن لا يوصف بكون بعضه خيرا من البعض، كيفما قدر قديما أو مخلوقا، بل ~~معناه أن يأتي بعمل خير من ذلك العمل لكونه أخف منه أو لكونه أجزل ثوابا ### | [مسألة الإجماع لا ينسخ به] # الإجماع لا ينسخ به إذ لا نسخ بعد انقطاع الوحي وما نسخ بالإجماع ~~فالإجماع يدل على ناسخ قد سبق في زمان نزول الوحي من كتاب أو سنة. أما ~~السنة فينسخ المتواتر منها بالمتواتر والآحاد بالآحاد، أما نسخ المتواتر ~~منها بالآحاد فاختلفوا في وقوعه سمعا وجوازه عقلا، فقال قوم: وقع ذلك سمعا، ~~فإن أهل مسجد قباء تحولوا إلى الكعبة بقول واحد أخبرهم وكان ذلك ثابتا ~~بطريق قاطع فقبلوا نسخه عن الواحد والمختار جواز ذلك عقلا لو تعبد به ~~ووقوعه سمعا في زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدليل قصة قباء، ~~وبدليل أنه كان ينفذ آحاد الولاة إلى الأطراف وكانوا يبلغون الناسخ ~~والمنسوخ جميعا، ولكن ذلك ممتنع بعد وفاته بدليل الإجماع من الصحابة على أن ~~القرآن والمتواتر المعلوم لا يرفع بخبر الواحد، فلا ذاهب إلى تجويزه من ~~السلف والخلف، والعمل بخبر الواحد تلقي من الصحابة وذلك فيما لا يرفع ~~قاطعا، بل ذهب الخوارج إلى منع نسخ القرآن بالخبر المتواتر حتى إنهم قالوا ~~رجم ماعز وإن كان متواترا لا يصلح لنسخ القرآن وقال الشافعي - رحمه الله -: ~~لا يجوز نسخ القرآن بالسنة وإن تواترت، وليس ذلك بمحال؛ لأنه يصح أن يقال: ~~تعبدناكم بالنسخ بخبر الواحد في زمان نزول الوحي وحرمنا ذلك بعده. # فإن قيل: كيف يجوز ذلك عقلا وهو رفع القاطع بالظن؟ وأما حديث قباء فلعله ~~انضم إليه من القرائن ما أورث العلم. قلنا تقدير قرائن معرفة توجب إبطال ~~أخبار الآحاد وحمل عمل الصحابة على المعرفة بالقرائن ولا سبيل إلى وضع ما ~~لم ينقل، ms155 وأما قولهم: إنه رفع للقاطع بالظن فباطل؛ إذ لو كان كذلك لقطعنا ~~بكذب الناقل، ولسنا نقطع به بل نجوز صدقه، وإنما هو مقطوع به بشرط أن لا ~~يرد خبر نسخه، كما أن البراءة الأصلية مقطوع بها وترتفع بخبر الواحد لأنها ~~تفيد القطع بشرط عدم خبر الواحد. # فإن قيل: بم تنكرون على من يقطع بكونه كاذبا لأن الرسول - عليه السلام - ~~أشاع الحكم فلو ثبت نسخه للزمه الإشاعة؟ قلنا ولم يستحيل أن يشيع الحكم ~~ويكل النسخ إلى الآحاد كما يشيع العموم ويكل التخصيص إلى المخصص؟ ### | [مسألة نسخ النص القاطع المتواتر بالقياس] # لا يجوز نسخ النص القاطع المتواتر بالقياس المعلوم بالظن والاجتهاد على ~~اختلاف مراتبه جليا كان أو خفيا، هذا ما قطع به الجمهور إلا شذوذا منهم ~~قالوا: ما جاز التخصيص به جاز النسخ به. وهو منقوض بدليل العقل وبالإجماع ~~وبخبر الواحد، فالتخصيص بجميع ذلك جائز دون النسخ. # ثم كيف يتساويان والتخصيص بيان والنسخ والبيان تقرير والرفع إبطال؟ وقال ~~بعض أصحاب الشافعي: يجوز النسخ بالقياس الجلي ونحن نقول لفظ الجلي مبهم، ~~فإن أرادوا المقطوع به فهو صحيح وأما المظنون فلا. وما # PageV01P101 # يتوهم القطع به على ثلاث مراتب: # الأولى: ما يجري مجرى النص وأوضح منه، كقوله تعالى: {فلا تقل لهما أف} ~~[الإسراء: 23] فإن تحريم الضرب مدرك منه قطعا، فلو كان ورد نص بإباحة الضرب ~~لكان هذا ناسخا لأنه أظهر من المنطوق به. # وفي درجته قوله تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} [الزلزلة: 7] الآية ~~في أن ما هو فوق الذرة كذلك. وكذلك قوله تعالى: {وورثه أبواه فلأمه الثلث} ~~[النساء: 11] في أن للأب الثلثين. # الرتبة الثانية: لو ورد نص بأن العتق لا يسري في الأمة ثم ورد قوله - صلى ~~الله عليه وسلم - «من أعتق شركا له في عبد قوم عليه الباقي» لقضينا بسراية ~~عتق الأمة قياسا على العبد لأنه مقطوع به، إذ علم قطعا قصد الشارع إلى ~~المملوك لكونه مملوكا. # الرتبة الثالثة: أن يرد النص مثلا بإباحة النبيذ، ثم يقول الشارع: حرمت ~~الخمر لشدتها، فينسخ ms156 إباحة النبيذ بقياسه على الخمر إن تعبدنا بالقياس وقال ~~قوم: وإن لم نتعبد بالقياس نسخنا أيضا إذ لا فرق بين قوله " حرمت كل منتبذ ~~" وبين قوله " حرمت الخمر لشدتها "، ولذلك أقر النظام بالعلة المنصوصة وإن ~~كان منكرا لأصل القياس. # ولنتبين أنه إن لم نتعبد بالقياس، فقوله: حرمت الخمر عليكم لشدتها، ليس ~~قاطعا في تحريم النبيذ، بل يجوز أن تكون العلة شدة الخمر خاصة كما تكون ~~العلة في الرجم زنا المحصن، خاصة والمقصود أن القاطع لا يرفع بالظن بل ~~بالقاطع. فإن قيل استحالة رفعه بالمظنون عقلي أو سمعي؟ قلنا الصحيح أنه ~~سمعي، ولا يستحيل عقلا أن يقال: تعبدناكم بنسخ النص بالقياس على نص آخر، ~~نعم يستحيل أن نتعبد بنسخ النص بقياس مستنبط من عين ذلك النص لأن ذلك يؤدي ~~إلى أن يصير هو مناقضا لنفسه فيكون واجب العمل به وساقط العمل به. # فإن قيل: فما الدليل على امتناعه سمعا؟ قلنا: يدل عليه الإجماع على بطلان ~~كل قياس مخالف للنص، وقول معاذ - رضي الله عنه -: " أجتهد رأيي " بعد فقد ~~النص وتزكية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - له، وإجماع الصحابة على ترك ~~القياس بأخبار الآحاد، فكيف بالنص القاطع المتواتر؟ واشتهار قولهم عند سماع ~~خبر الواحد: " لولا هذا لقضينا برأينا " ولأن دلالة النص قاطع في المنصوص ~~ودلالة الأصل على الفرع مظنون فكيف يترك الأقوى بالأضعف؟ وهذا مستند ~~الصحابة في إجماعهم على ترك القياس بالنص. # فإن قيل: إذا تناقض قاطعان وأشكل المتأخر فهل يثبت تأخر أحدهما بقول ~~الواحد حتى يكون هو الناسخ؟ قلنا: يحتمل أن يقال ذلك لأنه إذا ثبت الإحصان ~~بقول اثنين مع أن الزنا لا يثبت إلا بأربعة دل على أنه لا يحتاط للشرط بما ~~يحتاط به للمشروط. ويحتمل أن يقال: النسخ إذا كان بالتأخر والمنسوخ قاطع ~~فلا يكفي فيه قول الواحد فهذا في محل الاجتهاد، والأظهر قبوله لأن أحد ~~النصين منسوخ قطعا، وإنما هذا مطلوب قبوله للتعين. ### | [مسألة لا ينسخ حكم بقول الصحابي] # لا ينسخ حكم بقول الصحابي: نسخ حكم كذا، ms157 ما لم يقل: سمعت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يقول نسخت حكم كذا، فإذا قال ذلك نظر في الحكم إن كان ~~ثابتا بخبر الواحد صار منسوخا بقوله، وإن كان قاطعا فلا. أما قوله: نسخ حكم ~~كذا، فلا يقبل قطعا، فلعله ظن ما ليس بنسخ نسخا فقد ظن قوم أن الزيادة على ~~النص نسخ، وكذلك في # PageV01P102 # مسائل وقال قوم: إن ذكر لنا ما هو الناسخ عنده لم نقلده لكن نظرنا فيه، ~~وإن أطلق فنحمله على أنه لم يطلق إلا عن معرفة قطعية. وهذا فاسد، بل الصحيح ~~أنه إن ذكر الناسخ تأملنا فيه وقضينا برأينا، وإن لم يذكر لم نقلده وجوزنا ~~أن يقول ذلك عن اجتهاد ينفرد به، هذا ما ذكره القاضي - رحمه الله -. والأصح ~~عندنا أن نقبل كقول الصحابي أمر بكذا ونهى عن كذا، فإن ذلك يقبل كما سنذكره ~~في كتاب الأخبار ولا فرق بين اللفظين. فإن قيل: قالت عائشة - رضي الله عنها ~~-: ما مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا وقد أحلت له النساء اللاتي ~~حظرن عليه بقوله تعالى {إنا أحللنا لك أزواجك} [الأحزاب: 50] فقبل ذلك ~~منها. قلنا: ليس ذلك مرضيا عندنا، ومن قبل فإنما قبل ذلك للدليل الناسخ ~~ورآه صالحا للنسخ ولم يقلد مذهبها. ### | [خاتمة الكتاب فيما يعرف به تاريخ الناسخ] # فيما يعرف به تاريخ الناسخ # اعلم أنه إذا تناقض نصان فالناسخ هو المتأخر، ولا يعرف تأخره بدليل العقل ~~ولا بقياس الشرع بل بمجرد النقل، ذلك بطرق: # الأول: أن يكون في اللفظ ما يدل عليه كقوله - عليه السلام -: «كنت نهيتكم ~~عن ادخار لحوم الأضاحي فالآن ادخروها» ، وكقوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها» . # الثاني: أن تجمع الأمة في حكم على أنه المنسوخ وأن ناسخه الآخر. # الثالث: أن يذكر الراوي التاريخ مثل أن يقول: سمعت عام الخندق أو عام ~~الفتح وكان المنسوخ معلوما قبله، ولا فرق بين أن يروي الناسخ والمنسوخ راو ~~واحد أو راويان. ولا يثبت التاريخ بطرق: # الأول: أن يقول الصحابي كان ms158 الحكم علينا كذا ثم نسخ لأنه ربما قاله عن ~~اجتهاد. # الثاني: أن يكون أحدهما مثبتا في المصحف بعد الآخر؛ لأن السور والآيات ~~ليس إثباتها على ترتيب النزول بل ربما قدم المتأخر. # الثالث: أن يكون راويه من أحداث الصحابة فقد ينقل الصبي عمن تقدمت صحبته ~~وقد ينقل الأكابر عن الأصاغر وبعكسه. # الرابع: أن يكون الراوي أسلم عام الفتح ولم يقل إني سمعت عام الفتح؛ إذ ~~لعله سمع في حالة كفره ثم روى بعد الإسلام أو سمع ممن سبق بالإسلام. # الخامس: أن يكون الراوي قد انقطعت صحبته، فربما يظن أن حديثه مقدم على ~~حديث من بقيت صحبته وليس من ضرورة من تأخرت صحبته أن يكون حديثه متأخرا عن ~~وقت انقطاع صحبة غيره. # السادس: أن يكون أحد الخبرين على وفق قضية العقل والبراءة الأصلية، فربما ~~يظن تقدمه ولا يلزم ذلك، كقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا وضوء مما مسته ~~النار» ، ولا يلزم أن يكون متقدما على إيجاب الوضوء مما مست النار؛ إذ ~~يحتمل أنه أوجب ثم نسخ والله أعلم. وقد فرغنا من الأصل الأول من الأصول ~~الأربعة وهو الكتاب، ويتلوه القول في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ### | [الأصل الثاني من أصول الأدلة سنة رسول الله] # سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # وقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حجة؛ لدلالة المعجزة على صدقه ~~ولأمر الله تعالى إيانا باتباعه؛ ولأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي ~~يوحى. لكن بعض الوحي يتلى فيسمى كتابا وبعضه لا يتلى وهو السنة. وقول رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - حجة على من # PageV01P103 # سمعه شفاها. فأما نحن فلا يبلغنا قوله إلا على لسان المخبرين إما على ~~سبيل التواتر وإما بطريق الآحاد، فلذلك اشتمل الكلام في هذا الأصل على ~~مقدمة وقسمين: قسم في أخبار التواتر، وقسم في أخبار الآحاد. ويشتمل كل قسم ~~على أبواب. # أما المقدمة ففي بيان ألفاظ الصحابة - رضي الله عنهم - في نقل الأخبار عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # وهو على ms159 خمس مراتب: # الأولى:، وهي أقواها: أن يقول الصحابي: " سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول كذا " أو " أخبرني " أو " حدثني " أو " شافهني " فهذا لا يتطرق ~~إليه الاحتمال، وهو الأصل في الرواية والتبليغ قال - صلى الله عليه وسلم - ~~«نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها» الحديث. # الثانية: أن يقول قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كذا أو " أخبر " ~~أو حدث " فهذا ظاهره النقل إذا صدر من الصحابي وليس نصا صريحا؛ إذ قد يقول ~~الواحد منا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اعتمادا على ما نقل إليه ~~وإن لم يسمعه منه، فلا يستحيل أن يقول الصحابي ذلك اعتمادا على ما بلغه ~~تواترا أو بلغه على لسان من يثق به ودليل الاحتمال ما روى أبو هريرة عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «من أصبح جنبا فلا صوم له» فلما ~~استكشف قال: حدثني به الفضل بن عباس، فأرسل الخبر أولا ولم يصرح. # وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنما ~~الربا في النسيئة» فلما روجع فيه أخبر أنه سمعه من أسامة بن زيد. إلا أن ~~هذا وإن كان محتملا فهو بعيد، بل الظاهر أن الصحابي إذا قال: قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - " فما يقول إلا وقد سمع رسول الله بخلاف من لم ~~يعاصر إذا قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " فإن قرينة حاله ~~تعرف أنه لم يسمع، ولا يوهم إطلاقه السماع بخلاف الصحابي فإنه إذا قال قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أوهم السماع فلا يقدم عليه إلا عن سماع ~~هذا هو الظاهر وجميع الأخبار " إنما نقلت إلينا كذلك، إذ يقال قال أبو بكر ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال عمر قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، فلا نفهم من ذلك إلا السماع. # الثالثة: أن يقول الصحابي: " أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكذا ~~أو نهى عن كذا " فهذا يتطرق إليه احتمالان: ms160 # أحدهما: في سماعه كما في قوله " قال ". # والثاني: في الأمر، إذ ربما يرى ما ليس بأمر أمرا فقد اختلف الناس في أن ~~قوله " افعل " هو للأمر، فلأجل هذا قال بعض أهل الظاهر: لا حجة فيه ما لم ~~ينقل اللفظ. والصحيح أنه لا يظن بالصحابي إطلاق ذلك إلا إذا علم تحقيقا أنه ~~أمر بذلك، وأن يسمعه يقول أمرتكم بكذا، أو يقول افعلوا، وينضم إليه من ~~القرائن ما يعرفه كونه أمرا ويدرك ضرورة قصده إلى الأمر. # أما احتمال بنائه الأمر على الغلط والوهم فلا نطرقه إلى الصحابة بغير ~~ضرورة، بل يحمل ظاهر قولهم وفعلهم على السلامة ما أمكن، ولهذا لو قال قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كذا " ولكن شرط شرطا ووقت وقتا فيلزمنا ~~اتباعه، ولا يجوز أن نقول لعله غلط في فهم الشرط والتأقيت ورأى ما ليس بشرط ~~شرطا، ولهذا يجب أن يقبل قول الصحابي " نسخ حكم كذا " وإلا فلا فرق بين ~~قوله " نسخ " وقوله " أمر "، ولذلك قال علي - رضي الله عنه - وأطلق: " أمرت ~~أن أقاتل الناكثين والمارقين # PageV01P104 # والقاسطين " ولا يظن بمثله أن يقول أمرت إلا عن مستند يقتضي الأمر. # ويتطرق إليه احتمال ثالث في عمومه وخصوصه، حتى ظن قوم أن مطلق هذا يقتضي ~~أمر جميع الأمة. والصحيح أن من يقول بصيغة العموم أيضا ينبغي أن يتوقف في ~~هذا؛ إذ يحتمل أن يكون ما سمعه أمرا للأمة أو لطائفة أو لشخص بعينه وكل ذلك ~~يتيح له أن يقول " أمر " فيتوقف فيه على الدليل، لكن يدل عليه أن أمره ~~للواحد أمر للجماعة إلا إذا كان لوصف يخصه من سفر أو حضر، ولو كان كذلك ~~لصرح به الصحابي كقوله: «أمرنا إذا كنا مسافرين أن لا ننزع خفافنا ثلاثة ~~أيام ولياليهن» نعم لو قال: " أمرنا بكذا " وعلم من عادة الصحابي أنه لا ~~يطلقه إلا في أمر الأمة حمل عليه وإلا احتمل أن يكون أمرا للأمة أو له أو ~~لطائفة. # الرابعة: أن يقول: " أمرنا بكذا ونهينا عن كذا " فيتطرق إليه ما سبق من ~~الاحتمالات ms161 الثلاثة واحتمال رابع، وهو الآمر، فإنه لا يدري أنه رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أو غيره من الأئمة والعلماء، فقال قوم: لا حجة فيه، ~~فإنه محتمل. وذهب الأكثرون إلى أنه لا يحمل إلا على أمر الله تعالى وأمر ~~رسوله - صلى الله عليه وسلم - لأنه يريد به إثبات شرع وإقامة حجة، فلا يحمل ~~على قول من لا حجة في قوله. # وفي معناه قوله: " من السنة كذا والسنة جارية بكذا ". فالظاهر أنه لا ~~يريد إلا سنة رسول الله وما يجب اتباعه دون سنة غيره ممن لا تجب طاعته. ولا ~~فرق بين أن يقول الصحابي ذلك في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو ~~بعد وفاته. أما التابعي إذا قال " أمرنا " احتمل أمر رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وأمر الأمة بأجمعها والحجة حاصلة به، ويحتمل أمر الصحابة، لكن ~~لا يليق بالعالم أن يطلق ذلك إلا وهو يريد من تجب طاعته، ولكن الاحتمال في ~~قول التابعي أظهر منه في قول الصحابي. # الخامسة: أن يقول: " كانوا يفعلون كذا " فإن أضاف ذلك إلى زمن الرسول - ~~عليه السلام - فهو دليل على جواز الفعل؛ لأن ذكره في معرض الحجة يدل على ~~أنه أراد ما علمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسكت عليه دون ما لم ~~يبلغه. وذلك يدل على الجواز، وذلك مثل قول ابن عمر - رضي الله عنه -: «كنا ~~نفاضل على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنقول خير الناس بعد رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أبو بكر ثم عمر ثم عثمان فيبلغ ذلك رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فلا ينكره» وقال: «كنا نخابر على عهد رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وبعده أربعين سنة حتى روى لنا رافع بن خديج» الحديث ~~وقال أبو سعيد: «كنا نخرج على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صاعا ~~من بر في زكاة الفطرة» وقالت عائشة - رضي الله عنها -: «كانوا لا يقطعون في ~~الشيء التافه» . # وأما قول التابعي: " كانوا يفعلون " لا يدل على فعل ms162 جميع الأمة بل على ~~البعض فلا حجة فيه، إلا أن يصرح بنقله عن أهل الإجماع فيكون نقلا للإجماع ~~وفي ثبوته بخبر الواحد كلام سيأتي فقد ظهر من هذه المقدمة ما هو خبر عن ~~رسول الله وما ليس خبرا عنه. والآن فلا بد من بيان طرق انتهاء الخبر إلينا، ~~وذلك إما بنقل التواتر أو الآحاد. ### | [القسم الأول من هذا الأصل الكلام في التواتر وفيه أبواب] ### | [الباب الأول في إثبات أن التواتر يفيد العلم] # القسم الأول من هذا الأصل الكلام في التواتر وفيه أبواب الباب الأول: في ~~إثبات أن التواتر يفيد العلم ولنقدم عليه حد الخبر، وحده أنه # PageV01P105 # القول الذي يتطرق إليه التصديق أو التكذيب، أو هو القول الذي يدخله الصدق ~~أو الكذب، وهو أولى من قولهم: يدخله الصدق والكذب؛ إذ الخبر الواحد لا ~~يدخله كلاهما بل كلام الله تعالى لا يدخله الكذب أصلا، والخبر عن المحالات ~~لا يدخله الصدق أصلا. والخبر قسم من أقسام الكلام القائم بالنفس، وأما ~~العبارة فهي الأصوات المقطعة التي صيغتها مثل قول القائل زيد قائم وضارب، ~~وهو ليس خبرا لذاته بل يصير خبرا بقصد القاصد إلى التعبير به عما في النفس، ~~ولهذا إذا صدر من نائم أو مغلوب لم يكن خبرا. # وأما كلام النفس فهو خبر لذاته وجنسه إذا وجد لا يتغير بقصد القاصد. أما ~~إثبات كون التواتر مفيدا للعلم فهو ظاهر، خلافا للسمنية حيث حصروا العلوم ~~في الحواس وأنكروا هذا. وحصرهم باطل، فإنا بالضرورة نعلم كون الألف أكثر من ~~الواحد، واستحالة كون الواحد قديما محدثا وأمورا أخر ذكرناها في مدارك ~~اليقين سوى الحواس. بل نقول: حصرهم العلوم في الحواس معلوم لهم، وليس ذلك ~~مدركا بالحواس الخمس. # ثم لا يستريب عاقل في أن في الدنيا بلدة تسمى بغداد وإن لم يدخلها، ولا ~~يشك في وجود الأنبياء بل في وجود الشافعي وأبي حنيفة رحمهما الله، بل في ~~الدول والوقائع الكبيرة. فإن قيل لو كان هذا معلوما ضرورة لما خالفناكم. # قلنا من يخالف في هذا فإنما يخالف بلسانه أو ms163 عن خبط في عقله أو عن عناد، ~~ولا يصدر إنكار هذا من عدد كثير يستحيل إنكارهم في العادة لما علموه ~~وعنادهم، ولو تركنا ما علمناه ضرورة لقولكم للزمكم ترك المحسوسات بسبب خلاف ~~السوفسطائية أما بطلان مذهب الكعبي حيث ذهب إلى أن هذا العلم نظري، فإنا ~~نقول: النظري هو الذي يجوز أن يعرض فيه الشك وتختلف فيه الأحوال فيعلمه بعض ~~الناس دون بعض ولا يعلمه النساء والصبيان ومن ليس من أهل النظر ولا يعلمه ~~من ترك النظر قصدا، وكل علم نظري فالعالم به قد يجد نفسه فيه شاكا ثم طالبا ~~ونحن لا نجد أنفسنا شاكين في وجود مكة ووجود الشافعي - رحمه الله - طالبين، ~~لذلك فإن عنيتم بكونه نظريا شيئا من ذلك فنحن ننكره، وإن عنيتم به أن مجرد ~~قول المخبر لا يفيد العلم ما لم ينتظم في النفس مقدمتان إحداهما: أن هؤلاء ~~مع اختلاف أحوالهم وتباين أغراضهم ومع كثرتهم على حال لا يجمعهم على الكذب ~~جامع ولا يتفقون إلا على الصدق والثانية: أنهم قد اتفقوا على الإخبار عن ~~الواقعة فيبتنى العلم بالصدق على مجموع المقدمتين، فهذا مسلم. # ولا بد أن تشعر النفس بهاتين المقدمتين حتى يحصل له العلم والتصديق وإن ~~لم تتشكل في النفس هذه المقدمات بلفظ منظوم فقد شعرت به حتى حصل التصديق ~~وإن لم يشعر بشعورها. وتحقيق القول فيه أن الضروري إن كان عبارة عما يحصل ~~بغير واسطة كقولنا: القديم لا يكون محدثا والموجود لا يكون معدوما، فهذا ~~ليس بضروري، فإنه حصل بواسطة المقدمتين المذكورتين. # وإن كان عبارة عما يحصل بدون تشكل الواسطة في الذهن فهذا ضروري، ورب ~~واسطة حاضرة في الذهن لا يشعر الإنسان بوجه توسطها وحصول العلم بواسطتها ~~فيسمى أوليا وليس بأولي كقولنا: الاثنان نصف الأربعة، فإنه لا يعلم ذلك إلا ~~بواسطة، وهو أن النصف أحد جزئي الجملة المساوي للآخر والاثنان أحد الجزأين ~~المساوي للثاني من جملة الأربعة، فهو إذن نصف # PageV01P106 # فقد حصل هذا العلم بواسطة لكنها جلية في الذهن حاضرة، ولهذا لو قيل ستة ~~وثلاثون هل ms164 هو نصف اثنين وسبعين؟ يفتقر فيه إلى تأمل ونظر حتى يعلم أن هذه ~~الجملة تنقسم بجزأين متساويين أحدهما ستة وثلاثون؛ فإذا العلم بصدق خبر ~~التواتر يحصل بواسطة هذه المقدمات وما هو كذلك فهو ليس بأولى. # وهل يسمى ضروريا هذا ربما يختلف فيه الاصطلاح. والضروري عند الأكثرين ~~عبارة عن الأولى لا عما نجد أنفسنا مضطرين إليه، فإن العلوم الحسابية كلها ~~ضرورية وهي نظرية. ومعنى كونها نظرية أنها ليست بأولية، وكذلك العلم بصدق ~~خبر التواتر ويقرب منه العلم المستفاد من التجربة التي يعبر عنها باطراد ~~العادات، كقولنا: الماء مرو، والخمر مسكر، كما نبهنا عليه في مقدمة الكتاب. # فإن قيل لو استدل مستدل على كونه غير ضروري بأنه كان ضروريا لعلمنا ~~بالضرورة كونه ضروريا ولما تصور الخلاف فيه فهذا الاستدلال صحيح أم لا؟ ~~قلنا: إن كان الضروري عبارة عما نجد أنفسنا مضطرين إليه فبالضرورة نعلم من ~~أنفسنا أنا مضطرون إليه، وإن كان عبارة عما يحصل بغير واسطة فيجوز أن يحتاج ~~في معرفة ذلك إلى تأمل ويقع الشك فيه، كما يتصور أن نعتقد شيئا على القطع ~~ونتردد في أن اعتقادنا علم محقق أم لا. ### | [الباب الثاني في شروط التواتر] # . شروط التواتر. وهي أربعة: # الأول: أن يخبروا عن علم لا عن ظن، فإن أهل بغداد لو أخبرونا عن طائر ~~أنهم ظنوه حماما أو عن شخص أنهم ظنوه زيدا لم يحصل لنا العلم بكونه حماما ~~وبكونه زيدا، وليس هذا معللا، بل حال المخبر لا تزيد على حال المخبر؛ لأنه ~~كان في قدرة الله تعالى أن يخلق لنا العلم بخبرهم وإن كان عن ظن ولكن ~~العادة غير مطردة بذلك. # الشرط الثاني: أن يكون علمهم ضروريا مستندا إلى محسوس؛ إذ لو أخبرنا أهل ~~بغداد عن حدوث العالم وعن صدق بعض الأنبياء لم يحصل لنا العلم، وهذا أيضا ~~معلوم بالعادة، وإلا فقد كان في قدرة الله تعالى أن يجعل ذلك سببا للعلم في ~~حقنا. # الشرط الثالث: أن يستوي طرفاه وواسطته في هذه الصفات وفي كمال العدد، ~~فإذا نقل الخلف ms165 عن السلف وتوالت الأعصار ولم تكن الشروط قائمة في كل عصر لم ~~يحصل العلم بصدقهم؛ لأن خبر أهل كل عصر خبر مستقل بنفسه فلا بد فيه من ~~الشروط، ولأجل ذلك لم يحصل لنا العلم بصدق اليهود مع كثرتهم في نقلهم عن ~~موسى - عليه الصلاة والسلام - تكذيب كل ناسخ لشريعته، ولا بصدق الشيعة ~~والعباسية والبكرية في نقل النص على إمامة علي أو العباس أو أبي بكر - رضي ~~الله عنهم - وإن كثر عدد الناقلين في هذه الأعصار القريبة، لأن بعض هذا ~~وضعه الآحاد أولا ثم أفشوه ثم كثر الناقلون في عصره وبعده، والشرط إنما حصل ~~في بعض الإعصار فلم تستو فيه الأعصار، ولذلك لم يحصل التصديق بخلاف وجود ~~عيسى - عليه السلام - وتحديه بالنبوة ووجود أبي بكر وعلي - رضي الله عنهما ~~- وانتصابهما للإمامة، فإن كل ذلك لما تساوت فيه الأطراف والواسطة حصل لنا ~~علم ضروري لا نقدر على تشكيك أنفسنا فيه، ونقدر على التشكيك فيما نقلوه عن ~~موسى وعيسى - عليهما السلام - وفي نص الإمامة. ### | [مسألة عدد المخبرين] # الشرط الرابع: في العدد، وتهذب الغرض منه برسم مسائل: # مسألة: عدد المخبرين # ينقسم إلى ما هو ناقص فلا يفيد العلم، وإلى ما هو كامل وهو # PageV01P107 # الذي يفيد العلم وإلى زائد وهو الذي يحصل العلم ببعضه وتقع الزيادة فضلا ~~عن الكفاية. والكامل وهو أقل عدد يورث العلم ليس معلوما لنا، لكنا بحصول ~~العلم الضروري نتبين كمال العدد لا أنا بكمال العدد نستدل على حصول العلم. # فإذا عرفت هذا فالعدد الكامل الذي يحصل التصديق به في واقعة هل يتصور أن ~~لا يفيد العلم في بعض الوقائع قال القاضي - رحمه الله -: ذلك محال، بل كل ~~ما يفيد العلم في واقعة يفيد في كل واقعة، وإذا حصل العلم لشخص فلا بد وأن ~~يحصل لكل شخص يشاركه في السماع ولا يتصور أن يختلف. وهذا صحيح إن تجرد ~~الخبر عن القرائن، فإن العلم لا يستند إلى مجرد العدد ونسبة كثرة العدد إلى ~~سائر الوقائع وسائر الأشخاص واحدة. # أما إذا اقترنت به قرائن ms166 تدل على التصديق فهذا يجوز أن تختلف فيه الوقائع ~~والأشخاص. وأنكر القاضي ذلك ولم يلتفت إلى القرائن ولم يجعل لها أثرا وهذا ~~غير مرضي؛ لأن مجرد الإخبار يجوز أن يورث العلم عند كثرة المخبرين وإن لم ~~تكن قرينة ومجرد القرائن أيضا قد يورث العلم، وإن لم يكن فيه إخبار؛ فلا ~~يبعد أن تنضم القرائن إلى الأخبار فيقوم بعض القرائن مقام بعض العدد من ~~المخبرين، ولا ينكشف هذا إلا بمعرفة معنى القرائن وكيفية دلالتها، فنقول: ~~لا شك في أنا نعرف أمورا ليست محسوسة، إذ نعرف من غيرنا حبه لإنسان وبغضه ~~له وخوفه منه وغضبه وخجله، وهذه أحوال في نفس المحب والمبغض لا يتعلق الحس ~~بها قد تدل عليها دلالات آحادها ليست قطعية، بل يتطرق إليها الاحتمال، ولكن ~~تميل النفس بها إلى اعتقاد ضعيف. # ثم الثاني والثالث يؤكد ذلك، ولو أفردت آحادها لتطرق إليها الاحتمال، ~~ولكن يحصل القطع باجتماعها، كما أن قول كل واحد من عدد التواتر يتطرق إليه ~~الاحتمال لو قدر مفردا ويحصل القطع بسبب الاجتماع. ومثاله أنا نعرف عشق ~~العاشق لا بقوله بل بأفعال هي أفعال المحبين من القيام بخدمته وبذل ماله ~~وحضور مجالسه لمشاهدته وملازمته في تردداته وأمور من هذا الجنس، فإن كل ~~واحد يدل دلالة لو انفرد لاحتمل أن يكون ذلك لغرض آخر يضمره لا لحبه إياه، ~~لكن تنتهي كثرة هذه الدلالات إلى حد يحصل لنا علم قطعي بحبه، وكذلك ببغضه ~~إذا رئيت منه أفعال ينتجها البغض، وكذلك نعرف غضبه وخجله لا بمجرد حمرة ~~وجهه لكن الحمرة إحدى الدلالات، وكذلك نشهد الصبي يرتضع مرة بعد أخرى فيحصل ~~لنا علم قطعي بوصول اللبن إلى جوفه وإن لم نشاهد اللبن في الضرع لأنه ~~مستور، ولا عند خروجه فإنه مستور بالفم، ولكن حركة الصبي في الامتصاص وحركة ~~حلقه تدل عليه دلالة ما مع أن ذلك قد يحصل من غير وصول اللبن، لكن ينضم ~~إليه أن المرأة الشابة لا يخلو ثديها عن لبن ولا تخلو حلمته عن ثقب، ولا ~~يخلو الصبي عن ms167 طبع باعث على الامتصاص مستخرج للبن وكل ذلك يحتمل خلافه ~~نادرا وإن لم يكن غالبا، لكن إذا انضم إليه سكوت الصبي عن بكائه مع أنه لم ~~يتناول طعاما آخر صار قرينة. # ويحتمل أن يكون بكاؤه عن وجع وسكوته عن زواله، ويحتمل أن يكون تناول شيئا ~~آخر لم نشاهده وإن كنا نلازمه في أكثر الأوقات، ومع هذا فاقتران هذه ~~الدلائل كاقتران الأخبار وتواترها وكل دلالة شاهدة يتطرق إليها الاحتمال ~~كقول كل مخبر على حياله، وينشأ من الاجتماع العلم، وكأن هذا مدرك سادس من ~~مدارك العلم سوى ما # PageV01P108 # ذكرناه في المقدمة من الأوليات والمحسوسات والمشاهدات الباطنة والتجريبات ~~والمتواترات فيلحق هذا بها. # وإذا كان هذا غير منكر فلا يبعد أن يحصل التصديق بقول عدد ناقص عند ~~انضمام قرائن إليه لو تجرد عن القرائن لم يفد العلم، فإنه إذا أخبر خمسة أو ~~ستة عن موت إنسان لا يحصل العلم بصدقهم، لكن إذا انضم إليه خروج والد الميت ~~من الدار حاسر الرأس حافي الرجل ممزق الثياب مضطرب الحال يصفق وجهه ورأسه ~~وهو رجل كبير ذو منصب ومروءة لا يخالف عادته ومروءته والتجربة تدل عليه. # وكذلك العدد الكثير ربما يخبرون عن أمر يقتضي إيالة الملك وسياسة إظهاره، ~~والمخبرون من رؤساء جنود الملك، فيتصور اجتماعهم تحت ضبط الإيالة بالاتفاق ~~على الكذب، ولو كانوا متفرقين خارجين عن ضبط الملك لم يتطرق إليهم هذا ~~الوهم فهذا يؤثر في النفس تأثيرا لا ينكر. # ولا أدري لم أنكر القاضي ذلك وما برهانه على استحالته فقد بان بهذا أن ~~العدد يجوز أن يختلف بالوقائع وبالأشخاص، فرب شخص انغرس في نفسه أخلاق تميل ~~به إلى سرعة التصديق ببعض الأشياء، فيقوم ذلك مقام القرائن وتقوم تلك ~~القرائن مقام خبر بعض المخبرين فينشأ من ذلك أن لا برهان على استحالته. فإن ~~قيل: فهل يجوز أن يحصل العلم بقول واحد؟ قلنا: حكي عن الكعبي جوازه. # ولا يظن بمعتوه تجويزه مع انتفاء القرائن. أما إذا اجتمعت قرائن فلا يبعد ~~أن تبلغ القرائن مبلغا لا يبقى بينها وبين ms168 إثارة العلم إلا قرينة واحدة، ~~ويقوم إخبار الواحد مقام تلك القرينة، فهذا مما لا يعرف استحالته ولا يقطع ~~بوقوعه، فإن وقوعه إنما يعلم بالتجربة ونحن لم نجربه، ولكن قد جربنا كثيرا ~~مما اعتقدناه جزما بقول الواحد مع قرائن أحواله ثم انكشف أنه كان تلبيسا. ~~وعن هذا أحال القاضي ذلك وهذا كلام في الوقائع مع بقاء العادات على المعهود ~~من استمرارها، فأما لو قدرنا خرق هذه العادة فالله تعالى قادر على أن يحصل ~~لنا العلم بقول واحد من غير قرينة فضلا عن أن تنضم إليه القرائن. ### | [مسألة قطع القاضي بأن قول الأربعة قاصر عن العدد الكامل] # مسألة قطع القاضي - رحمه الله - بأن قول الأربعة قاصر عن العدد الكامل # لأنها بينة شرعية يجوز بالإجماع للقاضي وقفها على المزكين لتحصل غلبة ~~الظن، ولا يطلب الظن فيما علم ضرورة وما ذكره صحيح إذا لم تكن قرينة، فإنا ~~لا نصادف أنفسنا مضطرين إلى خبر الأربعة، أما إذا فرضت قرائن مع ذلك فلا ~~يستحيل حصول التصديق لكن لا يكون ذلك حاصلا عن مجرد الخبر بل القرائن مع ~~الخبر، والقاضي - رحمه الله - يحيل ذلك مع القرائن أيضا. # مسألة: قال القاضي علمت بالإجماع أن الأربعة ناقص # ، أما الخمسة فأتوقف فيها لأنه لم يقم فيها دليل الإجماع وهذا ضعيف، لأنا ~~نعلم بالتجربة ذلك، فكم من أخبار نسمعها من خمسة أو ستة ولا يحصل لنا العلم ~~بها فهو أيضا ناقص لا نشك فيه. ### | [مسألة أقل عدد يحصل به العلم الضروري] # مسألة: إذا قدرنا انتفاء القرائن فأقل عدد يحصل به العلم الضروري معلوم ~~لله تعالى وليس معلوما لنا ولا سبيل لنا إلى معرفته، فإنا لا ندري متى حصل ~~علمنا بوجود مكة ووجود الشافعي ووجود الأنبياء - عليهم السلام - عند تواتر ~~الخبر إلينا وأنه كان بعد خبر المائة والمائتين ويعسر علينا تجربة ذلك وإن ~~تكلفناها. # وسبيل التكلف أن نراقب أنفسنا إذا قتل # PageV01P109 # رجل في السوق مثلا وانصرف جماعة عن موضع القتل ودخلوا علينا يخبروننا عن ~~قتله، فإن قول الأول يحرك الظن وقول الثاني ms169 والثالث يؤكده، ولا يزال يتزايد ~~تأكيده إلى أن يصير ضروريا لا يمكننا أن نشكك فيه أنفسنا. # فلو تصور الوقوف على اللحظة التي يحصل العلم فيها ضرورة وحفظ حساب ~~المخبرين وعددهم لأمكن الوقوف، ولكن درك تلك اللحظة عسير، فإنه تتزايد قوة ~~الاعتقاد تزايدا خفي التدريج نحو تزايد عقل الصبي المميز إلى أن يبلغ حد ~~التكليف ونحو تزايد ضوء الصبح إلى أن ينتهي إلى حد الكمال، فلذلك بقي هذا ~~في غطاء من الإشكال وتعذر على القوة البشرية إدراكه. # فأما ما ذهب إليه قوم من التخصيص بالأربعين أخذا من الجمعة وقوم إلى ~~التخصيص بالسبعين أخذا من قوله تعالى: {واختار موسى قومه سبعين رجلا ~~لميقاتنا} [الأعراف: 155] وقوم إلى التخصيص بعدد أهل بدر فكل ذلك تحكمات ~~فاسدة باردة لا تناسب الغرض ولا تدل عليه، ويكفي تعارض أقوالهم دليلا على ~~فسادها. فإذا لا سبيل لنا إلى حصر عدده، لكنا بالعلم الضروري نستدل على أن ~~العدد الذي هو الكامل عند الله تعالى قد توافقوا على الإخبار. فإن قيل: ~~فكيف علمتم حصول العلم بالتواتر وأنتم لا تعلمون أقل عدده؟ قلنا: كما نعلم ~~أن الخبز يشبع والماء يروي والخمر يسكر، وإن كنا لا نعلم أقل مقدار منه، ~~ونعلم أن القرائن تفيد العلم وإن لم نقدر على حصر أجناسها وضبط أقل ~~درجاتها. ### | [مسألة العدد الكامل إذا أخبروا ولم يحصل العلم بصدقهم] # فيجب القطع بكذبهم # لأنه لا يشترط في حصول العلم إلا شرطان أحدهما كمال العدد، والثاني: أن ~~يخبروا عن يقين ومشاهدة. فإذا كان العدد كاملا كان امتناع العلم لفوات ~~الشرط الثاني فنعلم أنهم بجملتهم كذبوا أو كذب بعضهم في قوله إني شاهدت ~~ذلك، بل بناه على توهم وظن أو كذب متعمدا، لأنهم لو صدقوا وقد كمل عددهم ~~حصل العلم ضرورة وهذا أيضا أحد الأدلة على أن الأربعة ليسوا عدد التواتر؛ ~~إذ القاضي لم يحصل له العلم بصدقهم وجاز له القضاء بغلبة الظن بالإجماع، ~~ولو تم عددهم لكان انتفاء العلم بصدقهم دليلا قاطعا على كذب جميعهم أو كذب ~~واحد منهم، ولقطعنا ms170 بأن فيهم كاذبا أو متوهما، ولا يقبل شهادة أربعة يعلم ~~أن فيهم كاذبا أو متوهما. # فإن قيل: فإن لم يحصل العلم بقولهم وقد كثروا كثرة يستحيل بحكم العادة ~~توافقهم على الكذب على اتفاق ويستحيل دخولهم تحت ضابط وتساعدهم على الكذب ~~بحيث ينكتم ذلك على جميعهم ولا يتحدث به واحد منهم، فعلى ماذا يجمل كذبهم ~~وكيف يتصور ذلك؟ قلنا: إنما يمكن ذلك بأن يكونوا منقسمين إلى صادقين ~~وكاذبين، أما الصادقون فعددهم ناقص عن المبلغ الذي يستقل بإفادة العلم، ~~وأما الكاذبون فيحتمل أن يقع منهم التواطؤ لنقصان عددهم عن مبلغ يستحيل ~~عليهم التواطؤ مع الانكتام، فإن كانوا مبلغا لا يستحيل التواطؤ عليهم مع ~~الانكتام فلا يستحيل الانكتام في الحال إلى أن يتحدث به في ثاني الحال. # ونقل الشيعة نص الإمامة مع كثرتها إنما لم يفد العلم لأنهم لم يخبروا عن ~~المشاهدة والسماع، بل لو سمعوا عن سلف فهم صادقون، لكن السلف الواضعون لهذا ~~الكذب يكون عددهم ناقصا عن مبلغ يستحيل منهم التواطؤ مع # PageV01P110 # الانكتام، وربما ظن الخلف أن عددهم كامل لا يستحيل عليهم التواطؤ فيخطئون ~~في الظن فيقطعون بالحكم ويكون هذا منشأ غلطهم. ### | [خاتمة في بيان شروط فاسدة لعدد التواتر] # خاتمة لهذا الباب: بيان شروط فاسدة ذهب إليها قوم؟ وهي خمسة: # الأول: شرط قوم في عدد التواتر أن لا يحصرهم عدد ولا يحويهم وهذا فاسد، ~~فإن الحجيج بأجمعهم إذا أخبروا عن واقعة صدتهم عن الحج ومنعتهم من عرفات ~~حصل العلم بقولهم وهم محصورون وأهل الجامع إذا أخبروا عن نائبة في الجمعة ~~منعت الناس من الصلاة علم صدقهم مع أنهم يحويهم مسجد فضلا عن بلد، وكذلك ~~أهل المدينة إذا أخبروا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشيء حصل ~~العلم وقد حواهم بلد. # الثاني: شرط قوم أن تختلف أنسابهم فلا يكونوا بني أب واحد، وتختلف ~~أوطانهم فلا يكونوا في محلة واحدة، وتختلف أديانهم فلا يكونوا أهل مذهب ~~واحد. # وهذا فاسد لأن كونهم من محلة واحدة ونسب واحد لا يؤثر إلا في إمكان ~~تواطئهم، ms171 والكثرة إلى كمال العدد تدفع هذا الإمكان، وإن لم تكن كثرة أمكن ~~التواطؤ من بني الأعمام كما يمكن من الإخوة ومن أهل بلد كما يمكن من أهل ~~محلة، وكيف يعتبر اختلاف الدين ونحن نعلم صدق المسلمين إذا أخبروا عن قتل ~~وفتنة وواقعة بل نعلم صدق أهل قسطنطينية إذا أخبروا عن موت قيصر؟ فإن قيل: ~~فلنعلم صدق النصارى في نقل التثليث عن عيسى - عليه السلام - وصدقهم في ~~صلبه. # قلنا: لم ينقلوا التثليث توقيفا وسماعا عن عيسى بنص صريح لا يحتمل ~~التأويل، لكن توهموا ذلك بألفاظ موهمة لم يقفوا على مغزاها، كما فهم ~~المشبهة التشبيه من آيات وأخبار لم يفهموا معناها، والتواتر ينبغي أن يصدر ~~عن محسوس. فأما قتل عيسى - عليه السلام - فقد صدقوا في أنهم شاهدوا شخصا ~~يشبه عيسى - عليه السلام - مقتولا، ولكن شبه لهم. # فإن قيل: فهل يتصور التشبيه في المحسوس، فإن تصور فليشك كل واحد منا إذا ~~رأى زوجته وولده فلعله شبه له؟ قلنا: إن كان الزمان زمان خرق العادة يجوز ~~التشبيه في المحسوس وذلك زمان النبوة لإثبات صدق النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وذلك لا يوجب الشك في غير ذلك الزمان؛ إذ لا خلاف في قدرة الله ~~تعالى على قلب العصا ثعبانا وخرق العادة به لتصديق النبي - عليه السلام -، ~~ومع ذلك إذا أخذنا العصا في زماننا لم نخف من انقلابها ثعبانا بالعادات في ~~زماننا. # فإن قيل: خرق العادة في زماننا هذا جائز كرامة للأولياء فلعل وليا من ~~الأولياء دعا الله تعالى بذلك فأجابه فلا نشك لإمكان ذلك. قلنا: إذا فعل ~~الله تعالى ذلك نزع عن قلوبنا العلم الضروري الحاصل بالعادات، فإذا وجدنا ~~من أنفسنا علما ضروريا بأنه لم تنقلب العصا ثعبانا ولا الجبل ذهبا ولا ~~الحصى في الجبال جواهر ويواقيت قطعنا بأن الله تعالى لم يخرق العادة وإن ~~كان قادرا عليها. # الثالث: شرط قوم أن يكونوا أولياء مؤمنين. # وهو فاسد؛ إذ يحصل العلم بقول الفسقة والمرجئة والقدرية بل بقول الروم ~~إذا أخبروا بموت ملكهم حصل العلم. # الرابع: شرط ms172 قوم أن لا يكونوا محمولين بالسيف على الإخبار. وهو فاسد؛ ~~لأنهم إن # PageV01P111 # حملوا على الكذب لم يحصل العلم لفقد الشرط وهو الإخبار عن العلم الضروري ~~وإن صدقوا حصل العلم، فلو أن أهل بغداد حملهم الخليفة بالسيف على الإخبار ~~عن محسوس شاهدوه أو شهادة كتموها فأخبروا حصل العلم بقولهم. # فإن قيل هل يتصور عدد يحصل العلم بقولهم إذا أخبروا عن اختيار ولا يحصل ~~لو أخبروا عن إكراه؟ قلنا أجاب القاضي - رحمه الله - ذلك من حيث إنه لم ~~يجعل للقرائن مدخلا، وذلك غير محال عندنا، فإنا بينا أن النفس تشعر بأن ~~هؤلاء على كثرتهم لا يجمعهم على الكذب جامع ثم تصدق، فإذا ظهر كون السيف ~~جامعا لم يبعد أن لا يحصل العلم. # الخامس: شرط الروافض أن يكون الإمام المعصوم في جملة المخبرين وهذا يوجب ~~العلم بإخبار الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن جبريل - عليه السلام - لأنه ~~معصوم، فأي حاجة إلى إخبار غيره؟ ويجب أن لا يحصل العلم بنقلهم على التواتر ~~النص على علي - رضي الله عنه - إذ ليس فيهم معصوم، وأن لا تلزم حجة الإمام ~~إلا على من شاهده من أهل بلده وسمع منه دون سائر البلاد، وأن لا تقوم الحجة ~~بقول أمرائه ودعاته ورسله وقضاته؛ إذ ليسوا معصومين، وأن لا يعلم موت أمير ~~وقتله ووقوع فتنة وقتال في غير مصر وكل ذلك لازم على هذيانهم. ### | [الباب الثالث في تقسيم الخبر] ### | [القسم الأول ما يجب تصديقه] # الباب الثالث: في تقسيم الخبر القسم الأول: ما يجب تصديقه تقسيم الخبر ~~إلى ما يجب تصديقه وإلى ما يجب تكذيبه وإلى ما يجب التوقف فيه. # وهي ثلاثة أقسام: القسم الأول: # ما يجب تصديقه، وهي سبعة: # الأول: ما أخبر عنه عدد التواتر فإنه يجب تصديقه ضرورة وإن لم يدل عليه ~~دليل آخر، فليس في الأخبار ما يعلم صدقه بمجرد الإخبار إلا المتواتر وما ~~عداه فإنما يعلم صدقه بدليل آخر يدل عليه سوى نفس الخبر. # الثاني: ما أخبر الله تعالى عنه فهو صدق بدليل استحالة الكذب عليه، ويدل ms173 ~~عليه دليلان: # أقواهما: إخبار الرسول - عليه السلام - عن امتناع الكذب عليه تعالى. # والثاني: أن كلامه تعالى قائم بنفسه ويستحيل التكذب في كلام النفس على من ~~يستحيل عليه الجهل؛ إذ الخبر يقوم بالنفس على وفق العلم والجهل على الله ~~تعالى محال. # الثالث: خبر الرسول - عليه السلام - ودليل صدقه دلالة المعجزة على صدقه ~~مع استحالة إظهار المعجزة على أيدي الكاذبين؛ لأن ذلك لو كان ممكنا لعجز ~~الباري عن تصديقه رسله والعجز عليه محال. # الرابع: ما أخبر عنه الأمة إذ ثبت عصمتها بقول الرسول - عليه السلام - ~~المعصوم عن الكذب، وفي معناه كل شخص أخبر الله تعالى أو رسوله - صلى الله ~~عليه وسلم - عنه بأنه صادق لا يكذب. # الخامس: كل خبر يوافق ما أخبر الله تعالى عنه أو رسوله - صلى الله عليه ~~وسلم - أو الأمة # PageV01P112 # أو من صدقه هؤلاء أو دل العقل عليه والسمع، فإنه لو كان كذبا لكان ~~الموافق له كذبا. # السادس كل خبر صح أنه ذكره المخبر بين يدي رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وبمسمع منه ولم يكن غافلا عنه فسكت عليه لأنه لو كان كذبا لما سكت ~~عنه ولا عن تكذيبه، ونعني به ما يتعلق بالدين. # السابع: كل خبر ذكر بين يدي جماعة أمسكوا عن تكذيبه والعادة تقضي في مثل ~~ذلك بالتكذيب وامتناع السكوت لو كان كذبا، وذلك بأن يكون للخبر وقع في ~~نفوسهم وهم عدد يمتنع في مستقر العادة التواطؤ عليهم بحيث ينكتم التواطؤ ~~ولا يتحدثون به. وبمثل هذه الطريقة ثبتت أكثر أعلام رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، إذ كان ينقل بمشهد جماعات وكانوا يسكتون عن التكذيب مع ~~استحالة السكوت عن التكذيب على مثلهم، فمهما كمل الشرط وترك النكير كما سبق ~~نزل منزلة قولهم " صدقت ". # فإن قيل لو ادعى واحد أمرا بمشهد جماعة وادعى علمهم به فسكتوا عن تكذيبه ~~فهل يثبت صدقه؟ قلنا: إن كان ذلك في محل النظر والاجتهاد فلا يثبت صدقه ~~لاحتمال أنهم اعتقدوا عن النظر ما ادعاه، وإن كان يسنده إلى مشاهدة وكانوا ~~عددا يستحيل ms174 عليهم الدخول تحت داع واحد فالسكوت عن تكذيبه تصديق من جهتهم. ~~فإن قيل: وهل يدل على الصدق تواتر الخبر عن جماعة لا يجوز على مثلهم ~~التواطؤ على الكذب قصدا ولا التوافق على اتفاق؟ قلنا: أحال القاضي - رحمه ~~الله - ذلك وقال: قولهم يورث العلم ضرورة إن بلغوا عدد التواتر في علم ~~الله، فإن لم يورث العلم الضروري دل على نقصان العدد، ولا يجوز الاستدلال ~~على صدقهم بالنظر في أحوالهم بل نعلم قطعا كذبهم أو اشتمالهم على كاذب أو ~~متوهم. # وهذا على مذهبه إن لم ينظر إلى القرائن لازم، أما من نظر إلى القرائن فلا ~~يبعد أن يعلم صدقهم بنوع من النظر. فإن قيل: خبر الواحد الذي عمل به الأمة ~~هل يجب تصديقه؟ قلنا: إن عملوا على وفقه فلعلهم عملوا عن دليل آخر وإن ~~عملوا به أيضا فقد أمروا بالعمل بخبر الواحد وإن لم يعرفوا صدقه، فلا يلزم ~~الحكم بصدقه. فإن قيل لو قدر الراوي كاذبا لكان عمل الأمة بالباطل، وهو خطأ ~~ولا يجوز ذلك على الأمة. # قلنا: الأمة ما تعبدوا إلا بالعمل بخبر يغلب على الظن صدقهم فيه، وقد غلب ~~على ظنهم، كالقاضي إذا قضى بشهادة عدلين فلا يكون مخطئا وإن كان الشاهد ~~كاذبا بل يكون محقا لأنه لم يؤمر إلا به. ### | [القسم الثاني من الأخبار ما يعلم كذبه] # من الأخبار ما يعلم كذبه وهي أربعة: # الأول: ما يعلم خلافه بضرورة العقل أو نظره أو الحس والمشاهدة أو أخبار ~~التواتر، وبالجملة ما خالف المعلوم بالمدارك الستة المذكورة، كمن أخبر عن ~~الجمع بين الضدين وإحياء الموتى في الحال وأنا على جناح نسر أو في لجة بحر ~~وما يحس خلافه. # الثاني: ما يخالف النص القاطع من الكتاب والسنة المتواترة وإجماع الأمة، ~~فإنه ورد مكذبا لله تعالى ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - وللأمة. # الثالث: ما صرح بتكذيبه جمع كثير يستحيل في العادة تواطؤهم على الكذب، ~~إذا # PageV01P113 # قالوا: حضرنا معه في ذلك الوقت، فلم نجد ما حكاه من الواقعة أصلا. # الرابع: ما سكت الجمع الكثير ms175 عن نقله والتحدث به مع جريان الواقعة بمشهد ~~منهم ومع إحالة العادة السكوت عن ذكره لتوفر الدواعي على نقله، كما لو أخبر ~~مخبر بأن أمير البلدة قتل في السوق على ملأ من الناس ولم يتحدث أهل السوق ~~به فيقطع بكذبه، إذ لو صدق لتوفرت الدواعي على نقله ولأحالت العادة اختصاصه ~~بحكايته، وبمثل هذه الطريقة عرفنا كذب من ادعى معارضة القرآن ونص الرسول ~~على نبي آخر بعده، وأنه أعقب جماعة من الأولاد الذكور، ونصه على إمام بعينه ~~على ملأ من الناس، وفرضه صوم شوال وصلاة الضحى وأمثال ذلك مما إذا كان ~~أحالت العادة كتمانه. # فإن قيل فقد تفرد الآحاد بنقل ما تتوفر الدواعي عليه حتى وقع الخلاف فيه، ~~كإفراده - صلى الله عليه وسلم - الحج أو قرانه، وكدخوله الكعبة وصلاته ~~فيها، وإنه - عليه السلام - نكح ميمونة وهو حرام، وإنه دخل مكة عنوة، ~~وقبوله شهادة الأعرابي وحده على رؤية الهلال، وانفراد الأعرابي بالرؤية حتى ~~لم يشاركه أحد فيه، وانشقاق القمر ولم ينقله إلا ابن مسعود - رضي الله عنه ~~- وعدد يسير معه وكان ينبغي أن يراه كل مؤمن وكافر وباد وحاضر، ونقل ~~النصارى معجزات عيسى - عليه السلام - ولم ينقلوا كلامه في المهد وهو من ~~أعظم العلامات، ونقلت الأمة القرآن ولم ينقلوا بقية معجزات الرسول - عليه ~~السلام - كنقل القرآن في الشيوع، ونقل الناس أعلام الرسل ولم ينقلوا أعلام ~~شعيب - عليه السلام -، ونقلت الأمة سور القرآن ولم تنقل المعوذتين نقل ~~غيرهما حتى خالف ابن مسعود - رضي الله عنه - في كونهما من القرآن وما تعم ~~به البلوى من اللمس والمس أيضا. # فكل هذا نقض على هذه القاعدة. والجواب أن إفراد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وقرانه ليس مما يجب أن ينكشف وأن ينادي به رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - على الكافة، بل لا يطلع عليه إلا من أطلعه عليه أو على ~~نيته بإخباره إياه. نعم ظهر على الاستفاضة تعليمه الناس الإفراد والقران ~~جميعا. وأما دخول الكعبة وصلاته فيها فقد يكون ذلك مع نفر يسير ومع ms176 واحد ~~واثنين ولا يقع شائعا، كيف ولو وقع شائعا لم تتوفر الدواعي على دوام نقله ~~لأنه ليس من أصول الدين ولا من فرائضه ومهماته؟ وأما دخوله مكة عنوة فقد صح ~~على الاستفاضة دخوله متسلحا مع الألوية والأعلام وتمام التمكن والاستيلاء ~~وبذله الأمان لمن دخل دار أبي سفيان ولمن ألقى سلاحه واعتصم بالكعبة وكل ~~ذلك غير مختلف فيه ولكن استدل بعض الفقهاء بما روي عنه - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه ودى قوما قتلهم خالد بن الوليد - رضي الله عنه - على أنه كان ~~صلحا. # ووقوع مثل هذه الشبهة للآحاد ممكن إلى أن تزال بالنظر، وأن يكون ذلك بنهي ~~خاص عن قوم مخصوصين ولسبب مخصوص. وأما انفراد الأعرابي برؤية الهلال فممكن، ~~وقد يقع مثل ذلك في زماننا في الليلة الأولى لخفاء الهلال ودقته، فينفرد به ~~من يحتد بصره وتصدق في الطلب رغبته ويقع على موضع الهلال بصره عن معرفة أو ~~اتفاق. وأما انشقاق القمر فهي آية ليلية وقعت والناس نيام غافلون، وإنما ~~كان في لحظة فرآه من ناظره النبي - صلى الله عليه وسلم - من قريش ونبهه على ~~النظر له وما انشق منه إلا شعبة، ثم عاد صحيحا في لحظة، فكم من انقضاض كوكب ~~وزلزلة وأمور هائلة من ريح # PageV01P114 # وصاعقة بالليل لا يتنبه له إلا الآحاد على أن مثل هذا إنما يعلمه من قيل ~~له انظر إليه فانشق عقيب القول والتحدي، ومن لم يعلم ذلك ووقع عليه بصره ~~ربما توهم أنه خيال انقشع أو كوكب كان تحت القمر فانجلى القمر عنه أو قطعة ~~سحاب سترت قطعة من القمر، فلهذا لم يتواتر نقله. # وأما نقلهم القرآن دون سائر الأعلام فذلك لأمرين أحدهما: أن الدواعي لا ~~تتوفر بعد ثبوت النبوة بالقرآن واستقلالها به على نقل ما يقع بعده بحيث تقع ~~المداومة عليه اكتفاء بثبوتها بالقرآن الذي هو أعظم الآيات؛ ولأن غير ~~القرآن إنما ظهر في عمر كل واحد مرة واحدة وربما ظهر بين يدي نفر يسير، ~~والقرآن كان يردده طول عمره مرة بعد أخرى ويلقيه على ms177 كافتهم قصدا ويأمرهم ~~بحفظه والتلاوة له والعمل بموجبه. # وأما المعوذتان فقد ثبت نقلهما شائعا من القرآن كسائر السور وابن مسعود - ~~رضي الله عنه - لم ينكر كونهما من القرآن لكن أنكر إثباتهما في المصحف ~~وإثبات الحمد أيضا لأنه كانت السنة عنده أن لا يثبت إلا ما أمر النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بإثباته وكتبته، ولما لم يجده كتب ذلك ولا سمع أمره به ~~أنكره. وهذا تأويل وليس جحدا لكونه قرآنا، ولو جحد ذلك لكان فسقا عظيما لا ~~يضاف إلى مثله ولا إلى أحد من الصحابة. # وأما ترك النصارى نقل كلام عيسى - عليه السلام - في المهد فلعله لم يتكلم ~~إلا بحضرة نفر يسير ومرة واحدة لتبرئة مريم - عليها السلام - عما نسبوها ~~إليه، فلم ينتشر ذلك ولم يحصل العلم بقول من سمع ذلك منهم فاندرس فيما ~~بينهم. وأما شعيب ومن يجري مجراه من الرسل - عليهم السلام - فلم يكن لهم ~~شريعة ينفردون بها، بل كانوا يدعون إلى شريعة من قبلهم، فلم تتوفر الدواعي ~~على نقل معجزاتهم إذ لم يكن لهم معجزات ظاهرة، لكن ثبت صدقهم بالنص ~~والتوقيف من نبي ذي معجزة. # وأما الخبر عن اللمس والمس للذكر وما تعم به البلوى، فيجوز أن يخبر به ~~الرسول - عليه السلام - عددا يسيرا ثم ينقلونه آحادا ولا يستفيض، وليس ذلك ~~مما يعظم في الصدور وتتوفر الدواعي على التحدث به دائما. ### | [القسم الثالث ما لا يعلم صدقه ولا كذبه] # ، فيجب التوقف فيه. وهو جملة الأخبار الواردة في أحكام الشرع والعبادات ~~مما عدا القسمين المذكورين، وهو كل خبر لم يعرف صدقه ولا كذبه. فإن قيل: ~~عدم قيام الدليل على صدقه يدل على كذبه؛ إذ لو كان صدقا لما أخلانا الله ~~تعالى عن دليل على صدقه. # قلنا ولم يستحيل أن يخلينا عن دليل قاطع على صدقه؟ ولو قلب هذا وقيل: ~~يعلم صدقه لأنه لو كان كذبا لما أخلانا الله تعالى عن دليل قاطع على كذبه، ~~لكان مقاوما لهذا الكلام. وكيف يجوز ذلك ويلزم منه أن يقطع بكذب كل شاهد لا ms178 ~~يقطع بصدقه وكفر كل قاض ومفت وفجوره إذا لم يعلم إسلامه وورعه بقاطع؟ وكذا ~~كل قياس ودليل في الشرع لا يقطع بصحته فليقطع ببطلانه. # وهذا بخلاف التحدي بالنبوة إذا لم تظهر معجزة، فإنا نقطع بكذبه لأن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - هو الذي كلفنا تصديقه، وتصديقه بغير دليل محال ~~وتكليف المحال محال، فبه علمنا أنا لم نكلف تصديقه فلم يكن رسولا إلينا ~~قطعا. أما خبر الواحد وشهادة الاثنين فلم نتعبد فيه بالتصديق، بل بالعمل ~~عند ظن الصدق، والظن حاصل، والعمل ممكن، ونحن مصيبون وإن كان هو كاذبا. # ولو علمنا # PageV01P115 # بقول شاهد واحد فنحن مخطئون وإن كان هو صادقا. فإن قيل: إنما وجب إقامة ~~المعجزة لنعرف صدقه فنتبعه فيما يشرعه فليجب عليه إزالة الشك فيما يبلغ من ~~الشرع بالمشافهة والإشاعة إلى حد التواتر ليحصل العلم في حق من لم يشافهه ~~به. # قلنا لا استحالة في أن يقسم الشارع شرعه إلى ما يتعبد فيه بالعلم والعمل ~~فيجب فيه ما ذكرتموه وإلى ما يتعبد فيه بالعمل دون العلم، فيكون فرض من ~~يسمع من الرسول العلم والعمل جميعا وفرض من غاب العمل دون العلم، ويكون ~~العمل منوطا بظن الصدق في الخبر وإن كان هو كاذبا عند الله تعالى، وكذا ~~الظن الحاصل من قياس وقول شاهد يمين المدعى عليه أو يمين المدعي. مع ~~النكول، فلا نحيل شيئا من ذلك ### | [القسم الثاني في أخبار الآحاد وفيه أبواب] ### | [الباب الأول في إثبات التعبد بخبر الواحد مع قصوره عن إفادة العلم] # القسم الثاني من هذا الأصل: في أخبار الآحاد وفيه أبواب الباب الأول: في ~~إثبات التعبد به مع قصوره عن إفادة العلم. وفيه أربع مسائل: # مسألة: اعلم أنا نريد بخبر الواحد في هذا المقام ما لا ينتهي من الأخبار ~~إلى حد التواتر. المفيد للعلم، فما نقله جماعة من خمسة أو ستة مثلا فهو خبر ~~الواحد، وأما قول الرسول - عليه السلام - مما علم صحته فلا يسمى خبر ~~الواحد. وإذا عرفت هذا فنقول: خبر الواحد لا يفيد العلم، وهو معلوم ms179 ~~بالضرورة فإنا لا نصدق بكل ما نسمع، ولو صدقنا وقدرنا تعارض خبرين فكيف ~~نصدق بالضدين وما حكي عن المحدثين من أن ذلك يوجب العلم فلعلهم أرادوا أنه ~~يفيد العلم بوجوب العمل؛ إذ يسمى الظن علما، ولهذا قال بعضهم: يورث العلم ~~الظاهر والعلم ليس له ظاهر وباطن وإنما هو الظن. ولا تمسك لهم في قوله ~~تعالى: {فإن علمتموهن مؤمنات} [الممتحنة: 10] وإنه أراد الظاهر؛ لأن المراد ~~به العلم الحقيقي بكلمة الشهادة التي هي ظاهر الإيمان دون الباطن الذي لم ~~يكلف به، والإيمان باللسان يسمى إيمانا مجازا. ولا تمسك لهم في قوله تعالى: ~~{ولا تقف ما ليس لك به علم} [الإسراء: 36] وأن الخبر لو لم يفد العلم لما ~~جاز العمل به؛ لأن المراد بالآية منع الشاهد عن جزم الشهادة إلا بما يتحقق. ~~وأما العمل بخبر الواحد فمعلوم الوجوب بدليل قاطع أوجب العمل عند ظن الصدق، ~~والظن حاصل قطعا ووجوب العمل عنده معلوم قطعا، كالحكم بشهادة اثنين أو يمين ~~المدعي مع نكول المدعى عليه ### | [مسألة التعبد بخبر الواحد] # مسألة: أنكر منكرون جواز التعبد بخبر الواحد عقلا فضلا عن وقوعه سمعا # ، فيقال لهم من أين عرفتم استحالته أبالضرورة ونحن نخالفكم فيه ولا نزاع ~~في الضرورة؟ أو بدليل؟ ولا سبيل لهم إلى إثباته لأنه لو كان محالا لكان ~~يستحيل إما لذاته أو لمفسدة تتولد منه، ولا يستحيل لذاته ولا التفات إلى ~~المفسدة، ولا نسلم أيضا لو التفتنا إليها، فلا بد من بيان وجه المفسدة. فإن ~~قيل وجه المفسدة أن يروي الواحد خبرا في سفك دم أو في استحلال بضع وربما ~~يكذب فيظن أن سفك الدم هو بأمر الله تعالى ولا يكون بأمره، فكيف يجوز ~~الهجوم بالجهل؟ ومن شككنا في إباحة بضعه وسفك دمه فلا يجوز الهجوم عليه ~~بالشك، فيقبح من الشارع حوالة الخلق على الجهل واقتحام الباطل بالتوهم، بل ~~إذا أمر الله # PageV01P116 # تعالى بأمر فليعرفنا أمره لنكون على بصيرة إما ممتثلون أو مخالفون. # والجواب: أن هذا السؤال إن صدر ممن ينكر الشرائع فنقول: أي استحالة في ms180 أن ~~يقول الله تعالى لعباده إذا طار بكم طائر وظننتموه غرابا فقد أوجبت عليكم ~~كذا وكذا وجعلت ظنكم علامة وجوب العمل كما جعلت زوال الشمس علامة وجوب ~~الصلاة. فيكون نفس الظن علامة الوجوب والظن مدرك بالحس وجوده، فيكون الوجوب ~~معلوما، فمن أتى بالواجب عند الظن فقد امتثل قطعا وأصاب. # فإذا جاز أن يجعل الزوال أو ظن كونه غرابا علامة فلم لا يجوز أن يجعل ظنه ~~علامة؟ ويقال له: إذا ظننت صدق الراوي والشاهد والحالف فاحكم به ولست ~~متعبدا بمعرفة صدقه ولكن بالعمل عند ظن صدقه وأنت مصيب وممتثل صدق أو كذب، ~~ولست متعبدا بالعلم بصدقه ولكن بالعمل عند ظنك الذي تحسه من نفسك، وهذا ما ~~نعتقده في القياس وخبر الواحد والحكم بالشاهد واليمين وغير ذلك. # وأما إذا صدر هذا من مقر بالشرع فلا يتمكن منه لأنه تعبد بالعمل بالشهادة ~~والحكم والفتوى ومعاينة الكعبة وخبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - فهذه ~~خمسة. ثم الشهادة قد يقطع بها كشهادة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وشهادة ~~خزيمة بن ثابت حين صدقه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وشهادة موسى ~~وهارون والأنبياء - صلوات الله عليهم -، وقد يظن ذلك كشهادة غيرهم. # ثم ألحق المظنون بالمقطوع به في وجوب العمل، وكذلك فتوى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وحكمه مقطوع به، وفتوى سائر الأئمة وحكم سائر القضاة مظنون ~~وألحق بالمعلوم والكعبة تعلم قطعا بالعيان وتظن بالاجتهاد، وعند الظن يجب ~~العمل كما يجب عند المشاهدة، فكذلك خبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - يجب ~~العمل به عند التواتر. فلم يستحيل أن يلحق المظنون بالمعلوم في وجوب العمل ~~خاصة ومن أراد أن يفرق بين هذه الخمسة في مفسدة أو مصلحة لم يتمكن منه ~~أصلا؟ فإن قيل: فهل يجوز التعبد بالعمل بخبر الفاسق؟ قلنا قال قوم يجوز ~~بشرط ظن الصدق. # وهذا الشرط عندنا فاسد، بل يجوز أن تجعل حركة الفلك علامة التعبد بالصلاة ~~فحركة لسان الفاسق يجوز أن تجعل علامة، فتكليف العمل عند وجود الخبر شيء ~~وكون الخبر صدقا أو كذبا ms181 شيء آخر. ### | [مسألة العقل يدل على وجوب العمل بخبر الواحد] # مسألة ذهب قوم إلى أن العقل يدل على وجوب العمل بخبر الواحد دون الأدلة ~~السمعية، واستدلوا عليه بدليلين: # أحدهما: أن المفتي إذا لم يجد دليلا قاطعا من كتاب أو إجماع أو سنة ~~متواترة ووجد خبر الواحد فلو لم يحكم به لتعطلت الأحكام، ولأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - إذا كان مبعوثا إلى أهل العصر يحتاج إلى إنفاذ الرسل؛ إذ ~~لا يقدر على مشافهة الجميع ولا إشاعة جميع أحكامه على التواتر إلى كل أحد؛ ~~إذ لو أنفذ عدد التواتر إلى كل قطر لم يف بذلك أهل مدينته. # وهذا ضعيف؛ لأن المفتي إذا فقد الأدلة القاطعة يرجع إلى البراءة الأصلية ~~والاستصحاب، كما لو فقد خبر الواحد أيضا. وأما الرسول - صلى الله عليه وسلم ~~- فليقتصر على من يقدر على تبليغه، فمن الناس في الجزائر من لم يبلغه الشرع ~~فلا يكلف به، فليس تكليف الجميع واجبا نعم لو تعبد نبي بأن يكلف جميع الخلق ~~ولا يخلي واقعة عن حكم الله تعالى ولا شخصا عن التكليف فربما يكون الاكتفاء ~~بخبر الواحد # PageV01P117 # ضرورة في حقه. # والدليل الثاني: أنهم قالوا: صدق الراوي ممكن، فلو لم نعمل بخبر الواحد ~~لكنا قد تركنا أمر الله تعالى وأمر رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ~~فالاحتياط والحزم في العمل. وهو باطل من ثلاثة أوجه، أحدها: أن كذبه ممكن، ~~فربما يكون عملنا بخلاف الواجب. # الثاني: أنه كان يجب العمل بخبر الكافر والفاسق لأن صدقه ممكن الثالث: هو ~~أن براءة الذمة معلومة بالعقل والنفي الأصلي فلا ترفع بالوهم، وقد استدل به ~~قوم في نفي خبر الواحد، وهو وإن كان فاسدا فهو أقوم من قوله إن الصدق إذا ~~كان ممكنا يجب العمل به. # مسألة: الصحيح الذي ذهب إليه الجماهير من سلف الأمة من الصحابة والتابعين ~~والفقهاء والمتكلمين أنه لا يستحيل التعبد بخبر الواحد عقلا ولا يجب التعبد ~~به عقلا وأن التعبد به واقع سمعا وقال جماهير القدرية ومن تابعهم من أهل ~~الظاهر كالقاشاني بتحريم العمل ms182 به سمعا. ويدل على بطلان مذهبهم مسلكان ~~قاطعان: # أحدهما إجماع الصحابة: على قبول خبر الواحد. # والثاني: تواتر الخبر بإنفاذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الولاة ~~والرسل إلى البلاد وتكليفه إياهم تصديقهم فيما نقلوه من الشرع. ونحن نقرر ~~هذين المسلكين: # المسلك الأول: ما تواتر واشتهر من عمل الصحابة بخبر الواحد في وقائع شتى ~~لا تنحصر وإن لم تتواتر آحادها فيحصل العلم بمجموعها، ونحن نشير إلى بعضها: ~~فمنها: ما روي عن عمر - رضي الله عنه - في وقائع كثيرة، من ذلك قصة الجنين ~~وقيامه في ذلك يقول: أذكر الله امرأ سمع من رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- شيئا في الجنين فقام إليه حمل بن مالك بن النابغة وقال: «كنت بين جارتين ~~يعني ضرتين - فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فألقت جنينا ميتا فقضى فيه رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بغرة عبد أو وليدة» . فقال عمر لو لم نسمع هذا ~~لقضينا فيه بغير هذا، أي لم نقض بالغرة أصلا. وقد انفصل الجنين ميتا للشك ~~في أصل حياته. ومن ذلك أنه - رضي الله عنه - كان لا يرى توريث المرأة من ~~دية زوجها، فلما أخبره الضحاك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتب ~~إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي من ديته رجع إلى ذلك. ومن ذلك ما تظاهرت ~~به الأخبار عنه في قصة المجوس أنه قال: " ما أدري ما الذي أصنع في أمرهم ~~وقال: " أنشد الله امرأ سمع فيه شيئا إلا رفعه إلينا " فقال عبد الرحمن بن ~~عوف أشهد لسمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول «سنوا بهم سنة أهل ~~الكتاب» فأخذ الجزية منهم وأقرهم على دينهم. # ومنها ما ظهر منه ومن عثمان - رضي الله عنه - وجماهير الصحابة - رضي الله ~~عنهم - من الرجوع عن سقوط فرض الغسل من التقاء الختانين بخبر عائشة - رضي ~~الله عنها - وقولها «: فعلت ذلك أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم -» ~~فاغتسلنا. ومن ذلك ما صح عن عثمان - رضي الله عنه - أنه قضى في السكنى بخبر ~~فريعة بنت مالك ms183 بعد أن أرسل إليها وسألها. # ومنها ما ظهر من علي - رضي الله عنه - من قبوله خبر الواحد واستظهاره ~~باليمين، حتى قال في الخبر المشهور: كنت إذا سمعت من رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - حديثا نفعني الله بما شاء منه، وإذا حدثني غيره أحلفته فإذا ~~حلف صدقته، # PageV01P118 # وحدثني أبو بكر - وصدق أبو بكر قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: «ما من عبد يصيب ذنبا» الحديث، فكان يحلف المخبر لا لتهمة بالكذب ولكن ~~للاحتياط في سياق الحديث على وجهه والتحرز من تغيير لفظه نقلا بالمعنى ~~ولئلا يقدم على الرواية بالظن بل عند السماع المحقق. # ومنها ما روي عن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - أنه كان يرى أن الحائض لا ~~يجوز لها أن تصدر حتى يكون آخر عهدها الطواف بالبيت، وأنكر على ابن عباس ~~خلافه في ذلك، فقيل له: إن ابن عباس سأل فلانة الأنصارية هل أمرها رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك فأخبرته، فرجع زيد بن ثابت يضحك ويقول ~~لابن عباس: ما أراك إلا قد صدقت ورجع إلى موافقته بخبر الأنصارية. # ومنها ما روي عن أنس - رضي الله عنه - أنه قال: كنت أسقي أبا عبيدة وأبا ~~طلحة وأبي بن كعب شرابا من فضيخ تمر، إذ أتانا آت فقال: إن الخمر قد حرمت، ~~فقال أبو طلحة: قم يا أنس إلى هذه الجرار فاكسرها فقمت إلى مهراس لنا ~~فضربتها بأسفله حتى تكسرت. ومنها ما اشتهر من عمل أهل قباء في التحول عن ~~القبلة بخبر الواحد وأنهم أتاهم آت فأخبرهم بنسخ القبلة فانحرفوا إلى ~~الكعبة بخبره. # ومنها ما ظهر من ابن عباس - رضي الله عنه - وقد قيل إن فلانا رجلا من ~~المسلمين يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس بموسى بني إسرائيل - عليه السلام -، ~~فقال ابن عباس كذب عدو الله، أخبرني أبي بن كعب قال: «خطبنا رسول الله - ~~عليه السلام -، ثم ذكر موسى والخضر بشيء يدل على أن موسى صاحب الخضر هو ~~موسى بني إسرائيل» ، فتجاوز ابن عباس العمل بخبر الواحد ms184 وبادر إلى التكذيب ~~بأصله والقطع بذلك لأجل خبر أبي بن كعب ومنها أيضا ما روي عن أبي الدرداء ~~أنه لما باع معاوية شيئا من آنية الذهب والورق بأكثر من وزنه فقال له أبو ~~الدرداء: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهى عن ذلك، فقال له ~~معاوية: إني لا أرى بذلك بأسا، فقال أبو الدرداء من يعذرني من معاوية؟ ~~أخبره عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويخبرني عن رأيه لا أساكنك بأرض ~~أبدا. # ومنها ما اشتهر عن جميعهم في أخبار لا تحصى الرجوع إلى عائشة وأم سلمة ~~وميمونة وحفصة رضوان الله عليهن وإلى فاطمة بنت أسد وفلانة وفلانة ممن لا ~~يحصى كثرة وإلى زيد وأسامة بن زيد وغيرهم من الصحابة - رضوان الله عليهم - ~~من الرجال والنساء والعبيد والموالي وعلى ذلك جرت سنة التابعين بعدهم قال ~~الشافعي - رحمه الله -: وجدنا علي بن الحسين - رضي الله عنه - يعول على ~~أخبار الآحاد، وكذلك محمد بن علي وجبير بن مطعم ونافع بن جبير وخارجة بن ~~زيد وأبو سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار وعطاء بن يسار. وكذلك كان حال ~~طاووس وعطاء ومجاهد وكان سعيد بن المسيب يقول: أخبرني أبو سعيد الخدري عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصرف، فيثبت حديثه سنة، ويقول: حدثني أبو ~~هريرة. # وعروة بن الزبير يقول: حدثتني عائشة - رضي الله عنها -: أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - «قضى أن الخراج بالضمان» ويعترض بذلك على قضية عمر بن ~~عبد العزيز، فينقض عمر قضاءه لأجل ذلك. وكذلك ميسرة باليمن ومكحول بالشام ~~وعلى ذلك كان فقهاء البصرة كالحسن وابن سيرين، وفقهاء الكوفة وتابعوهم ~~كعلقمة والأسود والشعبي ومسروق، وعليه جرى من # PageV01P119 # بعدهم من الفقهاء ولم ينكر عليهم أحد في عصر، ولو كان نكير لنقل ولوجب في ~~مستقر العادة اشتهاره وتوفرت الدواعي على نقله كما توفرت على نقل العمل به ~~فقد ثبت أن ذلك مجمع عليه من السلف، وإنما الخلاف حدث بعدهم. # فإن قيل: لعلهم عملوا بها مع قرائن أو بأخبار أخر ms185 صاحبتها أو ظواهر ~~ومقاييس وأسباب قارنتها لا بمجرد هذه الأخبار كما زعمتم كما قلتم عملهم ~~بالعموم، وصيغة الأمر والنهي ليس نصا صريحا على أنهم عملوا بمجردها بل بها ~~مع قرائن قارنتها. قلنا: لأنهم لم ينقل عنهم لفظا إنما عملنا بمجرد الصيغة ~~من أمر ونهي وعموم، وقد قالوا ههنا: لولا هذا لقضينا بغير هذا، وصرح ابن ~~عمر - رضي الله عنهما - برجوعهم عن المخابرة بخبر رافع بن خديج ورجوعهم في ~~التقاء الختانين بخبر عائشة - رضي الله عنها -، كيف وصيغة العموم والأمر ~~والنهي قط لا تنفك عن قرينة من حال المأمور والمأمور به والأمر؟ أما ما ~~يرويه الراوي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فماذا يقترن به حتى يكون ~~دليلا بسببه؟ فتقدير ذلك كتقدير قرائن في عملهم بنص الكتاب وبالخبر ~~المتواتر وبالإجماع وذلك يبطل جميع الأدلة. # وبالجملة فمناشدتهم في طلب الأخبار لا داعي لها إلا العمل بها. فإن قيل ~~فقد تركوا العمل بأخبار كثيرة أيضا. قلنا: ذلك لفقدهم شرط قبولها كما ~~سيأتي، وكما تركوا العمل بنص القرآن وبأخبار متواترة لاطلاعهم على نسخها أو ~~فوات الأمر وانقراض من كان الخطاب الثاني متعلقا به. # الدليل الثاني: ما تواتر من إنفاذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أمراءه وقضاته ورسله وسعاته إلى الأطراف وهم آحاد ولا يرسلهم إلا لقبض ~~الصدقات وحل العهود وتقريرها وتبليغ أحكام الشرع، فمن ذلك تأميره أبا بكر ~~الصديق على الموسم سنة تسع، وإنفاذه سورة براءة مع علي، وتحميله فسخ العهود ~~والعقود التي كانت بينهم وبينه - صلى الله عليه وسلم -. ومن ذلك توليته عمر ~~- رضي الله عنه - على الصدقات وتوليته معاذا قبض صدقات اليمن والحكم على ~~أهلها. # ومن ذلك إنفاذه - صلى الله عليه وسلم - عثمان بن عفان إلى أهل مكة متحملا ~~ورسولا مؤديا عنه، حتى بلغه أن قريشا قتلته، فقلق لذلك وبايع لأجله بيعة ~~الرضوان وقال: «والله لئن كانوا قتلوه لأضرمنها عليهم نارا» . ومن ذلك ~~توليته - صلى الله عليه وسلم - على الصدقات والجبايات قيس بن عاصم ومالك بن ~~نويرة والزبرقان بن بدر ms186 وزيد بن حارثة وعمرو بن العاص وعمرو بن حزم وأسامة ~~بن زيد وعبد الرحمن بن عوف وأبا عبيدة بن الجراح وغيرهم ممن يطول ذكرهم. # وقد ثبت باتفاق أهل السير أنه كان - صلى الله عليه وسلم - يلزم أهل ~~النواحي قبول قول رسله وسعاته وحكامه، ولو احتاج في كل رسول إلى تنفيذ عدد ~~التواتر معه لم يف بذلك جميع أصحابه وخلت دار هجرته عن أصحابه وأنصاره ~~وتمكن منه أعداؤه من اليهود وغيرهم وفسد النظام والتدبير، وذلك وهم باطل ~~قطعا. # فإن قيل: كان قد أعلمهم - صلى الله عليه وسلم - تفصيل الصدقات شفاها ~~وبأخبار متواترة وإنما بعثهم لقبضها قلنا ولم وجب تصديقهم في دعوى القبض ~~وهم آحاد؟ ثم لم يكن بعثه - صلى الله عليه وسلم - في الصدقات فقط بل كان في ~~تعليمهم الدين والحكم بين المتخاصمين وتعريف وظائف الشرع. فإن قيل: فليجب ~~عليهم قبول أصل الصلاة والزكاة بل أصل الدعوة والرسالة # PageV01P120 # والمعجزة. # قلنا: أما أصل الزكاة والصلاة فكان يجب قبوله لأنهم كانوا ينفذون لشرح ~~وظائف الشرع بعد انتشار أصل الدعوة، وأما أصل الرسالة والإيمان وأعلام ~~النبوة فلا، إذ كيف يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أوجبت عليكم ~~تصديقي وهم لم يعرفوا برسالته؟ أما بعد التصديق به فيمكن الإصغاء إلى رسله ~~بإيجابه الإصغاء إليهم. فإن قيل: فإنما يجب قبول خبر الواحد إذا دل قاطع ~~على وجوب العمل به كما دل الإجماع والتواتر عندكم، فأولئك بماذا صدقوا ~~الولاة في قولهم يجب عليكم العمل بقولنا؟ قلنا: قد كان تواتر إليهم من سيرة ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ينفذ الولاة والرسل آحادا كسائر ~~الأكابر والرؤساء، ولولا علمهم بذلك لجاز للمتشكك أن يجادل فيه إذا عرض له ~~شك، ولكن قل ما يعرض الشك فيه مع القرائن، فإن الذي يدخل بلادنا مع منشور ~~القضاء قد لا يخالجنا ريب في صدقه وإن لم يتواتر إلينا، ولكن بقرائن ~~الأحوال والمعرفة لخط الكاتب وببعد جرأته على الكذب مع تعرضه للخطر في ~~أمثال ذلك. # الدليل الثالث: أن العامي بالإجماع مأمور ms187 باتباع المفتي وتصديقه مع أنه ~~ربما يخبر عن ظنه، فالذي يخبر بالسماع الذي لا يشك فيه أولى بالتصديق، ~~والكذب والغلط جائزان على المفتي كما على الراوي، بل الغلط على الراوي أبعد ~~لأن كل مجتهد وإن كان مصيبا فإنما يكون مصيبا إذا لم يقصر في إتمام النظر، ~~وربما يظن أنه لم يقصر ويكون قد قصر. # وهذا على مذهب من يجوز تقليد مقلد الشافعي - رحمه الله - إذا نقل مذهبه ~~أوقع لأنه يروي مذهب غيره فكيف لا يروي قول غيره؟ فإن قيل: هذا قياس لا ~~يفيد إلا الظن ولا يجوز إثبات الأصول بالظن والقياس، والعمل بخبر الواحد ~~أصل، كيف ولا ينقدح وجه الظن؟ فإن المجتهد مما يضطر إليه، ولو كلف آحاد ~~العوام درجة الاجتهاد تعذر ذلك فهو مضطر إلى تقليد المفتي. # قلنا: لا ضرورة في ذلك، بل ينبغي أن يرجع إلى البراءة الأصلية إذ لا طريق ~~له إلى المعرفة، كما وجب على المفتي بزعمكم إذا بلغه خبر الواحد أن يرد ~~الخبر فيرجع إلى البراءة الأصلية إذا تعذر عليه التواتر. ثم نقول: ليس هذا ~~قياسا مظنونا بل هو مقطوع به بأنه في معناه لأنه لو صح العمل بخبر الواحد ~~في الأنكحة لقطعنا به في البياعات ولم يختلف الأمر باختلاف المروي، وههنا ~~لم يختلف إلا المخبر عنه فإن المفتي يخبر عن ظن نفسه والراوي عن قول غيره ~~كما لم يفرق في حق الشاهدين بين أن يخبرا عن أنفسهما أو عن غيرهما إذا شهدا ~~على عدالة غيرهما أو يخبرا عن ظن أنفسهما العدالة في غيرهما. # الدليل الرابع: قوله تعالى: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا ~~في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم} [التوبة: 122] فالطائفة نفر يسير ~~كالثلاثة، ولا يحصل العلم بقولهم. وهذا فيه نظر لأنه إن كان قاطعا فهو في ~~وجوب الإنذار لا في وجوب العمل على المنذر عند اتحاد المنذر كما يجب على ~~الشاهد الواحد إقامة الشهادة لا ليعمل بها وحدها، لكن إذا انضم غيرها ~~إليها. # وهذا الاعتراض هو الذي يضعف أيضا التمسك ms188 بقوله تعالى: {إن الذين يكتمون ~~ما أنزلنا من البينات والهدى} [البقرة: 159] وبقوله - صلى الله عليه وسلم - ~~«نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها» الحديث وأمثالهما. ثم # PageV01P121 # اعلم أن المخالف في المسألة له شبهتان: # الشبهة الأولى: قولهم: لا مستند في إثبات خبر الواحد إلا الإجماع، فكيف ~~يدعي ذلك وما من أحد من الصحابة إلا وقد رد خبر الواحد؟ فمن ذلك توقف رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - عن قبول خبر ذي اليدين حيث سلم عن اثنتين حتى ~~سأل أبا بكر وعمر - رضي الله عنهما - وشهدا بذلك وصدقاه، ثم قبل وسجد ~~للسهو. # ومن ذلك رد أبي بكر - رضي الله عنه - خبر المغيرة بن شعبة من ميراث الجد ~~حتى أخبره معه محمد بن مسلمة. ومن ذلك رد أبي بكر وعمر خبر عثمان - رضي ~~الله عنهم - فيما رواه من استئذانه الرسول في رد الحكم بن أبي العاص ~~وطالباه بمن يشهد معه بذلك. ومن ذلك ما اشتهر من رد عمر - رضي الله عنه - ~~خبر أبي موسى الأشعري في الاستئذان حتى شهد له أبو سعيد الخدري - رضي الله ~~عنه -. # ومن ذلك رد علي - رضي الله عنه - خبر أبي سنان الأشجعي في قصة بروع بنت ~~واشق وقد ظهر منه أنه كان يحلف على الحديث. ومن ذلك رد عائشة - رضي الله ~~عنها - خبر ابن عمر في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه. وظهر من عمر نهيه لأبي ~~موسى وأبي هريرة عن الحديث عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وأمثال ذلك ~~مما يكثر. وأكثر هذه الأخبار تدل على مذهب من يشترط عددا في الراوي لا على ~~مذهب من يشترط التواتر، فإنهم لم يجتمعوا فينتظروا التواتر. # لكنا نقول في الجواب عما سألوا عنه: الذي رويناه قاطع في عملهم وما ~~ذكرتموه رد لأسباب عارضة تقتضي الرد ولا تدل على بطلان الأصل، كما أن ردهم ~~بعض نصوص القرآن وتركهم بعض أنواع القياس ورد القاضي بعض أنواع الشهادات لا ~~يدل على بطلان الأصل. ونحن نشير إلى جنس المعاذير في رد الأخبار والتوقف ms189 ~~فيها: أما توقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قول ذي اليدين فيحتمل ~~ثلاثة أمور: # أحدها: أنه جوز الوهم عليه لكثرة الجمع وبعد انفراده بمعرفة ذلك مع غفلة ~~الجميع إذ الغلط عليه أقرب من الغفلة على الجمع الكثير، وحيث ظهرت أمارات ~~الوهم يجب التوقف. # الثاني: أنه وإن علم صدقه جاز أن يكون سبب توقفه أن يعلمهم وجوب التوقف ~~في مثله، ولو لم يتوقف لصار التصديق مع سكوت الجماعة سنة ماضية، فحسم سبيل ~~ذلك # الثالث: أنه قال قولا لو علم صدقا لظهر أثره في حق الجماعة واشتغلت ذمتهم ~~فألحق بقبيل الشهادة فلم يقبل فيه قول الواحد، والأقوى ما ذكرناه من قبل. ~~نعم لو تعلق بهذا من يشترط عدد الشهادة فيلزمه اشتراط ثلاثة ويلزمه أن تكون ~~في جمع يسكت عليه الباقون لأنه كذلك كان. # أما توقف أبي بكر في حديث المغيرة في توريث الجدة فلعله كان هناك وجه ~~اقتضى التوقف، وربما لم يطلع عليه أحد، أو لينظر أنه حكم مستقر أو منسوخ أو ~~ليعلم هل عند غيره مثل ما عنده. ليكون الحكم أوكد أو خلافه فيندفع، أو توقف ~~في انتظار استظهار بزيادة كما يستظهر الحاكم بعد شهادة اثنين على جزم الحكم ~~إن لم يصادف الزيادة لا على عزم الرد أو أظهر التوقف لئلا يكثر الإقدام على ~~الرواية عن تساهل، ويجب حمله على شيء من ذلك؛ إذ ثبت منه قطعا قبول خبر ~~الواحد وترك الإنكار على القائلين به. # وأما رد حديث عثمان في حق الحكم بن أبي العاص فلأنه خبر عن إثبات حق لشخص ~~فهو كالشهادة لا تثبت بقول واحد، أو توقف لأجل قرابة عثمان من الحكم وقد ~~كان # PageV01P122 # معروفا بأنه كلف بأقاربه فتوقف تنزيها لعرضه ومنصبه من أن يقول متعنت: ~~إنما قال ذلك لقرابته حتى ثبت ذلك بقول غيره، أو لعلهما توقفا ليسنا للناس ~~التوقف في حق القريب الملاطف ليتعلم منهما التثبت في مثله. # وأما خبر أبي موسى في الاستئذان فقد كان محتاجا إليه ليدفع به سياسة عمر ~~عن نفسه لما ms190 انصرف عن بابه بعد أن قرع ثلاثا كالمترفع عن المثول ببابه، ~~فخاف أن يصير ذلك طريقا لغيره إلى أن يروي الحديث على حسب غرضه بدليل أنه ~~لما رجع مع أبي سعيد الخدري وشهد له قال عمر: إني لم أتهمك ولكني خشيت أن ~~يتقول الناس على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # ويجوز للإمام التوقف مع انتفاء التهمة لمثل هذه المصلحة، كيف ومثل هذه ~~الأخبار لا تساوي في الشهرة والصحة أحاديثنا في نقل القول عنهم؟ وأما رد ~~علي خبر الأشجعي فقد ذكر علته وقال: كيف نقبل قول أعرابي بوال على ` عقبيه؟ ~~بين أنه لم يعرف عدالته وضبطه، ولذلك وصفه بالجفاء وترك التنزه عن البول، ~~كما قال عمر في فاطمة بنت قيس في حديث السكنى: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا ~~لقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت. # فهذا سبيل الكلام على ما ينقل من التوقف في الأخبار. # الشبهة الثانية: تمسكهم بقوله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم} ~~[الإسراء: 36] {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} [البقرة: 169] وقوله ~~تعالى {وما شهدنا إلا بما علمنا} [يوسف: 81] وقوله تعالى: {إن جاءكم فاسق ~~بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة} [الحجرات: 6] والجهالة في قول العدل ~~حاصلة. # وهذا باطل من أوجه: # الأول: أن إنكارهم القول بخبر الواحد غير معلوم ببرهان قاطع بل يجوز ~~الخطأ فيه، فهو إذا حكم بغير علم. # الثاني: أن وجوب العمل به معلوم بدليل قاطع من الإجماع فلا جهالة فيه. # الثالث: أن المراد من الآيات منع الشاهد عن جزم الشهادة بما لم يبصر ولم ~~يسمع والفتوى بما لم يرو ولم ينقله العدول. # الرابع: أن هذا لو دل على رد خبر الواحد لدل على رد شهادة الاثنين ~~والأربعة والرجل والمرأتين والحكم باليمين، فكما علم بالنص في القرآن وجوب ~~الحكم بهذه الأمور مع تجويز الكذب فكذلك بالأخبار. # الخامس: أنه يجب تحريم نصب الخلفاء والقضاة؛ لأنا نتيقن إيمانهم فضلا عن ~~ورعهم ولا نعلم طهارة إمام الصلاة عن الجنابة والحدث فليمتنع الاقتداء. ### | [الباب الثاني في شروط ms191 الراوي وصفته] # وإذا ثبت وجوب العمل بخبر الواحد فاعلم أن كل خبر فليس بمقبول وافهم أولا ~~أنا لسنا نعني بالقول التصديق ولا بالرد التكذيب، بل يجب علينا قبول قول ~~العدل وربما كان كاذبا أو غالطا، ولا يجوز قبول قول الفاسق وربما كان ~~صادقا. بل نعني بالمقبول ما يجب العمل به وبالمردود ما لا تكليف علينا في ~~العمل به والمقبول رواية كل مكلف عدل مسلم ضابط منفردا كان بروايته أو معه ~~غيره، فهذه خمسة أمور لا بد من النظر فيها. # الأول: أن رواية الواحد تقبل وإن لم تقبل شهادته، خلافا للجبائي وجماعة ~~حيث شرطوا العدد ولم يقبلوا إلا قول رجلين. ثم لا تثبت رواية كل واحد إلا ~~من رجلين آخرين وإلى أن ينتهي إلى زماننا يكثر كثرة عظيمة لا يقدر معها على ~~إثبات حديث أصلا وقال قوم: لا بد من أربعة أخذا من شهادة الزنا. # ودليل بطلان مذهبهم أنا نقول: إذا # PageV01P123 # ثبت قبول قول الآحاد مع أنه لا يفيد العلم فاشتراط العدد تحكم لا يعرف ~~إلا بنص أو قياس على منصوص ولا سبيل إلى دعوى النص وما نقل عن الصحابة من ~~طلب استظهار فهو في واقعتين أو ثلاث لأسباب ذكرناها أما ما قضوا فيه بقول ~~عائشة وحدها وقول زوجات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقول عبد الرحمن ~~بن عوف وأبي هريرة وغيرهم فهو خارج عن الحصر فقد علمنا قطعا من أحوالهم ~~قبول خبر الواحد كما علمنا قطعا رد شهادة الواحد، وإن أخذوا من قياس ~~الشهادة فهو قياس باطل إذ عرف من فعلهم الفرق ولم لا يقاس عليه في شرط ~~الحرية والذكورة واشترط في أخبار الزنا أربعة وفيما يتعلق برؤية الهلال ~~وشهادة القابلة واحد؟ والمصير إلى ذلك خرق للإجماع، ولا فرق إن وجب القياس. # الشرط الثاني: وهو الأول تحقيقا، فإن العدد ليس عندنا من الشروط وهو ~~التكليف، فلا تقبل رواية الصبي لأنه لا يخاف الله تعالى فلا وازع له من ~~الكذب فلا تحصل الثقة بقوله، وقد اتبعوا في قبول الشهادة سكون ms192 النفس وحصول ~~الظن، والفاسق أوثق من الصبي، فإنه يخاف الله تعالى وله وازع من دينه وعقله ~~والصبي لا يخاف الله تعالى أصلا فهو مردود بطريق الأولى. # والتمسك بهذا أولى من التمسك برد إقراره، وإنه إذا لم يقبل قوله فيما ~~يحكيه عن نفسه فبأن لا يقبل فيما يرويه عن غيره أولى، فإن هذا يبطل بالعبد ~~فإنه قد لا يقبل إقراره وتقبل روايته. فإن كان سببه أنه يتناول ملك السيد ~~وملك السيد معصوم عنه فملك الصبي أيضا محفوظ عنه لمصلحته، فما لا يتعلق به ~~قد يؤثر فيه قوله بل حاله حتى يجوز الاقتداء به اعتمادا على قوله إنه طاهر ~~وعلى أنه لا يصلي إلا طاهرا، لكنه كما يجوز الاقتداء بالبر والفاجر فكذلك ~~بالصبي والبالغ، وشهادة الفاسق لا تقبل والصبي أجرأ على الكذب منه. # أما إذا كان طفلا مميزا عند التحمل بالغا عند الرواية فإنه يقبل لأنه لا ~~خلل في تحمله ولا في أدائه ويدل على قبول سماعه إجماع الصحابة على قبول خبر ~~ابن عباس وابن الزبير والنعمان بن بشير وغيرهم من أحداث الصحابة من غير فرق ~~بين ما تحملوه بعد البلوغ أو قبله، وعلى ذلك درج السلف والخلف من إحضار ~~الصبيان مجالس الرواية ومن قبول شهادتهم فيما تحملوه في الصغر. # فإن قيل فقد قال بعض العلماء تقبل شهادة الصبيان في الجنايات التي تجري ~~بينهم. قلنا: ذلك منه استدلال بالقرائن إذا كثروا وأخبروا قبل التفرق، أما ~~إذا تفرقوا فيتطرق إليهم التلقين الباطل ولا وازع لهم، فمن قضى به فإنما ~~قضى به لكثرة الجنايات بينهم ولمسيس الحاجة إلى معرفته بقرائن الأحوال فلا ~~يكون ذلك على منهاج الشهادة. # الشرط الثالث: أن يكون ضابطا، فمن كان عند التحمل غير مميز أو كان مغفلا ~~لا يحسن ضبط ما حفظه ليؤديه على وجهه فلا ثقة بقوله وإن لم يكن فاسقا. # الشرط الرابع: أن يكون مسلما، ولا خلاف في أن رواية الكافر لا تقبل لأنه ~~متهم في الدين وإن كان تقبل شهادة بعضهم على بعض عند أبي حنيفة. ولا ms193 يخالف ~~في رد روايته، والاعتماد في ردها على الإجماع المنعقد على سلبه أهلية هذا ~~المنصب في الدين وإن كان عدلا في دين نفسه وهو أولى من قولنا الفاسق مردود ~~الشهادة والكفر أعظم أنواع الفسق، وقد قال تعالى. # {إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا} [الحجرات: 6] لأن الفاسق متهم ~~لجرأته على المعصية، والكافر المترهب قد لا # PageV01P124 # يتهم لكن التعويل على الإجماع في سلب الكافر هذا المنصب. فإن قيل: هذا ~~يتجه في اليهود والنصارى ومن لا يؤمن بديننا، إذ لا يليق في السياسة تحكيمه ~~في دين لا يعتقد تعظيمه، فما قولكم في الكافر المتأول وهو الذي قد قال ~~ببدعة يجب التكفير بها فهو معظم للدين وممتنع من المعصية وغير عالم بأنه ~~كافر، فلم لا تقبل روايته وقد قبل الشافعي رواية بعض أهل البدع وإن كان ~~فاسقا ببدعته لأنه متأول في فسقه؟ قلنا: في رواية المبتدع المتأول كلام ~~سيأتي، وأما الكافر وإن كان متأولا فلا تقبل روايته لأن كل كافر متأول، فإن ~~اليهودي أيضا لا يعلم كونه كافرا. # أما الذي ليس بمتأول وهو المعاند بلسانه بعد معرفة الحق بقلبه فذلك مما ~~يندر، وتورع المتأول عن الكذب كتورع النصراني فلا ينظر إليه، بل هذا المنصب ~~لا يستفاد إلا بالإسلام، وعرف ذلك بالإجماع لا بالقياس # . الشرط الخامس: العدالة قال الله تعالى {إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا} ~~[الحجرات: 6] وهذا زجر عن اعتماد قول الفاسق ودليل على شرط العدالة في ~~الرواية والشهادة، والعدالة عبارة عن استقامة السيرة والدين ويرجع حاصلها ~~إلى هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعا حتى تحصل ~~ثقة النفوس بصدقه، فلا ثقة بقول من لا يخاف الله تعالى خوفا وازعا عن ~~الكذب. # ثم لا خلاف في أنه يشترط العصمة من جميع المعاصي. ولا يكفي أيضا اجتناب ~~الكبائر بل من الصغائر ما يرد به كسرقة بصلة وتطفيف في حبة قصدا. وبالجملة ~~كل ما يدل على ركاكة دينه إلى حد يستجرئ على الكذب بالأعراض الدنيوية، كيف ~~وقد شرط في العدالة التوقي عن بعض ms194 المباحات الفادحة في المروءة نحو الأكل ~~في الطريق والبول في الشارع وصحبة الأراذل وإفراط المزح؟ والضابط في ذلك ~~فيما جاوز محل الإجماع أن يرد إلى اجتهاد الحاكم، فما دل عنده على جراءته ~~على الكذب رد الشهادة به وما لا فلا، وهذا يختلف بالإضافة إلى المجتهدين، ~~وتفصيل ذلك من الفقه لا من الأصول. # ورب شخص يعتاد الغيبة ويعلم الحاكم أن ذلك له طبع لا يصبر عنه، ولو حمل ~~على شهادة الزور لم يشهد أصلا، فقبوله شهادته بحكم اجتهاده جائز في حقه، ~~ويختلف ذلك بعادات البلاد واختلاف أحوال الناس في استعظام بعض الصغائر دون ~~بعض. # ويتفرع عن هذا الشرط مسألتان: # مسألة: قال بعض أهل العراق، العدالة عبارة عن إظهار الإسلام فقط مع ~~سلامته عن فسق ظاهر فكل مسلم مجهول عنده عدل، وعندنا لا تعرف عدالته إلا ~~بخبرة باطنة والبحث عن سيرته وسريرته. # ويدل على بطلان ما قالوه أمور: # الأول: أن الفاسق مردود الشهادة والرواية بنص القرآن ولعلمنا بأن دليل ~~قبول خبر الواحد قبول الصحابة إياه وإجماعهم ولم ينقل ذلك عنهم إلا في ~~العدل، والفاسق لو قبلت روايته لقبل بدليل الإجماع أو بالقياس على العدل ~~المجمع عليه، ولا إجماع في الفاسق ولا هو في معنى العدل في حصول الثقة ~~بقوله، فصار الفسق مانعا من الرواية كالصبا والكفر وكالرق في الشهادة، ~~ومجهول الحال في هذه الخصال لا يقبل قوله فكذلك مجهول الحال في الفسق لأنه ~~إن كان فاسقا فهو مردود الرواية وإن كان عدلا فغير مقبول أيضا للجهل به، ~~كما لو شككنا في صباه ورقه وكفره، ولا فرق. # الثاني: أنه لا تقبل شهادة المجهول وكذلك روايته، وإن منعوا شهادة المال ~~فقد سلموا شهادة # PageV01P125 # العقوبات. # ثم المجهول مردود في العقوبات، وطريق الثقة في الرواية والشهادة واحد وإن ~~اختلفا في بقية الشروط # الثالث: أن المفتي المجهول الذي لا يدرى أنه بلغ رتبة الاجتهاد أم لا، لا ~~يجوز للعامي قبول قوله، وكذلك إذا لم يدر أنه عالم أم لا، بل سلموا أنه لو ~~لم تعرف عدالته وفسقه ms195 فلا يقبل، وأي فرق بين حكاية المفتي عن نفسه اجتهاده ~~وبين حكايته خبرا عن غيره. # الرابع: أن شهادة الفرع لا تسمع ما لم يعين الفرع شاهد الأصل، وهو مجهول ~~عند القاضي فلم يجب تعيينه وتعريفه إن كان قول المجهول مقبولا. # وهذا رد على من قبل شهادة المجهول، ولا جواب عنه. فإن قيل: يلزمه ذكر ~~شاهد الأصل، فلعل القاضي يعرفه بفسق فيرد شهادته. قلنا: إذا كان حد العدالة ~~هو الإسلام من غير ظهور فسق فقد تحقق ذلك فلم يجب التتبع حتى يظهر الفسق. ~~ثم يبطل ما ذكره بالخبر المرسل، فإنهم لم يوجبوا ذكر الشيخ ولعل المروي له ~~يعرف فسقه. # الخامس: أن مستندنا في خبر الواحد عمل الصحابة وهم قد ردوا خبر المجهول، ~~فرد عمر - رضي الله عنه - خبر فاطمة بنت قيس وقال: كيف نقبل قول امرأة لا ~~ندري صدقت أم كذبت ورد علي خبر الأشجعي في المفوضة وكان يحلف الراوي، وإنما ~~يحلف من عرف من ظاهره العدالة دون الفسق. ومن رد قول المجهول منهم كان لا ~~ينكر عليه غيره فكانوا بين راد وساكت، وبمثله ظهر إجماعهم في قبول العدل إذ ~~كانوا بين قابل وساكت غير منكر ولا معترض. # السادس: ما ظهر من حال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في طلبه العدالة ~~والعفاف وصدق التقوى ممن كان ينفذه للأعمال وأداء الرسالة، وإنما طلب الأشد ~~التقوى لأنه كان قد كلفهم أن لا يقبلوا إلا قول العدل. فهذه أدلة قوية في ~~محل الاجتهاد قريبة من القطع، والمسألة اجتهادية لا قطعية. شبه الخصوم، وهي ~~أربع: # الأولى: أنه - صلى الله عليه وسلم - قبل شهادة الأعرابي وحده على رؤية ~~الهلال ولم يعرف منه إلا الإسلام. # قلنا: وكونه أعرابيا لا يمنع كونه معلوم العدالة عنده إما بالوحي وإما ~~بالخبرة وإما بتزكية من عرف حاله، فمن يسلم لكم أنه كان مجهولا عنده # الثانية: أن الصحابة قبلوا قول العبيد والنسوان والأعراب لأنهم لم ~~يعرفوهم بالفسق وعرفوهم بالإسلام. قلنا: إنما قبلوا قول أزواج رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وأزواج ms196 أصحابه وكانت عدالتهن وعدالة مواليهم مشهورة ~~عندهم وحيث جهلوا ردوا، كرد قول الأشجعي وقول فاطمة بنت قيس. # الثالثة: قولهم لو أسلم كافر وشهد في الحال أو روى، فإن قلتم لا نقبل ~~شهادته فهو بعيد، وإن قبلتم فلا مستند للقبول إلا إسلامه وعدم معرفة الفسق ~~منه، فإذا انقضت مدة ولم نعرف منه فسقا لطول مدة إسلامه لم نوجب رده. قلنا: ~~لا نسلم قبول روايته فقد يسلم الكذوب ويبقى على طبعه، فما لم نطلع على خوف ~~في قلبه وازع عن الكذب لا نقبل شهادته، والتقوى في القلب وأصله الخوف وإنما ~~تدل عليه أفعاله في مصادره وموارده فإن سلمنا قبول روايته فذلك لطرق إسلامه ~~وقرب عهده بالدين، وشتان بين من هو في طراوته وبدايته وبين من قسا قلبه ~~بطول الإلف. # فإن قيل: إذا رجعت العدالة إلى هيئة باطنة في النفس وأصلها الخوف، وذلك ~~لا يشاهد بل يستدل عليه بما ليس بقاطع، بل هو مغلب على الظن، فأصل ذلك ~~الخوف هو الإيمان، فذلك يدل على الخوف دلالة - # PageV01P126 # ظاهرة فلنكتف به. قلنا: لا يدل عليه، فإن المشاهدة والتجربة دلت على أن ~~عدد فساق المؤمنين أكثر من عدد عدولهم، فكيف نشكك نفوسنا فيما عرفناه ~~يقينا؟ ثم هلا اكتفي بذلك في شهادة العقوبات وشهادة الأصل وحال المفتي في ~~العدالة وسائر ما سلموه # الرابعة: قولهم: يقبل قول المسلم المجهول في كون اللحم لحم ذكي وكون ~~الماء في الحمام طاهرا وكون الجارية المبيعة رقيقة غير متزوجة ولا معتدة ~~حتى يحل الوطء بقوله، وقول المجهول في كونه متطهرا للصلاة عن الحدث ~~والجنابة إذا أم الناس، وكذلك قول من يخبر عن نجاسة الماء وطهارته بناء على ~~ظاهر الإسلام، وكذلك قول من يخبر الأعمى عن القبلة. # قلنا: أما قول العاقد فمقبول لا لكونه مجهولا لكنه مع ظهور الفسق، وذلك ~~رخصة لكثرة الفساق ولمسيس حاجتهم إلى المعاملات، وكذلك جواز الاقتداء بالبر ~~والفاجر فلا يشترط الستر، أما الخبر عن القبلة وعن طهارة الماء فما لم يحصل ~~سكون النفس بقول المخبر فلا يجب قبوله، والمجهول ms197 لا تسكن النفس إليه بل ~~سكون النفس إلى قول فاسق جرب باجتناب الكذب أغلب منه إلى قول المجهول وما ~~يخص العبد بينه وبين الله تعالى فلا يبعد أن يرد إلى سكون نفسه. # فأما الرواية والشهادة فأمرهما أرفع وخطرهما عام، فلا يقاسان على غيرهما، ~~وهذه صور ظنية اجتهادية، أما رد خبر الفاسق والمجهول فقريب من القطع. ### | [مسألة الفاسق المتأول] # وهو الذي لا يعرف فسق نفسه اختلفوا في شهادته وقد قال الشافعي أقبل شهادة ~~الحنفي وأحده إذا شرب النبيذ؛ لأن هذا فسق غير مقطوع به إنما المقطوع به ~~فسق الخوارج الذين استباحوا الديار وقتلوا الذراري وهم لا يدرون أنهم فسقة. # وقد قال الشافعي تقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية من الرافضة لأنهم ~~يرون الشهادة بالزور لموافقيهم في المذهب. واختار القاضي أنه لا تقبل رواية ~~المبتدع وشهادته لأنه فاسق بفعله وبجهله بتحريم فعله ففسقه مضاعف، وزعم أن ~~جهله بفسق نفسه كجهله بكفر نفسه ورق نفسه. ومثار هذا الخلاف أن الفسق يرد ~~الشهادة لأنه نقصان منصب يسلب الأهلية كالكفر والرق أو هو مردود القول ~~للتهمة، فإن كان للتهمة فالمبتدع متورع عن الكذب فلا يتهم، وكلام الشافعي ~~مشير إلى هذا وهو في محل الاجتهاد، فمذهب أبي حنيفة أن الكفر والفسق لا ~~يسلبان الأهلية بل يوجبان التهمة ولذلك قبل شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض، ~~ومذهب القاضي أن كليهما نقصان منصب يسلب الأهلية، ومذهب الشافعي أن الكفر ~~نقصان والفسق موجب للرد للتهمة، وهذا هو الأغلب على الظن عندنا. # فإن قيل: هذا مشكل على الشافعي من وجهين أحدهما أنه قضى بأن النكاح لا ~~ينعقد بشهادة الفاسق وذلك لسلب الأهلية، الثاني: أنه إن كان للتهمة فإذا ~~غلب على ظن القاضي صدقه فليقبل قلنا: أما الأول فمأخذه قوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» وأما الثاني فسببه أن الظنون ~~تختلف، وهو أمر خفي ناطه الشرع بسبب ظاهر وهو عدد مخصوص ووصف مخصوص وهو ~~العدالة، فيجب اتباع السبب الظاهر دون المعنى الخفي كما في العقوبات وكما ms198 ~~في رد شهادة الوالد لأحد ولديه على الآخر، فإنه قد يتهم وترد شهادته # PageV01P127 # لأن الأبوة مظنة للتهمة فلا ينظر إلى الحال، وإنما مظنة التهمة ارتكاب ~~الفسق مع المعرفة دون من لا يعرف ذلك. # ويدل أيضا على مذهب الشافعي قبول الصحابة قول الخوارج في الأخبار ~~والشهادة وكانوا فسقة متأولين وعلى قبول ذلك درج التابعون لأنهم متورعون عن ~~الكذب جاهلون بالفسق. فإن قيل: فهل يمكن دعوى الإجماع في ذلك؟ قلنا: لا، ~~فإنا نعلم أن عليا والأئمة قبلوا قول قتلة عثمان والخوارج، لكن لا نعلم ذلك ~~من جميع الصحابة فلعل فيهم من أضمر إنكارا لكن لم يرد على الإمام في محل ~~الاجتهاد، فكيف ولو قبل جميعهم خبرهم فلا يثبت أن جميعهم اعتقدوا فسقهم؟ ~~وكيف يفرض والخوارج من جملة أهل الإجماع وما اعتقدوا فسق أنفسهم بل فسق ~~خصومهم وفسق عثمان وطلحة ووافقهم عليه عمار بن ياسر وعدي بن حاتم وابن ~~الكواء والأشتر النخعي وجماعة من الأمراء وعلي في تقية من الإنكار عليهم ~~خوف الفتنة؟ فإن قيل لو لم يعتقدوا فسق الخوارج لفسقوا. # قلنا على أنهم اعتقدوا رد خبر الفاسق للتهمة ولم يتهموا المتأول، والله ~~أعلم. ### | [خاتمة جامعة للرواية والشهادة] # : اعلم أن التكليف والإسلام والعدالة والضبط يشترك فيه الرواية والشهادة، ~~فهذه أربعة. أما الحرية والذكورة والبصر والقرابة والعدد والعداوة فهذه ~~الستة تؤثر في الشهادة دون الرواية؛ لأن الرواية حكمها عام لا يختص بشخص ~~حتى تؤثر فيه الصداقة والقرابة والعداوة، فيروي أولاد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عنه، ويروي كل ولد عن والده، والضرير الضابط للصوت تقبل روايته ~~وإن لم تقبل شهادته، إذ كانت الصحابة يروون عن عائشة اعتمادا على صوتها وهم ~~كالضرير في حقها. # ولا يشترط كون الراوي عالما فقيها سواء خالف ما رواه القياس أو وافق، إذ ~~رب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، فلا يشترط إلا ~~الحفظ. ولا يشترط مجالسة العلماء وسماع الأحاديث، بل قبلت الصحابة قول ~~أعرابي لم يرو إلا حديثا واحدا. # نعم إذا عارضه ms199 حديث العالم الممارس ففي الترجيح نظر سيأتي. ولا تقبل ~~رواية من عرف باللعب والهزل في أمر الحديث أو بالتساهل في أمر الحديث أو ~~بكثرة السهو فيه، إذ تبطل الثقة بجميع ذلك، أما الهزل والتساهل في حديث ~~نفسه فقد لا يوجب الرد. ولا يشترط كون الراوي معروف النسب، بل إذا عرف ~~عدالة شخص بالخبرة قبل حديثه وإن لم يكن له نسب فضلا عن أن يكون لا يعرف ~~نسبه، ولو روى عن مجهول العين لم نقبله بل من يقبل رواية المجهول صفته لا ~~يقبل رواية المجهول عينه؛ إذ لو عرف عينه ربما عرفه بالفسق بخلاف من عرف ~~عينه ولم يعرفه بالفسق، فلو روى عن شخص ذكر اسمه مردد بين مجرح وعدل فلا ~~يقبل لأجل التردد. ### | [الباب الثالث في الجرح والتعديل وفيه أربعة فصول] ### | [الفصل الأول في عدد المزكي] # الباب الثالث: في الجرح والتعديل وفيه أربعة فصول: الأول: في عدد المزكي. # وقد اختلفوا فيه، فشرط بعض المحدثين العدد في المزكي والجارح كما في مزكي ~~الشاهد وقال القاضي لا يشترط العدد في تزكية الشاهد ولا في تزكية الراوي ~~وإن كان الأحوط في الشهادة الاستظهار بعد المزكي وقال قوم: يشترط في ~~الشهادة # PageV01P128 # دون الرواية، وهذه مسألة فقهية. والأظهر عندنا أنه يشترط في الشهادة دون ~~الرواية، وهذا لأن العدد الذي تثبت به الرواية لا يزيد على نفس الرواية. ~~فإن قيل: صح من الصحابة قبول رواية الواحد ولم يصح قبول تزكية الواحد فيرجع ~~فيه إلى قياس الشرع. قلنا: نحن نعلم مما فعلوه كثيرا مما لم يفعلوه، إذ ~~نعلم أنهم كما قبلوا حديث الصديق - رضي الله عنه - كانوا يقبلون تعديله لمن ~~روى الحديث. وكيف يزيد شرط الشيء على أصله. والإحصان يثبت بقول اثنين، وإن ~~لم يثبت الزنا إلا بأربعة ولم يقس عليه. وكذلك نقول: تقبل تزكية العبد ~~والمرأة في الرواية كما تقبل روايتهما. وهذه مسائل فقهية ثبتت بالمقاييس ~~الشبهية فلا معنى للإطناب فيها في الأصول. ### | [الفصل الثاني سبب الجرح والتعديل] # الفصل الثاني: في ذكر سبب الجرح والتعديل. # قال ms200 الشافعي: يجب ذكر سبب الجرح دون التعديل، إذ قد يجرح بما لا يراه ~~جارحا لاختلاف المذاهب فيه، وأما العدالة فليس لها إلا سبب واحد وقال قوم ~~مطلق الجرح يبطل الثقة، ومطلق التعديل لا يحصل الثقة لتسارع الناس إلى ~~البناء على الظاهر، فلا بد من ذكر سببه. وقال قوم: لا بد من السبب فيهما ~~جميعا أخذا بمجامع كلام الفريقين. وقال القاضي: لا يجب ذكر السبب فيهما ~~جميعا؛ لأنه إن لم يكن بصيرا بهذا الشأن فلا يصلح للتزكية، وإن كان بصيرا ~~فأي معنى للسؤال؟ والصحيح عندنا أن هذا يختلف باختلاف حال المزكي، فمن حصلت ~~الثقة ببصيرته وضبطه يكتفى بإطلاقه، ومن عرفت عدالته في نفسه ولم تعرف ~~بصيرته بشروط العدالة فقد نراجعه إذا فقدنا عالما بصيرا به، وعند ذلك ~~نستفصله. أما إذا تعارض الجرح والتعديل قدمنا الجرح، فإن الجارح اطلع على ~~زيادة ما اطلع عليها المعدل ولا نفاها، فإن نفاها بطلت عدالة المزكي إذ ~~النفي لا يعلم إلا إذا جرحه بقتل إنسان فقال المعدل: رأيته حيا بعده ~~تعارضا. وعدد المعدل إذا زاد قيل إنه يقدم على الجارح. وهو ضعيف؛ لأن سبب ~~تقديم الجرح اطلاع الجارح على مزيد ولا ينتفي ذلك بكثرة العدد. ### | [الفصل الثالث في نفس التزكية] # وذلك إما بالقول، أو بالرواية عنه، أو بالعمل بخبره، أو بالحكم بشهادته، ~~فهذه أربعة أعلاها صريح القول. وتمامه أن يقول: هو عدل رضا لأني عرفت منه ~~كيت وكيت. فإن لم يذكر السبب وكان بصيرا بشروط العدالة كفى. الثانية أن ~~يروي عنه خبرا. وقد اختلفوا في كونه تعديلا، والصحيح أنه إن عرف من عادته ~~أو بصريح قوله أنه لا يستجيز الرواية إلا من عدل كانت الرواية تعديلا وإلا ~~فلا، إذ من عادة أكثرهم الرواية من كل من سمعوه، ولو كلفوا الثناء عليهم ~~سكتوا، فليس في روايته ما يصرح بالتعديل. فإن قيل: لو عرفه بالفسق ثم روى ~~عنه كان غاشا في الدين. قلنا: لم نوجب على غيره العمل، لكن قال: سمعت فلانا ~~قال كذا وصدق فيه، ثم لعله ms201 لم يعرفه بالفسق ولا العدالة فروى ووكل البحث ~~إلى من أراد القبول. # الثالثة: العمل بالخبر إن أمكن حمله على الاحتياط أو على العمل بدليل آخر ~~وافق الخبر فليس بتعديل، وإن عرفنا يقينا أنه عمل بالخبر فهو تعديل، إذ لو ~~عمل بخبر غير العدل لفسق وبطلت عدالته. فإن قيل لعله ظن أن مجرد الإسلام مع ~~عدم الفسق عدالة. قلنا: هذا يتطرق إلى التعديل بالقول، ونحن نقول العمل # PageV01P129 # كالقول، وهذا الاحتمال ينقطع بذكر سبب العدالة. # وما ذكرناه تفريع على الاكتفاء بالتعديل المطلق، إذ لو شرط ذكر السبب ~~لشرط في شهادة البيع والنكاح عد جميع شرائط الصحة، وهو بعيد. فإن قيل: لعله ~~عرفه عدلا ويعرفه غيره بالفسق. قلنا: من عرفه لا جرم لا يلزمه العمل به، ~~كما لو عدل جريحا. الرابعة: أن يحكم بشهادته، فذلك أقوى من تزكيته بالقول. # أما ترك الحكم بشهادته وبخبره فليس جرحا؛ إذ قد يتوقف في شهادة العدل ~~وروايته لأسباب سوى الجرح، كيف وترك العمل لا يزيد على الجرح المطلق وهو ~~غير مقبول عند الأكثرين؟ وبالجملة إن لم ينقدح وجه لتزكية العمل من تقديم ~~أو دليل آخر فهو كالجرح المطلق. ### | [الفصل الرابع في عدالة الصحابة] # - رضي الله عنهم - # والذي عليه سلف الأمة، وجماهير الخلف، أن عدالتهم معلومة بتعديل الله عز ~~وجل إياهم وثنائه عليهم في كتابه، فهو معتقدنا فيهم إلا أن يثبت بطريق قاطع ~~ارتكاب واحد لفسق مع علمه به، وذلك مما لا يثبت فلا حاجة لهم إلى التعديل ~~قال الله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} [آل عمران: 110] وقال تعالى: ~~{وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس} [البقرة: 143] وهو خطاب ~~مع الموجودين في ذلك العصر. # وقال تعالى: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة} [الفتح: ~~18] وقال عز وجل: {والسابقون الأولون} [التوبة: 100] وقد ذكر الله تعالى ~~المهاجرين والأنصار في عدة مواضع وأحسن الثناء عليهم، وقال: - صلى الله ~~عليه وسلم - " خير الناس قرني ثم الذين يلونهم " وقال: - صلى الله عليه ~~وسلم - «لو أنفق أحدكم ملء الأرض ذهبا ms202 ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» وقال - ~~صلى الله عليه وسلم -: «إن الله اختار لي أصحابا وأصهارا وأنصارا» . # فأي تعديل أصح من تعديل علام الغيوب - سبحانه - وتعديل رسوله - صلى الله ~~عليه وسلم -؟ كيف ولو لم يرد الثناء لكان فيما اشتهر وتواتر من حالهم في ~~الهجرة والجهاد وبذل المهج والأموال وقتل الآباء والأهل في موالاة رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ونصرته كفاية في القطع بعدالتهم؟ وقد زعم قوم ~~أن حالهم كحال غيرهم في لزوم البحث. وقال قوم: حالهم العدالة في بداية ~~الأمر إلى ظهور الحرب والخصومات، ثم تغير الحال وسفكت الدماء فلا بد من ~~البحث. # وقال جماهير المعتزلة عائشة وطلحة والزبير وجميع أهل العراق والشام فساق ~~بقتال الإمام الحق. وقال قوم من سلف القدرية: يجب رد شهادة علي وطلحة ~~والزبير مجتمعين ومفترقين لأن فيهم فاسقا لا نعرفه بعينه. وقال قوم: نقبل ~~شهادة كل واحد إذا انفرد لأنه لم يتعين فسقه، أما إذا كان مع مخالفه فشهدا ~~ردا إذ نعلم أن أحدهما فاسق. # وشك بعضهم في فسق عثمان وقتلته. وكل هذا جراءة على السلف على خلاف السنة، ~~بل قال قوم: ما جرى بينهم ابتني على الاجتهاد وكل مجتهد مصيب، أو المصيب ~~واحد، والمخطئ معذور لا ترد شهادته، وقال قوم: ليس ذلك مجتهدا فيه، ولكن ~~قتلة عثمان والخوارج مخطئون قطعا لكنهم جهلوا خطأهم وكانوا متأولين، ~~والفاسق المتأول لا ترد روايته، وهذا أقرب من المصير إلى سقوط تعديل القرآن ~~مطلقا. # فإن قيل: القرآن أثنى على الصحابة، فمن الصحابي؟ أمن عاصر رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أو من لقيه مرة أو من صحبه ساعة أو من طالت صحبته؟ ~~وما حد # PageV01P130 # طولها؟ قلنا: الاسم لا يطلق إلا على من صحبه. # ثم يكفي للاسم من حيث الوضع الصحبة ولو ساعة، ولكن العرف يخصص الاسم بمن ~~كثرت صحبته، ويعرف ذلك بالتواتر والنقل الصحيح وبقول الصحابي كثرت صحبتي، ~~ولا حد لتلك الكثرة بتقدير بل بتقريب. ### | [الباب الرابع في مستند الراوي وكيفية ضبطه] ### | [مراتب الرواية] # الباب الرابع في ms203 مستند الراوي وكيفية ضبطه. # ومستنده إما قراءة الشيخ عليه، أو قراءته على الشيخ، أو إجازته، أو ~~مناولته، أو رؤيته بخطه في كتاب، فهي خمس مراتب. # الأولى وهي الأعلى: قراءة الشيخ في معرض الإخبار ليروى عنه وذلك يسلط ~~الراوي على أن يقول " حدثنا " و " أخبرنا " و " قال فلان " و " سمعته يقول ~~". # الثانية: أن يقرأ على الشيخ وهو ساكت، فهو كقول " هذا صحيح " فتجوز ~~الرواية به خلافا لبعض أهل الظاهر؛ إذ لو لم يكن صحيحا لكان سكوته وتقريره ~~عليه فسقا قادحا في عدالته، ولو جوزنا ذلك لجوزنا أن يكذب إذا نطق بكونه ~~صحيحا. # نعم لو كان ثم مخيلة قلة اكتراث أو غفلة فلا يكفي السكوت، وهذا يسلط ~~الراوي على أن يقول " أخبرنا وحدثنا فلان قراءة عليه ". أما قوله حدثنا " ~~مطلقا أو " سمعت فلانا اختلفوا فيه، والصحيح أنه لا يجوز لأنه يشعر بالنطق؛ ~~لأن الخبر والحديث والمسموع كل ذلك نطق، وذلك منه كذب إلا إذا علم بصريح ~~قوله أو بقرينة حاله أنه يريد به القراءة على الشيخ دون سماع حديثه. # الثالثة: الإجازة، وهو أن يقول: " أجزت لك أن تروي عني الكتاب الفلاني أو ~~ما صح عندك من مسموعاتي " وعند ذلك يجب الاحتياط في تعيين المسموع، أما إذا ~~اقتصر على قوله: " هذا مسموعي من فلان " فلا تجوز الرواية عنه؛ لأنه لم ~~يأذن في الرواية، فلعله لا يجوز الرواية لخلل يعرفه فيه وإن سمعه، وكذلك لو ~~قال: " عندي شهادة " لا يشهد ما لم يقل: " أذنت لك في أن تشهد على شهادتي " ~~أو لم تقم تلك الشهادة في مجلس الحكم؛ لأن الرواية شهادة والإنسان قد ~~يتساهل في الكلام، لكن عند جزم الشهادة قد يتوقف. # ثم الإجازة تسلط الراوي على أن يقول: حدثنا وأخبرنا إجازة. أما قوله: " ~~حدثنا " مطلقا جوزه قوم، وهو فاسد لأنه يشعر بسماع كلامه وهو كذب كما ~~ذكرناه في القراءة على الشيخ. # الرابعة: المناولة، وصورته أن يقول: " خذ هذا الكتاب وحدث به عني فقد ~~سمعته من فلان " ومجرد المناولة دون هذا اللفظ لا معنى ms204 له، وإذا وجد هذا ~~اللفظ فلا معنى للمناولة فهو زيادة تكلف أحدثه بعض المحدثين بلا فائدة، كما ~~يجوز رواية الحديث بالإجازة فيجب العمل به خلافا لبعض أهل الظاهر؛ لأن ~~المقصود معرفة صحة الخبر لا عين الطريق المعرف. # وقوله: " هذا الكتاب مسموعي فاروه عني " في التعريف كقراءته والقراءة ~~عليه، وقولهم: " إنه قادر على أن يحدثه به " فهو كذلك، لكن أي حاجة إليه؟ ~~ويلزم أن لا تصح القراءة عليه لأنه قادر على القراءة بنفسه، ويجب أن لا ~~يروي في حياة الشيخ لأنه قادر على الرجوع إلى الأصل كما في الشهادة، فدل أن ~~هذا لا يعتبر في الرواية. الخامسة: الاعتماد على الخط بأن يرى مكتوبا بخطه ~~" إني سمعت على فلان كذا " فلا يجوز أن يروي عنه لأن روايته شهادة عليه ~~بأنه قاله. # والخط لا يعرفه هذا، نعم يجوز أن يقول: " رأيت مكتوبا في كتاب بخط ظننت ~~أنه خط فلان "، فإن الخط أيضا قد يشبه الخط. أما إذا قال: " هذا خطي " قبل ~~قوله: " ولكن " لا يروي عنه ما لم يسلطه على الرواية بصريح قوله أو بقرينة ~~حاله في الجلوس لرواية الحديث. # أما إذا # PageV01P131 # قال عدل: " هذه نسخة صحيحة من صحيح البخاري " مثلا فرأى فيه حديثا، فليس ~~له أن يروي عنه، لكن هل يلزمه العمل؟ إن كان مقلدا فعليه أن يسأل المجتهد، ~~وإن كان مجتهدا فقال قوم: لا يجوز له العمل به ما لم يسمعه. وقال قوم: إذا ~~علم صحة النسخة بقول عدل جاز العمل، لأن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - كانوا يحملون صحف الصدقات إلى البلاد وكان الخلق يعتمدون تلك الصحف ~~بشهادة حامل الصحف بصحته دون أن يسمعه كل واحد منه، فإن ذلك يفيد سكون ~~النفس وغلبة الظن. # وعلى الجملة فلا ينبغي أن يروي إلا ما يعلم سماعه أولا وحفظه وضبطه إلى ~~وقت الأداء، بحيث يعلم أن ما أداه هو الذي سمعه ولم يتغير منه حرف، فإن شك ~~في شيء منه فليترك الرواية. ### | [مسألة الشك في مسموعاته عن الزهري مثلا حديث واحد ms205 شك أنه سمعه من الزهري أم لا] # ويتفرع عن هذا الأصل مسائل # مسائل إذا كان في مسموعاته عن الزهري مثلا حديث واحد شك أنه سمعه من ~~الزهري أم لا، لم يجز له أن يقول: " سمعت الزهري " ولا أن يقول: " قال ~~الزهري "، لأن قوله: " قال الزهري " شهادة على الزهري، فلا يجوز إلا عن ~~علم، فلعله سمعه من غيره فهو كمن سمع إقرارا ولم يعلم أن المقر زيد أو ~~عمرو، فلا يجوز أن يشهد على زيد، بل نقول: لو سمع مائة حديث من شيخ وفيها ~~حديث واحد علم أنه لم يسمعه ولكنه التبس عليه عينه فليس له روايته، بل ليس ~~له رواية شيء من الأحاديث عنه، إذ ما من حديث إلا ويمكن أن يكون هو الذي لم ~~يسمعه. # ولو غلب على ظنه في حديث أنه مسموع من الزهري لم تجز الرواية بغلبة الظن ~~وقال قوم: يجوز؛ لأن الاعتماد في هذا الباب على غلبة الظن. # وهو بعيد؛ لأن الاعتماد في الشهادة على غلبة الظن ولكن في حق الحاكم فإنه ~~لا يعلم صدق الشاهد. أما الشاهد فينبغي أن يتحقق لأن تكليفه أن لا يشهد إلا ~~على المعلوم فيما تمكن فيه المشاهدة ممكن، وتكليف الحاكم أن لا يحكم إلا ~~بصدق الشاهد محال، وكذلك الراوي لا سبيل له إلى معرفة صدق الشيخ ولكن له ~~طريق إلى معرفة قوله بالسماع، فإذا لم يتحقق فينبغي أن لا يروي. # فإن قيل: فالواحد في عصرنا يجوز أن يقول " قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - " ولا يتحقق ذلك. قلنا: لا طريق له إلى تحقق ذلك ولا يفهم من قوله: ~~" قال رسول الله " - صلى الله عليه وسلم - أنه سمعه، لكن يفهم منه أنه سمع ~~هذا الحديث من غيره أو رواه في كتاب يعتمد عليه وكل من سمع ذلك لا يلزمه ~~العمل به لأنه مرسل لا يدري من أين يقوله، وإنما يلزم العمل إذا ذكر مستنده ~~حتى ينظر في حاله وعدالته والله أعلم. ### | [مسألة إذا أنكر الشيخ الحديث إنكار جاحد قاطع بكذب ms206 الراوي ولم يعمل به] # إذا أنكر الشيخ الحديث إنكار جاحد قاطع بكذب الراوي ولم يعمل به لم يصر ~~الراوي مجروحا؛ لأن الجرح ربما لا يثبت بقول واحد ولأنه مكذب شيخه كما أن ~~شيخه مكذب له وهما عدلان، فهما كبينتين متكاذبتين، فلا يوجب الجرح. أما إذا ~~أنكر إنكار متوقف وقال: " لست أذكره " فيعمل بالخبر؛ لأن الراوي جازم أنه ~~سمعه منه وهو ليس بقاطع بتكذيبه وهما عدلان فصدقهما إذا ممكن. وذهب الكرخي ~~إلى أن نسيان الشيخ الحديث يبطل الحديث، وبنى عليه اطراح خبر الزهري «أيما ~~امرأة نكحت بغير إذن وليها» ، واستدل بأنه الأصل ولأنه ليس للشيخ أن يعمل ~~بالحديث والراوي فرعه، فكيف يعمل به؟ قلنا: للشيخ أن يعمل به إذا روى العدل ~~له عنه، فإن بقي شك له مع رواية العدل فليس له العمل به، وعلى # PageV01P132 # الراوي العمل إذا قطع بأنه سمع، وعلى غيرهما العمل جمعا بين تصديقهما. ~~والحاكم يجب عليه العمل بقول الشاهد المزور الظاهر العدالة ويحرم على ~~الشاهد. ويجب على العامي العمل بفتوى المجتهد وإن تغير اجتهاده إذا لم يعلم ~~تغير اجتهاده، والمجتهد لا يعمل به بعد التغير لأنه علمه، فعمل كل واحد على ~~حسب حاله. وقد ذهب إلى العمل به مالك والشافعي وجماهير المتكلمين؛ وهذا لأن ~~النسيان غالب على الإنسان وأي محدث يحفظ في حينه جميع ما رواه في عمره؟ ~~فصار كشك الشيخ في زيادة في الحديث أو في إعراب في الحديث، فإن ذلك لما لم ~~يبطل الحديث لكثرة وقوع الشك فيه فكذلك أصل الحديث. ### | [مسألة انفراد الثقة بزيادة في الحديث] # عن جماعة النقلة مقبول عند الجماهير سواء كانت الزيادة من حيث اللفظ أو ~~من حيث المعنى؛ لأنه لو انفرد بنقل حديث عن جميع الحفاظ لقبل، فكذلك إذا ~~انفرد بزيادة لأن العدل لا يتهم بما أمكن. فإن قيل: يبعد انفراده بالحفظ مع ~~إصغاء الجميع. قلنا تصديق الجميع أولى إذا كان ممكنا وهو قاطع بالسماع ~~والآخرون ما قطعوا بالنفي، فلعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - ذكره في ~~مجلسين: فحيث ذكر ms207 الزيادة لم يحضر إلا الواحد أو كرر في مجلس واحد وذكر ~~الزيادة في إحدى الكرتين ولم يحضر إلا الواحد. ويحتمل أن يكون راوي النقص ~~دخل في أثناء المجلس فلم يسمع التمام، أو اشتركوا في الحضور ونسوا الزيادة ~~إلا واحدا، أو طرأ في أثناء الحديث سبب شاغل مدهش فغفل به البعض عن الإصغاء ~~فيختص بحفظ الزيادة المقبل على الإصغاء، أو عرض لبعض السامعين خاطر شاغل عن ~~الزيادة أو عرض له مزعج يوجب قيامه قبل التمام، فإذا احتمل ذلك فلا يكذب ~~العدل ما أمكن. ### | [مسألة رواية بعض الخبر] # ممتنعة عند أكثر من منع نقل الحديث بالمعنى، # ومن جوز النقل على المعنى جوز ذلك إن كان قد رواه مرة بتمامه ولم يتعلق ~~المذكور بالمتروك تعلقا يغير معناه، وأما إذا تعلق كشرط العبادة أو ركنها ~~أو ما به التمام فنقل البعض تحريف وتلبيس، أما إذا روى الحديث مرة تاما ~~ومرة ناقصا نقصانا لا يغير فهو جائز ولكن بشرط أن لا يتطرق إليه سوء الظن ~~بالتهمة، فإذا علم أنه يتهم باضطراب النقل وجب عليه الاحتراز عن ذلك. ### | [مسألة نقل الحديث بالمعنى دون اللفظ] # حرام على الجاهل بمواقع الخطاب ودقائق الألفاظ، أما العالم بالفرق بين ~~المحتمل وغير المحتمل، والظاهر والأظهر، والعام والأعم، فقد جوز له الشافعي ~~ومالك وأبو حنيفة وجماهير الفقهاء أن ينقله على المعنى إذا فهمه، وقال ~~فريق: لا يجوز إلا إبدال اللفظ بما يرادفه ويساويه في المعنى، كما يبدل ~~القعود بالجلوس والعلم بالمعرفة والاستطاعة بالقدرة والإبصار بالإحساس ~~بالبصر والحظر بالتحريم وسائر ما لا يشك فيه، وعلى الجملة ما لا يتطرق إليه ~~تفاوت بالاستنباط والفهم. # وإنما ذلك فيما فهمه قطعا لا فيما فهمه بنوع استدلال يختلف فيه الناظرون. ~~ويدل على جواز ذلك للعالم الإجماع على جواز شرح الشرع للعجم بلسانهم، فإذا ~~جاز إبدال العربية بعجمية ترادفها فلأن يجوز عربية بعربية ترادفها وتساويها ~~أولى، وكذلك كان سفراء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في # PageV01P133 # البلاد يبلغونهم أوامره بلغتهم، وكذلك من سمع شهادة الرسول - صلى الله ~~عليه ms208 وسلم - فله أن يشهد على شهادته بلغة أخرى، وهذا لأنا نعلم أنه لا تعبد ~~في اللفظ وإنما المقصود فهم المعنى وإيصاله إلى الخلق، وليس ذلك كالتشهد ~~والتكبير وما تعبد فيه باللفظ. # فإن قيل فقد قال: - صلى الله عليه وسلم - «نضر الله امرأ سمع مقالتي ~~فوعاها فأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع ورب حامل فقه ليس بفقيه ~~ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» . قلنا: هذا هو الحجة؛ لأنه ذكر العلة ~~وهو اختلاف الناس في الفقه، فما لا يختلف الناس فيه من الألفاظ المترادفة ~~فلا يمنع منه. # وهذا الحديث بعينه قد نقل بألفاظ مختلفة والمعنى واحد، وإن أمكن أن تكون ~~جميع الألفاظ قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أوقات مختلفة، لكن ~~الأغلب أنه حديث واحد ونقل بألفاظ مختلفة، فإنه روي «رحم الله امرأ» و «نضر ~~الله امرأ» وروي: «ورب حامل فقه لا فقه له» وروي «حامل فقه غير فقيه» وكذلك ~~الخطب المتحدة والوقائع المتحدة رواها الصحابة - رضي الله عنهم - بألفاظ ~~مختلفة فدل ذلك على الجواز. ### | [مسألة المرسل مقبول] # عند مالك وأبي حنيفة والجماهير. # ومردود عند الشافعي والقاضي وهو المختار وصورته أن يقول: " قال رسول الله ~~" - صلى الله عليه وسلم - من لم يعاصره أو قال من لم يعاصر أبا هريرة " قال ~~أبو هريرة " والدليل أنه لو ذكر شيخه ولم يعدله وبقي مجهولا عندنا لم ~~نقبله، فإذا لم يسمه فالجهل أتم، فمن لا يعرف عينه كيف تعرف عدالته؟ فإن ~~قيل: رواية العدل عنه تعديل. # فالجواب من وجهين: # الأول: أنا لا نسلم، فإن العدل قد يروي عمن لو سئل عنه لتوقف فيه أو ~~جرحه، وقد رأيناهم رووا عمن إذا سئلوا عنه عدلوه مرة وجرحوه أخرى أو قالوا ~~لا ندري، فالراوي عنه ساكت عن تعديله. ولو كان السكوت عن الجرح تعديلا لكان ~~السكوت عن التعديل جرحا، ولوجب أن يكون الراوي إذا جرح من روى عنه مكذبا ~~نفسه؛ ولأن شهادة الفرع ليس تعديلا للأصل ما لم يصرح. وافتراق الرواية ~~والشهادة في ms209 بعض التعبدات لا يوجب فرقا في هذا المعنى كما لم يوجب فرقا في ~~منع قبول رواية المجروح والمجهول. # وإذا لم يجز أن يقال: لا يشهد العدل إلا على شهادة عدل، لم يجز ذلك في ~~الرواية ووجب فيها معرفة عين الشيخ والأصل حتى ينظر في حالهما. فإن قيل: ~~العنعنة كافية في الرواية مع أن قوله " روى فلان عن فلان عن فلان " يحتمل ~~ما لم يسمعه فلان عن فلان، بل بلغه بواسطة ومع الاحتمال يقبل ومثل ذلك في ~~الشهادة لا يقبل. قلنا: هذا إذا لم يوجب فرقا في رواية المجهول. # والمرسل مروي عن مجهول، فينبغي أن لا يقبل. ثم العنعنة جرت العادة بها في ~~الكتبة، فإنهم استثقلوا أن يكتبوا عند كل اسم " روى عن فلان سماعا منه " ~~وشحوا على القرطاس والوقت أن يضيعوه فأوجزوا. وإنما يقبل في الرواية ذلك ~~إذا علم بصريح لفظه أو عادته أنه يريد به السماع، فإن لم يرد السماع فهو ~~متردد بين المسند والمرسل فلا يقبل. # الجواب الثاني: أنا إن سلمنا جدلا أن الرواية تعديل فتعديله المطلق لا ~~يقبل ما لم يذكر السبب، فلو صرح بأنه سمعه من عدل ثقة لم يلزم قبوله، وإن ~~سلم قبول التعديل # PageV01P134 # المطلق فذلك في حق شخص نعرف عينه ولا يعرف بفسق، أما من لم نعرف عينه ~~فلعله لو ذكره لعرفناه بفسق لم يطلع عليه المعدل، وإنما يكتفى في كل مكلف ~~بتعريف غيره عند العجز عن معرفة نفسه ولا يعلم عجزه ما لم يعرفه بعينه. # وبمثل هذه العلة لم يقبل تعديل شاهد الفرع مطلقا ما لم يعرف الأصل ولم ~~يعينه، فلعل الحاكم يعرفه بفسق وعداوة، وغيره احتجوا باتفاق الصحابة ~~والتابعين على قبول مرسل العدل، فابن عباس مع كثرة روايته قيل: إنه لم يسمع ~~من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أربعة أحاديث لصغر سنه، وصرح بذلك ~~في حديث الربا في النسيئة وقال: " حدثني به أسامة بن زيد " وروى «أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة» ms210 ، فلما روجع ~~قال: " حدثني به أخي الفضل بن عباس ". # وروى ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من صلى على ~~جنازة فله قيراط» ثم أسنده إلى أبي هريرة. وروى أبو هريرة: أن «من أصبح ~~جنبا في رمضان فلا صوم له» وقال: ما أنا قلتها ورب الكعبة. ولكن محمدا - ~~صلى الله عليه وسلم - قالها، فلما روجع قال: " حدثني به الفضل بن عباس، ~~وقال البراء بن عازب: ما كل ما نحدثكم به سمعناه من رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، لكن سمعنا بعضه وحدثنا أصحابه ببعضه. # أما التابعون فقد قال النخعي: إذا قلت حدثني فلان عن عبد الله فهو حدثني، ~~وإذا قلت قال عبد الله فقد سمعته من غير واحد. وكذلك نقل عن جماعة من ~~التابعين قبول المرسل. والجواب من وجهين، الأول: أن هذا صحيح ويدل على قبول ~~بعضهم المراسيل، والمسألة في محل الاجتهاد ولا يثبت فيها إجماع أصلا. # وفيه ما يدل على أن الجملة لم يقبلوا المراسيل ولذلك باحثوا ابن عباس ~~وابن عمر وأبا هريرة مع جلالة قدرهم لا لشك في عدالتهم ولكن للكشف عن ~~الراوي. فإن قيل: قبل بعضهم وسكت الآخرون فكان إجماعا. قلنا: لا نسلم ثبوت ~~الإجماع بسكوتهم لا سيما في محل الاجتهاد، بل لعله سكت مضمرا للإنكار أو ~~مترددا فيه. # والجواب الثاني: أن من المنكرين للمرسل من قبل مرسل الصحابي لأنهم يحدثون ~~عن الصحابة وكلهم عدول، ومنهم من أضاف إليه مراسيل التابعين لأنهم يروون عن ~~الصحابة، ومنهم من خصص كبار التابعين بقبول مرسله. # والمختار على قياس رد المرسل أن التابعي والصحابي إذا عرف بصريح خبره أو ~~بعادته أنه لا يروي إلا عن صحابي قبل مرسله، وإن لم يعرف ذلك فلا يقبل؛ ~~لأنهم قد يروون عن غير الصحابي من الأعراب الذين لا صحبة لهم، وإنما ثبتت ~~لنا عدالة أهل الصحبة. # قال الزهري بعد الإرسال: حدثني به رجل على باب عبد الملك. وقال عروة بن ~~الزبير فيما أرسله عن بسرة: حدثني به بعض الحرس. ### | [مسألة خبر الواحد ms211 فيما تعم به البلوى] # مقبول خلافا للكرخي وبعض أصحاب الرأي؛ لأن كل ما نقله العدل وصدقه فيه ~~ممكن وجب تصديقه، فمس الذكر مثلا نقله العدل وصدقه فيه ممكن فإنا لا نقطع ~~بكذب ناقله، بخلاف ما لو انفرد واحد بنقل ما تحيل العادة فيه أن لا يستفيض ~~كقتل أمير في السوق وعزل وزير وهجوم في الجامع منع الناس من الجمعة أو كخسف ~~أو زلزلة أو انقضاض كوكب عظيم وغيره من العجائب، فإن الدواعي تتوفر على ~~إشاعة جميع ذلك ويستحيل انكتامه، وكذلك القرآن لا يقبل فيه خبر الواحد ~~لعلمنا بأنه - صلى الله عليه وسلم - # PageV01P135 # تعبد بإشاعته واعتنى بإلقائه إلى كافة الخلق، فإن الدواعي تتوفر على ~~إشاعته ونقله لأنه أصل الدين، والمنفرد برواية سورة أو آية كاذب قطعا، فأما ~~ما تعم به البلوى فلا نقطع بكذب خبر الواحد فيه. # فإن قيل: بم تنكرون على من يقطع بكذبه؛ لأن الخارج من السبيلين لما كان ~~الإنسان لا ينفك عنه في اليوم والليلة مرارا وكانت الطهارة تنتقض به لا يحل ~~لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن لا يشيع حكمه ويناجي به الآحاد؛ إذ ~~يؤدي إلى إخفاء الشرع وإلى أن تبطل صلاة العباد وهم لا يشعرون، فتجب ~~الإشاعة في مثله ثم تتوفر الدواعي على نقله، وكذلك مس الذكر مما يكثر وقوعه ~~فكيف يخفى حكمه؟ قلنا: هذا يبطل أولا بالوتر وحكم الفصد والحجامة والقهقهة ~~ووجوب الغسل من غسل الميت وإفراد الإقامة وتثنيتها وكل ذلك مما تعم به ~~البلوى وقد أثبتوها بخبر الواحد. # فإن زعموا أن ليس عموم البلوى فيها كعمومها في الأحداث، فنقول: فليس عموم ~~البلوى في اللمس والمس كعمومها في خروج الأحداث، فقد يمضي على الإنسان مدة ~~لا يلمس ولا يمس الذكر إلا في حالة الحدث كما لا يفتصد ولا يحتجم إلا ~~أحيانا فلا فرق. والجواب الثاني وهو التحقيق: أن الفصد والحجامة وإن كان لا ~~يتكرر كل يوم ولكنه يكثر، فكيف أخفي حكمه حتى يؤدي إلى بطلان صلاة خلق ~~كثير؟ وإن لم يكن هو الأكثر فكيف ms212 وكل ذلك إلى الآحاد؟ ولا سبب إلا أن الله ~~تعالى لم يكلف رسوله - صلى الله عليه وسلم - إشاعة جميع الأحكام، بل كلفه ~~إشاعة البعض وجوز له رد الخلق إلى خبر الواحد في البعض، كما جوز له ردهم ~~إلى القياس في قاعدة الربا، وكان يسهل عليه أن يقول: لا تبيعوا المطعوم ~~بالمطعوم أو المكيل بالمكيل، حتى يستغنى عن الاستنباط من الأشياء الستة، ~~فيجوز أن يكون ما تعم به البلوى من جملة ما تقتضي مصلحة الخلق أن يردوا فيه ~~إلى خبر الواحد ولا استحالة فيه، وعند ذلك يكون صدق الراوي ممكنا فيجب ~~تصديقه، وليس علة الإشاعة عموم الحاجة أو ندورها، بل علته التعبد والتكليف ~~من الله، وإلا فما يحتاج إليه كثير كالفصد والحجامة كما يحتاج إليه الأكثر ~~في كونه شرعا لا ينبغي أن يخفى. # فإن قيل: فما الضابط لما تعبد الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيه ~~بالإشاعة؟ قلنا: إن طلبتم ضابطا لجوازه عقلا فلا ضابط بل لله تعالى أن يفعل ~~في تكليف رسوله من ذلك ما يشاء، وإن أردتم وقوعه فإنما يعلم ذلك من فعل ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وإذا استقرينا السمعيات وجدناها أربعة ~~أقسام، الأول: القرآن، وقد علمنا أنه عني بالمبالغة في إشاعته. # الثاني: مباني الإسلام الخمس، ككلمتي الشهادة والصلاة والزكاة والصوم ~~والحج وقد أشاعه إشاعة اشترك في معرفته العام والخاص. الثالث: أصول ~~المعاملات التي ليست ضرورية مثل أصل البيع والنكاح فإن ذلك أيضا قد تواتر، ~~بل كالطلاق والعتاق والاستيلاد والتدبير والكتابة، فإن هذا تواتر عند أهل ~~العلم وقامت به الحجة القاطعة إما بالتواتر وإما بنقل الآحاد في مشهد ~~الجماعات مع سكوتهم، والحجة تقوم به، ولكن العوام لم يشاركوا العلماء في ~~العلم، بل فرض العوام فيه القبول من العلماء. # الرابع: تفاصيل هذه الأصول، فما يفسد الصلاة والعبادات وينقض الطهارة من ~~اللمس والمس والقيء وتكرار مسح الرأس، فهذا الجنس منه ما شاع ومنه ما نقله ~~الآحاد، ويجوز أن يكون مما تعم به البلوى، # PageV01P136 # فما نقله الآحاد فلا استحالة فيه ولا ms213 مانع، فإن ما أشاعه كان يجوز أن لا ~~يتعبد فيه بالإشاعة، وما وكله إلى الآحاد كان يجوز أن يتعبد فيه بالإشاعة، ~~لكن وقوع هذه الأمور يدل على أن التعبد وقع كذلك فما كان يخالف أمر الله ~~سبحانه وتعالى في شيء من ذلك. هذا تمام الكلام في الأخبار والله أعلم. ### | [الأصل الثالث من أصول الأدلة الإجماع وفيه أبواب] ### | [الباب الأول في إثبات كون الإجماع حجة على منكريه] # الأصل الثالث من أصول الأدلة الإجماع وفيه أبواب # الباب الأول: في إثبات كونه حجة على منكريه. ومن حاول إثبات كون الإجماع ~~حجة افتقر إلى تفهيم لفظ الإجماع أولا وبيان تصوره ثانيا وبيان إمكان ~~الاطلاع عليه ثالثا وبيان الدليل على كونه حجة رابعا. أما تفهيم لفظ ~~الإجماع فإنما نعني به اتفاق أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - خاصة على أمر ~~من الأمور الدينية، ومعناه في وضع اللغة الاتفاق والإزماع، وهو مشترك ~~بينهما. فمن أزمع وصمم العزم على إمضاء أمر يقال: أجمع، والجماعة إذا ~~اتفقوا يقال: أجمعوا. وهذا يصلح لإجماع اليهود والنصارى وللاتفاق في غير ~~أمر الدين، لكن العرف خصص اللفظ بما ذكرناه. وذهب النظام إلى أن الإجماع ~~عبارة عن كل قول قامت حجته وإن كان قول واحد وهو على خلاف اللغة والعرف، ~~لكنه سواه على مذهبه إذ لم ير الإجماع حجة، وتواتر إليه بالتسامع تحريم ~~مخالفة الإجماع، فقال: هو كل قول قامت حجته. # أما الثاني، وهو تصوره: فدليل تصوره وجوده، فقد وجدنا الأمة مجمعة على أن ~~الصلوات خمس، وأن صوم رمضان واجب، وكيف يمتنع تصوره والأمة كلهم متعبدون ~~باتباع النصوص والأدلة القاطعة ومعرضون للعقاب بمخالفتها؟ فكما لا يمتنع ~~اجتماعهم على الأكل والشرب لتوافق الدواعي فكذلك على اتباع الحق واتقاء ~~النار. فإن قيل: الأمة مع كثرتها واختلاف دواعيها في الاعتراف بالحق ~~والعناد فيه كيف تتفق آراؤها؟ فذلك محال منها كاتفاقهم على أكل الزبيب مثلا ~~في يوم واحد. قلنا: لا صارف لجميعهم إلى تناول الزبيب خاصة، ولجميعهم باعث ~~على الاعتراف بالحق، كيف وقد تصور إطباق اليهود مع ms214 كثرتهم على الباطل، فلم ~~لا يتصور إطباق المسلمين على الحق؟ والكثرة إنما تؤثر عند تعارض الأشباه ~~والدواعي والصوارف، ومستند الإجماع في الأكثر نصوص متواترة وأمور معلومة ~~ضرورة بقرائن الأحوال، والعقلاء كلهم فيه على منهج واحد. نعم هل يتصور ~~الإجماع عن اجتهاد أو قياس؟ ذلك فيه كلام سيأتي إن شاء الله. # أما الثالث، وهو تصور الاطلاع على الإجماع فقد قال قوم: لو تصور إجماعهم ~~فمن الذي يطلع عليهم مع تفرقهم في الأقطار؟ فنقول: يتصور معرفة ذلك ~~بمشافهتهم إن كانوا عددا يمكن لقاؤهم، وإن لم يمكن عرف مذهب قوم بالمشافهة ~~ومذهب الآخرين بأخبار التواتر عنهم كما عرفنا أن مذهب جميع أصحاب الشافعي ~~منع قتل المسلم بالذمي وبطلان النكاح بلا ولي، ومذهب جميع النصارى التثليث، ~~ومذهب جميع المجوس التثنية. فإن قيل: مذهب أصحاب الشافعي وأبي حنيفة مستند ~~إلى قائل واحد وهو الشافعي وأبو حنيفة وقول الواحد يمكن أن يعلم وكذلك مذهب ~~النصارى يستند إلى عيسى - عليه السلام -، أما قول جماعة لا ينحصرون كيف ~~يعلم؟ قلنا وقول أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - في أمور الدين يستند إلى ~~ما فهموه من محمد - صلى الله عليه وسلم - # PageV01P137 # وسمعوه منه، ثم إذا انحصر أهل الحل والعقد فكما يمكن أن يعلم قول واحد ~~أمكن أن يعلم قول الثاني إلى العشرة، والعشرين. فإن قيل: لعل أحدا منهم في ~~أسر الكفار وبلاد الروم. قلنا: تجب مراجعته. ومذهب الأسير ينقل كمذهب غيره ~~وتمكن معرفته، فمن شك في موافقته للآخرين لم يكن متحققا للإجماع فإن قيل: ~~فلو عرف مذهبه ربما يرجع عنه بعده. قلنا: لا أثر لرجوعه بعد انعقاد ~~الإجماع، فإنه يكون محجوجا به، ولا يتصور رجوع جميعهم إذ يصير أحد ~~الإجماعين خطأ وذلك ممتنع بدليل السمع. # أما الرابع: وهو إقامة الحجة على استحالة الخطأ على الأمة، وفيه الشأن ~~كله وكونه حجة إنما يعلم بكتاب أو سنة متواترة أو عقل، أما الإجماع فلا ~~يمكن إثبات الإجماع به. وقد طمعوا في التلقي من الكتاب والسنة والعقل ~~وأقواها السنة ونحن نذكر المسالك الثلاثة. ms215 # المسلك الأول التمسك بالكتاب، وذلك قوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا ~~لتكونوا شهداء على الناس} [البقرة: 143] وقوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت ~~للناس} [آل عمران: 110] الآية. وقوله تعالى: {وممن خلقنا أمة يهدون بالحق ~~وبه يعدلون} [الأعراف: 181] وقوله تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا ~~تفرقوا} [آل عمران: 103] وقوله تعالى {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى ~~الله} [الشورى: 10] ومفهومه: أن ما اتفقتم فيه فهو حق، وقوله عز وجل: {فإن ~~تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} [النساء: 59] مفهومه: إن اتفقتم ~~فهو حق. # فهذه كلها ظواهر لا تنص على الغرض، بل لا تدل أيضا دلالة الظواهر. ~~وأقواها قوله تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير ~~سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} [النساء: 115] فإن ذلك ~~يوجب اتباع سبيل المؤمنين. وهذا ما تمسك به الشافعي وقد أطنبنا في كتاب ~~تهذيب الأصول في توجيه الأسئلة على الآية ودفعها. # والذي نراه أن الآية ليست نصا في الغرض، بل الظاهر أن المراد بها أن من ~~يقاتل الرسول ويشاقه ويتبع غير سبيل المؤمنين في مشايعته ونصرته ودفع ~~الأعداء عنه نوله ما تولى، فكأنه لم يكتف بترك المشاقة حتى تنضم إليه ~~متابعة سبيل المؤمنين في نصرته والذب عنه والانقياد له فيما يأمر وينهى. ~~وهذا هو الظاهر السابق إلى الفهم، فإن لم يكن ظاهرا فهو محتمل. # ولو فسر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الآية بذلك لقبل ولم يجعل ذلك ~~رفعا للنص، كما لو فسر المشاقة بالموافقة واتباع سبيل المؤمنين بالعدول عن ~~سبيلهم. # المسلك الثاني، وهو الأقوى: التمسك بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا ~~تجتمع أمتي على الخطأ» . وهذا من حيث اللفظ أقوى وأدل على المقصود، ولكن ~~ليس بالمتواتر كالكتاب، والكتاب متواتر، لكن ليس بنص. # فطريق تقرير الدليل أن نقول: تظاهرت الرواية عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بألفاظ مختلفة مع اتفاق المعنى في عصمة هذه الأمة من الخطأ، ~~واشتهر على لسان المرموقين والثقات من الصحابة كعمر وابن مسعود وأبي سعيد ms216 ~~الخدري وأنس بن مالك وابن عمر وأبي هريرة وحذيفة بن اليمان وغيرهم ممن يطول ~~ذكره من نحو قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تجتمع أمتي على الضلالة» ، ~~«ولم يكن الله ليجمع أمتي على الضلالة» # PageV01P138 # و «سألت الله تعالى أن لا يجمع أمتي على الضلالة فأعطانيها» ، و «من سره ~~أن يسكن بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة فإن دعوتهم تحيط من وراءهم» و «إن ~~الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد» ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - ~~«يد الله مع الجماعة ولا يبالي الله بشذوذ من شذ» و «لا تزال طائفة من أمتي ~~على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم» وروي: «لا يضرهم خلاف من خالفهم إلا ~~ما أصابهم من لأواء ومن خرج عن الجماعة أو فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ~~ربقة الإسلام من عنقه، ومن فارق الجماعة ومات فميتته جاهلية» . # وهذه الأخبار لم تزل ظاهرة في الصحابة والتابعين إلى زماننا هذا لم ~~يدفعها أحد من أهل النقل من سلف الأمة وخلفها، بل هي مقبولة من موافقي ~~الأمة ومخالفيها، ولم تزل الأمة تحتج بها في أصول الدين وفروعه. فإن قيل: ~~فما وجه الحجة، ودعوى التواتر في آحاد هذه الأخبار غير ممكن ونقل الآحاد لا ~~يفيد العلم؟ قلنا: في تقرير وجه الحجة طريقان: أحدهما: أن ندعي العلم ~~الضروري بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد عظم شأن هذه الأمة وأخبر ~~عن عصمتها عن الخطأ بمجموع هذه الأخبار المتفرقة وإن لم تتواتر آحادها، ~~وبمثل ذلك نجد أنفسنا مضطرين إلى العلم بشجاعة علي وسخاوة حاتم وفقه ~~الشافعي وخطابة الحجاج وميل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عائشة من ~~نسائه وتعظيمه صحابته وثنائه عليهم وإن لم تكن آحاد الأخبار فيها متواترة، ~~بل يجوز الكذب على كل واحد منها لو جردنا النظر إليه ولا يجوز على المجموع. # وذلك يشبه ما يعلم من مجموع قرائن آحادها لا ينفك عن الاحتمال، ولكن ~~ينتفي الاحتمال عن مجموعها حتى يحصل العلم الضروري. الطريق الثاني: أن لا ~~ندعي علم الاضطرار بل ms217 علم الاستدلال من وجهين، الأول: أن هذه الأحاديث لم ~~تزل مشهورة بين الصحابة والتابعين يتمسكون بها في إثبات الإجماع ولا يظهر ~~أحد فيها خلافا وإنكارا إلى زمان النظام، ويستحيل في مستقر العادة توافق ~~الأمم في أعصار متكررة على التسليم لما لم تقم الحجة بصحته مع اختلاف ~~الطباع وتفاوت الهمم والمذاهب في الرد والقبول، ولذلك لم ينفك حكم ثبت ~~بأخبار الآحاد عن خلاف مخالف وإبداء تردد فيه. # الوجه: أن المحتجين بهذه الأخبار أثبتوا بها أصلا مقطوعا به وهو الإجماع ~~الذي يحكم به على كتاب الله تعالى وعلى السنة المتواترة، ويستحيل في العادة ~~التسليم لخبر يرفع به الكتاب المقطوع به إلا إذا استند إلى مستند مقطوع به، ~~فأما رفع المقطوع بما ليس بمقطوع فليس معلوما، حتى لا يتعجب متعجب ولا يقول ~~قائل: كيف ترفعون الكتاب القاطع بإجماع مستند إلى خبر غير معلوم الصحة؟ ~~وكيف تذهل عنه جميع الأمة إلى زمان النظام فيختص بالتنبه له؟ هذا وجه ~~الاستدلال، وللمنكرين في معارضته ثلاثة مقامات: الرد والتأويل والمعارضة # المقام الأول: في الرد، وفيه أربعة أسئلة: # السؤال الأول: قولهم: لعل واحدا خالف هذه الأخبار وردها ولم ينقل إلينا. # قلنا: هذا أيضا تحيله العادة إذ الإجماع أعظم أصول الدين، فلو خالف فيه ~~مخالف لعظم الأمر فيه واشتهر الخلاف، إذ لم يندرس خلاف الصحابة في دية ~~الجنين ومسألة الحرام وحد الشرب. فكيف اندرس الخلاف في أصل عظيم يلزم فيه ~~التضليل والتبديع لمن أخطأ في نفيه وإثباته؟ وكيف اشتهر خلاف النظام مع ~~سقوط # PageV01P139 # قدره وخسة رتبته وخفي خلاف أكابر الصحابة والتابعين؟ هذا مما لا يتسع له ~~عقل أصلا. # السؤال الثاني: قالوا: قد استدللتم بالخبر على الإجماع، ثم استدللتم ~~بالإجماع على صحة الخبر، فهب أنهم أجمعوا على الصحة فما الدليل على أن ما ~~أجمعوا على صحته فهو صحيح وهل النزاع إلا فيه؟ قلنا: لا، بل استدللنا على ~~الإجماع بالخبر وعلى صحة الخبر بخلو الأعصار عن المدافعة والمخالفة له مع ~~أن العادة تقتضي إنكار إثبات أصل قاطع يحكم به على القواطع ms218 بخبر غير معلوم ~~الصحة، فعلمنا بالعادة كون الخبر مقطوعا به لا بالإجماع، والعادة أصل ~~يستفاد منها معارف، فإن بها يعلم بطلان دعوى معارضة القرآن واندراسها، وبها ~~يعلم بطلان دعوى نص الإمامة، وإيجاب صلاة الضحى، وصوم شوال، وأن ذلك لو كان ~~لاستحال في العادة السكوت عنه. # السؤال الثالث: قالوا: بم تنكرون على من يقول لعلهم أثبتوا الإجماع لا ~~بهذه الأخبار بل بدليل آخر؟ قلنا: قد ظهر منهم الاحتجاج بهذه الأخبار في ~~المنع من مخالفة الجماعة وتهديد من يفارق الجماعة ويخالفها. وهذا أولى من ~~أن يقال لو كان لهم فيه مستند لظهر وانتشر، فإنه قد نقل تمسكهم أيضا ~~بالآيات. # السؤال الرابع: قولهم: لما علمت الصحابة صحة هذه الأخبار لم لم يذكروا ~~طريق صحتها للتابعين حتى كان ينقطع الارتياب ويشاركونهم في العلم؟ قلنا: ~~لأنهم علموا تعريفه - عليه السلام - عصمة هذه الأمة بمجموع قرائن وأمارات ~~وتكريرات ألفاظ وأسباب دلت ضرورة على قصده إلى بيان نفي الخطأ عن هذه ~~الأمة، وتلك القرائن لا تدخل تحت الحكاية ولا تحيط بها العبارات، ولو حكوها ~~لتطرق إلى آحادها احتمالات، فاكتفوا بعلم التابعين بأن الخبر المشكوك فيه ~~لا يثبت به أصل مقطوع به ويقع التسليم في العادة به، فكانت العادة في حق ~~التابعين أقوى من الحكاية. # المقام الثاني: في التأويل. ولهم تأويلات ثلاثة، الأول: قوله: - صلى الله ~~عليه وسلم - «لا تجتمع أمتي على ضلالة» ينبئ عن الكفر والبدعة فلعله أراد ~~عصمة جميعهم عن الكفر: بالتأويل والشبهة، وقوله " على الخطأ " لم يتواتر، ~~وإن صح فالخطأ عام يمكن حمله على الكفر. # قلنا: الضلال في وضع اللسان لا يناسب الكفر، قال الله تعالى: {ووجدك ضالا ~~فهدى} [الضحى: 7] وقال تعالى إخبارا عن موسى: - عليه السلام -: {فعلتها إذا ~~وأنا من الضالين} [الشعراء: 20] وما أراد من الكافرين بل أراد من المخطئين، ~~يقال: ضل فلان عن الطريق وضل سعي فلان كل ذلك الخطأ، كيف وقد فهم ضرورة من ~~هذه الألفاظ تعظيم شأن هذه الأمة وتخصيصها بهذه الفضيلة؟ أما العصمة عن ~~الكفر فقد أنعم بها في حق ms219 علي وابن مسعود وأبي وزيد على مذهب النظام لأنهم ~~ماتوا على الحق، وكم من آحاد عصموا عن الكفر حتى ماتوا، فأي خاصية للأمة؟ ~~فدل أنه أراد ما لم يعصم عنه الآحاد من سهو وخطأ وكذب يعصم عنه الأمة ~~تنزيلا لجميع الأمة منزلة النبي - صلى الله عليه وسلم - في العصمة عن الخطأ ~~في الدين، أما في غير الدين من إنشاء حرب وصلح وعمارة بلدة فالعموم يقتضي ~~العصمة للأمة عنه أيضا، ولكن ذلك مشكوك فيه وأمر الدين مقطوع بوجوب العصمة ~~فيه كما في حق النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإنه أخطأ في أمر تأبير النخل ~~ثم قال: «أنتم أعرف بأمر دنياكم وأنا أعرف بأمر دينكم» # PageV01P140 # التأويل الثاني: قولهم غاية هذا أن يكون عاما يوجب العصمة عن كل خطأ، ~~ويحتمل أن يكون المراد به بعض أنواع الخطأ من الشهادة في الآخرة، أو ما ~~يوافق النص المتواتر أو يوافق دليل العقل دون ما يكون بالاجتهاد والقياس. ~~قلنا: لا ذاهب من الأمة إلى هذا التفصيل، إذ ما دل من العقل على تجويز ~~الخطأ عليهم في شيء دل على تجويز في شيء آخر، وإذا لم يكن فارق لم يكن ~~تخصيص بالتحكم دون دليل ولم يكن تخصيص أولى من تخصيص، وقد ذم من خالف ~~الجماعة وأمر بالموافقة، فلو لم يكن ما فيه العصمة معلوما استحال الاتباع ~~إلا إن ثبت العصمة مطلقا، وبه ثبتت فضيلة الأمة وشرفها، فأما العصمة عن ~~البعض دون البعض فهذا يثبت لكل كافر فضلا عن المسلم، إذ ما من شخص يخطئ في ~~كل شيء بل كل إنسان فإنه يعصم عن الخطأ في بعض الأشياء. # التأويل الثالث: أن أمته - صلى الله عليه وسلم - كل من آمن به إلى يوم ~~القيامة، فجملة هؤلاء من أول الإسلام إلى آخر عمر الدنيا لا يجتمعون على ~~خطأ بل كل حكم انقضى على اتفاق أهل الأعصار كلها بعد بعثة النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فهو حق، إذ الأمة عبارة عن الجميع، كيف والذين ماتوا في زماننا ~~هم من الأمة؟ وإجماع ms220 من بعدهم ليس إجماع جميع الأمة، بدليل أنهم لو كانوا ~~قد خالفوا ثم ماتوا لم ينعقد بعدهم إجماع وقبلنا من الأمة من خالف وإن كان ~~قد مات، فكذلك إذا لم يوافقوا. # قلنا: كما لا يجوز أن يراد بالأمة المجانين والأطفال والسقط والمجتن وإن ~~كانوا من الأمة، فلا يجوز أن يراد به الميت والذي لم يخلق بعد، بل الذي ~~يفهم قوم يتصور منهم اختلاف واجتماع، ولا يتصور الاجتماع والاختلاف من ~~المعدوم والميت. # والدليل عليه أنه أمر باتباع الجماعة وذم من شذ عن الموافقة، فإن كان ~~المراد به ما ذكروه فإنما يتصور الاتباع والمخالفة في القيامة لا في ~~الدنيا، فيعلم قطعا أن المراد به إجماع يمكن خرقه ومخالفته في الدنيا، وذلك ~~هم الموجودون في كل عصر. أما إذا مات فيبقى أثر خلافه، فإن مذهبه لا يموت ~~بموته. وسيأتي فيه كلام شاف إن شاء الله تعالى. # المقام الثالث: المعارضة بالآيات والأخبار. # أما الآيات فكل ما فيها منع من الكفر والردة والفعل الباطل فهو عام مع ~~الجميع، فإن لم يكن ذلك ممكنا فكيف نهوا عنه؟ كقوله تعالى: {وأن تقولوا على ~~الله ما لا تعلمون} [البقرة: 169] {ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر} ~~[البقرة: 217] {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} [البقرة: 188] وأمثال ~~ذلك. # قلنا: ليس هذا نهيا لهم عن الاجتماع بل نهي للآحاد، وإن كان كل واحد على ~~حياله داخلا في النهي وإن سلم فليس من شرط النهي وقوع المنهي عنه ولا جواز ~~وقوعه، فإن الله تعالى علم أن جميع المعاصي لا تقع منهم ونهاهم عن الجميع ~~وخلاف المعلوم غير واقع وقال لرسوله: - صلى الله عليه وسلم - {لئن أشركت ~~ليحبطن عملك} [الزمر: 65] ، وقال: {فلا تكونن من الجاهلين} [الأنعام: 35] ~~وقد علم أنه قد عصمه منهم، وأن ذلك لا يقع. # وأما الأخبار فقوله - عليه السلام -: «بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا ~~كما بدأ» وقوله: - عليه السلام - «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم ~~الذين يلونهم ثم يفشو الكذب حتى إن الرجل ليحلف وما يستحلف ويشهد وما ~~يستشهد» وكقوله ms221 - صلى الله عليه وسلم -: «لا تقوم الساعة إلا على شرار ~~أمتي» # PageV01P141 # قلنا: هذا وأمثاله يدل على كثرة العصيان والكذب ولا يدل على أنه لا يبقى ~~متمسك بالحق، ولا يناقض قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تزال طائفة من ~~أمتي على الحق حتى يأتي أمر الله وحتى يظهر الدجال» كيف ولا تجري هذه ~~الأخبار في الصحة والظهور مجرى الأحاديث التي تمسكنا بها؟ # المسلك الثالث التمسك بالطريق المعنوي. # وبيانه أن الصحابة إذا قضوا بقضية وزعموا أنهم قاطعون بها فلا يقطعون بها ~~إلا عن مستند قاطع، وإذا كثروا كثرة تنتهي إلى حد التواتر فالعادة تحيل ~~عليهم قصد الكذب وتحيل عليهم الغلط حتى لا يتنبه واحد منهم للمحق في ذلك ~~وإلى أن القطع بغير دليل قاطع خطأ، فقطعهم في غير محل القطع محال في ~~العادة. # فإن قضوا عن اجتهاد واتفقوا عليه فيعلم أن التابعين كانوا يشددون النكير ~~على مخالفيهم ويقطعون به، وقطعهم بذلك قطع في غير محل القطع فلا يكون ذلك ~~أيضا إلا عن قاطع، وإلا فيستحيل في العادة أن يشذ عن جميعهم الحق مع كثرتهم ~~حتى لا يتنبه واحد منهم للحق. # وكذلك نعلم أن التابعين لو أجمعوا على شيء أنكر تابعو التابعين على ~~المخالف وقطعوا بالإنكار، وهو قطع في غير محل القطع فالعادة تحيل ذلك إلا ~~عن قاطع وعلى مساق هذا قالوا لو رجع أهل الحل والعقد إلى عدد ينقص عن عدد ~~التواتر فلا يستحيل عليهم الخطأ في العادة ولا تعمد الكذب لباعث عليه فلا ~~حجة فيه. # وهذه الطريقة ضعيفة عندنا لأن منشأ الخطأ إما تعمد الكذب وإما ظنهم ما ~~ليس بقاطع قاطعا، والأول غير جائز على عدد التواتر، وأما الثاني: فجائز، ~~فقد قطع اليهود ببطلان نبوة عيسى ومحمد - عليهما السلام - وهم أكثر من عدد ~~التواتر، وهو قطع في غير محل القطع لكن ظنوا ما ليس بقاطع قاطعا. # والمنكرون لحدوث العالم والنبوات والمرتكبون لسائر أنواع البدع والضلالات ~~عددهم بالغ مبلغ عدد التواتر ويحصل الصدق بإخبارهم، ولكن أخطئوا بالقطع في ~~غير محل القطع. وهذا ms222 القائل يلزمه أن يجعل إجماع اليهود والنصارى حجة ولا ~~تخصيص لهذه الأمة، وقد أجمعوا على بطلان دين الإسلام فإن قيل: هذا تمسك ~~بالعادة، وأنتم في نصرة المسلك الثاني استروحتم إلى العادة وهذا عين الأول. # قلنا: العادة لا تحيل على عدد التواتر أن يظنوا ما بقاطع قاطعا، وعن هذا ~~قلنا: شرط خبر التواتر أن يستند إلى محسوس والعادة تحيل الانقياد والسكوت ~~عمن دفع الكتاب والسنة المتواترة بإجماع دليله خبر مظنون غير مقطوع به وكل ~~ما هو ضروري يعلم بالحس أو بقرينة الحال أو بالبديهة فمنهاجه واحد ويتفق ~~الناس على دركه والعادة الذهول عنه على أهل التواتر وما هو نظري فطرقه ~~مختلفة، فلا يستحيل في العادة أن يجتمع أهل التواتر على الغلط فيه، فهذا هو ~~الفرق بين المسلكين. # فإن قيل: اعتمادكم في هذا المسلك الثاني أن ما أجمعوا عليه حق وليس بخطأ ~~فالدليل على وجوب اتباعه وكل مجتهد مصيب للحق ولا يجب على مجتهد آخر اتباعه ~~والشاهد المزور مبطل ويجب على القاضي اتباعه؟ فوجوب الاتباع شيء وكون الشيء ~~حقا غيره. # قلنا أجمعت الأمة على وجوب اتباع الإجماع وإنه من الحق الذي يجب اتباعه، ~~وبحسب كونهم محقين في قولهم يجب اتباع الإجماع، ثم نقول كل حق علم كونه حقا ~~فالأصل فيه وجوب # PageV01P142 # الاتباع، والمجتهد يجب اتباعه إلا على المجتهد الذي هو محق أيضا فقدم حق ~~حصل باجتهاده على ما حصل باجتهاد غيره في حقه والشاهد المزور لو علم كونه ~~مزورا لم يتبع. # ويدل عليه أيضا ذمة من خالف الجماعة وأنه ذكر هذا في معرض الثناء على ~~الأمة، ولا يتحقق ذلك إلا بوجوب الاتباع وإلا فلا يبقى له معنى، إلا إنهم ~~محقون إذا أصابوا دليل الحق، وذلك جائز في حق واحد من أفراد المؤمنين فليس ~~فيه مدح وتخصيص ألبتة. ### | [الباب الثاني في بيان أركان الإجماع] # وله ركنان: المجمعون ونفس الإجماع الركن الأول: المجمعون وهم أمة محمد - ~~صلى الله عليه وسلم - وظاهر هذا يتناول كل مسلم، لكن لكل ظاهر طرفان واضحان ~~في النفي والإثبات وأوساط ms223 متشابهة. أما الواضح في الإثبات فهو كل مجتهد ~~مقبول الفتوى فهو أهل الحل والعقد قطعا ولا بد من موافقته في الإجماع. وأما ~~الواضح في النفي فالأطفال والمجانين والأجنة، فإنهم وإن كانوا من الأمة ~~فنعلم أنه - عليه الصلاة والسلام - ما أراد بقوله: «لا تجتمع أمتي على ~~الخطأ» إلا من يتصور منه الوفاق والخلاف في المسألة بعد فهمها. فلا يدخل ~~فيه من لا يفهمها. وبين الدرجتين العوام المكلفون والفقيه الذي ليس بأصولي ~~والأصولي الذي ليس بفقيه والمجتهد الفاسق والمبتدع والناشئ من التابعين ~~مثلا إذا قارب رتبة الاجتهاد في عصر الصحابة، فنرسم في كل واحد مسألة. ### | [مسألة دخول العوام في الإجماع] # مسألة يتصور دخول العوام في الإجماع، # فإن الشريعة تنقسم إلى ما يشترك في دركه العوام والخواص كالصلوات الخمس ~~ووجوب الصوم والزكاة والحج، فهذا مجمع عليه، والعوام وافقوا الخواص في ~~الإجماع، وإلى ما يختص بدركه الخواص كتفصيل أحكام الصلاة والبيع والتدبير ~~والاستيلاد، فما أجمع عليه الخواص فالعوام متفقون على أن الحق فيه ما أجمع ~~عليه أهل الحل والعقد لا يضمرون خلافا أصلا فهم موافقون أيضا فيه. ويحسن ~~تسمية ذلك إجماع الأمة قاطبة، كما أن الجند إذا حكموا جماعة من أهل الرأي ~~والتدبير في مصالحة أهل قلعة فصالحوهم على شيء يقال هذا باتفاق جميع الجند. ~~فإذا كل مجمع عليه من المجتهدين فهو مجمع عليه من جهة العوام وبه يتم إجماع ~~الأمة. فإن قيل: فلو خالف عامي في واقعة أجمع عليها الخواص من أهل العصر ~~فهل ينعقد الإجماع دونه؟ إن كان ينعقد فكيف خرج العامي من الأمة، وإن لم ~~ينعقد فكيف يعتد بقول العامي؟ قلنا: قد اختلف الناس فيه فقال قوم: منعقد ~~لأنه من الأمة فلا بد من تسليمه بالجملة وبالتفصيل وقال آخرون، وهو الأصح: ~~إنه ينعقد بدليلين أحدهما: أن العامي ليس أهلا لطلب الصواب، إذ ليس له آلة ~~هذا الشأن فهو كالصبي والمجنون في نقصان الآلة؛ ولا يفهم من عصمة الأمة من ~~الخطأ إلا من يتصور منه الإصابة لأهليته والثاني، وهو الأقوى: أن العصر ms224 ~~الأول من الصحابة قد أجمعوا على أنه لا عبرة بالعوام في هذا الباب، أعني ~~خواص الصحابة وعوامهم؛ ولأن العامي إذا قال قولا علم أنه يقوله عن جهل وأنه ~~ليس يدري ما يقول وأنه ليس أهلا للوفاق والخلاف فيه. وعن هذا لا يتصور صدور ~~هذا من عامي عاقل؛ لأن العاقل يفوض ما لا يدري إلى من يدري، فهذه صورة فرضت ~~ولا وقوع لها أصلا. ويدل # PageV01P143 # على انعقاد الإجماع أن العامي يعصي بمخالفته العلماء ويحرم ذلك عليه، ~~ويدل على عصيانه ما ورد من ذم الرؤساء الجهال إذا ضلوا وأضلوا بغير علم، ~~وقوله تعالى: {لعلمه الذين يستنبطونه منهم} [النساء: 83] فردهم عن النزاع ~~إلى أهل الاستنباط. وقد وردت أخبار كثيرة بإيجاب المراجعة للعلماء وتحريم ~~فتوى العامة بالجهل والهوى، وهذا لا يدل على انعقاد الإجماع دونهم، فإنه ~~يجوز أن يعصي، بالمخالفة كما يعصي من يخالف خبر الواحد، ولكن يمتنع وجود ~~الإجماع لمخالفته والحجة في الإجماع، فإذا امتنع بمعصية أو بما ليس بمعصية ~~فلا حجة وإنما الدليل ما ذكرنا من قبل # مسألة: إذا قلنا لا يعتبر قول العوام لقصور آلتهم، فرب متكلم ونحوي ومفسر ~~ومحدث هو ناقص الآلة في درك الأحكام. # فقال قوم: لا يعتد إلا بقول أئمة المذاهب المستقلين بالفتوى كالشافعي ~~ومالك وأبي حنيفة وأمثالهم من الصحابة والتابعين، ومنهم من ضم إلى الأئمة ~~الفقهاء الحافظين لأحكام الفروع الناهضين بها، لكن أخرج الأصولي الذي لا ~~يعرف تفاصيل الفروع ولا يحفظها. # والصحيح أن الأصولي العارف بمدارك الأحكام وكيفية تلقيها من المفهوم ~~والمنظوم وصيغة الأمر والنهي والعموم وكيفية تفهيم النصوص والتعليل أولى ~~بالاعتداد بقوله من الفقيه الحافظ للفروع، بل ذو الآلة من هو متمكن من درك ~~الأحكام إذا أراد وإن لم يحفظ الفروع، والأصولي قادر عليه والفقيه الحافظ ~~للفروع لا يتمكن منه. # وآية أنه لا يعتبر حفظ الفروع أن العباس والزبير وطلحة وسعدا وعبد الرحمن ~~بن عوف وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وأبا عبيدة بن الجراح وأمثالهم ممن لم ~~ينصب نفسه للفتوى ولم يتظاهر بها تظاهر ms225 العبادلة وتظاهر علي وزيد بن ثابت ~~ومعاذ كانوا يعتدون بخلافهم لو خالفوا، وكيف لا وكانوا صالحين للإمامة ~~العظمى ولا سيما لكون أكثرهم في الشورى؟ وما كانوا يحفظون الفروع بل لم تكن ~~الفروع موضوعة بعد، لكن عرفوا الكتاب والسنة وكانوا أهلا لفهمهما، والحافظ ~~للفروع قد لا يحفظ دقائق فروع الحيض والوصايا، فأصل هذه الفروع كهذه ~~الدقائق فلا يشترط حفظها فينبغي أن يعتد بخلاف الأصولي وبخلاف الفقيه ~~المبرز لأنهما ذوا آلة على الجملة يقولان ما يقولان عن دليل. # أما النحوي والمتكلم فلا يعتد بهما لأنهما من العوام في حق هذا العلم، ~~إلا أن يقع الكلام في مسألة تنبني على النحو أو على الكلام. فإن قيل: فهذه ~~المسألة قطعية أم اجتهادية؟ قلنا: هي اجتهادية، ولكن إذا جوزنا أن يكون ~~قوله إذا لم يخالف هؤلاء، أما خلاف العوام فلا يقع ولو وقع فهو قول باللسان ~~وهو معترف بكونه جاهلا بما يقول، فبطلان قوله مقطوع به كقول الصبي فأما هذا ~~فليس كذلك. # فإن قيل: فإذا قلد الأصولي الفقهاء فيما اتفقوا عليه في الفروع وأقر بأنه ~~حق هل ينعقد الإجماع؟ قلنا: نعم لأنه لا مخالفة وقد وافق الأصولي جملة وإن ~~لم يعرف التفصيل، كما أن الفقهاء اتفقوا على أن ما أجمع عليه المتكلمون في ~~باب الاستطاعة والعجز والأجسام والأعراض والضد والخلاف فهو صواب، فيحصل ~~الإجماع بالموافقة الجملية كما يحصل من العوام؛ لأن كل فريق كالعامي ~~بالإضافة إلى ما لم يحصل علمه وإن حصل علما آخر. # PageV01P144 ### | [مسألة المبتدع إذا خالف لم ينعقد الإجماع دونه إذا لم يكفر] # ، بل هو كمجتهد فاسق وخلاف المجتهد الفاسق معتبر. # فإن قيل لعله يكذب في إظهار الخلاف وهو لا يعتقده. قلنا لعله يصدق ولا بد ~~من موافقته ولو لم نتحقق موافقته، كيف وقد نعلم اعتقاد الفاسق بقرائن ~~أحواله في مناظراته واستدلالاته؟ والمبتدع ثقة يقبل قوله، فإنه ليس يدرى ~~أنه فاسق، أما إذا كفر ببدعته فعند ذلك لا يعتبر خلافه إن كان يصلي إلى ~~القبلة ويعتقد نفسه مسلما لأن الأمة ليست عبارة عن ms226 المصلين إلى القبلة بل ~~عن المؤمنين وهو كافر وإن كان لا يدري أنه كافر نعم لو قال بالتشبيه ~~والتجسيم وكفرناه فلا يستدل على بطلان مذهبه بإجماع مخالفيه على بطلان ~~التجسيم مصيرا إلى أنهم كل الأمة؛ لأن كونهم كل الأمة موقوف على إخراج هذا ~~من الأمة، والإخراج من الأمة موقوف على دليل التكفير، فلا يجوز أن يكون ~~دليل تكفيره ما هو موقوف على تكفيره فيؤدي إلى إثبات الشيء بنفسه. # نعم بعد أن كفرناه بدليل عقلي لو خالف في مسألة أخرى لم يلتفت إليه، فلو ~~تاب وهو مصر على المخالفة في تلك المسألة التي أجمعوا عليها في حال كفره ~~فلا يلتفت إلى خلافه بعد الإسلام لأنه مسبوق بإجماع كل الأمة وكان المجمعون ~~في ذلك الوقت كل الأمة دونه، فصار كما لو خالف كافر كافة الأمة ثم أسلم وهو ~~مصر على ذلك الخلاف، فإن ذلك لا يلتفت إليه إلا على قول من يشترط انقراض ~~العصر في الإجماع. # فإن قيل: فلو ترك بعض الفقهاء الإجماع بخلاف المبتدع المكفر إذا لم يعلم ~~أن بدعته توجب الكفر وظن أن الإجماع لا ينعقد دونه، فهل يعذر من حيث إن ~~الفقهاء يطلعون على معرفة ما يكفر به من التأويلات؟ قلنا: للمسألة صورتان، ~~إحداها: أن يقول الفقهاء: نحن لا ندري أن بدعته توجب الكفر أم لا، ففي هذه ~~الصورة لا يعذرون فيه إذ يلزمهم مراجعة علماء الأصول ويجب على العلماء ~~تعريفهم، فإذا أفتوا بكفره فعليهم التقليد، فإن لم يقنعهم التقليد فعليهم ~~السؤال عن الدليل حتى إذا ذكر لهم دليله فهموه لا محالة؛ لأن دليله قاطع، ~~فإن لم يدركه فلا يكون معذورا كمن لا يدرك دليل صدق الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - فإنه لا عذر مع نصب الله تعالى الأدلة القاطعة، الصورة الثانية: أن ~~لا يكون قد بلغته بدعته وعقيدته فترك الإجماع لمخالفته فهو معذور في خطئه ~~وغير مؤاخذ به وكان الإجماع لم ينتهض حجة في حقه، كما إذا لم يبلغه الدليل ~~الناسخ لأنه غير منسوب إلى تقصير، بخلاف الصورة ms227 الأولى فإنه قادر على ~~المراجعة والبحث فلا عذر له في تركه، فهو كمن قبل شهادة الخوارج وحكم بها ~~فهو مخطئ لأن الدليل على تكفير الخوارج على علي وعثمان - رضي الله عنهما - ~~والقائلين بكفرهما المعتقدين استباحة دمهما ومالهما ظاهر يدرك على القرب، ~~فلا يعذر من لا يعرفه، بخلاف من حكم بشهادة الزور وهو لا يعرف لأنه لا طريق ~~له إلى معرفة صدق الشاهد وله طريق إلى معرفة كفره. # فإن قيل وما الذي يكفر به؟ قلنا: الخطب في ذلك طويل وقد أشرنا إلى شيء ~~منه في كتاب " فصل التفرقة بين الإسلام والزندقة والقدر الذي نذكره الآن ~~أنه يرجع إلى ثلاثة أقسام: # الأول: ما يكون نفس اعتقاده كفرا، كإنكار الصانع وصفاته وجحد النبوة. # الثاني: ما يمنعه اعتقاده من الاعتراف بالصانع وصفاته وتصديق رسله، ويلزم ~~إنكار # PageV01P145 # ذلك من حيث التناقض. # الثالث: ما ورد من التوقيف بأنه لا يصدر إلا من كافر كعبادة النيران ~~والسجود للصنم وجحد سورة من القرآن وتكذيب بعض الرسل واستحلال الزنا والخمر ~~وترك الصلاة، وبالجملة إنكار ما عرف بالتواتر والضرورة من الشريعة. ### | [مسألة بإجماع غير الصحابة] # مسألة قال قوم: لا يعتد بإجماع غير الصحابة، وسنبطله وقال قوم: يعتد ~~بإجماع التابعين بعد الصحابة، ولكن لا يعتد بخلاف التابعي في زمان الصحابة ~~ولا يندفع إجماع الصحابة بخلافه. وهذا فاسد مهما بلغ التابعي رتبة الاجتهاد ~~قبل تمام الإجماع لأنه من الأمة، فإجماع غيره لا يكون إجماع جميع الأمة، بل ~~إجماع البعض والحجة في إجماع الكل نعم لو أجمعوا ثم بلغ رتبة الاجتهاد بعد ~~إجماعهم فهو مسبوق بالإجماع فليس له الآن أن يخالف، كمن أسلم بعد تمام ~~الإجماع. # ويدل عليه قوله تعالى {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} [الشورى: ~~10] وهذا مختلف فيه، ويدل عليه إجماع الصحابة على تسويغ الخلاف للتابعي ~~وعدم إنكارهم عليه، فهو إجماع منهم على جواز الخلاف، كيف وقد علم أن كثيرا ~~من أصحاب عبد الله كعلقمة والأسود وغيرهما كانوا يفتون في عصر الصحابة وكذا ~~الحسن البصري وسعيد بن المسيب؟ فكيف ms228 لا يعتد بخلافهم؟ وعلى الجملة فلا يفضل ~~الصحابي التابعي إلا بفضيلة الصحبة، ولو كانت هذه الفضيلة تخصص الإجماع ~~لسقط قول الأنصار بقول المهاجرين وقول المهاجرين بقول العشرة وقول العشرة ~~بقول الخلفاء الأربعة وقولهم بقول أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما -. فإن ~~قيل: روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها أنكرت على أبي سلمة بن عبد ~~الرحمن مجاراة الصحابة، وقالت: فروج يصقع مع الديكة. قلنا: ما ذكرناه مقطوع ~~به ولم يثبت عن عائشة ما ذكرتم إلا بقول الآحاد، وإن ثبت فهو مذهبها ولا ~~حجة فيه. # ثم لعلها أرادت منعه من مخالفتهم فيما سبق إجماعهم عليه، أو لعلها أنكرت ~~عليه خلافه في مسألة لا تحتمل الاجتهاد في اعتقادها كما أنكرت على زيد بن ~~أرقم في مسألة العينة وظنت أن وجوب حسم الذريعة قطعي. واعلم أن هذه المسألة ~~يتصور الخلاف فيها مع من يوافق على أن إجماع الصحابة يندفع بمخالفة واحد من ~~الصحابة، أما من ذهب إلى أنه لا يندفع خلاف الأكثر بالأقل كيفما كان فلا ~~يختص كلامه بالتابعي. ### | [مسألة الإجماع من الأكثر ليس بحجة مع مخالفة الأقل] # وقال قوم هو حجة وقال قوم: إن بلغ عدد الأقل عدد التواتر اندفع الإجماع ~~وإن نقص فلا يندفع. # والمعتمد عندنا أن العصمة إنما تثبت للأمة بكليتها، وليس هذا إجماع ~~الجميع بل هو مختلف فيه، وقد قال تعالى: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى ~~الله} [الشورى: 10] فإن قيل: قد تطلق الأمة ويراد بها الأكثر، كما يقال بنو ~~تميم يحمون الجار ويكرمون الضيف، ويراد الأكثر. # قلنا من يقول بصيغة العموم يحمل ذلك على الجميع، ولا يجوز التخصيص ~~بالتحكم بل بدليل وضرورة ولا ضرورة ههنا، ومن لا يقول به فيجوز أن يريد به ~~الأقل وعند ذلك لا يتميز البعض المراد عما ليس بمراد ولا بد من إجماع ~~الجميع ليعلم أن البعض المراد داخل فيه، كيف وقد وردت أخبار تدل على قلة ~~أهل الحق حيث قال «وهم يومئذ الأقلون» # PageV01P146 # وقال - صلى الله عليه وسلم - «سيعود الدين غريبا كما ms229 بدأ غريبا» وقال ~~تعالى {وأكثرهم لا يعقلون} [المائدة: 103] وقال تعالى: {وقليل من عبادي ~~الشكور} [سبأ: 13] وقال تعالى: {كم من فئة قليلة} [البقرة: 249] الآية. # وإذا لم يكن ضابط ولا مرد فلا خلاص إلا باعتبار قول الجميع. الدليل ~~الثاني إجماع الصحابة على تجويز الخلاف للآحاد، فكم من مسألة قد انفرد فيها ~~الآحاد بمذهب كانفراد ابن عباس بالعول فإنه أنكره. فإن قيل: لا بل أنكروا ~~على ابن عباس القول بتحليل المتعة وأن الربا في النسيئة، وأنكرت عائشة على ~~ابن أرقم مسألة العينة، وأنكروا على أبي موسى الأشعري قوله: " النوم لا ~~ينقض الوضوء وعلى أبي طلحة القول بأن أكل البرد لا يفطر وذلك لانفرادهم به ~~قلنا لا بل لمخالفتهم السنة الواردة فيه المشهورة بينهم أو لمخالفتهم أدلة ~~ظاهرة قامت عندهم. # ثم نقول: هب أنهم أنكروا انفراد المنفرد، والمنفرد منكر عليهم إنكارهم ~~ولا ينعقد الإجماع، فلا حجة في إنكارهم مع مخالفة الواحد. ولهم شبهتان: # الشبهة الأولى: قولهم: قول الواحد فيما يخبر عن نفسه لا يورث العلم، فكيف ~~يندفع به قول عدد حصل العلم بإخبارهم عن أنفسهم لبلوغهم عدد التواتر؟ وعن ~~هذا قال قوم: عدد الأقل إلى أن يبلغ مبلغ التواتر يدفع الإجماع. وهذا فاسد ~~من ثلاثة أوجه. # الأول: أن صدق الأكثر وإن علم فليس ذلك صدق جميع الأمة واتفاقهم والحجة ~~في اتفاق الجميع، فسقطت الحجة لأنهم ليسوا كل الأمة. # الثاني: أن كذب الواحد ليس بمعلوم فلعله صادق، فلا تكون المسألة اتفاقا ~~من جميع الصادقين إن كان صادقا. # الثالث: أنه لا نظر إلى ما يضمرون بل التعبد متعلق بما يظهرون فهو مذهبهم ~~وسبيلهم لا ما أضمروه، فإن قيل: فهل يجوز أن تضمر الأمة خلاف ما تظهر؟ ~~قلنا: ذلك إن كان إنما يكون عن تقية وإلجاء وذلك يظهر ويشتهر وإن لم يشتهر ~~فهو محال لأنه يؤدي إلى اجتماع الأمة على ضلالة وباطل، وهو ممتنع بدليل ~~السمع. # الشبهة الثانية: أن مخالفة الواحد شذوذ عن الجماعة وهو منهي عنه، فقد ورد ~~ذم الشاذ وأنه كالشاذ من الغنم عن القطيع. ms230 قلنا: الشاذ عبارة عن الخارج عن ~~الجماعة بعد الدخول فيها، ومن دخل في الإجماع لا يقبل خلافه بعده وهو ~~الشذوذ، أما الذي لم يدخل أصلا فلا يسمى شاذا. فإن قيل: فقد قال - عليه ~~السلام -: «عليكم بالسواد الأعظم فإن الشيطان مع الواحد وهو عن الاثنين ~~أبعد» . # قلنا: أراد به الشاذ الخارج على الإمام بمخالفة الأكثر على وجه يثير ~~الفتنة وقوله: «وهو عن الاثنين أبعد» أراد به الحث على طلب الرفيق في ~~الطريق، ولهذا قال - عليه السلام -: «والثلاثة ركب» . وقد قال بعضهم قول ~~الأكثر حجة وليس بإجماع. وهو متحكم بقوله إنه حجة إذ لا دليل عليه وقال ~~بعضهم: مرادي به أن اتباع الأكثر أولى. # قلنا: هذا يستقيم في الأخبار وفي حق المقلد إذا لم يجد ترجيحا بين ~~المجتهدين سوى الكثرة، وأما المجتهد فعليه اتباع الدليل دون الأكثر لأنه إن ~~خالفه واحد لم يلزمه اتباعه وإن انضم إليه مخالف آخر لم يلزمه الاتباع. ### | [مسألة حجية إجماع أهل المدينة] # مسألة: قال مالك: الحجة في إجماع أهل المدينة فقط. # وقال قوم: المعتبر إجماع أهل الحرمين مكة والمدينة والمصرين الكوفة ~~والبصرة وما أراد المحصلون بهذا إلا أن هذه # PageV01P147 # البقاع قد جمعت في زمن الصحابة أهل الحل والعقد، فإن أراد مالك أن ~~المدينة هي الجامعة لهم فمسلم له ذلك لو جمعت وعند ذلك لا يكون للمكان فيه ~~تأثير، وليس ذلك بمسلم بل لم تجمع المدينة جميع العلماء لا قبل الهجرة ولا ~~بعدها بل ما زالوا متفرقين في الأسفار والغزوات والأمصار، فلا وجه لكلام ~~مالك إلا أن يقول عمل أهل المدينة حجة لأنهم الأكثرون والعبرة بقول ~~الأكثرين وقد أفسدناه، أو يقول يدل اتفاقهم في قول أو عمل أنهم استندوا إلى ~~سماع قاطع فإن الوحي الناسخ نزل فيهم فلا تشذ عنهم مدارك الشريعة. وهذا ~~تحكم إذ لا يستحيل أن يسمع غيرهم حديثا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- في سفر أو في المدينة لكن يخرج منها قبل نقله، فالحجة في الإجماع ولا ~~إجماع. وقد تكلف لمالك تأويلات ومعاذير ms231 استقصيناها في كتاب " تهذيب الأصول ~~" ولا حاجة إليها ههنا. وربما احتجوا بثناء رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- على المدينة وعلى أهلها، وذلك يدل على فضيلتهم وكثرة ثوابهم لسكناهم ~~المدينة ولا يدل على تخصيص الإجماع بهم. وقد قال قوم: الحجة في اتفاق ~~الخلفاء الأربعة. وهو تحكم لا دليل عليه إلا ما تخيله جماعة في أن قول ~~الصحابي حجة، وسيأتي في موضعه. ### | [مسألة هل يشترط أن يبلغ أهل الإجماع عدد التواتر] # مسألة اختلفوا في أنه هل يشترط أن يبلغ أهل الإجماع عدد التواتر # ؟ أما من أخذه من دليل العقل واستحالة الخطأ بحكم العادة فيلزمه ~~الاشتراط، والذين أخذوه من السمع اختلفوا، فمنهم من شرط ذلك لأنه إذا نقص ~~عددهم فنحن لا نعلم إيمانهم بقولهم فضلا عن غيره. وهذا فاسد من وجهين ~~أحدهما أنه يعلم إيمانهم لا بقولهم لكن بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا ~~تزال طائفة من أمتي على الحق حتى يأتي أمر الله وحتى يظهر الدجال» فإذا لم ~~يكن على وجه الأرض مسلم سواهم فهم على الحق الثاني أنا لم نتعبد بالباطن، ~~وإنما أمة محمد من آمن بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ظاهرا؛ إذ لا وقوف على ~~الباطن. # وإذا ظهر أنا متعبدون باتباعهم فيجوز أن يستدل بهذا على أنهم صادقون؛ لأن ~~الله تعالى لا يتعبدنا باتباع الكاذب وتعظيمه والاقتداء به فإن قيل: كيف ~~يتصور رجوع عدد المسلمين إلى ما دون عدد التواتر وذلك يؤدي إلى انقطاع ~~التكليف، فإن التكليف يدوم بدوام الحجة والحجة تقوم بخبر التواتر عن أعلام ~~النبوة وعن وجود محمد - صلى الله عليه وسلم - وتحديه بالنبوة، والكفار لا ~~يقومون بنشر أعلام النبوة بل يجتهدون في طمسها، والسلف من الأئمة مجمعون ~~على دوام التكليف إلى القيامة وفي ضمنه الإجماع على استحالة اندراس ~~الأعلام، وفي نقصان عدد التواتر ما يؤدي إلى الاندراس، وإذا لم يتصور وجود ~~هذه الحادثة فكيف نخوض في حكمها؟ # قلنا: يحتمل أن يقال ذلك ممتنع لهذه الأدلة، وإنما معنى تصور هذه المسألة ~~رجوع عدد أهل الحل والعقد إلى ms232 ما دون عدد التواتر، وإن قطعنا بأن قول ~~العوام لا يعتبر فتدوم أعلام الشرع بتواتر العوام. ويحتمل أن يقال يتصور ~~وقوعها والله تعالى يديم الأعلام بالتواتر الحاصل من جهة المسلمين والكفار ~~فيتحدثون بوجود محمد - صلى الله عليه وسلم - ووجود معجزته وإن لم يعترفوا ~~بكونها معجزة أو يخرق الله تعالى العادة فيحصل العلم بقول القليل حتى تدوم ~~الحجة، بل نقول قول القليل مع القرائن المعلومة # PageV01P148 # في مناظرته وتسديده قد يحصل العلم من غير خرق عادة فبجميع هذه الوجوه ~~يبقى الشرع محفوظا. # فإن قيل: فإذا جاز أن يقل عدد أهل الحل والعقد فلو رجع إلى واحد فهل يكون ~~مجرد قوله حجة قاطعة؟ قلنا: إن اعتبرنا موافقة العوام فإذا قال قولا وساعده ~~عليه العوام ولم يخالفوه فيه فهو إجماع الأمة فيكون حجة؛ إذ لو لم يكن قد ~~اجتمعت الأمة على الضلالة والخطأ وإن لم نلتفت إلى قول العوام فلم يوجد ما ~~يتحقق به اسم الاجتماع؛ إذ يستدعي ذلك عددا بالضرورة حتى يسمى إجماعا ولا ~~أقل من اثنين أو ثلاثة. # وهذا كله يتصور على مذهب من يعتبر إجماع من بعد الصحابة، فأما من لا يقول ~~إلا بإجماع الصحابة فلا يلزمه شيء من ذلك لأن الصحابة قد جاوز عددهم عدد ~~التواتر. ### | [مسألة لا حجة في إجماع من بعد الصحابة] # مسألة ذهب داود وشيعته من أهل الظاهر إلى أنه لا حجة في إجماع من بعد ~~الصحابة. # وهو فاسد لأن الأدلة الثلاثة على كون الإجماع حجة، أعني الكتاب والسنة ~~والعقل، لا تفرق بين عصر وعصر. فالتابعون إذا أجمعوا فهو إجماع من جميع ~~الأمة، ومن خالفهم فهو سالك غير سبيل المؤمنين. ويستحيل بحكم العادة أن يشذ ~~الحق عنهم مع كثرتهم عند من يأخذه من العادة. ولهم شبهتان، أضعفهما قولهم: ~~الاعتماد على الخبر والآية، وهو قوله تعالى: {ويتبع غير سبيل المؤمنين} ~~[النساء: 115] يتناول الذين نعتوا بالإيمان وهم الموجودون وقت نزول الآية، ~~فإن المعدوم لا يوصف بالإيمان ولا يكون له سبيل وقوله - عليه السلام -: «لا ~~تجتمع أمتي على الخطأ» يتناول ms233 أمته الذين آمنوا به وتصور إجماعهم واختلافهم ~~وهم الموجودون. # وهذا باطل؛ إذ يلزم على مساقه أن لا ينعقد إجماع بعد موت سعد بن معاذ ~~وحمزة ومن استشهد من المهاجرين والأنصار ممن كانوا موجودين عند نزول الآية، ~~فإن إجماع من وراءهم ليس إجماع جميع المؤمنين وكل الأمة، ويلزم أن لا يعتد ~~بخلاف من أسلم بعد نزول الآية وكملت آلته بعد ذلك. وقد أجمعنا وإياهم ~~والصحابة على أن موت واحد من الصحابة لا يحسم باب الإجماع، بل إجماع ~~الصحابة بعد النبي حجة بالاتفاق، وكم من صحابي استشهد في حياة رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بعد نزول الآية. # الشبهة الثانية: أن الواجب اتباع سبيل جميع المؤمنين وإجماع جميع الأمة، ~~وليس التابعون جميع الأمة فإن الصحابة وإن ماتوا لم يخرجوا بموتهم عن الأمة ~~ولذلك لو خالف واحد من الصحابة إجماع التابعين لا يكون قول جميع الأمة ولا ~~يحرم الأخذ بقول الصحابي، فإذا كان خلاف بعض الصحابة يدفع إجماع التابعين ~~فعدم وفاقهم أيضا يدفع لأنهم بالموت لم يخرجوا عن كونهم من الأمة. قالوا: ~~وقياس هذا يقتضي أن لا يثبت وصف الكلية أيضا للصحابة بل ينتظر لحوق ~~التابعين وموافقتهم من بعدهم إلى القيامة فإنهم كل الأمة، لكن لو اعتبر ذلك ~~لم ينتفع بالإجماع إلا في القيامة، فثبت أن وصف الكلية إنما هو لمن دخل في ~~الوجود دون من لم يدخل فلا سبيل إلى إخراج الصحابة من الجملة، وعند ذلك لا ~~يثبت وصف كلية الأمة للتابعين. # والجواب أنه كما بطل على القطع الالتفات إلى اللاحقين بطل الالتفات إلى ~~الماضين، ولولا ذلك لما تصور إجماع بعد موت واحد من المسلمين في زمان ~~الصحابة والتابعين ولا بعد أن استشهد حمزة وقد اعترفوا بصحة إجماع # PageV01P149 # الصحابة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبعد موت من مات بعد رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، وليس ذلك إلا لأن الماضي لا يعتبر والمستقبل ~~لا ينتظر وأن وصف كلية الأمة حاصل لكل من الموجودين في كل وقت. # وأما إجماع التابعين على ms234 خلاف قول واحد من الصحابة فقد قال قوم: يصير قول ~~الصحابي مهجورا لأنهم كل الأمة وإن سلمنا - وهو الصحيح - فنقول: إن اتفقوا ~~على وفق قوله انعقد الإجماع؛ إذ موافقته إن لم تقو الإجماع فلا تقدح فيه، ~~وإن أجمعوا على خلاف قوله فلا يصير ذلك القول عندنا مهجورا حتى يحرم على ~~تابعي التابعين موافقته؛ لأنه بعد أن أفتى في المسألة فليس فتوى التابعين ~~فيها فتوى جميع الأمة بل فتوى البعض. # فإن قيل: إن ثبت نعت الكلية للتابعين فليكن خلاف قولهم بعدهم حراما وإن ~~قال به صحابي قبلهم وإن لم يكونوا كل الأمة، فينبغي أن لا تقوم الحجة ~~بإجماعهم ولا يحرم خلافهم؛ إذ خلاف بعض الأمة ليس بحرام، أما أن تكون كلية ~~الأمة في شيء دون شيء فهذا متناقض وجمع بين النفي والإثبات. # قلنا: ليس بمتناقض؛ لأن الكلية إنما تثبت بالإضافة إلى المسألة التي ~~خاضوا فيها، فإذا نزلت مسألة بعد الصحابة فالتابعون فيها كل الأمة إذا ~~أجمعوا فيها، أما ما أفتى فيها الصحابي ففتواه ومذهبه لا ينقطع بموته. وهذا ~~كالصحابي إذا مات بعد الفتوى وأجمع الباقون على خلافه لا يكون ذلك إجماعا ~~من الأمة، ولو مات ثم نزلت واقعة بعده انعقد الإجماع على كل مذهب وتكون ~~الكلية حاصلة بالإضافة. # فإن قيل: إن كان في الأمة غائب لا ينعقد الإجماع دونه، وإن لم يكن لذلك ~~الغائب خبر من الواقعة ولا فتوى فيها، لكن نقول لو كان حاضرا لكان له قول ~~فيها فلا بد من موافقته، فليكن الميت قبل التابعين كالغائب. قلنا: يبطل ~~بالميت الأول من الصحابة، فإن الإجماع انعقد دونه ولو كان غائبا لم ينعقد؛ ~~لأن الغائب في الحال ذو مذهب ورأي بالقوة فتمكن موافقته ومخالفته فيحتمل أن ~~يوافق أو يخالف إذا عرضت المسألة عليه بخلاف الميت فإنه لا يتصور في حقه ~~خلاف أو وفاق لا بالقوة ولا بالفعل بل المجنون والمريض الزائل العقل والطفل ~~لا ينتظر لأنه بطل منه إمكان الوفاق والخلاف. # فإن قيل: فما أجمع عليه التابعون يندفع بخلاف واحد من ms235 الصحابة إذا نقل، ~~فإن لم ينقل فلعله خالف، ولكن لم ينقل إلينا، فلا يستيقن إجماع كل الأمة. ~~قلنا: يبطل بالميت الأول من الصحابة، فإن إمكان خلافه لا يكون كحقيقة ~~خلافه. وهذا التحقيق، وهو أنه لو فتح باب الاحتمال لبطلت الحجج؛ إذ ما من ~~حكم إلا ويتصور تقدير نسخه وانفراد الواحد بنقله وموته قبل أن ينقل إلينا، ~~فيبطل إجماع الصحابة لاحتمال أن واحدا منهم أضمر المخالفة، وإنما أظهر ~~الموافقة لسبب ويرد خبر الواحد لاحتمال أن يكون كاذبا. # وإذا عرف الإجماع وانقرض العصر أمكن رجوع واحد منهم قبل الموت وإن لم ~~ينقل إلينا، فيبطل الإجماع على مذهب من يشترط انقراض العصر. فإن قيل: إن ~~الأصل عدم النسخ وعدم الرجوع. قلنا: والأصل عدم خوضه في الواقعة وعدم ~~الخلاف والوفاق جميعا، ومع أن الأصل العدم فالاحتمال لا ينتفي، وإذا ثبت ~~الاحتمال حصل الشك فيصير الإجماع غير مستيقن مع الشك، ولكن يقال: لا يندفع ~~الإجماع بكل شك. # فإن قيل: في مسألة تجويز النسخ وتجويز الرجوع شك بعد استيقان أصل الحجة ~~وإنما # PageV01P150 # الشك في دوامها، وههنا الشك في أصل الإجماع؛ لأن الإجماع موقوف على حصول ~~نعت الكلية لهم، ونعت الكلية موقوف على معرفة انتفاء الخلاف، فإذا شككنا في ~~انتفاء الخلاف شككنا في الكلية فشككنا في الإجماع. # قلنا: لا بل نعت الكلية حاصل للتابعين، وإنما ينتفي بمعرفة الخلاف فإذا ~~لم يعرف بقيت الكلية، وما ذكروه يضاهي قول القائل: الحجة في نص مات الرسول ~~- عليه السلام - قبل نسخه، فإذا لم يعرف موته قبل نسخه شككنا في الحجة، ~~والحجة الإجماع المنقرض عليه العصر، فإذا شككنا في الرجوع فقد شككنا في ~~الحجة، وكذلك القول في قول الميت الأول من الصحابة فإنا لا نقول: صار كلية ~~الباقين مشكوكا فيها هذا تمام الكلام في الركن الأول. # الركن الثاني: في نفس الإجماع. ونعني به اتفاق فتاوى الأمة في المسألة في ~~لحظة واحدة انقرض عليه العصر أو لم ينقرض أفتوا عن اجتهاد أو عن نص مهما ~~كانت الفتوى نطقا صريحا وتمام النظر في هذا ms236 الركن ببيان أن السكوت ليس ~~كالنطق وأن انقراض العصر ليس بشرط وأن الإجماع قد ينعقد عن اجتهاد، فهذه ~~ثلاث مسائل. ### | [مسألة أفتى بعض الصحابة بفتوى وسكت الآخرون] # مسألة إذا أفتى بعض الصحابة بفتوى وسكت الآخرون لم ينعقد الإجماع ولا ~~ينسب إلى ساكت قول، وقال قوم: إذا انتشر وسكتوا، فسكوتهم كالنطق حتى يتم به ~~الإجماع. # وشرط قوم انقراض العصر على السكوت، وقال قوم: هو حجة وليس بإجماع، وقال ~~قوم: ليس بحجة ولا إجماع، ولكنه دليل تجويزهم الاجتهاد في المسألة، ~~والمختار أنه ليس بإجماع ولا حجة، ولا هو دليل على تجويز الاجتهاد في ~~المسألة إلا إذا دلت قرائن الأحوال على أنهم سكتوا مضمرين الرضا وجواز ~~الأخذ به عند السكوت. # والدليل عليه أن فتواه إنما تعلم بقوله الصريح الذي لا يتطرق إليه احتمال ~~وتردد، والسكوت متردد فقد يسكت من غير إضمار الرضا لسبعة أسباب: # الأول: أن يكون في باطنه مانع من إظهار القول، ونحن لا نطلع عليه، وقد ~~تظهر قرائن السخط عليه مع سكوته # الثاني: أن يسكت؛ لأنه يراه قولا سائغا لمن أداه إليه اجتهاده، وإن لم ~~يكن هو موافقا عليه بل كان يعتقد خطأه. # الثالث: أن يعتقد أن كل مجتهد مصيب فلا يرى الإنكار في المجتهدات أصلا ~~ولا يرى الجواب إلا فرض كفاية، فإذا كفاه من هو مصيب سكت، وإن خالف ~~اجتهاده. # الرابع: أن يسكت وهو منكر لكن ينتظر فرصة الإنكار ولا يرى البدار مصلحة ~~لعارض من العوارض ينتظر زواله ثم يموت قبل زوال ذلك العارض أو يشتغل عنه. # الخامس: أن يعلم أنه لو أنكر لم يلتفت إليه وناله ذل وهوان كما قال ابن ~~عباس في سكوته عن إنكار العول في حياة عمر كان رجلا مهيبا فهبته. # السادس: أن يسكت؛ لأنه متوقف في المسألة؛ لأنه بعد في مهلة النظر. # السابع: أن يسكت لظنه أن غيره قد كفاه الإنكار وأغناه عن الإظهار ثم يكون ~~قد غلط فيه فترك الإنكار عن توهم؛ إذ رأى الإنكار فرض كفاية وظن أنه قد كفي ~~وهو مخطئ في ms237 وهمه. فإن قيل: لو كان فيه خلاف لظهر. # قلنا: ولو كان فيه وفاق لظهر، فإن تصور عارض يمنع من ظهور الوفاق تصور ~~مثله في ظهور الخلاف. وبهذا يبطل قول الجبائي حيث شرط انقراض العصر في ~~السكوت؛ إذ من العوارض المذكورة ما يدوم إلى آخر العصر. أما من قال: هو ~~حجة، وإن لم يكن إجماعا، فهو # PageV01P151 # تحكم؛ لأنه قول بعض الأمة، والعصمة إنما تثبت للكل فقط. فإن قيل: نعلم ~~قطعا أن التابعين كانوا إذا أشكل عليهم مسألة فنقل إليهم مذهب بعض الصحابة ~~مع انتشاره وسكوت الباقين كانوا لا يجوزون العدول عنه، فهو إجماع منهم على ~~كونه حجة. # قلنا: هذا إجماع غير مسلم، بل لم يزل العلماء مختلفين في هذه المسألة، ~~ويعلم المحصلون أن السكوت متردد، وأن قول بعض الأمة لا حجة فيه. ### | [مسألة إذا اتفقت كلمة الأمة ولو في لحظة انعقد الإجماع] # ووجبت عصمتهم عن الخطأ. وقال قوم: لا بد من انقراض العصر وموت الجميع. # وهذا فاسد؛ لأن الحجة في اتفاقهم لا في موتهم وقد حصل قبل الموت فلا ~~يزيده الموت تأكيدا، وحجة الإجماع الآية والخبر، وذلك لا يوجب اعتبار ~~العصر. فإن قيل: ما داموا في الأحياء فرجوعهم متوقع وفتواهم غير مستقرة. ~~قلنا: والكلام في رجوعهم فإنا لا نجوز الرجوع من جميعهم؛ إذ يكون أحد ~~الإجماعين خطأ وهو محال، أما بعضهم فلا يحل له الرجوع؛ لأنه برجوعه خالف ~~إجماع الأمة التي وجبت عصمتها عن الخطأ. # نعم يمكن أن يقع الرجوع من بعضهم ويكون به عاصيا فاسقا والمعصية تجوز على ~~بعض الأمة ولا تجوز على الجميع. فإن قيل: كيف يكون مخالفا للإجماع وبعد ما ~~تم الإجماع، وإنما يتم بانقراض العصر؟ قلنا: إن عنيتم به أنه لا يسمى ~~إجماعا فهو بهت على اللغة والعرف، وإن عنيتم أن حقيقته لم تتحقق فما حده؟ ~~وما الإجماع إلا اتفاق فتاويهم، والاتفاق قد حصل وما بعد ذلك استدامة ~~للاتفاق لا إتمام للاتفاق. # ثم نقول: كيف يدعى ذلك ونحن نعلم أن التابعين في زمان بقاء أنس بن مالك ms238 ~~وأواخر الصحابة كانوا يحتجون بإجماع الصحابة ولم يكن جواز الاحتجاج ~~بالإجماع مؤقتا بموت آخر الصحابة؛ ولهذا قال بعضهم: يكفي موت الأكثر، وهو ~~تحكم آخر لا مستند له. ثم نقول: هذا يؤدي إلى تعذر الإجماع، فإنه إن بقي ~~واحد من الصحابة جاز للتابعي أن يخالف إذا لم يتم الإجماع وما دام واحد من ~~عصر التابعين أيضا لا يستقر الإجماع منهم فيجوز لتابعي الخلاف. # وهذا خبط لا أصل له. ولهم شبه. # الشبهة الأولى: قولهم: إنه ربما قال بعضهم ما قاله عن وهم وغلط فيتنبه ~~له، فكيف يحجر عليه في الرجوع عن الغلط؟ وكيف يؤمن ذلك باتفاق يجري في ساعة ~~واحدة؟ قلنا: وبأن يموت من أين يحصل أمان من غلطه؟ وهل يؤمن من الغلط إلا ~~دلالة النص على وجوب عصمة الأمة؟ وأما إذا رجع وقال: تبينت أني غلطت فنقول: ~~إنما يتوهم عليك الغلط إذا انفردت، وأما ما قلته في موافقة الأمة فلا يحتمل ~~الخطأ. # فإن قال: تحققت أني قلت: ما قلته دليل كذا، وقد انكشف لي خلافه قطعا، ~~فنقول: إنما أخطأت في الطريق لا في نفس المسألة، بل موافقة الأمة تدل على ~~أن الحكم حق، وإن كنت في طريق الاستدلال مخطئا. # الشبهة الثانية: أنهم ربما قالوا عن اجتهاد وظن، ولا حجر على المجتهد إذا ~~تغير اجتهاده أن يرجع، وإذا جاز الرجوع دل أن الإجماع لم يتم. # قلنا: لا حجر على المجتهد في الرجوع إذا انفرد باجتهاده، أما ما وافق فيه ~~اجتهاده اجتهاد الأمة فلا يجوز الخطأ فيه ويجب كونه حقا والرجوع عن الحق ~~ممنوع. # PageV01P152 # الشبهة الثالثة: أنه لو مات المخالف لم تصر المسألة إجماعا بموته ~~والباقون هم كل الأمة، لكنهم في بعض العصر، فلذلك لا يصير مذهب المخالف ~~مهجورا، فإن كان العصر لا يعتبر فليبطل مذهب المخالف. # قلنا: قال قوم: يبطل مذهبه ويصير مهجورا؛ لأن الباقين هم كل الأمة في ذلك ~~الوقت. وهو غير صحيح عندنا، بل الصحيح أنهم ليسوا كل الأمة بالإضافة إلى ~~تلك المسألة التي أفتى فيها الميت، فإن فتواه لا ms239 ينقطع حكمها بموته. وليس ~~هذا للعصر فإنه جار في الصحابي الواحد إذا قال: قولا وأجمع التابعون في ~~جميع عصرهم على خلافه فقد بينا أنه لا يبطل مذهبه؛ لأنهم ليسوا كل الأمة ~~بالإضافة إلى هذه المسألة. # الشبهة الرابعة: ما روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: " اجتمع رأيي ~~ورأي عمر على منع بيع أمهات الأولاد، وأنا الآن أرى بيعهن " فقال عبيدة ~~السلماني: رأيك في الجماعة أحب إلينا من رأيك في الفرقة. قلنا: لو صح إجماع ~~الصحابة قاطبة لما كان هذا يدل من مذهب علي على اشتراط انقراض العصر، ولو ~~ذهب إلى هذا صريحا لم يجب تقليده، كيف ولم يجتمع إلا رأيه ورأي عمر كما ~~قال؟ وأما قول عبيدة: رأيك في الجماعة، ما أراد به موافقة الجماعة إجماعا، ~~وإنما أراد به أن رأيك في زمان الألفة والجماعة والاتفاق والطاعة للإمام ~~أحب إلينا من رأيك في الفتنة والفرقة وتفرق الكلمة وتطرق التهمة إلى علي في ~~البراءة من الشيخين - رضي الله عنهما -، فلا حجة فيما ليس صريحا في نفسه. ### | [مسألة انعقاد الإجماع عن اجتهاد وقياس] # مسألة: يجوز انعقاد الإجماع عن اجتهاد وقياس ويكون حجة وقال قوم: الخلق ~~الكثير لا يتصور اتفاقهم في مظنة الظن ولو تصور لكان حجة، وإليه ذهب ابن ~~جرير الطبري وقال قوم: هو متصور وليس بحجة؛ لأن القول بالاجتهاد يفتح باب ~~الاجتهاد ولا يحرمه، والمختار أنه متصور وأنه حجة. # وقولهم: إن الخلق الكثير كيف يتفقون على حكم واحد في مظنة الظن؟ قلنا: ~~هذا إنما يستنكر فيما يتساوى فيه الاحتمال، وأما الظن الأغلب فيميل إليه كل ~~واحد، فأي بعد في أن يتفقوا على أن النبيذ في معنى الخمر في الإسكار فهو في ~~معناه في التحريم؟ كيف وأكثر الإجماعات مستندة إلى عمومات وظواهر وأخبار ~~آحاد صحت عند المحدثين، والاحتمال يتطرق إليها؟ كيف وقد أجمعوا على التوحيد ~~والنبوة وفيهما من الشبه ما هو أعظم جدبا لأكثر الطباع من الاحتمال الذي في ~~مقابلة الظن الأظهر؟ وقد أجمعت على إبطال النبوة مذاهب باطلة ليس لها ms240 دليل ~~قطعي ولا ظني، فكيف لا يجوز الاتفاق على دليل ظاهر وظن غالب ويدل عليه جواز ~~الاتفاق عن اجتهاد لا بطريق القياس كالاتفاق على جزاء الصيد ومقدار أرش ~~الجناية وتقدير النفقة وعدالة الأئمة والقضاة وكل ذلك مظنون، وإن لم يكن ~~قياسا؟ ولهم شبه # الأولى: قولهم: كيف تتفق الأمة على اختلاف طباعها وتفاوت أفهامها في ~~الذكاء والبلادة على مظنون؟ # قلنا: إنما يمتنع مثل هذا الاتفاق في زمان واحد وساعة معينة؛ لأنهم في ~~مهلة النظر قد يختلفون، أما في أزمنة متمادية فلا يبعد أن يسبق الأذكياء ~~إلى الدلالة الظاهرة ويقررون ذلك عند ذوي البلادة فيقبلونه منهم ويساعدون ~~عليه، وأهل هذا المذهب قد جوزوا الإجماع على نفي القياس وإبطاله مع ظهور ~~أدلة صحته، فكيف يمتنع الإجماع على هذا؟ # PageV01P153 # الشبهة الثانية: قولهم: كيف تجتمع الأمة على قياس وأصل القياس مختلف فيه؟ ~~قلنا: إنما يفرض ذلك من الصحابة وهم متفقون عليه والخلاف حدث بعدهم، وإن ~~فرض بعد حدوث الخلاف فيستند القائلون بالقياس إلى القياس والمنكرون له إلى ~~اجتهاد ظنوا أنه ليس بقياس، وهو على التحقيق قياس؛ إذ قد يتوهم غير العموم ~~عموما وغير الأمر أمرا وغير القياس قياسا، وكذا عكسه. # الشبهة الثالثة: قولهم: إن الخطأ في الاجتهاد جائز، فكيف تجتمع الأمة على ~~ما يجوز فيه الخطأ؟ وربما قالوا: الإجماع منعقد على جواز مخالفة المجتهد، ~~فلو انعقد الإجماع عن قياس لحرمت المخالفة التي هي جائزة بالإجماع ولتناقض ~~الإجماعان. قلنا: إنما يجوز الخطأ في اجتهاد ينفرد به الآحاد، أما اجتهاد ~~الأمة المعصومة فلا يحتمل الخطأ كاجتهاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وقياسه فإنه لا يجوز خلافه لثبوت عصمته، فكذا عصمة الأمة من غير فرق. ### | [الباب الثالث في حكم الإجماع] # وحكمه وجوب الاتباع وتحريم المخالفة والامتناع عن كل ما ينسب الأمة إلى ~~تضييع الحق، والنظر فيما هو خرق ومخالفة وما ليس بمخالفة، يتهذب برسم ~~مسائل: # مسألة: إذا اجتمعت الأمة في المسألة على قولين، # كحكمهم مثلا في الجارية المشتراة إذا وطئها المشتري ثم وجد بها عيبا فقد ~~ذهب ms241 بعضهم إلى أنها ترد مع العقر، وذهب بعضهم إلى منع الرد. فلو اتفقوا على ~~هذين المذهبين كان المصير إلى الرد مجانا خرقا للإجماع عند الجماهير إلا ~~عند شذوذ من أهل الظاهر والشافعي إنما ذهب إلى الرد مجانا؛ لأن الصحابة ~~بجملتهم لم يخوضوا في المسألة، وإنما نقل فيها مذهب بعضهم، فلو خاضوا فيها ~~بجملتهم واستقر رأي جميعهم على مذهبين لم يجز إحداث مذهب ثالث. # ودليله أنه يوجب نسبة الأمة إلى تضييع الحق إذ لا بد للمذهب الثالث من ~~دليل ولا بد من نسبة الأمة إلى تضييعه والغفلة عنه، وذلك محال. ولهم شبه: # الشبهة الأولى: قولهم: إنهم خاضوا خوض مجتهدين ولم يصرحوا بتحريم قول ~~ثالث. قلنا: وإذا اتفقوا على قول واحد عن اجتهاد فهو كذلك ولم يجز خلافهم؛ ~~لأنه يوجب نسبتهم إلى تضييع الحق والغفلة عن دليله، فكذلك ههنا. # الشبهة الثانية: قولهم: إنه لو استدل الصحابة بدليل أو علة لجاز ~~الاستدلال بعلة أخرى؛ لأنهم لم يصرحوا ببطلانها، فكذلك القول الثالث لم ~~يصرحوا ببطلانه. # قلنا: فليجز خلافهم إذا اتفقوا عن اجتهاد إذ يجوز التعليل بعلة أخرى فيما ~~اتفقوا عليه. لكن الجواب أنه ليس من فرض دينهم الاطلاع على جميع الأدلة بل ~~يكفيهم معرفة الحق بدليل واحد، فليس في إحداث علة أخرى واستنباطها نسبة إلى ~~تضييع الحق وفي مخالفتهم في الحكم إذا اتفقوا نسبة إلى التضييع، فكذلك إذا ~~اختلفوا على قولين. # الشبهة الثالثة: أنه لو ذهب بعض الصحابة إلى أن اللمس والمس ينقضان ~~الوضوء، وبعضهم إلى أنهما لا ينقضان الوضوء ولم يفرق واحد بينهما، فقال ~~تابعي: ينقض أحدهما # PageV01P154 # دون الآخر، كان هذا جائزا، وإن كان قولا ثالثا. # قلنا: لأن حكمه في كل مسألة يوافق مذهب طائفة، وليس في المسألتين حكم ~~واحد، وليست التسوية مقصودة ولو قصدوها وقالوا: لا فرق واتفقوا عليه لم يجز ~~الفرق، وإذا فرقوا بين المسألتين واتفقوا على الفرق قصدا امتنع الجمع، أما ~~إذا لم يجمعوا ولم يفرقوا فلا يلتئم حكم واحد من مسألتين بل نقول صريحا: لا ~~يخلو إنسان عن معصية ms242 وخطأ في مسألة، فالأمة مجتمعة على المعصية والخطأ؛ وكل ~~ذلك ليس بمحال إنما يستحيل الخطأ بحيث يضيع الحق حتى لا يقوم به طائفة مع ~~قوله - عليه السلام -: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق» فلهذا نقول: يجوز ~~أن تنقسم الأمة في مسألتين إلى فرقتين وتخطئ فرقة في مسألة، والفرقة الأخرى ~~تقوم بالحق فيها والقائمون بالحق يخطئون في المسألة الأخرى، ويقوم بالحق ~~فيها المخطئون في المسألة الأولى، حتى يقول مثلا أحد شطري الأمة القياس ليس ~~بحجة والخوارج مبطلون، ويقول فريق آخر: القياس حجة والخوارج محقون، فيشملهم ~~الخطأ ولكن في مسألتين، فلا يكون الحق في مسألتين مضيعا بين الأمة في كل ~~واحد منهما. # الشبهة الرابعة: أن مسروقا أحدث في مسألة الحرام قولا ثالثا ولم ينكر ~~عليه منكر. قلنا: لم يثبت استقرار كافة الصحابة على رأيين في مسألة الحرام ~~بل ربما كان بعضهم فيها في مهلة النظر أو لم يخض فيها، أو لعل مسروقا خالف ~~الصحابة في ذلك الوقت ولم ينطق بوفاقهم وكان أهلا للاجتهاد في وقت وقوع هذه ~~المسألة، كيف ولم يصح هذا عن مسروق إلا بأخبار الآحاد؟ فلا يدفع بها ما ~~ذكرنا. ### | [مسألة انعقاد الإجماع بمخالفة واحد من الأمة أو اثنان] # مسألة إذا خالف واحد من الأمة أو اثنان لم ينعقد الإجماع دونه، فلو مات ~~لم تصر المسألة إجماعا خلافا لبعضهم. ودليلنا أن المحرم مخالفة الأمة كافة، ~~ومن ذهب إلى مذهب الميت بعد عصره لا يمكن أن يقال: مذهبه خلاف كافة الأمة؛ ~~لأن الميت من الأمة لا ينقطع مذهبه بموته، ولذلك يقال: فلان وافق الشافعي ~~أو خالفه، وذلك بعد موت الشافعي. فمذهب الميت لا يصير مهجورا بموته ولو صار ~~مهجورا لصار مذهب الجميع كالمنعدم عند موتهم حتى يجوز لمن بعدهم أن ~~يخالفهم. فإن قيل: فلو مات في مهلة النظر وهو بعد متوقف فماذا تقولون فيه؟ ~~قلنا: نقطع في طرفين واضحين أحدهما: أن يموت قبل الخوض في المسألة، وقبل أن ~~تعرض عليه فالباقون بعده كل الأمة، وإن خاض وأفتى فالباقون بعض الأمة، ms243 وإن ~~مات في مهلة النظر فهذا محتمل فإنه كما لم يخالفهم لم يوافقهم أيضا، بل ~~المتوقف مخالف للجازم لكنه بصدد الموافقة، فهذه المسألة محتملة عندنا والله ~~أعلم. . ### | [مسألة اتفاق التابعين على أحد قولي الصحابة] # مسألة إذا اتفق التابعون على أحد قولي الصحابة لم يصر القول الآخر مهجورا ~~ولم يكن الذاهب إليه خارقا للإجماع، خلافا للكرخي وجماعة من أصحاب أبي ~~حنيفة والشافعي وكثير من القدرية كالجبائي وابنه؛ لأنه ليس مخالفا لجميع ~~الأمة، فإن الذين ماتوا على ذلك المذهب هم من الأمة، والتابعون في تلك ~~المسألة بعض الأمة، وإن كانوا كل الأمة. فمذهبهم باختيار أحد القولين لا ~~يحرم القول الآخر. # فإن صرحوا بتحريم القول الآخر فنحن بين أمرين: إما أن نقول هذا محال ~~وقوعه؛ لأنه يؤدي إلى تناقض الإجماعين، إذ مضت الصحابة # PageV01P155 # مصرحة بتجويز الخلاف وهؤلاء اتفقوا على تحريم ما سوغوه. وإما أن نقول إن ~~ذلك ممكن ولكنهم بعض الأمة في هذه المسألة، والمعصية من بعض الأمة جائزة، ~~وإن كانوا كل الأمة في كل مسألة لم يخض الصحابة فيها، لكن هذا يخالف قوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين» إذ يكون ~~الحق قد ضاع في هذا الزمان، فلعل من يميل إلى هذا المذهب يجعل الحديث من ~~أخبار الآحاد. # فإن قيل: بم تنكرون على من يقول: هذا إجماع يجب اتباعه؟ وأما الصحابة فقد ~~اتفقوا على قولين بشرط أن لا يعثر من بعدهم على دليل يعين الحق في أحدهما. ~~قلنا: هذا تحكم واختراع عليهم، فإنهم لم يشترطوا هذا الشرط والإجماع حجة ~~قاطعة فلا يمكن الشرط في الحجة القاطعة، إذ يتطرق الاحتمال إليه ويخرج عن ~~كونه قاطعا. ولو جاز هذا لجاز أن يقال: إذا أجمعوا على قول واحد عن اجتهاد ~~فقد اتفقوا بشرط أن لا يعثر من بعدهم على دليل يعين الحق في خلافه، وقد مضت ~~الصحابة متفقة على تسويغ كل واحد من القولين فلا يجوز خرق إجماعهم. ### | [مسألة اختلفت الأمة على قولين ثم رجعوا إلى قول واحد] # مسألة ms244 إذا اختلفت الأمة على قولين ثم رجعوا إلى قول واحد صار ما اتفقوا ~~عليه إجماعا قاطعا عند من شرط انقراض العصر ويخلص من الإشكال. أما نحن إذا ~~لم يشترط فالإجماع الأول ولو في لحظة قد تم على تسويغ الخلاف، فإذا رجعوا ~~إلى أحد القولين فلا يمكننا في هذه الصورة أن نقول: هم بعض الأمة في هذه ~~المسألة كما ذكرناه في اتفاق التابعين على أحد قولي الصحابة فيعظم الإشكال. # وطرق الخلاص عنه خمسة: أحدهما: أن نقول هذا محال وقوعه وهو كفرض إجماعهم ~~على شيء ثم رجوعهم بأجمعهم إلى خلافه، أو اتفاق التابعين على خلافه ~~والشارطون لانقراض العصر يتخذون هذه المسألة عمدة لهم ويقولون مثلا: إذا ~~اختلفوا في مسألة النكاح بلا ولي فمن ذهب إلى بطلانه جاز له أن يصر عليه ~~فلم لا يجوز للآخرين أن يوافقوه مهما أظهر لهم دليل البطلان؟ وكيف يحجر على ~~المجتهد إذا تغير اجتهاده أن يوافق مخالفه؟ قلنا: هذا استبعاد محض، ونحن ~~نحيل ذلك؛ لأنه يؤدي إلى تناقض الإجماعين، فإن الإجماع الأول قد دل على ~~تسويغ الخلاف وعلى إيجاب التقليد على كل عامي لمن شاء من المجتهدين، ولا ~~يكون الاتفاق على تسويغ ذلك إلا عن دليل قاطع أو كالقاطع في تجويزه، وكيف ~~يتصور رفعه، وإحالة وقوع هذا التناقض في الإجماعين أقرب من التحكم باشتراط ~~العصر؟ ثم يبقى الإشكال في اتفاق التابعين بعد انقراض العصر الأول على ~~اختلاف قولين. # ثم لا خلاف في أنه يجوز الرجوع إلى أحدهما في القطعيات كما رجعوا إلى ~~قتال المانعين للزكاة بعد الخلاف وإلى أن الأئمة من قريش؛ لأن كل فريق يؤثم ~~مخالفه ولا يجوز مذهبه بخلاف المجتهدات، فإن الخلاف فيها مقرون بتجويز ~~الخلاف وتسويغ الأخذ بكل مذهب أدى إليه الاجتهاد من المذهبين. والمخلص ~~الثاني اشتراط انقراض العصر، وهو مشكل فإن اشتراطه تحكم. والمخلص الثالث ~~اشتراط كون الإجماع مستندا إلى قاطع لا إلى قياس واجتهاد، فإن من شرط هذا ~~يقول لا يحصل من اختلافهم إجماع على جواز كل مذهب بل ذلك أيضا مستند ms245 إلى ~~اجتهاد، فإذا رجعوا إلى واحد فالنظر إلى ما اتفقوا عليه لتعين الحق بدليل ~~قاطع في أحد المذهبين، وهو # PageV01P156 # مشكل؛ لأنه لو فتح هذا الباب لم يكن التعلق بالإجماع إذ ما من إجماع إلا ~~ويتصور أن يكون عن اجتهاد، فإذا انقسم الإجماع إلى ما هو حجة وإلى ما ليس ~~بحجة ولا فاصل سقط التمسك به وخرج عن كونه حجة، فإنه إن ظهر لنا القاطع ~~الذي هو مستندهم فيكون الحكم مستقلا بذلك القاطع ومستندا إليه لا إلى ~~الإجماع، ولأن قوله - عليه السلام -: «لا تجتمع أمتي على الخطأ» لم يفرق ~~بين إجماع وإجماع. # ولا يتخلص من هذا إلا من أنكر تصور الإجماع عن اجتهاد، وعند ذلك يناقض ~~آخر كلامه وله حيث قال: اتفاقهم على تسويغ الخلاف مستنده الاجتهاد. المخلص ~~الرابع: أن يقال: النظر إلى الاتفاق الأخير فأما في الابتداء فإنما جوز ~~الخلاف بشرط أن لا ينعقد إجماع على تعيين الحق في واحد. وهذا مشكل، فإنه ~~زيادة شرط في الإجماع والحجج القاطعة لا تقبل الشرط الذي يمكن أن يكون وأن ~~لا يكون، ولو جاز أن يقال الإجماع الثاني ليس بحجة بل إنما يكون حجة بشرط ~~أن لا يكون اتفاقا بعد اختلاف، وهذا أولى؛ لأنه يقطع عن الإجماع الشرط ~~المحتمل. المخلص الخامس: هذا وهو أن الأخير ليس بحجة ولا يحرم القول ~~المهجور؛ لأن الإجماع إنما يكون حجة بشرط أن لا يتقدم اختلاف، فإذا تقدم لم ~~يكن حجة. # وهذا أيضا مشكل؛ لأن قوله - عليه السلام -: «لا تجتمع أمتي على الخطأ» ~~يحسم باب الشرط ويوجب كون كل إجماع حجة كيف ما كان، فيكون كل واحد من ~~الإجماعين حجة ويتناقض، فلعل الأولى الطريق الأول، وهو أن هذا لا يتصور؛ ~~لأنه يؤدي إلى التناقض، وتصويره كتصوير رجوع أهل الإجماع عما أجمعوا عليه، ~~وكتصوير اتفاق التابعين على خلاف إجماع الصحابة وذلك مما يمتنع وقوعه بدليل ~~السمع فكذلك هذا. فإن قيل: فإذا ذهب جميع الأمة من الصحابة إلى العول إلا ~~ابن عباس وإلى منع بيع أمهات الأولاد إلا عليا، فإذا ms246 ظهر لهما الدليل على ~~العول وعلى منع البيع فلم يحرم عليهما الرجوع إلى موافقة سائر الأمة، وكيف ~~يستحيل أن يظهر لهما ما ظهر للأمة؟ ومذهبكم يؤدي إلى هذه الإحالة عند سلوك ~~الطريق الأول. # قلنا: لا إشكال على الطريق الأول إلا هذا، وسبيل قطعه أن يقال: لا يحرم ~~عليهما الرجوع لو ظهر لهما وجه ذلك، ولكنا نقول: يستحيل أن يظهر لهما وجه ~~أو يرجعا لا لامتناعه في ذاته لكن لإفضائه إلى ما هو ممتنع سمعا، والشيء ~~تارة يمتنع لذاته وتارة لغيره كاتفاق التابعين على إبطال القياس وخبر ~~الواحد، فإنه محال لا لذاته لكن لإفضائه إلى تخطئة الصحابة أو تخطئة ~~التابعين كافة، وهو ممتنع سمعا والله أعلم. ### | [مسألة أجمعت الصحابة على حكم ثم ذكر واحد منهم حديثا على خلافه] # مسألة: فإن قال قائل: إذا أجمعت الصحابة على حكم ثم ذكر واحد منهم حديثا ~~على خلافه ورواه، فإن رجعوا إليه كان الإجماع الأول باطلا، وإن أصروا على ~~خلاف الخبر فهو محال لا سيما في حق من يذكره تحقيقا، وإذا رجع هو كان ~~مخالفا للإجماع، وإن لم يرجع كان مخالفا للخبر، وهذا لا مخلص عنه إلا ~~باعتبار انقراض العصر فليعتبر. قلنا: عنه مخلصان أحدهما: أن هذا فرض محال، ~~فإن الله يعصم الأمة عن الإجماع على نقيض الخبر أو يعصم الراوي عن النسيان ~~إلى أن يتم الإجماع. # الثاني: أنا ننظر إلى أهل الإجماع، فإن أصروا تبين أنه حق وأن الخبر إما ~~أن يكون غلط فيه الراوي فسمعه من غير # PageV01P157 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وظن أنه سمعه من الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - أو تطرق إليه نسخ لم يسمعه الراوي وعرفه أهل الإجماع، وإن لم ~~ينكشف لنا، فإن رجع الراوي كان مخطئا؛ لأنه خالف الإجماع وهو حجة قاطعة، ~~وإن رجع أهل الإجماع إلى الخبر قلنا: كان ما أجمعوا عليه حقا في ذلك الزمان ~~إذ لم يكلفهم الله ما لم يبلغهم، كما يكون الحكم المنسوخ حقا قبل بلوغ ~~النسخ وكما لو تغير الاجتهاد، أو يكون ms247 كل واحد من الرأيين حقا عند من صوب ~~قول كل مجتهد. # فإن قيل: فإن جاز هذا فلم لا يجوز أن يقال: إذا أجمعت الأمة عن اجتهاد ~~جاز لمن بعدهم الخلاف بل جاز لهم الرجوع فإن ما قالوه كان حقا ما دام ذلك ~~الاجتهاد باقيا، فإذا تغير تغير الفرض والكل حق، لا سيما إذا اختلفوا عن ~~اجتهاد ثم رجعوا إلى قول واحد؟ وهلا قلتم إن ذلك جائز؛ لأنهم كانوا يجوزون ~~للذاهب إلى إنكار العول وبيع أم الولد القول به ما غلب ذلك على ظنه، فإذا ~~تغير ظنه تغير فرضه وحرم عليه ما كان سائغا له، ولا يكون هذا رفعا للإجماع ~~بل تجويزا للمصير إلى مذهب بشرط غلبة الظن، فإذا تغير الظن لم يكن مجوزا ~~ويكون هذا مخلصا سادسا في المسألة التي قبل هذه المسألة. # قلنا: ما أجمعوا عليه عن اجتهاد لا يجوز خلافه بعده لا؛ لأنه حق فقط لكن؛ ~~لأنه حق اجتمعت الأمة عليه، وقد أجمعت الأمة على أن كل ما أجمعت الأمة عليه ~~يحرم خلافه لا كالحق الذي يذهب إليه الآحاد، وأما إذا اختلفوا عن اجتهاد ~~فقد اتفقوا على جواز القول الثاني فيصير جواز المصير إليه أمرا متفقا عليه ~~ولا يجوز أن يقيد بشرط بقاء الاجتهاد، كما لو اتفقوا على قول واحد ~~بالاجتهاد فإنه لا يشترط فيه أن لا يتغير الاجتهاد بل يحرم خلافه مطلقا من ~~غير شرط فكذلك هذا. # فإن قيل: فلو ظهر للتابعين ذلك الخبر على خلاف ما أجمعت الصحابة عليه ~~ونقله إليهم من كان حاضرا عند إجماع أهل الحل والعقد ولم يكن الراوي من أهل ~~الحل والعقد؟ قلنا: يحرم على التابعين موافقته ويجب عليه اتباع الإجماع ~~القاطع، فإن خبر الواحد يحتمل النسخ والسهو والإجماع لا يحتمل ذلك. ### | [مسألة الإجماع لا يثبت بخبر الواحد] # خلافا لبعض الفقهاء، # والسر فيه أن الإجماع دليل قاطع يحكم به على الكتاب والسنة المتواترة، ~~وخبر الواحد لا يقطع به فكيف يثبت به قاطع؟ وليس يستحيل التعبد به عقلا لو ~~ورد كما ذكرناه في ms248 نسخ القرآن بخبر الواحد لكن لم يرد. فإن قيل: فليثبت في ~~حق وجوب العمل به إن لم يكن العمل به مخالفا. لكتاب ولا سنة متواترة، إذ ~~الإجماع كالنص في وجوب العمل والعمل بما ينقله الراوي من النص واجب، وإن لم ~~يحصل القطع به لصحة النص، فكذا الإجماع. قلنا: إنما يثبت العمل بخبر الواحد ~~اقتداء بالصحابة وإجماعهم عليه، وذلك فيما روي عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، أما ما روي عن الأمة من اتفاق أو إجماع فلم يثبت فيه نقل ~~وإجماع، ولو أثبتناه لكان ذلك بالقياس ولم يثبت لنا صحة القياس في إثبات ~~أصول الشريعة. هذا هو الأظهر، ولسنا نقطع ببطلان مذهب من يتمسك به في حق ~~العمل خاصة والله أعلم. ### | [مسألة الأخذ بأقل ما قيل ليس تمسكا بالإجماع] # خلافا لبعض الفقهاء. ومثاله: أن الناس اختلفوا في دية اليهودي فقيل: إنها ~~مثل دية المسلم، وقيل: إنها مثل نصفها، وقيل: # PageV01P158 # إنها ثلثها، فأخذ الشافعي بالثلث الذي هو الأقل وظن ظانون أنه تمسك ~~بالإجماع، وهو سوء ظن بالشافعي - رحمه الله - فإن المجمع عليه وجوب هذا ~~القدر فلا مخالف فيه، وإنما المختلف فيه سقوط الزيادة ولا إجماع فيه، بل لو ~~كان الإجماع على الثلث إجماعا على سقوط الزيادة لكان موجب الزيادة خارقا ~~للإجماع ولكان مذهبه باطلا على القطع، لكن الشافعي أوجب ما أجمعوا عليه ~~وبحث عن مدارك الأدلة فلم يصح عنده دليل على إيجاب الزيادة فرجع إلى ~~استصحاب الحال في البراءة الأصلية التي يدل عليها العقل، فهو تمسك ~~بالاستصحاب ودليل العقل لا بدليل الإجماع كما سيأتي معناه إن شاء الله ~~تعالى وهذا تمام الكلام في الإجماع الذي هو الأصل الثالث. ### | [الأصل الرابع دليل العقل والاستصحاب] # اعلم أن الأحكام السمعية لا تدرك بالعقل، لكن دل العقل على براءة الذمة ~~عن الواجبات وسقوط الحرج عن الخلق في الحركات والسكنات قبل بعثة الرسل - ~~عليهم السلام - وتأييدهم بالمعجزات. وانتفاء الأحكام معلوم بدليل العقل قبل ~~ورود السمع، ونحن على استصحاب ذلك إلى أن يرد السمع، فإذا ورد نبي ms249 وأوجب ~~خمس صلوات فتبقى الصلاة السادسة غير واجبة لا بتصريح النبي بنفيها، لكن كان ~~وجوبها منتفيا إذ لا مثبت للوجوب فبقي على النفي الأصلي؛ لأن نطقه بالإيجاب ~~قاصر على الخمسة فبقي على النفي في حق السادسة وكأن السمع لم يرد، وكذلك ~~إذا أوجب صوم رمضان بقي صوم شوال على النفي الأصلي، وإذا أوجب عبادة في وقت ~~بقيت الذمة بعد انقضاء الوقت على البراءة الأصلية، وإذا أوجب على القادر ~~بقي العاجز على ما كان عليه. # فإذا النظر في الأحكام إما أن يكون في إثباتها أو في نفيها، أما إثباتها ~~فالعقل قاصر عن الدلالة عليه، وأما النفي فالعقل قد دل عليه إلى أن يرد ~~الدليل السمعي بالمعنى الناقل من النفي الأصلي فانتهض دليلا على أحد ~~الشطرين وهو النفي، فإن قيل: إذا كان العقل دليلا بشرط أن لا يرد سمع فبعد ~~بعثة الرسل ووضع الشرع لا يعلم نفي السمع فلا يكون انتفاء الحكم معلوما، ~~ومنتهاكم عدم العلم بورود السمع وعدم العلم لا يكون حجة. # قلنا: انتفاء الدليل السمعي قد يعلم وقد يظن، فإنا نعلم أنه لا دليل على ~~وجوب صوم شوال ولا على وجوب صلاة سادسة، إذ نعلم أنه لو كان لنقل وانتشر ~~ولما خفي على جميع الأمة، وهذا علم بعدم الدليل، وليس هو عدم العلم ~~بالدليل، فإن عدم العلم بالدليل ليس بحجة والعلم بعدم الدليل حجة. أما الظن ~~فالمجتهد إذا بحث عن مدارك الأدلة في وجوب الوتر والأضحية وأمثالهما فرآها ~~ضعيفة ولم يظهر له دليل مع شدة بحثه وعنايته بالبحث غلب على ظنه انتفاء ~~الدليل فنزل ذلك منزلة العلم في حق العمل؛ لأنه ظن استند إلى بحث واجتهاد ~~وهو غاية الواجب على المجتهد. # فإن قيل: ولم يستحيل أن يكون واجبا ولا يكون عليه دليل أو يكون عليه دليل ~~لم يبلغنا؟ قلنا: أما إيجاب ما لا دليل عليه فمحال؛ لأنه تكليف بما لا ~~يطاق، ولذلك نفينا الأحكام قبل ورود السمع. وأما إن كان عليه دليل ولم ~~يبلغنا فليس دليلا في حقنا، إذ لا ms250 تكليف علينا إلا فيما بلغنا. فإن قيل: ~~فيقدر كل عامي أن ينفي مستندا إلى أنه لم يبلغه الدليل. قلنا: هذا إنما ~~يجوز للباحث # PageV01P159 # المجتهد المطلع على مدارك الأدلة القادر على الاستقصاء، كالذي يقدر على ~~التردد في بيته لطلب متاع إذا فتش وبالغ أمكنه أن يقطع بنفي المتاع أو يدعي ~~غلبة الظن، أما الأعمى الذي لا يعرف البيت ولا يبصر ما فيه فليس له أن يدعي ~~نفي المتاع من البيت. # فإن قيل: وهل للاستصحاب معنى سوى ما ذكرتموه؟ قلنا: يطلق الاستصحاب على ~~أربعة أوجه يصح ثلاثة منها: # الأول: ما ذكرناه. # والثاني: استصحاب العموم إلى أن يرد تخصيص واستصحاب النص إلى أن يرد نسخ، ~~وأما العموم فهو دليل عند القائلين به، وأما النص دليل على دوام الحكم بشرط ~~أن لا يرد نسخ كما دل العقل على البراءة الأصلية بشرط أن لا يرد سمع مغير. # الثالث: استصحاب حكم دل الشرع على ثبوته ودوامه، كالملك عند جريان العقد ~~المملك وكشغل الذمة عند جريان إتلاف أو التزام، فإن هذا، وإن لم يكن حكما ~~أصليا فهو حكم شرعي دل الشرع على ثبوته ودوامه جميعا، ولولا دلالة الشرع ~~على دوامه إلى حصول براءة الذمة لما جاز استصحابه. # فالاستصحاب ليس بحجة إلا فيما دل الدليل على ثبوته ودوامه بشرط عدم ~~المغير كما دل على البراءة العقل وعلى الشغل السمعي وعلى الملك الشرعي، ومن ~~هذا القبيل الحكم بتكرر اللزوم والوجوب إذا تكررت أسبابها كتكرر شهر رمضان ~~وأوقات الصلوات ونفقات الأقارب عند تكرر الحاجات إذا فهم انتصاب هذه ~~المعاني أسبابا لهذه الأحكام من أدلة الشرع إما بمجرد العموم عند القائلين ~~به أو بالعموم وجملة من القرائن عند الجميع، وتلك القرائن تكريرات وتأكيدات ~~وأمارات عرف حملة الشريعة قصد الشارع إلى نصبها أسبابا إذا لم يمنع مانع، ~~فلولا دلالة الدليل على كونها أسبابا لم يجز استصحابها، فإذن الاستصحاب ~~عبارة عن التمسك بدليل عقلي أو شرعي، وليس راجعا إلى عدم العلم بالدليل بل ~~إلى دليل مع العلم بانتفاء المغير أو مع ظن انتفاء ms251 المغير عند بذل الجهد في ~~البحث والطلب. ### | [مسألة لا حجة في استصحاب الإجماع] # الرابع: استصحاب الإجماع في محل الخلاف؛ وهو غير صحيح في محل الخلاف ~~ولنرسم فيه وفي افتقار النافي إلى دليل مسألتين: # مسألة: لا حجة في استصحاب الإجماع في محل الخلاف خلافا لبعض الفقهاء، ~~ومثاله المتيمم، إذا رأى الماء في خلال الصلاة مضى في الصلاة، لأن الإجماع ~~منعقد على صحة صلاته ودوامها، فطريان وجود الماء كطريان هبوب الريح وطلوع ~~الفجر وسائر الحوادث، فنحن نستصحب دوام الصلاة إلى أن يدل دليل على كون ~~رؤية الماء قاطعا للصلاة. # وهذا فاسد؛ لأن هذا المستصحب لا يخلو إما أن يقر بأنه لم يقم دليلا في ~~المسألة لكن قال: أنا ناف ولا دليل على النافي، وإما أن يظن أنه أقام ~~دليلا. فإن أقر بأنه لم يدل فسنبين وجوب الدليل على النافي، وإن ظن أنه ~~أقام دليلا فقد أخطأ، فإنا نقول: إنما يستدام الحكم الذي دل الدليل على ~~دوامه، فالدليل على دوام الصلاة ههنا لفظ الشارع أو إجماع، فإن كان لفظا ~~فلا بد من بيان لذلك اللفظ فلعله يدل على دوامها عند العدم لا عند الوجود، ~~فإن دل بعمومه على دوامها عند العدم والوجود جميعا كان ذلك تمسكا بعموم عند ~~القائلين به فيجب إظهار دليل التخصيص، وإن كان ذلك بإجماع فالإجماع منعقد ~~على دوام الصلاة عند العدم، أما حال الوجود فهو مختلف فيه ولا إجماع مع ~~الخلاف. # ولو كان الإجماع شاملا # PageV01P160 # حال الوجود لكان المخالف خارقا للإجماع كما أن المخالف في انقطاع الصلاة ~~عند هبوب الرياح وطلوع الفجر خارق للإجماع؛ لأن الإجماع لم ينعقد مشروطا ~~بعدم الهبوب وانعقد مشروطا بعدم الماء، فإذا وجد فلا إجماع، فيجب أن يقاس ~~حال الوجود على حال العدم المجمع عليه بعلة جامعة، فأما أن يستصحب الإجماع ~~عند انتفاء الإجماع فهو محال، وهذا كما أن العقل دل على البراءة الأصلية ~~بشرط أن لا يدل السمع فلا يبقى له دلالة مع وجود دليل السمع، وهاهنا انعقد ~~الإجماع بشرط العدم وانتفى الإجماع عند ms252 الوجود أيضا فهذه الدقيقة وهي أن كل ~~دليل يضاد نفس الخلاف فلا يمكن استصحابه مع الخلاف، والإجماع يضاده نفس ~~الخلاف إذ لا إجماع مع الخلاف بخلاف العموم والنص ودليل العقل فإن الخلاف ~~لا يضاده، فإن المخالف مقر بأن العموم تناول بصيغته محل الخلاف، إذ قوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل» شامل بصيغته ~~صوم رمضان مع خلاف الخصم فيه فيقول: أسلم شمول الصيغة لكني أخصصه بدليل، ~~فعليه الدليل. # وهاهنا المخالف لا يسلم شمول الإجماع محل الخلاف، إذ يستحيل الإجماع مع ~~الخلاف ولا يستحيل شمول الصيغة مع الدليل، فهذه الدقيقة لا بد من التنبه ~~لها. فإن قيل: الإجماع يحرم الخلاف فكيف يرتفع بالخلاف؟ قلنا: هذا الخلاف ~~غير محرم بالإجماع، وإنما لم يكن المخالف خارقا للإجماع، لأن الإجماع إنما ~~انعقد على حالة العدم لا على حالة الوجود، فمن ألحق الوجود بالعدم فعليه ~~الدليل. # فإن قيل: فالدليل الدال على صحة الشروع دال على دوامه إلى أن يقوم دليل ~~على انقطاعه. قلنا: فلينظر في ذلك الدليل أهو عموم أو نص يتناول حالة ~~الوجود أم لا؟ فإن كان هو الإجماع فالإجماع مشروط بالعدم فلا يكون دليلا ~~عند الوجود. فإن قيل: بم تنكرون على من يقول: الأصل أن كل ما ثبت دام إلى ~~وجود قاطع فلا يحتاج الدوام إلى دليل في نفسه، بل الثبوت هو الذي يحتاج إلى ~~الدليل، كما أنه إذا أثبت موت زيد وثبت بناء دار أو بلد كان دوامه بنفسه لا ~~بسبب؟ قلنا: هذا وهم باطل، لأن كل ما ثبت جاز أن يدوم وأن لا يدوم فلا بد ~~لدوامه من سبب ودليل سوى دليل الثبوت، ولولا دليل العادة على أن من مات لا ~~يحيا والدار إذا بنيت لا تنهدم ما لم تهدم أو يطل الزمان لما عرفنا دوامه ~~بمجرد ثبوته، كما إذا أخبر عن قعود الأمير وأكله ودخول الدار ولم تدل ~~العادة على دوام هذه الأحوال فإنا لا نقضي بدوام هذه الأحوال أصلا، فكذلك ~~خبر الشرع عن ms253 دوام الصلاة مع عدم الماء ليس خبرا عن دوامها مع الوجود ~~فيفتقر دوامها إلى دليل آخر. # فإن قيل: ليس هو مأمورا بالشروع فقط بل بالشروع مع الإتمام. قلنا: نعم هو ~~مأمور بالشروع مع العدم وبالإتمام مع العدم، أما مع الوجود فهو محل الخلاف ~~فما الدليل على أنه مأمور في حالة الوجود بالإتمام؟ فإن قيل، لأنه منهي عن ~~إبطال العمل وفي استعمال الماء إبطال العمل. قلنا: هذا الأمر انجرار إلى ما ~~جررناكم إليه وانقياد للحاجة إلى الدليل، وهذا الدليل، وإن كان ضعيفا فبيان ~~ضعفه ليس من حظ الأصولي. # ثم هو ضعيف، لأنه إن أردتم بالبطلان إحباط ثوابه فلا نسلم أنه لا يثاب ~~على فعله، وإن أردتم أنه أوجب عليه مثله فليس الصحة عبارة عما لا يجب فعل ~~مثله على ما قررناه من قبل. # فإن قيل: الأصل أنه لا يجب شيء # PageV01P161 # بالشك ووجوب استئناف الصلاة مشكوك فيه فلا يرتفع به اليقين. قلنا: هذا ~~يعارضه أن وجوب المضي في هذه الصلاة مشكوك فيه، وبراءة الذمة بهذه الصلاة ~~مع وجود الماء مشكوك فيه، فلا يرتفع به اليقين. # ثم نقول: من يوجب الاستئناف يوجبه بدليل يغلب على الظن كما يرفع البراءة ~~الأصلية بدليل يغلب على الظن، كيف واليقين قد يرفع بالشك في بعض المواضع؟ ~~فالمسائل فيه متعارضة، وذلك إذا اشتبهت ميتة بمذكاة ورضيعة بأجنبية وماء ~~طاهر بماء نجس، ومن نسي صلاة من خمس صلوات، احتجوا بأن الله تعالى صوب ~~الكفار في مطالبتهم للرسل بالبرهان حين قال تعالى: {تريدون أن تصدونا عما ~~كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين} [إبراهيم: 10] فقد اشتغل الناس ~~بالبراهين المغيرة للاستصحاب. # قلنا:، لأنهم لم يستصحبوا الإجماع بل النفي الأصلي الذي دل العقل عليه، ~~إذ الأصل في فطرة الآدمي أن لا يكون نبيا، وإنما يعرف ذلك بآيات وعلامات ~~فهم مصيبون في طلب البرهان ومخطئون في المقام على دين آبائهم بمجرد الجهل ~~من غير برهان. ### | [مسألة النافي هل عليه دليل] # مسألة اختلفوا في أن النافي هل عليه دليل؟ فقال قوم: لا دليل عليه وقال ms254 ~~قوم: لا بد من الدليل، وفرق فريق ثالث بين العقليات والشرعيات فأوجبوا ~~الدليل في العقليات دون الشرعيات، والمختار أن ما ليس بضروري فلا يعرف إلا ~~بدليل، والنفي فيه كالإثبات، وتحقيقه أن يقال للنافي: ما ادعيت نفيه عرفت ~~انتفاءه أو أنت شاك فيه؟ فإن أقر بالشك فلا يطالب الشاك بالدليل، فإنه ~~يعترف بالجهل وعدم المعرفة. # وإن قال: أنا متيقن للنفي قيل: يقينك هذا حصل عن ضرورة أو عن دليل؟ ولا ~~تعد معرفة النفي ضرورة فإنا نعلم أنا لسنا في لجة بحر أو على جناح نسر، ~~وليس بين أيدينا نيل ولا تعد معرفة النفي ضرورة. وإن لم يعرفه ضرورة فإنما ~~عرفه عن تقليد أو عن نظر، فالتقليد لا يفيد العلم، فإن الخطأ جائز على ~~المقلد، والمقلد معترف بعمى نفسه، وإنما يدعي البصيرة لغيره، وإن كان عن ~~نظر فلا بد من بيانه فهذا أصل الدليل. # ويتأيد بلزوم إشكالين بشعين على إسقاط الدليل عن النافي، وهو أن لا يجب ~~الدليل على نافي حدوث العالم ونافي الصانع النبوات ونافي تحريم الزنا ~~والخمر والميتة ونكاح المحارم وهو محال. # والثاني: أن الدليل إذا سقط عن هؤلاء لم يعجز أن يعبر المثبت عن مقصود ~~إثباته بالنفي، فيقول بدل قوله: محدث إنه ليس بقديم، وبدل قوله: قادر إنه ~~ليس بعاجز، ما يجري مجراه. ولهم في المسألة شبهتان. # الشبهة الأولى: قولهم: إنه لا دليل على المدعى عليه بالدين، لأنه ناف. ~~والجواب من أربعة أوجه: # الأول: أن ذلك ليس لكونه نافيا ولا لدلالة العقل على سقوط الدليل عن ~~النافي. بل ذلك بحكم الشرع لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «البينة على ~~المدعي واليمين على من أنكر» ولا يجوز أن يقاس عليه غيره؛ لأن الشرع إنما ~~قضى به للضرورة، إذ لا سبيل إلى إقامة دليل على النفي فإن ذلك إنما يعرف ~~بأن يلازمه عدد التواتر من أول وجوده إلى وقت الدعوى فيعلم انتفاء سبب ~~اللزوم قولا وفعلا بمراقبة اللحظات، فكيف يكلف إقامة البرهان على ما يستحيل ~~إقامة البرهان عليه؟ بل المدعي أيضا لا ms255 دليل عليه،؛ لأن قول الشاهدين لا ~~يحصل المعرفة بل الظن بجريان سبب اللزوم من إتلاف أو دين وذلك في الماضي، ~~أما في # PageV01P162 # الحال فلا يعلم الشاهد شغل الذمة فإنه يجوز براءتها بأداء أو إبراء، ولا ~~سبيل للخلق إلى معرفة شغل الذمة وبراءتها إلا بقول الله تعالى وقول الرسول ~~المعصوم، ولا ينبغي أن يظن أن على المدعي أيضا دليلا، فإن قول الشاهد إنما ~~صار دليلا بحكم الشرع، فإن جاز ذلك فيمين المدعى عليه أيضا لازم فليكن ذلك ~~دليلا. # والجواب الثاني: أن المدعى عليه يدعي علم الضرورة ببراءة ذمة نفسه، إذ ~~يتيقن أنه لم يتلف ولم يلتزم ويعجز الخلق كلهم عن معرفته، فإنه لا يعرفه ~~إلا الله تعالى، فالنافي في العقليات إن ادعى معرفة النفي ضرورة فهو محال، ~~وإن أقر بأنه مختص بمعرفته اختصاصا لا يمكن أن يشاركه فيه إلا الله فعند ~~ذلك لا يطالب بالدليل، وكذلك أنه إذا أخبر عن نفسه بنفي الجوع ونفي الخوف ~~وما جرى مجراه، وعند ذلك يستوي الإثبات والنفي، فإنه لو ادعى وجود الجوع ~~والخوف كان ذلك معلوما له ضرورة يعسر على غيره معرفته، والعقليات مشتركة، ~~النفي منها والإثبات، والمحسوسات أيضا يستوي فيها النفي والإثبات. # الثالث: أن النافي في مجلس الحكم عليه دليل وهي اليمين كما على المدعي ~~دليل، وهو البينة وهذا ضعيف، إذ اليمين يجوز أن تكون فاجرة، فأي دلالة لها ~~من حيث العقل لولا حكم الشرع؟ نعم هو كالبينة، فإن قول الشاهدين أيضا يجوز ~~أن يكون غلطا وزورا، فاستعماله من هذا الوجه صحيح كما سبق، أو يقال: كما ~~وجب على النافي في مجلس القضاء أن يعضد جانبه بزيادة على دعوى النفي فليجب ~~ذلك في الأحكام فهذا أيضا له وجه. # الرابع: أن يد المدعى عليه دليل على نفي ملك المدعي وهو ضعيف؛ لأن اليد ~~تسقط دعوى المدعي شرعا، وإلا فاليد قد تكون عن غصب وعارية فأي دلالة لها؟ # الشبهة الثانية: وهي أنه كيف يكلف الدليل على النفي وهو متعذر كإقامة ~~الدليل على براءة الذمة؟ فنقول تعذره ms256 غير مسلم، فإن النزاع إما في العقليات ~~وإما في الشرعيات، أما العقليات فيمكن أن يدل على نفيها بأن إثباتها يفضي ~~إلى المحال وما أفضى إلى المحال فهو محال، لقوله تعالى: {لو كان فيهما آلهة ~~إلا الله لفسدتا} [الأنبياء: 22] . # ومعلوم أنهما لم تفسدا، فدل ذلك على نفي الثاني. ويمكن إثباته بالقياس ~~الشرطي الذي سميناه في المقدمة طريق التلازم، فإن كل إثبات له لوازم، ~~فانتفاء اللازم يدل على انتفاء الملزوم، وكذلك المتحدي ليس نبيا إذ لو كان ~~نبيا لكان معه معجزة، إذ تكليف المحال محال فهذا طريق وهو الصحيح الطريق ~~الثاني: أن يقال للمثبت لو ثبت ما ادعيته لعلم ذلك بضرورة أو دليل. # ولا ضرورة مع الخلاف ولا دليل فيدل ذلك على الانتفاء. وهذا فاسد، فإنه ~~ينقلب على النافي فيقال له: لو انتفى الحكم لعلم انتفاؤه بضرورة أو بدليل ~~ولا ضرورة ولا دليل. ولا يمكنه أن يتمسك بالاستصحاب بأن يقول مثلا: الأصل ~~عدم إله ثان فمن ادعاه فعليه الدليل، إذ لا يسلم له أن الأصل العدم بخلاف ~~البراءة الأصلية فإن العقل قد دل على نفي الحكم قبل السمع من حيث دل على أن ~~الحكم هو التكليف والخطاب من الله تعالى وتكليف المحال محال. # ولو كلفناه من غير رسول مصدق بالمعجزة يبلغ إلينا تكليفه كان ذلك تكليف ~~محال، فاستندت البراءة الأصلية إلى دليل عقلي بخلاف عدم الإله الثاني. وأما ~~قولهم: لو ثبت إله ثان لكان لله تعالى عليه دليل، فهو تحكم من وجهين: # أحدهما: أنه يجوز # PageV01P163 # أن لا ينصب الله تعالى على بعض الأشياء دليلا ويستأثر بعلمه. # الثاني: أنه يجوز أن ينصب عليه دليلا ونحن لا نتنبه له ويتنبه له بعض ~~الخواص أو بعض الأنبياء ومن خصص بحاسة سادسة وذوق آخر، بل الذي يقطع به أن ~~الأنبياء يدركون أمورا نحن لا ندركها وأن في مقدورات الله أمورا ليس في قوة ~~البشر معرفتها ويجوز أن يكون لله تعالى صفات لا تدرك بهذه الحواس ولا بهذا ~~العقل بل بحاسة سادسة أو سابعة، بل لا يستحيل ms257 أن تكون اليد والوجه عبارة عن ~~صفات لا نفهمها ولا دليل عليها ولو لم يرد السمع بها لكان نفيها خطأ فلعل ~~من الصفات من هذا القبيل ما لم يرد السمع بالتعبير عنه ولا فينا قوة ~~إدراكها، بل لو لم يخلق لنا السمع لأنكرنا الأصوات ولم نفهمها. # ولو لم يخلق لنا ذوق الشعر لأنكرنا تفرقة صاحب العروض بين الموزون وغير ~~الموزون، فما يدرينا أن في قدرة الله تعالى أنواعا من الحواس لو خلقها لنا ~~لأدركنا بها أمورا أخر نحن ننفيها؟ فكان هذا إنكارا بالجهل ورميا في ~~العماية. # أما الشرعيات فقد تصادف الدليل عليها من الإجماع كنفي وجوب صوم شوال ~~وصلاة الضحى، أو النص كقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا زكاة في الحلي ولا ~~زكاة في المعلوفة» أو من القياس كقياس الخضراوات على الرمان والبطيخ ~~المنصوص على نفي الزكاة عنه كقول الراوي: لا زكاة في الرمان والبطيخ بل هو ~~عفو عفا عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وقد لا يساعد مثل هذا ~~الدليل فنبحث عن مدارك الإثبات، فإذا لم نجد رجعنا إلى الاستصحاب للنفي ~~الأصلي الثابت بدليل العقل، وهو دليل عند عدم ورود السمع. # وحيث أوردنا في تصانيف الخلاف أن النافي لا دليل عليه أردنا به أنه ليس ~~عليه دليل سمعي، إذ يكفيه استصحاب البراءة الأصلية التي كنا نحكم بها لولا ~~بعثة الرسول وورود السمع. فإن قيل: دليل العقل مشروط بانتفاء السمع وانتفاء ~~السمع غير معلوم وعدم العلم به لا يدل على عدمه ولا سبيل إلى دعوى العلم ~~بانتفائه فإن ذلك لا يعلم. # قلنا: قد بينا أن انتفاءه تارة يعلم كما في انتفاء وجوب صوم شوال وصلاة ~~الضحى، وتارة يظن بأن يبحث من هو من أهل البحث عن مدارك الشرع والظن فيه ~~كالعلم؛ لأنه صادر عن اجتهاد، إذ قد يقول لو كان لوجدته، فإذا لم أجده مع ~~شدة بحثي دل أنه ليس بكائن، كطالب المتاع في البيت إذا استقصى. فإن قيل: ~~أليس للاستقصاء غاية محدودة بل للبحث بداية ووسط ونهاية، فمتى ms258 يحل له أن ~~ينفي الدليل السمعي المغير؟ قلنا: مهما رجع رجع إلى نفسه فعلم أنه بذل غاية ~~وسعه في الطلب كطالب المتاع في البيت. # فإن قيل: البيت محصور وطلب اليقين فيه ممكن ومدارك الشرع غير محصورة، فإن ~~الكتاب، وإن كان محصورا فالأخبار غير محصورة، وربما كان راوي الحديث ~~مجهولا. قلنا: إن كان ذلك في ابتداء الإسلام قبل انتشار الأخبار ففرض كل ~~مجتهد ما هو جهد رأيه إلى أن يبلغه الخبر، وإن كان بعد أن رويت الأخبار ~~وصنفت الصحاح فما دخل فيها محصور عند أهلها، وقد انتهى إلى المجتهدين ~~وأوردوها في مسائل الخلاف وعلى الجملة فدلالة العقل على النفي الأصلي ~~مشروطة بنفي المغير كما أن دلالة العموم مشروطة بنفي المخصص وكل واحد من ~~المخصص والمغير تارة يعلم انتفاؤه وتارة يظن وكل واحد دليل في الشرع. هذا ~~إتمام الكلام في الأصل الرابع # PageV01P164 # وهو منتهى الكلام في القطب الثاني المشتمل على أصول الأدلة المثمرة التي ~~هي الكتاب والسنة والإجماع والعقل. ### | [خاتمة القطب ما يظن أنه من أصول الأدلة وليس منها] ### | [الأصل الأول من الأصول الموهومة شرع من قبلنا] # خاتمة لهذا القطب ببيان أن ثم ما يظن أنه من أصول الأدلة وليس منها وهو ~~أيضا أربعة: شرع من قبلنا وقول الصحابي، والاستحسان، والاستصلاح. فهذه أيضا ~~لا بد من شرحها. # الأصل الأول من الأصول الموهومة: شرع من قبلنا من الأنبياء فيما لم يصرح ~~شرعنا بنسخه. ونقدم على هذا الأصل مسألة، وهي أنه - صلى الله عليه وسلم - ~~قبل مبعثه هل كان متعبدا بشرع أحد من الأنبياء؟ منهم من قال لم يكن متعبدا، ~~ومنهم من قال: كان متعبدا. ثم منهم من نسبه إلى نوح - عليه السلام - وقوم ~~نسبوه إلى إبراهيم - عليه السلام - وقوم نسبوه إلى موسى، وقوم إلى عيسى - ~~عليهما السلام - والمختار أن جميع هذه الأقسام جائز عقلا، لكن الواقع منه ~~غير معلوم بطريق قاطع، ورجم الظن فيما لا يتعلق به الآن تعبد عملي لا معنى ~~له. فإن قيل: الدليل القاطع أنه لم يكن على ملة أنه ms259 لو كان لافتخر به أولئك ~~القوم ونسبوه إلى أنفسهم ولكان يشتهر تلبسه بشعارهم وتتوفر الدواعي على ~~نقله. # قلنا: هذا يعارضه أنه لو كان منسلخا عن التكليف والتعبد بالشرائع لظهر ~~بمخالفته أصناف الخلق وتوفرت الدواعي على نقله، ويشبه أن يكون اختفاء حاله ~~قبل البعث معجزة خارقة للعادة، وذلك من عجائب أموره وللمخالف شبهتان: # الأولى: أن موسى وعيسى دعوا إلى دينهما كافة المكلفين من عباد الله تعالى ~~فكان هو داخلا تحت العموم، وهذا باطل من وجهين: # أحدهما أنه لم ينقل إلينا على التواتر عنهما عموم صيغة حتى ننظر في فحواه ~~فلا مستند لهذه الدعوى إلا المقايسة بدين نبينا - صلى الله عليه وسلم - ~~والمقايسة في مثل هذا باطل، وإن كان عموم فلعله استثنى عنه من ينسخ ~~شريعتهما. # الثاني: أنه ربما كان زمانه زمان فترة الشرائع واندراسها وتعذر القيام ~~بها ولأجله بعث - صلى الله عليه وسلم -، فمن أين يعلم قيام الحجة على تفصيل ~~شريعتهما؟ # الثانية: من شبههم أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي ويحج ويعتمر ~~ويتصدق ويذبح الحيوان ويجتنب الميتة، وذلك لا يرشد إليه العقل. # قلنا: هذا فاسد من وجهين: # أحدهما: أن شيئا من ذلك لم يتواتر بنقل مقطوع به ولا سبيل إلى إثباته ~~بالظن. # الثاني: أنه ربما ذبح الحيوان بناء على أنه لا تحريم إلا بالسمع ولا حكم ~~قبل ورود الشرع، وترك الميتة عيافة بالطبع كما ترك أكل الضب عيافة، والحج ~~والصلاة إن صح فلعله تبركا بما نقل جملته من أنبياء السلف، وإن اندرس ~~تفصيله. # ونرجع الآن إلى الأصل المقصود، وهو أنه بعد بعثته هل كان متعبدا بشريعة ~~من قبله؟ والقول في الجواز العقلي والوقوع السمعي، أما الجواز العقلي فهو ~~حاصل إذ لله تعالى أن يتعبد عباده بما شاء من شريعة سابقة أو مستأنفة أو ~~بعضها سابقة وبعضها مستأنفة، ولا يستحيل منه شيء لذاته ولا لمفسدة فيه. # وزعم بعض القدرية أنه لا يجوز بعثة نبي إلا بشرع مستأنف، فإنه إن لم يجدد ~~أمرا فلا فائدة في بعثته، ولا يرسل الله تعالى رسولا ms260 بغير فائدة. ويلزمهم ~~على هذا # PageV01P165 # تجويز بعثته بمثل ذلك الشريعة إذا كانت قد اندرست وإرساله بمثلها إذا ~~كانت قد اشتملت على زوائد، وأن يكون الأول مبعوثا إلى قوم، والثاني مبعوثا ~~إليهم وإلى غيرهم، ولعلهم يخالفون إذا كانت الأولى غضة طرية ولم تشتمل ~~الثانية على مزيد فنقول: يدل على جوازه ما يدل على جواز نصب دليلين وبعثة ~~رسولين معا كما قال تعالى: {إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث} ~~[يس: 14] وكما أرسل موسى وهارون وداود وسليمان، بل كخلق العينين مع ~~الاكتفاء في الإبصار بإحداهما. # ثم كلامهم بناء على طلب الفائدة في أفعال الله تعالى، وهو تحكم أما ~~الوقوع السمعي فلا خلاف في أن شرعنا ليس بناسخ جميع الشرائع بالكلية إذ لم ~~ينسخ وجوب الإيمان وتحريم الزنا والسرقة والقتل والكفر، ولكن حرم عليه - ~~صلى الله عليه وسلم - هذه المحظورات بخطاب مستأنف أو بالخطاب الذي نزل إلى ~~غيره وتعبد باستدامته ولم ينزل عليه الخطاب إلا بما خالف شرعهم، فإذا نزلت ~~واقعة لزمه اتباع دينهم إلا إذا نزل عليه وحي مخالف لما سبق فإلى هذا يرجع ~~الخلاف، والمختار أنه لم يتعبد - صلى الله عليه وسلم - بشريعة من قبله، ~~ويدل عليه أربعة مسالك: # المسلك الأول: «أنه - صلى الله عليه وسلم - لما بعث معاذا إلى اليمن قال ~~له: بم تحكم؟ قال: بالكتاب والسنة والاجتهاد» ولم يذكر التوراة والإنجيل ~~وشرع من قبلنا فزكاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصوبه. # ولو كان ذلك من مدارك الأحكام لما جاز العدول إلى الاجتهاد إلا بعد العجز ~~عنه. فإن قيل: إنما لم يذكر التوراة والإنجيل؛ لأن في الكتاب آيات تدل على ~~الرجوع إليهما. قلنا سنبين سقوط تمسكهم بتلك الآيات، بل فيه قوله تعالى ~~{لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} [المائدة: 48] وقال - صلى الله عليه وسلم - ~~«لو كان موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي» . # ثم نقول: في الكتاب ما يدل على اتباع السنة والقياس فكان ينبغي أن يقتصر ~~على ذكر الكتاب، فإن شرع في التفصيل كانت الشريعة السابقة أهم مذكور. فإن ~~قيل: ms261 اندرجت التوراة والإنجيل تحت الكتاب فإنه اسم يعم كل كتاب. قلنا: إذا ~~ذكر الكتاب والسنة لم يسبق إلى فهم المسلمين شيء سوى القرآن، وكيف يفهم ~~غيره ولم يعهد من معاذ قط تعلم التوراة والإنجيل والعناية بتمييز المحرف عن ~~غيره كما عهد منه تعلم القرآن؟ ولو وجب ذلك لتعلمه جميع الصحابة؛ لأنه كتاب ~~منزل لم ينسخ إلا بعضه وهو مدرك بعض الأحكام ولم يتعهد حفظ القرآن إلا لهذه ~~العلة، وكيف «وطالع عمر - رضي الله عنه - ورقة من التوراة فغضب - صلى الله ~~عليه وسلم - حتى احمرت عيناه وقال: لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي؟» . # المسلك الثاني: أنه - صلى الله عليه وسلم - لو كان متعبدا بها للزمه ~~مراجعتها والبحث عنها، ولكان لا ينتظر الوحي ولا يتوقف في الظهار ورمي ~~المحصنات والمواريث، ولكان يرجع أولا إليها لا سيما أحكام هي ضرورة كل أمة ~~فلا تخلو التوراة عنها، فإن لم يراجعها لاندراسها وتحريفها فهذا يمنع ~~التعبد، وإن كان ممكنا فهذا يوجب البحث والتعلم ولم يراجع قط إلا في رجم ~~اليهود ليعرفهم أن ذلك ليس مخالفا لدينهم. # PageV01P166 # المسلك الثالث: أن ذلك لو كان مدركا لكان تعلمها ونقلها وحفظها من فروض ~~الكفايات كالقرآن والأخبار، ولوجب على الصحابة مراجعتها في تعرف الأحكام ~~كما وجب عليهم المناشدة في نقل الأخبار ولرجعوا إليها في مواضع اختلافهم ~~حيث أشكل عليهم كمسألة العول وميراث الجد والمفوضة وبيع أم الولد وحد الشرب ~~والربا في غير النسيئة ومتعة النساء ودية الجنين وحكم المكاتب إذا كان عليه ~~شيء من النجوم والرد بالعيب بعد الوطء والتقاء الختانين وغير ذلك من أحكام ~~لا تنفك الأديان والكتب عنها ولم ينقل عن واحد منهم مع طول أعمارهم وكثرة ~~وقائعهم واختلافاتهم مراجعة التوراة لا سيما وقد أسلم من أحبارهم من تقوم ~~الحجة بقولهم كعبد الله بن سلام وكعب الأحبار ووهب وغيرهم، ولا يجوز القياس ~~إلا بعد اليأس من الكتاب، فكيف يحصل القياس قبل العلم؟ # المسلك الرابع: إطباق الأمة قاطبة على أن هذه الشريعة ناسخة، وأنها شريعة ~~رسولنا - صلى ms262 الله عليه وسلم - بجملتها، ولو تعبد بشرع غيرها لكان مخبرا لا ~~شارعا، ولكان صاحب نقل لا صاحب شرع. # إلا أن هذا ضعيف؛ لأنه إضافة تحتمل المجاز، وأن يكون معلوما بواسطته، وإن ~~لم يكن هو شارعا لجميعه، وللمخالف التمسك بخمس آيات وثلاثة أحاديث: # الآية الأولى: أنه تعالى لما ذكر الأنبياء قال: {أولئك الذين هدى الله ~~فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90] قلنا أراد بالهدى التوحيد، ودلالة الأدلة ~~العقلية على وحدانيته وصفاته بدليلين: # أحدهما: أنه قال: {فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90] ولم يقل بهم، وإنما ~~هداهم الأدلة التي ليست منسوبة إليهم، أما الشرع فمنسوب إليهم فيكون ~~اتباعهم فيه اقتداء بهم. # الثاني: أنه كيف أمر بجميع شرائعهم وهي مختلفة وناسخة ومنسوخة ومتى بحث ~~عن جميع ذلك، وشرائعهم كثيرة، فدل على أنه أراد الهدى المشترك بين جميعهم ~~وهو التوحيد. # الآية الثانية: قوله تعالى: {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا} ~~[النحل: 123] وهذا يتمسك به من نسبه إلى إبراهيم - عليه السلام -، وتعارضه ~~الآية الأولى. ثم لا حجة فيها إذ قال: {أوحينا إليك} [النحل: 123] فوجب بما ~~أوحى إليه لا بما أوحي إلى غيره وقوله: {أن اتبع} [النحل: 123] أي: افعل ~~مثل فعله، وليس معناه كن متبعا له وواحدا من أمته، كيف والملة عبارة عن أصل ~~الدين والتوحيد والتقديس الذي تتفق فيه جميع الشرائع؟ ولذلك قال تعالى: ~~{ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه} [البقرة: 130] ولا يجوز تسفيه ~~الأنبياء المخالفين له. # ويدل عليه أنه لم يبحث عن ملة إبراهيم، وكيف كان يبحث مع اندراس كتابه ~~وإسناد أخباره؟ # الآية الثالثة: قوله تعالى {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا} [الشورى: ~~13] وهذا يتمسك به من نسبه إلى نوح - عليه السلام -. وهو فاسد، إذ تعارضه ~~الآيتان السابقتان. ثم الدين عبارة عن أصل التوحيد، وإنما خصص نوحا بالذكر ~~تشريفا له وتخصيصا، ومتى راجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تفصيل شرع ~~نوح؟ وكيف أمكن ذلك مع أنه أقدم الأنبياء وأشد الشرائع اندراسا؟ كيف وقد ~~قال تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به ms263 نوحا} [الشورى: 13] فلو قال شرع ~~لنوح ما وصاكم به " لكان ربما دل هذا على غرضهم، وأما هذا فيصرح بضده. # الآية الرابعة: قوله تعالى {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها ~~النبيون} [المائدة: 44] الآية، وهو أحد الأنبياء # PageV01P167 # فليحكم بها. واستدل بهذا من نسبه إلى موسى - عليه السلام -، وتعارضه ~~الآيات السابقة. ثم المراد بالنور والهدى أصل التوحيد وما يشترك فيه ~~النبيون دون الأحكام المعرضة للنسخ، ثم لعله أراد النبيين في زمانه دون من ~~بعدهم، ثم هو على صيغة الخبر لا على صيغة الأمر فلا حجة فيه. ثم يجوز أن ~~يكون المراد حكم النبيين بها بأمر ابتدأهم به الله تعالى وحيا إليهم لا ~~بوحي موسى - عليه السلام -. # الآية الخامسة: قوله تعالى بعد ذكر التوراة وأحكامها: {ومن لم يحكم بما ~~أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44] قلنا: المراد به ومن لم يحكم ~~بما أنزل الله مكذبا به وجاحدا له لا من حكم بما أنزل الله عليه خاصة أو من ~~لم يحكم به ممن أوجب عليه الحكم به من أمته وأمة كل نبي إذا خالفت ما أنزل ~~على نبيهم أو يكون المراد به: يحكم بمثلها النبيون، وإن كان بوحي خاص إليهم ~~لا بطريق التبعية. # وأما الأحاديث فأولها: «أنه - صلى الله عليه وسلم - طلب منه القصاص في سن ~~كسرت، فقال: كتاب الله يقضي بالقصاص» وليس في القرآن قصاص السن إلا ما حكي ~~عن التوراة في قوله تعالى: {والسن بالسن} [المائدة: 45] . قلنا: بل فيه ~~{فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} [البقرة: 194] # الحديث الثاني: قوله - صلى الله عليه وسلم - «من نام عن صلاة أو نسيها ~~فليصلها إذا ذكرها وقرأ قوله تعالى: {وأقم الصلاة لذكري} [طه: 14] » وهذا ~~خطاب مع موسى - عليه السلام -. # قلنا: ما ذكره - صلى الله عليه وسلم - تعليلا للإيجاب، لكن أوجب بما أوحي ~~إليه ونبه على أنهم أمروا كما أمر موسى وقوله {لذكري} [طه: 14] أي: لذكر ~~إيجابي للصلاة، ولولا الخبر لكان السابق إلى الفهم أنه لذكر الله تعالى ~~بالقلب أو لذكر الصلاة بالإيجاب. ms264 # الحديث الثالث: مراجعته - صلى الله عليه وسلم - التوراة في رجم اليهوديين ~~وكان ذلك تكذيبا لهم في إنكار الرجم إذ كان يجب أن يراجع الإنجيل فإنه آخر ~~ما أنزل الله، فلذلك لم يراجع في واقعة سوى هذه والله أعلم. ### | [الأصل الثاني من الأصول الموهومة قول الصحابي] # . وقد ذهب قوم إلى أن مذهب الصحابي حجة مطلقا، وقوم إلى أنه حجة إن خالف ~~القياس، وقوم إلى أن الحجة في قول أبي بكر وعمر خاصة لقوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «اقتدوا باللذين من بعدي» وقوم إلى أن الحجة في قول الخلفاء ~~الراشدين إذا اتفقوا. # والكل باطل عندنا فإن من يجوز عليه الغلط والسهو ولم تثبت عصمته عنه فلا ~~حجة في قوله، فكيف يحتج بقولهم مع جواز الخطأ؟ وكيف تدعى عصمتهم من غير حجة ~~متواترة؟ وكيف يتصور عصمة قوم يجوز عليهم الاختلاف؟ وكيف يختلف المعصومان؟ ~~كيف وقد اتفقت الصحابة على جواز مخالفة الصحابة فلم ينكر أبو بكر وعمر على ~~من خالفهما بالاجتهاد، بل أوجبوا في مسائل الاجتهاد على كل مجتهد أن يتبع ~~اجتهاد نفسه؟ فانتفاء الدليل على العصمة ووقوع الاختلاف بينهم وتصريحهم ~~بجواز مخالفتهم فيه ثلاثة أدلة قاطعة وللمخالف خمس شبه: # الشبهة الأولى: قولهم: وإن لم تثبت عصمتهم، فإذا تعبدنا باتباعهم لزم ~~الاتباع، كما أن الراوي الواحد لم تثبت عصمته لكن لزم اتباعه للتعبد به، ~~وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» ~~والجواب أن هذا الخطاب مع عوام أهل عصره - صلى الله عليه وسلم - # PageV01P168 # بتعريف درجة الفتوى لأصحابه حتى يلزم اتباعهم، وهو تخيير لهم في الاقتداء ~~بمن شاءوا منهم بدليل أن الصحابي غير داخل فيه إذ له أن يخالف صحابيا آخر، ~~فكما خرج الصحابة بدليل فكذلك خرج العلماء بدليل؛ وكيف وهذا لا يدل على ~~وجوب الاتباع بل على الاهتداء إذا اتبع؟ فلعله يدل على مذهب من يجوز للعالم ~~تقليد العالم أو من يخير العامي في تقليد الأئمة من غير تعيين الأفضل. # الشبهة الثانية: أن دعوى وجوب الاتباع إن لم تصح لجميع ms265 الصحابة فتصح ~~للخلفاء الأربعة، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء ~~الراشدين من بعدي» وظاهر قوله: " عليكم " للإيجاب وهو عام قلنا: فيلزمكم ~~على هذا تحريم الاجتهاد على سائر الصحابة - رضي الله عنهم - إذ اتفق ~~الخلفاء ولم يكن كذلك، بل كانوا يخالفون وكانوا يصرحون بجواز الاجتهاد فيما ~~ظهر لهم، وظاهر هذا تحريم مخالفة كل واحد من الصحابة، وإن انفرد، فليس في ~~الحديث شرط الاتفاق وما اجتمعوا في الخلافة حتى يكون اتفاقهم اتفاق ~~الخلفاء. # وإيجاب اتباع كل واحد منهم محال مع اختلافهم في مسائل، لكن المراد ~~بالحديث إما أمر الخلق بالانقياد وبذل الطاعة لهم، أي: عليكم بقبول إمارتهم ~~وسنتهم أو أمر الأمة بأن ينهجوا في العدل والإنصاف والإعراض عن الدنيا ~~وملازمة سيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الفقر والمسكنة والشفقة ~~على الرعية، أو أراد منع من بعدهم عن نقض أحكامهم. # فهذه احتمالات ثلاثة تعضدها الأدلة التي ذكرناها # الشبهة الثالثة: قولهم: إنه إن لم يجب اتباع الخلفاء فيجب اتباع أبي بكر ~~وعمر بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» ~~. قلنا: تعارضه الأخبار السابقة، فيتطرق إليه الاحتمالات الثلاثة، ثم نقول ~~بموجبه فيجب الاقتداء بهما في تجويزهما لغيرهما مخالفتهما بموجب الاجتهاد. # ثم ليت شعري لو اختلفا كما اختلفا في التسوية في العطاء فأيهما يتبع؟ # الشبهة الرابعة: أن عبد الرحمن بن عوف ولى عليا الخلافة بشرط الاقتداء ~~بالشيخين فأبى وولى عثمان فقبل ولم ينكر عليه. قلنا لعله اعتقد بقوله: - ~~صلى الله عليه وسلم - " من بعدي " جواز تقليد العالم للعالم وعلي - رضي ~~الله عنه - لم يعتقد أو اعتقد أن قوله - صلى الله عليه وسلم - «اقتدوا ~~باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» إيجاب التقليد، ولا حجة في مجرد مذهبه، ~~ويعارضه مذهب علي إذ فهم أنه إنما أراد عبد الرحمن اتباعهما في السيرة ~~والعدل وفهم علي إيجاب التقليد. # الشبهة الخامسة: أنه إذا قال الصحابي قولا يخالف القياس فلا محمل له إلا ~~من سماع خبر فيه. قلنا: فهذا إقرار بأن قوله ms266 ليس بحجة، وإنما الحجة الخبر، ~~إلا أنكم أثبتم الخبر بالتوهم المجرد ومستندنا إجماع الصحابة - رضي الله ~~عنهم - في قبول خبر الواحد وهم إنما عملوا بالخبر المصرح بروايته دون ~~الموهوم المقدر الذي لا يعرف لفظه ومورده، فقوله ليس بنص صريح في سماع خبر ~~بل قاله عن دليل ضعيف ظنه دليلا وأخطأ فيه، والخطأ جائز عليه، وربما # يتمسك الصحابي بدليل ضعيف وظاهر موهوم ولو قاله عن نص قاطع لصرح به. نعم ~~لو تعارض قياسان وقول الصحابي مع أحدهما فيجوز للمجتهد إن غلب على ظنه ~~الترجيح بقول الصحابي أن يرجح، وكذلك نوع من المعنى يقتضي تغليظ الدية بسبب ~~الجرم وقياس أظهر منه يقتضي نفي التغليظ، فربما يغلب على ظن المجتهد أن ذلك ~~المعنى # PageV01P169 # الأخفى الذي ذهب إليه الصحابي يترجح به، ولكن يختلف ذلك باختلاف ~~المجتهدين. أما وجوب اتباعه ولم يصرح بنقل خبر فلا وجه له، وكيف وجميع ما ~~ذكروه أخبار آحاد؟ ونحن أثبتنا القياس والإجماع وخبر الواحد بطرق قاطعة لا ~~بخبر الواحد وجعل قول الصحابي حجة كقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وخبره إثبات أصل من أصول الأحكام ومداركه فلا يثبت إلا بقاطع كسائر الأصول. ### | [مسألة تقليد الصحابة] # مسألة: إن قال قائل: إن لم يجب تقليدهم فهل يجوز تقليدهم؟ # قلنا: أما العامي فيقلدهم وأما العالم فإنه إن جاز له تقليد العالم جاز ~~له تقليدهم، وإن حرمنا تقليد العالم للعالم فقد اختلف قول الشافعي - رحمه ~~الله - في تقليد الصحابة، فقال، في القديم: يجوز تقليد الصحابي إذا قال ~~قولا وانتشر قوله ولم يخالف، وقال في موضع آخر: يقلد، وإن لم ينتشر، ورجع ~~في الجديد إلى أنه لا يقلد العالم صحابيا كما لا يقلد عالما آخر، ونقل ~~المزني عنه ذلك وأن العمل على الأدلة التي بها يجوز للصحابة الفتوى. # وهو الصحيح المختار عندنا إذ كل ما دل على تحريم تقليد العالم للعالم كما ~~سيأتي في كتاب الاجتهاد لا يفرق فيه بين الصحابي وغيره. فإن قيل: كيف لا ~~يفرق بينهم مع ثناء الله تعالى وثناء رسول ms267 الله - صلى الله عليه وسلم - ~~عليهم حيث قال تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} ~~[النساء: 59] وقال تعالى: {لقد رضي الله عن المؤمنين} [الفتح: 18] وقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «خير الناس قرني» وقال - صلى الله عليه ~~وسلم - «أصحابي كالنجوم» إلى غير ذلك. قلنا هذا كله ثناء يوجب حسن الاعتقاد ~~في علمهم ودينهم ومحلهم عند الله تعالى، ولا يوجب تقليدهم لا جوازا ولا ~~وجوبا فإنه - صلى الله عليه وسلم - أثنى أيضا على آحاد الصحابة ولا يتميزون ~~عن بقية الصحابة بجواز التقليد أو وجوبه كقوله - صلى الله عليه وسلم - «لو ~~وزن إيمان أبي بكر بإيمان العالمين لرجح» وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إن ~~الله قد ضرب بالحق على لسان عمر وقلبه يقول الحق، وإن كان مرا» وقال لعمر: ~~«والله ما سلكت فجا إلا سلك الشيطان فجا غير فجك» «وقال - صلى الله عليه ~~وسلم - في قصة أسارى بدر حيث نزلت الآية على وفق رأي عمر لو نزل بلاء من ~~السماء ما نجا منه إلا عمر» وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إن منكم لمحدثين ~~وإن عمر لمنهم» وكان علي - رضي الله عنه - وغيره من الصحابة يقولون: ما كنا ~~نظن إلا أن ملكا بين عينيه يسدده وأن ملكا ينطق على لسانه وقال - صلى الله ~~عليه وسلم - في حق علي: «اللهم أدر الحق مع علي حيث دار» وقال - صلى الله ~~عليه وسلم -: «أقضاكم علي وأفرضكم زيد وأعرفكم بالحلال والحرام معاذ بن ~~جبل» وقال - عليه السلام -: «رضيت لأمتي ما رضي ابن أم عبد» وقال - عليه ~~السلام - لأبي بكر وعمر «لو اجتمعا على شيء ما خالفتهما» وأراد في مصالح ~~الحرب، وكل ذلك ثناء لا يوجب الاقتداء أصلا. # فصل في تفريع الشافعي في القديم على تقليد الصحابة ونصوصه. # قال في كتاب اختلاف الحديث: إنه روي عن علي أنه صلى في ليلة ست ركعات في ~~كل ركعة ست سجدات، قال: لو ثبت ذلك عن علي لقلت به وهذا؛ لأنه رأى أنه لا ~~يقول ذلك إلا عن # PageV01P170 # توقيف ms268 إذ لا مجال للقياس فيه. وهذا غير مرضي، لأنه لم ينقل فيه حديثا حتى ~~يتأمل لفظه ومورده وقرائنه وفحواه وما يدل عليه ولم نتعبد إلا بقبول خبر ~~يرويه صحابي مكشوفا يمكن النظر فيه، كما كان الصحابة يكتفون بذكر مذهب ~~مخالف للقياس ويقدرون ذلك حديثا من غير تصريح به. # وقد نص في موضع أن قول الصحابي إذا انتشر ولم يخالف فهو حجة وهو ضعيف؛ ~~لأن السكوت ليس بقول، فأي فرق بين أن ينتشر أو لا ينتشر؟ وقد نص على أنه ~~إذا اختلفت الصحابة فالأئمة أولى، فإن اختلف الأئمة فقول أبي بكر وعمر أولى ~~لمزيد فضلهما، وقال في موضع آخر: يجب الترجيح بقول الأعلم والأكثر قياسا ~~لكثرة القائلين على كثرة الرواة وكثرة الأشباه، وإنما يجب ترجيح الأعلم؛ ~~لأن زيادة عمله تقوي اجتهاده وتبعده عن الإهمال والتقصير والخطأ، وإن اختلف ~~الحكم والفتوى من الصحابة فقد اختلف قول الشافعي فيه، فقال مرة: الحكم ~~أولى؛ لأن العناية به أشد والمشورة فيه أبلغ، وقال مرة: الفتوى أولى؛ لأن ~~سكوتهم على الحكم يحمل على الطاعة للوالي. # وكل هذا مرجوع عنه. فإن قيل: فما قولكم في ترجيح أحد القياسين بقول ~~الصحابي؟ قلنا قال القاضي: لا ترجيح إلا بقوة الدليل، ولا يقوى الدليل ~~بمصير مجتهد إليه. والمختار أن هذا في محل الاجتهاد فربما يتعارض ظنان ~~والصحابي في أحد الجانبين فتميل نفس المجتهد إلى موافقة الصحابي، ويكون ذلك ~~أغلب على ظنه، ويختلف ذلك باختلاف المجتهدين وقال قوم: إنما يجوز ترجيح ~~قياس المصير إذا كان أصل القياس في واقعة شاهدها الصحابي، وإلا فلا فرق ~~بينه وبين غيره. # وهذا قريب، ولكن مع هذا يحتمل أن يكون مصيره إليه لا لاختصاصه بمشاهدة ما ~~يدل عليه بل بمجرد الظن. أما إذا حمل الصحابي لفظ الخبر على أحد محتمليه ~~فمنهم من رجح ومنهم من قال إذا لم يقل: علمت ذلك من لفظ الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - بقرينة شاهدتها فلا ترجيح به، وهذا اختيار القاضي. # فإن قيل فقد ترك الشافعي في الجديد القياس في تغليظ ms269 الدية في الحرم بقول ~~عثمان، وكذلك فرق بين الحيوان وغيره في شرط البراءة بقول علي؟ قلنا له: في ~~مسألة شرط البراءة أقوال، فلعل هذا مرجوع عنه، وفي مسألة التغليظ الظن به ~~أنه قوى القياس بموافقة الصحابة، فإن لم يكن كذلك فمذهبه في الأصول أن لا ~~يقلد والله أعلم. ### | [الأصل الثالث من الأصول الموهومة الاستحسان] # وقد قال به أبو حنيفة وقال الشافعي من استحسن فقد شرع، ورد الشيء قبل ~~فهمه محال فلا بد أولا من فهم الاستحسان. وله ثلاثة معان: الأول، وهو الذي ~~يسبق إلى الفهم: ما يستحسنه المجتهد بعقله، ولا شك في أنا نجوز ورود التعبد ~~باتباعه عقلا بل لورود الشرع بأن ما سبق أوهامكم واستحسنتموه بعقولكم أو ~~سبق إلى أوهام العوام مثلا فهو حكم الله عليكم لجوزناه، ولكن وقوع التعبد ~~لا يعرف من ضرورة العقل ونظره بل من السمع ولم يرد فيه سمع متواتر ولا نقل ~~آحاد، ولو ورد لكان لا يثبت بخبر الواحد، فإن جعل الاستحسان مدركا من مدارك ~~أحكام الله تعالى ينزل منزلة الكتاب والسنة والإجماع وأصلا من الأصول لا ~~يثبت بخبر الواحد، ومهما انتفى الدليل وجب النفي. # المسلك الثاني: أنا نعلم قطعا إجماع الأمة قبلهم # PageV01P171 # على أن العالم ليس له أن يحكم بهواه وشهوته من غير نظر في دلالة الأدلة، ~~والاستحسان من غير نظر في أدلة الشرع حكم بالهوى المجرد وهو كاستحسان ~~العامي ومن لا يحسن النظر، فإنه إنما جوز الاجتهاد للعالم دون العامي؛ لأنه ~~يفارقه في معرفة أدلة الشريعة وتمييز صحيحها من فاسدها، وإلا فالعامي أيضا ~~يستحسن، ولكن يقال: لعل مستند استحسانك وهم وخيال لا أصل له. # ونحن نعلم أن النفس لا تميل إلى الشيء إلا بسبب مميل إليه، لكن السبب ~~ينقسم إلى ما هو وهم وخيال إذا عرض على الأدلة لم يتحصل منه طائل، وإلى ما ~~هو مشهور من أدلة الشرع، فلم يميز المستحسن ميله عن الأوهام وسوابق الرأي ~~إذا لم ينظر في الأدلة ولم يأخذ منها. ولهم شبه ثلاث: # الشبهة الأولى: قوله تعالى ms270 {واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم} [الزمر: 55] ~~وقال: {الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} [الزمر: 18] . # قلنا: اتباع أحسن ما أنزل إلينا هو اتباع الأدلة، فبينوا أن هذا مما أنزل ~~إلينا فضلا عن أن يكون من أحسنه وهو كقوله تعالى: {واتبعوا أحسن ما أنزل ~~إليكم من ربكم} [الزمر: 55] ثم نقول: نحن نستحسن إبطال الاستحسان وأن لا ~~يكون لنا شرع سوى المصدق بالمعجزة، فليكن هذا حجة عليهم. الجواب الثاني: أن ~~يلزم من ظاهر هذا اتباع استحسان العامي والطفل والمعتوه لعموم اللفظ. # فإن قلتم: المراد به بعض الاستحسانات وهو استحسان من هو من أهل النظر، ~~فكذلك نقول: المراد كل استحسان صدر عن أدلة الشرع، وإلا فأي وجه لاعتبار ~~أهلية النظر في الأدلة مع الاستغناء عن النظر؟ # الشبهة الثانية: قوله - صلى الله عليه وسلم - «ما رآه المسلمون حسنا فهو ~~عند الله حسن» . ولا حجة فيه من أوجه. # الأول: أنه خبر واحد لا تثبت به الأصول. # الثاني: أن المراد به ما رآه جميع المسلمين؛ لأنه لا يخلو أن يريد به ~~جميع المسلمين أو آحادهم، فإن أراد الجميع فهو صحيح إذ الأمة لا تجتمع على ~~حسن شيء إلا عن دليل، والإجماع حجة، وهو مراد الخبر. # وإن أراد الآحاد لزم استحسان العوام، فإن فرق بأنهم ليسوا أهلا للنظر ~~قلنا: إذا كان لا ينظر في الأدلة فأي فائدة لأهلية النظر. # الثالث: أن الصحابة أجمعوا على استحسان منع الحكم بغير دليل، ولا حجة؛ ~~لأنهم مع كثرة وقائعهم تمسكوا بالظواهر والأشباه وما قال واحد حكمت بكذا ~~وكذا لأني استحسنته ولو قال ذلك لشددوا الإنكار عليه وقالوا: من أنت حتى ~~يكون استحسانك شرعا وتكون شارعا لنا وما قال معاذ حيث بعثه إلى اليمن إني ~~أستحسن بل ذكر الكتاب والسنة والاجتهاد فقط. # الشبهة الثالثة: أن الأمة استحسنت دخول الحمام من غير تقدير أجرة وعوض ~~الماء ولا تقدير مدة السكون واللبث فيه، وكذلك شرب الماء من يد السقاء بغير ~~تقدير العوض ولا مبلغ الماء المشروب؛ لأن التقدير في مثل هذا قبيح في ~~العادات، فاستحسنوا ترك ms271 المضايقة فيه، ولا يحتمل ذلك في إجارة ولا بيع ~~والجواب من وجهين: # الأول: أنهم من أين عرفوا أن الأمة فعلت ذلك من غير حجة ودليل لعل الدليل ~~جريان ذلك في عصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # PageV01P172 # مع معرفته به وتقريره عليه لأجل المشقة في تقدير الماء المشروب والمصبوب ~~في الحمام وتقدير مدة المقام والمشقة سبب الرخصة # الثاني: أن نقول شرب الماء بتسليم السقاء مباح، وإذا أتلف ماءه فعليه ثمن ~~المثل، إذ قرينة حاله تدل على طلب العوض فيما بذله في الغالب، وما يبذل له ~~في الغالب يكون ثمن المثل فيقبله السقاء، فإن منع فعليه مطالبته فليس في ~~هذا إلا الاكتفاء في معرفة الإباحة بالمعاطاة والقرينة وترك المماكسة في ~~العوض، وهذا مدلول عليه من الشرع. # وكذلك داخل الحمام مستبيح بالقرينة ومتلف بشرط العوض بقرينة حال الحمامي، ~~ثم ما يبذله إن ارتضى به الحمامي واكتفى به عوضا أخذه، وإلا طالبه بالمزيد ~~إن شاء، فليس هذا أمرا مبدعا ولكنه منقاس، والقياس حجة التأويل الثاني ~~للاستحسان قولهم: المراد به دليل ينقدح في نفس المجتهد لا تساعده العبارة ~~عنه ولا يقدر على إبرازه وإظهاره وهذا هوس؛ لأن ما لا يقدر على التعبير عنه ~~لا يدري أنه وهم وخيال أو تحقيق ولا بد من ظهوره ليعتبر بأدلة الشريعة ~~لتصححه الأدلة أو تزيفه، أما الحكم بما لا يدري ما هو فمن أي يعلم جوازه ~~أبضرورة العقل أو نظره أو بسمع متواتر أو آحاد؟ ولا وجه لدعوى شيء من ذلك، ~~كيف وقد قال أبو حنيفة: إذا شهد أربعة على زنا شخص لكن عين كل واحد منهم ~~زاوية من زوايا البيت وقال زنى فيها فالقياس أن لا حد عليه، لكنا نستحسن ~~حده فيقول له: لم يستحسن سفك دم مسلم من غير حجة إذ لم تجتمع شهادة الأربعة ~~على زنا واحد، وغايته أن يقول: تكذيب المسلمين قبيح وتصديقهم وهم عدول حسن ~~فنصدقهم ونقدر دورانه في زنية واحدة على جميع الزوايا بخلاف ما لو شهدوا في ~~أربعة بيوت فإن تقدير ms272 التزاحف بعيد وهذا هوس؛ لأنا نصدقهم ولا نرجم المشهود ~~عليه، كما لو شهد ثلاثة وكما لو شهدوا في دور، وندرأ الرجم من حيث لم نعلم ~~يقينا اجتماع الأربعة على شهادة واحدة، فدرء الحد بالشبهة أحسن، كيف؟ وإن ~~كان هذا دليلا فلا ننكر الحكم بالدليل، ولكن لا ينبغي أن يسمى بعض الأدلة ~~استحسانا التأويل الثالث: للاستحسان ذكره الكرخي وبعض أصحاب أبي حنيفة ممن ~~عجز عن نصرة الاستحسان وقال: ليس هو عبارة عن قول بغير دليل بل هو بدليل، ~~وهو أجناس: منها العدول بحكم المسألة عن نظائرها بدليل خاص من القرآن مثل ~~قوله: مالي صدقة لله أو علي أن أتصدق بمالي، فالقياس لزوم التصدق بكل ما ~~يسمى مالا، لكن استحسن أبو حنيفة التخصيص بمال الزكاة لقوله تعالى: {خذ من ~~أموالهم صدقة} [التوبة: 103] ولم يرد إلا مال الزكاة. # ومنها أن يعدل بها عن نظائرها بدليل السنة كالفرق في سبق الحدث والبناء ~~على الصلاة بين السبق والتعمد على خلاف قياس الأحداث، وهذا مما لا ينكر، ~~وإنما يرجع الاستنكار إلى اللفظ وتخصيص هذا النوع من الدليل بتسميته ~~استحسانا من بين سائر الأدلة، والله أعلم. ### | [الأصل الرابع من الأصول الموهومة الاستصلاح] # ، وقد اختلف العلماء في جواز اتباع المصلحة المرسلة ولا بد من كشف معنى ~~المصلحة وأقسامها، فنقول: المصلحة بالإضافة إلى شهادة الشرع ثلاثة أقسام: ~~قسم شهد الشرع لاعتبارها وقسم شهد لبطلانها، وقسم لم يشهد الشرع لا ~~لبطلانها ولا لاعتبارها. # أما ما شهد الشرع لاعتبارها فهي حجة، # PageV01P173 # ويرجع حاصلها إلى القياس، وهو اقتباس الحكم من معقول النص والإجماع، ~~وسنقيم الدليل عليه في القطب الرابع فإنه في كيفية استثمار الأحكام من ~~الأصول المثمرة، ومثاله: حكمنا أن كل ما أسكر من مشروب أو مأكول فيحرم ~~قياسا على الخمر؛ لأنها حرمت لحفظ العقل الذي هو مناط التكليف، فتحريم ~~الشرع الخمر دليل على ملاحظة هذه المصلحة القسم الثاني: ما شهد الشرع ~~لبطلانها مثاله قول بعض العلماء لبعض الملوك لما جامع في نهار رمضان: إن ~~عليك صوم شهرين متتابعين فلما أنكر عليه ms273 حيث لم يأمر بإعتاق رقبة مع اتساع ~~ماله قال: لو أمرته بذلك لسهل عليه واستحقر إعتاق رقبة في جنب قضاء شهوته، ~~فكانت المصلحة في إيجاب الصوم لينزجر به، فهذا قول باطل ومخالف لنص الكتاب ~~بالمصلحة وفتح هذا الباب يؤدي إلى تغيير جميع حدود الشرائع ونصوصها بسبب ~~تغير الأحوال. # ثم إذا عرف ذلك من صنيع العلماء لم تحصل الثقة للملوك بفتواهم، وظنوا أن ~~كل ما يفتون به فهو تحريف من جهتهم بالرأي. القسم الثالث: ما لم يشهد له من ~~الشرع بالبطلان ولا بالاعتبار نص معين وهذا في محل النظر فلنقدم على تمثيله ~~تقسيما آخر، وهو أن المصلحة باعتبار قوتها في ذاتها تنقسم إلى ما هي في ~~رتبة الضرورات وإلى ما هي في رتبة الحاجات وإلى ما يتعلق بالتحسينات ~~والتزيينات وتتقاعد أيضا عن رتبة الحاجات. # ويتعلق بأذيال كل قسم من الأقسام ما يجري منها مجرى التكملة والتتمة لها ~~ولنفهم أولا معنى المصلحة ثم أمثلة مراتبها: أما المصلحة فهي عبارة في ~~الأصل عن جلب منفعة أو دفع مضرة، ولسنا نعني به ذلك، فإن جلب المنفعة ودفع ~~المضرة مقاصد الخلق وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم، لكنا نعني بالمصلحة ~~المحافظة على مقصود الشرع ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم ~~دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة ~~فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة. # وإذا أطلقنا المعنى المخيل والمناسب في كتاب القياس أردنا به هذا الجنس. ~~وهذه الأصول الخمسة حفظها واقع في رتبة الضرورات، فهي أقوى المراتب في ~~المصالح ومثاله: قضاء الشرع بقتل الكافر المضل وعقوبة المبتدع الداعي إلى ~~بدعته، فإن هذا يفوت على الخلق دينهم، وقضاؤه بإيجاب القصاص أدبه حفظ ~~النفوس، وإيجاب حد الشرب إذ به حفظ العقول التي هي ملاك التكليف وإيجاب حد ~~الزنا إذ به حفظ النسل والأنساب، وإيجاب زجر الغصاب والسراق إذ به يحصل حفظ ~~الأموال التي هي معاش الخلق وهم مضطرون إليها. # وتحريم تفويت هذه الأصول الخمسة والزجر عنها ms274 يستحيل أن لا تشتمل عليه ملة ~~من الملل وشريعة من الشرائع التي أريد بها إصلاح الخلق، ولذلك لم تختلف ~~الشرائع في تحريم الكفر والقتل والزنا والسرقة وشرب المسكر. أما ما يجري ~~مجرى التكملة والتتمة لهذه المرتبة فكقولنا: المماثلة مرعية في استيفاء ~~القصاص؛ لأنه مشروع للزجر والتشفي ولا يحصل ذلك إلا بالمثل، وكقولنا: ~~القليل من الخمر إنما حرم؛ لأنه يدعو إلى الكثير، فيقاس عليه النبيذ فهذا ~~دون الأول، ولذلك اختلفت فيه الشرائع. # أما تحريم السكر فلا تنفك عنه شريعة؛ لأن السكر يسد باب التكليف والتعبد. # PageV01P174 # الرتبة الثانية: ما يقع في رتبة الحاجات من المصالح والمناسبات، كتسليط ~~الولي على تزويج الصغيرة والصغير، فذلك لا ضرورة إليه لكنه محتاج إليه في # اقتناء المصالح # ، وتقييد الأكفاء خيفة من الفوات واستغناما للصلاح المنتظر في المال، ~~وليس هذا كتسليط الولي على تربيته وإرضاعه وشراء الملبوس والمطعوم لأجله، ~~فإن ذلك ضرورة لا يتصور فيها اختلاف الشرائع المطلوب بها الخلق. # أما النكاح في حال الصغر فلا يرهق إليه توقان شهوة ولا حاجة تناسل، بل ~~يحتاج إليه # لصلاح # المعيشة باشتباك العشائر والتظاهر بالأصهار وأمور من هذا الجنس لا ضرورة ~~إليها. أما ما يجري مجرى التتمة لهذه الرتبة فهو كقولنا: لا تزوج الصغيرة ~~إلا من كفؤ وبمهر مثل، فإنه أيضا مناسب ولكنه دون أصل الحاجة إلى النكاح ~~ولهذا اختلف العلماء فيه. # الرتبة الثالثة: ما لا يرجع إلى ضرورة ولا إلى حاجة ولكن يقع موقع ~~التحسين والتزيين والتيسير للمزايا والمزائد ورعاية أحسن المناهج في ~~العادات والمعاملات مثاله: سلب العبد أهلية الشهادة مع قبول فتواه وروايته ~~من حيث إن العبد نازل القدر والرتبة ضعيف الحال والمنزلة باستسخار المالك ~~إياه فلا يليق بمنصبه التصدي للشهادة. # أما سلب ولايته فهو من مرتبة الحاجات؛ لأن ذلك مناسب للمصلحة، إذ ولاية ~~الأطفال تستدعي استغراقا وفراغا، والعبد مستغرق بالخدمة فتفويض أمر الطفل ~~إليه إضرار بالطفل. أما الشهادة فتتفق أحيانا كالرواية والفتوى ولكن قول ~~القائل: سلب منصب الشهادة لخسة قدره ليس كقوله سلب ذلك لسقوط الجمعة عنه، ~~فإن ms275 ذلك لا يشم منه رائحة مناسبة أصلا وهذا لا ينفك عن الانتظام لو صرح به ~~الشرع ولكن تنتفي مناسبته بالرواية والفتوى، بل ذلك ينقص عن المناسب إلى أن ~~يعتذر عنه، والمناسب قد يكون منقوصا فيترك أو يحترز عنه بعذر أو تقييد ~~كتقييد النكاح بالولي لو أمكن تعليله بفتور رأيها في انتقاء الأزواج وسرعة ~~الاغترار بالظواهر لكان واقعا في الرتبة الثانية، ولكن لا يصح ذلك في سلب ~~عبارتها وفي نكاح الكفء فهو في الرتبة الثالثة؛ لأن الأليق بمحاسن العادات ~~استحياء النساء عن مباشرة العقد؛ لأن ذلك يشعر بتوقان نفسها إلى الرجال، ~~ولا يليق ذلك بالمروءة، ففوض الشرع ذلك إلى الولي حملا للخلق على أحسن ~~المناهج. # وكذلك تقييد النكاح بالشهادة لو أمكن تعليله بالإثبات عند النزاع لكان من ~~قبيل الحاجات، ولكن سقوط الشهادة على رضاها يضعف هذا المعنى فهو لتفخيم أمر ~~النكاح وتمييزه عن السفاح بالإعلان والإظهار عند من له رتبة ومنزلة على ~~الجملة، فليلحق برتبة التحسينات. # وإذا عرفت هذه الأقسام فنقول الواقع في الرتبتين الأخيرتين لا يجوز الحكم ~~بمجرده إن لم يعتضد بشهادة أصل إلا أنه يجري مجرى وضع الضرورات، فلا بعد في ~~أن يؤدي إليه اجتهاد مجتهد، وإن لم يشهد الشرع بالرأي، فهو كالاستحسان. فإن ~~اعتضد بأصل فذاك قياس وسيأتي أما الواقع في رتبة الضرورات فلا بعد في أن ~~يؤدي إليه اجتهاد مجتهد، وإن لم يشهد له أصل معين، ومثاله: أن الكفار إذا ~~تترسوا بجماعة من أسارى المسلمين فلو كففنا عنهم لصدمونا وغلبوا على دار ~~الإسلام وقتلوا كافة المسلمين، ولو رمينا الترس لقتلنا مسلما معصوما لم ~~يذنب ذنبا وهذا لا عهد به في الشرع، ولو كففنا لسلطنا الكفار على جميع # PageV01P175 # المسلمين فيقتلونهم ثم يقتلون الأسارى أيضا، فيجوز أن يقول قائل: هذا ~~الأسير مقتول بكل حال فحفظ جميع المسلمين أقرب إلى مقصود الشرع؛ لأنا نعلم ~~قطعا أن مقصود الشرع تقليل القتل كما يقصد حسم سبيله عند الإمكان، فإن لم ~~نقدر على الحسم قدرنا على التقليل وكان هذا التفاتا إلى مصلحة علم ms276 بالضرورة ~~كونها مقصود الشرع لا بدليل واحد وأصل معين بل بأدلة خارجة عن الحصر. # لكن تحصيل هذا المقصود بهذا الطريق وهو قتل من لم يذنب غريب لم يشهد له ~~أصل معين فهذا مثال مصلحة غير مأخوذة بطريق القياس على أصل معين. وانقدح ~~اعتبارها باعتبار ثلاثة أوصاف أنها ضرورة قطعية كلية، وليس في معناها ما لو ~~تترس الكفار في قلعة بمسلم إذ لا يحل رمي الترس إذ لا ضرورة فبنا غنية عن ~~القلعة فنعدل عنها إذ لم نقطع بظفرنا بها؛ لأنها ليست قطعية بل ظنية، وليس ~~في معناها جماعة في سفينة لو طرحوا واحدا منهم لنجوا، وإلا غرقوا بجملتهم؛ ~~لأنها ليست كلية إذ يحصل بها هلاك عدد محصور، وليس ذلك كاستئصال كافة ~~المسلمين؛ ولأنه ليس يتعين واحد للإغراق إلا أن يتعين بالقرعة ولا أصل لها. # وكذلك جماعة في مخمصة لو أكلوا واحدا بالقرعة لنجوا فلا رخصة فيه؛ لأن ~~المصلحة ليست كلية، وليس في معناها قطع اليد للآكلة حفظا للروح فإنه تنقدح ~~الرخصة فيه؛ لأنه إضرار به لمصلحته وقد شهد الشرع للإضرار بشخص في قصد ~~صلاحه كالفصد والحجامة وغيرهما، وكذا قطع المضطر قطعة من فخذه إلى أن يجد ~~الطعام فهو كقطع اليد. لكن ربما يكون سببا ظاهرا في الهلاك فيمنع منه؛ لأنه ~~ليس فيه يقين الخلاص فلا تكون المصلحة قطعية. # فإن قيل: فالضرب بالتهمة للاستنطاق بالسرقة مصلحة فهل تقولون بها؟ قلنا: ~~قد قال بها مالك - رحمه الله - ولا نقول به لا لإبطال النظر إلى جنس ~~المصلحة لكن؛ لأن هذه مصلحة تعارضها أخرى وهي # مصلحة # المضروب، فإنه ربما يكون بريئا من الذنب، وترك الضرب في مذنب أهون من ضرب ~~بريء، فإن كان فيه فتح باب يعسر معه انتزاع الأموال ففي الضرب فتح باب إلى ~~تعذيب البريء. فإن قيل: فالزنديق المتستر إذا تاب # فالمصلحة # في قتله وأن لا تقبل توبته. # وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله ~~إلا الله» فماذا ترون؟ قلنا: هذه المسألة في محل الاجتهاد ms277 ولا يبعد قتله إذ ~~وجب بالزندقة قتله، وإنما كلمة الشهادة تسقط القتل في اليهود والنصارى؛ ~~لأنهم يعتقدون ترك دينهم بالنطق بكلمة الشهادة. # والزنديق يرى التقية عين الزندقة فهذا لو قضينا به فحاصله استعمال مصلحة ~~في تخصيص عموم وذلك لا ينكره أحد فإن قيل: رب ساع في الأرض بالفساد بالدعوة ~~إلى البدعة أو بإغراء الظلمة بأموال الناس وحرمهم وسفك دمائهم بإثارة ~~الفتنة، والمصلحة قتله لكف شره فماذا ترون فيه؟ قلنا: إذا لم يقتحم جريمة ~~موجبة لسفك الدم فلا يسفك دمه، إذ في تخليد الحبس عليه كفاية شره فلا حاجة ~~إلى القتل فلا تكون هذه المصلحة ضرورية. # فإن قيل: إذا كان الزمان زمان فتنة ولم يقدر على تخليد الحبس فيه مع تبدل ~~الولايات على قرب فليس في إبقائه وحبسه إلا إيغار صدره وتحريك داعيته ~~ليزداد في الفساد والإغراء جدا عند الإفلات. # قلنا هذا الآن رجم بالظن وحكم بالوهم، فربما لا يفلت ولا تتبدل الولاية ~~والقتل بتوهم المصلحة # PageV01P176 # لا سبيل إليه، فإن قيل: وإذا تترس الكفار بالمسلمين فلا نقطع بتسلطهم على ~~استئصال الإسلام لو لم يقصد الترس بل يدرك ذلك بغلبة الظن. # قلنا: لا جرم ذكر العراقيون في المذهب وجهين في تلك المسألة وعللوا بأن ~~ذلك مظنون، ونحن إنما نجوز ذلك عند القطع أو ظن قريب من القطع، والظن ~~القريب من القطع إذا صار كليا وعظم الخطر فيه فتحتقر الأشخاص الجزئية ~~بالإضافة إليه. # فإن قيل: إن في توقفنا عن الساعي في الأرض بالفساد ضررا كليا بتعريض ~~أموال المسلمين ودمائهم للهلاك وغلب ذلك على الظن بما عرف من طبيعته وعادته ~~المجربة طول عمره. قلنا: لا يبعد أن يؤدي اجتهاد مجتهد إلى قتله إذا كان ~~كذلك، بل هو أولى من الترس فإنه لم يذنب ذنبا، وهذا قد ظهرت منه جرائم توجب ~~العقوبة، وإن لم توجب القتل، وكأنه التحق بالحيوانات الضارية لما عرف من ~~طبيعته وسجيته فإن قيل: كيف يجوز المصير إلى هذا في هذه المسألة وفي مسألة ~~الترس وقد قدمتم أن المصلحة إذا خالفت النص ms278 لم تتبع كإيجاب صوم شهرين على ~~الملوك إذا جامعوا في نهار رمضان، وهذا يخالف قوله تعالى: {ومن يقتل مؤمنا ~~متعمدا} [النساء: 93] وقوله تعالى: {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق} [الإسراء: 33] وأي ذنب لمسلم يتترس به كافر؟ فإن زعمتم أنا نخصص ~~العموم بصورة ليس فيها خطر كلي فلنخصص العتق بصورة يحصل بها الانزجار عن ~~الجناية حتى يخرج عنها الملوك، فإذا غاية الأمر في مسألة الترس أن يقطع ~~باستئصال أهل الإسلام، فما بالنا نقتل من لم يذنب قصدا ونجعله فداء ~~للمسلمين ونخالف النص في قتل النفس التي حرم الله تعالى؟ قلنا: لهذا نرى ~~المسألة في محل الاجتهاد، ولا يبعد المنع من ذلك، ويتأيد بمسألة السفينة ~~وأنه يلزم منه قتل ثلث الأمة لاستصلاح ثلثيها ترجيحا للكثرة، إذ لا خلاف في ~~أن كافرا لو قصد قتل عدد محصور كعشرة مثلا وتترس بمسلم فلا يجوز قتل الترس ~~في الدفع بل حكمهم كحكم عشرة أكرهوا على قتل أو اضطروا في مخمصة إلى أكل ~~واحد. # وإنما نشأ هذا من الكثرة ومن كونه كليا لكن للكلي الذي لا يحصر حكم آخر ~~أقوى من الترجيح بكثرة العدد. وكذلك لو اشتبهت أخته بنساء بلدة حل له ~~النكاح، ولو اشتبهت بعشرة وعشرين لم يحل. ولا خلاف أنهم لو تترسوا بنسائهم ~~وذراريهم قاتلناهم، وإن كان التحريم عاما، لكن تخصصه بغير هذه الصورة فكذلك ~~ههنا التخصيص ممكن. # وقول القائل هذا سفك دم محرم معصوم، يعارضه أن في الكف عنه إهلاك دماء ~~معصومة لا حصر لها، ونحن نعلم أن الشرع يؤثر الكلي على الجزئي، فإن حفظ أهل ~~الإسلام عن اصطلام الكفار أهم في مقصود الشرع من حفظ دم مسلم واحد فهذا ~~مقطوع به من مقصود الشرع والمقطوع به لا يحتاج شهادة أصل فإن قيل: فتوظيف ~~الخراج من المصالح فهل إليه سبيل أم لا؟ قلنا: لا سبيل إليه مع كثرة ~~الأموال في أيدي الجنود، أما إذا خلت الأيدي من الأموال ولم يكن من مال ~~المصالح ما يفي بخراجات العسكر ولو تفرق العسكر واشتغلوا ms279 بالكسب لخيف دخول ~~الكفار بلاد الإسلام أو خيف ثوران الفتنة من أهل العرامة في بلاد الإسلام، ~~فيجوز للإمام أن يوظف على الأغنياء مقدار كفاية الجند، ثم إن رأى في طريق ~~التوزيع التخصيص بالأراضي فلا حرج؛ لأنا نعلم أنه إذا تعارض شران أو # PageV01P177 # ضرران قصد الشرع دفع أشد الضررين وأعظم الشرين وما يؤديه كل واحد منهم ~~قليل بالإضافة إلى ما يخاطر به من نفسه وماله لو خلت خطة الإسلام عن ذي ~~شوكة يحفظ نظام الأمور ويقطع مادة الشرور وكان هذا لا يخلو عن شهادة أصول ~~معينة فإن لولي الطفل عمارة القنوات وإخراج أجرة الفصاد وثمن الأدوية وكل ~~ذلك تنجيز خسران لتوقع ما هو أكثر منه. # وهذا أيضا يؤيد مسلك الترجيح في مسألة الترس، لكن هذا تصرف في الأموال، ~~والأموال مبتذلة يجوز ابتذالها في الأغراض التي هي أهم منها، وإنما المحظور ~~سفك دم معصوم من غير ذنب سافك. فإن قيل: فبأي طريق بلغ الصحابة حد الشرب ~~إلى ثمانين، فإن كان حد الشرب مقدرا فكيف زادوا بالمصلحة؟ ، وإن لم يكن ~~مقدرا وكان تعزيرا فلم افتقروا إلى الشبه بحد القذف؟ قلنا الصحيح أنه لم ~~يكن مقدرا، لكن ضرب الشارب في زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بالنعال وأطراف الثياب فقدر ذلك على سبيل التعديل والتقويم بأربعين، فرأوا ~~المصلحة في الزيادة فزادوا، والتعزيرات مفوضة إلى رأي الأئمة، فكأنه ثبت ~~بالإجماع أنهم أمروا بمراعاة المصلحة. # وقيل لهم: اعملوا بما رأيتموه أصوب بعد أن صدرت الجناية الموجبة للعقوبة. ~~ومع هذا فلم يريدوا الزيادة على تعزير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~إلا بتقريب من منصوصات الشرع، فرأوا الشرب مظنة القذف؛ لأن من سكر هذى، ومن ~~هذى افترى، ورأوا الشرع يقيم مظنة الشيء مقام نفس الشيء كما أقام النوم ~~مقام الحدث، وأقام الوطء مقام شغل الرحم، والبلوغ مقام نفس العقل؛ لأن هذه ~~الأسباب مظان هذه المعاني، فليس ما ذكروه مخالفة للنص بالمصلحة أصلا. # فإن قيل: فما قولكم في المصالح الجزئية المتعلقة بالأشخاص مثل المفقود ~~زوجها إذا اندرس ms280 خبر موته وحياته وقد انتظرت سنين وتضررت بالعزوبة، أيفسخ ~~نكاحها للمصلحة أم لا؟ وكذلك إذا عقد وليان أو وكيلان نكاحين، أحدهما سابق ~~واستبهم الأمر ووقع اليأس عن البيان بقيت المرأة محبوسة طول العمر عن ~~الأزواج ومحرمة على زوجها المالك لها في علم الله تعالى، وكذلك المرأة إذا ~~تباعد حيضها عشر سنين وتعوقت عدتها وبقيت ممنوعة من النكاح، هل يجوز لها ~~الاعتداد بالأشهر أو تكتفي بتربص أربع سنين، وكل ذلك مصلحة ودفع ضرر، ونحن ~~نعلم أن دفع الضرر مقصود شرعا. # قلنا المسألتان الأوليان مختلف فيهما فهما في محل الاجتهاد فقد قال عمر: ~~" تنكح زوجة المفقود بعد أربع سنين من انقطاع الخبر " وبه قال الشافعي في ~~القديم وقال في الجديد: تصبر إلى قيام البينة على موته وانقضاء مدة يعلم ~~أنه لا يعيش إليها؛ لأنا إن حكمنا بموته بغير بينة فهو بعيد، إذ لاندراس ~~الأخبار أسباب سوى الموت لا سيما في الخامل الذكر النازل القدر، وإن فسخنا ~~فالفسخ إنما يثبت بنص أو قياس على منصوص، والمنصوص أعذار وعيوب من جهة ~~الزوج من إعسار وجب وعنة، فإذا كانت النفقة دائمة فغايته الامتناع من ~~الوطء، وذلك في الحضرة لا يؤثر فكذلك في الغيبة. # فإن قيل سبب الفسخ دفع الضرر عنها ورعاية جانبهما، فيعارضه أن رعاية ~~جانبه أيضا ودفع الضرر عنه واجب وفي تسليم زوجته إلى غيره في غيبته ولعله ~~محبوس أو مريض معذور إضرار به فقد تقابل الضرران وما من ساعة إلا وقدوم ~~الزوج فيها ممكن فليس تصفو هذه المصلحة عن معارض. # وكذلك # PageV01P178 # اختلف قول الشافعي في مسألة الوليين. ولو قيل بالفسخ من حيث تعذر إمضاء ~~العقد فليس ذلك حكما بمجرد مصلحة لا يعتضد بأصل معين بل تشهد له الأصول ~~المعينة، أما تباعد الحيضة فلا خلاف فيها في مذهب الشافعي ولم يبلغنا خلاف ~~عن العلماء، وقد أوجب الله تعالى التربص بالأقراء إلا على اللائي يئسن من ~~المحيض، وليست هذه من الآيات، ما من لحظة إلا ويتوقع فيها هجوم الحيض وهي ~~شابة. فمثل هذا القدر النادر ms281 لا يسلطنا على تخصيص النص، فإنا لم نر الشرع ~~يلتفت إلى النوادر في أكثر الأحوال وكان لا يبعد عندي لو اكتفى بأقصى مدة ~~الحمل وهو أربع سنين، لكن لما أوجبت العدة مع تعليق الطلاق على يقين ~~البراءة غلب التعبد. # فإن قيل: فقد ملتم في أكثر هذه المسائل إلى القول بالمصالح ثم أوردتم هذا ~~الأصل في جملة الأصول الموهومة، فليلحق هذا بالأصول الصحيحة ليصير أصلا ~~خامسا بعد الكتاب والسنة والإجماع والعقل؟ قلنا: هذا من الأصول الموهومة، ~~إذ من ظن أنه أصل خامس فقد أخطأ؛ لأنا رددنا المصلحة إلى حفظ مقاصد الشرع، ~~ومقاصد الشرع تعرف بالكتاب والسنة والإجماع. فكل مصلحة لا ترجع إلى حفظ ~~مقصود فهم من الكتاب والسنة والإجماع وكانت من المصالح الغريبة التي لا ~~تلائم تصرفات الشرع فهي باطلة مطرحة، ومن صار إليها فقد شرع كما أن من ~~استحسن فقد شرع وكل مصلحة رجعت إلى حفظ مقصود شرعي علم كونه مقصودا بالكتاب ~~والسنة والإجماع فليس خارجا من هذه الأصول، لكنه لا يسمى قياسا بل مصلحة ~~مرسلة، إذ القياس أصل معين وكون هذه المعاني مقصودة عرفت لا بدليل واحد بل ~~بأدلة كثيرة لا حصر لها من الكتاب والسنة وقرائن الأحوال وتفاريق الأمارات ~~تسمى لذلك مصلحة مرسلة، وإذا فسرنا المصلحة بالمحافظة على مقصود الشرع فلا ~~وجه للخلاف في اتباعها بل يجب القطع بكونها حجة. # وحيث ذكرنا خلافا فذلك عند تعارض مصلحتين ومقصودين، وعند ذلك ترجيح ~~الأقوى؛ ولذلك قطعنا بكون الإكراه مبيحا لكلمة الردة وشرب الخمر وأكل مال ~~الغير وترك الصوم والصلاة؛ لأن الحذر من سفك الدم أشد من هذه الأمور، ولا ~~يباح به الزنا؛ لأنه مثل محذور الإكراه. # فإذا منشأ الخلاف في مسألة الترس الترجيح، إذ الشرع ما رجح الكثير على ~~القليل في مسألة السفينة ورجح الكل على الجزء في قطع اليد المتآكلة. وهل ~~يرجح الكلي على الجزئي في مسألة الترس؟ فيه خلاف؛ ولذلك يمكن إظهار هذه ~~المصالح في صيغة البرهان، إذ تقول في مسألة الترس مخالفة مقصود الشرع حرام ~~وفي الكف ms282 عن قتال الكفار مخالفة لمقصود الشرع. فإن قيل: لا ننكر أن مخالفة ~~مقصود الشرع حرام، ولكن لا نسلم أن هذه مخالفة قيل: فالكف عن المسلم الذي ~~لم يذنب مقصود وفي هذا مخالفة المقصود. قلنا: هذا مقصود وقد اضطررنا إلى ~~مخالفة أحد المقصودين ولا بد من الترجيح، والجزئي محتقر بالإضافة إلى ~~الكلي، وهذا جزئي بالإضافة، فلا يعارض بالكلي. فإن قيل مسلم أن هذا جزئي ~~ولكن يسلم أن الجزئي محتقر بالإضافة إلى الكلي، فاحتقار الشرع له يعرف بنص ~~أو قياس على منصوص. قلنا: قد عرفنا ذلك لا بنص واحد معين بل بتفاريق أحكام ~~واقتران # PageV01P179 # دلالات لم يبق معها شك في أن حفظ خطة الإسلام ورقاب المسلمين أهم في ~~مقاصد الشرع من حفظ شخص معين في ساعة أو نهار وسيعود الكفار عليه بالقتل، ~~فهذا مما لا يشك فيه، كما أبحنا أكل مال الغير بالإكراه لعلمنا بأن المال ~~حقير في ميزان الشرع بالإضافة إلى الدم وعرف ذلك بأدلة كثيرة. فإن قيل: ~~فهلا فهمتم أن حفظ الكثير أهم من حفظ القليل في مسألة السفينة وفي الإكراه ~~وفي المخمصة قلنا: لم نفهم ذلك، إذ أجمعت الأمة على أنه لو أكره شخصان على ~~قتل شخص لا يحل لهما قتله، وإنه لا يحل لمسلمين أكل مسلم في المخمصة، فمنع ~~الإجماع من ترجيح الكثرة. # أما ترجيح الكلي فمعلوم إما على القطع وإما بظن قريب من القطع يجب اتباع ~~مثله في الشرع ولم يرد نص على خلافه بخلاف الكثرة؛ إذ الإجماع في الإكراه ~~وفي المخمصة منع منه. فبهذه الشروط التي ذكرناها يجوز اتباع المصالح، وتبين ~~أن الاستصلاح ليس أصلا خامسا برأسه بل من استصلح فقد شرع كما أن من استحسن ~~فقد شرع، وتبين به أن الاستصلاح على ما ذكرنا. وهذا تمام الكلام في القطب ~~الثاني من الأصول. ### | [القطب الثالث في كيفية استثمار الأحكام من مثمرات الأصول] ### | [صدر القطب الثالث وفيه ثلاثة فنون] ### | [الفن الأول في المنظوم وكيفية الاستدلال بالصيغة من حيث اللغة والوضع] ### | [المقدمة وتشتمل على سبعة فصول] ### | [الفصل الأول ms283 في مبدإ اللغات] # القطب الثالث في كيفية استثمار الأحكام من مثمرات الأصول # ويشتمل هذا القطب على صدر ومقدمة وثلاثة فنون. صدر القطب الثالث: اعلم أن ~~هذا القطب هو عمدة علم الأصول. # لأن ميدان سعي المجتهدين في اقتباس الأحكام من أصولها واجتنائها من ~~أغصانها إذ نفس الأحكام ليست ترتبط باختيار المجتهدين ورفعها ووضعها. ~~والأصول الأربعة من الكتاب والسنة والإجماع والعقل لا مدخل لاختيار العباد ~~في تأسيسها وتأصيلها، وإنما مجال اضطراب المجتهد واكتسابه استعمال الفكر في ~~استنباط الأحكام واقتباسها من مداركها، والمدارك هي الأدلة السمعية ومرجعها ~~إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم -، إذ منه يسمع الكتاب أيضا وبه يعرف ~~الإجماع. والصادر منه من مدارك الأحكام ثلاثة: إما لفظ، وإما فعل، وإما ~~سكوت وتقرير. ونرى أن نؤخر الكلام في الفعل والسكوت؛ لأن الكلام فيهما أوجز ~~واللفظ إما أن يدل على الحكم بصيغته ومنظومه، أو بفحواه ومفهومه، أو بمعناه ~~ومعقوله، وهو الاقتباس الذي يسمى قياسا. فهذه ثلاثة فنون المنظوم والمفهوم ~~والمعقول. # الفن الأول: في المنظوم وكيفية الاستدلال بالصيغة من حيث اللغة والوضع. # ويشتمل هذا الفن على مقدمة وأربعة أقسام: القسم الأول: في المجمل ~~والمبين، القسم الثاني: في الظاهر والمؤول، القسم الثالث: في الأمر والنهي، ~~القسم الرابع: في العام والخاص. فهذا صدر هذا القطب. أما المقدمة: فتشتمل ~~على سبعة فصول: الفصل الأول: في مبدإ اللغات أنه اصطلاح أم توقيف، الفصل ~~الثاني: في أن اللغة هل تثبت قياسا الفصل الثالث: في الأسماء العرفية، ~~الفصل الرابع: في الأسماء الشرعية، الفصل الخامس: في اللفظ المفيد وغير ~~المفيد، الفصل السادس: في طريق فهم المراد من الخطاب على الجملة، الفصل ~~السابع: في المجاز والحقيقة. # PageV01P180 # الفصل الأول: في مبدإ اللغات. # وقد ذهب قوم إلى أنها اصطلاحية، إذ كيف تكون توقيفا ولا يفهم التوقيف إذا ~~لم يكن لفظ صاحب التوقيف معروفا للمخاطب باصطلاح سابق، وقال قوم: إنها ~~توقيفية، إذ الاصطلاح لا يتم إلا بخطاب ومناداة ودعوة إلى الوضع، ولا يكون ~~ذلك إلا بلفظ معروف قبل الاجتماع للاصطلاح وقال قوم: القدر الذي يحصل ms284 به ~~التنبيه والبعث على الاصطلاح يكون بالتوقيف وما بعده يكون بالاصطلاح. ~~والمختار أن النظر في هذا إما أن يقع في الجواز أو في الوقوع. أما الجواز ~~العقلي فشامل للمذاهب الثلاثة والكل في حيز الإمكان. أما التوقيف فبأن يخلق ~~الأصوات والحروف بحيث يسمعها واحد أو جمع ويخلق لهم العلم بأنها قصدت ~~للدلالة على المسميات والقدرة الأزلية لا تقصر عن ذلك. # وأما الاصطلاح فبأن يجمع الله دواعي جمع من العقلاء للاشتغال بما هو ~~مهمهم وحاجتهم من تعريف الأمور الغائبة التي لا يمكن الإنسان أن يصل إليها، ~~فيبتدئ واحد ويتبعه الآخر حتى يتم الاصطلاح؛ بل العاقل الواحد ربما ينقدح ~~له وجه الحاجة وإمكان التعريف بتأليف الحروف فيتولى الوضع ثم يعرف الآخرين ~~بالإشارة والتكرير معها للفظ مرة بعد أخرى، كما يفعل الوالدان بالولد ~~الصغير وكما يعرف الأخرس ما في ضميره بالإشارة، وإذا أمكن كل واحد من ~~القسمين أمكن التركيب منهما جميعا. # أما الواقع من هذه الأقسام فلا مطمع في معرفته يقينا إلا ببرهان عقلي أو ~~بتواتر خبر أو سمع قاطع، ولا مجال لبرهان العقل في هذا ولم ينقل تواتر ولا ~~فيه سمع قاطع فلا يبقى إلا رجم الظن في أمر لا يرتبط به تعبد عملي ولا ترهق ~~إلى اعتقاده حاجة، فالخوض فيه إذا فضول لا أصل له. فإن قيل: قال الله ~~تعالى: {وعلم آدم الأسماء كلها:} [البقرة: 31] وهذا يدل على أنه كان بوحي ~~وتوقيف، فيدل على الوقوع، وإن لم يدل على استحالة خلافه. قلنا: وليس ذلك ~~دليلا قاطعا على الوقوع أيضا، إذ يتطرق إليه أربعة احتمالات: # أحدها: أنه ربما ألهمه الله تعالى الحاجة إلى الوضع فوضع بتدبيره وفكره ~~ونسب ذلك إلى تعليم الله تعالى؛ لأنه الهادي والملهم ومحرك الداعية كما ~~تنسب جميع أفعالنا إلى الله تعالى # الثاني: أن الأسماء ربما كانت موضوعة باصطلاح من خلق خلقه الله تعالى قبل ~~آدم من الجن أو فريق من الملائكة فعلمه الله تعالى ما تواضع عليه غيره. # الثالث: أن الأسماء صيغة عموم فلعله أراد به أسماء السماء والأرض ms285 وما في ~~الجنة والنار دون الأسامي التي حدثت مسمياتها بعد آدم - عليه السلام - من ~~الحرف والصناعات والآلات، وتخصيص قوله تعالى كلها كتخصيص قوله تعالى: ~~{وأوتيت من كل شيء} [النمل: 23] وقوله تعالى {تدمر كل شيء بأمر ربها} ~~[الأحقاف: 25] وهو على كل شيء قدير إذ يخرج عنه ذاته وصفاته. # الرابع أنه بما علمه ثم نسيه أو لم يعلم غيره ثم اصطلح بعده أولاده على ~~هذه اللغات المعهودة الآن، والغالب أن أكثرها حادثة بعد. ### | [الفصل الثاني الأسماء اللغوية هل تثبت قياسا] # الفصل الثاني في أن الأسماء اللغوية هل تثبت قياسا الأسماء اللغوية هل ~~تثبت قياسا. # وقد اختلفوا فيه، فقال بعضهم: سموا الخمر من العنب خمرا؛ لأنها تخمر ~~العقل، فيسمى النبيذ خمرا لتحقق ذلك المعنى فيه قياسا عليه حتى يدخل في ~~عموم قوله - صلى الله عليه وسلم - «حرمت الخمر لعينها» وسمي الزاني زانيا؛ ~~لأنه مولج فرجه في فرج محرم فيقاس عليه اللائط في إثبات اسم # PageV01P181 # الزاني حتى يدخل في عموم قوله تعالى: {الزانية والزاني} [النور: 2] وسمي ~~السارق سارقا؛ لأنه أخذ مال الغير في خفية، وهذه العلة موجودة في النباش ~~فيثبت له اسم السارق قياسا حتى يدخل تحت عموم قوله تعالى: {والسارق ~~والسارقة} [المائدة: 38] وهذا غير مرضي عندنا؛ لأن العرب إن عرفتنا ~~بتوقيفها أنا وضعنا الاسم للمسكر المعتصر من العنب خاصة فوضعه لغيره تقول ~~عليهم واختراع فلا يكون لغتهم بل يكون وضعا من جهتنا، وإن عرفتنا أنها ~~وضعته لكل ما يخامر العقل أو يخمره، فكيفما كان فاسم الخمر ثابت للنبيذ ~~بتوقيفهم لا بقياسنا، كما أنهم عرفونا أن كل مصدر فله فاعل، فإذا سمينا ~~فاعل الضرب ضاربا كان ذلك عن توقيف لا عن قياس، وإن سكتوا عن الأمرين احتمل ~~أن يكون الخمر اسم ما يعتصر من العنب خاصة واحتمل غيره فلم نتحكم عليهم ~~ونقول لغتهم هذا، وقد رأيناهم يضعون الاسم لمعان ويخصصونها بالمحل كما ~~يسمون الفرس أدهم لسواده وكميتا لحمرته، والثوب المتلون بذلك اللون بل ~~الآدمي المتلون بالسواد لا يسمونه بذلك الاسم؛ لأنهم ما وضعوا الأدهم ms286 ~~والكميت للأسود والأحمر بل لفرس أسود وأحمر، وكما سموا الزجاج الذي تقر فيه ~~المائعات قارورة أخذا من القرار ولا يسمون الكوز والحوض قارورة، وإن قر ~~الماء فيه. # فإذا كل ما ليس على قياس التصريف الذي عرف منهم بالتوقيف فلا سبيل إلى ~~إثباته ووضعه بالقياس، وقد أطنبنا في شرح هذه المسألة في كتاب أساس القياس ~~فثبت بهذا أن اللغة وضع كلها وتوقيف ليس فيها قياس أصلا. ### | [الفصل الثالث في الأسماء العرفية] # الأسماء العرفية # اعلم أن الأسماء اللغوية تنقسم إلى وضعية وعرفية، والاسم يسمى عرفيا ~~باعتبارين # أحدهما: أن يوضع الاسم لمعنى عام ثم يخصص عرف الاستعمال من أهل اللغة ذلك ~~الاسم ببعض مسمياته، كاختصاص اسم الدابة بذوات الأربع مع أن الوضع لكل ما ~~يدب، واختصاص اسم المتكلم بالعالم بعلم الكلام مع أن كل قائل ومتلفظ متكلم، ~~وكاختصاص اسم الفقيه والمتعلم ببعض العلماء وبعض المتعلمين مع أن الوضع عام ~~قال الله تعالى " وعلم آدم الأسماء كلها " وقال تعالى: {خلق الإنسان} ~~[الرحمن: 3] {علمه البيان} [الرحمن: 4] وقال عز وجل: {فمال هؤلاء القوم لا ~~يكادون يفقهون حديثا} [النساء: 78] # الاعتبار الثاني: أن يصير الاسم شائعا في غير ما وضع له أولا بل فيما هو ~~مجاز فيه، كالغائط المطمئن من الأرض، والعذرة البناء الذي يستتر به وتقضى ~~الحاجة من ورائه؛ فصار أصل الوضع منسيا، والمجاز معروفا سابقا إلى الفهم ~~بعرف الاستعمال وذلك بالوضع الأول. فالأسامي اللغوية إما وضعية وإما عرفية، ~~أما ما انفرد المحترفون وأرباب الصناعات بوضعه لأدواتهم فلا يجوز أن يسمى ~~عرفيا؛ لأن مبادئ اللغات والوضع الأصلي كلها كانت كذلك فيلزم أن يكون جميع ~~الأسامي اللغوية عرفية. ### | [الفصل الرابع في الأسماء الشرعية] # الأسماء الشرعية. # قالت المعتزلة والخوارج وطائفة من الفقهاء: الأسماء لغوية ودينية وشرعية؛ ~~أما اللغوية فظاهرة، وأما الدينية فما نقلته الشريعة إلى أصل الدين كلفظ # الإيمان والكفر والفسق، وأما الشرعية فكالصلاة والصوم والحج والزكاة، ~~واستدل القاضي على إفساد مذهبهم بمسلكين: # الأول: أن هذه الألفاظ يشتمل عليها القرآن # PageV01P182 # والقرآن نزل بلغة العرب قال الله تعالى: {إنا جعلناه ms287 قرآنا عربيا} ~~[الزخرف: 3] و {بلسان عربي مبين} [الشعراء: 195] {وما أرسلنا من رسول إلا ~~بلسان قومه} [إبراهيم: 4] ولو قال: أطعموا العلماء وأراد الفقراء لم يكن ~~هذا بلسانهم، وإن كان اللفظ المنقول عربيا، فكذلك إذا نقل اللفظ عن موضوعه ~~إلى غير موضوعه أو جعل عبارة عن بعض موضوعه أو متناولا لموضوعه وغير موضوعه ~~فكل ذلك ليس من لسان العرب. # الثاني: أن الشارع لو فعل ذلك للزمه تعريف الأمة بالتوقيف نقل تلك ~~الأسامي، فإنه إذا خاطبهم بلغتهم لم يفهموا إلا موضوعها، ولو ورد فيه توقيف ~~لكان متواترا فإن الحجة لا تقوم بالآحاد، احتجوا بقوله تعالى {وما كان الله ~~ليضيع إيمانكم} [البقرة: 143] وأراد به الصلاة نحو بيت المقدس «وقال - صلى ~~الله عليه وسلم -: نهيت عن قتل المصلين» وأراد به المؤمنين، وهو خلاف ~~اللغة. قلنا: أراد بالإيمان التصديق بالصلاة والقبلة وأراد بالمصلين ~~المصدقين بالصلاة، وسمى التصديق بالصلاة صلاة على سبيل التجوز وعادة العرب ~~تسمية الشيء بما يتعلق به نوعا من التعلق والتجوز من نفس اللغة. احتجوا ~~بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «الإيمان بضع وسبعون بابا أعلاها شهادة أن ~~لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» ، وتسمية الإماطة إيمانا ~~خلاف الوضع. # قلنا: هذا من أخبار الآحاد فلا يثبت به مثل هذه القاعدة، وإن ثبتت فهي ~~دلالة الإيمان فيتجوز بتسميته إيمانا. احتجوا بأن الشرع وضع عبادات لم تكن ~~معهودة فافتقرت إلى أسام وكان استعارتها من اللغة أقرب من نقلها من لغة ~~أخرى أو إبداع أسام لها. قلنا: لا نسلم أنه حدث في الشريعة عبادة لم يكن ~~لها اسم في اللغة. فإن قيل: فالصلاة في اللغة ليست عبارة عن الركوع والسجود ~~ولا الحج عبارة عن الطواف والسعي. قلنا عنه جوابان: # الأول: أنه ليس الصلاة في الشرع أيضا عبارة عنه بل الصلاة عبارة عن ~~الدعاء كما في اللغة، والحج عبارة عن القصد، والصوم عبارة عن الإمساك، ~~والزكاة عبارة عن النمو؛ لكن الشرع شرط في إجزاء هذه الأمور أمورا أخر تنضم ~~إليها، فشرط في الاعتداد بالدعاء الواجب انضمام ms288 الركوع والسجود إليه، وفي ~~قصد البيت أن ينضم إليه الوقوف والطواف، والاسم غير متناول له لكنه شرط ~~الاعتداد بما ينطلق عليه الاسم، فالشرع تصرف بوضع الشرط لا بتغير الوضع. # الثاني: أنه يمكن أن يقال: سميت جميع الأفعال صلاة لكونها متبعا بها فعل ~~الإمام، فإن التالي للسابق في الخيل يسمى مصليا لكونه متبعا، هذا كلام ~~القاضي - رحمه الله - والمختار عندنا أنه لا سبيل إلى إنكار تصرف الشرع في ~~هذه الأسامي، ولا سبيل إلى دعوى كونها منقولة عن اللغة بالكلية كما ظنه ~~قوم، ولكن عرف اللغة تصرف في الأسامي من وجهين: # أحدهما: التخصيص ببعض المسميات كما في الدابة فتصرف الشرع في الحج والصوم ~~والإيمان من هذا الجنس إذ للشرع عرف في الاستعمال كما للعرب # والثاني: في إطلاقهم الاسم على ما يتعلق به الشيء ويتصل به، كتسميتهم ~~الخمر محرمة والمحرم شربها والأم محرمة والمحرم وطؤها فتصرفه في الصلاة ~~كذلك؛ لأن الركوع والسجود شرطه الشرع في تمام الصلاة فشمله الاسم بعرف ~~استعمال الشرع، إذ إنكار كون الركوع والسجود ركن الصلاة ومن نفسها بعيد. # فتسليم هذا القدر من التصرف بتعارف الاستعمال للشرع أهون من # PageV01P183 # إخراج السجود والركوع من نفس الصلاة، وهو كالمهم المحتاج إليه، إذ ما ~~يصوره الشرع من العبادات ينبغي أن يكون لها أسام معروفة ولا يوجد ذلك في ~~اللغة إلا بنوع تصرف فيه. وأما ما استدل به من أن القرآن عربي فهذا لا يخرج ~~هذه الأسامي عن أن تكون عربية ولا يسلب اسم العربي عن القرآن، فإنه لو ~~اشتمل على مثل هذه الكلمات بالعجمية لكان لا يخرجه عن كونه عربيا أيضا كما ~~ذكرناه في القطب الأول من الكتاب. # وأما قوله: إنه كان يجب عليه التوقيف على تصرفه، فهذا أيضا إنما يجب إذا ~~لم يفهم مقصوده من هذه الألفاظ بالتكرير والقرائن مرة بعد أخرى، فإذا فهم ~~هذا فقد حصل الغرض، فهذا أقرب عندنا مما ذكره القاضي - رحمه الله -. ### | [الفصل الخامس في الكلام المفيد] # في الكلام المفيد. # اعلم أن الأمور منقسمة إلى ما يدل على ms289 غيره وإلى ما لا يدل. فأما ما يدل ~~فينقسم إلى ما يدل بذاته وهو الأدلة العقلية، وقد ذكرنا مجامع أقسامها في ~~مدارك العقول من مقدمة الكتاب. وإلى ما يدل بالوضع، وهو ينقسم إلى صوت وغير ~~صوت كالإشارة والرمز. والصوت ينقسم في دلالته إلى مفيد وغير مفيد، والمفيد ~~كقولك زيد قائم وزيد خرج راكبا، وغير المفيد كقولك زيد لا وعمرو في؛ فإن ~~هذا لا يحصل منه معنى، وإن كان آحاد كلماته موضوعة للدلالة. # وقد اختلف في تسمية هذا كلاما، فمنهم من قال هو كمقلوب رجل وزيد " لجر " ~~و " ديز "، فإن هذا لا يسمى كلاما، ومنهم من سماه كلاما لأن آحاده وضعت ~~للإفادة. واعلم أن المفيد من الكلام ثلاثة أقسام: اسم وفعل وحرف كما في علم ~~النحو، وهذا لا يكون مفيدا حتى يشتمل على اسمين أسند أحدهما إلى الآخر نحو ~~زيد أخوك، والله ربك، أو اسم أسند إلى فعل نحو قولك ضرب زيد وقام عمرو. ~~وأما الاسم والحرف كقولك زيد من وعمرو في، فلا يفيد حتى نقول من مضر وفي ~~الدار وكذلك قولك ضرب قام لا يفيد إذا لم يتخلله اسم، وكذلك قولك من في قد ~~على. واعلم أن المركب من الاسم والفعل والحرف تركيبا مفيدا ينقسم إلى مستقل ~~بالإفادة من كل وجه، وإلى ما لا يستقل بالإفادة إلا بقرينة وإلى ما يستقل ~~بالإفادة من وجه دون وجه. # مثال الأول قوله تعالى: {ولا تقربوا الزنا} [الإسراء: 32] و {ولا تقتلوا ~~أنفسكم} [النساء: 29] وذلك يسمى نصا لظهوره، والنص في السير هو الظهور فيه، ~~ومنه منصة العروس للكرسي الذي تظهر عليه. والنص ضربان ضرب هو نص بلفظه ~~ومنظومه كما ذكرناه، وضرب هو نص بفحواه ومفهومه نحو قوله تعالى: {فلا تقل ~~لهما أف} [الإسراء: 23] {ولا تظلمون فتيلا} [النساء: 77] {فمن يعمل مثقال ~~ذرة خيرا يره} [الزلزلة: 7] {ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك} [آل ~~عمران: 75] فقد اتفق أهل اللغة على أن فهم ما فوق التأفيف من الضرب والشتم ~~وما وراء الفتيل والذرة من المقدار الكثير أسبق ms290 إلى الفهم منه من نفس الذرة ~~والفتيل والتأفيف. ومن قال: إن هذا معلوم بالقياس فإن أراد به أن المسكوت ~~عنه عرف بالمنطوق فهو حق، وإن أراد به أنه يحتاج فيه إلى تأمل أو يتطرق ~~إليه احتمال فهو غلط. # وأما الذي لا يستقل إلا بقرينة فكقوله تعالى: {أو يعفو الذي بيده عقدة ~~النكاح} [البقرة: 237] وقوله {ثلاثة قروء} [البقرة: 228] وكل لفظ مشترك ~~ومبهم، كقوله: رأيت أسدا وحمارا # PageV01P184 # وثورا إذا أراد شجاعا وبليدا فإنه لا يستقل بالدلالة على مقصوده إلا ~~بقرينة. وأما الذي يستقل من وجه دون وجه فكقوله تعالى: {وآتوا حقه يوم ~~حصاده} [الأنعام: 141] وكقوله تعالى: {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} ~~[التوبة: 29] فإن الإيتاء ويوم الحصاد معلوم ومقدار ما يؤتى غير معلوم، ~~والقتال وأهل الكتاب معلوم وقدر الجزية مجهول. فخرج من هذا أن اللفظ المفيد ~~بالإضافة إلى مدلوله إما أن لا يتطرق إليه، احتمال فيسمى نصا، أو يتعارض ~~فيه الاحتمالات من غير ترجيح فيسمى مجملا ومبهما، أو يترجح أحد احتمالاته ~~على الآخر فيسمى بالإضافة إلى الاحتمال الأرجح ظاهرا وبالإضافة إلى ~~الاحتمال البعيد مؤولا. # فاللفظ المفيد إذا إما نص أو ظاهر أو مجمل. ### | [الفصل السادس في طريق فهم المراد من الخطاب] # طريق فهم المراد من الخطاب. # اعلم أن الكلام إما أن يسمعه نبي أو ملك من الله تعالى، أو يسمعه نبي أو ~~ولي من ملك، أو تسمعه الأمة من النبي. فإن سمعه ملك أو نبي من الله تعالى ~~فلا يكون حرفا ولا صوتا ولا لغة موضوعة حتى يعرف معناه بسبب تقدم المعرفة ~~بالمواضعة، لكن يعرف المراد منه بأن يخلق الله تعالى في السامع علما ضروريا ~~بثلاثة أمور: بالمتكلم وبأن ما سمعه من كلامه وبمراده من كلامه، فهذه ثلاثة ~~أمور لا بد وأن تكون معلومة. والقدرة الأزلية ليست قاصرة عن اضطرار الملك ~~والنبي إلى العلم بذلك، ولا متكلم إلا وهو محتاج إلى نصب علامة لتعريف ما ~~في ضميره إلا الله تعالى فإنه قادر على اختراع علم ضروري به غير نصب علامة. # وكما ms291 أن كلامه ليس من جنس البشر فسمعه الذي يخلقه لعبده ليس من جنس سمع ~~الأصوات، ولذلك يعسر علينا تفهم كيفية سماع موسى كلام الله تعالى الذي ليس ~~بحرف ولا صوت كما يعسر على الأكمه تفهم كيفية إدراك البصير للألوان ~~والأشكال. أما سماع النبي من الملك فيحتمل أن يكون بحرف وصوت دال على معنى ~~كلام الله، فيكون المسموع الأصوات الحادثة التي هي فعل الملك دون نفس ~~الكلام ولا يكون هذا سماعا لكلام الله بغير واسطة، وإن كان يطلق عليه اسم ~~سماع كلام الله تعالى، كما يقال: فلان سمع شعر المتنبي وكلامه، وإن سمعه من ~~غيره وسمع صوت غيره، وكما قال تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره ~~حتى يسمع كلام الله} [التوبة: 6] وكذلك سماع الأمة من الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - كسماع الرسول من الملك، ويكون طريق فهم المراد تقدم المعرفة ~~بوضع اللغة التي بها المخاطبة. # ثم إن كان نصا لا يحتمل كفى معرفة اللغة، وإن تطرق إليه الاحتمال فلا ~~يعرف المراد منه حقيقة إلا بانضمام قرينة إلى اللفظ، والقرينة إما لفظ ~~مكشوف كقوله تعالى: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] والحق هو العشر ~~وإما إحالة على دليل العقل كقوله تعالى: {والسماوات مطويات بيمينه} [الزمر: ~~67] وقوله - عليه السلام - «قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن» . وإما ~~قرائن أحوال من إشارات ورموز وحركات وسوابق ولواحق لا تدخل تحت الحصر ~~والتخمين يختص بدركها المشاهد لها فينقلها المشاهدون من الصحابة إلى ~~التابعين بألفاظ صريحة أو مع قرائن من ذلك الجنس أو من جنس آخر حتى توجب ~~علما ضروريا بفهم المراد أو توجب ظنا وكل ما ليس له عبارة موضوعة في اللغة ~~فتتعين فيه القرائن وعند منكري صيغة # PageV01P185 # العموم والأمر يتعين تعريف الأمر والاستغراق بالقرائن، فإن قوله تعالى: ~~{فاقتلوا المشركين} [التوبة: 5] ، وإن أكده بقوله كلهم وجميعهم فيحتمل ~~الخصوص عندهم كقوله تعالى: {تدمر كل شيء بأمر ربها} [الأحقاف: 25] {وأوتيت ~~من كل شيء} [النمل: 23] فإنه أريد به البعض، وسيأتي تفصيله إن شاء الله ~~تعالى. ### | [الفصل السابع في الحقيقة ms292 والمجاز] # الحقيقة والمجاز # اعلم أن اسم الحقيقة مشترك، إذ قد يراد به ذات الشيء وحده ويراد به حقيقة ~~الكلام؛ ولكن إذا استعمل في الألفاظ أريد به ما استعمل في موضوعه. والمجاز ~~ما استعملته العرب في غير موضوعه وهو ثلاثة أنواع: الأول ما استعير للشيء ~~بسبب المشابهة في خاصية مشهورة كقولهم للشجاع أسد وللبليد حمار، فلو سمي ~~الأبخر أسدا لم يجز لأن البخر ليس مشهورا في حق الأسد الثاني: الزيادة، ~~كقوله تعالى: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] فإن الكاف وضعت للإفادة، فإذا ~~استعملت على وجه لا يفيد كان على خلاف الوضع الثالث: النقصان الذي لا يبطل ~~التفهيم، كقوله عز وجل {واسأل القرية} [يوسف: 82] والمعنى: واسأل أهل ~~القرية. وهذا النقصان اعتادته العرب فهو توسع وتجوز. # وقد يعرف المجاز بإحدى علامات أربع الأولى: أن الحقيقة جارية على العموم ~~في نظائره، إذ قولنا عالم لما عني به ذو علم صدق على كل ذي علم وقوله ~~{واسأل القرية} [يوسف: 82] يصح في بعض الجمادات لإرادة صاحب القرية، ولا ~~يقال: سل البساط والكوز، وإن كان قد يقال سل الطلل والربع لقربه من المجاز ~~المستعمل. الثانية: أن يعرف بامتناع الاشتقاق عليه، إذ الأمر إذا استعمل في ~~حقيقته اشتق منه اسم الآمر وإذا استعمل في الشأن مجازا لم يشتق منه آمر، ~~والشأن هو المراد بقوله تعالى {وما أمر فرعون برشيد} [هود: 97] وبقوله ~~تعالى: {إذا جاء أمرنا} [هود: 40] الثالثة: أن تختلف صيغة الجمع على الاسم ~~فيعلم أنه مجاز في أحدهما، إذ الأمر الحقيقي يجمع على أوامر، وإذا أريد به ~~الشأن يجمع على أمور. الرابعة: أن الحقيقي إذا كان له تعلق بالغير، فإذا ~~استعمل فيما لا تعلق له به لم يكن له متعلق كالقدرة إذا أريد بها الصفة كان ~~لها مقدور، وإن أريد بها المقدور كالنبات الحسن العجيب، إذ يقال: انظر إلى ~~قدرة الله تعالى أي إلى عجائب مقدوراته، لم يكن له متعلق، إذ النبات لا ~~مقدور له. واعلم أن كل مجاز فله حقيقة. # وليس من ضرورة كل حقيقة أن يكون لها ms293 مجاز، بل ضربان من الأسماء لا ~~يدخلهما المجاز، الأول: أسماء الأعلام نحو زيد وعمرو؛ لأنها أسام وضعت ~~للفرق بين الذوات لا للفرق في الصفات. نعم الموضوع للصفات قد يجعل علما ~~فيكون مجازا، كالأسود بن الحارث إذ لا يراد به الدلالة على الصفة مع أنه ~~وضع له فهو مجاز. # أما إذا قال: قرأت المزني وسيبويه وهو يريد كتابيهما فليس ذلك إلا كقوله ~~تعالى: {واسأل القرية} [يوسف: 82] فهو على طريق حذف اسم الكتاب، معناه: ~~قرأت كتاب المزني، فيكون في الكلام مجاز بالمعنى الثالث المذكور للمجاز ~~الثاني: الأسماء التي لا أعم منها ولا أبعد، كالمعلوم والمجهول والمدلول ~~والمذكور، إذ لا شيء إلا وهو حقيقة فيه فكيف يكون مجازا عن شيء؟ هذا تمام ~~المقدمة. ### | [القسم الأول من الفن الأول من مقاصد القطب الثالث في المجمل والمبين] ### | [مسألة قوله تعالى حرمت عليكم أمهاتكم] # القسم الأول من الفن الأول من مقاصد القطب الثالث في المجمل والمبين. ~~ولنشتغل بالمقاصد وهي كيفية اقتباس الأحكام من الصيغ والألفاظ المنطوق بها ~~وهي أربعة أقسام. # PageV01P186 # القسم الأول من الفن الأول من مقاصد القطب الثالث: في المجمل والمبين. # اعلم أن اللفظ إما أن يتعين معناه بحيث لا يحتمل غيره فيسمى مبينا ونصا، ~~وإما أن يتردد بين معنيين فصاعدا من غير ترجيح فيسمى مجملا، وإما أن يظهر ~~في أحدهما ولا يظهر في الثاني فيسمى ظاهرا. والمجمل هو اللفظ الصالح لأحد ~~معنيين الذي لا يتعين معناه لا بوضع اللغة ولا بعرف الاستعمال، وينكشف ذلك ~~بمسائل. # مسألة: قوله تعالى: {حرمت عليكم أمهاتكم} [النساء: 23] و {حرمت عليكم ~~الميتة} [المائدة: 3] ليس بمجمل # وقال قوم من القدرية: هو مجمل؛ لأن الأعيان لا تتصف بالتحريم، وإنما يحرم ~~فعل ما يتعلق بالعين وليس يدرى ما ذلك الفعل فيحرم من الميتة مسها أو أكلها ~~أو النظر إليها أو بيعها أو الانتفاع بها فهو مجمل. # والأم يحرم منها النظر أو المضاجعة أو الوطء فلا يدرى أيه، ولا بد من ~~تقدير فعل، وتلك الأفعال كثيرة وليس بعضها أولى من بعض. وهذا فاسد، إذ ms294 عرف ~~الاستعمال كالوضع، ولذلك قسمنا الأسماء إلى عرفية ووضعية وقدمنا بيانها، ~~ومن أنس بتعارف أهل اللغة واطلع على عرفهم علم أنهم لا يستريبون في أن من ~~قال: حرمت عليك الطعام والشراب أنه يريد الأكل دون النظر والمس، وإذا قال: ~~حرمت عليك هذا الثوب أنه يريد اللبس، وإذا قال: حرمت عليك النساء أنه يريد ~~الوقاع، وهذا صريح عندهم مقطوع به، فكيف يكون مجملا؟ والصريح تارة يكون ~~بعرف الاستعمال وتارة بالوضع وكل ذلك واحد في نفي الإجمال؟ وقال قوم: هو من ~~قبيل المحذوف، كقوله تعالى: {واسأل القرية} [يوسف: 82] أي: أهل القرية، ~~وكذلك قوله تعالى: {أحلت لكم بهيمة الأنعام} [المائدة: 1] أي: أكل البهيمة، ~~و {أحل لكم صيد البحر} [المائدة: 96] وهذا إن أراد به إلحاقه بالمجمل فهو ~~خطأ، وإن أراد به حصول الفهم به مع كونه محذوفا فهو صحيح، وإن أراد به ~~إلحاقه بالمجاز فيلزمه تسمية الأسماء العرفية مجازا. ### | [مسألة قوله صلى الله عليه وسلم رفع عن أمتي الخطأ والنسيان] # » يقتضي بالوضع نفي نفس الخطإ والنسيان، وليس كذلك. وكلامه - صلى الله ~~عليه وسلم - يجل عن الخلف، فالمراد به رفع حكمه لا على الإطلاق بل الحكم ~~الذي عرف بعرف الاستعمال قبل ورود الشرع إرادته بهذا اللفظ فقد كان يفهم ~~قبل الشرع من قول القائل لغيره رفعت عنك الخطأ والنسيان إذ يفهم منه رفع ~~حكمه لا على الإطلاق وهو المؤاخذة بالذم والعقوبة فكذلك قول رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - نص صريح فيه وليس بعام في جميع أحكامه من الضمان ~~ولزوم القضاء وغيره، ولا هو مجمل بين المؤاخذة التي ترجع إلى الذم ناجزا أو ~~إلى العقاب آجلا وبين الغرم والقضاء؛ لأنه لا صيغة لعمومه حتى يجعل عاما في ~~كل حكم كما لم يجعل قوله تعالى: {حرمت عليكم أمهاتكم} [النساء: 23] عاما في ~~كل فعل مع أنه لا بد من إضمار فعل، فالحكم ههنا لا بد من إضماره لإضافة ~~الرفع إليه كالفعل، ثم ينزل على ما يقتضيه عرف الاستعمال وهو الذم والعقاب ~~ههنا والوطء ثم. # فإن قيل: فالضمان ms295 أيضا عقاب فليرتفع. قلنا: الضمان قد يجب امتحانا ليثاب ~~عليه لا للانتقام، ولذلك يجب على الصبي والمجنون وعلى العاقلة بسبب الغير ~~ويجب حيث يجب الإتلاف كالمضطر في # PageV01P187 # المخمصة وقد يجب عقابا كما يجب على المتعمد لقتل الصيد ليذوق وبال أمره، ~~وإن وجب على المخطئ بالقتل امتحانا فغاية ما يلزم أن يقال: ينتفي به كل ~~ضمان هو بطريق العقاب؛ لأنه مؤاخذة وانتقام بخلاف ما هو بطريق الجبران ~~والامتحان. والمقصود أن من ظن أن هذا اللفظ خاص أو عام لجميع أحكام الخطأ ~~ومجمل متردد فقد غلط فيه. فإن قيل: فلو ورد في موضع لا عرف فيه يدرك به ~~خصوص معناه فهل يجعل نفيا لأثره بالكلية حتى يقوم مقام العموم أو يجعل ~~مجملا؟ قلنا: هو مجمل يحتمل نفي الأثر مطلقا ونفي آحاد الآثار ويصلح أن ~~يراد به الجميع ولا يترجح أحد الاحتمالات. # وهذا عند من لا يقول بصيغة العموم ظاهر، أما من يقول بها فيتبع فيه ~~الصيغة ولا صيغة للمضمرات، وهذا قد أضمر فيه الأثر فعلى ماذا يعول في ~~التعميم؟ فإن قيل: هو نفي فيقتضي وضعه نفي الأثر والمؤثر جميعا، فإن تعذر ~~نفي المؤثر بقرينة الحس فالتعذر مقصور عليه فيبقى الأثر منفيا. قلنا: ليس ~~قوله:: " لا صيام ولا عمل ولا خطأ ولا نسيان " أو «رفع الخطأ والنسيان» ~~عاما في نفي المؤثر والأثر حتى إذا تعذر في المؤثر بقي في الأثر، بل هو ~~لنفي المؤثر فقط. والأثر ينتفي ضرورة بانتفاء المؤثر لا بحكم عموم اللفظ ~~وشموله له، فإذا تعذر حمله على المؤثر صار مجازا إما عن جميع الآثار أو عن ~~بعض الآثار، ولا تترجح الجملة على البعض ولا أحد الأبعاض على غيره. ### | [مسألة قوله صلى الله عليه وسلم لا صلاة إلا بطهور] # مسألة: في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا صلاة إلا بطهور» # و «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» و «لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل» ~~و «لا نكاح إلا بولي» و «لا نكاح إلا بشهود» و «لا وضوء لمن لم يذكر ms296 اسم ~~الله عليه» و «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» . فإن هذا نفي لما ليس ~~منفيا بصورته، فإن صورة النكاح والصوم والصلاة موجودة كالخطإ والنسيان. ~~وقالت المعتزلة: هو مجمل لتردده بين نفي الصورة والحكم. وهو أيضا فاسد، بل ~~فساده في هذه الصورة أظهر، فإن الخطأ والنسيان ليس اسما شرعيا، والصلاة ~~والصوم والوضوء والنكاح ألفاظ تصرف الشرع فيها فهي شرعية، وعرف الشرع في ~~تنزيل الأسامي الشرعية على مقاصده كعرف اللغة على ما قدمنا وجه تصرف الشرع ~~في هذه الألفاظ فلا يشك في أن الشرع ليس يقصد بكلامه نفي الصورة فيكون خلفا ~~بل يريد نفي الوضوء والصوم والنكاح الشرعي، فعرف الشرع يزيل هذا الاحتمال ~~فكأنه صرح بنفي الصلاة الشرعية والنكاح الشرعي. فإن قيل: فيحتمل نفي الصحة ~~ونفي الكمال أي: لا صلاة كاملة ولا صوم فاضلا ولا نكاح مؤكدا ثابتا، فهل هو ~~محتمل بينهما؟ قلنا ذهب القاضي إلى أنه مردد بين نفي الكمال والصحة، إذ لا ~~بد من إضمار الصحة أو الكمال، وليس أحدهما بأولى من الآخر والمختار أنه ~~ظاهر في نفي الصحة محتمل لنفي الكمال على سبيل التأويل؛ لأن الوضوء والصوم ~~صارا عبارة عن الشرعي، وقوله: " لا صيام " صريح في نفي الصوم، ومهما حصل ~~الصوم الشرعي، وإن لم يكن فاضلا كاملا كان ذلك على خلاف مقتضى النفي. # فإن قيل: فقوله: - صلى الله عليه وسلم - «لا عمل إلا بنية» من قبيل قوله: ~~" لا صلاة أو من قبيل قوله: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان» ؟ قلنا: الخطأ ~~والنسيان ليسا من الأسماء الشرعية والصوم والصلاة من الأسماء الشرعية، وأما ~~العمل فليس للشرع فيه # PageV01P188 # تصرف. وكيفما كان فقوله: - صلى الله عليه وسلم -: «لا عمل إلا بنية» ~~وقوله «إنما الأعمال بالنيات» يقتضي عرف الاستعمال نفي جدواه وفائدته كما ~~يقتضي عرف الشرع نفي الصحة في الصوم والصلاة، فليس هذا من المجملات، بل من ~~المألوف في عرف الاستعمال قولهم: لا علم إلا ما نفع ولا كلام إلا ما أفاد ~~ولا حكم إلا لله ولا طاعة إلا له ولا عمل ms297 إلا ما نفع وأجدى، وكل ذلك نفي لا ~~ينتفي وهو صدق؛ لأن المراد منه نفي مقاصده. دقيقة: القاضي - رحمه الله - ~~إنما لزمه جعل اللفظ مجملا بالإضافة إلى الصحة والكمال من حيث إنه نفى ~~الأسماء الشرعية وأنكر أن يكون للشرع فيها عرف يخالف الوضع، فلزمه إضمار ~~شيء في قوله - عليه السلام - " لا صيام " أي لا صيام مجزئا صحيحا أو لا ~~صيام فاضلا كاملا ولم يكن أحد الإضمارين بأولى من الآخر. # وأما نحن إذا اعترفنا بعرف الشرع في هذه الألفاظ صار هذا النفي راجعا إلى ~~نفس الصوم كقوله: لا رجل في البلد، فإنه يرجع إلى نفي الرجل ولا ينصرف إلى ~~الكمال إلا بقرينة الاحتمال. ### | [مسألة حمل لفظ الشارع على ما يفيد معنيين] # مسألة إذا أمكن حمل لفظ الشارع على ما يفيد معنيين وحمله على ما يفيد ~~معنى واحدا وهو مردد بينهما فهو مجمل # وقال بعض الأصوليين: يترجح حمله على ما يفيد معنيين، كما لو دار بين ما ~~يفيد وما لا يفيد يتعين حمله على المفيد؛ لأن المعنى الثاني مما قصر اللفظ ~~عن إفادته إذا حمل على الوجه الآخر، فحمله على الوجه المفيد بالإضافة إليه ~~أولى. وهذا فاسد؛ لأن حمله على غير المفيد يجعل الكلام عبثا ولغوا يجل عنه ~~منصب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. أما المفيد لمعنى واحد فليس بلغو، ~~وكلماته التي أفادت معنى واحدا لعلها أغلب وأكثر يفيد معنيين، فلا معنى ~~لهذا الترجيح. ### | [مسألة ما أمكن حمله على حكم متجدد] # فليس بأولى مما يحمل اللفظ فيه على التقرير على الحكم الأصلي والحكم ~~العقلي والاسم اللغوي؛ لأن كل واحد محتمل، وليس حمل الكلام عليه ردا له إلى ~~العبث وقال قوم: حمله على الحكم الشرعي الذي هو فائدة خاصة بالشرع أولى. ~~وهو ضعيف، إذ لم يثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا ينطق بالحكم ~~العقلي ولا بالاسم اللغوي ولا بالحكم الأصلي، فهذا ترجيح بالتحكم، مثاله ~~قوله - صلى الله عليه وسلم -: «الاثنان فما فوقهما جماعة» فإنه يحتمل أن ~~يكون المراد به ms298 أنه يسمى جماعة ويحتمل أن يكون المراد به انعقاد الجماعة أو ~~حصول فضيلتها. ومثاله أيضا قوله - صلى الله عليه وسلم -: «الطواف بالبيت ~~صلاة» إذ يحتمل أن يكون المراد به الافتقار إلى الطهارة أي: هو كالصلاة ~~حكما ويحتمل أن فيه دعاء كما في الصلاة ويحتمل أنه يسمى صلاة شرعا، وإن كان ~~لا يسمى في اللغة صلاة، فهو مجمل بين هذه الجهات ولا ترجيح. ### | [مسألة إذا دار الاسم بين معناه اللغوي ومعناه الشرعي] # كالصوم والصلاة # قال القاضي: هو مجمل؛ لأن الرسول - عليه السلام - يناطق العرب بلغتهم كما ~~يناطقهم بعرف شرعه. ولعل هذا منه تفريع على مذهب من يثبت الأسامي الشرعية، ~~وإلا فهو منكر للأسامي الشرعية. # وهذا فيه نظر؛ لأن غالب عادة الشارع استعمال هذه الأسامي على عرف الشرع # PageV01P189 # لبيان الأحكام الشرعية، وإن كان أيضا كثيرا ما يطلق على الوضع اللغوي، ~~كقوله - صلى الله عليه وسلم -: «دعي الصلاة أيام أقرائك» ومن باع حرا أو من ~~باع خمرا فحكمه كذا، وإن كانت الصلاة في حالة الحيض وبيع الخمر والحر لا ~~يتصور إلا بموجب الوضع فأما الشرعي فلا. ومثال هذه المسألة قوله: - صلى ~~الله عليه وسلم - حيث لم يقدم إليه غداء: «إني إذا أصوم» فإنه إن حمل على ~~الصوم الشرعي دل على جواز النية نهارا، وإن حمل على الإمساك لم يدل وقوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «لا تصوموا يوم النحر» إن حمل على الإمساك الشرعي دل ~~على انعقاده، إذ لولا إمكانه لما قيل له لا تفعل، إذ لا يقال للأعمى لا ~~تبصر، وإن حمل على الصوم الحسي لم ينشأ منه دليل على الانعقاد. وقد قال ~~الشافعي لو حلف أن لا يبيع الخمر لا يحنث ببيعه؛ لأن البيع الشرعي لا يتصور ~~فيه وقال المزني: يحنث؛ لأن القرينة تدل على أنه أراد البيع اللغوي. ~~والمختار عندنا أن ما ورد في الإثبات والأمر فهو للمعنى الشرعي وما ورد في ~~النهي كقوله: «دعي الصلاة» فهو مجمل. ### | [مسألة إذا دار اللفظ بين الحقيقة والمجاز] # فاللفظ للحقيقة إلى أن يدل الدليل ms299 أنه أراد المجاز # ولا يكون مجملا، كقوله: رأيت اليوم حمارا واستقبلني في الطريق أسد، فلا ~~يحمل على البليد والشجاع إلا بقرينة زائدة، فإن لم تظهر فاللفظ للبهيمة ~~والسبع. ولو جعلنا كل لفظ أمكن أن يتجوز به مجملا تعذرت الاستفادة من أكثر ~~الألفاظ، فإن المجاز إنما يصار إليه لعارض. وهذا في مجاز لم يغلب بالعرف. ~~بحيث صار الوضع كالمتروك مثل الغائط والعذرة، فإنه لو قال: رأيت اليوم عذرة ~~أو غائطا لم يفهم منه المطمئن من الأرض وفناء الدار؛ لأنه صار كالمتروك ~~بعرف الاستعمال، والمعنى العرفي كالمعنى الوضعي في تردد اللفظ بينهما، وليس ~~المجاز كالحقيقي لكن المجاز إذا صار عرفيا كان الحكم للعرف. ### | [خاتمة جامعة] # اعلم أن الإجمال تارة يكون في لفظ مفرد وتارة يكون في لفظ مركب وتارة في ~~نظم الكلام والتصريف وحروف النسق ومواضع الوقف والابتداء. أما اللفظ المفرد ~~فقد يصلح لمعان مختلفة كالعين للشمس والذهب والعضو الباصر والميزان، وقد ~~يصلح لمتضادين كالقرء للطهر والحيض والناهل للعطشان والريان، وقد يصلح ~~لمتشابهين بوجه ما كالنور للعقل ونور الشمس، وقد يصلح لمتماثلين كالجسم ~~للسماء والأرض والرجل لزيد وعمرو، وقد يكون موضوعا لهما من غير تقديم ~~وتأخير، وقد يكون مستعارا لأحدهما من الآخر كقولك: الأرض أم البشر، فإن ~~الأم وضع اسم للوالدة أولا، وكذلك اسم المنافق والكافر والفاسق والصوم ~~والصلاة فإنه نقل في الشرع إلى معان ولم يترك المعنى الوضعي أيضا. أما ~~الاشتراك مع التركيب فكقوله تعالى: {أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح} ~~[البقرة: 237] فإن جميع هذه الألفاظ مرددة بين الزوج والولي. وأما الذي ~~بحسب التصريف فكالمختار للفاعل والمفعول. # وأما الذي بحسب نسق الكلام فكقولك: كل ما علمه الحكيم فهو كما علمه، فإن ~~قولك " فهو كما علمه " متردد بين أن يرجع إلى كل ما " وبين أن يرجع إلى ~~الحكيم حتى يقول: والحكيم يعلم الحجر، فهو إذا كالحجر. وقد يكون بحسب # PageV01P190 # الوقف والابتداء، فإن الوقف على السموات في قوله تعالى: {وهو الله في ~~السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم} [الأنعام: 3] له معنى يخالف الوقف ms300 ~~على الأرض والابتداء بقوله: {يعلم سركم وجهركم} [الأنعام: 3] وقوله تعالى: ~~{وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم} [آل عمران: 7] من غير وقف ~~يخالف الوقف على قوله: إلا الله وذلك لتردد الواو بين العطف والابتداء. ~~ولذلك قد يصدق قولك: الخمسة زوج وفرد أي هو اثنان وثلاثة، ويصدق قولك: ~~الإنسان حيوان وجسم؛ لأنه حيوان وجسم أيضا. ولا يصدق قولك: الإنسان حيوان ~~وجسم، ولا قولك: الخمسة زوج وفرد؛ لأن الإنسان ليس بحيوان وجسم وليست ~~الخمسة زوجا وفردا أيضا؛ وذلك؛ لأن الواو يحتمل جمع الأجزاء وجمع الصفات. ~~وكذلك تقول: زيد طبيب بصير، يصدق، وإن كان جاهلا ضعيف المعرفة بالطب ولكن ~~بصير بالخياطة، فيتردد البصير أن يراد به البصير في الطب أو يراد وصف زائد ~~في نفسه. فهذه أمثلة مواضع الإجمال. ### | [القول في البيان والمبين وفيه مسائل] ### | [مسألة في حد البيان] # القول في البيان والمبين وقد تم القول في المجمل وفي مقابلته المبين ~~فلنتكلم في البيان وحكمه وحده. القول في البيان والمبين: # اعلم أنه جرت عادة الأصوليين برسم كتاب في البيان وليس النظر فيه مما ~~يستوجب أن يسمى كتابا، فالخطب فيه يسير الأمر فيه قريب. ورأيت أولى المواضع ~~به أن يذكر عقيب المجمل، فإنه المفتقر إلى البيان والنظر في حد البيان ~~وجواز تأخيره والتدريج في إظهاره وفي طريق ثبوته، فهذه أربعة أمور نرسم في ~~كل واحد منها مسألة. # مسألة: في حد البيان # اعلم أن البيان عبارة عن أمر يتعلق بالتعريف والإعلام، وإنما يحصل ~~الإعلام بدليل، والدليل محصل للعلم، فههنا ثلاثة أمور: إعلام ودليل به ~~الإعلام وعلم يحصل من الدليل؛ فمن الناس من جعله عبارة عن التعريف فقال في ~~حده: إنه إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي. ومنهم من جعله عبارة ~~عما به تحصل المعرفة فيما يحتاج إلى المعرفة، أعني الأمور التي ليست ضرورية ~~وهو الدليل، فقال في حده: إنه الدليل الموصل بصحيح النظر فيه إلى العلم بما ~~هو دليل عليه؛ وهو اختيار القاضي. # ومنهم من جعله عبارة عن نفس العلم وهو تبين ms301 الشيء، فكأن البيان عنده ~~والتبين واحد. ولا حجر في إطلاق اسم البيان على كل واحد من هذه الأقسام ~~الثلاثة، إلا أن الأقرب إلى اللغة وإلى المتداول بين أهل العلم ما ذكره ~~القاضي، إذ يقال لمن دل غيره على الشيء بينه له، وهذا بيان منك لكنه لم ~~يتبين وقال تعالى: {هذا بيان للناس} [آل عمران: 138] وأراد به القرآن وعلى ~~هذا فبيان الشيء قد يكون بعبارات وضعت بالاصطلاح، فهي بيان في حق من تقدمت ~~معرفته بوجه المواضعة. وقد يكون بالفعل والإشارة والرمز، إذ الكل دليل ~~ومبين، ولكن صار في عرف المتكلمين مخصوصا بالدلالة بالقول له بيان حسن، أي: ~~كلام حسن رشيق الدلالة على المقاصد، واعلم أنه ليس شرط البيان أن يحصل ~~التبيين به لكل أحد بل أن يكون بحيث إذا سمع وتؤمل وعرفت المواضعة صح أن ~~يعلم به. ويجوز أن يختلف الناس في تبين ذلك وتعرفه، وليس من شرطه أن يكون ~~بيانا لمشكل؛ لأن النصوص المعربة # PageV01P191 # عن الأمور ابتداء بيان، وإن لم يتقدم فيها إشكال. # وبهذا يبطل قول من حده بأنه إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي، ~~فذلك ضرب من البيان وهو بيان المجمل فقط، واعلم أن كل مفيد من كلام الشارع ~~وفعله وسكوته واستبشاره حيث يكون دليلا وتنبيهه بفحوى الكلام على علة الحكم ~~كل ذلك بيان؛ لأن جميع ذلك دليل، وإن كان بعضها يفيد غلبة الظن فهو من حيث ~~إنه يفيد العلم بوجوب العمل قطعا دليل وبيان وهو كالنص. نعم كل ما لا يفيد ~~علما ولا ظنا ظاهرا فهو مجمل وليس ببيان بل هو محتاج إلى البيان، والعموم ~~يفيد ظن الاستغراق عند القائلين به لكنه يحتاج إلى البيان ليصير الظن علما ~~فيتحقق الاستغراق أو يتبين خلافه فيتحقق الخصوص. وكذلك الفعل يحتاج إلى ~~بيان تقدمه أنه أريد به بيان الشرع؛ لأن الفعل لا صيغة له. ### | [مسألة في تأخير البيان] # لا خلاف أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إلا على مذهب من يجوز ~~تكليف المحال، أما تأخيره إلى وقت ms302 الحاجة فجائز عند أهل الحق خلافا ~~للمعتزلة وكثير من أصحاب أبي حنيفة وأصحاب الظاهر، وإليه ذهب أبو إسحاق ~~المروزي وأبو بكر الصيرفي. وفرق جماعة بين العام والمجمل فقالوا: يجوز ~~تأخير بيان المجمل إذ لا يحصل من المجمل جهل. وأما العام فإنه يوهم العموم، ~~فإذا أريد به الخصوص فلا ينبغي أن يتأخر بيانه، مثل قوله: {فاقتلوا ~~المشركين} [التوبة: 5] فإنه إن لم يقترن به البيان له أوهم جواز قتل غير ~~أهل الحرب وأدى ذلك إلى قتل من لا يجوز قتله. والمجمل مثل قوله تعالى: ~~{وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] يجوز تأخير بيانه؛ لأن الحق مجمل لا ~~يسبق إلى الفهم منه شيء، وهو كما لو قال: حج في هذه السنة كما سأفصله، أو: ~~اقتل فلانا غدا بآلة سأعينها من سيف أو سكين. # وفرق طوائف بين الأمر والنهي وبين الوعد والوعيد، فلم يجوزوا تأخير ~~البيان في الوعد والوعيد. ويدل على جواز التأخير مسالك: # الأول: أنه لو كان ممتنعا لكان لاستحالته في ذاته أو لإفضائه إلى محال ~~وكل ذلك يعرف بضرورة أو نظر، وإذا انتفى المسلكان ثبت الجواز وهذا دليل ~~يستعمله القاضي في مسائل كثيرة؛ وفيه نظر؛ لأنه لا يورث العلم ببطلان ~~الإحالة ولا بثبوت الجواز، إذ يمكن أن يكون وراء ما ذكره وفصله دليل على ~~الإحالة لم يخطر له، فلا يمكن أن يكون دليلا لا على الإحالة ولا على ~~الجواز. # فعدم العلم بدليل الجواز لا يثبت الإحالة، وكذلك عدم العلم بدليل الإحالة ~~لا يثبت الجواز، بل عدم العلم بدليل الإحالة لا يكون علما؛ لعدم الإحالة، ~~فلعل عليه دليلا ولم نعرفه، بل لو عرفنا انتفاء دليل الإحالة لم يثبت ~~الجواز، بل لعله محال وليس عليه دليل يعرفه آدمي، فمن أين يجب أن يكون كل ~~جائز ومحال في مقدور الآدمي معرفته؟ # الثاني: أنه إنما يحتاج إلى البيان للامتثال وإمكانه، ولأجله يحتاج إلى ~~القدرة والآلة، ثم جاز تأخير القدرة وخلق الآلة فكذلك البيان وهذا أيضا ~~ذكره القاضي، وفيه نظر؛ لأنه إنما ينفع لو اعترف الخصم بأنه يحيله ms303 لتعذر ~~الامتثال ولعله يحيله؛ لما فيه من تجهيل أو لكونه # PageV01P192 # لغوا بلا فائدة أو لسبب آخر، وليس في تسليمه تعليل القدرة والآلة بتأتي ~~الامتثال ما يلزمه تعليل غيره به. # الثالث: الاستدلال على جوازه بوقوعه في القرآن والسنة قال الله تعالى: ~~{فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} [القيامة: 18] {ثم إن علينا بيانه} [القيامة: ~~19] وثم للتأخير وقال تعالى {كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير} ~~[هود: 1] وقال تعالى: {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} [البقرة: 67] ، ~~وإنما أراد بقرة معينة ولم يفصل إلا بعد السؤال وقال تعالى: {واعلموا أنما ~~غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى} [الأنفال: 41] الآية. # ، وإنما أراد بذي القربى بني هاشم وبني المطلب دون بني أمية وكل من عدا ~~بني هاشم، فلما منع بني أمية وبني نوفل وسئل عن ذلك قال: «إنا وبنو المطلب ~~لم نفترق في جاهلية ولا في إسلام ولم نزل هكذا» وشبك بين أصابعه وقال في ~~قصة نوح {إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح} [هود: 46] بين بعد أن توهم أنه ~~من أهله. وأما السنن فبيان المراد بقوله: {وأقيموا الصلاة} [البقرة: 43] ~~بصلاة جبريل في يومين بين الوقتين، وقوله - عليه السلام - «ليس في ~~الخضراوات صدقة» ثم قال بعد ذلك: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» وقال: «في ~~أربعين شاة شاة» و «خذوا عني مناسككم» كله ورد متأخرا عن قوله: {وآتوا ~~الزكاة} [البقرة: 43] . وغيرها {ولله على الناس حج البيت من استطاع} [آل ~~عمران: 97] الآية وقال {وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم} [التوبة: 41] وهو عام ثم ~~ورد بعده: {ليس على الأعمى حرج} [النور: 61] وكذلك جميع الأعذار وكذلك أمر ~~النكاح والبيع والإرث ورد أولا أصلها ثم بين النبي - عليه السلام - ~~بالتدريج من يرث ومن لا يرث ومن يحل نكاحه ومن لا يحل وما يصح بيعه وما لا ~~يصح. # وكذلك كل عام ورد في الشرع فإنما ورد دليل خصوصه بعده، وهذا مسلك لا سبيل ~~إلى إنكاره، وإن تطرق الاحتمال إلى أحد هذه الاستشهادات بتقدير اقتران ~~البيان فلا يتطرق إلى الجميع # الرابع: أنه ms304 يجوز تأخير النسخ بالاتفاق، بل يجب تأخيره لا سيما عند ~~المعتزلة، فإن النسخ عندهم بيان لوقت العبادة. ويجوز أن يرد لفظ يدل على ~~تكرر الأفعال على الدوام ثم ينسخ ويقطع الحكم بعد حصول الاعتقاد بلزوم ~~الفعل على الدوام لكن بشرط أن لا يرد نسخ، وهذا أيضا واقع، فهذه الأدلة ~~واقعة دالة على جواز تأخير البيان عن كل ما يحتاج إلى البيان من عام ومجمل ~~ومجاز وفعل متردد وشرط مطلق غير مقيد، وهو أيضا دليل على من جوز في الأمر ~~دون الوعيد وعلى من قال بعكس ذلك. # وللمخالف أربع شبه. # الأولى: قالوا: إن جوزتم خطاب العربي بالعجمية والفارسي بالزنجية فقد ~~ركبتم بعيدا وتعسفتم، وإن منعتم فالفرق بينه وبين مخاطبة العربي بلفظ مجمل ~~لا يفهم معناه ولكن يسمع لفظه، ويلزم منه جواز خطابه بلغة هو واضعها وحده ~~إلى أن يبين. والجواب من وجهين أحدهما وهو الأولى: أنهم لما قالوا قوله: ~~{وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] كالكلام بلغة لا تفهم مع أنه يفهم ~~أصل الإيجاب ويعزم على أدائه وينتظر بيانه وقت # PageV01P193 # الحصاد فالتسوية بينهما تعسف وظلم. # الجواب الثاني أنا نجوز للنبي - عليه السلام - أن يخاطب جميع أهل الأرض ~~من الزنج والترك بالقرآن ويشعرهم أنه يشتمل على أوامر يعرفهم بها المترجم، ~~وكيف يبعد هذا ونحن نجوز كون المعدوم مأمورا على تقدير الوجود؟ فأمر العجم ~~على تقدير البيان أقرب. نعم لا يحصل ذلك خطابا بل إنما يسمى خطابا إذا فهمه ~~المخاطب، والمخاطب في مسألتنا فهم أصل الأمر بالزكاة وجهل قدر الحق الواجب ~~عند الحصاد وكذلك قوله تعالى {أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح} [البقرة: ~~237] مفهوم وتردده بين الزوج والولي معلوم والتعيين منتظر. # فإن قيل: فليجز خطاب المجنون والصبي. قلنا: أما من لا يفهم فلا يسمى ~~مخاطبا ويسمى مأمورا كالمعدوم على تقدير الوجود، وكذلك الصبي مأمور على ~~تقدير البلوغ أعني من علم الله أنه سيبلغ، أما الذي يفهم ويعلم الله ببلوغه ~~فلا نحيل أن يقال له: إذا بلغت فأنت مأمور بالصلاة والزكاة والصبا لا ينافي ~~مثل ms305 هذا الخطاب، وإنما ينافي خطابا يعرضه للعقاب في الصبا. # الثانية: قولهم الخطاب يراد لفائدة، وما لا فائدة فيه فيكون وجوده كعدمه، ~~ولا يجوز أن يقول أبجد هوز ويريد به وجوب الصلاة والصوم ثم يبينه من بعد؛ ~~لأنه لغو من الكلام، وكذلك المجمل الذي لا يفيد. # قلنا: إنما يجوز الخطاب بمجمل يفيد فائدة ما؛ لأن قوله تعالى: {وآتوا حقه ~~يوم حصاده} [الأنعام: 141] يعرف منه وجوب الإيتاء ووقته وأنه حق في المال، ~~فيمكن العزم فيه على الامتثال والاستعداد له، ولو عزم على تركه عصى. وكذلك ~~مطلق الأمر إذا ورد ولم يتبين أنه للإيجاب أو الندب أو أنه على الفور أو ~~التراخي أو أنه للتكرار أو للمرة الواحدة أفاد علم اعتقاد الأصل ومعرفة ~~التردد بين الجهتين، وكذلك: {أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح} [البقرة: 237] ~~يعرف إمكان سقوط المهر بين الزوج والولي فلا يخلو عن أصل الفائدة، وإنما ~~يخلو عن كمالها. وذلك غير مستنكر بل هو واقع في الشريعة والعادة بخلاف قوله ~~" أبجد هوز " فإن ذلك لا فائدة له أصلا. # الثالثة: أنه لا خلاف في أنه لو قال: «في خمس من الإبل شاة» وأراد خمسا ~~من الأفراس لا يجوز ذلك، وإن كان بشرط البيان بعده؛ لأنه تجهيل في الحال ~~وإيهام لخلاف المراد، فكذلك قوله: {فاقتلوا المشركين} [التوبة: 5] يوهم قتل ~~كل مشرك. وهو خلاف المراد، فهو تجهيل في الحال. ولو أراد بالعشرة سبعة كان ~~ذلك تجهيلا، وإن كان ذلك جائزا إن اتصل الاستثناء به بأن يقول: عشرة إلا ~~ثلاثة. وكذلك العموم للاستغراق في الوضع إنما يراد به الخصوص بشرط قرينة ~~متصلة مبينة، فأما إرادة الخصوص دون القرينة فهو تغيير للوضع؛ وهذا حجة من ~~فرق بين العام والمجمل. # والجواب أن العموم لو كان نصا في الاستغراق لكان كما ذكرتموه، وليس كذلك ~~بل هو مجمل عند أكثر المتكلمين متردد بين الاستغراق والخصوص، وهو ظاهر عند ~~أكثر الفقهاء في الاستغراق وإرادة الخصوص به من كلام العرب، فإن الرجل قد ~~يعبر بلفظ العموم عن كل ما تمثل في ذهنه ms306 وحضر في فكره، فيقول مثلا: ليس ~~للقاتل من الميراث شيء، فإذا قيل له: فالجلاد والقاتل قصاصا لم يرث، فيقول: ~~ما أردت هذا ولم يخطر لي بالبال. ويقول: للبنت النصف من الميراث، فيقال: # PageV01P194 # فالبنت الرقيقة والكافرة لا ترث شيئا، فيقول: ما خطر ببالي هذا، وإنما ~~أردت غير الرقيقة والكافرة. ويقول الأب: إذا انفرد يرث المال أجمع، فيقال: ~~الأب الكافر أو الرقيق لا يرث، فيقول: إنما خطر ببالي الأب غير الرقيق ~~والكافر. فهذا من كلام العرب. # وإذا أراد السبعة بالعشرة فليس من كلام العرب، فإذا اعتقد العموم قطعا ~~فذلك لجهله، بل ينبغي أن يعتقد أنه ظاهر في العموم محتمل للخصوص وعليه ~~الحكم بالعموم إن خلي والظاهر، وينتظر أن ينبه على الخصوص أيضا. # الرابعة: أنه إن جاز تأخير البيان إلى مدة مخصوصة طويلة كانت أو قصيرة ~~فهو تحكم، وإن جاز إلى غير نهاية، فربما يخترم النبي - عليه السلام - قبل ~~البيان فيبقى العامل بالعموم في ورطة الجهل متمسكا بعموم ما أريد به ~~الخصوص. قلنا: النبي - عليه السلام - لا يؤخر البيان إلا إذا جوز له ~~التأخير أو أوجب وعين له وقت البيان وعرف أنه يبقى إلى ذلك الوقت، فإن ~~اخترم قبل البيان بسبب من الأسباب فيبقى العبد مكلفا بالعموم عند من يرى ~~العموم ظاهرا ولا يلزمه حكم ما لم يبلغه، كما لو اخترم قبل النسخ لما أمر ~~بنسخه فإنه يبقى مكلفا به دائما. # فإن أحالوا اخترامه قبل تبليغ النسخ فيما أنزل عليه النسخ فيه فيستحيل ~~أيضا اخترامه قبل بيان الخصوص فيما أريد به الخصوص، ولا فرق. ### | [مسألة تأخير البيان في العموم] # مسألة ذهب بعض المجوزين لتأخير البيان في العموم إلى منع التدريج في ~~البيان # فقالوا إذا ذكر إخراج شيء من العموم فينبغي أن يذكر جميع ما يخرج، وإلا ~~أوهم ذلك استعمال العموم في الباقي. وهذا أيضا غلط، بل من توهم ذلك فهو ~~المخطئ، فإنه كما كان يجوز الخصوص فإنه ينبغي أن يبقى تجوزا له في الباقي، ~~وإن أخرج البعض،؛ إذ ليس في إخراج البعض تصريح ms307 بحسم سبيل لشيء آخر، كيف وقد ~~نزل قوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} [آل ~~عمران: 97] فسئل النبي - عليه السلام - عن الاستطاعة، فقال: " الزاد ~~والراحلة " ولم يتعرض لأمن الطريق والسلامة وطلب الخفارة، وذلك يجوز أن ~~يتبين بدليل آخر بعده وقال تعالى: {والسارق والسارقة} [المائدة: 38] ثم ذكر ~~النصاب بعده ثم ذكر الحرز بعد ذلك. وكذلك كان يخرج شيئا شيئا من العموم على ~~قدر وقوع الوقائع، وكذلك يخرج من قوله: {فاقتلوا المشركين} [التوبة: 5] أهل ~~الذمة مرة والعسيف مرة والمرأة مرة أخرى وكذلك على التدريج، ولا إحالة في ~~شيء من ذلك. فإن قيل: فإذا كان كذلك فمتى يجب على المجتهد الحكم بالعموم ~~ولا يزال منتظرا لدليل بعده؟ قلنا: سيأتي ذلك في كتاب العموم والخصوص إن ~~شاء الله. ### | [مسألة لا يشترط أن يكون طريق البيان للمجمل والتخصيص للعموم كطريق المجمل والعموم] # حتى يجوز بيان مجمل القرآن وعمومه وما ثبت بالتواتر بخبر الواحد، خلافا ~~لأهل العراق فإنهم لم يجوزوا التخصيص في عموم القرآن والمتواتر بخبر ~~الواحد. وأما المجمل فيما تعم به البلوى كأوقات الصلاة وكيفيتها وعدد ~~ركعاتها ومقدار واجب الزكاة وجنسها فإنهم قالوا: لا يجوز أن يبين إلا بطريق ~~قاطع. # وأما ما لا تعم به البلوى كقطع يد السارق وما يجب على الأئمة من الحد ~~وذكر أحكام المكاتب والمدبر فيجوز أن يبين بخبر الواحد، وهذا # PageV01P195 # يتعلق طرف منه بطريق التخصيص وسيأتي في القسم الرابع، وطرف يتعلق بما تعم ~~به البلوى وقد ذكرناه في كتاب الأخبار. ### | [القسم الثاني من الفن الأول في الظاهر والمؤول وفيه مسائل] # القسم الثاني من الفن الأول في الظاهر والمؤول. اعلم أنا بينا أن اللفظ ~~الدال الذي ليس بمجمل إما أن يكون نصا وإما أن يكون ظاهرا. والنص هو الذي ~~لا يحتمل التأويل، والظاهر هو الذي يحتمله. فهذا القدر قد عرفته على ~~الجملة، وبقي عليك الآن أن تعرف الاختلاف في إطلاق لفظ النص وأن تعرف حده ~~وحد الظاهر وشرط التأويل المقبول. فنقول: النص اسم مشترك يطلق في تعارف ms308 ~~العلماء على ثلاثة أوجه: # الأول: ما أطلقه الشافعي - رحمه الله - فإنه سمى الظاهر نصا؛ وهو منطبق ~~على اللغة ولا مانع منه في الشرع، والنص في اللغة بمعنى الظهور، تقول ~~العرب: نصت الظبية رأسها إذا رفعته وأظهرته، وسمي الكرسي منصة إذ تظهر عليه ~~العروس، وفي الحديث: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا وجد فرجة ~~نص» فعلى هذا حده الظاهر هو اللفظ الذي يغلب على الظن فهم معنى منه من غير ~~قطع، فهو بالإضافة إلى ذلك المعنى الغالب ظاهر ونص. # الثاني: الأشهر: ما لا يتطرق إليه احتمال أصلا لا على قرب ولا على بعد، ~~كالخمسة مثلا فإنه نص في معناه لا يحتمل الستة ولا الأربعة وسائر الأعداد، ~~ولفظ الفرس لا يحتمل الحمار والبعير وغيره. # فكل ما كانت دلالته على معناه في هذه الدرجة سمي بالإضافة إلى معناه نصا ~~في طرفي الإثبات والنفي، أعني في إثبات المسمى ونفي ما لا ينطلق عليه ~~الاسم. فعلى هذا حده اللفظ الذي يفهم منه على القطع معنى فهو بالإضافة إلى ~~معناه المقطوع به نص. ويجوز أن يكون اللفظ الواحد نصا ظاهرا مجملا لكن ~~بالإضافة إلى ثلاثة معان لا إلى معنى واحد. # الثالث: التعبير بالنص عما لا يتطرق إليه احتمال مقبول يعضده دليل، أما ~~الاحتمال الذي لا يعضده دليل فلا يخرج اللفظ عن كونه نصا؛ فكان شرط النص ~~بالوضع الثاني أن لا يتطرق إليه احتمال أصلا، وبالوضع الثالث أن لا يتطرق ~~إليه احتمال مخصوص وهو المعتضد بدليل. ولا حجر في إطلاق اسم النص على هذه ~~المعاني الثلاثة لكن الإطلاق الثاني أوجه وأشهر وعن الاشتباه بالظاهر أبعد. ~~هذا هو القول في النص والظاهر؛ أما القول في التأويل فيستدعي تمهيد أصل ~~وضرب أمثلة. # أما التمهيد: فهو أن التأويل عبارة عن احتمال يعضده دليل يصير به أغلب ~~على الظن من المعنى الذي يدل عليه الظاهر، ويشبه أن يكون كل تأويل صرفا ~~للفظ عن الحقيقة إلى المجاز، وكذلك تخصيص العموم يرد اللفظ عن الحقيقة إلى ~~المجاز، فإنه إن ثبت أن ms309 وضعه وحقيقته للاستغراق فهو مجاز في الاقتصار على ~~البعض فكأنه رد له إلى المجاز، إلا أن الاحتمال تارة يقرب وتارة يبعد فإن ~~قرب كفى في إثباته دليل قريب، وإن لم يكن بالغا في القوة، وإن كان بعيدا ~~افتقر إلى دليل قوي يجبر بعده حتى يكون ركوب ذلك الاحتمال البعيد أغلب على ~~الظن من مخالفة ذلك الدليل. # وقد يكون ذلك الدليل قرينة وقد يكون قياسا وقد يكون ظاهرا آخر أقوى منه، ~~ورب تأويل لا ينقدح إلا بتقدير قرينة، وإن لم تنقل القرينة كقوله - عليه ~~السلام -: «إنما الربا في النسيئة» فإنه يحمل على مختلفي الجنس، ولا ينقدح ~~هذا التخصيص إلا بتقدير واقعة وسؤال عن مختلفي الجنس، ولكن يجوز تقدير # PageV01P196 # مثل هذه القرينة إذا اعتضد بنص، وقوله - عليه السلام -: «لا تبيعوا البر ~~بالبر إلا سواء بسواء» نص في إثبات ربا الفضل، وقوله: «إنما الربا في ~~النسيئة» حصر للربا في النسيئة ونفي لربا الفضل؛ فالجمع بالتأويل البعيد ~~الذي ذكرناه أولى من مخالفة النص. ولهذا المعنى كان الاحتمال البعيد ~~كالقريب في العقليات، فإن دليل العقل لا تمكن مخالفته بوجه ما، والاحتمال ~~البعيد يمكن أن يكون مرادا باللفظ بوجه ما، فلا يجوز التمسك في العقليات ~~إلا بالنص بالوضع الثاني وهو الذي لا يتطرق إليه احتمال قريب ولا بعيد. # ومهما كان الاحتمال قريبا وكان الدليل أيضا قريبا وجب على المجتهد ~~الترجيح والمصير إلى ما يغلب على ظنه، فليس كل تأويل مقبولا بوسيلة كل دليل ~~بل ذلك يختلف ولا يدخل تحت ضبط، إلا أنا نضرب أمثلة فيما يرتضى من التأويل ~~وما لا يرتضى ونرسم في كل مثال مسألة ونذكر لأجل المثال عشر مسائل خمسة في ~~تأويل الظاهر وخمسة في تخصيص العموم. ### | [مسألة التأويل وإن كان محتملا فقد تجتمع قرائن تدل على فساده] # وآحاد تلك القرائن لا تدفعه، لكن يخرج بمجموعها عن أن يكون منقدحا غالبا، ~~مثاله قوله: - عليه السلام - " لغيلان حين أسلم على عشر نسوة: «أمسك أربعا ~~وفارق سائرهن» وقوله: - عليه السلام - لفيروز الديلمي حين أسلم على أختين: ms310 ~~«أمسك إحداهما وفارق الأخرى» ، فإن ظاهر هذا يدل على دوام النكاح. فقال أبو ~~حنيفة: أراد به ابتداء النكاح، أي: أمسك أربعا فانكحهن وفارق سائرهن، أي: ~~انقطع عنهن ولا تنكحهن. ولا شك في أن ظاهر لفظ الإمساك الاستصحاب ~~والاستدامة. # وما ذكره أيضا محتمل ويعتضد احتماله بالقياس، إلا أن جملة من القرائن ~~عضدت الظاهر وجعلته أقوى في النفس من التأويل. # أولها: أنا نعلم أن الحاضرين من الصحابة لم يسبق إلى أفهامهم من هذه ~~الكلمة إلا الاستدامة في النكاح، وهو السابق إلى أفهامنا؛ فإنا لو سمعناه ~~في زماننا لكان هو السابق إلى أفهامنا # الثاني: أنه قابل لفظ الإمساك بلفظ المفارقة وفوضه إلى اختياره، فليكن ~~الإمساك والمفارقة إليه، وعندهم الفراق واقع والنكاح لا يصح إلا برضا ~~المرأة. # الثالث: أنه لو أراد ابتداء النكاح لذكر شرائطه فإنه كان لا يؤخر البيان ~~عن وقت الحاجة وما أحوج جديد العهد بالإسلام إلى أن يعرف شروط النكاح # الرابع: أنه لا يتوقع في اطراد العادة انسلاكهن في ربقة الرضا على حسب ~~مراده، بل ربما كان يمتنع جميعهن فكيف أطلق الأمر مع هذا الإمكان؟ # الخامس: أن قوله: " أمسك " أمر ظاهره الإيجاب، فكيف أوجب عليه ما لم يجب؟ ~~ولعله أراد أن لا ينكح أصلا. # السادس: أنه ربما أراد أن لا ينكحهن بعد أن قضى منهن وطرا، فكيف حصره ~~فيهن؟ بل كان ينبغي أن يقول: انكح أربعا ممن شئت من نساء العالم من ~~الأجنبيات فإنهن عندكم كسائر نساء العالم. # فهذا وأمثاله من القرائن ينبغي أن يلتفت إليها في تقرير التأويل ورده ~~وآحادها لا يبطل الاحتمال لكن المجموع يشكك في صحة القياس المخالف للظاهر ~~ويصير اتباع الظاهر بسببها أقوى في النفس من اتباع القياس، والإنصاف أن ذلك ~~يختلف بتنوع أحوال المجتهدين، وإلا فلسنا نقطع ببطلان تأويل أبي حنيفة مع ~~هذه القرائن، وإنما المقصود تذليل الطريق للمجتهدين # PageV01P197 # مسألة: من تأويلاتهم في هذه المسألة # أن الواقعة ربما وقعت في ابتداء الإسلام قبل الحصر في عدد النساء فكان ~~على وفق الشرع، وإنما الباطل من أنكحة الكفار ms311 ما يخالف الشرع؛ كما لو جمع ~~في صفقة واحدة بين عشر بعد نزول الحصر. فنقول: إذا سلم هذا أمكن القياس ~~عليه؛ لأن قياسهم يقتضي اندفاع جميع هذه الأنكحة، كما لو نكح أجنبيتين ثم ~~حدث بينهما أخوة برضاع اندفع النكاح ولم يتخير. ومع هذا فنقول: هذا بناء ~~تأويل على احتمال من غير نقل ولم يثبت عندنا رفع حجر في ابتداء الإسلام، ~~ويشهد له أنه لم ينقل عن أحد من الصحابة زيادة على أربعة وهم الناكحون، ولو ~~كان جائزا لفارقوا عند نزول الحصر ولأوشك أن ينقل ذلك، وقوله تعالى: {وأن ~~تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف} [النساء: 23] أراد به زمان الجاهلية؛ ~~هذا ما ورد في التفسير. فإن قيل: فلو صح رفع حجر في الابتداء هل كان هذا ~~الاحتمال مقبولا؟ قلنا قال بعض أصحابنا الأصوليين: لا يقبل؛ لأن الحديث ~~استقل حجة فلا يدفع بمجرد الاحتمال ما لم ينقل وقوع نكاح غيلان قبل نزول ~~الحجر. وهذا ضعيف؛ لأن الحديث لا يستقل حجة ما لم ينقل تأخر نكاحه عن نزول ~~الحصر؛ لأنه إن تقدم فليس بحجة، وإن تأخر فهو حجة، فليس أحد الاحتمالين ~~أولى من الآخر ولا تقوم الحجة باحتمال يعارضه غيره. ### | [مسألة كل تأويل يرفع النص أو شيئا منه فهو باطل] # مسألة: قال بعض الأصوليين كل تأويل يرفع النص أو شيئا منه فهو باطل. # ومثاله تأويل أبي حنيفة في مسألة الأبدال حيث قال - عليه الصلاة والسلام ~~-: «في أربعين شاة شاة» فقال أبو حنيفة: الشاة غير واجبة، وإنما الواجب ~~مقدار قيمتها من أي مال كان، قال: فهذا باطل؛ لأن اللفظ نص في وجوب شاة، ~~وهذا رفع وجوب الشاة فيكون رفعا للنص، فإن قوله: {وآتوا الزكاة} [البقرة: ~~43] للإيجاب، وقوله - عليه السلام -: «في أربعين شاة شاة» بيان للواجب، ~~وإسقاط وجوب الشاة رفع للنص؛ وهذا غير مرضي عندنا، فإن وجوب الشاة إنما ~~يسقط بتجويز الترك مطلقا، فأما إذا لم يجز تركها إلا ببدل يقوم مقامها فلا ~~تخرج الشاة عن كونها واجبة، فإن من أدى خصلة من خصال ms312 الكفارة المخير فيها ~~فقد أدى واجبها، وإن كان الوجوب يتأدى بخصلة أخرى فهذا توسيع للوجوب، ~~واللفظ نص في أصل الوجوب لا في تعيينه وتصنيفه، ولعله ظاهر في التعيين ~~محتمل للتوسيع والتخيير، وهو كقوله: «وليستنج بثلاثة أحجار» فإن إقامة ~~المدر مقامه لا يبطل وجوب الاستنجاء، لكن الحجر يجوز أن يتعين ويجوز أن ~~يتخير بينه وبين ما في معناه. # نعم إنما ينكر الشافعي هذا التأويل لا من حيث إنه نص لا يحتمل لكن من ~~وجهين: # أحدهما: أن دليل الخصم أن المقصود سد الخلة، ومسلم أن سد الخلة مقصود، ~~لكن غير مسلم أنه كل المقصود، فلعله قصد مع ذلك التعبد بإشراك الفقير في ~~جنس مال الغني، فالجمع بين الظاهر وبين التعبد، ومقصود سد الخلة أغلب على ~~الظن في العبادات؛ لأن العبادات مبناها على الاحتياط من تجريد النظر إلى ~~مجرد سد الخلة. # الثاني: أن التعليل بسد الخلة مستنبط من قوله: «في أربعين شاة شاة» هو ~~استنباط يعود على أصل النص بالإبطال أو على الظاهر بالرفع وظاهر وجوب الشاة ~~على التعيين؛ فإبراز معنى لا يوافق الحكم السابق إلى الفهم من اللفظ لا ~~معنى له؛ لأن العلة ما يوافق الحكم، والحكم لا # PageV01P198 # معنى له إلا ما يدل عليه ظاهر اللفظ وظاهر اللفظ يدل على تعيين الشاة، ~~وهذا التعليل يدفع هذا الظاهر. # وهذا أيضا عندنا في محل الاجتهاد، فإن معنى سد الخلة ما يسبق إلى الفهم ~~من إيجاب الزكاة للفقراء، وتعيين الشاة يحتمل أن يكون للتعبد كما ذكر ~~الشافعي - رحمه الله - ويحتمل أن لا يكون متعينا لكن الباعث على تعيينه ~~شيئان: # أحدهما: أنه الأيسر على الملاك والأسهل في العبادات كما عين ذكر الحجر في ~~الاستنجاء؛ لأنه أكثر في تلك البلاد وأسهل، وكما يقول المفتي لمن وجبت عليه ~~كفارة اليمين: تصدق بعشرة أمداد من البر؛ لأنه يرى ذلك أسهل عليه من العتق ~~ويعلم من عادته أنه لو خير بينهما لاختار الإطعام على الإعتاق ليسره فيكون ~~ذلك باعثا على تخصيصه بالذكر. # والثاني: أن الشاة معيار لمقدار الواجب فلا بد ms313 من ذكرها؛ إذ القيمة تعرف ~~بها، وهي تعرف بنفسها فهي أصل على التحقيق، ولو فسر النبي - عليه الصلاة ~~والسلام - كلامه بذلك لم يكن متناقضا ولكان حكما بأن البدل يجري في الزكاة. ~~فهذا كله في محل الاجتهاد، إنما تشمئز عنه طباع من لم يأنس بتوسع العرب في ~~الكلام وظن اللفظ نصا في كل ما يسبق إلى الفهم منه، فليس يبطل الشافعي - ~~رحمه الله - هذا لانتفاء الاحتمال لكن لقصور الدليل الذي يعضده ولإمكان كون ~~التعبد مقصودا مع سد الخلة؛ ولأنه ذكر الشاة في خمس من الإبل وليس من جنسه ~~حتى يكون للتسهيل. ثم في الجبران ردد بين شاة وعشرة دراهم ولم يردهم إلى ~~قيمة الشاة، وفي خمس من الإبل لم يردد، فهذه قرائن تدل على التعبد، والباب ~~باب التعبد والاحتياط فيه أولى. ### | [مسألة تأويل الآية في مسألة أصناف الزكاة] # مسألة: يقرب مما ذكرنا تأويل الآية في مسألة أصناف الزكاة # ، فقال قوم: قوله تعالى {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} [التوبة: 60] ~~الآية نص في التشريك، فالصرف إلى واحد إبطال له. وليس كذلك عندنا بل هو عطف ~~على قوله تعالى {ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم ~~يعطوا منها إذا هم يسخطون} [التوبة: 58] {ولو أنهم رضوا} [التوبة: 59] إلى ~~قوله: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} [التوبة: 60] يعني أن طمعهم في ~~الزكاة مع خلوهم عن شرط الاستحقاق باطل، ثم عدد شروط الاستحقاق ليبين مصرف ~~الزكاة ومن يجوز صرف الزكاة إليه؛ فهذا محتمل، فإن منعه فللقصور في دليل ~~التأويل لا لانتفاء الاحتمال. فهذا وأمثاله ينبغي أن يسمى نصا بالوضع الأول ~~أو الثالث أما بالوضع الثاني فلا. ### | [مسألة قوله تعالى فإطعام ستين مسكينا نص في وجوب رعاية العدد] # مسألة: قال قوم: قوله تعالى: {فإطعام ستين مسكينا} [المجادلة: 4] نص في ~~وجوب رعاية العدد ومنع الصرف إلى مسكين واحد في ستين يوما. # وقطعوا ببطلان تأويله. وهو عندنا من جنس ما تقدم، فإنه إن أبطل لقصور ~~الاحتمال وكون الآية نصا بالوضع الثاني فهو غير مرضي، فإنه يجوز أن يكون ~~ذكر ms314 المساكين لبيان مقدار الواجب، ومعناه: فإطعام طعام ستين مسكينا، وليس ~~هذا ممتنعا في توسع لسان العرب، نعم دليله تجريد النظر إلى سد الخلة ~~والشافعي يقول: لا يبعد أن يقصد الشرع ذلك؛ لإحياء ستين مهجة تبركا بدعائهم ~~وتحصنا عن حلول العذاب بهم، ولا يخلو جمع من المسلمين عن ولي من الأولياء ~~يغتنم دعاؤه؛ ولا دليل على بطلان هذا المقصود فتصير الآية نصا بالوضع الأول ~~لا بالوضع الثاني # PageV01P199 # هذه أمثلة التأويل. ### | [مسألة العموم عند من يرى التمسك به ينقسم إلى قوي وضعيف] # ولنذكر أمثلة التخصيص: فإن العموم إن جعلناه ظاهرا في الاستغراق لم يكن ~~في التخصيص إلا إزالة ظاهر؛ فلأجل ذلك عجلنا ذكر هذا القدر، وإلا فبيانه في ~~القسم الرابع المرسوم لبيان العموم أليق. # مسألة: اعلم أن العموم عند من يرى التمسك به ينقسم إلى قوي يبعد عن قبول ~~التخصيص إلا بدليل قاطع أو كالقاطع وهو الذي يحتاج إلى تقدير قرينة حتى ~~تنقدح إرادة الخصوص به، وإلى ضعيف ربما يشك في ظهوره ويقتنع في تخصيصه ~~بدليل ضعيف وإلى متوسط. # مثال القوي منه قوله - صلى الله عليه وسلم -: «أيما امرأة نكحت بغير إذن ~~وليها فنكاحها باطل» الحديث. وقد حمله الخصم على الأمة فنبا عن قبوله قوله: ~~«فلها المهر بما استحل من فرجها» فإن مهر الأمة للسيد فعدلوا إلى الحمل على ~~المكاتبة وهذا تعسف ظاهر؛؛ لأن العموم قوي والمكاتبة نادرة بالإضافة إلى ~~النساء، وليس من كلام العرب إرادة النادر الشاذ باللفظ الذي ظهر منه قصد ~~إلا بقرينة تقترن باللفظ، وقياس النكاح على المال وقياس الإناث على الذكور ~~ليس قرينة مقترنة باللفظ حتى يصلح لتنزيله على صورة نادرة. # ودليل ظهور قصد التعمم بهذا اللفظ أمور: # الأول: أنه صدر الكلام بأي: وهي من كلمات الشرط ولم يتوقف في عموم أدوات ~~الشرط جماعة ممن توقف في صيغ العموم. # الثاني: أنه أكده بما فقال: " أيما " وهي من المؤكدات المستقلة بإفادة ~~العموم أيضا # الثالث: أنه قال: " فنكاحها باطل رتب الحكم على الشرط في معرض الجزاء، ~~وذلك أيضا يؤكد قصد ms315 العموم، ونحن نعلم أن العربي الفصيح لو اقترح عليه بأن ~~صيغة عامة دالة على قصد العموم مع الفصاحة والجزالة لم تسمح قريحته بأبلغ ~~من هذه الصيغة، ونحن نعلم قطعا أن الصحابة - رضي الله عنهم - لم يفهموا من ~~هذه الصيغة المكاتبة، وأنا لو سمعنا واحدا منا يقول لغيره: أيما امرأة ~~رأيتها اليوم فأعطها درهما لا يفهم منه المكاتبة، ولو قال: أردت المكاتبة ~~نسب إلى الإلغاز والهزء، ولو قال: «أيما إهاب دبغ فقد طهر» ثم قال: أردت به ~~الكلب أو الثعلب على الخصوص لنسب إلى اللكنة والجهل باللغة؛ ثم لو أخرج ~~الكلب أو الثعلب أو المكاتبة وقال: ما خطر ذلك ببالي، لم يستنكر، فما لا ~~يخطر بالبال أو بالأخطار وجاز أن يشذ عن ذكر اللافظ وذهنه حتى جاز إخراجه ~~عن اللفظ كيف يجوز قصر اللفظ عليه؟ بل نقول من ذهب إلى إنكار صيغ العموم ~~وجعلها مجملة فلا ينكر منع التخصيص إذا دلت القرائن عليه، فالمريض إذا قال ~~لغلامه: لا تدخل علي الناس، فأدخل عليه جماعة من الثقلاء وزعم أني أخرجت ~~هذا من عموم لفظ الناس، فإنه ليس نصا في الاستغراق استوجب التعزير فلنتخذ ~~هذه المسألة مثالا لمنع التخصيص بالنوادر. # مسألة: يقرب من هذا قوله - عليه الصلاة والسلام - «من ملك ذا رحم محرم ~~عتق عليه» إذ قبله بعض أصحاب الشافعي وخصصه بالأب وهذا بعيد؛ لأن الأب يختص ~~بخاصية تتقاضى تلك الخاصية التنصيص عليه فيما يوجب الاحترام، والعدول عن ~~لفظه الخاص إلى لفظ يعم قريب من الإلغاز والإلباس ولا يليق بمنصب الشارع - ~~عليه السلام - إلا إذا اقترن به قرينة معرفة ولا سبيل إلى وضع القرائن من ~~غير ضرورة. وليس قياس الشافعي في تخصيص # PageV01P200 # النفقة بالبعضية بالغا في القوة مبلغا ينبغي أن يخترع تقدير القرائن ~~بسببه، فلو صح هذا اللفظ لعمل الشافعي - رحمه الله - بموجبه. # فإن من كان من عادته إكرام أبيه فقال من عادتي إكرام الناس، كان ذلك خلفا ~~من الكلام، ولكن قال الشافعي: الحديث موقوف على الحسن بن عمارة # مسألة: ما ذكرناه مثال ms316 العموم القوي، أما مثال العموم الضعيف # فقوله - عليه السلام -: «فيما سقت السماء العشر، وفيما سقي بنضح أو دالية ~~نصف العشر» فقد ذهب بعض القائلين بصيغ العموم إلى أن هذا لا يحتج به في ~~إيجاب العشر، ونصف العشر في جميع ما سقته السماء، ولا في جميع ما سقي بنضح؛ ~~لأن المقصود منه الفرق بين العشر، ونصف العشر لا بيان ما يجب فيه العشر حتى ~~يتعلق بعمومه. # وهذا فيه نظر عندنا إذ لا يبعد أن يكون كل واحد مقصودا، وهو إيجاب العشر ~~في جميع ما سقته السماء، وإيجاب نصفه في جميع ما سقي بنضح، واللفظ عام في ~~صيغته فلا يزول ظهوره بمجرد الوهم؛ لكن يكفي في التخصيص أدنى دليل، لكنه لو ~~لم يرد إلا بهذا اللفظ، ولم يرد دليل مخصص لوجب التعميم في الطرفين على ~~مذهب من يرى صيغ العموم حجة. ### | [مسألة قال الله تعالى واعلموا أنما غنمتم من شيء] # فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى} [الأنفال: 41] فقال أبو حنيفة: تعتبر ~~الحاجة مع القرابة، ثم جوز حرمان ذوي القربى. # فقال أصحاب الشافعي: - رحمه الله - هذا تخصيص باطل لا يحتمله اللفظ لأنه ~~أضاف المال إليهم فاللام التمليك، وعرف كل جهة بصفة، وعرف هذه الجهة في ~~الاستحقاق بالقرابة، وأبو حنيفة ألغى القرابة المذكورة، واعتبر الحاجة ~~المتروكة، وهو مناقضة للفظ لا تأويل، وهذا عندنا في مجال الاجتهاد، وليس ~~فيه إلا تخصيص عموم لفظ ذوي القربى بالمحتاجين منهم كما فعله الشافعي على ~~أحد القولين في اعتبار الحاجة مع اليتم في سياق هذه الآية. # فإن قيل لفظ اليتم ينبئ عن الحاجة قيل: فلم لا يحمل عليه قوله: «لا تنكح ~~اليتيمة حتى تستأمر» فإن قيل: قرينة إعطاء المال هي التي تنبه على اعتبار ~~الحاجة مع اليتم فله هو أن يقول: واقتران ذوي القربى باليتامى، والمساكين ~~قرينة أيضا، وإنما دعا إلى ذكر القرابة كونهم محرومين عن الزكاة حتى يعلم ~~أنهم ليسوا محرومين عن هذا المال، وهذا تخصيص لو دل عليه دليل فلا بد من ~~قبوله، فليس ينبو عنه اللفظ ms317 نبوة حديث النكاح بلا ولي عن المكاتبة. ### | [مسألة قوله عليه السلام لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل] # » حمله أبو حنيفة على القضاء، والنذر. # فقال أصحابنا: قوله: «لا صيام» نفي عام لا يسبق منه إلى الفهم إلا الصوم ~~الأصلي الشرعي، وهو الفرض، والتطوع، ثم التطوع غير مراد فلا يبقى إلا الفرض ~~الذي هو ركن الدين، وهو صوم رمضان، وأما القضاء، والنذر فيجب بأسباب عارضة، ~~ولا يتذكر بذكر الصوم مطلقا، ولا يخطر بالبال بل يجري مجرى النوادر ~~كالمكاتبة في مسألة النكاح، وهذا فيه نظر، إذ ليس ندور القضاء، والنذر ~~كندور المكاتبة، وإن كان الفرض أسبق منه إلى الفهم، # PageV01P201 # فيحتاج مثل هذا التخصيص إلى دليل قوي، فليس يظهر بطلانه كظهور بطلان ~~التخصيص بالمكاتبة. # وعند هذا يعلم أن إخراج النادر قريب، والقصر على النادر ممتنع، وبينهما ~~درجات متفاوتة في القرب، والبعد لا تدخل تحت الحصر ولكل مسألة ذوق، ويجب أن ~~تفرد بنص خاص، ويليق ذلك بالفروع، ولم نذكر هذا القدر إلا لوقوع الأنس بجنس ~~التصرف فيه، والله أعلم. هذا تمام النظر في المجمل، والمبين، والظاهر، ~~والمؤول، وهو نظر يتعلق بالألفاظ كلها، والقسمان الباقيان نظر أخص فإنه نظر ~~في الأمر، والنهي خاصة، وفي العموم، والخصوص خاصة؛ فلذلك قدمنا النظر في ~~الأعم على النظر في الأخص. ### | [القسم الثالث في الأمر والنهي] ### | [النظر الأول في حده وحقيقته] # القسم الثالث: في الأمر، والنهي فنبدأ بالأمر، فنقول: أولا في حده، ~~وحقيقته، وثانيا في صيغته، وثالثا في مقتضاه من الفور، والتراخي أو الوجوب ~~أو الندب، وفي التكرار، والاتحاد، وإثباته. # النظر الأول: في حده، وحقيقته. # ، وهو قسم من أقسام الكلام، إذ بينا أن الكلام ينقسم إلى أمر، ونهي، ~~وخبر، واستخبار، فالأمر أحد أقسامه، وحد الأمر أنه القول المقتضي طاعة ~~المأمور بفعل المأمور به، والنهي هو القول المقتضي ترك الفعل، وقيل في حد ~~الأمر: إنه طلب الفعل، واقتضاؤه على غير، وجه المسألة، وممن دون الآمر في ~~الدرجة احترازا عن قوله: اللهم اغفر لي، وعن سؤال العبد من سيده، والولد من ms318 ~~والده ولا حاجة إلى هذا الاحتراز، بل يتصور من العبد، والولد أمر السيد، ~~والوالد، وإن لم تجب عليهما الطاعة، فليس من ضرورة كل أمر أن يكون واجب ~~الطاعة بل الطاعة لا تجب إلا لله تعالى، والعرب قد تقول: فلان أمر أباه، ~~والعبد أمر سيده، ومن يعلم أن طلب الطاعة لا يحسن منه فيرون ذلك أمرا، وإن ~~لم يستحسنوه. # وكذلك قوله: اغفر لي فلا يستحيل أن يقوم بذاته اقتضاء الطاعة من الله ~~تعالى أو من غيره فيكون آمرا، ويكون عاصيا بأمره. فإن قيل: قولكم الأمر هو ~~القول المقتضي طاعة المأمور أردتم به القول باللسان أو كلام النفس؟ قلنا: ~~الناس فريقان: # الفريق الأول: هم المثبتون لكلام النفس، وهؤلاء يريدون بالقول ما يقوم ~~بالنفس من اقتضاء الطاعة، وهو الذي يكون النطق عبارة عنه، ودليلا عليه، وهو ~~قائم بالنفس، وهو أمر بذاته، وجنسه، ويتعلق بالمأمور به، وهو كالقدرة فإنها ~~قدرة لذاتها، وتتعلق بمتعلقها، ولا يختلف في الشاهد، والغائب في نوعه، ~~وحده، وينقسم إلى قديم، ومحدث كالقدرة، ويدل عليه تارة بالإشارة، والرمز، ~~والفعل، وتارة بالألفاظ، فإن سميت الإشارة المعرفة أمرا فمجاز لأنه دليل ~~على الأمر لا أنه نفس الأمر. # وأما الألفاظ فمثل قوله: أمرتك، فاقتضى طاعته، وهو ينقسم إلى إيجاب، ~~وندب، ويدل على معنى الندب بقوله: ندبتك، ورغبتك فافعل فإنه خير لك، وعلى ~~معنى الوجوب بقوله: أوجبت عليك أو فرضت أو حتمت فافعل فإن تركت فأنت معاقب، ~~وما يجري مجراه، وهذه الألفاظ الدالة على معنى الأمر تسمى أمرا، وكأن الاسم ~~مشترك بين المعنى القائم بالنفس، وبين اللفظ الدال فيكون حقيقة فيهما أو ~~يكون حقيقة في المعنى القائم بالنفس، وقوله: افعل، يسمى أمرا مجازا كما ~~تسمى الإشارة المعرفة أمرا مجازا، ومثل هذا الخلاف جاز في اسم الكلام أنه ~~مشترك بين ما في النفس، وبين اللفظ أو هو مجاز في اللفظ. # الفريق الثاني: هم المنكرون # PageV01P202 # لكلام النفس، وهؤلاء انقسموا إلى ثلاثة أصناف، وتحزبوا على ثلاث مراتب: # الحزب الأول: قالوا: لا معنى للأمر إلا حرف، وصوت، وهو مثل ms319 قوله: افعل، ~~أو ما يفيد معناه. # وإليه ذهب البلخي من المعتزلة، وزعم أن قوله " افعل " أمر لذاته، وجنسه، ~~وأنه لا يتصور أن لا يكون أمرا فقيل له: هذه الصيغة قد تصدر للتهديد، ~~كقوله: {اعملوا ما شئتم} [فصلت: 40] ، وقد تصدر للإباحة كقوله: {وإذا حللتم ~~فاصطادوا} [المائدة: 2] فقال: ذلك جنس آخر لا من هذا الجنس، وهو مناكرة ~~للحس. فلما استشعر ضعف هذه المجاحدة اعترف. # الحزب الثاني: وفيهم جماعة من الفقهاء يقولون: إن قوله: " افعل " ليس ~~أمرا بمجرد صيغته ولذاته بل لصيغته، وتجرده عن القرائن الصارفة له عن جهة ~~الأمر إلى التهديد، والإباحة، وغيره، وزعموا أنه لو صدر من النائم، ~~والمجنون أيضا لم يكن أمرا للقرينة، وهذا يعارضه قول من قال: إنه لغير ~~الأمر إلا إذا صرفته قرينة إلى معنى الأمر لأنه إذا سلم إطلاق العرب هذه ~~الصيغة على أوجه مختلفة فحوالة البعض على الصيغة، وحوالة الباقي على ~~القرينة تحكم مجرد لا يعلم بضرورة العقل، ولا بنظر، ولا بنقل متواتر من أهل ~~اللغة فيجب التوقف فيه، فعند ذلك اعترف. # الحزب الثالث: من محققي المعتزلة أنه ليس أمرا لصيغته، وذاته، ولا لكونه ~~مجردا عن القرائن مع الصيغة، بل يصير أمرا بثلاث إرادات إرادة المأمور به، ~~وإرادة إحداث الصيغة، وإرادة الدلالة بالصيغة على الأمر دون الإباحة، ~~والتهديد، وقال بعضهم: تكفي إرادة واحدة، وهي إرادة المأمور به، وهذا فاسد ~~من أوجه: # الأول: أنه يلزم أن يكون قوله تعالى: {ادخلوها بسلام آمنين} [الحجر: 46] ~~، وقوله: {كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية} [الحاقة: 24] ~~أمرا لأهل الجنة، ولا يمكن تحقيق الأمر إلا بوعد، ووعيد فتكون الدار الآخرة ~~دار تكليف، ومحنة، وهو خلاف الإجماع، وقد ركب ابن الجبائي هذا، وقال: إن ~~الله مريد دخولهم الجنة، وكاره امتناعهم إذ يتعذر به إيصال الثواب إليهم، ~~وهذا ظلم، والله سبحانه يكره الظلم. فإن قيل: قد وجدت إرادة الصيغة، وإرادة ~~المأمور به لكن لم توجد إرادة الدلالة به على الأمر. # قلنا: وهل للأمر معنى وراء الصيغة حتى تراد الدلالة عليه أم لا؟ فإن ms320 كان ~~له معنى فما هو، وهل له حقيقة سوى ما يقوم بالنفس من اقتضاء الطاعة؟ وإن لم ~~يكن سوى الصيغة فلا معنى لاعتبار هذه الإرادة الثالثة: # الوجه الثاني: أنه يلزمهم أن يكون القائل لنفسه افعل مع إرادة الفعل من ~~نفسه آمرا لنفسه، وهو محال بالاتفاق فإن الآمر هو المقتضي، وأمره لنفسه لا ~~يكون مقتضيا للفعل بل المقتضي دواعيه، وأغراضه ولهذا لو قال لنفسه " افعل ~~"، وسكت وجد ههنا إرادة الصيغة، وإرادة المأمور به، وليس بأمر، فدل أن ~~حقيقته اقتضاء الطاعة، وهو معنى قائم بالنفس من ضرورته أن يتعلق بغيره، وهل ~~يشترط أن لا يكون ذلك الغير فوقه في الرتبة؟ فيه كلام سبق. فإن قيل، وما ~~الدليل على قيام معنى بالنفس سوى إرادة الفعل المأمور به، فإن السيد لا يجد ~~من نفسه عند قوله لعبده اسقني أو أسرج الدابة إلا إرادة السقي # PageV01P203 # والإسراج، أعني: طلبه، والميل إليه لارتباط غرضه به، فإن ثبت أن الأمر ~~يرجع إلى هذه الإرادة لزم اقتران الأمر، والإرادة في حق الله تعالى حتى لا ~~تكون المعاصي الواقعة إلا مأمورا بها مرادة، إذ الكائنات كلها مرادة. أو ~~ينكر وقوعها بإرادة الله فيقال: إنها على خلاف إرادته، وهو شنيع إذ يؤدي ~~إلى أن يكون ما يجري في ملكه على خلاف ما أراد أكثر مما يجري على وفق ~~إرادته، وهي الطاعات، وذلك أيضا منكر، فما المخلص من هذه الورطة؟ قلنا: هذه ~~الضرورة التي دعت الأصحاب إلى تمييز الأمر عن الإرادة فقالوا: قد يأمر ~~السيد عبده بما لا يريده، كالمعاتب من جهة السلطان على ضرب عبده إذا مهد ~~عنده عذره لمخالفة أوامره فقال له بين يدي الملك: أسرج الدابة، وهو يريد أن ~~لا يسرج إذ في إسراجه خطر، وإهلاك للسيد، فيعلم أنه لا يريده، وهو أمر إذ ~~لولاه لما كان العبد مخالفا، ولما تمهد عذره عند السلطان، وكيف لا يكون ~~أمرا، وقد فهم العبد، والسلطان، والحاضرون منه الأمر؟ فدل أنه قد يأمر بما ~~لا يريده هذا منتهى كلامهم، وتحته غور لو كشفناه ms321 لم تحتمل الأصول التقصي عن ~~عهدة ما يلزم منه، ولتزلزلت به قواعد لا يمكن تداركها إلا بتفهيمها على وجه ~~يخالف ما سبق إلى أوهام أكثر المتكلمين، والقول فيه يطول، ويخرج عن خصوص ~~مقصود الأصول. ### | [النظر الثاني في صيغة الأمر] # النظر الثاني في الصيغة، وقد حكى بعض الأصوليين خلافا في أن الأمر هل له ~~صيغة؟ وهذه الترجمة خطأ، فإن قول الشارع: أمرتكم بكذا أو أنتم مأمورون ~~بكذا، أو قول الصحابي: أمرت بكذا. كل ذلك صيغ دالة على الأمر، وإذا قال: ~~أوجبت عليكم أو فرضت عليكم، وأمرتكم بكذا، وأنتم معاقبون على تركه، فكل ذلك ~~يدل على الوجوب، ولو قال: أنتم مثابون على فعل كذا، ولستم معاقبين على ~~تركه، فهو صيغة دالة على الندب. فليس في هذا خلاف، وإنما الخلاف في أن ~~قوله: " افعل " هل يدل على الأمر بمجرد صيغته إذا تجرد عن القرائن؟ فإنه قد ~~يطلق على أوجه، منها الوجوب كقوله: {أقم الصلاة} [الإسراء: 78] ، والندب، ~~كقوله: {فكاتبوهم} [النور: 33] ، والإرشاد كقوله: {، واستشهدوا} [البقرة: ~~282] والإباحة كقوله {فاصطادوا} [المائدة: 2] ، والتأديب كقوله لابن عباس ~~كل مما يليك، والامتنان كقوله: {وكلوا مما رزقكم الله} [المائدة: 88] ، ~~والإكرام، كقوله: {ادخلوها بسلام آمنين} [الحجر: 46] ، والتهديد، كقوله: ~~{اعملوا ما شئتم} [فصلت: 40] ، والتسخير، كقوله: {كونوا قردة خاسئين} ~~[البقرة: 65] ، والإهانة، كقوله: {ذق إنك أنت العزيز الكريم} [الدخان: 49] ~~، والتسوية، كقوله: {فاصبروا أو لا تصبروا} [الطور: 16] ، والإنذار، كقوله: ~~{كلوا وتمتعوا} [المرسلات: 46] ، والدعاء كقوله: «اللهم اغفر لي» ، والتمني ~~كقول الشاعر " # ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي # ". ولكمال القدرة كقوله: {كن فيكون} [البقرة: 117] ، وأما صيغة النهي، ~~وهو قوله: " لا تفعل. فقد تكون للتحريم وللكراهية، والتحقير كقوله: {ولا ~~تمدن عينيك} [طه: 131] ولبيان العاقبة، كقوله: {ولا تحسبن الله غافلا عما ~~يعمل الظالمون} [إبراهيم: 42] وللدعاء كقوله: «ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة ~~عين» ولليأس كقوله: {لا تعتذروا اليوم} [التحريم: 7] # PageV01P204 # وللإرشاد كقوله: {لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} [المائدة: 101] ~~فهذه خمسة عشر وجها في إطلاق صيغة الأمر، وسبعة أوجه في إطلاق صيغة النهي ~~فلا بد من البحث عن الوضع الأصلي ms322 في جملة ذلك ما هو، والمتجوز به ما هو، ~~وهذه الأوجه عدها الأصوليون شغفا منهم بالتكثير، وبعضها كالمتداخل، فإن ~~قوله: كل مما يليك " جعل للتأديب، وهو داخل في الندب، والآداب مندوب إليها. # وقوله: {تمتعوا} [هود: 65] للإنذار قريب من قوله: {اعملوا ما شئتم} ~~[فصلت: 40] الذي هو للتهديد، ولا نطول بتفصيل ذلك، وتحصيله فالوجوب، ~~والندب، والإرشاد، والإباحة أربعة وجوه محصلة، ولا فرق بين الإرشاد، ~~والندب، إلا أن الندب لثواب الآخرة، والإرشاد للتنبيه على المصلحة الدنيوية ~~فلا ينقص ثواب بترك الإشهاد في المداينات، ولا يزيد بفعله، وقال قوم: هو ~~مشترك بين هذه الوجوه الخمسة عشر كلفظ " العين " والقرء، وقال قوم: يدل على ~~أقل الدرجات، وهو الإباحة، وقال قوم: هو للندب، ويحمل على الوجوب بزيادة ~~قرينة، وقال قوم: هو للوجوب فلا يحمل على ما عداه إلا بقرينة، وسبيل كشف ~~الغطاء أن نرتب النظر على مقامين، الأول: في بيان أن هذه الصيغة هل تدل على ~~اقتضاء، وطلب أم لا؟ والثاني: في بيان أنه إن اشتمل على اقتضاء فالاقتضاء ~~موجود في الندب، والوجوب على اختيارنا في أن الندب داخل تحت الأمر، فهل ~~يتعين لأحدهما أو هو مشترك؟ # المقام الأول: في دلالته على اقتضاء الطاعة. # فنقول: قد أبعد من قال إن قوله " افعل مشترك بين الإباحة، والتهديد الذي ~~هو المنع، وبين الاقتضاء، فإنا ندرك التفرقة في وضع اللغات كلها بين قولهم ~~" افعل " و " لا تفعل " و " إن شئت فافعل " و " إن شئت فلا تفعل " حتى إذا ~~قدرنا انتفاء القرائن كلها، وقدرنا هذا منقولا على سبيل الحكاية عن ميت أو ~~غائب لا في فعل معين من قيام، وقعود، وصيام، وصلاة بل في الفعل مجملا سبق ~~إلى فهمنا اختلاف معاني هذه الصيغ، وعلمنا قطعا أنها ليست أسامي مترادفة ~~على معنى واحد، كما أنا ندرك التفرقة بين قولهم في الإخبار " قام زيد " ~~ويقوم زيد " " وزيد قائم " في أن الأول للماضي، والثاني للمستقبل، والثالث ~~للحال هذا هو الوضع، وإن كان قد يعبر بالماضي عن المستقبل وبالمستقبل عن ~~الماضي لقرائن تدل عليه؛، ms323 وكما ميزوا الماضي عن المستقبل ميزوا الأمر عن ~~النهي، وقالوا في باب الأمر " افعل "، وفي باب النهي " لا تفعل "، وإنهما ~~لا ينبئان عن معنى قوله: " إن شئت فافعل " " وإن شئت فلا تفعل " فهذا أمر ~~لعلمه بالضرورة من العربية، والتركية، والعجمية، وسائر اللغات لا يشككنا ~~فيه إطلاق مع قرينة التهديد، ومع قرينة الإباحة في نوادر الأحوال. # فإن قيل: بم تنكرون على من يحمله على الإباحة لأنها أقل الدرجات فهو ~~مستيقن؟ قلنا هذا باطل من وجهين: # أحدهما: أنه محتمل للتهديد، والمنع، فالطريق الذي يعرف أنه لم يوضع ~~للتهديد يعرف أنه لم يوضع للتخيير. # الثاني: أن هذا من قبيل الاستصحاب لا من قبيل البحث عن الوضع، فإنا نقول ~~هل تعلم أن مقتضى قوله " افعل " للتخيير بين الفعل، والترك؟ فإن قال نعم ~~فقد باهت، واخترع، وإن قال: لا، فنقول: فأنت شاك في معناه فيلزمك التوقف. ~~فيحصل من هذا أن قوله " افعل " يدل على ترجيح جانب الفعل على جانب الترك # PageV01P205 # بأنه ينبغي أن يوجد، وقوله: " لا تفعل " يدل على ترجيح جانب الترك على ~~جانب الفعل، وأنه ينبغي أن لا يوجد، وقوله: أبحت لك فإن شئت فافعل، وإن شئت ~~فلا تفعل " يرفع الترجيح. # المقام الثاني: في ترجيح بعض ما ينبغي أن يوجد، فإن الواجب، والمندوب كل ~~واحد منهما ينبغي أن يوجد، ويرجح فعله على تركه، وكذا ما أرشد إليه؛ إلا أن ~~الإرشاد يدل على أنه ينبغي أن يوجد، ويرجح فعله على تركه لمصلحة العبد في ~~الدنيا، والندب لمصلحته في الآخرة، والوجوب لنجاته في الآخرة هذا إذا فرض ~~من الشارع، وفي حق السيد إذا قال لعبده افعل " أيضا يتصور ذلك مع زيادة ~~أمر، وهو أن يكون لغرض السيد فقط كقوله: " اسقني " عند العطش، وهو غير ~~متصور في حق الله تعالى، فإن الله غني عن العالمين، ومن جاهد فإنما يجاهد ~~لنفسه. # وقد ذهب ذاهبون إلى أن وضعه للوجوب، وقال قوم: هو للندب، وقال قوم: يتوقف ~~فيه. ثم منهم من قال: هو مشترك كلفظ العين، ومنهم من قال: لا ms324 ندري أيضا أنه ~~مشترك أو وضع لأحدهما، واستعمل في الثاني مجازا، والمختار أنه متوقف فيه، ~~والدليل القاطع فيه أن كونه موضوعا لواحد من الأقسام لا يخلو إما أن يعرف ~~عن عقل أو نقل، ونظر العقل إما ضروري أو نظري، ولا مجال للعقل في اللغات، ~~والنقل إما متواتر أو آحاد، ولا حجة في الآحاد، والتواتر في النقل لا يعدو ~~أربعة أقسام، فإنه إما أن ينقل عن أهل اللغة عند وضعهم أنهم صرحوا بأنا ~~وضعناه لكذا أو أقروا به بعد الوضع، وإما أن ينقل عن الشارع الإخبار عن أهل ~~اللغة بذلك أو تصديق من ادعى ذلك، وإما أن ينقل عن أهل الإجماع، وإما أن ~~يذكر بين يدي جماعة يمتنع عليهم السكوت على الباطل. # فهذه الوجوه الأربعة هي وجوه تصحيح النقل، ودعوى شيء من ذلك في قوله " ~~افعل " أو في قوله " أمرتك بكذا، وقول الصحابي أمرنا بكذا " لا يمكن فوجب ~~التوقف فيه. كذلك قصر دلالة الأمر على الفور أو التراخي، وعلى التكرار أو ~~الاتحاد يعرف بمثل هذه الطريق، وكذلك التوقف في صيغة العموم عمن توقف فيها. ~~هذا مستنده، وعليه ثلاثة أسئلة بها يتم الدليل، ونذكر شبه المخالفين. # السؤال الأول: قولهم إن هذا ينقلب عليكم في إخراج الإباحة، والتهديد من ~~مقتضى اللفظ مع أنه لا يدل عليه عقل، ولا نقل، فإنه لم ينقل عن العرب صريحا ~~بأنا ما وضعنا هذه الصيغة للإباحة، والتهديد، لكن استعملنا فيهما على سبيل ~~التجوز. قلنا: ما يعرف باستقراء اللغة، وتصفح وجوه الاستعمال أقوى مما يعرف ~~بالنقل الصريح، ونحن كما عرفنا أن الأسد وضع لسبع، والحمار وضع لبهيمة، وإن ~~كان كل واحد منهما يستعمل في الشجاع، والبليد فيتميز عندنا بتواتر ~~الاستعمال الحقيقة من المجاز، فكذلك يتميز صيغة الأمر، والنهي، والتخيير ~~تميز صيغة الماضي، والمستقبل، والحال، ولسنا نشك فيه أصلا وليس كذلك تميز ~~الوجوب عن الندب. # السؤال الثاني: قولهم إن هذا ينقلب عليكم في الوقف، فإن الوقف في هذه ~~الصيغة غير منقول عن العرب، فلم توقفتم بالتحكم؟ قلنا: لسنا نقول: التوقف ms325 ~~مذهب، لكنهم أطلقوا هذه الصيغة للندب مرة وللوجوب أخرى، ولم يوقفونا على ~~أنه موضوع لأحدهما دون الثاني، # PageV01P206 # فسبيلنا أن لا ننسب إليهم ما لم يصرحوا به، وأن نتوقف عن التقول ~~والاختراع عليهم، وهذا كقولنا بالاتفاق إنا رأيناهم يستعملون لفظ الفرقة، ~~والجماعة، والنفر تارة في الثلاثة، وتارة في الأربعة، وتارة في الخمسة، فهي ~~لفظة مرددة، ولا سبيل إلى تخصيصها بعدد على سبيل الحكم وجعلها مجازا في ~~الباقي. # السؤال الثالث: قولهم إن هذا ينقلب عليكم في قولكم: إن هذه الصيغة مشتركة ~~اشتراك لفظ الجارية بين المرأة، والسفينة، والقرء بين الطهر، والحيض، فإنه ~~لم ينقل أنه مشترك. # قلنا: لسنا نقول إنه مشترك، لكنا نقول نتوقف في هذه أيضا فلا ندري أنه ~~وضع لأحدهما، وتجوز به عن الآخر أو وضع لهما معا، ويحتمل أن نقول إنه مشترك ~~بمعنى أنا إذا رأيناهم أطلقوا اللفظ لمعنيين، ولم يوقفونا على أنهم وضعوه ~~لأحدهما، وتجوزوا به في الآخر فنحمل إطلاقهم فيهما على لفظ الوضع لهما، ~~وكيفما قلنا فالأمر فيه قريب. # شبه المخالفين الصائرين إلى أنه للندب: وقد ذهب إليه كثير من المتكلمين، ~~وهم المعتزلة وجماعة من الفقهاء، ومنهم من نقله عن الشافعي، وقد صرح ~~الشافعي في كتاب " أحكام القرآن " بتردد الأمر بين الندب، والوجوب، وقال: ~~النهي على التحريم، فقال: إنما أوجبنا تزويج الأيم لقوله تعالى: {فلا ~~تعضلوهن} [البقرة: 232] ، وقال: لم يتبين لي وجوب إنكاح العبد لأنه لم يرد ~~فيه النهي عن العضل، بل لم يرد إلا قوله تعالى: {، وأنكحوا الأيامى} ~~[النور: 32] الآية فهذا أمر، وهو محتمل الوجوب، والندب. # الشبهة الأولى: لمن ذهب إلى أنه للندب: أنه لا بد من تنزيل قوله " افعل ~~"، وقوله " أمرتكم على أقل ما يشترك فيه الوجوب، والندب، وهو طلب الفعل، ~~واقتضاؤه، وأن فعله خير من تركه، وهذا معلوم، وأما لزوم العقاب بتركه فغير ~~معلوم فيتوقف فيه، وهذا فاسد من ثلاثة أوجه: # الأول: أن هذا استدلال والاستدلال لا مدخل له في اللغات، وليس هذا نقلا ~~عن أهل اللغة أن قوله " افعل " للندب. # الثاني: أنه لو ms326 وجب تنزيل الألفاظ على الأقل المستيقن لوجب تنزيل هذا على ~~الإباحة، والإذن، إذ قد يقال: " أذنت لك في كذا فافعله " فهو الأقل ~~المشترك، أما حصول الثواب بفعله فليس بمعلوم كلزوم العقاب بتركه لا سيما ~~على مذهب المعتزلة، فالمباح عندهم حسن، ويجوز أن يفعله الفاعل لحسنه، ويأمر ~~به، وكذلك يلزم تنزيل صيغة الجمع على أقل الجمع، ولم يذهبوا إليه. # الثالث: وهو التحقيق: أن ما ذكروه إنما يستقيم أن لو كان الواجب ندبا، ~~وزيادة فتسقط الزيادة المشكوك فيها، ويبقى الأصل، وليس كذلك بل يدخل في حد ~~الندب جواز تركه، فهل تعلمون أن المقول فيه " افعل " يجوز تركه أم لا؟ فإن ~~لم تعلموه فقد شككتم في كونه ندبا، وإن علمتموه فمن أين ذلك، واللفظ لا يدل ~~على لزوم المأثم بتركه فلا يدل على سقوط المأثم بتركه أيضا؟ فإن قيل: لا ~~معنى لجواز تركه إلا أنه لا حرج عليه في فعله، وذلك كان معلوما قبل ورود ~~السمع فلا يحتاج فيه إلى تعريف السمع بخلاف لزوم المأثم. # قلنا: لا يبقى لحكم العقل بالنفي بعد ورود صيغة الأمر حكم، فإنه معين ~~للوجوب عند قوم فلا أقل من احتمال، وإذا احتمل حصل الشك في كونه ندبا فلا # PageV01P207 # وجه إلا التوقف. نعم يجوز الاستدلال به على بطلان قول من يقول: إنه منهي ~~عنه محرم لأنه ضد الوجوب، والندب جميعا. # الشبهة الثانية: التمسك بقوله - عليه السلام -: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا ~~منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا» ففوض الأمر إلى استطاعتنا، ~~ومشيئتنا، وجزم في النهي طلب الانتهاء. قلنا: هذا اعتراف بأنه من جهة ~~اللغة، والوضع ليس للندب، واستدلال بالشرع، ولا يثبت مثل ذلك بخبر الواحد ~~لو صحت دلالته، كيف، ولا دلالة له إذا لم يقل فافعلوا ما شئتم بل قال ما ~~استطعتم، كما قال: {فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن: 16] ،، وكل إيجاب ~~مشروط بالاستطاعة، وأما قوله: {فانتهوا} [الحشر: 7] كيف دل على وجوب ~~الانتهاء؟ وقوله: {فانتهوا} [الحشر: 7] صيغة أمر، وهو محتمل للندب. # شبه الصائرين إلى أنه للوجوب: وجميع ما ذكرناه ms327 في إبطال مذهب الندب جار ~~هاهنا، وزيادة، وهو أن الندب داخل تحت الأمر حقيقة كما قدمنا، ولو حمل على ~~الوجوب لكان مجازا في الندب، وكيف يكون مجازا فيه مع وجود حقيقته؟ إذ حقيقة ~~الأمر ما يكون ممتثله مطيعا، والممتثل مطيع بفعل الندب ولذلك إذا قيل " ~~أمرنا بكذا حسن أن يستفهم فيقال: أمر إيجاب أو أمر استحباب، وندب؟ ولو قال: ~~رأيت أسدا، لم يحسن أن يقال: أردت سبعا أو شجاعا لأنه موضوع للسبع، ويصرف ~~إلى الشجاع بقرينة. وشبههم سبع: الأولى: قولهم إن المأمور في اللغة، والشرع ~~جميعا يفهم وجوب المأمور به حتى لا يستبعد الذم، والعقاب عند المخالفة، ولا ~~الوصف بالعصيان، وهو اسم ذم ولذلك فهمت الأمة وجوب الصلاة، والعبادات، ~~ووجوب السجود لآدم بقوله: {اسجدوا} [البقرة: 34] ، وبه يفهم العبد، والولد ~~وجوب أمر السيد، والوالد. قلنا هذا كله نفس الدعوى، وحكاية المذهب، وليس ~~شيء من ذلك مسلما، وكل ذلك علم بالقرائن فقد تكون للأمر عادة مع المأمور، ~~وعهد، وتقترن به أحوال، وأسباب بها يفهم الشاهد الوجوب، واسم العصيان لا ~~يسلم إطلاقه على وجه الذم إلا بعد قرينة الوجوب، لكن قد يطلق لا على وجه ~~الذم كما يقال: أشرت عليك فعصيتني، وخالفتني. # الشبهة الثانية: أن الإيجاب من المهمات في المحاورات، فإن لم يكن قولهم " ~~افعل " عبارة عنه فلا يبقى له اسم ومحال إهمال العرب ذلك. قلنا: هذا يقابله ~~أن الندب أمر مهم فليكن " افعل " عبارة عنه، فإن زعموا أن دلالته قولهم " ~~ندبت، وأرشدت، ورغبت " فدلالة الوجوب قولهم " أوجبت، وحتمت، وفرضت، وألزمت ~~". فإن زعموا أنه صيغة إخبار أو صيغة إرشاد، فأين صيغة الإنشاء؟ عورضوا ~~بمثله في الندب، ثم يبطل عليهم بالبيع، والإجارة، والنكاح إذ ليس لها إلا ~~صيغة الإخبار، كقولهم: " بعت، وزوجت "، وقد جعله الشرع إنشاء إذ ليس ~~لإنشائه لفظ. الشبهة الثالثة: أن قوله " افعل " إما أن يفيد المنع أو ~~التخيير أو الدعاء، فإذا بطل التخيير، والمنع تعين الدعاء، والإيجاب. قلنا: ~~بل يبقى قسم رابع، وهو أن لا يفيد واحدا من # PageV01P208 # الأقسام إلا بقرينة ms328 كالألفاظ المشتركة. # فإن قيل: أليس قوله " لا تفعل " أفاد التحريم، فقوله " افعل " ينبغي أن ~~يفيد الإيجاب؟ قلنا: هذا قد نقل عن الشافعي، والمختار أن قوله " لا تفعل " ~~متردد بين التنزيه، والتحريم كقوله افعل "، ولو صح ذلك في النهي لما جاز ~~قياس الأمر عليه، فإن اللغة تثبت نقلا لا قياسا. فهذه شبههم اللغوية، ~~والعقلية. أما الشبه الشرعية فهي أقرب، فإنه لو دل دليل الشرع على أن الأمر ~~للوجوب لحملناه على الوجوب لكن لا دليل عليه، وإنما الشبهة الأولى قولهم: ~~نسلم أن اللغة، والعقل لا يدل على تخصيص الأمر بالوجوب، لكن يدل عليه من ~~جهة الكتاب قوله تعالى: {، وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول} [المائدة: 92] ثم ~~قال: {فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم} [النور: 54] . # وهذا لا حجة فيه؛ لأن الخلاف في قوله {وأطيعوا} [النساء: 59] قائم أنه ~~للندب أو الوجوب، وقوله: {عليه ما حمل وعليكم ما حملتم} [النور: 54] أي كل ~~واحد عليه ما حمل من التبليغ، والقبول، وهذا إن كان معناه التهديد، والنسبة ~~إلى الإعراض عن الرسول - عليه السلام - فهو دليل على أنه أراد به الطاعة في ~~أصل الإيمان، وهو على الوجوب بالاتفاق، وغاية هذا اللفظ عموم فنخصه ~~بالأوامر التي هي على الوجوب، وكل ما يتمسك به من الآيات من هذا الجنس فهي ~~صيغ أمر يقع النزاع في أنه للندب أم لا، فإن اقترن بذكر وعيد فيكون قرينة ~~دالة على وجوب ذلك الأمر خاصة، فإن كان أمرا عاما يحمل على الأمر بأصل ~~الدين، وما عرف بالدليل أنه على الوجوب، وبه يعرف الجواب عن قوله تعالى {، ~~وما آتاكم الرسول فخذوه} [الحشر: 7] ، وقوله تعالى: {وإذا قيل لهم اركعوا ~~لا يركعون} [المرسلات: 48] ، وقوله تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك ~~فيما شجر بينهم} [النساء: 65] فكل ذلك أمر بتصديقه، ونهي عن الشك في قوله، ~~وأمر بالانقياد في الإتيان بما أوجبه. # الشبهة الثانية: تمسكهم بقوله: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم ~~فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} [النور: 63] قلنا: تدعون أنه نص في كل أمر أو ~~عام؟ ms329 ، ولا سبيل إلى دعوى النص، وإن ادعيتم العموم فقد لا نقول بالعموم، ~~ونتوقف في صيغته كما نتوقف في صيغة الأمر، أو نخصصه بالأمر بالدخول في دينه ~~بدليل أن ندبه أيضا أمره، ومن خالف عن أمره في قوله تعالى: {فكاتبوهم إن ~~علمتم فيهم خيرا} [النور: 33] ، وقوله: {، واستشهدوا شهيدين} [البقرة: 282] ~~، وأمثاله لا يتعرض للعقاب. ثم نقول: هذا نهي عن المخالفة، وأمر بالموافقة ~~أي: يؤتى به على وجهه، إن كان واجبا فواجبا، وإن كان ندبا فندبا، والكلام ~~في صيغة الإيجاب لا في الموافقة، والمخالفة. ثم لا تدل الآية إلا على وجوب ~~أمر الرسول - عليه السلام -، فأين الدليل على وجوب أمر الله تعالى؟ # الشبهة الثالثة: تمسكهم من جهة السنة بأخبار آحاد لو كانت صريحة صحيحة لم ~~يثبت بها مثل هذا الأصل، وليس شيء منها صريحا، فمنها «قوله - عليه السلام - ~~لبريرة، وقد عتقت تحت عبد، وكرهته لو راجعتيه فقالت: بأمرك يا رسول الله، ~~فقال: لا إنما أنا شافع فقالت: لا حاجة لي فيه» فقد علمت أنه لو كان أمرا ~~لوجب، وكذلك عقلت الأمة. # قلنا هذا وضع # PageV01P209 # على بريرة، وتوهم، فليس في قولها إلا استفهام أنه أمر شرعي من جهة الله ~~تعالى حتى تطيع طلبا للثواب أو شفاعة لسبب الزوج حتى تؤثر غرض نفسها عليه. ~~فإن قيل شفاعة الرسول - عليه السلام - أيضا مندوب إلى إجابتها، وفيها ثواب. ~~قلنا: وكيف قالت: لا حاجة لي فيه، والمسلم يحتاج إلى الثواب فلا يقول ذلك، ~~لكنها اعتقدت أن الثواب في طاعته في الأمر الصادر عن الله تعالى، وفيما هو ~~لله لا فيما يتعلق بالأغراض الدنيوية، أو علمت أن ذلك في الدرجة دون ما ~~ندبت إليه فاستفهمت أو أفهمت بالقرينة أنها شكت في الوجوب فعبرت بالأمر عن ~~الوجوب فأفهمت. # ، ومنها قوله - عليه السلام - «لولا أني أخاف أن أشق على أمتي لأمرتهم ~~بالسواك عند كل صلاة» فدل على أنه للوجوب، وإلا فهو مندوب. قلنا لما كان قد ~~حثهم على السواك ندبا قبل ذلك أفهم أنه أراد بالأمر ما هو شاق أو كان ms330 قد ~~أوحي إليه إنك لو أمرتهم بقولك: استاكوا لأوجبنا ذلك عليهم فعلمنا أن ذلك ~~يجب بإيجاب الله تعالى عند إطلاقه صيغة الأمر، ومنها قوله - عليه السلام - ~~لأبي سعيد الخدري لما دعاه، وهو في الصلاة فلم يجبه: " أما سمعت الله تعالى ~~يقول « {استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم} [الأنفال: 24] ؟» فكان ~~هذا التوبيخ على مخالفة أمره. قلنا: لم يصدر منه أمر بل مجرد نداء، وكان قد ~~عرفهم بالقرائن تفهيما ضروريا وجوب التعظيم له، وأن ترك جواب النداء تهاون، ~~وتحقير بأمره بدليل أنه كان في الصلاة، وإتمام الصلاة واجب، ومجرد النداء ~~لا يدل على ترك واجب بل يجب تركه بما هو أوجب منه كما يجب ترك الصلاة ~~لإنقاذ الغرقى، ومجرد النداء لا يدل عليه. # ومنها قول الأقرع بن حابس أحجنا هذا لعامنا هذا أم للأبد؟ فقال - عليه ~~السلام -: " للأبد، ولو قلت نعم لوجب " فدل على أن جميع أوامره للإيجاب. ~~قلنا: قد كان عرف وجوب الحج بقوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت} [آل ~~عمران: 97] ، وبأمور أخر صريحة، لكن شك في أن الأمر للتكرار أو للمرة ~~الواحدة، فإنه متردد بينهما، ولو عين الرسول - عليه السلام - أحدهما لتعين، ~~وصار متعينا في حقنا ببيانه فمعنى قوله لو قلت نعم لوجب " أي: لو عينت ~~لتعين. # الشبهة الرابعة: من جهة الإجماع زعموا أن الأمة لم تزل في جميع الأعصار ~~ترجع في إيجاب العبادات، وتحريم المحظورات إلى الأوامر، والنواهي، كقوله: ~~{وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} [البقرة: 43] ، وغيرها و {وقاتلوا المشركين ~~كافة} [التوبة: 36] ، وقوله: {ولا تقربوا الزنا} [الإسراء: 32] و {لا ~~تأكلوا الربا} [آل عمران: 130] {، ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} ~~[النساء: 2] {، ولا تقتلوا أنفسكم} [النساء: 29] {، ولا تنكحوا ما نكح ~~آباؤكم} [النساء: 22] ، وأمثاله، والجواب: أن هذا وضع، وتقول على الأمة، ~~ونسبة لهم إلى الخطأ، ويجب تنزيههم عنه. نعم يجوز أن يصدر ذلك من طائفة ~~ظنوا أن ظاهر الأمر للوجوب، وإنما فهم المحصلون، وهم الأقلون ذلك من ~~القرائن، والأدلة بدليل أنهم قطعوا بوجوب الصلاة، وتحريم الزنا، والأمر ~~محتمل للندب، وإن لم يكن موضوعا ms331 له، والنهي يحتمل التنزيه، وكيف قطعوا مع ~~الاحتمال لولا أدلة قاطعة، وما قولهم إلا كقول من يقول: الأمر للندب ~~بالإجماع، لأنهم حكموا بالندب في الكتابة والاستشهاد، وأمثاله لصيغة الأمر، ~~والأوامر التي حملتها الأمة على الندب أكثر فإن النوافل، والسنن، والآداب ~~أكثر من الفرائض، إذ ما من فريضة إلا، ويتعلق # PageV01P210 # بها، وبإتمامها، وبآدابها سنن كثيرة، أو نقول هي للإباحة بدليل حكمهم ~~بالإباحة في قوله: {فاصطادوا} [المائدة: 2] ، وقوله: {فإذا قضيت الصلاة ~~فانتشروا في الأرض} [الجمعة: 10] ، وإن كان ذلك للقرائن فكذلك الوجوب. # فإن قيل، وما تلك القرائن؟ قلنا: أما في الصلاة فمثل قوله تعالى: {إن ~~الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا} [النساء: 103] ، وما ورد من ~~التهديدات في ترك الصلاة، وما ورد من تكليف الصلاة في حال شدة الخوف، ~~والمرض إلى غير ذلك، وأما الزكاة فقد اقترن بقوله تعالى: {وآتوا الزكاة} ~~[البقرة: 43] ، وغيرها، وقوله تعالى: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ~~ينفقونها في سبيل الله} [التوبة: 34] إلى قوله: {فتكوى بها جباههم وجنوبهم ~~وظهورهم} [التوبة: 35] . وأما الصوم فقوله: {كتب عليكم الصيام} [البقرة: ~~183] ، وقوله {فعدة من أيام أخر} [البقرة: 184] ، وإيجاب تداركه على ~~الحائض، وكذلك الزنا، والقتل ورد فيهما تهديدات، ودلالات تواردت على طول ~~مدة النبوة لا تحصى، فلذلك قطعوا به لا بمجرد الأمر الذي منتهاه أن يكون ~~ظاهرا فيتطرق إليه الاحتمال. ### | [مسألة افعل بعد الحظر ما موجبه] # مسألة فإن قال قائل قوله افعل بعد الحظر ما موجبه فإن قال قائل: قوله: " ~~افعل " بعد الحظر ما موجبه؟ ، وهل لتقدم الحظر تأثير؟ # قلنا: قال قوم: لا تأثير لتقدم الحظر أصلا، وقال قوم: هي قرينة تصرفها ~~إلى الإباحة، والمختار أنه ينظر، فإن كان الحظر السابق عارضا لعلة، وعلقت ~~صيغة " افعل " بزواله، كقوله تعالى: {وإذا حللتم فاصطادوا} [المائدة: 2] ~~فعرف الاستعمال يدل على أنه لرفع الذم فقط حتى يرجع حكمه إلى ما قبله، وإن ~~احتمل أن يكون رفع هذا الحظر بندب، وإباحة لكن الأغلب ما ذكرناه كقوله: ~~{فانتشروا} [الجمعة: 10] ، وكقوله - عليه السلام -: «كنت نهيتكم عن لحوم ~~الأضاحي فادخروا» أما إذا لم يكن ms332 الحظر عارضا لعلة، ولا صيغة " افعل علق ~~بزوالها، فيبقى موجب الصيغة على أصل التردد بين الندب، والإباحة، ونزيح ~~هاهنا احتمال الإباحة، ويكون هذا قرينة تزيح هذا الاحتمال، وإن لم تعينه، ~~إذ لا يمكن دعوى عرف الاستعمال في هذه الصيغة حتى يغلب العرف الوضع، أما ~~إذا لم ترد صيغة " افعل " لكن قال: فإذا حللتم فأنتم مأمورون بالاصطياد، ~~فهذا يحتمل الوجوب، والندب، ولا يحتمل الإباحة لأنه عرف في هذه الصورة. # وقوله: " أمرتكم بكذا " يضاهي قوله " افعل " في جميع المواضع إلا في هذه ~~الصورة، وما يقرب منها. ### | [النظر الثالث في موجب الأمر ومقتضاه] # موجب الأمر، ومقتضاه بالإضافة إلى الفور، والتراخي، والتكرار، وغيره # ولا يتعلق هذا النظر بصيغة مخصوصة بل يجري في قوله " افعل " كان للندب أو ~~للوجوب، وفي قوله " أمرتكم " " وأنتم مأمورون "، وفي كل دليل يدل على الأمر ~~بالشيء إشارة كانت أو لفظا أو قرينة أخرى. لكنا نتكلم في مقتضى قوله " افعل ~~" ليقاس عليه غيره، ونرسم فيه مسائل: # مسألة: قوله: " صم " # كما أنه في نفسه يتردد بين الوجوب، والندب فهو بالإضافة إلى الزمان يتردد ~~بين الفور، والتراخي، وبالإضافة إلى المقدار يتردد بين المرة الواحدة، ~~واستغراق # PageV01P211 # العمر، وقد قال قوم: هو للمرة، ويحتمل التكرار، وقال قوم: هو للتكرار، ~~والمختار أن المرة الواحدة معلومة، وحصول براءة الذمة بمجردها مختلف فيه، ~~واللفظ بوضعه ليس فيه دلالة على نفي الزيادة، ولا على إثباتها. # ، وقياس مذهب الواقفية التوقف فيه لتردد اللفظ كتردده بين الوجوب، ~~والندب، لكني أقول: ليس هذا ترددا في نفس اللفظ على نحو تردد اللفظ ~~المشترك، بل اللفظ خال عن التعرض لكمية المأمور به، لكن يحتمل الإتمام ~~ببيان الكمية كما أنه يحتمل أن نتمم بسبع مرات أو خمس، وليس في نفس اللفظ ~~تعرض للعدد، ولا هو موضوع لآحاد الأعداد وضع اللفظ المشترك. وكما أن قوله " ~~اقتل " إذا لم يقل: اقتل زيدا أو عمرا فهو دون زيادة كلام ناقص فإتمامه ~~بلفظ دال على تلك الزيادة لا بمعنى البيان. فإن قيل: بين مسألتنا، وبين ~~القتل فرق، فإن قوله: ms333 " اقتل كلام ناقص لا يمكن امتثاله، وقوله: " صم كلام ~~تام مفهوم يمكن امتثاله. # قلنا: يحتمل أن يقال: يصير ممتثلا بقتل أي شخص كان بمجرد قوله " اقتل " ~~كما يصير ممتثلا بصوم أي يوم كان إذا قال: " صم يوما " بلا فرق، ويكون ~~قوله: " اقتل " كقوله: " اقتل شخصا " لأن الشخص القتيل من ضرورة القتل، وإن ~~لم يذكر، كما أن اليوم من ضرورة الصوم، وإن لم يصرح به. فيتحصل من هذا أنه ~~تبرأ ذمته بالمرة الواحدة لأن وجوبها معلوم، والزيادة لا دليل على وجوبها ~~إذ لم يتعرض اللفظ لها، فصار كما قبل قوله: " صم "، وكنا لا نشك في نفي ~~الوجوب بل نقطع بانتفائه، وقوله: " صم " دال على القطع في يوم واحد فبقي ~~الزائد على ما كان. هذا هو الظاهر من اللفظ المجرد عن الكمية، ويعتضد هذا ~~باليمين، فإنه لو قال: " والله لأصومن " لبر بيوم واحد، ولو قال: " لله علي ~~صوم " لتقصى عن عهدة النذر بيوم واحد؛ لأن الزائد لم يتعرض له فإن قيل: فلو ~~فسر التكرار بصوم العمر فقد فسره بمحتمل أو كان ذلك إلحاق زيادة، كما لو ~~قال: أردت بقولي " اقتل " أي: اقتل زيدا، وبقولي " صم " أي: صم يوم السبت ~~خاصة فإن هذا تفسير بما لا يحتمله اللفظ، بل ليس تفسيرا إنما ذكر زيادة لم ~~يذكرها، ولم يوضع اللفظ المذكور لها بالاشتراك، ولا بالتجوز، ولا بالتنصيص. ~~قلنا: هذا فيه نظر، والأظهر عندنا أنه إن فسره بعدد مخصوص كتسعة أو عشرة ~~فهو إتمام بزيادة، وليس بتفسير، إذ اللفظ لا يصلح للدلالة على تكرر، وعدد. # ، وإن أراد استغراق العمر فقد أراد كلية الصوم في حقه، وكان كلية الصوم ~~شيء فرد إذ له حد واحد، وحقيقة واحدة فهو واحد بالنوع، كما أن اليوم الواحد ~~واحد بالعدد، واللفظ يحتمله، ويكون ذلك بيانا للمراد لا استئناف زيادة، ~~ولهذا لو قال: أنت طالق، ولم يخطر بباله عدد كانت الطلقة الواحدة ضرورة ~~لفظه فيقتصر عليها، ولو نوى الثلاثة بعد لأنه كلية الطلاق فهو كالواحد ~~بالجنس أو النوع، ولو نوى طلقتين ms334 فالأغوص ما قاله أبو حنيفة، وهو أنه لا ~~يحتمله، ووجه مذهب الشافعي قد تكلفناه في كتاب المبادئ، والغايات. فإن قيل: ~~الزيادة التي هي كالمتممة لا تبعد إرادتها في اللفظ، فلو قال: طلقت زوجتي، ~~وله أربع نسوة، وقال: أردت زينب بنيتي وقع الطلاق من وقت اللفظ، ولولا ~~احتماله لوقع من وقت التعيين. # قلنا: الفرق أغوص لأن قوله: " زوجتي مشترك بين الأربع يصلح لكل واحدة، ~~فهو كإرادة إحدى المسميات بالمشترك. أما الطلاق فموضوع لمعنى لا يتعرض ~~للعدد، والصوم موضوع لمعنى # PageV01P212 # لا يتعرض للسبعة، والعشرة، وليست الأعداد موجودات فيكون اسم الصوم مشتركا ~~بينهما اشتراك اسم الزوجة بين النسوة الزوجات. # شبه المخالفين ثلاثة: الشبهة الأولى: قولهم: قوله: {فاقتلوا المشركين} ~~[التوبة: 5] يعم قتل كل مشرك، فقوله: " صم، وصل " ينبغي أن يعم كل زمان لأن ~~إضافته إلى جميع الأزمان واحد كإضافة لفظ المشترك إلى جميع الأشخاص. # قلنا: إن سلمنا صيغة العموم فليس هذا نظيرا له، بل نظيره أن يقال " صم ~~الأيام، وصل في الأوقات " أما مجرد قوله: " صم " فلا يتعرض للزمان لا ~~بعموم، ولا بخصوص، لكن الزمان من ضرورته كالمكان، ولا يجب عموم الأماكن ~~بالفعل، وإن كان نسبة الفعل إلى كل مكان على وتيرة واحدة، وكذلك الزمان. # الشبهة الثانية: قولهم: إن قوله: " صم " كقوله: " لا تصم "، وموجب النهي ~~ترك الصوم أبدا، فليكن موجب الأمر فعل الصوم أبدا، وتحقيقه أن الأمر بالشيء ~~نهي عن ضده، فقوله: " قم " وقوله: " لا تقعد واحد، وقوله: " تحرك " وقوله: ~~" لا تسكن " واحد، ولو قال " لا تسكن " لزمت الحركة دائما، فقوله: " تحرك " ~~تضمن قوله: " لا تسكن ". # قلنا: أما قولكم لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده فقد أبطلناه في القطب ~~الأول، وإن سلمنا فعموم النهي الذي هو ضمن بحسب الأمر المتضمن لأنه تابع ~~له، فلو قال " تحرك مرة واحدة " كان السكون المنهي عنه مقصورا على المرة ~~وقوله: " تحرك " كقوله: " تحرك مرة واحدة " كما سبق تقريره، وأما قياسهم ~~الأمر على النهي فباطل من خمسة أوجه: # الأول: أن القياس باطل في اللغات لأنها تثبت توقيفا. # الثاني: ms335 أنا لا نسلم في النهي لزوم الانتهاء مطلقا بمجرد اللفظ، بل لو ~~قيل: للصائم " لا تصم " يجوز أن يقول " نهاني عن صوم هذا اليوم أو عن الصوم ~~أبدا؟ " فيستفسر، بل التصريح أن يقول: " لا تصم أبدا، ولا تصم يوما واحدا " ~~فإذا اقتصر على قوله: " لا تصم " فانتهى يوما واحدا جاز أن يقال: قضى حق ~~النهي، ولا يغنيهم عن هذا الاسترواح إلى المناهي الشرعية، والعرفية، وحملها ~~على الدوام، فإن هذا القائل يقول: عرفت ذلك بأدلة أفادت علما ضروريا بأن ~~الشرع يريد عدم الزنا، والسرقة، وسائر الفواحش مطلقا، وفي كل حال لا بمجرد ~~صيغة النهي. # وهذا كما أنا نوجب الإيمان دائما لا بمجرد قوله: " آمنوا " لكن الأدلة ~~دلت على أن دوام الإيمان مقصود. # الثالث: أنا نفرق، ولعله الأصح، فنقول: إن الأمر يدل على أن المأمور ~~ينبغي أن يوجد مطلقا، والنهي يدل على أنه ينبغي أن لا يوجد مطلقا، والنفي ~~المطلق يعم، والوجود المطلق لا يعم؛ فكل ما وجد مرة فقد وجد مطلقا، وما ~~انتفى مرة فما انتفى مطلقا؛ ولذلك إذا قال في اليمين " لأفعلن بر بمرة، ولو ~~قال " لا أفعل حنث بمرة، ومن قال " لأصومن " صدق، وعده بمرة، ومن قال " لا ~~أصوم " كان كاذبا مهما صام مرة. # الرابع: أنه لو حمل الأمر على التكرار لتعطلت الأشغال كلها، وحمل النهي ~~على # PageV01P213 # التكرار لا يفضي إليه إذ يمكن الانتهاء في حال واحدة عن أشياء كثيرة مع ~~الاشتغال بشغل ليس ضد المنهي عنه، وهذا فاسد لأنه تفسير للغة بما يرجع إلى ~~المشقة، والتعذر، ولو قال: " افعل دائما " لم يتغير موجب اللفظ بتعذره، وإن ~~كان التعذر هو المانع، فليقتصر على ما يطاق، ويشق دون ما يتيسر. # الخامس: أن النهي يقتضي قبح المنهي عنه، ويجب الكف عن القبيح كله، والأمر ~~يقتضي الحسن، ولا يجب الإتيان بالحسن كله، وهذا أيضا فاسد، فإن الأمر، ~~والنهي لا يدلان على الحسن، والقبح، فإن الأمر بالقبيح تسميه العرب أمرا ~~فتقول: أمر بالقبيح، وما كان ينبغي أن يأمر به، وأما الأمر الشرعي فقد ms336 ثبت ~~أنه لا يدل على الحسن، ولا النهي على القبح، فإنه لا معنى للحسن، والقبح ~~بالإضافة إلى ذوات الأشياء بل الحسن ما أمر به، والقبيح ما نهي عنه، فيكون ~~الحسن، والقبح تابعا للأمر، والنهي لا علة، ولا متبوعا. # الشبهة الثالثة: أن أوامر الشرع في الصوم، والصلاة، والزكاة حملت على ~~التكرار، فتدل على أنه موضوع له. قلنا: وقد حمل في الحج على الاتحاد فليدلل ~~على أنه موضوع له، فإن كان ذلك بدليل فكذلك هذا بدليل وقرائن بل بصرائح سوى ~~مجرد الأمر، وقد أجاب قوم عن هذا بأن القرينة فيه إضافتها إلى أسباب، ~~وشروط، وكل ما أضيف إلى شرط، وتكرر الشرط تكرر الوجوب، وسنبين ذلك في ~~المسألة الثانية. ### | [مسألة الأمر ليس للتكرار في الأمر المضاف إلى شرط] # مسألة اختلف الصائرون إلى أن الأمر ليس للتكرار في الأمر المضاف إلى شرط ~~اختلف الصائرون إلى أن الأمر ليس للتكرار في الأمر المضاف إلى شرط # فقال قوم: لا أثر للإضافة وقال قوم: يتكرر بتكرار الشرط، والمختار أنه لا ~~أثر للشرط؛ لأن قوله: " اضربه " أمر ليس يقتضي التكرار، فقوله: " اضربه إن ~~كان قائما " أو " إذا كان قائما " لا يقتضيه أيضا بل لا يريد إلا اختصاص ~~الضرب الذي يقتضيه الإطلاق بحالة للقيام، وهو كقوله: لوكيله طلق زوجتي إن ~~دخلت الدار " لا يقتضي التكرار بتكرر الدخول، بل لو قال: " إن دخلت الدار ~~فأنت طالق " لم يتكرر بتكرر الدخول إلا أن يقول: " كلما دخلت الدار "، ~~وكذلك قوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} [البقرة: 185] ، وإذا زالت ~~الشمس فصل، كقوله: لزوجاته " فمن شهد منكن الشهر فهي طالق، ومن زالت عليها ~~الشمس فهي طالق "، ولهم شبهتان: الأولى: أن الحكم يتكرر بتكرر العلة، ~~والشرط كالعلة، فإن علل الشرع علامات. # قلنا: العلة إن كانت عقلية فهي موجبة لذاتها، ولا يعقل وجود ذاتها دون ~~المعلول، وإن كانت شرعية، فلسنا نسلم تكرر الحكم بمجرد إضافة الحكم إلى ~~العلة ما لم تقترن به قرينة أخرى، وهو التعبد بالقياس، ومعنى التعبد ~~بالقياس الأمر باتباع العلة، وكأن الشرع ms337 يقول: الحكم يثبت بها فاتبعوها. # الشبهة الثانية: أن أوامر الشرع إنما تتكرر بتكرر الأسباب، كقوله تعالى: ~~{وإن كنتم جنبا فاطهروا} [المائدة: 6] و {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا} ~~[المائدة: 6] قلنا: ليس ذلك بموجب اللغة، ومجرد الإضافة بل بدليل شرعي في ~~كل شرط فقد قال تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} [آل ~~عمران: 97] ، ولا يتكرر الوجوب بتكرر # PageV01P214 # الاستطاعة. فإن أحالوا ذلك على الدليل أحلناها بتكرر أيضا على الدليل، ~~كيف، ومن قام إلى الصلاة غير محدث فلا يتكرر عليه، ومن كان جنبا فليس عليه ~~أن يتطهر، إذا لم يرد الصلاة فلم يتكرر مطلقا، لكن اتبع فيه موجب الدليل؟ ### | [مسألة مطلق الأمر يقتضي الفور] # عند قوم مطلق الأمر يقتضي الفور عند قوم، ولا يقتضيه عند قوم، وتوقف فيه ~~من الواقفية قوم. ثم منهم من قال: التوقف في المؤخر هل هو ممتثل أم لا أما ~~المبادر فممتثل قطعا، ومنهم من غلا وقال: يتوقف في المبادر أيضا.، والمختار ~~أنه لا يقتضي إلا الامتثال، ويستوي فيه البدار، والتأخير، وندل على بطلان ~~الوقف أولا فنقول للمتوقف: المبادر ممتثل أم لا؟ فإن توقفت فقد خالفت إجماع ~~الأمة قبلك فإنهم متفقون على أن المسارع إلى الامتثال مبالغ في الطاعة ~~مستوجب جميل الثناء، والمأمور إذا قيل له: قم يعلم نفسه ممتثلا، ولا يعد به ~~مخطئا باتفاق أهل اللغة قبل ورود الشرع؛ وقد أثنى الله تعالى على المسارعين ~~فقال عز من قائل: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم} [آل عمران: 133] وقال: ~~{يسارعون في الخيرات، وهم لها سابقون} [المؤمنون: 61] ، وإذا بطل هذا ~~التوقف فنقول: لا معنى للتوقف في المؤخر لأن قوله: " اغسل هذا الثوب " مثلا ~~لا يقتضي إلا طلب الغسل، والزمان من ضرورة الغسل كالمكان، وكالشخص في ~~القتل، والضرب، والسوط، والسيف في الضرب، ثم لا يقتضي الأمر بالضرب مضروبا ~~مخصوصا، ولا سوطا، ولا مكانا للأمر، فكذلك الزمان؛ لأن اللافظ ساكت عن ~~التعرض للزمان، والمكان فهما سيان، ويعتضد هذا بطريق ضرب المثال لا بطريق ~~القياس بصدق الوعد إذا قال: " اغسل، واقتل ms338 " فإنه صادق بادر أو أخر، ولو ~~حلف لأدخلن الدار لم يلزمه البدار. # وتحقيقه أن مدعي الفور متحكم، وهو محتاج إلى أن ينقل عن أهل اللغة أن ~~قولهم: افعل للبدار، ولا سبيل إلى نقل ذلك لا تواترا، ولا آحادا، ولهم ~~شبهتان. # الأولى: أن الأمر للوجوب، وفي تجويز التأخير ما ينافي الوجوب إما ~~بالتوسع، وإما بالتخيير في فعل لا بعينه من جملة الأفعال الواقعة في ~~الأوقات، والتوسع، والتخيير كلاهما يناقض الوجوب. قلنا: قد بينا في القطب ~~الأول أن الواجب المخير، والموسع جائز، ويدل عليه أنه لو صرح وقال: " اغسل ~~الثوب أي وقت شئت فقد أوجبته عليك " لم يتناقض. ثم لا نسلم أن الأمر ~~للوجوب، ولو كان للوجوب إما بنفسه أو بقرينة فالتوسع لا ينافيه كما سبق. # الشبهة الثانية: أن الأمر يقتضي وجوب الفعل، واعتقاد الوجوب، والعزم على ~~الامتثال ثم وجوب الاعتقاد، والعزم على الفور، فليكن كذلك الفعل. قلنا ~~القياس باطل في اللغات، ثم هو منقوض بقوله: " افعل أي وقت شئت " فإن ~~الاعتقاد، والعزم فيه على الفور دون الفعل. ثم نقول: وجوب الفور في العزم ~~والاعتقاد معلوم بقرينة، وأدلة دلت على التصديق للشارع، والعزم على ~~الانقياد له، ولم يحصل ذلك بمجرد الصيغة. ### | [مسألة وجوب القضاء لا يفتقر إلى أمر مجدد] # مذهب بعض الفقهاء أن وجوب القضاء لا يفتقر إلى أمر مجدد، ومذهب المحصلين ~~أن الأمر بعبادة في وقت لا يقتضي القضاء لأن تخصيص العبادة بوقت الزوال أو ~~شهر رمضان كتخصيص الحج بعرفات، وتخصيص الزكاة بالمساكين، وتخصيص الضرب، ~~والقتل بشخص، وتخصيص الصلاة بالقبلة فلا فرق بين الزمان، والمكان، والشخص ~~فإن # PageV01P215 # جميع ذلك تقييد للمأمور بصفة، والعاري عن تلك الصفة لا يتناوله اللفظ بل ~~يبقى على ما كان قبل الأمر. فإن قيل: الوقت للعبادة كالأجل للدين، فكما لا ~~يسقط الدين بانقضاء الأجل لا تسقط الصلاة الواجبة في الذمة بانقضاء المدة. ~~قلنا: مثال الأجل الحول في الزكاة لا جرم لا تسقط الزكاة بانقضائه؛ لأن ~~الأجل مهلة لتأخير المطالبة حتى ينجز بعد المدة، وأما الوقت فقد صار ms339 وصفا ~~للواجب كالمكان، والشخص، ومن أوجب عليه شيء بصفة فإذا أتى به لا على تلك ~~الصفة لم يكن ممتثلا. نعم يجب القضاء في الشرع إما بنص كقوله: «من نام عن ~~صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» أو بقياس، فإنا نقيس الصوم إذا نسيه على ~~الصلاة إذا نسيها، ونراه في معناها، ولا نقيس عليه الجمعة، ولا الأضحية ~~فإنهما لا يقضيان في غير وقتهما، وفي رمي الجمار تردد أنه بأي الأصلين ~~أشبه، ولا نقيس صلاة الحائض على صومها في القضاء لفرق النص، ولا نقيس صلاة ~~الكافر، وزكاته على صلاة المرتد، وإن تساويا في أصل الأمر، والوجوب عندنا. ### | [مسألة الأمر يقتضي وقوع الإجزاء بالمأمور به إذا امتثل] # مسألة ذهب بعض الفقهاء إلى أن الأمر يقتضي وقوع الإجزاء بالمأمور به إذا ~~امتثل ذهب بعض الفقهاء إلى أن الأمر يقتضي وقوع الإجزاء بالمأمور به إذا ~~امتثل # وقال بعض المتكلمين: لا يدل على الإجزاء لا بمعنى أنه لا يدل على كونه ~~طاعة وقربة، وسبب ثواب، وامتثالا لكن بمعنى أنه لا يمنع الامتثال من وجوب ~~القضاء، ولا يلزم حصول الإجزاء بالأداء بدليل أن من أفسد حجه فهو مأمور ~~بالإتمام، ولا يجزئه بل يلزمه القضاء، ومن ظن أنه متطهر فهو مأمور بالصلاة، ~~وممتثل إذا صلى، ومطيع، ومتقرب، ويلزمه القضاء، فلا يمكن إنكار كونه ~~مأمورا، ولا إنكار كونه ممتثلا حتى يسقط العقاب، ولا إنكار كونه مأمورا ~~بالقضاء؛ فهذه أمور مقطوع بها، والصواب عندنا أن نفصل، ونقول: إذا ثبت أن ~~القضاء يجب بأمر متجدد، وأنه مثل الواجب الأول فالأمر بالشيء لا يمنع إيجاب ~~مثله بعد الامتثال، وهذا لا شك فيه، ولكن ذلك المثل إنما يسمى قضاء إذا كان ~~فيه تدارك لفائت من أصل العبادة أو وصفها، وإن لم يكن فوات، وخلل استحال ~~تسميته قضاء فنقول: الأمر يدل على إجزاء المأمور إذا أدي بكمال وصفه، وشرطه ~~من غير خلل، وإن تطرق إليه خلل كما في الحج الفاسد، والصلاة على غير ~~الطهارة فلا يدل الأمر على إجزائه بمعنى منع إيجاب القضاء. # فإن ms340 قيل: فالذي ظن أنه متطهر مأمور بالصلاة على تلك الحالة أو مأمور ~~بالطهارة؟ فإن كان مأمورا بالطهارة مع تنجز الصلاة فينبغي أن يكون عاصيا، ~~وإن كان مأمورا بالصلاة على حالته فقد امتثل من غير خلل، فبم عقل إيجاب ~~القضاء؟ وكذلك المأمور بإتمام الحج الفاسد أتم كما أمر. قلنا: هذا مأمور ~~بالصلاة مع الخلل بضرورة نسيانه فقد أتى بصلاة مختلة فاقدة شرطها لضرورة ~~حاله فعقل الأمر لتدارك الخلل، أما إذا لم يكن الخلل لا عن قصد، ولا عن ~~نسيان فلا تدارك فيه فلا يعقل إيجاب قضائه، وهو المعني بإجزائه. كذلك مفسد ~~الحج مأمور بحج خال عن فساد وقد فوت على نفسه ذلك فيقضيه. ### | [مسألة الأمر بالأمر بالشيء ليس أمرا ما لم يدل عليه دليل] # الأمر بالأمر بالشيء ليس أمرا ما لم يدل عليه دليل # مثاله قوله تعالى لنبيه - عليه الصلاة والسلام -: {خذ من أموالهم صدقة ~~تطهرهم} [التوبة: 103] لا يدل على وجوب الأداء بمجرده على الأمة، وربما ظن ~~ظان أنه يدل على الوجوب، وليس الأمر كذلك؛ # PageV01P216 # لكن دل الشرع على أن أمر النبي - عليه الصلاة والسلام - واجب الطاعة، ~~وأنهم لو كانوا مأذونين في المنع لكان ذلك تحقيرا للنبي - عليه السلام -، ~~وتنفيرا للأمة عنه، وذلك يغض من قدره، ويشوش مقصود الشرع، وإلا فلا يستحيل ~~أن يقال للزوج الشافعي إذا قال لزوجته: " أنت بائن على نية الطلاق ". ~~راجعها، وطالبها بالوطء، ويقال للحنفية التي ترى أنها بائنة: يجب عليك ~~المنع، ويقال للولي الذي يرى أن لطفله على طفل غيره شيئا: اطلبه، ويقال ~~للمدعى عليه إذا عرف أنه لا شيء على طفله: لا تعطه، ومانعه، ويقول السيد ~~لأحد العبدين: أوجبت عليك أن تأمر العبد الآخر، ويقول للآخر: أوجبت عليك ~~العصيان له. # ، وبهذا تعرف أن قوله: - عليه السلام - «مروهم بالصلاة لسبع» ليس خطابا ~~من الشرع مع الصبي، ولا إيجابا عليه مع أن الأمر واجب على الولي. فإن قيل: ~~فلو قال للنبي: أوجبت عليك أن توجب على الأمة وقال للأمة: أوجبت عليكم ~~خلافه. قلنا: ذلك يدل على أن ms341 الواجب على النبي أن يقول: " أوجبت " لا على ~~حقيقة الإيجاب، فإن أراد حقيقة الإيجاب فهو متناقض بخلاف قوله: {خذ من ~~أموالهم صدقة} [التوبة: 103] فإن ذلك لا يناقضه أمرهم بالمنع. فإن قيل: ما ~~لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، والتسلم لا يتم إلا بالتسليم. قلنا: لا يجب ~~التسلم بل يجب الطلب فقط، ثم إن وجب التسلم فذلك يتم بالتسليم المحرم، ~~وإنما يناقض التسلم انتفاء التسليم في نفسه لانتفاء علته، وحكمه، وبالجملة ~~كما أن من أمر زيدا بضرب عمرو فلا يطلب من عمرو شيئا فكذلك إذا أمره يأمر ~~عمرا فلا يطلب من عمرو شيئا. ### | [مسألة ظاهر الخطاب مع جماعة بالأمر يقتضي وجوبه على كل واحد] # ظاهر الخطاب مع جماعة بالأمر يقتضي وجوبه على كل واحد # إلا أن يدل دليل على سقوط الفرض عن الجميع بفعل واحد أو يرد الخطاب بلفظ ~~لا يعم الجميع، كقوله تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون ~~بالمعروف، وينهون عن المنكر} [آل عمران: 104] ، وكقوله تعالى: {فلولا نفر ~~من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين} [التوبة: 122] فإن هذا لا يدل ~~على الوجوب في حق كل واحد على التعيين. فإن قيل: فما حقيقة فرض الكفاية؟ ~~أهو فرض على الجميع ثم يسقط الفرض بفعل البعض أو هو فرض على واحد لا بعينه ~~أي واحد كان كالواجب المخير في خصال الكفارة؟ أو هو واجب على من حضر، ~~وتعين، أعني: حضر الجنازة أو المنكر، أما من لم يتعين فهو ندب في حقه؟ ~~قلنا: الصحيح من هذه الأقسام الأول، وهو عموم الفرضية، فإن سقوط الفرض دون ~~الأداء يمكن إما بالنسخ أو بسبب آخر، ويدل عليه أنهم لو فعلوا بأجمعهم نال ~~كل واحد منهم ثواب الفرض، وإن امتنعوا عم الحرج الجميع، ولو خلا بعضهم عن ~~الوجوب لانفك عن الإثم. # أما الإيجاب على واحد لا بعينه فمحال، لأن المكلف ينبغي أن يعلم أنه ~~مكلف، وإذا أبهم الوجوب تعذر الامتثال كما حققناه في بيان الواجب المخير. ### | [مسألة المأمور لا يعلم كونه مأمورا قبل التمكن ms342 من الامتثال] # مسألة ذهبت المعتزلة إلى أن المأمور لا يعلم كونه مأمورا قبل التمكن من ~~الامتثال ذهبت المعتزلة إلى أن المأمور لا يعلم كونه مأمورا قبل التمكن من ~~الامتثال. # وذهب القاضي وجماهير أهل الحق إلى أنه يعلم ذلك، وفي تفهيم حقيقة المسألة ~~غموض، وسبيل كشف الغطاء عنه أن نقول: إنما يعلم المأمور كونه مأمورا مهما ~~كان مأمورا لأن العلم يتبع المعلوم، وإنما يكون مأمورا إذا توجه الأمر ~~عليه، ولا خلاف أنه يتصور أن يقول السيد # PageV01P217 # لعبده: " صم غدا "، وأن هذا أمر محقق ناجز في الحال، وإن كان مشروطا ~~ببقاء العبد إلى غد، ولكن اتفقت المعتزلة على أن الأمر المقيد بالشرط أمر ~~حاصل ناجز في الحال، لكن يشترط أن يكون تحقق الشرط مجهولا عند الآمر، ~~والمأمور، أما إذا كان معلوما فلا؛ فإنه لو قال: " صم إن صعدت إلى السماء ~~أو إن عشت ألف سنة "، فليس هذا بأمر، أي: هذه الصيغة ليست عبارة عن حقيقة ~~المعنى الذي يقوم بالنفس، ويسمى أمرا، ولو قال: " صم إن كان العالم مخلوقا ~~أو كان الله موجودا " فهذا أمر، ولكن ليس بمقيد بشرط، وليس هذا من الشرط في ~~شيء فإن الشرط هو الذي يمكن أن يوجد، ولا يوجد، فلما كان العلم بوجود الشرط ~~أو عدمه منافيا وجود الأمر المقيد بالشرط زعموا أن الله عالم بعواقب الأمر ~~فالشرط في أمره محال، ونحن نسلم أن جهل المأمور شرط أما جهل الآمر فليس ~~بشرط، حتى لو علم السيد بقول نبي صادق أن عبده يموت قبل رمضان فيتصور أن ~~يأمره بصوم رمضان، مهما جهل العبد ذلك، وربما كان له فيه لطف يدعوه إلى ~~الطاعات، ويزجره عن المعاصي، وربما كان لطفا لغير المأمور بحث أو زجر، ~~وربما كان امتحانا له ليشتغل بالاستعداد فيثاب على العزم على الامتثال، ~~ويعاقب على العزم على الترك، والمعتزلة أحالوا ذلك وقالوا: إذا شهد العبد ~~هلال رمضان توجه عليه الأمر بحكم قوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} ~~[البقرة: 185] . لكن ذلك بناء على ظن البقاء، ودوام القدرة، فإن ms343 الحياة، ~~والقدرة شرط في التكليف فإذا مات في منتصف الشهر تبينا أنه كان مأمورا ~~بالنصف الأول، وأنه لم يكن مأمورا بالنصف الثاني. # ويدلك على بطلان مذهبهم مسالك: # المسلك الأول: أن الأمة مجمعة قبل ظهور المعتزلة أن الصبي كما يبلغ يجب ~~عليه أن يعلم، ويعتقد كونه مأمورا بشرائع الإسلام منهيا عن الزنا، والسرقة، ~~والقتل في الحال، وإن لم يحضره وقت صلاة، ولا زكاة، ولا حضر من يمكن قتله، ~~والزنا به، ولا حضر مال تمكن سرقته، ولكن يعلم نفسه مأمورا منهيا بشرط ~~التمكن لأنه جاهل بعواقب أمره، وعلمه بأن الله تعالى عالم بها لا يدفع عنه ~~وجوب هذا الاعتقاد. # المسلك الثاني: أن الأمة مجمعة على أن من عزم على ترك ما ليس منهيا عنه ~~فليس بمتقرب إلى الله تعالى، ومن عزم على ترك المنهيات، والإتيان ~~بالمأمورات كان متقربا إلى الله تعالى، وإن احتمل أن لا يكون مأمورا أو ~~منهيا لعلم الله بأنه لا يساعده التمكن، فينبغي أن نشك في كونه متقربا، ~~ونتوقف، ونقول: إن مت بعد هذا العزم وقبل التمكن فلا ثواب لك لأنه لا تقرب ~~منك، وإن عشت، وتمكنت تبينا عند ذلك كونك متقربا، وهذا خلاف الإجماع. # المسلك الثالث: إجماع الأمة على أن صلاة الفرض لا تصح إلا بنية الفرضية،، ~~ولا يعقل تثبيت نية الفرضية إلا بعد معرفة الفرضية، والعبد ينوي في أول وقت ~~الصلاة فرض الظهر، وربما يموت في أثناء وقت الصلاة، فيتبين عند المعتزلة ~~أنه لم يكن فرضا فليكن شاكا في الفرضية، وعند ذلك تمتنع النية فإن النية ~~قصد لا يتوجه إلا إلى معلوم. فإن قيل: إن نوى فرضية أربع ركعات فلو مات بعد ~~ركعتين يعلم أنه لم تكن الأربع فريضة، وهو مجوز للموت، فكيف ينوي فرض ما هو ~~شاك فيه؟ قلنا: ليس شاكا فيه بل هو قاطع بأن الأربع فرض بشرط البقاء، ~~فالأمر بالشرط أمر في الحال، وليس بمعلق، والفرض بالشرط فرض أي: أنه مأمور ~~أمر إيجاب من عزم عليه يثاب # PageV01P218 # ثواب من عزم على واجب، وإذا قال ms344 السيد لعبده: " صم غدا " فهو أمر في ~~الحال بصوم في الغد لأنه أمر في الغد، وإذا قال له: " أوجبت عليك بشرط ~~بقائك وقدرتك " فهو موجب في الحال لكن إيجابا بشرط، فهكذا ينبغي أن تفهم ~~حقيقة هذه المسألة. # وكذلك إذا قال لوكيله: " بع داري غدا " فهو موكل، وآمر في الحال، والوكيل ~~مأمور، ووكيل في الحال حتى يعقل أن يعزل قبل مجيء الغد؛ فإذا قال الوكيل: " ~~وكلني ثم عزلني، وأمرني ثم منعني " كان صادقا فلو مات قبل مجيء الغد لا ~~يتبين أنه كان كاذبا، وقد حققنا هذا في مسألة نسخ الأمر قبل التمكن من ~~الامتثال، وفي نسخ الذبح عن إبراهيم - عليه السلام - ولهذا فرق الفقهاء بين ~~أن يقول: " إذا جاء رأس الشهر فأنت وكيلي " وبين أن يقول: " وكلتك ببيع ~~داري لكن تبيعها رأس الشهر " فإن الأول تعليق، ومن منع تعليق الوكالة ربما ~~جوز تنجيز الوكالة مع تأخير عند التنفيذ إلى رأس الشهر. # المسلك الرابع: إجماع الأمة على لزوم الشروع في صوم رمضان، أعني: أول يوم ~~مثلا، ولو كان الموت في أثناء النهار يبين عدم الأمر فالموت مجوز فيصير ~~الأمر مشكوكا فيه، ولا يلزمه الشروع بالشك فإن قيل: لأنه إن بقي كان واجبا، ~~والظاهر بقاؤه، والحاصل في الحال يستصحب والاستصحاب أصل تبنى عليه الأمور، ~~كما أن من أقبل عليه سبع يهرب، وإن كان يحتمل موت السبع قبل الانتهاء إليه ~~لكن الأصل بقاؤه فيستصحبه ولأنه لو فتح هذا الباب لم يتصور امتثال الأوامر ~~المضيقة أوقاتها كالصوم فإنه إنما يعلم تمام التمكن بعد انقضاء اليوم، ~~ويكون قد فات. قلنا: هذا يلزمكم في الصوم، ومذهبكم هو الذي يفضي إلى هذا ~~المحال، وما يفضي إلى المحال فهو محال، وأما الهرب من السبع فحزم، وأخذ ~~بأسوأ الأحوال، ويكفي فيه الاحتمال البعيد، فإن من شك في سبع على الطريق أو ~~سارق فيحسن منه الحزم والاحتراز، أما الوجوب فلا يثبت بالشك والاحتمال، ~~وينبغي أن يقال من أعرض عن الصوم، ومات قبل الغروب لم يكن عاصيا لأنه أخذ ~~بالاحتمال الآخر، وهو ms345 احتمال الموت فليكن معذورا به. # فإن زعموا أن ظن البقاء بالاستصحاب أورث ظن الوجوب، وظن الوجوب اقتضى ~~تحقق الوجوب من الشرع جزما قطعا، فهذا تعسف، وتناقض. # المسلك الخامس: أن الإجماع منعقد على أن من حبس المصلي في أول الوقت ~~وقيده، ومنعه من الصلاة متعد عاص بسبب منعه من الصلاة الواجبة، فإن كان ~~التكليف يندفع به فقد أحسن إليه إذا منع التكليف عنه فلم عصى؟ وهذا فيه نظر ~~لأنه عصى، لأن التصرف في الغير بضبطه، ومنعه حرام، وإن منعه غير مباح أيضا؛ ~~ولأن منعه صار سببا لوجوب القضاء في ذمته، وهو على خطر من فواته، أو يحرم ~~لأنه أخرجه عن أن يكلفه، وفي التكليف مصلحة وقد فوتها عليه بدليل أنه لو ~~قيده قبل وقت الصلاة أو قبل البلوغ إلى أن بلغ، ودخل وقت الصلاة عصى، ولم ~~يكن على الصبي أمر ناجز لا بشرط، ولا بغير شرط. شبه المعتزلة. # الأولى: قولهم: إثبات الأمر بشرط يؤدي إلى أن يكون وجود الشيء مشروطا بما ~~يوجد بعده، والشرط ينبغي أن يقارن أو يتقدم، أما تأخير الشرط عن المشروط ~~فمحال. قلنا: ليس هذا شرطا لوجود ذات الأمر وقيامه بذات الأمر، بل الأمر ~~موجود قائم بذات الأمر وجد الشرط # PageV01P219 # أو لم يوجد، وإنما هو شرط لكون الأمر لازما واجب التنفيذ، وليس ذلك من ~~شرط كونه موجودا بسبيل؛ ولهذا قلنا: الأمر أمر للمعدوم بتقدير الوجود، وإن ~~لم يبلغه بشرط بلوغه فليس البلوغ شرطا لقيام نفس الأمر بذات الأمر بل للزوم ~~تنفيذه. فإن قال قائل: اختلاف قول الشافعي في أن من جامع في نهار رمضان ثم ~~مات أو جن قبل الغروب هل يلزمه الكفارة؟ هل يلتفت إلى هذا الأصل؟ قلنا: أما ~~من ذهب إلى أنا نتبين عند زوال الحياة انتفاء الأمر من أصله فلا يمكنه ~~إيجاب الكفارة، وأما من ذهب إلى أنا لا نتبين عدم الأمر فيحتمل منه التردد ~~إذ يحتمل أن يقول قد أفسد بالجماع الصوم الذي كان واجبا عليه وقطع الصوم ~~الواجب بحكم الوقت، وإفساده يوجب الكفارة، ms346 ويحتمل أن يقال: وجبت الكفارة ~~بإفساد صوم لا يتعرض للفساد والانقطاع قبل الغروب، وهذا متعرض له فيكون هذا ~~مانعا من الإلحاق بالصوم الذي يتعين الجماع لإفساده. # فإن قال قائل: فلو علمت المرأة بالعادة أنها تحيض في أثناء النهار أو ~~بقول نبي صادق حيضا أو جنونا أو موتا فهل يلزمها الصوم حتى تصوم بعض اليوم؟ ~~قلنا على مذهب المعتزلة لا ينبغي أن يلزم، لأن بعض اليوم غير مأمور به، وهي ~~غير مأمورة بالكل، أما عندنا فالأظهر وجوبه لأن المرخص في الإفطار لم يوجد، ~~والأمر قائم في الحال، والميسور لا يسقط بالمعسور. فإن قال قائل لو قال: إن ~~صليت أو شرعت في الصلاة أو الصوم فزوجتي طالق، ثم شرع ثم أفسد أو مات أو جن ~~قبل الإتمام فقد اختلفوا في وقوع الطلاق، فهل يلتفت هذا إلى هذا الأصل؟ ~~قلنا: نعم قياس مذهب المعتزلة أن لا يحنث لأن بعض الصوم ليس بصوم، والفاسد ~~ليس بصوم وقد تبين ذلك بالآخر، وعلى مذهبنا ينبغي أن يحنث، وهذه صلاة في ~~الحال، وتمامها مقيد بالشرط حتى لو قال: " والله لأعتكفن صائما " أو " إن ~~اعتكفت صائما فزوجتي طالق ثلاثا " فاعتكف ساعة صائما ثم جن أو مات لم تجب ~~الكفارة في تركته، ولم ترثه زوجته. # ولا تخلو هذه المسائل عن الالتفات إلى هذا الأصل، ولو قال: " إن أمرت ~~عبدي فزوجتي طالق " ثم قال: " صم غدا " طلقت زوجته، فإن مات قبل الغد فلا ~~يتبين انتفاء الطلاق، ولو قال: " إن وكلت وكيلا فزوجتي طالق، وإن عزلت ~~وكيلا فعبدي حر ثم وكل من يبيع داره غدا ثم عزل قبل الغد طلقت زوجته، وعتق ~~عبده. # الشبهة الثانية: وهي الأقوى: قولهم: إن الأمر طلب فلا يقوم بذات من يعلم ~~امتناع وجود المأمور، فكيف يقوم بذات السيد طلب الخياطة إن صعد العبد إلى ~~السماء، وهو يعلم أنه لا يصعد؟ نعم يمكن أن يقول: خط إن صعدت إلى السماء ~~لكنه صيغة أمر، ولا يقوم الطلب بذاته، كما لو قال له: اصعد إلى السماء، لم ~~يكن أمرا ms347 لعجزه، وعلم الآمر بامتناعه إلا على مذهب من يجوز تكليف ما لا ~~يطاق، وأنتم قد ملتم إلى منع تكليف المحال، وبه يفارق الآمر الجاهل، فإن من ~~لا يعرف عجز عبده عن القيام يتصور أن يقول: قم، ويقوم بذاته الطلب، أما إذا ~~علم عجزه فلا يقوم بذاته طلب الممتنع. # وهذا التحقيق، وهو أن الجهل إذا كان شرطا لقيام هذا الأمر بذاته فالمؤثر ~~في صفة ذاته جهله لا جهل المأمور، فمهما علم الآمر عدم الشرط، فكيف يكون ~~طالبا؟ وإذا لم يكن طالبا فكيف يكون آمرا، والأمر هو الطلب؟ وهذا واقع، ~~والجواب: أن هذا لا يصح من المعتزلة مع إنكارهم كلام النفس، أما # PageV01P220 # عندنا فليس المراد بالطلب الذي هو معنى الأمر إرادة، وتشوقا لأن المعاصي ~~عندنا مرادة، وهي غير مأمور بها، والطاعات مأمور بها وقد لا تكون مرادة، ~~فإن ما أراد الله واقع، والتشوق على الله محال، وإنما معناه اقتضاء فعله ~~لمصلحة العبد، ولكنه يكون توطئة للنفس على عزم الامتثال أو الترك لما ~~يخالفه لطفا به في الاستعداد والانحراف عن الفساد، وهذا لطف متصور من الله ~~تعالى، ويتصور أيضا من السيد أن يستصلح عبده بأوامر ينجزها عليه مع عزمه ~~على نسخ الأمر قبل الامتثال امتحانا للعبد، واستصلاحا له وكل أمر مقيد بشرط ~~أن لا ينسخ وكل وكالة مقيدة بشرط أن لا يعزل الوكيل، وقوله: " وكلتك ببيع ~~العبد غدا " مع العلم بأنه سيعتق العبد قبل الغد وكالة في الحال يقصد بها ~~استمالة الوكيل مثلا، وامتحانه في إظهار الاستبشار بأمره أو الكراهية، فكل ~~ذلك معقول لهذه الفائدة، وليس تحت الأمر إلا أنه اقتضاء من هذا الجنس، ~~والله أعلم. ### | [القول في صيغة النهي] ### | [مسألة النهي عن البيع والنكاح والتصرفات المفيدة للأحكام هل يقتضي فسادها] # القول في صيغة النهي اعلم أن ما ذكرناه من مسائل الأوامر تتضح به أحكام ~~النواهي؛ إذ لكل مسألة وزان من النهي على العكس فلا حاجة إلى التكرار، ~~ولكنا نتعرض لمسائل لا بد من إفرادها بالكلام # مسألة: اختلفوا في أن النهي عن البيع، ms348 والنكاح، والتصرفات المفيدة ~~للأحكام هل يقتضي فسادها؟ # فذهب الجماهير إلى أنه يقتضي فسادها، وذهب قوم إلى أنه إن كان نهيا عنه ~~لعينه دل على الفساد، وإن كان لغيره فلا، والمختار أنه لا يقتضي الفساد، ~~وبيانه أنا نعني بالفساد تخلف الأحكام عنها، وخروجها عن كونها أسبابا مفيدة ~~للأحكام، ولو صرح الشارع وقال: " حرمت عليك استيلاد جارية الابن، ونهيتك ~~عنه لعينه لكن إن فعلت ملكت الجارية، ونهيتك عن الطلاق في الحيض لعينه لكن ~~إن فعلت بانت زوجتك، ونهيتك عن إزالة النجاسة عن الثوب بالماء المغصوب لكن ~~إن فعلت طهر الثوب، ونهيتك عن ذبح شاة الغير بسكين الغير من غير إذن لكن إن ~~فعلت حلت الذبيحة ". فشيء من هذا ليس يمتنع، ولا يتناقض بخلاف قوله: " حرمت ~~عليك الطلاق، وأمرتك به أو أبحته لك، وحرمت الاستيلاد لجارية الابن، ~~وأوجبته عليك " فإن ذلك متناقض لا يعقل؛ لأن التحريم يضاد الإيجاب، ولا ~~يضاده كون المحرم منصوبا علامة على حصول الملك، والحل، وسائر الأحكام، إذ ~~يتناقض أن يقول: " حرمت الزنا، وأبحته " ولا يتناقض أن يقول: " حرمت الزنا ~~وجعلت الفعل الحرام في عينه سببا لحصول الملك في العوضين " فإن شرط التحريم ~~التعرض لعقاب الآخرة فقط دون تخلف الثمرات، والأحكام عنه. فإذا ثبت هذا ~~فقوله: " لا تبع، ولا تطلق، ولا تنكح لو دل على تخلف الأحكام، وهو المراد ~~بالفساد فلا يخلو إما أن يدل من حيث اللغة أو من حيث الشرع، ومحال أن يدل ~~من حيث اللغة لأن العرب قد تنهى عن الطاعات، وعن الأسباب المشروعة، وتعتقد ~~ذلك نهيا حقيقيا دالا على أن المنهي ينبغي أن لا يوجد، أما الأحكام فإنها ~~شرعية لا يناسبها اللفظ من حيث وضع اللسان إذ يعقل أن يقول العربي: هذا ~~العقد الذي يفيد الملك، والأحكام إياك أن تفعله، وتقدم عليه، ولو صرح به ~~الشارع أيضا لكان منتظما مفهوما. # أما من حيث الشرع فلو قام دليل على أن النهي # PageV01P221 # للإفساد، ونقل ذلك عن النبي - عليه السلام - صريحا لكان ذلك من جهة الشرع ~~تصرفا في اللغة ms349 بالتغيير أو كان صيغة النهي من جهته منصوبا علامة على ~~الفساد، ويجب قبول ذلك، ولكن الشأن في إثبات هذه الحجة، ونقلها، وشبههم ~~الشرعية أربع: # الشبهة الأولى: قولهم: إن المنهي عنه قبيح، ومعصية فكيف يكون مشروعا؟ ~~قلنا: إن أردتم بالمشروع كونه مأمورا به أو مباحا أو مندوبا فذلك محال، ~~ولسنا نقول به، وإن عنيتم به كونه منصوبا علامة للملك أو الحل أو حكم من ~~الأحكام ففيه وقع النزاع، فلم ادعيتم استحالته، ولم يستحل أن يحرم ~~الاستيلاد، وينصب سببا لملك الجارية، ويحرم الطلاق، وينصب سببا للفراق بل ~~لا يستحيل أن ينهى عن الصلاة في الدار المغصوبة، وينصب سببا لبراءة الذمة، ~~وسقوط الفرض؟ # الشبهة الثانية: قولهم: إن النهي لا يرد من الشارع في البيع، والنكاح إلا ~~لبيان خروجه عن كونه مملكا أو مشروعا. قلنا: في هذا وقع النزاع، فما الدليل ~~عليه؟ وكم من بيع، ونكاح نهى عنه، وبقي سببا للإفادة فما هذا التحكم. # الشبهة الثالثة: قوله - عليه السلام -: «كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد، ~~ومن أدخل في ديننا ما ليس منه فهو رد» . # قلنا: معنى قوله: " رد " أي: غير مقبول طاعة وقربة، ولا شك في أن المحرم ~~لا يقع طاعة أما أن لا يكون سببا للحكم فلا فإن الاستيلاد، والطلاق، وذبح ~~شاة الغير ليس عليه أمرنا ثم ليس برد بهذا المعنى. # الشبهة الرابعة: قولهم: أجمع سلف الأمة على الاستدلال بالمناهي على ~~الفساد، ففهموا فساد الربا من قوله: {وذروا ما بقي من الربا} [البقرة: 278] ~~واحتج ابن عمر - رضي الله عنه - في فساد نكاح المشركات بقوله: {ولا تنكحوا ~~المشركات حتى يؤمن} [البقرة: 221] ، وفي نكاح المحارم بالنهي. # قلنا: هذا يصح من بعض الأمة أما من جميع الأمة فلا يصح، ولا حجة في قول ~~البعض، نعم يتمسك به في التحريم، والمنع أما في الإفساد فلا. # مسألة: الذين اتفقوا على أن النهي على التصرفات لا يدل على فسادها ~~اختلفوا في أنه هل يدل على صحتها؟ # فنقل أبو زيد عن محمد بن الحسن، وأبي حنيفة أنه يدل على ms350 الصحة، وأنه ~~يستدل بالنهي عن صوم يوم النحر على انعقاده، فإنه لو استحال انعقاده لما ~~نهي عنه فإن المحال لا ينهى عنه كما لا يؤمر به، فلا يقال للأعمى: " لا ~~تبصر " كما لا يقال له: " أبصر " فزعموا أن النهي عن الزنا يدل على ~~انعقاده، وهذا فاسد لأنا بينا أن الأمر بمجرده لا يدل على الإجزاء، والصحة، ~~فكيف يدل عليه النهي؟ بل الأمر، والنهي يدل على اقتضاء الفعل واقتضاء الترك ~~فقط أو على الوجوب، والتحريم فقط، أما حصول الإجزاء، والفائدة أو نفيهما ~~فيحتاج إلى دليل آخر. # واللفظ من حيث اللغة غير موضوع لهذه القضايا الشرعية، وأما من حيث الشرع ~~فلو قال الشارع: " إذا نهيتكم عن أمر أردت به صحته لتلقيناه منه، ولكنه لم ~~يثبت ذلك صريحا لا بالتواتر، ولا بنقل الآحاد، وليس ضرورة المأمور أن يكون ~~صحيحا مجزئا، فكيف يكون من ضرورة المنهي ذلك؟ فإذا لم يثبت ذلك شرعا، ولغة، ~~وضرورة بمقتضى اللفظ فالمصير إليه تحكم بل الاستدلال به على فساده أقرب من ~~الاستدلال به على صحته. فإن قيل: المحال لا ينهى عنه لأن الأمر كما يقتضي ~~مأمورا يمكن امتثاله فالنهي يقتضي منهيا # PageV01P222 # يمكن ارتكابه، فصوم يوم النحر إذا نهي عنه ينبغي أن يصح ارتكابه، ويكون ~~صوما، فاسم الصوم للصوم الشرعي لا للإمساك فإنه صوم لغة لا شرعا، والأسامي ~~الشرعية تحمل على موضوع الشرع، هذا هو الأصل لا يلزم عليه قوله: «دعي ~~الصلاة أيام أقرائك» وقوله تعالى: {، ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} ~~[النساء: 22] لأنه حمل النكاح، والصلاة بالمعنى اللغوي على خلاف الوضعي ~~بدليل دل عليه، ولا يلزم عليه قوله: - عليه السلام -: «لا صلاة إلا بطهور، ~~ولا نكاح إلا بشهود» لأن ذلك نفي، وليس نهيا، قلنا: الأصل أن الاسم لموضوعه ~~اللغوي إلا ما صرفه عنه عرف الاستعمال في الشرع وقد ألفينا عرف الشرع في ~~الأوامر أنه يستعمل الصوم، والنكاح، والبيع لمعانيها الشرعية، أما في ~~المنهيات فلم يثبت هذا العرف، المغير للوضع بدليل قوله: «دعي الصلاة أيام ~~أقرائك» أو {ولا تنكحوا ms351 ما نكح آباؤكم من النساء} [النساء: 22] ، وأمثال ~~هذه المناهي مما لا ينعقد أصلا، ولم يثبت فيه عرف استعمال الشرع فيرجع إلى ~~أصل الوضع، ونقول: إذا تعارض فيه عرف الشرع، والوضع فمن صام يوم النحر فقد ~~ارتكب النهي، وإن لم ينعقد صومه، ويكون هذا أولى لأن مذهبهم يفضي إلى صرف ~~النهي عن ذات المنهي عنه إلى غيره، فإنه لو كان منهيا في عينه استحال أن ~~يكون عبادة منعقدة، ومطلق النهي عن الشيء يدل على النهي عن عينه إلا أن يدل ~~دليل فلا معنى لترك الظاهر من غير ضرورة. # فإن قيل: فإذا اخترتم أن النهي لا يدل على الصحة، ولا على الفساد في ~~أسباب المعاملات فما قولكم في النهي عن العبادات؟ قلنا: قد بينا أن النهي ~~يضاد كون المنهي عنه قربة، وطاعة؛ لأن الطاعة عبارة عما يوافق الأمر، ~~والأمر، والنهي متضادان، فعلى هذا صوم يوم النحر لا يكون منعقدا إن أريد ~~بانعقاده كونه طاعة وقربة، وامتثالا؛ لأن النهي يضاده، وإذا لم يكن قربة لم ~~يلزم بالنذر إذ لا يلزم بالنذر ما ليس بقربة نعم لو أمكن صرف النهي عن عين ~~الصوم إلى ترك إجابة دعوة الله تعالى فذلك لا يمنع انعقاده، ولكن ذلك أيضا ~~فاسد كما سبق في القطب الأول، وإن قيل فقد حمل بعض المناهي في الشرع على ~~الفساد دون البعض فما الفصل؟ قلنا: النهي لا يدل على الفساد، وإنما يعرف ~~فساد العقد، والعبادة بفوات شرطه، وركنه، ويعرف فوات الشرط إما بالإجماع ~~كالطهارة في الصلاة، وستر العورة، واستقبال القبلة، وإما بنص، وإما بصيغة ~~النفي، كقوله: «لا صلاة إلا بطهور، ولا نكاح إلا بشهود» فذلك ظاهر في النفي ~~عند عدم الشرط. # وأما بالقياس على منصوص فكل نهي يتضمن ارتكابه الإخلال بالشرط فيدل على ~~الفساد من حيث الإخلال بالشرط لا من حيث النهي، وشرط المبيع أن يكون مالا ~~متقوما مقدورا على تسليمه معينا، أما كونه مرئيا ففي اشتراطه خلاف، وشرط ~~الثمن أن يكون مالا معلوم القدر، والجنس، وليس من شرط النكاح الصداق فلذلك ms352 ~~لم يفسد بكون النكاح على خمر أو خنزير أو مغصوب، وإن كان منهيا عنه، ولا ~~فرق بين الطلاق السني، والبدعي في شرط النفوذ، وإن اختلفا في التحريم. فإن ~~قيل: فلو قال قائل: كل نهي رجع إلى عين الشيء فهو دليل الفساد دون ما يرجع ~~إلى غيره، فهل يصح؟ قلنا: لا لأنه لا فرق بين الطلاق في حال الحيض، والصلاة ~~في الدار المغصوبة لأنه إن أمكن أن يقال ليس منهيا عن الطلاق لعينه، ولا عن ~~الصلاة لعينها بل # PageV01P223 # لوقوعه في حال الحيض ولوقوعها في الدار المغصوبة أمكن تقدير مثله في ~~الصلاة في حال الحيض، فلا اعتماد إلا على فوات الشرط، ويعرف الشرط بدليل ~~يدل عليه، وعلى ارتباط الصحة به، ولا يعرف بمجرد النهي فإنه لا يدل عليه ~~وضعا، وشرعا كما سبق في المسألة التي قبلها، وهذا القدر كاف في صيغة الأمر، ~~والنهي فإن ما يتعلق منه بحقيقة الوجوب، والتحريم، ويضادهما، ويوافقهما فقد ~~ميزناه عما يتعلق بمقتضى الصيغة وقررناه في القطب الأول عند البحث عن حقيقة ~~الحكم، فإن ذلك نظر عقلي، وهذا نظر لغوي من حيث دلالة الألفاظ فلذلك ميزناه ~~على خلاف عادة الأصوليين. ### | [القسم الرابع من النظر في الصيغة القول في العام والخاص] ### | [المقدمة القول في حد العام والخاص] # القسم الرابع من النظر في الصيغة القول في العام، والخاص، ويشتمل على ~~مقدمة، وخمسة أبواب: # المقدمة: القول في حد العام، والخاص. # ومعناهما اعلم أن العموم، والخصوص من عوارض الألفاظ لا من عوارض المعاني، ~~والأفعال،، والعام عبارة عن اللفظ الواحد الدال من جهة واحدة على شيئين ~~فصاعدا مثل: الرجال، والمشركين، " ومن دخل الدار فأعطه درهما " ونظائره كما ~~سيأتي تفصيل صيغ العموم، واحترزنا بقولنا من جهة واحدة عن قولهم ضرب زيد ~~عمرا، وعن قولهم ضرب زيدا عمرو؛ فإنه يدل على شيئين، ولكن بلفظين لا بلفظ ~~واحد، ومن جهتين لا من جهة واحدة، واعلم أن اللفظ إما خاص في ذاته مطلقا ~~كقولك: زيد، وهذا الرجل، وإما عام مطلقا كالمذكور، والمعلوم، إذ لا يخرج ~~منه موجود، ms353 ولا معدوم، وإما عام بالإضافة كلفظ المؤمنين " فإنه عام ~~بالإضافة إلى آحاد المؤمنين خاص بالإضافة إلى جملتهم إذ يتناولهم دون ~~المشركين، فكأنه يسمى عاما من حيث شموله لما شمله خاصا من حيث اقتصاره على ~~ما شمله وقصوره عما لم يشمله. # ، ومن هذا الوجه يمكن أن يقال: وليس في الألفاظ عام مطلق لأن لفظ المعلوم ~~لا يتناول المجهول، والمذكور لا يتناول المسكوت عنه. فإن قيل: فلم قلتم: إن ~~العموم من عوارض الألفاظ لا من عوارض المعاني، والأفعال؟ والعطاء فعل وقد ~~تعطي عمرا، وزيدا، وتقول: عممهما بالعطاء، والوجود معنى يعم الجواهر، ~~والأعراض؟ قلنا عطاء زيد متميز عن عطاء عمرو من حيث إنه فعل، فليس في ~~الوجود فعل واحد هو عطاء، وتكون نسبته إلى زيد، وعمرو واحدة. وكذلك وجود ~~السواد يفارق وجود البياض، وليس الوجود معنى واحدا حاصلا مشتركا بينهما، ~~وإن كانت حقيقته واحدة في العقل، وعلوم الناس وقدرهم، وإن كانت مشتركة في ~~كونها علما وقدرة لا يوصف بأنه عموم، فقولنا: الرجل له وجود في الأعيان، ~~وفي الأذهان، وفي اللسان، أما وجوده في اللسان فلفظ الرجل قد وضع للدلالة، ~~ونسبته في الدلالة إلى زيد، وعمرو واحدة يسمى عاما باعتبار نسبة الدلالة ~~إلى المدلولات الكثيرة، وأما ما في الأذهان من معنى الرجل فيسمى كليا من ~~حيث إن العقل يأخذ من مشاهدة زيد حقيقة الإنسان، وحقيقة الرجل فإذا رأى ~~عمرا لم يأخذ منه صورة أخرى وكان ما أخذه من قبل نسبته إلى عمرو الذي حدث ~~الآن كنسبته إلى زيد الذي عهده أولا؛ فهذا معنى كليته؛ فإن سمي # PageV01P224 # عاما بهذا فلا بأس. # فإن قيل: فهل يجوز أن يقال هذا عام مخصوص، وهذا عام قد خصص؟ قلنا: لا لأن ~~المذاهب ثلاثة مذهب أرباب الخصوص، ومذهب أرباب العموم، ومذهب الواقفية. أما ~~أرباب الخصوص فإنهم يقولون: لفظ المشركين مثلا موضوع لأقل الجمع، وهو ~~للخصوص، فكيف يقولون إنه عموم قد خصص؟ وأما أرباب العموم فيقولون: هو ~~للاستغراق فإن أريد به البعض فقد تجوز به عن حقيقته، ووضعه فلم يتصرف في ms354 ~~الوضع، ولم يغير حتى يقال: إنه خصص العام أو هو عام مخصوص؟ ، وأما الواقفية ~~فإنهم يقولون: إن اللفظ مشترك، وإنما ينزل على خصوص أو عموم بقرينة، وإرادة ~~معينة، كلفظ العين فإن أريد به الخصوص فهو موضوع له لا لأنه عام قد خصص، ~~وإن أريد به العموم فهو موضوع له لا أنه خاص قد عم. فإذا هذا اللفظ مؤول ~~على كل مذهب، فيكون معناه أنه كان يصلح أن يقصد به العموم فقصد به الخصوص؛ ~~هذا على مذهب الوقف، وعلى مذهب الاستغراق إن وضعه للعموم، واستعمل في غير ~~وضعه مجازا فهو عام بالوضع خاص بالإرادة، والتجوز، وإلا فالعام، والخاص ~~بالوضع لا ينقلب عن وضعه بإرادة المتكلم. # فإن قيل: فما معنى قولهم: خصص فلان عموم الآية، والخبر إن كان العام لا ~~يقبل التخصيص؟ قلنا: تخصيص العام محال كما سبق، وتأويل هذا اللفظ أن يعرف ~~أنه أريد باللفظ العام بالوضع أو الصالح لإرادة العموم، والخصوص، فيقال على ~~سبيل التوسع لمن عرف ذلك أنه خصص العموم أي: عرف أنه أريد به الخصوص، ثم من ~~لم يعرف ذلك لكن اعتقده أو ظنه أو أخبر عنه بلسانه أو نصب الدليل عليه يسمى ~~مخصصا، وإنما هو معرف، ومخبر عن إرادة المتكلم، ومستدل عليه بالقرائن لا ~~أنه مخصص بنفسه. " هذه هي المقدمة. ### | [الباب الأول في العموم هل له صيغة أم لا] # أما الأبواب فهي خمسة: الباب الأول: في أن العموم هل له صيغة أم لا؟ ~~واختلاف المذاهب فيه الباب الثاني: في تمييز ما يمكن دعوى العموم فيه عما ~~لا يمكن. الباب الثالث: في تفصيل الأدلة المخصصة. الباب الرابع: في تعارض ~~العمومين. الباب الخامس: في الاستثناء، والشرط. الباب الأول: في أن العموم ~~هل له صيغة في اللغة أم لا. # ولنشرح أولا صيغ العموم عند القائلين بها، ثم اختلاف المذاهب، ثم أدلة ~~أرباب الخصوص، ثم أدلة أرباب العموم، ثم أدلة أرباب الوقف، ثم المختار فيه ~~عندنا، ثم حكم العام عند القائلين به إذا دخله التخصيص؛ فهذه سبعة فصول في ~~صيغ العموم. ms355 # واعلم أنها عند القائلين بها خمسة أنواع: # الأول: ألفاظ الجموع، إما المعرفة كالرجال، والمشركين، وإما المنكرة ~~كقولهم: رجال، ومشركون كما قال تعالى: {ما لنا لا نرى رجالا} [ص: 62] ، ~~والمعرفة للعموم إذا لم يقصد بها تعريف المعهود، كقولهم: " أقبل الرجل، ~~والرجال " أي: المعهودون المنتظرون # الثاني: من " " وما " إذا وردا للشرط، والجزاء كقوله: - عليه السلام - ~~«من أحيا أرضا ميتة فهي له، وعلى اليد ما أخذت حتى تؤديه» ، وفي معناه " ~~متى " " وأين " للمكان، والزمان كقوله: متى جئتني أكرمتك، وأينما كنت أتيتك # الثالث: ألفاظ النفي، كقولك: ما جاءني أحد، وما في الدار ديار. # الرابع: الاسم المفرد إذا دخل عليه الألف، واللام لا للتعريف كقوله ~~تعالى: {إن الإنسان لفي خسر} [العصر: 2] وقوله: {، والسارق والسارقة} ~~[المائدة: 38] . أما النكرة # PageV01P225 # كقولك: " مشرك، وسارق " فلا يتناول إلا واحدا. # الخامس: الألفاظ المؤكدة، كقولهم: " كل " " وجميع " " وأجمعون " " ~~وأكتعون ". تفصيل المذاهب: اعلم أن الناس اختلفوا في هذه الأنواع الخمسة ~~على ثلاثة مذاهب، فقال قوم يلقبون بأرباب الخصوص: إنه موضوع لأقل الجمع، ~~وهو إما اثنان، وإما ثلاثة على ما سيأتي الخلاف فيه وقال أرباب العموم: هو ~~للاستغراق بالوضع إلا أن يتجوز به عن وضعه. وقالت الواقفية: لم يوضع لا ~~لخصوص، ولا لعموم بل أقل الجمع داخل فيه لضرورة صدق اللفظ بحكم الوضع، وهو ~~بالإضافة إلى الاستغراق للجميع أو الاقتصار على الأقل أو تناول صنف أو عدد ~~بين الأقل والاستغراق مشترك يصلح لكل واحد من الأقسام كاشتراك لفظ الفرقة، ~~والنفر بين الثلاثة، والخمسة، والستة، إذ يصلح لكل واحد منهم فليس مخصوصا ~~في الوضع بعدد، وإن كنا نعلم أن أقل الجمع لا بد منه ليجوز إطلاقه. ثم ~~أرباب العموم اختلفوا في التفصيل في ثلاث مسائل: # الأولى: الفرق بين المعرف، والمنكر. # فقال الجمهور: لا فرق بين قولنا " اضربوا الرجال " وبين قولنا " اضربوا ~~رجالا " " واقتلوا المشركين " " واقتلوا مشركين " وإليه ذهب الجبائي وقال ~~قوم: يدل المنكر على جمع غير معين، ولا مقدر، ولا يدل على الاستغراق، وهو ~~الأظهر. # الثانية: اختلفوا في الجمع المعرف بالألف، واللام كالسارقين، والمشركين، ~~والفقراء، ms356 والمساكين، والعاملين فقال قوم: هو للاستغراق وقال قوم: هو لأقل ~~الجمع، ولا يحمل على الاستغراق إلا بدليل، والأول أقوى، وأليق بمذهب أرباب ~~العموم الثالثة: الاسم المفرد إذا دخل عليه الألف، واللام، كقولهم: الدينار ~~خير من الدرهم، فمنهم من قال هو لتعريف الواحد فقط، وذلك في تعريف المعهود ~~وقال قوم: هو للاستغراق وقال قوم: يصلح للواحد، والجنس ولبعض الجنس فهو ~~مشترك، ومذهب الواقفية أن جميع هذه الألفاظ مشتركة، ولم يبق منها شيء ~~للاستغراق حتى كل " " وكلما " " وأي " " والذي " " ومن " " وما " واختلفوا ~~في مسألة واحدة، فقال قوم: إنما التوقف في العمومات الواردة في الأخبار، ~~والوعد، والوعيد، أما الأمر، والنهي فلا، فإنا متعبدون بفهمه، ولو كان ~~مشتركا لكان مجملا غير مفهوم، وهذا فاسد لا يليق بمذهب الواقفية؛ لأن ~~دليلهم لا يفرق بين جنس، وجنس، إذ العرب تريد بصيغ الجمع البعض في كل جنس ~~كما تريد الكل، ويستوي في ذلك قولهم: " فعلوا، وافعلوا " وقولهم قتل ~~المشركون واقتلوا المشركين " ولأن من الأخبار ما تعبد بفهمه كقوله تعالى: ~~{وهو بكل شيء عليم} [البقرة: 29] ، وقوله: {، وما من دابة في الأرض إلا على ~~الله رزقها} [هود: 6] . # تنبيه: لا ينبغي أن يقول الواقفية: الوقف في ألفاظ العموم جائز، وفيما ~~مخرجه مخرج العموم واجب فقد أطلق ذلك الشيخ أبو الحسن الأشعري وجماعة؛ لأن ~~المتوقف لا يسلم أنه لفظ العموم كما لا يسلم أنه لفظ الخصوص إلا أن يعنى به ~~أنه لفظ العموم عند معتقدي العموم، بل ينبغي أن يقول: التوقف في صيغ ~~الجموع، وأدوات الشرط واجب. # PageV01P226 # القول في أدلة أرباب العموم، ونقضها، وهي خمسة: # الدليل الأول: أن أهل اللغة بل أهل جميع اللغات كما عقلوا الأعداد، ~~والأنواع، والأشخاص، والأجناس، ووضعوا لكل واحد اسما لحاجتهم إليه عقلوا ~~أيضا معنى العموم، واستغراق الجنس واحتاجوا إليه، فكيف لم يضعوا له صيغة، ~~ولفظا؟ الاعتراض من أربعة أوجه: # الأول: أن هذا قياس، واستدلال في اللغات، واللغة تثبت توقيفا، ونقلا لا ~~قياسا، واستدلالا بل هي كسنن الرسول - عليه السلام -، وليس لقائل أن يقول: ~~الشارع كما عرف ms357 الأشياء الستة وجريان الربا فيها، ومست إليه حاجة الخلق، ~~ونص عليها فينبغي أن يكون قد نص على سائر الربويات، وهذا فاسد. # الثاني: أنه، وإن سلم أن ذلك واجب في الحكمة فمن يسلم عصمة، واضعي اللغة ~~حتى يخالفوا الحكمة في وضعها، وهم في حكم من يترك مالا. تقتضي الحكمة تركه ~~الثالث: أن هذا منقوض فإن العرب عقلت الماضي، والمستقبل، والحال ثم لم تضع ~~للحال لفظا مخصوصا حتى لزم استعمال المستقبل أو اسم الفاعل فيها، فتقول: ~~رأيته يضرب أو ضاربا ثم كما عقلت الألوان عقلت الروائح ثم لم تضع للروائح ~~أسامي حتى لزم تعريفها بالإضافة فيقال: ريح المسك، وريح العود، ولا يقال: ~~لون الدم، ولون الزعفران بل أصفر أو أحمر. # الرابع: أنا لا نسلم أنهم لم يضعوا للعموم لفظا كما لا نسلم أنهم لم ~~يضعوا للعين الباصرة لفظا، وإن كان العين مشتركا بين أشياء لم يخرج عن كونه ~~موضوعا له، وإن لم يكن وقفا عليه بل صالحا له ولغيره وكذلك صيغ الجموع ~~مشتركة بين العموم، والخصوص. # الدليل الثاني: أنه يحسن أن تقول: " اقتلوا المشركين إلا زيدا " " ومن ~~دخل الدار فأكرمه إلا الفاسق " " ومن عصاني عاقبته إلا المعتذر " ومعنى ~~الاستثناء إخراج ما لولاه لوجب دخوله تحت اللفظ، إذ لا يجوز أن تقول " أكرم ~~الناس إلا الثور ". الاعتراض أن للاستثناء فائدتين: # إحداهما: ما ذكرتموه، وهو إخراج ما يجب دخوله تحت اللفظ كقوله: علي عشرة ~~إلا ثلاثة " # والثاني: ما يصلح أن يدخل تحته، ويتوهم أن يكون مرادا به، وهذا صالح لأن ~~يدخل تحت اللفظ والاستثناء لقطع صلاحيته لا لقطع وجوبه بخلاف الثور، فإن ~~لفظ الناس لا يصلح لإرادته. # الدليل الثالث: أن تأكيد الشيء ينبغي أن يكون موافقا لمعناه، ومطابقا له، ~~وتأكيد الخصوص غير تأكيد العموم، إذ يقال: اضرب زيدا نفسه، واضرب الرجال ~~أجمعين أكتعين، ولا يقال: اضرب زيدا كلهم. الاعتراض أن الخصم يسلم أن لفظ ~~الجمع يتناول قوما، وهو أقل الجمع فما زاد، ويجوز أن يقال: اضرب القوم كلهم ~~لأن للقوم كلية، وجزئية، أما زيد، ms358 والواحد المعين ليس له بعض، فليس فيه كل ~~وكما أن لفظ العموم لا يتعين مبلغ المراد منه بعد مجاوزة أقل الجمع فكذلك ~~لفظ المشركين، والمؤمنين، والكلام في أنه لاستغراق الجنس أو لأقل الجمع أو ~~لعدد بين الدرجتين وكيفما كان فلفظ الكلية لائق به. # فإن قيل: فإذا قال: " أكرم الناس أكتعين أجمعين كلهم وكافتهم ينبغي أن ~~يدخل هذا على الاستغراق ثم يكون # PageV01P227 # الدال هو المؤكد دون التأكيد، فإن التأكيد تابع، وإنما يؤكد بالاستغراق ~~ما يدل على استغراق الجماعة الذين أرادهم بلفظ الناس. قلنا: لا يشعر ~~بالاستغراق كما لو قال: أكرم الفرقة، والطائفة كلهم وكافتهم، وجملتهم لم ~~يتغير به مفهوم لفظ الفرقة، ولم يتعين للأكثر، بل نقول: لو كان لفظ الناس ~~يدل على الاستغراق لم يحسن أن يقول " كافتهم، وجملتهم " فإنما تذكر هذه ~~الزيادة لمزيد فائدة فهو مشعر بنقيض غرضهم. # الدليل الرابع: أن صيغ العموم باطل أن تكون لأقل الجمع خاصة كما سيأتي، ~~وباطل أن تكون مشتركا إذ يبقى مجهولا، ولا يفهم إلا بقرينة، وتلك القرينة ~~لفظ أو معنى فإن كان لفظا فالنزاع في ذلك اللفظ قائم، فإن الخلاف في أنه هل ~~وضع العرب صيغة تدل على الاستغراق أم لا؟ وإن كان معنى فالمعنى تابع للفظ ~~فكيف تزيد دلالته على اللفظ؟ الاعتراض أن قصد الاستغراق يعلم بعلم ضروري ~~يحصل عن قرائن أحوال، ورموز، وإشارات، وحركات من المتكلم، وتغيرات في وجهه، ~~وأمور معلومة من عادته، ومقاصده وقرائن مختلفة لا يمكن حصرها في جنس، ولا ~~ضبطها بوصف، بل هي كالقرائن التي يعلم بها خجل الخجل، ووجل الوجل، وجبن ~~الجبان وكما يعلم قصد المتكلم إذا قال: السلام عليكم أنه يريد التحية أو ~~الاستهزاء، واللهو، ومن جملة القرائن فعل المتكلم، فإنه إذا قال على ~~المائدة: هات الماء فهم أنه يريد الماء العذب البارد دون الحار الملح. وقد ~~تكون دليل العقل، كعموم قوله تعالى: {وهو بكل شيء عليم} [البقرة: 29] {وما ~~من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} [هود: 6] ، وخصوص قوله تعالى: (خالق ~~كل شيء وهو على ms359 كل شيء وكيل) إذ لا يدخل فيه ذاته وصفاته، ومن جملته تكرير ~~الألفاظ المؤكدة، كقوله: " اضرب الجناة، وأكرم المؤمنين كافتهم صغيرهم ~~وكبيرهم شيخهم، وشابهم ذكرهم، وأنثاهم كيف كانوا على أي وجه وصورة كانوا، ~~ولا تغادر منهم أحدا بسبب من الأسباب، ووجه من الوجوه " ولا يزال يؤكد حتى ~~يحصل علم ضروري بمراده. أما قولهم: ما ليس بلفظ فهو تابع للفظ، فهو فاسد ~~فمن سلم أن حركة المتكلم، وأخلاقه، وعادته، وأفعاله، وتغير لونه، وتقطيب ~~وجهه وجبينه، وحركة رأسه، وتقليب عينيه تابع للفظه بل هذه أدلة مستقلة يفيد ~~اقتران جملة منها علوما ضرورية. # فإن قيل: فبم عرفت الأمة عموم ألفاظ الكتاب، والسنة، وإن لم يفهموه من ~~اللفظ؟ وبم عرف الرسول من جبريل من الله تعالى حتى عمموا الأحكام؟ قلنا: ~~أما الصحابة - رضوان الله عليهم - فقد عرفوه بقرائن أحوال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، وتكريراته، وعادته المتكررة، وعلم التابعون بقرائن أحوال ~~الصحابة، وإشاراتهم، ورموزهم، وتكريراتهم المختلفة، وأما جبريل - عليه ~~السلام -، فإن سمع من الله بغير واسطة فالله تعالى يخلق له العلم الضروري ~~بما يريده بالخطاب بكلامه المخالف لأجناس كلام الخلق، وإن رآه جبريل في ~~اللوح المحفوظ فبأن يراه مكتوبا بلغة ملكية، ودلالة قطعية لا احتمال فيها. # الدليل الخامس وهو عمدتهم: إجماع الصحابة فإنهم، وأهل اللغة بأجمعهم ~~أجروا ألفاظ الكتاب، والسنة على العموم إلا ما دل الدليل على تخصيصه، وإنهم ~~كانوا يطلبون دليل الخصوص لا دليل العموم فعملوا بقول الله تعالى: {يوصيكم ~~الله في أولادكم} [النساء: 11] # PageV01P228 # واستدلوا به على إرث فاطمة - رضي الله عنها -، حتى نقل أبو بكر - رضي ~~الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث» ~~وقوله: {الزانية والزاني} [النور: 2] ، و {والسارق والسارقة} [المائدة: 38] ~~{ومن قتل مظلوما} [الإسراء: 33] {وذروا ما بقي من الربا} [البقرة: 278] ~~{ولا تقتلوا أنفسكم} [النساء: 29] ، و {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} ~~[المائدة: 95] ، " و «لا وصية لوارث» ، " و «لا تنكح المرأة على عمتها، ~~وخالتها» و «من ألقى سلاحه فهو آمن» و «لا يرث القاتل» و «لا يقتل ms360 والد ~~بولده» إلى غير ذلك مما لا يحصى، ويدل عليه أنه لما نزل قوله تعالى: {لا ~~يستوي القاعدون من المؤمنين} [النساء: 95] الآية، قال ابن أم مكتوم ما قال ~~وكان ضريرا، فنزل قوله تعالى {غير أولي الضرر} [النساء: 95] فشمل الضرير، ~~وغيره عموم لفظ المؤمنين، ولما نزل قوله تعالى: {إنكم وما تعبدون من دون ~~الله حصب جهنم أنتم لها واردون} [الأنبياء: 98] قال بعض اليهود أنا أخصم ~~لكم محمدا فجاءه وقال: قد عبدت الملائكة، وعبد المسيح فيجب أن يكونوا من ~~حصب جهنم. فأنزل الله عز وجل: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها ~~مبعدون} [الأنبياء: 101] تنبيها على التخصيص، ولم ينكر النبي - عليه السلام ~~-، والصحابة - رضي الله عنهم - تعلقه بالعموم، وما قالوا له: لم استدللت ~~بلفظ مشترك مجمل، ولما نزل قوله تعالى {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم ~~بظلم} [الأنعام: 82] قالت الصحابة: فأينا لم يظلم؟ فبين أنه إنما أراد ظلم ~~النفاق، والكفر، واحتج عمر - رضي الله عنه - على أبي بكر الصديق - رضي الله ~~عنه - بقوله: - عليه السلام -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا ~~الله» فدفعه أبو بكر بقوله: «إلا بحقها» ، ولم ينكر عليه التعلق بالعموم، ~~وهذا، وأمثاله لا تنحصر حكايته. الاعتراض من وجهين: # أحدهما: أن هذا إن صح من بعض الأمة فلا يصح من جميعهم فلا يبعد من بعض ~~الأمة اعتقاد العموم فإنه الأسبق إلى أكثر الأفهام، ولا يسلم صحة ذلك على ~~كافة الصحابة. # الثاني: أنه لو نقل ما ذكروه عن جملة الصحابة فلم ينقل عنهم قولهم: على ~~التواتر إنا حكمنا في هذه المسائل بمجرد العموم لأجل اللفظ من غير التفات ~~إلى قرينة، فلعل بعضهم قضى باللفظ مع القرينة المسوية بين المراد باللفظ، ~~وبين بقية المسميات لعلمه بأنه لا مدخل في التأثير للفارق بين محل القطع، ~~ومحل الشك، والخلاف راجع إلى أن العموم متمسك به بشرط انتفاء قرينة مخصصة ~~أو بشرط اقتران قرينة مسوية بين المسميات، ولم يصرح الصحابة بحقيقة هذه ~~المسألة، ومجرى الخلاف فيها، وأنه متمسك به بشرط انتفاء المخصص ms361 لا بشرط ~~وجود القرينة المسوية شبه أرباب الخصوص ذهب قوم إلى أن لفظ الفقراء، ~~والمساكين، والمشركين ينزل على أقل الجمع واستدلوا بأنه القدر المستيقن ~~دخوله تحت اللفظ، والباقي مشكوك فيه، ولا سبيل إلى إثبات حكم بالشك، وهذا ~~استدلال فاسد لأن كون هذا القدر مستيقنا لا يدل على كونه مجازا في الزيادة، ~~والخلاف. في أنه لو أريد به الزيادة لكان حقيقة أو مجازا فإن الثلاثة ~~مستيقنة من لفظ العشرة، ولا يوجب مجازا في الباقي، وكون ارتفاع الحرج ~~معلوما من صيغة الأمر لا يوجب كونه مجازا في الوجوب، والندب وكون الواحد ~~مستيقنا من لفظ الناس # PageV01P229 # لا يوجب كونه مجازا في الباقي وكون الندب مستيقنا من الأمر لا يوجب كونه ~~مجازا في الوجوب وكون الفعلة الواحدة مستيقنة في الأمر لا يوجب كونه مجازا ~~في التكرار وكون البدار معلوما في الأمر لا يوجب كونه مجازا في التراخي ثم ~~نقول: هذا متناقض لأن قولهم: إن الثلاثة هو المفهوم فقط يناقض قولهم: ~~الباقي مشكوك لأنه إن كان هو المفهوم فقط فالباقي غير داخل قطعا، وإن كانوا ~~شاكين في الباقي فقد شكوا في نفس المسألة، فإن الخلاف في الباقي، وأخطئوا ~~في قولهم إن الثلاثة مفهومه فقط شبه أرباب الوقف: قد ذهب القاضي، والأشعري ~~وجماعة من المتكلمين إلى الوقف، ولهم شبه ثلاث: # الأولى: أن كون هذه الصيغ موضوعة للعموم لا يخلو إما أن تعرف بعقل أو ~~نقل، والنقل إما نقل عن أهل اللغة أو نقل عن الشارع وكل واحد إما آحاد، ~~وإما تواتر، والآحاد لا حجة فيها، والتواتر لا يمكن دعواه فإنه لو كان ~~لأفاد علما ضروريا، والعقل لا مدخل له في اللغات، وهلم جرا إلى تمام الدليل ~~الذي سقناه في بيان أن صيغة الأمر مترددة بين الإيجاب، والندب. الاعتراض أن ~~هذا مطالبة بالدليل، وليس بدليل، ومسلم أنه إن لم يدل دليل فلا سبيل إلى ~~القول به، وسنذكر وجه الدليل عليه إن شاء الله. # الثانية: أنا لما رأينا العرب تستعمل لفظ العين في مسمياته، ولفظ اللون ~~في السواد، ms362 والبياض، والحمرة استعمالا واحدا متشابها قضينا بأنه مشترك، فمن ~~ادعى أنه حقيقة في واحد، ومجاز في الآخر فهو متحكم وكذلك رأيناهم يستعملون ~~هذه الصيغ للعموم، والخصوص جميعا، بل استعمالهم لها في الخصوص أكثر، فقلما ~~وجد في الكتاب، والسنة، والكلمات المطلقة في المحاورات ما لا يتطرق إليه ~~التخصيص، فمن زعم أنه مجاز في الخصوص حقيقة في العموم كان كمن قال: هو ~~حقيقة في الخصوص مجاز في العموم، والقولان متقابلان فيجب تدافعهما ~~والاعتراف بالاشتراك. الاعتراض أن هذا أيضا يرجع إلى المطالبة بالدليل وليس ~~بدليل؛ لأن العرب تستعمل المجاز والحقيقة كما تستعمل اللفظ المشترك، ولم ~~تقيموا دليلا على أن هذا ليس من قبيل المجاز، والحقيقة بل طالبتم بالدليل ~~على أن هذا ليس من المشترك. # الشبهة الثالثة: قولهم: إنه كما يحسن الاستفهام في قول " افعل " أنه ~~للوجوب أو الندب فيحسن الاستفهام في صيغ الجمع أنه أريد به البعض أو الكل، ~~فإنه إذا قال السيد لعبده من أخذ مالي فاقتله " يحسن أن يقول: " وإن كان ~~أباك أو، ولدك؟ " فيقول: لا أو نعم، ويقول: من أطاعني فأكرمه " فيقول: " ~~وإن كان كافرا أو فاسقا؟ " فيقول: لا أو نعم، فكل ذلك مما يحسن. فلو قال " ~~اقتل كل مشرك فيقول: والمؤمن أيضا أقتله أم لا فلا يحسن هذا الاستفهام ~~لظهور التجوز به عن الخصوص قلنا: المجاز إذا كثر استعماله كان للمستفهم ~~الاحتياط في طلبه أو يحسن إذا عرف من عادة المتكلم أنه يهين الفاسق، ~~والكافر، وإن أطاعه، ويسامح الأب # PageV01P230 # في بذل المال، والقرينة تشهد للخصوص، واللفظ يشهد للعموم، ويتعارض ما ~~يورث الشك فيحسن الاستفهام. # بيان الطريق المختار عندنا في إثبات العموم: اعلم أن هذا النظر لا يختص ~~بلغة العرب بل هو جار في جميع اللغات؛ لأن صيغ العموم محتاج إليها في جميع ~~اللغات فيبعد أن يغفل عنها جميع أصناف الخلق فلا يضعونها مع الحاجة إليها. ~~ويدل على وضعها توجه الاعتراض على من عصى الأمر العام، وسقوط الاعتراض عمن ~~أطاع، ولزوم النقض، والخلف عن الخبر العام وجواز بناء الاستحلال على ms363 ~~المحللات العامة. فهذه أمور أربعة تدل على الغرض، وبيانها أن السيد إذا قال ~~لعبده: من دخل اليوم داري فأعطه درهما أو رغيفا، فأعطى كل داخل لم يكن ~~للسيد أن يعترض عليه؛ فإن عاتبه في إعطائه واحدا من الداخلين مثلا وقال: لم ~~أعطيت هذا من جملتهم، وهو قصير، وإنما أردت الطوال، أو هو أسود، وإنما أردت ~~البيض؟ فللعبد أن يقول: ما أمرتني بإعطاء الطوال، ولا البيض بل بإعطاء من ~~دخل، وهذا داخل فالعقلاء إذا سمعوا هذا الكلام في اللغات كلها رأوا اعتراض ~~السيد ساقطا، وعذر العبد متوجها وقالوا للسيد: أنت أمرته بإعطاء من دخل، ~~وهذا قد دخل، ولو أنه أعطى الجميع إلا واحدا فعاتبه السيد وقال: لم لم ~~تعطه؟ فقال العبد: لأن هذا طويل أو أبيض وكان لفظك عاما فقلت: لعلك أردت ~~القصار أو السود استوجب التأديب بهذا الكلام وقيل له: ما لك وللنظر إلى ~~الطول، واللون وقد أمرت بإعطاء الداخل فهذا معنى سقوط الاعتراض عن المطيع، ~~وتوجهه على العاصي. # وأما النقض على الخبر فإذا قال: ما رأيت اليوم أحدا وكان قد رأى جماعة ~~كان كلامه خلفا منقوضا وكذبا، فإن أردت أحدا غير تلك الجماعة كان مستنكرا، ~~وهذه كصيغ الجميع فإن النكرة في النفي تعم عند القائلين بالعموم ولذلك قال ~~الله تعالى: {إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي ~~جاء به موسى نورا وهدى للناس} [الأنعام: 91] ، وإنما أورد هذا نقضا على ~~كلامهم، فإن لم يكن عاما فلم ورد النقض عليهم؟ فإن هم أرادوا غير موسى فلم ~~لزم دخول موسى تحت اسم البشر؟ ، وأما الاستحلال بالعموم فإذا قال الرجل: ~~أعتقت عبيدي، وإمائي، ومات عقيبه، جاز لمن سمعه أن يزوج من أي عبيده شاء، ~~ويتزوج من أي جواريه شاء بغير رضا الورثة، وإذا قال: العبيد الذين هم في ~~يدي ملك فلان كان ذلك إقرارا محكوما به في الجميع، وبناء الأحكام على أمثال ~~هذه العمومات في سائر اللغات لا ينحصر، ولا خلاف في أنه لو قال: أنفق ms364 على ~~عبدي غانم أو على زوجتي زينب، أو قال: غانم حر، وزينب طالق، وله عبدان ~~اسمهما غانم، وزوجتان اسمهما زينب فتجب المراجعة والاستفهام لأنه أتى باسم ~~مشترك غير مفهوم. # فإن كان لفظ العموم فيما وراء أقل الجمع مشتركا فينبغي أن يجب التوقف على ~~العبد إذا أعطى ثلاثة ممن دخل الدار، وينبغي أن يراجع في الباقي، وليس كذلك ~~عند العقلاء كلهم في اللغات كلها. فإن قيل إن سلم لكم ما ذكرتموه فإنما ~~يسلم بسبب القرائن لا بمجرد اللفظ، فإن عري عن القرائن فلا يسلم. قلنا: كل ~~قرينة قدرتموها فعلينا أن نقدر نفيها، ويبقى حكم الاعتراض، والنقض كما سبق، ~~فإن غايتهم أن يقولوا إذا قال أنفق على عبيدي وجواري في غيبتي، كان # PageV01P231 # مطيعا بالإنقاق على الجميع، لأجل قرينة الحاجة إلى النفقة، أو أعط من دخل ~~داري، فهو بقرينة إكرام الزائر فهذا، وما يجري مجراه إذا قدروه فسبيلنا أن ~~نقدر أضدادها، فإنه لو قال: لا تنفق على عبيدي، وزوجاتي كان عاصيا بالإنفاق ~~مطيعا بالتضييع، ولو قال اضربهم لم يكن عليه أن يقتصر على ثلاثة بل إذا ضرب ~~جميعهم عد مطيعا، ولو قال: من دخل داري، فخذ منه شيئا بقي العموم بل نقدر ~~ما لا غرض في نفيه، وإثباته، فلو قال: من قال من عبيدي: جيم فقل له: صاد، ~~ومن قال من جواري: ألف فأعتقها، فامتثل أو عصى كان ما ذكرناه من سقوط ~~الاعتراض، وتوجهه جاريا، بل نعلم قطعا أنه لو ورد من صادق عرف صدقه ~~بالمعجزة، ولم يعش إلا ساعة من نهار وقال في تلك الساعة: من سرق فاقطعوه، ~~ومن زنى فاضربوه، والصلاة واجبة على كل عاقل بالغ وكذلك الزكاة، ومن قتل ~~مسلما فعليه القصاص، ومن كان له ولد فعليه النفقة، ومات عقيب هذا الكلام، ~~ولم نعرف له عادة، ولا أدركنا من أحواله قرينة، ولا صدر منه سوى هذه ~~الألفاظ إشارة، ورمزا، ولا ظهر في وجهه حالة؛ لكنا نحكم بهذه الألفاظ، ~~ونتبعها، ولا يقال: جاء بألفاظ مشتركة مجملة، ومات قبل أن يبينها فلا ms365 يمكن ~~العمل بها. # ولو قدروا قرينة في نطقه وصورة حركته عند كلامه فليقدر أنه كتب في كتاب، ~~وسلمه إلينا وقال: اعملوا بما فيه، ومات، وإن قدروا قرينة مناسبة بين هذه ~~الجنايات، والعقوبات فنقدر أمورا لا مناسبة فيها كحروف المعجم؛ فإذا قال من ~~قال لكم: ألف فقولوا: جيم، وأمثاله، فيكون جميع ذلك مفهوما معمولا به وكل ~~قرينة قدروها فنقدر نفيها، ويبقى ما ذكرنا بمجرد اللفظ، وبهذا تبين أن ~~الصحابة إنما تمسكوا بالعمومات بمجرد اللفظ، وانتفاء القرائن المخصصة لا ~~أنهم طلبوا قرينة معممة، وتسوية بين أقل الجمع، والزيادة. فإن قيل إذا قال: ~~من دخل داري فأعطه، فيحسن أن يقال: ولو كان كافرا فاسقا؟ فربما يقول: نعم، ~~وربما يقول: لا، فلو عم اللفظ فلم حسن الاستفهام؟ قلنا: لا يحسن أن يقال: ~~وإن كان طويلا أو أبيض أو محترفا، وما جرى مجراه، وإنما حسن السؤال عن ~~الفاسق لأنه يفهم من الإعطاء الإكرام، ويعلم من عادته أنه لا يكرم الفاسق ~~أو علم من عادة الناس ذلك فتوهم أنه يقتدي بالناس فيه، فلتوهم هذه القرينة ~~المخصصة حسن منه السؤال؛ ولذلك لم يحسن في سائر الصفات ولذلك لو لم يراجع، ~~وأعطى الفاسق، وعاتبه السيد فله أن يقول: أمرتني بإعطاء كل داخل، وهذا قد ~~دخل، فيقول السيد: كان ينبغي أن تعرف بعقلك أن هذا إكرام، والفاسق لا يكرم ~~فيتمسك بقرينة مخصصة، فربما يكون مقبولا، فلو لم يقل هذا، ولكن قال: كان ~~لفظي مشتركا غير مفهوم فلم أقدمت قبل السؤال؟ لم يكن هذا العتاب متوجها ~~قطعا. # فإن قيل: فقد فرضتم الكلام في أداة الشرط وقد قال بعمومه من أنكر سائر ~~العمومات، فما الدليل في سائر الصور؟ قلنا: هذا يجري في من " " وما " " ~~ومتى " " وحيث " " وأي وقت " " وأي شخص "، ونظائره، ويجري أيضا في النكرة ~~في النفي كقوله: ما رأيت أحدا مثل قوله تعالى: {ما أنزل الله على بشر من ~~شيء} [الأنعام: 91] وكذلك في قولهم كل وجميع، وأجمعون بل هو أظهر، وهو ~~النوع الثالث وكذلك في النوع الرابع، وهي صيغ الجموع ms366 كالفقراء، والمساكين، ~~وهذا أيضا جار فيه، فإنه إذا قال لعبده: أعط الفقراء واقتل المشركين، ~~واقتصر على هذا، وانتفت القرائن # PageV01P232 # جرى حكم الطاعة، والعصيان، وتوجه الاعتراض، وسقوطه كما سبق، وهو جار في ~~كل جمع إلا في بعض الجموع المبنية للتقليل كما ورد على، وزن الأفعال ~~كالأثواب والأفعلة كالأرغفة، والأفعل كالأكلب، والفعلة كالصبية وقد قال ~~سيبويه: جميع هذا للتقليل، وما عداه للتكثير وقيل أيضا جمع السلامة ~~للتقليل، وهذا بعيد، لا سيما فيما ليس فيه جمع مبني للتكثير وجمع القلة ~~أيضا لا يتقدر المراد منه بل يختلف ذلك بالقرائن، والأحوال؛ إلا أنه ليس ~~موضوعا للاستغراق. # ، وأما النوع الخامس وهو الاسم المفرد إذا دخل عليه الألف، واللام فهذا ~~فيه نظر وقد اختلفوا فيه، والصحيح التفصيل، وهو أنه ينقسم إلى ما يتميز فيه ~~لفظ الواحد عن الجنس بالهاء كالتمرة، والتمر، والبرة، والبر فإن عري عن ~~الهاء فهو للاستغراق، فقوله: «لا تبيعوا البر بالبر، ولا التمر بالتمر،» ~~يعم كل بر، وتمر، وما لا يتميز بالهاء ينقسم إلى ما يتشخص، ويتعدد ~~كالدينار، والرجل، حتى يقال: دينار واحد، ورجل واحد، وإلى ما لا يتشخص واحد ~~منه كالذهب إذ لا يقال: ذهب واحد فهذا لاستغراق الجنس، أما الدينار، ~~والرجل، فيشبه أن يكون للواحد، والألف، واللام فيه للتعريف فقط وقولهم: ~~الدينار أفضل من الدرهم يعرف بقرينة التسعير، ويحتمل أن يقال: هو دليل على ~~الاستغراق، فإنه لو قال: «لا يقتل المسلم بالكافر، ولا يقتل الرجل بالمرأة» ~~فهم ذلك في الجميع، فإنه لو قدر حيث لا مناسبة فلا يخلو عن الدلالة على ~~الجنس ### | [القول في العموم إذا خص هل يصير مجازا في الباقي] # القول في العموم إذا خص القول في العموم إذا خص هل يصير مجازا في الباقي، ~~وهل يبقى حجة؟ ، وهما نظران: # أما صيرورته مجازا فقد اختلفوا فيه على أربعة مذاهب: فقال قوم: يبقى ~~حقيقة لأنه كان متناولا لما بقي حقيقة فخروج غيره عنه لا يؤثر وقال قوم: ~~يصير مجازا لأنه وضع للعموم، فإذا أريد به غير ما وضع له بالقرينة ms367 كان ~~مجازا، وإن لم يكن هذا مجازا فلا يبقى للمجاز معنى، ولا يكفي تناوله مع ~~غيره لأنه لا خلاف أنه لو رد إلى ما دون أقل الجمع صار مجازا فإذا قال: لا ~~تكلم الناس، ثم قال: أردت زيدا خاصة كان مجازا، وإن كان هو داخلا فيه وقال ~~قوم: هو حقيقة في تناوله مجاز في الاقتصار عليه. # وهذا ضعيف، فإنه لو رد إلى الواحد كان مجازا مطلقا لأنه تغير عن وضعه في ~~الدلالة فالسارق مهما صار عبارة عن سارق النصاب خاصة فقد تغير الوضع ~~واستعمل لا على الوجه الذي وضعته العرب وقد اختار القاضي في التفريع على ~~مذهب أرباب العموم أنه صار مجازا، لكن قال إنما يصير مجازا إذا أخرج منه ~~البعض بدليل منفصل من عقل أو نقل، أما ما خرج بلفظ متصل كالاستثناء فلا ~~يجعله مجازا بل يصير الكلام بسبب الزيادة المتصلة به كلاما آخر موضوعا لشيء ~~آخر، فإنا نزيد الواو، والنون في قولنا مسلم " فنقول " مسلمون " فيدل على ~~أمر زائد، ولا نجعله مجازا، ونزيد الألف، واللام على قولنا رجل " فنقول ~~الرجل " فيزيد فائدة أخرى، وهي التعريف؛ لأن هذه صارت صيغة أخرى بهذه ~~الزيادة فجاز أن يدل على معنى آخر، ولا فرق بين أن نزيد حرفا أو كلمة، فإذا ~~قال: يقطع السارق إلا من سرق دون النصاب كان مجموع هذا الكلام موضوعا ~~للدلالة على ما دل عليه، فقوله: تعالى: {فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما} ~~[العنكبوت: 14] دل على تسعمائة، وخمسين لا على سبيل المجاز بل # PageV01P233 # الوضع كذلك وضع وكأن العرب وضعت عن تسعمائة، وخمسين عبارتين إحداهما ألف ~~سنة إلا خمسين، والأخرى تسعمائة، وخمسون، ويمكن أن يقال: ما صار عبارة ~~بالوضع عن هذا القدر بل بقي الألف للألف، والخمسون للخمسين، وإلا للرفع بعد ~~الإثبات، ونحن بعلم الحساب عرفنا أن هذا تسعمائة، وخمسون، فإنا إذا وضعنا ~~ألفا، ورفعنا خمسين علمنا مقدار الباقي بعلم الحساب فلا نقول المجموع صار ~~عبارة موضوعة عن هذا العدد، وهذا أدق، وأحق لا كزيادة الألف، واللام، ~~والياء، ms368 والنون على المسلم فإن تلك الزيادة لا معنى لها بغير اللفظ الأول. # فإن قيل لو قال الله تعالى: {فاقتلوا المشركين} [التوبة: 5] فقال الرسول ~~متصلا به: " إلا زيدا " فهل يكون هذا كالمتصل الذي لا يجعل لفظ المشركين ~~مجازا في الباقي؟ قلنا: اختلفوا فيه، والظاهر أن هذا من غير المتكلم يجري ~~مجرى الدليل المنفصل من قياس العقل، والنقل، ولهذا لو قال زيد وقال غيره ~~قام، لا يصير خبرا حتى يصدر من الأول قوله: " قام " لأن نظم الكلام إنما ~~يكون من متكلم واحد، وذلك يجعله خبرا فإن قيل: فلو أخرج بالاستثناء عن لفظ ~~المشركين الجميع إلا زيدا فهل يصير لفظ المشركين مجازا؟ قلنا: نعم، لأنه ~~للجمع بالاتفاق، والخلاف في أنه مستغرق أو غير مستغرق فهو عند أرباب العموم ~~عند الاستثناء لجمع غير مستغرق دون الاستثناء لجمع مستغرق. # وأما النظر الثاني في كونه حجة في الباقي فقد قال قوم من القائلين ~~بالعموم: إنه لا يبقى حجة بل صار مجملا، وإليه ذهبت القدرية لأنه إذا لم ~~يترك على الوضع فلا يبقى للفهم معتمد سوى القرينة وتلك القرينة غير معينة ~~فلا يهتدى إليها، ومن هؤلاء من قال: أقل الجمع يبقى لأنه مستيقن واحتج ~~القائلون بكونه مجملا بأن السارق إذا خرج منه سارق ما دون النصاب، والسارق ~~من غير الحرز، ومن يستحق النفقة، وغير ذلك، فبم يفهم المراد منه على سبيل ~~الحصر وقد خرج الوضع من أيدينا، ولا قرينة تفصل، وتحصر فيبقى مجملا؟ ، ~~والصحيح أنه يبقى حجة إلا إذا استثنى منه مجهولا، كما لو قال " اقتلوا ~~المشركين إلا رجلا أما إذا استخرج منه معلوم فإنه يبقى دليلا في الباقي؛ ~~ولأجله تمسك الصحابة بالعمومات. # وما من عموم إلا وقد تطرق إليه التخصيص، وهذا لأن لفظ السارق يتناول كل ~~سارق بالوضع لولا دليل مخصوص، والدليل المخصوص صرف دلالته عن البعض، ولا ~~مسقط لدلالته في الباقي نعم لا يدل اللفظ على إخراج ما خرج فافتقر إلى دليل ~~مخرج وقصوره عنه لا يدل على قصوره عن تناول الباقي، فمن قال: أعتق ms369 رقبة ثم ~~قال لا تعتق معيبة، ولا كافرة، لم يخرج به كلامه الأول عن كونه مفهوما، ~~والرجوع في هذا إلى عادة اللسان، وأهل اللغة، وعادات الصحابة إذ لم يطرحوا ~~جميع عمومات الكتاب، والسنة لتطرق التخصيص إليها، وعلى الجملة كلام ~~الواقفية في العموم المخصص أظهر لا محالة. # فإن قيل: قد سلمتم أنه صار مجازا فيفتقر العمل به إلى دليل إذ المجاز لا ~~يعمل به إلا بدليل قلنا: هو حقيقة في وضعه، والدليل المخصص هو الذي جعله ~~مجازا، أما سقوط دلالة المجاز فلا وجه له لا سيما المجاز المعروف، فإنا ~~نتمسك به بغير دليل زائد، كقوله تعالى: {أو جاء أحد منكم من الغائط} ~~[المائدة: 6] فإنه، وإن كان مجازا فهو معروف وكذلك التفهيم بالعمومات ~~المخصصة معروف في اللسان، ولا يمكن اطراحه. # PageV01P234 ### | [الباب الثاني في تمييز ما يمكن دعوى العموم فيه عما لا يمكن وفيه مسائل] ### | [مسألة دعوى العموم فيما ذكره الشارع على سبيل الابتداء] # الباب الثاني في تمييز ما يمكن دعوى العموم فيه عما لا يمكن تمييز ما ~~يمكن دعوى العموم فيه عما لا يمكن، وفيه مسائل: # مسألة: إنما يمكن دعوى العموم فيما ذكره الشارع على سبيل الابتداء؛ # أما ما ذكره في جواب السائل فإنه ينظر فإن أتى بلفظ مستقل لو ابتدأ به ~~كان عاما، كما سئل عن بئر بضاعة فقال: «خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء ~~إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه» وكما سئل عن ماء البحر فقال: «هو الطهور ~~ماؤه الحل ميتته» . # وأما إذا لم يكن مستقلا نظر، فإن لم يكن لفظ السائل عاما فلا يثبت العموم ~~للجواب، كما لو قال السائل: توضأت بماء البحر فقال: يجزيك، أو قال: وطئت في ~~نهار رمضان، فقال: أعتق رقبة؛ فهذا لا عموم له لأنه خطاب مع شخص واحد، ~~وإنما يثبت الحكم في حق غيره بدليل مستأنف من قياس إذا ورد التعبد بالقياس ~~أو تعلق بقوله: - عليه السلام - «حكمي على الواحد حكمي على الجماعة» وذلك ~~بشرط أن يكون حال غيره مثل حاله ms370 في كل وصف مؤثر في الحكم حتى لا يفترقا إلا ~~في الشخص، والأحوال التي لا مدخل لها في التفرقة من الطول، واللون، ~~وأمثاله، والذكورة، والأنوثة كالطول، واللون في بعض الأحكام كالعتق؛ ولذلك ~~قلنا حكمه في العبد بالسراية حكم في الأمة، وفي باب ولاية النكاح ليس كذلك، ~~إذ عرف من الشرع ترك الالتفات إلى الذكورة، والأنوثة في العتق، والرق، ولم ~~يعرف في النكاح، ولذلك نقول: روي في الصحيح أن «أبا بكر - رضي الله عنه - ~~أم بالناس في مرض النبي - صلى الله عليه وسلم - فخرج - عليه السلام - وهو ~~في أثناء الصلاة فهم بأن يتخلف فأشار عليه بالمنع، ووقف بجانبه واقتدى أبو ~~بكر بالنبي» - عليه السلام - واستمر الناس على الاقتداء بأبي بكر - رضي ~~الله عنه - وصلى الناس بصلاة أبي بكر وصلى أبو بكر بصلاة النبي - عليه ~~السلام -. # ، وفيه اقتداء الإمام بغيره واقتداء الناس بالمقتدي بغيره، وليس يظهر لنا ~~أن غير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في معنى النبي - عليه السلام -، ~~فإن التقدم عليه مع حضوره مستبعد فيما يرجع إلى الإمامة وللنبوة فيها ~~تأثير، وهذا فعل خاص لا عموم له، ودعوى الإلحاق تحكم مع ظهور الفرق، ولا ~~عموم يتعلق به، بل قوله: لعبد الرحمن بن عوف: «البس الحرير» ولأبي بردة بن ~~نيار في الأضحية «بجذعة من الضأن: تجزيك» ، وإذنه للعرنيين بشرب أبوال ~~الإبل وقوله: لعمر «مره فليراجعها» لا عموم لشيء منه فيفتقر تعميمه إلى ~~دليل مستأنف من قياس أو غيره أما ما نقل من اقتداء الناس بأبي بكر مع ~~اقتدائه بالنبي - عليه السلام - فيحتمل أن مقتدى الكل كان بالنبي وكان أبو ~~بكر سفيرا برفع الصوت بالتكبيرات. # أما إذا كان لفظ السائل عاما نزل منزلة عموم لفظ الشارع كما لو سأله سائل ~~عمن أفطر في نهار رمضان فقال: أعتق رقبة، كان كما لو قال: من أفطر في نهار ~~رمضان أعتق رقبة لأنه يجيب عن السؤال فلا يكون الجواب إلا مطابقا للسؤال أو ~~أعم منه فأما أخص منه فلا. أما لو قال السائل: أفطر زيد ms371 في نهار رمضان ~~فقال: عليه عتق رقبة أو قال طلق ابن عمر زوجته، فقال: «مره فليراجعها» فهذا ~~لا عموم له، فلعله عرف من حاله ما يوجب العتق، والمراجعة عليه خاصة، ولا ~~نعرف ما تلك الحال، ومن الذي يساويه فيها، ولا يدرى أنه أفطر عمدا، وسهوا ~~أو بأكل أو جماع فإن قيل ترك الاستفصال مع تعارض الأحوال يدل على عموم ~~الحكم، وهذا من كلام الشافعي قلنا: من أين تحقق # PageV01P235 # ذلك؟ ولعله - عليه السلام - عرف خصوص الحال فأجاب بناء على معرفته، ولم ~~يستفصل، فهذا تقرير عموم بالوهم المجرد. ### | [مسألة ورود العام على سبب خاص لا يسقط دعوى العموم] # ورود العام على سبب خاص لا يسقط دعوى العموم، # كقوله: - صلى الله عليه وسلم - حيث مر بشاة ميمونة «أيما إهاب دبغ فقد ~~طهر» وقال قوم: يسقط عمومه، وهو خطأ، نعم يصير احتمال التخصيص أقرب، ويقنع ~~فيه بدليل أخف، وأضعف، وقد يعرف بقرينة اختصاصه بالواقعة كما إذا قيل كلم ~~فلانا في واقعة، فقال: والله لا أكلمه أبدا فإنه يفهم بالقرينة أنه يريد ~~ترك الكلام في تلك الواقعة لا على الإطلاق. # والدليل على بقاء العموم أن الحجة في لفظ الشارع لا في السؤال، والسبب ~~ولذلك يجوز أن يكون الجواب معدولا عن سنن السؤال حتى لو قال السائل: أيحل ~~شرب الماء، وأكل الطعام والاصطياد؟ فيقول: الأكل واجب، والشرب مندوب، ~~والصيد حرام فيجب اتباع هذه الأحكام، وإن كان فيه حظر، ووجوب، والسؤال وقع ~~عن الإباحة فقط؛ وكيف ينكر هذا، وأكثر أصول الشرع خرجت على أسباب كقوله ~~تعالى: {، والسارق والسارقة} [المائدة: 38] في سرقة المجن أو رداء صفوان، ~~ونزلت آية الظهار في سلمة بن صخر، وآية اللعان في هلال بن أمية وكل ذلك على ~~العموم. وشبه المخالفين ثلاث: الأولى: أنه لو لم يكن للسبب تأثير، والنظر ~~إلى اللفظ خاصة فينبغي أن يجوز إخراج السبب بحكم التخصيص عن عموم المسميات ~~كما لو لم يرد على سبب قلنا: لا خلاف في أن كلامه بيان للواقعة، لكن الكلام ~~في أنه بيان له خاصة ms372 أو له ولغيره، واللفظ يعمه، ويعم غيره، وتناوله له ~~مقطوع به، وتناوله لغيره ظاهر، فلا يجوز أن يسأل عن شيء فيجيب عن غيره نعم ~~يجوز أن يجيب عنه، وعن غيره، ويجوز أيضا أن يجيب عن غيره بما ينبه على محل ~~السؤال، كما «قال لعمر: أرأيت لو تمضمضت» وقد سأله عن القبلة وقال ~~للخثعمية: «أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيتيه» . # الشبهة الثانية: أنه لو لم يكن للسبب مدخل لما نقله الراوي، إذ لا فائدة ~~فيه. قلنا: فائدته معرفة أسباب التنزيل، والسير، والقصص، واتساع علم ~~الشريعة، وأيضا امتناع إخراج السبب بحكم التخصيص بالاجتهاد؛ ولذلك غلط أبو ~~حنيفة - رحمه الله - في إخراج الأمة المستفرشة من قوله: «الولد للفراش» ~~والخبر إنما ورد في وليدة زمعة إذ قال عبد بن زمعة هو أخي، وابن وليدة أبي ~~ولد على فراشه، فقال - عليه السلام -: «الولد للفراش وللعاهر الحجر» فأثبت ~~للأمة فراشا،، وأبو حنيفة لم يبلغه السبب فأخرج الأمة من العموم. # الشبهة الثالثة: أنه لولا أن المراد بيان السبب لما أخر البيان إلى وقوع ~~الواقعة، فإن الغرض إذا كان تمهيد قاعدة عامة فلم أخرها إلى وقوع واقعة؟ ~~قلنا: ولم قلتم لا فائدة في تأخيره، والله تعالى أعلم بفائدته؟ ولم طلبتم ~~لأفعال الله فائدة؟ بل لله تعالى أن ينشئ التكليف في أي وقت شاء، ولا يسأل ~~عما يفعل. ثم نقول: لعله علم أن تأخيره إلى الواقعة لطف، ومصلحة للعباد ~~داعية إلى الانقياد، ولا يحصل ذلك بالتقديم، والتأخير. ثم نقول: يلزم لهذه ~~العلة اختصاص الرجم بماعز، والظهار، واللعان وقطع السرقة بالأشخاص الذين ~~ورد فيهم؛ لأن الله تعالى أخر البيان إلى وقوع وقائعهم، وذلك خلاف الإجماع. # PageV01P236 ### | [مسألة المقتضى لا عموم له] # المقتضى لا عموم له، وإنما العموم للألفاظ لا للمعاني # فتضمنها من ضرورة الألفاظ. بيانه أن قوله: «لا صيام لمن لم يبيت الصيام» ~~ظاهره ينفي صورة الصوم حسا لكن وجب رده إلى الحكم، وهو نفي الإجزاء أو ~~الكمال وقد قيل إنه: متردد بينهما فهو مجمل وقيل: إنه عام لنفي الإجزاء، ms373 ~~والكمال، وهو غلط نعم لو قال: لا حكم لصوم بغير تبييت لكان الحكم لفظا عاما ~~في الإجزاء، والكمال، أما إذا قال لا صيام، فالحكم غير منطوق به، وإنما ~~أثبت ذلك من طريق الضرورة. # وكذلك قوله: - عليه السلام -: «رفع عن أمتي الخطأ، والنسيان» معناه حكم ~~الخطإ، والنسيان، ولا عموم له، ولو قال لا حكم للخطإ لأمكن حمله على نفي ~~الإثم، والغرم، وغير ذلك لا على العموم في الإجزاء، والكمال؛ لأن الإجزاء، ~~والصحة إذا انتفيا كان انتفاء الكمال ضرورة، وإنما العموم ما يشتمل على ~~معنيين يمكن انتفاء كل واحد منهما دون الآخر ### | [مسألة الفعل المتعدي إلى مفعول] # اختلفوا في أنه بالإضافة إلى مفعولاته هل يجري مجرى العموم الفعل المتعدي ~~إلى مفعول اختلفوا في أنه بالإضافة إلى مفعولاته هل يجري مجرى العموم؟ # فقال أصحاب أبي حنيفة: لا عموم له حتى لو قال: والله لا آكل، ونوى طعاما ~~بعينه، أو قال: إن أكلت فأنت طالق، ونوى طعاما بعينه لم يقبل، وكذلك إذا ~~نوى بالضرب آلة بعينها. واستدل أصحاب أبي حنيفة بأن هذا من قبيل المقتضى ~~فلا عموم له، لأن الأكل يستدعي مأكولا بالضرورة لا أن اللفظ تعرض له، فما ~~ليس منطوقا لا عموم له فالمكان للخروج، والطعام للأكل، والآلة للضرب كالوقت ~~للفعل، والحال للفاعل، ولو قال: " أنت طالق " ثم قال: " أردت به إن دخلت ~~الدار " أو " أردت به يوم الجمعة " لم يقبل. وكذلك قالوا: لو نوى بقوله: " ~~أنت طالق " عددا لم يجزه وجوز أصحاب الشافعي ذلك، والإنصاف أن هذا ليس من ~~قبيل المقتضى، ولا هو من قبيل الوقت، والحال، فإن اللفظ المتعدي إلى ~~المفعول يدل على المفعول بصيغته، ووضعه، فأما الحال، والوقت فمن ضرورة وجود ~~الأشياء لكن لا تعلق له بالألفاظ، والمقتضى هو ضرورة صدق الكلام كقوله: لا ~~صيام، أو ضرورة وجود المذكور كقوله: أعتق عني فإنه على حصول الملك قبله لا ~~من حيث اللفظ لكن من حيث كون الملك شرطا لتصور العتق شرعا، أما الأكل فيدل ~~على المأكول، والضرب على الآلة، والخروج على ms374 المكان، وتتشابه نسبته إلى ~~الجميع فهو بالعموم أشبه. # فإن قيل لا خلاف في أنه لو أمر بالأكل، والضرب، والخروج كان ممتثلا بكل ~~طعام، وبكل آلة وكل مكان، ولو علق العتق حصل بالجميع، فهذا يدل على العموم. ~~قلنا: ليس ذلك لأجل العموم، ولكن لأجل أن ما علق عليه وجدوا الآلة، ~~والمكان، والمأكول غير متعرض له أصلا، حتى لو تصور هذه الأفعال دون الطعام، ~~والآلة، والمكان، والمأكول يحصل الامتثال، وهو كالوقت، والحال فإنه إن أكل، ~~وهو داخل في الدار أو خارج وراكب أو راجل حنث وكان ممتثلا لا لعموم اللفظ ~~لكن لحصول الملفوظ في الأحوال كلها، وإنما تظهر فائدة العموم في إرادة بعض ~~هذه الأمور.، والأظهر عندنا جواز نية البعض، وأنه جار مجرى العموم، ومفارق ~~للمقتضى كما ذكرنا ### | [مسألة دعوى العموم في الفعل] # مسألة لا يمكن دعوى العموم في الفعل # دعوى العموم في الفعل # لأن الفعل لا يقع إلا على وجه معين، فلا يجوز أن يحمل على كل وجه يمكن أن ~~يقع عليه لأن سائر الوجوه متساوية بالنسبة إلى # PageV01P237 # محتملاته، والعموم ما يتساوى بالنسبة إلى دلالة اللفظ عليه، بل الفعل ~~كاللفظ المجمل المتردد بين معان متساوية في صلاح اللفظ. # ومثاله ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه صلى بعد غيبوبة ~~الشفق» فقال قائل: الشفق شفقان الحمرة، والبياض، وأنا أحمله على وقوع صلاة ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعدهما جميعا وكذلك صلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - في الكعبة فليس لقائل أن يستدل به على جواز الفرض في ~~البيت مصيرا إلى أن الصلاة تعم النفل، والفرض لأنه إنما يعم لفظ الصلاة لا ~~فعل الصلاة، أما الفعل فإما أن يكون فرضا فلا يكون نفلا أو يكون نفلا فلا ~~يكون فرضا. ### | [مسألة فعل النبي] # - عليه السلام - كما لا عموم له بالإضافة إلى أحوال الفعل فلا عموم له ~~بالإضافة إلى غيره # بل يكون خاصا في حقه إلا أن يقول: أريد بالفعل بيان حكم الشرع في حقكم ~~كما قال «صلوا كما رأيتموني أصلي» ms375 بل نزيد، ونقول: قوله تعالى: {يا أيها ~~النبي اتق الله} [الأحزاب: 1] وقوله: {لئن أشركت ليحبطن عملك} [الزمر: 65] ~~يختص به بحكم اللفظ، وإنما يشاركه غيره بدليل لا بموجب هذا اللفظ، كقوله: ~~{يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} [المائدة: 67] وقوله تعالى: ~~{فاصدع بما تؤمر} [الحجر: 94] وقال قوم ما ثبت في حقه فهو ثابت في حق غيره ~~إلا ما دل الدليل على أنه خاص به، وهذا فاسد لأن الأحكام إذ قسمت إلى خاص، ~~وعام فالأصل اتباع موجب الخطاب فما ثبت بمثل قوله تعالى: {يا أيها الذين ~~آمنوا} [البقرة: 104] ، و {يا أيها الناس} [البقرة: 21] ، و {يا عبادي} ~~[الزمر: 53] ، ويا {أيه المؤمنون} [النور: 31] فيتناول النبي إلا ما استثني ~~بدليل، وما ثبت للنبي كقوله: {يا أيها النبي} [الأنفال: 64] فيختص به إلا ~~ما دل الدليل على الإلحاق. # وقوله تعالى: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء} [الطلاق: 1] عام لأن ذكر ~~النبي جرى في صدر الكلام تشريفا، وإلا فقوله: {طلقتم} [الطلاق: 1] عام في ~~صيغته. وكذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي هريرة " افعل " ولابن ~~عمر " راجعها " خاص إنما يشمل الحكم غيره بدليل آخر مثل قوله: «حكمي على ~~الواحد حكمي على الجماعة» أو ما جرى مجراه. ### | [مسألة قول الصحابي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كذا] # مسألة قول الصحابي: " نهى النبي - عليه السلام - عن كذا " كبيع الغرر، ~~ونكاح الشغار، وغيره لا عموم له لأن الحجة في المحكي لا في قول الحاكي، ~~ولفظه، وما رواه الصحابي من حكى النهي يحتمل أن يكون فعلا لا عموم له نهى ~~عنه النبي - عليه السلام -، ويحتمل أن يكون لفظا خاصا، ويحتمل أن يكون لفظا ~~عاما فإذا تعارضت الاحتمالات لم يكن إثبات العموم بالتوهم؛ فإذا قال ~~الصحابي: " نهي عن بيع الرطب بالتمر " فيحتمل أن يكون قد رأى شخصا باع رطبا ~~بتمر فنهاه فقال الراوي ما قال، ويحتمل أن يكون قد سمع الرسول - عليه ~~السلام - ينهى عنه، ويقول: " أنهاكم عن بيع الرطب بالتمر "، ويحتمل أن يكون ~~قد سئل عن واقعة معينة فنهى ms376 عنها فالتمسك بعموم هذا تمسك بتوهم العموم لا ~~بلفظ عرف عمومه بالقطع، وهذا على مذهب من يرى هذا حجة في أصل النهي. # وقد قال قوم: لا بد أن يحكي الصحابي قول الرسول، ولفظه، وإلا فربما سمع ~~ما يعتقده نهيا باجتهاده، ولا يكون نهيا، فإن قوله: " لا تفعل " فيه خلاف ~~أنه للنهي أم لا وكذلك في ألفاظ أخر. وكذلك إذا قال " نسخ " # PageV01P238 # فلا يحتج به ما لم يقل " سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول نسخت ~~آية كذا " لأنه ربما يرى ما ليس بنسخ نسخا، وهذا قد ذكرناه في باب الإخبار، ~~وهو أصل السنة في القطب الثاني ### | [مسألة قول الصحابي قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالشفعة للجار وبالشاهد واليمين] # » كقوله: " نهى " في أنه لا عموم له لأنه حكاية، والحجة في المحكي، ولعله ~~حكم في عين أو بخطاب خاص مع شخص فكيف يتمسك بعمومه فيقال مثلا يقضى ~~بالشاهد، واليمين في البضع أو في الدم؛ لأن الراوي أطلق مع أن للراوي أن ~~يطلق. هذا إذا رآه قد قضى في مال أو في بضع بل لو قال الصحابي: " سمعته ~~يقول: قضيت بالشفعة للجار " فهذا يحتمل الحكاية عن قضاء لجار معروف، ويكون ~~الألف، واللام للتعريف وقوله: " قضيت " حكاية فعل ماض. فأما لو قال " قضيت ~~بأن الشفعة للجار " فهذا أظهر في الدلالة على التعريف للحكم دون الحكاية، ~~ولو قال الراوي: " قضى النبي - عليه السلام - بأن الشفعة للجار " اختلفوا ~~فيه؛ فمنهم من جعله عاما، ومنهم من قال يجوز أن يكون قد قضى في واقعة بأن ~~الشفعة للجار؛ فدعوى العموم فيه حكم بالتوهم. ### | [مسألة دعوى العموم في واقعة لشخص معين قضى فيها النبي] # مسألة لا يمكن دعوى العموم في واقعة لشخص معين قضى فيها النبي - عليه ~~السلام - بحكم، وذكر علة حكمه # أيضا إذا أمكن اختصاص العلة بصاحب الواقعة، مثاله: حكمه في أعرابي محرم ~~وقصت به ناقته: «لا تخمروا رأسه، ولا تقربوه طيبا فإنه يحشر يوم القيامة ~~ملبيا» فإنه يحتمل أن يقال: إما لأنه وقصت به ناقته محرما ms377 لا بمجرد إحرامه ~~أو لأنه علم من نيته أنه كان مخلصا في عبادته، وأنه مات مسلما، وغيره لا ~~يعلم موته على الإسلام فضلا عن الإخلاص، وكذلك قال - عليه السلام - في قتلى ~~أحد «زملوهم بكلومهم، ودمائهم فإنهم يحشرون، وأوداجهم تشخب دما» يجوز أن ~~يكون لقتلى أحد خاصة لعلو درجتهم أو لعلمه أنهم أخلصوا لله فهم شهداء حقا، ~~ولو صرح بأن ذلك خاصيتهم قبل ذلك، فاللفظ خاص، والتعميم وهم، والشافعي - ~~رحمه الله - تعالى عم هذا الحكم نظرا إلى العلة، وأن ذلك كان بسبب الجهاد، ~~والإحرام، وأن العلة حشرهم على هذه الصفات، وعلة حشرهم الجهاد أو الإحرام ~~وقد وقعت الشركة في العلة. # وهذا أسبق إلى الفهم، لكن خلافه - وهو الذي اختاره القاضي - ممكن ~~والاحتمال متعارض، والحكم بأحد الاحتمالين لأنه أسبق إلى الفهم فيه نظر، ~~فإن الحكم بالعموم إنما أخذ من العادة، ومن وضع اللسان، ولم يثبت ههنا في ~~مثل هذه الصورة لا وضع، ولا عادة فلا يكون في معنى العموم. ### | [مسألة من يقول بالمفهوم قد يظن للمفهوم عموما] # ، ويتمسك به، # ، وفيه نظر لأن العموم لفظ تتشابه دلالته بالإضافة إلى المسميات، ~~والمتمسك بالمفهوم، والفحوى ليس متمسكا بلفظ بل بسكوت، فإذا قال - عليه ~~السلام -: «في سائمة الغنم زكاة» فنفي الزكاة في المعلوفة ليس بلفظ حتى يعم ~~اللفظ أو يخص، وقوله تعالى: {فلا تقل لهما أف} [الإسراء: 23] دل على تحريم ~~الضرب لا بلفظه المنطوق به حتى يتمسك بعمومه، وقد ذكرنا أن العموم للألفاظ ~~لا للمعاني، ولا للأفعال. # PageV01P239 ### | [مسألة من مقتضيات العموم الاقتران بالعام والعطف عليه] # مسألة ظن قوم أن من مقتضيات العموم الاقتران بالعام، والعطف عليه. # وهو غلط إذ المختلفان قد تجمع العرب بينهما فيجوز أن يعطف الواجب على ~~الندب، والعام على الخاص، فقوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن} ~~[البقرة: 228] عام وقوله: بعد: {وبعولتهن أحق بردهن في ذلك} [البقرة: 228] ~~خاص وقوله تعالى: {كلوا من ثمره} [الأنعام: 141] إباحة وقوله بعده: {وآتوا ~~حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] إيجاب وقوله تعالى: {فكاتبوهم} [النور: 33] ~~استحباب وقوله: {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} ms378 [النور: 33] إيجاب ### | [مسألة الاسم المشترك بين مسميين لا يمكن دعوى العموم فيه] # عندنا خلافا للقاضي، والشافعي لأن المشترك لم يوضع للجمع، مثاله القرء ~~للطهر، والحيض، والجارية للسفينة، والأمة، والمشترى للكوكب السعد وقابل ~~البيع، والعرب ما وضعت هذه الألفاظ وضعا يستعمل في مسمياتها إلا على سبيل ~~البدل، أما على سبيل الجمع فلا. نعم نسبة المشترك إلى مسمياته متشابهة، ~~ونسبة العموم إلى آحاد المسميات متشابهة، لكن تشابه نسبة كل واحد من آحاد ~~العموم على الجمع، ونسبة كل واحد من آحاد المشترك على البدل، وتشابه نسبة ~~المفهوم في السكوت عن الجمع لا في الدلالة، وتشابه نسبة الفعل في إمكان ~~وقوعه على كل وجه إذ الصلاة المعينة إذا تلقيت من فعل النبي - عليه السلام ~~- أمكن أن تكون فرضا، ونفلا، وأداء وقضاء، وظهرا، وعصرا، والإمكان شامل ~~بالإضافة إلى علمنا، أما الواقع في نفسه، وفي علم الله تعالى واحد متعين لا ~~يحتمل غيره فهذه أنواع التشابه، والوهم سابق إلى التسوية بين المتشابهات، ~~وأنواع هذا التشابه متشابهة من وجه فربما يسبق إلى بعض الأوهام أن العموم ~~كان دليلا لتشابه نسبة اللفظ إلى المسميات، والتشابه ههنا موجود فيثبت حكم ~~العموم، وهو غفلة عن تفصيل هذا التشابه، وإن تشابه نسبة العموم إلى مسمياته ~~في دلالته على الجمع بخلاف هذه الأنواع. احتج القاضي بأنه لو ذكر اللفظ ~~مرتين، وأراد في كل مرة معنى آخر جاز، فأي بعد في أن يقتصر على مرة واحدة، ~~ويريد به كلا المعنيين مع صلاح اللفظ للكل؟ بخلاف ما إذا قصد بلفظ المؤمنين ~~الدلالة على المؤمنين، والمشركين جميعا فإن لفظ المؤمنين لا يصلح للمشركين ~~بخلاف اللفظ المشترك. فنقول: إن قصد باللفظ الدلالة على المعنيين جميعا ~~بالمرة الواحدة فهذا ممكن لكن يكون قد خالف الوضع كما في لفظ المؤمنين فإن ~~العرب وضعت اسم العين للذهب، والعضو الباصر على سبيل البدل لا على سبيل ~~الجمع فإن قيل اللفظ الذي هو حقيقة في شيء مجاز في غيره هل يطلق لإرادة ~~معنييه جميعا مثل النكاح للوطء، والعقد، واللمس للمس وللوطء ms379 حتى يحمل قوله: ~~{ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} [النساء: 22] على وطء الأب، وعقده ~~جميعا وقوله تعالى: {أو لامستم النساء} [المائدة: 6] على الوطء، والمس ~~جميعا قلنا: هذا عندنا كاللفظ المشترك. # وإن كان التعميم فيه أقرب قليلا وقد نقل عن الشافعي - رحمه الله - أنه ~~قال: أحمل آية اللمس على المس، والوطء جميعا، وإنما قلنا: إن هذا أقرب لأن ~~المس مقدمة الوطء، والنكاح أيضا يراد للوطء فهو مقدمته ولأجله استعير للعقد ~~اسم النكاح الذي # PageV01P240 # وضع للوطء واستعير للوطء اسم اللمس؛ فلتعلق أحدهما بالآخر ربما لا يبعد ~~أن يقصدا جميعا باللفظ المذكور مرة واحدة؛ لكن الأظهر عندنا أن ذلك أيضا ~~على خلاف عادة العرب فإن قيل: فقد قال الله تعالى: {إن الله وملائكته يصلون ~~على النبي} [الأحزاب: 56] ، والصلاة من الله مغفرة، ومن الملائكة استغفار، ~~وهما معنيان مختلفان والاسم مشترك وقد ذكر مرة واحدة، وأريد به المعنيان ~~جميعا وكذلك قوله تعالى: {ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في ~~الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب} [الحج: 18] ، وسجود ~~الناس غير سجود الشجر، والدواب بل هو في الشجر مجاز قلنا: هذا يعضد ما ذكره ~~الشافعي - رحمه الله -، ويفتح هذا الباب في معنيين يتعلق أحدهما بالآخر، ~~فإن طلب المغفرة يتعلق بالمغفرة، لكن الأظهر عندنا أن هذا إنما أطلق على ~~المعنيين بإزاء معنى واحد مشترك بين المعنيين، وهو العناية بأمر الشيء ~~لشرفه، وحرمته، والعناية من الله مغفرة، ومن الملائكة استغفار، ودعاء، ومن ~~الأمة دعاء وصلوات، وكذلك العذر عن السجود. ### | [مسألة ما ورد من الخطاب مضافا إلى الناس والمؤمنين يدخل تحته العبد] # كقوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت} [آل عمران: 97] ، وأمثاله، وقال ~~قوم: لا يدخل تحته لأنه مملوك للآدمي بتمليك الله تعالى فلا يتناوله إلا ~~خطاب خاص به، وهذا هوس لأنه لم يخرج عن معظم التكاليف، وخروجه عن بعضها ~~كخروج المريض، والحائض، والمسافر، وذلك لا يوجب رفع العموم فلا يجوز إخراجه ~~إلا بدليل خاص ### | [مسألة يدخل الكافر تحت خطاب الناس وكل لفظ عام] ms380 # لأنا بينا أن خطابه بفروع العبادات ممكن، وإنما خرج عن بعضها بدليل خاص، ~~ومن الناس من أنكر ذلك، وهو باطل لما قررناه في أحكام التكاليف ### | [مسألة يدخل النساء تحت الحكم المضاف إلى الناس] # ، فأما المؤمنون، والمسلمون وصيغ جمع الذكور اختلفوا فيه فقال قوم: تدخل ~~النساء تحته لأن الذكور، والإناث إذا اجتمعوا غلبت العرب التذكير، واختار ~~القاضي أنها لا تدخل، وهو الأظهر لأن الله تعالى ذكر المسلمين، والمسلمات، ~~والمؤمنين، والمؤمنات فجمع الذكور متميز. نعم إذا اجتمعوا في الحكم، وأراد ~~الإخبار تجوز العرب الاقتصار على لفظ التذكير، أما ما ينشأ على سبيل ~~الابتداء، ويخصه بلفظ المؤمنين فإلحاق المؤمنات إنما يكون بدليل آخر من ~~قياس أو كونه في معنى المنصوص أو ما جرى مجراه. ### | [مسألة لا يدخل النبي تحت الخطاب الخاص بالأمة] # مسألة كما لا تدخل الأمة تحت خطاب النبي - صلى الله عليه وسلم - # في قوله: {يا أيها النبي} [الأنفال: 64] لا يدخل النبي تحت الخطاب الخاص ~~بالأمة. أما الخطاب بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا} [البقرة: 104] ، و ~~{يا أيها الناس} [البقرة: 21] فيدخل النبي تحته لعموم هذه الألفاظ. # وقال. قوم: لا يدخل؛ لأنه قد خص بالخطاب في أحكام فلا يلزمه إلا الخطاب ~~الذي يخصه، وهو فاسد # PageV01P241 # لأنه قد خص المسافر، والعبد، والحائض، والمريض بأحكام، ولا يمنع ذلك، ~~دخولهم تحت العموم حيث يعم الخطاب كذلك ههنا. ### | [مسألة المخاطبة شفاها لا يمكن دعوى العموم فيها] # بالإضافة إلى جميع الحاضرين، فإذا قال لجميع نسائه الحاضرات: " طلقتكن " ~~ولجميع عبيده " أعتقتكم " فإنما يكون مخاطبا من جملتهم من أقبل عليه بوجهه ~~وقصد خطابه، وذلك يعرف بصورته، وشمائله، والتفاته، ونظره، فقد يحضره جماعة ~~من الغلمان من البالغين، والصبيان فيقول " اركبوا معي " ويريد به أهل ~~الركوب منهم دون من ليس أهلا له، فلا يتناول خطابه إلا من قصده، ولا يعرف ~~قصده إلا بلفظه أو شمائله الظاهرة فلا يمكن دعوى العموم فيها، فنقول على ~~هذا كل حكم يدل بصيغة المخاطبة كقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا} ~~[البقرة: 104] ، و {يا أيها الناس} [البقرة: 21] فهو ms381 خطاب مع الموجودين في ~~عصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإثباته في حق من يحدث بعده بدليل ~~زائد دال على أن كل حكم ثبت في زمانه فهو دائم إلى يوم القيامة على كل ~~مكلف، ولولاه لم يقتض مجرد اللفظ ذلك، ولما ثبت ذلك أفاد مثل هذه الألفاظ ~~فائدة العموم لاقتران الدليل الآخر بها لا بمجرد الخطاب فإن قيل: فإذا كان ~~الخطاب خاصا مع شخص مشافهة أو مع جمع فهل يدل على العموم مثل قوله تعالى: ~~{وما أرسلناك إلا كافة للناس} [سبأ: 28] وقوله: - عليه السلام -: «بعثت إلى ~~الناس كافة، وبعثت إلى الأحمر، والأسود» وقوله: «حكمي على الواحد حكمي على ~~الجماعة» . # وقوله تعالى: {واتقون يا أولي الألباب} [البقرة: 197] ، و {يا أيها ~~الناس} [البقرة: 21] ، وأمثاله؟ قلنا: لا، بل عرف الصحابة عموم الحكم ~~الثابت في عصره للأعصار وكلها بقرائن كثيرة، وعرفنا ذلك من الصحابة ضرورة، ~~ومجرد هذه الألفاظ ليست قاطعة فإنه، وإن كان مبعوثا إلى الكافة فلا يلزم ~~تساويهم في الأحكام، فهو مبعوث إلى الحر، والعبد، والحائض، والطاهر، ~~والمريض، والصحيح ليعرفهم أحكامهم المختلفة وكذلك قوله تعالى: {لأنذركم به ~~ومن بلغ} [الأنعام: 19] أي: ينذر كل قوم بل كل شخص بحكمه فيكون شرعه عاما ~~وقوله: حكمي على الواحد حكمي على الجماعة لا يتناول إلا عصره، فإن الجماعة ~~عبارة عن الموجودين فلا يتناول من بعده. فإن قيل فهل يدل على عموم الحكم ~~أنه كان إذا أراد التخصيص خصص وقال «تجزئ عنك، ولا تجزئ عن أحد بعدك» ، ~~وحلل الحرير لعبد الرحمن بن عوف خاصة؟ قلنا: لا، لأنه ذكره حيث قدم عموما ~~أو حيث توهم أنهم يلحقون غيره به للتعبد بالقياس وكذلك قوله تعالى: {خالصة ~~لك من دون المؤمنين} [الأحزاب: 50] لا يدل على أن الخطاب معه خطاب مع الأمة ~~لمثل ما ذكرناه. ### | [مسألة من الصيغ ما يظن عموما وهي إلى الإجمال أقرب] # مثل من يتمسك في إيجاب الوتر بقوله {وافعلوا الخير} [الحج: 77] مصيرا إلى ~~أن ظاهر الأمر الوجوب، والخير اسم عام، وإخراج ما قام الدليل على نفي وجوبه ms382 ~~لا يمنع التمسك به وكمن يستدل على منع قتل المسلم بالذمي بقوله تعالى: {ولن ~~يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا} [النساء: 141] ، وأن ذلك يفيد منع ~~السلطنة إلا ما دل عليه الدليل من الدية، والضمان، والشركة، وطلب الثمن، ~~وغيره أو يستدل بقوله: {لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة} [الحشر: 20] # PageV01P242 # وأن إيجاب القصاص تسوية، وهذا كله مجمل، ولفظ " الخير "، ولفظ " السبيل " ~~ولفظ " الاستواء " إلى الإجمال أقرب. # وينضم إليه أن المستثنى من هذه العمومات ليس داخلا تحت الحصر، وليس ~~مضبوطا بضابط واحد، ولا بضوابط محصورة، وإن لم ينحصر المستثنى كان المستثنى ~~مجهولا، وليس من هذا القبيل قوله: «فيما سقت السماء العشر» وقد قال قوم: لا ~~يتمسك بعمومه لأن المقصود ذكر الفصل بين العشر، ونصف العشر، وهذا فاسد لأن ~~صيغة ما صيغته شرط وضع للعموم بخلاف لفظ السبيل، والخير والاستواء. نعم ~~تردد الشافعي في قوله تعالى: {وأحل الله البيع} [البقرة: 275] في أنه عام ~~أو مجمل من حيث إن الألف، واللام احتمل أن يكون فيه للتعريف، ومعناه: وأحل ~~الله البيع الذي عرف الشرع بشرطه. ### | [مسألة المخاطب يندرج تحت الخطاب العام] # وقال قوم: لا يندرج تحت خطابه بدليل قوله تعالى: {وهو رب كل شيء} ~~[الأنعام: 164] ، ولا يدخل هو تحته، وبدليل قول القائل لغلامه: من دخل ~~الدار فأعطه درهما فإنه لا يحسن أن يعطي السيد، وهذا فاسد لأن الخطاب عام، ~~والقرينة هي التي أخرجت المخاطب مما ذكروه، ويعارضه قوله: {وهو بكل شيء ~~عليم} [البقرة: 29] ، وهو عالم بذاته، ويتناوله اللفظ، ومجرد كونه مخاطبا ~~ليس قرينة قاضية بالخروج عن العموم في كل خطاب بل القرائن فيه تتعارض، ~~والأصل اتباع العموم في اللفظ. ### | [مسألة إفادة اسم الفرد العموم] # مسألة اسم الفرد، وإن لم يكن على صيغة الجمع يفيد فائدة العموم في ثلاثة ~~مواضع # أحدها: كقوله: «لا تبيعوا البر بالبر» ، والثاني: النفي في النكرة لأن ~~النكرة في النفي تعم، كقولك: ما رأيت رجلا لأن النفي لا خصوص له بل هو مطلق ~~فإذا أضيف إلى منكر لم يتخصص بخلاف قوله: رأيت رجلا ms383 فإنه إثبات، والإثبات ~~يتخصص في الوجود، فإذا أخبر عنه لم يتصور عمومه، وإذا أضيف إلى مفرد اختص ~~به. # الثالث: أن يضاف إليه أمر أو مصدر، والفعل بعد غير واقع بل منتظر كقوله: ~~" أعتق رقبة " وقوله تعالى: {فتحرير رقبة} [النساء: 92] فإنه ما من رقبة ~~إلا، وهو ممتثل بإعتاقها والاسم متناول للكل فنزل منزلة العموم، بخلاف ~~قوله: أعتقت رقبة فإنه إخبار عن ماض قد تم وجوده، ولا يدخل في الوجود إلا ~~فعل خاص ### | [مسألة صرف العموم إلى غير الاستغراق] # جائز، وهو معتاد، أما رده إلى ما دون أقل الجمع فغير جائز، ولا بد من ~~بيان أقل الجمع وقد اختلفوا فيه، فقال عمر، وزيد بن ثابت إنه اثنان، وبه ~~قال مالك وجماعة وقال ابن عباس، والشافعي، وأبو حنيفة ثلاثة حتى قال ابن ~~عباس لعثمان حين رد الأم من الثلث إلى السدس بأخوين: ليس الأخوان إخوة في ~~لغة قومك، فقال: حجبها قومك يا غلام وقال ابن مسعود إذا اقتدى بالإمام ~~ثلاثة اصطفوا خلفه، وإذا اقتدى اثنان وقف كل واحد عن جانب.، وهذا يشعر من ~~مذهبه بأنه يرى أقل الجمع ثلاثة، وليس من حقيقة هذا الخلاف منع جمع الاثنين ~~بلفظ يعمهما فإن ذلك جائز، ومعتاد، لكن الخلاف في أن لفظ الناس، والرجال، ~~والفقراء، وأمثاله يطلق على ثلاثة فما زاد حقيقة، # PageV01P243 # وهل يطلق على الاثنين حقيقة أم لا؟ واختار القاضي أن أقل الجمع اثنان ~~واستدل بإجماع أهل اللغة على جواز إطلاق اسم الجمع على اثنين في قولهم " ~~فعلتم، وفعلنا، وتفعلون " وقد ورد به القرآن، قال الله تعالى في قصة موسى، ~~وهارون {إنا معكم مستمعون} [الشعراء: 15] وقال {عسى الله أن يأتيني بهم ~~جميعا} [يوسف: 83] ، وهما يوسف، وأخوه وقال {فقد صغت قلوبكما} [التحريم: 4] ~~، ولهما قلبان وقال {وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث} [الأنبياء: 78] إلى ~~قوله: {وكنا لحكمهم شاهدين} [الأنبياء: 78] ، وهما اثنان وقال {وإن طائفتان ~~من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} [الحجرات: 9] ، وهما طائفتان وقال ~~{وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب} [ص: 21] ، وهما ملكان. # فإن قيل عن كل واحد ms384 من هذا جواب فقوله: {إنا معكم مستمعون} [الشعراء: 15] ~~يعني: هارون، وموسى، وفرعون وقومه، وهم جماعة وقوله: {قلوبكما} [التحريم: ~~4] لضرورة استثقال الجمع بين تثنيتين مع أن القلوب على وزن الواحد في بعض ~~الألفاظ وقوله: {عسى الله أن يأتيني بهم جميعا} [يوسف: 83] أراد به يوسف، ~~وأخاه، والأخ الأكبر الذي تخلف عن الإخوة، وقوله تعالى: {وكنا لحكمهم ~~شاهدين} [الأنبياء: 78] أي: حكمهما مع الجمع المحكوم عليهم، وقوله: {وإن ~~طائفتان} [الحجرات: 9] كل طائفة جمع قلنا: هذه تعسفات، وتكلفات، إنما يحوج ~~إليها ضرورة نقل من أهل اللغة في استحالة إطلاق اسم الجمع على الاثنين، ~~وإذا لم يكن نقل صريح فيحمل خلافهم على الحقيقة كما ورد فإن قيل: ههنا أدلة ~~أربعة. # الأول: أن الاثنين لو كانا جمعا لكان قولنا فعلا اسم جمع فليجز إطلاقه ~~على الثلاثة فصاعدا كقوله " فعلوا " فإنه لما كان اسم جمع جاز على الثلاثة ~~فما فوقها. # قلنا: " فعلوا " اسم جمع مشترك بين سائر أعداد الجمع، و " فعلا " اسم جمع ~~خاص لأن الجمع لا يستدعي إلا الانضمام، وذلك يحصل في الاثنين، وهو كالعشرة ~~فإنه اسم جمع لكن جمع خاص فلا يصلح لغيره، وكيف ينكر كون الاثنين جمعا، ~~ويقول الرجلان: نحن فعلنا؟ فإن قيل قد يقول الواحد ذلك، كقوله: {إنا ~~أنزلناه في ليلة القدر} [القدر: 1] قلنا: ذلك مجاز بالاتفاق، وهذا ليس ~~بمجاز # الثاني: قولهم أجمع أهل اللغة على أن الأسماء ثلاثة أضرب: توحيد، وتثنية ~~وجمع، وهو رجل، ورجلان، ورجال فلتكن هذه الثلاثة متباينة. # قلنا: ما قالوا الرجلان ليس اسم جمع لكن وضعوا لبعض أعداد الجمع اسما ~~خاصا كالعشرة وجعلوا اسم الرجال مشتركا. # الثالث: قولهم: فرق في اللسان بين الرجال، والرجلين، وما ذكرتموه رفع ~~للفرق. قلنا: الفرق أن الرجلين اسم جمع خاص، وهو للاثنين، والرجال اسم جمع ~~مشترك لكل جمع من الاثنين، والثلاثة فما زاد. # الرابع: قولهم: لو صح هذا لجاز أن يقال: رأيت اثنين رجال كما يقال رأيت ~~ثلاثة رجال قلنا: هذا ممتنع لأن العرب لم تستعمله على هذا الوجه، ولا يمكن ~~تعدي عرفهم، وعلى الجملة ms385 فمن يرد لفظ الجمع إلى الاثنين ربما يفتقر إلى ~~دليل أظهر ممن يرده إلى الثلاثة، وإذا رده إلى الواحد فقد غير اللفظ النص ~~بقرينة. # فإن قيل فقد يقول لامرأته أتخرجين، وتكلمين الرجال، وربما يريد رجلا ~~واحدا. قلنا: ذلك استعمال لفظ الجمع بدلا # PageV01P244 # عن لفظ الواحد لتعلق غرض الزوج لجنس الرجال لا أنه عنى بلفظ الرجال رجلا ~~واحدا، أما إذا أراد رجلين أو ثلاثة فقد ترك اللفظ على حقيقته. ### | [الباب الثالث في الأدلة التي يخص بها العموم] # . لا نعرف خلافا بين القائلين بالعموم في جواز تخصيصه بالدليل إما بدليل ~~العقل أو السمع أو غيرهما وكيف ينكر ذلك مع الاتفاق على تخصيص قوله تعالى: ~~{خالق كل شيء} [الأنعام: 102] ، و {يجبى إليه ثمرات كل شيء} [القصص: 57] ، ~~و {تدمر كل شيء} [الأحقاف: 25] ، و {وأوتيت من كل شيء} [النمل: 23] وقوله: ~~{فاقتلوا المشركين} [التوبة: 5] ، و {والسارق والسارقة} [المائدة: 38] ، و ~~{الزانية والزاني} [النور: 2] {وورثه أبواه} [النساء: 11] ، و {يوصيكم الله ~~في أولادكم} [النساء: 11] «وفيما سقت السماء العشر» فإن جميع عمومات الشرع ~~مخصصة بشروط في الأصل، والمحل، والسبب وقلما يوجد عام لا يخصص مثل قوله ~~تعالى: {وهو بكل شيء عليم} [البقرة: 29] فإنه باق على العموم. # ، والأدلة التي يخص بها العموم أنواع عشرة: الأول دليل الحس، وبه خصص ~~قوله تعالى: {وأوتيت من كل شيء} [النمل: 23] فإن ما كان في يد سليمان لم ~~يكن في يدها، وهو شيء. وقوله تعالى: {تدمر كل شيء بأمر ربها} [الأحقاف: 25] ~~خرج منه السماء، والأرض، وأمور كثيرة بالحس. # الثاني: دليل العقل، وبه خصص قوله تعالى: {خالق كل شيء} [الأنعام: 102] ~~إذ خرج عنه ذاته وصفاته إذ القديم يستحيل تعلق القدرة به وكذلك قوله تعالى: ~~{ولله على الناس حج البيت} [آل عمران: 97] خرج منه الصبي، والمجنون؛ لأن ~~العقل قد دل على استحالة تكليف من لا يفهم. فإن قيل كيف يكون العقل مخصصا، ~~وهو سابق على أدلة السمع، والمخصص ينبغي أن يكون متأخرا، ولأن التخصيص ~~إخراج ما يمكن دخوله تحت اللفظ، وخلاف المعقول لا يمكن أن يتناوله اللفظ؟ ~~قلنا: ms386 قال قائلون: لا يسمى دليل العقل مخصصا لهذا الحال، وهو نزاع في عبارة ~~فإن تسمية الأدلة مخصصة تجوز، فقد بينا أن تخصيص العام محال لكن الدليل ~~يعرف إرادة المتكلم، وأنه أراد باللفظ الموضوع للعموم معنى خاصا، ودليل ~~العقل يجوز أن يبين لنا أن الله تعالى ما أراد بقوله {خالق كل شيء} ~~[الأنعام: 102] نفسه، وذاته، فإنه، وإن تقدم دليل العقل فهو موجود أيضا عند ~~نزول اللفظ، وإنما يسمى مخصصا بعد نزول الآية لا قبله. # وأما قولهم: لا يجوز دخوله تحت اللفظ، فليس كذلك بل يدخل تحت اللفظ من ~~حيث اللسان، ولكن يكون قائله كاذبا، ولما وجب الصدق في كلام الله تعالى ~~تبين أنه يمتنع دخوله تحت الإرادة مع شمول اللفظ له من حيث الوضع. # الثالث دليل الإجماع، ويخصص به العام؛ لأن الإجماع قاطع لا يمكن الخطأ ~~فيه، والعام يتطرق إليه الاحتمال، ولا تقضي الأمة في بعض مسميات العموم ~~بخلاف موجب # PageV01P245 # العموم إلا عن قاطع بلغهم في نسخ اللفظ الذي كان قد أريد به العموم أو في ~~عدم دخوله تحت الإرادة عند ذكر العموم، والإجماع أقوى من النص الخاص لأن ~~النص الخاص محتمل نسخه، والإجماع لا ينسخ، فإنه إنما ينعقد بعد انقطاع ~~الوحي. # الرابع: النص الخاص يخصص اللفظ العام فقوله: «فيما سقت السماء العشر يعم ~~ما دون النصاب وقد خصصه قوله: - عليه السلام -:» لا زكاة فيما دون خمسة ~~أوسق وقوله تعالى: {والسارق والسارقة} [المائدة: 38] يعم كل مال، وخرج ما ~~دون النصاب بقوله: «لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا.» وقوله: {فتحرير رقبة} ~~[النساء: 92] يعم الكافرة، فلو ورد مرة أخرى {فتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: ~~92] في الظهار بعينه لتبين لنا أن المراد بالرقبة المطلقة العامة هي ~~المؤمنة على الخصوص. # وقد ذهب قوم إلى أن الخاص، والعام يتعارضان، ويتدافعان، فيجوز أن يكون ~~الخاص سابقا وقد ورد العام بعده لإرادة العموم فنسخ الخاص، ويجوز أن يكون ~~العام سابقا وقد أريد به العموم ثم نسخ باللفظ الخاص بعده، فعموم الرقبة ~~مثلا يقتضي إجزاء الكافرة مهما أريد به ms387 العموم، والتقييد بالمؤمنة يقتضي ~~منع إجزاء الكافرة فهما متعارضان، وإذا أمكن النسخ، والبيان جميعا فلم ~~يتحكم بحمله على البيان دون النسخ، ولم يقطع بالحكم على العام بالخاص، ولعل ~~العام هو المتأخر الذي أريد به العموم، وينسخ به الخاص، وهذا هو الذي ~~اختاره القاضي، والأصح عندنا تقديم الخاص، وإن كان ما ذكره القاضي ممكنا، ~~ولكن تقدير النسخ محتاج إلى الحكم بدخول الكافرة تحت اللفظ ثم خروجه عنه ~~فهو إثبات وضع، ورفع بالتوهم، وإرادة الخاص باللفظ العام غالب معتاد بل هو ~~الأكثر، والنسخ كالنادر فلا سبيل إلى تقديره بالتوهم، ويكاد يشهد لما ~~ذكرناه من سير الصحابة، والتابعين كثير فإنهم كانوا يسارعون إلى الحكم ~~بالخاص على العام، وما اشتغلوا بطلب التاريخ، والتقدم، والتأخر. # الخامس: المفهوم بالفحوى، كتحريم ضرب الأب حيث فهم من النهي عن التأفيف، ~~فهو قاطع كالنص، وإن لم يكن مستندا إلى لفظ، ولسنا نريد اللفظ بعينه بل ~~لدلالته، فكل دليل سمعي قاطع فهو كالنص، والمفهوم عند القائلين به أيضا ~~كالمنطوق حتى إذا ورد عام في إيجاب الزكاة في الغنم ثم قال الشارع: «في ~~سائمة الغنم زكاة» أخرجت المعلوفة من مفهوم هذا اللفظ عن عموم اسم الغنم، ~~والنعم. # السادس: فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو دليل على ما سيأتي ~~بشرطه عند ذكر دلالة الأفعال، وإنما يكون دليلا إذا عرف من قوله أنه قصد به ~~بيان الأحكام، كقوله - عليه السلام - «صلوا كما رأيتموني أصلي» ، و «خذوا ~~عني مناسككم» فإن لم يتبين أنه أراد به البيان فإذا ناقض فعله لحكمه الذي ~~حكم به فلا يرفع أصل الحكم بفعله المخالف له لكن قد يدل على التخصيص، ونذكر ~~له ثلاثة أمثلة. # المثال الأول: أنه نهى عن الوصال ثم واصل فقيل له: نهيت عن الوصال، ونراك ~~تواصل فقال «إني لست كأحدكم إني أظل عند ربي يطعمني، ويسقيني» فبين أنه ليس ~~يريد بفعله بيان الحكم ثم تحريم الوصال إن كان بقوله لا تواصلوا أو نهيتكم ~~عن الوصال فلا يدخل فيه الرسول - عليه السلام - لأنه مخاطب غيره. ms388 # PageV01P246 # والمخاطب إنما يدخل تحت خطاب نفسه إذا أثبت الحكم بلفظ عام كقوله " حرم ~~الوصال على كل عبد أو على كل مكلف أو على كل إنسان أو كل مؤمن " أو ما يجري ~~مجراه، وإن كان بلفظ عام فيكون فعله تخصيصا. # المثال الثاني: أنه نهى عن استقبال القبلة في قضاء الحاجة ثم رآه ابن عمر ~~مستقبلا بيت المقدس على سطح فيحتمل أنه تخصيص لأنه كان وراء سترة، والنهي ~~كان مطلقا، وأريد به إذا لم يكن ساتر، ويحتمل أنه كان مستثنى، ومخصوصا فهو ~~دليل على خروجه عن العموم إن كان اللفظ المحرم عاما له، ولا يصلح هذا لأن ~~ينسخ به تحريم الاستقبال لأنه فعل يكون في خلوة، وخفية فلا يصلح لأن يراد ~~به البيان، فإن ما أريد به البيان يلزمه إظهاره عند أهل التواتر إن تعبد ~~فيه الخلق بالعلم، وإن لم يتعبدوا إلا بالظن، والعمل فلا بد من إظهاره لعدل ~~أو لعدلين. # المثال الثالث: أنه نهى عن كشف العورة ثم كشف فخذه بحضرة أبي بكر، وعمر ~~ثم دخل عثمان - رضي الله عنهم - فستره فعجبوا منه فقال: «ألا أستحيي ممن ~~تستحيي منه ملائكة السماء» فهذا لا يرفع النهي لاحتمال أنه لم يكن داخلا ~~فيه أو لعله كشفه لعارض، وعذر، فإنه حكاية حال، أو أريد بالفخذ ما يقرب ~~منه، وليس داخلا في حده أو إباحته خاصة له أو نسخ تحريم كشف العورة، وإذا ~~تعارضت الاحتمالات فلا يرتفع التحريم في حق غيره بالوهم. # السابع: تقرير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واحدا من أمته على خلاف ~~موجب العموم، وسكوته - عليه السلام - عليه يحتمل نسخ أصل الحكم أو تخصيص ~~ذلك الشخص بالنسخ في حقه خاصة له أو تخصيص وصف، وحال، ووقت ذلك الشخص ملابس ~~له فيشاركه في الخصوص من شاركه في ذلك المعنى، فإن كان قد ثبت ذلك الحكم في ~~كل وقت، وفي كل حال تعين تقريره لكونه نسخا إما على الجملة، وإما في حقه ~~خاصة، والمستيقن حقه خاصة، لكن لو كان من خاصيته لوجب على النبي ms389 - عليه ~~السلام - أن يبين اختصاصه بعد أن عرف أمته أن حكمه في الواحد كحكمه في ~~الجماعة، فيدل من هذا الوجه على النسخ المطلق. # ولما أقر أصحابه على ترك زكاة الخيل مع كثرتها في أيديهم دل على سقوط ~~زكاة الخيل، إذ ترك الفرض منكر يجب إنكاره. فإن قيل فلعلهم أخرجوا، ولم ~~ينقل إلينا أو لعله لم يكن في خيلهم سائمة قلنا: العادة تحيل اندراس ~~إخراجهم الزكاة طول أعمارهم، والسوم قريب من الإمكان، ويجب شرح ما يقرب ~~وقوعه؛ فلو وجب لذكره. فهذه سبع مخصصات، ووراءها ثلاثة تظن مخصصات، وليست ~~منها فننظمها في سلك المخصصات. # الثامن: عادة المخاطبين. فإذا قال لجماعة من أمته: حرمت عليكم الطعام، ~~والشراب مثلا وكانت عادتهم تناولهم جنسا من الطعام فلا يقتصر بالنهي على ~~معتادهم بل يدخل فيه لحم السمك، والطير، وما لا يعتاد في أرضهم؛ لأن الحجة ~~في لفظه، وهو عام، وألفاظه غير مبنية على عادة الناس في معاملاتهم حتى يدخل ~~فيه شرب البول، وأكل التراب، وابتلاع الحصاة والنواة. # وهذا بخلاف لفظ الدابة فإنها تحمل على ذوات الأربع خاصة لعرف أهل اللسان ~~في تخصيص اللفظ، وأكل النواة، والحصاة يسمى أكلا في العادة، وإن كان لا ~~يعتاد فعله، ففرق # PageV01P247 # بين أن لا يعتاد الفعل، وبين أن يعتاد إطلاق الاسم على الشيء، وعلى ~~الجملة فعادة الناس تؤثر في تعريف مرادهم من ألفاظهم، حتى إن الجالس على ~~المائدة يطلب الماء يفهم منه العذب البارد لكن لا تؤثر في تغيير خطاب ~~الشارع إياهم. # التاسع: مذهب الصحابي إذا كان بخلاف العموم فيجعل مخصصا عند من يرى قول ~~الصحابي حجة يجب تقليده وقد أفسدناه وكذلك تخصيص الراوي يرفع العموم عند من ~~يرى أن مذهب الراوي إذا خالف روايته يقدم مذهبه على روايته، وهذا أيضا مما ~~أفسدناه، بل الحجة في الحديث، ومخالفته، وتأويله، وتخصيصه يجوز أن تكون عن ~~اجتهاد، ونظر لا نرتضيه فلا نترك الحجة بما ليس بحجة، بل لو كان اللفظ ~~محتملا، وأخذ الراوي بأحد محتملاته واحتمل أن يكون ذلك عن توقيف فلا تجب ms390 ~~متابعته ما لم يقل: إني عرفته من التوقيف بدليل أنه لو رواه راويان، وأخذ ~~كل واحد باحتمال آخر فلا يمكننا أن نتبعهما أصلا. # العاشر: خروج العام على سبب خاص جعل دليلا على تخصصه عند قوم، وهو غير ~~مرض عندنا كما سبق تقريره، واختتام هذا الكتاب بذكر مسألتين في تخصيص عموم ~~القرآن بخبر الواحد، وبالقياس. ### | [مسألة خبر الواحد إذا ورد مخصصا لعموم القرآن] # اتفقوا على جواز التعبد به لتقديم أحدهما على الآخر لكن اختلفوا في وقوعه ~~على أربعة مذاهب: فقال بتقديم العموم قوم، وبتقديم الخبر قوم، وبتقابلهما، ~~والتوقف إلى ظهور دليل آخر قوم وقال قوم: إن كان العموم مما دخله التخصيص ~~بدليل قاطع فقد ضعف وصار مجازا فالخبر أولى منه، وإلا فالعموم أولى، وإليه ~~ذهب عيسى بن أبان احتج القائلون بترجيح العموم بمسلكين: # الأول: أن عموم الكتاب مقطوع به، وخبر الواحد مظنون فكيف يقدم عليه؟ ~~الاعتراض من أوجه: # الأول: أن دخول أصل محل الخصوص في العموم وكونه مرادا به مظنون ظنا ضعيفا ~~يستند إلى صيغة العموم وقد أنكره الواقفية، وزعموا أنه مجمل فكيف ينفع كون ~~أصل الكتاب مقطوعا به فيما لا يقطع بكونه مرادا بلفظه؟ # الثاني: أنه لو كان مقطوعا به للزم تكذيب الراوي قطعا، ولا شك في إمكان ~~صدقه. # فإن قيل فلو نقل النسخ فصدقه أيضا ممكن، ولا يقبل. قلنا: لا جرم لا يعلل ~~رده بكون الآية مقطوعا بها لأن دوام حكمها إنما يقطع به بشرط ألا يرد ناسخ ~~فلا يبقى القطع مع وروده، لكن الإجماع منع من نسخ القرآن بخبر الواحد، ولا ~~مانع من التخصيص. # الثالث: أن براءة الذمة قبل ورود السمع مقطوع بها ثم ترفع بخبر الواحد ~~لأنه مقطوع بها بشرط أن لا يرد سمع، وماء البحر مقطوع بطهارته إذا جعل في ~~كوز لكن بشرط أن لا يرد سمع بأن يخبر عدل بوقوع النجاسة فيه وكذلك العموم ~~ظاهر في الاستغراق بشرط أن لا يرد خاص. # الرابع: أن وجوب العمل بخبر الواحد مقطوع به بالإجماع، وإنما الاحتمال في ~~صدق ms391 الراوي، ولا تكليف علينا في اعتقاد صدقه؛ فإن سفك الدم، وتحليل البضع ~~واجب بقول عدلين قطعا مع أنا لا نقطع بصدقهما، فوجوب العمل بالخبر مقطوع به ~~وكون العموم مستغرقا غير مقطوع به. # فإن قيل: إنما يجب العمل بخبر لا يقابل عموم القرآن. قلنا: يقابله أنه ~~إنما يجب العمل بعموم لا يخصصه حديث نص بنقله عدل، ولا فصل بين الكلامين # PageV01P248 # المسلك الثاني: قولهم: إن الحديث إما أن يكون نسخا أو بيانا، والنسخ لا ~~يثبت بخبر الواحد اتفاقا، وإن كان بيانا فمحال إذ البيان ما يقترن بالمبين، ~~وما يعرفه الشارع أهل التواتر حتى تقوم الحجة به. # قلنا: هو بيان، ولا يجب اقتران البيان بل يجوز تأخيره عندنا، وما يدريهم ~~أنه وقع متراخيا فلعله كان مقترنا، والراوي لم يرو اقترانه؟ كيف، ويجوز أن ~~يقول بعد ورود آية السرقة لا قطع إلا في ربع دينار من الحرز؟ وأما قولهم: ~~ينبغي أن يلقيه إلى عدد التواتر، فتحكم، بل إذا لم يكلفهم العلم بل العمل ~~جاز تكليفهم بقول عدل واحد ثم ما يدريهم فلعله ألقاه إلى عدد التواتر ~~فماتوا قبل النقل أو نسوا أو هم في الأحياء لكنا ما لقينا منهم إلا واحدا. ~~حجة القائلين بتقديم الخبر أن الصحابة ذهبت إليه إذ روى أبو هريرة أن ~~المرأة لا تنكح على عمتها، وخالتها، فخصصوا به قوله تعالى: {وأحل لكم ما ~~وراء ذلكم} [النساء: 24] ، وخصصوا عموم آية المواريث برواية أبي هريرة أنه ~~لا يرث القاتل، والعبد، ولا أهل ملتين، ورفعوا عموم آية الوصية بقوله: «لا ~~وصية لوارث» ، ورفعوا عموم قوله تعالى: {حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة: 230] ~~برواية من روى: «حتى تذوق عسيلتها» إلى نظائر لذلك كثيرة لا تحصى. الاعتراض ~~أن هذا ليس قاطعا بأنهم رفعوا العموم بمجرد قول الراوي، بل ربما قامت الحجة ~~عندهم على صحة قوله بأمور وقرائن، وأدلة سوى مجرد قوله، كما نقل أن أهل ~~قباء تحولوا عن القبلة بخبر واحد، وهو نسخ لكنهم لعلهم عرفوا صدقه برفع ~~صوته في جوار النبي، وأصحابه، وأن ذلك لا ms392 يمكن الكذب فيه. # حجة القائلين بالتوقف، وهو اختيار القاضي أن العموم وحده دليل مقطوع ~~الأصل مظنون الشمول، والخبر وحده مظنون الأصل مقطوع به في اللفظ، والمعنى، ~~وهما متقابلان، ولا دليل على الترجيح فيتعارضان، والرجوع إلى دليل آخر، ~~والمختار أن خبر العدل أولى لأن سكون النفس إلى عدل واحد في الرواية لما هو ~~نص كسكونها إلى عدلين في الشهادة، أما اقتضاء آية المواريث الحكم في حق ~~القاتل، والكافر ضعيف وكلام من يدعي إجمال العموم قوي واقع وكلام من ينكر ~~خبر الواحد، ولا يجعله حجة في غاية الضعف؛ ولذلك ترك توريث فاطمة بقول أبي ~~بكر «نحن معاشر الأنبياء لا نورث» الحديث، فنحن نعلم أن تقدير كذب أبي بكر ~~وكذب كل عدل أبعد في النفس من تقدير كون آية المواريث مسوقة لتقدير ~~المواريث لا للقصد إلى بيان حكم النبي - عليه السلام -، والقاتل، والعبد، ~~والكافر، وهذه النوادر. ### | [مسألة قياس نص خاص إذا قابل عموم نص آخر] # فالذاهبون إلى أن العموم حجة لو انفرد، والقياس حجة لو انفرد اختلفوا فيه ~~على خمسة مذاهب: فذهب مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وأبو الحسن الأشعري إلى ~~تقديم القياس على العموم، وذهب الجبائي، وابنه، وطائفة من المتكلمين، ~~والفقهاء إلى تقديم العموم، وذهب القاضي وجماعة إلى التوقف لحصول التعارض. # وقال قوم: يقدم على العموم جلي القياس دون خفيه وقال عيسى بن أبان: يقدم ~~القياس على عموم دخله التخصيص دون ما لم يدخله حجج من قدم العموم ثلاث: ~~الأولى: أن القياس فرع، والعموم أصل فكيف يقدم فرع # PageV01P249 # على أصل؟ # الاعتراض من وجوه: # الأول: أن القياس فرع نص آخر لا فرع النص المخصوص به، والنص تارة يخصص ~~بنص آخر، وتارة بمعقول نص آخر، ولا معنى للقياس إلا معقول النص، وهو الذي ~~يفهم المراد من النص، والله هو الواضع لإضافة الحكم إلى معنى النص إلا أنه ~~مظنون نص كما أن العموم، وتناوله للمسمى الخاص مظنون نص آخر، فهما ظنان في ~~نصين مختلفين، وإذا خصصنا بقياس الأرز على البر عموم قوله: {وأحل الله ~~البيع وحرم ms393 الربا} [البقرة: 275] لم نخصص الأصل بفرعه فإن الأرز فرع حديث ~~البر لا فرع آية إحلال البيع. # الثاني: أنه يلزم أن لا يخصص القرآن بخبر الواحد لأنه فرع، فإنه يثبت ~~بأصل من كتاب، وسنة فيكون فرعا له فقد سلم التخصيص بخبر الواحد من لا يسلم ~~التخصيص بالقياس فهذا لازم لهم. # فإن قيل: خبر الواحد ثبت بالإجماع لا بالظاهر، والنص. قلنا: وكون القياس ~~حجة ثبت أيضا بالإجماع، ثم لا مستند للإجماع سوى النص، فهو فرع الإجماع، ~~والإجماع فرع النص. # الحجة الثانية: أنه إنما يطلب بالقياس حكم ما ليس منطوقا به، فما هو ~~منطوق به كيف يثبت بالقياس؟ الاعتراض أنه ليس منطوقا به كالنطق بالعين ~~الواحدة، لأن زيدا في قوله: {فاقتلوا المشركين} [التوبة: 5] ليس كقوله ~~اقتلوا زيدا، والأرز في قوله {وأحل الله البيع وحرم الربا} [البقرة: 275] ~~ليس كقوله: " يحل بيع الأرز بالأرز متفاضلا، ومتماثلا " فإذا كان كونه ~~مرادا بآية إحلال البيع مشكوكا فيه كان كونه منطوقا به مشكوكا فيه لأن ~~العام إذا أريد به الخاص كان ذلك نطقا بذلك القدر، ولم يكن نطقا بما ليس ~~بمراد، والدليل عليه جواز تخصيصه بدليل العقل القاطع، ودليل العقل لا يجوز ~~أن يقابل النطق الصريح من الشارع لأن الأدلة لا تتعارض. # فإن قيل: ما أخرجه العقل عرف أنه لم يدخل تحت العموم قلنا: تحت لفظه أو ~~تحت الإرادة؟ فإن قلتم: تحت اللفظ فإن الله تعالى شيء، وهو داخل تحت اللفظ ~~من قوله تعالى: {خالق كل شيء} [الأنعام: 102] ، وإن قلتم لا يدخل تحت ~~الإرادة فكذلك دليل القياس يعرفنا ذلك، ولا فرق. # الحجة الثالثة: «أن النبي - عليه الصلاة والسلام - قال لمعاذ: بم تحكم؟ ~~فقال: بكتاب الله قال: فإن لم تجد قال: بسنة رسول الله قال: فإن لم تجد؟ ~~قال أجتهد رأيي» . # فجعل الاجتهاد مؤخرا، فكيف يقدم على الكتاب؟ قلنا: كونه مذكورا في الكتاب ~~مبني على كونه مرادا بالعموم، وهو مشكوك فيه، فكونه في الكتاب مشكوك فيه؛ ~~ولذلك جاز لمعاذ ترك العموم بالخبر المتواتر، وخبر الواحد، ونص الكتاب لا ~~يترك ms394 بالسنة إلا أن تكون السنة بيانا لمعنى الكتاب، والكتاب يبين الكتاب، ~~والسنة تبين السنة تارة بلفظ، وتارة بمعقول لفظ. ثم نقول: حكم العقل الأصلي ~~في براءة الذمة يترك بخبر الواحد، وبقياس خبر الواحد لأنه ليس يحكم به ~~العقل مع ورود الخبر فيصير مشكوكا فيه معه، فكذلك العموم. # حجج القائلين بتقديم القياس اثنتان الأولى: أن العموم يحتمل المجاز، ~~والخصوص والاستعمال في غير ما وضع له، والقياس لا يحتمل شيئا من ذلك؛ ولأنه ~~يخصص العموم بالنص الخاص مع إمكان كونه مجازا، ومؤولا فالقياس أولى. ~~الاعتراض أن احتمال الغلط في القياس ليس بأقل من احتمال ما ذكر في العموم ~~من احتمال الخصوص، والمجاز، بل ذلك # PageV01P250 # موجود في أصل القياس، وزيادة ضعف ما يختص به من احتمال الخصوص، والمجاز ~~إذ القياس ربما يكون منتزعا من خبر واحد، فيتطرق الاحتمال إلى أصله،، وربما ~~استنبطه من ليس أهلا للاجتهاد فظن أنه من أهله، ولا حكم لاجتهاد غير الأهل، ~~والعموم لا يستند إلى اجتهاد، وربما يستدل على إثبات العلة بما يظنه دليلا، ~~وليس بدليل، وربما لا يستوفي جميع أوصاف الأصل، فيشذ عنه وصف داخل في ~~الاعتبار، وربما يغلط في إلحاق الفرع به لفرق دقيق بينهما لم يتنبه له ~~فمظنة الاحتمال، والغلط في القياس أكثر. # الحجة الثانية: قولهم تخصيص العموم بالقياس جمع بين القياس، وبين الكتاب ~~فهو أولى من تعطيل أحدهما أو تعطيلهما، وهذا فاسد؛ لأن القدر الذي وقع فيه ~~التقابل ليس فيه جمع بل رفع للعموم، وتجريد للعمل بالقياس حجة الواقفية: ~~قالوا: إذا بطل كلام المرجحين كما سبق، وكل واحد من القياس، والعموم دليل ~~لو انفرد، وقد تقابلا، ولا ترجيح، فهل يبقى إلا التوقف؛ لأن الترجيح إما أن ~~يدرك بعقل أو نقل، والعقل إما نظري أو ضروري، والنقل إما تواتر أو آحاد، ~~ولم يتحقق شيء من ذلك، فيجب طلب دليل آخر فإن قيل: هذا يخالف الإجماع؛ لأن ~~الأمة مجمعة على تقديم أحدهما، وإن اختلفوا في التعيين، ولم يذهب أحد قبل ~~القاضي إلى التوقف، أجاب القاضي: بأنهم لم ms395 يصرحوا ببطلان التوقف قطعا، ولم ~~يجمعوا عليه لكن كل واحد رأى ترجيحا. # والإجماع لا يثبت بمثل ذلك كيف، ومن لا يقطع ببطلان مذهب مخالفه في ترجيح ~~القياس كيف يقطع بخطئه إن توقف حجة من فرق بين جلي القياس، وخفيه: وهي أن ~~جلي القياس قوي، وهو أقوى من العموم، والخفي ضعيف. # ثم حكي عنهم أنهم فسروا الجلي بقياس العلة، والخفي بقياس الشبه، وعن ~~بعضهم أن الجلي مثل قوله - عليه السلام -: «لا يقض القاضي، وهو غضبان» ، ~~وتعليل ذلك بما يدهش العقل عن تمام الفكر حتى يجري في الجائع، والحاقن، ~~خفي، والمختار أن ما ذكروه غير بعيد، فإن العموم يفيد ظنا، والقياس يفيد ~~ظنا، وقد يكون أحدهما أقوى في نفس المجتهد، فيلزمه اتباع الأقوى، والعموم ~~تارة يضعف بأن لا يظهر منه قصد التعميم، ويظهر ذلك بأن يكثر المخرج منه، ~~ويتطرق إليه تخصيصات كثيرة، كقوله تعالى: {، وأحل الله البيع} [البقرة: ~~275] فإن دلالة قوله - عليه السلام -: «لا تبيعوا البر بالبر» على تحريم ~~الأرز، والتمر أظهر من دلالة هذا العموم على تحليله. # وقد دل الكتاب على تحريم الخمر، وخصص به قوله تعالى: {قل لا أجد في ما ~~أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه} [الأنعام: 145] ، وإذا ظهر منه التعليل ~~بالإسكار فلو لم يرد خبر في تحريم كل مسكر لكان إلحاق النبيذ بالخمر بقياس ~~الإسكار أغلب على الظن من بقائه تحت عموم قوله: {لا أجد في ما أوحي إلي ~~محرما} [الأنعام: 145] ، وهذا ظاهر في هذه الآية، وآية إحلال البيع لكثرة ~~ما أخرج منهما، ولضعف قصد العموم فيهما، ولذلك جوزه عيسى بن أبان في أمثاله ~~دون ما بقي على العموم، ولكن لا يبعد ذلك عندنا أيضا فيما بقي عاما لا نشك ~~في أن العمومات بالإضافة إلى بعض المسميات تختلف في القوة لاختلافها في ~~ظهور إرادة قصد ذلك # PageV01P251 # المسمى بها، فإن تقابلا وجب تقديم أقوى العمومين. # ، وكذلك أقوى القياسين إذا تقابلا قدمنا أجلاهما، وأقواهما، فكذلك ~~العموم، والقياس إذا تقابلا فلا يبعد أن يكون قياس قوي أغلب على الظن من ~~عموم ms396 ضعيف أو عموم قوي أغلب على الظن من قياس ضعيف فنقدم الأقوى، وإن ~~تعادلا فيجب التوقف كما قاله القاضي إذ ليس كون هذا عموما أو كون ذلك قياسا ~~مما يوجب ترجيحا لعينهما بل لقوة دلالتهما فمذهب القاضي صحيح بهذا الشرط. ~~فإن قيل: فهذا الخلاف الذي في تخصيص بقياس مستنبط من الكتاب إذا خصص به ~~عموم الكتاب، فهل يجري في قياس مستنبط من الأخبار؟ قلنا: نسبة قياس الكتاب ~~إلى عموم الكتاب كنسبة قياس الخبر المتواتر إلى عموم الخبر المتواتر، ~~وكنسبة قياس خبر الواحد إلى عموم خبر الواحد، والخلاف جار في الكل، وكذا ~~قياس الخبر المتواتر بالنسبة إلى عموم الكتاب، وقياس نص الكتاب بالإضافة ~~إلى عموم الخبر المتواتر؛ أما قياس خبر الواحد إذا عارض عموم القرآن فلا ~~يخفى ترجيح الكتاب عند من لا يقدم خبر الواحد على عموم القرآن، أما من يقدم ~~الخبر، فيجوز أن يتوقف في قياس الخبر فإنه ازداد ضعفا، وبعدا، وما في معنى ~~الأصل، والمعلوم بالنظر الجلي قريب من الأصل فلا يبعد أن يكون أقوى في ~~النفس في بعض الأحوال من ظن العموم فالنظر فيه إلى المجتهد. # فإن قيل: الخلاف في هذه المسألة من جنس الخلاف في القطعيات أو في ~~المجتهدات؟ قلنا: يدل سياق كلام القاضي على أن القول في تقديم خبر الواحد ~~على عموم الكتاب، وفي تقديم القياس على العموم مما يجب القطع بخطإ المخالف ~~فيه؛ لأنه من مسائل الأصول، وعندي أن إلحاق هذا بالمجتهدات أولى فإن الأدلة ~~من سائر الجوانب فيه متقاربة غير بالغة مبلغ القطع. ### | [الباب الرابع في تعارض العمومين ووقت جواز الحكم بالعموم وفيه فصول] ### | [الفصل الأول في التعارض] # الباب الرابع: في تعارض العمومين، ووقت جواز الحكم بالعموم، وفيه فصول: # الفصل الأول: في التعارض # اعلم أن المهم الأول معرفة محل التعارض، فنقول كل ما دل العقل فيه على ~~أحد الجانبين فليس للتعارض فيه مجال إذ الأدلة العقلية يستحيل نسخها، ~~وتكاذبها، فإن ورد دليل سمعي على خلاف العقل فإما أن لا يكون متواترا فيعلم ~~أنه غير ms397 صحيح، وإما أن يكون متواترا، فيكون مؤولا، ولا يكون متعارضا. # وأما نص متواتر لا يحتمل الخطأ، والتأويل، وهو على خلاف دليل العقل فذلك ~~محال؛ لأن دليل العقل لا يقبل النسخ، والبطلان، مثال ذلك المؤول في ~~العقليات قوله تعالى: {خالق كل شيء} [الأنعام: 102] إذ خرج بدليل العقل ذات ~~القديم وصفاته، وقوله: {وهو بكل شيء عليم} [البقرة: 29] دل العقل على ~~عمومه، ولا يعارضه قوله تعالى: {قل أتنبئون الله بما لا يعلم} [يونس: 18] ~~إذ معناه ما لا يعلم له أصلا أي: يعلم أنه لا أصل له، ولا يعارضه قوله ~~تعالى: {حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم} [محمد: 31] إذ ~~معناه أنه يعلم المجاهدة كائنة، وحاصلة، وفي الأزل لا يوصف علمه بتعلقه ~~بحصول المجاهدة قبل حصولها. # وكذلك قوله تعالى: {وتخلقون إفكا} [العنكبوت: 17] لا يعارض قوله: {خالق ~~كل شيء} [الأنعام: 102] ؛ لأن المعني به الكذب دون الإيجاد، وكذلك قوله ~~تعالى: {وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير} [المائدة: 110] ؛ لأن معناه تقدر # PageV01P252 # والخلق هو التقدير، وكذلك قوله: {أحسن الخالقين} [المؤمنون: 14] أي: ~~المقدرين، وهكذا أبدا تأويل ما خالف دليل العقل أو خالف دليلا شرعيا دل ~~العقل على عمومه. أما الشرعيات فإذا تعارض فيها دليلان فإما أن يستحيل ~~الجمع أو يمكن، فإن امتنع الجمع لكونهما متناقضين كقوله مثلا «من بدل دينه ~~فاقتلوه» من بدل دينه فلا تقتلوه. «لا يصح نكاح بغير ولي» ، " يصح نكاح ~~بغير ولي ". # فمثل هذا لا بد أن يكون أحدهما ناسخا، والآخر منسوخا، فإن أشكل التاريخ ~~فيطلب الحكم من دليل آخر، ويقدر تدافع النصين، فإن عجزنا عن دليل آخر ~~فنتخير العمل بأيهما شئنا؛ لأن الممكنات أربعة: العمل بهما، وهو متناقض، أو ~~اطراحهما، وهو إخلاء الواقعة عن الحكم، وهو متناقض، أو استعمال واحد بغير ~~مرجح، وهو تحكم، فلا يبقى إلا التخير الذي يجوز ورود التعبد به ابتداء فإن ~~الله تعالى لو كلفنا واحدا بعينه لنصب عليه دليلا، ولجعل لنا إليه سبيلا، ~~إذ لا يجوز تكليف بالمحال. # ، وفي التخيير بين الدليلين المتعارضين مزيد غور سنذكره في كتاب الاجتهاد ~~عند ms398 تخير المجتهد، وتحيره. أما إذا أمكن الجمع بوجه ما فهو على مراتب: # المرتبة الأولى: عام، وخاص، كقوله - عليه السلام -: «فيما سقت السماء ~~العشر» مع قوله: «لا صدقة فيما دون خمسة أوسق» فقد ذكرنا من مذهب القاضي أن ~~التعارض واقع لإمكان كون أحدهما نسخا بتقدير إرادة العموم بالعام، والمختار ~~أن يجعل بيانا، ولا يقدر النسخ إلا لضرورة فإن فيه تقدير دخول ما دون ~~النصاب تحت وجوب العشر ثم خروجه منه، وذلك لا سبيل إلى إثباته بالتوهم من ~~غير ضرورة. # المرتبة الثانية وهي قريبة من الأولى: أن يكون اللفظ المؤول قويا في ~~الظهور بعيدا عن التأويل لا ينقدح تأويله إلا بقرينة، فكلام القاضي فيه ~~أوجه، ومثاله قوله: - عليه السلام -: «إنما الربا في النسيئة» كما رواه ابن ~~عباس، فإنه كالصريح في نفي ربا الفضل، ورواية عبادة بن الصامت في قوله: ~~«الحنطة بالحنطة مثلا بمثل» صريح في إثبات ربا الفضل، فيمكن أن يكون أحدهما ~~ناسخا للآخر، ويمكن أن يكون قوله: «إنما الربا في النسيئة» أي: في مختلفي ~~الجنس، ويكون قد خرج على سؤال خاص عن المختلفين أو حاجة خاصة حتى ينقدح ~~الاحتمال، والجمع بهذا التقدير ممكن، والمختار أنه، وإن بعد أولى من تقدير ~~النسخ، وللقاضي أن يقول: قطعكم بأنه أراد به الجنسين تحكم لا يدل عليه ~~قاطع، ويخالف ظاهر اللفظ المفيد للظن، والتحكم بتقدير ليس يعضده دليل قطعي، ~~ولا ظني لا وجه له. # قلنا: يحملنا عليه ضرورة الاحتراز عن النسخ، فيقول: فما المانع من تقدير ~~النسخ، وليس في إثباته ارتكاب محال، ولا مخالفة دليل قطعي، ولا ظني؟ ، ~~وفيما ذكرتم مخالفة صيغة العموم، ودلالة اللفظ، وهو دليل ظني، فما هو ~~الخوف، والحذر من النسخ، وإمكانه كإمكان البيان فليس أحدهما بأولى من ~~الآخر؟ فإن قلنا: البيان أغلب على عادة الرسول - عليه السلام - من النسخ، ~~وهو أكثر وقوعا فله أن يقول: وما الدليل على جواز الأخذ بالاحتمال الأكثر؟ ~~وإذا اشتبهت رضيعة بعشر نسوة فالأكثر حلال، وإذا اشتبه إناء نجس بعشر أوان ~~طاهرة فلا ترجيح للأكثر بل لا ms399 بد من الاجتهاد، والدليل، ولا يجوز أن يأخذ ~~واحدا، ويقدر حله أو طهارته؛ لأن جنسه أكثر. # لكنا نقول: الظن # PageV01P253 # عبارة عن أغلب الاحتمالين، ولكن لا يجوز اتباعه إلا بدليل فخبر الواحد لا ~~يورث إلا غلبة الظن من حيث إن صدق العدل أكثر، وأغلب من كذبه وصيغة العموم ~~تتبع؛ لأن إرادة ما يدل عليه الظاهر أغلب، وأكثر من وقوع غيره، والفرق بين ~~الفرع، والأصل ممكن غير مقطوع ببطلانه في الأقيسة الظنية لكن الجمع أغلب ~~على الظن، واتباع الظن في هذه الأصول لا لكونه ظنا لكن لعمل الصحابة به، ~~واتفاقهم عليه، فكذا نعلم من سيرة الصحابة أنهم ما اعتقدوا كون غير القرآن ~~منسوخا من أوله إلى آخره، ولم يبق فيه عام لم يخصص إلا قوله تعالى: {وهو ~~بكل شيء عليم} [البقرة: 29] ، وألفاظ نادرة، بل قدروا جملة ذلك بيانا، وورد ~~العام، والخاص في الأخبار، ولا يتطرق النسخ إلى الخبر كقوله تعالى: {فأقبل ~~بعضهم على بعض يتلاومون} [القلم: 30] تخصيصا لقوله تعالى: {هذا يوم لا ~~ينطقون} [المرسلات: 35] ، وتخصيص قوله تعالى: {وأوتيت من كل شيء} [النمل: ~~23] ، و {تدمر كل شيء بأمر ربها} [الأحقاف: 25] ، و {يجبى إليه ثمرات كل ~~شيء} [القصص: 57] ، وكانوا لا ينسخون إلا بنص، وضرورة أما بالتوهم فلا. # ولعل السبب أن في جعلهما متضادين إسقاطهما إذا لم يظهر التاريخ، وفي جعله ~~بيانا استعمالهما، وإذا تخيرنا بين الاستعمال، والإسقاط فالاستعمال هو ~~الأصل، ولا يجوز الإسقاط إلا لضرورة # تنبيه: اعلم أن القاضي أيضا إنما يقدر النسخ بشرط أن لا يظهر دلالة على ~~إرادة البيان، مثاله قوله: «لا تنتفعوا من الميتة بإهاب، ولا عصب» عام ~~يعارضه خصوص قوله - صلى الله عليه وسلم -: «أيما إهاب دبغ فقد طهر» ؛ لكن ~~القاضي يقدره نسخا بشرطين # أحدهما: أن لا يثبت في اللسان اختصاص اسم الإهاب بغير المدبوغ فقد قيل: ~~ما لم يدبغ الجلد يسمى إهابا فإذا دبغ فأديم وصرم، وغيره، فإن صح هذا فلا ~~تعارض بين اللفظين. # الثاني: أنه روي عن ابن عباس أنه - عليه السلام - مر بشاة لميمونة ميتة ~~فقال: «ألا ms400 أخذوا إهابها فدبغوه، وانتفعوا به» وكانوا قد تركوها لكونها ~~ميتة، ثم كتب «لا تنتفعوا من الميتة بإهاب، ولا عصب» فساق الحديث سياقا ~~يشعر بأنه جرى متصلا، فيكون بيانا لا ناسخا؛ لأن شرط النسخ التراخي. # المرتبة الثالثة من التعارض: أن يتعارض عمومان، فيزيد أحدهما على الآخر ~~من وجه، وينقص عنه من وجه، مثاله قوله: - عليه السلام - «من بدل دينه ~~فاقتلوه» فإنه يعم النساء، مع قوله: «نهيت عن قتل النساء» فإنه يعم ~~المرتدات، وكذلك قوله: «نهيت عن الصلاة بعد العصر» فإنه يعم الفائتة أيضا، ~~مع قوله «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» فإنه يعم المستيقظ ~~بعد العصر. # ، وكذلك قوله: {وأن تجمعوا بين الأختين} [النساء: 23] فإنه يشمل جمع ~~الأختين في ملك اليمين أيضا مع قوله: {أو ما ملكت أيمانكم} [النساء: 3] ~~فإنه يحل الجمع بين الأختين بعمومه، فيمكن أن يخصص قوله: {وأن تجمعوا بين ~~الأختين} [النساء: 23] بجمع الأختين في النكاح دون ملك اليمين لعموم قوله: ~~{أو ما ملكت أيمانكم} [النساء: 3] فهو على مذهب القاضي تعارض، وتدافع ~~بتقدير النسخ، ويشهد له قول علي، وعثمان - رضي الله عنهما - لما سئلا عن ~~هذه المسألة أعني: جمع أختين # PageV01P254 # في ملك اليمين فقالا: " حرمتهما آية، وحللتهما آية ". # أما على مذهبنا في حمله على البيان ما أمكن ليس أيضا أحدهما بأولى من ~~الآخر ما لم يظهر ترجيح، وقد ظهر، فنقول: حفظ عموم قوله: {وأن تجمعوا بين ~~الأختين} [النساء: 23] أولى لمعنيين أحدهما أنه عموم لم يتطرق إليه تخصيص ~~متفق فهو أقوى من عموم تطرق إليه التخصيص بالاتفاق، إذ قد استثني عن تحليل ~~ملك اليمين المشتركة والمستبرأة، والمجوسية، والأخت من الرضاع، والنسب، ~~وسائر المحرمات، أما الجمع بين الأختين فحرام على العموم الثاني: أن قوله: ~~{وأن تجمعوا بين الأختين} [النساء: 23] سيق بعد ذكر المحرمات، وعدها على ~~الاستقصاء إلحاقا لمحرمات تعم الحرائر، والإماء، وقوله: {أو ما ملكت ~~أيمانكم} [النساء: 3] ما سيق لبيان المحللات قصدا بل في معرض الثناء على ~~أهل التقوى الحافظين فروجهم عن غير الزوجات، والسراري فلا يظهر منه قصد ms401 ~~البيان. # فإن قيل: هل يجوز أن يتعارض عمومان، ويخلوا عن دليل الترجيح؟ قلنا قال ~~قوم: لا يجوز ذلك؛ لأنه يؤدي إلى التهمة، ووقوع الشبهة لتناقض الكلامين، ~~وهو منفر عن الطاعة، والاتباع، والتصديق، وهذا فاسد بل ذلك جائز، ويكون ذلك ~~مبينا لأهل العصر الأول، وإنما خفي علينا لطول المدة، واندراس القرائن، ~~والأدلة، ويكون ذلك محنة، وتكليفا علينا لنطلب الدليل من وجه آخر من ترجيح ~~أو نتخير، ولا تكليف في حقنا إلا بما بلغنا فليس فيه محال، وأما ما ذكروه ~~من التنفير، والتهمة فباطل،؛ لأن ذلك قد نفر طائفة من الكفار في ورود النسخ ~~حتى قال تعالى: {وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما ~~أنت مفتر} [النحل: 101] الآية، ثم ذلك لم يدل على استحالة النسخ. ### | [الفصل الثاني في جواز إسماع العموم من لم يسمع الخصوص] # إسماع العموم من لم يسمع الخصوص. # وقد اختلفوا في جوازه فقيل: لا يجوز ذلك؛ لأن فيه إلباسا، وتجهيلا، ونحن ~~نقول: يجب على الشارع أن يذكر دليل الخصوص إما مقترنا، وإما متراخيا على ما ~~ذكرناه من تأخير البيان، وليس من ضرورة كل مجتهد بلغه العموم أن يبلغه دليل ~~الخصوص، بل يجوز أن يغفل عنه، ويكون حكم الله عليه العمل بالعموم، وهذا ~~القدر الذي بلغه، ولا يكلف ما لم يبلغه. # ودليل جوازه وقوعه بالإجماع، فإن من الأدلة المخصصة ما هي عقلية غامضة ~~عجز عنها الأكثرون إلا الراسخون في العلم، وغلطوا فيها، فالألفاظ المتشابهة ~~في القرآن الموهمة للتشبيه بلغت الجميع، والأدلة العقلية الغامضة لم ينتبه ~~لها الجميع، ولم يرد الشرع صريحا بنفي التشبيه، وقطع الوهم، وذلك سبب ~~للجهل، والدليل عليه وقوع الجهل للمشبهة. فإن قيل: العقل الذي يدل على ~~التخصيص عتيد لكل عاقل فالحوالة عليه ليس بتجهيل. قلنا: وأي شيء ينفع كونه ~~عتيدا، ولم يزل به جهل الأكثرين، وكان يزول بالتصريح، والنص الذي لا يوهم ~~التشبيه أصلا. # احتجوا بشبهتين. # الأولى: أنه لو جاز ذلك لجاز أن يسمعهم المنسوخ دون الناسخ، والمستثنى ~~دون الاستئناء. قلنا: ذلك جائز ms402 في النسخ، وعليه العمل بالمنسوخ إلى أن ~~يبلغه الناسخ، وليس عليه إلا تجويز النسخ، والتصفح عن دليله، فإذا لم يبلغه ~~فلا تكليف عليه بما لم يبلغه كما إذا عجز عن معرفة التخصيص بعد البحث عمل ~~بالعموم، وأما الاستثناء فيشترط اتصاله فكيف لا يبلغه؟ نعم يجوز أن يسمعه ~~الأول، فينزعج عن المكان لعارض قبل سماع الاستثناء فلا يسمعه فلا يكون # PageV01P255 # مكلفا بما لم يبلغه الشبهة الثانية: قولهم تبليغ العام دون دليل الخصوص ~~تجهيل؛ فإنه يعتقد العموم، وهو جهل. # قلنا: الجهل من جهته إن اعتقد جزما عمومه، بل ينبغي أن يعتقد أن ظاهره ~~العموم، وهو محتمل للخصوص، ومكلف بطلب دليل الخصوص إلى أن يبلغه أو يظهر له ~~انتفاؤه؛ لأنه إن اعتقد أنه عام قطعا أو خاص قطعا أو لا عام، ولا خاص أو هو ~~عام، وخاص معا فكل ذلك جهل، فإذا بطل الكل لم يبق إلا اعتقاد أنه ظاهر في ~~العموم محتمل للخصوص، وبهذا يتبين بطلان مذهب أبي حنيفة حيث قال: قوله: ~~{فتحرير رقبة} [النساء: 92] يجب أن يعتقد عمومه قطعا حتى يكون إخراج ~~الكافرة نسخا، وقوله: {وليطوفوا بالبيت العتيق} [الحج: 29] يجب اعتقاد ~~إجزائه قطعا حتى يكون اشتراط الطهارة بدليل آخر نسخا. # ، وهو خطأ بل يعتقده ظاهرا محتملا أو يتوقف عن القطع، والجزم نفيا، ~~وإثباتا فإنه ليس بقاطع. ### | [الفصل الثالث في الوقت الذي يجوز للمجتهد الحكم بالعموم فيه] # الفصل الثالث الوقت الذي يجوز للمجتهد الحكم بالعموم فيه. # فإن قال قائل: إذا لم يجز الحكم بالعموم يتبين انتفاء دليل الخصوص، فمتى ~~يتبين له ذلك؟ وهل يشترط أن يعلم انتفاء المخصص قطعا أو يظنه ظنا؟ قلنا: لا ~~خلاف في أنه لا يجوز المبادرة إلى الحكم بالعموم قبل البحث عن الأدلة ~~العشرة التي أوردناها في المخصصات؛ لأن العموم دليل بشرط انتفاء المخصص، ~~والشرط بعد لم يظهر، وكذلك كل دليل يمكن أن يعارضه دليل فهو دليل بشرط ~~السلامة عن المعارضة فلا بد من معرفة الشرط، وكذلك الجمع بعلة مخيلة بين ~~الفرع، والأصل دليل بشرط أن لا ينقدح ms403 فرق فعليه أن يبحث عن الفوارق جهده أو ~~ينفيها ثم يحكم بالقياس، وهذا الشرط لا يحصل إلا بالبحث. # ولكن المشكل أنه إلى متى يجب البحث، فإن المجتهد، وإن استقصى أمكن أن يشذ ~~عنه دليل لم يعثر عليه، فكيف يحكم مع إمكانه؟ أو كيف ينحسم سبيل إمكانه؟ ~~وقد انقسم الناس في هذا على ثلاثة مذاهب: فقال قوم: يكفيه أن يحصل غلبة ~~الظن بالانتفاء عند الاستقصاء في البحث، كالذي يبحث عن متاع في بيت فيه ~~أمتعة كثيرة فلا يجده، فيغلب على ظنه عدمه، وقائل يقول: لا بد من اعتقاد ~~جازم، وسكون نفس بأنه لا دليل، أما إذا كان يشعر بجواز دليل يشذ عنه، ويحيك ~~في صدره إمكانه فكيف يحكم بدليل يجوز أن يكون الحكم به حراما؟ نعم إذا ~~اعتقد جزما، وسكنت نفسه إلى الدليل جاز له الحكم كان مخطئا عند الله أو ~~مصيبا، كما لو سكنت نفسه إلى القبلة فصلى إليها. # وقال قوم: لا بد أن يقطع بانتفاء الأدلة، وإليه ذهب القاضي؛؛ لأن ~~الاعتقاد الجزم من غير دليل قاطع سلامة قلب، وجهل، بل العالم الكامل يشعر ~~نفسه بالاحتمال حيث لا قاطع، ولا تسكن نفسه، والمشكل على هذا طريق تحصيل ~~القطع بالنفي، وقد ذكر فيه القاضي مسلكين: # أحدهما: أنه إذا بحث في مسألة قتل المسلم بالذمي عن مخصصات قوله: «لا ~~يقتل مؤمن بكافر» مثلا، فقال: هذه مسألة طال فيها خوض العلماء، وكثر بحثهم، ~~فيستحيل في العادة أن يشذ عن جميعهم مدركها، وهذه المدارك المنقولة عنهم ~~علمت بطلانها فاقطع بأن لا مخصص لها. # وهذا فاسد من وجهين: أحدهما: أنه حجر على الصحابة أن يتمسكوا بالعموم في ~~كل واقعة لم يكثر الخوض فيها، ولم يطل البحث عنها، ولا # PageV01P256 # شك في عملهم مع جواز التخصيص بل مع جواز نسخ لم يبلغهم كما حكموا بصحة ~~المخابرة بدليل عموم إحلال البيع، حتى روى رافع بن خديج النهي عنها. # الثاني: أنه بعد طول الخوض لا يحصل اليقين بل إن سلم أنه لا يشذ المخصص ~~عن جميع العلماء فمن أين ms404 لقي جميع العلماء، ومن أين عرف أنه بلغه كلام ~~جميعهم؟ فلعل منهم من تنبه لدليله، وما كتبه في تصنيفه، ولا نقل عنه، وإن ~~أورده في تصنيفه فلعله لم يبلغه، وعلى الجملة لا يظن بالصحابة فعل المخابرة ~~مع اليقين بانتفاء النهي، وكان النهي حاصلا، ولم يبلغهم بل كان الحاصل إما ~~ظنا، وإما سكون نفس. # المسلك الثاني: قال القاضي: لا يبعد أن يدعي المجتهد اليقين، وإن لم يدع ~~الإحاطة بجميع المدارك، إذ يقول لو كان الحكم خاصا لنصب الله تعالى عليه ~~دليلا للمكلفين، ولبلغهم ذلك، وما خفي عليهم، وهذا أيضا من الطراز الأول ~~فإنه لو اجتمعت الأمة على شيء أمكن القطع بأن لا دليل يخالفه إذ يستحيل ~~إجماعهم على الخطإ، أما في مسألة الخلاف كيف يتصور ذلك، والمختار عندنا أن ~~تيقن الانتفاء إلى هذا الحد لا يشترط، وأن المبادرة قبل البحث لا تجوز بل ~~عليه تحصيل علم، وظن باستقصاء البحث؛ أما الظن فبانتفاء الدليل في نفسه، ~~وأما القطع فبانتفائه في حقه بتحقيق عجز نفسه عن الوصول إليه بعد بذل غاية ~~وسعه، فيأتي بالبحث الممكن إلى حد يعلم أن بحثه بعد ذلك سعي ضائع، ويحس من ~~نفسه بالعجز يقينا، فيكون العجز عن العثور على الدليل في حقه يقينا، ~~وانتفاء الدليل في نفسه مظنون، وهو الظن بالصحابة في المخابرة، ونظائرها، ~~وكذلك الواجب في القياس، والاستصحاب، وكل ما هو مشروط بنفي دليل آخر ### | [الباب الخامس في الاستثناء والشرط والتقييد بعد الإطلاق] ### | [الفصل الأول في حقيقة الاستثناء] # الباب الخامس: في الاستثناء، والشرط، والتقييد بعد الإطلاق الفصل الأول: ~~في حقيقة الاستثناء الكلام في الاستثناء، والنظر في حقيقته وحده، ثم في ~~شرطه، ثم في تعقب الجمل المترادفة فهذه ثلاثة فصول. # الفصل الأول: في حقيقة الاستثناء. وصيغه معروفة، وهي: " إلا "، " وعدا "، ~~" وحاشا "، " وسوى "، وما جرى مجراها، وأم الباب " إلا "، وحده أنه قول ذو ~~صيغ مخصوصة محصورة دال على أن المذكور فيه لم يرد بالقول الأول، ففيه ~~احتراز عن أدلة التخصيص؛ لأنها قد لا تكون قولا، وتكون فعلا، وقرينة، ودليل ms405 ~~عقل، فإن كان قولا فلا تنحصر صيغه. واحترزنا بقولنا ذو صيغ محصورة " عن ~~قوله: رأيت المؤمنين، ولم أر زيدا، فإن العرب لا تسميه استثناء، وإن أفاد ~~ما يفيده قوله: إلا زيدا. ويفارق الاستثناء التخصيص في أنه يشترط اتصاله، ~~وأنه يتطرق إلى الظاهر، والنص جميعا، إذ يجوز أن يقول: عشرة إلا ثلاثة، كما ~~يقول: اقتلوا المشركين إلا زيدا، والتخصيص لا يتطرق إلى النص أصلا، وفيه ~~احتراز عن النسخ إذ هو رفع، وقطع، وفرق بين النسخ، والاستثناء، والتخصيص أن ~~النسخ رفع لما دخل تحت اللفظ، والاستثناء يدخل على الكلام، فيمنع أن يدخل ~~تحت اللفظ ما كان يدخل لولاه، والتخصيص يبين كون اللفظ قاصرا عن البعض؛ ~~فالنسخ قطع، ورفع، والاستثناء رفع، والتخصيص بيان، وسيأتي لهذا مزيد تحقيق ~~في فصل الشرط إن شاء الله. # PageV01P257 ### | [الفصل الثاني في الشروط وهي ثلاثة] # : الأول: الاتصال، فمن قال: اضرب المشركين، ثم قال بعد ساعة إلا زيدا، لم ~~يعد هذا كلاما بخلاف ما لو قال: أردت بالمشركين قوما دون قوم، ونقل عن ابن ~~عباس أنه جوز تأخير الاستثناء، ولعله لا يصح عنه النقل إذ لا يليق ذلك ~~بمنصبه، وإن صح فلعله أراد به إذا نوى الاستثناء أولا ثم أظهر نيته بعده ~~فيدين بينه، وبين الله فيما نواه، ومذهبه أن ما يدين فيه العبد فيقبل ظاهرا ~~أيضا فهذا له وجه. أما تجويز التأخير لو أجيز عليه دون هذا التأويل، فيرد ~~عليه اتفاق أهل اللغة على خلافه؛ لأنه جزء من الكلام يحصل به الإتمام، فإذا ~~انفصل لم يكن إتماما كالشرط، وخبر المبتدإ، فإنه لو قال: اضرب زيدا إذا قام ~~فهذا شرط، فلو أخر ثم قال: بعد شهر: إذا قام، لم يفهم هذا الكلام فضلا عن ~~أن يصير شرطا، وكذلك قوله: إلا زيدا بعد شهر لا يفهم، وكذلك لو قال: زيد ثم ~~قال: بعد شهر: قام لم يعد هذا خبرا أصلا. # ومن ههنا قال قوم: يجوز التأخير لكن بشرط أن يذكر عند قوله: " إلا زيدا " ~~أني أريد الاستثناء، حتى يفهم، وهذا أيضا ms406 لا يغني فإن هذا لا يسمى استثناء. ~~احتجوا بجواز تأخير النسخ، وأدلة التخصيص، وتأخير البيان. # فنقول: إن جاز القياس في اللغة، فينبغي أن يقاس عليه الشرط، والخبر، ولا ~~ذاهب إليه؛ لأنه لا قياس في اللغات، وكيف يشبه بأدلة التخصيص، وقوله إلا ~~زيدا يخرج عن كونه مفهوما فضلا عن أن يكون إتماما للكلام الأول # والشرط الثاني: أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه، كقوله: رأيت الناس ~~إلا زيدا، ولا تقول: رأيت الناس إلا حمارا. أو تستثني جزءا مما دخل تحت ~~اللفظ كقوله: رأيت الدار إلا بابها، ورأيت زيدا إلا وجهه، وهذا استثناء من ~~غير الجنس؛ لأن اسم الدار لا ينطلق على الباب، ولا اسم زيد على وجهه بخلاف ~~قوله: مائة ثوب إلا ثوبا، وعن هذا قال قوم: ليس من شرط الاستثناء أن يكون ~~من الجنس قال الشافعي: لو قال: علي مائة درهم إلا ثوبا صح، ويكون معناه إلا ~~قيمة ثوب، ولكن إذا رد إلى القيمة فكأنه تكلف رده إلى الجنس. # وقد ورد الاستثناء من غير الجنس كقوله تعالى: {فسجد الملائكة كلهم ~~أجمعون} [الحجر: 30] {إلا إبليس} [الحجر: 31] ، ولم يكن من الملائكة فإنه ~~قال: {إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه} [الكهف: 50] ، وقال تعالى ~~{وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ} [النساء: 92] استثنى الخطأ من ~~العمد، وقال تعالى: {فإنهم عدو لي إلا رب العالمين} [الشعراء: 77] ، وقال: ~~{لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة} [النساء: 29] ، وقال ~~تعالى {وما لأحد عنده من نعمة تجزى} [الليل: 19] {إلا ابتغاء وجه ربه ~~الأعلى} [الليل: 20] ، وهذا الاستثناء ليس فيه معنى التخصيص، والإخراج إذ ~~المستثنى ما كان ليدخل تحت اللفظ أصلا، ومن معتاد كلام العرب: ما في الدار ~~رجل إلا امرأة، وما له ابن إلا ابنة، وما رأيت أحدا إلا ثورا، وقال شاعرهم: # وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس # ، وقال آخر: # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب # PageV01P258 # وقد تكلف قوم عن هذا كله جوابا فقالوا: ليس هذا استثناء ms407 حقيقة بل هو ~~مجاز، وهذا خلاف اللغة فإن " إلا " في اللغة للاستثناء، والعرب تسمي هذا ~~استثناء، ولكن تقول: هو استثناء من غير الجنس، وأبو حنيفة - رحمه الله - ~~جوز استثناء المكيل من الموزون، وعكسه، ولم يجوز استثناء غير المكيل، ~~والموزون منهما في الأقارير، وجوزه الشافعي - رحمه الله -. # ، والأولى التجويز في الأقارير؛ لأنه إذا صار معتادا في كلام العرب وجب ~~قبوله لانتظامه، نعم اسم الاستثناء عليه مجاز أو حقيقة؟ وهذا فيه نظر، ~~واختار القاضي - رحمه الله - أنه حقيقة.، والأظهر عندي أنه مجاز؛؛ لأن ~~الاستثناء من الثني تقول: ثنيت زيدا عن رأيه، وثنيت العنان، فيشعر ~~الاستثناء بصرف الكلام عن صوبه الذي كان يقتضيه سياقه، فإذا ذكر ما لا دخول ~~له في الكلام الأول لولا الاستثناء أيضا فما صرف الكلام، ولا ثناه عن وجه ~~استرساله، فتسميته استثناء تجوز باللفظ عن موضعه فتكون " إلا " في هذا ~~الموضع بمعنى " لكن ". # الشرط الثالث: أن لا يكون مستغرقا، فلو قال لفلان علي عشرة إلا عشرة ~~لزمته العشرة؛ لأنه رفع الإقرار، والإقرار لا يجوز رفعه، وكذلك كل منطوق به ~~لا يرفع، ولكن يتمم بما يجري مجرى الجزء من الكلام، وكما أن الشرط جزء من ~~الكلام فالاستثناء جزء، وإنما لا يكون رفعا بشرط أن يبقى للكلام معنى. # أما استثناء الأكثر فقد اختلفوا فيه، والأكثرون على جوازه قال القاضي - ~~رحمه الله -: وقد نصرنا في مواضع جوازه، والأشبه أن لا يجوز؛ لأن العرب ~~تستقبح استثناء الأكثر، وتستحمق قول القائل: رأيت ألفا إلا تسعمائة وتسعة ~~وتسعين، بل قال كثير من أهل اللغة: لا يستحسن استثناء عقد صحيح بأن يقول: ~~عندي مائة إلا عشرة أو عشرة إلا درهما بل مائة إلا خمسة، وعشرة إلا دانقا، ~~كما قال تعالى: {فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما} [العنكبوت: 14] فلو بلغ ~~المائة لقال فلبث فيهم تسعمائة، ولكن لما كان كسرا استثناه. قال، ولا وجه ~~لقول من قال: لا ندري استقباحهم اطراح لهذا الكلام عن لغتهم أو هو كراهة، ~~واستثقال؟ لأنه إذا ثبت كراهتهم، وإنكارهم ثبت أنه ليس ms408 من لغتهم، ولو جاز ~~في هذا لجاز في كل ما أنكروه، وقبحوه من كلامهم. # احتجوا بأنه لما جاز استثناء الأقل جاز استثناء الأكثر، وهذا قياس فاسد، ~~كقول القائل: إذا جاز استثناء البعض جاز استثناء الكل، ولا قياس في اللغة. ~~ثم كيف يقاس ما كرهوه، وأنكروه على ما استحسنوه؟ واحتجوا بقوله تعالى: {قم ~~الليل إلا قليلا} [المزمل: 2] {نصفه أو انقص منه قليلا} [المزمل: 3] {أو زد ~~عليه} [المزمل: 4] ، ولا فرق بين استثناء النصف والأكثر فإنه ليس بأقل وقال ~~الشاعر: # أدوا التي نقصت تسعين من مائة ... ثم ابعثوا حكما بالحق قوالا # ، والجواب # أن قوله تعالى: {قم الليل إلا قليلا} [المزمل: 2] {نصفه} [المزمل: 3] أي: ~~قم نصفه، وليس باستثناء، وقول الشاعر ليس باستثناء، إذ يجوز أن تقول: أسقطت ~~تسعين من جملة المائة؛ هذا ما ذكره القاضي، والأولى عندنا أن هذا استثناء ~~صحيح، وإن كان مستكرها، فإذا قال: علي عشرة إلا تسعة فلا يلزمه باتفاق ~~الفقهاء إلا درهم، ولا سبب له إلا أنه استثناء صحيح، وإن كان قبيحا، كقوله ~~علي عشرة إلا تسع سدس ربع درهم، فإن هذا قبيح لكن يصح، وإنما المستحسن ~~استثناء الكسر، وأما قوله: عشرة إلا أربعة فليس بمستحسن بل # PageV01P259 # ربما يستنكر أيضا، لكن الاستنكار على الأكثر أشد، وكلما ازداد قلة ازداد ~~حسنا. ### | [الفصل الثالث في تعقب الجمل بالاستثناء] # . فإذا قال القائل: من قذف زيدا فاضربه، واردد شهادته واحكم بفسقه إلا أن ~~يتوب أو إلا الذين تابوا، ومن دخل الدار أو فحش الكلام، وأكل الطعام عاقبه ~~إلا من تاب. فقال قوم: يرجع إلى الجميع، وقال قوم: يقصر على الأخير، وقال ~~قوم: يحتمل كليهما، فيجب التوقف إلى قيام دليل. # وحجج القائلين بالشمول ثلاث الأولى: أنه لا فرق بين أن يقول: اضرب ~~الجماعة التي منها قتلة، وسراق، وزناة إلا من تاب، وبين قوله: عاقب من قتل، ~~وزنى، وسرق إلا من تاب، في رجوع الاستثناء إلى الجميع. الاعتراض: أن هذا ~~قياس، ولا مجال للقياس في اللغة، فلم قلتم: إن اللفظ المتفاضل المتعدد ~~كاللفظ المتحد؟ # الثانية: قولهم ms409 أهل اللغة مطبقون على أن تكرار الاستثناء عقيب كل جملة ~~نوع من العي، واللكنة، كقوله: إن دخل الدار فاضربه إلا أن يتوب، وإن أكل ~~فاضربه إلا أن يتوب، وإن تكلم فاضربه إلا أن يتوب. # وهذا ما لا يستنكر الخصم استقباحه بل يقول ذلك واجب لتعرف شمول ~~الاستثناء. # الثالثة: أنه لو قال: والله لا أكلت الطعام، ولا دخلت الدار، ولا كلمت ~~زيدا إن شاء الله تعالى، يرجع الاستثناء إلى الجميع وكذلك الشرط عقيب الجمل ~~يرجع إليها كقوله: أعط العلوية، والعلماء إن كانوا فقراء، وهذا مما لا ~~تسلمه الواقفية بل يقولون: هو متردد بين الشمول، والاقتصار، والشك كاف في ~~استصحاب الأصل من براءة الذمة في اليمين، ومنع الإعطاء إلا عند الإذن ~~المستيقن، ومن سلم من المخصصة ذلك فهو مشكل عليه إلا أن يجيب بإظهار دليل ~~فقهي يقضي في الشرط خاصة دون الاستثناء. # وحجة المخصصة اثنتان الأولى: قولهم إن المعممين عمموا؛ لأن كل جملة غير ~~مستقلة فصارت جملة واحدة بالواو العاطفة، ونحن إذا خصصنا بالأخير جعلناها ~~مستقلة، وهذا تقرير علة للخصم، واعتراض عليهم، ولعلهم لا يعللون بذلك. ثم ~~علة عدم الاستقلال أنه لو اقتصر عليه لم يفد، وهذا لا يندفع بتخصيص ~~الاستثناء به. # الثانية: قولهم إطلاق الكلام الأول معلوم، ودخوله تحت الاستئناء مشكوك ~~فيه فلا ينبغي أن يخرج منه ما دخل فيه إلا بيقين. # وهذا فاسد من أوجه: # الأول: أنا لا نسلم إطلاق الأول قبل تمام الكلام، وما تم الكلام حتى أردف ~~باستثناء يرجع إليه عند المعمم، ويحتمل الرجوع إليه عند المتوقف. # الثاني: أنه لا يتعين رجوعه إلى الأخير بل يجوز رجوعه إلى الأول فقط فكيف ~~نسلم اليقين # الثالث: أنه لا يسلم ما ذكروه في الشرط، والصفة، ويسلم أكثرهم عموم ذلك، ~~ويلزمهم قصر لفظ الجمع على الاثنين أو الثلاثة؛ لأنه المستيقن # حجة الواقفية: أنه إذا بطل التعميم، والتخصيص؛ لأن كل واحد تحكم، ورأينا ~~العرب تستعمل كل واحد منهما، ولا يمكن الحكم أن أحدهما حقيقة، والآخر مجاز، ~~فيجب التوقف لا محالة إلا أن يثبت ms410 نقل متواتر من أهل اللغة أنه حقيقة في ~~أحدهما مجاز في الآخر. # وهذا هو الأحق، وإن لم يكن بد من رفع التوقف، فمذهب المعممين أولى؛ لأن ~~الواو ظاهرة في العطف # PageV01P260 # وذلك يوجب نوعا من الاتحاد بين المعطوف، والمعطوف عليه، لكن " الواو " ~~محتمل أيضا للابتداء كقوله تعالى: {لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى ~~أجل مسمى} [الحج: 5] ، وقوله عز وجل: {فإن يشأ الله يختم على قلبك ويمح ~~الله الباطل} [الشورى: 24] ، والذي يدل على أن التوقف أولى أنه ورد في ~~القرآن الأقسام كلها من الشمول، والاقتصار على الأخير، والرجوع إلى بعض ~~الجمل السابقة، كقوله تعالى: {فاجلدوهم} [النور: 4] فقوله تعالى: {إلا ~~الذين تابوا} [النور: 5] لا يرجع إلى الجلد، ويرجع إلى الفسق، وهل يرجع إلى ~~الشهادة؟ فيه خلاف وقوله تعالى: {فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله ~~إلا أن يصدقوا} [النساء: 92] يرجع إلى الأخير، وهو الدية؛؛ لأن التصدق لا ~~يؤثر في الإعتاق. # وقوله تعالى: {فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو ~~كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام} [المائدة: 89] فقوله: ~~{فمن لم يجد} [المائدة: 89] يرجع إلى الخصال الثلاثة، وقوله: {وإذا جاءهم ~~أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم ~~لعلمه} [النساء: 83] إلى قوله: {إلا قليلا} [النساء: 83] فهذا يبعد حمله ~~على الذي يليه؛ لأنه يؤدي إلى أن لا يتبع الشيطان بعض من لم يشمله فضل ~~الله، ورحمته، فقيل إنه محمول على قوله: {لعلمه الذين يستنبطونه منهم} ~~[النساء: 83] إلا قليلا منهم لتقصير، وإهمال، وغلط، وقيل: إنه يرجع إلى ~~قوله: {أذاعوا به} [النساء: 83] ، ولا يبعد أن يرجع إلى الأخير، ومعناه: ~~ولولا فضل الله عليكم، ورحمته ببعثة محمد - عليه السلام - لاتبعتم الشيطان ~~إلا قليلا قد كان تفضل عليهم بالعصمة من الكفر قبل البعثة، كأويس القرني، ~~وزيد بن عمرو بن نفيل، وقس بن ساعدة، وغيرهم ممن تفضل الله عليهم بتوحيده، ~~واتباع رسوله قبله. # القول في دخول الشرط على الكلام دخول الشرط على الكلام: # اعلم أن ms411 الشرط عبارة عما لا يوجد المشروط مع عدمه لكن لا يلزمه أن يوجد ~~وجوده، وبه يفارق العلة إذ العلة يلزم من وجودها وجود المعلول، والشرط يلزم ~~من عدمه عدم المشروط، ولا يلزم من وجوده وجوده. والشرط عقلي، وشرعي، ولغوي، ~~والعقلي كالحياة للعلم، والعلم للإرادة، والمحل للحياة، إذ الحياة تنتفي ~~بانتفاء المحل فإنه لا بد لها من محل، ولا يلزم وجودها بوجود المحل، ~~والشرعي كالطهارة للصلاة، والإحصان للرجم، واللغوي كقوله: " إن دخلت الدار ~~فأنت طالق، وإن جئتني أكرمتك " فإن مقتضاه في اللسان باتفاق أهل اللغة ~~اختصاص الإكرام بالمجيء، فإنه إن كان يكرمه دون المجيء لم يكن كلامه ~~اشتراطا، فنزل الشرط منزلة تخصيص العموم، ومنزلة الاستثناء إذ لا فرق بين ~~قوله: اقتلوا المشركين إلا أن يكونوا أهل عهد، وبين أن يقول: اقتلوا ~~المشركين إن كانوا حربيين، وكل واحد من الشرط، والاستثناء يدخل على الكلام ~~فيغيره عما كان يقتضيه لولا الشرط، والاستثناء حتى يجعله متكلما بالباقي لا ~~أنه مخرج من كلامه ما دخل فيه، فإنه لو دخل فيه لما خرج؛ نعم كان يقبل ~~القطع في الدوام بطريق النسخ، فأما رفع ما سبق دخوله في الكلام فمحال، فإذا ~~قال: أنت طالق إن دخلت الدار، فمعناه: أنك عند الدخول طالق، فكأنه لم يتكلم ~~بالطلاق إلا بالإضافة إلى حال الدخول، أما أن نقول: تكلم # PageV01P261 # بالطلاق عاما مطلقا دخل أو لم يدخل ثم أخرج ما قبل الدخول فليس هذا ~~بصحيح. فإن قيل: قوله: اقتلوا المشركين إلا أهل الذمة أو إن لم يكونوا ~~ذميين، فلفظ المشركين " متناول للجميع ولأهل الذمة لكن خرج أهل الذمة ~~بإخراجه بالشرط، والاستثناء. قلنا: هو كذلك لو اقتصر عليه، ولذلك يمتنع ~~الإخراج بالشرط، والاستثناء منفصلا، ولو قدر على الإخراج لم يفرق بين ~~المنفصل، والمتصل، ولكن إذا لم يقتصر، وألحق به ما هو جزء منه، وإتمام له ~~غير موضوع الكلام فجعله كالناطق بالباقي، ودفع دخول البعض،، ومعنى الدافع ~~أنه كان يدخل لولا الشرط، والاستثناء فإذا لحقا قبل الوقوف دفعا. # فقوله تعالى: {فويل للمصلين} [الماعون: 4] لا ms412 حكم له قبل إتمام الكلام، ~~فإذا تم الكلام كان الويل مقصورا على من وجد فيه شرط السهو، والرياء لا أنه ~~دخل فيه كل مصل ثم خرج البعض، فهكذا ينبغي أن يفهم حقيقة الاستثناء، والشرط ~~فاعلموه # ترشدوا. # القول في المطلق، والمقيد: اعلم أن التقييد اشتراط، والمطلق محمول على ~~المقيد إن اتحد الموجب، والموجب كما لو قال: «لا نكاح إلا بولي، وشهود» ، ~~وقال: «لا نكاح إلا بولي، وشاهدي عدل» فيحمل المطلق على المقيد، فلو قال في ~~كفارة القتل: {فتحرير رقبة} [النساء: 92] ثم قال فيها مرة أخرى: {فتحرير ~~رقبة مؤمنة} [النساء: 92] ، فيكون هذا اشتراطا ينزل عليه الإطلاق، وهذا ~~صحيح، ولكن على مذهب من لا يرى بين الخاص، والعام تقابل الناسخ، والمنسوخ ~~كما نقلناه عن القاضي، والقاضي مع مصيره إلى التعارض نقل الاتفاق عن ~~العلماء على تنزيل المطلق على المقيد عند اتحاد الحكم. # أما إذا اختلف الحكم كالظهار، والقتل فقال قوم: يحمل المطلق على المقيد ~~من غير حاجة إلى دليل، كما لو اتحدت الواقعة، وهذا تحكم محض يخالف وضع ~~اللغة إذ لا يتعرض القتل للظهار فكيف يرفع الإطلاق الذي فيه، والأسباب ~~المختلفة تختلف في الأكثر شروط واجباتها؟ كيف، ويلزم من هذا تناقض؟ فإن ~~الصوم مقيد بالتتابع في الظهار، والتفريق في الحج حيث قال تعالى {ثلاثة ~~أيام في الحج، وسبعة إذا رجعتم} [البقرة: 196] ، ومطلق في اليمين فليت شعري ~~على أي المقيدين يحمل؟ فقال قوم: لا يحمل على المقيد أصلا، وإن قام دليل ~~القياس؛ لأنه نسخ، ولا سبيل إلى نسخ الكتاب بالقياس، وإلى هذا ذهب أبو ~~حنيفة إذ جعل الزيادة على النص نسخا. # ، وقد بينا فساد هذا في كتاب النسخ، وأن قوله تعالى: {فتحرير رقبة} ~~[النساء: 92] ليس هو نصا في إجزاء الكافرة بل هو عام يعتقد ظهوره مع تجويز ~~قيام الدليل على خصوصه، أما أن يعتقد عمومه قطعا فهذا خطأ في اللغة، وقال ~~الشافعي - رحمه الله -: إن قام دليل حمل عليه، ولم يكن فيه إلا تخصيص ~~العموم، وهذا هو الطريق الصحيح. فإن قيل: إنما يطلب بالقياس ms413 حكم ما ليس ~~منطوقا به في كفارة الظهار، ومقتضاها إجزاء الكفارة. قلنا بينا أن كون ~~الكفارة منطوقا بها مشكوك فيه إذ ليس تناول عموم الرقبة له كالتنصيص على: ~~الكافرة، وقد كشفنا الغطاء في مسألة تخصيص عموم القرآن بالقياس. # هذا تمام القول في العموم، والخصوص، ولواحقه من الاستثناء، والشرط، ~~والتقييد، وبه تم الكلام في الفن الأول، وهو دلالة اللفظ على معناه من حيث ~~الصيغة، والوضع. # PageV01P262 ### | [الفن الثاني فيما يقتبس من الألفاظ من حيث فحواها وإشارتها وهي خمسة أضرب] ### | [الضرب الأول ما يسمى اقتضاء] # الفن الثاني: فيما يقتبس من الألفاظ لا من حيث صيغتها بل من حيث فحواها، ~~وإشارتها، وهي خمسة أضرب الضرب الأول ما يسمى اقتضاء، وهو الذي لا يدل عليه ~~اللفظ، ولا يكون منطوقا به، ولكن يكون من ضرورة اللفظ إما من حيث لا يمكن ~~كون المتكلم صادقا إلا به أو من حيث يمتنع وجود الملفوظ شرعا إلا به أو من ~~حيث يمتنع ثبوته عقلا إلا به. # أما المقتضى الذي هو ضرورة صدق المتكلم فكقوله - عليه السلام -: «لا صيام ~~لمن لم يبيت الصيام من الليل» فإنه نفى الصوم، والصوم لا ينتفي بصورته، ~~فمعناه: لا صيام صحيح أو كامل، فيكون حكم الصوم هو المنفي لا نفسه، والحكم ~~غير منطوق به لكن لا بد منه لتحقيق صدق الكلام، فعن هذا قلنا لا عموم له؛ ~~لأنه ثبت اقتضاء لا لفظا. # وهذا يصح على مذهب من ينكر الأسماء الشرعية، ويقول لفظ الصوم باق على ~~مقتضى اللغة فيفتقر فيه إلى إضمار الحكم، أما من " جعله عبارة عن الصوم ~~الشرعي، فيكون انتفاؤه بطريق النطق لا بطريق الاقتضاء، بل مثاله: لا عمل ~~إلا بنية «، ورفع عن أمتي الخطأ، والنسيان» ، وما سبقت أمثلته في باب ~~المجمل، وأما مثال ما ثبت اقتضاء لتصور المنطوق به شرعا فقول القائل: أعتق ~~عبدك عني، فإنه يتضمن الملك، ويقتضيه، ولم ينطق به، لكن العتق المنطوق به ~~شرط نفوذه شرعا تقدم الملك فكان ذلك مقتضى اللفظ، وكذلك لو أشار إلى عبد ~~الغير، وقال: والله ms414 لأعتقن هذا العبد، يلزمه تحصيل الملك فيه إن أراد البر، ~~وإن لم يتعرض له لضرورة الملتزم. # وأما مثال ما ثبت اقتضاء لتصور المنطوق به عقلا فقوله تعالى: {حرمت عليكم ~~أمهاتكم} [النساء: 23] فإنه يقتضي إضمار الوطء أي: حرم عليكم وطء أمهاتكم؛؛ ~~لأن الأمهات عبارة عن الأعيان، والأحكام لا تتعلق بالأعيان بل لا يعقل ~~تعلقها إلا بأفعال المكلفين، فاقتضى اللفظ فعلا وصار ذلك هو الوطء من بين ~~سائر الأفعال بعرف الاستعمال، وكذلك قوله: {حرمت عليكم الميتة والدم} ~~[المائدة: 3] {أحلت لكم بهيمة الأنعام} [المائدة: 1] أي: الأكل. # ويقرب منه: {واسأل القرية} [يوسف: 82] أي: أهل القرية؛؛ لأنه لا بد من ~~الأهل حتى يعقل السؤال فلا بد من إضماره، ويجوز أن يلقب هذا بالإضمار دون ~~الاقتضاء، والقول في هذا قريب ### | [الضرب الثاني ما يؤخذ من إشارة اللفظ] # ما يؤخذ من إشارة اللفظ لا من اللفظ، ونعني به: ما يتسع اللفظ من # غير تجريد قصد إليه، فكما أن المتكلم قد يفهم بإشارته، وحركته في أثناء ~~كلامه ما لا يدل عليه نفس اللفظ فيسمى إشارة، فكذلك قد يتبع اللفظ ما لم ~~يقصد به، ويبنى عليه. # ومثال ذلك تمسك العلماء في تقدير أقل الطهر، وأكثر الحيض بخمسة عشر يوما ~~بقوله - عليه السلام -: «إنهن ناقصات عقل، ودين فقيل: ما نقصان دينهن؟ ~~فقال: تقعد إحداهن في قعر بيتها شطر دهرها لا تصلي، ولا تصوم» فهذا إنما ~~سيق لبيان نقصان الدين، وما وقع النطق قصدا إلا به لكن حصل به إشارة إلى ~~أكثر الحيض، وأقل الطهر، وأنه لا يكون فوق شطر الدهر، وهو خمسة عشر يوما من ~~الشهر، إذ لو تصور الزيادة لتعرض لها عند قصد المبالغة في نقصان دينها، ~~ومثاله استدلال الشافعي - رحمه الله - في تنجس الماء القليل بنجاسة لا ~~تغيره # PageV01P263 # بقوله - عليه السلام -: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في ~~الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده» إذ قال: لولا أن يقين ~~النجاسة ينجس لكان توهمها لا يوجب الاستحباب. # ، ومثاله تقدير أقل مدة الحمل بستة ms415 أشهر أخذا من قوله: {وحمله وفصاله ~~ثلاثون شهرا} [الأحقاف: 15] ، وقد قال في موضع آخر: {وفصاله في عامين} ~~[لقمان: 14] ، ومثاله المصير إلى أن من وطئ بالليل في رمضان فأصبح جنبا لم ~~يفسد صومه؛ لأنه قال: {وكلوا واشربوا حتى يتبين} [البقرة: 187] ، وقال: ~~{فالآن باشروهن} [البقرة: 187] ثم مد الرخصة إلى أن يتبين الخيط الأبيض من ~~الخيط الأسود من الفجر، فتشعر الآية بجواز الأكل، والشرب، والجماع في جميع ~~الليل، ومن فعل ذلك في آخر الليل استأخر غسله إلى النهار، وإلا وجب أن يحرم ~~الوطء في آخر جزء من الليل بمقدار ما يتسع للغسل. فهذا، وأمثاله مما يكثر، ~~ويسمى إشارة اللفظ. ### | [الضرب الثالث فهم التعليل من إضافة الحكم إلى الوصف المناسب] # كقوله تعالى: {، والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38] ، و ~~{الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما} [النور: 2] فإنه كما فهم وجوب ~~القطع، والجلد على السارق، والزاني، وهو المنطوق به فهم كون السرقة، والزنا ~~علة للحكم، وكونه علة غير منطوق به لكن يسبق إلى الفهم من فحوى الكلام. ~~وقوله تعالى: {إن الأبرار لفي نعيم} [الانفطار: 13] {وإن الفجار لفي جحيم} ~~[الانفطار: 14] أي: لبرهم، وفجورهم، وكذلك كل ما خرج مخرج الذم، والمدح، ~~والترغيب، والترهيب، وكذلك إذا قال: ذم الفاجر، وامدح المطيع، وعظم العالم، ~~فجميع ذلك يفهم منه التعليل من غير نطق به، وهذا قد يسمى إيماء، وإشارة كما ~~يسمى فحوى الكلام، ولحنه، وإليك الخيرة في تسميته بعد الوقوف على جنسه، ~~وحقيقته. ### | [الضرب الرابع فهم غير المنطوق به من المنطوق] # بدلالة سياق الكلام، ومقصوده، كفهم تحريم الشتم، والقتل، والضرب من قوله ~~تعالى: {فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما} [الإسراء: 23] ، وفهم تحريم مال ~~اليتيم، وإحراقه، وإهلاكه من قوله تعالى: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ~~ظلما} [النساء: 10] ، وفهم ما وراء الذرة، والدينار من قوله تعالى: {فمن ~~يعمل مثقال ذرة خيرا يره} [الزلزلة: 7] ، وقوله: {ومنهم من إن تأمنه بدينار ~~لا يؤده إليك} [آل عمران: 75] ، وكذلك قول القائل: ما أكلت له برة، ولا ~~شربت له شربة، ولا أخذت من ماله حبة، فإنه يدل على ms416 ما وراءه. # فإن قيل: هذا من قبيل التنبيه بالأدنى على الأعلى. قلنا: لا حجر في هذه ~~التسمية، لكن يشترط أن يفهم أن مجرد ذكر الأدنى لا يحصل هذا التنبيه ما لم ~~يفهم الكلام، وما سيق له، فلولا معرفتنا بأن الآية سيقت لتعظيم الوالدين ~~واحترامهما لما فهمنا منع الضرب، والقتل من منع التأفيف، إذ قد يقول ~~السلطان إذا أمر بقتل ملك: لا تقل له أف لكن اقتله، وقد يقول: والله ما ~~أكلت مال فلان، ويكون قد أحرق ماله فلا يحنث. فإن قيل: الضرب حرام قياسا ~~على التأفيف؛ لأن التأفيف إنما حرم للإيذاء، وهذا الإيذاء فوقه. # قلنا: إن أردت بكونه قياسا أنه محتاج إلى تأمل، واستنباط علة فهو خطأ، ~~وإن أردت أنه مسكوت فهم من منطوق فهو صحيح بشرط أن يفهم أنه أسبق إلى الفهم ~~من المنطوق أو هو معه، وليس # PageV01P264 # متأخرا عنه، وهذا قد يسمى مفهوم الموافقة، وقد يسمى فحوى اللفظ ولكل فريق ~~اصطلاح آخر فلا تلتفت إلى الألفاظ واجتهد في إدراك حقيقة هذا الجنس. ### | [الضرب الخامس هو المفهوم] # ، ومعناه الاستدلال بتخصيص الشيء بالذكر على نفي الحكم عما عداه، ويسمى ~~مفهوما؛ لأنه مفهوم مجرد لا يستند إلى منطوق، وإلا فما دل عليه المنطوق ~~أيضا مفهوم، وربما سمي هذا دليل الخطاب، ولا التفات إلى الأسامي، وحقيقته ~~أن تعليق الحكم بأحد وصفي الشيء يدل على نفيه عما يخالفه في الصفة كقوله ~~تعالى: {ومن قتله منكم متعمدا} [المائدة: 95] ، وكقوله - عليه السلام -: ~~«في سائمة الغنم الزكاة» «، والثيب أحق بنفسها من وليها» «، ومن باع نخلة ~~مؤبرة فثمرتها للبائع» فتخصيص العمد، والسوم والثيوبة، والتأبير بهذه ~~الأحكام هل يدل على نفي الحكم عما عداها؟ فقال الشافعي، ومالك، والأكثرون ~~من أصحابهما: إنه يدل، وإليه ذهب الأشعري إذ احتج في إثبات خبر الواحد ~~بقوله تعالى: {إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا} [الحجرات: 6] قال: هذا يدل على ~~أن العدل بخلافه. # واحتج في مسألة الرؤية بقوله تعالى: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} ~~[المطففين: 15] قال: وهذا يدل على أن المؤمنين بخلافهم، وقال جماعة ms417 من ~~المتكلمين، ومنهم القاضي، وجماعة من حذاق الفقهاء، ومنهم ابن شريح: إن ذلك ~~لا دلالة له، وهو الأوجه عندنا، ويدل عليه مسالك الأول: أن إثبات زكاة ~~السائمة مفهوم، أما نفيها عن المعلوفة اقتباسا من مجرد الإثبات لا يعلم إلا ~~بنقل من أهل اللغة متواتر أو جار مجرى المتواتر، والجاري مجرى المتواتر ~~كعلمنا بأن قولهم " ضروب، وقتول "، وأمثاله للتكثير، وأن قولهم عليم، ~~وأعلم، وقدير، وأقدر " للمبالغة، أعني: الأفعل. أما نقل الآحاد فلا يكفي إذ ~~الحكم على لغة ينزل عليها كلام الله تعالى بقول الآحاد مع جواز الغلط لا ~~سبيل إليه. # فإن قيل: فمن نفى المفهوم افتقر إلى نقل متواتر أيضا. قلنا: لا حاجة إلى ~~حجة فيما لم يضعوه فإن ذلك لا يتناهى، إنما الحجة على من يدعي الوضع. # الثاني: حسن الاستفهام، فإن من قال: ضربك زيد عامدا فاضربه حسن أن يقول: ~~فإن ضربني خاطئا أفأضربه؟ ، وإذا قال: أخرج الزكاة من ماشيتك السائمة حسن ~~أن يقول: هل أخرجها من المعلوفة، وحسن الاستفهام يدل على أن ذلك غير مفهوم، ~~فإنه لا يحسن في المنطوق، وحسن في المسكوت عنه. فإن قيل: حسن؛ لأنه قد لا ~~يراد به النفي مجازا. # قلنا: الأصل أنه إذا احتمل ذلك كان حقيقة، وإنما يرد إلى المجاز بضرورة ~~دليل، ولا دليل. # المسلك الثالث: أنا نجدهم يعلقون الحكم على الصفة تارة مع مساواة المسكوت ~~عنه للمنطوق، وتارة مع المخالفة فالثبوت للموصوف معلوم منطوق، والنفي عن ~~المسكوت محتمل، فليكن على الوقف إلى البيان بقرينة زائدة، ودليل آخر. أما ~~دعوى كونه مجازا عند الموافقة حقيقة عند المخالفة فتحكم بغير دليل يعارضه ~~عكسه من غير ترجيح. # المسلك الرابع: أن الخبر عن ذي الصفة لا ينفي غير الموصوف، فإذا قال: قام # PageV01P265 # الأسود أو خرج أو قعد، لم يدل على نفيه على الأبيض بل هو سكوت عن الأبيض، ~~وإن منع ذلك مانع، وقد قيل به لزمه تخصيص اللقب، والاسم العلم حتى يكون ~~قولك رأيت زيدا نفيا للرؤية عن غيره، وإذا قال: ركب زيد، دل على نفي ms418 الركوب ~~عن غيره، وقد تبع هذا بعضهم، وهو بهت، واختراع على اللغات كلها، فإن قولنا: ~~رأيت زيدا لا يوجب نفي رؤيته عن ثوب زيد، ودابته، وخادمه، ولا عن غيره؛ إذ ~~يلزم أن يكون قوله: زيد عالم " كفرا؛ لأنه نفي للعلم عن الله، وملائكته، ~~ورسله، وقوله عيسى نبي الله " كفرا؛ لأنه نفي للنبوة عن محمد - عليه السلام ~~-، وعن غيره من الأنبياء. # فإن قيل: هذا قياس الوصف على اللقب، ولا قياس في اللغة. قلنا: ما قصدنا ~~به إلا ضرب مثال ليتنبه به حتى يعلم أن الصفة لتعريف الموصوف فقط، كما أن ~~أسماء الأعلام لتعريف الأشخاص، ولا فرق بين قوله: " في الغنم زكاة " في نفي ~~الزكاة عن البقر، والإبل، وبين قوله: «في سائمة الغنم زكاة» في نفي الزكاة ~~عن المعلوف. # المسلك الخامس: أنا كما أنا لا نشك في أن للعرب طريقا إلى الخبر عن مخبر ~~واحد، واثنين، وثلاثة اقتصارا عليه مع السكوت عن الباقي، فلها طريق أيضا في ~~الخبر عن الموصوف بصفة فتقول: رأيت الظريف، وقام الطويل، ونكحت الثيب، ~~واشتريت السائمة، وبعت النخلة المؤبرة، فلو قال بعد ذلك: نكحت البكر أيضا، ~~واشتريت المعلوفة أيضا لم يكن هذا مناقضا للأول، ورفعا له، وتكذيبا لنفسه، ~~كما لو قال: ما نكحت الثيب، وما اشتريت السائمة، ولو فهم النفي كما فهم ~~الإثبات لكان الإثبات بعده تكذيبا، ومضادا لما سبق. # وقد احتج القائلون بالمفهوم بمسالك. # الأول: أن الشافعي - رحمه الله - من جملة العرب، ومن علماء اللغة، وقد ~~قال بدليل الخطاب، وكذلك أبو عبيدة من أئمة اللغة، وقد قال في قوله: - عليه ~~السلام -: «لي الواجد ظلم يحل عرضه، وعقوبته» فقال: دليله أن من ليس بواجد ~~لا يحل ذلك منه، وفي قوله: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير من أن ~~يمتلئ شعرا» فقيل: إنه أراد الهجاء، والسب أو هجو الرسول - عليه السلام - ~~فقال: ذلك حرام قليله، وكثيره امتلأ به الجوف أو قصر، فتخصيصه بالامتلاء ~~يدل على أن ما دونه بخلافه، وأن من لم يتجرد للشعر ليس مرادا بهذا ms419 الوعيد. # والجواب أنهما إن قالاه عن اجتهاد فلا يجب تقليدهما، وقد صرحا بالاجتهاد ~~إذ قالا: لو لم يدل على النفي لما كان للتخصيص بالذكر فائدة.، وهذا ~~الاستدلال معرض للاعتراض كما سيأتي، فليس على المجتهد قبول قول من لم تثبت ~~عصمته عن الخطإ فيما يظنه بأهل اللغة، وبالرسول، وإن كان ما قالاه عن نقل ~~فلا يثبت هذا بقول الآحاد، ويعارضه أقوال جماعة أنكروه، وقد قال قوم: لا ~~تثبت اللغة بنقل أرباب المذاهب، والآراء فإنهم يميلون إلى نصرة مذاهبهم فلا ~~تحصل الثقة بقولهم # المسلك الثاني: أن الله تعالى قال: {إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر ~~الله لهم} [التوبة: 80] فقال - عليه السلام -: «لأزيدن على السبعين» فهذا ~~يدل على أن حكم ما عدا # PageV01P266 # السبعين بخلافه، والجواب من أوجه: # الأول: أن هذا خبر واحد لا تقوم به الحجة في إثبات اللغة،، والأظهر أنه ~~غير صحيح؛ لأنه - عليه السلام - أعرف الخلق بمعاني الكلام، وذكر السبعين ~~جرى مبالغة في اليأس، وقطع الطمع عن الغفران كقول القائل: اشفع أو لا تشفع، ~~وإن شفعت لهم سبعين مرة لم أقبل منك شفاعتك. # الثاني: أنه قال: «لأزيدن على السبعين» ، ولم يقل ليغفر لهم، فما كان ذلك ~~لانتظار الغفران بل لعله لاستمالة قلوب الأحياء منهم لما رأى من المصلحة ~~فيهم ولترغيبهم في الدين لا لانتظار غفران الله تعالى مع المبالغة في ~~اليأس، وقطع الطمع. # الجواب الثالث: أن تخصيص نفي المغفرة بالسبعين أدل على جواز المغفرة بعد ~~السبعين أو على وقوعه، فإن قلتم على وقوعه فهو خلاف الإجماع، وإن قلتم على ~~جوازه فقد كان الجواز ثابتا بالعقل قبل الآية فانتفى الجواز المقدر ~~بالسبعين، والزيادة ثبت جوازها بدليل العقل لا بالمفهوم. # المسلك الثالث لهم: أن الصحابة قالوا: الماء من الماء منسوخ بقول عائشة - ~~رضي الله عنها -: «إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل» فلو لم يتضمن نفي ~~الماء عن غير الماء لما كان وجوبه بسبب آخر نسخا له، فإنه لم ينسخ وجوبه ~~بالماء بل انحصاره عليه، واختصاصه به، والجواب من أوجه: # الأول: أن هذا ms420 نقل آحاد، ولا تثبت به اللغة. # الثاني: أنه يصح عن قوم مخصوصين لا عن كافة الصحابة، فيكون ذلك مذهبا لهم ~~بطريق الاجتهاد، ولا يجب تقليدهم. # الثالث: أنه يحتمل أنهم فهموا منه أن كل الماء من الماء، ففهموا من لفظ ~~الماء المذكور أولا العموم، والاستغراق لجنس استعمال الماء، وفهموا أخيرا ~~كون خبر التقاء الختانين نسخا لعموم الأول لا لمفهومه، ودليل خطابه، وكل ~~عام أريد به الاستغراق فالخاص بعده يكون نسخا لبعضه، ويتقابلان إن اتحدت ~~الواقعة. # الرابع: أنه نقل عنه - عليه السلام - أنه قال: «لا ماء إلا من الماء» ، ~~وهذا تصريح بطرفي النفي، والإثبات كقوله - عليه السلام - «لا نكاح إلا ~~بولي، ولا صلاة إلا بطهور» ، وروي «أنه أتى باب رجل من الأنصار فصاح به فلم ~~يخرج ساعة ثم خرج، ورأسه يقطر ماء فقال - عليه السلام -: عجلت عجلت، ولم ~~تنزل فلا تغتسل فالماء من الماء» ، وهذا تصريح بالنفي فرأوا خبر التقاء ~~الختانين ناسخا لما فهم من هذه الأدلة. # الخامس: أنه قال في رواية: «إنما الماء من الماء» ، وقد قال بعض منكري ~~المفهوم: إن هذا للحصر، والنفي، والإثبات، ولا مفهوم للقب، والماء اسم لقب ~~فدل أنه مأخوذ من الحصر الذي دل عليه الألف، واللام، وقوله: " إنما "، ولم ~~يقل أحد من الصحابة إن المنسوخ مفهوم هذا اللفظ، فلعل المنسوخ عمومه أو ~~حصره المعلوم بمجرد التخصيص، والكلام في مجرد التخصيص. # المسلك الرابع: قولهم: إن «يعلى بن أمية قال لعمر - رضي الله عنه -: ما ~~بالنا نقصر، وقد أمنا؟ فقال: تعجبت مما تعجبت فسألت النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فقال: هي صدقة تصدق الله بها عليكم - أو على عباده - فاقبلوا صدقته» ~~، وتعجبهما من بطلان مفهوم تخصيص قوله تعالى: {إن خفتم} [النساء: 101] ~~قلنا: لأن الأصل الإتمام، واستثنى حالة الخوف فكان الإتمام واجبا عند عدم ~~الخوف بحكم الأصل لا بالتخصيص # PageV01P267 # المسلك الخامس: أن ابن عباس - رضي الله عنهما - فهم من قوله: «إنما الربا ~~في النسيئة» نفي ربا الفضل، وكذلك عقل من قوله تعالى: {فإن كان له إخوة ~~فلأمه السدس} [النساء: ms421 11] أنه إن كان له أخوان فلأمه الثلث، وكذلك قال: " ~~الأخوات لا يرثن مع الأولاد لقوله تعالى: {إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت ~~فلها نصف ما ترك} [النساء: 176] فإنه لما جعل لها النصف بشرط عدم الولد دل ~~على انتفائه عند وجود الولد. والجواب عن هذا من أوجه: # الأول: أن هذا غايته أن يكون مذهب ابن عباس، ولا حجة فيه. # الثاني: أن جميع الصحابة خالفوه في ذلك، فإن دل مذهبه عليه دل مذهبهم على ~~نقيضه. # الثالث: أنه لم يثبت أنه دفع ربا الفضل بمجرد هذا اللفظ بل ربما دفعه ~~بدليل آخر، وقرينة أخرى. # الرابع: أنه لعله اعتقد أن البيع أصله على الإباحة بدليل العقل أو عموم ~~قوله تعالى: {، وأحل الله البيع وحرم الربا} [البقرة: 275] فإذا كان النهي ~~قاصرا على النسيئة كان الباقي حلالا بالعموم، ودليل العقل لا بالمفهوم. # الخامس: أنه روي أنه قال: «لا ربا إلا في النسيئة» ، وهذا نص في النفي، ~~والإثبات، وقوله: «إنما الربا في النسيئة» أيضا قد أقر به بعض منكري ~~المفهوم لما فيه من الحصر. # المسلك السادس: أنه إذا قال: اشتر لي عبدا أسود، يفهم نفي الأبيض، وإذا ~~قال: اضربه إذا قام: يفهم المنع إذا لم يقم. قلنا: هذا باطل، بل الأصل منع ~~الشراء، والضرب إلا فيما أذن، والإذن قاصر فبقي الباقي على النفي، وتولد ~~منه درك الفرق بين الأبيض، والأسود، وعماد الفرق إثبات، ونفي، ومستند النفي ~~الأصل، ومستند الإثبات الإذن القاصر، والذهن إنما يتنبه للفرق عند الإذن ~~القاصر على الأسود فإنه يذكر الأبيض، فيسبق إلى الأوهام العامية أن إدراك ~~الذهن هذا الاختصاص، والفرق من الذكر القاصر لا بل هو عند الذكر القاصر لكن ~~أحد طرفي الفرق حصل من الذكر، والآخر كان حاصلا في الأصل، فيذكره عند ~~التخصيص فكان حصول الفرق عنده لا به؛ فهذا مزلة القدم، وهو دقيق ولأجله غلط ~~الأكثرون. # ، ويدل عليه أيضا أنه لو عرض على البيع شاة، وبقرة، وغانما، وسالما، ~~وقال: اشتر غانما، والشاة لسبق إلى الفهم الفرق بين غانم، وسالم، وبين ms422 ~~البقرة، والشاة، واللقب لا مفهوم له بالاتفاق عند كل محصل إذ قوله: «لا ~~تبيعوا البر بالبر» لم يدل على نفي الربا من غير الأشياء الستة بالاتفاق، ~~ولو دل لانحسم باب القياس، وأن القياس فائدته إبطال التخصيص، وتعدية الحكم ~~من المنصوص إلى غيره؛ لكن مزلة القدم ما ذكرناه، وهو جار في كل ما يتضمن ~~الاقتطاع من أصل ثابت كقوله: أنت طالق إن دخلت الدار؛ فإن لم تدخل لم تطلق؛ ~~لأن الأصل عدم الطلاق لا لتخصيص الدخول، بدليل أنه لو قال: إن دخلت فلست ~~بطالق، فلا يقع إذا لم تدخل؛ لأنه ليس الأصل وقوع الطلاق حتى يكون تخصيص ~~النفي بالدخول موجبا للرجوع إلى الأصل عند عدم الدخول، وهذا واضح. # المسلك السابع: وعليه تعويل الأكثرين، وهو السبب الأعظم في وقوع هذا ~~الوهم: أن تخصيص الشيء بالذكر لا بد أن تكون له فائدة فإن استوت السائمة، ~~والمعلوفة، والثيب، والبكر، والعمد، والخطأ فلم خصص البعض بالذكر، والحكم ~~شامل، والحاجة إلى البيان تعم # PageV01P268 # القسمين فلا داعي له إلى اختصاص الحكم، وإلا صار الكلام لغوا، والجواب من ~~أربعة أوجه: # الأول: أن هذا عكس الواجب، فإنكم جعلتم طلب الفائدة طريقا إلى معرفة وضع ~~اللفظ، وينبغي أن يفهم أولا الوضع ثم ترتب الفائدة عليه،، والعلم بالفائدة ~~ثمرة معرفة الوضع أما أن يكون الوضع تبع معرفة الفائدة فلا. # الثاني: هو أن عماد هذا الكلام أصلان # أحدهما: أنه لا بد من فائدة التخصيص # والثاني: أنه لا فائدة إلا اختصاص الحكم، والنتيجة أنه الفائدة إذا، ~~ومسلم أنه لا بد من فائدة؛ لكن الأصل الثاني، وهو أنه لا فائدة إلا هذا ~~فغير مسلم فلعل فيه فائدة، فليست الفائدة محصورة في هذا بل البواعث على ~~التخصيص كثيرة، واختصاص الحكم أحد البواعث. فإن قيل: فلو كان له فائدة أو ~~عليه باعث سوى اختصاص الحكم لعرفناه. قلنا ولم قلتم إن كل فائدة ينبغي أن ~~تكون معلومة لكم؟ فلعلها حاضرة، ولم تعثروا عليها، فكأنما جعلتم عدم علم ~~الفائدة علما بعدم الفائدة، وهذا خطأ فعماد هذا الدليل هو ms423 الجهل بفائدة ~~أخرى. # الثالث وهو قاصمة الظهر على هذا المسلك: أن تخصيص اللقب لا يقول به محصل ~~فلم لم تطلبوا الفائدة فيه؟ فإذا خصص الأشياء الستة في الربا، وعمم الحكم ~~في المكيلات، والمطعومات كلها، وخصص الغنم بالزكاة مع وجوبها في الإبل، ~~والبقر فما سببه مع استواء الحكم؟ فيقال: لعل إليه داعيا من سؤال أو حاجة ~~أو سبب لا نعرفه، فليكن كذلك في تخصيص الوصف. # الرابع: أن في تخصيص الحكم بالصفة الخاصة فوائد. # الأولى: أنه لو استوعب جميع محل الحكم لم يبق للاجتهاد مجال فأراد بتخصيص ~~بعض الألقاب، والأوصاف بالذكر أن يعرض المجتهدين لثواب جزيل في الاجتهاد إذ ~~بذلك تتوفر دواعيهم على العلم، ويدوم العلم محفوظا بإقبالهم، ونشاطهم في ~~الفكر، والاستنباط، ولولا هذا لذكر لكل حكم رابطة عامة جامعة لجميع مجاري ~~الحكم حتى لا يبقى للقياس مجال. # الثانية: أنه لو قال: " في الغنم زكاة "، ولم يخصص السائمة لجاز للمجتهد ~~إخراج السائمة عن العموم بالاجتهاد الذي ينقدح له، فخص السائمة بالذكر ~~لتقاس المعلوفة عليها إن رأى أنها في معناها أو لا تلحق بها فتبقى السائمة ~~بمعزل عن محل الاجتهاد، وكذلك لو قال: " لا تبيعوا الطعام بالطعام " ربما ~~أدى اجتهاد مجتهد إلى إخراج البر، والتمر، فنص على ما لا وجه لإخراجه، وترك ~~ما هو موكول إلى الاجتهاد لا سيما، ولو ذكر الطعام أو الغنم، وهو لفظ عام ~~لصار عند الواقفية محتملا للعموم وللبر خاصة أو التمر خاصة وللمعلوفة خاصة ~~وللسائمة خاصة، فأخرج المخصوص عن محل الوقف، والشك ورد الباقي إلى الاجتهاد ~~لما رأى فيه من اللطف، والصلاح. # الثالثة: أن يكون الباعث على التخصيص للأشياء الستة عموم وقوع أو خصوص ~~سؤال أو وقوع واقعة أو اتفاق معاملة فيها خاصة أو غير ذلك من أسباب لا نطلع ~~عليها، فعدم علمنا بذلك لا ينزل بمنزلة علمنا بعدم ذلك، بل نقول: لعل إليه ~~داعيا لم نعرفه فكذلك في الأوصاف. # المسلك الثامن: قولهم إن التعليق بالصفة كالتعليق بالعلة، وذلك يوجب ~~الثبوت بثبوت العلة، والانتفاء بانتفائها، والجواب: أن الخلاف ms424 في العلة، ~~والصفة واحدة فتعليق الحكم بالعلة يوجب ثبوته بثبوتها أما انتفاؤه ~~بانتفائها فلا بل يبقى بعد انتفاء العلة على ما # PageV01P269 # يقتضيه الأصل، وكيف، ونحن نجوز تعليل الحكم بعلتين؟ فلو كان إيجاب القتل ~~بالردة نافيا للقتل عند انتفائها لكان إيجاب القصاص نسخا لذلك النفي، بل ~~فائدة ذكر العلة معرفة الرابطة فقط، وليس من فائدته أيضا تعدية العلة من ~~محلها إلى غير محلها فإن ذلك عرف بورود التعبد بالقياس، ولولاه لكان قوله: ~~حرمت عليكم الخمر لشدتها، لا يوجب تحريم النبيذ المشتد بل يجوز أن تكون ~~العلة شدة الخمر خاصة إلى أن يرد دليل، وتعبد باتباع العلة، وترك الالتفات ~~إلى المحل. # المسلك التاسع: استدلالهم بتخصيصات في الكتاب، والسنة خالف الموصوف فيها ~~غير الموصوف بتلك الصفات، وسبيل الجواب عن جميعها إما لبقائها على الأصل أو ~~معرفتها بدليل آخر أو بقرينة، ولو دل ما ذكروه لدلت تخصيصات في الكتاب، ~~والسنة لا أثر لها على نقيضه كقوله تعالى: {ومن قتله منكم متعمدا} ~~[المائدة: 95] في جزاء الصيد إذ يجب على الخاطئ، وقوله تعالى: {ومن قتل ~~مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: 92] إذ تجب على العامد عند الشافعي ~~- رحمه الله -، وقوله: {فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم} ~~[النساء: 101] الآية، وقوله في الخلع: {وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما ~~من أهله وحكما من أهلها} [النساء: 35] ، وقوله - عليه السلام -: «أيما ~~امرأة نكحت بغير إذن وليها» إلى أمثال له لا تحصى. ### | [القول في درجات دليل الخطاب] # اعلم أن توهم النفي من الإثبات على مراتب، ودرجات، وهي ثمانية: # الأولى وهي أبعدها، وقد أقر ببطلانها كل محصل من القائلين بالمفهوم، وهو ~~مفهوم اللقب كتخصيص الأشياء الستة في الربا. # الثانية: الاسم المشتق الدال على جنس، كقوله: «لا تبيعوا الطعام بالطعام» ~~، وهذا أيضا يظهر إلحاقه باللقب؛ لأن الطعام لقب لجنسه، وإن كان مشتقا مما ~~يطعم، إذ لا تدرك تفرقة بين قوله: «في الغنم زكاة، وفي الماشية زكاة» وإن ~~كانت الماشية مشتقة مثلا. # الثالثة: تخصيص الأوصاف التي تطرأ، وتزول، كقوله: «الثيب أحق ms425 بنفسها» ~~«والسائمة تجب فيها الزكاة» فلأجل أن السوم يطرأ، ويزول ربما يتقاضى الذهن ~~طلب سبب التخصيص، وإذا لم يجد حمله على انتفاء الحكم، وهو أيضا ضعيف، ~~ومنشؤه الجهل بمعرفة الباعث على التخصيص. # الرابعة: أن يذكر الاسم العام ثم تذكر الصفة الخاصة في معرض الاستدراك، ~~والبيان، كما لو قال: «في الغنم السائمة زكاة» ، وكقوله: «من باع نخلة ~~مؤبرة فثمرها للبائع» «واقتلوا المشركين الحربيين» ، فإنه ذكر الغنم، ~~والنخلة، والمشركين، وهي عامة، فلو كان الحكم يعمها لما أنشأ بعده ~~استدراكا، لكن الصحيح أن مجرد هذا التخصيص من غير قرينة لا مفهوم له، فيرجع ~~حاصل الكلام إلى سبب الاستدراك، ويجوز أن يكون له سبب سوى اختصاص الحكم لم ~~نعرفه. # ووجه التفاوت بين هذه الصور أن تخصيص اللقب يمكن حمله على أنه لم يحضره ~~ذكر المسكوت عنه ولذلك ذكر الأشياء الستة، فهذا احتمال، وهو الغفلة عن غير # PageV01P270 # المنطوق به، والغفلة عن البكر عند التعرض للثيب أبعد؛ لأن ذكر الصفة بذكر ~~ضدها يضعف هذا الاحتمال فصار احتمال المفهوم أظهر، وعند الاستدراك بعد ~~التعميم انقطع هذا الاحتمال بالكلية فظهر احتمال المفهوم لانحسام أحد ~~الاحتمالات الباعثة على التخصيص، لكن وراء هذه احتمالات داعية إلى التخصيص، ~~وإن لم نعرفها فلا يحتج بما لا يعلم فينظر إلى لفظه. # ، ومن تعرض للغنم السائمة، والنخلة المؤبرة فهو ساكت عن المعلوفة، وغير ~~المؤبرة، كما لو قال: في السائمة، وفي المؤبرة، وكما لو قال: في سائمة ~~الغنم زكاة. # الخامسة: الشرط، وذلك أن يقول: إن كان كذا فافعل كذا، و «إن جاءكم كريم ~~قوم فأكرموه» {وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن} [الطلاق: 6] ، وقد ذهب ابن ~~شريح، وجماعة من المنكرين للمفهوم إلى أن هذا يدل على النفي، والذي ذهب ~~إليه القاضي إنكاره، وهو الصحيح عندنا على قياس ما سبق؛؛ لأن الشرط يدل على ~~ثبوت الحكم عند وجود الشرط فقط، فيقصر عن الدلالة على الحكم عند عدم الشرط، ~~أما أن يدل على عدمه عند العدم فلا، وفرق بين أن لا يدل على الوجود، فيبقى ~~على ما كان ms426 قبل الذكر، وبين أن يدل على النفي، فيتغير عما كان، والدليل ~~عليه أنه يجوز تعليق الحكم بشرطين كما يجوز بعلتين، فإذا قال: احكم بالمال ~~للمدعي إن كانت له بينة واحكم له بالمال إن شهد له شاهدان، لا يدل على نفي ~~الحكم بالإقرار، واليمين، والشاهد، ولا يكون الأمر بالحكم بالإقرار، ~~والشاهد، واليمين نسخا له، ورفعا للنص أصلا، ولهذا المعنى جوزناه بخبر ~~الواحد. وقوله تعالى: {وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن} [الطلاق: 6] أنكر ~~أبو حنيفة مفهومه لما ذكرناه، ويجوز أن نوافق الشافعي في هذه المسألة، وإن ~~خالفناه في المفهوم من حيث إن انقطاع ملك النكاح يوجب سقوط النفقة إلا ما ~~استثني، والحامل هي المستثنى، فيبقى الحائل على أصل النفي، وانتفت نفقتها ~~لا بالشرط؛ لكن بانتفاء النكاح الذي كان علة النفقة # السادسة: قوله - عليه السلام -: «إنما الماء من الماء» ، و «إنما الشفعة ~~فيما لم يقسم» ، و «إنما الولاء لمن أعتق» ، و «إنما الربا في النسيئة» ، و ~~«إنما الأعمال بالنيات» ، وهذا قد أصر أصحاب أبي حنيفة، وبعض المنكرين ~~للمفهوم على إنكاره، وقالوا: إنه إثبات فقط، ولا يدل على الحصر، وأقر ~~القاضي بأنه ظاهر في الحصر محتمل للتأكيد إذ قوله تعالى: {إنما الله إله ~~واحد} [النساء: 171] ، و {إنما يخشى الله من عباده العلماء} [فاطر: 28] ~~يشعر بالحصر، ولكن قد يقول: إنما النبي محمد، وإنما العالم في البلد زيد ~~يريد به الكمال، والتأكيد، وهذا هو المختار عندنا أيضا، ولكن خصص القاضي ~~هذا بقوله: " إنما "، ولم يطرده في قوله: «الأعمال بالنيات» ، و «الشفعة ~~فيما لم يقسم» ، و «تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم» ، والعالم في البلد ~~زيد، وعندنا أن هذا يلحق بقوله " إنما "، وإن كان دونه في القوة لكنه ظاهر ~~في الحصر أيضا، فإنا ندرك التفرقة بين قول القائل زيد صديقي، وبين قوله؛ ~~صديقي زيد، وبين قوله زيد عالم، وبين قوله: العالم زيد. # وهذا التحقيق، وهو أن الخبر لا يجوز أن يكون أخص من المبتدإ بل ينبغي أن ~~يكون أعم منه أو مساويا له، فلا يجوز أن تقول: الحيوان إنسان، ms427 ويجوز أن ~~تقول الإنسان حيوان؛ فإذا جعل زيدا مبتدأ، وقال زيد صديقي، جاز أن تكون ~~الصداقة # PageV01P271 # أعم من زيد، وزيد أخص من الصديق؛؛ لأن المبتدأ يجوز أن يكون أخص من ~~الخبر، أما إذا جعل الصديق مبتدأ فقال: صديقي زيد، فلو كان له صديق آخر كان ~~المبتدأ أعم من الخبر، والخبر أخص، وكان كقوله: اللون سواد، والحيوان ~~إنسان، وذلك ممتنع، وإن كان عكسه جائزا. فإن قيل: يجوز أن يقول: صديقي زيد، ~~وعمرو أيضا، والولاء لمن أعتق ولمن كاتب ولمن باع بشرط العتق، ولو كان ~~للحصر لكان هذا نقضا له. # قلنا: هو للحصر بشرط أن لا يقترن به قبل الفراغ من الكلام ما يغيره، كما ~~أن العشرة لمعناها بشرط أن لا يتصل بها الاستثناء، وقوله: {فاقتلوا ~~المشركين} [التوبة: 5] ظاهر في الجميع بشرط أن لا يقول إلا زيدا. # السابعة: مد الحكم إلى غاية بصيغة " إلى "، و " حتى " كقوله تعالى: {ولا ~~تقربوهن حتى يطهرن} [البقرة: 222] {فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} ~~[البقرة: 230] ، وقوله تعالى: {حتى يعطوا الجزية عن يد} [التوبة: 29] ، وقد ~~أصر على إنكار هذا أصحاب أبي حنيفة، وبعض المنكرين للمفهوم، وقالوا: هذا ~~نطق بما قبل الغاية، وسكوت عما بعد الغاية، فيبقى على ما كان قبل النطق. # وأقر القاضي بهذا؛ لأن قوله تعالى: {حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة: 230] ، ~~و {حتى يطهرن} [البقرة: 222] ليس كلاما مستقلا، فإن لم يتعلق بقوله: {ولا ~~تقربوهن} [البقرة: 222] ، وقوله: {فلا تحل له} [البقرة: 230] ، فيكون لغوا ~~من الكلام، وإنما صح لما فيه من إضمار، وهو قوله: حتى يطهرن فاقربوهن، وحتى ~~تنكح فتحل، ولهذا يقبح الاستفهام إذا قال: لا تعط زيدا حتى يقوم، ولو قال: ~~أعطه إذا قام فلا يحسن، إذ معناه: أعطه إذا قام؛ ولأن الغاية نهاية، ونهاية ~~الشيء مقطعه فإن لم يكن مقطعا فلا يكون نهاية، فإنه إذا قال: اضربه حتى ~~يتوب، فلا يحسن معه أن يقول: وهل أضربه، وإن تاب؟ وهذا، وإن كان له ظهور ~~ما، ولكن لا ينفك عن نظر، إذ يحتمل أن يقال: كل ms428 ما له ابتداء فغايته مقطع ~~لبدايته، فيرجع الحكم بعد الغاية إلى ما كان قبل البداية، فيكون الإثبات ~~مقصورا أو ممدودا إلى الغاية المذكورة، ويكون ما بعد الغاية كما قبل ~~البداية؛ فإذا هذه الرتبة أضعف في الدلالة على النفي مما قبلها # الرتبة الثامنة: لا عالم في البلد إلا زيد، وهذا قد أنكره غلاة منكري ~~المفهوم، وقالوا: هذا نطق بالمستثنى عنه، وسكوت عن المستثنى، فما خرج بقوله ~~" إلا " فمعناه أنه لم يدخل في الكلام فصار الكلام مقصورا على الباقي، وهذا ~~ظاهر البطلان؛ لأن هذا صريح في النفي، والإثبات، فمن قال: " لا إله إلا ~~الله " لم يقتصر على النفي بل أثبت لله تعالى الألوهية، ونفاها عن غيره، ~~ومن قال: لا عالم إلا زيد، ولا فتى إلا علي، ولا سيف إلا ذو الفقار، فقد ~~نفى، وأثبت قطعا، وليس كذلك قوله: «لا صلاة إلا بطهور» ، و «لا نكاح إلا ~~بولي» ، و «لا تبيعوا البر بالبر إلا سواء بسواء» هذا صيغة الشرط، ومقتضاها ~~نفي المنفي عند انتفاء الشرط فليس منطوقا به بل تفسد الصلاة مع الطهارة ~~لسبب آخر، وكذلك النكاح مع الولي، والبيع مع المساواة، وهذا على وفق قاعدة ~~المفهوم فإن إثبات الحكم عند ثبوت وصف لا يدل على إبطاله عند انتفائه بل ~~يبقى على ما كان قبل النطق، وكذلك نفيه عند انتفاء شيء لا يدل على # PageV01P272 # إثباته عند ثبوت ذلك الشيء بل يبقى على ما كان قبل النطق، ويكون المنطوق ~~به النفي عند الانتفاء فقط، بخلاف قوله: " لا إله إلا الله "، ولا عالم إلا ~~زيد؛ لأنه إثبات ورد على النفي، والاستثناء من النفي إثبات، ومن الإثبات ~~نفي. # وقوله: «لا صلاة» ليس فيه تعرض للطهارة بل للصلاة فقط، وقوله: «إلا ~~بطهور» ليس إثباتا للصلاة بل للطهور الذي لم يتعرض له في الكلام فلا يفهم ~~منه إلا الشرط # مسألة القائلون بالمفهوم أقروا بأنه لا مفهوم لقوله: {، وإن خفتم شقاق ~~بينهما} [النساء: 35] ، ولا لقوله: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها» ؛ لأن ~~الباعث على التخصيص العادة،؛ لأن الخلع لا ms429 يجري إلا عند الشقاق، والمرأة لا ~~تنكح نفسها إلا إذا أبى الولي، وكذلك القائلون بمفهوم اللقب قالوا: لا ~~مفهوم لقوله: «صبوا عليه ذنوبا من ماء، وليستنج بثلاثة أحجار» ؛ لأنه ~~ذكرهما لكونهما غالبين، وإذا كان يسقط المفهوم بمثل هذا الباعث فحيث لم ~~يظهر لنا الباعث احتمل أن يكون ثم باعث لم يظهر لنا فكيف يبنى الحكم على ~~عدم ظهور الباعث لنا؟ # فإن قيل: فلو انتفى الباعث المخصص في علم الله تعالى، واستوت الحاجة في ~~المذكور، والمسكوت، واستويا في الذكر، ولم يكن أحدهما منسيا فهل يجوز للنبي ~~- عليه السلام - أن يخص أحدهما بالذكر؟ فإن جوزتم فهو نسبة إلى اللغو، ~~والعبث، وكان كقوله: يجب الصوم على الطويل، والأبيض، فقلنا: وهل يجب على ~~القصير، والأسود؟ فقال: نعم. قلنا: فلم خصصت هذا بالذكر؟ فقال: بالتشهي، ~~والتحكم، فلا شك أنه ينسب إلى خلاف الجد، ويصلح ذلك لأن يلقب به ليضحك منه ~~كما يقول القائل اليهودي إذا مات لا يبصر، فيكون ذلك هزؤا، فثبت بهذا أن ~~هذا دليل إن لم يكن باعث فإذا لم يظهر فالأصل عدمه. # أما إسقاط دلالته لتوهم باعث على التخصيص سوى اختصاص الحكم به فهو رفع ~~للدلالة بالتوهم. قلنا: ما ذكرتموه مسلم، وهو أيضا جار في تخصيص اللقب، ~~واليهودي اسم لقب، ويستقبح تخصيصه، ولا مفهوم للقب؛ لأن ذلك يحسم سبيل ~~القياس، وإنما أسقط مفهوم اللقب؛ لأنه ليس فيه دلالة من حيث اللفظ بل هو ~~نطق بشيء، وسكوت عن شيء، فينبغي أن يقال: فلم سكت عن البعض، ونطق بالبعض؟ ~~فنقول: لا ندري، فإن ذلك يحتمل أن يكون بسبب اختصاص الحكم، ويحتمل أن يكون ~~بسبب آخر، فلا يثبت الاختصاص بمجرد احتمال، ووهم، وكذلك تخصيص الوصف، ولا ~~فرق، فإذا لسنا ندرأ الدليل بالوهم بل الخصم يبني الدليل على الوهم، فإنه ~~ما لم ينتف سائر البواعث لا يتعين باعث اختصاص الحكم، وتقدير انتفاء ~~البواعث وهم مجرد. # وأما قول القائل اليهودي إذا مات لا يبصر، فليس استقباحه للتخصيص بل؛ ~~لأنه ذكر ما هو جلي، فإنه لو قال: الإنسان ms430 إذا مات لم يبصر أو الحيوان إذا ~~مات لا يبصر، استقبح ذلك؛ لأنه تعرض لما هو واضح في نفسه فإن تعرض لمشكل ~~فلا يستقبح التخصيص في كل مقام كقوله: العبد إذا واقع في الحج لزمته ~~الكفارة، فهذا لا يستقبح، وإن شاركه الحر، وكقوله: الإنسان لا يتحرك إلا ~~بالإرادة، ولا يريد إلا بعد الإدراك، فلا يستقبح، وإن كان سائر الحيوان ~~شاركه فيهما. هذا تمام التحقيق في المفهوم، وبه تمام النظر في الفن الثاني، ~~وهو اقتباس الحكم من # PageV01P273 # اللفظ لا من حيث صيغته، ووضعه بل من حيث فحواه، وإشارته، ولم يبق إلا ~~الفن الثالث، وهو اقتباس الحكم من حيث معناه، ومعقوله، وهو القياس، والقول ~~فيه طويل. # ونرى أن نلحق بآخر الفن الثاني القول في فعل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، وسكوته، ووجه دلالته على الأحكام، فإنه قد يظن أنه نازل منزلة ~~القول في الدلالة، ثم بعد الفراغ منه نخوض في الفن الثالث، وهو شرح القياس. ### | [القول في دلالة أفعال النبي عليه السلام وسكوته واستبشاره وفيه فصول] ### | [الفصل الأول في دلالة الفعل] # القول في دلالة أفعال النبي - عليه السلام -، وسكوته، واستبشاره، وفيه ~~فصول الفصل الأول: في دلالة الفعل # ونقدم عليه مقدمة في عصمة الأنبياء، فنقول: لما ثبت ببرهان العقل صدق ~~الأنبياء، وتصديق الله تعالى إياهم بالمعجزات، فكل ما يناقض مدلول المعجزة ~~فهو محال عليهم بدليل العقل، ويناقض مدلول المعجزة جواز الكفر، والجهل ~~بالله تعالى، وكتمان رسالة الله، والكذب، والخطإ، والغلط فيما يبلغ، ~~والتقصير في التبليغ، والجهل بتفاصيل الشرع الذي أمر بالدعوة إليه. أما ما ~~يرجع إلى مفارقة الذنب فيما يخصه، ولا يتعلق بالرسالة فلا يدل على عصمتهم ~~عنه، عندنا دليل العقل بل دليل التوقيف، والإجماع قد دل على عصمتهم عن ~~الكبائر، وعصمتهم أيضا عما يصغر أقدارهم من القاذورات كالزنا، والسرقة، ~~واللواط، أما الصغائر فقد أنكرها جماعة، وقالوا: الذنوب كلها كبائر فأوجبوا ~~عصمتهم عنها. # ، والصحيح أن من الذنوب صغائر، وهي التي تكفرها الصلوات الخمس واجتناب ~~الكبائر، كما ورد في الخبر، وكما قررنا حقيقته ms431 في كتاب التوبة من كتاب " ~~إحياء علوم الدين ". فإن قيل: لم لم تثبت عصمتهم بدليل العقل؟ ؛ لأنهم لو ~~لم يعصموا لنفرت قلوب الخلق عنهم. قلنا: لا يجب عندنا عصمتهم من جميع ما ~~ينفر فقد كانت الحرب سجالا بينه، وبين الكفار، وكان ذلك ينفر قلوب قوم عن ~~الإيمان، ولم يعصم عنه، وإن ارتاب المبطلون مع أنه حفظ عن الخط، والكتابة ~~كي لا يرتاب المبطلون، وقد ارتاب جماعة بسبب النسخ، كما قال تعالى: {وإذا ~~بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر} [النحل: 101] ~~، وجماعة بسبب المتشابهات فقالوا: كان يقدر على كشف الغطاء لو كان نبيا ~~لخلص الخلق من كلمات الجهل، والخلاف كما قال تعالى: {فيتبعون ما تشابه منه ~~ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله} [آل عمران: 7] ، وهذا لأن نفي المنفرات ليس ~~بشرط دلالة المعجزة. هذا حكم الذنوب أما النسيان، والسهو فلا خلاف في جوازه ~~عليهم فيما يخصهم من العبادات، ولا خلاف في عصمتهم بما يتعلق بتبليغ الشرع، ~~والرسالة فإنهم كلفوا تصديقه جزما، ولا يمكن التصديق مع تجويز الغلط. # وقد قال قوم: يجوز عليه الغلط فيما شرعه بالاجتهاد لكن لا يقر عليه هذا ~~على مذهب من يقول المصيب واحد من المجتهدين، أما من قال: كل مجتهد مصيب فلا ~~يتصور الخطأ عنده في اجتهاد غيره فكيف في اجتهاده. # رجعنا إلى المقصود، وهو أفعاله - عليه السلام -، فما عرف بقوله إنه ~~تعاطاه بيانا للواجب كقوله - عليه السلام -: «صلوا كما رأيتموني أصلي» ~~«وخذوا عني مناسككم» أو علم بقرينة الحال أنه إمضاء لحكم نازل كقطع يد ~~السارق من الكوع، فهذا دليل، وبيان، وما عرف أنه # PageV01P274 # خاصيته فلا يكون دليلا في حق غيره، وأما ما لم يقترن به بيان في نفي، ولا ~~إثبات فالصحيح عندنا أنه لا دلالة له بل هو متردد بين الإباحة، والندب، ~~والوجوب، وبين أن يكون مخصوصا به، وبين أن يشاركه غيره فيه، ولا يتعين واحد ~~من هذه الأقسام إلا بدليل زائد بل يحتمل الحظر أيضا عند من يجوز عليهم ~~الصغائر، وقال قوم: إنه ms432 على الحظر، وقال قوم على الإباحة، وقال قوم على ~~الندب، وقال قوم على الوجوب إن كان في العبادات، وإن كان في العادات فعلى ~~الندب، ويستحب التأسي به، وهذه تحكمات؛ لأن الفعل لا صيغة له، وهذه ~~الاحتمالات متعارضة، ونحن نفرد كل واحد بالإبطال. # أما إبطال الحمل على الحظر فهو أن هذا خيال من رأى الأفعال قبل ورود ~~الشرع على الحظر قال: وهذا الفعل لم يرد فيه شرع، ولا يتعين بنفسه لإباحة، ~~ولا لوجوب، فيبقى على ما كان. فلقد صدق في إبقاء الحكم على ما كان، وأخطأ ~~في قوله بأن الأحكام قبل الشرع على الحظر، وقد أبطلنا ذلك، ويعارضه قول من ~~قال: إنها على الإباحة، وهو أقرب من الحظر. ثم يلزم منه تناقض، وهو أن يأتي ~~بفعلين متضادين في وقتين فيؤدي إلى أن يحرم الشيء، وضده، وهو تكليف المحال. ~~أما إبطال الإباحة فهو أنه إن أراد به أنه أطلق لنا مثل ذلك فهو تحكم لا ~~يدل عليه عقل، ولا سمع، وإن أراد به أن الأصل في الأفعال نفي الحرج، فيبقى ~~على ما كان قبل الشرع فهو حق، وقد كان كذلك قبل فعله فلا دلالة إذا لفعله. # أما إبطال الحمل على الندب فإنه تحكم إذا لم يحمل على الوجوب لاحتمال ~~كونه ندبا فلا يحمل على الندب لاحتمال كونه واجبا بل لاحتمال كونه مباحا. # تمسكوا بشبهتين: الأولى: أن فعله يحتمل الوجوب، والندب، والندب أقل ~~درجاته فيحمل عليه. قلنا: إنما يصح ما ذكروه لو كان الندب داخلا في الوجوب، ~~ويكون الوجوب ندبا، وزيادة، وليس كذلك إذ يدخل جواز الترك في حد الندب دون ~~حد الوجوب، وأقرب ما قيل فيه الحمل على الندب لا سيما في العبادات، أما في ~~العادات فلا أقل من حمله على الإباحة لا بمجرد الفعل، ولكن نعلم أن الصحابة ~~كانوا يعتقدون في كل فعل له أنه جائز # ويستدلون به على الجواز يدل هذا على نفي الصغائر عنه، وكانوا يتبركون ~~بالاقتداء به في العادات، لكن هذا أيضا ليس بقاطع إذ يحتمل أن يكون ms433 ~~استدلالهم بذلك مع قرائن حسمت بقية الاحتمالات، وكلامنا في مجرد الأفعال ~~دون قرينة، ولا شك في أن ابن عمر لما رآه مستقبل بيت المقدس في قضاء حاجته ~~استدل به على كونه مباحا إذا كان في بناء؛ لأنه كان في البناء، ولم يعتقد ~~أنه ينبغي أن يقتدى به فيه،؛ لأنه خلا بنفسه فلم يكن يقصد إظهاره ليعلم ~~بالقرينة قصده الدعاء إلى الاقتداء. # فتبين من هذا أنهم اعتقدوا أن ما فعله مباح، وهذا يدل على أنهم لم يجوزوا ~~عليه الصغائر، وأنهم لم يعتقدوا الاقتداء في كل فعل بل ما تقترن به قرينة ~~تدل على إرادته البيان بالفعل. # الثانية: التمسك بقوله: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} [الأحزاب: ~~21] . فأخبر أن لنا التأسي، ولم يقل عليكم التأسي فيحمل على الندب لا على ~~الوجوب. قلنا: الآية حجة عليكم؛ لأن التأسي به في إيقاع الفعل الذي أوقعه ~~على ما أوقعه، فما أوقعه واجبا أو مباحا إذا أوقعناه على وجه الندب لم نكن ~~مقتدين به، كما أنه إذا قصد الندب فأوقعناه واجبا خالفنا التأسي، فلا سبيل ~~إلى التأسي به قبل معرفة قصده # PageV01P275 # ولا يعرف قصده إلا بقوله أو بقرينة. ثم نقول: إذا انقسمت أفعاله إلى ~~الواجب، والندب لم يكن من يحمل الكل على الوجوب متأسيا، ومن يجعل الكل أيضا ~~ندبا متأسيا، بل كان النبي - عليه السلام - يفعل ما لا يدري فمن فعل ما لا ~~يدري على أي وجه فعله لم يكن متأسيا. # أما إبطال الحمل على الوجوب فإن ذلك لا يعرف بضرورة عقل، ولا نظر، ولا ~~بدليل قاطع، فهو تحكم؛ لأن فعله متردد بين الوجوب، والندب، وعند من لم يوجب ~~عصمته من الصغائر يحتمل الحظر أيضا فلم يتحكم بالحمل على الوجوب. شبه ~~الأولى: قولهم: لا بد من وصف فعله بأنه حق وصواب، ومصلحة، ولولاه لما أقدم ~~عليه، ولا تعبد به. قلنا: جملة ذلك مسلم في حقه خاصة ليخرج به عن كونه ~~محظورا، وإنما الكلام في حقنا، وليس يلزم الحكم بأن ما كان في حقه حقا ms434 ~~وصوابا، ومصلحة كان في حقنا كذلك بل لعله مصلحة بالإضافة إلى صفة النبوة أو ~~صفة يختص بها، ولذلك خالفنا في جملة من الجائزات، والواجبات، والمحظورات، ~~بل اختلف المقيم، والمسافر، والحائض، والطاهر في الصلوات فلم يمتنع اختلاف ~~النبي، والأمة. # الثانية: أنه نبي، وتعظيم النبي واجب، والتأسي به تعظيم. قلنا: تعظيم ~~الملك في الانقياد له فيما يأمر، وينهى لا في التربع إذا تربع، ولا في ~~الجلوس على السرير إذا جلس عليه، فلو نذر الرسول أشياء لم يكن تعظيمه في أن ~~ننذرها مثل ما نذرها، ولو طلق أو باع أو اشترى لم يكن تعظيمه في التشبه به. # الثالثة: أنه لو لم يتابع في أفعاله لجاز أن لا يتابع في أقواله، وذلك ~~تصغير لقدره، وتنفير للقلوب عنه قلنا: هذا هذيان فإن المخالفة في القول ~~عصيان له، وهو مبعوث للتبليغ حتى يطاع في أقاويله؛ لأن قوله متعد إلى غيره، ~~وفعله قاصر عليه، وأما التنفير فقد بينا أنه لا التفات إليه، ولو كان ترك ~~التشبه به تصغيرا لكان تركنا للوصال، وتركنا نكاح تسع بل تركنا دعوى النبوة ~~تصغيرا؛ فاستبان أن هذه خيالات، وأن التحقيق أن الفعل متردد كما أن اللفظ ~~المشترك كالقرء متردد فلا يجوز حمله على أحد الوجوه إلا بدليل زائد. # الرابعة: تمسكهم بآي من الكتاب كقوله تعالى: {واتبعوه} [الأعراف: 158] ، ~~وأنه يعم الأقوال، والأفعال، وكقوله تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره} ~~[النور: 63] ، وقوله {، وما آتاكم الرسول فخذوه} [الحشر: 7] ، وأمثاله، ~~وجميع ذلك يرجع إلى قبول أقواله، وغايته أن يعم الأقوال، والأفعال، وتخصيص ~~العموم ممكن، ولذلك لم يجب على الحائض، والمريض موافقته مع أنهم مأمورون ~~بالاتباع، والطاعة. # الخامسة وهي أظهرها: تمسكهم بفعل الصحابة، وهو أنهم واصلوا الصيام لما ~~واصل، وخلعوا نعالهم في الصلاة لما خلع، وأمرهم عام الحديبية بالتحلل ~~بالحلق فتوقفوا فشكا إلى أم سلمة فقالت اخرج إليهم، واذبح، واحلق ففعل، ~~فذبحوا، وحلقوا مسارعين، وأنه خلع خاتمه فخلعوا، وبأن عمر كان يقبل الحجر، ~~ويقول: إني لأعلم أنك حجر لا تضر، ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي - عليه ms435 ~~السلام - يقبلك ما قبلتك، وبأنه قال في جواب من سأل أم سلمة عن قبلة الصائم ~~فقال: «ألا أخبرتيه أني أقبل، وأنا صائم» ، وكذلك الصحابة - رضي الله عنهم ~~- بأجمعهم اختلفوا في الغسل من التقاء الختانين، فقالت عائشة - رضي الله ~~عنها -: «فعلته أنا، ورسول الله فاغتسلنا» ، فرجعوا إلى ذلك. # الجواب من وجوه # PageV01P276 # الأول: أن هذه أخبار آحاد، وكما لا يثبت القياس، وخبر الواحد إلا بدليل ~~قاطع فكذلك هذا؛ لأنه أصل. من الأصول. # الثاني: أنهم لم يتبعوه في جميع أفعاله، وعباداته فكيف صار اتباعهم للبعض ~~دليلا، ولم تصر مخالفتهم في البعض دليل جواز المخالفة. # الثالث وهو التحقيق: أن أكثر هذه الأخبار تتعلق بالصلاة، والحج، والصوم، ~~والوضوء، وقد كان بين لهم أن شرعه، وشرعهم فيه سواء فقال: «صلوا كما ~~رأيتموني أصلي» ، و «خذوا عني مناسككم» ، وعلمهم الوضوء، وقال: «هذا وضوئي، ~~ووضوء الأنبياء من قبلي» ، وأما الوصال فإنهم ظنوا لما أمرهم بالصوم، ~~واشتغل معهم به أنه قصد بفعله امتثال الواجب، وبيانه فرد عليهم ظنهم، وأنكر ~~عليهم الموافقة، وكذلك في قبلة الصائم ربما كان قد بين لهم مساواة الحكم في ~~المفطرات، وأن شرعه شرعهم، وكذلك في الأحداث قد عرفهم مساواة الحكم فيها ~~ففهموا لا بمجرد حكاية الفعل، كيف، وقد نقل أنه - عليه السلام - قال: «إذا ~~التقى الختانان فقد وجب الغسل» ؟ وأما خلع الخاتم فهو مباح فلما خلع أحبوا ~~موافقته لا لاعتقادهم وجوب ذلك عليهم، أو توهموا أنه لما ساواهم في سنة ~~التختم فيساويهم في سنة الخلع. فإن قيل: الأصل أن ما ثبت في حقه عام إلا ما ~~استثنى قلنا: لا بل الأصل أن ما ثبت في حقه فهو خاص إلا ما عممه. # فإن قيل التعميم أكثر فلينزل عليه. قلنا ولم يجب التنزيل على الأكثر، ~~وإذا اشتبهت أخت بعشر أجنبيات فالأكثر حلال، ولا يجوز الأخذ به؟ كيف، ~~والمباحات أكثر من المندوبات، فلتلحق بها؟ والمندوبات أكثر من الواجبات ~~فلتلحق بها بل ربما قال القائل: المحظورات أكثر من الواجبات فلتنزل عليها ### | [الفصل الثاني في شبهات متفرقة في أحكام الأفعال] ms436 # الأولى: قال قائل: إذا نقل إلينا فعله - عليه السلام - فما الذي يجب على ~~المجتهد أن يبحث عنه، وما الذي يستحب؟ قلنا: لا يجب إلا أمر واحد، وهو ~~البحث عنه هل ورد بيانا لخطاب عام أو تنفيذا لحكم # لازم عام، فيجب علينا اتباعه، أو ليس كذلك، فيكون قاصرا عليه، فإن لم يقم ~~دليل على كونه بيانا لحكم عام فالبحث عن كونه ندبا في حقه أو واجبا أو ~~مباحا أو محظورا أو قضاء أو أداء موسعا أو مضيقا، لا يجب بل هو زيادة درجة، ~~وفضل في العلم يستحب. # للعالم أن يعرفه. # فإن قيل: كم أصناف ما يحتاج إلى البيان سوى الفعل؟ قلنا: ما يتطرق إليه ~~احتمال، كالمجمل، والمجاز، والمنقول عن وضعه، والمنقول بتصرف الشرع، والعام ~~المحتمل للخصوص، والظاهر المحتمل للتأويل، ونسخ الحكم بعد استقراره، ومعنى ~~قول افعل أنه للندب أو الوجوب أو أنه على الفور أو التراخي أو أنه للتكرار ~~أو المرة الواحدة، والجمل المعطوفة إذا أعقبت باستثناء، وما يجري مجراه مما ~~يتعارض فيه الاحتمال، والفعل من جملة ذلك. فإن قيل: فإن بين لنا بفعله ندبا ~~فهل يكون فعله واجبا قلنا: نعم هو من حيث إنه بيان واجب؛ لأنه تبليغ للشرع، ~~ومن حيث إنه فعل ندب، وذهب بعض القدرية إلى أن بيان الواجب واجب، وبيان ~~الندب ندب، وبيان المباح مباح، ويلزم على ذلك أن يكون بيان المحظور محظورا، ~~فإذا كان بيان المحظور واجبا فلم لا يكون بيان الندب واجبا؟ وكذلك بيان ~~المباح، وهي أحكام الله تعالى على عباده، والرسول مأمور بالتبليغ # PageV01P277 # وبيانه بالقول أو الفعل، وهو مخير بينهما، فإذا أتى بالفعل فقد أتى بإحدى ~~خصلتي الواجب، فيكون فعله واقعا عن الواجب. فإن قيل:، وبم يعرف كون فعله ~~بيانا؟ قلنا: إما بصريح قوله، وهو ظاهر أو بقرائن، وهي كثيرة # إحداها: أن يرد خطاب مجمل، ولم يبينه بقوله إلى وقت الحاجة ثم فعل عند ~~الحاجة، والتنفيذ للحكم فعلا صالحا للبيان فيعلم أنه بيان، إذ لو لم يكن ~~لكان مؤخرا للبيان عن وقت الحاجة، وذلك ms437 محال عقلا عند قوم، وسمعا عند ~~آخرين، وكونه غير واقع متفق عليه، لكن كون الفعل متعينا للبيان يظهر ~~للصحابة إذ قد علموا عدم البيان بالقول، أما نحن، فيجوز أن يكون قد بين ~~بالقول، ولم يبلغنا، فيكون الظاهر عندنا أن الفعل بيان؛ فقطع يد السارق من ~~الكوع، وتيممه إلى المرفقين بيان لقوله عز وجل: {فاقطعوا أيديهما} ~~[المائدة: 38] ولقوله تعالى: {فامسحوا بوجوهكم، وأيديكم} [المائدة: 6] . # الثانية: أن ينقل فعل غير مفصل كمسحه رأسه، وأذنيه من غير تعرض لكونهما ~~مسحا بماء واحد أو بماء جديد ثم ينقل أنه أخذ لأذنيه ماء جديدا، فهذا في ~~الظاهر يزيل الاحتمال عن الأول، ولكن يحتمل أن الواجب ماء واحد، وأن ~~المستحب ماء جديد، فيكون أحد الفعلين على الأقل، والثاني على الأكمل. # الثالثة: أن يترك ما لزمه، فيكون بيانا لكونه منسوخا في حقه أما في حق ~~غيره فلا يثبت النسخ إلا ببيان الاشتراك في الحكم، نعم لو ترك غيره بين ~~يديه فلم ينكر مع معرفته، فيدل على النسخ في حق الغير. # الرابعة: أنه إذا أتي بسارق ثمر أو ما دون النصاب فلم يقطع، فيدل على ~~تخصيص الآية؛ لكن هذا بشرط أن يعلم انتقاء شبهة أخرى تدرأ القطع؛ لأنه لو ~~أتي بسارق سيف فلم يقطعه فلا يتبين لنا سقوط القطع في السيف، ولا في الحديد ~~لكن يبحث عن سببه، فكذلك الثمر، وما دون النصاب، وكذلك تركه القنوت، ~~والتسمية، والتشهد الأول مرة واحدة لا يدل على النسخ إذ يحمل على نسيان أو ~~على بيان جواز ترك السنة، وإن ترك مرات دل على عدم الوجوب، وكذلك لو ترك ~~الفخذ مكشوفا دل على أنه ليس من العورة. # الخامسة: إذا فعل في الصلاة ما لو لم يكن واجبا لأفسد الصلاة دل على ~~الوجوب، كزيادة ركوع في الخسوف، وكحمل أمامة في الصلاة يدل على أن الفعل ~~القليل لا يبطل، وأنه فعل قليل، هذا مع قوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي» ~~يكون بيانا في حقنا. # السادسة: إذا أمر الله تعالى بالصلاة، وأخذ الجزية، والزكاة مجملا ثم ~~أنشأ ms438 الصلاة، وابتدأ بأخذ الجزية، فيظهر كونه بيانا، وتنفيذا، لكن إن لم ~~تكن الحاجة متنجزة بحيث يجوز تأخير البيان فلا يتعين لكونه بيانا بل يحتمل ~~أن يكون فعلا أمر به خاصة في ذلك الوقت، فإذا لا يصير بيانا للحكم العام ~~إلا بقرينة أخرى. # السابعة أخذه مالا ممن فعل فعلا أو إيقاعه ضربا أو نوع عقوبة فإنه له ~~خاصة ما لم ينبه على أن من فعل ذلك الفعل فعليه مثل ذلك المال فإنه لا ~~يمتنع؛ لأنه، وإن تقدم ذلك # PageV01P278 # الفعل فلا يتعين لكونه موجب أخذ المال، وأنه لا يمتنع وجود سبب آخر هو ~~المقتضي للمال وللعقوبة. أما قضاؤه على من فعل فعلا بعقوبة أو مال، كقضائه ~~على الأعرابي بإعتاق رقبة، فإنه يدل على أنه موجب ذلك الفعل؛ لأن الراوي لا ~~يقول قضي على فلان بكذا لما فعل كذا إلا بعد معرفته بالقرينة. فإن قيل: ~~فإذا فعل فعلا، وكان بيانا، ووقع في زمان، ومكان، وعلى هيئة، فهل يتبع ~~الزمان، والمكان، والهيئة؟ فيقال: أما الهيئة، والكيفية فنعم، وأما الزمان، ~~والمكان فهو كتغيم السماء وصحوها، ولا مدخل له في الأحكام، إلا أن يكون ~~الزمان، والمكان لائقا به بدليل دل عليه، كاختصاص الحج بعرفات، والبيت، ~~واختصاص الصلوات بأوقات؛ لأنه لو اتبع المكان للزم مراعاة تلك الرواية ~~بعينها، ووجب مراعاة ذلك الوقت، وقد انقضى، ولا يمكن إعادته، وما بعده من ~~الأوقات ليس مثلا، فيجب إعادة الفعل في الزمان الماضي، وهو محال، وقد قال ~~قوم: إن تكرر فعله في مكان واحد، وزمان واحد دل على الاختصاص، وإلا فلا، ~~وهو فاسد لما سبق ذكره. فإن قيل: إن كان فعله بيانا فتقريره على الفعل، ~~وسكوته عليه، وتركه الإنكار، واستبشاره بالفعل أو مدحه له، هل يدل على ~~الجواز، وهل يكون بيانا؟ قلنا: نعم، سكوته مع المعرفة، وتركه الإنكار دليل ~~على الجواز، إذ لا يجوز له ترك الإنكار لو كان حراما، ولا يجوز له ~~الاستبشار بالباطل، فيكون دليلا على الجواز كما نقل في قاعدة القيافة، ~~وإنما تسقط دلالته عند من يحمل ذلك ms439 على المعصية، ويجوز عليه الصغيرة، ونحن ~~نعلم اتفاق الصحابة على إنكار ذلك، وإحالته. فإن قيل: لعله منع من الإنكار ~~مانع كعلمه بأنه لم يبلغه التحريم فلذلك فعله، أو بلغه الإنكار مرة فلم ~~ينجع فيه فلم يعاوده. قلنا: ليس هذا مانعا؛ لأن من لم يبلغه التحريم، ~~فيلزمه تبليغه، ونهيه حتى لا يعود، ومن بلغه، ولم ينجع فيه، فيلزمه إعادته، ~~وتكراره كي لا يتوهم نسخ التحريم. فإن قيل: فلم لم يجب عليه أن يطوف صبيحة ~~كل سبت، وأحد على اليهود، والنصارى إذا اجتمعوا في كنائسهم، وبيعهم؟ قلنا:؛ ~~لأنه علم أنهم مصرون مع تبليغه، وعلم الخلق أنه مصر على تكفيرهم دائما، فلم ~~يكن ذلك مما يوهم النسخ، بخلاف فعل يجري بين يديه مرة واحدة أو مرات فإن ~~السكوت عنه يوهم النسخ ### | [الفصل الثالث في تعارض الفعلين] # فنقول: معنى التعارض التناقض، فإن وقع في الخبر أوجب كون واحد منهما ~~كذبا، ولذلك لا يجوز التعارض في الأخبار من الله تعالى، ورسوله، وإن وقع في ~~الأمر، والنهي، والأحكام، فيتناقض، فيرفع الأخير الأول، ويكون نسخا، وهذا ~~متصور، وإذا عرفت أن التعارض هو التناقض فلا يتصور التعارض في الفعل؛ لأنه ~~لا بد من فرض الفعلين في زمانين أو في شخصين، فيمكن الجمع بين وجوب أحدهما، ~~وتحريم الآخر، فلا تعارض. # فإن قيل: فالقول أيضا لا يتناقض، إذ يوجد القولان في حالتين، وإنما ~~يتناقض حكمهما فكذلك يتناقض حكم الفعلين. قلنا: إنما يتناقض حكم القولين؛ ~~لأن القول الأول اقتضى حكما دائما، فيقطع القول الثاني دوامه، والفعل لا ~~يدل أصلا على حكم، ولا على دوام حكم، نعم لو أشعرنا الشارع بأنه يريد ~~بمباشرة فعل بيان دوام وجوبه، ثم ترك ذلك الفعل بعده كان ذلك نسخا، وقطعا ~~لدوام حكم ظهر بالفعل مع تقدم الإشعار، فهذا القدر ممكن. # وأما التعارض بين القول، والفعل # PageV01P279 # فممكن بأن يقول قولا يوجب على أمته فعلا دائما، وأشعرهم بأن حكمه فيه ~~حكمهم ابتداء، ونسخا ثم فعل خلافه أو سكت على خلافه كان الأخير نسخا، وإن ~~أشكل التاريخ وجب طلبه، ms440 وإلا فهو متعارض، كما روي أنه قال في السارق: «وإن ~~سرق خامسة فاقتلوه» ثم «أتي بمن سرق خامسة فلم يقتله» ، فهذا إن تأخر فهو ~~نسخ القول بالفعل، وإن تأخر القول فهو نسخ ما دل عليه الفعل، وقد قال قوم: ~~إذا تعارضا، وأشكل التاريخ يقدم القول؛ لأن القول بيان بنفسه بخلاف الفعل، ~~فإن الفعل يتصور أن يخصه، والقول يتعدى إلى غيره؛ ولأن القول يتأكد ~~بالتكرار بخلاف الفعل. # فنقول: أما قولكم إن الفعل ليس بيانا بنفسه فمسلم ولكن كلامنا في فعل صار ~~بيانا لغيره وبعد أن صار بيانا لغيره، فلا يتأخر عما كان بيانا بنفسه، وأما ~~خصوص الفعل فمسلم أيضا، ولكن كلامنا في فعل لا يمكن حمله على خاصيته، وأما ~~تأكيد القول بالتكرار، إن عني به أنه إذا تواتر أفاد العلم، فهذا مسلم إذا ~~تواتر من أشخاص، فليس ذلك تكرارا، وتكراره من شخص واحد لا أثر له كتكرار ~~الفعل. # هذا تمام الكلام في الأفعال الملحقة بالأقوال، وبيان ما فيها من البيان، ~~والإجمال، ولنشتغل بعدها بالفن الثالث من القطب، وهو المرسوم لبيان كيفية ~~دلالة الألفاظ على المدلولات بمعقولها، ومعناها، وهو الذي يسمى قياسا، ~~فلنخض في شرح كتاب القياس مستعينين بالله عز وجل. ### | [الفن الثالث في كيفية استثمار الأحكام من الألفاظ والاقتباس من معقول الألفاظ بطريق القياس] ### | [مقدمة في حد القياس] # الفن الثالث: في كيفية استثمار الأحكام من الألفاظ والاقتباس من معقول ~~الألفاظ بطريق القياس. # ويشتمل على مقدمتين، وأربعة أبواب الأول: في إثبات أصل القياس على ~~منكريه. الثاني: في طريق إثبات العلة. الثالث: في قياس الشبه. الرابع: في ~~أركان القياس، وهي أربعة: الأصل، والفرع، والعلة، والحكم، وبيان شروط كل ~~ركن من هذه الأركان. مقدمة: في حد القياس.، وحده أنه حمل معلوم على معلوم ~~في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما من إثبات حكم أو صفة أو ~~نفيهما عنهما. ثم إن كان الجامع موجبا للاجتماع على الحكم كان قياسا صحيحا، ~~وإلا كان فاسدا، واسم القياس يشتمل على الصحيح، والفاسد في اللغة، ولا ms441 بد ~~في كل قياس من فرع، وأصل، وعلة، وحكم، وليس من شرط الفرع، والأصل كونهما ~~موجودين بل ربما يستدل بالنفي على النفي؛ فلذلك لم نقل حمل شيء على شيء؛ ~~لأن المعدوم ليس بشيء عندنا، وأبدلنا لفظ الشيء بالمعلوم، ولم نقل حمل فرع ~~على أصل؛ لأنه ربما ينبو هذا اللفظ عن المعدوم، وإن كان لا يبعد إطلاق هذا ~~الاسم عليه بتأويل ما، والحكم يجوز أن يكون نفيا، ويجوز أن يكون إثباتا، ~~والنفي كانتفاء الضمان، والتكليف، والانتفاء أيضا يجوز أن يكون علة فلذلك ~~أدرجنا الجميع في الحد، ودليل صحة هذا الحد اطراده، وانعكاسه. أما قول من ~~قال في حد القياس: " إنه الدليل الموصل إلى الحق، أو العلم الواقع بالمعلوم ~~عن نظر أو رد غائب إلى شاهد "، فبعض هذا أعم من القياس، وبعضه أخص، ولا ~~حاجة إلى الإطناب في إبطاله، وأبعد منه إطلاق الفلاسفة # PageV01P280 # اسمه على تركيب مقدمتين يحصل منهما نتيجة، كقول القائل: كل مسكر حرام، ~~وكل نبيذ مسكر، فيلزم منه أن كل نبيذ حرام فإن لزوم هذه النتيجة من ~~المقدمتين لا ننكره؛ لكن القياس يستدعي أمرين يضاف أحدهما إلى الآخر بنوع ~~من المساواة، إذ تقول العرب: لا يقاس فلان إلى فلان في عقله، ونسبه،، وفلان ~~يقاس إلى فلان، فهو عبارة عن معنى إضافي بين شيئين، وقال بعض الفقهاء: ~~القياس هو الاجتهاد. # ، وهو خطأ؛ لأن الاجتهاد أعم من القياس؛ لأنه قد يكون بالنظر في ~~العمومات، ودقائق الألفاظ، وسائر طرق الأدلة سوى القياس، ثم إنه لا ينبئ في ~~عرف العلماء إلا عن بذل المجتهد وسعه في طلب الحكم، ولا يطلق إلا على من ~~يجهد نفسه، ويستفرغ الوسع، فمن حمل خردلة لا يقال اجتهد، ولا ينبئ هذا عن ~~خصوص معنى القياس، بل عن الجهد الذي هو حال القياس فقط. ### | [حصر مجاري الاجتهاد في العلل] # مقدمة أخرى: في حصر مجاري الاجتهاد في العلل. اعلم أنا نعني: بالعلة في ~~الشرعيات مناط الحكم، أي: ما أضاف الشرع الحكم إليه، وناطه به، ونصبه علامة ~~عليه.، والاجتهاد في العلة إما ms442 أن يكون في تحقيق مناط الحكم، أو في تنقيح ~~مناط الحكم، أو في تخريج مناط الحكم، واستنباطه. # أما الاجتهاد في تحقيق مناط الحكم فلا نعرف خلافا بين الأمة في جوازه، ~~مثاله الاجتهاد في تعيين الإمام بالاجتهاد مع قدرة الشارع في الإمام الأول ~~على النص، وكذا تعيين الولاة، والقضاة، وكذلك في تقدير المقدرات، وتقدير ~~الكفايات في نفقة القرابات، وإيجاب المثل في قيم المتلفات، وأروش الجنايات، ~~وطلب المثل في جزاء الصيد، فإن مناط الحكم في نفقة القريب الكفاية، وذلك ~~معلوم بالنص، أما أن الرطل كفاية لهذا الشخص أم لا؛ فيدرك بالاجتهاد، ~~والتخمين، وينتظم هذا الاجتهاد بأصلين: أحدهما: أنه لا بد من الكفاية، ~~والثاني: أن الرطل قدر الكفاية، فيلزم منه أنه الواجب على القريب. # أما الأصل الأول فمعلوم بالنص، والإجماع، وأما الثاني فمعلوم بالظن، ~~وكذلك نقول: يجب في حمار الوحش بقرة لقوله تعالى: {فجزاء مثل ما قتل من ~~النعم} [المائدة: 95] فنقول: المثل واجب، والبقرة مثل فإذا هي الواجب، ~~والأول معلوم بالنص، وهي المثلية التي هي مناط الحكم، أما تحقق المثلية في ~~البقرة فمعلوم بنوع من المقايسة، والاجتهاد. # ، وكذلك من أتلف فرسا فعليه ضمانه، والضمان هو المثل في القيمة، أما كون ~~مائة درهم مثلا في القيمة فإنما يعرف بالاجتهاد، ومن هذا القبيل الاجتهاد ~~في القبلة، وليس ذلك من القياس في شيء، بل الواجب استقبال جهة القبلة، وهو ~~معلوم بالنص، أما أن هذه جهة القبلة فإنه يعلم بالاجتهاد، والأمارات ~~الموجبة للظن عند تعذر اليقين، وكذلك حكم القاضي بقول الشهود ظني، لكن ~~الحكم بالصدق واجب، وهو معلوم بالنص، وقول العدل صدق معلوم بالظن، وأمارات ~~العدالة، والعدالة لا تعلم إلا بالظن، فلنعبر عن هذا الجنس بتحقيق مناط ~~الحكم؛ لأن المناط معلوم بنص أو إجماع لا حاجة إلى استنباطه، لكن تعذرت ~~معرفته باليقين فاستدل عليه بأمارات ظنية. # وهذا لا خلاف فيه بين الأمة، وهو نوع اجتهاد، والقياس مختلف فيه، فكيف ~~يكون هذا قياسا، وكيف يكون مختلفا فيه، وهو ضرورة كل شريعة؛ لأن التنصيص ~~على عدالة الأشخاص، وقدر كفاية ms443 كل شخص محال، فمن ينكر القياس ينكره حيث ~~يمكن التعريف # PageV01P281 # للحكم بالنص المحيط بمجاري الحكم # الاجتهاد الثاني في تنقيح مناط الحكم: وهذا أيضا يقر به أكثر منكري ~~القياس، مثاله: أن يضيف الشارع الحكم إلى سبب، وينوطه به، وتقترن به أوصاف ~~لا مدخل لها في الإضافة، فيجب حذفها عن درجة الاعتبار حتى يتسع الحكم، ~~مثاله: إيجاب العتق على الأعرابي حيث أفطر في رمضان بالوقاع مع أهله، فإنا ~~نلحق به أعرابيا آخر بقوله - عليه السلام -: «حكمي على الواحد حكمي على ~~الجماعة» أو بالإجماع على أن التكليف يعم الأشخاص، ولكنا نلحق التركي، ~~والعجمي به؛ لأنا نعلم أن مناط الحكم وقاع مكلف لا وقاع أعرابي، ونلحق به ~~من أفطر في رمضان آخر؛؛ لأنا نعلم أن المناط هتك حرمة رمضان لا حرمة ذلك ~~الرمضان، بل نلحق به يوما آخر من ذلك الرمضان. # ولو وطئ أمته أوجبنا عليه الكفارة؛ لأنا نعلم أن كون الموطوءة منكوحة لا ~~مدخل له في هذا الحكم بل يلحق به الزنا؛ لأنه أشد في هتك الحرمة، إلا أن ~~هذه الحالات معلومة تنبئ على تنقيح مناط الحكم بحذف ما علم بعادة الشرع في ~~موارده، ومصادره، وفي أحكامه أنه لا مدخل له في التأثير. # وقد يكون حذف بعض الأوصاف مظنونا، فينقدح الخلاف فيه، كإيجاب الكفارة ~~بالأكل، والشرب؛ إذ يمكن أن يقال: مناط الكفارة كونه مفسدا للصوم المحترم، ~~والجماع آلة الإفساد، كما أن مناط القصاص في القتل بالسيف كونه مزهقا روحا ~~محترمة، والسيف آلة، فيلحق به السكين، والرمح، والمثقل، فكذلك الطعام، ~~والشراب آلة، ويمكن أن يقال: الجماع مما لا تنزجر النفس عنه عند هيجان ~~شهوته لمجرد وازع الدين، فيحتاج فيه إلى كفارة وازعة بخلاف الأكل. # وهذا محتمل، والمقصود أن هذا تنقيح المناط بعد أن عرف المناط بالنص لا ~~بالاستنباط ولذلك أقر به أكثر منكري القياس، بل قال أبو حنيفة - رحمه الله ~~-: لا قياس في الكفارات، وأثبت هذا النمط من التصرف، وسماه استدلالا، فمن ~~جحد هذا الجنس من منكري القياس، وأصحاب الظاهر لم يخف فساد كلامه. ms444 # الاجتهاد الثالث في تخريج مناط الحكم، واستنباطه: مثاله أن يحكم بتحريم ~~في محل، ولا يذكر إلا الحكم، والمحل، ولا يتعرض لمناط الحكم، وعلته، كتحريم ~~شرب الخمر، والربا في البر، فنحن نستنبط المناط بالرأي، والنظر، فنقول: ~~حرمه لكونه مسكرا، وهو العلة، ونقيس عليه النبيذ، وحرم الربا في البر لكونه ~~مطعوما، ونقيس عليه الأرز، والزبيب، ويوجب العشر في البر، فنقول: أوجبه ~~لكونه قوتا، فنلحق به الأقوات، ولكونه نبات الأرض، وفائدتها، فنلحق به ~~الخضراوات، وأنواع النبات. # فهذا هو الاجتهاد القياسي الذي عظم الخلاف فيه، أنكره أهل الظاهر وطائفة ~~من معتزلة بغداد، وجميع الشيعة، والعلة المستنبطة أيضا عندنا لا يجوز ~~التحكم بها، بل قد تعلم بالإيماء، وإشارة النص، فتلحق بالمنصوص، وقد تعلم ~~بالسبر حيث يقوم دليل على وجوب التعليل، وتنحصر الأقسام في ثلاثة مثلا، ~~ويبطل قسمان، فيتعين الثالث، فتكون العلة ثابتة بنوع من الاستدلال فلا ~~تفارق تحقيق المناط، وتنقيح المناط، وقد يقوم الدليل على كون الوصف ~~المستنبط مؤثرا بالإجماع، فيلحق به ما لا يفارقه إلا فيما لا مدخل له في ~~التأثير، كقولنا: الصغير يولى عليه في ماله لصغره، فيلحق بالمال البضع إذ ~~ثبت بالإجماع تأثير الصغر في جلب الحكم، ولا يفارق البضع المال في معنى ~~مؤثر في الحكم. # فكل ذلك استدلال قريب من القسمين الأولين # PageV01P282 # والقسم الأول متفق عليه، والثاني مسلم من الأكثرين. هذا شرح المقدمتين، ~~ولنشرع الآن في الأبواب ### | [الباب الأول في إثبات القياس على منكريه] # وقد قالت الشيعة، وبعض المعتزلة: يستحيل التعبد بالقياس عقلا، وقال قوم ~~في مقابلتهم: يجب التعبد به عقلا، وقال قوم: لا حكم للعقل فيه بإحالة، ولا ~~إيجاب، ولكنه في مظنة الجواز. ثم اختلفوا في وقوعه فأنكر أهل الظاهر وقوعه ~~بل ادعوا حظر الشرع له. # ، والذي ذهب إليه الصحابة - رضي الله عنهم - بأجمعهم، وجماهير الفقهاء ~~والمتكلمين بعدهم - رحمهم الله - وقوع التعبد به شرعا، ففرق المبطلة له ~~ثلاث: المحيل له عقلا، والموجب له عقلا، والحاظر له شرعا، فنفرض على كل ~~فريق مسألة، ونبطل عليهم خيالهم، ونقول للمحيل للتعبد به عقلا: ms445 بم عرفت ~~إحالته أبضرورة أو نظر؟ ولا سبيل إلى دعوى شيء من ذلك، ولهم مسالك # الأول: قولهم كل ما نصب الله تعالى دليلا قاطعا على معرفته فلا نحيل ~~التعبد به، إنما نحيل التعبد بما لا سبيل إلى معرفته؛ لأن رجم الظن جهل، ~~ولا صلاح للخلق في إقحامهم ورطة الجهل حتى يتخبطوا فيه، ويحكموا بما لا ~~يتحققون أنه حكم الله، بل يجوز أنه نقيض حكم الله تعالى. فهذان أصلان: # أحدهما: أن الصلاح واجب على الله تعالى # والثاني: أنه لا صلاح في التعبد بالقياس، ففي أيهما النزاع؟ والجواب: ~~إننا ننازعكم في الأصلين جميعا، أما إيجاب صلاح العباد على الله تعالى فقد ~~أبطلناه فلا نسلم، وإن سلمنا فقد جوز التعبد بالقياس بعض من أوجب الصلاح، ~~وقال: لعل الله تعالى علم لطفا بعباده في الرد إلى القياس لتحمل كلفة ~~الاجتهاد، وكد القلب، والعقل في الاستنباط لنيل الخيرات الجزيلة {يرفع الله ~~الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} [المجادلة: 11] ، وتجشم القلب ~~بالفكر لا يتقاعد عن تجشم البدن بالعبادات. # فإن قيل: كان الشارع قادرا على أن يكفيهم بالتنصيص كلمات الظن، وذلك ` ~~أصلح قلنا: من أوجب الصلاح لا يوجب الأصلح، ثم لعل الله تعالى علم من عباده ~~أنه لو نص على جميع التكاليف لبغوا، وعصوا، وإذا فوض إلى رأيهم انبعث حرصهم ~~لاتباع اجتهادهم، وظنونهم. ثم نقول: أليس قد أقحمهم ورطة الجهل في الحكم ~~بقول الشاهدين، والاستدلال على القبلة، وتقدير المثل، والكفايات في ~~النفقات، والجنايات؟ وكل ذلك ظن، وتخمين. # فإن قيل: ما تعبد القاضي بصدق الشاهدين، فإن ذلك لا يقدر عليه، بل أوجب ~~الحكم عليه عند ظن الصدق، وأوجب استقبال جهة يظن أن القبلة فيها لا استقبال ~~القبلة. قلنا:، وكذلك تعبد المجتهد بأن يحكم بشهادة الأصل للفرع إذا غلب ~~على ظنه دلالته عليه، وشهادته له، ولا تكليف عليه في تحقيق تلك الشهادة، بل ~~هو مكلف بظنه، وإن فسدت الشهادة، كما كلف الحاكم الحكم بظنه، وإن كان كذب ~~الشهود ممكنا، ولا فرق، ولذلك نقول كل مجتهد مصيب، والخطأ محال ms446 إذ يستحيل ~~أن يكلف إصابة ما لم ينصب عليه دليل قاطع، وما أنكروه إنما يشكل على من ~~يقول المصيب واحد. # ، وتحقيقه أنه # PageV01P283 # لو قال الشارع: حرمت كل مسكر أو حرمت الخمر لكونه مسكرا، لم يكن التعبد ~~به ممتنعا؛ فلو قال: متى حرمت الربا في البر فاسبروا، وقسموا صفاته، فإن ~~غلب على ظنكم بأمارة أني حرمته لكونه قوتا، وحرمت الخمر لكونه مسكرا، فقد ~~حرمت عليكم كل قوت، وكل مسكر، ومن غلب على ظنه أني حرمته لكونه مكيلا فقد ~~حرمت كل مكيل. # لم يكن بين هذا، وبين قوله: " إذا اشتبهت عليكم القبلة فكل جهة غلب على ~~ظنكم أن القبلة فيها فاستقبلوها " فرق حتى لو غلب جهتان على ظن رجلين، ~~فيكون كل واحد مصيبا، وكما لم يمتنع أن يلحق ظن القبلة بمشاهدتها، وظن صدق ~~العدل بتحقيق صدق الرسول المؤيد بالمعجزة، وصدق الراوي الواحد بتحقيق صدق ~~التواتر فكذلك لا يمتنع أن يلحق ظن ارتباط الحكم بمناط بتحقق ارتباطه به ~~بالنص الصريح. # فإن قيل: فأي مصلحة في تحريم الربا في البر لكونه مكيلا أو قوتا أو ~~مطعوما؟ قلنا: ومن أوجب الأصلح لم يشترط كون المصلحة مكشوفة للعباد، وأي ~~مصلحة في تقدير المغرب ثلاث ركعات، والصبح بركعتين، وفي تقدير الحدود، ~~والكفارات، ونصب الزكوات بمقادير مختلفة؟ لكن علم الله تعالى في التعبد ~~لطفا استأثر بعلمه، يقرب العباد بسببه من الطاعة، ويبعدون به عن المعصية، ~~وأسباب الشقاوة. حتى لو أضاف الحكم إلى اسم مجرد ثبت، واعتقدنا فيه لطفا لا ~~ندركه فكيف لا يتصور ذلك في الأوصاف. # الشبهة الثانية: قولهم: لا يستقيم قياس إلا بعلة، والعلة ما توجب الحكم ~~لذاتها، وعلل الشرع ليست كذلك، فكيف يستقيم التعليل مع أن ما نصب علة ~~للتحريم يجوز أن يكون علة للتحليل؟ قلنا: لا معنى لعلة الحكم إلا علامة ~~منصوبة على الحكم، ويجوز أن ينصب الشرع السكر علامة لتحريم الخمر، ويقول: ~~اتبعوا هذه العلامة واجتنبوا كل مسكر، ويجوز أن ينصبه علامة للتحليل أيضا، ~~ويجوز أن يقول: من ظن أنه علامة للتحليل فقد حللت ms447 له كل مسكر، ومن ظن أنه ~~علامة للتحريم فقد حرمت عليه كل مسكر، حتى يختلف المجتهدون في هذه الظنون، ~~وكلهم مصيبون. # الشبهة الثالثة: قوله حكم الله تعالى خبره، ويعرف ذلك بتوقيف، فإذا لم ~~يخبر الله عن حكم الزبيب، فكيف يقال حكم الله في الزبيب التحريم، والنص لم ~~ينطق إلا بالأشياء الستة؟ قلنا: إذا قال الله تعالى: قد تعبدتكم بالقياس ~~فإذا ظننتم أني حرمت الربا في البر لكونه مطعوما، فقيسوا عليه كل مطعوم، ~~فيكون هذا خبرا عن حكم الزبيب. # وما لم يقم دليل على التعبد بالقياس لا يجوز القياس عندنا، فالقياس عندنا ~~حكم بالتوقيف المحض كما قررناه في كتاب أساس القياس لكن هذا النص بعينه، ~~وإن لم يرد فقد دل إجماع الصحابة على القياس على أنهم ما فعلوا ذلك إلا، ~~وقد فهموا من الشارع هذا المعنى بألفاظ، وقرائن، وإن لم ينقلوها إلينا. ~~الشبهة الرابعة: قولهم: إذا اشتبهت رضيعة بعشر أجنبيات، أو ميتة بعشر ~~مذكيات، لم يجز مد اليد إلى واحدة، وإن وجدت علامات لإمكان الخطأ، والخطأ ~~ممكن في كل اجتهاد، وقياس، فكيف يجوز الهجوم مع إمكان الخطأ؟ ولا يلزم هذا ~~على الاجتهاد في القبلة، وعدالة الشاهد، والقاضي، والإمام، ومتولي الأوقاف ~~لمعنيين: # أحدهما: أن ذلك حكم في الأشخاص، والأعيان، ولا نهاية لها، ولا يمكن ~~تعريفها بالنص. # والثاني: أن الخطأ فيه غير ممكن؛؛ لأنهم متعبدون بظنونهم لا بصدق الشهود. # قلنا: وكذلك # PageV01P284 # نحن نعترف بأنه لا خلاص عن هذا الإشكال إلا بتصويب كل مجتهد، وأن ~~المجتهد، وإن خالف النص فهو مصيب، إذ لم يكلف إلا بما بلغه، فالخطأ غير ~~ممكن في حقه. أما من ذهب إلى أن المصيب واحد، فيلزمه هذا الإشكال. # وأما اختلاط الرضيعة بأجنبيات فلسنا نسلم أن المانع مجرد إمكان الخطأ، ~~فإنه لو شك في رضاع امرأة حل له نكاحها، والخطأ ممكن، لكن الشرع إنما أباح ~~نكاح امرأة يعلم أنها أجنبية بيقين، وحكم أن اليقين لا يندفع بالشك الطارئ، ~~أما إذا تعارض يقينان، وهو يقين التحريم، والتحليل فليس ذلك في معنى اليقين ms448 ~~الصافي عن المعارضة، ولا في معنى اليقين الذي لم يعارضه إلا الشك المجرد، ~~فلم يلحق به اتباعا لموجب الدليل، ولو ورد الشرع بالرخصة فيه لم يكن ذلك ~~ممتنعا. ### | [مسألة التعبد بالقياس واجب عقلا] # مسألة الذين ذهبوا إلى أن التعبد بالقياس واجب عقلا # متحكمون فمطالبون بالدليل، ولهم شبهتان: # الأولى: أن الأنبياء مأمورون بتعميم الحكم في كل صورة، والصور لا نهاية ~~لها، فكيف تحيط النصوص بها؟ ، فيجب ردهم إلى الاجتهاد ضرورة، فنقول: هذا ~~فاسد؛ لأن الحكم في الأشخاص التي ليست متناهية إنما يتم بمقدمتين: كلية، ~~كقولنا: كل مطعوم ربوي، وجزئية، كقولنا: هذا النبات مطعوم أو الزعفران ~~مطعوم، وكقولنا: كل مسكر حرام، وهذا الشراب بعينه مسكر، وكل عدل مصدق، وزيد ~~عدل، وكل زان مرجوم، وماعز قد زنى فهو إذا مرجوم،، والمقدمة الجزئية هي ~~التي لا تتناهى مجاريها فيضطر فيها إلى الاجتهاد لا محالة، وهو اجتهاد في ~~تحقيق مناط الحكم، وليس ذلك بقياس. # أما المقدمة الكلية فتشتمل على مناط الحكم وروابطه، وذلك يمكن التنصيص ~~عليه بالروابط الكلية، كقوله: كل مطعوم ربوي بدلا عن قوله: لا تبيعوا البر ~~بالبر، وكقوله: كل مسكر حرام بدلا عن قوله: حرمت الخمر، وإذا أتى بهذه ~~الألفاظ العامة وقع الاستغناء عن استنباط مناط الحكم، واستغني عن القياس، ~~هذا مع أنه يمكن منازعة هذا القائل بأنه لم يجب استيعاب جميع الصور بالحكم، ~~ولم يستحل خلو بعضها عن الحكم، فإنه في المقدمة الجزئية أيضا يمكن أن يرد ~~فيه إلى اليقين، فيقال: من تيقنتم صدقه، وما تيقنتم كونه مطعوما أو مسكرا ~~فاحكموا به، وما لم تتيقنوا به فاتركوه على حكم الأصل، إلا أن هذا لا يجري ~~في جميع الجزئيات؛ لأنه لا سبيل إلى تيقن صدق الشهود، وعدالة القضاة، ~~والولاة، ولا سبيل إلى تعطيل الأحكام، وكذلك لا سبيل إلى تقدير متيقن في ~~كفاية الأقارب، وأروش المتلفات، فإن التكثير فيه إلى حصول اليقين ربما يضر ~~بجانب الموجب عليه كما يضر التقليل بجانب الموجب له، فالاجتهاد في تحقيق ~~مناط الحكم ضرورة أما في تخريج المناط، وتنقيح ms449 المناط فلا. # الثانية: قولهم: إن العقل كما دل على العلل العقلية دل على العلل ~~الشرعية، فإنها تدرك بالعقل، ومناسبة الحكم مناسبة عقلية مصلحة يتقاضى ~~العقل ورود الشرع بها، وهذا فاسد؛ لأن القياس إنما يتصور لخصوص النص ببعض ~~مجاري الحكم، وكل حكم قدر خصوصه فتعميمه ممكن، فلو عم لم يبق للقياس مجال، ~~وما ذكروه من قياس العلة الشرعية بالعلة العقلية خطأ؛ لأن من العلل ما لا ~~يناسب، وما تناسب لا توجب الحكم لذاتها، بل يجوز أن يتخلف الحكم عنها، ~~فيجوز أن لا يحرم المسكر، وأن لا يوجب الحد بالزنا، والسرقة، وكذا سائر ~~العلل، والأسباب. # PageV01P285 ### | [مسألة في الرد على من حسم سبيل الاجتهاد بالظن] # مسألة الرد على من حسم سبيل الاجتهاد بالظن # ولم يجوز الحكم في الشرع إلا بدليل قاطع، كالنص، وما يجري مجراه. فأما ~~الحكم بالرأي، والاجتهاد فمنعوه، وزعموا أنه لا دليل عليه، وإنما الرد ~~عليهم بإظهار الدليل، وما عندي أن أحدا ينازع في الاجتهاد في تحقيق مناط ~~الحكم، فلا تصرف الزكاة إلا إلى فقير، ويعلم فقره بأمارة ظنية، ولا يحكم ~~إلا بقول عدل، وتعرف عدالته بالظن، وكذلك الاجتهاد في الوقت، والقبلة، ~~وأروش الجنايات، وكفاية القريب. # وإن اعتذروا عن جميع ذلك بأن كل عبد مأمور باتباع ظنه في ذلك، وظنه موجود ~~قطعا، والحكم عند الظن واجب قطعا، فنحن كذلك نقول في سائر الاجتهادات، وإن ~~اعتذروا عن ذلك بأن ذلك ضرورة، فإنما نزاعنا في معرفة مناط الأحكام بالرأي، ~~والاجتهاد، فيستدل على ذلك بإجماع الصحابة على الحكم بالرأي، والاجتهاد في ~~كل واقعة وقعت لهم، ولم يجدوا فيها نصا، وهذا مما تواتر إلينا عنهم تواترا ~~لا شك فيه، فننقل من ذلك بعضه، وإن لم يمكن نقل الجميع. # فمن ذلك حكم الصحابة بإمامة أبي بكر - رضي الله عنه - بالاجتهاد مع ~~انتفاء النص، ونعلم قطعا بطلان دعوى النص عليه، وعلى علي، وعلى العباس، إذ ~~لو كان لنقل، ولتمسك به المنصوص عليه، ولم يبق للمشورة مجال حتى ألقى عمر - ~~رضي الله عنه - الشورى بين ستة، وفيهم علي ms450 - رضي الله عنه -، فلو كان ~~منصوصا عليه، وقد استصلحه له، فلم تردد بينه، وبين غيره؟ ومن ذلك قياسهم ~~العهد على العقد، إذ ورد في الأخبار عقد الإمامة بالبيعة، ولم ينص على ~~واحد، وأبو بكر عهد إلى عمر خاصة، ولم يرد فيه نص، ولكن قاسوا تعيين الإمام ~~على تعيين الأمة لعقد البيعة فكتب أبو بكر: " هذا ما عهد أبو بكر "، ولم ~~يعترض عليه أحد. # ، ومن ذلك رجوعهم إلى اجتهاد أبي بكر ورأيه في قتال مانعي الزكاة حتى قال ~~عمر: فكيف تقاتلهم، وقد قال - عليه السلام - «أمرت أن أقاتل الناس حتى ~~يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم، وأموالهم إلا ~~بحقها» ؟ فقال أبو بكر: " ألم يقل «إلا بحقها؟» فمن حقها إيتاء الزكاة كما ~~أن من حقها إقام الصلاة، فلا أفرق بين ما جمع الله. # والله لو منعوني عقالا مما أعطوا النبي - عليه السلام - لقاتلتهم عليه "، ~~وبنو حنيفة الممتنعون من الزكاة جاءوا إلى أبي بكر - رضي الله عنه - ~~متمسكين بدليل أصحاب الظاهر في اتباع النص، وقالوا: إنما أمر النبي - عليه ~~السلام - بأخذ الصدقات؛ لأن صلاته كانت سكنا لنا، وصلاتك ليست بسكن لنا، إذ ~~قال الله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم، وتزكيهم بها وصل عليهم إن ~~صلاتك سكن لهم} [التوبة: 103] . # فأوجبوا تخصيص الحكم بمحل النص، وقاس أبو بكر، والصحابة خليفة الرسول على ~~الرسول، إذ الرسول إنما كان يأخذ للفقراء لا لحق نفسه، والخليفة نائب في ~~استيفاء الحقوق، ومن ذلك ما أجمعوا عليه من طريق الاجتهاد بعد طول التوقف ~~فيه، ككتب المصحف، وجمع القرآن بين الدفتين، فاقترح عمر ذلك أولا على أبي ~~بكر فقال: كيف أفعل ما لم يفعله النبي - عليه السلام -؟ حتى شرح الله له ~~صدر أبي بكر، وكذلك جمعه عثمان على ترتيب واحد بعد أن كثرت المصاحف مختلفة ~~الترتيب، ومن ذلك إجماعهم على الاجتهاد في مسألة الجد، والإخوة على وجوه ~~مختلفة مع قطعهم بأنه لا نص في المسائل التي قد أجمعوا على الاجتهاد فيها. # PageV01P286 # وننقل الآن من أخبارهم ما ms451 يدل على قولهم بالرأي؛ فمن ذلك قول أبي بكر لما ~~سئل، عن الكلالة: " أقول فيها برأيي فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ ~~فمني، ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان: الكلالة ما عدا الوالد، ~~والولد ".، ومن ذلك أنه ورث أم الأم دون أم الأب، فقال له بعض الأنصار: لقد ~~ورثت امرأة من ميت لو كانت هي الميتة لم يرثها، وتركت امرأة لو كانت هي ~~الميتة ورث جميع ما تركت فرجع إلى الاشتراك بينهما في السدس. ومن ذلك حكمه ~~بالرأي في التسوية في العطاء، فقال عمر: لا نجعل من ترك دياره، وأمواله ~~مهاجرا إلى النبي - عليه السلام - كمن دخل الإسلام كرها، فقال أبو بكر: ~~إنما أسلموا لله، وأجورهم على الله، وإنما الدنيا بلاغ، ولما انتهت الخلافة ~~إلى عمر فرق بينهم، ووزع على تفاوت درجاتهم. واجتهاد أبي بكر أن العطاء إذا ~~لم يكن جزاء على طاعتهم لم يختلف باختلافها، واجتهاد عمر أنه لولا الإسلام ~~لما استحقوها، فيجوز أن يختلفوا، وأن يجعل معيشة العالم أوسع من معيشة ~~الجاهل. # ومن ذلك قول عمر - رضي الله عنه -: " أقضي في الجد برأيي، وأقول فيه ~~برأيي "، وقضى بآراء مختلفة، وقوله من أحب أن يقتحم جراثيم جهنم فليقض في ~~الجد برأيه " أي: الرأي العاري عن الحجة، وقال لما سمع الحديث في الجنين: " ~~لولا هذا لقضينا فيه برأينا "، ولما قيل له في مسألة المشتركة: هب أن أبانا ~~كان حمارا ألسنا من أم واحدة؟ أشرك بينهم بهذا الرأي، ومن ذلك أنه قيل ~~لعمر: إن سمرة أخذ من تجار اليهود الخمر في العشور، وخللها، وباعها، فقال: ~~قاتل الله سمرة أما علم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لعن الله ~~اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها، وأكلوا أثمانها» ؟ فقاس عمر الخمر على ~~الشحم، وأن تحريمها تحريم لثمنها. # ، وكذلك جلد أبا بكرة لما لم يكمل نصاب الشهادة مع أنه جاء شاهدا في مجلس ~~الحكم لا قاذفا، لكنه قاسه على القاذف، وقال علي - رضي الله عنه -: " اجتمع ~~رأيي ورأي عمر في أم الولد ms452 أن لا تباع ورأيت الآن بيعهن " فهو تصريح بالقول ~~بالرأي. # وكذلك عهد عمر إلى أبي موسى الأشعري: " اعرف الأشباه، والأمثال ثم قس ~~الأمور برأيك ". # ومن ذلك قول عثمان لعمر - رضي الله عنهما - في بعض الأحكام: " إن اتبعت ~~رأيك فرأيك أسد، وإن تتبع رأي من قبلك فنعم الرأي كان "، فلو كان في ~~المسألة دليل قاطع لما صوبهما جميعا، وقال عثمان، وعلي - رضي الله عنهما - ~~في الجمع بين الأختين المملوكتين: " أحلتهما آية، وحرمتهما آية ". # ، وقضى عثمان بتوريث المبتوتة بالرأي. # ومن ذلك قول علي - رضي الله عنه - في حد الشرب من شرب هذى، ومن هذى ~~افترى، فأرى عليه حد المفتري "، وهو قياس للشرب على القذف؛ لأنه مظنة ~~القذف، التفاتا إلى أن الشرع قد ينزل مظنة الشيء منزلته، كما أنزل النوم ~~منزلة الحديث، والوطء في إيجاب العدة منزلة حقيقة شغل الرحم، ونظائره. # ، ومن ذلك قول ابن مسعود في المفوضة برأيه بعد أن استمهل شهرا، وكان ابن ~~مسعود يوصي من يلي القضاء بالرأي، ويقول: " الأمر في القضاء بالكتاب، ~~والسنة، وقضايا الصالحين فإن لم يكن شيء من ذلك فاجتهد رأيك "، ومن ذلك قول ~~معاذ بن جبل للنبي - صلى الله عليه وسلم -: «أجتهد رأيي عند فقد الكتاب، ~~والسنة فزكاه النبي - عليه السلام -» . # ومن ذلك قول ابن عباس لمن قضى بتفاوت الدية في الأسنان لاختلاف منافعها: ~~" كيف لم يعتبروا الأصابع؟ ". # PageV01P287 # وقال في العول من شاء باهلته " الحديث، ولما سمع نهيه عن بيع الطعام قبل ~~أن يقبض قال: " لا أحسب كل شيء إلا مثله "، وقال في المتطوع إذا بدا له ~~الإفطار أنه كالمتبرع أراد التصدق بمال فتصدق ببعضه، ثم بدا له، ومن ذلك ~~قول زيد في الفرائض، والحجب، وميراث الجد. # ولما ورث زيد ثلث ما بقي في مسألة زوج، وأبوين قال ابن عباس: أين، وجدت ~~في كتاب الله ثلث ما بقي؟ فقال زيد: أقول برأيي، وتقول برأيك. فهذا، ~~وأمثاله مما لا يدخل تحت الحصر مشهور، وما من مفت إلا، وقد قال بالرأي، ومن ~~لم يقل؛ فلأنه أغناه غيره عن ms453 الاجتهاد، ولم يعترض عليهم في الرأي فانعقد ~~إجماع قاطع على جواز القول بالرأي. # وجه الاستدلال أنه في هذه المسائل التي اختلفوا واجتهدوا فيها فلا يخلو ~~إما أن يكون فيها دليل قاطع على حكم معين أو لم يكن، فإن لم يكن، وقد حكموا ~~بما ليس بقاطع فقد ثبت الاجتهاد، وإن كان فمحال إذ كان يجب على من عرف ~~الدليل القاطع أن لا يكتمه، ولو أظهره، وكان قاطعا لما خالفه أحد، ولو ~~خالفه لوجب تفسيقه، وتأثيمه، ونسبته إلى البدعة، والضلال، ولوجب منعه من ~~الفتوى، ومنع العامة من تقليده، هذا أقل ما يجب فيه إن لم يجب قتله، وقد ~~قال به قوم، وإن كنا لا نراه. # وعلى الجملة فلو كان فيها دليل قاطع لكان المخالف فاسقا، وكان المحق ~~بالسكوت عن المخالف، وترك دعوته إلى الحق فاسقا، فيعم الفسق جميع الصحابة ~~بل يعم العباد جميعهم، وليس هذا كالعقليات، فإن أدلتها غامضة قد لا يدركها ~~بعض الخلق فلا يكون معاندا. # أما القاطع الشرعي فهو نص ظاهر، وقد قال أهل الظاهر: إنما يحكم بنص منطوق ~~به أو بدليل ظاهر فيما ليس منطوقا به لا يحتمل التأويل، كقوله تعالى: ~~{وورثه أبواه فلأمه الثلث} [النساء: 11] فمعقول هذا أن لأبيه الثلثين، ~~وقوله تعالى: {فاسعوا إلى ذكر الله} [الجمعة: 9] فمعقوله تحريم التجارة، ~~والجلوس في البيت، وقوله: {ولا تظلمون فتيلا} [النساء: 77] ، و {فمن يعمل ~~مثقال ذرة خيرا يره} [الزلزلة: 7] ، و {فلا تقل لهما أف} [الإسراء: 23] فلم ~~يرخص في الحكم في المسكوت عنه إلا في هذا الجنس، ولا يخفى هذا على عامي ~~فكيف خفي على الصحابة - رضي الله عنهم - مع جلالة قدرهم حتى نشأ الخلاف ~~بينهم في المسائل؟ هذا تمهيد الدليل، وتمامه بدفع الاعتراضات # وقد يعترض الخصم عليه تارة بإنكار كون الإجماع حجة، وهو قول النظام، وقد ~~فرغنا من إثباته، وتارة بإنكار تمام الإجماع في القياس من حيث إن ما ذكرنا ~~منقول عن بعضهم، وليس للباقين إلا السكوت، وقد نقلوا عن بعضهم إنكار الرأي، ~~وتارة يسلمون السكوت لكن حملوه على المجاملة في ms454 ترك الاعتراض لا على ~~الموافقة في الرأي، وتارة يقرون بالإجماع، ولا يكترثون بتفسيق الصحابة، ~~وتارة يردون رأيهم إلى العمومات، ومقتضى الألفاظ، وتحقيق مناط الحكم دون ~~القياس. # فهذه مدارك اعتراضاتهم، وهي خمسة: # الاعتراض الأول: قال الجاحظ - حكاية عن النظام -: إن الصحابة لو لزموا ~~العمل بما أمروا به، ولم يتكلفوا ما كفوا القول فيه من إعمال الرأي، ~~والقياس، لم يقع بينهم التهارج، والخلاف، ولم يسفكوا الدماء، لكن لما عدلوا ~~عما كلفوا، وتخيروا، وتآمروا، وتكلفوا القول بالرأي جعلوا الخلاف طريقا، ~~وتورطوا فيما كان بينهم من القتل، والقتال # وكذلك الرافضة # PageV01P288 # بأسرهم زعموا أن السلف بأسرهم تآمروا، وغصبوا الحق أهله، وعدلوا عن طاعة ~~الإمام المعصوم المحيط بجميع النصوص المحيطة بالأحكام إلى القيامة، فتورطوا ~~فيما شجر بينهم من الخلاف. # وهذا اعتراض من عجز عن إنكار اتفاقهم على الرأي ففسق، وضل، ونسبهم إلى ~~الضلال، ويدل على فساد قوله ما دل على أن الأمة لا تجتمع على الخطأ، وما دل ~~على منصب الصحابة - رضوان الله عليهم - من ثناء القرآن، والأخبار عليهم كما ~~نذكر في كتاب الإمامة، وكيف يعتقد العاقل القدح فيمن أثنى الله تعالى ~~ورسوله عليهم بقول مبتدع مثل النظام؟ # الاعتراض الثاني: قولهم: لا يصح الرأي، والقياس إلا من بعضهم، وكذلك ~~السكوت لا يصح إلا من بعضهم، فإن فيهم من لم يخض في القياس، وفيهم من لم ~~يسكت عن الاعتراض قال النظام فيما حكاه الجاحظ عنه: إنه لم يخض في القياس ~~إلا نفر يسير من قدمائهم كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وزيد بن ثابت، وأبي بن ~~كعب، ومعاذ بن جبل، ونفر يسير من أحداثهم كابن مسعود، وابن عباس، وابن ~~الزبير، ثم شرع في ثلب العبادلة، وقال: كأنهم كانوا أعرف بأحوال النبي - ~~عليه السلام - من آبائهم، وأثنى على العباس، والزبير إذ تركا القول بالرأي، ~~ولم يشرعا. # ، وقال الداودية: لا نسلم سكوت جميعهم عن إنكار الرأي، والتخطئة فيه، إذ ~~قال أبو بكر: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله برأيي، ~~وقال: أقول في الكلالة برأيي فإن يكن ms455 خطأ فمني، ومن الشيطان، وقال علي لعمر ~~- رضي الله عنهما - في قصة الجنين: إن اجتهدوا فقد أخطئوا، وإن لم يجتهدوا ~~فقد غشوا.، وقالت عائشة - رضي الله عنها -: أخبروا زيد بن أرقم أنه قد أبطل ~~جهاده مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن لم يتب لفتواه بالرأي في ~~مسألة العينة.، وقال ابن عباس: من شاء باهلته أن الله لم يجعل في المال ~~النصف، والثلثين، وقال: ألا يتقي الله زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ابنا، ~~ولا يجعل أبا الأب أبا، وقال ابن مسعود في مسألة المفوضة: إن يك خطأ فمني، ~~ومن الشيطان، وقال عمر: إياكم، وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن أعيتهم ~~الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي فضلوا، وأضلوا، وقال علي، وعثمان - رضي ~~الله عنهما -: لو كان الدين بالرأي لكان المسح على باطن الخف أولى من ~~ظاهره، وقال عمر - رضي الله عنه -: اتهموا الرأي على الدين فإن الرأي منا ~~تكلف، وظن، وإن الظن لا يغني من الحق شيئا، وقال أيضا: إن قوما يفتون ~~بآرائهم، ولو نزل القرآن لنزل بخلاف ما يفتون، وقال ابن مسعود: قراؤكم ~~وصلحاؤكم يذهبون، ويتخذ الناس رؤساء جهالا يقيسون ما لم يكن بما كان، وقال ~~أيضا: إن حكمتم في دينكم بالرأي أحللتم كثيرا مما حرمه الله، وحرمتم كثيرا ~~مما أحله الله، وقال ابن عباس: إن الله لم يجعل لأحد أن يحكم في دينه ~~برأيه، وقال الله تعالى لنبيه - عليه السلام -: {لتحكم بين الناس بما أراك ~~الله} [النساء: 105] ، ولم يقل " بما رأيت "، وقال: إياكم، والمقاييس فما ~~عبدت الشمس إلا بالمقاييس، وقال ابن عمر: ذروني من أرأيت وأرأيت. # وكذلك أنكر التابعون القياس قال الشعبي: ما أخبروك عن أصحاب أحمد فاقبله، ~~وما أخبروك عن رأيهم فألقه في الحش إن السنة لم توضع بالمقاييس.، وقال ~~مسروق بن الأجدع: لا أقيس شيئا بشيء أخاف أن تزل قدم بعد ثبوتها. # والجواب من أوجه: # الأول: أنا بينا بالقواطع من جميع الصحابة الاجتهاد # PageV01P289 # والقول بالرأي، والسكوت عن القائلين به، وثبت ذلك بالتواتر في وقائع ~~مشهورة، كميراث ms456 الجد، والإخوة، وتعيين الإمام بالبيعة، وجمع المصحف، والعهد ~~إلى عمر بالخلافة، وما لم يتواتر كذلك فقد صح من آحاد الوقائع بروايات ~~صحيحة لا ينكرها أحد من الأمة ما أورث علما ضروريا بقولهم بالرأي، وعرف ذلك ~~ضرورة كما عرف سخاء حاتم، وشجاعة علي فجاوز الأمر حدا يمكن التشكك في حكمهم ~~بالاجتهاد، وما نقلوه بخلافه فأكثرها مقاطيع، ومروية عن غير ثبت، وهي ~~بعينها معارضة برواية صحيحة عن صاحبها بنقيضه فكيف يترك المعلوم ضرورة بما ~~ليس مثله؟ ولو تساوت في الصحة لوجب اطراح جميعها، والرجوع إلى ما تواتر من ~~مشاورة الصحابة واجتهادهم. # الثاني: أنه لو صحت هذه الروايات، وتواترت أيضا لوجب الجمع بينها، وبين ~~المشهور من اجتهاداتهم. # فيحمل ما أنكروه على الرأي المخالف للنص أو الرأي الصادر عن الجهل الذي ~~يصدر ممن ليس أهلا للاجتهاد أو وضع الرأي في غير محله، والرأي الفاسد الذي ~~لا يشهد له أصل، ويرجع إلى محض الاستحسان، ووضع الشرع ابتداء من غير نسج ~~على منوال سابق، وفي ألفاظ روايتهم ما يدل عليه إذ قال: اتخذ الناس رؤساء ~~جهالا، وقال: لو قالوا بالرأي لحرموا الحلال، وأحلوا الحرام. فإذا القائلون ~~بالقياس مقرون بإبطال أنواع من الرأي، والقياس، والمنكرون للقياس لا يقرون ~~بصحة شيء منه أصلا، ونحن نقر بفساد أنواع من الرأي، والقياس كقياس أصحاب ~~الظاهر، إذ قالوا: الأصول لا تثبت قياسا فلتكن الفروع كذلك # ولا تثبت الأصول بالظن فكذلك الفروع، وقالوا لو كان في الشريعة علة لكانت ~~كالعلة العقلية فقاسوا الشيء بما لا يشبهه. فإذا إن بطل كل قياس فليبطل ~~قياسهم ورأيهم في إبطال القياس أيضا، وذلك يؤدي إلى إبطال المذهبين. # الاعتراض الثالث: أن دليل الإجماع إنما تم بسكوت الباقين، وأن ذلك لو كان ~~باطلا لأنكروه. فنقول: لعلهم سكتوا على سبيل المجاملة، والمصالحة خيفة من ~~ثوران فتنة النزاع أو سكتوا عن إظهار الدليل لخفائه. # والدليل عليه أن مسائل الأصول فيها قواطع، وقد اختلف الأصوليون في صيغة ~~الأمر وصيغة العموم، والمفهوم، واستصحاب الحال، وأفعال النبي - عليه السلام ~~- بل في أصل خبر ms457 الواحد، وأصل القياس، وأصل الإجماع، وفي هذه المسائل أدلة ~~قاطعة عندكم في النفي، والإثبات، ولم ينقل عن الصحابة، والتابعين التأثيم، ~~والتفسيق فيها # ، والجواب: أن حمل سكوتهم على المجاملة، والمصالحة، واتقاء الفتنة محال؛ ~~لأنهم اختلفوا في المسائل، وتناظروا، وتحاجوا، ولم يتجاملوا، ثم افترقت بهم ~~المجالس عن اجتهادات مختلفة، ولم ينكر بعضهم على بعض، ولو كان ذلك بالغا ~~مبلغا قطعيا لبادروا إلى التأثيم، والتفسيق كما فعلوا بالخوارج، والروافض، ~~والقدرية، وكل من عرف بقاطع فساد مذهبهم. # وأما سكوتهم لخفاء الدليل فمحال، فإن قول القائل لغيره: لست شارعا، ولا ~~مأذونا من جهة الشارع فلم تضع أحكام الله برأيك، ليس كلاما خفيا تعجز على ~~دركه الأفهام، وكل من قاس بغير إذن فقد شرع. فلولا علمهم حقيقة بالإذن ~~لكانوا ينكرون على من يسامي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في وضع ~~الشرع، واختراع الأحكام، وأما ما ذكروه من مسائل الأصول فليس بين الصحابة ~~خلاف في صحة القياس، ولا في خبر الواحد، ولا في الإجماع بل أجمعوا عليه # PageV01P290 # وبإجماعهم تمسكنا في هذه القواعد. # وأما العموم، والمفهوم وصيغة الأمر فقلما خاضوا في هذه المسائل بتجريد ~~النظر فيها خوض الأصوليين، ولكن كانوا يتمسكون في مناظراتهم بالعموم، ~~والصيغة، ولم يذكروا أنا نتمسك بمجرد الصيغة من غير قرينة بل كانت القرائن ~~المعرفة للأحكام المقترنة بالصيغ في زمانهم غضة طرية متوافرة متظاهرة فما ~~جردوا النظر في هذه المسائل، كيف، وقد قال بعض الفقهاء: ليس في هذه المسائل ~~سوى خبر الواحد، وأصل القياس، والإجماع أدلة قاطعة بل هي في محل الاجتهاد؟ ~~فمن سلك هذا الطريق اندفع عنه الإشكال. # ، وإن لم يكن هذا مرضيا عند المحققين من الأصوليين، فإن هذه أصول الأحكام ~~فلا ينبغي أن تثبت إلا بقاطع لكن الصحابة لم يجردوا النظر فيها، وبالجملة ~~من اعتقد في مسألة دليلا قاطعا فلا يسكت عن تعصية مخالفه، وتأثيمه كما سبق ~~في حق الخوارج، والروافض، والقدرية. # الاعتراض الرابع: قولهم إن ما ذكرتموه نقل للحكم بالظن، والاجتهاد، ~~فلعلهم عولوا فيه على صيغة عموم وصيغة أمر، واستصحاب حال، ms458 ومفهوم لفظ، ~~واستنباط معنى صيغة من حيث الوضع، واللغة في جمع بين آيتين، وخبرين وصحة رد ~~مقيد إلى مطلق، وبناء عام على خاص، وترجيح خبر على خبر، وتقرير على حكم ~~العقل الأصلي، وما جاوز هذا، فكان اجتهادهم في تحقيق مناط الحكم لا في ~~تنقيحه، واستنباطه، والحكم إذا صار معلوما بضابط فتحقيق الضابط في كل محل ~~يحتاج إلى اجتهاد لا ننكره فقد علموا قطعا أنه لا بد من إمام # ، وعلموا أن الأصلح ينبغي أن يقدم، وعرفوا بالاجتهاد الأصلح إذ لا بد ~~منه، ولا سبيل إلى معرفته إلا بالاجتهاد، وعرفوا أن حفظ القرآن عن ~~الاختلاط، والنسيان واجب قطعا، وعلموا أنه لا طريق إلى حفظه إلا الكتبة في ~~المصحف. فهذه أمور علقت على المصلحة نصا، وإجماعا، ولا يمكن تعيين المصلحة ~~في الأشخاص، والأحوال إلا بالاجتهاد فهو من قبيل تحقيق المناط للحكم، وما ~~جاوز هذا من تشبيه مسألة بمسألة، واعتبارها بها كان ذلك في معرض النقض ~~بخيال فاسد لا في معرض اقتباس الحكم، كقول ابن عباس في دية الأسنان كيف لم ~~يعتبروا بالأصابع إذ عللوا اختلاف دية الأسنان باختلاف منافعها، وذلك منقوض # بالأصابع، ونحن لا ننكر أن النقض من طرق إفساد القياس، وإن كان القياس ~~فاسدا بنفسه أيضا، وكذلك قول علي أيضا: أرأيت لو اشتركوا في السرقة حيث ~~توقف عمر عن قتل سبعة بواحد فإنه لما تخيل كون الشركة مانعا بنوع من القياس ~~نقضه علي بالسرقة فإذا ليس في شيء مما ذكرتموه ما يصحح القياس أصلا، ~~والجواب: أن هذا اعتراف بأنه لا حاجة في الحكم إلى دليل قاطع، وأن الحكم ~~بالظن جائز # ، والإنصاف الاعتراف بأنه لو لم يثبت إلا هذا النوع من الظن لكنا لا نقيس ~~ظن القياس على ظن الاجتهاد في مفهوم الألفاظ، وتحقيق مناط الأحكام إذ يجوز ~~أن يتعبد بنوع من الظن دون نوع، ولكن بان لنا على القطع أن اجتهاد الصحابة ~~لم يكن مقصورا على ما ذكروه بل جاوزوا ذلك إلى القياس، والتشبيه، وحكموا ~~بأحكام لا يمكن تصحيح ذلك إلا بالقياس، ms459 وتعليل النص، وتنقيح مناط الحكم، ~~وذلك كعهد أبي بكر إلى عمر - رضي الله عنهما -، فإنه قاس العهد # PageV01P291 # على العقد بالبيعة، وقياس أبي بكر الزكاة على الصلاة في قتال من منع ~~الزكاة ورجوع أبي بكر إلى توريث أم الأب قياسا على أم الأم. # ، وقياس عمر الخمر على الشحم في تحريم ثمنه، وقياسه الشاهد على القاذف في ~~حد أبي بكرة، وتصريح علي بالقياس على الافتراء في حد الشرب، ولسنا نعني ~~بالقياس إلا هذا الجنس، وهو معلوم منهم ضرورة في وقائع لا تحصى، ولا تنحصر، ~~ولنعين مسألتين مشهورتين نقلتا على التواتر، وهي مسألة الجد، والإخوة، ~~ومسألة الحرام. # أما في قوله: " أنت علي حرام ألحقه بعضهم بالظهار، وبعضهم بالطلاق، ~~وبعضهم باليمين، وكل ذلك قياس، وتشبيه في مسألة لا نص فيها، إذ النص ورد في ~~المملوكة في قوله تعالى {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} [التحريم: ~~1] ، والنزاع وقع في المنكوحة، فكان من حقهم أن يقولوا: # هذه لفظة لا نص فيها في النكاح فلا حكم لها، ويبقى الحل، والملك مستمرا ~~كما كان؛ لأن قطع الحل، والملك أو إيجاب الكفارة يعرف بنص أو قياس على ~~منصوص، ولا نص، والقياس باطل فلا حكم، فلم قاسوا المنكوحة على الأمة؟ ولم ~~قاسوا هذا اللفظ على لفظ الطلاق، وعلى لفظ الظهار، وعلى لفظ اليمين، ولم ~~يقل أحد من الصحابة قد أغناكم الله عن إثبات حكم في مسألة لا نص فيها؟ ~~وكذلك الجد وحده عصبة بالنص، والأخ وحده عصبة، ولا نص عند الاجتماع فقضوا ~~حيث لا نص بقضايا مختلفة وصرحوا بالتشبيه بالحوضين، والخليجين وصرح من قدم ~~الجد، وقال: # ابن الابن ابن فليكن أبو الأب أبا وصرح من سوى بينهما بأن الأخ يدلى ~~بالأب، والجد أيضا يدلي به، والمدلى به واحد، والإدلاء # مختلف؛ فقاسوا الإدلاء بجهة الأبوة على الإدلاء بجهة البنوة مع أن البنوة ~~قد تفارق الأبوة في أحكام، وكذلك قال زيد في مسألة زوج، وأبوين: للأم ثلث ~~ما بقي، فقال ابن عباس: أين رأيت في كتاب الله تعالى ثلث ms460 ما بقي؟ فقال: ~~أقول برأيي، وتقول برأيك فزيد قاس حال وجود الزوج على ما إذا لم يكن زوج، ~~إذ يكون للأب ضعف ما للأم، فقال: نقدر كأن الباقي بعد الزوج، والزوجة كل ~~المال، ونقدر كأن الزوج لم يكن. # ، وكذلك من فتش عن اختلافاتهم في مسائل الفرائض، وغيرها علم ضرورة سلوكهم ~~طرق المقايسة، والتشبيه، وأنهم إذا رأوا فارقا بين محل النص، وغيره ورأوا ~~جامعا. # وكان الجامع في اقتضاء الاجتماع أقوى في القلب من الفارق في اقتضاء ~~الافتراق مالوا إلى الأقوى الأغلب، فإنا نعلم أنهم ما طلبوا المشابهة من كل ~~وجه إذ لو تشابها من كل وجه لاتحدت المسألة، ولم تتعدد، فيبطل التشبيه، ~~والمقايسة، وكانوا لا يكتفون بالاشتراك في أي وصف كان بل في وصف هو مناط ~~الحكم، وكون ذلك الوصف مناطا لو عرفوه بالنص لما بقي للاجتهاد، والخلاف ~~مجال، فكانوا يدركون ذلك بظنون، وأمارات، ونحن أيضا نشترط ذلك في كل قياس ~~كما سيأتي في باب إثبات علة الأصل. # الاعتراض الخامس: أن الصحابة إن قالوا بالقياس اختراعا من تلقاء أنفسهم ~~فهو محال، وإن قالوا به عن سماع من النبي - عليه السلام -، فيجب إظهار ~~مستندهم، والتمسك به، فإنكم تسلمون أنه لا حجة فيما أبدعوه، ووضعوه. # ونحن نسلم وجوب الاتباع فيما سمعوه، فإنه إذا قال - عليه السلام -: إذا ~~غلب على ظنكم أن مناط الحكم بعض الأوصاف فاتبعوه. فإن الأمر كما ظننتموه أو ~~حكم الظان على ما ظنه فهي علامة في حقه، وغير علامة في حق من ظنه # PageV01P292 # بخلافه فلا ينكر وجوب قبول هذا لو صرح به، فإنه إذا قال: إذا ظننتم أن ~~زيدا في الدار فاعلموا أن عمرا في الدار، واعلموا أني حرمت الربا في البر، ~~لكنا نقطع بتحريم البر، وكون عمرو في الدار مهما ظننا أن زيدا في الدار، ~~فإن هذا يرجع إلى القول بالقياس، ولكن من أين فهم الصحابة هذا، وليس في ~~الكتاب، والسنة ما يدل عليه؟ والجواب من وجهين: # أحدهما: أن هذه مؤنة كفيناها، فإنهم مهما أجمعوا على القياس فقد ثبت ms461 ~~بالقواطع أن الأمة لا تجتمع على الخطأ، بل لو وضعوا القياس، واخترعوا ~~استصوابا برأيهم، ومن عند أنفسهم لكان ذلك حقا واجب الاتباع، فلا يجمع الله ~~أمة محمد - عليه السلام - على الخطأ فلا حاجة بنا إلى البحث عن مستندهم. # الثاني: هو أنا نعلم أنهم قالوا ذلك عن مستندات كثيرة خارجة عن الحصر، ~~وعن دلالات، وقرائن أحوال، وتكريرات، وتنبيهات تفيد علما ضروريا بالتعبد ~~بالقياس وربط الحكم بما غلب على الظن كونه مناطا للحكم، لكن انقسمت تلك ~~المستندات إلى ما اندرس فلم ينقل اكتفاء بما علمته الأمة ضرورة، وإلى ما ~~نقل، ولكن لم يبق في هذه الأعصار إلا نقل الآحاد، ولم يبق على حد التواتر، ~~ولا يورث العلم، وإلى ما تواتر، ولكن آحاد لفظها يتطرق الاحتمال، والتأويل ~~إليه فلا يحصل العلم بآحادها، وإلى ما هي قرائن أحوال يعسر وصفها، ونقلها ~~فلم تنقل إلينا فكفينا مؤنة البحث عن المستند لما علمناه على التواتر من ~~إجماعهم. # ونحن مع هذا نشيع القول في شرح مستندات الصحابة، والألفاظ التي هي مدارك ~~تنبيهاتهم للتعبد بالقياس، وذلك من القرآن قوله تعالى: {فاعتبروا يا أولي ~~الأبصار} [الحشر: 2] إذ معنى الاعتبار العبور من الشيء إلى نظيره إذا شاركه ~~في المعنى، كما قال ابن عباس هلا اعتبروا بالأصابع وقوله تعالى: {لعلمه ~~الذين يستنبطونه منهم} [النساء: 83] ، وقوله: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} ~~[الأنعام: 38] ، وليس في الكتاب مسألة الجد، والإخوة، ومسألة الحرام إذا لم ~~يكن الاقتباس من المعاني التي في الكتاب. # ، وقد تمسك القائلون بالقياس بهذه الآيات، وليست مرضية؛ لأنها ليست ~~بمجردها نصوصا صريحة إن لم تنضم إليها قرائن، ومن ذلك «قوله - عليه السلام ~~- لمعاذ: بم تحكم قال: بكتاب الله، وسنة نبيه قال: فإن لم تجد قال: أجتهد ~~رأيي فقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضاه رسول الله» . # وهذا حديث تلقته الأمة بالقبول، ولم يظهر أحد فيه طعنا، وإنكارا، وما كان ~~كذلك فلا يقدح فيه كونه مرسلا بل لا يجب البحث عن إسناده، وهذا كقوله: «لا ~~وصية لوارث» و «لا ms462 تنكح المرأة على عمتها» و «لا يتوارث أهل ملتين» ، وغير ~~ذلك مما علمت به الأمة كافة، إلا أنه نص في أصل الاجتهاد، ولعله في تحقيق ~~المناط، وتعيين المصلحة فيما علق أصله بالمصلحة فلا يتناول القياس إلا ~~بعمومه، ومن ذلك قوله لعمر حين تردد في قبلة الصائم: «أرأيت لو تمضمضت أكان ~~عليك من جناح؟ فقال: لا فقال: فلم إذا؟» فشبه مقدمة الوقاع بمقدمة الشرب، ~~لكنه ليس بصريح إلا بقرينة إذ يمكن أن يكون ذلك نقضا لقياسه حيث ألحق مقدمة ~~الشيء بالشيء، فقال: إن كنت تقيس غير المنصوص على المنصوص؛ لأنه مقدمته ~~فألحق المضمضة بالشرب، ومن ذلك قوله - عليه السلام - للخثعمية: «أرأيت لو ~~كان على أبيك دين فقضيتيه أكان ينفعه؟ قالت: نعم قال: فدين الله أحق ~~بالقضاء» # PageV01P293 # فهو تنبيه على قياس دين الله تعالى على دين الخلق، ولا بد من قرينة تعرف ~~القصد أيضا، إذ لو كان لتعليم القياس لقيس عليه الصوم، والصلاة. # ومن ذلك قوله: «كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي لأجل الدافة أي: القافلة ~~فادخروا» فبين أنه، وإن سكت عن العلة فقد كان النهي لعلة، وقد زالت العلة ~~فزال الحكم، ومن ذلك قوله - عليه السلام -: «أينقص الرطب إذا يبس؟ فقيل: ~~نعم، فقال: فلا إذا» . وقوله تعالى {كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم} ~~[الحشر: 7] ، وقال لأم سلمة، وقد سئلت عن قبلة الصائم: «ألا أخبرتيه أني ~~أقبل، وأنا صائم» تنبيها على قياس غيره عليه وروت أم سلمة - رضي الله عنها ~~- أنه قال: # «إني أقضي بينكم بالرأي فيما لم ينزل فيه وحي» ، ودل عليه قوله تعالى: ~~{لتحكم بين الناس بما أراك الله} [النساء: 105] ، وليس الرأي إلا تشبيها، ~~وتمثيلا بحكم ما هو أقرب إلى الشيء، وأشبه به، وإذا ثبت أنه كان مجتهدا ~~بالأمر، وثبت اجتهاد الصحابة فيعلم أنهم اجتهدوا بالأمر، وقال عمر يا أيها ~~الناس إن الرأي كان من النبي - عليه السلام - مصيبا فإن الله تعالى كان ~~يسدده، وإنما هو من الظن، والتكلف، فلم يفرق إلا في العصمة، ومن ذلك «أمره ~~سعد بن معاذ ms463 أن يحكم في بني قريظة برأيه فأمرهم بالنزول على حكمه فأمر ~~بقتلهم، وسبي نسائهم، فقال - عليه السلام -: لقد وافق حكمه حكم الله» ومن ~~ذلك قوله: «إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإن أصاب فله أجران» ، ومن ذلك ~~أنه - عليه السلام - «شاور الصحابة في عقوبة الزنا، والسرقة قبل نزول الحد» ~~، ومن ذلك قوله - عليه السلام -: «لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم ~~فجملوها، وباعوها، وأكلوا أثمانها» علل تحريم ثمنها بتحريم أكلها، واستدل ~~عمر بهذا في الرد على سمرة حيث أخذ الخمر في عشور الكفار، وباعها. # ومن تعليلاته بعض الأحكام كقوله: «لا تخمروا رأسه فإنه يحشر ملبيا» ، ~~وقوله في الشهداء مثل ذلك، وقوله: «إنها من الطوافين عليكم، والطوافات» ، ~~وقوله «في الذي ابتاع غلاما، واستغله ثم رده الخراج بالضمان» : فهذه أجناس ~~لا تدخل تحت الحصر، وآحادها لا تدل دلالة قاطعة، ولكن لا يبعد تأثير ~~اقترانها مع نظائرها في إشعار الصحابة بكونهم متعبدين بالقياس، والله أعلم. ### | [القول في شبه المنكرين للقياس والصائرين إلى حظره] # شبه المنكرين للقياس، والصائرين إلى حظره من جهة الكتاب، والسنة،، وهي ~~سبع. # الأولى: تمسكهم بقوله تعالى: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} [الأنعام: 38] ~~، وقوله: {تبيانا لكل شيء} [النحل: 89] قالوا: معناه بيانا لكل شيء مما شرع ~~لكم، فإنه ليس فيه بيان الأشياء كلها فليكن كل مشروع في الكتاب، وما ليس ~~مشروعا، فيبقى على النفي الأصلي. # والجواب من أوجه الأول: أنه أين في كتاب الله تعالى مسألة الجد، والإخوة، ~~والعول، والمبتوتة، والمفوضة، وأنت علي حرام، وفيها حكم لله تعالى شرعي ~~اتفق الصحابة على طلبه، والكتاب بيان له إما بتمهيد طريق الاعتبار أو ~~بالدلالة على الإجماع، والسنة، وقد ثبت القياس بالإجماع، والسنة، فيكون ~~الكتاب قد بينه. # الثاني: أنكم حرمتم القياس، وليس في كتاب الله تعالى بيان تحريمه، ~~فيلزمكم تخصيص قوله تعالى لكل شيء كما خصص قوله: {خالق كل شيء} [الأنعام: ~~102] {وأوتيت من # PageV01P294 # كل شيء} [النمل: 23] و {تدمر كل شيء} [الأحقاف: 25] # الثانية: قوله تعالى: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} [المائدة: 49] ، ~~وهذا حكم بغير المنزل. ms464 قلنا: # القياس ثابت بالسنة، والإجماع، وقد دل عليه الكتاب المنزل، كيف، ومن حكم ~~بمعنى استنبط من المنزل فقد حكم بالمنزل؟ ثم هذا خطاب مع الرسول - عليه ~~السلام -، وقد قاسوا عليه غيره فأقروا بالقياس في معرض إبطال القياس مع ~~انقداح الفرق إذ قال قوم: لم يجز الاجتهاد للرسول - عليه السلام - كي لا ~~يتهم؛ ولأنه كان يقدر على التبليغ بالوحي بخلاف الأمة. # ، وهذا الجواب أيضا عن قوله: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم} [الأعراف: ~~3] {ومن لم يحكم بما أنزل الله} [المائدة: 44] # الثالثة: قوله تعالى: {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} [البقرة: 169] ~~{ولا تقف ما ليس لك به علم} [الإسراء: 36] ، و {إن الظن لا يغني من الحق ~~شيئا} [يونس: 36] {إن بعض الظن إثم} [الحجرات: 12] قلنا: إذا علمنا أنا إذا ~~ظننا كون زيد في الدار حرم علينا الربا في البر ثم ظننا كان الحكم مقطوعا ~~به لا مظنونا كما إذا ظن القاضي صدق الشهود، وكما في القبلة، وجزاء الصيد، ~~وأبواب تحقيق مناط الحكم، ثم نقول: هذا عام أراد به ظنون الكفار المخالفة ~~للأدلة القاطعة. # ثم نقول: ألستم قاطعين بإبطال القياس مع أنا نقطع بخطئكم؟ فلا تحكموا ~~بالظن، وليس من الجواب المرضي قول القائل: الظن علم في الظاهر، فإن العلم ~~ليس له ظاهر، وباطن. # الرابعة: قوله تعالى: {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم} ~~[الأنعام: 121] قالوا: وأنتم تجادلون في القياس قلنا: وأنتم تجادلون في ~~نفيه، وإبطاله فإن قلتم: أراد به الجدال الباطل فهو عذرنا، فإنه رد عليهم ~~في جدالهم بخلاف النص حيث قالوا: نأكل مما قتلناه، ولا نأكل مما قتله الله، ~~وكما قاسوا الربا على البيع فرد الله تعالى عليهم في قولهم: {إنما البيع ~~مثل الربا} [البقرة: 275] . # الخامسة: قوله: {فردوه إلى الله والرسول} [النساء: 59] قالوا: وأنتم ~~تردون إلى الرأي. قلنا: لا بل نرده إلى العلل المستنبطة من نصوص النبي - ~~عليه السلام -، والقياس عبارة عن تفهم معاني النصوص بتجريد مناط الحكم، ~~وحذف الحشو الذي لا أثر له في الحكم، وأنتم فقد رددتم القياس من غير رد ms465 إلى ~~نص النبي - عليه السلام -، ولا إلى معنى مستنبط من النص. # السادسة: قوله - عليه السلام -: «تعمل هذه الأمة برهة بالكتاب، وبرهة ~~بالسنة، وبرهة بالقياس فإذا فعلوا ذلك فقد ضلوا» قلنا أراد به الرأي ~~المخالف للنص بدليل قوله: «ستفترق أمتي نيفا وسبعين فرقة أعظمها فتنة على ~~أمتي قوم يقيسون الأمور برأيهم فيحلون الحرام، ويحرمون الحلال» ، وما نقلوا ~~من آثار الصحابة في ذم الرأي، والقياس قد تكلمنا عليه. # السابعة: قول الشيعة، وأهل التعليم إنكم اعترفتم ببطلان القياس بخلاف ~~النص، والنصوص محيطة بجميع المسائل، وإنما يعلمها الإمام المعصوم، وهو نائب ~~الرسول، فيجب # PageV01P295 # مراجعته، قالوا: ولا يمنع من هذا كون الوقائع غير متناهية، وكون النصوص ~~متناهية؛ لأن التي لا تتناهى أحكام الأشخاص كحكم زيد، وعمرو في أنه عدل ~~تقبل شهادته أم لا، وفقير تصرف إليه الزكاة أم لا، ومسلم أن هذا يعرف ~~بالاجتهاد؛ لأنه يرجع إلى تحقيق مناط الحكم، أما الروابط الكلية للأحكام ~~فيمكن ضبطها بالنص بأن نقول مثلا: من سرق نصابا كاملا من حرز مثله لا شبهة ~~له فيه، فيلزمه القطع، ومن أفطر في نهار رمضان بجماع تام أثم به لأجل ~~الصوم. لزمته الكفارة؛ فما تناولته الرابطة الجامعة يجري فيه الحكم، وما ~~خرج عنه مما لا يتناهى يبقى على الحكم الأصلي فتكون محيطة بهذه الطرق. # والجواب أنا لا نسلم بطلان القياس مع النص، ونسلم إمكان الربط بالضوابط، ~~والروابط الكلية، لكنكم اخترعتم هذه الدعوى، فإن الصحابة - رضي الله عنهم - ~~اختلفوا في مسألة الجد، والحرام، والمفوضة، ومسائل كثيرة، وكانوا يطلبون من ~~سمع فيها حديثا من النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفيهم المعصوم بزعمكم، ~~وكانوا يشاورونه، ويراجعونه فتارة وافقوه، وتارة خالفوه، ولم ينقل قط ~~حديثا، ولا نصا إلا ساعدوه، بل قبلوا النقل من كل عدل فضلا عن الخلفاء ~~الراشدين، فلم كتم النص عنهم في بعض المسائل، وتركهم مختلفين إن كانت ~~النصوص محيطة؟ فبالضرورة يعلم من اجتهادهم، واختلافهم أن النصوص لم تكن ~~محيطة، فدل هذا أنهم كانوا متعبدين بالاجتهاد. ### | [القول في الشبه المعنوية للمنكرين للقياس وهي ست] ms466 # القول في شبههم المعنوية، وهي ست: الأولى: قول الشيعة والتعليمية: إن ~~الاختلاف ليس من دين الله، ودين الله واحد ليس بمختلف، وفي رد الخلق إلى ~~الظنون ما يوجب الاختلاف ضرورة، والرأي منبع الخلاف؛ فإن كان كل مجتهد ~~مصيبا فكيف يكون الشيء، ونقيضه دينا؟ وإن كان المصيب واحدا فهو محال، إذ ظن ~~هذا كظن ذاك، والظنيات لا دليل فيها بل ترجع إلى ميل النفوس، ورب كلام تميل ~~إليه نفس زيد، وهو بعينه ينفر عنه قلب عمرو، والدليل على ذم الاختلاف قوله ~~تعالى: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} [النساء: 82] . # وقال: {أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} [الشورى: 13] ، وقال: {ولا ~~تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم} [الأنفال: 46] ، وقال تعالى: {إن الذين فرقوا ~~دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} [الأنعام: 159] ، وقال تعالى: {ولا ~~تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات} [آل عمران: 105] ، ~~وكذلك ذم الصحابة - رضي الله عنهم - الاختلاف فقال عمر - رضي الله عنه -: " ~~لا تختلفوا فإنكم إن اختلفتم كان من بعدكم أشد اختلافا "، وسمع ابن مسعود، ~~وأبي بن كعب يختلفان في صلاة الرجل في الثوب الواحد، والثوبين، فصعد عمر ~~المنبر، وقال: " اختلف رجلان من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فعن أي ~~فتياكم يصدر المسلمون؟ لا أسمع اثنين يختلفان بعد مقامي هذا إلا فعلت وصنعت ~~"، وقال جرير بن كليب: رأيت عمر ينهى عن المتعة، وعلي يأمر بها فقلت: إن ~~بينكما لشرا، فقال علي: ما بيننا إلا خير، ولكن خيرنا أتبعنا لهذا الدين.، ~~وكتب علي - رضي الله عنه - إلى قضاته أيام الخلافة: أن اقضوا كما كنتم ~~تقضون فإني أكره الخلاف، وأرجو أن أموت كما مات أصحابي، والجواب: أن الذي ~~نراه تصويب المجتهدين، وقولهم إن الشيء، ونقيضه كيف يكون دينا؟ قلنا يجوز ~~ذلك في حق # PageV01P296 # شخصين كالصلاة، وتركها في حق الحائض، والطاهر، والقبلة في حق من يظنها ~~إذا اختلف الاجتهاد في القبلة، وكجواز ركوب البحر، وتحريمه في حق رجلين ~~يغلب على ظن أحدهما السلامة، وعلى ظن الآخر الهلاك، وكتصديق ms467 الراوي، ~~والشاهد، وتكذيبهما في حق قاضيين، ومفتيين يظن أحدهما الصدق، والآخر الكذب، ~~وأما قولهم كيف يكون الاختلاف مأمورا به؟ قلنا: بل يؤمر المجتهد بظنه، وإن ~~خالفه غيره، فليس رفعه داخلا تحت اختياره، فالاختلاف واقع ضرورة لا أنه أمر ~~به. # وقوله تعالى: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} ~~[النساء: 82] معناه التناقض، والكذب الذي يدعيه الملحدة أو الاختلاف في ~~البلاغة واضطراب اللفظ الذي يتطرق إلى كلام البشر بسبب اختلاف أحواله في ~~نظمه، ونثره، وليس المراد به نفي الاختلاف في الأحكام؛ لأن جميع الشرائع، ~~والملل من عند الله، وهي مختلفة، والقرآن فيه أمر، ونهي، وإباحة، ووعد، ~~ووعيد، وأمثال، ومواعظ، وهذه اختلافات. # أما قوله: ولا تفرقوا ولا تنازعوا فكل ذلك نهي عن الاختلاف في التوحيد، ~~والإيمان بالنبي - عليه السلام -، والقيام بنصرته، وكذلك أصول جميع ~~الديانات التي الحق فيها واحد، ولذلك قال تعالى: {من بعد ما جاءهم البينات} ~~[آل عمران: 105] وقوله تعالى: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم} [الأنفال: ~~46] أراد به التخاذل عن نصرة الدين. # ، وأما ما رووه عن الصحابة - رضي الله عنهم - في ذم الاختلاف فكيف يصح، ~~وهم أول المختلفين، والمجتهدين؟ واختلافهم واجتهادهم معلوم تواترا كيف ~~تدفعها روايات يتطرق إلى سندها ضعف، وإلى متنها تأويل من النهي عن الاختلاف ~~في أصل الدين أو نصرة الدين أو في أمر الخلافة، والإمامة، والخلاف بعد ~~الإجماع أو الاختلاف على الأئمة، والولاة، والقضاة أو نهي العوام عن ~~الاختلاف بالرأي، وليسوا أهل الاجتهاد. # وأما إنكار عمر اختلاف ابن مسعود، وأبي بن كعب فلعله قد كان سبق إجماع ~~على ثوب واحد، ومن خالف ظن أن انقضاء العصر شرط في الإجماع، ولذلك قال عمر: ~~عن أي فتياكم يصدر المسلمون؟ وأنتم جميعا تروون عن النبي - عليه السلام - ~~أو لعل كل واحد أثم صاحبه، وبالغ فيه. # فنهى عن وجه الاختلاف لا عن أصله، أو لعلهما اختلفا على مستفت واحد فتحير ~~السائل، فقال: عن أي فتياكم يصدر الناس؟ أي: العامة، بل إذا ذكر المفتي في ~~محل الاجتهاد شيئا فلا ينبغي للمفتي ms468 الآخر أن يخالفه بين يديه، فيتحير ~~السائل. # وأما اختلاف عمر، وعلي - رضي الله عنهما - في تحريم المتعة فلا يصح عن ~~علي نقله تحريم متعة النساء، ولحوم الحمر الأهلية يوم خيبر كيف، وقد علم ~~قطعا أنهم جوزوا الاجتهاد؟ أما كتاب علي إلى قضاته، وكراهية الاختلاف، ~~فيحتمل وجوها أحدها: أنهم ربما كتبوا إليه يطلبون رأيه في بعض الوقائع ~~فقال: اقضوا كما كنتم تقضون إذ لو خالفتموهم الآن لا نفتق به فتقا آخر، ~~وحمل ذلك على تعصب مني، ومخالفة، ويحتمل أنهم استأذنوه في مخالفة إجماع ~~الصحابة - رضي الله عنهم - على ظن أن العصر لم ينقرض بعد، فيجوز الخلاف ~~فكره لهم مخالفة السابقين، واستأذنوه في القضاء بشهادة أهل البصرة من ~~الخوارج، وغيرهم أو ردها فأمرهم بقبولها كما كان قبل الحرب؛ لأنهم حاربوا ~~على تأويل، وفي رد شهادتهم تعصب، وتجديد خلاف. # PageV01P297 # الثانية: قولهم: النفي الأصلي معلوم، والاستثناء عنه بالنص معلوم، فيبقى ~~المسكوت عنه على النفي الأصلي المعلوم، فكيف يندفع المعلوم على القطع ~~بالقياس المظنون؟ قلنا: العموم، والظواهر، وخبر الواحد، وقول المقوم في ~~أروش الجنايات، والنفقات، وجزاء الصيد وصدق الشهود وصدق المخالف في مجلس ~~الحكم كل ذلك مظنون، ويرفع به النفي الأصلي ثم نقول: نحن لا نرفع ذلك إلا ~~بقاطع، فإنا إذا تعبدنا باتباع العلة المظنونة، وظننا فنقطع بوجود الظن، ~~ونقطع بوجود الحكم عند الظن فلا يرفع ذلك إلا بقاطع. # الثالثة: قولهم: كيف يتصرف بالقياس في شرع مبناه على التحكم، والتعبد، ~~والفرق بين المتماثلات، والجمع بين المتفرقات؟ إذ قال: يغسل الثوب من بول ~~الصبية، ويرش من بول الصبي، ويجب الغسل من المني، والحيض، ولا يجب من ~~البول، والمذي، وفرق في حق الحائض بين قضاء الصلاة، والصوم، وأباح النظر ~~إلى الرقيقة دون الحرة، وجمع بين المختلفات فأوجب جزاء الصيد على من قتله ~~عمدا أو خطأ، وفرق في حلق الشعر، والتطيب بين العمد، والخطأ، وأوجب الكفارة ~~بالظهار، والقتل، واليمين، والإفطار، وأوجب القتل على الزاني، والكافر، ~~والقاتل، وتارك الصلاة، وقال لأبي بردة: «تجزي عنك، ولا تجزي عن أحد بعدك ms469 ~~في الأضحية» ، وقيل للنبي - عليه السلام -: {خالصة لك من دون المؤمنين} ~~[الأحزاب: 50] ، وكيف يتجاسر في شرع هذا منهاجه على إلحاق المسكوت ~~بالمنطوق، وما من نص على محل إلا، ويمكن أن يكون ذلك تحكما، وتعبدا؟ قلنا: ~~لا ننكر اشتمال الشرع على تحكمات، وتعبدات فلا جرم، نقول: الأحكام ثلاثة ~~أقسام قسم لا يعلل أصلا، وقسم يعلم كونه معللا، كالحجر على الصبي فإنه لضعف ~~عقله، وقسم يتردد فيه. # ونحن لا نقيس ما لم يقم لنا دليل على كون الحكم معللا، ودليل على عين ~~العلة المستنبطة، ودليل على وجود العلة في الفرع، وعند ذلك يندفع الإشكال ~~المذكور، ولما كثرت التعبدات في العبادات لم يرتض قياس غير التكبير، ~~والتسليم، والفاتحة عليها، ولا قياس غير المنصوص في الزكاة على المنصوص، ~~وإنما نقيس في المعاملات، وغرامات الجنايات، وما علم بقرائن كثيرة بناؤها ~~على معان معقولة، ومصالح دنيوية. # الرابعة: قولهم: إن النبي - عليه السلام - قد أوتي جوامع الكلم، فكيف ~~يليق به أن يترك الوجيز المفهم، ويعدل إلى الطويل الموهم، فيعدل عن قوله: ~~حرمت الربا في كل مطعوم أو كل مكيل، إلى عد الأشياء الستة ليرتبك الخلق في ~~ظلمات الجهل؟ قلنا: ولو ذكر الأشياء الستة، وذكر معها أن ما عداها لا ربا ~~فيه، وأن القياس حرام فيه لكان ذلك أصرح وللجهل، والاختلاف أدفع، فلم لم ~~يصرح، وقد كان قادرا ببلاغته على قطع الاحتمال للألفاظ العامة، والظواهر، ~~وعلى أن يبين الجميع في القرآن المتواتر ليحسم الاحتمال عن المتن، والسند ~~جميعا، وكان قادرا على رفع احتمال التشبيه في صفات الله تعالى بالتصريح ~~بالحق في جميع ما وقع الخلاف فيه في العقليات، وإذ لم يفعل فلا سبيل إلى ~~التحكم على الله ورسوله فيما صرح، ونبه وطول، وأوجز، والله أعلم بأسرار ذلك ~~كله. ثم نقول: إن علم الله تعالى لطفا، وسرا في تعبد العلماء بالاجتهاد، ~~وأمرهم بالتشمير عن ساق الجد في استنباط أسرار الشرع، فيتعين عليه # PageV01P298 # أن يذكر البعض، ويسكت عن البعض، وينبه عليها تنبيها يحرك الدواعي ~~للاجتهاد {يرفع الله الذين آمنوا منكم ms470 والذين أوتوا العلم درجات} ~~[المجادلة: 11] هذا على مذهب من يوجب الصلاح، وعندنا فلله تعالى أن يفعل ~~بعباده ما يشاء. # الخامسة: قولهم إن الحكم يثبت في الأصل بالنص لا بالعلة، فكيف يثبت في ~~الفرع بالعلة، وهو تابع للأصل؟ فكيف يكون ثبوت الحكم فيه بطريق سوى طريق ~~الأصل؟ وإن ثبت في الأصل بالعلة فهو محال؛ لأن النص قاطع، والعلة مظنونة، ~~والحكم مقطوع به، فكيف يحال المقطوع به على العلة المظنونة؟ قلنا الحكم في ~~الأصل يثبت بالنص، وفائدة استنباط العلة المظنونة إما تعدية العلة، وإما ~~الوقف على مناط الحكم المظنون للمصلحة، وإما زوال الحكم عند زوال المناط ~~كما سيأتي في العلة القاصرة، وإما الحكم في الفرع، وإن كان تابعا للأصل في ~~الحكم فلا يلزم أن يتبعه في الطريق فإن الضروريات، والمحسوسات أصل ~~للنظريات، ولا يلزم مساواة الفرع لها في الطريق، وإن لزمت المساواة في ~~الحكم. # السادسة: وهي عمدتهم الكبرى -: أن الحكم لا يثبت إلا بتوقيف،، والعلة ~~غايتها أن تكون منصوصا عليها، فلو قال الشارع: اتقوا الربا في كل مطعوم، ~~فهو توقيف عام، ولو قال: اتقوا الربا في البر؛ لأنه مطعوم، فهذا لا يساويه، ~~ولا يقتضي الربا في غير البر، كما لو قال المالك: أعتق من عبيدي كل أسود ~~عتق كل أسود، فلو قال: أعتق غانما لسواده أو؛ لأنه أسود، لم يعتق جميع ~~عبيده السود. # وكذلك لو علل بمخيل، وقال: أعتقوا غانما؛ لأنه سيئ الخلق حتى أتخلص منه، ~~لم يلزم عتق سالم، وإن كان أسوأ خلقا منه، فإذا كانت العلة المنصوصة لا ~~يمكن تعديتها لقصور لفظها فالمستنبطة كيف تعدى؟ أو كيف يفرق بين كلام ~~الشارع، وبين كلام غيره في الفهم؟ وإنما منهاج الفهم وضع اللسان، وذلك لا ~~يختلف، والجواب: أن نفاة القياس ثلاث فرق، وهذا لا يستقيم من فريقين، وإنما ~~يستقيم من الفريق الثالث، إذ منهم من قال: التنصيص على العلة كذكر اللفظ ~~العام فإنه لا فرق بين قوله: حرمت الخمر لشدتها، وبين قوله: حرمت كل مشتد، ~~في أن كل واحد يوجب تحريم النبيذ ms471 لكن بطريق اللفظ لا بطريق القياس بل فائدة ~~قوله " لشدتها " إقامة الشدة مقام الاسم العام فقد أقر هذا القائل بالإلحاق ~~إنما أنكر تسميته قياسا الفريق الثاني من القاشانية، والنهروانية؛ فإنهم ~~أجازوا القياس بالعلة المنصوصة دون المستنبطة فقالوا: إذا كشف النص أو دليل ~~آخر عن الأصل كانت العلة جامعة للحكم في جميع مجاريها، وما فارقهم الفريق ~~الأول إلا في التسمية حيث لم يسموا هذا الفن قياسا، والفريقان مقران بأن ~~هذا في العتق، والوكالة لا يجري فلا يصح منهما الاستشهاد مع الإقرار ~~بالفرق. # أما الفريق الثالث، وهو من أنكر الإلحاق مع التنصيص على العلة فتستقيم ~~لهم هذه الحجة، وجوابهم من ثلاثة أوجه: # الأول: أن الصيرفي من أصحابنا يتشوف إلى التسوية، فقال: لو قال: أعتقت ~~هذا العبد لسواده فاعتبروا قيسوا عليه كل أسود، لعتق كل عبد أسود، وهو وزان ~~مسألتنا إذا أمرنا بالقياس، والاعتبار، ولو لم يثبت التعبد به لكان مجرد ~~التنصيص على العلة لا يرخص في الإلحاق إذ يجوز أن تكون العلة شدة الخمر ~~خاصة، ومنهم من قال: إن علم قطعا قصده إلى عتقه # PageV01P299 # لسواده عتق كل عبد أسود بقوله: " أعتقت غانما لسواده "، ومنهم من قال: # لا يكفي أن يعلم قصده إلى عتقه بمجرد السواد ما لم ينو بهذا اللفظ عتق ~~جميع السودان، فإن نوى كفاه هذا اللفظ لإعتاق جميع السودان مع النية، ولم ~~يكن فيه إلا إرادته معنى عاما بلفظ خاص، وذلك غير منكر كما لو قال: والله ~~لا أكلت لفلان خبزا، ولا شربت من مائه جرعة، ونوى به دفع المنة حنث بأخذ ~~الدراهم، والثياب، والأمتعة وصلح اللفظ الخاص مع هذه النية للمعنى العام ~~كما صلح قوله تعالى: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما} [النساء: 10] ~~للنهي عن الإتلاف العام. # وقوله: {فلا تقل لهما أف} [الإسراء: 23] للنهي عن الإيذاء العام، فإذا ~~استتب لهؤلاء الفرق التسوية بين الخطابين فإنهم إنما يعممون الحكم إذا دل ~~الدليل على إرادة الشرع تعليق الحكم بالشدة المجردة، ولكنه غير مرضي عندنا ~~بل الصحيح أنه لا يعتق إلا غانم ms472 بقوله: أعتقت غانما لسواده، وإن نوى عتق ~~السودان؛ لأنه يبقى في حق غير غانم مجرد النية، والإرادة فلا تؤثر. # الوجه الثاني من الجواب: أن الأمة مجمعة على الفرق، إذ تجب التسوية في ~~الحكم مهما قال " حرمت الخمر لشدتها فقيسوا عليها كل مشتد "، ولو قال " ~~أعتقت غانما لسواده فقيسوا عليه كل أسود " اقتصر العتق على غانم عند ~~الأكثرين، فكيف يقاس أحدهما على الآخر مع الاعتراف بالفرق؟ ، وإنما اعترفوا ~~بالفرق؛ لأن الحكم لله في أملاك العباد، وفي أحكام الشرع، وقد علق أحكام ~~الأملاك حصولا، وزوالا بالألفاظ دون الإرادات المجردة. # وأما أحكام الشرع فتثبت بكل ما دل على رضا الشرع، وإرادته من قرينة، ~~ودلالة، وإن لم يكن لفظا بدليل أنه لو بيع مال لتاجر بمشهد منه بأضعاف ثمنه ~~فاستبشر، وظهر أثر الفرح عليه لم ينفذ البيع إلا بتلفظه بإذن سابق أو إجازة ~~لاحقة عند أبي حنيفة، ولو جرى بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فعل فسكت عليه دل سكوته على رضاه، وثبت الحكم به فكيف يتساويان؟ بل ضيق ~~الشرع تصرفات العباد حتى لم تحصل أحكامها بكل لفظ بل ببعض الألفاظ، فإنه لو ~~قال الزوج: فسخت النكاح، وقطعت الزوجية ورفعت علاقة الحل بيني، وبين زوجتي، ~~لم يقع الطلاق ما لم ينو الطلاق؛ فإذا تلفظ بالطلاق وقع، وإن نوى غير ~~الطلاق # فإذا لم تحصل الأحكام بجميع الألفاظ بل ببعضها فكيف تحصل بما دون اللفظ ~~مما يدل على الرضا؟ # الوجه الثالث: أن قول القائل: " لا تأكل هذه الحشيشة؛ لأنها سم، ولا تأكل ~~الإهليلج فإنه مسهل، ولا تأكل العسل فإنه حار، ولا تأكل أيها المفلوج ~~القثاء فإنه بارد، ولا تشرب الخمر، فإنه يزيل العقل، ولا تجالس فلانا فإنه ~~أسود فأهل اللغة متفقون على أن معقول هذا التعليل تعدى النهي إلى كل ما فيه ~~العلة، هذا مقتضى اللغة # ، وهذا أيضا مقتضاه في العتق؛ لكن التعبد منع من الحكم بالعتق بالتعليل ~~بل لا بد فيه من اللفظ الصريح المطابق للمحل، ولا مانع منه في الشرع إذ كل ms473 ~~ما عرف بإشارة، وأمارة، وقرينة فهو كما عرف باللفظ فكيف يستويان مع الإجماع ~~على الفرق؟ ؛ لأن المفرق بين المتماثلات كالجامع بين المختلفات فمن أثبت ~~الحكم للخلافين يتعجب منه، ويطلب منه الجامع، ومن فرق بين المثلين يتعجب ~~منه لماذا فرق بينهما. # فإن قيل: إن قال من تجب طاعته: بع هذه الدابة لجماحها، وبع هذا العبد ~~لسوء خلقه، فهل يجوز للمأمور بيع ما شاركه في العلة؟ فإن قلتم # PageV01P300 # يجوز فقد خالفتم الفقهاء، وإن منعتم فما الفرق بين كلامه وبين كلام ~~الشارع مع الاتفاق في الموضعين؟ # وإن ثبت تعبد في لفظ العتق والطلاق بخصوص الجهة فلم يثبت في لفظ الوكالة ~~قلنا: إن كان قد قال له: إن ما ظهر لك إرادتي إياه أو رضاي به بطرق ~~الاستدلال دون صريح اللفظ فافعله فله أن يفعل ذلك؛ وهو وزان حكم الشرع لكن ~~يشترط أمر آخر، وهو أن يقطع بأنه أمر ببيعه لمجرد سوء الخلق لا لسوء الخلق ~~مع القبح أو مع الخرق في الخدمة، فإنه قد يذكر بعض أوصاف العلة، فإن لم ~~يعلم قطعا ولكن ظنه ظنا فينبغي أن يكون قد قال له: ظنك نازل منزلة العلم في ~~تسليطك على التصرف فإن اجتمعت هذه الشروط جاز التصرف، وهو وزان مسألتنا. # فإن قيل: وإن كان الشارع قد قال: ما عرفتموه بالقرائن والدلائل من رضاي ~~وإرادتي فهو كما عرفتموه بالصريح، فلم يقل: إني إذا ذكرت علة شيء ذكرت تمام ~~أوصافه، فلعله علل تحريم الخمر بشدة الخمر، وتحريم الربا بطعم البر خاصة لا ~~للشدة المجردة، ولله أسرار في الأعيان فقد حرم الخنزير والميتة والدم ~~والموقوذة والحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير لخواص ~~لا يطلع عليها، فلم يبعد أن يكون لشدة الخمر من الخاصية ما ليس لشدة ~~النبيذ؟ فبماذا يقع الأمر عن هذا؟ وهذا أوقع كلام في مدافعة القياس. # والجواب: أن خاصة المحل قد يعلم ضرورة سقوط اعتبارها، كقوله: «أيما رجل ~~مات أو أفلس فصاحب المتاع أولى بمتاعه» ، إذ يعلم أن المرأة في ms474 معناه، ~~وقوله «من أعتق شركا له في عبد قوم عليه الباقي» ، فالأمة في معناه؛ لأنا ~~عرفنا بتصفح أحكام العتق والبيع وبمجموع أمارات وتكريرات وقرائن أنه لا ~~مدخل للأنوثة في البيع والعتق وقد يعلم ذلك ظنا بسكون النفس إليه، وقد ~~عرفنا أن الصحابة - رضي الله عنهم - عولوا على الظن فعلمنا أنهم فهموا من ~~النبي - عليه السلام - قطعا إلحاق الظن بالقطع، ولولا سيرة الصحابة لما ~~تجاسرنا عليه؛ وقد اختلفوا في مسائل ولو كانت قطعية لما اختلفوا فيها، ~~فعلمنا أن الظن كالعلم أما حيث انتفى الظن والعلم وحصل الشك فلا يقدم على ~~القياس أصلا # مسألة قال النظام: العلة المنصوصة توجب الإلحاق لكن لا بطريق القياس بل ~~بطريق اللفظ والعموم، إذ لا فرق في اللغة بين قوله: " حرمت كل مشتد " وبين ~~قوله " حرمت الخمر لشدتها ". وهذا فاسد؛ لأن قوله " حرمت الخمر لشدتها " لا ~~يقتضي من حيث اللفظ والوضع إلا تحريم الخمر خاصة، ولا يجوز إلحاق النبيذ ما ~~لم يرد التعبد بالقياس، وإن لم يرد، فهو كقول " أعتقت غانما لسواده " فإنه ~~يقتضي إعتاق جميع السودان، فكيف يصح هذا ولله أن ينصب شدة الخمر خاصة علة، ~~ويكون فائدة ذكر العلة زوال التحريم عند زوال الشدة، ويجوز أن يعلم الله ~~خاصية في شدة الخمر تدعو إلى ركوب القبائح ويعلم في شدة النبيذ لطفا داعيا ~~إلى العبادات؟ فإذا قد ظن النظام أنه منكر للقياس وقد زاد علينا إذ قاس حيث ~~لا نقيس لكنه أنكر اسم القياس. # فإن قيل قول السيد والوالد لعبده " لا تأكل هذا؛ لأنه سم وكل هذا فإنه ~~غذاء " يفهم منه المنع عن أكل سم آخر، والأمر يتناول ما هو مثله في ~~الاغتذاء قلنا: لأن ذلك معلوم بقرينة اطراد العادات ومعرفة أخلاق الآباء ~~والسادات في مقاصدهم من العبيد والأبناء، وأنهم لا يفرقون بين سم وسم، ~~وإنما يتقون الهلاك، وأما الله تعالى إذا حرم شيئا بمجرد # PageV01P301 # إرادته فيجوز أن يبيح مثله وأن يحرم؛ لأن فيه رفقا ومصلحة، فيجوز أن يكون ~~قد سبق في علمه أن مثله مفسدة؛ ms475 لأن تضمنه الصلاح والفساد ليس لطبعه ولذاته ~~ولوصف هو عليه في نفسه، بل يجوز أن يكون في فعل شيء وقت الزوال مصلحة وفيه ~~وقت العصر مفسدة، وكذلك يجوز أن يختلف بيوم السبت والجمعة والمكان والحال ~~فكذلك يجوز أن يفارق شدة الخمر شدة النبيذ. # فإن قيل: فإن لم يفهم النبيذ من الخمر فينبغي أن لا يفهم تحريم الضرب ~~والأذى من التأفيف. قلنا: الحق عندنا غير مفهوم من مجرد اللفظ العاري عن ~~القرينة لكن إذا دلت قرينة الحال على قصد الإكرام فعند ذلك يدل لفظ التأفيف ~~على تحريم الضرب بل يكون ذلك أسبق إلى الفهم من التأفيف المذكور؛ إذ ~~التأفيف لا يكون مقصودا في نفسه بل يقصد به التنبيه على منع الإيذاء بذكر ~~أقل درجاته، وكذلك النقير والقطمير والذرة والدينار لا يدل بمجرد اللفظ على ~~ما فوقه في قوله تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} [الزلزلة: 7] وفي ~~قوله تعالى: {ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك} [آل عمران: 75] وفي ~~قوله: والله ما شربت لفلان جرعة ولا أخذت من ماله حبة، بل بقرينة دفع ~~المنة، وإظهار جزاء العمل؛ وليس إلحاق الضرب بالتأفيف أيضا بطريق القياس؛ ~~لأن الفرع المسكوت عنه الملحق بطريق القياس هو الذي يتصور أن يغفل عنه ~~المتكلم ولا يقصده بكلامه، وها هنا المسكوت عنه هو الأصل في القصد الباعث ~~على النطق بالتأفيف، وهو الأسبق إلى فهم السامع، فهذا مفهوم من لحن القول ~~وفحواه، وعند ظهور القرينة المذكورة ربما تظهر قرينة أخرى تمنع هذا الفهم، ~~إذ الملك قد يقتل أخاه المنازع له فيقول للجلاد: اقتله ولا تهنه ولا تقل له ~~أف. أما تحريم النبيذ بتحريم الخمر فليس من هذا القبيل بل لا وجه له إلا ~~القياس، فإذا لم يرد التعبد بالقياس فقول: " حرمت الخمر لشدتها " لا يفهم ~~تحريم النبيذ بخلاف قوله " حرمت كل مشتد. # مسألة ذهب القاشاني والنهرواني إلى الإقرار بالقياس لأجل إجماع الصحابة، # لكن خصصوا ذلك بموضعين أحدهما: أن تكون العلة منصوصة كقوله «حرمت الخمر ~~لشدتها» و «فإنها من ms476 الطوافين عليكم والطوافات» # الثاني: الأحكام المعلقة بالأسباب، كرجم ماعز لزناه، وقطع سارق رداء ~~صفوان. # وكأنهم يعنون بهذا الجنس تنقيح مناط الحكم ويعترفون به. قلنا: هذا المذهب ~~يمكن تنزيله على ثلاثة أوجه: # أحدهما: أن يشترطوا مع هذا أن يقول: " وحرمت كل مشارك للخمر في الشدة " ~~ويقول: في رجم ماعز " وحكمي على الواحد حكمي على الجماعة " فهذا ليس قولا ~~بالقياس بل بالعموم فلا يحصل هذا التفصي به عن عهدة الإجماع المنعقد من ~~الصحابة على القياس. # الثاني: أن لا يشترط هذا ولا يشترط أيضا ورود التعبد بالقياس، فهذه زيادة ~~علينا وقول بالقياس حيث لا نقول به كما رددناه على النظام # الثالث: أن يقول " مهما ورد التعبد بالقياس جاز الإلحاق بالعلة المنصوصة ~~" فهذا قول حق في الأصل خطأ في الحصر، فإنه قصر طريق إثبات علة الأصل على ~~النص، وليس مقصورا عليه بل بما دل عليه السبر والتقسيم أو دليل آخر وما لم ~~يدل عليه دليل فنحن لا نجوز # PageV01P302 # الحكم في الفرع والأصل ولا فرق بين دليل ودليل، فإن قيل: إذا كانت العلة ~~منصوصة كان الحكم في الفرع معلوما ولم يكن مظنونا، وحصل الأمن من الخطأ، ~~وإن كانت مستنبطة لم يؤمن الخطأ. قلنا: أخطأتم في طرفي الكلام حيث ظننتم ~~حصول الأمن بالنص وإمكان الخطأ عند عدم النص، فإنه وإن نص على شدة الخمر ~~فلا نعلم قطعا أن شدة النبيذ في معناها بل يجوز أن يكون معللا بشدة الخمر ~~خاصة إلا أن يصرح ويقول: " يتبع الحكم مجرد الشدة في كل محل " فيكون ذلك ~~لفظا عاما ولا يكون حكما بالقياس فلا يحصل التفصي عن عهدة الإجماع، وإذا لم ~~يصرح فنحن نظن أن النبيذ في معناه ولا نقطع، فللظن مثاران في العلة ~~المستنبطة: أحدهما: أصل العلة، والآخر: إلحاق الفرع بالأصل، فإنه مشروط ~~بانتفاء الفوارق؛ وفي العلة المنصوصة مثار الظن واحد وهو إلحاق الفرع؛ لأنه ~~مبني على الوقوف على جميع أوصاف علة الأصل، وإنه الشدة بمجردها دون شدة ~~الخمر، وذلك لا يعلم إلا بنص يوجب عموم الحكم ويدفع الحاجة ms477 إلى القياس. # أما قوله في العلة المستنبطة " إنه لا يؤمن فيها الخطأ " فهذا لا يستقيم ~~على مذهب من يصوب كل مجتهد، إذ شهادة الأصل للفرع، كشهادة العدل عند ~~القاضي، والقاضي في أمن من الخطأ وإن كان الشاهد مزورا؛ لأنه لم يتعبد ~~باتباع الصدق بل باتباع ظن الصدق، وكذلك ههنا لم يتعبد باتباع العلة بل ظن ~~العلة وقد تحقق الظن. نعم هذا الإشكال متوجه على من يقول: المصيب واحد؛ ~~لأنه لا يأمن الخطأ، ولا دليل يميز الصواب عن الخطأ، إذ لو كان عليه دليل ~~لكان آثما إذا أخطأ كما في العقليات. ثم نقول: # إنما حملهم على الإقرار بهذا القياس إجماع الصحابة ولم يقتصر قياسهم على ~~العلة المنصوصة، إذ قاسوا في قوله " أنت علي حرام " وفي مسألة الجد ~~والأخوة، وفي تشبيه حد الشرب بحد القذف لما فيه من خوف الافتراء والقذف ~~أوجب ثمانين جلدة؛ لأنه نفس الافتراء لا الخوف من الافتراء، ولكنهم رأوا ~~الشارع في بعض المواضع أقام مظنة الشيء مقام نفسه فشبهوا هذا به بنوع من ~~الظن هو في غاية الضعف، فدل أنهم لم يطلبوا النص ولا القطع بل اكتفوا ~~بالظن. ثم نقول: # إذا جاز القياس بالعلة المعلومة فلنلحق بها المظنونة في حق العمل كما ~~التحق رواية العدل بالتواتر وشهادة العدل بشهادة النبي - عليه السلام - ~~المعصوم والقبلة المظنونة بالقبلة المعاينة، وهذا فيه نظر؛ لأنا وإن أثبتنا ~~خبر الواحد وقول الشهادة بأدلة قاطعة فقول الشرع الظن في موضع لا يرخص لنا ~~في قياس ظن آخر عليه. بل لا بد من دليل على القياس المظنون كما في خبر ~~الواحد وغيره. # مسألة فرق بعض القدرية بين الفعل والترك. فقالوا: إذا علل الشارع وجوب ~~فعل بعلة فلا يقاس عليه غيره إلا بتعبد بالقياس، ولو علل تحريم الخمر بعلة ~~وجب قياس النبيذ عليه دون التعبد بالقياس؛ لأن من ترك العسل لحلاوته لزمه ~~أن يترك كل حلو ومن ترك الخمر لإسكاره لزمه أن يترك كل مسكر، أما من شرب ~~العسل لحلاوته فلا يلزمه أن يشرب كل حلو، ms478 ومن صلى؛ لأنها عبادة لا يلزمه أن ~~يأتي بكل عبادة. # وبنوا على هذا أن التوبة لا تصح من بعض الذنوب، بل من ترك ذنبا لكونه ~~معصية لزمه ترك كل ذنب، أما من أتى بعبادة لكونها طاعة فلا يلزمه أن يأتي ~~بكل طاعة هذا محال في الطرفين؛ لأنه لا يبعد في جانب التحريم # PageV01P303 # أن يحرم الخمر لشدة الخمر خاصة ويفرق بين شدة الخمر وشدة النبيذ، وأما في ~~جانب الفعل فمن تناول العسل لحلاوته، ولفراغ معدته وصدق شهوته لا يفرق بين ~~عسل وعسل نعم لا يلزمه أن يأكل مرة بعد أخرى لزوال الشهوة وامتلاء المعدة ~~واختلاف الحال، فما ثبت للشيء ثبت لمثله كان ذلك في ترك أو فعل؛ لكن المثل ~~المطلق لا يتصور إذ الاثنينية شرط المثلية # ومن شرط الاثنينية مغايرة ومخالفة، وإذا جاءت المخالفة بطلت المماثلة ~~وهذا له غور وليس هذا موضع بيانه. هذا تمام النظر في إثبات أصل القياس على ~~منكريه. ### | [الباب الثاني في طريق إثبات علة الأصل] # وكيفية إقامة الدلالة على صحة آحاد الأقيسة وننبه في صدر الكتاب على ~~مثارات الاحتمال في كل قياس، إذ لا حاجة إلى الدليل إلا في محل الاحتمال، ~~ثم على انحصار الدليل في الأدلة السمعية، ثم على انقسام الأدلة السمعية إلى ~~ظنية وقطعية. فهذه ثلاث مقدمات. # المقدمة الأولى: في مواضع الاحتمال من كل قياس، وهي ستة: # الأول: يجوز أن لا يكون الأصل معلولا عند الله تعالى فيكون القائس قد علل ~~ما ليس بمعلل. # الثاني: أنه إن كان معللا فلعله لم يصب ما هو العلة عند الله تعالى بل ~~علله بعلة أخرى. # الثالث: أنه إن أصاب في أصل التعليل، وفي عين العلة فلعله قصر على وصفين ~~أو ثلاثة، وهو معلل به مع قرينة أخرى زائدة على ما قصر اعتباره عليه. # الرابع: أن يكون قد جمع إلى العلة وصفا ليس مناطا للحكم فزاد على الواحد. # الخامس: أن يصيب في أصل العلة وتعيينها وضبطها لكن يخطئ في وجودها في ~~الفرع فيظنها موجودة بجميع قيودها وقرائنها ولا تكون ms479 كذلك. # السادس: أن يكون قد استدل على تصحيح العلة بما ليس بدليل، وعند ذلك لا ~~يحل له القياس، وإن أصاب العلة، كما لو أصاب بمجرد الوهم والحدس من غير ~~دليل، وكما لو ظن القبلة في جهة من غير اجتهاد فصلى، فإنه لا تصح الصلاة. ~~وزاد آخرون احتمالا سابعا، وهو الخطأ في القياس، إذ يحتمل أن يكون أصل ~~القياس في الشرع باطلا. وهذا خطأ لأن صحة القياس ليس مظنونا بل هو مقطوع ~~به، ولو تطرق إليه احتمال لتطرق إلى جميع القطعيات من التوحيد والنبوة ~~وغيرهما. والمثارات الستة لاحتمال الخطأ إنما تستقيم على مذهب من يقول: ~~المصيب واحد وفي موضع يقدر نصب الله تعالى أدلة قاطعة يتصور أن يحيط بها ~~الناظر، أما من قال كل مجتهد مصيب فليس في الأصل وصف معين هو العلة عند ~~الله تعالى حتى يخطئ أصلها أو وصفها، بل العلة عند الله تعالى في حق كل ~~مجتهد ما ظنه علة فلا يتصور الخطأ، ولكنه على الجملة يحتاج إلى إقامة ~~الدليل في هذه وإن كانت أدلة ظنية. # المقدمة الثانية: أن هذه الأدلة لا تكون إلا سمعية، بل لا مجال للنظر ~~العقلي في هذه المثارات إلا في تحقيق وجود علة الأصل في الفرع، فإن العلة ~~إذا كانت محسوسة كالسكر والطعم والطوف في السؤر فوجود ذلك في النبيذ والأرز ~~والفأرة قد يعلم بالحس وبالأدلة # PageV01P304 # العقلية أما أصل تعليل الحكم وإثبات عين العلة ووصفها فلا يمكن إلا ~~بالأدلة السمعية؛ لأن العلة الشرعية علامة وأمارة لا توجب الحكم بذاتها، ~~إنما معنى كونها علة نصب الشرع إياها علامة، وذلك وضع من الشارع، ولا فرق ~~بين وضع الحكم وبين وضع العلامة ونصبها أمارة على الحكم، فالشدة التي جعلت ~~أمارة التحريم يجوز أن يجعلها الشرع أمارة الحل فليس إيجابها لذاتها، ولا ~~فرق بين قول الشارع «ارجموا ماعزا» وبين قوله «جعلت الزنا علامة إيجاب ~~الرجم» فإن قيل: فالحكم لا يثبت إلا توقيفا ونصا فلتكن العلة كذلك. قلنا: ~~لا يثبت الحكم إلا توقيفا، لكن ليس طريق معرفة التوقيف ms480 في الأحكام مجرد ~~النص بل النص، والعموم والفحوى ومفهوم القول وقرائن الأحوال وشواهد الأصول ~~وأنواع الأدلة، فكذلك إثبات العلة تتسع طرقه ولا يقتصر فيه على النص. # المقدمة الثالثة: أن إلحاق المسكوت بالمنطوق ينقسم إلى مقطوع ومظنون، ~~والمقطوع به على مرتبتين: # إحداهما: أن يكون المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق به كقوله: {فلا تقل ~~لهما أف} [الإسراء: 23] فإنه أفهم تحريم الضرب والشتم، وكقوله - عليه ~~السلام -: «أدوا الخيط والمخيط» فإنه أفهم تحريم الغلول في الغنيمة بكل ~~قليل وكثير، وكنهيه عن الضحية بالعوراء والعرجاء، فإنه أفهم المنع من ~~العمياء ومقطوعة الرجلين، وكقوله: «العينان وكاء السه فإذا نامت العينان ~~استطلق الوكاء» فإن الجنون والإغماء والسكر وكل ما أزال العقل أولى به من ~~النوم # وقد اختلفوا في تسمية هذا قياسا وتبعد تسميته قياسا؛ لأنه لا يحتاج فيه ~~إلى فكر واستنباط علة، ولأن المسكوت عنه هاهنا كأنه أولى بالحكم من المنطوق ~~به، ومن سماه قياسا اعترف بأنه مقطوع به. ولا مشاحة في الأسامي، فمن كان ~~عنده عبارة عن نوع من الإلحاق يشمل هذه الصورة فإنما مخالفته في عبارة. # وهذا الجنس قد يلتحق بأذياله ما يشبهه من وجه ولكنه يفيد الظن دون العلم ~~كقولهم: " إذا وجبت الكفارة في قتل الخطأ فبأن تجب في العمد أولى "؛ لأن ~~فيه ما في الخطأ وزيادة عدوان، و " إذا ردت شهادة الفاسق فالكافر أولى "؛ ~~لأن الكفر فسق وزيادة، " وإذا أخذت الجزية من الكتابي فمن الوثني أولى "؛ ~~لأنه كافر مع زيادة جهل. وهذا يفيد الظن في حق بعض المجتهدين، وليس من جنس ~~الأول بل جنس الأول أن يقول " إذا قبلت شهادة اثنين فشهادة الثلاثة أولى " ~~وهو مقطوع به؛ لأنه وجد فيه الأول وزيادة # والعمياء عوراء مرتين، ومقطوع الرجلين أعرج مرتين، فأما العمد فيخالف ~~الخطأ، فيجوز أن لا تقوى الكفارة على محوه بخلاف الخطأ، بل جنس الأول قولنا ~~من واقع أهله في نهار رمضان فعليه الكفارة " فالزاني به أولى إذ وجد في ~~الزنا إفساد الصوم بالوطء وزيادة، ولم يوجد في العمد الخطأ وزيادة، كذلك ms481 ~~الوثني بدليل أنه لو وقع التصريح بالفرق بين هذه المسائل لم تنفر النفس عن ~~قبوله، ولو قيل تجزئ العمياء دون العوراء وتقبل شهادة اثنين ولا تقبل شهادة ~~ثلاثة، كان ذلك مما تنفر النفس عن قبوله؛ وإنما نفرت النفس عن قبوله لما ~~علم قطعا من أن منع العوراء لأجل نقصانها وقبول شهادة اثنين لظهور صدق ~~الدعوى وتحريم التأفيف لإكرام الآباء، فمع فهم هذه المعاني يتناقص الفرق ~~ولم يفهم مثل ذلك # PageV01P305 # من قتل الخطأ وشهادة الكافر وجزية الوثني. # المرتبة الثانية: ما يكون المسكوت عنه مثل المنطوق به، ولا يكون أولى منه ~~ولا هو دونه، فيقال: إنه في معنى الأصل. وربما اختلفوا في تسميته قياسا، ~~ومثاله قوله «من أعتق شركا له في عبد قوم عليه الباقي» فإن الأمة في معناه، ~~قوله: «أيما رجل أفلس أو مات فصاحب المتاع أحق بمتاعه» فالمرأة في معناه، ~~وقوله تعالى: {فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} [النساء: 25] فالعبد ~~في معناها وقوله - عليه السلام - «من باع عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن ~~يشترطه المبتاع» فإن الجارية في معناه، وقوله في موت الحيوان في السمن إنه ~~«يراق المائع، ويقور ما حوالي الجامد» فإن العسل لو كان جامدا في معناه. # وهذا جنس يرجع حاصله إلى العلم بأن الفارق بين المسكوت عنه والمنطوق به ~~لا مدخل له في التأثير في جنس ذلك الحكم، وإنما يعرف أنه لا مدخل له في ~~التأثير باستقراء أحكام الشرع وموارده ومصادره في ذلك الجنس حتى يعلم أن ~~حكم الرق والحرية ليس يختلف بذكورة وأنوثة، كما لا يختلف بالبياض والسواد ~~والطول والقصر والحسن والقبح فلا يجري هذا في جنس من الحكم تؤثر الذكورة ~~فيه، والأنوثة كولاية النكاح والقضاء والشهادة وأمثالها # وضابط هذا الجنس أن لا يحتاج إلى التعرض للعلة الجامعة بل يتعرض للفارق ~~ويعلم أنه لا فارق إلا كذا ولا مدخل له في التأثير قطعا، فإن تطرق الاحتمال ~~إلى قولنا " لا فارق إلا كذا بأن احتمل أن يكون ثم فارق آخر، أو تطرق ~~الاحتمال إلى قولنا ms482 " لا مدخل له في التأثير " بأن احتمل أن يكون له مدخل، ~~لم يكن هذا الإلحاق مقطوعا به بل ربما كان مظنونا ويتعلق بأذيال هذا الجنس ~~ما هو مظنون كقولنا: # إنه لو أضاف العتق إلى عضو معين سرى، فإنه إذا أضاف إلى النصف سرى؛ لأنه ~~بعض واليد بعض، وهذا يغلب على ظن بعض المجتهدين ومساواة البعض المعين للبعض ~~الشائع في هذا الحكم غير مقطوع به؛ لأن هذا النوع من المفارقة لا يبعد أن ~~يكون له مدخل في التأثير ومن هذا الجنس ما يتعلق بتنقيح مناط الحكم، «كقوله ~~للأعرابي الذي جامع امرأته في رمضان: أعتق رقبة» فإنا نعلم أن التركي ~~والهندي في معنى العربي، إذ علمنا أن ذلك لا مدخل له في الحكم ويعلم أن ~~العبد في معنى الحر فيلزمه الصوم؛ لأنه شاركه في وجوب الصوم، ولا نرى الصبي ~~في معناه؛ لأنه لا يشاركه في اللزوم وللزوم مدخل في التأثير # وإن نظرنا إلى المحل فقد واقع أهله فيعلم أنه لو واقع مملوكته فهو في ~~معناه، بل لو زنى بامرأة فهو بالكفارة أولى أما اللواط وإتيان البهيمة ~~والمرأة الميتة هل هو في معناه؟ ربما يتردد فيه والأظهر أن اللواط في ~~معناه. # وإن نظرنا إلى الصوم المجني عليه فقد جرى وقاع الأعرابي في يوم معين وشهر ~~معين فيعلم أن سائر الأيام في ذلك الشهر وسائر شهور رمضان في معناه، ~~والقضاء والنذر ليس في معناه؛ لأن حرمة رمضان أعظم فهتكها أفحش، وللحرمة ~~مدخل في جنس هذا الحكم وإن نظرنا إلى نفس هذا الفعل فهل يلتحق به الأكل ~~والشرب وسائر المفطرات؟ هذا في محل النظر، إذ يحتمل أن يقال: إنما وجبت ~~الكفارة لتفويت الصوم، والوطء آلته كما يجب القصاص لتفويت الدم ثم السيف ~~والسكين وسائر الآلات على وتيرة واحدة # ويحتمل أن يقال: الكفارة زجر ودواعي الوقاع لا # PageV01P306 # تنخنس بمجرد وازع الدين فافتقر إلى كفارة زاجرة بخلاف داعية الأكل. وهذه ~~ظنون تختلف بالإضافة إلى المجتهدين، وهل يسمى إلحاق الأكل ههنا بالجماع ~~قياسا؟ اختلفوا فيه، فقال أصحاب أبي ms483 حنيفة: لا قياس في الكفارات. # وهذا استدلال وليس بقياس، بل هو استدلال على تجريد مناط الحكم وحذف الحشو ~~منه، ولفظة القياس اصطلاح للفقهاء فيختلف إطلاقها بحسب اختلافهم في ~~الاصطلاح، فلست أرى الإطناب في تصحيح ذلك أو إفساده؛ لأن أكثر تدوار النظر ~~فيه على اللفظ. وعلى الجملة فلا يظن بالظاهر في المنكر للقياس إنكار ~~المعلوم والمقطوع به من هذه الإلحاقات، لكن لعله ينكر المظنون منه ويقول: ~~ما علم قطعا أنه لا مدخل له في التأثير فهو كاختلاف الزمان والمكان والسواد ~~والبياض والطول والقصر فيجب حذفه عن درجة الاعتبار أما ما يحتمل فلا يجوز ~~حذفه بالظن. # وإذا بان لنا إجماع الصحابة أنهم عملوا بالظن كان ذلك دليلا على نزول ~~الظن منزلة العلم في وجوب العمل؛ لأن المسائل التي اختلفوا فيها اجتهدوا ~~كمسألة الحرام ومسألة الجد وحد الخمر والمفوضة، وغيرها من المسائل ظنية ~~وليست قطعية، وعلى الجملة فلإلحاق المسكوت عنه بالمنطوق طريقان متباينان: ~~أحدهما: أن لا يتعارض إلا للفارق وسقوط أثره فيقول: لا فارق إلا كذا، وهذه ~~مقدمة، ثم يقول ولا مدخل لهذا الفارق في التأثير، وهذه مقدمة أخرى؛ فيلزم ~~منه نتيجة، وهو أنه لا فرق في الحكم، وهذا إنما يحسن إذا ظهر التقارب بين ~~الفرع والأصل كقرب الأمة من العبد؛ لأنه لا يحتاج إلى التعرض للجامع لكثرة ~~ما فيه من الاجتماع. # الطريق الثاني: أن يتعرض للجامع ويقصد نحوه، ولا يلتفت إلى الفوارق، وإن ~~كثرت ويظهر تأثير الجامع في الحكم فيقول: العلة في الأصل كذا وهي موجودة في ~~الفرع فيجب الاجتماع في الحكم، وهذا هو الذي يسمى قياسا بالاتفاق أما الأول ~~ففي تسميته قياسا خلاف؛ لأن القياس ما قصد به الجمع بين شيئين، وذلك قصد ~~فيه نفي الفرق فحصل الاجتماع بالقصد الثاني لا بالقصد الأول، فلم يكن على ~~صورة المقايسة بالإضافة إلى القصد الأول # والطريق الأول الذي هو التعرض للفارق ونفيه ينتظم حيث لم تعرف علة الحكم، ~~بل ينتظم في حكم لا يعلل وينتظم حيث عرف أنه معلل لكن لم تتعين العلة، فإنا ms484 ~~نقول: الزبيب في معنى التمر في الربا قبل أن يتعين عندنا علة الربا أنه ~~الطعم أو الكيل أو القوت # وينتظم حيث ظهر أصل العلة وتعين أيضا، ولكن لم تتلخص بعد أوصافه ولم ~~تتحرر بعد قيوده وحدوده. # أما الطريق الثاني وهو الجمع، فلا يمكن إلا بعد تعين العلة وتلخيصها ~~بحدها وقيودها وبيان تحقيق وجودها بكمالها في الفرع وكل واحد من الطريقين ~~ينقسم إلى مقطوع به وإلى مظنون. فإذا تمهدت هذه المقدمات فيرجع إلى ~~المقصود، وهو بيان إثبات العلة في الطريق الثاني الذي هو القياس بالاتفاق، ~~وهو رد فرع إلى أصل بعلة جامعة بينهما. # وهذا القياس يحتاج إلى إثبات مقدمتين: # إحداهما مثلا: أن علة تحريم الخمر الإسكار. # والثانية أن الإسكار موجود في النبيذ. أما الثانية فيجوز أن تثبت بالحس ~~ودليل العقل والعرف وبدليل الشرع وسائر أنواع الأدلة، أما الأولى فلا تثبت ~~إلا بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع أو نوع استدلال مستنبط، فإن ~~كون الشدة علامة التحريم وضع شرعي كما أن نفس التحريم كذلك وطريقه. # PageV01P307 # طريقه ### | [القسم الأول إثبات العلة بأدلة نقلية] # وجملة الأدلة الشرعية ترجع إلى ألفاظ الكتاب والسنة والإجماع والاستنباط ~~فنحصره في ثلاثة أقسام: # القسم الأول إثبات العلة بأدلة نقلية: # وذلك إنما يستفاد من صريح النطق أو من الإيماء أو من التنبيه على الأسباب ~~وهي ثلاثة أضرب: # الضرب الأول: الصريح وذلك أن يرد فيه لفظ التعليل كقوله: " لكذا أو لعلة ~~كذا أو لأجل كذا أو لكي لا يكون كذا وما يجري مجراه من صيغ التعليل مثل ~~قوله تعالى {كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم} [الحشر: 7] و {من أجل ذلك ~~كتبنا على بني إسرائيل} [المائدة: 32] و {ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله} ~~[الأنفال: 13] وقوله - عليه السلام -: «إنما جعل الاستئذان لأجل البصر» و ~~«إنما نهيتكم لأجل الدافة» فهذه صيغ التعليل إلا إذا دل دليل على أنه ما ~~قصد التعليل فيكون مجازا كما يقال: لم فعلت؟ لأني أردت أن أفعل فهذا لا ~~يصلح أن يكون علة فهو استعمال اللفظ في غير محله قال ms485 القاضي: قوله تعالى: ~~{أقم الصلاة لدلوك الشمس} [الإسراء: 78] من هذا الجنس؛ لأن هذا لام ~~التعليل، والدلوك لا يصلح أن يكون علة فمعناه " صل عنده " فهو للتوقيت وهذا ~~فيه نظر إذ الزوال والغروب لا يبعد أن ينصبه الشرع علامة للوجوب، ولا معنى ~~لعلة الشرع إلا العلامة المنصوبة، وقد قال الفقهاء: الأوقات أسباب؛ ولذلك ~~يتكرر الوجوب بتكررها ولا يبعد تسمية السبب علة. # الضرب الثاني: التنبيه والإيماء على العلة كقوله - عليه السلام - لما سئل ~~عن الهرة: «إنها من الطوافين عليكم أو الطوافات» فإنه وإن لم يقل؛ لأنها أو ~~لأجل أنها من الطوافين لكن أومأ إلى التعليل؛ لأنه لو لم يكن علة لم يكن ~~ذكر وصف الطواف مفيدا فإنه لو قال: إنها سوداء أو بيضاء لم يكن منظوما إذا ~~لم يرد التعليل وكذلك قوله: «فإنه يحشر يوم القيامة ملبيا» و «إنهم يحشرون ~~وأوداجهم تشخب دما» وقوله جل جلاله: {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم ~~العداوة والبغضاء} [المائدة: 91] فإنه بيان لتعليل تحريم الخمر حتى يطرد في ~~كل مسكر # وكذلك ذكر الصفة قبل الحكم كقوله: {قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض} ~~[البقرة: 222] فهو تعليل حتى يفهم منه تحريم الإتيان في غير المأتى؛ لأن ~~الأذى فيه دائم ولا يجري في المستحاضة؛ لأن ذلك عارض، وليس بطبيعي وكذلك ~~قوله: «تمرة طيبة وماء طهور» فإن ذلك لو لم يكن تعليلا لاستعماله لما كان ~~الكلام واقعا في محله، وهو الذي يدل على أنه كان ماء نبذ فيه تميرات فيقاس ~~عليه الزبيب وغيره # ولا يقاس عليه المرقة والعصيدة وما انقلب شيئا آخر بالطبخ وكذلك قوله - ~~عليه السلام -: «أينقص الرطب إذا يبس؟ فقيل: نعم، فقال: فلا إذا» ففيه ~~تنبيه على العلة من ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه لا وجه لذكر هذا الوصف لولا التعليل به. # الثاني: قوله " إذا " فإنه للتعليل. # الثالث: " الفاء " في قوله " فلا إذا " فإنه للتعقيب والتسبيب # ومن ذلك أن يجيب عن المسألة بذكر نظيرها كقوله: «أرأيت لو تمضمضت؟» ~~«أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيتيه؟» فإنه لو لم يكن ms486 للتعليل لما كان ~~التعرض لغير محل السؤال منتظما، ومن ذلك أن يفصل الشارع بين قسمين بوصف ~~ويخصه بالحكم كقول القائل: القاتل لا يرث فإنه يدل في الظاهر # PageV01P308 # على أنه لا يرث لكونه قاتلا، وليس هذا للمناسبة بل لو قال: الطويل لا يرث ~~أو الأسود لا يرث لكنا نفهم منه جعله الطول والسواد علامة على انفصاله عن ~~الورثة # فهذا وأمثاله مما يكثر ولا يدخل تحت الحصر فوجوه التنبيه لا تنضبط، وقد ~~أطنبنا في تفصيلها في " كتاب شفاء العليل " وهذا القدر كاف ههنا. # الضرب الثالث: التنبيه على الأسباب بترتيب الأحكام عليها بصيغة الجزاء ~~والشرط وبالفاء التي هي للتعقيب والتسبيب كقوله - عليه السلام - «من أحيا ~~أرضا ميتة فهي له» و «من بدل دينه فاقتلوه» وقوله تعالى: {والسارق والسارقة ~~فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38] و {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما} ~~[النور: 2] وقوله تعالى: {فلم تجدوا ماء فتيمموا} [المائدة: 6] ويلتحق بهذا ~~القسم ما يرتبه الراوي بفاء الترتيب كقوله: زنى ماعز فرجم، وسها النبي ~~فسجد، ورضخ يهودي رأس جارية فرضخ النبي رأسه؛ فكل هذا يدل على التسبيب، ~~وليس للمناسبة فإن قوله «من مس ذكره فليتوضأ» يفهم منه السبب، وإن لم يناسب # بل يلتحق بهذا الجنس كل حكم حدث عقيب وصف حادث سواء كان من الأقوال كحدوث ~~الملك والحل عند البيع والنكاح والتصرفات أو من الأفعال كاشتغال الذمة عند ~~القتل والإتلاف أو من الصفات كتحريم الشرب عند طريان الشدة على العصير ~~وتحريم الوطء عند طريان الحيض فإنه ينقدح أن يقال: لا يتجدد إلا بتجدد سبب ~~ولم يتجدد إلا هذا فإذا هو السبب، وإن لم يناسب فإن قيل: فهذه الوجوه ~~المذكورة تدل على السبب والعلة دلالة قاطعة أو دلالة ظنية؟ قلنا: # أما ما رتب على غيره بفاء الترتيب وصيغة الجزاء والشرط فيدل على أن ~~المرتب عليه معتبر في الحكم لا محالة فهو صريح في أصل الاعتبار أما اعتباره ~~بطريق كونه علة أو سببا متضمنا للعلة بطريق الملازمة والمجاورة أو شرطا ~~يظهر الحكم عنده بسبب آخر أو يفيد الحكم على ms487 تجرده حتى يعم الحكم المحال أو ~~يضم إليه وصف آخر حتى يختص ببعض المحال فمطلق الإضافة من الألفاظ المذكورة ~~ليس صريحا فيها ولكن قد يكون ظاهرا من وجه ويحتمل غيره # وقد يكون مترددا بين وجهين فيتبع فيه موجب الأدلة. وإنما الثابت بالإيماء ~~والتنبيه كون الوصف المذكور معتبرا بحيث لا يجوز إلغاؤه مثال هذا قوله - ~~عليه السلام -: «لا يقض القاضي وهو غضبان» وهو تنبيه أن الغضب علة في منع ~~القضاء لكن قد يتبين بالنظر أنه ليس علة لذاته بل لما يتضمنه من الدهشة ~~المانعة من استيفاء الفكر حتى يلحق به الجائع والحاقن والمتألم فيكون الغضب ~~مناطا لا لعينه بل لمعنى يتضمنه # وكذلك قوله: " سها فسجد " يحتمل أن يكون السبب هو السهو لعينه ويحتمل أن ~~يكون لما يتضمنه من ترك أبعاض الصلاة حتى لو تركه عمدا ربما قيل يسجد أيضا ~~وكذلك قوله: " زنى ماعز فرجم " احتمل أن يكون؛ لأنه زنى واحتمل أن يكون لما ~~يتضمنه الزنا من إيلاج فرج في فرج محرم قطعا، مشتهى طبعا حتى يتعدى إلى ~~اللواط # وكذلك قوله «من جامع في نهار رمضان فعليه ما على المظاهر» يحتمل أن يكون ~~لنفس الجماع ويحتمل أن يكون لما يتضمنه من هتك حرمة الشهر ويحتمل أن يكون ~~لما يتضمنه من إفساد الصوم حتى يتعدى إلى الأكل والظاهر الإضافة إلى الأصل ~~ومن صرفه عن الأصل # PageV01P309 # إلى ما يتضمنه من إفساد الصوم حتى يتعدى إلى الأكل افتقر إلى دليل، وهذا ~~النوع من التصرف غير منقطع عن هذه الإضافات، فهذا ظاهر في الإضافات اللفظية ~~إيماء كان أو صريحا؛ أما ما يحدث بحدوث وصف كحدوث الشدة ففي إضافة الحكم ~~إليه نظر سيأتي في الطرد والعكس ### | [القسم الثاني في إثبات العلة بالإجماع على كونها مؤثرة في الحكم] # : مثاله قولهم: إذا قدم الأخ من الأب والأم على الأخ للأب في الميراث ~~فينبغي أن يقدم في ولاية النكاح فإن العلة في الميراث التقديم بسبب امتزاج ~~الأخوة، وهو المؤثر بالاتفاق، وكذلك قول بعضهم: الجهل بالمهر يفسد النكاح؛ ~~لأنه جهل بعوض ms488 في معاوضة فصار كالبيع، إذ الجهل مؤثر في الإفساد في البيع ~~بالاتفاق. وكذلك نقول: يجب الضمان على السارق، وإن قطع؛ لأنه مال تلف تحت ~~اليد العادية فيضمن كما في الغصب، وهذا الوصف هو المؤثر في الغصب اتفاقا: ~~وكذلك يقول الحنفي: صغيرة، فيولي عليها قياسا للثيب الصغيرة على البكر ~~الصغيرة، فالمطالبة منقطعة عن إثبات علة الأصل؛ لأنها بالاتفاق مؤثرة ويبقى ~~سؤال، وهو أن يقال: لم قلتم إذا أثر امتزاج الأخوة في التقديم في الإرث ~~فينبغي أن يؤثر في النكاح؟ وإذا أثر الصغر في البكر فهو يؤثر في الثيب؟ ~~وهذا السؤال إما أن يوجهه المجتهد على نفسه أو يوجهه المناظر في المناظرة؛ ~~أما المجتهد فيدفعه بوجهين # أحدهما: أن يعرف مناسبة المؤثر كالصغر فإنه يسلط الولي على التزويج ~~للعجز، فنقول: الثيب كالبكر في هذه. # الثاني: أن يتبين أنه لا فارق بين الفرع والأصل إلا كذا، وكذا ولا مدخل ~~له في التأثير كما ذكرناه في إلحاق الأمة بالعبد في سراية العتق ونظائره، ~~فيكون هذا القياس تمامه بالتعرض للجامع ونفي الفارق جميعا، وإن ظهرت ~~المناسبة استغني عن التعرض للفارق، وإن كان السؤال من مناظر فيكفي أن يقال ~~القياس لتعدية العلة من موضع إلى موضع، وما من تعدية إلا ويتوجه عليها هذا ~~السؤال، فلا ينبغي أن يفتح هذا الباب بل يكلف المعترض الفرق أو التنبيه على ~~مثار خيال الفرق بأن يقول مثلا: أخوة الأم أثرت في الميراث في الترجيح؛ لأن ~~مجردها يؤثر في التوريث؟ فلم قلت إذا استعمل في الترجيح ما يستقل بالتأثير ~~فيستعمل حيث لا يستقل فتقبل المطالبة على هذه الصيغة، وهي أولى من إبدائه ~~في معرض الفرق ابتداء؟ # أما إذا لم ينبه على مثار خيال الفرق، وأصر على صرف المطالبة فلا ينبغي ~~أن يصطلح المناظرون على قبوله؛ لأنه يفتح بابا من اللجاج لا ينسد، ولا يجوز ~~إرهافه إلى طلب المناسبة، فإن ما ظهر تأثير بإضافة الحكم إليه فهو علة ناسب ~~أو لم يناسب فقد قال: - عليه السلام - «من مس ذكره فليتوضأ» فنحن نقيس عليه ms489 ~~ذكر غيره ولا مناسبة، ولكن نقول: ظهر تأثير المس ولا مدخل للفارق في ~~التأثير. فإنه، وإن ظهر مناسبته أيضا فيجوز أن يختص اعتبار المناسب ببعض ~~المواضع، إذ السرقة تناسب القطع، ثم تختص بالنصاب، والزنا يناسب الرجم ثم ~~يختص بالمحصن، فيتوجه على المناسب أيضا أن يقول: # لم قلت إذا أثر هذا المناسب، وهو الصغر في ولاية المال فينبغي أن يؤثر في ~~ولاية البضع، وإذا أثر في البكر يؤثر في الثيب، وإذا أثر في التزويج من ~~الابن يؤثر في التزويج من البنت؟ ومن المناسبات ما يختص # PageV01P310 # ببعض المواضع. وهذا السؤال يستمد من خيال منكري القياس فلا ينبغي أن ~~يقبل. ### | [القسم الثالث في إثبات العلة بالاستنباط وطرق الاستدلال وهي أنواع] ### | [النوع الأول السبر والتقسيم] # القسم الثالث: في إثبات العلة بالاستنباط وطرق الاستدلال وهي أنواع # النوع الأول: السبر والتقسيم وهو دليل صحيح، وذلك بأن يقول: هذا الحكم ~~معلل ولا علة له إلا كذا أو كذا، وقد بطل أحدهما فتعين الآخر، وإذا استقام ~~السبر كذلك فلا يحتاج إلى مناسبة بل له أن يقول حرم الربا في البر ولا بد ~~من علامة تضبط مجرى الحكم عن موقعه ولا علامة إلا الطعم أو القوت أو الكيل ~~وقد بطل القوت والكيل بدليل كذا، وكذا فثبت الطعم لكن يحتاج ههنا إلى إقامة ~~الدليل على ثلاثة أمور: # أحدها: أنه لا بد من علامة إذ قد يقال هو معلوم باسم البر فلا يحتاج إلى ~~علامة وعلة فنقول: ليس كذلك؛ لأنه إذا صار دقيقا وخبزا وسويقا نفي حكم ~~الربا وزال اسم البر فدل أن مناط الربا أمر أعم من اسم البر. # الثاني: أن يكون سبره حاصرا فيحصر جميع ما يمكن أن يكون علة إما بأن ~~يوافقه الخصم على أن الممكنات ما ذكره، وذلك ظاهر أو لا يسلم، فإن كان ~~مجتهدا فعليه سبر بقدر إمكانه حتى يعجز عن إيراد غيره وإن كان مناظرا ~~فيكفيه أن يقول هذا منتهى قدرتي في السبر فإن شاركتني في الجهل بغيره لزمك ~~ما لزمني، وإن اطلعت على علة ms490 أخرى فيلزمك التنبيه عليها حتى أنظر في صحتها ~~أو فسادها فإن قال: لا يلزمني ولا أظهر العلة، وإن كنت أعرفها فهذا عناد ~~محرم وصاحبه إما كاذب وإما فاسق بكتمان حكم مست الحاجة إلى إظهاره ومثل هذا ~~الجدل حرام، وليس من الدين ثم إفساد سائر العلل تارة يكون ببيان سقوط أثرها ~~في الحكم بأن يظهر بقاء الحكم مع انتفائها أو بانتقاضها بأن يظهر انتفاء ~~الحكم مع وجودها. ### | [النوع الثاني من الاستنباط إثبات العلة بإبداء مناسبتها للحكم] # والاكتفاء بمجرد المناسبة في إثبات الحكم مختلف فيه وينشأ منه أن المراد ~~بالمناسب ما هو على منهاج المصالح بحيث إذا أضيف الحكم إليه انتظم مثاله ~~قولنا: حرمت الخمر؛ لأنها تزيل العقل الذي هو مناط التكليف وهو مناسب لا ~~كقولنا: حرمت؛ لأنها تقذف بالزبد؛ أو لأنها تحفظ في الدن فإن ذلك لا يناسب ~~وقد ذكرنا حقيقة المناسب وأقسامه ومراتبه في آخر القطب الثاني من باب ~~الاستحسان والاستصلاح فلا نعيده لكنا نقول: المناسب ينقسم إلى مؤثر وملائم ~~وغريب ومثال المؤثر: التعليل للولاية بالصغر ومعنى كونه مؤثرا أنه ظهر ~~تأثيره في الحكم بالإجماع أو النص، وإذا ظهر تأثيره فلا يحتاج إلى المناسبة ~~بل قوله: «من مس ذكره فليتوضأ» لما دل على تأثير المس قسنا عليه مس ذكر ~~غيره. # أما الملائم فعبارة عما لم يظهر تأثير عينه عين ذلك الحكم كما في الصغر ~~لكن ظهر تأثير جنسه في جنس ذلك الحكم مثاله قوله: لا يجب على الحائض قضاء ~~الصلاة دون الصوم لما في قضاء الصلاة من الحرج بسبب كثرة الصلاة، وهذا قد ~~ظهر تأثير جنسه؛ لأن لجنس المشقة تأثيرا في التخفيف أما هذه المشقة نفسها، ~~وهي مشقة التكرر فلم يظهر تأثيرها في موضع آخر نعم لو كان قد ورد النص ~~بسقوط قضاء الصلاة عن الحرائر الحيض وقسنا عليهن الإماء لكان ذلك تعليلا ~~بما ظهر تأثير عينه في عين الحكم لكن في محل مخصوص فعديناه إلى محل آخر ~~ومثاله أيضا # PageV01P311 # قولنا: # إن قليل النبيذ وإن لم يسكر حرام قياسا على ms491 قليل الخمر، وتعليلنا قليل ~~الخمر بأن ذلك منه يدعو إلى كثيره، فهذا مناسب لم يظهر تأثير عينه لكن ظهر ~~تأثير جنسه إذ الخلوة لما كانت داعية إلى الزنا حرمها الشرع كتحريم الزنا، ~~فكان هذا ملائما لجنس تصرف الشرع، وإن لم يظهر تأثير عينه في الحكم، وأما ~~الغريب الذي لم يظهر تأثيره ولا ملاءمته لجنس تصرفات الشرع فمثاله قولنا: # إن الخمر إنما حرمت لكونها مسكرة ففي معناها كل مسكر ولم يظهر أثر السكر ~~في موضع آخر لكنه مناسب، وهذا مثال الغريب لو لم يقدر التنبيه بقوله: {إنما ~~يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر} [المائدة: 91] ~~ومثاله أيضا قولنا المطلقة ثلاثا في مرض الموت ترث؛ لأن الزوج قصد الفرار ~~من ميراثها فيعارض بنقيض قصده قياسا على القاتل، فإنه لا يرث؛ لأنه يستعجل ~~الميراث فعورض بنقيض قصده فإن تعليل حرمان القاتل بهذا تعليل بمناسب لا ~~يلائم جنس تصرفات الشرع؛ لأنا لا نرى الشرع في موضع آخر قد التفت إلى جنسه ~~فتبقى مناسبة مجردة غريبة # ولو علل الحرمان بكونه متعديا بالقتل وجعل هذا جزاء على العدوان كان ~~تعليلا بمناسب ملائم ليس بمؤثر؛ لأن الجناية بعينها، وإن ظهر تأثيرها في ~~العقوبات فلم يظهر تأثيرها في الحرمان عن الميراث فلم يؤثر في عين الحكم ~~وإنما أثر في جنس آخر من الأحكام فهو من جنس الملائم لا من جنس المؤثر ولا ~~من جنس الغريب فإذا عرفت مثال هذه الأقسام الثلاثة فاعلم أن المؤثر مقبول ~~باتفاق القائلين بالقياس # وقصر أبو زيد الدبوسي القياس عليه، وقال: لا يقبل إلا مؤثر، ولكن أورد ~~للمؤثر أمثلة عرف بها أنه قبل الملائم لكنه سماه أيضا مؤثرا وذكرنا تفصيل ~~أمثلته والاعتراض عليها في كتاب شفاء الغليل " ولا سبيل إلى الاقتصار على ~~المؤثر؛ لأن المطلوب غلبة الظن، ومن استقرأ أقيسة الصحابة - رضي الله عنهم ~~- واجتهاداتهم علم أنهم لم يشترطوا في كل قياس كون العلة معلومة بالنص ~~والإجماع، وأما المناسب الغريب فهذا في محل الاجتهاد # ولا يبعد عندي أن يغلب ذلك على ظن ms492 بعض المجتهدين، ولا يدل دليل قاطع على ~~بطلان اجتهاده فإن قيل: يدل على بطلانه أنه متحكم بالتعليل من غير دليل ~~يشهد لإضافة الحكم إلى علته قلنا إثبات الحكم على وفقه يشهد لملاحظة الشرع ~~له ويغلب ذلك على الظن # فإن قيل: قولكم إثبات الحكم على وفقه تلبيس إذ معناه أنه تقاضى الحكم ~~بمناسبة، وبعث الشارع على الحكم فأجاب باعثه وانبعث على وفق بعثه وهذا ~~تحكم؛ لأنه يحتمل أن يكون حكم الشرع بتحريم الخمر تعبدا وتحكما كتحريم ~~الخنزير والميتة والدم والحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من ~~الطير مع تحليل الضبع والثعلب على بعض المذاهب وهي تحكمات لكن اتفق معنى ~~الإسكار في الخمر فظن أنه لأجل الإسكار، ولم يتفق مثله في الميتة والخنزير ~~فقيل إنه تحكم # وهذا على تقدير عدم التنبيه في القرآن بذكر العداوة والبغضاء، ويحتمل أن ~~يكون معنى آخر مناسب لم يظهر لنا، ويحتمل أن يكون للإسكار، فهذه ثلاثة ~~احتمالات فالحكم بواحد من هذه الثلاثة تحكم بغير دليل، وإلا فبم يترجح هذا ~~الاحتمال؟ وهذا لا ينقلب في المؤثر، فإنه عرف كونه علة بإضافة الحكم إليه ~~نصا أو إجماعا كالصغر وتقديم الأخ # PageV01P312 # للأب والأم # والجواب أنا نرجح هذا الاحتمال على احتمال التحكم بما رددنا به مذهب ~~منكري القياس كما في المؤثر فإن العلة إذا أضيف الحكم في محل احتمل أن يكون ~~مختصا بذلك المحل كما اختص تأثير الزنا بالمحصن وتأثير السرقة بالنصاب، فلا ~~يبعد أن يؤثر الصغر في ولاية المال دون ولاية البضع وامتزاج الأخوة في ~~التقديم في الميراث دون الولاية، وبه اعتصم نفاة القياس قيل لهم: علم من ~~الصحابة - رضي الله عنهم - اتباع العلل واطراح تنزيل الشرع على التحكم ما ~~أمكن فكذلك ههنا، ولا فرق # وأما قولهم لعل فيه معنى آخر مناسبا هو الباعث للشارع، ولم يظهر لنا، ~~وإنما مالت أنفسنا إلى المعنى الذي ظهر لعدم ظهور الآخر لا لدليل دل عليه، ~~فهو وهم محض؛ فنقول: غلبة الظن في كل موضع تستند إلى مثل هذا الوهم ms493 وتعتمد ~~انتفاء الظهور في معنى آخر لو ظهر لبطلت غلبة الظن ولو فتح هذا الباب لم ~~يستقم قياس، فإن العلة الجامعة بين الفرع والأصل وإن كانت مؤثرة فإنما يغلب ~~على الظن الإجماع لعدم ظهور الفرق # ولعل فيه معنى لو ظهر لزالت عنه غلبة الظن ولعدم علة معارضة لتلك العلة، ~~فلو ظهر أصل آخر يشهد للفرع بعلة أخرى تناقض العلة الأولى لاندفع غلبة الظن ~~بل يحصل الظن من صيغ العموم والظواهر بشرط انتفاء قرينة مخصصة لو ظهرت لزال ~~الظن لكن إذا لم تظهر جاز التعويل عليه؛ وذلك لأنه لم يظهر لنا من إجماع ~~الصحابة - رضي الله عنهم - على الاجتهاد إلا اتباع الرأي الأغلب وإلا فلم ~~يضبطوا أجناس غلبة الظن، ولم يميزوا جنسا عن جنس، فإن سلمتم حصول الظن ~~بمجرد المناسبة وجب اتباعه # فإن قيل: لا نسلم أن هذا ظن بل هو وهم مجرد، فإن التحكم محتمل ومناسب آخر ~~لم يظهر لنا محتمل، وهذا الذي ظهر محتمل، ووهم الإنسان مائل إلى طلب علة ~~وسبب لكل حكم، ثم إنه سباق إلى ما ظهر له وقاض بأنه ليس في الوجود إلا ما ~~ظهر له فتقضي نفسه بأنه لا بد من سبب ولا سبب إلا هذا، فإذا هو السبب، ~~فقوله " لا بد من سبب " إن سلمناه ولم ينزل على التحكم ونقول بلا علة ولا ~~سبب فقوله: # " لا سبب إلا هذا " تحكم مستنده أنه لم يعلم إلا هذا فجعل عدم علمه بسبب ~~آخر علما بعدم سبب آخر، وهو غلط. # وبمثل هذا الطريق أبطلتم القول بالمفهوم إذ مستند القائل به أنه لا بد من ~~باعث على التخصيص، ولم يظهر لنا باعث سوى اختصاص الحكم، فإذا هو الباعث، إذ ~~قلتم بما عرفتم أنه لا باعث سواه؟ فلعله بعثه على التخصيص باعث لم يظهر ~~لكم؟ وهذا كلام واقع في إمكان التعليل بمناسب لا يؤثر ولا يلائم. # والجواب: أن هذا استمداد من مأخذ نفاة القياس، وهو منقلب في المؤثر ~~والملائم، فإن الظن الحاصل به أيضا يقابله احتمال التحكم واحتمال فرق ms494 ينقدح ~~واحتمال علة تعارض في هذه العلة في الفرع، ولا فرق بين هذه الاحتمالات، ~~ولولاها لم يكن الإلحاق مظنونا بل مقطوعا كإلحاق الأمة بالعبد وفهم الضرب ~~من التأفيف وقول القائل: إن هذا وهم وليس بظن ليس كذلك، فإن الوهم عبارة عن ~~ميل النفس من غير سبب مرجح والظن عبارة عن الميل بسبب، ومن بنى أمره في ~~المعاملات الدنيوية على الوهم سفه في عقله # ومن بناه على الظن كان معذورا حتى لو تصرف في مال الطفل بالوهم ضمن ولو ~~تصرف بالظن لم يضمن، فمن رأى مركب الرئيس على باب دار السلطان فاعتقد أن ~~الرئيس ليس في داره بل في دار # PageV01P313 # السلطان وبنى عليه مصلحته لم يعد متوهما، وإن أمكن أن يكون الرئيس قد ~~أعار مركبه أو ركبه الركابي في شغل، ومن رأى الرئيس أمر غلامه بضرب رجل ~~وكان قد عرف أنه يشتم الرئيس فحمل ضربه على أنه شتمه كان معذورا # ومن رأى ماعزا أقر بالزنا ثم رأى النبي - عليه السلام - قد أمر برجمه ~~فاعتقد أنه أمر برجمه لزناه وروى ذلك كان معذورا ظانا ولم يكن متوهما، ومن ~~عرف شخصا بأنه جاسوس ثم رأى السلطان قد أمر بقتله فحمله عليه لم يكن متوهما ~~فإن قيل: لا بل يكون متوهما، فإنه لو عرف من عادة الرئيس أنه يقابل الإساءة ~~بالإحسان ولا يضرب من يشتمه وعرف من عادة الأمير الإغضاء عن الجاسوس إما ~~استهانة أو استمالة ثم رآه قتل جاسوسا فحكم بأنه قتله لتجسسه فهو متوهم ~~متحكم # أما إذا عرف من عادته ذلك فتكون عادته المطردة علامة شاهدة لحكم ظنه؛ ~~ووزانه من مسألتنا الملائم الذي التفت الشرع إلى مثله وعرف من عادته ملاحظة ~~عينه أو ملاحظة جنسه، وكلامنا في الغريب الذي ليس بملائم ولا مؤثر. # والجواب: أن ههنا ثلاث مراتب: إحداها: أن يعرف أن من عادة الرئيس الإحسان ~~إلى المسيء ومن عادة الأمير الإغضاء عن الجاسوس، فهذا يمنع تعليل الضرب ~~والقتل بالشتم والتجسس، ووزانه أن يعلل الحكم بمناسب أعرض الشرع منه وحكم ~~بنقيض موجبه، ms495 فهذا لا يعول عليه؛ لأن الشرع كما التفت إلى مصالح فقد أعرض ~~عن مصالح فما أعرض عنه لا يعلل به. # والثانية: أن يعرف من عادة الرئيس والأمير ضرب الشاتم وقتل الجاسوس، ~~فوزانه الملائم، وهذا مقبول وفاقا من القائسين، وإنما النظر في رتبة ثالثة، ~~وهو من لم تعرف له عادة أصلا في الشاتم والجاسوس، فنحن نعلم أنه ضرب وقتل ~~غلب على ظنون العقلاء الحوالة عليه وأنه سلك مسلك المكافأة؛ لأن الجريمة ~~تناسب العقوبة. # فإن قيل: لأن أغلب عادة الملوك ذلك والأغلب أن طبائعهم تتقارب قلنا: فليس ~~في هذا إلا الأخذ بالأغلب، وكذلك أغلب عادات الشرع في غير العبادات اتباع ~~المناسبات والمصالح دون التحكمات الجامدة، فتنزيل حكمه عليه أغلب على الظن ~~ويبقى أن يقال لعله حكم بمناسب آخر لم يظهر لنا. # فنقول: ما بحثنا عنه بحسب جهدنا فلم نعثر عليه فهو معدوم في حقنا، ولم ~~يكلف المجتهد غيره، وعليه دلت أقيسة الصحابة والتمسك بالمؤثر والملائم، ~~لقول النبي - عليه السلام - «أرأيت لو تمضمضت؟» معناه: لم لم تفهم أن ~~القبلة مقدمة الوقاع والمضمضة مقدمة الشرب؟ فلو قال عمر: لعلك عفوت عن ~~المضمضة لخاصية في المضمضة أو لمعنى مناسب لم يظهر لي، ولا يتحقق ذلك في ~~القبلة. # لم يقبل منه ذلك وعد ذلك مجادلة. وكذلك قوله: «أرأيت لو كان على أبيك دين ~~فقضيتيه؟» وكذلك كل قياس نقل عن الصحابة وبالجملة إذا فتح باب القياس ~~فالضبط بعده غير ممكن، لكن يتبع الظن، والظن على مراتب وأقواه المؤثر، فإنه ~~لا يعارضه إلا احتمال التعليل بتخصيص المحل، ودونه الملائم، ودونه المناسب ~~الذي لا يلائم، وهو أيضا درجات وإن كان على ضعف، ولكن يختلف باختلاف قوة ~~المناسبة، وربما يورث الظن لبعض المجتهدين في بعض المواضع فلا يقطع ~~ببطلانه. # ولا يمكن ضبط درجات المناسبة أصلا بل لكل مسألة ذوق آخر ينبغي أن ينظر ~~فيه المجتهد، وأما المفهوم فلا يبعد أيضا أن يغلب في بعض المواضع على ظن ~~بعض # PageV01P314 # المجتهدين، وعند ذلك يعسر الوقوف على أن ذلك الظن حصل بمجرد التخصيص ms496 وحده ~~أو به مع قرينة، فلا يبعد أن يقال: هو مجتهد فيه، وليس مقطوعا، فإنه ظهر ~~لنا صيغة العموم بمجردها إذا تجردت عن القرائن أفادت العموم، وليس يفهم ذلك ~~من مجرد لفظ التخصيص، وإن كان يمكن انقداحه في النفس في بعض المواضع فليكن ~~ذلك أيضا في محل الاجتهاد. # وقد خرج على هذا أن المعنى باعتبار الملاءمة وشهادة الأصل المعين أربعة ~~أقسام: ملائم يشهد له أصل معين يقبل قطعا عند القائسين ومناسب لا يلائم، ~~ولا يشهد له أصل معين فلا يقبل قطعا عند القائسين، فإنه استحسان ووضع للشرع ~~بالرأي، ومثاله حرمان القاتل لو لم يرد فيه نص لمعارضته بنقيض قصده، فهذا ~~وضع للشرع بالرأي ومناسب يشهد له أصل معين لكن لا يلائم فهو في محل ~~الاجتهاد وملائم لا يشهد له أصل معين، وهو الاستدلال المرسل، وهو أيضا في ~~محل الاجتهاد، وقد ذكرناه في باب الاستصلاح في آخر القطب الثاني وبينا ~~مراتبه. ### | [القول في المسالك الفاسدة في إثبات علة الأصل] # وهي ثلاثة # الأول: أن نقول: الدليل على صحة علة الأصل سلامتها عن علة تعارضها تقتضي ~~نقيض حكمها، وسلامتها عن المعارضة دليل صحتها. # وهذا فاسد؛ لأنه إن سلم عنه فإنما سلم عن مفسد واحد فربما لا يسلم عن ~~مفسد آخر، وإن سلم عن كل مفسد أيضا لم يدل على صحته، كما لم نسلم شهادة ~~المجهول عن علة قادحة لا يدل على كونه حجة ما لم تقم بينة معدلة مزكية، ~~فكذلك لا يكفي للصحة انتفاء المفسد بل لا بد من قيام الدليل على الصحة. فإن ~~قيل: دليل صحتها انتفاء المفسد. قلنا: لا بل دليل فساده انتفاء المصحح، ~~فهذا منقلب ولا فرق بين الكلامين # المسلك الثاني: الاستدلال على صحتها باطرادها وجريانها في حكمها وهذا لا ~~معنى له إلا سلامتها عن مفسد واحد. وهو النقض فهو كقول القائل زيد عالم؛ ~~لأنه دليل يفسد دعوى العلم، ويعارضه أنه جاهل؛ لأنه لا دليل يفسد دعوى ~~الجهل. # والحق أنه لا يعلم كونه عالما بانتفاء دليل الجهل ولا كونه جاهلا ms497 بانتفاء ~~دليل العلم بل يتوقف فيه إلى ظهور الدليل، فكذلك الصحة والفساد. فإن قيل ~~ثبوت حكمها معها واقترانه بها دليل على كونها علة. # قلنا: غلطتم في قولكم ثبوت حكمها؛ لأن هذه إضافة للحكم لا تثبت إلا بعد ~~قيام الدليل على كونها علة، فإذا لم يثبت لم يكن حكمها بل بحال غلبة الظن ~~عليه كان حكم علته، واقترن بها، والاقتران لا يدل على الإضافة، فقد يلزم ~~الخمر لون وطعم يقترن به التحريم ويطرد وينعكس والعلة الشدة واقترانه بما ~~ليس بعلة كاقتران الأحكام بطلوع كوكب وهبوب ريح، وبالجملة فنصب العلة مذهب ~~يفتقر إلى دليل كوضع الحكم ولا يكفي في إثبات الحكم أنه لا نقض عليه ولا ~~مفسد له بل لا بد من دليل فكذلك العلة. # المسلك الثالث الطرد والعكس وقد قال قوم: الوصف إذا ثبت الحكم معه، وزال ~~مع زواله يدل على أنه علة. # وهو فاسد؛ لأن الرائحة المخصوصة مقرونة بالشدة في الخمر، ويزول التحريم ~~عند زوالها ويتجدد عند تجددها وليس بعلة بل هو مقترن بالعلة، وهذا؛ لأن # PageV01P315 # الوجود عند الوجود طرد محض فزيادة العكس لا تؤثر؛ لأن العكس ليس بشرط في ~~العلل الشرعية فلا أثر لوجوده وعدمه؛ ولأن زواله عند زواله يحتمل أن يكون ~~لملازمته للعلة كالرائحة أو لكونه جزءا من أجزاء العلة وشرطا من شروطها ~~والحكم ينفي بعض شروط العلة وبعض أجزائها فإذا تعارضت الاحتمالات فلا معنى ~~للتحكم، وعلى الجملة فنسلم أن ما ثبت الحكم بثبوته فهو علة، فكيف إذا انضم ~~إليه أنه زال بزواله؟ أما ما ثبت مع ثبوته وزال مع زواله فلا يلزم كونه ~~علة، كالرائحة المخصوصة مع الشدة. # أما إذا انضم إليه سبر وتقسيم كان ذلك حجة كما لو قال: هذا الحكم لا بد ~~له من علة؛ لأنه حدث بحدوث حادث ولا حادث يمكن أن يعلل به إلا كذا، وكذا ~~وقد بطل الكل إلا هذا فهو العلة، ومثل هذا السبر حجة في الطرد المحض وإن لم ~~ينضم إليه العكس. ولا يرد على هذا إلا أنه ربما شذ ms498 عنه وصف آخر هو العلة، ~~ولا يجب على المجتهد إلا سبر بحسب وسعه، ولا يجب على الناظر غير ذلك وعلى ~~من يدعي وصفا آخر إبرازه حتى ينظر فيه. # فإن قيل: فما معنى إبطالكم التمسك بالطرد والعكس وقد رأيتم تصويب ~~المجتهدين، وقد غلب هذا على ظن قوم؟ فإن قلتم لا يجوز لهم الحكم به فمحال ~~إذ ليس على المجتهد إلا الحكم بالظن، وإن قلتم لم يغلب على ظنهم فمحال؛ لأن ~~هذا قد غلب على ظن قوم لولاه لما حكموا به. # قلنا: أجاب القاضي - رحمه الله - عن هذا بأن قال: نعني بإبطاله أنه باطل ~~في حقنا؛ لأنه لم يصح عندنا ولم يغلب على ظننا، أما من غلب على ظنه فهو ~~صحيح في حقه. # وهذا فيه نظر عندي؛ لأن المجتهد مصيب إذا استوفى النظر وأتمه، وأما إذا ~~قضى بسابق الرأي وبادئ الوهم فهو مخطئ، فإن سبر وقسم فقد أتم النظر وأصاب. # أما حكمه قبل السبر والتقسيم بأن ما اقترن بشيء ينبغي أن يكون علة فيه ~~تحكم ووهم، إذ تمام دليله أن ما اقترن بشيء فهو علته وهذا قد اقترن به فهو ~~إذا علته، والمقدمة الأولى منقوضة بالطم والرم فإذا كأنه لم ينظر ولم يتمم ~~النظر ولم يعثر على مناسبة العلة ولم يتوصل إليه بالسبر والتقسيم. # ومن كشف هذا لم يبق له غلبة ظن بالطرد المجرد إلا أن يكون جاهلا ناقص ~~الرتبة عن درجة المجتهدين، ومن اجتهد وليس أهلا له فهو مخطئ، وليس كذلك ~~عندي المناسب الغريب واستدلال المرسل فإن ذلك مما يوجب الظن لبعض المجتهدين ~~وليس يقوم فيه دليل قاطع، من عرفه محق ظنه بخلاف الطرد المجرد الذي ليس معه ~~سبر وتقسيم. # هذا تمام القول في قياس العلة، ولنشرع في قياس الشبه. ### | [الباب الثالث في قياس الشبه وفيه أطراف] ### | [الطرف الأول في حقيقة الشبه وأمثلته] # الباب الثالث: في قياس الشبه # ويتعلق النظر في هذا الباب بثلاثة أطراف # الطرف الأول: في حقيقة الشبه وأمثلته وتفصيل المذاهب فيه وإقامة الدليل ~~على صحته أما حقيقته فاعلم ms499 أن اسم الشبه يطلق على كل قياس، فإن الفرع يلحق ~~بالأصل بجامع يشبهه فيه فهو إذا يشبهه، وكذلك اسم الطرد؛ لأن الاطراد شرط ~~كل علة جمع فيها بين الفرع والأصل. # ومعنى الطرد السلامة عن النقض لكن العلة الجامعة إن كانت مؤثرة أو مناسبة ~~عرفت بأشرف صفاتها وأقواها وهو التأثير والمناسبة دون الأخس الأعم الذي هو ~~الاطراد والمشابهة، فإن لم يكن للعلة خاصية إلا الاطراد الذي هو أعم أوصاف ~~العلل وأضعفها في الدلالة على الصحة خص باسم الطرد لا لاختصاص الاطراد بها ~~لكن؛ لأنه لا # PageV01P316 # خاصية لها سواه، فإن انضاف إلى الاطراد زيادة ولم ينته إلى درجة المناسب ~~والمؤثر سمي شبها وتلك الزيادة هي مناسبة الوصف الجامع لعلة الحكم، وإن لم ~~يناسب نفس الحكم # بيانه أنا نقدر أن لله تعالى في كل حكم سرا، وهو مصلحة مناسبة للحكم، ~~وربما لا يطلع على عين تلك المصلحة لكن يطلع على وصف يوهم الاشتمال على تلك ~~المصلحة، ويظن أنه مظنتها، وقالبها الذي يتضمنها وإن كنا لا نطلع على عين ~~السر، فالاجتماع في ذلك الوصف الذي يوهم الاجتماع في المصلحة الموجبة للحكم ~~يوجب الاجتماع في الحكم # ويتميز عن المناسب بأن المناسب هو الذي يناسب الحكم ويتقاضاه بنفسه ~~كمناسبة الشدة للتحريم، ويتميز عن الطرد بأن الطرد لا يناسب الحكم ولا ~~المصلحة المتوهمة للحكم بل نعلم أن ذلك الجنس لا يكون مظنة المصالح ~~وقالبها، كقول القائل: الخل مائع لا تبنى القنطرة على جنسه فلا يزيل ~~النجاسة كالدهن، وكأنه علل إزالة النجاسة بالماء بأنه تبنى القنطرة على ~~جنسه واحترز من الماء القليل، فإنه وإن كان لا تبنى القنطرة عليه فإنه تبنى ~~على جنسه، فهذه علة مطردة لا نقض عليها ليس فيها خصلة سوى الاطراد # ونعلم أنه لا يناسب الحكم ولا يناسب العلة التي تقتضي الحكم بالتضمن لها ~~والاشتمال عليها، فإنا نعلم أن الماء جعل مزيلا للنجاسة لخاصية وعلة وسبب ~~يعلمه الله تعالى وإن لم نعلمها، ونعلم أن بناء القنطرة مما لا يوهم ~~الاشتمال عليها ولا يناسبها، فإذا معنى ms500 التشبيه الجمع بين الفرع والأصل ~~بوصف مع الاعتراف بأن ذلك الوصف ليس علة للحكم بخلاف قياس العلة فإنه جمع ~~بما هو علة الحكم، فإن لم يرد الأصوليون بقياس الشبه هذا الجنس فلست أدري ~~ما الذي أرادوا وبم فصلوه عن الطرد المحض، وعن المناسب وعلى الجملة فنحن ~~نريد هذا بالشبه، فعلينا الآن تفهيمه بالأمثلة وإقامة الدليل على صحته. # أما أمثلة قياس الشبه فهي كثيرة، ولعل جل أقيسة الفقهاء ترجع إليها، إذ ~~يعسر إظهار تأثير العلل بالنص والإجماع والمناسبة المصلحية. # المثال الأول: قول أبي حنيفة مسح الرأس لا يتكرر " تشبيها له بمسح الخف ~~والتيمم، والجامع أنه مسح فلا يستحب فيه التكرار قياسا على التيمم ومسح ~~الخف. # ولا مطمع فيما ذكره أبو زيد من تأثير المسح، فإنه أورد هذا مثالا للقياس ~~المؤثر، وقال: ظهر تأثير المسح في التخفيف في الخف والتيمم، فهو تعليل ~~بمؤثر وقد غلط فيه إذ ليس يسلم الشافعي أن الحكم في الأصل معلل بكونه مسحا ~~بل لعله تعبد ولا علة له أو معلل بمعنى آخر مناسب لم يظهر لنا. # والنزاع واقع في علة الأصل، وهو أن مسح الخف لم لا يستحب تكراره، أيقال ~~إنه تعبد لا يعلل؟ ؛ أو لأن تكراره يؤدي إلى تمزيق الخف؟ ؛ أو لأنه وظيفة ~~تعبدية تمرينية لا تفيد فائدة الأصل إذ لا نظافة فيه لكن وضع لكي لا تركن ~~النفس إلى الكسل؟ ؛ أو لأنه وظيفة على بدل محل الوضوء لا على الأصل؟ فمن ~~سلم أن العلة المؤثرة في الأصل هي المسح يلزمه فالشافعي يقول: أصل يؤدى ~~بالماء فيتكرر كالأعضاء الثلاثة، فكأنه يقول: هي إحدى الوظائف الأربع في ~~الوضوء؛ فالأشبه التسوية بين الأركان الأربعة، ولا يمكن ادعاء التأثير ~~والمناسبة في العلتين على المذهبين، ولا ينكر تأثير كل واحد من الشبهين في ~~تحريك الظن إلى أن يترجح. # المثال الثاني: قال الشافعي - رحمه الله - # PageV01P317 # في مسألة النية طهارتان فكيف يفترقان؟ وقد يقال: طهارة موجبها في غير محل ~~موجبها فتفتقر إلى النية كالتيمم وهذا يوهم الاجتماع في مناسب هو مأخذ ~~النية ms501 وأن يطلع على ذلك المناسب. # المثال الثالث: تشبيه الأرز والزبيب بالتمر والبر لكونهما مطعومين أو ~~قوتين، فإن ذلك إذا قوبل بالتشبيه بكونهما مقدرين أو مكيلين ظهر الفرق، إذ ~~يعلم أن الربا ثبت لسر ومصلحة والطعم والقوت وصف ينبئ عن معنى به قوام ~~النفس، والأغلب على الظن أن تلك المصلحة في ضمنهما لا في ضمن الكيل الذي هو ~~عبارة عن تقدير الأجسام. # والمثال الرابع: تعليلنا وجوب الضمان في يد السوم بأنه أخذ لغرض نفسه من ~~غير استحقاق ونعديه إلى يد العارية، وتعليل أبي حنيفة بأنه أخذ على جهة ~~الشراء والمأخوذ على جهة الشراء كالمأخوذ على حقيقته ويعديه إلى الرهن، فكل ~~واحدة من العلتين ليست مناسبة ولا مؤثرة إذ لم يظهر بالنص أو الإجماع إضافة ~~الحكم إلى هذين الوصفين في غير يد السوم، وهو في يد السوم متنازع فيه. # المثال الخامس: قولنا: إن قليل أرش الجناية يضرب على العاقلة؛ لأنه بدل ~~الجناية على الآدمي كالكثيرة، فإنا نقول: ثبت ضرب الدية وضرب أرش اليد ~~والأطراف ونحن لا نعرف معنى مناسبا يوجب الضرب على العاقلة فإنه على خلاف ~~المناسب، لكن يظن أن ضابط الحكم الذي تميز به عن الأموال هو أنه بدل ~~الجناية على الآدمي فهو مظنة المصلحة التي غابت عنا. # المثال السادس: قولنا في مسألة التبييت: إنه صوم مفروض فافتقر إلى ~~التبييت كالقضاء، وهم يقولون: صوم عين فلا يفتقر إلى التبييت كالتطوع، وكأن ~~الشرع رخص في التطوع ومنع من القضاء، فظهر لنا أن فاصل الحكم هو الفرضية ~~فهذا وأمثاله مما يكثر شبهه، ربما ينقدح لبعض المنكرين للشبه في بعض هذه ~~الأمثلة إثبات العلة بتأثير أو مناسبة أو بالتعرض للفارق وإسقاط أثره ~~فيقول: هي مأخذ الذي ظهر لهذا الناظر، وعند انتفائه يبقى ما ذكرناه من ~~الإيهام وهو كتقديرنا في تمثيل المناسب بإسكار الخمر عدم ورود الإيماء في ~~قوله تعالى: {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء} [المائدة: ~~91] والمقصود أن المثال ليس مقصودا في نفسه؛ فإن انقدح في بعض الصور معنى ~~زائد على الإيهام ms502 المذكور فليقدر انتفاؤه هذا حقيقة الشبه وأمثلته. # وأما إقامة الدليل على صحته فهو أن الدليل إما أن يطلب من المناظر أو ~~يطلبه المجتهد من نفسه، والأصل هو المجتهد، وهذا الجنس مما يغلب على ظن بعض ~~المجتهدين وما من مجتهد يمارس النظر في مأخذ الأحكام إلا ويجد ذلك من نفسه ~~فمن أثر ذلك في نفسه حتى غلب ذلك على ظنه فهو كالمناسب ولم يكلف إلا غلبة ~~الظن فهو صحيح في حقه، ومن لم يغلب ذلك على ظنه فليس له الحكم به. # وليس معنا دليل قاطع يبطل الاعتماد على هذا الظن بعد حصوله بخلاف الطرد ~~على ما ذكرناه. # أما المناظر فلا يمكنه إقامة الدليل عليه على الخصم المنكر؛ فإنه إن خرج ~~إلى طريق السبر والتقسيم كان ذلك طريقا مستقلا لو ساعد مثله في الطرد لكان ~~دليلا، وإذا لم يسبر فطريقه أن يقول: هذا يوهم الاجتماع في مأخذ الحكم ~~ويغلب على الظن والخصم يجاحد إما معاندا جاحدا، وإما صادقا من حيث إنه لا ~~يوهم عنده ولا يغلب على ظنه وإن غلب على ظن خصمه، والمجتهدون الذين أفضى ~~بهم النظر إلى أن هذا الجنس مما يغلب على الظن لا ينبغي أن يصطلحوا في ~~المناظرة على فتح باب المطالبة # PageV01P318 # أصلا كما فعله القدماء من الأصحاب، فإنهم لم يفتحوا هذا الباب، واكتفوا ~~من العلل بالجمع بين الفرع والأصل بوصف جامع كيف كان، وأخرجوا المعترض إلى ~~إفساده بالنقض أو الفرق أو المعارضة؛ لأن إضافة وصف آخر من الأصل إلى ما ~~جعله علة الأصل وإبداء ذلك في معرض قطع الجمع أهون من تكليف إقامة الدليل ~~على كونه مغلبا على الظن، فإن ذلك يفتح طريق النظر في أوصاف الأصل، ~~والمطالبة تحسم سبيل النظر وترهق إلى ما لا سبيل فيه إلى إرهاق الخصم ~~وإفحامه، والجدل شريعة وضعها الجدليون فليضعوها. # على وجه هو أقرب إلى الانتفاع. # فإن قيل: وضعها كذلك يفتح باب الطرديات المستقبحة وذلك أيضا شنيع. # قلنا الطرد الشنيع يمكن إفساده على الفور بطريق أقرب من المطالبة، فإنه ~~إذا علل ms503 الأصل بوصف مطرد يشمل الفرع فيعارض بوصف مطرد يخص الأصل ولا يشمل ~~الفرع فيكون ذلك معارضة الفاسد بالفاسد، وهو مسكت معلوم على الفور ~~والاصطلاح عليه كما فعله قدماء الأصحاب أولى، بل لا سبيل إلى الاصطلاح على ~~غيره لمن يقول بالشبه، فإن لم يستحسن هذا الاصطلاح فليقع الاصطلاح على أن ~~يسبر المعلل أوصاف الأصل، ويقول لا بد للحكم من مناط وعلامة ضابطة ولا علة ~~ولا مناط إلا كذا، وكذا وما ذكرته أولى من غيره أو ما ذكرته فهو منقوض ~~وباطل، فلا يبقى عليه سؤال إلا أن يقول مناط الحكم في محل النص الاسم أو ~~المعنى الذي يخص المحل كقوله الحكم في البر معلوم باسم البر، فلا حاجة إلى ~~علامة أخرى، وفي الدراهم والدنانير معلوم بالنقدية التي تخصها؛ أو يقول ~~مناط الحكم وصف آخر لا أذكره ولا يلزمني أن أذكره وعليك تصحيح علة نفسك. # وهذا الثاني مجادلة محرمة محظورة، إذ يقال له: إن لم يظهر لك إلا ما ظهر ~~لي لزمك ما لزمني بحكم استفراغ الوسع في السبر، وإن ظهر لك شيء آخر يلزمك ~~التنبيه عليه بذكره حتى أنظر فيه فأفسده أو أرجح علتي على علتك فإن قال: هو ~~اسم البر أو النقدية، فذلك صحيح مقبول، وعلى المعلل أن يفسد ما ذكره بأن ~~يقول: ليس المناط اسم البر بدليل أنه إذا صار دقيقا أو عجينا أو خبزا دام ~~حكم الربا وزال اسم البر فدل أن علامة الحكم أمر يشترط فيه هذه الأحوال من ~~طعم أو قوت أو كيل، والقوت لا يشهد له الملح فالطعم الذي يشهد له الملح ~~أولى والكيل ينبئ عن معنى يشعر بتضمن المصالح بخلاف الطعم، فهكذا نأخذ من ~~الترجيح ونتجاذب أطراف الكلام؛ فإذا الطريق إما اصطلاح القدماء وإما ~~الاكتفاء بالسبر. # وإما إبطال القول بالشبه رأسا والاكتفاء بالمؤثر الذي دل النص أو الإجماع ~~أو السبر القاطع على كونه مناطا للحكم ويلزم منه أيضا ترك المناسب وإن كان ~~ملائما فكيف إذا كان غريبا، فإن للخصم أن يقول: إنما غلب على ظنك ms504 مناسبته ~~من حيث لم تطلع على مناسب أظهر وأشد إخالة مما اطلعت عليه، وما أنت إلا كمن ~~رأى إنسانا أعطى فقيرا شيئا فظن أنه أعطاه لفقره؛ لأنه لم يطلع على أنه ~~ابنه ولو اطلع لم يظن ما ظنه، وكمن رأى ملكا قتل جاسوسا فظن أنه قتله لذلك ~~ولم يعلم أنه دخل على حريمه وفجر بأهله، ولو علم لما ظن ذلك الظن، فإن قبل ~~من المتمسك بالمناسب أن يقول هذا ظني بحسب سبري وجهدي واستفراغ وسعي فليقبل ~~ذلك من المشبه بل من الطارد ويلزم إبداء ما هو أظهر منه حتى يمحق ظنه. # وهذا تحقيق قياس الشبه وتمثيله ودليله # PageV01P319 # أما تفصيل المذاهب فيه ونقل الأقاويل المختلفة في تفهيمه فقد آثرت ~~الإعراض عنه لقلة فائدته، فمن عرف ما ذكرناه لم يخف عليه غور ما سواه ومن ~~طلب الحق من أقاويل الناس دار رأسه وحار عقله، وقد استقصيت ذلك في تهذيب ~~الأصول. ### | [الطرف الثاني في بيان التدريج في منازل هذه الأقيسة من أعلاها إلى أدناها] # وأدناها الطرد الذي ينبغي أن ينكره كل قائل بالقياس وأعلاها ما في معنى ~~الأصل الذي ينبغي أن يقر به كل منكر للقياس. # وبيانه أن القياس أربعة أنواع: المؤثر؛ ثم المناسب، ثم الشبه، ثم الطرد. # والمؤثر يعرف كونه مؤثرا بنص أو إجماع أو سبر حاصر، وأعلاها المؤثر وهو ~~ما ظهر تأثيره في الحكم أي الذي عرف إضافة الحكم إليه، وجعله مناطا، وهو ~~باعتبار النظر إلى عين العلة وجنسها وعين الحكم وجنسه أربعة؛ لأنه إما أن ~~يظهر تأثير عينه في عين ذلك الحكم أو تأثير عينه في جنس ذلك الحكم أو تأثير ~~جنسه في جنس ذلك الحكم أو تأثير جنسه في عين ذلك الحكم، فإن أظهر تأثير ~~عينه في عين ذلك الحكم فهو الذي يقال له: إنه في معنى الأصل وهو المقطوع به ~~الذي ربما يعترف به منكرو القياس إذ لا يبقي الفرع والأصل مباينة إلا تعدد ~~المحل، فإنه إذا ظهر أن عين السكر أثر في تحريم عين الشرب في الخمر ms505 فالنبيذ ~~ملحق به قطعا وإذا ظهر أن علة الربا في التمر الطعم فالزبيب ملحق به قطعا ~~إذ لا يبقى إلا اختلاف عدد الأشخاص التي هي مجاري المعنى، ويكون ذلك كظهور ~~أثر الوقاع في إيجاب الكفارة على الأعرابي إذ يكون الهندي والتركي في ~~معناه. # الثاني في المرتبة: أن يظهر تأثير عينه في جنس ذلك الحكم لا في عينه ~~كتأثير أخوة الأب والأم في التقديم في الميراث فيقاس عليه ولاية النكاح، ~~فإن الولاية ليست هي عين الميراث. # لكن بينهما مجانسة في الحقيقة فإن هذا حق وذلك حق فهذا دون الأول؛ لأن ~~المفارقة بين جنس وجنس غير بعيد بخلاف المفارقة بين محل ومحل لا يفترقان ~~أصلا فيما يتوهم أن له مدخلا في التأثير. # الثالث في المرتبة: أن يؤثر جنسه في عين ذلك الحكم، كإسقاط قضاء الصلاة ~~عن الحائض تعليلا بالحرج والمشقة، فإنه ظهر تأثير جنس الحرج في إسقاط قضاء ~~الصلاة كتأثير مشقة السفر في إسقاط قضاء الركعتين الساقطتين بالقصر، وهذا ~~هو الذي خصصناه باسم الملائم، وخصصنا اسم المؤثر بما ظهر تأثير عينه. # الرابع في المرتبة: ما ظهر تأثير جنسه في جنس ذلك الحكم، وهو الذي سميناه ~~المناسب الغريب؛ لأن الجنس الأعم للمعاني كونها مصلحة والمناسب مصلحة، وقد ~~ظهر أثر المصالح في الأحكام إذ عهد من الشرع الالتفات إلى المصالح، فلأجل ~~هذا الاستمداد العام من ملاحظة الشرع جنس المصالح اقتضى ظهور المناسبة ~~تحريك الظن، ولأجل شمة من الالتفات إلى عادة الشرع أيضا أفاد الشبه الظن؛ ~~لأنه عبارة عن أنواع من الصفات عهد من الشرع ضبط الأحكام بجنسها، ككون ~~الصيام فرضا في مسألة التثبيت وككون الطهارة تعبدا موجبها في غير محل ~~موجبها وكون الواجب بدل الجناية على الآدمي في مسألة ضرب القليل على ~~العاقلة بخلاف بناء القنطرة على الماء وأمثاله من الصفات فإن الشرع لم ~~يلتفت إلى جنسه، والمألوف من عادة الشرع هو الذي يعرف مقاصد الشرع، والعادة ~~تارة تثبت في جنس وتارة تثبت في عين. # ثم للجنسية أيضا مراتب بعضها # PageV01P320 # أعم من بعض وبعضها ms506 أخص وإلى العين أقرب، فإن أعم أوصاف الأحكام كونه حكما ~~تنقسم إلى تحريم وإيجاب وندب وكراهة، والواجب مثلا ينقسم إلى عبادة، ~~والعبادة تنقسم إلى صلاة وغير صلاة، والصلاة تنقسم إلى فرض ونفل وما ظهر ~~تأثيره في الفرض أخص مما ظهر تأثيره في الصلاة وما ظهر تأثيره في الصلاة ~~أخص مما ظهر تأثيره في العبادة وما ظهر تأثيره في العبادة أخص مما ظهر في ~~جنس الواجبات وما ظهر في جنس الواجبات أخص مما ظهر في جنس الأحكام، وكذلك ~~في جانب المعنى أعم أوصافه أن يكون وصفا تناط الأحكام بجنسه حتى يدخل فيه ~~الأشباه، وأخص منه كونه مصلحة حتى يدخل فيه المناسب دون الشبه، وأخص منه أن ~~يكون مصلحة خاصة كالردع والزجر أو معنى سد الحاجات أو معنى حفظ العقل ~~بالاحتراز عن المسكرات، فليس كل جنس على مرتبة واحدة؛ فالأشباه أضعفها؛ ~~لأنها لا تعتضد بالعادة المألوفة إلا من حيث إنه من جنس الأوصاف التي قد ~~يضبط الشرع الأحكام بها؛ وأقواها المؤثر الذي ظهر أثر عينه في عين الحكم، ~~فإن قياس الثيب الصغيرة على البكر الصغيرة في ولاية التزويج ربما كان أقرب ~~من بعض الوجوه من قياسه على ولاية المال فإن الصغر. # إن أثر في ولاية المال فولاية البضع جنس آخر، فإذا ظهر أثره في حق الابن ~~الصغير في نفس ولاية النكاح ربما كان أقرب من بعض الوجوه من قياسه على ~~ولاية المال فقد عرفت بهذا أن الظن ليس يتحرك والنفس ليست تميل إلا ~~بالالتفات إلى عادة الشرع في التفات الشرع إلى عين ذلك المعنى أو جنسه في ~~عين ذلك الحكم أو جنسه، وأن للجنسية درجات متفاوتة في القرب والبعد لا ~~تنحصر فلأجل ذلك تتفاوت درجات الظن والأعلى مقدم على الأسفل والأقرب مقدم ~~على الأبعد في الجنسية، ولكل مسألة ذوق مفرد ينظر فيه المجتهد، ومن حاول ~~حصر هذه الأجناس في عدد وضبط فقد كلف نفسه شططا لا تتسع له قوة البشر، وما ~~ذكرناه هو النهاية في الإشارة إلى الأجناس ومراتبها وفيه مقنع وكفاية. ms507 # تنبيه آخر على خواص الأقيسة: # اعلم أن المؤثر من خاصيته أن يستغني عن السبر والحصر فلا يحتاج إلى نفي ~~ما عداه؛ لأنه لو ظهر في الأصل مؤثر آخر لم يطرح بل يجب التعليل بهما، فإن ~~الحيض والردة والعدة قد تجتمع على امرأة ويعلل تحريم الوطء بالجميع؛ لأنه ~~قد ظهر تأثير كل واحد على الانفراد بإضافة الشرع التحريم إليه. # أما المناسب فلم يثبت إلا بشهادة المناسبة وإثبات الحكم على وفقه، فإذا ~~ظهرت مناسبة أخرى انمحقت الشهادة الأولى، كما في إعطاء الفقير القريب، فإنا ~~لا ندري أنه أعطى للفقر أو للقرابة أو لمجموع الأمرين، فلا يتم نظر المجتهد ~~في التعليل بالمناسب ما لم يعتقد نفي مناسب آخر أقوى، ولم يتوصل بالسبر ~~إليه أما المناظر فينبغي أن يكتفى منه بإظهار المناسبة ولا يطالب بالسبر؛ ~~لأن المناسبة تحرك الظن إلا في حق من اطلع على مناسب آخر فيلزم المعترض ~~إظهاره إن اطلع عليه، وإلا فليعترض بطريق آخر فهذا فرق ما بين المناسب ~~والمؤثر. # وأما الشبه فمن خاصيته أنه يحتاج إلى نوع ضرورة في استنباط مناط الحكم؛ ~~فإن لم تكن ضرورة فقد ذهب ذاهبون إلى أنه لا يجوز اعتباره. # وليس هذا بعيدا عندي في أكثر المواضع، فإنه إذا أمكن قصر # PageV01P321 # الحكم على المحل وكان المحل المنصوص عليه معرفا بوصف مضبوط فأي حاجة إلى ~~طلب ضابط آخر ليس بمناسب؟ فكان تمام النظر في الشبه بأن يقال: لا بد من ~~علامة ولا علامة أولى من هذا فإذا هو العلامة، كما تقول: الربا جار في ~~الدقيق والعجين فلم ينضبط باسم البر فلا بد من ضابط ولا ضابط أولى من ~~الطعم، والضرب على العاقلة ورد في النفس والطرف وفارق المال فلا بد من ضابط ~~ولا ضابط إلا أنه بدل الجناية على الآدمي، وهذا يجري في القليل. # والتطوع يستغني عن التبييت، والقضاء لا يستغني، والأداء دائر بينهما، ولا ~~بد من فاصل للقسمين والفرضية أولى الفواصل، وهذا بخلاف المناسب، فإنه يجذب ~~الظن ويحركه، وإن لم يكن إلى طلب العلة ضرورة. # فإن ms508 قيل فإذا تحققت الضرورة حتى جاز أن يقال لا بد من علامة وتم السبر ~~حتى لم تظهر علامة إلا الطرد المحض الذي لا يوهم جاز القياس به أيضا فإنه ~~خاصية تنفي الشبه وإيهام الاشتمال على مخيل. # قلنا: لهذا السؤال قال قائلون: لا تشترط هذه الضرورة في الشبه كما في ~~المناسب، فإن شرطناه فيكاد لا يبقى بين الشبه والطرد من حيث الذات فرق لكن ~~من حيث الإضافة إلى القرب والبعد، فإن جعلنا الطرد عبارة عما بعد عن ذات ~~الشيء كبناء القنطرة فيقضي بادي الرأي ببطلانه؛ لأنه يظهر سواه على البديهة ~~صفات هي أحرى بتضمن حكم المصلحة فيه فيكون فساده لظهور ما هو أقرب منه لا ~~لذاته. # وعلى الجملة فمهما ظهر الأقرب والأخص امحق الظن الحاصل بالأبعد، وقد يكون ~~ظهور الأقرب بديهيا لا يحتاج إلى تأمل فيصير بطلان الأبعد بديهيا فيظن أنه ~~لذاته، وإنما هو لانمحاق الظن به من حيث وجد ما هو أقرب، وقد بينا أن ضبط ~~هذا الجنس بالضوابط الكلية عسير بل للمجتهد في كل مسألة ذوق يختص بها ~~فلنفوض ذلك إلى رأي المجتهد، وإنما القدر الذي قطعنا به في إبطال الطرد أن ~~مجرد كون الحكم مع الوصف لا يحرك الظن للتعليل به ما لم يستمد من شمة إخالة ~~أو مناسبة أو إيهام مناسبة أو سبر وحصر مع ضرورة طلب مناط، وقد ينطوي الذهن ~~على معنى تلك الضرورة والسبر وإن لم يشعر صاحبه بشعور نفسه به، فإن الشعور ~~بالشيء غير الشعور بالشعور، فلو قدر تجرده عن هذا الشعور لم يحرك ظن عاقل ~~أصلا. ### | [الطرف الثالث في بيان ما يظن أنه من الشبه المختلف فيه وليس فيه وليس منه] # ، وهي ثلاثة أقسام: # الأول: ما عرف منه مناط الحكم قطعا وافتقر إلى تحقيق المناط، مثاله طلب ~~الشبه في جزاء الصيد، وبه فسر بعض الأصوليين الشبه؛ وهذا خطأ؛ لأن صحة ذلك ~~مقطوع به؛ لأنه قال: {فجزاء مثل ما قتل من النعم} [المائدة: 95] فعلم أن ~~المطلوب هو المثل، وليس في النعم ما يماثل الصيد ms509 من كل وجه، فعلم أن المراد ~~به الأشبه الأمثل فوجب طلبه كما أوجب الشرع مهر المثل وكفاية المثل في ~~الأقارب، ولا سبيل إلى المقايسة بينها وبين نساء العشيرة وبين شخص القريب ~~المكفي في السن والحال والشخص وبين سائر الأشخاص لتعرف الكفاية، فذلك مقطوع ~~به فكيف يمثل به الشبه المختلف فيه الذي يصعب الدليل على إثباته؟ # PageV01P322 # القسم الثاني: ما عرف منه مناط الحكم ثم اجتمع مناطان متعارضان في موضع ~~واحد فيجب ترجيح أحد المناطين ضرورة فلا يكون ذلك من الشبه، مثاله: أن بدل ~~المال غير مقدر، وبدل النفس مقدر والعبد نفس كالحر ومال كالفرس فإما أن ~~يقدر بدله أو لا يقدر، فتارة يشبه بالفرس وتارة بالحر، وذلك يظهر في ترجيح ~~أحد المعنيين على الآخر وقد ظهر كون المعنيين من مناط الحكم، وإنما المشكل ~~من الشبه جعل الوصف الذي لا يناسب مناطا مع أن الحكم لم يضف إليه، وههنا ~~بالاتفاق الحكم ينضاف إلى هذين المناطين. # القسم الثالث: لم يوجد فيه كل مناط على الكمال لكن تركبت الواقعة من ~~مناطين وليس يتمحض أحدهما فيحكم فيه بالأغلب، مثاله: أن اللعان مركب من ~~الشهادة واليمين وليس بيمين محض؛ لأن يمين المدعي لا تقبل، والملاعن مدع ~~وليس بشهادة؛ لأن الشاهد يشهد لغيره، وهو إنما يشهد لنفسه، وفي اللعان لفظ ~~اليمين والشهادة؛ فإذا كان العبد من أهل اليمين لا من أهل الشهادة وتردد في ~~أنه هل هو من أهل اللعان وبان لنا غلبة إحدى الشائبتين فلا ينبغي أن يختلف ~~في أن الحكم به واجب وليس من الشبه المختلف فيه وكذلك الظهار لفظ محرم، وهو ~~كلمة زور فيدور بين القذف والطلاق، وزكاة الفطر تردد بين المؤنة والقربة، ~~والكفارة تردد بين العبادة والعقوبة وفي مشابههما. # فإذا تناقض حكم الشائبتين، ولا يمكن إخلاء الواقعة عن أحد الحكمين، وظهر ~~دليل على غلبة إحدى الشائبتين ولم يظهر معنى مناسب في الطرفين فينبغي أن ~~يحكم بالأغلب الأشبه. # وهذا أشبه هذه الأقسام الثلاثة بمأخذ الشبه، فإنا نظن أن العبد ممنوع من ~~الشهادة لسر فيه ms510 مصلحة وممكن من اليمين لمصلحة، وأشكل الأمر في اللعان وبان ~~أن إحدى الشائبتين أغلب فيكون الأغلب على ظننا بقاء تلك المصلحة المودعة ~~تحت المعنى الأغلب. # فإن قيل: وبم يعلم المعنى الأغلب المعين؟ قلنا: تارة بالبحث عن حقيقة ~~الذات، وتارة بالأحكام وكثرتها، أو تارة بقوة بعض الأحكام وخاصيته في ~~الدلالة؛ وهو مجال نظر المجتهدين، وإنما يتولى بيانه الفقيه دون الأصولي. # والغرض أنه إذا سلم أن أحد المناطين أغلب وجب الاعتراف بالحكم بموجبه؛ ~~لأنه إما أن يخلي عن أحد الحكمين المتناقضين وهو محال أو يحكم بالمغلوب أو ~~بالغالب فيتعين الحكم بالغالب، فكيف يلحق هذا بالشبه المشكل المختلف فيه؟ ~~نعم لو دار الفرع بين أصلين وأشبه أحدهما وصف ليس مناطا وأشبه الآخر في ~~وصفين ليسا مناطين، فهذا من قبيل الحكم بالشبه والإلحاق بالأشبه، والأمر ~~فيه إلى المجتهد، فإن غلب على ظنه أن المشاركة في الوصفين توهم المشاركة في ~~المصلحة المجهولة عنده التي هي مناط الحكم عند الله تعالى، وكان ذلك أغلب ~~في نفسه من مشاركة الأصل الآخر الذي لم يشبهه إلا في صفة واحدة فحكم هنا ~~بظنه فهذا من قبيل الحكم بالشبه، أما كل وصف ظهر كونه مناطا للحكم فاتباعه ~~من قبيل، قياس العلة لا من قبيل قياس الشبه. # هذا ما أردنا ذكره في قياس الشبه وكان القول فيه من تتمة الباب الثاني؛ ~~لأنه نظر في طريق إثبات علة الأصل، لكنا أفردناه بباب لكي لا يطول الكلام ~~في الباب الأول. وإذ فرغنا من طريق إثبات العلل فلا بد من بيان أركان ~~القياس وشروطه بعد ذلك # PageV01P323 ### | [الباب الرابع في أركان القياس وشروط كل ركن] ### | [الركن الأول للقياس] # الباب الرابع في أركان القياس وشروط كل ركن # وأركانه أربعة: الأصل، والفرع، والعلة والحكم فلنميز القول في شرط كل ركن ~~ليكون أقرب إلى الضبط # الركن الأول: وهو الأصل وله شروط ثمانية الشرط الأول: أن يكون حكم الأصل ~~ثابتا فإنه إن أمكن توجيه المنع عليه لم ينتفع به الناظر ولا المناظر قبل ~~إقامة الدليل على ثبوته. # الثاني: أن ms511 يكون الحكم ثابتا بطريق سمعي شرعي، إذ ما ثبت بطريق عقلي أو ~~لغوي لم يكن حكما شرعيا، والحكم اللغوي والعقلي لا يثبت قياسا عندنا كما ~~ذكرناه في كتاب أساس القياس # الثالث: أن يكون الطريق الذي به عرف كون المستنبط من الأصل علة سمعا؛ لأن ~~كون الوصف علة حكم شرعي ووضع شرعي. # الرابع: أن لا يكون الأصل فرعا لأصل آخر بل يكون ثبوت الحكم فيه بنص أو ~~إجماع فلا معنى لقياس الذرة على الأرز ثم قياس الأرز على البر؛ لأن الوصف ~~الجامع إن كان موجودا في الأصل الأول كالطعم مثلا فتطويل الطريق عبث، إذ ~~ليست الذرة بأن تجعل فرعا للأرز أولى من عكسه؛ وإن لم يكن موجودا في الأصل ~~فبم يعرف كون الجامع علة؟ وإنما يعرف كون الشبه والمناسب علة بشهادة الحكم ~~وإثباته على وفق المعنى، فإذا لم يكن الحكم منصوصا عليه أو مجمعا عليه لم ~~يصلح لأن يستدل به على ملاحظة المعنى المقرون به؛ لأن ذلك يؤدي في قياس ~~الشبه إلى أن يشبه بالفرع الثالث رابع وبالرابع خامس فينتهي الأخير إلى حد ~~لا يشبه الأول، كما لو التقط حصاة وطلب ما يشبهها ثم طلب ما يشبه الثانية ~~ثم طلب ما يشبه الثالثة ثم ينتهي بالآخرة إلى أن لا يشبه العاشر الأول؛ لأن ~~الفروق الدقيقة تجتمع فتظهر المفارقة. # فإن قيل: فأي فائدة لفرض المناظر الكلام في بعض الصور؟ قلنا: للفرض محلان # أحدهما: أن يعم السائل بسؤاله جملة من الصور فيخصص المناظر بعض الصور إذ ~~يساعده فيه خبر أو دليل خاص أو يندفع فيه بعض شبه الخصم # الثاني: أن تبني فرعا على فرع آخر وهو ممتنع على الناظر المجتهد لما ~~ذكرناه. # أما قبوله من المناظر فإنه ينبني على اصطلاح الجدليين، فالجدل شريعة ~~وضعها المتناظرون ونظرنا في المجتهد وهو لا ينتفع بذلك، وموافقة الخصم على ~~الفرع لا تنفع ولا تجعله أصلا إذ الخطأ ممكن على الخصمين إلا أن يكون ذلك ~~إجماعا مطلقا فيصير أصلا مستقلا. # الخامس: أن يكون دليل إثبات العلة في الأصل، ms512 مخصوصا بالأصل لا يعم الفرع، ~~مثاله أنه لو قال: السفرجل مطعوم فيجري فيه الربا قياسا على البر، ثم استدل ~~على إثبات كون الطعم علة بقوله - عليه السلام -: «لا تبيعوا الطعام ~~بالطعام» أو قال فضل القاتل القتيل بفضيلة الإسلام فلا يقتل به كما لو قتل ~~المسلم المعاهد، ثم استند في إثبات علته إلى قوله: «لا يقتل مؤمن بكافر» # PageV01P324 # فهذا قياس منصوص على منصوص وهو كقياس البر على الشعير والدراهم على ~~الدنانير. # السادس: قال: قوم: شرط الأصل أن يقوم دليل بجواز القياس عليه، وقال قوم: ~~بل أن يقوم دليل على وجوب تعليله # وهذا كلام مختل لا أصل له، فإن الصحابة حيث قاسوا لفظ الحرام على الظهار ~~أو الطلاق أو اليمين لم يقم دليل عندهم على وجوب تعليل أو جوازه، لكن الحق ~~أنه إن انقدح فيه معنى مخيل غلب على الظن اتباعه، وترك الالتفات إلى المحل ~~الخاص، وإن كان الوصف من قبيل الشبه كالطعم الذي يناسب فيحتمل أن يقال: ~~لولا ضرورة جريان الربا في الدقيق والعجين وامتناع ضبط الحكم باسم البر لما ~~وجب استنباط الطعم. # فهذا له وجه وقد ذكرناه، وإن لم يرد به هذا فلا وجه له. # السابع: أن لا يتغير حكم الأصل بالتعليل، ومعناه ما ذكرناه من أن العلة ~~إذا عكرت على الأصل بالتخصيص فلا تقبل كما ذكرناه في كتاب التأويل في مسألة ~~الأبدال، وقد بينا أن المعنى إن كان سابقا إلى الفهم جاز أن يكون قرينة ~~مخصصة للعموم؛ أما المستنبط بالتأمل ففيه نظر. # الثامن: أن لا يكون الأصل معدولا به عن سنن القياس، فإن الخارج عن القياس ~~لا يقاس عليه غيره. # وهذا مما أطلق ويحتاج إلى تفصيل، فنقول: قد اشتهر في ألسنة الفقهاء أن ~~الخارج عن القياس لا يقاس عليه غيره، ويطلق اسم الخارج عن القياس على أربعة ~~أقسام مختلفة؛ فإن ذلك يطلق على ما استثني من قاعدة عامة، وتارة على ما ~~استفتح ابتداء من قاعدة مقررة بنفسها لم تقطع من أصل سابق وكل واحد من ~~المستثنى والمستفتح ينقسم إلى ms513 ما يعقل معناه وإلى ما لا يعقل معناه، فهي ~~أربعة أقسام. # الأول: ما استثني عن قاعدة عامة وخصص بالحكم، ولا يعقل معنى التخصيص فلا ~~يقاس عليه غيره؛ لأنه فهم ثبوت الحكم في محله على الخصوص، وفي القياس إبطال ~~الخصوص المعلوم بالنص، ولا سبيل إلى إبطال النص بالقياس. # بيانه ما فهم من تخصيص النبي - عليه السلام - واستثنائه في تسع نسوة، وفي ~~نكاح امرأة على سبيل الهبة من غير مهر، وفي تخصيصه بصفي المغنم وما ثبت من ~~تخصيصه خزيمة بقبول شهادته وحده، وتخصيصه أبا بردة في العناق أنها تجزي عنه ~~في الضحية، فهذا لا يقاس عليه؛ لأنه لم يرد ورود النسخ للقاعدة السابقة بل ~~ورود الاستثناء مع إبقاء القاعدة فكيف يقاس عليه؟ وكونه خاصية لمن ورد في ~~حقه تارة يعلم وتارة يظن فالمظنون كاختصاص قوله: «لا تخمروا رأسه ولا ~~تقربوه طيبا فإنه يحشر يوم القيامة ملبيا» وقوله في شهداء أحد: «زملوهم ~~بكلومهم ودمائهم» فقال أبو حنيفة: لا ترفع به قاعدة الغسل في حق المحرمين ~~والشهداء؛ لأن اللفظ خاص، ويحتمل أن يكون الحكم خاصا لاطلاعه على إخلاصهم ~~في العبادة، ونحن لا نطلع على موت غيرهم على الإسلام فضلا عن موتهم على ~~الإحرام والشهادة. # ولما قال للأعرابي الذي واقع أهله في نهار رمضان: «تصدق به على أهل بيتك» ~~ولم يقر الكفارة في ذمته عند عجزه وجعل # PageV01P325 # الشبق عجزا عن الصوم قال أكثر العلماء: هو خاصية وقال صاحب التقريب: ~~يلتحق به من يساويه في الشبق والعجز. # ومن جعله خاصة استند فيه إلى أنه لو فتح هذا الباب فيلزم مثله في كفارة ~~الظهار وسائر الكفارات، ونص القرآن دليل على أنهم لا ينفكون عن واجب، وإن ~~اختلفت أحوالهم في العجز، فحمله على الخاصية أهون من هدم القواعد المعلومة. # القسم الثاني: ما استثني عن قاعدة سابقة ويتطرق إلى استثنائه معنى، فهذا ~~يقاس عليه كل مسألة دارت بين المستثنى والمستبقى وشارك المستثنى في علة ~~الاستثناء، مثاله استثناء العرايا، فإنه لم يرد ناسخا لقاعدة الربا ولا ~~هادما لها لكن استثني ms514 للحاجة، فنقيس العنب على الرطب؛ لأنا نراه في معناه. # وكذلك إيجاب صاع من تمر في لبن المصراة لم يرد هادما لضمان المثليات ~~بالمثل، لكن لما اختلط اللبن الحادث بالكائن في الضرع عند البيع ولا سبيل ~~إلى التمييز ولا إلى معرفة القدر وكان متعلقا بمطعوم يقرب الأمر فيه خلص ~~الشارع المتبايعين من ورطة الجهل بالتقدير بصاع من تمر، فلا جرم، نقول لو ~~رد المصراة بعيب آخر لا بعيب التصرية فيضمن اللبن أيضا بصاع وهو نوع إلحاق ~~وإن كان في معنى الأصل، ولولا أنا نشم منه رائحة المعنى لم نتجاسر على ~~الإلحاق؛ فإنه لما فرق في بول الصبيان بين الذكور والإناث وقال: «يغسل من ~~بول الصبية ويرش على بول الغلام» ولم ينقدح فيه معنى لم يقس عليه الفرق في ~~حق البهائم بين ذكورها وإناثها؛ وكذلك حكم الشرع ببقاء صوم الناسي على خلاف ~~قياس المأمورات قال أبو حنيفة: لا نقيس عليه كلام الناسي في الصلاة ولا أكل ~~المكره والمخطئ في المضمضة، ولكن قال: جماع الناسي في معناه؛ لأن الإفطار ~~باب واحد والشافعي قال: الصوم من جملة المأمورات بمعناه إذ افتقر إلى النية ~~والتحق بأركان العبادات وهو من جملة المنهيات في نفسه وحقيقته، إذ ليس فيه ~~إلا ترك يتصور من النائم جميع النهار، فإسقاط الشرع عهدة الناسي ترجيح ~~لنزوعه إلى المنهيات فنقيس عليه كلام الناسي ونقيس عليه المكره والمخطئ على ~~قول. # القسم الثالث: القاعدة المستقلة المستفتحة التي لا يعقل معناها، فلا يقاس ~~عليها غيرها لعدم العلة فيسمى خارجا عن القياس تجوزا، إذ معناه أنه ليس ~~منقاسا؛ لأنه لم يسبق عموم قياس ولا استثناء حتى يسمى المستثنى خارجا عن ~~القياس بعد دخول فيه؛ ومثاله: المقدرات في أعداد الركعات، ونصب الزكوات ~~ومقادير الحدود والكفارات وجميع التحكمات المبتدأة التي لا ينقدح فيها ~~معنى، فلا يقاس عليها غيرها؛ لأنها لا تعقل علتها. # القسم الرابع: في القواعد المبتدأة العديمة النظير، لا يقاس، عليها مع ~~أنه يعقل معناها؛ لأنه لا يوجد لها نظير خارج مما تناوله النص والإجماع ~~والمانع من ms515 القياس فقد العلة في غير المنصوص، فكأنه معلل بعلة قاصرة؛ ~~ومثاله: رخص السفر: في القصر، والمسح على الخفين، ورخصة المضطر في أكل ~~الميتة وضرب الدية على العاقلة وتعلق الأرش برقبة العبد وإيجاب غرة الجنين ~~والشفعة في العقار وخاصية الإجارة والنكاح وحكم اللعان والقسامة وغير ذلك ~~من نظائرها، فإن هذه القواعد متباينة المأخذ فلا يجوز أن يقال بعضها خارج ~~عن قياس البعض، بل لكل واحدة من هذه القواعد معنى منفرد به لا يوجد له نظير ~~فيه، فليس البعض بأن يوضع أصلا ويجعل الآخر # PageV01P326 # خارجا عن قياسه بأولى من عكسه ولا ينظر فيه إلى كثرة العدد وقلته. # وتحقيقه أنا نعلم أنه إنما جوز المسح على الخف لعسر النزع ومسيس الحاجة ~~إلى استصحابه فلا نقيس عليه العمامة والقفازين وما لا يستر جميع القدم لا؛ ~~لأنه خارج عن القياس لكن؛ لأنه لا يوجد ما يساويه في الحاجة وعسر النزع ~~وعموم الوقوع، وكذلك رخصة السفر لا شك في ثبوتها بالمشقة ولا يقاس عليها ~~مشقة أخرى؛ لأنها لا يشاركها غيرها في جملة معانيها ومصالحها؛ لأن المرض ~~يحوج إلى الجمع لا إلى القصر، وقد يقضي في حقه بالرد من القيام إلى القعود ~~ولما ساواه في حاجة الفطر سوى الشرع بينهما. وكذلك قولهم تناول الميتة رخصة ~~خارجة عن القياس غلط؛ لأنه إن أريد به أنه لا يقاس عليه غير المضطر؛ فلأنه ~~ليس في معناه، وإلا فلنقس الخمر على الميتة، والمكره على المضطر فهو منقاس. # وكذلك بداءة الشرع بأيمان المدعي في القسامة لشرف أمر الدم ولخاصية لا ~~يوجد مثلها في غيره؛ لأنه عديم النظير فلا يقاس عليه، وأقرب شيء إليه البضع ~~وقد ورد تصديق المدعي باللعان على ما يليق به وكذلك ضرب الدية على العاقلة ~~فإن ذلك حكم الجاهلية قرره الشرع لكثرة وقوع الخطأ وشدة الحاجة إلى ممارسة ~~السلاح، ولا نظير له في غير الدية وهذا مما يكثر فبهذا يعرف أن قول الفقهاء ~~" تأقت الإجارة " خارج عن قياس البيع والنكاح خطأ كقولهم: " تأبد البيع ~~والنكاح خارج عن قياس الإجارة ms516 " وتأقت المساقاة " خارج عن تأبد القراض، بل ~~تأبد القراض خارج عن قياس تأقت المساقاة. # فإذا هذه الأقسام الأربعة لا بد من فهمها وبفهم بيانها يحصل الوقوف على ~~سر هذا الأصل ### | [الركن الثاني للقياس] # : وله خمسة شروط الشرط الأول: أن تكون علة الأصل موجودة في الفرع، فإن ~~تعدى الحكم فرعا تعدى العلة فإن كان وجودها في الفرع غير مقطوع به لكنه ~~مظنون صح الحكم وقال قوم: لا يجوز ذلك؛ لأن مشاركته للأصل في العلة لم ~~تعلم، وإنما المعلوم بالقياس أن الحكم يتبع العلة، ولا يقتصر على المحل، ~~أما إذا وقع الشك في العلة فلا يلحق وهذا ضعيف؛ لأنه إذا ثبت أن النجاسة هي ~~علة بطلان البيع في جلد الميتة قسنا عليه الكلب إذا ثبت عندنا نجاسة الكلب ~~بدليل مظنون، وكذلك قد يكون علة الكفارة العصيان ويدرك تحقيقه في بعض الصور ~~بدليل ظني فإذا ثبت التحق بالأصل، وكذلك الماء الكثير إذا تغير بالنجاسة ~~فطرح فيه التراب، فإن كان التراب سائرا كالزعفران لم تزل النجاسة وإن كان ~~مبطلا كهبوب الريح وطول المدة زالت النجاسة، وربما يعرف ذلك بدليل ظني، ~~فالظن كالعلم في هذه الأبواب. # الثاني: أن لا يتقدم الفرع في الثبوت على الأصل، ومثاله: قياس الوضوء على ~~التيمم في النية، والتيمم متأخر، وهذا فيه نظر؛ لأنه إذا كان بطريق الدلالة ~~فالدليل يجوز أن يتأخر عن المدلول، فإن حدوث العالم دل على الصانع القديم، ~~وإن كان بطريق التعليل فلا يستقيم؛ لأن الحكم يحدث بحدوث العلة فكيف يتأخر ~~عن المعلول؟ لكن يمكن العدول إلى طريق الاستدلال، فإن إثبات الشرع الحكم في ~~التيمم على وفق العلة يشهد لكونه ملحوظا بعين # PageV01P327 # الاعتبار، وإن كان للعلة دليل آخر سوى التيمم فلا يكون التيمم وحده دليلا ~~لعلة الوضوء السابق. # الثالث: أن لا يفارق حكم الفرع حكم الأصل في جنسية ولا في زيادة ولا ~~نقصان، فإن القياس عبارة عن تعدية حكم من محل إلى محل فكيف يختلف بالتعدية؟ ~~وليس من شكل القياس قول القائل بلغ رأس المال أقصى مراتب الأعيان ms517 فليبلغ ~~المسلم فيه أقصى مراتب الديون قياسا لأحد العوضين على الآخر؛ لأن هذا إلحاق ~~فرع بأصل في إثبات خلاف حكمه. # الرابع: أن يكون الحكم في الفرع مما ثبتت جملته بالنص وإن لم يثبت ~~تفصيله، وهذا ذكره أبو هاشم وقال: لولا أن الشرع ورد بميراث الجد جملة لما ~~نظرت الصحابة في توريث الجد مع الإخوة. # وهذا فاسد؛ لأنهم قاسوا قوله: أنت علي حرام على الظهار والطلاق واليمين، ~~ولم يكن قد ورد فيه حكم لا على العموم ولا على الخصوص، بل الحكم إذا ثبت في ~~الأصل بعلة تعدى بتعدي العلة كيفما كان. # الخامس: أن لا يكون الفرع منصوصا عليه، فإنه إنما يطلب الحكم بقياس أصل ~~آخر فيما لا نص فيه، فإن قيل: فلم قستم كفارة الظهار على كفارة القتل في ~~الرقبة المؤمنة والظهار أيضا منصوص عليه، واسم الرقبة يشمل الكافرة؟ قلنا: ~~اسم الرقبة ليس نصا في إجزاء الكافرة لكنه ظاهر فيه كما في المعيبة، وعلة ~~اشتراط الإيمان في كفارة القتل عرفنا تخصيص عموم آية الظهار فخرج عن أن ~~يكون إجزاء الكافرة منصوصا عليه فطلبنا حكمه بالقياس لذلك ### | [الركن الثالث للقياس] # الركن الثالث: الحكم، وشرطه أن يكون حكما شرعيا لم يتعبد فيه بالعلم، ~~وبيانه بمسائل. # مسألة: الحكم العقلي والاسم اللغوي لا يثبت بالقياس، # فلا يجوز إثبات اسم الخمر للنبيذ والزنا للواط والسرقة للنبش والخليط ~~للجار بالقياس؛ لأن العرب تسمي الخمر إذا حمضت خلا لحموضته ولا تجريه في كل ~~حامض، وتسمي الفرس أدهم لسواده ولا تجريه في كل أسود وتسمي القطع في الأنف ~~جدعا ولا تطرده في غيره. # وهذه المسألة قد قدمناها فلا نعيدها وكذلك لا يعرف كون المكره قاتلا، ~~والشاهد قاتلا، والشريك قاتلا بالقياس، بل يتعرف حد القتل بالبحث العقلي. # وكذلك غاصب الماشية هل هو غاصب للنتاج؟ والمستولي على العقار هل هو غاصب ~~للغلة؟ فهذه مباحث عقلية تعرف بصناعة الجدل. # نعم يجوز أن يقال ألحق الشرع الشريك بالمنفرد بالقتل حكما فنقيس عليه ~~الشريك في القطع، وألحق المكره بالقاتل فنقيس عليه الشاهد إذا رجع، ms518 وذلك ~~إلحاق من ليس قاتلا بالقاتل في الحكم. # مسألة ما تعبد فيه بالعلم لا يجوز إثباته بالقياس، # كمن يريد إثبات خبر الواحد # PageV01P328 # بالقياس على قبول الشهادة؛ ولذلك أورد في مثال هذا الباب إثبات صلاة ~~سادسة أو صوم شوال أنه لا يثبت بالقياس؛ لأن مثل هذه الأصول ينبغي أن تكون ~~معلومة. # وهذا فيه نظر، إذ يمكن أن يقال إن الوتر صلاة سادسة، وقد وقع الخلاف في ~~وجوبها فلم يشترط أن تكون السادسة معلومة الوجوب على القطع بل سبب بطلان ~~هذا القياس علمنا ببطلانه؛ لأنه لو وجب صوم شوال وصلاة سادسة لكانت العادة ~~تحيل أن لا يتواتر، أو لأنا لا نجد أصلا نقيسه عليه، فإنه لا يمكن قياس ~~شوال على رمضان إذ لم يثبت لنا، أو وجوب صوم رمضان؛ لأنه شهر من الشهور أو ~~وقت من الأوقات أو لوصف يشاركه فيه شوال حتى يقاس عليه. # مسألة اختلفوا في أن النفي الأصلي هل يعرف بالقياس؟ وأعني بالنفي الأصلي ~~البقاء على ما كان قبل ورود الشرع، والمختار أنه يجري فيه قياس الدلالة لا ~~قياس العلة وقياس الدلالة أن يستدل بانتفاء الحكم عن الشيء على انتفائه عن ~~مثله، ويكون ذلك ضم دليل إلى دليل، وإلا فهو باستصحاب موجب العقل النافي ~~للأحكام قبل ورود الشرع مستغن عن الاستدلال بالنظر أما قياس العلة فلا ~~يجري؛ لأن الصلاة السادسة وصوم شوال انتفى وجوبهما؛ لأنه لا موجب لهما كما ~~كان قبل ورود الشرع وليس ذلك حكما حادثا سمعيا حتى تطلب له علة شرعية بل ~~ليس ذلك من أحكام الشرع بل هو نفي الشرع ولا علة له إنما العلة لما يتجدد، ~~فحدوث العالم له سبب وهو إرادة الصانع أما عدمه في الأزل فلم تكن له علة، ~~إذ لو أحيل على إرادة الله تعالى لوجب أن ينقلب موجودا لو قدرنا عدم المريد ~~والإرادة، كما أن الإرادة لو قدر انتفاؤها لانتفى وجود العالم في وقت ~~حدوثه؛ فإذا لم يكن الانتفاء الأصلي حكما شرعيا على التحقيق لم يثبت بعلة ~~سمعية، أما النفي الطارئ ms519 كبراءة الذمة عن الدين فهو حكم شرعي يفتقر إلى علة ~~فيجري فيه قياس العلة. # مسألة كل حكم شرعي أمكن تعليله فالقياس جار فيه # وحكم الشرع نوعان: أحدهما: نفس الحكم والثاني: نصب أسباب الحكم، فلله ~~تعالى في إيجاب الرجم والقطع على الزاني والسارق حكمان أحدهما إيجاب الرجم، ~~والآخر: نصب الزنا سببا لوجوب الرجم فيقال: وجب الرجم في الزنا لعلة كذا ~~وتلك العلة موجودة في اللواط فنجعله سببا وإن كان لا يسمى زنا. # وأنكر أبو زيد الدبوسي هذا النوع من التعليل وقال: الحكم يتبع السبب دون ~~حكمة السبب وإنما الحكمة ثمرة، وليست بعلة فلا يجوز أن يقال جعل القتل سببا ~~للقصاص للزجر والردع فينبغي أن يجب القصاص على شهود القصاص لمسيس الحاجة ~~إلى الزجر، وإن لم يتحقق القتل وهذا فاسد، والبرهان القاطع على أن هذا ~~الحكم شرعي أعني نصب الأسباب لإيجاب الأحكام فيمكن أن تعقل علته ويمكن أن ~~يتعدى إلى سبب آخر، فإن اعترفوا بإمكان معرفة العلة وإمكان تعديته ثم ~~توقفوا عن التعدية كانوا متحكمين بالفرق بين حكم وحكم، كمن يقول: يجري ~~القياس في حكم الضمان لا في القصاص وفي البيع لا في النكاح؛ وإن ادعوا ~~الإحالة فمن أين عرفوا استحالته؟ أبضرورة أو نظر؟ ولا بد من بيانه، كيف ~~ونحن نبين إمكانه بالأمثلة؟ فإن قيل: الإمكان مسلم في العقل لكنه غير واقع؛ ~~لأنه لا يلفى للأسباب علة مستقيمة تتعدى فنقول: الآن قد ارتفع النزاع # PageV01P329 # الأصولي إذ لا ذاهب إلى تجويز القياس حيث لا تعقل العلة أو لا تتعدى، وهم ~~قد ساعدوا على جواز القياس حيث أمكن معرفة العلة وتعديتها فارتفع الخلاف. # الجواب الثاني: هو أنا نذكر إمكان القياس في الأسباب على منهجين: # المنهج الأول: ما لقبناه بتنقيح مناط الحكم فتقول: قياسنا اللائط والنباش ~~على الزاني والسارق مع الاعتراف بخروج النباش واللائط عن اسم الزاني ~~والسارق - كقياسكم الأكل على الجماع في كفارة الفطر مع أن الأكل لا يسمى ~~وقاعا، وقد قال الأعرابي: واقعت في نهار رمضان فإن قيل: ليس هذا قياسا فإنا ~~نعرف ms520 بالبحث أن الكفارة ليست كفارة الجماع بل كفارة الإفطار. # قلنا: وكذلك نقول: ليس الحد حد الزنا بل حد إيلاج الفرج في الفرج المحرم ~~قطعا المشتهى طبعا، والقطع قطع أخذ مال محرز لا شبهة للآخذ فيه. # فإن قيل: إنما القياس أن يقال علق الحكم بالزنا لعلة كذا، وهي موجودة في ~~غير الزنا، وعلقت الكفارة بالوقاع لعلة كذا، وهي موجودة في الأكل، كما يقال ~~أثبت التحريم في الخمر لعلة الشدة، وهي موجودة في النبيذ، ونحن في الكفارة ~~نبين أنه لم يثبت الحكم للجماع ولم يتعلق به فنتعرف محل الحكم الوارد شرعا ~~أنه أين ورد وكيف ورد، وليس هذا قياسا، فإن استمر لكم مثل هذا في اللائط ~~والنباش فنحن لا ننازع فيه. # قلنا: فهذا الطريق جار لنا في اللائط والنباش بلا فرق، وهو نوع إلحاق ~~لغير المنصوص بالمنصوص بفهم العلة التي هي مناط الحكم فيرجع النزاع إلى ~~الاسم. # المنهج الثاني: هو أنا نقول: إذا انفتح باب المنهج الأول تعدينا إلى ~~إيقاع الحكم والتعليل بها، فإنا لسنا نعني بالحكمة إلا المصلحة المخيلة ~~المناسبة، كقولنا في قوله - عليه السلام -: «لا يقض القاضي وهو غضبان» إنه ~~إنما جعل الغضب سبب المنع؛ لأنه يدهش العقل ويمنع من استيفاء الفكر، وذلك ~~موجود في الجوع المفرط والعطش المفرط والألم المبرح، فنقيسه عليه؛ وكقولنا: ~~إن الصبي يولى عليه لحكمة وهي عجزه عن النظر لنفسه، فليس الصبا سبب الولاية ~~لذاته بل لهذه الحكمة، فننصب الجنون سببا قياسا على الصغر؛ والدليل على ~~جواز مثل ذلك اتفاق عمر وعلي - رضي الله عنهما - على جواز قتل الجماعة ~~بالواحد، والشرع إنما أوجب القتل على القاتل والشريك ليس بقاتل على الكمال، ~~لكنهم قالوا: إنما اقتص من القاتل لأجل الزجر وعصمة الدماء، وهذا المعنى ~~يقتضي إلحاق المشارك بالمنفرد ونزيد على هذا القياس، ونقول: هذه الحكمة ~~جريانها في الأطراف كجريانها في النفوس، فيصان الطرف في القصاص عن المشارك ~~كما يصان عن المنفرد وكذلك نقول: يجب القصاص بالجارح لحكمة الزجر وعصمة ~~الدماء، فالمثقل في معنى الجارح بالإضافة إلى هذه ms521 العلة. # فهذه تعليلات معقولة في هذه الأسباب لا فرق بينها وبين تعليل تحريم الخمر ~~بالشدة وتعليل ولاية الصغر بالعجز ومنع الحكم بالغضب فإن قيل: المانع منه ~~أن الزجر حكمة، وهي ثمرة وإنما تحصل بعد القصاص، وتتأخر عنه، فكيف تكون علة ~~وجوب القصاص؟ بل علة وجوب القصاص القتل قلنا مسلم أن علة وجوب القصاص ~~القتل، لكن علة كون القتل علة للقصاص الحاجة إلى الزجر، والحاجة إلى الزجر ~~هي العلة دون نفس الزجر، والحاجة سابقة، وحصول الزجر هو المتأخر؛ إذ يقال: ~~خرج الأمير عن البلد للقاء زيد ولقاء زيد يقع بعد خروجه، لكن تكون # PageV01P330 # الحاجة إلى اللقاء علة باعثة على الخروج سابقة عليه وإنما المتأخر نفس ~~اللقاء، فكذلك الحاجة إلى عصمة الدماء هي الباعثة للشرع على جعل القتل سببا ~~للقصاص، والشريك في هذا المعنى يساوي المنفرد والمثقل يساوي الجارح فألحق ~~به قياسا. # مسألة نقل عن قوم أن القياس لا يجري في الكفارات والحدود وما قدمناه يبين ~~فساد هذا الكلام، فإن إلحاق الأكل بالجماع قياس وإلحاق النباش بالسارق قياس ~~فإن زعموا أن ذلك تنقيح لمناط الحكم لا استنباط للمناط، فما ذكروه حق، ~~والإنصاف يقتضي مساعدتهم إذا فسروا كلامهم بهذا. فيجب الاعتراف بأن الجاري ~~في الكفارات والحدود بل وفي سائر أسباب الأحكام، المنهج الأول في الإلحاق ~~دون المنهج الثاني، وأن المنهج الثاني يرجع إلى تنقيح مناط الحكم، وهو ~~المنهج الأول، فإنا إذا ألحقنا المجنون بالصبي بان لنا أن الصبا لم يكن ~~مناط الولاية بل أمر أعم منه، وهو فقد عقل التدبير # وإذا ألحقنا الجوع بالغضب بان لنا أن الغضب لم يكن مناطا بل أمر أعم منه، ~~وهو ما يدهش العقل عن النظر، وعند هذا يظهر الفرق للمنصف بين تعليل الحكم ~~وتعليل السبب، فإن تعليل الحكم تعدية الحكم عن محله وتقريره في محله؛ فإنا ~~نقول: حرم الشرع شرب الخمر والخمر محل الحكم ونحن نطلب مناط الحكم وعلته، ~~فإذا تبينت لنا الشدة عديناها إلى النبيذ فضمنا النبيذ إلى الخمر في ~~التحريم ولم نغير من أمر الخمر ms522 شيئا، أما ههنا إذا قلنا علق الشرع الرجم ~~بالزنا لعلة كذا فيلحق به غير الزنا يناقض آخر الكلام أوله؛ لأن الزنا إن ~~كان مناطا من حيث إنه زنا # فإذا ألحقنا به ما ليس بزنا فقد أخرجنا الزنا عن كونه مناطا، فكيف يعلل ~~كونه مناطا بما يخرجه عن كونه مناطا؟ والتعليل تقرير لا تغيير، ومن ضرورة ~~تعليل الأسباب تغييرها، فإنك إذا اعترفت بكونه سببا ثم أثبت ذلك الحكم ~~بعينه عند فقد ذلك السبب فقد نقضت قولك الأول أنه سبب، فإنا إذا ألحقنا ~~الأكل بالجماع بان لنا بالآخرة أن الجماع لم يكن هو السبب بل معنى أعم منه ~~وهو الإفطار # وإنما كان يكون هذا تعليلا لو بقي الجماع مناطا وانضم إليه مناط آخر ~~يشاركه في العلة كما بقي الخمر محلا للتحريم وانضم إليه محل آخر وهو ~~النبيذ، فلم يخرج المحل الذي طلبنا علة حكمه عن كونه محلا لكن انضم إليه ~~محل آخر وهو النبيذ وكذلك ينبغي أن لا يخرج الجماع عن كونه مناطا وينضم ~~إليه مناط آخر وهو الأكل، وذلك محال بل إلحاق الأكل يخرج وصف الجماع عن ~~كونه مناطا ويوجب حذفه عن درجة الاعتبار ويوجب إضافة الحكم إلى معنى آخر ~~حتى يصير وصف الجماع حشوا زائدا # وكذلك يصير وصف الزنا حشوا زائدا ويعود الأمر إلى أن مناط الرجم وصف ~~زائد؛ لأن مناط الرجم أمر أعم من الزنا وهو إيلاج فرج في فرج حرام. # فإذا مهما فسر مذهبهم على هذا الوجه اقتضى الإنصاف والمساعدة والله أعلم ### | [الركن الرابع للقياس] # الركن الرابع: العلة ويجوز أن تكون العلة حكما كقولنا: بطل بيع الخمر؛ ~~لأنه حرم الانتفاع به؛ ولأنه نجس، وغلط من قال إن الحكم أيضا يحتاج إلى علة ~~فلا يعلل به، ويجوز أن يكون وصفا محسوسا عارضا كالشدة أو لازما كالطعم ~~والنقدية والصغر أو من أفعال المكلفين كالقتل # PageV01P331 # والسرقة أو وصفا مجردا أو مركبا من أوصاف ولا فرق بين أن يكون نفيا أو ~~إثباتا، ويجوز أن يكون مناسبا وغير مناسب أو متضمنا لمصلحة مناسبة، ms523 ويجوز ~~أن لا تكون العلة موجودة في محل الحكم كتحريم نكاح الأمة بعلة رق الولد، ~~وتفارق العلة الشرعية في بعض هذه المعاني العلة العقلية على ما بينا في ~~كتاب " التهذيب " ولم نر فيه فائدة؛ لأن العلة العقلية مما لا نراها أصلا ~~فلا معنى لقولهم العلم علة كون العالم عالما لا كون الذات عالمة ولا أن ~~العالمية وراء قيام العلم بالذات فلا وجه لهذا عندنا في المعقولات بل لا ~~معنى لكونه عالما إلا قيام العلم بذاته، وأما الفقهيات فمعنى العلة فيها ~~العلامة، وسائر الأقسام التي ذكرناها يجوز أن ينصبها الشارع علامة فالذي ~~يتعرض له في هذا الركن كيفية إضافة الحكم إلى العلة: ويتهذب ذلك بالنظر في ~~أربع مسائل: # إحداها: تخلف الحكم عن العلة مع وجودها وهو الملقب بالنقض والتخصيص. # والثانية: وجود الحكم دون العلة، وهو الملقب بالعكس وتعليل الحكم بعلتين. # والثالثة: أن الحكم في محل النص يضاف إلى النص أو إلى العلة، وعنه تتشعب. # الرابعة وهي العلة القاصرة. ### | [مسألة تخصيص العلة] # مسألة اختلفوا في تخصيص العلة # ومعناه أن فقد الحكم مع وجود العلة يبين فساد العلة وانتقاضها أو يبقيها ~~علة، ولكن يخصصها بما وراء موقعها فقال قوم: إنه ينقض العلة ويفسدها ويبين ~~أنها لم تكن علة إذ لو كانت لاطردت ووجد الحكم حيث وجدت وقال قوم: تبقى علة ~~فيما وراء النقض وتخلف الحكم عنها يخصصها كتخلف حكم العموم فإنه يخصص ~~العموم بما وراءه. # وقال قوم: إن كانت العلة مستنبطة مظنونة انتقضت وفسدت وإن كانت منصوصا ~~عليها تخصصت ولم تنتقض وسبيل كشف الغطاء عن الحق أن نقول: تخلف الحكم عن ~~العلة يعرض على ثلاثة أوجه: # الأول: أن يعرض في صوب جريان العلة ما يمنع اطرادها وهو الذي يسمى نقضا، ~~وهو ينقسم إلى ما يعلم أنه ورد مستثنى عن القياس، وإلى ما لا يظهر ذلك منه ~~فما ظهر أنه ورد مستثنى عن القياس مع استبقاء القياس فلا يرد نقضا على ~~القياس ولا يفسد العلة بل يخصصها بما وراء المستثنى فتكون علة في غير ms524 محل ~~الاستثناء ولا فرق بين أن يرد ذلك على علة مقطوعة أو مظنونة. # مثال الوارد على العلة المقطوعة: إيجاب صاع من التمر في لبن المصراة فإن ~~علة إيجاب المثل في المثليات المتلفة تماثل الأجزاء # والشرع لم ينقض هذه العلة إذ عليها تعويلنا في الضمانات لكن استثنى هذه ~~الصورة فهذا الاستثناء لا يبين للمجتهد فساد هذه العلة ولا ينبغي أن يكلف ~~المناظر الاحتراز عنه حتى يقول في علته تماثل أجزاء في غير المصراة فيقتضي ~~إيجاب المثل؛ لأن هذا تكليف قبيح وكذلك صدور الجناية من الشخص علة وجوب ~~الغرامة عليه فورود الضرب على العاقلة لم ينقض هذه العلة ولم يفسد هذا ~~القياس لكن استثني هذه الصورة فتخصصت العلة بما وراءها # ومثال ما يرد على العلة المظنونة مسألة العرايا، فإنها لا تنقض التعليل ~~بالطعم إذ فهم أن ذلك استثناء لرخصة الحاجة ولم يرد ورود النسخ للربا ودليل ~~كونه مستثنى أنه يرد على علة الكيل وعلى كل علة وكذلك إذا قلنا عبادة ~~مفروضة فتفتقر إلى تعيين النية لم تنتقض بالحج، فإنه ورد على # PageV01P332 # خلاف قياس العبادات؛ لأنه لو أهل بإهلال زيد صح ولا يعهد مثله في ~~العبادات أما إذا لم يرد مورد الاستثناء فلا يخلو: # إما أن يرد على العلة المنصوصة أو على المظنونة فإن ورد على المنصوصة فلا ~~يتصور هذا إلا بأن ينعطف منه قيد على العلة، ويتبين أن ما ذكرناه لم يكن ~~تمام العلة مثاله قولنا: " خارج " فينقض الطهارة أخذا من قوله: «الوضوء مما ~~خرج» ثم بان أنه لم يتوضأ من الحجامة فعلمنا أن العلة بتمامها لم يذكرها، ~~وأن العلة خارج من المخرج المعتاد فكان ما ذكرناه بعض العلة فالعلة إن كانت ~~منصوصة ولم يرد النقض مورد الاستثناء لم يتصور إلا كذلك # فإن لم تكن كذلك فيجب تأويل التعليل إذ قد يرد بصيغة التعليل ما لا يراد ~~به التعليل لذلك الحكم فقوله تعالى: {يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي ~~المؤمنين} [الحشر: 2] ثم قال: {ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله} [الحشر: 4] ~~وليس كل من يشاقق الله ms525 يخرب بيته فتكون العلة منقوضة ولا يمكن أن يقال: إنه ~~علة في حقهم خاصة؛ لأن هذا يعد تهافتا في الكلام، بل نقول: تبين بآخر ~~الكلام أن الحكم المعلل ليس هو نفس الخراب بل استحقاق الخراب خرب أو لم ~~يخرب أو نقول: # ليس الخراب معلولا بهذه العلة لكونه خرابا بل لكونه عذابا وكل من شاق ~~الله ورسوله فهو معذب إما بخراب البيت أو غيره فإن لم يتكلف مثل هذا كان ~~الكلام منتقضا أما إذا ورد على العلة المظنونة لا في معرض الاستثناء، ~~وانقدح جواب عن محل النقض من طريق الإخالة إن كانت العلة مخيلة أو من طريق ~~الشبه إن كانت شبها فهذا يبين أن ما ذكرناه أولا لم يكن تمام العلة وانعطف ~~قيد على العلة من مسألة النقض به يندفع النقض أما إذا كانت العلة مخيلة ولم ~~ينقدح جواب مناسب # وأمكن أن يكون النقض دليلا على فساد العلة، وأمكن أن يكون معرفا اختصاص ~~العلة بمجراها بوصف من قبيل الأوصاف الشبهية يفصلها عن غير مجراها فهذا ~~الاحتراز عنه مهم في الجدل للمتناظرين لكن المجتهد الناظر ماذا عليه أن ~~يعتقد في هذه العلة: الانتقاض والفساد أو التخصيص؟ هذا عندي في محل ~~الاجتهاد ويتبع كل مجتهد ما غلب على ظنه ومثاله قولنا: صوم رمضان يفتقر إلى ~~النية؛ لأن النية لا تنعطف على ما مضى وصوم جميع النهار واجب، وإنه لا ~~يتجزأ فينتقض هذا بالتطوع فإنه لا يصح إلا بنية ولا يتجزأ على المذهب ~~الصحيح ولا مبالاة بمذهب من يقول: # إنه صائم بعض النهار فيحتمل أن ينقدح عند المجتهد فساد هذه العلة بسبب ~~التطوع ويحتمل أن ينقدح له أن التطوع ورد مستثنى رخصة لتكثير النوافل فإن ~~الشرع قد سامح في النفل بما لم يسامح به الفرض فالمخيل الذي ذكرناه يستعمل ~~في الفرض ويكون وصف الفرضية فاصلا بين مجرى العلة وموقعها ويكون ذلك وصفا ~~شبهيا اعتبر في استعمال المخيل وتميز مجراه عن موقعه # ومن أنكر قياس الشبه جوز الاحتراز عن النقض بمثل هذا الوصف الشبهي، فأكثر ms526 ~~العلل المخيلة خصص الشرع اعتبارها بمواضع لا ينقدح في تعيين المحل معنى ~~مناسب على مذاق أصل العلة وهذا التردد إنما ينقدح في معنى مؤثر لا يحتاج ~~إلى شهادة الأصل فإن مقدمات هذا القياس مؤثرة بالاتفاق من قولنا إن كل ~~اليوم واجب وإن النية عزم لا ينعطف على الماضي، وإن الصوم لا يصح إلا بنية # فإن كانت العلة مناسبة بحيث تفتقر إلى أصل يستشهد به فإنما يشهد # PageV01P333 # لصحته ثبوت الحكم في موضع آخر على وفقه فتنتقض هذه الشهادة بتخلف الحكم ~~عنه في موضع آخر، فإن إثبات الحكم على وفق المعنى إن دل على التفات الشرع ~~فقطع الحكم أيضا يدل على إعراض الشرع؛ وقول القائل أنا أتبعه إلا في محل ~~إعراض الشرع بالنص، ليس هو أولى ممن قال: أعرض عنه إلا في محل اعتبار الشرع ~~إياه بالتنصيص على الحكم # وعلى الجملة يجوز أن يصرح الشرع بتخصيص العلة واستثناء صورة حكم عنها، ~~ولكن إذا لم يصرح واحتمل نفي الحكم مع وجود العلة احتمل أن يكون لفساد ~~العلة، واحتمل أن يكون لتخصيص العلة، فإن كانت العلة قطعية كان تنزيلها على ~~التخصيص أولى من التنزيل على نسخ العلة، وإن كانت العلة مظنونة ولا مستند ~~للظن إلا إثبات الحكم في موضع على وفقها فينقطع هذا الظن بإعراض الشرع عن ~~اتباعها في موضع آخر # وإن كانت مستقلة مؤثرة كما ذكرناه في مسألة تبييت النية كان ذلك في محل ~~الاجتهاد. # الوجه الثاني لانتفاء حكم العلة: أن ينتفي لا لخلل في نفس العلة، لكن ~~يندفع الحكم عنه بمعارضة علة أخرى دافعة. # مثاله قولنا: إن علة رق الولد ملك الأم ثم المغرور بحرية جارية ينعقد ~~ولده حرا وقد وجد رق الأم وانتفى رق الولد، لكن هذا انعدام بطريق الاندفاع ~~بعلة دافعة مع كمال العلة المرقة بدليل أن الغرم يجب على المغرور، ولولا أن ~~الرق في حكم الحاصل المندفع لما وجبت قيمة الولد فهذا النمط لا يرد نقضا ~~على المناظر ولا يبين لنظر المجتهد فسادا في العلة؛ لأن الحكم ههنا كأنه ms527 ~~حاصل تقديرا. # الوجه الثالث: أن يكون النقض مائلا عن صوب جريان العلة ويكون تخلف الحكم ~~لا لخلل في ركن العلة لكن لعدم مصادفتها محلها أو شرطها أو أهلها، كقولنا: ~~السرقة علة القطع، وقد وجدت في النباش فليجب القطع. فقيل: يبطل بسرقة ما ~~دون النصاب وسرقة الصبي والسرقة من غير الحرز، ونقول: البيع علة الملك وقد ~~جرى فليثبت الملك في زمان الخيار. # فقيل: هذا باطل ببيع المستولدة والموقوف والمرهون، وأمثال ذلك، فهذا جنس ~~لا يلتفت إليه المجتهد؛ لأن نظره في تحقيق العلة دون شرطها ومحلها فهو مائل ~~عن صوب نظره. # أما المناظر فهل يلزمه الاحتراز عنه أو يقبل منه العذر بأن هذا منحرف عن ~~مقصد النظر وليس عليه البحث عن المحل والشرط؟ هذا مما اختلف الجدليون فيه ~~والخطب فيه يسير، فالجدل شريعة وضعها الجدليون، وإليهم وضعها كيف شاءوا ~~وتكلف الاحتراز أجمع لنشر الكلام، وذلك بأن يقول: بيع صدر من أهله وصادف ~~محله وجمع شرطه فيفيد الملك، ويقول: سرق نصابا كاملا من حرز لا شبهة له فيه ~~فيفيد القطع. # فإن قيل فقد ذكرتم أن النقض إذا ورد على صوب جريان العلة، وكان مستثنى عن ~~القياس لم يقبل، فبم يعرف الاستثناء وما من معلل يرد عليه نقض إلا وهو يدعي ~~ذلك؟ قلنا: أما المجتهد فلا يعاند نفسه فيتبع فيه موجب ظنه، وأما المناظر ~~فلا يقبل ذلك منه إلا أن يبين اضطرار الخصم إلى الاعتراف بأنه على خلاف ~~قياسه أيضا، فإن قياس أبي حنيفة في الحاجة إلى تعيين النية يوجب افتقار ~~الحج إلى التعيين فهو خارج عن قياسه أيضا، فإن أمكنه إبراز قياس سوى مسألة ~~النقض على قياس نفسه كانت علته المطردة أولى من علته المنقوضة ولم تقبل ~~دعوى المعلل # PageV01P334 # أنه خارج عن القياس فإن قيل فحيث أوردتم مسألة المصراة مثالا فهل تقولون ~~إن العلة موجودة في مسألة المصراة وهي تماثل الأجزاء لكن اندفع الحكم بمانع ~~النص كما تقولون في مسألة المغرور بحرية الولد؟ قلنا: لا. لأن التماثل ليس ~~علة لذاته بل بجعل الشرع ms528 إياه علامة على الحكم فحيث لم يثبت الحكم لم يجعله ~~علامة فلم يكن علة كما أنا لا نقول الشدة الموجودة قبل تحريم الخمر كانت ~~علة لكن لم يرتب الشرع عليه الحكم بل ما صارت علة إلا حيث جعلها الشرع علة ~~وما جعلها علة إلا بعد نسخ إباحة الشرب، فكذلك التماثل ليس علة في مسألة ~~المصراة بخلاف مسألة المغرور فإن الحكم فيه ثابت تقديرا وكأنه ثبت ثم اندفع ~~فهو في حكم المنقطع لا في حكم الممتنع، ولو نصب شبكة ثم مات فتعقل بها صيد ~~لقضي منه ديونه ويستحقه ورثته؛ لأن نصب الشبكة سبب ملك الناصب للصيد ولكن ~~الموت حالة تعقل الصيد دفع الملك فتلقاه الوارث وهو في حكم الثابت للميت ~~المنتقل إلى الوارث، فليفهم دقيقة الفرق بينهما. فإن قيل: إذا لم يكن ~~التماثل علة في المصراة فقد انعطف به قيد على التماثل، أفتقولون: العلة في ~~غير المصراة التماثل المطلق أو تماثل مضاف إلى غير المصراة؟ فإن قلتم هو ~~مطلق التماثل ومجرده فهو محال؛ لأنه موجود في المصراة ولا حكم، وإن قلتم: ~~هو تماثل مضاف فليجب على المعلل الاحتراز فإنه إذا ذكر التماثل المطلق فقد ~~ذكر بعض العلة إذ ليست العلة مجرد التماثل بل التماثل مع قيد الإضافة إلى ~~غير المصراة وعند هذا يكون انتفاء الحكم في مسألة المصراة لعدم العلة فلا ~~يكون نقضا للعلة ولا تخصيصا، فإذا قال القائل: اقتلوا زيدا لسواده. اقتضى ~~ظاهره قتل كل أسود فلو ظهر بنص قاطع أنه ليس يقتل إلا زيد فقد بان أن العلة ~~لم تكن السواد المطلق بل سواد زيد وسواد زيد لا يوجد إلا في زيد فإن لم ~~يقتل غيره فلعدم العلة لا لخصوص العلة ولا لانتفاضها ولا لاستثنائها عن ~~العلة. والجواب: أن هذا منشأ تخبط الناس في هذه المسألة، وسبب غموضها أنهم ~~تكلموا في تسمية مطلق التماثل علة قبل معرفة حد العلة الشرعية تسمى علة بأي ~~اعتبار وقد أطلق الناس اسم العلة باعتبارات مختلفة ولم يشعروا بها ثم ~~تنازعوا في تسمية مثل ms529 هذا علة وفي تسمية مجرد السبب علة دون المحمل والشرط. ~~فنقول: اسم العلة مستعار في العلامات الشرعية، وقد استعاروها من ثلاثة ~~مواضع على أوجه مختلفة. # الأول: الاستعارة من العلة العقلية وهو عبارة عما يوجب الحكم لذاته، فعلى ~~هذا لا يسمى التماثل علة؛ لأنه بمجرده لا يوجب الحكم ولا يسمى السواد علة ~~بل سواد زيد ولا تسمى الشدة المجردة علة؛ لأنه بمجرده لا يوجب الحكم بل شدة ~~في زمان. # الثاني: الاستعارة من البواعث، فإن الباعث على الفعل يسمى علة الفعل فمن ~~أعطى فقيرا فيقال: أعطاه لفقره فلو علل به ثم منع فقيرا آخر فقيل له: لم لم ~~تعطه وهو فقير؟ فيقول: لأنه عدوي. ومنع فقيرا ثالثا وقال: لأنه معتزلي ~~فلذلك لم أعطه. فمن تغلب على عجرفة الكلام وجدله فقد يقول: أخطأت في تعليلك ~~الأول فكان من حقك أن تقول: أعطيته؛ لأنه فقير وليس عدوا ولا هو معتزلي، ~~ومن بقي على الاستقامة التي يقتضيها أصل الفطرة وطبع المحاورة لم يستبعد ~~ذلك ولم يعده متناقضا وجوز أن يقول أعطيته؛ لأنه فقير؛ لأن باعثه هو الفقر، ~~وقد لا يحضره عند الإعطاء العداوة والاعتزال ولا انتفاؤهما ولو كانا جزأين # PageV01P335 # من الباعث لم ينبعث إلا عند حضورهما في ذهنه وقد انبعث ولم يخطر بباله ~~إلا مجرد الفقر، فمن جوز تسمية الباعث له فيجوز أن يسمي مجرد التماثل علة؛ ~~لأنه الذي يبعثنا على إيجاب المثل في ضمانه وإن لم يخطر ببالنا إضافته إلى ~~غير المصراة فإنه قد لا تحضرنا مسألة المصراة أصلا في تلك الحالة # المأخذ الثالث لاسم العلة علة المريض وما يظهر المرض عنده كالبرودة، ~~فإنها علة المرض مثلا، والمرض يظهر عقيب غلبة البرودة وإن كان لا يحصل ~~بمجرد البرودة بل ربما ينضاف إليها من المزاج الأصلي أمور مثلا كالبياض، ~~لكن انضاف المرض إلى البرودة الحادثة؛ وكما ينضاف الهلاك إلى اللطم الذي ~~تحصل التردية به في البئر، وإن كان مجرد اللطم لا يهلك دون البئر لكن يحال ~~بالحكم على اللطم لا على التردية التي ظهر بها ms530 الهلاك دون ما تقدم، وبهذا ~~الاعتبار سمى الفقهاء الأسباب عللا فقالوا: علة القصاص القتل وعلة القطع ~~السرقة، ولم يلتفتوا إلى المحل والشرط؛ فعلى هذا المأخذ أيضا يجوز أن يسمى ~~التماثل المطلق علة وإذا عرف هذا المأخذ فمن قال: مجرد التماثل: هل هو علة؟ ~~فيقال له: ما الذي تفهم من العلة وما الذي تعني بها؟ فإن عنيت بها الموجب ~~للحكم فهذا بمجرده لا يوجب فلا يكون علة وهذا هو اللائق بمن غلب عليه طبع ~~الكلام ولهذا أنكر الأستاذ أبو إسحاق تخصيص العلة وإن كانت منصوصة وقال: ~~يصير التخصيص قيدا مضموما إلى العلة ويكون المجموع هو العلة، وانتفاء الحكم ~~عند انتفاء المجموع وفاء بالعلة وليس بنقض لها. وإن عنيت به الباعث أو ما ~~يظهر الحكم به عند الناظر وإن غفل عن غيره فيجوز تسميته علة. هذا حكم النظر ~~في التسمية في حق المجتهد، أما الاحتراز في الجدل فهو تابع للاصطلاح، ويقبح ~~أن يكلف الاحتراز فيه فيقول: تماثل في غير المصراة وشدة في غير ابتداء ~~الإسلام وما يجري مجراه، واعلم أن العلة إن أخذت من العلة العقلية لم يكن ~~للفرق بين المحل والعلة والشرط معنى، بل العلة المجموع والمحل والأهل وصف ~~من أوصاف العلة، ولا فرق بين الجميع؛ لأن العلة هي العلامة وإنما العلامة ~~جملة الأوصاف والإضافات. نعم لا ينكر ترجيح البعض على البعض في أحكام ~~الضمان وغيرها إذ يحل الضمان على المردي دون الحافر وإن كان الهلاك لا يتم ~~إلا بهما لنوع من الترجيح، وكذلك لا ينكرون أن تعجيل الزكاة قبل الحول لا ~~يدل على تعجيل الزكاة قبل تمام النصاب وإن كان كل واحد لا بد منه، لكن ربما ~~لا ينقدح للمجتهد التسوية بين جميع أجزاء العلة ويراها متفاوتة في مناسبة ~~الحكم ولا يمتنع أيضا الاصطلاح على التعبير عن البعض بالمحل وعن البعض بركن ~~العلة. وهذا فيه كلام طويل ذكرناه في كتاب شفاء الغليل ولم نورده ههنا؛ ~~لأنها مباحث فقهية قد استوفيناها في الفقه فلا نطول الأصول بها ### | [مسألة تعليل الحكم بعلتين] ms531 # مسألة اختلفوا في تعليل الحكم بعلتين # والصحيح عندنا جوازه؛ لأن العلة الشرعية علامة ولا يمتنع نصب علامتين على ~~شيء واحد وإنما يمتنع هذا في العلل العقلية، ودليل جوازه وقوعه فإن من لمس ~~ومس وبال في وقت واحد ينتقض وضوءه ولا يحال على واحد من هذه الأسباب، ومن ~~أرضعتها زوجة أخيك وأختك أيضا أو جمع لبنهما وانتهى إلى حلق المرضع في لحظة ~~واحدة حرمت عليك؛ لأنك خالها وعمها، والنكاح فعل واحد وتحريمه حكم # PageV01P336 # واحد ولا يمكن أن يحل على الخؤولة دون العمومة أو بعكسه، ولا يمكن أن ~~يقال: هما تحريمان وحكمان، بل التحريم له حد واحد وحقيقة واحدة ويستحيل ~~اجتماع مثلين. # نعم لو فرض رضاع ونسب فيجوز أن يرجح النسب لقوته، أو اجتمع ردة وعدة وحيض ~~فيحرم الوطء فيجوز أن يتوهم تعديد التحريمات، ولو قتل وارتد فيجوز أن يقال: ~~المستحق قتلان ولو قتل شخصين، فكذلك ولو باع حرا بشرط خيار مجهول ربما قيل: ~~علة البطلان الحرية دون الخيار. فهذه أوهام ربما تنقدح في بعض المواضع، ~~وإنما فرضناه في اللمس والمس والخؤولة والعمومة لدفع هذه الخيالات، فدل هذا ~~على إمكان نصب علامتين على حكم واحد وعلى وقوعه أيضا. # فإن قيل: فإذا قاس المعلل على أصل بعلة فذكر المعترض علة أخرى في الأصل ~~بطل قياس المعلل، وإن أمكن الجمع بين علتين فلم يقبل هذا الاعتراض؟ فنقول: ~~إنما يبطل به استشهاده بالأصل إن كانت علته ثابتة بطريق المناسبة المجردة ~~دون التأثير أو بطريق العلامة الشبهية، أما إن كان بطريق التأثير أعني ما ~~دل النص أو الإجماع على كونه علة فاقتران علة أخرى بها لا يفسدها كالبول ~~والمس والخؤولة والعمومة في الرضاع، إذ دل الشرع على أن كل واحد من ~~المعنيين علة على حيالها، أما إذا كان إثباته بشهادة الحكم والمناسبة انقطع ~~الظن بظهور علة أخرى. # مثاله: أن من أعطى إنسانا فوجدناه فقيرا ظننا أنه أعطاه لفقر وعللنا به، ~~وإن وجدناه قريبا عللنا بالقرابة، فإن ظهر لنا الفقر بعد القرابة أمكن أن ~~يكون الإعطاء للفقر ms532 لا للقرابة أو يكون لاجتماع الأمرين فيزول ذلك الظن؛ ~~لأن تمام ذلك الظن بالسبر وهو أنه لا بد من باعث على العطاء، ولا باعث إلا ~~الفقر فإذا هو الباعث، أو لا باعث إلا القرابة فإذا هو الباعث، فإذا ظهرت ~~علة أخرى بطلت إحدى مقدمتي السبر، وهو أنه لا باعث إلا كذا، وكذلك عتقت ~~بريرة تحت عبد فخيرها النبي - عليه السلام - فيقول أبو حنيفة خيرها لملكها ~~نفسها ولزوال قهر الرق عنها فإنها كانت مقهورة في النكاح، وهذا مناسب فيبنى ~~عليه تخييرها وإن عتقت تحت حر، فقلنا: # العلة خيرها لتضررها بالمقام تحت عبد ولا يجري ذلك في الحر فكيف يلحق به؟ ~~وإمكان هذا يقدح في الظن الأول، فإنه لا دليل له عليه إلا المناسبة؛ ودفع ~~الضرر أيضا مناسب ليست الحوالة على ذلك أولى من هذا إلا أن يظهر ترجيح لأحد ~~المعنيين. # وأما مثال العلامة الشبهية فعلة الربا، فإنه لم يذهب أحد إلى الجمع بين ~~القوت والطعم والكيل على أن كل واحد علة لأنه لم يقم دليل من جهة النص ~~والإجماع بل طريقه إظهار الضرورة في طلب علامة ضابطة مميزة مجرى الحكم عن ~~موقعه، إذ جرى الربا في الخبز والعجين مع زوال اسم البر فلا يتم النظر إلا ~~بقولنا: ولا بد من علامة، ولا علامة أولى من الطعم، فإذا هو العلامة، فإذا ~~ظهرت علامة أخرى مساوية بطلت المقدمة الثانية من النظر فانقطع الظن. # والحاصل أن كل تعليل يفتقر إلى السبر فمن ضرورته اتحاد العلة وإلا انقطع ~~شهادة الحكم للعلة، وما لا يفتقر إلى السبر كالمؤثر فوجود علة أخرى لا يضر؛ ~~وقد ذكرنا هذا في خواص هذه الأقيسة. ### | [مسألة اشتراط العكس في العلل الشرعية] # مسألة اختلفوا في اشتراط العكس في العلل الشرعية، # وهذا الخلاف لا معنى له، بل لا بد من تفصيل. وقبل التفصيل فاعلم أن ~~العلامات الشرعية دلالات، فإذا جاز اجتماع # PageV01P337 # دلالات لم يكن من ضرورة انتفاء بعضها انتفاء الحكم لكنا نقول: إن لم يكن ~~للحكم إلا علة واحدة فالعكس لازم. لا لأن ms533 انتفاء العلة يوجب انتفاء الحكم، ~~بل لأن الحكم لا بد له من علة، فإذا اتحدت العلة وانتفت فلو بقي الحكم لكان ~~ثابتا بغير سبب، أما حيث تعددت العلة فلا يلزم انتفاء الحكم عند انتفاء بعض ~~العلل، بل عند انتفاء جميعها. والذي يدل على لزوم العكس عند اتحاد العلة ~~أنا إذا قلنا: لا تثبت الشفعة للجار؛ لأن ثبوتها للشريك معلل بعلة الضرر ~~اللاحق من التزاحم على المرافق المتخذة من المطبخ والخلاء والمطرح للتراب ~~ومصعد السطح وغيره فلأبي حنيفة أن يقول: هذا لا مدخل له في التأثير فإن ~~الشفعة ثابتة في العرصة البيضاء وما لا مرافق له، فهذا الآن عكس وهو لازم؛ ~~لأنه يقول: لو كان هذا مناطا للحكم لانتفى الحكم عند انتفائه، فنقول: السبب ~~فيه ضرر مزاحمة الشركة. فتقول: لو كان كذلك لثبت في شركة العبيد والحيوانات ~~والمنقولات، فإن قلنا: ضرر الشركة فيما يبقى ويتأبد. فيقول: فلتجز في ~~الحمام الصغير وما لا ينقسم، فلا يزال يؤاخذنا بالطرد والعكس وهي مؤاخذة ~~صحيحة إلى أن نعلل بضرر مؤنة القسمة ونأتي بتمام قيود العلة بحيث يوجد ~~الحكم بوجودها ويعدم بعدمها، وهذا لمكان أنا أثبتنا هذه العلة بالمناسبة ~~وشهادة الحكم لها لوروده على وفقها، وشرط مثل هذه العلة الاتحاد وشرط ~~الاتحاد العكس. فإن قيل: ولفظ العكس هل يراد به معنى سوى انتفاء الحكم عند ~~انتفاء العلة؟ قلنا: هذا هو المعنى الأشهر، وربما أطلق على غيره بطريق ~~التوهم، كما يقول الحنفي: لما لم يجب القتل بصغير المثقل لم يجب بكبيره ~~بدليل عكسه، وهو أنه لما وجب بكبير الجارح وجب بصغيره؛ وقالوا: لما سقط ~~بزوال العقل جميع العبادات ينبغي أن يجب برجوع العقل جميع العبادات. وهذا ~~فاسد؛ لأنه لا مانع من أن يرد الشرع بوجوب القصاص بكل جارح وإن صغر ثم يخصص ~~في المثقل بالكبير، ولا بعد في أن يكون العقل شرطا في العبادات ثم لا يكفي ~~مجرده للوجوب بل يستدعي شرطا آخر. ### | [مسألة العلة القاصرة صحيحة] # وذهب أبو حنيفة إلى إبطالها. ونحن نقول: أولا ينظر الناظر ms534 في استنباط ~~العلة وإقامة الدليل على صحتها بالإيماء أو بالمناسبة أو تضمن المصلحة ~~المبهمة، ثم بعد ذلك ينظر، فإن كان أعم من النص عدى حكمها وإلا اقتصر، ~~فالتعدية فرع الصحة فكيف يكون ما يتبع الشيء مصححا له؟ فإن قيل: كما أن ~~البيع يراد للملك؛ والنكاح للحل فإذا تخلفت فائدتهما قيل: إنهما باطلان، ~~فكذلك العلة تراد لإثبات الحكم بها في غير محل النص، فإذا لم يثبت بها كانت ~~باطلة لخلوها عن الفائدة. # وللجواب منهجان: # أحدهما: أن نسلم عدم الفائدة، ونقول: إن عنيتم بالبطلان أنه لا يثبت بها ~~حكم في غير محل النص فهو مسلم، ونحن لا نعني بالصحة إلا أن الناظر ينظر ~~ويطلب العلة ولا ندري أن ما سيفضي إليه نظره قاصر أو متعد ويصحح العلة بما ~~يغلب على ظنه من مناسبة أو مصلحة أو تضمن مصلحة ثم يعرف بعد ذلك تعديه أو ~~قصوره فما ظهر من قصوره لا ينعطف فسادا على مأخذ ظنه ونظره ولا ينزع من ~~قلبه ما قر في نفسه من التعليل، فإذا فسرنا الصحة بهذا القدر لم يمكن جحده ~~وإذا فسروا البطلان بما ذكروه لم نجحده وارتفع # PageV01P338 # الخلاف. # الثاني أنا لا نسلم عدم الفائدة بل له فائدتان: # الأولى معرفة باعث الشرع ومصلحة الحكم استمالة للقلوب إلى الطمأنينة ~~والقول بالطبع والمسارعة إلى التصديق؛ فإن النفوس إلى قبول الأحكام ~~المعقولة الجارية على ذوق المصالح أميل منها إلى قهر التحكم ومرارة التعبد، ~~ولمثل هذا الغرض استحب الوعظ وذكر محاسن الشريعة ولطائف معانيها، وكون ~~المصلحة مطابقة للنص وعلى قدر حذقه يزيدها حسنا وتأكيدا. # فإن قيل: هذا إنما يجري في المناسب دون الأوصاف الشبهية مثل النقدية في ~~الدراهم والدنانير، وقد جوزتم التعليل بمثل هذه العلة القاصرة. قلنا: تعريف ~~الأحكام بمعان توهم الاشتمال على مصلحة ومناسبة أقرب إلى العقول من تعريفها ~~بمجرد الإضافة إلى الأسامي فلا تخلو من فائدة، ثم إن لم تجر هذه الفائدة في ~~العلة الشبهية فالفائدة الثانية جارية. # الفائدة الثانية: المنع من تعدية الحكم عند ظهور علة أخرى متعدية إلا ms535 ~~بشرط الترجيح. فإن قيل: تمتنع تعدية الحكم لا بظهور علة قاصرة بل بأن لا ~~تظهر علة متعدية، فأي حاجة إلى العلة القاصرة؟ وإن ظهرت علة متعدية فلا ~~يمتنع التعليل بالعلة القاصرة بل يعلل الحكم في الأصل بعلتين وفي الفرع ~~بعلة واحدة؟ قلنا: ليس كذلك، فإن كل علة مخيلة أو شبهية فإنما تثبت بشهادة ~~الحكم وتتم بالسبر وشرطه الاتحاد كما سبق، فإذا ظهرت علة أخرى انقطع الظن، ~~فإذا ظهرت علة متعدية يجب تعدية الحكم فإن أمكن التعليل بعلة قاصرة عارضت ~~المتعدية ودفعتها إلا إذا اختصت المتعدية بنوع ترجيح، فإذا أفادت القاصرة ~~دفع المتعدية التي تساويها والمتعدية دفع القاصرة وتقاوما بقي الحكم مقصورا ~~على النص ولولا القاصرة لتعدى الحكم فإن قيل: إنما تصح العلة بفائدتها ~~الخاصة. # وفائدة العلة الحكم بالفرع دون حكم الأصل؛ فإن حكم الأصل ثابت بالنص لا ~~بالعلة، إنما الذي يثبت العلة حكم الفرع إذ فائدتها تعدية الحكم فإذا لم ~~تكن تعدية فلا حكم للعلة. قلنا: قولكم فائدة العلة حكم الفرع محال؛ لأن علة ~~تحريم الربا في البر طعم البر ولا تحرم الذرة بطعم البر بل بطعم الذرة، ~~فحكم الفرع فائدة علة في الفرع لا فائدة علة في الأصل. # وقولكم: حكمها التعدية محال؛ فإن لفظ التعدية تجوز واستعارة وإلا فالحكم ~~لا يتعدى الأصل إلى الفرع بل يثبت في الفرع مثل حكم الأصل عند وجود مثل تلك ~~العلة فلا حقيقة للتعدي. ويتولد من هذا النظر مسألة، وهي أن العلة إذا كانت ~~متعدية فالحكم في محل النص يضاف إلى العلة أو إلى النص؟ فقال أصحاب الرأي: ~~يضاف إلى النص؛ لأن الحكم مقطوع به في المنصوص والعلة مظنونة فكيف يضاف ~~مقطوع إلى مظنون. وقال أصحابنا: يضاف إلى العلة. # وهو نزاع لا تحقيق تحته، فإنا لا نعني بالعلة إلا باعث الشرع على الحكم ~~فإنه لو ذكر جميع المسكرات بأسمائها فقال: لا تشربوا الخمر والنبيذ، وكذا، ~~وكذا، ونص على جميع مجاري الحكم لكان استيعابه مجاري الحكم لا يمنعنا من أن ~~نظن أن الباعث له على ms536 التحريم الإسكار، فنقول: الحكم مضاف إلى الخمر ~~والنبيذ بالنص ولكن الإضافة إليه معللة بالشدة بمعنى أن باعث الشرع على ~~التحريم هو الشدة، وقولهم: إنه مظنون. # فنقول: ونحن لا نزيد على أن نقول: نظن أن باعث الشرع الشدة، فلا يسقط هذا ~~الظن باستيعاب مجاري الحكم ولا حجر علينا في أن نصدق فنقول: إنما نظن # PageV01P339 # كذا مهما ظننا ذلك. فإن قيل: الظن جهل إنما يجوز لضرورة العمل والعلة ~~القاصرة لا يتعلق بها عمل فلا يجوز الهجوم عليها برجم الظنون وعند هذا كاع ~~بعض الأصحاب وقال: إن كانت منصوصة جاز إضافة الحكم إليها في محل النص ~~كالسرقة مثلا وإلا فلا. # ونحن نقول: لا مانع من هذا الظن للفائدتين المذكورتين، إحداهما استمالة ~~القلوب إلى حسن التصديق والانقياد، وأكثر المواعظ على هذه الصفة ظنية وخلقت ~~طباع الآدميين مطيعة للظنون بل للأوهام، وأكثر بواعث الناس على أعمالهم ~~وعقائدهم في مصادرهم ومواردهم ظنون. الفائدة الثانية: مدافعة العلة ~~المعارضة له كما سبق. ### | [خاتمة فيما يفسد العلة قطعا وما يفسدها ظنا واجتهادا] # خاتمة لهذا الباب: فيما يفسد العلة قطعا وما يفسدها ظنا واجتهادا. # ومثارات فساد العلل القطعية أربعة: # الأول: الأصل، وشروطه أربعة: # الأول: أن يكون حكما شرعيا فإن كان عقليا فلا يمكن أن يعلل بعلة تثبت ~~حكما سمعيا. # الثاني: أن يكون حكم الأصل معلوما بنص أو إجماع فإن كان مقيسا على أصل ~~فهو فرع فالقياس عليه باطل قطعا إن لم يكن الجامع هو علة الأصل الأول، وإن ~~كان هو تلك العلة فتعيين الفرع مع إمكان القياس على الأصل عبث بلا فائدة. # والثالث: أن يكون الأصل قابلا للتعليل لا كوجوب شهر رمضان وتقدير صلاة ~~المغرب بثلاث ركعات وأمثاله، وكان هذا فاسدا من جهة عدم الدليل على صحة ~~العلة. # الرابع: أن يكون الأصل المستنبط منه غير منسوخ فإن المنسوخ كان أصلا وليس ~~هو الآن أصلا، وليس من هذا القبيل قياس رمضان على صوم عاشوراء في التبييت، ~~فإن من سلم وجوبه في ابتداء الإسلام وسلم افتقاره إلى التبييت لم يبعد أن ~~يستشهد ms537 به على رمضان الذي أبدل وجوب عاشوراء به؛ فإن المنسوخ نفس الوجوب ~~وليس نقيس في الوجوب لكن في مأخذ دلالة الوجوب على الحاجة إلى التبييت، ~~وهذا أيضا وإن كان قريبا فلا يخلو عن نظر. # المثار الثاني أن يكون من جهة الفرع وله وجوه ثلاثة: # الأول: أن يثبت في الفرع خلاف حكم الأصل مثاله قوله: بلغ رأس المال في ~~السلم أقصى مراتب الأعيان فليبلغ بعوضه أقصى مراتب الديون قياسا لأحد ~~العوضين على الآخر فهذا باطل قطعا؛ لأنه خلاف صورة القياس إذ القياس لتعدية ~~الحكم وليس هذا تعدية. # الثاني أن تثبت العلة في الأصل حكما مطلقا ولا يمكن أن تثبت في الفرع إلا ~~بزيادة أو نقص فهو باطل قطعا؛ لأنه ليس على صورة تعدية الحكم فلا يكون ~~قياسا. مثاله قولهم: شرع في صلاة الكسوف ركوع زائد؛ لأنها صلاة تشرع فيها ~~الجماعة فتختص بزيادة كصلاة الجمعة فإنها تختص بالخطبة وصلاة العيد فإنها ~~تختص بالتكبيرات وهذا فاسد فإنه ليس يتمكن من تعدية الحكم على وجهه ~~وتفصيله. # الثالث أن لا يكون الحكم اسما لغويا فقد بينا أن اللغة لا تثبت قياسا ~~وتلك المسألة قطعية وربما جعلها قوم مسألة اجتهادية. # وإثبات اسم الزنا والسرقة والخمر للائط والنباش والنبيذ من هذا القبيل ~~فكان هذا بالمثار الأول أليق. # PageV01P340 # المثار الثالث أن يرجع الفساد إلى طريق العلة وهو على أوجه: # الأول انتفاء دليل على صحة العلة فإنه دليل قاطع على فسادها فمن استدل ~~على صحة علته بأنه لا دليل على فسادها فقياسه باطل قطعا وكذلك إن استدل ~~بمجرد الاطراد إن لم ينضم إليه سبر وربما رأى بعضهم إبطال الطرد في محل ~~الاجتهاد. # الثاني أن يستدل على صحة العلة بدليل عقلي فهو باطل قطعا فإن كون الشيء ~~علة للحكم أمر شرعي. # الثالث أن تكون العلة دافعة للنص ومناقضة لحكم منصوص فالقياس على خلاف ~~النص باطل قطعا، وكذا على خلاف الإجماع وكذلك ما يخالف العلة المنصوصة ~~كتعليل تحريم الخمر بغير الإسكار المثير للعداوة والبغضاء، وليس التعليل ~~بالكيل من هذا الجنس وإن ms538 دفع قوله لا تبيعوا الطعام بالطعام؛ لأنه علة صاحب ~~الشرع مع تقرير العلة المنصوصة فإن النص على علة واحدة لا يمنع وجود علة ~~أخرى ولذلك يجوز تعليل الحكم بغير ما علل به الصحابة إذا لم تدفع علتهم إذ ~~لم يكن فرض الصحابة استنباط جميع العلل. # المثار الرابع: وضع القياس في غير موضعه، كمن أراد أن يثبت أصل القياس أو ~~أصل خبر الواحد بالقياس فقاس الرواية على الشهادة. # وكذلك المسائل الأصولية العقلية لا سبيل إلى إثباتها بالأقيسة الظنية، ~~فاستعمال القياس فيها وضع له في غير موضعه. هذه المفسدات القطعية. # القسم الثاني: في المفسدات الظنية الاجتهادية: التي نعني بفسادها أنها ~~فاسدة عندنا وفي حقنا إذ لم تغلب على ظننا وهي صحيحة في حق من غلبت على ~~ظنه، ومن قال: المصيب واحد فيقول هي فاسدة في نفسها لا بالإضافة، إلا أني ~~أجوز أن أكون أنا المخطئ، وعلى الجملة لا تأثيم في محل الاجتهاد ومن خالف ~~الدليل القطعي فهو آثم. # وهذه المفسدات تسع: # الأول: العلة المخصومة باطلة عند من لا يرى تخصيص العلة، صحيحة عند من ~~يبقى ظنه مع التخصيص. # الثاني: علة مخصصة لعموم القرآن هي صحيحة عندنا فاسدة عند من رأى تقديم ~~العموم على القياس # الثالث: علة عارضتها علة تقتضي نقيض حكمها فاسدة عند من يقول: المصيب ~~واحد، صحيحة عند من صوب كل مجتهد وهما علامتان لحكمين في حق المجتهدين وفي ~~حق مجتهد واحد في حالتين فإن اجتمعا في حالة واحدة فقد نقول: إنه يوجب ~~التخيير كما سيأتي. # الرابع: أن لا يدل على صحتها إلا الطرد والعكس وقد يقال: ما يدل عليه ~~مجرد الاطراد فهو أيضا في محل الاجتهاد. # الخامس: أن يتضمن زيادة على النص كما في مسألة الرقبة الكافرة. # السادس: القياس في الكفارات والحدود وقد ذكرنا في هذا ما يظن أنه يرفع ~~الخلاف. # السابع: ذهب قوم إلى أنه لا يجوز انتزاع العلة من خبر الواحد بل ينبغي أن ~~تؤخذ من أصل مقطوع به، وهذا فاسد ولا يبعد من أن يكون فساده مقطوعا ms539 به. # الثامن: علة تخالف مذهب الصحابة وهي فاسدة عند من يوجب اتباع الصحابة وإن ~~كان المنع من تقليد الصحابي مسألة اجتهادية فهذا مجتهد فيه ولا يبعد أن ~~يقول: بطلان ذلك المذهب مقطوع به. # التاسع: أن يكون وجود العلة في الفرع مظنونا # PageV01P341 # مقطوعا به وقد ذكرنا فيه خلافا، والله أعلم. # هذه هي المفسدات، ووراء هذا اعتراضات مثل المنع وفساد الوضع وعدم التأثير ~~والكسر والفرق والقول بالموجب والتعدية والتركيب، وما يتعلق فيه تصويب نظر ~~المجتهدين قد انطوى تحت ما ذكرناه وما لم يندرج تحت ما ذكرناه فهو نظر جدلي ~~يتبع شريعة الجدل التي وضعها الجدليون باصطلاحهم، فإن لم يتعلق بها فائدة ~~دينية فينبغي أن تشح على الأوقات أن تضيعها بها، وتفصيلها وإن تعلق بها ~~فائدة من ضم نشر الكلام ورد كلام المناظرين إلى مجرى الخصام كي لا يذهب كل ~~واحد عرضا وطولا في كلامه منحرفا عن مقصد نظره، فهي ليست فائدة من جنس أصول ~~الفقه بل هي من علم الجدل فينبغي أن تفرد بالنظر ولا تمزج بالأصول التي ~~يقصد بها تذليل طرق الاجتهاد للمجتهدين. # وهذا آخر القطب الثالث المشتمل على طرق استثمار الأحكام إما من صيغة ~~اللفظ وموضوعه أو إشارته ومقتضاه ومعقوله ومعناه، فقد استوفيناه والله ~~أعلم. ### | [القطب الرابع في حكم المستثمر وهو المجتهد] ### | [الفن الأول في الاجتهاد] ### | [النظر الأول في أركان الإجتهاد وأحكامه] # القطب الرابع في حكم المستثمر وهو المجتهد. ويشتمل هذا القطب على ثلاثة ~~فنون: فن في الاجتهاد، وفن في التقليد، وفن في ترجيح المجتهد دليلا على ~~دليل عند التعارض. الفن الأول: في الاجتهاد والنظر في أركانه وأحكامه # أما أركانه فثلاثة: المجتهد، والمجتهد فيه، ونفس الاجتهاد. # الركن الأول: في نفس الاجتهاد وهو عبارة عن بذل المجهود واستفراغ الوسع ~~في فعل من الأفعال، ولا يستعمل إلا فيما فيه كلفة وجهد، فيقال: اجتهد في ~~حمل حجر الرحا، ولا يقال: اجتهد في حمل خردلة، لكن صار اللفظ في عرف ~~العلماء مخصوصا ببذل المجتهد وسعه في طلب العلم بأحكام الشريعة. والاجتهاد ~~التام أن يبذل ms540 الوسع في الطلب بحيث يحس من نفسه بالعجز عن مزيد طلب # الركن الثاني المجتهد وله شرطان. # أحدهما أن يكون محيطا بمدارك الشرع متمكنا من استثارة الظن بالنظر فيها ~~وتقديم ما يجب تقديمه وتأخير ما يجب تأخيره. # الثاني: أن يكون عدلا مجتنبا للمعاصي القادحة في العدالة، وهذا يشترط ~~لجواز الاعتماد على فتواه فمن ليس عدلا فلا تقبل فتواه، أما هو في نفسه ~~فلا، فكأن العدالة شرط القبول للفتوى لا شرط صحة الاجتهاد. # فإن قيل: متى يكون محيطا بمدارك الشرع؟ وما تفصيل العلوم التي لا بد منها ~~لتحصيل منصب الاجتهاد؟ قلنا: إنما يكون متمكنا من الفتوى بعد أن يعرف ~~المدارك المثمرة للأحكام، وأن يعرف كيفية الاستثمار. والمدارك المثمرة ~~للأحكام كما فصلناها أربعة: الكتاب والسنة، والإجماع، والعقل. وطريق ~~الاستثمار يتم بأربعة علوم اثنان مقدمان واثنان متممان وأربعة في الوسط، ~~فهذه ثمانية فلنفصلها ولننبه فيها على دقائق أهملها الأصوليون. # أما كتاب الله عز وجل فهو الأصل ولا بد من معرفته، ولنخفف عنه أمرين: # أحدهما: أنه لا يشترط معرفة جميع الكتاب بل ما تتعلق به الأحكام منه وهو ~~مقدار خمسمائة آية. # الثاني لا يشترط حفظها عن ظهر قلبه بل أن يكون عالما بمواضعها بحيث # PageV01P342 # يطلب فيها الآية المحتاج إليها في وقت الحاجة. # وأما السنة فلا بد من معرفة الأحاديث التي تتعلق بالأحكام، وهي وإن كانت ~~زائدة على ألوف فهي محصورة وفيها التخفيفان المذكوران إذ لا يلزمه معرفة ما ~~يتعلق من الأحاديث بالمواعظ وأحكام الآخرة وغيرها. الثاني، لا يلزمه حفظها ~~عن ظهر قلبه بل أن يكون عنده أصل مصحح لجميع الأحاديث المتعلقة بالأحكام، ~~كسنن أبي داود ومعرفة السنن لأحمد والبيهقي، أو أصل وقعت العناية فيه بجميع ~~الأحاديث المتعلقة بالأحكام. # ويكفيه أن يعرف مواقع كل باب فيراجعه وقت الحاجة إلى الفتوى، وإن كان ~~يقدر على حفظه فهو أحسن وأكمل. وأما الإجماع فينبغي أن تتميز عنده مواقع ~~الإجماع حتى لا يفتي بخلاف الإجماع، كما يلزمه معرفة النصوص حتى لا يفتي ~~بخلافها. والتخفيف في هذا الأصل أنه لا يلزمه ms541 أن يحفظ جميع مواقع الإجماع ~~والخلاف بل كل مسألة يفتي فيه فينبغي أن يعلم أن فتواه ليس مخالفا للإجماع؛ ~~إما بأن يعلم أنه موافق مذهبا من مذاهب العلماء أيهم كان، أو يعلم أن هذه ~~واقعة متولدة في العصر لم يكن لأهل الإجماع فيها خوض، فهذا القدر فيه ~~كفاية، وأما العقل فنعني به مستند النفي الأصلي للأحكام، فإن العقل قد دل ~~على نفي الحرج في الأقوال والأفعال وعلى نفي الأحكام عنها من صور لا نهاية ~~لها # أما ما استثنته الأدلة السمعية من الكتاب والسنة فالمستثناة محصورة، وإن ~~كانت كثيرة، فينبغي أن يرجع في كل واقعة إلى النفي الأصلي والبراءة الأصلية ~~ويعلم أن ذلك لا يغير إلا بنص أو قياس على منصوص فيأخذ في طلب النصوص، وفي ~~معنى النصوص الإجماع وأفعال الرسول بالإضافة إلى ما يدل عليه الفعل على ~~الشرط الذي فصلناه. هذه المدارك الأربعة، فأما العلوم الأربعة التي بها ~~يعرف طرق الاستثمار، فعلمان مقدمان: # أحدهما: معرفة نصب الأدلة وشروطها التي بها تصير البراهين والأدلة منتجة، ~~والحاجة إلى هذا تعم المدارك الأربعة # والثاني: معرفة اللغة والنحو على وجه يتيسر له به فهم خطاب العرب وهذا ~~يخص فائدة الكتاب والسنة. ولكل واحد من هذين العلمين تفصيل وفيه تخفيف ~~وتثقيل، أما تفصيل العلم الأول فهو أن يعلم أقسام الأدلة وأشكالها وشروطها، ~~فيعلم أن الأدلة ثلاثة: عقلية تدل لذاتها، وشرعية صارت أدلة بوضع الشرع، ~~ووضعية وهي العبارات اللغوية. # ويحصل تمام المعرفة فيه بما ذكرناه في مقدمة الأصول من مدارك العقول لا ~~بأقل منه، فإن من لم يعرف شروط الأدلة لم يعرف حقيقة الحكم ولا حقيقة الشرع ~~ولم يعرف مقدمة الشارع ولا عرف من أرسل الشارع. ثم قالوا: لا بد أن يعرف ~~حدوث العالم وافتقاره إلى محدث موصوف بما يجب له من الصفات منزه عما يستحيل ~~وأنه متعبد عباده ببعثة الرسل وتصديقهم بالمعجزات، وليكن عارفا بصدق الرسول ~~والنظر في معجزته، والتخفيف في هذا عندي أن القدر الواجب من هذه الجملة ~~اعتقاد جازم إذ به يصير مسلما ms542 والإسلام شرط المفتي لا محالة. # فأما مجاوزة حد التقليد فيه إلى معرفة الدليل فليس بشرط أيضا لذاته، لكنه ~~يقع من ضرورة منصب الاجتهاد فإنه لا يبلغ رتبة الاجتهاد في العلم إلا وقد ~~قرع سمعه أدلة خلق العالم وأوصاف الخالق وبعثة الرسل وإعجاز القرآن فإن كل ~~ذلك يشتمل عليه كتاب الله، وذلك محصل للمعرفة الحقيقية مجاوز بصاحبه حد ~~التقليد # PageV01P343 # وإن لم يمارس صاحبه صنعة الكلام فهذا من لوازم منصب الاجتهاد حتى لو تصور ~~مقلد محض في تصديق الرسول وأصول الإيمان لجاز له الاجتهاد في الفروع، أما ~~المقدمة الثانية فعلم اللغة والنحو، أعني القدر الذي يفهم به خطاب العرب ~~وعادتهم في الاستعمال إلى حد يميز بين صريح الكلام وظاهره ومجمله وحقيقته ~~ومجازه وعامه وخاصه ومحكمه ومتشابهه ومطلقه ومقيده ونصه وفحواه ولحنه ~~ومفهومه. والتخفيف فيه أنه لا يشترط أن يبلغ درجة الخليل والمبرد وأن يعرف ~~جميع اللغة ويتعمق في النحو، بل القدر الذي يتعلق بالكتاب والسنة ويستولي ~~به على مواقع الخطاب ودرك حقائق المقاصد منه. # وأما العلمان المتممان فأحدهما: معرفة الناسخ من الكتاب والسنة، وذلك في ~~آيات وأحاديث مخصوصة. والتخفيف فيه أنه لا يشترط أن يكون جميعه على حفظه بل ~~كل واقعة يفتي فيها بآية أو حديث فينبغي أن يعلم أن ذلك الحديث وتلك الآية ~~ليست من جملة المنسوخ وهذا يعم الكتاب والسنة. # الثاني وهو يخص السنة: معرفة الرواية وتمييز الصحيح منها عن الفاسد ~~والمقبول عن المردود، فإن ما لا ينقله العدل عن العدل فلا حجة فيه. ~~والتخفيف فيه أن كل حديث يفتي به مما قبلته الأمة فلا حاجة به إلى النظر في ~~إسناده، وإن خالفه بعض العلماء، فينبغي أن يعرف رواته وعدالتهم فإن كانوا ~~مشهورين عنده كما يرويه الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر مثلا اعتمد ~~عليه، فهؤلاء قد تواتر عند الناس عدالتهم وأحوالهم. # والعدالة إنما تعرف بالخبرة والمشاهدة أو بتواتر الخبر، فما نزل عنه فهو ~~تقليد وذلك بأن يقلد البخاري ومسلما في أخبار الصحيحين وأنهما ما رووها إلا ~~عمن ms543 عرفوا عدالته فهذا مجرد تقليد، وإنما يزول التقليد بأن يعرف أحوال ~~الرواة بتسامع أحوالهم وسيرهم، ثم ينظر في سيرهم أنها تقتضي العدالة أم لا؟ ~~وذلك طويل وهو في زماننا مع كثرة الوسائط عسير، والتخفيف فيه أن يكتفى ~~بتعديل الإمام العدل بعد أن عرفنا أن مذهبه في التعديل مذهب صحيح فإن ~~المذاهب مختلفة فيما يعدل به ويجرح، فإن من مات قبلنا بزمان امتنعت الخبرة ~~والمشاهدة في حقه # ولو شرط أن تتواتر سيرته فذلك لا يصادف إلا في الأئمة المشهورين، فيقلد ~~في معرفة سيرته عدلا فيما يخبر فنقلده في تعديله بعد أن عرفنا صحة مذهبه في ~~التعديل، فإن جوزنا للمفتي الاعتماد على الكتب الصحيحة التي ارتضى الأئمة ~~رواتها قصر الطريق على المفتي وإلا طال الأمر وعسر الخطب في هذا الزمان مع ~~كثرة الوسائط، ولا يزال الأمر يزداد شدة بتعاقب الأعصار. # فهذه هي العلوم الثمانية التي يستفاد بها منصب الاجتهاد، ومعظم ذلك يشتمل ~~عليه ثلاثة فنون: علم الحديث وعلم اللغة وعلم أصول الفقه. فأما الكلام ~~وتفاريع الفقه فلا حاجة إليهما، وكيف يحتاج إلى تفاريع الفقه وهذه التفاريع ~~يولدها المجتهدون ويحكمون فيها بعد حيازة منصب الاجتهاد؟ فكيف تكون شرطا في ~~منصب الاجتهاد، وتقدم الاجتهاد عليها شرط؟ نعم إنما يحصل منصب الاجتهاد في ~~زماننا بممارسته، فهو طريق تحصيل الدربة في هذا الزمان ولم يكن الطريق في ~~زمان الصحابة ذلك، ويمكن الآن سلوك طريق الصحابة أيضا. # دقيقة في التخفيف يغفل عنها الأكثرون: اجتماع هذه العلوم الثمانية إنما ~~يشترط في # PageV01P344 # حق المجتهد المطلق الذي يفتي في جميع الشرع، وليس الاجتهاد عندي منصبا لا ~~يتجزأ، بل يجوز أن يقال للعالم بمنصب الاجتهاد في بعض الأحكام دون بعض، فمن ~~عرف طريق النظر القياسي فله أن يفتي في مسألة قياسية، وإن لم يكن ماهرا في ~~علم الحديث، فمن ينظر في المسألة المشتركة يكفيه أن يكون فقيه النفس عارفا ~~بأصول الفرائض ومعانيها، وإن لم يكن قد حصل الأخبار التي وردت في مسألة ~~تحريم المسكرات أو في مسألة النكاح بلا ولي، فلا ms544 استمداد لنظر هذه المسألة ~~منها ولا تعلق لتلك الأحاديث بها، فمن أين تصير الغفلة عنها أو القصور عن ~~معرفتها نقصا؟ ومن عرف أحاديث قتل المسلم بالذمي وطريق التصرف فيه فما يضره ~~قصوره عن علم النحو الذي يعرف قوله تعالى: {وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى ~~الكعبين} [المائدة: 6] وقس عليه ما في معناه. # وليس من شرط المفتي أن يجيب عن كل مسألة فقد سئل مالك - رحمه الله - عن ~~أربعين مسألة فقال في ستة وثلاثين منها: لا أدري. وكم توقف الشافعي - رحمه ~~الله -، بل الصحابة في المسائل فإذا لا يشترط إلا أن يكون على بصيرة فيما ~~يفتي فيفتي فيما يدري أنه يدري، ويميز بين ما لا يدري وبين ما يدري فيتوقف ~~فيما لا يدري ويفتي فيما يدري ### | [مسألة جواز التعبد بالقياس والاجتهاد في زمان الرسول] # الركن الثالث: المجتهد فيه والمجتهد فيه كل حكم شرعي ليس فيه دليل قطعي. ~~واحترزنا بالشرعي عن العقليات ومسائل الكلام، فإن الحق فيها واحد والمصيب ~~واحد والمخطئ آثم. وإنما نعني بالمجتهد فيه ما لا يكون المخطئ فيه آثما؛ ~~ووجوب الصلوات الخمس والزكوات وما اتفقت عليه الأمة من جليات الشرع فيها ~~أدلة قطعية يأثم فيها المخالف فليس ذلك محل الاجتهاد. فهذه هي الأركان، ~~فإذا صدر الاجتهاد التام من أهله وصادف محله، كان ما أدى إليه الاجتهاد حقا ~~وصوابا كما سيأتي. وقد ظن ظانون أن شرط المجتهد أن لا يكون نبيا فلم يجوزوا ~~الاجتهاد للنبي، وأن شرط الاجتهاد أن لا يقع في زمن النبوة؛ فنرسم فيه ~~مسألتين: # مسألة اختلفوا في جواز التعبد بالقياس والاجتهاد في زمان الرسول - عليه ~~السلام - # فمنعه قوم وأجازه قوم، وقال قوم: يجوز للقضاة والولاة في غيبته لا في ~~حضور النبي - صلى الله عليه وسلم -. # والذين جوزوا منهم من قال: يجوز بالإذن، ومنهم من قال: يكفي سكوت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -. ثم اختلف المجوزون في وقوعه والمختار أن ذلك ~~جائز في حضرته وغيبته وأن يدل عليه بالإذن أو السكوت؛ لأنه ليس في التعبد ~~به استحالة في ذاته ms545 ولا يفضي إلى محال ولا إلى مفسدة. وإن أوجبنا الصلاح ~~فيجوز أن يعلم الله لطفا يقتضي ارتباط صلاح العباد بتعبدهم بالاجتهاد لعلمه ~~بأنه لو نص لهم على قاطع لبغوا وعصوا. # فإن قيل: الاجتهاد مع النص محال وتعرف الحكم بالنص بالوحي الصريح ممكن ~~فكيف يردهم إلى ورطة الظن؟ قلنا: فإذا قال لهم: أوحي إلي أن حكم الله تعالى ~~عليكم ما أدى إليه اجتهادكم وقد تعبدكم بالاجتهاد، فهذا نص. وقولهم: ~~الاجتهاد مع النص محال مسلم، ولكن لم ينزل نص في الواقعة، وإمكان النص لا ~~يضاد الاجتهاد وإنما يضاده نفس النص كيف وقد تعبد النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بالقضاء بقول الشهود حتى قال: # «إنكم لتختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض؟» # PageV01P345 # وكان يمكن نزول الوحي بالحق الصريح في كل واقعة حتى لا يحتاج إلى رجم ~~بالظن وخوف الخطأ. فأما وقوعه فالصحيح أنه قام الدليل على وقوعه في غيبته ~~بدليل قصة معاذ فأما في حضرته فلم يقم فيه دليل. فإن قيل: فقد قال لعمرو بن ~~العاص: «احكم في بعض القضايا. فقال: أجتهد وأنت حاضر؟ فقال: نعم إن أصبت ~~فلك أجران وإن أخطأت فلك أجر» وقال لعقبة بن عامر ولرجل من الصحابة «اجتهدا ~~فإن أصبتما فلكما عشر حسنات وإن أخطأتما فلكما حسنة» قلنا: حديث معاذ مشهور ~~قبلته الأمة، وهذه أخبار آحاد لا تثبت وإن ثبتت احتمل أن يكون مخصوصا بهما ~~أو في واقعة معينة، وإنما الكلام في جواز الاجتهاد مطلقا في زمانه. ### | [مسألة النبي هل يجوز له الحكم بالاجتهاد فيما لا نص فيه] # مسألة اختلفوا في النبي، - عليه السلام - هل يجوز له الحكم بالاجتهاد ~~فيما لا نص فيه؟ # والنظر في الجواز والوقوع، والمختار جواز تعبده بذلك؛ لأنه ليس بمحال في ~~ذاته ولا يفضي إلى محال ومفسدة. فإن قيل: المانع منه أنه قادر على استكشاف ~~الحكم بالوحي الصريح فكيف يرجم بالظن؟ قلنا: فإذا استكشف فقيل له حكمنا ~~عليك أن تجتهد وأنت متعبد به، فهل له أن ينازع الله فيه أو يلزمه أن ms546 يعتقد ~~أن صلاحه فيما تعبد به؟ فإن قيل: قوله نص قاطع يضاد الظن والظن يتطرق إليه ~~احتمال الخطأ فهما متضادان. قلنا: إذا قيل له ظنك علامة الحكم فهو يستيقن ~~الظن والحكم جميعا فلا يحتمل الخطأ وكذلك اجتهاد غيره عندنا، ويكون كظنه ~~صدق الشهود؛ فإنه يكون مصيبا وإن كان الشاهد مزورا في الباطن. # فإن قيل فإن ساواه غيره في كونه مصيبا بكل حال فليجز لغيره أن يخالف ~~قياسه باجتهاد نفسه. قلنا: لو تعبد بذلك لجاز، ولكن دل الدليل من الإجماع ~~على تحريم مخالفة اجتهاده كما دل على تحريم مخالفة الأمة كافة، وكما دل على ~~تحريم مخالفة اجتهاد الإمام الأعظم والحاكم؛ لأن صلاح الخلق في اتباع رأي ~~الإمام والحاكم وكافة الأمة فكذلك النبي. # ومن ذهب إلى أن المصيب واحد يرجح اجتهاده لكونه معصوما عن الخطأ دون ~~غيره، ومنهم من جوز عليه الخطأ ولكن لا يقر عليه. فإن قيل: كيف يجوز ورود ~~التعبد بمخالفة اجتهاده وذلك يناقض الاتباع وينفر عن الانقياد؟ قلنا: إذا ~~عرفهم على لسانه بأن حكمهم اتباع ظنهم وإن خالف ظن النبي كان اتباعه في ~~امتثال ما رسمه لهم كما في القضاء بالشهود، فإنه لو قضى النبي بشهادة شخصين ~~لم يعرف فسقهما فشهدا عند حاكم عرف فسقهما لم يقبلهما # وأما التنفير فلا يحصل بل تكون مخالفته فيه كمخالفته في الشفاعة، وفي ~~تأبير النخل ومصالح الدنيا. فإن قيل: لو قاس فرعا على أصل أفيجوز إيراد ~~القياس على فرعه أم لا؟ إن قلتم: لا. فمحال لأنه صار منصوصا عليه من جهته، ~~وإن قلتم: نعم. فكيف يجوز القياس على الفرع؟ قلنا: يجوز القياس عليه وعلى ~~كل فرع أجمعت الأمة على إلحاقه بأصل لأنه صار أصلا بالإجماع والنص، فلا ~~ينظر إلى مأخذهم؛ وما ألحقه بعض العلماء فقد جوز بعضهم القياس عليه وإن لم ~~توجد علة الأصل. # أما الوقوع فقد قال به قوم وأنكره آخرون وتوقف فيه فريق ثالث وهو الأصح ~~فإنه لم يثبت فيه قاطع. احتج القائلون به بأنه عوتب - عليه الصلاة والسلام ~~- في أسارى ms547 بدر وقيل: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض} ~~[الأنفال: 67] # PageV01P346 # وقال النبي - عليه السلام - «لو نزل عذاب ما نجا منه إلا عمر» لأنه كان ~~قد أشار بالقتل ولو كان قد حكم بالنص لما عوتب. # قلنا: لعله كان مخيرا بالنص في إطلاق الكل أو قتل الكل أو فداء الكل، ~~فأشار بعض الأصحاب بتعيين الإطلاق على سبيل المنع عن غيره فنزل العتاب مع ~~الذين عينوا لا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لكن ورد بصيغة الجمع، ~~والمراد به أولئك خاصة. # واحتجوا بأنه لما قال: «لا يختلى خلاها ولا يعضد شجرها» قال العباس إلا ~~الإذخر فقال - صلى الله عليه وسلم -: " إلا الإذخر " وقال في الحج: " هو ~~للأبد ولو قلت لعامنا لوجب، «ونزل منزلا للحرب فقيل له: إن كان بوحي فسمعا ~~وطاعة وإن كان باجتهاد ورأي فهو منزل مكيدة، فقال: بل باجتهاد ورأي» فرحل. ~~قلنا: أما الإذخر فلعله كان نزل الوحي بأن لا يستثنى الإذخر إلا عند قول ~~العباس أو كان جبريل - عليه السلام - حاضرا فأشار عليه بإجابة العباس وأما ~~الحج فمعناه: لو قلت لعامنا لما قلته إلا عن وحي ولوجب لا محالة. # وأما المنزل فذلك اجتهاد في مصالح الدنيا، وذلك جائز بلا خلاف إنما ~~الخلاف في أمور الدين. احتج المنكرون لذلك بأمور: # أحدها: أنه لو كان مأمورا به لأجاب عن كل سؤال ولما انتظر الوحي. # الثاني أنه لو كان مجتهدا لنقل ذلك عنه واستفاض. # الثالث: أنه لو كان لكان ينبغي أن يختلف اجتهاده ويتغير فيتهم بسبب تغير ~~الرأي. # قلنا: أما انتظار الوحي فلعله كان حيث لم ينقدح له اجتهاد أو في حكم لا ~~يدخله الاجتهاد أو نهي عن الاجتهاد فيه. وأما الاستفاضة بالنقل فلعله لم ~~يطلع الناس عليه وإن كان متعبدا به، أو لعله كان متعبدا بالاجتهاد إذا لم ~~ينزل نص وكان ينزل النص فيكون كمن تعبد بالزكاة والحج إن ملك النصاب والزاد ~~فلم يملك فلا يدل على أنه لم يكن متعبدا. وأما التهمة بتغير الرأي فلا ~~تعويل ms548 عليها، فقد اتهم بسبب النسخ كما قال تعالى: {قالوا إنما أنت مفتر} ~~[النحل: 101] ولم يدل ذلك على استحالة النسخ، كيف وقد عوض هذا الكلام بجنسه ~~فقيل: لو لم يكن متعبدا بالاجتهاد لفاته ثواب المجتهدين ولكان ثواب ~~المجتهدين أجزل من ثوابه؟ # وهذا أيضا فاسد؛ لأن ثواب تحمل الرسالة والأداء عن الله تعالى فوق كل ~~ثواب فإن قيل: فهل يجوز التعبد بوضع العبادات ونصب الزكوات وتقديراتها ~~بالاجتهاد؟ قلنا: لا محيل لذلك ولا يفضي إلى محال ومفسدة، ولا بعد في أن ~~يجعل الله تعالى صلاح عباده فيما يؤدي إليه اجتهاد رسوله لو كان الأمر ~~مبنيا على الصلاح. ومنع القدرية هذا وقالوا: إن وافق ظنه الصلاح في البعض ~~فيمتنع أن يوافق الجميع. # وهذا فاسد؛ لأنه لا يبعد أن يلقي الله في اجتهاد رسوله ما فيه صلاح ~~عباده، هذا هو الجواز العقلي أما وقوعه فبعيد وإن لم يكن محالا بل الظاهر ~~أن ذلك كله كان عن وحي صريح ناص على التفصيل. ### | [النظر الثاني في أحكام الاجتهاد] ### | [الحكم الأول في تأثيم المخطئ في الاجتهاد] # النظر الثاني في أحكام الاجتهاد والنظر في حق المجتهد في تأثيمه وتخطئته ~~وإصابته وتحريم التقليد عليه وتحريم نقض حكمه الصادر عن الاجتهاد، فهذه ~~أحكام النظر. # الأول: في تأثيم المخطئ في الاجتهاد والإثم ينتفي عن كل من جمع صفات ~~المجتهدين إذا تمم الاجتهاد في محله فكل اجتهاد تام إذا صدر من أهله وصادف ~~محله فثمرته حق وصواب، والإثم عن المجتهد منفي. والذي نختاره أن الإثم ~~والخطأ متلازمان، فكل مخطئ آثم وكل # PageV01P347 # آثم مخطئ، ومن انتفى عنه الإثم انتفى عنه الخطأ. # فلنقدم حكم الإثم أولا فنقول: النظريات تنقسم إلى ظنية وقطعية، فلا إثم ~~في الظنيات إذ لا خطأ فيها، والمخطئ في القطعيات آثم. والقطعيات ثلاثة ~~أقسام: كلامية، وأصولية، وفقهية. أما الكلامية فنعني بها العقليات المحضة، ~~والحق فيها واحد، ومن أخطأ الحق فيها فهو آثم، ويدخل فيه حدوث العالم ~~وإثبات المحدث وصفاته الواجبة والجائزة والمستحيلة وبعثة الرسل وتصديقهم ~~بالمعجزات وجواز الرؤية وخلق الأعمال وإرادة الكائنات ms549 وجميع ما الكلام فيه ~~مع المعتزلة والخوارج والروافض والمبتدعة. # وحد المسائل الكلامية المحضة ما يصح للناظر درك حقيقته بنظر العقل قبل ~~ورود الشرع، فهذه المسائل الحق فيها واحد ومن أخطأه فهو آثم، فإن أخطأ فيما ~~يرجع إلى الإيمان بالله ورسوله فهو كافر، وإن أخطأ فيما لا يمنعه من معرفة ~~الله عز وجل ومعرفة رسوله كما في مسألة الرؤية وخلق الأعمال وإرادة ~~الكائنات وأمثالها فهو آثم من حيث عدل عن الحق وضل، ومخطئ من حيث أخطأ ~~المتيقن ومبتدع من حيث قال قولا مخالفا للمشهور بين السلف ولا يلزم الكفر. # وأما الأصولية فنعني بها كون الإجماع حجة وكون القياس حجة وكون خبر ~~الواحد حجة، ومن جملته خلاف من جوز خلاف الإجماع المنبرم قبل انقضاء العصر ~~وخلاف الإجماع الحاصل عن اجتهاد ومنع المصير إلى أحد قولي الصحابة ~~والتابعين عند اتفاق الأمة بعدهم على القول الآخر، ومن جملته اعتقاد كون ~~المصيب واحدا في الظنيات، فإن هذه مسائل أدلتها قطعية والمخالف فيها آثم ~~مخطئ. وقد نبهنا على القطعيات والظنيات في أدراج الكلام في جملة الأصول. # وأما الفقهية فالقطعية منها وجوب الصلوات الخمس والزكاة والحج والصوم ~~وتحريم الزنا والقتل والسرقة والشرب، وكل ما علم قطعا من دين الله فالحق ~~فيها واحد وهو المعلوم والمخالف فيها آثم. # ثم ينظر فإن أنكر ما علم ضرورة من مقصود الشارع كإنكار تحريم الخمر ~~والسرقة ووجوب الصلاة والصوم فهو كافر؛ لأن هذا الإنكار لا يصدر إلا عن ~~مكذب بالشرع، إن علم قطعا بطريق النظر لا بالضرورة ككون الإجماع حجة وكون ~~القياس وخبر الواحد حجة وكذلك الفقهيات المعلومة بالإجماع فهي قطعية ~~فمنكرها ليس بكافر لكنه آثم مخطئ. فإن قيل: كيف حكمتم بأن وجوب الصلاة ~~والصوم ضروري ولا يعرف ذلك إلا بصدق الرسول، وصدق الرسول نظري؟ قلنا: نعني ~~به أن إيجاب الشارع له معلوم تواترا أو ضرورة، أما أن ما أوجبه فهو واجب ~~فذلك نظري يعرف بالنظر في المعجزة المصدقة ومن ثبت عنده صدقه فلا بد أن ~~يعترف به، فإن أنكره فذلك لتكذيبه ms550 الشارع، ومكذبه كافر فلذلك كفرناه به. # أما ما عداه من الفقهيات الظنية التي ليس عليها دليل قاطع فهو في محل ~~الاجتهاد، فليس فيها عندنا حق معين، ولا إثم على المجتهد إذا تمم اجتهاده ~~وكان من أهله. فخرج من هذا أن النظريات قسمان: قطعية وظنية، فالمخطئ في ~~القطعيات آثم ولا إثم في الظنيات أصلا لا عند من قال: المصيب فيها واحد. ~~ولا عند من قال: كل مجتهد مصيب، هذا هو مذهب الجماهير. # وقد ذهب بشر المريسي إلى إلحاق الفروع بالأصول وقال فيها حق واحد متعين ~~والمخطئ آثم، وقد ذهب الجاحظ والعنبري إلى إلحاق الأصول بالفروع، وقال ~~العنبري: كل مجتهد في # PageV01P348 # الأصول أيضا مصيب وليس فيها حق متعين. وقال الجاحظ فيها: حق واحد متعين ~~لكن المخطئ فيها معذور غير آثم كما في الفروع. فلنرسم في الرد على هؤلاء ~~الثلاثة ثلاث مسائل: # مسألة ذهب الجاحظ إلى أن مخالف ملة الإسلام من اليهود والنصارى والدهرية # إن كان معاندا على خلاف اعتقاده فهو آثم، وإن نظر فعجز عن درك الحق فهو ~~معذور غير آثم، وإن لم ينظر من حيث لم يعرف وجوب النظر فهو أيضا معذور. ~~وإنما الآثم المعذب هو المعاند فقط؛ لأن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها ~~وهؤلاء قد عجزوا عن درك الحق ولزموا عقائدهم خوفا من الله تعالى إذ استد ~~عليهم طريق المعرفة. # وهذا الذي ذكره ليس بمحال عقلا لو ورد الشرع به وهو جائز، ولو ورد التعبد ~~كذلك لوقع ولكن الواقع خلاف هذا فهو باطل بأدلة سمعية ضرورية، فإنا كما ~~نعرف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالصلاة والزكاة ضرورة فيعلم ~~أيضا ضرورة أنه أمر اليهود والنصارى بالإيمان به واتباعه وذمهم على إصرارهم ~~على عقائدهم، ولذلك قاتل جميعهم وكان يكشف عن مؤتزر من بلغ منهم ويقتله ~~ويعلم قطعا أن المعاند العارف مما يقل، وإنما الأكثر المقلدة الذين اعتقدوا ~~دين آبائهم تقليدا ولم يعرفوا معجزة الرسول - عليه السلام - وصدقه. # والآيات الدالة في القرآن على هذا لا تحصى، كقوله تعالى: {ذلك ms551 ظن الذين ~~كفروا فويل للذين كفروا من النار} [ص: 27] وقوله تعالى: {وذلكم ظنكم الذي ~~ظننتم بربكم أرداكم} [فصلت: 23] وقوله تعالى: {وإن هم إلا يظنون} [البقرة: ~~78] وقوله {ويحسبون أنهم على شيء} [المجادلة: 18] وقوله تعالى: {في قلوبهم ~~مرض} [البقرة: 10] أي: شك وعلى الجملة ذم الله تعالى والرسول - عليه السلام ~~- المكذبين من الكفار مما لا ينحصر في الكتاب والسنة. # وأما قوله: كيف يكلفهم ما لا يطيقون؟ قلنا: نعلم ضرورة أنه كلفهم، أما ~~أنهم يطيقون أو لا يطيقون فلننظر فيه؛ بل نبه الله تعالى على أنه أقدرهم ~~عليه بما رزقهم من العقل ونصب من الأدلة وبعث من الرسل المؤيدين بالمعجزات ~~الذين نبهوا العقول وحركوا دواعي النظر حتى لم يبق على الله لأحد حجة بعد ~~الرسل # مسألة ذهب عبد الله بن الحسن العنبري إلى أن كل مجتهد مصيب في العقليات ~~كما في الفروع. # فنقول له: إن أردت أنهم لم يؤمروا إلا بما هم عليه وهو منتهى مقدورهم في ~~الطلب فهذا غير محال عقلا ولكنه باطل إجماعا وشرعا كما سبق رده على الجاحظ، ~~وإن عنيت به أن ما اعتقده فهو على ما اعتقده فنقول: كيف يكون قدم العالم ~~وحدوثه حقا وإثبات الصانع ونفيه حقا وتصديق الرسول وتكذيبه حقا وليست هذه ~~الأوصاف وضعية كالأحكام الشرعية؟ إذ يجوز أن يكون الشيء حراما على زيد ~~وحلالا لعمرو إذا وضع كذلك، أما الأمور الذاتية فلا تتبع الاعتقاد بل ~~الاعتقاد يتبعها، فهذا المذهب شر من مذهب الجاحظ؛ فإنه أقر بأن المصيب واحد ~~ولكن جعل المخطئ معذورا، بل هو شر من مذهب السوفسطائية لأنهم نفوا حقائق ~~الأشياء وهذا قد أثبت الحقائق ثم جعلها تابعة للاعتقادات، فهذا أيضا لو ورد ~~به # PageV01P349 # الشرع لكان محالا بخلاف مذهب الجاحظ # وقد استبشع إخوانه من المعتزلة هذا المذهب فأنكروه وأولوه، وقالوا: أراد ~~به اختلاف المسلمين في المسائل الكلامية التي لا يلزم فيها تكفير كمسألة ~~الرؤية وخلق الأعمال وخلق القرآن وإرادة الكائنات؛ لأن الآيات والأخبار ~~فيها متشابهة، وأدلة الشرع فيها متعارضة # وكل فريق ذهب إلى ما رآه أوفق ms552 لكلام الله وكلام رسوله - عليه السلام - ~~وأليق بعظمة الله سبحانه وثبات دينه فكانوا فيه مصيبين ومعذورين. # فنقول: إن زعم أنهم فيه مصيبون فهذا محال عقلا؛ لأن هذه أمور ذاتية لا ~~تختلف بالإضافة بخلاف التكليف فلا يمكن أن يكون القرآن قديما ومخلوقا أيضا ~~بل أحدهما، والرؤية محالا وممكنا أيضا والمعاصي بإرادة الله تعالى وخارجة ~~عن إرادته أو يكون القرآن مخلوقا في حق زيد قديما في حق عمرو بخلاف الحلال ~~والحرام فإن ذلك لا يرجع إلى أوصاف الذوات. # وإن أراد أن المصيب واحد لكن المخطئ معذور غير آثم، فهذا ليس بمحال عقلا ~~لكنه باطل بدليل الشرع واتفاق سلف الأمة على ذم المبتدعة ومهاجرتهم وقطع ~~الصحبة معهم وتشديد الإنكار عليهم مع ترك التشديد على المختلفين في مسائل ~~الفرائض وفروع الفقه. # فهذا من حيث الشرع دليل قاطع، وتحقيقه أن اعتقاد الشيء على خلاف ما هو به ~~جهل، والجهل بالله حرام مذموم، والجهل بجواز رؤية الله تعالى وقدم كلامه ~~الذي هو صفته وشمول إرادته المعاصي وشمول قدرته في التعلق بجميع الحوادث، ~~كل ذلك جهل بالله وجهل بدين الله فينبغي أن يكون حراما، ومهما كان الحق في ~~نفسه واحدا متعينا كان أحدهما معتقدا للشيء على خلاف ما هو عليه فيكون ~~جاهلا. # فإن قيل: يبطل هذا بالجهل في المسائل الفقهية وبالجهل في الأمور الدنيوية ~~كجهله إذا اعتقد أن الأمير في الدار وليس فيها وأن المسافة بين مكة ~~والمدينة أقل أو أكثر مما هي عليها. # قلنا: أما الفقهيات فلا يتصور الجهل فيها إذ ليس فيها حق معين، وأما ~~الدنيويات فلا ثواب في معرفتها ولا عقاب على الجهل فيها، وأما معرفة الله ~~تعالى ففيها ثواب وفي الجهل بها عقاب والمستند فيه الإجماع دون دليل العقل ~~وإلا فدليل العقل لا يحيل حط المأثم عن الجاهل بالله فضلا عن الجاهل بصفات ~~الله تعالى وأفعاله. # فإن قيل: إنما يأثم بالجهل فيما يقدر فيه على العلم ويظهر عليه الدليل، ~~والأدلة غامضة، والشبهات في هذه المسائل متعارضة. قلنا: وكذلك في مسألة ~~حدوث العالم وإثبات ms553 النبوات وتمييز المعجزة عن السحر ففيها أدلة غامضة ~~ولكنه لم ينته الغموض إلى حد لا يمكن فيه تمييز الشبهة عن الدليل، فكذلك في ~~هذه المسألة عندنا أدلة قاطعة على الحق؛ ولو تصورت مسألة لا دليل عليها ~~لكنا نسلم أنه لا تكليف على الخلق فيها. # مسألة ذهب بشر المريسي إلى أن الإثم غير محطوط عن المجتهدين في الفروع بل ~~فيها حق معين وعليه دليل قاطع # فمن أخطأ فهو آثم كما في العقليات، لكن المخطئ قد يكفر كما في أصل ~~الإلهية والنبوة وقد يفسق كما في مسألة الرؤية وخلق القرآن ونظائرها، وقد ~~يقتصر على مجرد التأثيم كما في الفقهيات. # وتابعه على هذا من القائلين بالقياس ابن علية وأبو بكر الأصم، ووافقه ~~جميع نفاة القياس ومنهم الإمامية وقالوا: لا مجال للظن في الأحكام لكن ~~العقل قاض بالنفي الأصلي في جميع الأحكام إلا ما استثناه دليل سمعي قاطع، ~~فما # PageV01P350 # أثبته قاطع سمعي فهو ثابت بدليل قاطع وما لم يثبته فهو باق على النفي ~~الأصلي قطعا ولا مجال للظن فيه. # وإنما استقام هذا لهم لإنكارهم القياس وخبر الواحد، وربما أنكروا أيضا ~~القول بالعموم والظاهر المحتمل حتى يستقيم لهم هذا المذهب. وما ذكروه وهو ~~اللازم على قول من قال: المصيب واحد ويلزمهم عليه منع المقلد من استفتاء ~~المخالفين. # وقد ركب بعض معتزلة بغداد رأسه في الوفاء بهذا القياس وقال: يجب على ~~العامي النظر وطلب الدليل. وقال بعضهم: يقلد العالم أصاب المقلد أم أخطأ. ~~ويدل على فساد هذا المذهب دليلان: # الأول: ما سنذكره في تصويب المجتهدين ونبين أن هذه المسائل ليس فيها دليل ~~قاطع ولا فيها حكم معين، والأدلة الظنية لا تدل لذاتها وتختلف بالإضافة # فتكليف الإصابة لما لم ينصب عليه دليل قاطع تكليف ما لا يطاق وإذا بطل ~~الإيجاب بطل التأثيم، فانتفاء الدليل القاطع ينتج نفي التكليف ونفي التكليف ~~ينتج نفي الإثم، ولذلك يستدل تارة بنفي الإثم على نفي التكليف كما يستدل في ~~مسألة التصويب # ويستدل في هذه المسألة بانتفاء التكليف على انتفاء الإثم فإن النتيجة ms554 تدل ~~على المنتج كما يدل المنتج على النتيجة. # الدليل الثاني إجماع الصحابة على ترك النكير على المختلفين في الجد ~~والإخوة ومسألة العول ومسألة الحرام وسائر ما اختلفوا فيه من الفرائض ~~وغيرها، فكانوا يتشاورون ويتفرقون مختلفين ولا يعترض بعضهم على بعض ولا ~~يمنعه من فتوى العامة ولا يمنع العامة من تقليده ولا يمنعه من الحكم ~~باجتهاده، وهذا متواتر تواترا لا شك فيه. # وقد بالغوا في تخطئة الخوارج ومانعي الزكاة ومن نصب إماما من غير قريش أو ~~رأى نصب إمامين، بل لو أنكر منكر وجوب الصلاة والصوم وتحريم السرقة والزنا ~~لبالغوا في التأثيم والتشديد؛ لأن فيها أدلة قاطعة، فلو كان سائر المجتهدات ~~كذلك لأثموا وأنكروا. فإن قيل لهم: لعلهم أثموا ولم ينقل إلينا وأضمروا ~~التأثيم ولم يظهروا خوف الفتنة والهرج. # قلنا: العادة تحيل اندراس التأثيم والإنكار لكثرة الاختلاف والوقائع، بل ~~لو وقع لتوفرت الدواعي على النقل كما نقلوا الإنكار على مانعي الزكاة ومن ~~استباح الدار على الخوارج في تكفير علي وعثمان وعلى قاتلي عثمان؛ ولو جاز ~~أن يتوهم اندراس مثل هذا لجاز أن يدعى أن بعضهم نقض حكم بعض وأنهم اقتتلوا ~~في المجتهدات ومنعوا العوام من التقليد للمخالفين أو للعلماء أو أوجبوا على ~~العوام النظر أو اتباع إمام معين معصوم. # ثم نقول: تواتر إلينا تعظيم بعضهم بعضا مع كثرة الاختلافات، إذ كان ~~توقيرهم وتسليمهم للمجتهد العمل باجتهاده وتقريره عليه أعظم من التوقير ~~والمجاملة والتسليم في زماننا ومن علمائنا، ولو اعتقد بعضهم في البعض ~~التعصية والتأثيم بالاختلاف لتهاجروا وارتفعت المجاملة وامتنع التوقير ~~والتعظيم. # فأما امتناعهم من التأثيم للفتنة فمحال، فإنهم حيث اعتقدوا ذلك لم تأخذهم ~~في الله لومة لائم ولا منعهم ثوران الفتنة وهيجان القتال حتى جرى في قتال ~~مانعي الزكاة وفي واقعة علي وعثمان والخوارج ما جرى، فهذا توهم محال؛ فإن ~~قيل: فقد نقل الإنكار والتشديد والتأثيم حتى قال ابن عباس: ألا يتقي الله ~~زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ابنا ولا يجعل أبا الأب أبا وقال أيضا: من شاء ~~باهلته أن ms555 الله لم يجعل في المال النصف والثلثين. وقالت عائشة - رضي الله ~~عنها -: # PageV01P351 # أخبروا زيد بن أرقم أنه أحبط جهاده مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~إن لم يتب. # قلنا: ما تواتر إلينا من تعظيم بعضهم بعضا وتسليمهم لكل مجتهد أن يحكم ~~ويفتي ولكل عامي أن يقلد من شاء جاوز حدا لا يشك فيه فلا يعارضه أخبار آحاد ~~لا يوثق بها. # ثم نقول: من ظن بمخالفة أنه خالف دليلا قاطعا فعليه التأثيم والإنكار، ~~وإنما نقل إلينا في مسائل معدودة ظن أصحابها أن أدلتها قاطعة فظن ابن عباس ~~أن الحساب مقطوع به فلا يكون في المال نصف وثلثان، وظنت عائشة - رضي الله ~~عنها - أن حسم الذرائع مقطوع به فمنعت مسألة العينة؛ وقد أخطئوا في هذا ~~الظن، فهذه المسائل أيضا ظنية ولا يجب عصمتها عن مثل هذا الغلط، أما عصمة ~~جملة الصحابة عن العصيان بتعظيم المخالفين وترك تأثيمهم لو أثموا فواجب. ### | [الحكم الثاني في الاجتهاد التصويب والتخطئة] # الحكم الثاني في الاجتهاد والتصويب والتخطئة: وقد اختلف الناس فيها ~~واختلفت الرواية عن الشافعي وأبي حنيفة وعلى الجملة قد ذهب قوم إلى أن كل ~~مجتهد في الظنيات مصيب وقال قوم: # المصيب واحد واختلف الفريقان جميعا في أنه هل في الواقعة التي لا نص فيها ~~حكم معين لله تعالى هو مطلوب المجتهد؟ فالذي ذهب إليه محققو المصوبة أنه ~~ليس في الواقعة التي لا نص فيها حكم معين يطلب بالظن بل الحكم يتبع الظن ~~وحكم الله تعالى على كل مجتهد ما غلب على ظنه، وهو المختار وإليه ذهب ~~القاضي. وذهب قوم من المصوبة إلى أن فيه حكما معينا يتوجه إليه الطلب، إذ ~~لا بد للطلب من مطلوب لكن لم يكلف المجتهد إصابته فلذلك كان مصيبا وإن أخطأ ~~ذلك الحكم المعين الذي لم يؤمر بإصابته، بمعنى أنه أدى ما كلف فأصاب ما ~~عليه. # وأما القائلون بأن المصيب واحد فقد اتفقوا على أن فيه حكما معينا لله ~~تعالى، لكن اختلفوا في أنه هل عليه دليل أم لا؟ فقال قوم: ms556 لا دليل عليه ~~وإنما هو مثل دفين يعثر الطالب عليه بالاتفاق فلمن عثر عليه أجران ولمن حاد ~~عنه أجر واحد لأجل سعيه وطلبه. والذين ذهبوا إلى أن عليه دليلا اختلفوا في ~~أن عليه دليلا قاطعا أو ظنيا؟ فقال قوم: هو قاطع ولكن الإثم محطوط عن ~~المخطئ لغموض الدليل وخفائه. # ومن هذا تمادى بشر المريسي في إتمام هذا القياس فقال: إذا كان الدليل ~~قطعيا أثم المخطئ كما في سائر القطعيات. وهو تمام الوفاء بقياس مذهب من ~~قال: المصيب واحد. ثم الذين ذهبوا إلى أن عليه دليلا ظنيا اختلفوا في أن ~~المجتهد هل أمر قطعيا بإصابة ذلك الدليل؟ فقال قوم: لم يكلف المجتهد إصابته ~~لخفائه وغموضه فلذلك كان معذورا ومأجورا. وقال قوم: أمر بطلبه وإذا أخطأ لم ~~يكن مأجورا لكن حط الإثم عنه تخفيفا. # هذا تفصيل المذاهب والمختار عندنا وهو الذي نقطع به ونخطئ المخالف فيه أن ~~كل مجتهد في الظنيات مصيب وأنها ليس فيها حكم معين لله تعالى، وسنكشف ~~الغطاء عن ذلك بفرض الكلام في طرفين. # الطرف الأول: مسألة فيها نص للشارع وقد أخطأ مجتهد النص. فنقول: ينظر، ~~فإن كان النص مما هو مقدور على بلوغه لو طلبه المجتهد بطريقه فقصر ولم يطلب ~~فهو مخطئ # PageV01P352 # وآثم بسبب تقصيره؛ لأنه كلف الطلب المقدور عليه فتركه فعصى وأثم وأخطأ ~~حكم الله تعالى عليه # أما إذا لم يبلغه النص لا لتقصير من جهته لكن لعائق من جهة بعد المسافة ~~وتأخير المبلغ والنص قبل أن يبلغه ليس حكما في حقه فقد يسمى مخطئا مجازا ~~على معنى أنه أخطأ بلوغ ما لو بلغه لصار حكما في حقه، ولكنه قبل البلوغ ليس ~~حكما في حقه فليس مخطئا حقيقة؛ وذلك أنه لو صلى النبي - عليه السلام - إلى ~~بيت المقدس بعد أن أمر الله تعالى جبريل أن ينزل على محمد - عليه السلام - ~~ويخبره بتحويل القبلة فلا يكون النبي مخطئا؛ لأن خطاب استقبال الكعبة بعد ~~لم يبلغه فلا يكون مخطئا في صلاته، فلو نزل فأخبره وأهل مسجد قباء يصلون ~~إلى ms557 بيت المقدس ولم يخرج بعد إليهم النبي - عليه السلام - ولا مناد من جهته ~~فليسوا مخطئين، إذ ذلك ليس حكما في حقهم قبل بلوغه؛ فلو بلغ ذلك أبا بكر ~~وعمر واستمر سكان مكة على استقبال بيت المقدس قبل بلوغ الخبر إليهم فليسوا ~~مخطئين؛ لأنهم ليسوا مقصرين. # وكذلك نقل عن «ابن عمر: إنا كنا نخابر أربعين سنة حتى روى لنا رافع بن ~~خديج النهي عن المخابرة» فليس ذلك خطأ منهم قبل بلوغ لأن الراوي غاب عنهم ~~أو قصر في الرواية. فإذا ثبت هذا في مسألة فيها نص فالمسألة التي لا نص ~~فيها كيف يتصور الخطأ فيها؟ فإن قيل: فرضتم المسألة حيث لا دليل على الحكم ~~المنصوص ونحن نخطئه إذا كان عليه دليل ووجب عليه طلبه فلم يعثر عليه. # قلنا: عليه دليل قاطع أو دليل ظني؟ فإن كان عليه دليل قاطع فلم يعثر عليه ~~وهو قادر عليه فهو آثم عاص ويجب تأثيمه وحيث وجب تأثيمه وجبت تخطئته كانت ~~المسألة فقهية أو أصولية أو كلامية، وإنما كلامنا في مسائل ليس عليها دليل ~~قاطع، ولو كان لنبه عليه من عثر عليه من الصحابة غيره ولشدد الإنكار عليهم، ~~فإن الدليل القاطع في مثل هذه المسألة نص صريح أو في معنى المنصوص على وجه ~~يقطع به ولا يتطرق الشك إليه والتنبيه على ذلك سهل، أفيقولون: # لم يعثر عليه جميع الصحابة - رضي الله عنهم - فأخطأ أهل الإجماع الحق أو ~~عرفه بعضهم وكتمه أو أظهره فلم يفهمه الآخرون أو فهموه فعاندوا الحق ~~وخالفوا النص الصريح وما يجري مجراه؟ وجميع هذه الاحتمالات مقطوع ببطلانها. ~~ومن نظر في المسائل الفقهية التي لا نص فيها علم ضرورة انتفاء دليل قاطع ~~فيها، وإذا انتفى الدليل فتكليف الإصابة من غير دليل قاطع تكليف محال، فإذا ~~انتفى التكليف انتفى الخطأ. # فإن قيل: عليه دليل ظني بالاتفاق. فمن أخطأ الدليل الظني فقد أخطأ. قلنا: ~~الأمارات الظنية ليست أدلة بأعيانها بل يختلف ذلك بالإضافات، فرب دليل يفيد ~~الظن لزيد وهو بعينه لا يفيد الظن لعمرو مع إحاطته ms558 به، وربما يفيد الظن ~~لشخص واحد في حال دون حال، بل قد يقوم في حق شخص واحد في حال واحدة في ~~مسألة واحدة دليلان متعارضان كان كل واحد لو انفرد لأفاد الظن ولا يتصور في ~~الأدلة القطعية تعارض. # وبيانه أن أبا بكر رأى التسوية في العطاء، إذ قال: الدنيا بلاغ، كيف ~~وإنما عملوا لله عز وجل وأجورهم على الله حيث قال عمر كيف تساوي بين الفاضل ~~والمفضول؟ ورأى عمر التفاوت لكون ذلك ترغيبا في طلب الفضائل ولأن أصل ~~الإسلام وإن كان لله فيوجب الاستحقاق. # والمعنى الذي ذكره أبو بكر فهمه عمر - رضي الله عنهما - ولم يفده غلبة ~~الظن وما رآه عمر فهمه أبو بكر ولم يفده غلبة الظن # PageV01P353 # ولا مال قلبه إليه وذلك لاختلاف أحوالهما، فمن خلق خلقة أبي بكر في غلبة ~~التأله وتجريد النظر في الآخرة غلب على ظنه لا محالة ما ظنه أبو بكر ولم ~~ينقدح في نفسه إلا ذلك، ومن خلقه الله خلقة عمر وعلى حالته وسجيته في ~~الالتفات إلى السياسة ورعاية مصالح الخلق وضبطهم وتحريك دواعيهم للخير فلا ~~بد أن تميل نفسه إلى ما مال إليه عمر مع إحاطة كل واحد منهما بدليل صاحبه، ~~ولكن اختلاف الأخلاق والأحوال والممارسات يوجب اختلاف الظنون، فمن مارس علم ~~الكلام ناسب طبعه أنواع من الأدلة يتحرك بها ظنه لا يناسب ذلك طبع من مارس ~~الفقه. # ولذلك من مارس الوعظ صار مائلا إلى جنس ذلك الكلام بل يختلف باختلاف ~~الأخلاق، فمن غلب عليه الغضب مالت نفسه إلى كل ما فيه شهامة وانتقام، ومن ~~لان طبعه ورق قلبه نفر عن ذلك ومال إلى ما فيه الرفق والمساهلة. # فالأمارات كحجر المغناطيس تحرك طبعا يناسبها كما يحرك المغناطيس الحديد ~~دون النحاس بخلاف دليل العقل فإنه موجب لذاته، فإن تسليم المقدمتين على ~~الشكل الذي ذكرناه في مدارك العقول يوجب التصديق ضرورة بالنتيجة فإذا لا ~~دليل في الظنيات على التحقيق وما يسمى دليلا فهو على سبيل التجوز وبالإضافة ~~إلى ما مالت نفسه إليه فإذا أصل الخطأ ms559 في هذه المسألة إقامة الفقهاء للأدلة ~~الظنية وزنا حتى ظنوا أنها أدلة في أنفسها لا بالإضافة، وهو خطأ محض يدل ~~على بطلانه البراهين القاطعة. # فإن قيل: لم تنكرون على من يقول فيه أدلة قطعية، وإنما لم يؤثم المخطئ ~~لغموض الدليل؟ قلنا: الشيء ينقسم إلى معجوز عنه ممتنع وإلى مقدور عليه على ~~يسر وإلى مقدور عليه على عسر؛ فإن كان درك الحق المعين معجوزا عنه ممتنعا ~~فالتكليف به محال، وإن كان مقدورا على يسر فالتارك له ينبغي أن يأثم قطعا ~~لأنه ترك ما قدر عليه وقد أمر به، وإن كان مقدورا على عسر فلا يخلو إما أن ~~يكون العسر صار سببا للرخصة وحط التكليف كإتمام الصلاة في السفر أو بقي ~~التكليف مع العسر، فإن بقي التكليف مع العسر فتركه مع القدرة إثم كالصبر ~~على قتال الكفار مع تضاعف عددهم فإنه شديد جدا وعسير ولكن يعصي إذا تركه؛ ~~لأن التكليف لم يزل بهذا العسر # وكذلك صبر المرأة على الضرات وحسن التبعل مع أن ذلك جهاد شديد على النفس ~~ولكنها تأثم بتركه مع ضعفها وعجزها، وكذلك التمييز بين الدليل والشبهة في ~~مسألة حدوث العالم ودلالة المعجزة وتمييزها عن السحر في غاية الغموض ومن ~~أخطأ فيه أثم بل كفر واستحق التخليد في النار، وكذلك الحق في المسائل ~~الفقهية مع العسر إن أمر به فالمخطئ آثم فيه وإن لم يؤمر بإصابة الحق بل ~~بحسب غلبة الظن فقد أدى ما كلف وأصاب ما هو حكم في حقه وأخطأ ما ليس حكما ~~في حقه، بل هو بصدد أن يكون حكما في حقه لو خوطب به أو نصب على معرفته دليل ~~قاطع. # فإذا الحاصل أن الإصابة محال أو ممكن ولا تكليف بالمحال، ومن أمر بممكن ~~فتركه عصى وأثم، ومحال أن يقال: هو مأمور به، لكن إن خالف لم يعص ولم يأثم ~~وكان معذورا؛ لأن هذا يناقض حد الأمر والإيجاب إذ حد الإيجاب ما يتعرض ~~تاركه للعقاب والذم. وهذا تقسيم قاطع يرفع الخلاف مع كل منصف ويرد النزاع ~~إلى ms560 عبارة، وهو أن ما ليس حكما في حقه قد أخطأه، وذلك مسلم ولكنه نوع مجاز ~~كتخطئة المصلي إلى بيت المقدس قبل بلوغ الخبر # PageV01P354 # ثم هذا المجاز أيضا إنما ينقدح في حكم نزل من السماء ونطق به الرسول كما ~~في تحويل القبلة ومسألة المخابرة، أما سائر المجتهدات التي يلحق فيه ~~المسكوت بالمنطوق قياسا واجتهادا فليس فيها حكم معين أصلا، إذ الحكم خطاب ~~مسموع أو مدلول عليه بدليل قاطع وليس فيها خطاب ونطق فلا حكم فيها أصلا إلا ~~ما غلب على ظن المجتهد. # وسنفرد لهذا مسألة ونبين أنه ليس في المسألة أشبه عند الله عز وجل # ونذكر الآن شبه المخالفين وهي أربع. # الشبهة الأولى قولهم: هذا المذهب في نفسه محال لأنه يؤدي إلى الجمع بين ~~النقيضين، وهو أن يكون قليل النبيذ مثلا حلالا حراما والنكاح بلا ولي صحيحا ~~باطلا والمسلم إذا قتل كافرا مهدرا ومقادا إذ ليس في المسألة حكم معين وكل ~~واحد من المجتهدين مصيب، فإذا الشيء ونقيضه حق وصواب. # وتبجح بعضهم بهذا الدليل حتى قال: هذا مذهب أوله سفسطة وآخره زندقة؛ لأنه ~~في الابتداء يجعل الشيء ونقيضه حقا وبالآخر يرفع الحجر ويخير بين الشيء ~~ونقيضه عند تعارض الدليلين ويخير المستفتي لتقليد من شاء وينتقي من المذاهب ~~أطيبها عنده. # والجواب أن هذا كلام فقيه سليم القلب جاهل بالأصول وبحد النقيضين وبحقيقة ~~الحكم، ظان أن الحل والحرمة وصف للأعيان، فيقول: يستحيل أن يكون النبيذ ~~حلالا حراما كما يستحيل أن يكون الشيء قديما حادثا، وليس يدري أن الحكم ~~خطاب لا يتعلق بالأعيان بل بأفعال المكلفين # ولا يتناقض أن يحل لزيد ما يحرم على عمرو كالمنكوحة تحل للزوج وتحرم على ~~الأجنبي وكالميتة تحل للمضطر دون المختار وكالصلاة تجب على الطاهر وتحرم ~~على الحائض، وإنما المتناقض أن يجتمع التحليل والتحريم في حالة واحدة لشخص ~~واحد في فعل واحد من وجه واحد، فإذا تطرق التعدد والانفصال إلى شيء من هذه ~~الجملة انتفى التناقض حتى نقول: الصلاة في الدار المغصوبة حرام قربة في ~~حالة واحدة لشخص واحد ms561 لكن من وجه دون وجه، فإذا اختلاف الأحوال ينفي ~~التناقض، ولا فرق بين أن يكون اختلاف الأحوال بالحيض والطهر والسفر والحضر ~~أو بالعلم والجهل أو غلبة الظن، فالصلاة حرام على المحدث إذا علم أنه محدث ~~واجبة عليه إذا جهل كونه محدثا؛ ولو قال الشارع: يحل ركوب البحر لمن، غلب ~~على ظنه السلامة ويحرم على من غلب على ظنه الهلاك فغلب على ظن الجبان ~~الهلاك وعلى ظن الجسور السلامة حرم على الجبان وحل للجسور لاختلاف حالهما # وكذلك لو صرح الشارع وقال: من غلب على ظنه أن النبيذ بالخمر أشبه فقد ~~حرمته عليه ومن غلب على ظنه أنه بالمباحات أشبه فقد حللته له لم يتناقض، ~~فصريح مذهبنا أن لو نطق به الشرع لم يكن متناقضا ولا محالا ومذهب الخصم لو ~~صرح به الشرع كان محالا وهو أن يقول: # كلفتك العثور على ما لا دليل عليه، أو يقول: كلفتك العثور على ما عليه ~~دليل لكن لو تركته مع القدرة لم تأثم فيكون الأول محالا من جهة تكليف ما لا ~~يطاق، ويكون الثاني محالا من جهة تناقض حد الأمر إذ حد الأمر ما يعصي ~~تاركه. # الجواب الثاني: أن نقول لو سلمنا أن الحل والحرمة وصف للأعيان أيضا لم ~~يتناقض، إذ يكون من الأوصاف الإضافية، ولا # PageV01P355 # يتناقض أن يكون الشخص الواحد أبا ابنا لكن لشخصين وأن يكون الشيء مجهولا ~~ومعلوما لكن لاثنين وتكون المرأة حلالا حراما لرجلين كالمنكوحة حرام ~~للأجنبي حلال للزوج والميتة حرام للمختار حلال للمضطر. # الجواب الثالث: هو أن التناقض ما ركبه الخصم، فإنه اتفق كل محصل لم يهذ ~~هذيان المريسي أن كل مجتهد يجب عليه أن يعمل بما أدى إليه اجتهاده ويعصي ~~بتركه، فالمجتهدان في القبلة يجب على أحدهما استقبال جهة يحرم على الآخر ~~استقبالها، فإن المصيب لا يتميز عن المخطئ فيجب على كل واحد منهما العمل ~~بنقيض ما يعمل به الآخر. # الشبهة الثانية: قولهم: إن سلمنا لكم أن هذا المذهب ليس بمحال في نفسه ~~ولو صرح الشرع به فهو مؤد إلى ms562 المحال في بعض الصور وما يؤدي إلى المحال فهو ~~محال، فأداؤه إلى المحال فهو في حق المجتهد بأن يتقاوم عنده دليلان فيتحير ~~عندكم بين الشيء ونقيضه في حالة واحدة، وأما في حق صاحب الواقعة فإذا نكح ~~مجتهد مجتهدة ثم قال لها: أنت بائن، وراجعها والزوج شفعوي يرى الرجعة ~~والزوجة حنفية ترى الكنايات قاطعة للعصمة والرجعة فيسلط الزوج على مطالبتها ~~بالوطء # ويجب عليها مع تسلط الزوج عليها منعه؛ وكذلك إذا نكح بغير ولي أولا ثم ~~نكح آخر بولي فإن كان كل واحد من المذهبين حقا فالمرأة حلال للزوجين، وهذا ~~محال ويمكن أن يستعمل هذا في نصرة الشبهة الأولى، والاعتراض على ما ذكرنا ~~من دفع التناقض ورده إلى شخصين فقد تكلفوا تقريره في حق شخص واحد. # والجواب من أوجه، وحاصله أنه لا إشكال في هذه المسائل ولا استحالة، وما ~~فيه من الإشكال فينقلب عليهم ولا يختص إشكاله بهذا المذهب، أما المجتهد إذا ~~تعارض عنده دليلان فلنا فيه رأيان: # أحدهما: وهو الذي ننصره في هذه المسألة أنه يتوقف ويطلب الدليل من موضع ~~آخر؛ لأنه مأمور باتباع غالب الظن ولم يغلب على ظنه شيء، فقولنا فيه قولكم، ~~فإنه وإن كان أحدهما حقا عندكم فقد تعذر عليه الوصول إليه، وهذا يقطع مادة ~~الإشكال وعلى رأيي نقول: يتخير بأي دليل شاء، وسنفرد هذه المسألة بالذكر ~~وننبه على غورها. # أما الثانية: فقولنا فيها أيضا قولكم، فإن المصيب وإن كان واحدا عندهم ~~فلا يتميز عن المخطئ، ويجب على المخطئ في الحال العمل بموجب اجتهاده لجهله ~~بكونه مخطئا إذ لا يتميز عن صاحبه فقد أوجبوا عليها المنع وأباحوا للزوج ~~الطلب فقد ركبوا المحال إن كان هذا محالا، فسيقولون: إنه ليس بمحال؛ وهو ~~جوابنا الثاني، ووجهه أن إيجاب المنع عليها لا يناقض إباحة الطلب للزوج ولا ~~إيجابه، بل للسيد أن يقول لأحد عبديه: أوجبت عليك سلب فرس الآخر، ويقول ~~للآخر: أوجبت عليك منعه ودفعه، ويقول لهذا: إن لم تسلب عاقبتك، ويقول ~~للآخر: إن لم تحفظ عاقبتك # وكذلك يجب على ولي ms563 الطفل أن يطلب غرامة مال الطفل إذا أخبره عدلان بأنه ~~أتلفه طفل آخر، ويجب على ولي الطفل المنسوب إلى الإتلاف إذا عاين صدور ~~الإتلاف من غير الطفل أو علم كذب الشاهدين أن يمنع ويدفع، فيجب الطلب على ~~أحدهما والدفع على الآخر مؤاخذة لكل واحد بموجب اعتقاده. نعم السؤال يحسن ~~من منكري الاجتهاد من التعليمية وغيرهم إذ يقولون: أصل # PageV01P356 # الاجتهاد باطل لأدائه إلى هذا النوع من التناقض. # وجوابه ما ذكرناه، ونقابله على مذهبه أيضا بما لا يجد عنه محيصا فنقول: ~~إن أنكرت الظنون لم تنكر القواطع، وسعي الإنسان في هلاك نفسه أو إهلاك غيره ~~حرام بالقواطع، فلو اضطر شخصان إلى قدر من الميتة لا يفي إلا بسد رمق ~~أحدهما ولو قسماه أو تركاه ماتا ولو أخذه أحدهما هلك الآخر ولو وكله إليه ~~أهلك نفسه، فماذا يجب عليه؟ وكيفما قال فهو مناقض ولا مخلص، فإن أوجب على ~~كل واحد أن يأخذ فقد أوجب الأخذ على هذا وأوجب الدفع عن ذاك # فإن أوجب عليهما الترك فقد أوجب إهلاكهما جميعا، وإن خص أحدهما بالأخذ ~~فهو تحكم، وإن قال: يتخير كل واحد منهما بين الأخذ والترك فقد سلط هذا على ~~الأخذ وذاك على الدفع، فإن أحدهما لو اختار الأخذ واختار الآخر الدفع جاز، ~~وهو أيضا متناقض بزعمهم، فماذا يقولون؟ والمختار عندنا في هذه الصورة ~~التخيير لكل واحد، فإنه إنما يجب الأخذ إذا لم يهلك غيره، وإنما يجب الترك ~~والإيثار إذا لم يهلك نفسه، فإذا تعارضا تخيرا، ويحتمل أن يقرع بينهما ~~كبينتين متعارضتين. # وأما المسألة الثانية إذا نشب الخصام بين الزوج وزوجته احتمل وجهين، ~~أحدهما: أن يقول: يلزمهما الرفع إلى حاكم البلد فإن قضى بثبوت الرجعة لزم ~~تقديم اجتهاد الحاكم على اجتهادهما أنفسهما وحل لهما مخالفة اجتهاد ~~أنفسهما، إذ اجتهاد الحاكم أولى من اجتهادهما لضرورة رفع الخصومات، فإن ~~عجزا عن حاكم فعليهما تحكيم عالم فيقضي بينهما، فإن لم يفعلا أثما وعصيا ~~وكل ذلك احتمالات فقهية. # ويحتمل أن يتركا متنازعين ولا يبالي بتمانعهما، فإنه تكليف بنقيضين في ms564 حق ~~شخصين فلا يتناقض. وأما المسألة الثالثة وهي أن تنكح بولي من نكحت بغير ~~ولي، فنقول: إن النكاح بلا ولي صدر من حنفي يعتقد ذلك فقد صح النكاح في ~~حقه، والنكاح الثاني بعده باطل قطعيا لأنها صارت زوجة للأول. # وإن كان الحنفي عقده باجتهاد نفسه واتصل به قضاء حنفي فذلك أوكد، فإن كان ~~مقلدا فقد صح أيضا في حقه، وإن صدر العقد من شفعوي على خلاف معتقده احتمل ~~أمرين أحدهما: أن نقطع ببطلانه فإنا إنما نجعله حقا إذ صدر من معتقده عن ~~تقليد أو اجتهاد حيث لا يأثم ولا يعصي وهذا قد عصى فهو مخطئ، ويتحمل أن ~~يقال: ما لم يطلق أولم يقض حاكم ببطلانه فلا تحل لغيره؛ لأنه نكاح بصدد أن ~~يقضي به حنفي فينحسم سبيل نقضه فلا يعقد نكاح آخر قبل نقضه. # وقد اختلفوا في أن الحنفي لو قضى لشفعوي بشفعة الجار أو بصحة النكاح بلا ~~ولي فهل يؤثر قضاؤه في الإحلال باطنا؟ فغلا أبو حنيفة، وجعل القضاء بشهادة ~~الزور يغير الحكم باطنا فيما للقاضي فيه ولاية الفسخ والعقد، وغلا قوم ~~فقالوا: لا يحل القضاء شيئا بل يبقى على ما كان عليه، وإن كان قضاؤه في محل ~~الاجتهاد، وقال قوم يؤثر في محل الاجتهاد ويغير الحكم باطنا، ولا يؤثر حيث ~~قاله أبو حنيفة. # وهذه احتمالات فقهية لا يستحيل شيء منها، فنختار منها ما يشاء فلا ~~يتناقض، ولا يلزمنا في الأصول تصحيح واحد من هذه الاختيارات الفقهية؛ فإنها ~~ظنيات محتملة كل مجتهد أيضا فيها مصيب. # الشبهة الثالثة تمسكهم بطريق الدلالة بقولهم: لو صح ما ذكرتموه لجاز لكل ~~واحد # PageV01P357 # من المجتهدين في القبلة والإناءين إذا اختلف اجتهادهما أن يقتدي بالآخر؛ ~~لأن صلاة كل واحد صحيحة، فلم لا يقتدي بمن صحت صلاته؟ وكذلك ينبغي أن يصح ~~اقتداء الشافعي بحنفي إذا ترك الفاتحة، وصلاة الحنفي أيضا صحيحة؛ لأنه ~~بناها على الاجتهاد، فلما اتفقت الأمة على فساد هذا الاقتداء دل على أن ~~الحق واحد. # والجواب: أن الاتفاق في هذا غير مسلم، فمن العلماء ms565 من جوز الاقتداء مع ~~اختلاف المذاهب وهو منقدح؛ لأن كل مصل يصلي لنفسه ولا يجب الاقتداء إلا بمن ~~هو في صلاة، وصلاة الإمام غير مقطوع ببطلانها فكيف يمتنع الاقتداء؟ ولو بان ~~كون الإمام جنبا ربما لم يجب قضاء الصلاة. # ولو سلمنا فنقول: إنما يجوز الاقتداء بمن صحت صلاته في حق المقتدي، ~~وللمقتدي أن يقول: صلاة الإمام صحيحة في حقه؛ لأنها على وفق اعتقاده فاسدة ~~في حقي؛ لأنها على خلاف اعتقادي، فظهر أثر صحتها في كل ما يخص المجتهد؛ أما ~~ما يتعلق بمخالفته فينزل منزلة الباطل. والاقتداء يتعلق بالمقتدي، فصلاته ~~لا تصلح لقدوة من يعتقد فسادها في حق نفسه وإن كان يعتقد صحتها في حق غيره # والدليل عليه أن الإمام وإن صلى بغير فاتحة فيحتمل صلاته الصحة بالاتفاق ~~إذ الشافعي لا يقطع بخطئه فلم فسد اقتداؤه بمن تجوز صحة صلاته ويجوز ~~بطلانها وكل إمام فيحتمل أن تكون صلاته باطلة بحدث أو نجاسة لا يعرفها ~~المقتدي ولا تبطل صلاته بالاحتمال، فلا سبب لها إلا أنها باطلة في اعتقاده ~~وبموجب اجتهاده، ونحن نقول: هي باطلة بموجب اعتقاده في حقه لا في حق إمامه ~~وبطلانها في حقه كاف لبطلان اقتدائه. # الشبهة الرابعة: قولهم: إن صح تصويب المجتهدين فينبغي أن نطوي بساط ~~المناظرات في الفروع؛ لأن مقصود المناظرة دعوة الخصم إلى الانتقال عن مذهبه ~~فلم يدع إلى الانتقال، بل ينبغي أن يقال: ما اعتقدته فهو حق فلازمه فإنه لا ~~فضل لمذهبي على مذهبك، فالمناظرة إما واجبة وإما ندب وإما مفيدة، ولا يبقى ~~لشيء من ذلك وجه مع التصويب. # والجواب: أنا لا ننكر أن جماعة من ضعفة الفقهاء يتناظرون لدعوة الخصم إلى ~~الانتقال؛ لظنهم أن المصيب واحد، بل لاعتقادهم في أنفسهم أنهم المصيبون وأن ~~خصمهم مخطئ على التعيين، أما المحصلون فلا يتناظرون في الفروع لذلك لكن ~~يعتقدون وجوب المناظرة لغرضين واستحبابها لستة أغراض # أما الوجوب ففي موضعين: # أحدهما: أنه يجوز أن يكون في المسألة دليل قاطع من نص أو ما في معنى النص ~~أو دليل عقلي ms566 قاطع فيما يتنازع فيه في تحقيق مناط الحكم ولو عثر عليه ~~لامتنع الظن والاجتهاد فعليه المباحثة والمناظرة حتى ينكشف انتفاء القاطع ~~الذي يأثم ويعصى بالغفلة عنه. # الثاني: أن يتعارض عنده دليلان ويعسر عليه الترجيح فيستعين بالمباحثة على ~~طلب الترجيح، فإنا وإن قلنا على رأي أنه يتخير فإنما يتخير إذا حصل اليأس ~~عن طلب الترجيح وإنما يحصل اليأس بكثرة المباحثة. # وأما الندب ففي مواضع: # الأول: أن يعتقد فيه أنه معاند فيما يقوله غير معتقد له وأنه إنما يخالف ~~حسدا أو عنادا أو نكرا، فيناظر ليزيل عنهم معصية سوء الظن ويبين أنه يقوله ~~عن اعتقاد واجتهاد. # الثاني: أن ينسب إلى الخطأ وأنه قد خالف دليلا قاطعا، فيعلم جهلهم، # PageV01P358 # فيناظر ليزيل عنهم الجهل كما أزال في الأول معصية التهمة. # الثالث: أن ينبه الخصم على طريقه في الاجتهاد حتى إذا فسد ما عنده لم ~~يتوقف ولم يتخير وكان طريقه عنده عتيدا يرجع إليه إذا فسد ما عنده وتغير ~~فيه ظنه. # الرابع: أن يعتقد أن مذهبه أثقل وأشد وهو لذلك أفضل وأجزل ثوابا فيسعى في ~~استجرار الخصم من الفاضل إلى الأفضل ومن الحق إلى الأحق. # الخامس: أنه يفيد المستمعين معرفة طرق الاجتهاد ويذلل لهم ملكه ويحرك ~~دواعيهم إلى نيل رتبة الاجتهاد ويهديهم إلى طريقه فيكون كالمعاونة على ~~الطاعات والترغيب في القربات. # السادس، وهو الأهم: وهو أن يستفيد هو وخصمه تذليل طرق النظر في الدليل ~~حتى يترقى في الظنيات إلى ما ألحق فيه واحد من الأصول، فيحصل بالمناظرة نوع ~~من الارتياض وتشحيذ الخاطر وتقوية المنة في طلب الحقائق ليترقى به إلى نظر ~~هو فرض عينه إن لم يكن في البلد من يقوم به أو كان قد وقع الشك في أصل من ~~الأصول أو إلى ما هو فرض على الكفاية، إذ لا بد في كل بلد من عالم ملي يكشف ~~معضلات أصول الدين وما لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب متعين إن لم ~~يكن إليه طريق سواه، وإن كان إليه طريق سواه فيكون هو إحدى ms567 خصال الواجب، ~~فهذا في بعض الصور يلتحق بالمناظرة الواجبة. # فهذه فوائد مناظرات المحصلين دون الضعفاء المغترين حين يطلبون من الخصم ~~الانتقال ويفتون بأنه يجب على خصمهم العمل بما غلب على ظنه وأنه لو وافقه ~~على خلاف اجتهاد نفسه عصى وأثم وهل في عالم الله تناقض أظهر منه. فهذه ~~شبههم العقلية، أما الشبه النقلية فخمس الأولى: تمسكهم بقوله تعالى {وداود ~~وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين} ~~[الأنبياء: 78] {ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما} [الأنبياء: 79] ~~وهذا يدل على اختصاص سليمان بمدرك الحق وأن الحق واحد. الجواب من ثلاثة ~~أوجه: الأول: أنه من أين صح أنهما بالاجتهاد حكما ومن العلماء من منع ~~اجتهاد الأنبياء عقلا ومنهم من منعه سمعا ومن أجاز أحال الخطأ عليهم؟ فكيف ~~ينسب الخطأ إلى داود؟ - عليه السلام - ومن أين يعلم أنه قال ما قال عن ~~اجتهاد؟ - عليه السلام - الثاني: أن الآية أدل على نقيض مذهبهم إذ قال: ~~{وكلا آتينا حكما وعلما} [الأنبياء: 79] والباطل والخطأ يكون ظلما وجهلا لا ~~حكما وعلما، ومن قضى بخلاف حكم الله تعالى لا يوصف بأنه حكم الله وأنه ~~الحكم والعلم الذي آتاه الله لا سيما في معرض المدح والثناء. # فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: {ففهمناها سليمان؟} [الأنبياء: 79] قلنا: ~~لا يلزمنا ذكر ذلك بعد أن أبطلنا نسبة الخطإ إلى داود # الجواب الثالث: التأويل، وهو أنها يحتمل أنهما كانا مأذونين في الحكم ~~باجتهادهما فحكما وهما محقان ثم نزل الوحي على وفق اجتهاد سليمان فصار ذلك ~~حقا متعينا بنزول الوحي على سليمان بخلافه، لكن لنزوله على سليمان أضيف ~~إليه ويتعين تنزيل ذلك على الوحي، إذ نقل المفسرون أن سليمان حكم بأنه يسلم ~~الماشية إلى صاحب الزرع حتى ينتفع بدرها ونسلها وصوفها حولا كاملا؛ وهذا ~~إنما يكون حقا وعدلا إذا علم أن الحاصل منه في جميع السنة يساوي ما فات على ~~صاحب الزرع، وذلك يدركه علام الغيوب ولا يعرف بالاجتهاد. # PageV01P359 # الشبهة الثانية: قوله تعالى: {لعلمه الذين يستنبطونه منهم} [النساء: 83] ~~وقوله: {وما ms568 يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم} [آل عمران: 7] فدل ~~على أن في مجال النظر حقا متعينا يدركه المستنبط وهذا فاسد من وجهين: ~~أحدهما: أنه ربما أراد به الحق فيما الحق فيه واحد من العقليات والسمعيات ~~والقطعيات، إذ منها ما يعلم بطريق قاطع نظري مستنبط. # والثاني أنه ليس فيه تخصيص بعض العلماء، فكل ما أفضى إليه نظر عالم فهو ~~استنباطه وتأويله وهو حق مستنبط وتأويل أذن للعلماء فيه دون العوام وجعل ~~الحق في حق العوام الحق الذي استنبطه العلماء بنظرهم وتأويلهم فهذا لا يدل ~~على تخطئة البعض. # الشبهة الثالثة: قوله - عليه السلام -: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله ~~أجران وإن أخطأ فله أجر» فدل أن فيه خطأ وصوابا، وقد ادعيتم استحالة الخطإ ~~في الاجتهاد. # والجواب من وجهين: # الأول: أن هذا هو القاطع على أن كل واحد مصيب إذ له أجر وإلا فالمخطئ ~~الحاكم بغير حكم الله تعالى، كيف يستحق الأجر؟ # الثاني: هو أنا لا ننكر إطلاق اسم الخطإ على سبيل الإضافة إلى مطلوبه لا ~~إلى ما وجب عليه، فإن الحاكم يطلب رد المال إلى مستحقه وقد يخطئ ذلك فيكون ~~مخطئا فيما طلبه مصيبا فيما هو حكم الله تعالى عليه وهو اتباع ما غلب على ~~ظنه من صدق الشهود، وكذلك كل من اجتهد في القبلة، يقال: أخطأ أي: أخطأ ما ~~طلبه ولم يجب عليه الوصول إلى مطلوبه بل الواجب استقبال جهة يظن أن مطلوبه ~~فيها. # فإن قيل: ولم كان للمصيب أجران وهما في التكليف وأداء ما كلفا سواء؟ ~~قلنا: لقضاء الله تعالى وقدره وإرادته، فإنه لو جعل للمخطئ أجرين لكان له ~~ذلك وله أن يضاعف الأجر على أخف العملين؛ لأن ذلك منه تفضل ثم السبب فيه ~~أنه أدى ما كلف وحكم بالنص إذ بلغه، والآخر حرم الحكم بالنص إذ لم يبلغه، ~~ولم يكلف إصابته لعجزه ففاته فضل التكليف والامتثال، وهذا ينقدح في كل ~~مسألة فيها نص وفي كل اجتهاد يتعلق بتحقيق مناط الحكم كأروش الجنايات وقدر ~~كفاية الأقارب فإن فيها حقيقة متعينة ms569 عند الله تعالى وإن لم يكلف المجتهد ~~طلبها، وهو جار في المسائل التي لا نص فيها عند من قال في كل مسألة حكم ~~متعين وأشبه عند الله تعالى، وسيأتي وجه فساده بعد هذا إن شاء الله تعالى # الشبهة الرابعة: تمسكهم بقوله تعالى: {ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله ~~عليكم} [آل عمران: 103] {ولا تنازعوا فتفشلوا} [الأنفال: 46] {ولا تكونوا ~~كالذين تفرقوا واختلفوا} [آل عمران: 105] {ولا يزالون مختلفين} [هود: 118] ~~{إلا من رحم ربك} [هود: 119] ، والإجماع منعقد على الحث على الألفة ~~والموافقة والنهي عن الفرقة، فدل أن الحق واحد ومذهبكم أن دين الله مختلف، ~~ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا. # والجواب من أوجه: # الأول: أن اختلاف الحكم باختلاف الأحوال في العلم والجهل والظن كاختلافه ~~باختلاف السفر والإقامة والحيض والطهر والحرية والرق والاضطرار والاختيار. # الثاني: أن الأمة مجمعة على أنه يجب على المختلفين في الاجتهاد أن يحكم ~~كل واحد بموجب اجتهاده وهو مخالف لغيره، والأمر باتباع المختلف أمر ~~بالاختلاف، فهذا ينقلب عليكم إشكاله، وإنما يصح هذا السؤال من منكري أصل ~~الاجتهاد. # الثالث: وهو جواب منكري أصل الاجتهاد # PageV01P360 # أيضا أنه لو كان المراد ما ذكروه لما جاز للمجتهدين في القبلة أن يصلوا ~~إلى جهات مختلفة مع أن القبلة عند الله تعالى واحدة ولما جاز في الكفارات ~~المختلفة أن يعتق واحد ويصوم آخر ولما جاز للمضطرين إلى ميتة لا تفي برمق ~~جميعهم أن يتقارعوا ولما جاز الاجتهاد في أروش الجنايات وتقدير النفقات وفي ~~مصالح الحرب وكل ما سميناه بتحقيق مناط الحكم؛ وذلك كله ضروري في الدين، ~~وليس مرادنا الاختلاف المنهي عنه بل المنهي عنه الاختلاف في أصول الدين ~~وعلى الولاة والأئمة. # الشبهة الخامسة: قولهم: حسمتم إمكان الخطإ في الاجتهاد والصحابة مجمعون ~~على الحذر من الخطإ، حتى قال أبو بكر - رضي الله عنه -: أقول في الكلالة ~~برأيي فإن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمن الشيطان وقال علي لعمر - رضي ~~الله عنهما -: " إن لم يجتهدوا فقد غشوا وإن اجتهدوا فقد أخطئوا، أما الإثم ~~فأرجو ms570 أن يكون عنك زائلا وأما الدية فعليك " ولما كتب أبو موسى كتابا عن ~~عمر كتب فيه " هذا ما أرى الله عمر " فقال امحه واكتب هذا ما رأى عمر فإن ~~يك خطأ فمن عمر وقال في جواب المرأة التي ردت عليه في النهي عن المبالغة في ~~المهر حيث ذكرت القنطار في الكتاب: " أصابت امرأة وأخطأ عمر وقال ابن مسعود ~~في المفوضة: " إن كان خطأ فمني ومن الشيطان " بعد أن اجتهد شهرا. # الجواب أنا نثبت الخطأ في أربعة أجناس: " أن يصدر الاجتهاد من غير أهله، ~~أو لا يستتم المجتهد نظره، أو يضعه في غير محله بل في موضع فيه دليل قاطع، ~~أو يخالف في اجتهاده دليلا قاطعا كما ذكرناه في باب مثارات إفساد القياس، ~~وأنا ذكرنا عشرة أوجه تبطل القياس قطعا لا ظنا، فجميع هذا مجال الخطإ. # وإنما ينتفي الخطأ متى صدر الاجتهاد من أهله وتم في نفسه ووضع في محله ~~ولم يقع مخالفا لدليل قاطع، ثم مع ذلك كله يثبت اسم الخطإ بالإضافة إلى طلب ~~لا إلى ما وجب كما في القبلة وتحقيق مناط الأحكام، فمن ذكره من الصحابة ~~فأما إن كان اعتقد أن الخطأ ممكن وذهب مذهب من قال: المصيب واحد أو خاف على ~~نفسه أن يكون قد خالف دليلا قاطعا غفل عنه، أو لم يستتم نظره ولم يستفرغ ~~تمام وسعه، أو يخاف أن لا يكون أهلا للنظر في تلك المسألة أو أمن ذلك كله ~~لكن قال ما قال إظهارا للتواضع والخوف من الله تعالى كما يقولون: " أنا ~~مؤمن بالله إن شاء الله " مع أنهم لم يشكوا في إيمانهم. # ثم جميع ما ذكروا أخبار آحاد لا يقوم بها حجة ويتطرق إليها الاحتمال ~~المذكور فلا يندفع بها البراهين القاطعة التي ذكرناها: ### | [مسألة نفي حكم معين في المجتهدات] # مسألة: القول في نفي حكم معين في المجتهدات # أما من ذهب إلى أن المصيب واحد فقد وضع في كل مسألة حكما معينا هو قبلة ~~الطالب ومقصد طلبه فيصيب أو يخطئ؛ أما المصوبة فقد اختلفوا ms571 فيه فذهب بعضهم ~~إلى إثباته وإليه تشير نصوص الشافعي - رحمه الله -؛ لأنه لا بد للطالب من ~~مطلوب، وربما عبروا عنه بأن مطلوب المجتهد الأشبه عند الله تعالى والأشبه ~~معين عند الله. والبرهان الكاشف للغطاء عن هذا الكلام المبهم هو أنا نقول: ~~المسائل منقسمة إلى ما ورد فيها نص وإلى ما لم يرد، أما ما ورد فيه نص ~~فالنص كأنه مقطوع به من جهة الشرع لكن لا يصير حكما في حق المجتهد إلا إذا ~~بلغه وعثر عليه أو كان عليه # PageV01P361 # دليل قاطع يتيسر معه العثور عليه إن لم يقصر في طلبه، فهذا مطلوب المجتهد ~~وطلبه واجب وإذا لم يصب فهو مقصر آثم. # أما إذا لم يكن إليه طريق متيسر قاطع كما في النهي عن المخابرة وتحويل ~~القبلة قبل بلوغ الخبر فقد بينا أن ذلك حكم في حق من بلغه لا في حق من لم ~~يبلغه؛ لكنه عرضة أن يصير حكما فهو حكم بالقوة لا بالفعل، وإنما يصير حكما ~~بالبلوغ أو تيسر طريقه على وجه يأثم من لا يصيبه. فمن قال: في هذه المسائل ~~حكم معين لله تعالى وأراد به أنه حكم موضوع ليصير حكما في حق المكلف إذا ~~بلغه وقبل البلوغ وتيسر الطريق ليس حكما في حقه بالفعل بل بالقوة فهو صادق، ~~وإن أراد به غيره فهو باطل. # أما المسائل التي لا نص فيها فيعلم أنه لا حكم فيها؛ لأن حكم الله تعالى ~~خطابه وخطابه يعرف بأن يسمع من الرسول أو يدل عليه دليل قاطع من فعل النبي ~~- عليه السلام - أو سكوته، فإنه قد يعرفنا خطاب الله تعالى من غير استماع ~~صيغة فإذا لم يكن خطاب لا مسموع ولا مدلول عليه فكيف يكون فيه حكم؟ فقليل ~~النبيذ إن اعتقد فيه كونه عند الله حراما فمعنى تحريمه أنه قيل فيه: لا ~~تشربوه. # وهذا خطاب والخطاب يستدعي مخاطبا والمخاطب به هم الملائكة أو الجن أو ~~الآدميون، ولا بد أن يكون المخاطب به هم المكلفون من الآدميين، ومتى خوطبوا ~~ولم ينزل فيه نص بل ms572 هو مسكوت عنه غير منطوق به ولا مدلول عليه بدليل قاطع ~~سوى النطق؛ فإذا لا يعقل خطاب لا مخاطب به كما لا يعقل علم لا معلوم له ~~وقتل لا مقتول له، ويستحيل أن يخاطب من لا يسمع الخطاب ولا يعرفه بدليل ~~قاطع. فإن قيل: عليه أدلة ظنية. # قلنا: قد بينا أن تسمية الأمارات أدلة مجاز، فإن الأمارات لا توجب الظن ~~لذاتها بل تختلف بالإضافة، فما لا يفيد الظن لزيد فقد يفيد لعمرو وما يفيد ~~لزيد حكما فقد يفيد لعمرو ونقيضه، وقد يختلف تأثيره في حق زيد في حالتين ~~فلا يكون طريقا إلى المعرفة ولو كان طريقا لعصى إذا لم يصبه، فسبب هذا ~~الغلط إطلاق اسم الدليل على الأمارات مجازا فظن أنه دليل محقق وإنما الظن ~~عبارة عن ميل النفس إلى شيء واستحسان المصالح كاستحسان الصور، فمن وافق ~~طبعه صورة مال إليها وعبر عنها بالحسن، وذلك قد يخالف طبع غيره فيعبر عنه ~~بالقبح حيث ينفر عنه؛ فالأسمر حسن عند قوم قبيح عند قوم، فهي أمور إضافية ~~ليس لها حقيقة في نفسها، فلو قال قائل: الأسمر حسن عند الله أو قبيح؟ # قلنا: لا حقيقة لحسنه وقبحه عند الله إلا موافقته لبعض الطباع ومخالفته ~~لبعضها، وهو عند الله كما هو عند الناس، فهو عند الله حسن عند زيد قبيح عند ~~عمرو، إذ لا معنى لحسنه إلا موافقته طبع زيد ولا معنى لقبحه إلا مخالفته ~~لطبع عمرو. وكذلك تحريك الرغبة للفضائل والتفاوت في العطاء هو حسن عند عمر ~~- رضي الله عنه - موافق لرأيه، وهو بعينه ليس موافقا لأبي بكر - رضي الله ~~عنه - بل الحسن عنده أن يجعل الدنيا بلاغا ولا يلتفت إليها. # فهذه الحقيقة في الظنون ينبغي أن تفهم حتى ينكشف الغطاء، وإنما غلط فيه ~~الفقهاء من حيث ظنوا أن الحلال والحرام وصف للأعيان كما ظن قوم أن الحسن ~~والقبح وصف للذوات. فإن قيل: نحن لا ننكر أن ما لم يرد فيه نطق ولا دليل ~~قاطع فليس فيه حكم نازل موضوع، لكن نعني بالأشبه ms573 فيما هو قبلة للطالب الحكم ~~الذي كان الله ينزله لو نزله وربما كان الشارع يقوله لو روجع في تلك ~~المسألة. قلنا: هذا هو # PageV01P362 # الحكم بالقوة وما كان ينزل لو نزل إنما يكون حكما ولو نزل فقبل نزوله ليس ~~حكما فقد ظهر أنه لا حكم؛ ومن أخطأ لم يخطئ الحكم بل أخطأ ما كان لعله ~~سيصير حكما لو جرى في تقدير الله إنزاله ولم يجر في تقديره فلا معنى له # ويلزم من هذا أن يجوز خطأ المجتهدين جميعا في تقديره وإصابة المجتهدين ~~جميعا، فإنه ربما كان ينزل لو أنزل التخيير بين المذهبين وتصويب كل من قال ~~فيه قولا كيفما قال أو ينزل تخطئة كل من قطع القول بإثبات أو نفي حيث لم ~~يتخير بين الحكمين، فإن هذه التجويزات لا تنحصر فربما يعلم الله صلاح ~~العباد في أن لا يضع في الوقائع حكما بل يجعل حكمها تابعا لظن المجتهدين ~~فتعبدهم بما يظنون ويبطل مذهب من يقول فيها بحكم معين فيكون في هذا تخطئة ~~كل من أثبت من المجتهدين حكما معينا نفيا أو إثباتا. # احتجوا بأن قالوا: إنما اضطرنا إلى هذا ضرورة الطلب فإنه يستدعي مطلوبا؛ ~~فمن علم أن الجماد ليس بعالم ولا جاهل لا يتصور أن يطلب الظن أو العلم ~~بجهله وعلمه، ومن اعتقد أن العالم خال عن وصف القدم والحدوث هل يتصور أن ~~يطلب ما يعتقد انتفاءه؟ فإذا اعتقد الطالب أن قليل النبيذ ليس عند الله ~~حراما ولا حلالا فكيف يجتهد في طلب أحدهما؟ # قلنا: فقد أخطأتم إذ ظننتم أن المجتهد يطلب حكم الله مع علمه بأن حكم ~~الله خطابه، فإن الواقعة لا نص فيها ولا خطاب بل إنما يطلب غلبة الظن، وهو ~~كمن كان على ساحل البحر وقيل له: إن غلب على ظنك السلامة أبيح لك الركوب، ~~وإن غلب على ظنك الهلاك حرم عليك الركوب. وقبل حصول الظن لا حكم لله عليك ~~وإنما حكمه يترتب على ظنك ويتبع ظنك بعد حصوله، فهو يطلب الظن دون الإباحة ~~والتحريم. فإن قيل: هذا ms574 في البحر معقول؛ لأنه ينظر في أمارات الهلاك ~~والسلامة فذلك مطلوبه، والإباحة والتحريم أمر وراءه وفي مسألتنا لا مطلوب ~~سوى الحكم. # قلنا: من ههنا غلطتم، فإنه لا فرق بين الصورتين؛ ونحن نكشف ذلك بالأمثلة ~~فنقول: لو قلنا للشارع: ما حكم الله تعالى في العطاء الواجب التسوية أو ~~التفضيل؟ ؟ فقال: حكم الله على كل إمام ظن أن الصلاح في التسوية هو ~~التسوية، وحكمه على كل من ظن أن المصلحة في التفضيل التفضيل، ولا حكم عليهم ~~قبل تحصيل الظن إنما يتجدد حكمه بالظن وبعده كما يتجدد الحكم على راكب ~~البحر بعد الظن ويتجدد على قاضيين شهد عندهما في واقعتين شخصان وجوب القبول ~~ووجوب الرد عند ظن الصدق وظن الكذب، فيجب على أحدهما التصديق وعلى الآخر ~~التكذيب. # وكذلك إذا قلنا: ما حكمه في قليل النبيذ؟ فقال: حكمه تحريم الشرب على من ~~ظن أني حرمت قليل الخمر؛ لأنه يدعوه إلى كثيره والتحليل لمن ظن أني حرمت ~~الخمر لعينها إلا لهذه العلة ولا حكم لله تعالى قبل هذا الظن. وكذلك إذا ~~قلنا: ما حكم الله في قيمة العبد، أتضرب على العاقلة أم على الجاني؟ فقال: ~~حكم الله تعالى على من ظن أنه بالحر أشبه الضرب على العاقلة وعلى من ظن أنه ~~بالبهيمة أشبه الضرب على الجاني. # وكذلك نقول: ما حكم الله في المفاضلة في بيع الجص والبطيخ؟ فقال: حكم ~~الله على من ظن أني حرمت ربا الفضل في البر لأنه مطعوم تحريم البطيخ دون ~~الجص وعلى من ظن أني حرمته للكيل تحريم الجص دون البطيخ. فإن قيل: فما علة ~~تحريم ربا البر عند الله أهي الطعم أم # PageV01P363 # الكيل أو القوت؟ # فنقول: كل واحد من الطعم والكيل لا يصلح أن يكون علة لذاتها بل معنى ~~كونها علة أنها علامة، فمن ظن أن الكيل علامة فهو علامة في حقه دون من ظن ~~أن علامته الطعم وليست العلة وصفا ذاتيا كالقدم والحدوث للعالم حتى يجب أن ~~يكون في علم الله على أحد الوصفين لا محالة، بل هو أمر ms575 وضعي والوضع يختلف ~~بالإضافة وقد وضعته كذلك، فهذا لو صرح الشارع به فهو معقول وجانب الخصم لو ~~صرح به كان محالا، وهو أن يكون لله حكم ليس بخطاب # ولا يتعلق بمخاطب ومكلف، فإن هذا يضاد حد الحكم وحقيقته، أو يقول تعلق به ~~لكن لا طريق له إلى معرفته فهو محال لما فيه من تكليف ما لا يطاق، أو يقول: ~~له طريق إلى معرفته وقد أمر به لكنه لا يعصي بتركه، فهو أيضا يضاد حد ~~الواجب ويضاد حد الإجماع المنعقد على أن المجتهد يجب عليه العمل بموجب ~~اجتهاده، فكيف يجب عليه مع ذلك ضده؟ وكيف يكون مأمورا باستقبال القبلة من ~~غلب على ظنه أن يقال: القبلة في جهة أخرى؟ بل بالإجماع لو خالف اجتهاد نفسه ~~واستقبل جهة أخرى فاتفق أن كان جهة القبلة عصى ولزمه القضاء، فاستبان أن ~~ذلك الاجتهاد الشرعي على الممكن دون المحال. هذا حكم التأثيم والتصويب، ~~ونذكر بقية أحكام الاجتهاد في صور مسائل. ### | [مسألة تعارض دليلان عند المجتهد] # مسألة إذا تعارض دليلان عند المجتهد وعجز عن الترجيح ولم يجد دليلا من ~~موضع آخر وتحير. # فالذين ذهبوا إلى أن المصيب واحد يقولون: هذا بعجز المجتهد وإلا فليس في ~~أدلة الشرع تعارض من غير ترجيح فيلزم التوقف أو الأخذ بالاحتياط أو تقليد ~~مجتهد آخر عثر على الترجيح. وأما المصوبة فاختلفوا فمنهم من قال: يتوقف ~~لأنه متعبد باتباع غالب الظن ولم يغلب عليه ظن شيء وهذا هو الأسلم الأسهل، ~~وقال القاضي: يتخير؛ لأنه تعارض عنده دليلان، وليس أحدهما أولى من الآخر ~~فيعمل بأيهما شاء وهذا ربما يستنكر ويستبعد، ويقال: كيف يتخير في حال واحدة ~~بين الشيء وضده؟ وليس هذا محالا؛ لأن التخيير بين حكمين مما ورد الشرع به ~~كالتخيير بين خصال الكفارة # ولو صرح الشرع بالتخيير كان له ذلك فقد اضطررنا إلى التخيير؛ لأن الحكم ~~تارة يؤخذ من النص وتارة من المصلحة وتارة من الشبه وتارة من الاستصحاب. ~~فإن نظرنا إلى النص فيجوز أن يتعارض في حقنا نصان، ولا يتبين تاريخ ms576 أو ~~يتعارض عمومان ولا يتبين ترجيح أو يتعارض استصحابان كما في مسائل تقابل ~~الأصلين أو يتعارض شبهان بأن تدور المسألة بين أصلين ويكون شبهه هذا كشبهه ~~ذاك أو يتعارض مصلحتان بحيث لا ترجيح. # فلو قلنا: يتوقف، فإلى متى يتوقف؟ وربما لا يقبل الحكم التأخير ولا نجد ~~مأخذا آخر للحكم ولا نجد مفتيا آخر يترجح عنده أو وجد من ترجح عنده بخيال ~~هو فاسد عنده يعلم أنه لا يصلح للترجيح، فكيف يرجح بما يعتقد أنه لا يصلح ~~للترجيح؟ بل لا سبيل إلا التخير، كما لو اجتمع على العامي مفتيان استوى ~~حالهما عنده في العلم والورع، ولم يجد ثالثا فلا طريق إلا التخيير. # وللفقهاء في تعارض البينتين مذاهب، فمنهم من قال: نقسم المال بينهما ~~ومعناه تصديق البينتين وتقدير أنه قام لكل واحد سبب كمال الملك، لكن ضاق ~~المحل عن الوفاء بهما ولا ترجيح، فصار كما لو استحقاه بالشفعة إذ لكل واحد ~~من الشفيعين سبب كامل في استحقاق جميع الشقص المبيع لكن ضاق المحل # PageV01P364 # فيوزع عليهما. # وعلى الجملة الاحتمالات أربعة: إما العمل بالدليلين جميعا أو إسقاطهما ~~جميعا، أو تعيين أحدهما بالتحكم أو التخيير ولا سبيل إلى الجمع عملا ~~وإسقاطا؛ لأنه متناقض، ولا سبيل إلى التوقف إلى غير نهاية فإن فيه تعطيلا، ~~ولا سبيل إلى التحكم بتعيين أحدهما؛ فلا يبقى إلا الرابع وهو التخيير كما ~~في اجتماع المفتيين على العامي، فإن قيل: كما استحالت الأقسام الثلاثة ~~فالتخيير أيضا جمع بين النقيضين فهو محال. # قلنا: المحال ما لو صرح الشرع به لم يعقل، ولو قال الشارع: من دخل الكعبة ~~فله أن يستقبل أي جدار أراد فيتخير بين أن يستقبل جدارا أو يستدبره، كان ~~معقولا لأنه كيفما فعل فهو مستقبل شيئا من الكعبة، وكيفما تقلب فإليها ~~ينقلب. وكذلك إذا قال: تعبدتكم باتباع الاستصحاب، ثم تعارض استصحابان ~~فكيفما تقلب فهو مستصحب، كما إذا أعتق عن كفارته عبدا غائبا انقطع خبره ~~فالأصل بقاء الحياة والأصل بقاء اشتغال الذمة فقد تعارضا. # وكذلك إذا علم المجتهد أن في التسوية في ms577 العطاء مصلحة وهي الاحتراز عن ~~وحشة الصدور بمقدار التفاوت الذي لا يتقدر إلا بنوع من الاجتهاد وفي ~~التفاوت مصلحة تحريك رغبات الفضائل وهما مصلحتان ربما تساوتا عند الله ~~تعالى أيضا، فكيفما فعل فقد مال إلى مصلحة. # وكذلك قد تشبه المسألة أصلين شبها متساويا وقد أمرنا باتباع الشبه فكيفما ~~فعل فهو ممتثل، ومثاله قوله - عليه السلام - في زكاة الإبل: «في كل أربعين ~~بنت لبون وفي كل خمسين حقة» فمن له من الإبل مائتان فإن أخرج الحقاق فقد ~~عمل بقوله - عليه السلام -: «في كل خمسين حقة» وإن أخرج بنات لبون فقد عمل ~~بقوله: «في كل أربعين بنت لبون» وليس أحد اللفظين بأولى من الآخر فيتخير، ~~فكذلك عند تعارض الاستصحاب والمصلحة والشبه. # فإن قيل: التخيير بين التحريم ونقيضه يرفع التحريم والتخيير بين الواجب ~~وتركه يرفع الوجوب والجمع بين أختين مملوكتين إما أن يحرم أو لا يحرم، فإن ~~قلنا بهما جميعا فهو متناقض. # قلنا: يحتمل أن يرجع عند تعارض الدليل الموجب والمسقط إلى الوجه الآخر ~~وهو القول بالتساقط ويطلب الدليل من موضع آخر ويخص وجه التخيير بما لو ورد ~~الشرع فيه بالتخيير لم يتناقض مما يضاهي مسألة بنات اللبون والحقاق ~~وكالاختلاف في المحرم إذا جمع بين التحليلين الواجب عليه بدنة أو شاة إذ ~~التخيير بينهما معقول فيحصل في تعارض الدليلين ثلاثة أوجه وجه في التساقط، ~~ووجه في التخيير، ووجه في التفصيل؛ وفصل بين ما يمكن التخيير فيه من ~~الواجبات إذ يمكن التخيير فيها وبين ما يتعارض فيه الموجب والمبيح أو ~~المحرم والمبيح فلا يمكن التخيير فيه فيرجع إلى التساقط. # وإن أردنا الإصرار على وجوب التخيير مطلقا فله وجه أيضا، وهو أنا نقول: ~~إنما يناقض الوجوب جواز الترك مطلقا أما جوازه بشرط فلا بدليل أن الحج واجب ~~على التراخي وإذا أخر ثم مات قبل الأداء لم يلق الله عاصيا عندنا إذا أخر ~~مع العزم على الامتثال، فجواز تركه بشرط العزم لا ينافي في الوجوب بل ~~المسافر مخير بين أن يصلي أربعا فرضا وبين أن يترك ms578 ركعتين، فالركعتان ~~واجبتان ويجوز أن يتركهما ولكن جاز تركهما بشرط أن يقصد الترخص ويقبل صدقة ~~قد تصدق الله بها على عباده، فهو كمن يستحق أربعة دراهم على غيره فقال له: ~~تصدقت عليك بدرهمين إن قبلت وإن لم تقبل وأتيت بالأربعة قبلت # PageV01P365 # الأربعة عن الدين الواجب # فإن شاء قبل الصدقة وأتى بدرهمين وإن شاء أتى بالأربعة عن الواجب ولا ~~يتناقض، فكذلك في مسألتنا إذا اقتضى استصحاب شغل الذمة إيجاب عتق آخر بعد ~~أن أعتق عبدا غائبا فلا يجوز له تركه إلا بشرط أن يقصد استصحاب الحياة ~~ويعمل بموجبه، فمن لم يخطر له الدليل المعارض أو خطر له ولم يقصد العمل ~~وترك الواجب لم يجز وكذلك إذا سمع قوله تعالى {وأن تجمعوا بين الأختين} ~~[النساء: 23] حرم عليه الجمع بين المملوكتين، وإنما يجوز له إذا قصد العمل ~~بموجب الدليل الثاني وهو قوله تعالى: {أو ما ملكت أيمانكم} [النساء: 3] كما ~~قال عثمان: أحلتهما آية وحرمتهما آية. وسئل ابن عمر عمن نذر صوم يوم من كل ~~أسبوع فوافق يوم العيد فقال: أمر الله بوفاء النذر ونهى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - عن صوم يوم العيد ولم يزد على هذا " معناه أنه إذا لم يظهر ~~ترجيح فيحرم صوم العيد بالنهي. # ويجوز أن يصوم بشرط أن يقصد العمل بموجب الدليل الثاني وهو الأمر بالوفاء ~~وكان ذلك جوازا بشرط فلا يتناقض الواجب، وأما إذا تعارض الموجب والمحرم ~~فيتولد منه التخيير المطلق كالولي إذا لم يجد من اللبن إلا ما يسد رمق أحد ~~رضيعيه ولو قسم عليهما أو منعهما لماتا ولو أطعم أحدهما مات الآخر فإذا ~~أشرنا إلى رضيع معين كان إطعامه واجبا؛ لأن فيه إحياءه وحراما؛ لأن فيه ~~هلاك غيره، فنقول هو مخير بين أن يطعم هذا فيهلك ذاك أو ذاك فيهلك هذا، فلا ~~سبيل إلا التخيير، فإذا مهما تعارض دليلان في واجبين كالشاة والبدنة في ~~الجمع بين التحليلين تخير بينهما # وإن تعارض دليل الوجوب ودليل الإباحة تخير بشرط قصد العمل بموجب الدليل ~~المبيح كما يتخير بين ترك ms579 الركعتين قصدا وبين إتمامهما لكن بشرط قصد ~~الترخص، وإن تعارض الموجب والمحرم حصل التخيير المطلق أيضا. هذا طريق نصرة ~~اختيار القاضي في التخيير. فإن قيل: تعارض دليلين من غير ترجيح محال، وإنما ~~يخفى الترجيح على المجتهد. قلنا: وبم عرفتم استحالة ذلك؟ فكما تعارض موجب ~~بنات اللبون والحقاق فلم يستحل أن يتعارض استصحابان وشبهان ومصلحتان وينتفي ~~الترجيح في علم الله تعالى. # فإن قيل: فما معنى قول الشافعي المسألة على قولين؟ قلنا: هو التخيير في ~~بعض المواضع والتردد في بعض المواضع، كتردده في أن البسملة هل هي آية في ~~أول كل سورة؛ فإن ذلك لا يحتمل التخيير؛ لأنه في نفسه أمر حقيقي ليس بإضافي ~~فيكون الحق فيه واحدا. # فإن قيل: فمذهب التخيير يفضي إلى محال، وهو أن يخير الحاكم المتخاصمين في ~~شفعة الجوار أو استغراق الجد للميراث أو المقاسمة؛ لأن حكم الله الخيرة، ~~وكذلك يخير المفتي العامي، وكذلك يحكم لزيد بشفعة الجوار ولعمرو بنقيضه ~~ويوم السبت باستغراق الجد للميراث ويوم الأحد بالمقاسمة بل تثبت الشفعة يوم ~~الأحد وتسترد يوم الاثنين بالرأي الآخر. # قلنا: لا تخيير للمتخاصمين بين النقيضين؛ لأن الحاكم منصوب لفصل الخصومة ~~عند التنازع فيلزمه أن يفصل الخصومة بأي رأي أراد، كما لو تنازع الساعي ~~والمالك في بنات اللبون والحقاق وفي الشاة والدراهم في الجبران فالحاكم ~~يحكم بما أراد أما الرجوع فغير جائز لمصلحة الحكم أيضا فإنه لو تغير ~~اجتهاده عندكم تغير فتواه ولا ينقض الحكم السابق للمصلحة، أما قضاؤه يوم ~~الأحد بخلاف قضائه يوم السبت # PageV01P366 # وفي حق زيد بخلاف ما في حق عمرو فما قولكم فيه لو تغير اجتهاده؟ أليس ذلك ~~جائزا؟ # فكذلك إذا اجتمع دليلان عليه عندنا كما في الحقاق وبنات اللبون يجوز أن ~~يشير بإشارات مختلفة فيأمر زيدا ببنات اللبون وعمرا بالحقاق وعلى الجملة ~~يجوز أن يغاير أمر الحكم أمر الفتوى لمصلحة الحكم كما لو تغير الاجتهاد ~~فإنه لا ينقض الحكم الماضي ويحكم في المستقبل بالاجتهاد الثاني، وكذلك ~~المجتهد في القبلة إذا تعارض عنده دليلان في جهتين والصلاة ms580 لا تقبل التأخير ~~ولا مجتهد يقلد فهل له سبيل إلا أن يتخير إحدى الجهتين فيصلي إلى أي ~~الجهتين شاء، ولا يجوز أن يعدل إلى الجهتين الباقيتين اللتين دل اجتهاده ~~على أن القبلة ليست فيهما، فهذه أمور لو وقع التصريح بها من الشارع كان ~~مقبولا ومعقولا وإليه الإشارة بقول علي وعثمان - رضي الله عنهما - في الجمع ~~بين المملوكتين: " أحلتهما آية وحرمتهما آية " ### | [مسألة في نقض الاجتهاد] # . المجتهد إذا أداه اجتهاده إلى أن الخلع فسخ فنكح امرأة خالعها ثلاثا ثم ~~تغير اجتهاده لزمه تسريحها ولم يجز له إمساكها على خلاف اجتهاده ولو حكم ~~بصحة النكاح حاكم بعد أن خالع الزوج ثلاثا ثم تغير اجتهاده لم يفرق بين ~~الزوجين ولم ينقض اجتهاده السابق بصحة النكاح لمصلحة الحكم، فإنه لو نقض ~~الاجتهاد لنقض النقض أيضا ولتسلسل فاضطربت الأحكام ولم يوثق بها. # أما إذا نكح المقلد بفتوى مفت وأمسك زوجته بعد دور الطلاق وقد نجز الطلاق ~~بعد الدور ثم تغير اجتهاد المفتي فهل على المقلد تسريح زوجته؟ هذا ربما ~~يتردد فيه، والصحيح أنه يجب تسريحها كما لو تغير اجتهاد مقلده عن القبلة في ~~أثناء الصلاة فإنه يتحول إلى الجهة الأخرى كما لو تغير اجتهاده في نفسه، ~~وإنما حكم الحاكم هو الذي ينقض ولكن بشرط أن لا يخالف نصا ولا دليلا قاطعا ~~فإن أخطأ النص نقضنا حكمه، وكذلك إذا تنبهنا لأمر معقول في تحقيق مناط ~~الحكم أو تنقيحه بحيث يعلم أنه لو تنبه له لعلم قطعا بطلان حكمه فينقض ~~الحكم. # فإن قيل: قد ذكرتم أن مخالف النص مصيب إذا لم يقصر؛ لأن ذلك حكم الله ~~تعالى عليه بحسب حاله فلم ينقض حكمه. قلنا: نعم، هو مصيب بشرط دوام الجهل، ~~كمن ظن أنه متطهر فحكم الله عليه وجوب الصلاة ولو علم أنه محدث فحكم الله ~~عليه تحريم الصلاة مع الحدث، لكن عند الجهل الصلاة واجبة عليه وجوبا حاصلا ~~ناجزا وهي حرام عليه بالقوة أي هي بصدد أن تصير حراما لو علم أنه محدث، ~~فمهما علم لزمه تدارك ms581 ما مضى وكان ذلك صلاة بشرط دوام الجهل وكذلك مهما بلغ ~~المجتهد النص نقض حكمه الواقع، فكذلك الحاكم الآخر العالم بالنص ينقض حكمه. # وعند هذا ننبه على دقيقة، وهي أنا ذكرنا أن اختلاف حال المكلف في الظن ~~والعلم كاختلاف حاله في السفر والإقامة والطهر والحيض فيجوز أن يكون ذلك ~~سببا لاختلاف الحكم، لكن بينهما فرق وهو أن من سقط عنه وجوب لسفره أو عجزه ~~فلا يجب إزالة سفره وعجزه ليتحقق الوجوب، ومن سقط عنه لجهله وجب إزالة جهله ~~فإن التعليم وتبليغ حكم الشرع وتعريف أسبابه واجب # وكذلك نقول: من صلى وعلى ثوبه نجاسة لا يعرفها تصح صلاته ولا يقضيها على ~~قول، فمن رأى في ثوبه تلك النجاسة يلزمه تعريفه ولو # PageV01P367 # تيمم ليصلي وقدر غيره على أن يزيل عجزه بحمل ماء إليه لم يلزمه، ففي هذه ~~الدقيقة يختلف حكم العلم والجهل وحكم سائر الأوصاف. # فإن قيل: فلو خالف الحاكم قياسا جليا هل ينقض حكمه؟ قلنا: قال الفقهاء: ~~ينقض. فإن أرادوا به ما هو في معنى الأصل مما يقطع به فهو صحيح، وإن أرادوا ~~به قياسا مظنونا مع كونه جليا فلا وجه له، إذ لا فرق بين ظن وظن، فإذا ~~انتفى القاطع فالظن يختلف بالإضافة وما يختلف بالإضافة فلا سبيل إلى تتبعه ~~فإن قيل: فمن حكم على خلاف خبر الواحد أو بمجرد صيغة الأمر أو حكم في ~~الفساد بمجرد النهي فهل ينقض حكمه وقد قطعتم بصحة خبر الواحد وأن صيغة ~~الأمر لا تدل على الوجوب والنهي لا يدل بمجرده على الفساد؟ # قلنا مهما كانت المسألة ظنية فلا ينقض الحكم؛ لأنا لا ندري أنه حكم لرده ~~خبر الواحد أو أنه حكم بمجرد صيغة الأمر، بل لعله كان حكم الدليل آخر ظهر ~~له، فإن علمنا أنه حكم لذلك لا لغيره وكانت المسألة مع ذلك ظنية اجتهادية، ~~فلا ينبغي أن ينقض؛ لأنه ليس لله في المسألة الظنية حكم معين فقد حكم بما ~~هو حكم الله تعالى على بعض المجتهدين، فإن أخطأ الطريق فليس مخطئا في ms582 نفس ~~الحكم بل حكم في محل الاجتهاد. # وعلى الجملة الحكم في مسألة فيها خبر واحد على خلاف الخبر ليس حكما برد ~~الخبر مطلقا وإنما المقطوع به كون الخبر حجة على الجملة، أما آحاد المسائل ~~فلا يقطع فيها بحكم. # فإن قيل: فإن حكم بخلاف اجتهاده لكن وافق مجتهدا آخر وقلده فهل ينقض ~~حكمه؟ ولو حكم حاكم مقلد بخلاف مذهب إمامه فهل ينقض؟ قلنا: هذا في حق ~~المجتهد لا يعرف يقينا بل يحتمل تغير اجتهاده، وأما المقلد فلا يصح حكمه ~~عند الشافعي، ونحن وإن حكمنا بتنفيذ حكم المقلدين في زماننا لضرورة الوقت ~~فإن قضينا بأنه لا يجوز للمقلد أن يتبع أي مفت شاء بل عليه اتباع إمامه ~~الذي هو أحق بالصواب في ظنه فينبغي أن ينقض حكمه، ولو جوزنا ذلك؛ فإذا وافق ~~مذهب ذي مذهب فقد وقع الحكم في محل الاجتهاد فلا ينقض. # وهذه مسائل فقهية أعني نقض الحكم في هذه الصور وليست من الأصول في شيء، ~~والله أعلم ### | [مسألة في وجوب الاجتهاد على المجتهد وتحريم التقليد عليه] # وقد اتفقوا على أنه إذا فرغ من الاجتهاد وغلب على ظنه حكم فلا يجوز له أن ~~يقلد مخالفه ويعمل بنظر غيره ويترك نظر نفسه، أما إذا لم يجتهد بعد ولم ~~ينظر فإن كان عاجزا عن الاجتهاد كالعامي فله التقليد، وهذا ليس مجتهدا لكن ~~ربما يكون متمكنا من الاجتهاد في بعض الأمور وعاجزا عن البعض إلا بتحصيل ~~علم على سبيل الابتداء، كعلم النحو مثلا في مسألة نحوية وعلم صفات الرجال ~~وأحوالهم في مسألة خبرية وقع النظر فيها في صحة الإسناد؛ فهذا من حيث حصل ~~بعض العلوم واستقل بها لا يشبه العامي، ومن حيث إنه لم يحصل هذا العلم فهو ~~كالعامي، فيلحق بالعامي أو بالعالم؟ فيه نظر. # والأشهر والأشبه أنه كالعامي، وإنما المجتهد هو الذي صارت العلوم عنده ~~بالقوة القريبة، أما إذا احتاج إلى تعب كثير في التعليم بعد فهو في ذلك ~~الفن عاجز، وكما يمكنه تحصيله فالعامي أيضا يمكنه التعلم ولا يلزمه بل يجوز ~~له ms583 ترك الاجتهاد. وعلى الجملة بين درجة المبتدئ في العلم وبين رتبة الكمال ~~منازل واقعة بين # PageV01P368 # طرفين، وللنظر فيها مجال، وإنما كلامنا الآن في المجتهد. # لو بحث عن مسألة ونظر في الأدلة لاستقل بها ولا يفتقر إلى تعلم علم من ~~غيره فهذا هو المجتهد، فهل يجب عليه الاجتهاد أم يجوز له أن يقلد غيره؟ هذا ~~مما اختلفوا فيه، فذهب قوم إلى أن الإجماع قد حصل على أن من وراء الصحابة ~~لا يجوز تقليدهم وقال قوم: من وراء الصحابة والتابعين وكيف يصح دعوى ~~الإجماع؟ وممن قال بتقليد العالم أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وسفيان ~~الثوري وقال محمد بن الحسن: يقلد العالم الأعلم ولا يقلد من هو دونه أو ~~مثله # وذهب الأكثرون من أهل العراق إلى جواز تقليد العالم العالم فيما يفتي ~~وفيما يخصه. وقال قوم: يجوز فيما يخصه دون ما يفتي وخصص قوم من جملة ما ~~يخصه ما يفوت وقته لو اشتغل بالاجتهاد واختار القاضي منع تقليد العالم ~~للصحابة ولمن بعدهم، وهو الأظهر عندنا والمسألة ظنية اجتهادية. # والذي يدل عليه أن تقليد من لا تثبت عصمته ولا يعلم بالحقيقة إصابته بل ~~يجوز خطؤه وتلبيسه حكم شرعي لا يثبت إلا بنص أو قياس على منصوص ولا نص ولا ~~منصوص إلا العامي والمجتهد، إذ للمجتهد أن يأخذ بنظر نفسه وإن لم يتحقق ~~وللعامي أن يأخذ بقوله؛ أما المجتهد إنما يجوز له الحكم بظنه لعجزه عن ~~العلم فالضرورة دعت إليه في كل مسألة ليس فيها دليل قاطع. # أما العامي فإنما جوز له تقليد غيره للعجز عن تحصيل العلم والظن بنفسه، ~~والمجتهد غير عاجز فلا يكون في معنى العاجز فينبغي أن يطلب الحق بنفسه فإنه ~~يجوز الخطأ على العالم بوضع الاجتهاد في غير محله والمبادرة قبل استتمام ~~الاجتهاد والغفلة عن دليل قاطع وهو قادر على معرفة جميع ذلك ليتوصل في ~~بعضها إلى اليقين وفي بعضها إلى الظن، فكيف ينبني الأمر على عماية كالعميان ~~وهو بصير بنفسه؟ وهو ليس يقدر إلا على تحصيل ظن وظن غيره ms584 كظنه لا سيما ~~عندكم وقد صوبتم كل مجتهد. # قلنا: مع هذا إذا حصل ظنه لم يجز له اتباع ظن غيره فكان ظنه أصلا وظن ~~غيره بدلا، يدل عليه أنه لم يجز العدول إليه مع وجود المبدل فلا يجوز مع ~~القدرة على المبدل كما في سائر الأبدال والمبدلات إلا إن ورد نص بالتخيير ~~فترتفع البدلية أو يرد نص بأنه بدل عند الوجود لا عند العدم، كبنت مخاض ~~وابن لبون في خمس وعشرين من الإبل، فإن وجوب بنت مخاض يمنع من قبول ابن ~~لبون والقدرة على شرائه لا تمنع منه. # فإن قيل: حصرتم طريق معرفة الحق في الإلحاق ثم قطعتم طريق الإلحاق، ولا ~~نسلم أن مأخذه الإلحاق بل عمومات تشمل العامي والعالم، كقوله تعالى: ~~{فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [النحل: 43] وما أراد من لا يعلم ~~شيئا أصلا فإن ذاك مجنون أو صبي بل من لا يعلم تلك المسألة، وكذلك قوله ~~تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء: 59] وهم ~~العلماء. # قلنا: أما قوله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر} [النحل: 43] فإنه لا حجة فيه ~~من وجهين: # أحدهما: أن المراد به أمر العوام بسؤال العلماء إذ ينبغي أن يتميز السائل ~~عن المسئول فمن هو من أهل العلم مسئول وليس بسائل، ولا يخرج عن كونه من أهل ~~العلم بأن لا تكون المسألة حاضرة في ذهنه إذ هو متمكن من معرفتها من غير أن ~~يتعلم من غيره. # الثاني: أن معناه: سلوا لتعلموا، أي سلوا عن الدليل لتحصيل العلم، كما ~~يقال: كل لتشبع، واشرب لتروى. # PageV01P369 # وأما أولو الأمر فإنما أراد بهم الولاة إذ أوجب طاعتهم كطاعة الله ورسوله ~~ولا يجب على المجتهد اتباع المجتهد، فإن كان المراد بأولي الأمر الولاة ~~فالطاعة على الرعية، وإن كان هم العلماء فالطاعة على العوام ولا نفهم غير ~~ذلك. # ثم نقول: يعارض هذه العمومات عمومات أقوى منها يمكن التمسك بها ابتداء في ~~المسألة، كقوله تعالى: {فاعتبروا يا أولي الأبصار} [الحشر: 2] وقوله تعالى: ~~{لعلمه الذين يستنبطونه منهم} [النساء: 83] وقوله: {أفلا يتدبرون ms585 القرآن أم ~~على قلوب أقفالها} [محمد: 24] وقوله {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى ~~الله} [الشورى: 10] وقوله {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} ~~[النساء: 59] فهذا كله أمر بالتدبر والاستنباط والاعتبار، وليس خطابا مع ~~العوام، فلم يبق مخاطب إلا العلماء والمقلد تارك للتدبر والاعتبار ~~والاستنباط. # وكذلك قوله تعالى: {واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم} [الزمر: 55] و ~~{ولا تتبعوا من دونه أولياء} [الأعراف: 3] وهذا بظاهره يوجب الرجوع إلى ~~الكتاب فقط لكن دل الكتاب على اتباع السنة والسنة على الإجماع والإجماع على ~~القياس وصار جميع ذلك منزلا فهو المتبع دون أقوال العباد. فهذه ظواهر قوية ~~والمسألة ظنية يقوى فيها التمسك بأمثالها، ويعتضد ذلك بفعل الصحابة فإنهم ~~تشاوروا في ميراث الجد والعول والمفوضة ومسائل كثيرة وحكم كل واحد منهم بظن ~~نفسه ولم يقلد غيره. # فإن قيل: لم ينقل عن طلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف وهم أهل ~~الشورى نظر في الأحكام مع ظهور الخلاف، والأظهر أنهم أخذوا بقول غيرهم. # قلنا: كانوا لا يفتون اكتفاء بمن عداهم في الفتوى، أما عملهم في حق ~~أنفسهم لم يكن إلا بما سمعوه من النبي - صلى الله عليه وسلم - والكتاب ~~وعرفوه، فإن وقعت واقعة لم يعرفوا دليلها شاوروا غيرهم لتعرف الدليل لا ~~للتقليد. # فإن قيل: فما تقولون في تقليد الأعلم؟ قلنا: الواجب أن ينظر أولا فإن غلب ~~على ظنه ما وافق الأعلم فذاك، وإن غلب على ظنه خلافه فما ينفع كونه أعلم ~~وقد صار رأيه مزيفا عنده، والخطأ جائز على الأعلم وظنه أقوى في نفسه من ظن ~~غيره، وله أن يأخذ بظن نفسه وفاقا ولم يلزمه تقليده؛ لكونه أعلم فينبغي أن ~~لا يجوز تقليده، ويدل عليه إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - على تسويغ ~~الخلاف لابن عباس وابن عمر وابن الزبير وزيد بن ثابت وأبي سلمة بن عبد ~~الرحمن وغيرهم من أحداث الصحابة لأكابر الصحابة ولأبي بكر ولعمر رضي الله ~~عن جميعهم. فإن قيل: فهل من فرق بين ما يخصه وبين ما يفتي به؟ قلنا: يجوز ms586 ~~له أن ينقل للمستفتي مذهب الشافعي وأبي حنيفة لكن لا يفتي من يستفتيه ~~بتقليد غيره، إذ لو جاز ذلك لجاز الفتوى للعوام # وأما ما يخصه إذا ضاق الوقت وكان في البحث تفويت فهذا هل يلحقه بالعاجز ~~في جواز التقليد؟ فيه نظر فقهي ذكرناه في مسألة العدول إلى التيمم عند ضيق ~~الوقت وتناوب جماعة على بئر ماء، فهذه مسألة محتملة. والله أعلم. ### | [الفن الثاني في التقليد والاستفتاء وحكم العوام فيه] ### | [مسألة التقليد هو قبول قول بلا حجة] # الفن الثاني من هذا القطب في التقليد والاستفتاء وحكم العوام فيه وفيه ~~أربع مسائل: مسألة: التقليد هو قبول قول بلا حجة. # وليس ذلك طريقا إلى العلم لا في الأصول ولا # PageV01P370 # في الفروع وذهب الحشوية والتعليمية إلى أن طريق معرفة الحق التقليد وأن ~~ذلك هو الواجب وأن النظر والبحث حرام. ويدل على بطلان مذهبهم مسالك، الأول: ~~هو أن صدق المقلد لا يعلم ضرورة فلا بد من دليل. # ودليل الصدق المعجزة فيعلم صدق الرسول - عليه السلام - بمعجزته وصدق كلام ~~الله بإخبار الرسول عن صدقه وصدق أهل الإجماع بإخبار الرسول عن عصمتهم ويجب ~~على القاضي الحكم بقول العدول لا بمعنى اعتقاد صدقهم لكن من حيث دل السمع ~~على تعبد القضاة باتباع غلبة الظن صدق الشاهد أم كذب، ويجب على العامي ~~اتباع المفتي؛ إذ دل الإجماع على أن فرض العوام اتباع ذلك كذب المفتي أم ~~صدق أخطأ أم أصاب. فنقول: قول المفتي والشاهد لزم بحجة الإجماع فهو قبول ~~قول بحجة فلم يكن تقليدا، فإنا نعني بالتقليد قبول قول بلا حجة فحيث لم تقم ~~حجة ولم يعلم الصدق بضرورة ولا بدليل فالاتباع فيه اعتماد على الجهل. # المسلك الثاني: أن نقول: أتحيلون الخطأ على مقلدكم أم تجوزونه؟ فإن ~~جوزتموه فإنكم شاكون في صحة مذهبكم، وإن أحلتموه فبم عرفتم استحالته بضرورة ~~أم بنظر أو تقليد، ولا ضرورة ولا دليل؟ فإن قلدتموه في قوله: إن مذهبه حق ~~فبم عرفتم صدقه في تصديق نفسه؟ وإن قلدتم فيه غيره فبم عرفتم صدق المقلد ~~الآخر؟ ms587 وإن عولتم على سكون النفس إلى قوله فبم تفرقون بين سكون نفوسكم ~~وسكون نفوس النصارى واليهود؟ وبم تفرقون بين قول مقلدكم: إني صادق محق وبين ~~قول مخالفكم؟ ويقال لهم أيضا في إيجاب التقليد: هل تعلمون وجوب التقليد أم ~~لا؟ فإن لم تعلموه فلم قلدتم وإن علمتم فبضرورة أم بنظر أو تقليد؟ ويعود ~~عليهم السؤال في التقليد، ولا سبيل لهم إلى النظر والدليل فلا يبقى إلا ~~إيجاب التقليد بالتحكم. # فإن قيل: عرفنا صحته بأنه مذهب للأكثرين فهو أولى بالاتباع. قلنا: وبم ~~أنكرتم على من يقول: الحق دقيق غامض لا يدركه إلا الأقلون ويعجز عنه ~~الأكثرون؛ لأنه يحتاج إلى شروط كثيرة من الممارسة والتفرغ للنظر ونفاذ ~~القريحة والخلو عن الشواغل. ويدل عليه أنه - عليه السلام - كان محقا في ~~ابتداء أمره وهو في شرذمة يسيرة على # خلاف الأكثرين، وقد قال تعالى: {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل ~~الله} [الأنعام: 116] كيف وعدد الكفار في زماننا أكثر؟ ثم يلزمكم أن ~~تتوقفوا حتى تدوروا في جميع العالم وتعدوا جميع المخالفين، فإن ساووهم ~~توقفوا وإن غلبوا رجحوا، كيف وهو على خلاف نص القرآن؟ قال الله تعالى: ~~{وقليل من عبادي الشكور} [سبأ: 13] {ولكن أكثرهم لا يعلمون} [الأنعام: 37] ~~{وأكثرهم للحق كارهون} [المؤمنون: 70] فإن قيل: فقد قال - عليه السلام -: ~~«عليكم بالسواد الأعظم» ومن سره أن يسكن بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة ~~«والشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد» قلنا: أولا، بم عرفتم صحة هذه ~~الأخبار وليست متواترة؟ فإن كان عن تقليد فبم تتميزون عن مقلد اعتقد ~~فسادها؟ ثم لو صح فمتبع السواد الأعظم ليس بمقلد بل علم بقول الرسول وجوب ~~اتباعه وذلك قبول قول بحجة وليس بتقليد. # ثم المراد بهذه الأخبار ذكرناه في كتاب " الإجماع " وأنه الخروج عن ~~موافقة الإمام أو موافقة الإجماع. ولهم شبه: # الشبهة الأولى: قولهم: إن الناظر متورط في شبهات # PageV01P371 # وقد كثر ضلال الناظرين فترك الخطر وطلب السلامة أولى. # قلنا: وقد كثر ضلال المقلدين من اليهود والنصارى فبم تفرقون بين تقليدكم ~~وتقليد سائر الكفار حيث ms588 قالوا: إنا وجدنا آباءنا على أمة؟ ثم نقول: إذا ~~وجبت المعرفة كان التقليد جهلا وضلالا فكأنكم حملتم هذا خوفا من الوقوع في ~~الشبهة، كمن يقتل نفسه عطشا وجوعا خيفة من أن يغص بلقمة أو يشرق بشربة لو ~~أكل وشرب، وكالمريض يترك العلاج رأسا خوفا من أن يخطئ في العلاج، وكمن يترك ~~التجارة والحراثة خوفا من نزول صاعقة فيختار الفقر خوفا من الفقر. # الشبهة الثانية: تمسكهم بقوله تعالى: {ما يجادل في آيات الله إلا الذين ~~كفروا} [غافر: 4] وأنه نهى عن الجدال في القدر والنظر يفتح باب الجدال ~~قلنا: نهى عن الجدال بالباطل كما قال تعالى: {وجادلوا بالباطل ليدحضوا به ~~الحق} [غافر: 5] بدليل قوله تعالى: {وجادلهم بالتي هي أحسن} [النحل: 125] ~~فأما القدر فنهاهم عن الجدال فيه؛ إما لأنه كان قد وقفهم على الحق بالنص ~~فمنعهم عن المماراة في النص أو كان في بدء الإسلام فاحترز عن أن يسمعه ~~المخالف فيقول: هؤلاء بعد لم تستقر قدمهم في الدين أو لأنهم كانوا مدفوعين ~~إلى الجهاد الذي هو أهم عندهم. # ثم إنا نعارضهم بقوله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم} [الإسراء: 36] ~~{وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} [البقرة: 169] {قل هاتوا برهانكم} ~~[البقرة: 111] ، هذا كله نهي عن التقليد وأمر بالعلم، ولذلك عظم شأن ~~العلماء وقال تعالى: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم ~~درجات} [المجادلة: 11] وقال - عليه السلام -: «يحمل هذا العلم من كل خلف ~~عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وتأويل الجاهلين وانتحال المبطلين» ولا يحصل ~~هذا بالتقليد بل بالعلم وقال ابن مسعود: " لا تكونن إمعة " قيل: وما إمعة؟ ~~قال: " أن يقول الرجل أنا مع الناس إن ضلوا ضللت وإن اهتدوا اهتديت، ألا لا ~~يوطنن أحدكم نفسه أن يكفر إن كفر الناس ". ### | [مسالة العامي يجب عليه الاستفتاء واتباع العلماء] # وقال قوم من القدرية: يلزمهم النظر في الدليل واتباع الإمام المعصوم وهذا ~~باطل بمسلكين: # أحدهما: إجماع الصحابة فإنهم كانوا يفتون العوام ولا يأمرونهم بنيل درجة ~~الاجتهاد، وذلك معلوم على الضرورة والتواتر من علمائهم وعوامهم. ms589 فإن قال ~~قائل من الإمامية: كان الواجب عليهم اتباع علي لعصمته وكان علي لا ينكر ~~عليهم تقية وخوفا من الفتنة. قلنا: هذا كلام جاهل سد على نفسه باب الاعتماد ~~على قول علي وغيره من الأئمة في حال ولايته إلى آخر عمره؛ لأنه لم يزل في ~~اضطراب من أمره، فلعل جميع ما قاله خالف فيه الحق خوفا وتقية # المسلك الثاني: أن الإجماع منعقد على أن العامي مكلف بالأحكام، وتكليفه ~~طلب رتبة الاجتهاد محال؛ لأنه يؤدي إلى أن ينقطع الحرث والنسل وتتعطل الحرف ~~والصنائع ويؤدي إلى خراب الدنيا لو اشتغل الناس بجملتهم بطلب العلم، وذلك ~~يرد العلماء إلى طلب المعايش ويؤدي إلى اندراس العلم بل إلى إهلاك العلماء ~~وخراب العالم، وإذا استحال هذا لم يبق إلا سؤال العلماء. # فإن قيل: فقد أبطلتم التقليد وهذا عين التقليد. قلنا: التقليد قبول قول ~~بلا حجة وهؤلاء وجب عليهم ما أفتى به المفتي بدليل الإجماع، كما وجب على ~~الحاكم قبول الشهود # PageV01P372 # ووجب علينا قبول خبر الواحد؛ وذلك عند ظن الصدق والظن معلوم ووجوب الحكم ~~عند الظن معلوم بدليل سمعي قاطع فهذا الحكم قاطع، والتقليد جهل. # فإن قيل: فقد رفعتم التقليد من الدين، وقد قال الشافعي - رحمه الله -: ~~ولا يحل تقليد أحد سوى النبي - عليه السلام - فقد أثبت تقليدا. قلنا: قد ~~صرح بإبطال التقليد رأسا إلا ما استثنى فظهر أنه لم يجعل الاستفتاء وقبول ~~خبر الواحد وشهادة العدول تقليدا، نعم، يجوز تسمية قبول قول الرسول تقليدا ~~وتوسعا واستثناؤه من غير جنسه ووجه التجوز أن قبول قوله وإن كان لحجة دلت ~~على صدقه جملة فلا تطلب منه حجة على غير تلك المسألة فكأنه تصديق بغير حجة ~~خاصة ويجوز أن يسمى ذلك تقليدا مجازا. ### | [مسألة لا يستفتي العامي إلا من عرفه بالعلم والعدالة] # أما من عرفه بالجهل فلا يسأله وفاقا، وإن سأل من لا يعرف جهله فقد قال ~~قوم: يجوز وليس عليه البحث؛ وهذا فاسد؛ لأن كل من وجب عليه قبول قول غيره ~~فيلزمه معرفة حاله فيجب على الأمة ms590 معرفة حال الرسول بالنظر في معجزته فلا ~~يؤمن بكل مجهول يدعي أنه رسول الله ووجب على الحاكم معرفة حال الشاهد في ~~العدالة والمفتي معرفة حال الراوي وعلى الرعية معرفة حال الإمام والحاكم. # وعلى الجملة كيف يسأل من يتصور أن يكون أجهل من السائل؟ فإن قيل: إذا لم ~~يعرف عدالة المفتي هل يلزمه البحث؟ إن قلتم يلزمه البحث فقد خالفتم العادة؛ ~~لأن من دخل بلدة فيسأل عالم البلدة ولا يطلب حجة على عدالته، وإن جوزتم مع ~~الجهل فكذلك في العلم. قلنا: من عرفه بالفسق فلا يسأله ومن عرفه بالعدالة ~~فيسأله، ومن لم يعرف فيحتمل أن يقال: لا يهجم بل يسأل عن عدالته أولا فإنه ~~لا يأمن كذبه وتلبيسه، ويحتمل أن يقال: ظاهر حال العالم العدالة لا سيما ~~إذا اشتهر بالفتوى، ولا يمكن أن يقال: ظاهر حال الخلق العلم ونيل درجة ~~الفتوى والجهل أغلب على الخلق فالناس كلهم عوام إلا الأفراد بل العلماء ~~كلهم عدول إلا الآحاد. # فإن قيل: فإن وجب السؤال لمعرفة عدالته أو علمه فيفتقر إلى التواتر أم لا ~~يفتقر إليه؟ قيل: يحتمل أن يقال: فإن ذلك ممكن. ويحتمل أن يقال: يكفي غالب ~~الظن الحاصل بقول عدل أو عدلين، وقد جوز قوم العمل بإجماع نقله العدل ~~الواحد وهذا يقرب من وجه ### | [مسألة مراجعة العامى للمفتى] # مسألة إذا لم يكن في البلدة إلا مفت واحد وجب على العامي مراجعته. # وإن كانوا جماعة فله أن يسأل من شاء ولا يلزمه مراجعة الأعلم كما فعل في ~~زمان الصحابة إذ سأل العوام الفاضل والمفضول ولم يحجر على الخلق في سؤال ~~غير أبي بكر وعمر وغير الخلفاء. وقال قوم: تجب مراجعة الأفضل، فإن استووا ~~تخير بينهم. وهذا يخالف إجماع الصحابة إذ لم يحجر الفاضل على المفضول ~~الفتوى بل لا تجب إلا مراجعة من عرفه بالعلم والعدالة وقد عرف كلهم بذلك. # نعم، إذا اختلف عليه مفتيان في حكم فإن تساويا راجعهما مرة أخرى وقال ~~تناقض فتواكما تساويتما عندي، فما الذي يلزمني؟ فإن خيراه تخير وإن اتفقا ms591 ~~على الأمر بالاحتياط أو الميل إلى جانب معين فعل وإن أصرا على الخلاف لم ~~يبق إلا التخيير فإنه لا سبيل إلى تعطيل الحكم وليس أحدهما بأولى من الآخر ~~والأئمة كالنجوم فبأيهم اقتدى # PageV01P373 # اهتدى، أما إذا كان أحدهما أفضل وأعلم في اعتقاده اختار القاضي أنه يتخير ~~أيضا؛ لأن المفضول أيضا من أهل الاجتهاد لو انفرد فكذلك إذا كان معه غيره ~~فزيادة الفضل لا تؤثر # والأولى عندي أنه يلزمه اتباع الأفضل، فمن اعتقد أن الشافعي - رحمه الله ~~- أعلم والصواب على مذهبه أغلب فليس له أن يأخذ بمذهب مخالفه بالتشهي وليس ~~للعامي أن ينتقي من المذاهب في كل مسألة أطيبها عنده فيتوسع بل هذا الترجيح ~~عنده كترجيح الدليلين المتعارضين عند المفتي فإنه يتبع ظنه في الترجيح، ~~فكذلك ههنا، وإن صوبنا كل مجتهد ولكن الخطأ ممكن بالغفلة عن دليل قاطع ~~وبالحكم قبل تمام الاجتهاد واستفراغ الوسع، والغلط على الأعلم أبعد لا ~~محالة # وهذا التحقيق وهو أنا نعتقد أن لله تعالى سرا في رد العباد إلى ظنونهم ~~حتى لا يكونوا مهملين متبعين للهوى مسترسلين استرسال البهائم من غير أن ~~يزمهم لجام التكليف فيردهم من جانب إلى جانب فيتذكرون العبودية ونفاذ حكم ~~الله تعالى فيهم في كل حركة وسكون يمنعهم من جانب إلى جانب، فما دمنا نقدر ~~على ضبطهم بضابط فذلك أولى من تخييرهم وإهمالهم كالبهائم والصبيان، أما إذا ~~عجزنا عند تعارض مفتيين وتساويهما أو عند تعارض دليلين فذلك ضرورة. # والدليل عليه أنه إذا كان يمكن أن يقال: كل مسألة ليس لله تعالى فيها حكم ~~معين أو يصوب فيها كل مجتهد فلا يجب على المجتهد فيها النظر بل يتخير فيفعل ~~ما شاء، إذ ما من جانب إلا ويجوز أن يغلب على ظن مجتهد، والإجماع منعقد على ~~أنه يلزمه أولا تحصيل الظن ثم يتبع ما ظنه؛ فكذلك ظن العامي ينبغي أن يؤثر. # فإن قيل: المجتهد لا يجوز له أن يتبع ظنه قبل أن يتعلم طرق الاستدلال، ~~والعامي يحكم بالوهم ويغتر بالظواهر وربما يقدم المفضول على الفاضل، فإن ms592 ~~جاز أن يحكم بغير بصيرة فلينظر في نفس المسألة وليحكم بما يظنه فلمعرفة ~~مراتب الفضل أدلة غامضة ليس دركها من شأن العوام. # وهذا سؤال واقع، ولكنا نقول: من مرض له طفل وهو ليس بطبيب فسقاه دواء ~~برأيه كان متعديا مقصرا ضامنا، ولو راجع طبيبا لم يكن مقصرا؛ فإن كان في ~~البلد طبيبان فاختلفا في الدواء فخالف الأفضل عد مقصرا، ويعلم فضل الطبيبين ~~بتواتر الأخبار وبإذعان المفضول له وبتقديمه بأمارات تفيد غلبة الظن، فكذلك ~~في حق العلماء يعلم الأفضل بالتسامع وبالقرائن دون البحث عن نفس العلم، ~~والعامي أهل له فلا ينبغي أن يخالف الظن بالتشهي. فهذا هو الأصح عندنا ~~والأليق بالمعنى الكلي في ضبط الخلق بلجام التقوى والتكليف والله أعلم. ### | [الفن الثالث في الترجيح وكيفية تصرف المجتهد عند تعارض الأدلة] ### | [المقدمة الأولى في بيان ترتيب الأدلة] # الفن الثالث من القطب الرابع # في الترجيح وكيفية تصرف المجتهد عند تعارض الأدلة ويشتمل هذا الفن على ~~مقدمات ثلاث وبابين # أما المقدمة الأولى ففي بيان ترتيب الأدلة. # فنقول: يجب على المجتهد في كل مسألة أن يرد نظره إلى النفي الأصلي قبل ~~ورود الشرع ثم يبحث عن الأدلة السمعية المغيرة فينظر أول شيء في الإجماع ~~فإن وجد في المسألة إجماعا ترك النظر في الكتاب والسنة # PageV01P374 # فإنهما يقبلان النسخ، والإجماع يقبله، فالإجماع على خلاف ما في الكتاب ~~والسنة دليل قاطع على النسخ إذ لا تجتمع الأمة على الخطإ. ثم ينظر في ~~الكتاب والسنة المتواترة على رتبة واحدة؛ لأن كل واحد يفيد العلم القاطع ~~ولا يتصور التعارض في القطعيات السمعية إلا بأن يكون أحدهما ناسخا، فما وجد ~~فيه نص كتاب أو سنة متواترة أخذ به، وينظر بعد ذلك إلى عمومات الكتاب ~~وظواهره، ثم ينظر في مخصصات العموم من أخبار الآحاد ومن الأقيسة فإن عارض ~~قياس عموما أو خبر واحد عموما فقد ذكرنا ما يجب تقديمه منها، فإن لم يجد ~~لفظا نصا ولا ظاهرا نظر إلى قياس النصوص، فإن تعارض قياسان أو خبران أو ~~عمومان طلب الترجيح كما سنذكره، ms593 فإن تساويا عنده توقف على رأي وتخير على ~~رأي آخر كما سبق. ### | [المقدمة الثانية في حقيقة تعارض الأدلة ومحله] # المقدمة الثانية في حقيقة التعارض ومحله. # اعلم أن الترجيح إنما يجري بين ظنين؛ لأن الظنون تتفاوت في القوة، ولا ~~يتصور ذلك في معلومين إذ ليس بعض العلوم أقوى وأغلب من بعض وإن كان بعضها ~~أجلى وأقرب حصولا وأشد استغناء عن التأمل، بل بعضها يستغني عن أصل التأمل ~~وهو البديهي وبعضها غير بديهي يحتاج إلى تأمل لكنه بعد الحصول محقق يقيني ~~لا يتفاوت في كونه محققا فلا ترجيح لعلم على علم؛ ولذلك قلنا: إذا تعارض ~~نصان قاطعان فلا سبيل إلى الترجيح، بل إن كانا متواترين حكم بأن المتأخر ~~ناسخ ولا بد أن يكون أحدهما ناسخا، وإن كانا من أخبار الآحاد وعرفنا ~~التاريخ أيضا حكمنا بالمتأخر، وإن لم نعرف فصدق الراوي مظنون فنقدم الأقوى ~~في نفوسنا. # وكما لا يجوز التعارض والترجيح بين نصين قاطعين فكذلك في علتين قاطعتين، ~~فلا يجوز أن ينصب الله علة قاطعة للتحريم في موضع، وعلة قاطعة للتحليل في ~~موضع، وتدور بينهما مسألة توجد فيها العلتان، ونتعبد بالقياس؛ لأنه يؤدي ~~إلى أن يجتمع قاطع على التحريم وقاطع على التحليل في فرع واحد في حق مجتهد ~~واحد، وهو محال لا كالعلل المظنونة؛ لأن الظنون تختلف بالإضافات فلا تجتمع ~~في حق مجتهد واحد فإن تقاوم ظنان أوجبنا التوقف على رأي كما لو تعارض ~~قاطعان # ومن أمر بالتخيير أجاب بأنه لا يجوز أن يرد نصان قاطعان بالتحريم ~~والتحليل من غير تقدم وتأخر، ويكون معناه التخيير؛ لأن اللفظ لا يحتمل ~~التخيير، فكذلك التعبد بالقياس مع التصريح بالتعليل تصريح بالنفي، والإثبات ~~لا يحتمل التخيير من حيث اللفظ فيكون متناقضا. أما الدليل الذي دل على تعبد ~~المجتهد باتباع الظن فيصلح لأن ينزل على اتباع أغلب الظنين وعند التعارض ~~على التخيير بينهما، فإنه أمر باتباع المصلحة وبالتشبيه وبالاستصحاب فإذا ~~تعارضا فكيفما فعل فهو مستصحب ومشبه ومتبع للمصلحة. # أما القواطع فمتضادة ومتناقضة لا بد من أن تكون ناسخا ms594 ومنسوخا فلا تقبل ~~الجمع، نعم لو أشكل التاريخ وعجزنا عن طلب دليل آخر فلا بد أن يتخير إذ ليس ~~أحدهما بأولى من الآخر مع تضادهما. فإن قيل: فهل يجوز أن يجتمع علم وظن؟ ~~قلنا: لا فإن الظن لو خالف العلم فهو محال؛ لأن ما علم كيف يظن خلافه؟ وظن ~~خلافه شك، فكيف يشك فيما يعلم وإن وافقه؟ فإن أثر الظن بالكلية بالعلم فلا ~~يؤثر معه. ### | [المقدمة الثالثة في دليل وجوب الترجيح] # فإن قال قائل: لم رجحتم أحد الظنين وكل # PageV01P375 # ظن لو انفرد بنفسه لوجب اتباعه؟ وهلا قضيتم بالتخيير أو التوقف قلنا: كان ~~يجوز أن يرد التعبد بالتسوية بين الظنين وإن تفاوتا، لكن الإجماع قد دل على ~~خلافه على ما علم من السلف في تقديم بعض الأخبار على بعض لقوة الظن بسبب ~~علم الرواة وكثرتهم وعدالتهم وعلو منصبهم؛ # فلذلك قدموا خبر أزواجه - عليه السلام - على غيرهن من النساء وقدموا خبر ~~عائشة - رضي الله عنها - في التقاء الختانين على خبر من روى «لا ماء إلا من ~~الماء» وخبر من روت من أزواجه أنه كان يصبح جنبا على ما روى أبو هريرة عن ~~الفضل بن عباس: أن «من أصبح جنبا فلا صوم له» وكما قوى علي خبر أبي بكر فلم ~~يحلفه وحلف غيره وقوى أبو بكر خبر المغيرة في ميراث الجدة لما روى معه محمد ~~بن مسلمة، وقوى عمر خبر أبي موسى الأشعري في الاستئذان بموافقة أبي سعيد ~~الخدري في الرواية، إلى غير ذلك مما يكثر تتبعه. # وكذلك إذا غلب على الظن كون الفرع أشبه بأحد الأصلين وجب اتباعه بالإجماع ~~فقد فهم من أهل الإجماع أنهم تعبدوا بما هو عادة للناس في حراثتهم وتجارتهم ~~وسلوكهم الطرق المخوفة، فإنهم عند تعارض الأسباب المخوفة يرجحون ويميلون ~~إلى الأقوى. فإن قيل: فلم لم ترجحوا في الشهادة بالكثرة وقوة غلبة الظن بل ~~يقضى بالتعارض عند تناقض البينتين؟ قلنا: لأن أهل الإجماع لم يرجحوا في ~~الشهادة وقد رجحوا في الرواية، وسببه أن باب الشهادة مبني على التعبد حتى ms595 ~~لو أتى عشرة بلفظ الإخبار دون الشهادة لم تقبل ولا تقبل شهادة مائة امرأة ~~ولا مائة عبد على باقة بقل. هذه هي المقدمات. ### | [الباب الأول فيما ترجح به الأخبار] # اعلم أن التعارض هو التناقض، فإن كان في خبرين فأحدهما كذب والكذب محال ~~على الله ورسوله، وإن كان في حكمين من أمر ونهي وحظر وإباحة فالجمع تكليف ~~محال فإما أن يكون أحدهما كذبا أو يكون متأخرا ناسخا، وإمكان الجمع بينهما ~~بالتنزيل على حالتين كما إذا قال: الصلاة واجبة على أمتي الصلاة غير واجبة ~~على أمتي؛ فنقول: أراد بالأول المكلفين وأراد بالثاني الصبيان والمجانين أو ~~في حالتي العجز والقدرة أو في زمن دون زمن. وإن عجزنا عن الجمع وعن معرفة ~~المتقدم والمتأخر رجحنا وأخذنا بالأقوى. # وتقوي الخبر في نفوسنا بصدق الراوي وصحته، وتضعيف الخبر في نفوسنا إما ~~باضطراب في متنه أو بضعف في سنده أو بأمر خارج من السند والمتن؛ أما ما ~~يتعلق بالسند والمتن فسبعة عشر: # الأول سلامة متن أحد الخبرين عن الاختلاف والاضطراب دون الآخر فسلامته ~~مرجحة فإن ما لا يضطرب فهو بقول الرسول أشبه، فإن انضاف إلى اضطراب اللفظ ~~اضطراب المعنى كان أبعد عن أن يكون قول الرسول فيدل على الضعف وتساهل ~~الراوي في الرواية. فإن قيل: فيجب أن تكون رواية الزيادة في متن الحديث ~~اضطرابا يوجب اطراحه. # قلنا: لا يجب؛ لأنه في معنى خبرين منفصلين إلا أن يعرف محدث بكثرة ~~الانفراد بالرواية عن الحفاظ فيجوز أن يقدم خبر غيره على خبره. # الثاني اضطراب السند بأن يكون في أحدهما ذكر رجال تلتبس أسماؤهم ونعوتهم ~~وصفاتهم بأسماء قوم ضعفاء وصفاتهم بحيث يعسر التمييز. # الثالث أن يروي أحدهما في تضاعيف قصة مشهورة متداولة بين أهل النقل ~~ومعارضه قد # PageV01P376 # انفرد به الراوي لا في جملة القصة، فما روى في الجماعة أقوى في النفوس ~~وأقرب إلى السلامة من الغلط مما يرويه الواحد عاريا عن قصته المشهورة. # الرابع أن يكون راويه معروفا بزيادة التيقظ وقلة الغلط، فالثقة بروايته ~~عند الناس أشد. # الخامس: أن يقول ms596 أحدهما سمعنا النبي - عليه السلام - والآخر أن يقول كتب ~~إلي بكذا، فإن التحريف والتصحيف في المكتوب أكثر منه في المسموع. # السادس: أن يتطرق الخلاف إلى أحد الخبرين أنه موقوف على الراوي أو مرفوع، ~~فالمتفق على كونه مرفوعا أولى. # السابع: أن يكون منسوبا إليه نصا وقولا والآخر ينسب إليه اجتهادا بأن ~~يروى أنه كان في زمانه أو في مجلسه ولم ينكره، فما نسب إليه قولا ونصا ~~أقوى؛ لأن النص غير محتمل وما في زمانه ربما لم يبلغه وما في مجلسه ربما ~~غفل عنه. # الثامن: أن يروى أحد الخبرين عمن تعارضت الرواية عنه فنقل عنه أيضا ضده ~~فيقدم عليه ما لم يتعارض؛ لأن المتعارض متساقط فيبقى الآخر سليما عن ~~المعارضة. # التاسع: أن يكون الراوي صاحب الواقعة فهو أولى بالمعرفة من الأجنبي، ~~فرواية ميمونة «تزوجني النبي - عليه السلام - ونحن حلالان بعد ما رجع» ~~مقدمة على رواية ابن عباس «أنه نكحها وهو حرام» # العاشر: أن يكون أحد الراويين أعدل وأوثق وأضبط وأشد تيقظا وأكثر تحريا. # الحادي عشر: أن يكون أحدهما على وفق عمل أهل المدينة فهو أقوى؛ لأن ما ~~رآه مالك - رحمه الله - حجة وإجماعا إن لم يصلح حجة فيصلح للترجيح؛ لأن ~~المدينة دار الهجرة ومهبط الوحي الناسخ فيبعد أن ينطوي عليهم. # الثاني عشر: أن يوافق أحد الخبرين مرسل غيره فيرجح به من يرجح بكثرة ~~الرواة؛ لأن المرسل حجة عند قوم فإن لم يكن حجة فلا أقل من أن يكون مرجحا. # الثالث عشر: أن تعمل الأمة بموجب أحد الخبرين، فإنه إذا احتمل أن يكون ~~عملهم بدليل آخر فيحتمل أن يكون هذا الخبر فيكون صدقه أقوى في النفس # الرابع عشر: أن يشهد القرآن أو الإجماع أو النص المتواتر أو دليل العقل ~~لوجوب العمل على وفق الخبر فيرجح به. # فإن قيل: ذلك قاطع في تصديقه. قلنا: لا، بل يتصور أن يكذب على النبي - ~~عليه السلام - فيما يوافق القرآن والإجماع فيقول: سمعت ما لم يسمعه، وإنما ~~يجب صدقه إذا اجتمعت الأمة على صدقه لا إذا اجتمعت على ms597 عمل يوافق خبره ~~ولعله عن دليل آخر. # الخامس عشر: أن يكون أحدهما أخص والآخر أعم فيقدم ما هو أخص بالمقصود، ~~كتقديم قوله: «في الرقة ربع العشر» في إيجابه على الطفل والبالغ على قوله: ~~«رفع القلم عن ثلاثة» لأن هذا تعرض لنفي الخطاب العام وليس بتعرض للزكاة ~~ولا لسقوط الزكاة عن الولي بإخراج زكاته، والحديث الأول متعرض لخصوص الزكاة ~~ومتناول لعمومه مال الصبي فهو أخص وأمس بالمقصود. # السادس عشر: أن يكون أحدهما مستقلا بالإفادة ومعارضه لا يفيد إلا بتقدير ~~إضمار أو حذف وذلك مما يتطرق إليه زيادة التباس لا يتطرق إلى المستقل. # السابع عشر أن يكون رواة أحد الخبرين أكثر فالكثرة تقوي الظن ولكن رب عدل ~~أقوى في النفس من عدلين لشدة تيقظه وضبطه، والاعتماد في ذلك على ما غلب على ~~ظن المجتهد. هذا ما يوجب الترجيح لأمر في سند الخبر أو في متنه؛ وقد يرجح ~~لأمور خارجة عنها وهي خمسة: # الأول: كيفية استعمال الخبر في محل الخبر كقوله: «لا نكاح إلا بولي» مع # PageV01P377 # قوله: «الأيم أحق بنفسها من وليها» لأنا نحمل ذلك على أنها أحق بنفسها في ~~الإذن لا في العقد، واللفظ يعم الإذن والعقد وهم يحملون خبرنا على الصغيرة ~~أو الأمة أو النكاح من غير كفء، والخلاف واقع في الكبيرة وهم صرفوا خبرنا ~~عن محل الخلاف ونحن استعملنا الخبرين في الكبيرة، فتأويلنا أقرب فإنه لا ~~ينبو عنه اللفظ بل كان اللفظ محتملا لهما، أما تنزيل خبرنا على الصغيرة ~~والأمة فبعيد. # الثاني: أن يكون أحد الخبرين يوجب غضا من منصب الصحابة فيكون أضعف، كما ~~رووا من أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - الصحابة بإعادة الوضوء عند ~~القهقهة، فخبرنا وهو قوله: «كان يأمرنا إذا كنا مسافرين أن لا ننزع خفافنا ~~إلا من جنابة لا من بول أو غائط أو نوم» وليس فيه القهقهة، فهو أولى من ~~خبرهم. # الثالث: أن يكون أحد الخبرين متنازعا في خصوصه، والآخر متفق على تطرق ~~الخصوص إليه فقد قال قوم: إنه يسقط الاحتجاج به فإن لم يصح ms598 ذلك فيدل على ~~ضعفه لا محالة. # الرابع: أن يكون أحد الخبرين قد قصد به بيان الحكم المتنازع فيه دون ~~الآخر كقوله: «أيما إهاب دبغ فقد طهر» لم يفرق فيه بين ما يؤكل وبين ما لا ~~يؤكل، فدلالة عمومه على جلد ما لا يؤكل أقوى من دلالة نهيه عن افتراش جلود ~~السباع؛ لأنه ما سيق لبيان النجاسة والطهارة بل ربما نهى عن الافتراش ~~للخيلاء أو لخاصية لا نعقلها. # الخامس: أن يتضمن أحد الخبرين إثبات ما ظهر تأثيره في الحكم دون الآخر ~~حتى تقدم رواية عائشة وابن عمر وابن عباس أن بريرة أعتقت تحت عبد على ما ~~روي أنها أعتقت تحت حر؛ لأن ضرورة الرق في الخيار قد ظهر أثره ولا يجري ذلك ~~في الحر ### | [القول فيما يظن أنه ترجيح وليس بترجيح] # وله أمثلة ستة: # الأول: أن يعمل أحد الراويين بالخبر دون الآخر أو يعمل بعض الأمة أو بعض ~~الأئمة بموجب أحد الخبرين فلا يرجح به إذ لا يجب تقليدهم، فالمعمول به وغير ~~المعمول به واحد. # الثاني: أن يكون أحدهما غريبا لا يشبه الأصول كحديث القهقهة وغرة الجنين ~~وضرب الدية على العاقلة وخبر نبيذ التمر ودفع القيمة في إحدى عيني الفرس، ~~فهذه الأحاديث لو صحت لا تؤخر عن معارضها الموافق للأصول؛ لأن للشارع أن ~~يتعبد بالغريب والمألوف، نعم لو ثبت التقاوم بين الخبرين تساقطا ورجعنا إلى ~~القياس وذلك ليس من الترجيح في شيء. # الثالث: الخبر الذي لا يدرأ الحد لا يقدم على الموجب وإن كان الحد يسقط ~~بالشبهة وقال قوم: الرافع أولى؛ وهو ضعيف؛ لأن هذا لا يوجب تفاوتا في صدق ~~الراوي فيما ينقله من لفظ الإيجاب أو الإسقاط. # الرابع: إذا روي خبران من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - أحدهما مثبت ~~والآخر ناف فلا يرجح أحدهما على الآخر لاحتمال وقوعهما في حالين فلا يكون ~~بينهما تعارض # وقد بينا في باب أفعال النبي - عليه السلام - محل امتناع التعارض بين ~~الفعلين # الخامس: خبر يتضمن العتق والآخر يتضمن نفيه، قال قوم من أهل العراق: ms599 ~~المثبت للعتق أولى لغلبة العتق؛ ولأنه لا يقبل الفسخ؛ وهذا ضعيف؛ لأن هذا ~~لا يوجب تفاوتا في صدق الراوي وثبوت نقله # السادس: الخبر الحاظر لا يرجح على المبيح # PageV01P378 # على ما ظنه قوم لأنهما حكمان شرعيان صدق الراوي فيهما على وتيرة واحدة ### | [الباب الثاني في ترجيح العلل] # الباب الثاني ترجيح العلل ومجامع ما يرجع إليه ترجيح العلل خمسة. # الأول: ما يرجع إلى قوة الأصل الذي منه الانتزاع، فإن قوة الأصل تؤكد ~~العلة # الثاني: ما يرجع إلى تقوية نفس العلة في ذاتها. # الثالث: ما يرجع إلى قوة طريق إثبات العلة من نص أو إجماع أو أمارة. # الرابع: ما يقوي حكم العلة الثابت بها. # الخامس: أن تتقوى بشهادة الأصول وموافقتها لها. # القسم الأول: ما يرجع إلى قوة الأصل وهي عشرة: # أن تكون إحدى العلتين منتزعة من أصل معلوم استقراره في الشرع ضرورة ~~والأخرى من أصل معلوم لكن بنظر ودليل فإنهما وإن كانا معلومين فجاحد ~~الضروري يكفر وجاحد النظري لا يكفر فذلك أقوى. فإن قيل: أليس قد قدمتم أنه ~~لا يقدم معلوم على معلوم؟ قلنا: العلتان مظنونتان وإنما المعلوم أصلاهما ~~والترجيح للعلة المظنونة. # الثاني: أن يكون أحد الأصلين محتملا للنسخ أو ذهب بعض العلماء إلى نسخه ~~فما سلم من الاختلاف والاحتمال أولى وأقوى # الثالث: أن يثبت أصل إحدى العلتين بخبر الواحد والآخر بخبر متواتر وأمر ~~مقطوع به، فإن العمل بخبر الواحد وإن كان واجبا قطعا فهو حق بالإضافة إلى ~~من ظن صدق الراوي والآخر حق في نفسه مطلقا لا بالإضافة. # الرابع: أن يكون أحد الأصلين ثابتا بروايات كثيرة والآخر برواية واحدة، ~~فإنه يرجح الأول عند من يرجح بكثرة الرواة ولا يرجح عند من لا يرى ذلك. # الخامس: أن يكون أحد الأصلين ثابتا بعموم لم يدخله التخصيص فيقدم على ما ~~ثبت بعموم دخله التخصيص لضعفه. # السادس: أن يكون أحد الأصلين ثابتا بصريح النص والآخر ثبت بتقدير إضمار ~~أو حذف دقيق، فالنص الصريح أولى. # السابع: أن يكون أحد الأصلين أصلا بنفسه والآخر فرعا لأصل آخر، فالفرع ms600 ~~ضعيف عند من جوز القياس عليه والأظهر منع القياس عليه، وكذلك أصل ثبت بخبر ~~الواحد أقوى من أصل ثبت بالقياس على خبر الواحد. # الثامن: أن يكون أحد الأصلين مما اتفق القائسون على تعليله والآخر ~~اختلفوا فيه، فالمتفق على تعليله من القائسين وإن لم يكونوا كل الأمة أقرب ~~إلى كونه معلوما من المختلف فيه. # التاسع: أن يكون دليل أحد الأصلين مكشوفا معينا والآخر أجمعوا على أنه ~~ثابت بدليل، فإن لم يكن معينا فيقدم المكشوف؛ لأنه يمكن معرفة رتبته ~~وتقديمه على غيره والمجهول لا يدرى ما رتبته وما وجه معاوضته لغيره ~~ومساواته له. # العاشر: أن يكون أحد الأصلين مغيرا للنفي الأصلي والآخر مقررا، فالمغير ~~أولى؛ لأنه حكم شرعي وأصل سمعي والآخر نفي للحكم على الحقيقة # القسم الثاني: ما لا يرجع إلى الأصل، ونرجع إلى بقية الأقسام الأربعة ~~نوردها من غير تفصيل لتعلق بعضها بالبعض، ويرجع ذلك إلى قريب من عشرين ~~وجها. # الأول: أن تثبت إحدى العلتين بنص قاطع وهذا قد أورد في الترجيح وهو ضعيف؛ ~~لأن الظن ينمحي في مقابلة القاطع فلا يبقى معه حتى يحتاج إلى ترجيح، إذ لو ~~بقي معه لتطرق شكنا إليه ويخرج عن # PageV01P379 # كونه معلوما، وقد بينا أنه لا ترجيح لمعلوم على معلوم ولا لمظنون على ~~مظنون. # الثاني: أن تعتضد إحدى العلتين بموافقة قول صحابي انتشر وسكت عنه ~~الآخرون، وهذا يصح على مذهب من لا يرى ذلك إجماعا أما من اعتقده إجماعا صار ~~عنده قاطعا ويسقط الظن في مقابلته. # الثالث: أن تعتضد بقول صحابي وحده ولم ينتشر فقد قال قوم: قوله حجة فإن ~~لم يكن حجة فلا يبعد أن يقوى القياس به في ظن مجتهد، إذ يقول إن كان ما ~~قاله عن توقيف فهو أولى وإن كان قال ما قاله عن ظن وقياس فهو أولى بفهم ~~مقاصد الشرع منا. ويجوز أن لا يترجح عند مجتهد. # الرابع: أن يترجح بموافقته بخبر مرسل أو بخبر مردود عنده، لكن قال به بعض ~~العلماء. فهذا مرجح بشرط أن لا يكون قاطعا ببطلان ms601 مذهب القائلين به، بل يرى ~~ذلك في محل الاجتهاد # الخامس: أن تشهد الأصول بمثل حكم إحدى العلتين أعني لجنسها لا لعينها، ~~فإنه إن شهدت لعينها كان قاطعا رافعا للظنون إلى النيات وشهادة الكفارات ~~لاستواء البدل والمبدل في النية، فهذا أيضا يصلح للترجيح عند من غلب على ~~ظنه ذلك # السادس: أن يكون نفس وجود العلة ضروريا في أحدهما نظريا في الآخر، فإن ~~كانا معلومين أو كان أحدهما متيقنا والآخر مظنونا فإن من أوصاف العلة ما ~~يتيقن ككون البر قوتا وكون الخمر مسكرا ومنه ما يظن ككون الكلب نجسا إذا ~~عللنا منع بيعه بنجاسته وككون التراب مبطلا رائحة النجاسة إذا ألقي في ~~الماء الكثير المتغير لا ساترا # كذلك علة مركبة من وصفين: أحدهما: ضروري والآخر: نظري أو أحدهما معلوم ~~والآخر مظنون إذا عارضها ما هو ضروري الوصفين أو معلوم الوصفين؛ لأن ما علم ~~مجموع وصفيه أولى مما تطرق الشك أو الظن إلى أحد وصفيه؛ لأن الحكم لا محالة ~~يتبع وجود نفس العلة فما قوي العلم أو الظن بوجود العلة قوي الظن بحكم ~~العلة. # السابع: الترجيح بما يعود إلى التعلق بالعلم بالعلة، فإذا كان إحدى ~~العلتين حكما ككونه حراما أو نجسا، والأخرى حسيا ككونه قوتا ومسكرا زعموا ~~أن رد الحكم إلى الحكم أولى، حتى إن تعليل الحكم بالحرية والرق أولى من ~~تعليله بالتمييز والعقل وتعليله بالتكليف أولى من تعليله بالإنسانية، وهذا ~~من الترجيحات الضعيفة. # الثامن: أن تكون إحدى العلتين سببا أو سببا للسبب، كما لو جعل الزنا ~~والسرقة علة للحد والقطع كان أولى من جعل أخذ مال الغير على سبيل الخفية ~~علة ومن جعل إيلاج الفرج في الفرج علة حتى يتعدى إلى النباش واللائط؛ لأن ~~تلك العلة استندت إلى الاسم الذي ظهر الحكم به؛ هذا إذا تساوت العلتان من ~~كل وجه # أما إذا دل الدليل على أن الحكم غير منوط بالسبب الظاهر بل بمعنى تضمنه ~~فالدليل متبع فيه كما أن القاضي لا يقضي في حالة الغضب لا للغضب ولكن لكونه ~~ممنوعا من استيفاء ms602 الفكر فيجري في الحاقن والجائع، وهو أولى من التعليل ~~بالغضب الذي ينسب الحكم إليه. # التاسع: الترجيح بشدة التأثير، ولا نعني بشدة التأثير قيام الدليل على ~~كونه علة؛ لأن الدليل يقوم على المعنى الكائن في نفسه دون الدليل فليكن ~~لكون العلة مؤثرة معنى، ثم إذا تحقق ذلك في نفسه وفي علم الله تعالى ربما # PageV01P380 # نصب الله عليه دليلا معرفا أو أمارة معلنة وربما لم ينصب دليلا فإذا قوة ~~الدليل المعرف بكونها علة ليس من شدة التأثير في شيء، بل فسروا شدة التأثير ~~بوجوه: # أولها انعكاس العلة مع اطرادها فهي أولى من شدة التي لا تنعكس عند قوم، ~~إذ دوران الحكم مع عدمها ووجودها نفيا وإثباتا يدل على شدة تأثيرها، كشدة ~~الخمر إذ يزول الحكم بزوالها. # الثاني: أن تكون العلة مع كونها علة داعية إلى فعل ما هي علة تحريمه، ~~كالشدة فإنها محرمة وهي داعية إلى الشرب المحرم؛ لما فيها من الإطراب ~~والسرور، فهي مع تأثيرها في الحكم أثرت في تحصيل محل الحكم وهو الشرب. # الثالث: أن تكون علة ذات وصف واحد وعارضها علة ذات أوصاف، فقال قوم: ~~الوصف الواحد أولى؛ لأن الحكم الثابت به المخالف للنفي الأصلي أكثر فكان ~~تأثيره أكثر فروعا فهي أكثر تأثيرا. وقال قوم: ذات أوصاف أولى؛ لأن الشريعة ~~حنيفية فالباقي على النفي الأصلي أكثر ولا يبعد أن يغلب على ظن المجتهد شيء ~~من ذلك. # الرابع: أن تكون إحداهما أكثر وقوعا فهي أكثر تأثيرا فتكون أولى، وهذا ~~بعيد؛ لأن تأثير العلة إنما يكون في محل وجودها أما حيث لا وجود لها كيف ~~يطلب تأثيرها. # الخامس علة يشهد لها أصلان أولى مما يشهد لها أصل واحد عند قوم، وهذا ~~يظهر إن كان طريق الاستنباط مختلفا وإن كان متساويا فهو ضعيف ولا يبعد أن ~~يقوى ظن مجتهد به وتكون كثرة الأصول ككثرة الرواة للخبر، مثاله أنا إذا ~~تنازعنا في أن يد السوم لم توجب الضمان، فقال الشافعي: - رحمه الله - علته ~~أنه أخذ لغرض نفسه من غير استحقاق وعداه إلى المستعير. ms603 # وقال الخصم: بل علته أنه أخذ ليتملك فيشهد للشافعي في علته - رحمه الله - ~~يد الغاصب ويد المستعير من الغاصب، ولا يشهد لأبي حنيفة - رحمه الله - إلا ~~يد الرهن فلا يبعد أن يغلب رجحان علة الشافعي عند مجتهد ويكون كل أصل كأنه ~~شاهد آخر، وكذلك الربا إذا علل بالطعم يشهد له الملح أيضا وإن علل بالقوت ~~لم يشهد له، فلا يبعد أن يكون ذلك من الترجيحات. # العاشر من الترجيحات العلة المثبتة للعموم الذي منه الاستنباط فهي أولى ~~من المخصصة. قال الله تعالى: {أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا ~~صعيدا طيبا} [المائدة: 6] فبرزت علة تقتضي إخراج المحرم والصغيرة من العموم ~~وبرزت علة أخرى توافق العموم، فالذي ينفي العموم لمجرده حجة فلا أقل من ~~الترجيح به. وقال قوم: المخصصة أولى؛ لأنها عرفت ما لم يعرف العموم فأفادت ~~والعلة المقررة للعموم لم تفد مزيدا فكانت أولى كالمتعدية فإنها أولى من ~~القاصرة عند قوم، وهذا ضعيف؛ لأن المتعدية قررت الملفوظ وألحق به المسكوت ~~وأفادت والقاصرة لم تفد شيئا، حتى قال قائلون: هي فاسدة، فتخيل قوم لذلك ~~ترجيح المتعدية؛ وليس ذلك بصحيح أيضا، وأما المخصصة فخالفت موجب العموم ~~فكانت أضعف من التي تخالف. # الحادي عشر ترجيح العلة بكثرة شبهها بأصلها على التي هي أقل شبها بأصلها، ~~وهذا ضعيف عند من لا يرى الشبه في الوصف الذي لا يتعلق الحكم به موجبا ~~للحكم، ومن رأى ذلك موجبا فغايته أن تكون كعلة أخرى ولا يجب ترجيح علتين ~~على علة واحدة لأن الشيء يترجح بقوته لا بانضمام مثله إليه كما لا يترجح ~~الحكم الثابت بالكتاب والسنة والإجماع على الثابت بأحد هذه الأصول # ويقرب من هذا قولهم: رد الشيء إلى # PageV01P381 # جنسه أولى من رده إلى غير جنسه، حتى يكون قياس الصلاة على الصلاة أولى من ~~قياسها على الصوم والحج؛ لأنه أقرب شبها به؛ وهذا ليس ببعيد؛ لأن اختلاف ~~الأصول يناسب اختلاف الأحكام، فإذا كان جنس المظنون واحدا كان التفاوت أغلب ~~على الظن، وعن هذا جعل مجرد الشبه حجة عند ms604 قوم. # الثاني عشر علة أوجبت حكما وزيادة مرجحة على ما لا يوجب الزيادة عند قوم؛ ~~لأن العلة ترد لحكمها فما كانت فائدتها أكثر فهي أولى، حتى قالوا: ما أوجب ~~الجلد والتغريب أولى مما لا يوجب إلا الجلد وعلى مساقه قالوا: علة تقتضي ~~الوجوب أولى مما تقتضي الندب وما تقتضي الندب أولى مما تقتضي الإباحة؛ لأن ~~في الواجب معنى الندب وزيادة. # الثالث عشر ترجيح المتعدية على القاصرة، وهو ضعيف عند من لا يفسد ~~القاصرة؛ لأن كثرة الفروع بل وجود أصل الفروع لا تبين قوة في ذات العلة، بل ~~ينقدح أن يقال: القاصرة أوفق للنص فهي أولى. # الرابع عشر ترجيح الناقلة عن حكم العقل على المقررة؛ لأن الناقلة أثبتت ~~حكما شرعيا والمقررة أثبتت شيئا، وقال قوم: بل المقررة أولى؛ لأنها معتضدة ~~بحكم العقل الذي يستقل بالنفي لولا هذه العلة، ومثاله علة تقتضي الزكاة في ~~الخضراوات وأخرى تنفي الزكاة، وعلة توجب الربا في الأرز وأخرى تنفي. # فإن قيل: فلم صحت العلة المبقية على حكم الأصل ولم تفد شيئا؛ لأنها لو لم ~~تكن علة لكنا نبقي الحكم أيضا؟ قلنا: إن كان الأمر كذلك فلا يصح كمن علل ~~ليدل على أن هبوب الرياح لا يوجب الصوم والوضوء، بل ينبغي أن يقتضي تفصيلا ~~لا يقتضيه العقل أو تقتضي زيادة شرط أو إطلاقا لا يقتضيه العقل، كما لو نصب ~~علة الجواز بيع غير القوت فإن تخصيص غير القوت عن القوت مما لا يقتضيه ~~العقل. # الخامس عشر: تقديم العلة المثبتة على النافية قال به قوم وهو غير صحيح؛ ~~لأن النفي الذي لا يثبت إلا شرعا كالإثبات وإن كان نفيا أصليا يرجع إلى ما ~~قدمناه من الناقلة والمقررة، وقد قال الكرخي: " العلة الدارئة للحد أولى من ~~الموجبة " وهذا يصح بعد ثبوت قوله - عليه السلام -: «ادرءوا الحدود ~~بالشبهات» ولا يجري في العبادات والكفارات وما لا يسقط بالشبهات، بل إذا ~~كان للوجوب وجه، وللسقوط وجه وتعارض الوجهان كان المحل محل شبهة فيسقط ~~لعموم الخبر لا لترجيح الدارئة على الموجبة # السادس عشر ms605 ترجيح علة هي بطريق الأولى على ما هي، مثل: كتعليل قبول شهادة ~~التائب وقياسه على ما قبل إقامة حد القذف، وتعليل وجوب كفارة العمد وقياسه ~~على الخطإ وتعليل صحة النكاح عند فساد التسمية قياسا على ترك التسمية وإن ~~كان ذلك بطريق الأولى فهو أقوى # السابع عشر رجح قوم العلة الملازمة على التي تفارق في بعض الأحوال؛ وهو ~~ضعيف إذ رب لازم لا يكون علة كحمرة الخمر بل كوجود الخمر والبر # الثامن عشر رجح قوم علة انتزعت من أصل سلم من المعارضة على علة انتزعت من ~~أصل لم يسلم من المعارضة بمثلها. # التاسع عشر رجح قوم علة توجب حكما أخف؛؛ لأن الشريعة حنيفية سمحة ورجح ~~آخرون بالضد؛ لأن التكليف شاق ثقيل؛ فهذه ترجيحات ضعيفة # ترجيح علة توجب في الفرع مثل حكمها على علة توجب في الفرع خلاف حكمها، ~~كتعليل الشافعي - رحمه الله - في مسألة جنين الأمة يوجب حكما مساويا للأصل ~~في التسوية بين الذكر والأنثى، وتعليل # PageV01P382 # أبي حنيفة - رضي الله عنه - يوجب الفرق بين الذكر والأنثى في الفرع، وإذ ~~أوجب في الأنثى من الأمة عشر قيمتها وفي الذكر نصف عشر قيمته، والأصل هو ~~جنين الحرة وفي الذكر والأنثى منه خمسة من الإبل، والعلة التي تقطع النظر ~~عن الأنوثة والذكورة أولى؛ لأنها أوفق للأصل. # فهذه وجوه الترجيحات وبعضها ضعيف يفيد الظن لبعض المجتهدين دون بعض، ~~ويمكن أن يكون وراء هذه الجملة ترجيحات من جنسها. وفيما ذكرناه تنبيه عليها ~~إن شاء الله تعالى. هذا تمام القول في القطب الرابع وبه وقع الفراغ من ~~الأقطاب الأربعة التي عليها مدار أصول الفقه. وبالله التوفيق، والحمد لله ~~وحده، وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم تسليما. PageV01P383 ms606