######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shia_002916 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: الغزالي #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 505 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: المستصفى #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: أصول الفقه عند المذاهب السنية #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shia_002916 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/2916_المستصفى-الغزالي #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: تصحيح : محمد عبد السلام عبد الشافي #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1417 - 1996 م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY# #META#Header#End# # المستصفى في علم الأصول تأليف الامام أبي حامد محمد بن محمد بن محمد ~~الغزالي المتوفي سنة 505 ه‍ طبعه وصححه محمد عبد السلام عبد الشافي دار ~~الكتب العلمية بيروت - لبنان PageV00P001 # جميع الحقوق محفوظة جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار الكتب ~~العلمية بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب ~~كاملا أو مجزأ أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر. أو ~~برمجته على أسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطيا. PageV00P002 # بسم الله الرحمن الرحيم خطبة الكتاب الحمد لله القوي القادر، الولي ~~الناصر، اللطيف القاهر، المنتقم الغافر، الباطن الظاهر، الأول الآخر، الذي ~~جعل العقل أرجح الكنوز والذخائر، والعلم أربح المكاسب والمتاجر، وأشرف ~~المعالي والمفاخر، وأكرم المحامد والمآثر، وأحمد الموارد والمصادر، فشرفت ~~بإثباته الأقلام والمحابر، وتزينت بسماعه المحاريب والمنابر، وتحلت برقومه ~~الأوراق والدفاتر، وتقدم بشرفه الأصاغر على الأكابر، واستضاءت ببهائه ~~الاسرار والضمائر، وتنورت بأنواره القلوب والبصائر، واستحقر في ضيائه ضياء ~~الشمس الباهر على الفلك الدائر، واستصغر في نوره الباطن ما ظهر من نور ~~الأحداق والنواظر، حتى تغلغل بضيائه في أعماق المغمضات جنود الخواطر، وإن ~~كلت عنها النواظر، وكثفت عليها الحجب والسواتر. # والصلاة على محمد رسوله ذي العنصر الطاهر، والمجد المتظاهر، والشر ف ~~المتناصر، والكرم المتقاطر، المبعوث بشيرا للمؤمنين، ونذيرا للكافرين، ~~وناسخا بشرعه كل شرع غابر ودين داثر، المؤيد بالقرآن المجيد، الذي لا يمله ~~سامع ولا آثر، ولا يدرك كنه جزالته ناظم ولا ناثر، ولا يحيط بعجائبه وصف ~~واصف ولا ذكر ذاكر، وكل بليغ دون ذوق فهم جليات أسراره قاصر، وعلى آله ~~وأصحابه وسلم كثيرا، كثرة ينقطع دونها عمر العاد الحاصر. # أما بعد: فقد تناطق قاضي العقل، وهو الحاكم الذي لا يعزل ولا يبدل، وشاهد ~~الشرع وهو الشاهد المزكى المعدل، بأن الدنيا دار غرور لا دار سرور، ومطية ~~عمل لا مطية كسل، ومنزل عبور لا متنزه حبور، ومحل تجارة لا مسكن عمارة، ~~ومتجر بضاعتها الطاعة، وربحها الفوز يوم تقوم الساعة، والطاعة طاعتان، عمل ~~وعلم، والعلم أنجحها وأربحها، فإنه ms001 أيضا من العمل، ولكنه عمل القلب الذي هو ~~أعز الأعضاء، وسعي العقل الذي هو أشرف الأشياء، لأنه مركب الديانة، وحامل ~~الأمانة، إذ عرضت على الأرض والجبال والسماء فأشفقن من حملها وأبين أن ~~يحملنها غاية الاباء. # ثم العلوم ثلاثة: # 1 - عقلي محض، لا يحث الشرع عليه ولا يندب إليه، كالحساب والهندسة ~~والنجوم وأمثاله من العلوم فهي بين ظنون كاذبة لائقة، وإن بعض الظن إثم، ~~وبين علوم صادقة لا منفعة لها، ونعوذ بالله من علم لا ينفع، وليست المنفعة ~~في الشهوات الحاضرة، والنعم الفاخرة، فإنها فانية داثرة، بل النفع ثواب دار ~~الآخرة. PageV00P003 # 2 - ونقلي محض، كالأحاديث والتفاسير والخطب في أمثالها يسير، إذ يستوي في ~~الاستقلال بها الصغير والكبير، لان قوة الحفظ كافية في النقل، وليس فيها ~~مجال للعقل. # 3 - وأشرف العلوم ما ازدوج فيه العقل والسمع، واصطحب فيه الرأي الشرع، ~~وعلم الفقه وأصوله من هذا القبيل، فإنه يأخذ من صفو الشرع والعقل سواء ~~السبيل، فلا هو تصرف بمحض العقول، بحيث لا يتلقاه الشرع بالقبول، ولا هو ~~مبني على محض التقليد، الذي لا يشهد له العقل بالتأييد والتسديد، ولأجل شرف ~~علم الفقه وسببه، وفر الله دواعي الخلق على طلبه، وكان العلماء به أرفع ~~العلماء مكانا، وأجلهم شأنا، وأكثرهم أتباعا وأعوانا، فتقاضاني في عنفوان ~~شبابي اختصاص هذا العلم بفوائد الدين والدنيا، وثواب الآخرة والأولى، أن ~~أصرف إليه من مهلة العمر صدرا، وأن أخص به من متنفس الحياة قدرا، فصنفت ~~كتبا كثيرة في فروع الفقه وأصوله، ثم أقبلت بعده على علم طريق الآخرة، ~~ومعرفة أسرار الدين الباطنة، فصنفت فيه كتبا بسيطة، ككتاب إحياء علوم الدين ~~ووجيزه، ككتاب جواهر القرآن، ووسيطه ككتاب كيمياء السعادة، ثم ساقني قدر ~~الله تعالى إلى معاودة التدريس والإفادة، فاقترح علي طائفة من محصلي علم ~~الفقه تصنيفا في أصول الفقه، أصرف العناية فيه إلى التلفيق، بين الترتيب ~~والتحقيق، وإلى التوسط بين الاخلال والاملال، على وجه يقع في الفهم دون ~~كتاب تهذيب الأصول لميله إلى الاستقصاء والاستكثار، وفوق كتاب المنخول ~~لميله إلى الايجاز ms002 والاختصار، فأجبتهم إلى ذلك مستعينا بالله، وجمعت فيه ~~بين الترتيب والتحقيق لفهم المعاني، فلا مندوحة لأحدهما على الثاني، فصنفته ~~وأتيت فيه بترتيب لطيف عجيب يطلع الناظر في أول وهلة على جميع مقاصد هذا ~~العلم، ويفيده الاحتواء على جميع مسارح النطر فيه، فكل علم لا يستولي ~~الطالب في ابتداء نظره على مجامعه ولا مبانيه، فلا مطمع له في الظفر ~~بأسراره ومباغيه، وقد سميته: كتاب المستصفى من علم الأصول والله تعالى هو ~~المسؤول لينعم بالتوفيق، ويهدي إلى سواء الطريق، وهو بإجابة السائلين حقيق. ~~PageV00P004 # صدر الكتاب اعلم أن هذا العلم الملقب بأصول الفقه قد رتبناه وجمعناه في ~~هذا الكتاب، وبنيناه على مقدمة وأربعة أقطاب، المقدمة لها كالتوطئة ~~والتمهيد، والأقطاب هي المشتملة على لباب المقصود ولنذكر في صدر الكتاب ~~معنى أصول الفقه وحده وحقيقته أولا، ثم مرتبته ونسبته إلى العلوم ثانيا، ثم ~~كيفية إنشعابه إلى هذه المقدمة والأقطاب الأربعة ثالثا، ثم كيفية اندراج ~~جميع أقسامه وتفاصيله تحت الأقطاب الأربعة رابعا، ثم وجه تعلقه بهذه ~~المقدمة خامسا. # بيان حد أصول الفقه اعلم أنك لا تفهم معنى أصول الفقه ما لم تعرف أولا ~~معنى الفقه، والفقه عبارة عن العلم والفهم في أصل الوضع، يقال: فلان يفقه ~~الخير والشر، أي يعلمه ويفهمه، ولكن صار بعرف العلماء عبارة عن العلم ~~بالأحكام الشرعية الثابتة لافعال المكلفين خاصة، حتى لا يطلق بحكم العادة ~~اسم الفقيه على متكلم وفلسفي ونحوي ومحدث ومفسر، بل يختص بالعلماء بالأحكام ~~الشرعية الثابتة للأفعال الانسانية، كالوجوب، والحظر، والإباحة، والندب ~~والكراهة، وكون العقد صحيحا وفاسدا وباطلا، وكون العبادة قضاء وأداء ~~وأمثاله. ولا يخفى عليك أن للأفعال أحكاما عقلية، أي مدركة بالعقل، ككونها ~~أعراضا وقائمة بالمحل ومخالفة للجوهر، وكونها أكوانا حركة وسكونا وأمثالها، ~~والعارف بذلك يسمى متكلما لا فقيها. وأما أحكامها من حيث إنها واجبة ~~ومحظورة، ومباحة ومكروهة ومندوب إليها، فإنما يتولى الفقيه بيانها، فإذا ~~فهمت هذا، فافهم أن أصول الفقه عبارة عن أدلة هذه الأحكام، وعن معرفة وجوه ~~دلالتها على الاحكام من حيث الجملة، لا من حيث ms003 التفصيل، فإن علم الخلاف من ~~الفقه أيضا مشتمل على أدلة الاحكام ووجوه دلالتها، ولكن من حيث التفصيل ~~كدلالة حديث خاص في مسألة النكاح بلا ولي على الخصوص، ودلالة آية خاصة في ~~مسألة متروك التسمية على الخصوص. وأما الأصول: فلا يتعرض فيها لاحدى ~~المسائل، ولا على طريق ضرب المثال، بل يتعرض فيها لأصل الكتاب والسنة ~~والاجماع، ولشرائط صحتها وثوبتها، ثم لوجوه دلالتها الجميلة، إما من حيث ~~صيغتها أو مفهوم لفظها أو مجرى لفظها أو معقول لفظها وهو القياس، من غير أن ~~يتعرض فيها لمسألة خاصة، فبهذا تفارق أصول الفقه فروعه، وقد عرفت ~~PageV00P005 # من هذا أن أدلة الاحكام الكتاب والسنة والاجماع، فالعلم بطرق ثبوت هذه ~~الأصول الثلاثة ، وشروط صحتها ووجوه دلالتها على الاحكام هو العلم الذي ~~يعبر عنه بأصول الفقه. # بيان مرتبة هذا العلم ونسبته إلى العلوم اعلم أن العلوم تنقسم إلى عقلية، ~~كالطب والحساب والهندسة، وليس ذلك من غرضنا. # وإلى دينية، كالكلام، والفقه وأصوله، وعلم الحديث، وعلم التفسير، وعلم ~~الباطن، أعني علم القلب وتطهيره عن الأخلاق الذميمة، وكل واحد من العقلية ~~والدينية ينقسم إلى كلية وجزئية، فالعلم الكلي من العلوم الدينية هو ~~الكلام، وسائر العلوم من الفقه وأصوله والحديث والتفسير علوم جزئية، لان ~~المفسر لا ينظر إلا في معنى الكتاب خاصة، والمحدث لا ينظر إلا في طريق ثبوت ~~الحديث خاصة، والفقيه لا ينظر إلا في أحكام أفعال المكلفين خاصة، والأصولي ~~لا ينظر إلا في أدلة الأحكام الشرعية خاصة. والمتكلم هو الذي ينظر في أعم ~~الأشياء وهو الموجود. فيقسم الموجود أولا إلى: 1 - قديم، 2 - وحادث، ثم ~~يقسم المحدث إلى: 1 - جوهر ، 2 - عرض. ثم يقسم العرض: 1 - إلى ما تشترط فيه ~~الحياة من العلم، والإرادة، والقدرة، والكلام، والسمع، والبصر، 2 - وإلى ما ~~يستغنى عنها، كاللون والريح والطعم. ويقسم الجوهر: إلى الحيوان والنبات ~~والجماد، ويبين أن اختلافها بالأنواع أو بالاعراض، ثم ينظر في القديم فيبين ~~أنه لا يتكثر ولا ينقسم انقسام الحوادث، بل لا بد أن يكون واحدا وأن يكون ~~متميزا عن ms004 الحوادث بأوصاف تجب له، وبأمور تستحيل عليه، وأحكام تجوز في حقه، ~~ولا تجب ولا تستحيل، ويفرق بين الجائز والواجب والمحال في حقه، ثم يبين أن ~~أصل الفعل جائز عليه، وأن العالم فعله الجائز، وأنه لجوازه افتقر إلى محدث، ~~وأن بعثة الرسل من أفعاله الجائزة، وأنه قادر عليه ، وعلى تعريف صدقهم ~~بالمعجزات، وأن هذا الجائز واقع عند هذا ينقطع كلام المتكلم وينتهي تصرف ~~العقل، بل العقل يدل على صدق النبي، ثم يعزل نفسه ويعترف بأنه يتلقى من ~~النبي بالقبول ما يقول في الله واليوم الآخر، مما لا يستقل العقل بدركه، ~~ولا يقضي أيضا باستحالته، فقد يرد الشرع بما يقصر العقل عن الاستقلال ~~بإدراكه، إذ لا يستقل العقل بإدراك كون الطاعة سببا، للسعادة في الآخرة، ~~وكون المعاصي سببا للشقاوة، لكنه لا يقضي باستحالته أيضا، ويقضي بوجوب صدق ~~من دلت المعجزة على صدقه، فإذا أخبر عنه صدق العقل به بهذه الطريق، فهذا ما ~~يحويه علم الكلام، فقد عرفت من هذا أنه يبتدى نظره في أعم الأشياء أولا وهو ~~الموجود، ثم ينزل بالتدريج إلى التفصيل الذي ذكرناه، فيثبت فيه مبادئ سائر ~~العلوم الدينية، من الكتاب والسنة وصدق الرسول، فيأخذ المفسر من جملة ما ~~نظر فيه المتكلم واحدا خاصا، وهو الكتاب فينظر في تفسيره ويأخذ المحدث ~~واحدا خاصا وهو السنة فينظر في طرق ثبوتها والفقيه يأخذ واحدا خاصا وهو فعل ~~المكلف، فينظر في نسبته إلى خطاب الشرع من حيث الوجوب والحظر والإباحة، ~~ويأخذ الأصولي واحدا خاصا، وهو قول الرسول الذي دل المتكلم على صدقه، فينظر ~~في وجه دلالته على الاحكام إما بملفوظه أو بمفهومه أو بمعقول معناه ~~ومستنبطه، ولا يجاوز نظر الأصولي قول الرسول عليه السلام وفعله، فإن الكتاب ~~PageV00P006 # إنما يسمعه من قوله، والاجماع يثبت بقوله، والأدلة هي الكتاب والسنة ~~والاجماع فقط، وقول الرسول (ص) إنما يثبت صدقه وكونه حجة في علم الكلام، ~~فإذا الكلام هو المتكفل بإثبات مبادي العلوم الدينية كلها، فهي جزئية ~~بالإضافة إلى الكلام، فالكلام هو العلم الاعلى في الرتبة، إذ منه ms005 النزول ~~إلى هذه الجزئيات، فإن قيل فليكن من شرط الأصولي والفقيه والمفسر والمحدث، ~~أن يكون قد حصل علم الكلام، لأنه قبل الفراغ من الكلي الاعلى كيف يمكنه ~~النزول إلى الجزئي الأسفل؟ قلنا ليس ذلك شرطا في كونه أصوليا وفقيها ومفسرا ~~ومحدثا ، وإن كان ذلك شرطا في كونه عالما مطلقا، مليئا بالعلوم الدينية، ~~وذلك أنه ما من علم من العلوم الجزئية إلا وله مباد تؤخذ، مسلمة بالتقليد ~~في ذلك العلم، ويطلب برهان ثبوتها في علم آخر، فالفقيه ينظر في نسبة فعل ~~المكلف إلى خطاب الشرع في أمره ونهيه، وليس عليه إقامة البرهان على إثبات ~~الافعال الاختياريات للمكلفين، فقد أنكرت الجبرية فعل الانسان ، وأنكرت ~~طائفة وجود الاعراض، والفعل عرض، ولا على الفقيه إقامة البرهان على ثبوت ~~خطاب الشرع، وأن لله تعالى كلاما قائما بنفسه هو أمر ونهي، ولكن يأخذ ثبوت ~~الخطاب من الله تعالى. وثبوت الفعل من المكلف على سبيل التقليد، وينظر في ~~نسبة الفعل إلى الخطاب فيكون قد قام بمنتهى علمه، وكذلك الأصولي، يأخذ ~~بالتقليد من المتكلم أن قول الرسول حجة، ودليل واجب الصدق، ثم ينظر في ~~وجوده دلالته وشروط صحته، فكل عالم بعلم من العلوم الجزئية فإنه مقلد لا ~~محالة في مبادئ علمه إلى أن يترقى إلى العلم الاعلى، فيكون قد جاوز علمه ~~إلى علم آخر. # بيان كيفية دورانه على الأقطاب الأربعة اعلم أنك إذا فهمت أن نظر الأصولي ~~في وجوه دلالة الأدلة السمعية على الأحكام الشرعية ، لم يخف عليك أن ~~المقصود كيفية اقتباس الاحكام من الأدلة، فوجب النظر في الاحكام، ثم في ~~الأدلة وأقسامها، ثم في كيفية اقتباس الاحكام من الأدلة، ثم في صفات ~~المقتبس الذي له أن يقتبس الاحكام، فإن الاحكام ثمرات، وكل ثمرة لها صفة ~~وحقيقة في نفسها، ولها مثمر ومستثمر وطريق في الاستثمار. والثمرة: هي ~~الاحكام، أعني الوجوب، والحظر ، والندب، والكراهة، والإباحة، والحسن، ~~والقبح، والقضاء، والأداء، والصحة، والفساد، وغيرها. والمثمر: # هي الأدلة، وهي ثلاثة: الكتاب، والسنة، والاجماع فقط. وطرق الاستثمار: هي ~~وجوه دلالة الأدلة، وهي أربعة، ms006 إذ الأقوال إما أن تدل على الشئ بصيغتها ~~ومنظومها، أو بفحواها ومفهومها وباقتضائها وضرورتها، أو بمعقولها ومعناها ~~المستنبط منها. والمستثمر هو المجتهد، ولا بد من معرفة صفاته، وشروطه، ~~وأحكامه، فإذا جملة الا صول تدور على أربعة أقطاب. القطب الأول: في الاحكام ~~والبداءة بها أولى، لأنها الثمرة المطلوبة. القطب الثاني: في الأدلة، وهي ~~الكتاب، والسنة، والاجماع، وبها التثنية، إذ بعد الفراغ من معرفة الثمرة لا ~~أهم من معرفة المثمر. القطب الثالث: في طريق الاستثمار، وهو وجوه دلالة ~~الأدلة، وهي أربعة: دلالة بالمنظوم، ودلالة بالمفهوم، ودلالة بالضرورة ~~والاقتضاء، ودلالة بالمعنى المعقول. القطب الرابع: في المستثمر، وهو ~~المجتهد الذي يحكم بظنه، ويقابله المقلد PageV00P007 # الذي يلزمه اتباعه، فيجب ذكر شروط المقلد والمجتهد وصفاتهما. # بيان كيفية اندراج الشعب الكثيرة من أصول الفقه تحت هذه الأقطاب الأربعة ~~لعلك تقول أصول الفقه تشتمل على أبواب كثيرة وفصول منتشرة، فكيف يندرج ~~جملتها تحت هذه الأقطاب الأربعة، فنقول: # القطب الأول: هو الحكم وللحكم حقيقة في نفسه وانقسام، وله تعلق بالحاكم ~~وهو الشارع، والمحكوم عليه وهو المكلف، وبالمحكوم فيه وهو فعل المكلف، ~~وبالمظهر له وهو السبب والعلة، ففي البحث عن حقيقة الحكم، في نفسه يتبين ~~أنه عبارة عن خطاب الشرع وليس وصفا للفعل ولا حسن ولا قبح ولا مدخل للعقل ~~فيه، ولا حكم قبل ورود الشرع، وفي البحث عن أقسام الحكم يتبين حد الواجب، ~~والمحظور، والمندوب، والمباح، والمكروه، والقضاء والأداء، والصحة، والفساد، ~~والعزيمة، والرخصة وغير ذلك من أقسام الاحكام، وفي البحث عن الحاكم يتبين ~~أن لا حكم إلا لله، وأنه لا حكم للرسول، ولا للسيد على العبد، ولا لمخلوق ~~على مخلوق، بل كل ذلك حكم الله تعالى ووضعه، لا حكم لغيره، وفي البحث عن ~~المحكوم عليه يتبين خطاب الناسي والمكره والصبي، وخطاب الكافر بفروع الشرع ~~وخطاب السكران ومن يجوز تكليفه ومن لا يجوز، وفي البحث عن المحكوم فيه ~~يتبين أن الخطاب يتعلق بالافعال لا بالأعيان، وأنه ليس وصفا للأفعال في ~~ذواتها، وفي البحث عن مظهر الحكم يتبين حقيقة السبب والعلة ms007 والشرط والمحل ~~والعلامة، فيتناول هذا القطب جملة من تفاريق فصول الأصول، أوردها الأصوليون ~~مبددة في مواضع شتى لا تتناسب ولا تجمعها رابطة، فلا يهتدي الطالب إلى ~~مقاصدها، ووجه الحاجة إلى معرفتها وكيفية تعلقها بأصول الفقه. # القطب الثاني: في المثمر، وهو الكتاب والسنة والاجماع، وفي البحث عن أصل ~~الكتاب يتبين حد الكتاب وما هو منه وما ليس منه، وطريق إثبات الكتاب، وأنه ~~التواتر فقط، وبيان ما يجوز أن يشتمل عليه الكتاب من حقيقة ومجاز وعربية ~~وعجمية، وفي البحث عن السنة يتبين حكم الأقوال والافعال من الرسول، وطرق ~~ثبوتها من تواتر وآحاد، وطرق روايتها من مسند ومرسل، وصفات رواتها من عدالة ~~وتكذيب، إلى تمام كتاب الاخبار، ويتصل بالكتاب والسنة كتاب النسخ، فإنه لا ~~يرد إلا عليهما، وأما الاجماع فلا يتطرق النسخ إليه، وفي البحث عن أصل ~~الاجماع تتبين حقيقته ودليله وأقسامه وإجماع الصحابة وإجماع من بعدهم، إلى ~~جميع مسائل الاجماع . القطب الثالث: في طرق الاستثمار وهي أربعة: الأولى: ~~دلالة اللفظ من حيث صيغته، وبه يتعلق النظر في صيغة الأمر والنهي والعموم ~~والخصوص والظاهر والمؤول والنص، والنظر في كتاب الأوامر والنواهي، والعموم ~~والخصوص، نظر في مقتضى الصيغ اللغوية. وأما الدلالة من حيث الفحوى والمفهوم ~~فيشتمل عليه كتاب المفهوم ودليل PageV00P008 # الخطاب. وأما الدلالة من حيث ضرورة اللفظ واقتضاؤه فيتضمن جملة من إشارات ~~الألفاظ كقول القائل: أعتق عبدك عني، فتقول: أعتقت، فإنه يتضمن حصول الملك ~~للملتمس ولم يتلفظا به، لكنه من ضرورة ملفوظهما ومقتضاه. وأما الدلالة من ~~حيث معقول اللفظ فهو كقوله (ص): لا يقضي القاضي وهو غضبان فإنه يدل على ~~الجائع والمريض والحاقن بمعقول معناه، ومنه ينشأ القياس وينجر إلى بيان ~~جميع أحكام القياس. وأقسامه. # القطب الرابع: في المستثمر: وهو المجتهد وفي مقابلته المقلد، وفيه يتبين ~~صفات المجتهد وصفات المقلد، والموضع الذي يجري فيه الاجتهاد، دون الذي لا ~~مجال للاجتهاد فيه، والقول في تصويب المجتهدين، وجملة أحكام الاجتهاد، فهذه ~~جملة ما ذكر في علم الأصول، وقد عرفت كيفية انشعابها من هذه الأقطاب ~~الأربعة. # بيان ms008 المقدمة ووجه تعلق الأصول بها اعلم أنه لما رجع حد أصول الفقه إلى ~~معرفة أدلة الاحكام، اشتمل الحد على ثلاثة ألفاظ: المعرفة، والدليل، ~~والحكم، فقالوا: إذا لم يكن بد من معرفة الحكم حتى كان معرفته أحد الأقطاب ~~الأربعة، فلا بد أيضا من معرفة الدليل، ومعرفة المعرفة، أعني العلم، ثم ~~العلم المطلوب لا وصول إليه إلا بالنظر، فلا بد من معرفة النظر، فشرعوا في ~~بيان حد العلم والدليل والنظر ولم يقتصروا على تعريف صور هذه الأمور، ولكن ~~انجر بهم إلى إقامة الدليل على إثبات العلم على منكريه من السوفسطائية، ~~وإقامة الدليل على النظر على منكري النظر، وإلى جملة من أقسام العلوم ~~وأقسام الأدلة، وذلك مجاوزة لحد هذا العلم، وخلط له بالكلام، وإنما أكثر ~~فيه المتكلمون من الأصوليين لغلبة الكلام على طبائعهم، فحملهم حب صناعتهم ~~على خلطه بهذه الصنعة، كما حمل حب اللغة والنحو بعض الأصوليين على مزج جملة ~~من النحو بالأصول، فذكروا فيه من معاني الحروف ومعاني الاعراب جملا هي من ~~علم النحو خاصة، وكما حمل حب الفقه جماعة من فقهاء ما وراء النهر، كأبي زيد ~~رحمه الله وأتباعه، على مزج مسائل كثيرة من تفاريع الفقه بالأصول، فإنهم ~~وإن أوردوها في معرض المثال وكيفية إجراء الأصل في الفروع، فقد أكثروا فيه، ~~وعذر المتكلمين في ذكر حد العلم والنظر والدليل في أصول الفقه أظهر من ~~عذرهم في إقامة البرهان على إثباتها مع المنكرين، لان الحد يثبت في النفس ~~صور هذه الأمور، ولا أقل من تصورها إذا كان الكلام يتعلق بها، كما أنه لا ~~أقل من تصور الاجماع والقياس لمن يخوض في الفقه، وأما معرفة حجية الاجماع ~~وحجية القياس فذلك من خاصية أصول الفقه، فذكر حجية العلم والنظر على منكريه ~~استجرار الكلام إلى الأصول، كما أن ذكر حجية الاجماع والقياس وخبر الواحد ~~في الفقه استجرار الأصول إلى الفروع. وبعد أن عرفناك إسرافهم في هذا الخلط ~~فإنا لا نرى أن نخلي هذا المجموع عن شئ منه، لان الفطام عن المألوف شديد، ~~والنفوس عن الغريب ms009 نافرة، لكنا نقتصر من ذلك على ما تظهر فائدته على العموم ~~في جملة العلوم من تعريف مدارك العقول وكيفية تدرجها من الضروريات إلى ~~النظريات، على وجه يتبين فيه حقيقة العلم و النظر والدليل وأقسامها وحججها، ~~تبينا بليغا تخلو عنه مصنفات الكلام. PageV00P009 # مقدمة الكتاب نذكر في هذه المقدمة مدارك العقول وانحصارها في الحد ~~والبرهان، ونذكر شرط الحد الحقيقي، وشرط البرهان الحقيقي وأقسامهما، على ~~منهاج أوجز مما ذكرناه في كتاب محك النظر وكتاب معيار العلم وليست هذه ~~المقدمة من جملة علم الأصول ولا من مقدماته الخاصة به، بل هي مقدمة العلوم ~~كلها، ومن لا يحيط بها فلا ثقة له بعلومه أصلا، فمن شاء أن لا يكتب هذه ~~المقدمة فليبدأ بالكتاب من القطب الأول، فإن ذلك هو أول أصول الفقه وحاجة ~~جميع العلوم النظرية إلى هذه المقدمة لحاجة أصول الفقه. # بيان حصر مدارك العلوم النظرية في الحد والبرهان اعلم أن إدراك الأمور ~~على ضربين: الأول: إدراك الذوات المفردة، كعلمك بمعنى الجسم والحركة ~~والعالم والحادث والقديم، وسائر ما يدل عليه بالأسامي المفردة. الثاني: ~~إدراك نسبة هذه المفردات بعضها إلى بعض بالنفي أو الاثبات، وهو أن تعلم ~~أولا معنى لفظ العالم وهو أمر مفرد، ومعنى لفظ الحادث، ومعنى لفظ القديم، ~~وهما أيضا أمران مفردان، ثم تنسب مفردا إلى مفرد بالنفي أو الاثبات، كما ~~تنسب القدم إلى العالم بالنفي فتقول ليس العالم قديما، وتنسب الحدوث إليه ~~بالاثبات فتقول: العالم حادث، والضرب الأخير هو الذي يتطرق إليه التصديق ~~والتكذيب، وأما الأول فيستحيل فيه التصديق والتكذيب، إذ لا يتطرق التصديق ~~إلا إلى خبر، وأقل ما يتركب منه جزآن مفردان: وصف وموصوف، فإذا نسب الوصف ~~إلى الموصوف بنفي أو إثبات، صدق أو كذب، فأما قول القائل: حادث، أو جسم، أو ~~قديم، فأفراد ليس فيها صدق ولا كذب، ولا بأس أن يصطلح على التعبير عن هذين ~~الضربين بعبارتين مختلفتين، فإن حق الأمور المختلفة أن تختلف ألفاظها ~~الدالة عليها، إذ الألفاظ مثل المعاني فحقها أن تحاذى بها المعاني، وقد سمى ~~المنطقيون ms010 معرفة المفردات تصورا ومعرفة النسبة الخبرية بينهما تصديقا ~~فقالوا: العلم إما تصور وإما تصديق، وسمى بعض علمائنا الأول معرفة، ~~والثاني: علما، تأسيا بقول النحاة في قولهم: المعرفة تتعدى إلى مفعول واحد، ~~إذ تقول: # عرفت زيدا، والظن يتعدى إلى مفعولين، إذ تقول: ظننت زيدا عالما، ولا ~~تقول: ظننت زيدا، ولا ظننت عالما، والعلم من باب الظن فتقول: علمت زيدا ~~عدلا، والعادة في هذه الاصطلاحات مختلفة، وإذا فهمت افتراق الضربين فلا ~~مشاحة في الألقاب فنقول الآن: إن PageV00P010 # الادراكات صارت محصورة في المعرفة والعلم، أو في التصور والتصديق، وكل ~~علم تطرق إليه تصديق فمن ضرورته أن يتقدم عليه معرفتان، أي تصوران، فإن من ~~لا يعرف المفرد كيف يعلم المركب، ومن لا يفهم معنى العالم ومعنى الحادث كيف ~~يعلم أن العالم حادث. ومعرفة المفردات قسمان: أولي: وهو الذي لا يطلب ~~بالبحث، وهو الذي يرتسم معناه في النفس من غير بحث وطلب، كلفظ الوجود ~~والشئ، وككثير من المحسوسات. ومطلوب: وهو الذي يدل اسمه منه على أمر جملي ~~غير مفصل ولا مفسر. فيطلب تفسيره، بالحد. وكذلك العلم ينقسم إلى أول: ~~كالضروريات، وإلى مطلوب: كالنظريات، والمطلوب من المعرفة لا يقتنص إلا ~~بالحد، والمطلوب من العلم الذي يتطرق إليه التصديق والتكذيب لا يقتنص إلا ~~بالبرهان، فالبرهان والحد هو الآلة التي بها يقتنص سائر العلوم المطلوبة، ~~فلتكن هذه المقدمة المرسومة لبيان مدارك العقول، مشتملة على دعامتين: دعامة ~~في الحد، ودعامة في البرهان. # الدعامة الأولى: في الحد ويجب تقديمها، لان معرفة المفردات تتقدم على ~~معرفة المركبات، وتشتمل على فنين: # فن يجري مجرى القوانين، وفن يجري مجرى الامتحانات لتلك القوانين. # الفن الأول في القوانين وهي ستة: # القانون الأول أن الحد إنما يذكر جوابا عن سؤال في المحاورات، ولا يكون ~~الحد جوابا عن كل سؤال، بل عن بعضه، والسؤال طلب، وله لا محالة مطلوب ~~وصيغة، والصيغ والمطالب كثيرة، ولكن أمهات المطالب أربع: # المطلب الأول: ما يطلب بصيغة هل يطلب بهذه الصيغة أمران، إما أصل الوجود ~~كقولك: هل الله تعالى موجود؟ أو يطلب ms011 حال الموجود ووصفه كقولك: هل الله ~~تعالى خالق البشر؟ وهل الله تعالى متكلم وآمر وناه. # المطلب الثاني: ما يطلب بصيغة ما ويطلق لطلب ثلاثة أمور: الأول: أن يطلب ~~به شرح اللفظ، كما يقول: من لا يدري العقار، ما العقار، فيقال له: الخمر، ~~إذا كان يعرف لفظ الخمر. الثاني: أن يطلب لفظ محرر جامع مانع يتميز به ~~المسؤول عنه من غيره كيفما كان الكلام، سواء، كان عبارة عن عوارض ذاته ~~ولوازمه البعيدة عن حقيقة ذاته، أو حقيقة ذاته، كما سيأتي الفرق بين الذاتي ~~والعرضي كقول القائل: ما الخمر؟ فيقال: هو المائع الذي يقذف بالزبد ثم ~~يستحيل إلى الحموضة ويحفظ في الدن، والمقصود أن لا يتعرض لحقيقة ذاته بل ~~يجمع من عوارضه ولوازمه ما يساوي بجملته الخمر، بحيث لا يخرج منه خمر، ولا ~~يدخل فيه ما ليس بخمر. والثالث: أن يطلب به ماهية الشئ وحقيقة ذاته، كمن ~~يقول: ما الخمر؟ # فيقال: هو شراب مسكر معتصر من العنب، فيكون ذلك كاشفا عن حقيقته، ثم ~~يتبعه لا محالة التمييز، واسم الحد في العادة قد يطلق على هذه الأوجه ~~الثلاثة بالاشتراك، فلنخترع لكل PageV00P011 # واحد اسما، ولنسم الأول حدا لفظيا إذ السائل لا يطلب به إلا شرح اللفظ، ~~ولنسم الثاني حدا رسميا، إذ هو مطلب مرتسم بالعلم، غير متشوف إلى درك حقيقة ~~الشئ، ولنسم الثالث حدا حقيقيا، إذ مطلب الطالب منه درك حقيقة الشئ، و هذا ~~الثالث شرطه أن يشتمل على جميع ذاتيات الشئ، فإنه لو سئل عن حد الحيوان ~~فقيل: جسم حساس، فقد جئ بوصف ذاتي، وهو كاف في الجمع والمنع، ولكنه ناقص، ~~بل حقه أن يضاف إليه المتحرك بالإرادة، فإن كنه حقيقة الحيوان يدركه العقل ~~بمجموع أمرين: فأما المرتسم الطالب للتمييز فيكتفي بالحساس وإن لم يقل أنه ~~جسم أيضا. # المطلب الثالث: ما يطلب بصيغة (لم) وهو سؤال عن العلة، وجوابه بالبرهان ~~على ما سيأتي حقيقته. # المطلب الرابع: ما يطلب بصيغة (أي) وهو الذي يطلب به تمييز ما عرف جملته ~~عما اختلط به، كما إذا ms012 قيل: ما الشجر؟ فقيل: إنه جسم فينبغي أن يقال: أي ~~جسم هو؟ # فيقول: نام، وأما مطلب (كيف) و (أين) و (متى) وسائر صيغ السؤال، فداخل في ~~مطلب (هل) والمطلوب به صفة الوجود. # القانون الثاني إن الحاد ينبغي أن يكون بصيرا بالفرق بين الصفات الذاتية ~~واللازمة والعرضية وذلك غامض، فلا بد من بيانه فنقول: المعنى إذا نسب إلى ~~المعنى الذي يمكن وصفه به وجد بالإضافة إلى الموصوف. إما ذاتيا: له ويسمى ~~صفة نفس. وإما لازما: ويسمى تابعا. وإما عارضا: لا يبعد أن ينفصل عنه في ~~الوجود. ولا بد من إتقان هذه النسبة، فإنها نافعة في الحد والبرهان جميعا. ~~أما الذاتي: فإني أعني به كل داخل في ماهية الشئ وحقيقته دخولا لا يتصور ~~فهم المعنى دون فهمه، وذلك كاللونية للسواد، والجسمية للفرس والشجر، فإن من ~~فهم الشجر فقد فهم جسما مخصوصا، فتكون الجسمية داخلة في ذات الشجرية دخولا ~~به قوامها في الوجود والعقل، لو قدر عدمها لبطل وجود الشجرية، وكذا الفرس، ~~ولو قدر خروجها عن الذهن لبطل فهم الشجر والفرس من الذهن وما يجري هذا ~~المجرى، فلا بد من إدراجه في حد الشئ فمن يحد النبات يلزمه أن يقول جسم نام ~~لا محالة. وأما اللازم: فما لا يفارق الذات البتة ولكن فهم الحقيقة ~~والماهية غير موقوف عليه، كوقوع الظل لشخص الفرس والنبات والشجر عند طلوع ~~الشمس فإن هذا أمر لازم لا يتصور أن يفارق وجوده عند من يعبر عن مجاري ~~العادات باللزوم ويعتقده ولكنه من توابع الذات ولوازمه، وليس بذاتي له، ~~وأعني به أن فهم حقيقته غير موقوف على فهم ذلك له، إذ الغافل عن وقوع الظل ~~يفهم الفرس والنبات، بل يفهم الجسم الذي هو أعم منه وإن لم يخطر بباله ذلك، ~~وكذلك كون الأرض مخلوقة وصف لازم للأرض، لا يتصور مفارقته له، ولكن فهم ~~الأرض غير موقوف على فهم كونها مخلوقة، فقد يدرك حقيقة الأرض والسماء من لم ~~يدرك بعد أنهما مخلوقتان، فإنا نعلم أولا حقيقة الجسم ثم نطلب بالبرهان ~~كونه ms013 مخلوقا، ولا يمكننا أن نعلم الأرض والسماء ما لم نعلم الجسم. وأما ~~العارض: فأعني به ما ليس من ضرورته أن يلازم، بل يتصور مفارقته إما ~~PageV00P012 # سريعا، كحمرة الخجل أو بطيئا كصفرة الذهب وزرقة العين وسواد الزنجي، ~~وربما لا يزول في الوجود، كزرقة العين، ولكن يمكن رفعه في الوهم، وأما كون ~~الأرض مخلوقة، وكون الجسم الكثيف ذا ظل مانع نور الشمس، فإنه ملازم لا ~~تتصور مفارقته، ومن مثارات الأغاليط الكثيرة التباس اللازم التابع بالذاتي ~~فإنهما مشتركان في استحالة المفارقة، واستقصاء ذلك في هذه المقدمة التي هي ~~كالعلاوة على هذا العلم غير ممكن، وقد استقصيناه، في كتاب معيار العلم، ~~فإذا فهمت الفرق بين الذاتي واللازم، فلا تورد في الحد الحقيقي إلا ~~الذاتيات، وينبغي أن تورد جميع الذاتيات، حتى يتصور بها كنه حقيقة الشئ ~~وماهيته، وأعني بالماهية ما يصلح أن يقال في جواب ما هو، فإن القائل ما هو ~~يطلب حقيقة الشئ، فلا يدخل في جوابه إلا الذاتي، والذاتي ينقسم إلى عام، ~~ويسمى جنسا، وإلى خاص، ويسمى نوعا، فإن كان الذاتي العام لا أعم منه سمي ~~جنس الأجناس، وإن كان الذاتي الخاص لا أخص منه سمي نوع الأنواع، وهو اصطلاح ~~المنطقيين ولتصالحهم عليه، فإنه لا ضرر فيه وهو كالمستعمل أيضا في علومنا، ~~ومثاله أنا إذا قلنا: الجوهر ينقسم إلى جسم وغير جسم، والجسم ينقسم إلى نام ~~وغير نام، والنامي ينقسم، إلى حيوان وغير حيوان، والحيوان ينقسم إلى عاقل ~~وهو الانسان، وغير عاقل، فالجوهر جنس الأجناس، إذ لا أعم منه، والانسان نوع ~~الأنواع، إذ لا أخص منه، والنامي نوع بالإضافة إلى الجسم، لأنه أخص منه، ~~وجنس بالإضافة إلى الحيوان لأنه أعم منه، وكذلك الحيوان بين النامي الأعم، ~~والانسان الأخص، فإن قيل: كيف لا يكون شئ أعم من الجوهر وكونه موجودا أعم ~~منه، وكيف لا يكون شئ أخص من الانسان، وقولنا: شيخ، وصبي، وطويل ، وقصير، ~~وكاتب، وخياط، أخص منه؟ قلنا: لم نعن في هذا الاصطلاح بالجنس الا عم فقط، ~~بل عنينا الأعم، الذي هو ذاتي ms014 للشئ، أي داخل في جواب ما هو، بحيث لو بطل عن ~~الذهن التصديق بثبوته بطل المحدود وحقيقته عن الذهن، وخرج عن كونه مفهوما ~~للعقل، وعلى هذا اصطلاح، فالموجود لا يدخل في الماهية، إذ بطلانه لا يوجب ~~زوال الماهية عن الذهن، بيانه إذا قال القائل: ما حد المثلث؟ فقلنا: شكل ~~يحيط به ثلاثة أضلاع، أو قال: ما حد المسبع؟ # فقلنا: شكل يحيط به سبعة أضلاع، فهم السائل حد المسبع، وإن لم يعلم أن ~~المسبع موجود في العالم أصلا، فبطلان العلم بوجوده لا يبطل عن ذهنه فهم ~~حقيقة المسبع، ولو بطل عن ذهنه الشكل لبطل المسبع، ولم يبق مفهوما عنده، ~~وأما ما هو أخص من الانسان من كونه طويلا أو قصيرا أو شيخا أو صبيا أو ~~كاتبا أو أبيض أو محترفا، فشئ منه لا يدخل في الماهية، إذ لا يتغير جواب ~~الماهية بتغيره، فإذا قيل لنا: ما هذا؟ فقلنا: إنسان، وكان صغيرا فكبر، أو ~~قصيرا فطال، فسئلنا مرة أخرى ما هو؟ لست أقول من هو؟ لكان الجواب ذلك ~~بعينه، ولو أشير إلى ما ينفصل من الإحليل عند الوقاع وقيل: ما هو؟ لقلنا: ~~نطفة، فإذا صار جنينا ثم مولودا فقيل: ما هو؟ تغير الجواب، ولم يحسن أن ~~يقال: نطفة، بل يقال: إنسان، وكذلك الماء إذا سخن فقيل ما هو؟ قلنا: ماء ~~كما في حالة البرودة، ولو استحال بالنار بخارا ثم هواء ثم قيل: ما هو؟ تغير ~~الجواب، فإذا انقسمت الصفات إلى ما يتبدل الجواب عن الماهية بتبدلها وإلى ~~ما لا يتبدل فلنذكر في الحد الحقيقي ما يدخل في الماهية، وأما الحد اللفظي ~~والرسمي PageV00P013 # فمؤنتهما خفيفة إذ طالبهما قانع بتبديل لفظ العقار بالخمر، وتبديل لفظ ~~العلم بالمعرفة، أو بما هو وصف عرضي جامع مانع، وإنما العويص المتعذر هو ~~الحد الحقيقي، وهو الكاشف عن ماهية الشئ لا غير. # القانون الثالث (أصل السؤال وتعريفه الصحيح) إن ما وقع السؤال عن ماهيته ~~و أردت أن تحده حدا حقيقيا فعليك فيه وظائف، لا يكون الحد حقيقيا إلا بها، ms015 ~~فإن تركتها سميناه رسميا أو لفظيا، ويخرج عن كونه معربا عن حقيقة الشئ، ~~ومصورا لكنه معناه في النفس. الأولى: أن تجمع أجزاء الحد من الجنس والفصول: ~~فإذا قال لك مشيرا إلى ما ينبت من الأرض: ما هو؟ فلا بد أن تقول: # جسم، لكن لو اقتصرت عليه لبطل عليك بالحجر، فتحتاج إلى الزيادة، فتقول: ~~نام، فتحترز به عما لا ينمو، فهذا الاحتراز يسمى فصلا، أي فصلت به المحدود ~~عن غيره. الثانية: أن تذكر جميع ذاتياته وإن كانت ألفا ولا تبالي بالتطويل، ~~لكن ينبغي أن تقدم الأعم على الأخص، فلا تقول: نام جسم بل بالعكس، وهذه لو ~~تركتها لتشوش النظم، ولم تخرج الحقيقة عن كونها مذكورة مع اضطراب اللفظ، ~~فالانكار عليك في هذا أقل مما في الأول، وهو أن تقتصر على الجسم. الثالثة: ~~إنك إذا وجدت الجنس القريب فلا تذكر البعيد معه، فتكون مكررا، كما تقول: ~~مائع شراب، أو تقتصر على البعيد، فتكون مبعدا، كما تقول في حد الخمر: جسم ~~مسكر، مأخوذ من العنب، وإذا ذكرت هذا فقد ذكرت، ما هو ذاتي ومطرد ومنعكس، ~~لكنه مختل قاصر عن تصوير كنه حقيقة الخمر، بل لو قلت: مائع مسكر، كان أقرب ~~من الجسم، وهو أيضا ضعيف، بل ينبغي أن تقول: شراب مسكر، فإنه الأقرب الأخص، ~~ولا تجد بعده جنسا أخص منه، فإذا ذكرت الجنس فاطلب بعده الفصل، إذ الشراب ~~يتناول سائر الأشربة، فأجتهد أن تفصل بالذاتيات، إلا إذا عسر عليك ذلك، وهو ~~كذلك عسير في أكثر الحدود، فاعدل بعد ذكر الجنس إلى اللوازم، واجتهد أن ~~يكون ما ذكرته من اللوازم الظاهرة المعروفة، فإن الخفي لا يعرف، كما إذا ~~قيل: ما الأسد؟ فقلت: سبع أبخر، ليتميز بالبخر عن الكلب، فإن البخر من خواص ~~الأسد، لأنه خفي، ولو قلت: سبع شجاع عريض الأعالي، لكانت هذه اللوازم ~~والاعراض أقرب إلى المقصود، لأنها أجلى، وأكثر مما ترى في الكتب من الحدود ~~رسمية، إذ الحقيقية عسرة جدا، وقد يسهل درك بعض الذاتيات ويعسر بعضها، فإن ~~درك جميع الذاتيات حتى ms016 لا يشذ واحد منها عسر، والتمييز بين الذاتي واللازم ~~عسر، ورعاية الترتيب حتى لا يبتدأ بالأخص قبل الأعم عسر، وطلب الجنس الأقرب ~~عسر، فإنك ربما تقول في الأسد إنه حيوان شجاع، ولا يحضرك لفظ السبع، فتجمع ~~أنواعا من العسر، وأحسن الرسميات ما وضع فيه الجنس الأقرب، وتمم بالخواص ~~المشهورة المعروفة. # الرابعة: أن تحترز من الألفاظ الغريبة الوحشية والمجازية البعيدة ~~والمشتركة المترددة، واجتهد في الايجاز ما قدرت، وفي طلب اللفظ النص ما ~~أمكنك، فإن أعوزك النص وافتقرت إلى الاستعارة فاطلب من الاستعارات ما هو ~~أشد مناسبة للغرض، واذكر مرادك للسائل، فما كل أمر معقول له عبارة صريحة ~~موضوعة للانباء عنه، ولو طول مطول واستعار مستعير أو أتى بلفظ مشترك وعرف ~~مراده بالتصريح أو عرف بالقرينة، فلا ينبغي أن يستعظم صنيعه ويبالغ في ~~PageV00P014 # ذمه إن كان قد كشف عن الحقيقة بذكر جميع الذاتيات، فإنه المقصود، وهذه ~~المزايا تحسينات وتزيينات كالأبازير من الطعام المقصود، وإنما المتحذلقون ~~يستعظمون مثل ذلك ويستنكرونه غاية الاستنكار، لميل طباعهم القاصرة عن ~~المقصود الأصلي إلى الوسائل والرسوم والتوابع حتى ربما أنكروا قول القائل ~~في حد العلم إنه الثقة بالمعلوم أو إدراك المعلوم من حيث إن الثقة مترددة ~~بين الأمانة والفهم، وهذا هوس، لان الثقة إذا قرنت بالمعلوم تعين فيها جهة ~~الفهم، ومن قال حد اللون ما يدرك بحاسة العين على وجه كذا وكذا، فلا ينبغي ~~أن ينكر من حيث إن لفظ العين مشترك بين الميزان والشمس والعضو الباصر، لان ~~قرينة الحاسة أذهبت عنه الاحتمال، وحصل التفهيم الذي هو مطلوب السؤال، ~~واللفظ غير مراد بعينه في الحد الحقيقي إلا عند المرتسم الذي يحوم حول ~~العبارات فيكون اعتراضه عليها وشغفه بها. # القانون الرابع في طريق اقتناص الحد اعلم أن الحد لا يحصل بالبرهان، لأنا ~~إذا قلنا في حد الخمر أنه شراب مسكر، فقيل لنا: لم لكان محالا أن يقام عليه ~~برهان فإن لم يكن معنا خصم وكنا نطلبه فكيف نطلبه بالبرهان، وقولنا: الخمر ~~شراب مسكر دعوى هي قضية محكومها الخمر، وحكمها ms017 أنه شراب مسكر، وهذه القضية ~~إن كانت معلومة بلا وسط فلا حاجة إلى البرهان، وإن لم تعلم، وافتقرت إلى ~~وسط، وهو معنى البرهان، أعني طلب الوسط كان صحة ذلك الوسط للمحكوم عليه، ~~وصحة الحكم للوسط كل واحد قضية واحدة فبماذا تعرف صحتها، فإن احتيج إلى وسط ~~تداعى إلى غير نهاية، وإن وقف في موضع بغير وسط فبماذا تعرف في ذلك الموضع ~~صحته؟ فليتخذ ذلك طريقا في أول الأمر، مثاله: لو قلنا في حد العلم إنه ~~المعرفة، فقيل لم؟ فقلنا: لان كل علم فهو اعتقاد مثلا، وكل اعتقاد فهو ~~معرفة، فكل علم إذن معرفة، لان هذا طريق البرهان على ما سيأتي، فيقال: ولم ~~قلتم كل علم فهو اعتقاد، ولم قلتم كل اعتقاد فهو معرفة، فيصير السؤال ~~سؤالين، وهكذا يتداعى إلى غير نهاية، بل الطريق أن النزاع إن كان مع خصم أن ~~يقال عرفنا صحته باطراده وانعكاسه، فهو الذي يسلمه الخصم بالضرورة، وأما ~~كونه معربا عن تمام الحقيقة ربما ينازع فيه ولا يقر به، فإن منع اطراده ~~وانعكاسه على أصل نفسه طالبناه بأن يذكر حد نفسه، وقابلنا أحد الحدين ~~بالآخر، وعرفنا ما فيه التفاوت من زيادة أو نقصان، وعرفنا الوصف الذي فيه ~~يتفاوتان، وجردنا النظر إلى ذلك الوصف، وأبطلناه بطريقة أو أثبتناه بطريقة ~~مثاله إذا قلنا: المغصوب مضمون وولد المغصوب مغصوب فكان مضمونا، فقالوا لا ~~نسلم أن ولد المغصوب مغصوب، قلنا: # حد الغصب إثبات اليد العادية على مال الغير، وقد وجد، فربما منع كون اليد ~~عادية، وكونه إثباتا، بل نقول: هذا ثبوت، ولكن ليس ذلك من غرضنا، بل ربما ~~قال نسلم أن هذا موجود في ولد المغصوب، لكن لا نسلم أن هذا حد الغصب، فهذا ~~لا يمكن إقامة برهان عليه، إلا أنا نقول: هو مطرد منعكس، فما الحد عندك فلا ~~بد من ذكره حتى ننظر إلى موضع التفاوت، فيقول: بل حد الغصب إثبات اليد ~~المبطلة المزيلة لليد المحقة، فنقول قد زدت وصفا وهو الإزالة، فلننظر هل ~~يمكننا أن نقدر على اعتراف الخصم ms018 بثبوت الغصب مع عدم هذا الوصف فإن قدرنا ~~عليه بان أن الزيادة عليه محذوفة، وذلك بأن نقول الغاصب من الغصب ~~PageV00P015 # يضمن للمالك، وقد أثبت اليد المبطلة، ولم يزل المحقة، فإنها كانت زائلة ~~فهذا طريق قطع النزاع مع المناظر، وأما الناظر مع نفسه إذا تحررت له حقيقة ~~له حقيقة الشئ وتخلص له اللفظ الدال على ما تحرر في مذهبه علم أنه واجد ~~للحد فلا يعاند نفسه. # القانون الخامس في حصر مداخل الخلل في الحدود وهي ثلاثة فإنه تارة يدخل ~~من جهة الجنس وتارة من جهة الفصل، وتارة من جهة أمر مشترك بينهما، أما ~~الخلل من جهة الجنس فأن يؤخذ الفصل بدله، كما يقال في العشق: إنه إفراط ~~المحبة، وإنما ينبغي أن يقال إنه المحبة المفرطة، فالافراط يفصلها عن سائر ~~أنواع المحبة، ومن ذلك أن يؤخذ المحل بدل الجنس، كقولك في الكرسي إنه خشب ~~يجلس عليه، وفي السيف إنه حديد يقطع به، بل ينبغي أن يقال للسيف إنه آلة ~~صناعية من حديد مستطيلة، عرضها كذا، ويقطع بها كذا، فالآلة جنس، والحديد ~~محل الصورة لا جنس، وأبعد منه أن يؤخذ بدل الجنس ما كان موجودا والآن ليس ~~بموجود، كقولك للرماد إنه خشب محترق، وللولد أنه نطفة مستحيلة، فإن الحديد ~~موجود في السيف في الحال، والنطفة والخشب غير موجودين في الولد والرماد، ~~ومن ذلك أن يؤخذ الجزء بدل الجنس، كما يقال في حد العشرة أنها خمسة وخمسة، ~~ومن ذلك أن توضع القدرة موضع المقدور، كما يقال حد العفيف: هو الذي يقوى ~~على اجتناب اللذات الشهوانية، وهو فاسد، بل هو الذي يترك، وإلا فالفاسق ~~يقوى على الترك ولا يترك، ومن ذلك أن يضع اللوازم التي ليست بذاتية بدل ~~الجنس، كالواحد والموجود إذا أخذته في حد الشمس أو الأرض مثلا، ومن ذلك أن ~~يضع النوع مكان الجنس، كقولك: الشر هو ظلم الناس، والظلم نوع من الشر، وأما ~~من جهة الفصل فأن يأخذ اللوازم، والعرضيات في الاحتراز بدل الذاتيات، وأن ~~لا يورد جميع الفصول، وأما الأمور المشتركة ms019 فمن ذلك أن يحد الشئ بما هو ~~أخفى منه، كقول القائل: حد الحادث ما به القدرة ومن ذلك حد الشئ بما هو ~~مساو له في الخفاء، كقولك: العلم ما يعلم به، أو ما يكون الذات به عالما، ~~ومن ذلك أن يعرف الضد بالضد، فيقول: حد العلم ما ليس بظن ولا جهل، وهكذا ~~حتى يحصر الأضداد، وحد الزوج ما ليس بفرد، ثم يمكنك أن تقول في حد الفرد: # ما ليس بزوج، فيدور الامر ولا يحصل له بيان، ومن ذلك أن يأخذ المضاف في ~~حد المضاف وهما متكافئان في الإضافة، كقول القائل: حد الأب من له ابن، ثم ~~لا يعجز أن يقول: حد الابن من له أب، بل ينبغي أن يقول: الأب حيوان تولد من ~~نطفته حيوان آخر هو من نوعه، فهو أب من حيث هو كذلك، ولا يحيل على الابن، ~~فإنهما في الجهل والمعرفة يتلازمان، ومن ذلك أن يأخذ المعلول في حد العلة، ~~مع أنه لا يحد المعلول إلا بأن تؤخذ العلة في حده، كما يقول في حد الشمس ~~إنه كوكب يطلع نهارا، فيقال: وما حد النهار؟ فيلزمه أن يقول: النهار زمان ~~من طلوع الشمس إلى غروبها إن أراد الحد الصحيح، ولذلك نظائر لا يمكن ~~إحصاؤها. # القانون السادس في أن المعنى الذي لا تركيب فيه البتة لا يمكن حده إلا ~~بطريق PageV00P016 # شرح اللفظ، أو بطريق الرسم. وأما الحد الحقيقي فلا، والمعنى المفرد مثل ~~الموجود، فإذا قيل لك: ما حد الموجود؟ فغايتك أن تقول: هو الشئ أو الثابت، ~~فتكون قد أبدلت اسما باسم مرادف له، ربما يتساويان في التفهيم، وربما يكون ~~أحدهما أخفى في موضع اللسان كمن يقول: ما العقار: فيقال الخمر، وما ~~الغضنفر؟ فيقال: الأسد، وهذا أيضا إنما يحسن بشرط أن يكون المذكور في ~~الجواب أشهر من المذكور في السؤال، ثم لا يكون إلا شرحا للفظ، وإلا فمن ~~يطلب تلخيص ذات الأسد فلا يتخلص له ذلك في عقله إلا بأن يقول: هو سبع، من ~~صفته كيت وكيت، فأما تكرار الألفاظ المترادفة ms020 فلا يغنيه، ولو قلت: حد ~~الموجود أنه المعلوم أو المذكور وقيدته بقيد احترزت به عن المعدوم، كنت ~~ذكرت شيئا من توابعه ولوازمه، وكان حدك رسميا غير معرب عن الذات، فلا يكون ~~حقيقيا، فإذا الموجود لا حد له فإنه مبدأ كل شرح، فكيف يشرح في نفسه، وإنما ~~قلنا: المعنى المفرد ليس له الحد الحقيقي، لان معنى قول القائل: ما حد ~~الشئ؟ قريب من معنى قوله: ما حد هذه الدار؟ وللدار جهات متعددة إليها ينتهي ~~الحد، فيكون تحديد الدار بذكر جهاتها المختلفة المتعددة التي الدار محصورة ~~مسورة بها، فإذا قال: ما حد السواد، فكأنه يطلب به المعاني، والحقائق التي ~~بائتلافها تتم حقيقة السواد، فإن السواد سواد ولون، وموجود وعرض، ومرئي ~~ومعلوم، ومذكور واحد وكثير ومشرق وبراق، وكدر وغير ذلك من الأوصاف، وهذه ~~الأوصاف بعضها عارض يزول، وبعضها لازم لا يزول، ولكن ليست ذاتية، ككونه ~~معلوما وواحدا وكثيرا، وبعضها ذاتي لا يتصور فهم السواد دون فهمه، ككونه ~~لونا، فطالب الحد كأنه يقول إلى كم معنى تنتهي حدود حقيقة السواد؟ # لتجمع له تلك المعاني المتعددة، ويتخلص بأي يبتدئ بالأعم ويختم بالأخص، ~~ولا يتعرض للعوارض، وربما يطلب أن لا يتعرض للوازم بل للذاتيات خاصة، فإذا ~~لم يكن المعنى مؤتلفا من ذاتيات متعددة كالموجود فكيف يتصور تحديده؟ فكان ~~السؤال عنه، كقول القائل: # ما حد الكرة، ويقدر العالم كله كرة، فكيف يذكر حده على مثال حدود الدار، ~~إذ ليس له حدود، فإن حده عبارة عن منقطعه، ومنقطعه سطحه الظاهر وهو سطح ~~واحد متشابه وليس سطوحا مختلفة ولا هو منته إلى مختلفة حتى يقال أحد حدوده ~~ينتهي إلى كذا والآخر إلى كذا فهذا المثال المحسوس وإن كان بعيدا عن ~~المقصود ربما يفهم مقصود هذا الكلام ولا يفهم من قولي السواد مركب من معنى ~~اللونية والسوادية واللونية جنس والسوادية نوع أن في السواد ذوات متعددة ~~متباينة متفاضلة، فلا تقل إن السواد لون وسواد، بل لون ذلك اللون بعينه هو ~~سواد ومعناه يتركب ويتعدد للعقل حتى يعقل اللونية مطلقا، ولا ms021 يخطر له ~~السواد مثلا، ثم يعقل السواد، فيكون العقل قد عقل أمرا زائدا لا يمكنه جحد ~~تفاصيله في الذهن، ولكن لا يمكن أن يعتقد تفاصيله في الوجود، ولا تظنن أن ~~منكر الحال يقدر على حد شئ البتة والمتكلمون يسمون اللونية حالا لان منكر ~~الحال إذا ذكر الجنس واقتصر بطل عليه الحد وإن زاد شيئا للاحتراز فيقال له: ~~إن الزيادة عين الأول أو غيره؟ فإن كان عينه فهو تكرار فاطرحه، وأن كان ~~غيره فقد اعترف بأمرين. وإن قال في حد الجوهر: إنه موجود بطل بالعرض، فإن ~~زاد أنه متحيز فقيل له: قولك متحيز مفهوم الموجود أو عينه؟ فإن كان عينه ~~فكأنك قلت PageV00P017 # موجود موجود والمترادفة كالمتكررة، فهو إذا يبطل بالعرض، وإن كان غيره ~~حتى اندفع النقض بقولك متحيز، ولم يندفع بقولك موجود، فهو غير بالمعنى لا ~~باللفظ، فوجب الاعتراف بتغاير المعنى في العقل، والمقصود بيان أن المفرد لا ~~يمكن أن يكون له حد حقيقي، وإنما يحد بحد لفظي، كقولك في حد الموجود إنه ~~الشئ، أو رسمي كقولك في حد الموجود: # أنه المنقسم إلى الخالق والمخلوق، والقادر والمقدور، أو الواحد والكثير، ~~أو القديم والحادث أو الباقي والفاني، أو ما شئت من لوازم الموجود وتوابعه، ~~وكل ذلك ليس ينبئ عن ذات الموجود عن تابع لازم لا يفارقه البتة. واعلم أن ~~المركب إذا حددته بذكر آحاد الذاتيات توجه السؤال عن حد الآحاد، فإذا قيل ~~لك: ما حد الشجر؟ فقلت: نبات قائم على ساق، فقيل لك: ما حد النبات؟ فتقول: ~~جسم نام، فيقال: ما حد الجسم؟ فتقول: جوهر مؤتلف، أو الجوهر الطويل العريض ~~العميق، فيقال: وما حد الجوهر؟ وهكذا، فإن كل مؤلف فيه مفردات، فله حقيقة، ~~وحقيقته أيضا تأتلف من مفردات، ولا تظن أن هذا يتمادى إلى غير نهاية بل ~~ينتهي إلى مفردات يعرفها العقل والحس معرفة أولية لا تحتاج إلى طلب بصيغة ~~الحد، كما أن العلوم التصديقية تطلب بالبرهان عليها، وكل برهان ينتظم من ~~مقدمتين، ولا بد لكل مقدمة أيضا من برهان يأتلف من ms022 مقدمتين، وهكذا فيتمادى ~~إلى أن ينتهي إلى أوليات، فكما أن في العلوم أوليات فكذلك في المعارف، ~~فطالب حدود الأوليات إنما يطلب شرح اللفظ لا الحقيقة، فإن الحقيقة تكون ~~ثابتة في عقله بالفطرة الأولى، كثبوت حقيقة الوجود في العقل، فإن طلب ~~الحقيقة فهو معاند كمن يطلب البرهان على أن الاثنين أكثر من الواحد، فهذا ~~بيان ما أردنا ذكره من القوانين . الفن الثاني من دعامة الحد في الامتحانات ~~للقوانين بحدود مفصلة وقد أكثرنا أمثلتها في كتاب معيار العلم ومحك النظر، ~~ونحن الآن مقتصرون على حد الحد وحد العلم وحد الواجب، لان هذا النمط من ~~الكلأ م دخيل في علم الأصول، فلا يليق فيه الاستقصاء . الامتحان الأول (حد ~~الحد) اختلف الناس في حد الحد، فمن قائل يقول: حد الشئ هو حقيقته وذاته، ~~ومن قائل يقول: حد الشئ هو اللفظ المفسر لمعناه على وجه يمنع ويجمع، ومن ~~قائل ثالث يقول: هذه المسألة خلافية، فينصر أحد الحدين على الآخر، فانظر ~~كيف تخبط عقل هذا الثالث، فلم يعلم أن الاختلاف إنما يتصور بعد التوارد على ~~شئ واحد، وهذان قد تباعدا وتنافرا وما تواردا على شئ واحد، وإنما منشأ هذا ~~الغلط الذهول عن معرفة الاسم المشترك على ما سنذكره، فإن من يحد العين بأنه ~~العضو المدرك للألوان بالرؤية لم يخالف من حده بأنه الجوهر المعدني الذي هو ~~أشرف النقود، بل حد هذا أمرا مباينا لحقيقة الامر الآخر، وإنما اشتركا في ~~اسم العين، فافهم هذا، فإنه قانون كثير النفع، فإن قلت: فما الصحيح عندك في ~~حد الحد؟ فاعلم أن كل من طلب المعاني من الألفاظ ضاع وهلك، وكان كمن استدبر ~~المغرب وهو يطلبه، ومن قرر المعاني أولا في عقله، ثم أتبع المعاني الألفاظ ~~فقد اهتدى، فلنقرر المعاني فنقول: الشئ له في الوجود أربع مراتب: # الأولى: حقيقته في نفسه PageV00P018 # الثانية: ثبوت مثال حقيقته في الذهن، وهو الذي يعبر عنه بالعلم. # الثالثة: تأليف صوت بحروف تدل عليه، وهو العبارة الدالة على المثال الذي ~~في النفس. # الرابعة: تأليف رقوم تدرك بحاسة ms023 البصر دالة على اللفظ وهو الكتابة، ~~فالكتابة تبع للفظ إذ تدل عليه، واللفظ تبع للعلم إذ يدل عليه، والعلم تبع ~~للمعلوم، إذ يطابقه ويوافقه، وهذه الأربعة متطابقة متوازية، إلا أن الأولين ~~وجودان حقيقيان لا يختلفان بالاعصار والأمم والآخرين وهو اللفظ والكتابة ~~يختلفان بالاعصار والأمم، لأنهما موضوعان بالاختيار، ولكن الأوضاع وإن ~~اختلفت صورها فهي متفقة في أنها قصد بها مطابقة الحقيقة، ومعلوم أن الحد ~~مأخوذ من المنع وإنما أستعير لهذه المعاني لمشاركته في معنى المنع، فانظر ~~المنع أين تجده في هذه الأربعة، فإذا ابتدأت بالحقيقة لم تشك في أنها حاصرة ~~للشئ مخصوصة به إذ حقيقة كل شئ خاصيته التي له، وليست لغيره، فإذا الحقيقة ~~جامعة مانعة وإن نظرت إلى مثال الحقيقة في الذهن وهو العلم وجدته أيضا كذلك ~~لأنه مطابق للحقيقة المانعة والمطابقة توجب المشاركة في المنع، وإن نظرت ~~إلى العبارة عن العلم وجدتها أيضا حاصرة، فإنها مطابقة للعلم المطابق ~~للحقيقة والمطابق للمطابق مطابق، وإن نظرت إلى الكتابة وجدتها مطابقة للفظ ~~المطابق للعلم المطابق للحقيقة فهي أيضا مطابقة فقد وجدت المنع في الكل إلا ~~أن العادة لم تجر بإطلاق الحد على الكتابة التي هي الرابعة، ولا على العلم ~~الذي هو الثاني بل هو مشترك، بين الحقيقة وبين اللفظ، وكل لفظ مشترك بين ~~حقيقتين، فلا بد أن يكون له حدان مختلفان، كلفظ العين، فإذا عند الاطلاق ~~على نفس الشئ يكون حد الحد أنه حقيقة الشئ وذاته، وعند الاطلاق الثاني يكون ~~حد الحد أنه اللفظ الجامع المانع إلا أن الذين أطلقوه على اللفظ أيضا ~~اصطلاحهم مختلف، كما ذكرناه في الحد اللفظي والرسمي والحقيقي، فحد الحد عند ~~من يقنع بتكرير اللفظ، كقولك الموجود هو الشئ، والعلم هو المعرفة، والحركة ~~هي النقلة، هو تبديل اللفظ بما هو أوضح عند السائل، على شرط أن يجمع ويمنع. ~~وأما حد الحد عند من يقنع بالرسميات فإنه اللفظ الشارح للشئ بتعديد صفاته ~~الذاتية أو اللازمة على وجه يميزه عن غيره تمييزا يطرد وينعكس. وأما حده ~~عند من لا يطلق ms024 اسم الحد إلا على الحقيقي فهو: إنه القول الدال على تمام ~~ماهية الشئ، ولا يحتاج في هذا إلى ذكر الطرد والعكس، لان ذلك تبع للماهية ~~بالضرورة، ولا يحتاج إلى التعرض للوازم والعوارض، فإنها لا تدل على ~~الماهية، بل لا يدل إلا على الماهية إلا الذاتيات، فقد عرفت أن اسم الحد ~~مشترك في الاصطلاحات بين الحقيقة وشرح اللفظ والجمع بالعوارض والدلالة على ~~الماهية، فهذه أربعة أمور مختلفة، كما دل لفظ العين على أمور مختلفة، فتعلم ~~صناعة الحد، فإذا ذكر لك اسم وطلب منك حده فانظر، فإن كان مشتركا فاطلب عدة ~~المعاني التي فيها الاشتراك، فإن كانت ثلاثة فاطلب لها ثلاثة حدود، فإن ~~الحقائق إذا اختلفت فلا بد من اختلاف الحدود، فإذا قيل لك ما الانسان، فلا ~~تطمع في حد واحد، فإن الانسان مشترك بين أمور إذ يطلق على إنسان العين وله ~~حد، وعلى الانسان المعروف وله حد آخر، وعلى الانسان المصنوع على ~~PageV00P019 # الحائط المنقوش، وله حد آخر، وعلى الانسان الميت وله حد آخر، فإن اليد ~~المقطوعة، والذكر المقطوع، يسمى ذكرا، وتسمى يدا، ولكن بغير الوجه الذي ~~كانت تسمى به حين كانت غير مقطوعة، فإنها كانت تسمى به من حيث أنها آلة ~~البطش وآلة الوقاع، وبعد القطع تسمى به من حيث أن شكلها شكل آلة البطش، حتى ~~لو بطل بالتقطيعات الكثيرة شكلها سلب هذا الاسم عنها، ولو صنع شكلها من خشب ~~أو حجر أعطي الاسم، وكذلك إذا قيل: ما حد العقل؟ فلا تطمع في أن تحده بحد ~~واحد، فإنه هوس، لان اسم العقل مشترك، يطلق على عدة معان، إذ يطلق على بعض ~~العلوم الضرورية، ويطلق على الغريزة التي يتهيأ بها الانسان لدرك العلوم ~~النظرية، ويطلق على العلوم المستفادة من التجربة، حتى أن من لم تحنكه ~~التجارب بهذا الاعتبار لا يسمى عاقلا، ويطلق على من له وقار وهيبة وسكينة ~~في جلوسه وكلامه وهو عبارة، عن الهدو، فيقال: فلان عاقل، أي في هدو، وقد ~~يطلق على من جمع العمل إلى العلم حتى أن المفسد ms025 وإن كان في غاية من الكياسة ~~يمنع عن تسميته عاقلا فلا يقال للحجاج عاقل بل داه، ولا يقال للكافر عاقل، ~~وإن كان محيطا بجملة العلوم الطبية والهندسية، بل إما فاضل وإما داه وإما ~~كيس، فإذا اختلفت الاصطلاحات فيجب بالضرورة أن تختلف الحدود، فيقال في حد ~~العقل باعتبار أحد مسمياته إنه بعض العلوم الضرورية، كجواز الجائزات ~~واستحالة المستحيلات كما قاله القاضي أبو بكر الباقلاني رحمه الله، ~~وبالاعتبار الثاني أنه غريزة يتهيأ بها النظر في المعقولات، وهكذا بقية ~~الاعتبارات. فإن قلت: فنرى الناس يختلفون في الحدود وهذا الكلام يكاد يحيل ~~الاختلاف في الحد، أترى أن المتنازعين فيه ليسوا عقلاء؟ فاعلم أن الاختلاف ~~في الحد يتصور في موضعين: أحدهما: أن يكون اللفظ في كتاب الله تعالى أو سنة ~~رسوله (ص)، أو قول إمام من الأئمة يقصد الاطلاع على مراده به، فيكون ذلك ~~اللفظ مشتركا، فيقع النزاع في مراده به، فيكون قد وجد التوارد على مراد ~~القائل، والتباين بعد التوارد، فالخلاف تباين بعد التوارد، وإلا فلا نزاع ~~بين من يقول السماء قديمة، وبين من يقول: الانسان مجبور على الحركات، إذ لا ~~توارد، فلو كان لفظ الحد في كتاب الله تعالى، أو في كتاب إمام، لجاز أن ~~يتنازع في مراده، ويكون إيضاح ذلك من صناعة التفسير لا من صناعة النظر ~~العقلي. الثاني: أن يقع الاختلاف في مسألة أخرى على وجه محقق ويكون المطلوب ~~حده أمرا ثانيا لا يتحد حده على المذهبين فيختلف، كما يقول المعتزلي، حد ~~العلم اعتقاد الشئ على ما هو به، ونحن نخالف في ذكر الشئ، فإن المعدوم ~~عندنا ليس بشئ وهو معلوم، فالخلاف في مسألة أخرى يتعدى إلى هذا الحد، وكذلك ~~يقول القائل: حد العقل بعض العلوم الضرورية على وجه كذا وكذا، و يخالف من ~~يقول في حده إنه غريزة يتميز بها الانسان عن الذئاب وسائر الحيوانات، من ~~حيث إن القائل الأول ينكر تميز العين بغريزة عن العقب، وتميز الانسان ~~بغريزة عن الذئاب بها يتهيأ للنظر في العقليات، لكن الله تعالى أجرى ms026 العادة ~~بخلق العلم في القلب دون العقب، وفي الانسان دون الذئاب، وخلق البصر في ~~العين دون العقب، لا لتميزه بغريزة استعد بسببها لقبوله، فيكون منشأ ~~الاختلاف في الحد الاختلاف في إثبات هذه الغريزة أو نفيها، فهذه أمور، وإن ~~أوردناها في PageV00P020 # معرض الامتحان، فقد أدرجنا فيها ما يجري على التحقيق مجرى القوانين. # امتحان ثان (حد العلم اختلف في حد العلم، فقيل: إنه المعرفة، وهو حد لفظي ~~وهو أضعف أنواع الحدود، فإنه تكرير، لفظ بذكر ما يرادفه، كما يقال: حد ~~الأسد الليث، وحد العقار الخمر وحد الموجود الشئ، وحد الحركة النقلة، ولا ~~يخرج عن كونه لفظيا بأن يقال: معرفة المعلوم على ما هو به، لأنه في حكم ~~تطويل وتكرير، إذ المعرفة لا تطلق إلا على ما هو كذلك، فهو كقول القائل: حد ~~الموجود الشئ الذي له ثبوت ووجود، فإن هذا تطويل لا يخرجه عن كونه لفظيا. ~~ولست أمنع من تسمية هذا حدا، فإن لفظ الحد مباح في اللغة لمن استعاره لما ~~يريده مما فيه نوع من المنع، هذا إذا كان الحد عنده عبارة عن لفظ مانع، وإن ~~كان عنده عبارة عن قول شارح لماهية الشئ مصور كنه حقيقته في ذهن السائل، ~~فقد ظلم بإطلاق هذا الاسم على قوله: العلم هو المعرفة، وقيل أيضا أنه الذي ~~يعلم به، وأنه الذي تكون الذات به عالمة، وهذا أبعد من الأول، فإنه مساو له ~~في الخلو عن الشرح والدلالة على الماهية، ولكن قد يتوهم في الأول شرح ~~اللفظ، بأن يكون أحد اللفظين عند السائل أشهر من الآخر، فيشرح الأخفى ~~بالأشهر، أما العالم ويعلم فهما مشتقان من نفس العلم، ومن أشكل عليه المصدر ~~كيف يتضح له بالمشتق منه، والمشتق أخفى من المشتق منه، وهو كقول القائل في ~~حد الفضة: إنها التي تصاغ منها الأواني الفضية. وقد قيل في حد العلم: إنه ~~الوصف الذي يتأتى للمتصف به إتقان الفعل وأحكامه، وهذا ذكر لازم من لوازم ~~العلم، فيكون رسميا، وهو أبعد مما قبله، من حيث أنه أخص من العلم، ms027 فإنه لا ~~يتناول إلا بعض العلوم، ويخرج منه العلم بالله وصفاته، إذ ليس يتأتى به ~~إتقان فعل وأحكامه، ولكنه أقرب مما قبله بوجه، فإنه ذكر لازم قريب من ~~الذات، ليفيد شرحا وبيانا، بخلاف قوله ما يعلم به، وما تكون الذات به ~~عالمة، فإن قلت: فما حد العلم عندك؟ فاعلم أنه اسم مشترك، قد يطلق على ~~الابصار والاحساس، وله حد بحسبه، ويطلق على التخيل، وله حد بحسبه، ويطلق ~~على الظن، وله حد آخر، ويطلق على علم الله تعالى على وجه آخر أعلى وأشرف، ~~ولست أعني به شرفا بمجرد العموم فقط بل بالذات والحقيقة، لأنه معنى واحد ~~محيط بجميع التفاصيل، ولا تفاصيل ولا تعدد في ذاته، وقد يطلق على إدراك ~~العقل، وهو المقصود بالبيان، وربما يعسر تحديده على الوجه الحقيقي بعبارة ~~محررة جامعة للجنس والفصل الذاتي، فإنا بينا أن ذلك عسير في أكثر الأشياء ~~بل أكثر المدركات الحسية يتعسر تحديدها، فلو أردنا أن نحد رائحة المسك أو ~~طعم العسل لم نقدر عليه، وإذا عجزنا عن حد المدركات فنحن عن تحديد ~~الادراكات أعجز، ولكنا نقدر على شرح معنى العلم بتقسيم ومثال: أما التقسيم: ~~فهو أن نميزه عما يلتبس به، ولا يخفى وجه تميزه عن الإرادة والقدرة وسائر ~~صفات النفس، وإنما يلتبس بالاعتقادات، ولا يخفى أيضا وجه تميزه عن الشك ~~والظن، لان الجزم منتف عنهما، والعلم عبارة عن أمر جزم لا تردد فيه ولا ~~تجويز، ولا يخفى أيضا، وجه تميزه عن الجهل، فإنه متعلق بالمجهول على خلاف ~~ما هو به والعلم مطابق للمعلوم، وربما يبقى ملتبسا باعتقاد المقلد الشئ على ~~ما هو به عن تلقف لا عن بصيرة، وعن جزم لا عن تردد، ولاجله خفي على ~~المعتزلة حتى قالوا في حد العلم: إنه PageV00P021 # اعتقاد الشئ على ما هو به وهو خطأ من وجهين: أحدهما: تخصيص الشئ، مع أن ~~العلم يتعلق بالمعدوم الذي ليس شيئا عندنا. والثاني: إن هذا الاعتقاد حاصل ~~للمقلد، وليس بعالم قطعا، فإنه كما يتصور أن يعتقد الشئ جزما على خلاف ما ms028 ~~هو به لا عن بصيرة كاعتقاد اليهودي والمشرك، فإنه تصميم جازم لا تردد فيه، ~~يتصور أن يعتقد الشئ بمجرد التلقين والتلقف على ما هو به، مع الجزم الذي لا ~~يخطر بباله جواز غيره، فوجه تميز العلم عن الاعتقاد، هو أن الاعتقاد معناه ~~السبق إلى أحد معتقدي الشاك، مع الوقوف عليه من غير إخطار نقيضه بالبال، ~~ومن غير تمكين نقيضه من الحلول في النفس فإن الشاك يقول: العالم حادث أم ~~ليس بحادث؟ والمعتقد يقول: حادث، ويستمر عليه ولا يتسع صدره لتجويز القدم، ~~والجاهل يقول: قديم، ويستمر عليه، والاعتقاد وإن وافق المعتقد فهو جنس من ~~الجهل في نفسه، وإن خالفه بالإضافة، فإن معتقد كون زيد في الدار لو قدر ~~استمراره عليه حتى خرج زيد من الدار بقي اعتقاده كما كان لم يتغير في نفسه، ~~وإنما تغيرت إضافته، فإنه طابق المعتقد في حالة وخالفه في حالة، وأما العلم ~~فيستحيل تقدير بقائه مع تغير المعلوم، فإنه كشف وانشراح، والاعتقاد عقدة ~~على القلب، والعلم عبارة عن انحلال العقد، فهما مختلفان ولذلك لو أصغى ~~المعتقد إلى المشكك لوجد لنقيض معتقده مجالا في نفسه، والعالم لا يجد ذلك ~~أصلا وإن أصغى إلى الشبه المشككة، ولكن إذا سمع شبهة فإما أن يعرف حلها وإن ~~لم تساعده العبارة في الحال، وإما أن تساعده العبارة أيضا على حلها، وعلى ~~كل حال فلا يشك في بطلان الشبهة، بخلاف المقلد، وبعد هذا التقسيم والتمييز ~~يكاد يكون العلم مرتسما في النفس بمعناه وحقيقته، من غير تكلف تحديد. وأما ~~المثال: فهو أن إدراك البصيرة الباطنة تفهمه بالمقايسة بالبصر الظاهر، ولا ~~معنى للبصر الظاهر إلا انطباع صورة المبصر في القوة الباصرة من إنسان ~~العين، كما يتوهم انطباع الصور في المرآة مثلا، فكما أن البصر يأخذ صور ~~المبصرات، أي ينطبع فيها مثالها المطابق لها لا عينها، فإن عين النار لا ~~تنطبع في العين بل مثال يطابق صورتها، وكذلك يرى مثال النار في المرآة لا ~~عين النار، فكذلك العقل على مثال مرآة تنطبع فيها صور المعقولات على ms029 ما هي ~~عليها، وأعني بصور المعقولات حقائقها وماهياتها، فالعلم عبارة عن أخذ العقل ~~صور المعقولات وهيآتها في نفسه وانطباعها فيه كما يظن من حيث الوهم انطباع ~~الصور في المرآة، ففي المرآة ثلاثة أمور: الحديد وصقالته والصورة المنطبعة ~~فيها، فكذلك جوهر الآدمي كحديدة المرآة وعقله، هيئة، وغريزة في جوهره ونفسه ~~بها يتهيأ للإنطباع بالمعقولات، كما أن المرآة بصقالتها واستدارتها تتهيأ ~~لمحاكاة الصور، فحصول الصور في مرآة العقل التي هي مثال الأشياء هو العلم، ~~والغريزة التي بها يتهيأ لقبول هذه الصورة هي العقل، والنفس التي هي حقيقة ~~الآدمي المخصوصة بهذه الغريزة المهيأة لقبول حقائق المعقولات كالمرآة، ~~فالتقسيم الأول يقطع العلم عن مظنان الاشتباه، وهذا المثال يفهمك حقيقة ~~العلم، فحقائق المعقولات إذا انطبع بها النفس العاقلة تسمى علما، وكما أن ~~السماء والأرض والأشجار والأنهار يتصور أن ترى في المرآة حتى كأنها موجودة ~~في المرآة وكأن المرآة حاوية لجميعها، فكذلك الحضرة الإلهية بجملتها يتصور ~~أن تنطبع بها نفس الآدمي، والحضرة الإلهية عبارة عن جملة الموجودات، فكلها ~~من الحضرة PageV00P022 # الإلهية، إذ ليس في الوجود إلا الله تعالى وأفعاله، فإذا انطبعت بها صارت ~~كأنها كل العالم لاحاطتها به تصورا وانطباعا، وعند ذلك ربما ظن من لا يدري ~~الحلول، فيكون كمن ظن أن الصورة حالة في المرآة وهو غلط، لأنها ليست في ~~المرآة، ولكن كأنها في المرآة، فهذا ما نرى الاقتصار عليه في شرح حقيقة ~~العلم في هذه المقدمة التي هي علاوة على هذا العلم. # امتحان ثالث (تعريف الواجب) اختلفوا في حد الواجب، فقيل: الواجب ما تعلق ~~به الايجاب، وهو فاسد، كقولهم: العلم ما يعلم به، وقيل: ما يثاب على فعله ~~ويعاقب على تركه، وقيل: ما يجب بتركه العقاب، وقيل ما لا يجوز العزم على ~~تركه، وقيل: ما يصير المكلف بتركه عاصيا، وقيل: ما يلام تاركه شرعا، وأكثر ~~هذه الحدود تعرض للوازم والتوابع، وسبيلك إن أردت الوقوف على حقيقته أن ~~تتوصل إليه بالتقسيم كما أرشدناك إليه في حد العلم، فاعلم أن الألفاظ في ~~هذا الفن خمسة: الواجب، ms030 والمحظور، والمندوب، و المكروه، والمباح، فدع ~~الألفاظ جانبا ورد النظر إلى المعنى أولا، فأنت تعلم أن الواجب اسم مشترك، ~~إذ يطلقه المتكلم في مقابلة الممتنع ويقول: وجود الله تعالى واجب، وقال ~~الله تعالى: * (وجبت جنوبها) * (الحج: 63) ويقال: وجبت الشمس، وله بكل معنى ~~عبارة، والمطلوب الآن مراد الفقهاء، وهذه الألفاظ لا شك أنها لا تطلق على ~~جوهر بل على عرض، ولا على كل عرض، بل من جملتها على الافعال فقط، ومن ~~الافعال على أفعال المكلفين لا على أفعال البهائم، فإذا نظرك إلى أقسام ~~الفعل لا من حيث كونه مقدورا وحادثا ومعلوما ومكتسبا و مخترعا، وله بحسب كل ~~نسبة انقسامات، إذ عوارض الافعال ولوازمها كثيرة فلا نظر فيها ولكن إطلاق ~~هذا الاسم عليها من حيث نسبتها إلى خطار الشرع فقط، فنقسم الافعال بالإضافة ~~إلى خطاب الشرع، فنعلم أن الافعال تنقسم إلى ما لا يتعلق به خطاب الشرع ~~كفعل المجنون وإلى ما يتعلق به، والذي يتعلق به ينقسم إلى ما يتعلق به على ~~وجه التخيير والتسوية بين الاقدام عليه وبين الاحجام عنه ويسمى مباحا، وإلى ~~ما ترجح فعله على تركه وإلى ما ترجح تركه على فعله، والذي ترجح فعله على ~~تركه ينقسم إلى ما أشعر بأنه لا عقاب على تركه ويسمى مندوبا، وإلى ما أشعر ~~بأنه يعاقب على تركه ويسمى واجبا، ثم ربما خص فريق اسم الواجب بما أشعر ~~بالعقوبة عليه ظنا، وما أشعر به قطعا، خصوه باسم الفرض، ثم لا مشاحة في ~~الألفاظ بعد معرفة المعاني، وأما المرجح تركه فينقسم إلى ما أشعر بأنه لا ~~عقاب على فعله ويسمى مكروها، وقد يكون منه ما أشعر بعقاب على فعله في ~~الدنيا كقوله (ص): من نام بعد العصر فاختلس عقله فلا يلومن إلا نفسه وإلى ~~ما أشعر بعقاب في الآخرة على فعله وهو المسمى محظورا وحراما ومعصية، فإن ~~قلت: فما معنى قولك: أشعر؟ فمعناه أنه عرف بدلالة من خطاب صريح أو قرينة أو ~~معنى مستنبط أو فعل أو إشارة، فالاشعار يعم جميع المدارك، فإن ms031 قلت: فما ~~معنى قولك: عليه عقاب؟ قلنا: معناه أنه أخبر أنه سبب العقاب في الآخرة، فإن ~~قلت: فما المراد بكونه سببا؟ فالمراد به ما يفهم من قولنا، الاكل سبب ~~الشبع، وحز الرقبة سبب الموت، والضرب سبب الألم، والدواء سبب الشفاء، فإن ~~قلت: فلو كان سببا لكان لا يتصور أن لا يعاقب، وكم من تارك واجب يعفى عنه ~~PageV00P023 # ولا يعاقب فأقول: ليس كذلك، إذ لا يفهم من قولنا: الضرب سبب الألم، ~~والدواء سبب الشفاء، أن ذلك واجب في كل شخص أو في معين مشار إليه، بل يجوز ~~أن يعرض في المحل أمر يدفع السبب ولا يدل ذلك على بطلان السببية، فرب دواء ~~لا ينفع، ورب ضرب لا يدرك المضروب ألمه لكونه مشغول النفس بشئ آخر كمن يجرح ~~في حال القتال وهو لا يحس في الحال به، وكما أن العلة قد تستحكم فتدفع أثر ~~الدواء، فكذلك قد يكون في سريرة الشخص وباطنه أخلاق رضية، وخصال محمودة عند ~~الله تعالى مرضية توجب العفو عن جريمته، ولا يوجب ذلك خروج الجريمة عن ~~كونها سبب العقاب، فإن قال قائل هل يتصور أن يكون للشئ الواحد حدان؟ قلنا: ~~أما الحد اللفظي: فيجوز أن يكون ألفا إذ ذلك بكثرة الأسامي الموضوعة للشئ ~~الواحد. وأما الرسمي: فيجوز أيضا أن يكثر لان عوارض الشئ الواحد ولوازمه قد ~~تكثر. وأما الحد الحقيقي: فلا يتصور أن يكون إلا واحدا، لان الذاتيات ~~محصورة، فإن لم يذكرها لم يكن حدا حقيقيا، وإن ذكر مع الذاتيات زيادة ~~فالزيادة حشو. # فإذا هذا الحد لا يتعدد، وإن جاز أن تختلف العبارات المترادفة، كما يقال ~~في حد الحادث أنه الموجود بعد العدم، أو الكائن بعد أن لم يكن، أو الموجود ~~المسبوق بعدم، أو الموجود عن عدم فهذه العبارات لا تؤدي إلا معنى واحدا، ~~فإنها في حكم المترادفة، ولنقتصر في الامتحانات على هذا القدر، فالتنبيه ~~حاصل به إن شاء الله تعالى. # الدعامة الثانية من مدارك العقول: في البرهان الذي به التوصل إلى العلوم ~~التصديقية المطلوبة بالبحث والنظر وهذه ms032 الدعامة تشتمل على ثلاثة فنون: ~~سوابق ولواحق ومقاصد. # الفن الأول: في السوابق ويشتمل على تمهيد كلي وثلاثة فصول. # التمهيد: اعلم أن البرهان عبارة عن أقاويل مخصوصة، ألفت تأليفا مخصوصا ~~بشرط مخصوص يلزم منه رأي هو مطلوب الناظر بالنظر، وهذه الأقاويل إذا وضعت ~~في البرهان لاقتباس المطلوب منها سميت مقدمات، والخلل في البرهان تارة يدخل ~~من جهة نفس المقدمات، إذ قد تكون خالية عن شروطها، وأخرى من كيفية الترتيب ~~والنظم وإن كانت المقدمات صحيحة يقينية ومرة منها جميعا ومثاله من ~~المحسوسات البيت المبني، فإنه أمر مركب تارة يختل بسبب في هيئة التأليف، ~~بأن تكون الحيطان معوجة، والسقف منخفضا إلى موضع قريب من الأرض، فيكون ~~فاسدا من حيث الصورة، وإن كانت الاحجار والجذوع وسائر الآلات صحيحة، وتارة ~~يكون البيت صحيح الصورة في تربيعها ووضع حيطانها وسقفها ولكن يكون الخلل من ~~رخاوة في الجذوع وتشعب في اللبنات، هذا حكم البرهان والحد وكل أمر مركب، ~~فإن الخلل إما أن يكون في هيئة تركيبه، وإما أن يكون في الأصل الذي يرد ~~عليه التركيب، كالثوب في القميص، والخشب في الكرسي، واللبن في الحائط، ~~والجذوع في السقف، وكما أن من يريد بناء بيت بعيد عن الخلل يفتقر إلى أن ~~يعد الآلات المفردة، أولا PageV00P024 # كالجذوع واللبن والطين، ثم إن أراد اللبن افتقر إلى إعداد مفرداته وهو ~~التبن والتراب والماء والقالب الذي فيه يضرب فيبتدئ أولا بالاجزاء المفردة، ~~فيركبها، ثم يركب المركب، وهكذا إلى آخر العمل، وكذلك طالب البرهان، ينبغي ~~أن ينظر في نظمه وصورته، وفي المقدمات التي فيها النظم والترتيب، وأقل ما ~~ينتظم منه برهان مقدمتان، أعني: علمين يتطرق إليهما التصديق والتكذيب، وأقل ~~ما تحصل منه مقدمة معرفتان توضع إحداهما مخبرا عنها، والاخرى خبرا ووصفا، ~~فقد انقسم البرهان إلى مقدمتين، وانقسمت كل مقدمة إلى معرفتين، تنسب ~~إحداهما إلى الأخرى، وكل مفرد فهو معنى، ويدل عليه لا محالة بلفظ، فيجب ~~ضرورة أن ننظر في المعاني المفردة وأقسامها، ثم في الألفاظ المفردة ووجوه ~~دلالتها، ثم إذا فهمنا اللفظ مفردا والمعنى ms033 مفردا ألفنا معنيين، وجعلناهما ~~مقدمة، وننظر في حكم المقدمة وشروطها، ثم نجمع مقدمتين ونصوغ منهما برهانا، ~~وننظر في كيفية الصياغة الصحيحة، وكل من أراد أن يعرف البرهان بغير هذا ~~الطريق فقد طمع في المحال، وكان كمن طمع في أن يكون كاتبا يكتب الخطوط ~~المنظومة وهو لا يحسن كتابة الكلمات، أو يكتب الكلمات وهو لا يحسن كتابة ~~الحروف المفردة، وهكذا القول في كل مركب، فإن أجزاء المركب تقدم على المركب ~~بالضرورة حي لا يوصف القادر الأكبر بالقدرة على خلق العلم بالمركب دون ~~الآحاد، إذ لا يوصف بالقدرة على تعليم الخطوط المنظومة دون تعليم الكلمات، ~~فلهذه الضرورة اشتملت دعامة البرهان على فن في السوابق وفن في المقاصد وفن ~~في اللواحق. # الفن الأول في السوابق وفيه ثلاثة فصول: # الفصل الأول: في دلالة الألفاظ على المعاني، ويتضح المقصود منه بتقسمات. # التقسيم الأول: إن دلالة اللفظ على المعنى تنحصر في ثلاثة أوجه: وهي ~~المطابقة والتضمن والالتزام، فإن لفظ البيت يدل على معنى البيت بطريق ~~المطابقة، ويدل على السقف وحده بطريق التضمن، لان البيت يتضمن السقف لان ~~البيت عبارة عن السقف والحيطان، وكما يدل لفظ الفرس على الجسم، إذ لا فرس ~~إلا وهو جسم، وأما طريق الالتزام فهو كدلالة لفظ السقف على الحائط فإنه غير ~~موضوع للحائط، وضع لفظ الحائط للحائط، حتى يكون مطابقا، ولا هو متضمن، إذ ~~ليس الحائط جزءا من السقف، كما كان السقف جزءا من نفس البيت، وكما كان ~~الحائط جزءا من نفس البيت، لكنه كالرفيق الملازم الخارج عن ذات السقف الذي ~~لا ينفك السقف عنه، وإياك أن تستعمل في نظر العقل من الألفاظ ما يدل بطريق ~~الالتزام، لكن اقتصر على ما يدل بطريق المطابقة والتضمن، لان الدلالة بطريق ~~الالتزام لا تنحصر في حد إذ السقف يلزم الحائط، والحائط الأس، والأس الأرض، ~~وذلك لا ينحصر. # التقسيم الثاني: إن الألفاظ بالإضافة إلى خصوص المعنى وشموله تنقسم إلى ~~لفظ يدل على عين واحدة، ونسميه معينا، كقولك: زيد، وهذه الشجرة، وهذا ~~الفرس، وهذا السواد، وإلى ما ms034 يدل على أشياء كثيرة تتفق في معنى واحد، ~~ونسميه مطلقا. والأول: حده اللفظ الذي لا يمكن أن يكون مفهومه إلا ذلك ~~الواحد بعينه، فلو قصدت اشتراك غيره فيه منع نفس مفهوم PageV00P025 # اللفظ منه. وأما المطلق: فهو الذي لا يمنع نفس مفهومه من وقوع الاشتراك ~~في معناه، كقولك: السواد، والحركة، والفرس، والانسان، وبالجملة الاسم ~~المفرد في لغة العرب، إذا أدخل عليه الألف واللام للعموم، فإن قلت: وكيف ~~يستقيم هذا وقولك: الاله، والشمس، والأرض، لا يدل إلا على شئ واحد مفرد مع ~~دخول الألف واللام؟ فاعلم أن هذا غلط، فإن امتناع الشركة ها هنا ليس لنفس ~~مفهوم اللفظ، بل الذي وضع اللغة لو جوز في الاله عددا لكان يرى هذا اللفظ ~~عاما في الآلهة كلها، فإن امتنع الشمول لم يكن لوضع اللفظ، بل لاستحالة ~~وجود إله ثان، فلم يكن امتناع الشركة لمفهوم اللفظ، والمانع في الشمس أن ~~الشمس في الوجود واحدة، فلو فرضنا عوالم في كل واحد شمس وأرض كان قولنا: ~~الشمس والأرض، شاملا للكل، فتأمل هذا، فإنه مزلة قدم في جملة من الأمور ~~النظرية فإن من لا يفرق بين قوله السواد، وبين قوله: هذا السواد، وبين ~~قوله: الشمس، وبين قوله: هذه الشمس، عظم سهوه في النظريات من حيث لا يدري. # التقسيم الثالث: إن الألفاظ المتعددة بالإضافة إلى المسميات المتعددة على ~~أربعة منازل ولنخترع لها أربعة ألفاظ وهي: المترادفة، والمتباينة، ~~والمتواطئة، والمشتركة. أما المترادفة: فنعني بها الألفاظ المختلفة: والصيغ ~~المتواردة على مسمى واحد، كالخمر، والعقار والليث والأسد، والسهم، والنشاب، ~~وبالجملة: كل اسمين لمسمى واحد يتناوله أحدهما من حيث يتناوله الآخر، من ~~غير فرق. وأما المتباينة: فنعني بها الأسامي المختلفة للمعاني المختلفة ~~كالسواد والقدرة والأسد والمفتاح والسماء والأرض وسائر الأسامي، وهي ~~الأكثر. وأما المتواطئة: فهي التي تنطلق على أشياء متغايرة بالعدد، ولكنها ~~متفقة بالمعنى الذي وضع الاسم عليها، كاسم الرجل، فإنه ينطلق على زيد وعمرو ~~وبكر وخالد، واسم الجسم ينطلق على السماء والأرض والانسان، لاشتراك هذه ~~الأعيان في معنى الجسمية التي وضع الاسم ms035 بإزائها، وكل اسم مطلق ليس بمعين، ~~كما سبق، فإنه ينطلق على آحاد مسمياته الكثيرة بطريق التواطؤ، كاسم اللون، ~~للسواد والبياض والحمرة، فإنها متفقة في المعنى الذي به سمي اللون لونا، ~~وليس بطريق الاشتراك البتة. وأما المشتركة فهي: الأسامي التي تنطلق على ~~مسميات مختلفة لا تشترك في الحد والحقيقة البتة، كاسم العين للعضو الباصر، ~~وللميزان، وللموضع الذي يتفجر منه الماء، وهي العين الفوارة، وللذهب، ~~وللشمس، وكاسم المشتري لقابل عقد البيع وللكوكب المعروف، ولقد ثار من ~~ارتباك المشتركة بالمتواطئة غلط كثير في العقليات، حتى ظن من ضعفاء العقول ~~أن السواد لا يشارك البياض في اللونية إلا من حيث الاسم، وإن ذلك كمشاركة ~~الذهب للمحدقة الباصرة في اسم العين، وكمشاركة قابل عقد البيع للكوكب في ~~المشتري، وبالجملة: الاهتمام بتمييز المشتركة عن المتواطئة مهم، فلنرد له ~~شرحا فنقول: # الاسم المشترك قد يدل على المختلفين كما ذكرناه، وقد يدل على المتضادين، ~~كالجلل للحقير والخطير، والناهل للعطشان والريان، والجون للسواد والبياض، ~~والقرء للطهر والحيض، واعلم أن المشترك قد يكون مشكلا قريب الشبه من ~~المتواطئ ويعسر على الذهن، وإن كان في غاية الصفاء الفرق، ولنسم ذلك ~~متشابها، وذلك مثل اسم النور الواقع على الضوء المبصر PageV00P026 # من الشمس والنار والواقع على العقل الذي به يهتدى في الغوامض، فلا مشاركة ~~بين حقيقة ذات العقل والضوء إلا كمشاركة السماء للانسان في كونها جسما، إذ ~~الجسمية فيهما لا تختلف البتة، مع أنه ذاتي لهما، ويقرب من لفظ النور لفظ ~~الحي على النبات والحيوان، فإنه بالاشتراك المحض إذ يراد به من بعض النبات ~~المعنى الذي به نماؤه، ومن الحيوان المعنى الذي به يحس ويتحرك بالإرادة، ~~وإطلاقه على الباري تعالى إذا تأملت عرفت أنه لمعنى ثالث يخالف الامرين ~~جميعا، ومن أمثال هذه تتابع الأغاليط مغلطة أخرى، قد تلتبس المترادفة ~~بالمتباينة، وذلك إذا أطلقت أسام مختلفة على شئ واحد باعتبارات مختلفة، ~~ربما ظن أنها مترادفة كالسيف والمهند والصارم، فإن المهند يدل على السيف مع ~~زيادة نسبة إلى الهند، فخالف إذا مفهومه مفهوم السيف، والصارم ms036 يدل على ~~السيف مع صفة الحدة والقطع، لا كالأسد والليث، وهذا كما أنا في اصطلاحاتنا ~~النظرية نحتاج إلى تبديل الأسامي على شئ واحد عند تبدل اعتباراته، كما أنا ~~نسمي العلم التصديقي الذي هو نسبة بين مفردين دعوى إذا تحدى به المتحدي ولم ~~يكن عليه برهان، إن كان في مقابلة خصم، وإن لم يكن في مقابلة خصم سميناه ~~قضية، كأنه قضى فيه على شئ بشئ، فإن خاض في ترتيب قياس الدليل عليه سميناه ~~مطلوبا، فإن دل بقياسه على صحته سميناه نتيجة، فإن استعمله دليلا في طلب ~~أمر آخر ورتبه في أجزاء القياس سميناه مقدمة وهذا ونظائره مما يكثر. # مثال الغلط في المشترك: قول الشافعي رحمه الله تعالى في مسألة المكره على ~~القتل: # يلزمه القصاص، لأنه مختار، ويقول الحنفي، لا يلزمه القصاص، لأنه مكره، ~~وليس بمختار، ويكاد الذهن لا ينبو عن التصديق بالامرين، وأنت تعلم أن ~~التصديق بالضدين محال، وترى الفقهاء يتعثرون فيه ولا يهتدون إلى حله، وإنما ~~ذلك لان لفظ المختار مشترك، إذ قد يجعل لفظ المختار مراد فاللفظ القادر ~~ومساويا له إذ قوبل بالذي لا قدرة له على الحركة الموجودة كالمحمول، فيقال: ~~هذا عاجز محمول، وهذا قادر مختار، ويراد بالمختار القادر الذي يقدر على ~~الفعل وتركه، وهو صادق على المكره، وقد يعبر بالمختار عمن تخلى في استعمال ~~قدرته ودواعي ذاته، بلا تحرك دواعيه من خارج، وهذا يكذب على المكره، ونقيضه ~~وهو أنه ليس بمختار يصدق عليه، فإذا صدق عليه أنه مختار وأنه ليس بمختار، ~~ولكن بشرط أن يكون مفهوم المختار المنفي غير مفهوم المختار المثبت، ولهذا ~~نظائر في النظريات لا تحصى تاهت فيها عقول الضعفاء، فليستدل بهذا القليل ~~على الكثير. # الفصل الثاني من الفن الأول: النظر في المعاني المفرد ة ويظهر الغرض من ~~ذلك بتقسيمات ثلاثة: الأول: أن المعنى إذا وصف بالمعنى ونسب إليه وجد إما ~~ذاتيا وإما عرضيا وإما لازما وقد فصلناه. والثاني: أنه إذا نسب إليه وجد ~~إما أعم كالوجود بالإضافة إلى الجسمية، وإما أخص كالجسمية بالإضافة إلى ms037 ~~الوجود، وإما مساويا كالمتحيز بالإضافة إلى الجوهر عند قوم، وإلى الجسم عند ~~قوم. الثالث: إن المعاني باعتبار أسبابها المدركة لها ثلاثة: محسوسة ~~ومتخيلة ومعقولة، ولنصطلح على تسمية سبب الادراك قوة فنقول في حدقتك معنى ~~به تميزت الحدقة عن الجبهة حتى صرت تبصر بها، وإذا بطل ذلك المعنى ~~PageV00P027 # بطل الابصار، والحالة التي تدركها عند الابصار شرطها وجود المبصر، فلو ~~انعدم المبصر انعدم الابصار، وتبقى صورته في دماغك كأنك تنظر إليها، وهذه ~~الصورة لا تفتقر إلى وجود المتخيل، بل عدمه وغيبته لا تنفي الحالة المسماة ~~تخيلا، وتنفي الحالة التي تسمى إبصارا، ولما كنت تحس بالمتخيل في دماغك لا ~~في فخذك وبطنك، فاعلم أن في الدماغ غريزة وصفة بها يتهيأ للتخيل، وبها باين ~~البطن والفخذ، كما باين العين الجبهة والعقب في الابصار بمعنى اختص به لا ~~محالة، والصبي في أول نشئة تقوى فيه قوة الابصار لا قوة التخيل فلذلك إذا ~~ولع بشئ فغيبته عنه وأشغلته بغيره اشتغل به ولها عنه، وربما يحدث في الدماغ ~~مرض يفسد القوة الحافظة للتخيل ولا يفسد الابصار، فيرى الأشياء، ولكنه كما ~~تغيب عنه ينساها، وهذه القوة تشارك البهيمة فيها الانسان، ولذلك مهما رأى ~~الفرس الشعير تذكر صورته التي كانت له في دماغه، فعرف أنه موافق له، وأنه ~~مستلذ لديه فبادر إليه فلو كانت الصورة لا تثبت في خياله لكانت رؤيته لها ~~ثانيا كرؤيته لها أولا حتى لا يبادر إليه ما لم يجربه بالذوق مرة أخرى، ثم ~~فيك قوة ثالثة شريفة يباين الانسان بها البهيمة تسمى عقلا، محلها إما دماغك ~~وإما قلبك، وعند من يرى النفس جوهرا قائما بذاته غير متحيز محلها النفس، ~~وقوة العقل تباين قوة التخيل، مباينة أشد من مباينة التخيل للابصار إذ ليس ~~بين قوة الابصار وقوة التخيل فرق، إلا أن وجود المبصر شرط لبقاء الابصار، ~~وليس شرطا لبقاء التخيل، وإلا فصورة الفرس تدخل في الابصار مع قدر مخصوص ~~ولون مخصوص، وبعد منك مخصوص، ويبقى في التخيل ذلك البعد، وذلك القدر ~~واللون، وذلك الوضع والشكل، حتى ms038 كأنك تنظر إليه، ولعمري فيك قوة رابعة ~~تسمى: المفكرة، شأنها أن تقدر على تفصيل الصور التي في الخيال، وتقطيعها ~~وتركيبها وليس لها إدراك شئ آخر ولكن إذا حضر في الخيال صورة إنسان قدر على ~~أن يجعلها نصفين، فيصور نصف إنسان وربما ركب شخصا نصفه من إنسان، ونصفه من ~~فرس، وربما تصور إنسانا يطير إذ ثبت في الخيال صورة الانسان، وحده وصورة ~~الطير وحده، وهذه القوة تجمع بينهما، كما تفرق بين نصفي الانسان، وليس في ~~وسعها البتة اختراع صورة لا مثال لها في الخيال، بل كل تصوراتها بالتفريق ~~والتأليف في الصور الحاصلة في الخيال، و المقصود أن مباينة إدراك العقل ~~لادراك التخيل أشد من مباينة التخيل للابصار، إذ ليس للتخيل أن يدرك ~~المعاني المجردة العارية عن القرائن الغريبة التي ليست داخلة في ذاتها، ~~أعني التي ليست ذاتية، كما سبق، فإنك لا تقدر على تخيل السواد إلا في مقدار ~~مخصوص من الجسم ومعه شكل مخصوص ووضع مخصوص منك بقرب أو بعد، ومعلوم أن ~~الشكل غير اللون، والقدر غير الشكل، فإن المثلث له شكل واحد، صغيرا كان أو ~~كبيرا، وإنما إدراك هذه المفردات المجردة بقوة أخرى اصطلحنا على تسميتها ~~عقلا، فيدرك السواد، ويقضي بقضايا، ويدرك اللونية مجردة، ويدرك الحيوانية ~~والجسمية مجردة، وحيث يدرك الحيوانية قد لا يحضره الالتفات إلى العاقل وغير ~~العاقل، وإن كان الحيوان لا يخلو عن القسمين، وحيث يستمر في نظره قاضيا على ~~الألوان بقضية، قد لا يحضر معنى السوادية والبياضية وغيرهما، وهذه من عجيب ~~خواصها، وبديع أفعالها، فإذا رأى فرسا واحدا أدرك الفرس المطلق الذي يشترك ~~فيه الصغير PageV00P028 # والكبير، والأشهب والكميت، و البعيد منه في المكان والقريب، بل يدرك ~~الفرسية المجردة المطلقة، متنزهة عن كل قرينة ليست ذاتية لها، فإن القدر ~~المخصوص واللون المخصوص ليس للفرس ذاتيا، بل عارضا أو لازما في الوجود، إذ ~~مختلفات اللون والقدر تشترك في حقيقة الفرسية، وهذه المطلقات المجردة ~~الشاملة لأمور مختلفة هي التي يعبر عنها المتكلمون بالأحوال والوجوه ~~والاحكام، ويعبر عنها المنطقيون بالقضايا الكلية ms039 المجردة، ويزعمون أنها ~~موجودة في الأذهان لا في الأعيان، وتارة يعبرون عنها بأنها غير موجودة من ~~خارج، بل من داخل، يعنون خارج الذهن وداخله، ويقول أرباب الأحوال إنها أمور ~~ثابتة، تارة يقولون إنها موجودة معلومة، وتارة يقولون لا موجودة ولا معلومة ~~ولا مجهولة، وقد دارت فيه رؤوسهم وحارت عقولهم، والعجب أنه أول منزل ينفصل ~~فيه المعقول عن المحسوس، إذ من هاهنا يأخذ العقل الانساني في التصرف، وما ~~كان قبله كان يشارك التخيل البهيمي فيه التخيل الانساني، ومن تحير في أول ~~منزل من منازل العقل كيف يرجى فلاحه في تصرفاته. # الفصل الثالث من السوابق في أحكام المعاني المؤلفة قد نظرنا في مجرد ~~اللفظ، ثم في مجرد المعنى، فننظر الآن في تأليف المعنى على وجه يتطرق إليه ~~التصديق والتكذيب، كقولنا مثلا: العالم حادث، والباري تعالى قديم، فإن هذا ~~يرجع إلى تأليف القوة المفكرة بين معرفتين لذاتين مفردتين بنسبة إحداهما ~~إلى الأخرى، إما بالاثبات، كقولك: العالم حادث، أو بالسلب كقولك: العالم ~~ليس بقديم. وقد التأم هذا من جزأين، يسمي النحويون أحدهما مبتدأ والآخر ~~خبرا، ويسمي المتكلمون أحدهما وصفا، والآخر موصوفا، ويسمي المنطقيون أحدهما ~~موضوعا، والآخر محمولا، ويسمي الفقهاء أحدهما حكما، والآخر محكوما عليه، ~~ويسمي المجموع قضية، وأحكام القضايا كثيرة، ونحن نذكر منها ما تكثر الحاجة ~~إليه وتضر الغفلة عنه، وهو حكمان: الأول: إن القضية تنقسم بالإضافة إلى ~~المقضى عليه إلى التعيين والاهمال والعموم والخصوص، فهي أربع: الأولى: قضية ~~في عين، كقولنا: زيد كاتب وهذا السواد عرض. الثانية: قضية مطلقة خاصة، ~~كقولنا: بعض الناس عالم، وبعض الأجسام ساكن. الثالثة: قضية مطلقة عامة، ~~كقولنا: كل جسم متحيز وكل سواد لون. الرابعة: قضية مهملة، كقولنا: الانسان ~~في خسر. وعلة هذه القسمة أن المحكوم عليه إما أن يكون عينا مشارا إليه أو ~~لا يكون عينا فإن لم يكن عينا فإما أن يحصر بسور يبين مقداره بكليته، فتكون ~~مطلقة عامة، أو بجزئيته فتكون خاصة، أو لا يحصر بسور فتكون مهملة، والسور ~~هو قولك " كل " وبعض، وما يقوم مقامهما، ms040 ومن طرق المغالطين في النظر ~~استعمال المهملات بدل القضايا العامة، فإن المهملات قد يراد بها الخصوص ~~والعموم، فيصدق طرفا النقيض، كقولك: # الانسان في خسر، تعني الكافر، الانسان ليس في خسر، تعني الأنبياء، ولا ~~ينبغي أن يسامح بهذا في النظريات، مثاله أن يقول الشفعوي مثلا: معلوم أن ~~المطعوم ربوي والسفرجل مطعوم، فهو إذا ربوي، فإن قيل: لم قلت المطعوم ربوي؟ ~~فتقول: دليله البر والشعير والتمر بمعنى، فإنها مطعومات، وهي ربوية، فينبغي ~~أن يقال: فقولك المطعوم ربوي أردت به كل المطعومات أو بعضها، فإن أردت ~~البعض لم تلزم النتيجة، إذ يمكن أن يكون السفرجل من PageV00P029 # البعض الذي ليس بربوي، ويكون هذا خللا في نظم القياس كما يأتي وجهه، وإن ~~أردت الكل فمن أين عرفت هذا؟ وما عددته من البر والشعير ليس كل المطعومات؟ # النظر الثاني: في شروط النقيض، وهو محتاج إليه، إذ رب مطلوب لا يقوم ~~الدليل عليه ولكن على بطلان نقيضه، فيستبان، من إبطاله صحة نقيضه، ~~والقضيتان المتناقضتان يعني بهما كل قضيتين إذا صدقت إحداهما كذبت الأخرى ~~بالضرورة، كقولنا: العالم حادث، العالم ليس بحادث، وإنما يلزم صدق إحداهما ~~عند كذب الأخرى بستة شروط: # الأول: أن يكون المحكوم عليه في القضيتين واحدا بالذات لا بمجرد اللفظ، ~~فإن اتحد اللفظ دون المعنى لم يتناقضا، كقولك: النور مدرك بالبصر غير مدرك ~~بالبصر، إذا أردت بأحدهما الضوء، وبالآخر العقل، ولذلك لا يتناقض قول ~~الفقهاء المضطر مختار المضطر ليس بمختار، وقولهم: المضطر آثم المضطر ليس ~~بآثم، إذ قد يعبر بالمضطر عن المرتعد والمحمول المطروح على غيره، وقد يعبر ~~به عن المدعو بالسيف إلى الفعل، فالاسم متحد والمعنى مختلف. # الثاني: أن يكون الحكم واحدا والاسم مختلفا، كقولك: العالم قديم العالم ~~ليس بقديم، أردت بأحد القديمين ما أراده الله تعالى بقوله: * (كالعرجون ~~القديم) * (يس: 93) ولذلك لم يتناقض قولهم: المكره مختار، المكره ليس ~~بمختار، لان المختار عبارة عن معنيين مختلفين. # الثالث: أن تتحد الإضافة في الأمور الإضافية، فإنك لو قلت: زيد أب زيد ~~ليس بأب، لم يتناقضا، إذ يكون ms041 أبا لبكر ولا يكون أبا لخالد، وكذلك تقول: ~~زيد أب زيد ابن فلا يتعدد بالإضافة إلى شخصين، والعشرة نصف، والعشرة ليست ~~بنصف، أي بالإضافة إلى العشرين والثلاثين، وكما يقال: المرأة مولى عليها، ~~المرأة غير مولى عليها وهما صادقان بالإضافة إلى النكاح والبيع، لا إلى شئ ~~واحد وإلى العصبة والأجنبي لا إلى شخص واحد. # الرابع: أن يتساويا في القوة والفعل، فإنك تقول: الماء في الكوز مرو، أي ~~بالقوة، وليس الماء بمرو أي بالفعل، والسيف في الغمد قاطع وليس بقاطع، ومنه ~~ثار الخلاف في أن البارئ في الأزل خالق أوليس بخالق. # الخامس: التساوي في الجزء والكل، فإنك تقول الزنجي أسود، الزنجي ليس ~~بأسود، أي ليس بأسود الأسنان، وعنه نشأ الغلط، حيث قيل إن العالمية حال ~~لزيد بجملته، لان زيدا عبارة عن جملته، ولم يعرف أنا إذا قلنا زيد في ~~بغداد، إذ لم نعن به أنه في جميع بغداد، بل في جزء منها، وهو مكان يساوي ~~مساحته. # السادس: التساوي في المكان والزمان، فإنك تقول: العالم حادث العالم ليس ~~بحادث، أي هو حادث عن أول وجوده وليس بحادث قبله ولا بعده، بل قبله معدوم ~~وبعده باق، والصبي تنبت له أسنان، والصبي لا تنبت له أسنان، ونعني بأحدهما ~~السنة الأولى PageV00P030 # وبالآخر التي بعدها، وبالجملة فالقضية المتناقضة هي التي تسلب ما أثبتته ~~الأولى بعينه عما أثبتته بعينه، وفي ذلك الوقت والمكان والحال، وبتلك ~~الإضافة بعينها، وبالقوة إن كان ذلك بالقوة، وبالفعل إن كان ذلك بالفعل، ~~وكذلك في الجزء والكل وتحصيل ذلك بأن لا تخالف القضية النافية المثبتة إلا ~~في تبادل النفي بالاثبات فقط. # الفن الثاني في المقاصد وفيه فصلان: فصل في صورة البرهان وفصل في مادته. # الفصل الأول: في صورة البرهان. # والبرهان عبارة عن مقدمتين معلومتين تؤلف تأليفا مخصوصا بشرط مخصوص ~~فيتولد بينهما نتيجة وليس يتحد نمطه بل يرجع إلى ثلاثة أنواع مختلفة المأخذ ~~والبقايا ترجع إليها. # النمط الأول: ثلاثة أضرب، مثال الأول قولنا: كل جسم مؤلف، وكل مؤلف حادث، ~~فلزم أن كل جسم حادث، ومن ms042 الفقه قولنا: كل نبيذ مسكر، وكل مسكر حرام، فلزم ~~أن كل نبيذ حرام، فهاتان مقدمتان، إذا سلمتا على هذا الوجه لزم بالضرورة ~~تحريم النبيذ فإن كانت المقدمات قطعية سميناها برهانا وإن كانت مسلمة ~~سميناها قياسا جدليا وإن كانت مظنونة سميناها قياسا فقهيا، وسيأتي الفرق ~~بين اليقين والظن، إذا ذكرنا أصل القياس، فإن كل مقدمة أصل، فإذا ازدوج ~~أصلان حصلت النتيجة، وعادة الفقهاء في مثل هذا النظم أنهم يقولون: # النبيذ مسكر، فكان حراما، قياسا على الخمر، وهذا لا تنقطع المطالبة عنه ~~ما لم يرد إلى النظم الذي ذكرناه، فإن رد إلى هذا النظم ولم يكن مسلما فلا ~~تلزم النتيجة إلا بإقامة الدليل حتى يثبت كونه مسكرا إن نوزع فيه بالحس ~~والتجربة، وكون المسكر حراما بالخبر، وهو قوله (ص): كل مسكر حرام وقد ذكرنا ~~في كتاب أساس القياس أن تسمية هذا قياسا تجوز فإن حاصله راجع إلى ازدواج ~~خصوص تحت عموم، وإذا فهمت صورة هذا النظم فاعلم أن في هذا البرهان مقدمتين، ~~إحداهما، قولنا: كل نبيذ مسكر، والاخرى، قولنا: كل مسكر حرام، وكل مقدمة ~~تشتمل على جزأين، مبتدأ وخبر، المبتدأ محكوم عليه والخبر حكم، فيكون مجموع ~~أجزاء البرهان، أربعة أمور، إلا أن أمرا واحدا يتكرر في المقدمتين فيعود ~~إلى ثلاثة أجزاء بالضرورة، لأنها لو بقيت أربعة لم تشترك المقدمتان في شئ ~~واحد وبطل الازدواج بينهما، فلا تتولد النتيجة، فإنك إذا قلت النبيذ مسكر، ~~ثم لم تتعرض في المقدمة الثانية لا للنبيذ ولا للمسكر لكن قلت: والمغصوب ~~مضمون، أو العالم حادث، فلا ترتبط إحداهما بالأخرى، فبالضرورة ينبغي أن ~~تكرر أحد الاجزاء الأربعة، فلنصطلح على تسمية المتكرر علة، وهو الذي يمكن ~~أن يقترن بقولك، لان في جواب المطالبة بلم، فإنه إذا قيل لك: لم قلت أن ~~النبيذ حرام؟ قلت: لأنه مسكر، ولا تقول: لأنه نبيذ، ولا تقول: # لأنه حرام، فما يقترن به، لان هو العلة، ولنسم ما يجري مجرى النبيذ ~~محكوما عليه، وما يجري مجرى الحرام حكما، فإنا في النتيجة نقول: فالنبيذ ~~حرام، ولنشتق ms043 للمقدمتين اسمين منهما لا من العلة، لان العلة متكررة فيهما ~~فنسمي المقدمة المشتملة على المحكوم المقدمة الأولى، وهي قولنا: كل نبيذ ~~مسكر، والمشتملة على الحكم المقدمة الثانية وهي PageV00P031 # قولنا: كل مسكر حرام، أخذا من النتيجة، فإنا نقول فكل نبيذ حرام، فتذكر ~~النبيذ أولا، ثم الحرام، وغرض هذه التسمية سهولة التعر يف عند التفصيل ~~والتحقيق، ومهما كانت المقدمات معلومة كان البرهان قطعيا، وإن كانت مظنونة ~~كان فقيها، وإن كانت ممنوعة فلا بد من إثباتها، وأما بعد تسليمها فلا يمكن ~~الشك في النتيجة أصلا، بل كل عاقل صدق بالمقدمتين، فهو مضطر إلى التصديق ~~بالنتيجة، مهما أحضرهما في الذهن وأحضر مجموعهما بالبال، وحاصل وجه الدلالة ~~في هذا النظم أن الحكم على الصفة حكم على الموصوف، لأنا إذا قلنا: النبيذ ~~مسكر، جعلنا المسكر وصفا، فإذا حكمنا على كل مسكر بأنه حرام فقد حكمنا على ~~الوصف، فبالضرورة يدخل الموصوف فيه، فإنه إن بطل قولنا، النبيذ حرام مع ~~كونه مسكرا، بطل قولنا: كل مسكر حرام، إذا ظهر لنا مسكر ليس بحرام، وهذا ~~الضرب له شرطان في كونه منتجا شرط في المقدمة الأولى: وهو أن تكون مثبتة، ~~فإن كانت نافية لم تنتج، لأنك إذا نفيت شيئا عن شئ لم يكن الحكم على المنفي ~~حكما على المنفي عنه، فإنك إذا قلت: لا خل واحد مسكر، وكل مسكر حرام، لم ~~يلزم منه حكم في الخل، إذا وقعت المباينة بين المسكر والخل، فحكمك على ~~المسكر بالنفي والاثبات لا يتعدى إلى الخل. الشرط الثاني في المقدمة ~~الثانية: وهو أن تكون عامة كلية حتى يدخل المحكوم عليه بسبب عمومها فيها، ~~فإنك إذا قلت: كل سفرجل مطعوم، وبعض المطعوم ربوي، لم يلزم منه كون السفرجل ~~ربويا إذ ليس من ضرورة الحكم على بعض المطعوم أن يتناول السفرجل، نعم إذا ~~قلت: وكل مطعوم ربوي، لزم في السفرجل، ويثبت ذلك بعموم الخبر، فإن قلت: ~~فبماذا يفارق هذا الضرب الضربين الآخرين بعده، فاعلم أن العلة إما أن توضع ~~محكوما عليها في المقدمتين، أو محكوما بها في ms044 المقدمتين، أو توضع حكما في ~~إحداهما محكومة في الأخرى، وهذا الأخير هو النظم الأول، والثاني والثالث لا ~~يتضحان غاية الاتضاح إلا بالرد إليه، فلذلك قدمنا ذكره. # النظم الثاني: أن تكون العلة حكما في المقدمتين، مثاله قولنا: الباري ~~تعالى ليس بجسم لان الباري غير مؤلف وكل جسم مؤلف، فالباري تعالى إذن ليس ~~بجسم فههنا ثلاثة معان، الباري، والمؤلف، والجسم، والمكرر هو المؤلف، فهو ~~العلة، وتراه خبرا في المقدمتين وحكما، بخلاف المسكر في النظم الأول إذ كان ~~خبرا في إحداهما مبتدأ في الأخرى، ووجه لزوم النتيجة منه أن كل شيئين ثبت ~~لأحدهما، ما انتفى عن الآخر فهما متباينان، فالتأليف ثابت للجسم منتف عن ~~الباري تعالى، فلا يكون بين معنى الجسم وبين الباري التقاء، أي لا يكون ~~الباري جسما، ولا الجسم هو الباري تعالى، ويمكن بيان لزوم النتيجة بالرد ~~إلى النظم الأول بطريق العكس، كما أوضحناه في كتاب معيار العلم، وكتاب محك ~~النظر فلا نطول الآن به، وهذا النظم هو الذي يعبر عنه الفقهاء بالفرق، إذ ~~يقولون، الجسم مؤلف، والباري غير مؤلف، وخاصية هذا النظم أنه لا ينتج إلا ~~قضية نافية سالبة، وأما النظم الأول فإنه ينتج النفي والاثبات جميعا، ومن ~~شروط هذا النظم أن تختلف المقدمتان في النفي والاثبات، فإن كانتا مثبتتين ~~لم ينتجا لان حاصل هذا النظم يرجع إلى الحكم بشئ واحد على شيئين، وليس من ~~PageV00P032 # ضرورة كل شيئين يحكم عليهما بشئ واحد أن يخبر بأحدهما عن الآخر فإنا نحكم ~~على السواد والبياض باللونية، ولا يلزم أن يخبر عن السواد بأنه بياض، ولا ~~عن البياض بأنه سواد، ونظمه أن يقال كل سواد لون، وكل بياض لون، فلا يلزم ~~كل سواد بياض، ولا كل بياض سواد، نعم كل شيئين أخبر عن أحدهما بما يخبر عن ~~الآخر بنفيه يجب أن يكون بينهما انفصال وهو النفي. # النظم الثالث: أن تكون العلة مبتدأ في المقدمتين، وهذا يسميه الفقهاء ~~نقضا، وهذا إذا اجتمعت شروطه أنتج نتيجة خاصة لا عامة، مثاله قولنا: كل ~~سواد عرض، وكل سواد ms045 لون، فيلزم منه أن بعض العرض لون، وكذلك لو قلت: كل بر ~~مطعوم، وكل بر ربوي، فيلزم منه أن بعض المطعوم ربوي، ووجه دلالته أن الربوي ~~والمطعوم شيئان، حكمنا بهما على شئ واحد وهو البر فالتقيا عليه، وأقل درجات ~~الالتقاء أن يوجب حكما خاصا وإن لم يكن عاما فأمكن أن يقال: بعض المطعوم ~~ربوي، وبعض الربوي مطعوم. # النمط الثاني من البرهان: وهو نمط التلازم: يشتمل على مقدمتين، والمقدمة ~~الأولى تشتمل على قضيتين، والمقدمة الثانية تشتمل على ذكر إحدى تينك ~~القضيتين تسليما إما بالنفي أو بالاثبات، حتى تستنتج منه إحدى تينك ~~القضيتين أو نقيضها، ولنسم هذا نمط التلازم، ومثاله قولنا: إن كان العالم ~~حادثا فله محدث، فهذه مقدمة، ومعلوم أنه حادث وهي المقدمة الثانية، فيلزم ~~منه أن له محدثا، والأولى اشتملت على قضيتين لو أسقط منهما حرف الشرط ~~لانفصلتا، إحداهما قولنا: إن كان العالم حادثا، والثانية قولنا فله محدث، ~~ولنسم القضية الأولى المقدم، ولنسم القضية الثانية اللازم والتابع، ~~والقضية: الثانية اشتملت على تسليم عين القضية التي سميناها مقدما، وهو ~~قولنا: ومعلوم أن العالم حادث، فتلزم منه النتيجة، وهو أن للعالم محدثا وهو ~~عين اللازم، ومثاله في الفقه قولنا: إن كان الوتر يؤدى على الراحلة بكل حال ~~فهو نفل، ومعلوم أنه يؤدى على الراحلة، فثبت أنه نفل، وهذا النمط يتطرق ~~إليه أربع تسليمات تنتج منها اثنتان ولا تنتج اثنتان: أما المنتج فتسليم ~~عين المقدم ينتج عين اللازم، مثاله قولنا: إن كانت هذه الصلاة صحيحة، ~~فالمصلي متطهر، ومعلوم أن هذه الصلاة صحيحة، فيلزم أن يكون المصلي متطهرا، ~~ومثاله من الحس، إن كان هذا سوادا فهو لون، ومعلوم أنه سواد فإذا هو لون. ~~وأما المنتج الآخر فهو تسليم نقيض اللازم، فإنه ينتج نقيض المقدم، مثاله ~~قولنا: إن كانت هذه الصلاة صحيحة، فالمصلي متطهر، ومعلوم أن المصلي غير ~~متطهر، فينتج أن الصلاة غير صحيحة، وإن كان بيع الغائب صحيحا فهو يلزم ~~بصريح الالزام، ومعلوم أنه لا يلزم بصريح الالزام فيلزم منه أنه ليس بصحيح، ~~ووجه ms046 دلالة هذا النمط على الجملة أن ما يفضي إلى المحال فهو محال، وهذا ~~يفضي إلى المحال، فهو إذا محال كقولنا، لو كان الباري سبحانه وتعالى مستقرا ~~على العرش لكان إما مساويا للعرش أو أكبر أو أصغر، وكل ذلك محال، فما يفضي ~~إليه محال، وهذا يفضي إلى المحال، فهو إذا محال. وأما الذي لا ينتج فهو ~~تسليم عين اللازم، فإنا لو قلنا إن كانت الصلاة صحيحة فالمصلي متطهر ومعلوم ~~أن المصلي متطهر، فلا يلزم منه لا صحة الصلاة، ولا فسادها إذ قد تفسد ~~الصلاة بعلة أخرى. وكذلك تسليم نقيض المقدم لا ينتج عين اللازم ولا نقيضه، ~~فإنا PageV00P033 # لو قلنا، ومعلوم أن الصلاة ليست صحيحة فلا يلزم من هذا كون المصلي ~~متطهرا، ولا كونه غير متطهر، وتحقيق لزوم النتيجة من هذا النمط أنه مهما ~~جعل شئ لازما لشئ فينبغي أن لا يكون الملزوم أعم من اللازم، بل إما أخص أو ~~مساويا، ومهما كان أخص فثبوت الأخص بالضرورة يوجب ثبوت الأعم، إذ يلزم من ~~ثبوت السواد ثبوت اللون، وهو الذي عنيناه بتسليم عين اللازم، وانتفاء الأعم ~~يوجب انتفاء الأخص بالضرورة، إذ يلزم من انتفاء اللون انتفاء السواد، وهو ~~الذي عنيناه بتسليم نقيض اللازم، وأما ثبوت الأعم فلا يوجب ثبوت الأخص، فإن ~~ثبوت اللون لا يوجب ثبوت السواد، فلذلك قلنا: تسليم عين اللازم لا ينتج، ~~وأما انتفاء الأخص، فلا يوجب انتفاء الأعم ولا ثبوته، فإن انتفاء السواد لا ~~يوجب انتفاء اللون ولا ثبوته، وهو الذي عنيناه بقولنا إن تسليم نقيض المقدم ~~لا ينتج أصلا، وإن جعل الأخص لازما للأعم فهو خطأ، كمن يقول إن كان هذا ~~لونا فهو سواد، فإن كان اللازم مساويا للمقدم أنتج منه أربع تسليمات كقولنا ~~إن كان زنا المحصن موجودا فالرجم واجب، لكنه موجود فإذا هو واجب لكنه واجب، ~~فإذا هو موجود، لكن الرجم غير واجب، فالزنا غير موجود، لكن زنا المحصن غير ~~موجود، فالرجم غير واجب، وكذلك كل معلول له علة واحدة، كقولنا: إن كانت ~~الشمس طالعة فالنهار موجود ms047 لكنها طالعة فالنهار موجود، لكن النهار موجود، ~~فهي إذا طالعة، لكنها غير طالعة، فالنهار غير موجود، لكن النهار غير موجود، ~~فهي إذا غير طالعة. # النمط الثالث: نمط التعاند: وهو على ضد ما قبله والمتكلمون يسمونه السبر ~~والتقسيم، والمنطقيون يسمونه الشرطي المنفصل، ويسمون ما قبله الشرطي ~~المتصل، وهو أيضا يرجع إلى مقدمتين ونتيجة، ومثاله، العالم إما قديم وإما ~~حادث، وهذه مقدمة وهي قضيتان، الثانية أن تسلم إحدى القضيتين أو نقيضها، ~~فيلزم منه لا محالة نتيجة، وينتج فيه أربع تسليمات فإنا نقول لكنه حادث ~~فليس بقديم، لكنه قديم فليس بحادث، لكنه ليس بحادث، فهو قديم، لكنه ليس ~~بقديم فهو حادث، وبالجملة: كل قسمين متناقضين متقابلين إذا وجد فيهما شرائط ~~التناقض كما سبق فينتج إثبات أحدهما نفي الآخر، ونفي أحدهما إثبات الآخر، ~~ولا يشترط أن تنحصر القضية في قسمين، بل شرطه أن تستوفي أقسامه، فإن كانت ~~ثلاثة فإنا نقول العدد إما مساو أو أقل أو أكثر، فهذه ثلاثة لكنها حاصرة، ~~فإثبات واحد ينتج نفي الآخرين، وإبطال اثنين ينتج إثبات الثالث، وإثبات ~~واحد ينتج انحصارا الحق في الآخرين في أحدهما لا بعينه، والذي لا ينتج فيه ~~انتفاء واحد هو أن لا يكون محصورا، كقولك: زيد إما بالعراق وإما بالحجاز، ~~فهذا مما يوجب إثبات واحد نفي الآخر، أما إبطال واحد فلا ينتج إثبات الآخر، ~~إذ ربما يكون في صقع آخر، وقول من أثبت رؤية الله بعلة الوجود يكاد لا ~~ينحصر كلامه، إلا أن نتكلف له وجها، فإن قول مصحح الرؤية لا يخلو إما أن ~~يكون كونه جوهرا فيبطل بالعرض أو كونه عرضا فيبطل بالجوهر أو كونه سوادا أو ~~لونا، فيبطل بالحركة فلا تبقى شركة لهذه المختلفات إلا في الوجود، وهذا غير ~~حاصر، إذ يمكن أن يكون قد بقي أمر آخر مشترك سوى الوجود لم يعثر عليه ~~الباحث مثل كونه بجهة من الرائي مثلا، فإن أبطل PageV00P034 # هذا فلعله لمعنى آخر إلا أن يتكلف حصر المعاني وينفي جميعها سوى الوجود، ~~فعند ذلك ينتج فهذه أشكال البراهين، فكل ms048 دليل لا يمكن رده إلى واحد من هذه ~~الأنواع الخمسة فهو غير منتج البتة، ولهذا شرح أطول من هذا ذكرناه في كتاب ~~محك النظر وكتاب معيار العلم. # الفصل الثاني: من فن المقاصد في بيان مادة البرهان: وهي المقدمات الجارية ~~من البرهان مجرى الثوب من القميص، والخشب من السرير، فإن ما ذكرناه يجري ~~مجرى الخياطة من القميص، وشكل السرير من السرير، وكما لا يمكن أن يتخذ من ~~كل جسم سيف وسرير، إذ لا يتأتى من الخشب قميص، ولا من الثوب سيف، ولا من ~~السيف سرير، فكذلك لا يمكن أن يتخذ من كل مقدمة برهان منتج، بل البرهان ~~المنتج لا ينصاغ إلا من مقدمات يقينية، إن كان المطلوب يقينا، أو ظنية إن ~~كان المطلوب فقهيا، فلنذكر معنى اليقين في نفسه لتفهم ذاته، ولنذكر مدركه ~~لتفهم الآلة التي بها يقتنص اليقين، أما اليقين فشرحه أن النفس إذا أذعنت ~~للتصديق بقضية من القضايا وسكنت إليها فلها ثلاثة أحوال: أحدها: أن يتيقن ~~ويقطع به وينضاف إليه قطع ثان وهو أن يقطع بأن قطعها به صحيح ويتيقن بأن ~~يقينها فيه لا يمكن أن يكون به سهو ولا غلط ولا التباس، فلا يجوز الغلط في ~~يقينها الأول ولا في يقينها الثاني، ويكون صحة يقينها الثاني كصحة يقينها ~~الأول، بل تكون مطمئنة آمنة من الخطأ، بل حيث لو حكى لها عن نبي من ~~الأنبياء أنه أقام معجزة وادعى ما يناقضها فلا تتوقف في تكذيب الناقل، بل ~~تقطع بأنه كاذب، أو تقطع بأن القائل ليس بنبي وأن ما ظن من معجزة فهي ~~مخرقة، وبالجملة فلا يؤثر هذا في تشكيكها، بل تضحك من قائله وناقله، وإن ~~خطر ببالها إمكان أن يكون الله قد أطلع نبيا على سر به انكشف له نقيض ~~اعتقادها، فليس اعتقادها يقينا، مثاله قولنا الثلاثة أقل من الستة، وشخص ~~واحد لا يكون في مكانين، والشئ الواحد لا يكون قديما حادثا موجودا معدوما ~~ساكنا متحركا، في حالة واحدة. الحالة الثانية: أن تصدق بها تصديقا جزما لا ~~تتمارى فيه ms049 ولا تشعر بنقيضها البتة، ولو أشعرت بنقيضها تعسر إذعانها ~~للاصغاء إليه، ولكنها لو ثبتت وأصغت وحكى لها نقيض معتقدها عمن هو أعلم ~~الناس عندها كنبي أو صديق أورث ذلك فيها توقفا ولنسم هذا الجنس اعتقادا ~~جزما، وهو أكثر اعتقادات عوام المسلمين واليهود والنصارى في معتقداتهم ~~وأديانهم، بل اعتقاد أكثر المتكلمين في نصرة مذاهبهم بطريق الأدلة، فإنهم ~~قبلوا المذهب والدليل جميعا بحسن الظن في الصبا فوقع عليه نشؤوهم، فإن ~~المستقل بالنظر الذي يستوي ميله في نظره إلى الكفر والاسلام عزيز. الحالة ~~الثالثة: أن يكون لها سكون إلى الشئ والتصديق به، وهي تشعر بنقيضه أو لا ~~تشعر، لكن لو أشعر ت به لم ينفر طبعها عن قبوله، وهذا يسمى ظنا وله درجات ~~في الميل إلى الزيادة والنقصان لا تحصى، فمن سمع من عدل شيئا سكنت إليه ~~نفسه، فإن انضاف إليه ثان زاد السكون، وإن انضاف إليه ثالث زاد السكون ~~والقوة فإن انضافت إليه تجربة لصدقهم على الخصوص زادت القوة، فإن انضافت ~~إليه قرينة، كما إذا أخبروا عن أمر مخوف وقد اصفرت وجوههم واضطربت أحوالهم ~~زاد الظن، وهكذا لا يزال PageV00P035 # يترقى قليلا قليلا إلى أن ينقلب الظن علما عند الانتهاء إلى حد التواتر، ~~والمحدثون يسمون أكثر هذه الأحوال علما ويقينا، حتى يطلقوا القول بأن ~~الاخبار التي تشتمل عليها الصحاح توجب العلم والعمل، وكافة الخلق إلا آحاد ~~المحققين يسمون الحالة الثانية يقينا، ولا يميزون بين الحالة الثانية ~~والأولى، والحق أن اليقين هو الأول، والثاني مظنة الغلط، فإذا ألفت برهانا ~~من مقدمات يقينية على الذوق الأول وراعيت صورة تأليفه على الشروط الماضية ~~فالنتيجة ضرورية يقينية يجوز الثقة بها، هذا بيان نفس اليقين. أما مدارك ~~اليقين فجميع ما يتوهم كونه مدركا لليقين والاعتقاد الجزم ينحصر في سبعة ~~أقسام: # الأول: الأوليات: وأعني بها العقليات المحضة التي أفضى ذات العقل بمجرده ~~إليها من غير استعانة بحس أو تخيل مجبل على التصديق بها، مثل علم الانسان ~~بوجود نفسه وبأن الواحد لا يكون قديما حادثا، وأن النقيضين إذا صدق أحدهما ms050 ~~كذب الآخر، وأن الاثنين أكثر من الواحد ونظائره، وبالجملة هذه القضايا ~~تصادف مرتسمة في العقل، منذ وجوده، حتى يظن العاقل أنه لم يزل عالما بها ~~ولا يدري متى تجدد ولا يقف حصوله على أمر سوى وجود العقل إذ يرتسم فيه ~~الموجود مفردا والقديم مفردا والحادث مفردا والقوة المفكرة تجمع هذه ~~المفردات وتنسب بعضها إلى بعض، مثل أن القديم حادث، فيكذب بالعقل به، وأن ~~القديم ليس بحادث، فيصدق العقل به، فلا يحتاج إلا إلى ذهن ترتسم فيه ~~المفردات، وإلى قوة مفكرة تنسب بعض هذه المفردات إلى البعض، فينتهض العقل ~~على البديهة إلى التصديق أو التكذيب. # الثاني: المشاهدات الباطنة: وذلك كعلم الانسان بجوع نفسه وعطشه وخوفه ~~وفرحه، وجميع الأحوال الباطنة التي يدركها من ليس له الحواس الخمس، فهذه ~~ليست من الحواس الخمس ولا هي عقلية، بل البهيمة تدرك هذه الأحوال من نفسها ~~بغير عقل، وكذا الصبي، والأوليات لا تكون للبهائم ولا للصبيان. # الثالث: المحسوسات الظاهرة: كقولك: الثلج أبيض، والقمر مستدير والشمس ~~مستنيرة، وهذا الفن واضح، لكن الغلط يتطرق إلى الابصار لعوارض، مثل بعد ~~مفرط وقرب مفرط، أو ضعف في العين، وأسباب الغلط في الابصار التي هي على ~~الاستقامة ثمانية والذي بالانعكاس كما في المرآة، أو بالانعطاف كما يرى ما ~~وراء البلور والزجاج فيتضاعف في أسباب الغلط، واستقصاء ذلك في هذه العلاوة ~~غير ممكن، فإن أردت أن تفهم منه أنموذجا فانظر إلى طرف الظل فتراه ساكنا، ~~والعقل يقضي بأنه متحرك، وإلى الكواكب فتراها ساكنة وهي متحركة، وإلى الصبي ~~في أول نشوئه والنبات في أول النشوء وهو في النمو والتزايد في كل لحظة على ~~التدريج، فتراه واقفا، وأمثال ذلك مما يكثر. # الرابع: التجربيات: وقد يعبر عنها باطراد العادات، وذلك مثل حكمك بأن ~~النار محرقة، والخبز مشبع، والحجر هاو إلى أسفل، والنار صاعدة إلى فوق، ~~والخمر مسكر، والسقمونيا مسهل فإذا المعلومات التجربية يقينية عند من جربها ~~والناس يختلفون في هذه العلوم PageV00P036 # لاختلافهم في التجربة، فمعرفة الطبيب بأن السقمونيا مسهل، كمعرفتك بأن ~~الماء مرو، وكذلك الحكم ms051 بأن المغناطيس جاذب للحديد عند من عرفه، وهذه غير ~~المحسوسات، لان مدرك الحس هو أن هذا الحجر يهوي إلى الأرض، وأما الحكم بأن ~~كل حجر هاو فهي قضية عامة لا قضية في عين، وليس للحس إلا قضية في عين، ~~وكذلك إذا رأى مائعا وقد شربه فسكر فحكم بأن جنس هذا المائع مسكر فالحس لم ~~يدرك إلا شربا وسكرا واحدا معينا، فالحكم في الكل إذا هو للعقل، ولكن ~~بواسطة الحس، أو بتكرر الاحساس مرة بعد أخرى، إذ المرة الواحدة لا يحصل ~~العلم بها، فمن تألم له موضع فصب عليه مائعا فزال ألمه لم يحصل له العلم ~~بأنه المزيل، إذ يحتمل أن زواله بالاتفاق، بل هو كما لو قرأ عليه سورة ~~الاخلاص فزال فربما يخطر له أن إزالته بالاتفاق، فإذا تكرر مرات كثيرة في ~~أحوال مختلفة انغرس في النفس يقين، وعلم بأنه المؤثر، كما حصل بأن الاصطلاء ~~بالنار مزيل للبرد، والخبز مزيل لألم الجوع، وإذا تأملت هذا عرفت أن العقل ~~قد ناله بعد التكرر على الحس بواسطة قياس خفي ارتسم فيه، ولم يشعر بذلك ~~القياس، لأنه لم يلتفت إليه، ولم يشغله بلفظ، وكأن العقل يقول: لو لم يكن ~~هذا السبب يقتضيه لما اطرد في الأكثر، ولو كان بالاتفاق لاختلف، وهذا الآن ~~يحرك قطبا عظيما في معنى تلازم الأسباب والمسببات التي يعبر عنها باطراد ~~العادات، وقد نبهنا على غورها في كتاب تهافت الفلاسفة والمقصود تمييز ~~التجربيات عن الحسيات، ومن لم يمعن في تجربة الأمور تعوزه جملة من ~~اليقينيات فيتعذر عليه ما يلزم منها من النتائج، فيستفيدها من أهل المعرفة ~~بها، وهذا كما أن الأعمى والأصم تعوزهما جملة من العلوم التي تستنتج من ~~مقدمات محسوسة، حتى قدر الأعمى على أن يعرف بالبرهان أن الشمس أكبر من ~~الأرض، فإن ذلك يعرف بأدلة هندسية تنبني على مقدمات حسية، ولما كان السمع ~~والبصر شبكة جملة من العلوم قرنهما الله تعالى بالفؤاد في كتابه في مواضع. # الخامس: متواترات: كعلمنا بوجود مكة، ووجود الشافعي، وبعدد الصلوات الخمس ~~بل كعلمنا ms052 بأن من مذهب الشافعي أن المسلم لا يقتل بالذمي، فإن هذا أمر وراء ~~المحسوس إذ ليس للحس إلا أن يسمع صوت المخبر بوجود مكة، وأما الحكم بصدقة ~~فهو للعقل، وآلته السمع، ولا مجرد السمع، بل تكرر السماع، ولا ينحصر العدد ~~الموجب للعلم في عدد ومن تكلف حصر ذلك فهو في شطط، بل هو كتكرر التجربة، ~~ولكل مرة في التجربة شهادة أخرى إلى أن ينقلب الظن علما ولا يشعر بوقته، ~~فكذلك التواتر، فهذه مدارك العلوم اليقينية الحقيقية الصالحة لمقدمات ~~البراهين وما بعدها ليس كذلك. # السادس: الوهميات: وذلك مثل قضاء الوهم بأن كل موجود ينبغي أن يكون مشارا ~~إلى جهته، فإن موجودا لا متصلا بالعالم ولا منفصلا عنه ولا داخلا ولا خارجا ~~محال، وأن إثبات شئ مع القطع بأن الجهات الست خالية عنه محال، وهذا عمل قوة ~~في التجويف الأوسط من الدماغ، وتسمى وهمية، شأنها ملازمة المحسوسات ~~ومتابعتها والتصرف فيها، فكل ما لا يكون على وفق المحسوسات التي ألفتها ~~فليس في طباعها إلا النبوة عنها، وإنكارها ومن هذا القبيل نفرة الطبع عن ~~قول القائل: ليس وراء العالم خلاء ولا ملاء، وهاتان قضيتان وهميتان ~~PageV00P037 # كاذبتان، والأولى منهما ربما وقع لك الانس بتكذيبها، لكثرة ممارستك ~~للأدلة العقلية الموجبة لاثبات موجود، ليس في جهة والثانية ربما لم تأنس ~~بتكذيبها لقلة ممارستك لأدلتها، وإذا تأملت عرفت أن ما أنكره الوهم من نفي ~~الخلاء والملاء غير ممكن لان الخلاء باطل بالبراهين القاطعة، إذ لا معنى ~~له، والملاء متناه بأدلة قاطعة، إذ يستحيل وجود أجسام لا نهاية لها وإذا ~~ثبت هذان الأصلان علم أنه لا خلاء ولا ملاء وراء العالم، وهذه القضايا مع ~~أنها وهمية فهي في النفس لا تتميز عن الأوليات القطعية، مثل قولك لا يكون ~~شخص في مكانين، بل يشهد به أول الفطرة، كما يشهد بالأوليات العقلية، وليس ~~كل ما تشهد به الفطرة قطعا هو صادق بل الصادق ما يشهد به قوة العقل فقط، ~~ومداركه الخمسة المذكورة، وهذه الوهميات لا يظهر كذبها للنفس إلا بدليل ~~العقل، ms053 ثم بعد معرفة الدليل أيضا لا تنقطع منازعة الوهم بل تبقى على نزاعها ~~فإن قلت فبماذا أميز بينها وبين الصادقة، والفطرة قاطعة بالكل، ومتى يحصل ~~الأمان منها فاعلم أن هذه ورطة تاه فيها جماعة، فتسفسطوا وأنكروا كون النظر ~~مفيد العلم اليقين، فقال بعضهم: # طلب اليقين غير ممكن، وقالوا بتكافؤ الأدلة، وادعوا اليقين بتكافؤ ~~الأدلة، وقال بعضهم: لا تيقن أيضا بتكافؤ الأدلة، بما هو أيضا في محل ~~التوقف، وكشف الغطاء عن هذه الورطة يستدعي تطويلا، فلا نشتغل به، ونفيدك ~~الآن طريقين نستعين بهما في تكذيب الوهم الأول جملي وهو أنك لا تشك في وجود ~~الوهم، والقدرة والعلم والإرادة، وهذه الصفات ليست من النظريات، ولو عرضت ~~على الوهم نفس الوهم لا نكره، فإنه يطلب له سمكا ومقدارا ولونا، فإذا لم ~~يجده أباه، ولو كلفت الوهم أن يتأمل ذات القدرة والعلم والإرادة لصور لكل ~~واحد قدرا ومكانا مفردا، ولو فرضت له اجتماع هذه الصفات في جزء واحد أو جسم ~~واحد لقدر بعضها منطبقا على البعض، كأنه ستر رقيق مرسل على وجهه، ولم يقدر ~~على اتحاد البعض بالبعض بأسره فإنه ربما يشاهد الأجسام، ويراها متميزة في ~~الوضع، فيقضي في كل شيئين، بأن أحدهما متميز في الوضع عن الآخر. الطريق ~~الثاني: وهو معيار في آحاد المسائل: وهو أن نعلم أن جميع قضايا الوهم ليست ~~كاذبة، فإنها توافق العقل في استحالة وجود شخص في مكانين، بل لا تنازع في ~~جميع العلوم الهندسية والحسابية وما يدرك بالحس، وإنما تنازع فيما وراء ~~المحسوسات، لأنها تمثل غير المحسوسات بالمحسوسات إذ لا تقبله إلا على نحو ~~المحسوسات، فحيلة العقل مع الوهم في أن يثق بكذبه مهما نظر في غير محسوس، ~~أن يأخذ مقدمات يقينية ليساعده الوهم عليها، وينظمها نظم البرهان الذي ~~ذكرناه، فإن الوهم يساعد على أن اليقينيات إذا نظمت كذلك كانت النتيجة ~~لازمة كما سبق في الأمثلة، وكما في الهندسيات، فتجد ذلك ميزانا وحاكما بينه ~~وبينه، فإذا رأى الوهم قد زاغ عن قبول نتيجة دليل قد ساعد على مقدماته ms054 ~~وساعد على صحة نظمها وعلى كونها نتيجة علم أن ذلك من قصور في طباعه عن ~~إدراك مثل هذا الشئ الخارج عن المحسوسات، فاكتف بهذا القدر، فإن تمام ~~الايضاح فيه تطويل. # السابع: المشهورات: وهي آراء محمودة يوجب التصديق بها إما شهادة الكل أو ~~الأكثر، أو شهادة جماهير الأفاضل، كقولك الكذب قبيح، وإيلام البرئ قبيح، و ~~كفران النعم قبيح وشكر المنعم وإنقاذ الهلكى حسن، وهذه قد تكون صادقة، وقد ~~تكون كاذبة فلا يجوز أن يعول PageV00P038 # عليها في مقدمات البرهان، فإن هذه القضايا ليست أولية ولا وهمية، فإن ~~الفطرة الأولى لا تقضي بها بل إنما ينغرس قبولها في النفس بأسباب كثيرة ~~تعرض من أول الصبا، وذلك بأن تكرر على الصبي، ويكلف اعتقادها ويحسن ذلك ~~عنده وربما يحمل عليها حب التسالم وطيب المعاشرة، وربما تنشأ من الحنان ~~ورقة الطبع، فترى أقواما يصدقون بأن ذبح البهائم قبيح ويمتنعون عن أكل ~~لحومها وما يجري هذا المجرى فالنفوس المجبولة على الحنان والرقة أطوع ~~لقبولها، وربما يجبل على التصديق بها الاستقراء الكثير، وربما كانت القضية ~~صادقة ولكن بشرط دقيق لا يفطن الذهن لذلك الشرط، ويستمر على تكرير التصديق ~~فيرسخ في نفسه كمن يقول مثلا: التواتر لا يورث العلم لان كل واحد من الآحاد ~~لا يورث العلم، فالمجموع لا يورث، لأنه لا يزيد على الآحاد، وهذا غلط، لان ~~قول الواحد لا يوجب العلم بشرط الانفراد وعند التواتر فات هذا الشرط، فيذهل ~~عن هذا الشرط لدقته ويصدق به مطلقا وكذلك يصدق بقوله: إن الله على كل شئ ~~قدير مع أنه ليس قادرا على خلق ذاته وصفاته وهو شئ لكن هو قدير على كل شئ ~~بشرط كونه ممكنا في نفسه، فيذهل عن هذا الشرط ويصدق به مطلقا لكثرة تكرره ~~على اللسان، ووقع الذهول عن شرطه الدقيق، وللتصديق بالمشهورات أسباب كثيرة، ~~وهي من مثارات الغلط العظيمة، وأكثر قياسات المتكلمين والفقهاء مبنية على ~~مقدمات مشهورة يسلمونها بمجرد الشهرة، فلذلك ترى أقيستهم تنتج نتائج ~~متناقضة فيتحيرون فيها، فإن قلت: فبم يدرك الفرق بين المشهور ms055 والصادق، ~~فأعرض قول القائل: العدل جميل والكذب قبيح على العقل الأول الفطري الموجب ~~للأوليات، وقدر أنك لم تعاشر أحدا ولم تخالط أهل ملة ولم تأنس بمسموع، ولم ~~تتأدب باستصلاح، ولم تهذب بتعليم أستاذ ومرشد، وكلف نفسك أن تشكك فيه، فإنك ~~تقدر عليه وتراه متأتيا وإنما الذي يعسر عليك هذه التقديرات أنك على حالة ~~تضادها، فإن تقدير الجوع في حال الشبع عسير، وكذا تقدير كل حالة أنت منفك ~~عنها في الحال، ولكن إذا تحذقت فيها أمكنك التشكك، ولو كلفت نفسك الشك في ~~أن الاثنين أكثر من الواحد لم يكن الشك متأتيا، بل لا يتأتى الشك في أن ~~العالم ينتهي إلى خلاء أو ملاء وهو كاذب وهمي، لكن فطرة الوهم تقتضيه، ~~والآخر يقتضيه فطرة العقل، وأما كون الكذب قبيحا فلا يقتضيه فطرة العقل ~~الوهم ولا فطرة العقل، بل ما ألفه الانسان من العادات والأخلاق ~~والاستصلاحات وهذه أيضا معارضة مظلمة يجب التحرز عنها، فهذا القدر كاف في ~~المقدمات التي منها ينتظم البرهان، فالمستفاد من المدارك الخمسة بعد ~~الاحتراز عن مواقع الغلط فيها يصلح لصناعة البرهان، والمستفاد من غلط الوهم ~~لا يصلح البتة، والمشهورات تصلح للفقهيات الظنية والأقيسة الجدلية، ولا ~~تصلح لإفادة اليقين البتة. # الفن الثالث: من دعامة البرهان في اللواحق وفيه فصول: # الفصل الأول في بيان أن ما تنطق به الألسنة في معرض الدليل والتعليل في ~~جميع أقسام العلوم يرجع إلى الضروب التي ذكرناها، فإن لم يرجع إليها لم يكن ~~دليلا، وحيث يذكر لا على ذلك النظم فسببه إما قصور علم الناظر أو إهماله ~~إحدى المقدمتين للوضوح، أو لكون التلبيس في ضمنه حتى لا ينتبه له، أو ~~لتركيب الضروب وجمع جملة منها في سياق PageV00P039 # كلام واحد. مثال ترك إحدى المقدمتين، لوضوحها، وذلك غالب في الفقهيات ~~والمحاورات احترازا عن التطويل، كقول القائل: هذا يجب عليه الرجم لأنه زنى ~~وهو محصن وتمام القياس أن تقول: كل من زنى وهو محصن فعليه الرجم، وهذا زنى ~~وهو محصن: ولكن ترك المقدمة الأولى لاشتهارها، وكذلك يقال: العالم محدث، ms056 ~~فيقال: لم؟ فيقول: لأنه جائز، ويقتصر عليه، وتمامه أن يقول: كل جائز فله ~~فاعل، والعالم جائز، فإذا له فاعل، ويقول في نكاح الشغار هو فاسد، لأنه ~~منهي عنه، وتمامه أن يقول: كل منهي عنه فهو فاسد، والشغار منهي عنه، فهو ~~إذا فاسد، ولكن ترك الأولى لأنها موضع النزاع ولو صرح بها لتنبه الخصم لها ~~فربما تركها للتلبيس مرة كما تركها للوضوح أخرى، وأكثر أدلة القرآن كذلك ~~تكون، مثل قوله تعالى: * (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) * (الأنبياء: ~~22) فينبغي أن يضم إليها، ومعلوم أنهما لم تفسدا وقوله تعالى: * (إذا ~~لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا) * (الاسراء: 24) وتمامه أنه معلوم أنهم لم ~~يبتغوا إلى ذي العرش سبيلا. ومثال ما يترك للتلبيس أن يقال: فلان خائن في ~~حقك، فتقول: لم؟ فيقال: لأنه كان يناجي عدوك، وتمامه أن يقال كل من يناجي ~~العدو فهو عدو، وهذا يناجي العدو فهو إذا عدو، ولكن لو صرح به لتنبه الذهن ~~بأن من يناجي العدو فقد ينصحه وقد يخدعه، فلا يجب أن يكون عدوا، وربما يترك ~~المقدمة الثانية وهي مقدمة المحكوم عليه، مثاله أن يقال: لا تخالط فلانا، ~~فيقول: لم؟ فيقال: لان الحساد لا يخالطون، وتمامه أن يضم إليه إن هذا حاسد، ~~والحاسد لا يخالط، فهذا إذا لا يخالط وسبيل من يريد التلبيس إهمال المقدمة ~~التي التلبيس تحتها استغفالا للخصم، واستجهالا له، وهذا غلط في النظم ~~الأول، ويتطرق ذلك إلى النظم الثاني والثالث، مثاله قولك: كل شجاع ظالم، ~~فيقال: لم؟ فيقال: لان الحجاج كان شجاعا وظالما، وتمامه أن يقول: الحجاج ~~شجاع، والحجاج ظالم، فكل شجاع ظالم وهذا غير منتج، لأنه طلب نتيجة عامة من ~~النظم الثالث، وقد بينا أنه لا ينتج إلا نتيجة خاصة، وإنما كان من النظم ~~الثالث لان الحجاج هو العلة لأنه المتكرر في المقدمتين، لأنه محكوم عليه في ~~المقدمتين، فيلزم منه أن بعض الشجعان ظالم، ومن هاهنا غلط من حكم على كل ~~المتصوفة، أو كل المتفقهة بالفساد إذا رأى ذلك من بعضهم ونظم قياسه أن ms057 ~~فلانا متفقه، وفلان فاسق، فكل متفقه فاسق وذلك لا يلزم، بل يلزم أن بعض ~~المتفقهة، فاسق، وكثيرا ما يقع مثل هذا الغلط في الفقه أن يرى الفقيه حكما، ~~في موضع معين، فيقضي بذلك الحكم على العموم فيقول مثلا، البر مطعوم والبر ~~ربوي، فالمطعوم ربوي، وبالجملة: مهما كانت العلة أخص من الحكم والمحكوم ~~عليه في النتيجة لم يلزم منه إلا نتيجة جزئية وهو معنى النظم الثالث، ومهما ~~كانت العلة أعم من المحكوم عليه وأخص من الحكم أو مساوية له كان من النظم ~~الأول، وأمكن استنتاج القضايا الأربعة منه، أعني الموجبة العامة والخاصة، ~~والنافية العامة والخاصة، ومهما كانت العلة أعم من الحكم والمحكوم عليه ~~جميعا كان من النظم الثاني، ولم ينتج منه إلا النفي، فأما الايجاب فلا. ~~ومثال المختلطات المركبة من كل نمط كقولك: الباري تعالى إن كان على العرش ~~أما مساو أو أكبر أو أصغر، وكل مساو وأصغر وأكبر مقدر، وكل مقدر فإما أن ~~يكون جسما أو لا PageV00P040 # يكون جسما، وباطل أن لا يكون جسما، فثبت أنه جسم، فيلزم أن يكون الباري، ~~تعالى جسما، ومحال أن يكون جسما فمحال أن يكون على العرش، وهذا السياق ~~اشتمل على النظم الأول والثاني والثالث مختلطا كذلك، فمن لا يقدر على ~~تحليله وتفصيله فربما انطوى التلبيس في تفاصيله وتضاعيفه فلا يتنبه لموضعه، ~~ومن عرف المفردات أمكنه رد المختلطات إليها، فإذا لا يتصور النطق ~~بالاستدلال إلا ويرجع إلى ما ذكرناه. # الفصل الثاني في بيان رجوع الاستقراء والتمثيل إلى ما ذكرناه أما ~~الاستقراء فهو عبارة عن تصفح أمور جزئية لنحكم بحكمها على أمر يشمل تلك ~~الجزئيات، كقولنا في الوتر ليس بفرض، لأنه يؤدى على الراحلة، والفرض لا ~~يؤدى على الراحلة، فيقال: لم قلتم أن الفرض لا يؤدى على الراحلة؟ فيقال: ~~عرفناه بالاستقراء، إذ رأينا القضاء والأداء والمنذور وسائر أصناف الفرائض ~~لا تؤدى على الراحلة، فقلنا إن كل فرض لا يؤدى على الراحلة، ووجه دلالة هذا ~~لا يتم إلا بالنظم الأول بأن يقول: كل فرض فإما قضاء أو ms058 أداء أو نذر، وكل ~~قضاء وأداء ونذر فلا يؤدى على الراحلة، فكل فرض لا يؤدى على الراحلة، وهذا ~~مختل يصلح للظنيات دون القطعيات، والخلل تحت قوله، إما أداء، فإن حكمه بأن ~~كل أداء لا يؤدى على الراحلة يمنعه الخصم، إذ الوتر عنده أداء واجب ويؤدى ~~على الراحلة، وإنما يسلم الخصم من الأداء الصلوات الخمس، وهذه صلاة سادسة ~~عنده فيقول: وهل استقريت حكم الوتر في تصفحك وكيف وجدته؟ فإن قلت: وجدته لا ~~يؤدى على الراحلة، فالخصم لا يسلم، فإن لم تتصفحه فلم يبين لك إلا بعض ~~الأداء، فخرجت المقدمة الثانية عن أن تكون عامة وصارت خاصة، وذلك لا ينتج، ~~لأنا بينا أن المقدمة الثانية في النظم الأول ينبغي أن تكون عامة، ولهذا ~~غلط من قال أن صانع العالم جسم، لأنه قال: كل فاعل جسم، وصانع العالم فاعل، ~~فهو إذا جسم، فقيل: لم قلت أن كل فاعل جسم؟ فيقول: لاني تصفحت الفاعلين من ~~خياط وبناء وإسكاف وحجام وحداد وغيرهم فوجدتهم أجساما، فيقال: وهل تصفحت ~~صانع العالم أم لا فإن لم تتصفحه فقد تصفحت البعض دون الكل فوجدت بعض ~~الفاعلين جسما، فصارت المقدمة الثانية خاصة لا تنتج، وإن تصفحت الباري فكيف ~~وجدته؟ فإن قلت وجدته جسما فهو محل النزاع، فكيف أدخلته في المقدمة، فثبت ~~بهذا أن الاستقراء إن كان تاما رجع إلى النظم الأول، وصلح للقطعيات، وإن لم ~~يكن تاما لم يصلح إلا للفقهيات، لأنه مهما وجد الأكثر على نمط غلب على الظن ~~أن الآخر كذلك. # الفصل الثالث في وجه لزوم النتيجة من المقدمات وهو الذي يعبر عنه بوجه ~~الدليل ويلتبس الامر فيه على الضعفاء فلا يتحققون أن وجه الدليل عين ~~المدلول أو غيره فنقول: كل مفردين جمعتهما القوة المفكرة ونسبت أحدهما إلى ~~الآخر بنفي أو إثبات وعرضته على العقل لم يخل العقل فيه من أحد أمرين، إما ~~أن يصدق به أو يمتنع من التصديق، فإن صدق فهو الأولى المعلوم بغير واسطة، ~~ويقال إنه معلوم بغير نظر ودليل وحيلة وتأمل، وكل ذلك بمعنى ms059 واحد، وإن لم ~~يصدق فلا مطمع في التصديق إلا بواسطة وتلك الواسطة هي التي تنسب إلى الحكم، ~~فيكون خبرا عنها، وتنسب إلى المحكوم عليه فتجعل PageV00P041 # خبرا عنه فيصدق، فيلزم من ذلك بالضرورة التصديق بنسبة الحكم إلى المحكوم ~~عليه. بيانه أنا إذا قلنا للعقل احكم على النبيذ بالحرام، فيقول: لا أدري ~~ولم يصدق به، فعلمنا أنه ليس يلتقي في الذهن طرفا هذه القضية وهو الحرام ~~والنبيذ، فلا بد أن يطلب واسطة ربما صدق العقل بوجودها في النبيذ، وصدق ~~بوجود وصف الحرام لتلك الواسطة، فيلزمه التصديق بالمطلوب، فيقال: هل النبيذ ~~مسكر؟ فيقول: نعم إذا كان قد علم ذلك بالتجربة، فيقال: # وهل المسكر حرام؟ فيقول: نعم، إذا كان قد حصل ذلك بالسماع وهو المدرك ~~بالسمع قلنا: فإن صدقت بهاتين المقدمتين لزمك التصديق بالثالث لا محالة، ~~وهو أن النبيذ حرام بالضرورة، فيلزمه أن يصدق بذلك ويذعن للتصديق به، فإن ~~قلت: فهذه القضية ليست خارجة عن القضيتين وليست زائدة عليهما فاعلم أن ما ~~توهمت حق من وجه وغلط من وجه، أما الغلط فهو أن هذه قضية ثالثة، لان قولك: ~~النبيذ حرام، غير قولك: النبيذ مسكر، وغير قولك: المسكر حرام، بل هذه ثلاث ~~مقدمات مختلفات، وليس فيها تكرير أصلا بل النتيجة اللازمة غير المقدمات ~~الملتزمة، وأما وجه كونه حقا فهو أن قولك: المسكر حرام شمل بعمومه النبيذ ~~الذي هو أحد المسكرات، فقولك: النبيذ حرام ينطوي فيه، لكن بالقوة لا بالفعل ~~وقد يحضر العام في الذهن ولا يحضر الخاص، فمن قال: الجسم متحيز ربما لا ~~يخطر بباله ذلك الوقت أن الثعلب متحيز، بل ربما لا يخطر بباله ذلك الثعلب، ~~فضلا عن أن يخطر بباله أنه متحيز، فإذا النتيجة موجودة في إحدى المقدمتين ~~بالقوة القريبة، والموجود بالقوة القريبة لا يظن أنه موجود بالفعل، فاعلم ~~أن هذه النتيجة لا تخرج من القوة إلى الفعل بمجرد العلم بالمقدمتين ما لم ~~تحضر المقدمتين في الذهن، وتخطر ببالك وجه وجود النتيجة في المقدمتين ~~بالقوة، فإذا تأملت ذلك صارت النتيجة بالفعل، إذ لا ms060 يبعد أن ينظر الناظر ~~إلى بغلة منتفخة البطن فيتوهم أنها حامل، فيقال له: هل تعلم أن البغلة عاقر ~~لا تحمل؟ فيقول: # نعم، فيقال: وهل تعلم أن هذه بغلة؟ فيقول: نعم، فيقال: كيف توهمت أنها ~~حامل؟ # فيتعجب من توهم نفسه مع علمه بالمقدمتين، إذ نظمهما أن كل بغلة عاقر، ~~وهذه بغلة فهي إذا عاقر، والانتفاخ له أسباب، فإذا انتفاخها من سبب آخر، ~~ولما كان السبب الخاص لحصول النتيجة في الذهن التفطن لوجود النتيجة بالقوة ~~في المقدمة أشكل على الضعفاء فلم يعرفوا أن وجه الدليل عين المدلول أو ~~غيره، فالحق أن المطلوب هو المدلول المستنتج وأنه غير التفطن لوجوده في ~~المقدمتين بالقوة، ولكن هذا التفطن هو سبب حصوله على سبيل التولد عند ~~المعتزلة، وعلى سبيل استعداد القلب لحضور المقدمتين مع التفطن لفيضان ~~النتيجة من عند واهب الصور المعقولة الذي هو العقل الفعال عند الفلاسفة، ~~وعلى سبيل تضمن المقدمات للنتيجة بطريق اللزوم الذي لا بد منه عند أكثر ~~أصحابنا المخالفين للتولد الذي ذكره المعتزلة، وعلى سبيل حصوله بقدرة الله ~~تعالى عقيب حضور المقدمتين في الذهن، والتفطن لوجه تضمنهما له بطريق إجراء ~~الله تعالى العادة على وجه يتصور خرقها بأن لا يخلق عقيب تمام النظر عند ~~بعض أصحابنا، ثم ذلك من غير نسبة له إلى القدرة الحادثة عند بعضهم، بل بحيث ~~لا تتعلق به قدرة العبد، وإنما قدرته على إحضار المقدمتين، ومطالعة ~~PageV00P042 # وجه تضمن المقدمتين للنتيجة على معنى وجودها فيهما بالقوة فقط، أما ~~صيرورة النتيجة بالفعل فلا تتعلق بها القدرة، وعند بعضهم هو كسب مقدور، ~~والرأي الحق في ذلك لا يليق بما نحن فيه، والمقصود كشف الغطاء عن النظر، ~~وإن وجه الدليل ما هو والمدلول ما هو والنظر الصحيح ما هو؟ والنظر الفاسد ~~ما هو وترى الكتب مشحونات بتطويلات في هذه الألفاظ من غير شفاء، وإنما ~~الكشف يحصل بالطريق الذي سلكناه فقط، فلا ينبغي أن يكون شغفك بالكلام ~~المعتاد المشهور، بل بالكلام المفيد الموضح، وإن خالف المعتاد. # مغالطة من منكري النظر: وهو أن يقول ms061 ما تطلب بالنظر وهو معلوم لك أم لا؟ ~~فإن علمت فكيف تطلب وأنت واجد وإن جهلته فإذا وجدته فبم تعرف أنه مطلوبك ~~وكيف يطلب العبد الآبق من لا يعرفه فإنه لو وجده لم يعرف أنه مطلوبه فنقول: ~~أخطأت في نظم شبهتك، فإن تقسيمك ليس بحاصر إذ قلت تعرفه أو لا تعرفه، بل ~~هاهنا قسم ثالث وهو أني أعرفه من وجه، وأعلمه من وجه، وأجهله من وجه، وأعني ~~الآن بالمعرفة غير العلم، فإني أفهم مفردات أجزاء المطلوب بطريق المعرفة ~~والتصور، وأعلم جملة النتيجة المطلوبة بالقوة لا بالفعل، أي في قوتي أن ~~أقبل التصديق بها بالفعل، وأجهلها من وجه، أي لا أعلمها بالفعل، ولو كنت ~~أعلمها بالفعل لما طلبتها ولو لم أعلمها بالقوة لما طمعت في أن أعلمها، إذ ~~ما ليس في قوتي علمه يستحيل حصوله، كاجتماع الضدين، ولولا أني أفهمه ~~بالمعرفة والتصور لاجزائه المنفردة لما كنت أعلم الظفر بمطلوبي إذا وجدته، ~~وهو كالعبد الآبق، فإني أعرف ذاته بالتصور وإنما أطلب مكانه، وأنه في البيت ~~أم لا، وكونه في البيت أفهمه بالمعرفة والتصور، أي أفهم البيت مفردا والكون ~~مفردا، وأعلمه بالقوة، أي في قوتي أن أصدق بكونه في البيت، وأطلب حصوله ~~بالفعل من جهة حاسة البصر، فإذا رأيته في البيت صدقت بكونه في البيت، فكذلك ~~طلبي لكون العالم حادثا إذا وجدته. # الفصل الرابع في انقسام البرهان إلى برهان علة وبرهان دلالة أما برهان ~~الدلالة فهو أن يكون الامر المتكرر في المقدمتين معلولا ومسببا، فإن العلة ~~والمعلول يتلازمان، وكذلك السبب والمسبب والموجب والموجب، فإن استدللت ~~بالعلة على المعلول فالبرهان برهان علة، وإن استدللت بالمعلول على العلة ~~فهو برهان دلالة، وكذلك لو استدللت بأحد المعلولين على الآخر. ومثال قياس ~~العلة من المحسوسات: أن تستدل على المطر بالغيم وعلى شبع زيد بأكله، فتقول: ~~من أكل كثيرا فهو في الحال شبعان، وزيد قد أكل كثيرا فهو إذا شبعان، وإن ~~قلت: إن كل شبعان قد أكل كثيرا وزيد شبعان، فإذا قد أكل كثيرا، فهذا برهان ~~دلالة، ومثاله ms062 من الكلام قولك: كل فعل محكم، ففاعله عالم، والعالم فعل ~~محكم، فصانعه عالم، ومثال الاستدلال بإحدى النتيجتين على الأخرى في الفقه ~~قولنا: الزنا يوجب حرمة المصاهرة، لان كل وطئ لا يوجب المحرمية، فلا يوجب ~~الحرمة، وهذا لا يوجب المحرمية فلا يوجب الحرمة، فإن الحرمة والمحرمية ليست ~~إحداهما علة للأخرى، بل هما نتيجتا علة واحدة، وحصول إحدى النتيجتين يدل ~~على حصول الأخرى بواسطة العلة، فإنها تلازم علتها والنتيجة الثانية أيضا ~~تلازم علتها، وملازم الملازم ملازم لا محالة، وجميع استدلالات الفراسة ~~PageV00P043 # من قبيل الاستدلال بإحدى النتيجتين على الأخرى، حتى أنه يستدل بخطوط حمر ~~في كتف الشاة على إراقة الدماء في تلك السنة، ويستدل بالخلق على الأخلاق، ~~ولا يمكن ذلك إلا بطريق تلازم النتائج الصادرة عن سبب واحد، ولنقتصر من ~~مدارك العقول على هذا القدر فإنه كالعلاوة على علم الأصول، ومن أراد مزيدا ~~عليه فليطلبه من كتاب محك النظر وكتاب معيار العلم ولنشتغل الآن بالأقطاب ~~الأربعة التي يدور عليها علم الأصول والحمد لله وحده، والصلاة والسلام على ~~خير خلقه محمد وآله وعلى جميع أصحابه. PageV00P044 # بسم الله الرحمن الرحيم القطب الأول في الثمرة وهي الحكم والكلام فيه ~~ينقسم إلى فنون أربعة: فن في حقيقة الحكم، وفن في أقسامه، وفن في أركانه، ~~وفن فيما يظهره. # الفن الأول في حقيقته ويشتمل على تمهيد وثلاث مسائل: أما التمهيد فهو أن ~~الحكم عندنا عبارة عن خطاب الشرع إذا تعلق بأفعال المكلفين، فالحرام هو ~~المقول فيه : إتركوه ولا تفعلوه، والواجب هو المقول فيه: إفعلوه ولا ~~تتركوه، والمباح هو المقول فيه : إن شئتم فافعلوه، وإن شئتم فاتركوه، فإن ~~لم يوجد هذا الخطاب من الشارع فلا حكم، ، فلهذا قلنا: العقل لا يحسن ولا ~~يقبح، ولا يوجب شكر المنعم، ولا حكم للأفعال قبل ورود الشرع، فلنرسم كل ~~مسألة برأسها. # مسألة (الحسن والقبح في الفعل) ذهبت المعتزلة إلى أن الافعال تنقسم إلى ~~حسنة وقبيحة، فمنها ما يدرك بضرورة العقل، كحسن إنقاذ الغرقى والهلكى، وشكر ~~المنعم، ومعرفة حسن الصدق، وكقبح الكفران، وإيلام البرئ والكذب ms063 الذي لا غرض ~~فيه، ومنها ما يدرك بنظر العقل كحسن الصدق الذي فيه ضرر وقبح الكذب الذي ~~فيه نفع، ومنها ما يدرك بالسمع، كحسن الصلاة والحج وسائر العبادات، وزعموا ~~أنها متميزة بصفة ذاتها عن غيرها بما فيها من اللطف المانع من الفحشاء ~~الداعي إلى الطاعة، لكن العقل لا يستقل بدركه، فنقول قول القائل: هذا حسن ~~وهذا قبيح لا يحس بفهم معناه ما لم يفهم معنى الحسن والقبح، فإن الاصطلاحات ~~في إطلاق لفظ الحسن والقبح مختلفة فلا بد من تلخيصها، والاصطلاحات فيه ~~ثلاثة: # الأول: الاصطلاح المشهور العامي، وهو أن الافعال تنقسم إلى ما يوافق غرض ~~الفاعل وإلى ما يخالفه وإلى ما لا يوافق ولا يخالف، فالموافق يسمى حسنا، ~~والمخالف يسمى قبيحا، والثالث يسمى عبثا، وعلى هذا الاصطلاح إذا كان الفعل ~~موافقا لشخص مخالفا لآخر فهو حسن في حق من وافقه، قبيح في حق من خالفه، حتى ~~أن قتل الملك الكبير يكون حسنا في حق أعدائه، قبيحا في حق أوليائه، وهؤلاء ~~لا يتحاشون عن تقبيح فعل الله تعالى إذا خالف غرضهم، ولذلك يسبون الدهر ~~والفلك ويقولون، خرب الفلك، وتعس الدهر وهم يعلمون أن الفلك مسخر ليس إليه ~~شئ، ولذلك قال (ص): لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر فإطلاق اسم الحسن، ~~والقبح على الافعال عند هؤلاء كإطلاقه على الصور، فمن مال طبعه إلى صورة أو ~~صوت شخص قضى بحسنه، ومن نفر طبعه عن PageV00P045 # شخص استقبحه، ورب شخص ينفر عنه طبع ويميل إليه طبع فيكون حسنا في حق هذا ~~قبيحا في حق ذاك، حتى يستحسن سمرة اللون جماعة، ويستقبحها جماعة، فالحسن ~~والقبح عند هؤلاء عبارة عن الموافقة والمنافرة، وهما أمران إضافيان، لا ~~كالسواد والبياض، إذ لا يتصور أن يكون الشئ أسود في حق زيد، أبيض في حق ~~عمرو. # الاصطلاح الثاني: التعبير بالحسن عما حسنه الشرع بالثناء على فاعله، ~~فيكون فعل الله تعالى حسنا في كل حال خالف الغرض أو وافقه، ويكون المأمور ~~به شرعا ندبا كان أو إيجابا حسنا، والمباح لا يكون حسنا. ms064 # الاصطلاح الثالث: التعبير بالحسن عن كل ما لفاعله أن يفعله، فيكون المباح ~~حسنا مع المأمورات، وفعل الله يكون حسنا بكل حال. وهذه المعاني الثلاثة ~~كلها أوصاف إضافية وهي معقولة، ولا حجر على من يجعل لفظ الحسن عبارة عن شئ ~~منها، فلا مشاحة في الألفاظ، فعلى هذا إذا لم يرد الشرع لا يتميز فعل عن ~~غيره إلا بالموافقة والمخالفة، ويختلف ذلك بالإضافات ولا يكون صفة للذات، ~~فإن قيل: نحن لا ننازعكم في هذه الأمور الإضافية ولا في هذه الاصطلاحات ~~التي تواضعتم عليها، ولكن ندعي الحسن والقبح، وصفا ذاتيا للحسن والقبيح، ~~مدركا بضرورة العقل في بعض الأشياء، كالظلم والكذب والكفران والجهل، ولذلك ~~لا نجوز شيئا من ذلك على الله تعالى لقبحه، ونحرمه على كل عاقل قبل ورود ~~الشرع، لأنه قبيح لذاته، وكيف ينكر ذلك والعقلاء بأجمعهم متفقون على القضاء ~~به من غير إضافة إلى حال دون حال؟ قلنا: أنتم منازعون فيما ذكرتموه في ~~ثلاثة أمور: أحدها: في كون القبح وصفا ذاتيا. والثاني: في قولكم أن ذلك مما ~~يعلمه العقلاء بالضرورة. والثالث: في ظنكم أن العقلاء لو توافقوا عليه لكان ~~ذلك حجة مقطوعا بها، ودليلا على كونه ضروريا. أما الأول: وهو دعوى كونه ~~وصفا ذاتيا فهو تحكم بما لا يعقل، فإن القتل عندهم قبيح لذاته، بشرط أن لا ~~تسبقه جناية ولا يعقبه عوض، حتى جاز إيلام البهائم وذبحها، ولم يقبح من ~~الله تعالى ذلك، لأنه يثيبها عليه في الآخرة، والقتل في ذاته له حقيقة ~~واحدة لا تختلف، بأن تتقدمه جناية أو تتعقبه لذة، إلا من حيث الإضافة إلى ~~الفوائد والاغراض، وكذلك الكذب كيف يكون قبحه ذاتيا، ولو كان فيه عصمة دم ~~نبي بإخفاء مكانه عن ظالم يقصد قتله لكان حسنا بل واجبا يعصى بتركه؟ # والوصف الذاتي كيف يتبدل بالإضافة إلى الأحوال. وأما الثاني: وهو كونه ~~مدركا بالضرورة وكيف يتصور ذلك ونحن ننازعكم فيه؟ والضروري لا ينازع فيه ~~خلق كثير من العقلاء؟ وقولكم أنكم مضطرون إلى المعرفة وموافقون عليه، ~~ولكنكم تظنون أن مستند معرفتكم ms065 السمع، كما ظن الكعبي أن مستند علمه بخبر ~~التواتر النظر، ولا يبعد التباس مدرك العلم، وإنما يبعد الخلاف في نفس ~~المعرفة، ولا خلاف فيها؟ قلنا: هذا كلام فاسد، لأنا نقول يحسن من الله ~~تعالى إيلام البهائم، ولا نعتقد لها جريمة ولا ثوابا، فدل أنا ننازعكم في ~~نفس العلم. وأما الثالث: فهو أنا لو سلمنا اتفاق العقلاء على هذا أيضا لم ~~تكن فيه حجة، إذ لم يسلم كونهم مضطرين إليه، بل PageV00P046 # يجوز أن يقع الاتفاق منهم على ما ليس بضروري، فقد اتفق الناس على إثبات ~~الصانع وجواز بعثه الرسل، ولم يخالف إلا الشواذ، فلو اتفق أن ساعدهم الشواذ ~~لم يكن ذلك ضروريا، فكذلك اتفاق الناس على هذا الاعتقاد، يمكن أن يكون بعضه ~~عن دليل السمع الدال على قبح هذه الأشياء، وبعضه عن تقليد مفهوم من الآخذين ~~عن السمع وبعضه عن الشبهة التي وقعت لأهل الضلال، فالتئام الاتفاق من هذه ~~الأسباب لا يدل على كونه ضروريا فلا يدل على كونه حجة لولا منع السمع عن ~~تجويز الخطأ على كافة هذه الأمة خاصة إذ لا يبعد اجتماع الكافة على الخطأ ~~عن تقليد وعن شبهة، وكيف وفي الملحدة من لا يعتقد قبح هذه الأشياء ولا حسن ~~نقائضها، فكيف يدعى اتفاق العقلاء؟ احتجوا بأنا نعلم قطعا أن من استوى عنده ~~الصدق والكذب آثر الصدق ومال إليه إن كان عاقلا، وليس ذلك إلا لحسنه، وإن ~~الملك العظيم المستولي على الأقاليم إذا رأى ضعيفا مشرفا على الهلاك يميل ~~إلى إنقاذه وإن كان لا يعتقد أصل الدين لينتظر ثوابا ولا ينتظر منه أيضا ~~مجازاة وشكرا، ولا يوافق ذلك أيضا غرضه بل ربما يتعب به بل يحكم العقلاء ~~بحسن الصبر على السيف إذا أكره على كلمة الكفر، أو على إفشاء السر ونقض ~~العهد، وهو على خلاف غرض المكره، وعلى الجملة استحسان مكارم الأخلاق وإفاضة ~~النعم مما لا ينكره عاقل إلا عن عناد؟ والجواب أنا لا ننكر اشتهار هذه ~~القضايا بين الخلق، وكونها محمودة مشهورة، ولكن مستندها إما التدين ~~بالشرائع ms066 وإما الأغراض، ونحن إنما ننكر هذا في حق الله تعالى لانتفاء ~~الأغراض عنه، فأما إطلاق الناس هذه الألفاظ فيما يدور بينهم فيستمر من ~~الأغراض، ولكن قد تدق الأغراض وتخفى فلا يتنبه لها إلا المحققون، ونحن ننبه ~~على مثارات الغلط فيه وهي ثلاث مثارات يغلط الوهم فيها: # الأولى: إن الانسان يطلق اسم القبح على ما يخالف غرضه وإن كان يوافق غرض ~~غيره، من حيث إنه لا يلتفت إلى الغير، فإن كل طبع مشغوف بنفسه ومستحقر ~~لغيره فيقضي بالقبح مطلقا، وربما يضيف القبح إلى ذات الشئ ويقول هو بنفسه ~~قبيح، فيكون قد قضى بثلاثة أمور هو مصيب في واحد منها، وهو أصل الاستقباح، ~~ومخطئ في أمرين أحدهما إضافة القبح إلى ذاته إذ غفل عن كونه قبيحا لمخالفة ~~غرضه. والثاني: حكمه بالقبح مطلقا، ومنشؤه عدم الالتفات إلى غيره، بل عدم ~~الالتفات إلى بعض أحوال نفسه، فإنه قد يستحسن في بعض الأحوال عين ما ~~يستقبحه إذا اختلف الغرض. # الغلطة الثانية: أن ما هو مخالف للغرض في جميع الأحوال إلا في حالة واحدة ~~نادرة قد لا يلتفت الوهم إلى تلك الحالة النادرة، بل لا يخطر بالبال فيراه ~~مخالفا في كل الأحوال، فيقضي بالقبح مطلقا لاستيلاء أحوال قبحه على قلبه ~~وذهاب الحالة النادرة عن ذكره، كحكمه على الكذب بأنه قبيح مطلقا، وغفلته عن ~~الكذب الذي تستفاد به عصمة دم نبي أو ولي، وإذا قضى بالقبح مطلقا واستمر ~~عليه مدة، وتكرر ذلك على سمعه ولسانه انغرس في نفسه استقباح منفر، فلو وقعت ~~تلك الحالة النادرة وجد في نفسه نفرة عنه لطول نشوه على الاستقباح، فإنه ~~ألقي إليه منذ الصبا على سبيل التأديب والارشاد أن الكذب قبيح، لا ينبغي أن ~~يقدم عليه PageV00P047 # أحد، ولا ينبه على حسنه في بعض الأحوال، خيفة من أن لا تستحكم نفرته عن ~~الكذب، فيقدم عليه وهو قبيح في أكثر الأحوال، والسماع في الصغر كالنقش في ~~الحجر، فينغرس في النفس، ويحن إلى التصديق به مطلقا، وهو صدق، لكن لا على ~~الاطلاق، بل في أكثر ms067 الأحوال، وإذا لم يكن في ذكره إلا أكثر الأحوال فهو ~~بالإضافة إليه كل الأحوال، فلذلك يعتقده مطلقا. # الغلطة الثالثة: سببها سبق الوهم إلى العكس، فإن ما يرى مقرون بالشئ يظن ~~أن الشئ أيضا لا محالة مقرون به مطلقا، ولا يدري أن الأخص أبدا مقرون ~~بالأعم والأعم لا يلزم أن يكون مقرونا بالأخص، ومثاله: نفرة نفس السليم، ~~وهو الذي نهشته الحية عن الحبل المبرقش اللون، لأنه وجد الأذى مقرونا بهذه ~~الصورة، فتوهم أن هذه الصورة مقرونة بالأذى، وكذلك تنفر النفس عن العسل إذا ~~شبه بالعذرة، لأنه وجد الأذى والاستقذار مقرونا بالرطب الأصفر، فتوهم أن ~~الرطب الأصفر مقرون به الاستقذار، ويغلب الوهم حتى يتعذر الاكل وإن حكم ~~العقل بكذب الوهم، لكن خلقت قوى النفس مطيعة للأوهام، وإن كانت كاذبة حتى ~~أن الطبع لينفر عن حسناء سميت باسم اليهود إذ وجد الاسم مقرونا بالقبح فظن ~~أن القبح أيضا ملازم للاسم، ولذا تورد على بعض العوام مسألة عقلية جليلة ~~فيقبلها، فإذا قلت هذا مذهب الأشعري أو الحنبلي أو المعتزلي نفر عنه إن كان ~~يسئ الاعتقاد فيمن نسبته إليه وليس هذا طبع العامي خاصة بل طبع أكثر ~~العقلاء المتسمين بالعلوم إلا العلماء الراسخين الذين أراهم الله الحق حقا ~~وقواهم على اتباعه، وأكثر الخلق قوى نفوسهم مطيعة للأوهام الكاذبة مع علمهم ~~بكذبها، وأكثر إقدام الخلق وإحجامهم بسبب هذه الأوهام، فإن الوهم عظيم ~~الاستيلاء على النفس، ولذلك ينفر طبع الانسان عن المبيت في بيت فيه ميت مع ~~قطعه بأنه لا يتحرك، ولكنه كأنه يتوهم في كل ساعة حركته ونطقه. فإذا تنبهت ~~لهذه المثارات فنرجع ونقول: إنما يترجح الانقاذ على الاهمال في حق من لا ~~يعتقد الشرائع لدفع الأذى الذي يلحق الانسان من رقة الجنسية، وهو طبع ~~يستحيل الانفكاك عنه، وسببه أن الانسان يقدر نفسه في تلك البلية، ويقدر ~~غيره معرضا عنه وعن إنقاذه، فيستقبحه منه بمخالفة غرضه، فيعود ويقدر ذلك ~~الاستقباح من المشرف على الهلاك في حق نفسه، فيدفع عن نفسه ذلك القبح ~~المتوهم. # فإن فرض في ms068 بهيمة أو في شخص لا رقة فيه فهو بعيد تصوره، ولو تصور فيبقى ~~أمر آخر وهو طلب الثناء على إحسانه، فإنه فرض حيث لا يعلم أنه المنقذ، ~~فيتوقع أن يعلم فيكون ذلك التوقع باعثا، فإن فرض في موضع يستحيل أن يعلم، ~~فيبقى ميل النفس، وترجح يضاهي نفرة طبع السليم عن الحبل المبرقش، وذلك أنه ~~رأى هذه الصورة مقرونة بالثناء فظن أن الثناء مقرون بها بكل حال، كما أنه ~~لما رأى الأذى مقرونا بصورة الحبل وطبعه ينفر عن الأذى فنفر عن المقرون ~~بالأذى، فالمقرون باللذيذ لذيذ، والمقرون بالمكروه مكروه، بل الانسان إذا ~~جالس من عشقه في مكان، فإذا انتهى إليه أحس في نفسه تفرقة بين ذلك المكان ~~وغيره، ولذلك قال الشاعر: # أمر على الديار ديار ليلى * أقبل ذا الجدار وذا الجدارا وما تلك الديار ~~شغفن قلبي * ولكن حب من سكن الديارا PageV00P048 # وقال ابن الرومي منبها على سبب حب الأوطان: # وحبب أوطان الرجال إليهم * مآرب قضاها الشباب هنالكا إذا ذكروا أوطانهم ~~ذكرتهم * عهود الصبا فيها فحنوا لذالكا وشواهد ذلك مما يكثر، وكل ذلك من ~~حكم الوهم، وأما الصبر على السيف في ترك كلمة الكفر مع طمأنينة النفس فلا ~~يستحسنه جميع العقلاء لولا الشرع، بل ربما استقبحوه، وإنما استحسنه من ~~ينتظر الثواب على الصبر، أو من ينتظر الثناء عليه بالشجاعة والصلابة في ~~الدين، وكم من شجاع يركب متن الخطر، ويتهجم على عددهم أكثر منه، وهو يعلم ~~أنه لا يطيقهم، ويستحقر ما يناله من الألم لما يعتاضه من توهم الثناء ~~والحمد ولو بعد موته، وكذلك إخفاء السر، وحفظ العهد إنما تواصى الناس بهما ~~لما فيهما من المصالح، وأكثروا الثناء عليهما، فمن يحتمل الضرر فيه فإنما ~~يحتمله لأجل الثناء، فإن فرض حيث لا ثناء فقد وجد مقرونا بالثناء، فيبقى ~~ميل الوهم إلى المقرون باللذيذ، وإن كان خاليا عنه، فإن فرض من لا يستولي ~~عليه هذا الوهم، ولا ينتظر الثواب والثناء فهو مستقبح للسعي في هلاك نفسه ~~بغير فائدة ويستحمق من يفعل ذاك قطعا، فمن يسلم ms069 أن مثل هذا يؤثر الهلاك على ~~الحياة، وعلى هذا يجري الجواب عن الكذب، وعن جميع ما يفرضونه، ثم نقول: نحن ~~لا ننكر أن أهل العادة يستقبح بعضهم من بعض الظلم والكذب، وإنما الكلام في ~~القبح والحسن، بالإضافة إلى الله تعالى ومن قضى به فمستنده قياس الغائب على ~~الشاهد، وكيف يقيس والسيد لو ترك عبيده وإماءه وبعضهم يموج في بعض ويرتكبون ~~الفواحش وهو مطلع عليهم وقادر على منعهم لقبح منه، وقد فعل الله تعالى ذلك ~~بعباده، ولم يقبح منه، وقولهم أنه تركهم لينزجروا بأنفسهم فيستحقوا الثواب ~~هوس، لأنه علم أنهم لا ينزجرون، فليمنعهم قهرا، فكم من ممنوع عن الفواحش ~~بعنة أو عجز، وذلك أحسن من تمكينهم، مع العلم لانهم لا ينزجرون. # - مسألة (شكر الخالق) لا يجب شكر المنعم عقلا، خلافا للمعتزلة، ودليله أن ~~لا معنى للواجب إلا ما أوجبه الله تعالى وأمر به وتوعد بالعقاب على تركه، ~~فإذا لم يرد خطاب فأي معنى للوجوب؟ # ثم تحقيق القول فيه أن العقل لا يخلو إما أن يوجب ذلك لفائدة أو لا ~~لفائدة، ومحال أن يوجب لا لفائدة، فإن ذلك عبث وسفه، وإن كان لفائدة فلا ~~يخلو إما أن ترجع إلى المعبود وهو محال إذ يتعالى ويتقدس عن الأغراض أو إلى ~~العبد، وذلك لا يخلو إما أن تكون في الدنيا أو في الآخرة، ولا فائدة له في ~~الدنيا، بل يتعب بالنظر والفكر والمعرفة والشكر، ويحرم به عن الشهوات ~~واللذات، ولا فائدة له في الآخرة، فإن الثواب تفضل من الله يعرف بوعده ~~وخبره فإذا لم يخبر عنه فمن أين يعلم أنه يثاب عليه؟ فإن قيل: يخطر له أنه ~~إن كفر وأعرض ربما يعاقب، والعقل يدعو إلى سلوك طريق الامن؟ قلنا: لا بل ~~العقل يعرف طريق الامن ثم الطبع يستحث على سلوكه، إذ كل إنسان مجبول على حب ~~نفسه وعلى كراهة الألم، فقد غلطتم في قولكم أن العقل داع، بل العقل هاد، ~~والبواعث والدواعي تنبعث من النفس تابعة لحكم العقل، وغلطتم أيضا في قولكم ~~أنه يثاب ms070 على جانب الشكر والمعرفة خاصة، لان هذا الخاطر مستنده توهم غرض في ~~جانب الشكر يتميز به عن الكفر وهما متساويان بالإضافة إلى PageV00P049 # جلال الله تعالى، بل إن فتح باب الأوهام، فربما يخطر له أن الله يعاقبه ~~لو شكره ونظر فيه لأنه أمده بأسباب النعم، فلعله خلقه ليترفه وليتمتع ~~فإتعابه نفسه تصرف في مملكته بغير إذنه، ولهم شبهتان: إحداهما: قولهم إتفاق ~~العقلاء على حسن الشكر، وقبح الكفر ان لا سبيل إلى إنكاره، وذلك مسلم، لكن ~~في حقهم، لانهم يهتزون ويرتاحون للشكر ويغتمون بالكفران، والرب تعالى يستوي ~~في حقه الأمران، فالمعصية والطاعة في حقه سيان، ويشهد له أمران، أحدهما: أن ~~المتقرب إلى السلطان بتحريك أنملته في زاوية بيته وحجرته مستهين بنفسه ~~وعبادة العباد بالنسبة إلى جلال الله دونه في الرتبة. والثاني: أن من تصدق ~~عليه السلطان بكسرة خبز في مخمصة فأخذ يدور في البلاد وينادي على رؤوس ~~الاشهاد بشكره، كان ذلك بالنسبة إلى الملك قبيحا وافتضاحا، وجملة نعم الله ~~تعالى على عباده بالنسبة إلى مقدوراته دون ذلك بالنسبة إلى خزائن الملك، ~~لان خزانة الملك تفنى بأمثال تلك الكسرة لتناهيها ومقدورات الله تعالى لا ~~تتناهى بأضعاف ما أفاضه على عباده. الشبهة الثانية: قولهم حصر مدارك الوجوب ~~في الشرع يفضي إلى إفحام الرسل فإنهم إذا أظهروا المعجزات قال لهم المدعوون ~~لا يجب علينا النظر في معجزاتكم إلا بالشرع، ولا يستقر الشرع إلا بنظرنا في ~~معجزاتكم فثبتوا علينا وجوب النظر حتى ننظر، ولا نقدر على ذلك ما لم ننظر ~~فيؤدي إلى الدور والجواب من وجهين: أحدهما: من حيث التحقيق، وهو أنكم غلطتم ~~في ظنكم بنا أنا نقول استقرار الشرع موقوف على نظر الناظرين، بل إذا بعث ~~الرسول وأيد بمعجزته بحيث يحصل بها إمكان المعرفة، لو نظر العاقل فيها فقد ~~ثبت الشرع، واستقر ورود الخطاب بإيجاب النظر، إذ لا معنى للواجب إلا ما ~~ترجح فعله على تركه بدفع ضرر معلوم أو موهوم، فمعنى الوجوب رجحان الفعل على ~~الترك، والموجب هو المرجح، والله تعالى هو المرجح، وهو ms071 الذي عرف رسوله، ~~وأمره أن يعرف الناس أن الكفر سم مهلك، والمعصية داء والطاعة شفاء، فالمرجح ~~هو الله تعالى، والرسول هو المخبر، والمعجزة سبب يمكن العاقل من التوصل إلى ~~معرفة الترجيح، والعقل هو الآلة التي بها يعرف صدق المخبر عن الترجيح، ~~والطبع المجبول على التألم بالعذاب، والتلذذ بالثواب هو الباعث المستحث على ~~الحذر من الضرر، وبعد ورود الخطاب حصل الايجاب الذي هو الترجيح، وبالتأييد ~~بالمعجزة حصل الامكان في حق العاقل الناظر، إذ قدر به على معرفة الرجحان، ~~فقوله: لا أنظر ما لم أعرف ولا أعرف ما لم أنظر، مثاله ما لو قال الأب ~~لولده: التفت، فإن وراءك سبعا عاديا هوذا يهجم عليك إن غفلت عنه فيقول: لا ~~ألتفت ما لم أعرف وجوب الالتفات، ولا يجب الالتفات ما لم أعرف السبع ولا ~~أعرف السبع ما لم ألتفت، فيقول له: لا جرم تهلك بترك الالتفات، وأنت غير ~~معذور لأنك قادر على الالتفات وترك العناد، فكذلك النبي يقول: الموت وراءك ~~ودونه الهوام المؤذية والعذاب الأليم إن تركت الايمان والطاعة، وتعرف ذلك ~~بأدنى نظر في معجزتي، فإن نظرت وأطعت نجوت، وإن غفلت وأعرضت فالله تعالى ~~غني عنك وعن عملك، وإنما أضررت بنفسك، فهذا أمر معقول لا تناقض فيه. الجواب ~~الثاني: المقابلة بمذهبهم، فإنهم قضوا بأن العقل هو الموجب، وليس يوجب ~~بجوهره إيجابا ضروريا لا ينفك منه أحد، إذ لو كان PageV00P050 # كذلك لم يخل عقل عاقل عن معرفة الوجوب، بل لا بد من تأمل ونظر، ولو لم ~~ينظر لم يعرف وجوب النظر، وإذا لم يعرف وجوب النظر فلا ينظر، فيؤدي أيضا ~~إلى الدور كما سبق، فإن قيل: العاقل لا يخلو عن خاطرين يخطران له: أحدهما: ~~أنه إن نظر وشكر أثيب، والثاني: أنه إن ترك النظر عوقب، فيلوك له على القرب ~~وجوب سلوك طريق الامن، قلنا: # كم من عاقل انقضى عليه الدهر ولم يخطر له هذا الخاطر، بل قد يخطر له أنه ~~لا يتميز في حق الله تعالى أحدهما عن الآخر، فكيف أعذب نفسي بلا فائدة ms072 ترجع ~~إلي ولا إلى المعبود؟ # ثم إن كان عدم الخلو عن الخاطر بعد إنذار النبي وتحذيره، ونحن لا ننكر أن ~~الانسان إذا استشعر المخافة استحثه طبعه على الاحتراز، فإن الاستشعار إنما ~~يكون بالتأمل الصادر عن العقل، فإن سمى مسم معترف الوجوب موجبا فقد تجوز في ~~الكلام، بل الحق الذي لا مجاز فيه أن الله موجب أي مرجح للفعل على الترك، ~~والنبي مخبر، والعقل معرف، والطبع باعث والمعجزة ممكنة من التعريف، والله ~~تعالى أعلم. # مسألة (حكم الافعال قبل ورود الشرع على الإباحة) ذهب جماعة من المعتزلة ~~إلى أن الافعال قبل ورود الشرع على الإباحة، وقال بعضهم: على الحظر، وقال ~~بعضهم: على الوقف، ولعلهم أرادوا بذلك فيما لا يقضي العقل فيه بتحسين ولا ~~تقبيح ضرورة أو نظرا كما فصلناه من مذهبهم، وهذه المذاهب كلها باطلة، أما ~~إبطال مذهب الإباحة فهو أنا نقول: المباح يستدعي مبيحا كما يستدعي العلم ~~والذكر ذاكرا وعالما، والمبيح هو الله تعالى إذا خير بين الفعل والترك ~~بخطابه، فإذا لم يكن خطاب لم يكن تخيير فلم تكن إباحة، وإن عنوا بكونه ~~مباحا أنه لا حرج في فعله ولا تركه فقد أصابوا في المعنى وأخطأوا في اللفظ، ~~فإن فعل البهيمة والصبي والمجنون لا يوصف بكونه مباحا، وإن لم يكن في فعلهم ~~وتركهم حرج، والافعال في حق الله تعالى أعني ما يصدر من الله لا توصف بأنها ~~مباحة ولا حرج عليه في تركها، لكنه انتفى التخيير من المخير انتفت الإباحة، ~~فإن استجرأ مستجرئ على إطلاق اسم المباح على أفعال الله تعالى ولم يرد به ~~إلا نفي الحرج فقد أصاب في المعنى وإن كان لفظه مستكرها، فإن قيل: العقل هو ~~المبيح، لأنه خير بين فعله وتركه، إذ حرم القبيح وأوجب الحسن وخير فيما ليس ~~بحسن ولا قبيح قلنا: تحسين العقل وتقبيحه قد أبطلناه، وهذا مبني عليه ~~فيبطل، ثم تسمية العقل مبيحا مجاز، كتسميته موجبا، فإن العقل يعرف الترجيح، ~~ويعرف انتفاء الترجيح، ويكون معنى وجوبه رجحان فعله على تركه، والعقل يعرف ~~ذلك، ومعنى ms073 كونه مباحا انتفاء الترجيح، والعقل معرف لا مبيح، فإنه ليس ~~بمرجح ولا مسو، لكنه معرف للرجحان والاستواء، ثم نقول: بم تنكرون على أصحاب ~~الوقف إذا أنكروا استواء الفعل والترك وقالوا: ما من فعل مما لا يحسنه ~~العقل ولا يقبحه إلا ويجوز أن يرد الشرع بإيجابه، فيدل على أنه متميز بوصف ~~ذاتي لأجله يكون لطفا ناهيا عن الفحشاء، داعيا إلى العبادة، ولذلك أوجبه ~~الله تعالى، والعقل لا يستقل بدركه ويجوز أن يرد الشرع بتحريمه فيدل على ~~أنه متميز بوصف ذاتي يدعو بسببه إلى الفحشاء لا يدركه العقل، وقد استأثر ~~الله بعلمه هذا مذهبهم ثم يقولون: بم تنكرون على أصحاب الحظر إذ قالوا: لا ~~نسلم استواء الفعل وتركه، فإن التصرف في ملك الغير بغير إذنه قبيح والله ~~PageV00P051 # تعالى هو المالك ولم يأذن، فإن قيل: لو كان قبيحا لنهى عنه وورد السمع ~~به، فعدم ورود السمع دليل على انتفاء قبحه، قلنا: لو كان حسنا لاذن فيه، ~~وورد السمع به، فعدم ورود السمع به دليل على انتفاء حسنه، فإن قيل: إذا ~~أعلمنا الله تعالى أنه نافع ولا ضرر فيه فقد أذن فيه، قلنا: فإعلام المالك ~~إيانا أن طعامه نافع لا ضرر فيه ينبغي أن يكون أذنا، فإن قيل: # الملك منا يتضرر، والله لا يتضرر، فالتصرف في مخلوقاته بالإضافة إليه ~~يجري مجرى التصرف في مرآة الانسان بالنظر فيها، وفي حائطه بالاستظلال به، ~~وفي سراجه بالاستضاءة به، قلنا: لو كان قبح التصرف في ملك الغير لتضرره لا ~~لعدم أذنه لقبح، وإن أذن إذا كان متضررا كيف ومنع المالك من المرآة والظل ~~والاستضاءة بالسراج قبيح، وقد منع الله عباده من جملة من المأكولات ولم ~~يقبح، فإن كان ذلك لضرر العبد فما من فعل إلا ويتصور أن يكون فيه ضرر خفي ~~لا يدركه العقل ويرد التوقيف بالنهي عنه، ثم نقول: قولكم أنه إذا كان لا ~~يتضرر الباري بتصرفنا فيباح، فلم قلتم ذلك؟ فإن نقل مرآة الغير من موضع إلى ~~موضع وإن كان لا يتضرر به صاحبها يحرم، وإنما ms074 يباح النظر، لان النظر ليس ~~تصرفا في المرآة، كما أن النظر إلى الله تعالى وإلى السماء ليس تصرفا في ~~المنظور فيه، ولا في الاستظلال تصرف في الحائط ولا في الاستضاءة تصرف في ~~السراج، فلو تصرف في نفس هذه الأشياء ربما يقضي بتحريمه إلا إذ دل السمع ~~على جوازه، فإن قيل: خلق الله تعالى الطعوم فيها، والذوق دليل على أنه أراد ~~انتفاعنا بها، فقد كان قادرا على خلقها عارية عن الطعوم؟ قلنا: الأشعرية ~~وأكثر المعتزلة مطبقون على استحالة خلوها عن الاعراض التي هي قابلة لها، ~~فلا يستقيم ذلك وإن سلم، فلعله خلقها لا لينتفع بها أحد، بل خلق العالم ~~بأسره لا لعلة، أو لعله خلقها ليدرك ثواب اجتنابها مع الشهوة، كما يثاب على ~~ترك القبائح المشتهاة. وأما مذهب أصحاب الحظر فأظهر بطلانا: إذ لا يعرف ~~حظرها بضرورة العقل ولا بدليله، ومعنى الحظر ترجيح جانب الترك على جانب ~~الفعل لتعلق ضرر بجانب الفعل، فمن أين يعلم ذلك؟ ولم يرد سمع، والعقل لا ~~يقضي به بل ربما يتضرر بترك اللذات عاجلا، فكيف يصير تركها أولى من فعلها؟ ~~وقولهم: إنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه وهو قبيح فاسد، لأنا لا نسلم قبح ~~ذلك لولا تحريم الشرع ونهيه ولو حكم فيه العادة فذلك يقبح في حق من تضرر ~~بالتصرف في ملكه، بل القبيح المنع مما لا ضرر فيه، ثم قد بينا أن حقيقة درك ~~القبح ترجع إلى مخالفة الغرض، وأن ذلك لا حقيقة له. # وأما مذهب الوقف: إن أرادوا به أن الحكم موقوف على ورود السمع، ولا حكم ~~في الحال فصحيح، إذ معنى الحكم الخطاب، ولا خطاب قبل ورود السمع، وإن أريد ~~به أنا نتوقف فلا ندري أنها محظورة أو مباحة، فهو خطأ، لأنا ندري أنه لا ~~حظر، إذ معنى الحظر قول الله تعالى لا تفعلوه، ولا إباحة، إذ معنى الإباحة ~~قوله: إن شئتم فافعلوه وإن شئتم فاتركوه، ولم يرد شئ من ذلك. # الفن الثاني في أقسام الاحكام ويشتمل على تمهيد ومسائل خمس عشرة. ms075 # أما التمهيد: فإن أقسام الأحكام الثابتة لافعال المكلفين خمسة: الواجب، ~~والمحظور والمباح، والمندوب والمكروه ووجه هذه القسمة أن خطاب الشرع إما أن ~~يرد باقتضاء الفعل PageV00P052 # أو اقتضاء الترك، أو التخيير بين الفعل والترك، فإن ورد باقتضاء الفعل ~~فهو أمر، فإما أن يقترن به الاشعار بعقاب على الترك فيكون واجبا، ولا يقترن ~~فيكون ندبا والذي ورد باقتضاء الترك فإن أشعر بالعقاب على الفعل فحظر وإلا ~~فكراهية، وإن ورد بالتخيير فهو مباح. ولا بد من ذكر حد كل واحد على الرسم: ~~فأما حد الواجب: فقد ذكرنا طرفا منه في مقدمة الكتاب، ونذكر الآن ما قيل ~~فيه. فقال قوم: إنه الذي يعاقب على تركه، فاعترض عليه بأن الواجب قد يعفي ~~عن العقوبة على تركه، ولا يخرج عن كونه واجبا، لان الوجوب ناجز والعقاب ~~منتظر، وقيل: ما توعد بالعقاب على تركه، فاعترض عليه بأنه لو توعد لوجب ~~تحقيق الوعيد، فإن كلام الله تعالى صدق، ويتصور أن يعفي عنه ولا يعاقب: ~~وقيل: ما يخاف العقاب على تركه، وذلك يبطل بالمشكوك في تحريمه ووجوبه، فإنه ~~ليس بواجب، ويخاف العقاب على تركه، وقال القاضي أبو بكر رحمه الله: الأولى ~~في حده أن يقال: هو الذي يذم تاركه ويلام شرعا بوجه ما، لان الذم أمر ناجز، ~~والعقوبة مشكوك فيها، وقوله: بوجه ما، قصد أن يشمل الواجب المخير، فإنه ~~يلام على تركه مع بدله، والواجب الموسع، فإنه يلام على تركه مع ترك العزم ~~على امتثاله، فإن قيل: فهل من فرق بين الواجب والفرض؟ قلنا: لا فرق عندنا ~~بينهما بل هما من الألفاظ المترادفة، كالحتم واللازم، وأصحاب أبي حنيفة ~~اصطلحوا على تخصيص اسم الفرض بما يقطع بوجوبه، وتخصيص اسم الواجب بما لا ~~يدرك إلا ظنا، ونحن لا ننكر انقسام الواجب إلى مقطوع ومظنون، ولا حجر في ~~الاصطلاحات بعد فهم المعاني، وقد قال القاضي: لو أوجب الله علينا شيئا ولم ~~يتوعد بعقاب على تركه لوجب، فالوجوب إنما هو بإيجابه لا بالعقاب، وهذا فيه ~~نظر، لان ما استوى فعله وتركه في حقنا ms076 فلا معنى لوصفه بالوجوب، إذ لا نعقل ~~وجوبا إلا بأن يترجح فعله على تركه بالإضافة إلى أغراضنا، فإذا انتفى ~~الترجيح فلا معنى للوجوب أصلا. وإذا عرفت حد الواجب فالمحظور في مقابلته ~~ولا يخفى حده. وأما حد المباح فقد قيل فيه: ما كان تركه وفعله سيين، ويبطل ~~بفعل الطفل والمجنون والبهيمة، ويبطل بفعل الله تعالى، وكثير من أفعاله ~~يساوي الترك في حقنا، وهما في حق الله تعالى أبدا سيان، وكذلك الافعال قبل ~~ورود الشرع تساوي الترك، ولا يسمى شئ من ذلك مباحا، بل حده أنه الذي ورد ~~الاذن من الله تعالى بفعله وتركه غير مقرون بذم فاعله ومدحه ولا بذم تاركه، ~~ومدحه، ويمكن أن يحد بأنه الذي عرف الشرع أنه لا ضرر عليه في تركه ولا ~~فعله، ولا نفع من حيث فعله وتركه احترازا عما إذا ترك المباح بمعصية، فإنه ~~يتضرر، لا من حيث ترك المباح، بل من يحث ارتكاب المعصية. وأما حد الندب ~~فقيل فيه: إنه الذي فعله خير من تركه من غير ذم يلحق بتركه، ويرد عليه ~~الاكل قبل ورود الشرع، فإنه خير من تركه لما فيه من اللذة وبقاء الحياة، ~~وقالت القدرية: هو الذي إذا فعله فاعله استحق المدح ولا يستحق الذم بتركه، ~~ويرد عليه فعل الله تعالى، فإنه لا يسمى ندبا مع أنه يمدح على كل فعل ولا ~~يذم، فالأصح في حده أنه المأمور به الذي لا يلحق الذم بتركه من حيث هو ترك ~~له من غير حاجة إلى بدل احترازا عن الواجب المخير والموسع. وأما المكروه: ~~فهو لفظ مشترك في عرف الفقهاء بين معاني: أحدها: المحظور، فكثيرا ما يقولا ~~لشافعي رحمه الله: وأكره كذا، PageV00P053 # وهو يريد التحريم. الثاني: ما نهي عنه نهي تنزيه، وهو الذي أشعر بأن تركه ~~خير من فعله وإن لم يكن عليه عقاب، كما أن الندب هو الذي أشعر بأن فعله خير ~~من تركه. الثالث: ترك ما هو الأولى وإن لم ينه عنه، كترك صلاة الضحى مثلا، ~~لا لنهي ورد عنه، ولكن لكثرة ms077 فضله وثوابه، قيل فيه: إنه مكروه تركه. ~~الرابع: ما وقعت الريبة والشبهة في تحريمه، كلحم السبع وقليل النبيذ، وهذا ~~فيه نظر، لان من أداه اجتهاده إلى تحريمه فهو عليه حرام ومن أداه اجتهاده ~~إلى حله فلا معنى للكراهية فيه إلا إذا كان من شبهة الخصم حزازة في نفسه ~~ووقع في قلبه، فقد قال (ص): الاثم حزاز القلب فلا يقبح إطلاق لفظ الكراهة، ~~لما فيه من خوف التحريم، وإن كان غالب الظن الحل، ويتجه هذا على مذهب من ~~يقول: المصيب واحد فأما من صوب كل مجتهد فالحل عنده مقطوع به إذا غلب على ~~ظنه الحل. وإذا فرغنا من تمهيد الأقسام فلنذكر المسائل المتشعبة عنها مسألة ~~(أصناف الواجب) الواجب ينقسم إلى معين وإلى مبهم بين أقسام محصورة، ويسمى ~~واجبا مخيرا كخصلة من خصال الكفارة، فإن الواجب من جملتها واحد لا بعينه، ~~وأنكرت المعتزلة ذلك وقالوا: لا معنى للايجاب مع التخيير، فإنهما متناقضان، ~~ونحن ندعي أن ذلك جائز عقلا وواقع شرعا: أما دليل جوازه عقلا: فهو أن السيد ~~إذا قال لعبده: أوجبت عليك خياطة هذا القميص، أو بناء هذا الحائط في هذا ~~اليوم أيهما فعلت اكتفيت به وأثبتك عليه، وإن تركت الجميع عاقبتك ولست أوجب ~~الجميع، وإنما أوجب واحدا لا بعينه، أي واحد أردت، فهذا كلام معقول، ولا ~~يمكن أن يقال أنه لم يوجب عليه شيئا، لأنه عرضه للعقاب بترك الجميع فلا ~~ينفك عن الوجوب، ولا يمكن أن يقال: أوجب واحدا لا بعينه وأما دليل وقوعه ~~شرعا فخصال الكفارة، بل إيجاب إعتاق الرقبة، فإنه بالإضافة إلى أعيان ~~العبيد مخير، وكذلك تزويج البكر الطالبة للنكاح من أحد الكفؤين الخاطبين ~~واجب، ولا سبيل إلى إيجاب الجمع، وكذلك عقد الإمامة لاحد الامامين الصالحين ~~للإمامة واجب والجمع محال، فإن قيل: الواجب جميع خصال الكفارة، فلو تركها ~~عوقب على الجميع، ولو أتى بجميعها وقع الجميع واجبا، ولو أتى بواحد سقط عنه ~~الآخر، و قد يسقط الواجب بأسباب دون الأداء، وذلك غير محال، قلنا هذا لا ~~يطرد في الامامين ms078 والكفؤين، فإن الجمع فيه حرام، فكيف يكون الكل واجبا؟ ثم ~~هو خلاف الاجماع في خصال الكفارة، إذ الأمة مجمعة على أن الجميع غير واجب. ~~واحتجوا بأن الخصال الثلاث إن كانت متساوية الصفات عند الله تعالى بالإضافة ~~إلى صلاح العبد، فينبغي أن يجب الجميع، تسوية بين المتساويات، وأن تميز ~~بعضها بوصف يقتضي الايجاب، فينبغي أن يكون هو الواجب، ولا يجعل مبهما بغيره ~~كيلا يلتبس بغيره، قلنا ومن سلم لكم أن للأفعال أوصافا في ذواتها لأجلها، ~~يوجبها الله تعالى، بل الايجاب إليه، وله أن يعين واحدة من الثلاث ~~المتساويات فيخصصها بالايجاب دون غيرها، وله أن يوجب واحدا لا بعينه، ويجعل ~~مناط التعيين اختيار المكلف لفعله حتى لا يتعذر عليه الامتثال؟ احتجوا: بأن ~~الواجب هو الذي يتعلق به الايجاب وإذا كان الواجب واحدا من الخصال الثلاث ~~علم الله تعالى ما تعلق به الايجاب، فيتميز ذلك في علمه، فكان هو الواجب، ~~قلنا: إذا أوجب واحدا لا بعينه PageV00P054 # فإنا نعلمه غير معين، ولو خاطب السيد عبده بأني أوجبت عليك الخياطة أو ~~البناء فكيف يعلمه الله تعالى ولا يعلمه إلا على ما هو عليه من نعته، ونعته ~~أنه غير معين فيعلمه غير معين، كما هو عليه، وهذا التحقيق، وهو أن الواجب ~~ليس له وصف ذاتي من تعلق الايجاب به ، وإنما هو إضافة إلى الخطاب، والخطاب ~~بحسب النطق والذكر، وخلق السواد في أحد الجسمين لا بعينه، وخلق العلم في ~~أحد الشخصين لا بعينه غير ممكن، فأما ذكر واحد من اثنين لا على التعيين ~~فممكن، كمن يقول لزوجتيه: إحداكما طالق، فالايجاب قول يتبع النطق، فإن قيل ~~الموجب طالب، ومطلوبه لا بد أن يتميز عنده قلنا: يجوز أن يكون طلبه متعلقا ~~بأحد أمرين، كما تقول المرأة: زوجني من أحد الخاطبين أيهما كان، وأعتق رقبة ~~من هذه الرقاب أيها كانت، وبايع أحد هذين الامامين أيهما كان، فيكون ~~المطلوب أحدهما لا بعينه، وكل ما تصور طلبه تصور إيجابه، فإن قيل: أن الله ~~سبحانه يعلم ما سيأتي به المكلف ويتأدي به الواجب ms079 فيكون معينا في علم الله ~~تعالى؟ قلنا: يعلمه الله تعالى غير معين، ثم يعلم أنه يتعين بفعله ما لم ~~يكن متعينا قبل فعله، ثم لو أتى بالجميع أو لم يأت بالجميع فكيف يتعين واحد ~~في علم الله تعالى، فإن قيل: فلم لا يجوز أن يوجب على أحد شخصين لا بعينه، ~~ولم قلتم بأن فرض الكفاية على الجميع مع أن الوجوب يسقط بفعل واحد؟ قلنا: ~~لان الوجوب يتحقق بالعقاب، ولا يمكن عقاب أحد الشخصين لا بعينه، ويجوز أن ~~يقال أنه يعاقب على أحد الفعلين لا بعينه. # - مسألة (أصناف الواجب من حيث الوقت) الواجب ينقسم بالإضافة إلى الوقت ~~إلى مضيق وموسع، وقال قوم: التوسع يناقض الوجوب، وهو باطل عقلا وشرعا. أما ~~العقل: فإن السيد إذا قال لعبده: خط هذا الثوب في بياض هذا النهار إما في ~~أوله أو في أوسطه أو في آخره كيفما أردت، فمهما فعلت فقد امتثلت إيجابي، ~~فهذا معقول، ولا يخلو إما أن يقال لم يوجب شيئا أصلا، أو أوجب شيئا مضيقا، ~~وهما محالان، فلم يبق إلا أنه أوجب موسعا. وأما الشرع: فالاجماع منعقد على ~~وجوب الصلاة عند الزوال، وأنه مهما صلى كان مؤديا للفرض وممتثلا لأمر ~~الايجاب، مع أنه لا تضييق، فإن قيل: حقيقة الواجب ما لا يسع تركه، بل يعاقب ~~عليه، والصلاة والخياطة إن أضيفا إلى آخر الوقت فيعاقب على تركه، فيكون ~~وجوبه في آخر الوقت، أما قبله فيتخير بين فعله وتركه وفعله خير من تركه، ~~وهذا حد الندب؟ قلنا: كشف الغطاء عن هذا، أن الأقسام في العقل ثلاثة: فعل ~~لا عقاب على تركه مطلقا وهو الندب، وفعل يعاقب على تركه مطلقا وهو الواجب، ~~وفعل يعاقب على تركه بالإضافة إلى مجموع الوقت، ولكن لا يعاقب بالإضافة إلى ~~بعض أجزاء الوقت، وهذا قسم ثالث، فيفتقر إلى عبارة ثالثة، وحقيقته لا تعدو ~~الندب والوجوب، فأولى الألقاب به الواجب الموسع، أو الندب الذي لا يسع ~~تركه، وقد وجدنا الشرع يسمي هذا القسم واجبا، بدليل انعقاد الاجماع على نية ~~الفرض في ms080 ابتداء وقت الصلاة، وعلى أنه يثاب على فعله ثواب الفرض لا ثواب ~~الندب، فإذا الأقسام الثلاثة لا ينكرها العقل، والنزاع يرجع إلى اللفظ، ~~والذي ذكرناه أولى، فإن قيل: ليس هذا قسما ثالثا بل هو بالإضافة إلى أول ~~الوقت ندب، إذ يجوز تركه، وبالإضافة إلى آخر الوقت حتم إذ لا PageV00P055 # يسع تأخيره عنه، وقولكم: أنه ينوي الفرض فمسلم، لكنه فرض بمعنى أنه يصير ~~فرضا كمعجل الزكاة ينوي فرض الزكاة، ويثاب ثواب معجل الفرض لا ثواب الندب ~~ولا ثواب الفرض الذي ليس بمعجل، قلنا: قولكم أنه بالإضافة إلى أول الوقت ~~يجوز تأخيره فهو ندب خطأ، إذ ليس هذا حد الندب، بل الندب ما يجوز تركه ~~مطلقا، وهذا لا يجوز تركه إلا بشرط، وهو الفعل بعده أو العزم على الفعل، ~~وما جاز تركه ببدل وشرط فليس بندب بدليل ما لو أمر بالاعتاق فإنه ما من عبد ~~إلا ويجوز له ترك اعتاقه لكن بشرط أن يعتق عبدا آخر، وكذلك خصال الكفارة، ~~ما من واحدة إلا ويجوز تركها لكن ببدل، ولا يكون ندبا بل كما يسمى ذلك ~~واجبا مخيرا، يسمى هذا واجبا غير مضيق، وإذا كان حظ المعنى منه متفقا عليه ~~وهو الانقسام إلى الأقسام الثلاثة فلا معنى للمناقشة، وما جاز تركه بشرط ~~يفارق ما لا يجوز تركه مطلقا، وما يجوز تركه مطلقا، فهو قسم ثالث، وأما ما ~~ذكرتموه من أنه تعجيل للفرض فلذلك سمي فرضا فمخالف للاجماع، إذ يجب نية ~~التعجيل في الزكاة، وما نوى أحد من السلف في الصلاة في أول الوقت إلا ما ~~نواه في آخره، ولم يفرقوا أصلا وهو مقطوع به، فإن قيل: قد قال قوم يقع نفلا ~~ويسقط الفرض عنده، وقال قوم: يقع موقوفا، فإن بقي بنعت المكلفين إلى آخر ~~الوقت تبين وقوعه فرضا، وإن مات أو جن وقع نفلا، قلنا: لو كان يقع نفلا ~~لجازت بنية النفل بل استحال وجود نية الفرض من العالم بكونه نفلا، إذ النية ~~قصد يتبع العلم، والوقف باطل إذ الأمة مجمعة على أن من ms081 مات في وسط الوقت ~~بعد الفراغ من الصلاة مات مؤديا فرض الله تعالى كما نواه وأداه، إذا قال: ~~نويت أداء فرض الله تعالى، فإن قيل: بنيتم كلامكم على أن تركه جائز بشرط ~~وهو العزم على الامتثال أو الفعل وليس كذلك، فإن الواجب المخير ما خير فيه ~~بين شيئين كخصال الكفارة، وما خير الشرع بين فعل الصلاة والعزم، ولان مجرد ~~قوله: صل في هذا الوقت ليس فيه تعرض للعزم، فإيجابه زيادة على مقتضى ~~الصيغة، ولأنه لو غفل وخلا عن العزم ومات في وسط الوقت لم يكن عاصيا؟ قلنا: ~~أما قولكم لو ذهل لا يكون عاصيا فمسلم، وسببه أن الغافل لا يكلف، أما إذا ~~لم يغفل عن الامر فلا يخلو عن العزم إلا بضده ، وهو العزم على الترك مطلقا، ~~وذلك حرام، وما لا خلاص من الحرام إلا به فهو واجب، فهذا الدليل قد دل على ~~وجوبه وإن لم يدل عليه مجرد الصيغة من حيث وضع اللسان، ودليل العقل أقوى من ~~دلالة الصيغة، فإذا يرجع حاصل الكلام إلى أن الواجب الموسع كالواجب المخير ~~بالإضافة إلى أول الوقت وبالإضافة إلى آخره أيضا، فإنه لو أخلي عنه في آخره ~~لم يعص إذا كان قد فعل في أوله. # مسألة (حكم من توفي أثناء وقت الصلاة بعد العزم عليها) إذا مات في أثناء ~~وقت الصلاة فجأة بعد العزم على الامتثال لا يكون عاصيا، وقال بعض من أراد ~~تحقيق معنى الوجوب أنه يعصي، وهو خلاف إجماع السلف، فإنا نعلم أنهم كانوا ~~لا يؤثمون من مات فجأة بعد انقضاء مقدار أربع ركعات من وقت الزوال أو بعد ~~انقضاء مقدار ركعتين من أول الصبح، وكانوا لا ينسبونه إلى تقصير، ولا سيما ~~إذا اشتغل بالوضوء، أو نهض إلى المسجد فمات في الطريق، بل محال أن يعصي، ~~وقد جوز له التأخير فمن فعل ما يجوز له كيف يمكن تعصيته، فإن قيل: جاز له ~~التأخير بشرط سلامة العاقبة، PageV00P056 # قلنا: هذا محال، فإن العاقبة مستورة عنه، فإذا سألنا وقال: العاقبة ~~مستورة عني وعلي صوم ms082 يوم، وأنا أريد أن أؤخره إلى غد، فهل يحل لي التأخير ~~مع الجهل بالعاقبة أم أعصي بالتأخير؟ # فلا بدل له من جواب، فإن قلنا: لا يعصي فلم أثم بالموت الذي ليس إليه، ~~وإن قلنا: # يعصي فهو خلاف الاجماع في الواجب الموسع، وإن قلنا: إن كان في علم الله ~~تعالى أنك تموت قبل الغد فأنت عاص، وإن كان في علمه أن تحيا فلك التأخير، ~~فيقول: وما يدريني ماذا في علم الله، فما فتواكم في حق الجاهل؟ فلا بد من ~~الجزم بالتحليل أو التحريم، فإن قيل: # فإن جاز تأخيره أبدا ولا يعصي إذا مات، فأي معنى لوجوبه؟ قلنا: تحقق ~~الوجوب بأنه لم يجز التأخير إلا بشرط العزم، ولا يجوز العزم على التأخير ~~إلا إلى مدة يغلب على ظنه البقاء إليها، كتأخيره الصلاة من ساعة إلى ساعة، ~~وتأخيره الصوم من يوم إلى يوم مع العزم على التفرغ له في كل وقت، وتأخيره ~~الحج من سنة إلى سنة، فلو عزم المريض المشرف على الهلاك على التأخير شهرا، ~~أو الشيخ الضعيف على التأخير سنين وغالب ظنه أنه لا يعيش إلى تلك المدة عصي ~~بهذا التأخير، وإن لم يمت ووفق للعمل لكنه مأخوذ بموجب ظنه، كالمعزر إذا ~~ضرب ضربا يهلك، أو قاطع سلعة وغالب ظنه الهلاك أثم وإن سلم، ولهذا قال أبو ~~حنيفة: لا يجوز تأخير الحج، لان البقاء إلى سنة لا يغلب على الظن، وأما ~~تأخير الصوم والزكاة إلى شهر وشهرين فجائز، لأنه لا يغلب على الظن الموت ~~إلى تلك المدة، والشافعي رحمه الله يرى البقاء إلى السنة الثانية غالبا على ~~الظن في حق الشاب الصحيح دون الشيخ والمريض، ثم المعزر إذا فعل ما غالب ظنه ~~السلامة فهلك ضمن، لا لأنه آثم، لكن لأنه أخطأ في ظنه والمخطئ ضامن غير ~~آثم. # مسألة (ما لا يتم الواجب إلا به) اختلفوا في أن ما لا يتم الوجب إلا به، ~~هل يوصف بالوجوب؟ والتحقيق في هذا أن هذا ينقسم إلى ما ليس إلى المكلف، ~~كالقدرة على الفعل، وكاليد ms083 في الكتابة، وكالرجل في المشي، فهذا لا يوصف ~~بالوجوب، بل عدمه يمنع الايجاب إلا على مذهب من يجوز تكليف ما لا يطاق، ~~وكذلك تكليف حضور الامام الجمعة، وحضور تمام العدد، فإنه ليس إليه فلا يوصف ~~بالوجوب، بل يسقط بتعذره الواجب. وأما ما يتعلق باختيار العبد فينقسم إلى ~~الشرط الشرعي وإلى الحسي. فالشرعي: كالطهارة في الصلاة يجب وصفها بالوجوب ~~عند وجوب الصلاة، فإن إيجاب الصلاة إيجاب لما يصير به الفعل صلاة. وأما ~~الحسي: فكالسعي إلى الجمعة، وكالمشي إلى الحج وإلى مواضع المناسك، فينبغي ~~أن يوصف أيضا بالوجوب إذ أمر البعيد عن البيت بالحج أمر بالمشي إليه لا ~~محالة، وكذلك إذا وجب غسل الوجه ولم يمكن إلا بغسل جزء من الرأس، وإذا وجب ~~الصوم ولم يمكن إلا بالامساك جزء من الليل قبل الصبح، فيوصف ذلك بالوجوب ~~ونقول: ما لا يتوصل إلى الواجب إلا به وهو فعل المكلف فهو واجب، وهذا أولى ~~من أن نقول: يجب التوصل إلى الواجب بما ليس بواجب، إذ قولنا: # يجب فعل ما ليس بواجب متناقض، وقولنا: ما ليس بواجب صار واجبا غير متناقض ~~فإنه واجب، لكن الأصل وجب بالايجاب قصدا إليه، والوسيلة وجبت بواسطة وجوب ~~المقصود وقد وجب كيفما كان، وإن كان علة وجوبه غير علة وجوب المقصود، فإن ~~قيل لو كان واجبا PageV00P057 # لكان مقدرا، فما المقدار الذي يجب غسله من الرأس وإمساكه من الليل؟ قلنا: ~~قد وجب التوصل به إلى الواجب، وهو غير مقدر، بل يجب مسح الرأس، ويكفي أقل ~~ما ينطلق عليه الاسم، وهو غير مقدر، فكذلك الواجب أقل ما يمكن به غسل ~~الوجه، وهذا التقدير كاف في الوجوب، فإن قيل: لو كان واجبا لكان يثاب على ~~فعله ويعاقب على تركه، وتارك الوضوء لا يعاقب على ما تركه من غسل الرأس، بل ~~من غسل الوجه وتارك الصوم لا يعاقب على ترك الامساك ليلا، قلنا: ومن أنبأكم ~~بذلك، ومن أين عرفتم أن ثواب البعيد عن البيت لا يزيد على ثواب القريب في ~~الحج، وأن من زاد عمله ms084 لا يزيد ثوابه، وإن كان بطريق التوصل، وأما العقاب ~~فهو عقاب على ترك الصوم والوضوء، وليس يتوزع على أجزاء الفعل، فلا معنى ~~لاضافته إلى التفاصيل، فإن قيل: لو قدر على الاقتصار على غسل الوجه لم ~~يعاقب؟ قلنا: # هذا مسلم، لأنه إنما يجب على العاجز، أما القاد ر فلا وجوب عليه. - مسألة ~~(حكم اختلاط المنكوحة بالأجنبية) قال قائلون: إذا اختلطت منكوحة بأجنبية ~~وجب الكف عنهما، لكن الحرام هي الأجنبية، والمنكوحة حلال، ويجب الكف عنها، ~~وهذا متناقض، بل ليس الحرمة والحل وصفا ذاتيا لهما، بل هو متعلق بالفعل، ~~فإذا حرم فعل الوطئ فيهما فأي معنى لقولنا: وطئ المنكوحة حلال ووطئ ~~الأجنبية حرام؟ بل هما حرامان. إحداهما بعلة الأجنبية، والاخرى بعلة ~~الاختلاط بالأجنبية، فالاختلاف في العلة لا في الحكم وإنما وقع هذا في ~~الأوهام، من حيث ضاهى الوصف بالحل والحرمة الوصف بالعجز والقدرة، والسواد ~~والبياض، والصفات الحسية، وذلك وهم نبهنا عليه، إذ ليست الاحكام صفات ~~للاعيان أصلا، بل نقول: إذا اشتبهت رضيعة بنساء بلدة فنكح واحدة حلت، ~~واحتمل أن تكون هي الرضيعة في علم الله تعالى، ولا نقول: # إنها ليست في علم الله تعالى زوجة له، إذ لا معنى للزوجة إلا من حل وطؤها ~~بنكاح، وهذه قد حل وطؤها، فهي حلال عنده وعند الله تعالى، ولا نقول: هي ~~حرام عند الله تعالى وحلال عنده في ظنه، بل إذا ظن الحل فهي حلال عند الله ~~تعالى، وسيأتي تحقيق هذا في مسألة تصويب المجتهد، أما إذا قال لزوجتيه: ~~إحداكما طالق، فيحتمل أن يقال: يحل وطؤها، والطلاق غير واقع، لأنه لم يعين ~~له محلا، فصار كما إذا باع أحد عبديه، ويحتمل أن يقال، حرمتا جميعا، فإنه ~~لا يشترط تعيين محل الطلاق، ثم عليه التعيين، وإليه ذهب أكبر الفقهاء، ~~والمتبع في ذلك موجب ظن المجتهد، أما المصير إلى أن أحد أهما محرمة والاخرى ~~منكوحة كما توهموه في اختلاط المنكوحة بالأجنبية فلا ينقدح هاهنا، لان ذلك ~~جهل من الآدمي، عرض بعد التعيين، وأما هنا فليس متعينا، في نفسه، ms085 بل يعلمه ~~الله تعالى مطلقا لاحداهما لا بعينها، فإن قيل: إذا وجب عليه التعيين فالله ~~تعالى يعلم ما سيعينه، فتكون هي المحرمة المطلقة بعينها في علم الله تعالى، ~~وإنما هو مشكل علينا؟ قلنا: الله تعالى يعلم الأشياء على ما هي عليه، فلا ~~يعلم الطلاق الذي لم يعين محله متعينا، بل يعلمه قابلا للتعيين، إذا عينه ~~المطلق، ويعلم أنه سيعين زينب مثلا، فيتعين الطلاق بتعيينه إذا عين لا ~~قبله، وكذلك نقول في الواجب: المخير الله تعالى، يعلم ما سيفعله العبد من ~~خلال الكفارة، ولا يعلمه واجبا بعينه، بل واجبا غير معين في حال، ثم يعلم ~~صيرورته متعينا بالتعيين، بدليل أنه لو علم أنه يموت PageV00P058 # قبل التكفير وقبل التعيين، فيعلم الوجوب والطلاق على ما هو عليه من عدم ~~التعيين مسألة (حكم الواجب غير المعروف) اختلفوا في الواجب الذي لا يتقدر ~~بحد محدود، كمسح الرأس، والطمأنينة في الركوع والسجود، ومدة القيام، إنه ~~إذا زاد على أقل الواجب هل توصف الزيادة بالوجوب؟ فلو مسح جميع الرأس هل ~~يقع فعله بجملته واجبا؟ أو الواجب الأقل والباقي ندب، فذهب قوم إلى أن الكل ~~يوصف بالوجوب، لان نسبة الكل إلى الامر واحد، والامر في نفسه أمر واحد، وهو ~~أمر إيجاب، ولا يتميز البعض من البعض، فالكل امتثال، والأولى أن يقال: ~~الزيادة على الأقل ندب، فإنه لم يجب إلا أقل ما ينطلق عليه الاسم، وهذا في ~~الطمأنينة، والقيام وما وقع متعاقبا أظهر وكذلك المسح إذا وقع متعاقبا، وما ~~وقع من جملته معا وإن كان لا يتميز بعضه من بعض بالإشارة والتعيين، فيحتمل ~~أن يقال: قدر الأقل منه واجب، والباقي ندب، وإن لم يتميز بالإشارة المندوب ~~عن الواجب، لان الزيادة على الأقل لا عقاب على تركها مطلقا من غير شرط بدل، ~~فلا يتحقق فيه حد الوجوب. # مسألة (حقيقة الوجوب والجواز) الوجوب يباين الجواز والإباحة بحده فلذلك ~~قلنا يقضي بخطأ من ظن أن الوجوب إذا نسخ بقي الجواز، بل الحق أنه إذا نسخ ~~رجع الامر إلى ما كان قبل الوجوب ms086 من تحريم أو إباحة، وصار الوجوب بالنسخ، ~~كأن لم يكن، فإن قيل: كل واجب فهو جائز، وزيادة، إذ الجائز ما لا عقاب على ~~فعله، والواجب أيضا لا عقاب على فعله، وهو معنى الجواز، فإذا نسخ الوجوب ~~فكأنه أسقط العقاب على تركه، فيبقى سقوط العقاب على فعله، وهو معنى الجواز، ~~قلنا: هذا كقول القائل: كل واجب فهو ندب وزيادة، فإذا نسخ الوجوب بقي ~~الندب، ولا قائل به. ولا فرق بين الكلامين، وكلاهما وهم بل الواجب لا يتضمن ~~معنى الجواز فإن حقيقة الجواز التخيير بين الفعل والترك، والتساوي بينهما ~~بتسوية الشرع، وذلك منفي عن الواجب، وذكر هذه المسألة ههنا أولى من ذكرها ~~في كتاب النسخ، فإنه نظر في حقيقة الوجوب والجواز لا في حقيقة النسخ. # مسألة (الجواز ليس فيه أمر) كما فهمت أن الواجب لا يتضمن الجواز فافهم أن ~~الجائز لا يتضمن الامر وأن المباح غير مأمور به، لتناقض حديهما كما سبق ~~خلافا للبلخي، فإنه قال: المباح مأمور به، لكنه دون الندب، كما أن الندب ~~مأمور به، لكنه دون الواجب، وهذا محال، إذ الامر اقتضاء وطلب، والمباح غير ~~مطلوب، بل مأذون فيه، ومطلق له، فإن استعمل لفظ الامر في الاذن فهو تجوز، ~~فإن قيل: ترك الحرام واجب، والسكون المباح يترك به الحرام من الزنا والسرقة ~~والسكوت المباح أو الكلام المباح يترك به الكفر والكذب، وترك الكفر والكذب ~~والزنا مأمور به؟ قلنا: # قد يترك بالندب حرام فليكن واجبا، وقد يترك بالحرام حرام آخر، فليكن الشئ ~~الواحد واجبا حراما، وهو تناقض، ويلزم هذا على مذهب من زعم أن الامر بالشئ ~~نهي عن ضده، والنهي عن الشئ أمر بأحد أضداده، بل يلزم عليه كون الصلاة ~~حراما، إذا تحرم بها من ترك الزكاة PageV00P059 # الواجبة، لأنه أحد أضداد الواجب، وكل ذلك قياس مذهب هؤلاء، لكنهم لم ~~يقولوا به، فإن قيل: فالمباح هل يدخل تحت التكليف؟ وهل هو من التكاليف؟ ~~قلنا: إن كان التكليف عبارة عن طلب ما فيه كلفة فليس ذلك في المباح، وإن ~~أريد به ما ms087 عرف من جهة الشرع إطلاقه والاذن فيه فهو تكليف، وإن أريد به أنه ~~الذي كلف اعتقاد كونه من الشرع فقد كلف ذلك، لكن لا بنفس الإباحة، بل بأصل ~~الايمان، وقد سماه الأستاذ أبو إسحق رحمه الله تكليفا بهذا التأويل الأخير، ~~وهو بعيد، مع أنه نزاع في اسم، فإن قيل: فهل المباح حسن؟ قلنا: إن كان ~~الحسن عبارة عما لفاعله أن يفعله فهو حسن، وإن كان عبارة عما أمر بتعظيم ~~فاعله والثناء عليه أو وجب اعتقاد استحقاقه للثناء والقبيح ما يجب اعتقاد ~~استحقاق صاحبه للذم أو العقاب فليس المباح بحسن، واحترزنا باعتقاد ~~الاستحقاق عن معاصي الأنبياء، فقد دل الدليل على وقوعها منهم، ولم يأمر ~~بإهانتهم وذمهم، لكنا نعتقد استحقاقهم لذلك مع تفضل الله تعالى بإسقاط ~~المستحق من حيث أمرنا بتعظيمهم والثناء عليهم. - مسألة (هل المباح من ~~الشريعة؟) المباح من الشرع، وقد ذهب بعض المعتزلة إلى أنه ليس من الشرع، إذ ~~معنى المباح رفع الحرج عن الفعل والترك وذلك ثابت قبل السمع، فمعنى إباحة ~~الشرع شيئا أنه تركه على ما كان عليه قبل ورود السمع ولم يغير حكمه وكل ما ~~لم يثبت تحريمه ولا وجوبه بقي على النفي الأصلي، فعبر عنه بالمباح، وهذا له ~~غور، وكشف الغطاء عنه أن الافعال ثلاثة أقسام: قسم بقي على الأصل، فلم يرد ~~فيه من الشرع تعرض لا بصريح اللفظ ولا بدليل من أدلة السمع، فينبغي أن ~~يقال: استمر فيه ما كان ولم يتعرض له السمع فليس فيه حكم. وقسم صرح الشرع ~~فيه بالتخيير وقال: إن شئتم فافعلوه، وإن شئتم فاتركوه، فهذا خطاب، والحكم ~~لا معنى له إلا الخطاب، ولا سبيل إلى إنكاره، وقد ورد. وقسم ثالث لم يرد ~~فيه خطاب بالتخيير، لكن دل دليل السمع على أنه نفي الحرج عن فعله وتركه، ~~فقد عرف بدليل السمع، ولولا هذا الدليل لكان يعرف بدليل العقل نفي الحرج عن ~~فاعله، وبقاؤه على النفي الأصلي، فهذا فيه نظر إذ اجتمع عليه دليل العقل ~~والسمع، وفي الطرفين الآخرين أيضا نظر، إذ ms088 يمكن أن يقال: # قول الشارع إن شئت فقم، وإن شئت فاقعد ليس بتجديد حكم، هو تقرير للحكم ~~السابق، ومعنى تقريره أنه ليس يغير أمره بل يتركه على ما هو عليه، فليس ذلك ~~أمرا حادثا بالشرع، فلا يكون شرعيا، وأما الطرف الآخر وهو الذي لم يرد فيه ~~خطاب ولا دليل، فيمكن أيضا إنكاره، بأن يقال: قد دل السمع على أن ما لم يرد ~~فيه طلب فعل ولا طلب ترك، فالمكلف فيه مخير، وهذا دليل على العموم فيما لا ~~يتناهى من الافعال، فلا يبقى فعل إلا مدلولا عليه من جهة الشرع، فتكون ~~إباحته من الشرع، وإلا عورض أن الإباحة من جهة الشرع تقرير لا تغيير، وليس ~~مع التقرير تجديد أمر، بل بيان أنه لم يجدد فيه أمرا، بل كف عن التعرض له، ~~وسيأتي لهذا تحقيق في مسألة إقامة الدليل على النافي. - مسألة (التفريق بين ~~المندوب والمباح المندوب مأمور به، وإن لم يكن المباح مأمورا به، لان الامر ~~اقتضاء وطلب، والمباح غير مقتضى، أما المندوب فإنه مقتضى لكن مع إسقاط الذم ~~عن تاركه، والواجب مقتضى، لكن مع ذم تاركه إذا تركه مطلقا، أو تركه وبدله، ~~وقال قوم: المندوب غير داخل تحت PageV00P060 # الامر، وهو فاسد من وجهين: أحدهما: أنه شاع في لسان العلماء أن الامر ~~ينقسم إلى أمر إيجاب وأمر استحباب، وما شاع أنه ينقسم إلى أمر إباحة وأمر ~~إيجاب مع أن صيغة الامر قد تطلق لإرادة الإباحة، كقوله تعالى: * (وإذا ~~حللتم فاصطادوا) * (المائدة: 2) * (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا) * (الجمعة: ~~01). الثاني: إن فعل المندوب طاعة بالاتفاق، وليس طاعة لكونه مرادا، إذ ~~الامر عندنا يفارق الإرادة، ولا لكونه موجودا أو حادثا أو لذاته أو نفسه إذ ~~يجري ذلك في المباحات، ولا لكونه مثابا عليه، فإن المأمور وإن لم يثب ولم ~~يعاقب إذا امتثل كان مطيعا، وإنما الثواب للترغيب في الطاعة، ولا أنه قد ~~يحبط بالكفر ثواب طاعته، ولا يخرج عن كونه مطيعا، فإن قيل: الامر عبارة عن ~~اقتضاء جازم لا تخيير معه، والندب مقرون بتجويز الترك ms089 والتخيير فيه، ~~وقولكم: أنه يسمى مطيعا، يقابله أنه لو ترك لا يسمى عاصيا، قلنا: # الندب اقتضاء جازم لا تخيير فيه، لان التخيير عبارة عن التسوية، فإذا رجح ~~جهة الفعل بربط الثواب به ارتفعت التسوية والتخيير، وقد قال تعالى في ~~المحرمات أيضا: * (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) * (الكهف: 92) فلاينبغي ~~أن يظن أن الامر اقتضاء جازم، بمعنى أن الشرع يطلب منه شيئا لنفسه، بل يطلب ~~منه لما فيه من صلاحه، والله تعالى يقتضي من عباده ما فيه صلاحهم، ولا يرضى ~~الكفر لهم، وكذلك يقتضي الندب لنيل الثواب ويقول: الفعل والترك سيان ~~بالإضافة إلي، أما في حقك فلا مساواة ولا خيرة، إذ في تركه ترك صلاحك ~~وثوابك فهو اقتضاء جازم، وأما قولهم: أنه لا يسمى عاصيا، فسببه أن العصيان ~~اسم ذم، وقد أسقط الذم عنه، نعم يسمى مخالفا وغير ممتثل، كما يسمى فاعله ~~موافقا ومطيعا. # مسألة (الواجب غير الحرام) إذا عرفت أن الحرام ضد الواجب لأنه المقتضى ~~تركه، والواجب هو المقتضى فعله، فلا يخفى عليك أن الشئ الواحد يستحيل أن ~~يكون واجبا حراما، طاعة معصية، لكن ربما تخفى عليك حقيقة الواحد، فالواحد ~~ينقسم إلى واحد بالنوع، وإلى واحد بالعدد، أما الواحد بالنوع كالسجود مثلا، ~~فإنه نوع واحد من الافعال، فيجوز أن ينقسم إلى الواجب والحرام، ويكون ~~انقسامه، بالأوصاف والإضافات، كالسجود لله تعالى، والسجود للصنم، إذ أحدهما ~~واجب، والآخر حرام، ولا تناقض، وذهب بعض المعتزلة إلى أنه تناقض، فإن ~~السجود نوع واحد مأمور به، فيستحيل أن ينهى عنه، بل الساجد للصنم عاص بقصد ~~تعظيم الصنم لا بنفس السجود، وهذا خطأ فاحش، فإنه إذا تغاير متعلق الأمر ~~والنهي لم يتناقض، والسجود للصنم غير السجود لله تعالى، لان اختلاف ~~الإضافات والصفات يوجب المغايرة، إذ الشئ لا يغاير نفسه، والمغايرة تارة ~~تكون باختلاف النوع، وتارة باختلاف الوصف، وتارة باختلاف الإضافة، وقد قال ~~الله تعالى: * (لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله) * (فصلت: 73) وليس ~~المأمور به هو المنهي عنه، والاجماع منعقد على أن الساجد للشمس عاص بنفس ms090 ~~السجود والقصد جميعا، فقولهم إن السجود نوع واحد لا يغني مع انقسام هذا ~~النوع إلى أقسام مختلفة المقاصد، إذ مقصود بهذا السجود تعظيم الصنم دون ~~تعظيم الله تعالى، واختلاف وجوه الفعل كاختلاف نفس الفعل في حصول الغيرية ~~الرافعة للتضاد فإن التضاد إنما يكون بالإضافة إلى واحد، ولا وحدة مع ~~المغايرة. PageV00P061 # مسألة (الواحد بالتعيين) ما ذكرناه في الواحد بالنوع ظاهر، أما الواحد ~~بالتعيين، كصلاة زيد في دار مغصوبة من عمرو، فحركته في الصلاة فعل واحد ~~بعينه هو مكتسبه ومتعلق قدرته، فالذين سلموا في النوع الواحد نازعوا ههنا ~~فقالوا: لا تصح هذه الصلاة إذ يؤدي القول بصحتها إلى أن تكون العين الواحدة ~~من الافعال حراما واجبا وهو متناقض، فقيل لهم: هذا خلاف إجماع السلف، فإنهم ~~ما أمروا الظلمة عند التوبة بقضاء الصلوات المؤداة في الدور المغصوبة مع ~~كثرة وقوعها، ولا نهوا الظالمين عن الصلاة في الأراضي المغصوبة، فأشكل ~~الجواب على القاضي أبي بكر رحمه الله فقال: يسقط الوجوب عندها لا بها، ~~بدليل الاجماع، ولا يقع واجبا، لان الواجب ما يثاب عليه، وكيف يثاب على ما ~~يعاقب عليه، وفعله واحد وهو كون في الدار المغصوبة وسجوده وركوعه، أكوان ~~اختيارية هو معاقب عليها ومنهي عنها؟ وكل من غلب عليه الكلام قطع بهذا نظرا ~~إلى اتحاد أكوانه في كل حالة من أحواله، وإن الحادث منه الأكوان لا غيرها، ~~وهو معاقب عليها عاص بها، فكيف يكون متقربا بما هو معاقب عليه ومطيعا بما ~~هو به عاص؟ وهذا غير مرضي عندنا، بل نقول الفعل وإن كان واحدا في نفسه، ~~فإذا كان له وجهان متغايران يجوز أن يكون مطلوبا من أحد الوجهين مكروها من ~~الوجه الآخر، وإنما المحال أن يطلب من الوجه الذي يكره بعينه، وفعله من حيث ~~أنه صلاة مطلوب، ومن حيث أنه غصب مكروه، والغصب معقول دون الصلاة، والصلاة ~~معقولة دون الغصب، وقد اجتمع الوجهان في فعل واحد، ومتعلق الأمر والنهي ~~الوجهان المتغايران، وكذلك يعقل من السيد أن يقول لعبده: صل اليوم ألف ~~ركعة، وخط هذا ms091 الثواب، ولا تدخل هذه الدار، فإن ارتكبت النهي ضربتك، وإن ~~امتثلت الامر أعتقتك، فخاط الثوب في الدار، وصلى ألف ركعة في تلك الدار ~~فيحسن من السيد أن يضربه ويعتقه ويقول: أطاع بالخياطة والصلاة، وعصى بدخول ~~الدار، فكذلك فيما نحن فيه من غير فرق، فالفعل وإن كان واحدا فقد تضمن ~~تحصيل أمرين مختلفين، يطلب أحدهما ويكره الآخر، ولو رمى سهما واحدا إلى ~~مسلم بحيث يمرق إلى كافر، أو إلى كافر بحيث يمرق إلى مسلم، فإنه يثاب ~~ويعاقب، ويملك سلب الكافر ويقتل بالمسلم قصاصا لتضمن فعله الواحد أمرين ~~مختلفين، فإن قيل: ارتكاب المنهى عنه إذا أخل بشرط العبادة أفسدها بالاتفاق ~~ونية التقرب بالصلاة شرط، والتقرب بالمعصية محال، فكيف ينوي التقرب؟ ~~فالجواب من أوجه: الأول: إن الاجماع إذا انعقد على صحة هذه الصلاة فليعلم ~~به بالضرورة أن نية التقرب ليس بشرط أو نية التقرب بهذه الصلاة ممكن، وأبو ~~هاشم والجبائي ومن خالف في صحة الصلاة مسبوق بإجماع الأمة على ترك تكليف ~~الظلمة قضاء الصلوات مع كثرتهم، وكيف ينكر سقوط نية التقرب؟ وقد اختلفوا في ~~اشتراط نية الفرضية ونية الإضافة إلى الله تعالى، فقال قوم: لا يجب إلا أن ~~ينوي الظهر أو العصر، فهو في محل الاجتهاد، وقد ذهب قوم إلى أن الصلاة تجب ~~في آخر الوقت، والصبي إذا صلى في أول الوقت ثم بلغ آخره أجزأه، ولو بلغ في ~~وسط الوقت مع أنه لا تتحقق الفرضية في حقه، فإن قيل: من نوى الصلاة فقد ~~تضمنت نيته القربة؟ قلنا: إذا صحت الصلاة بالاجماع واستحال نية التقرب ~~فتلغى تلك النية، ويصح أن يقال: تعلقت نية التقرب ببعض أجزاء PageV00P062 # الصلاة من الذكر والقراءة، وما لا يزاحم حق المغصوب منه، فإن الأكوان هي ~~التي تتناول منافع الدار، ثم كيف يستقيم من المعتزلة هذا، وعندهم لا يعلم ~~المأمور كونه مأمورا، ولا كون العبادة واجبة قبل الفراغ من الامتثال كما ~~سيأتي، فكيف ينوي التقرب بالواجب وهو لا يعرف وجوبه؟ الجواب الثاني: وهو ~~الأصح، أنه ينوي التقرب بالصلاة ويعصي بالغصب، ms092 وقد بينا انفصال أحدهما عن ~~الآخر، ولذلك يجد المصلي من نفسه نية التقرب بالصلاة، وإن كان في دار ~~مغصوبة، لأنه لو سكن ولم يفعل فعلا لكان غاصبا في حالة النوم، وعدم استعمال ~~القدرة، وإنما يتقرب بأفعاله، وليست تلك الأفعال شرطا لكونه غاصبا، فإن ~~قيل: هو في حالة القعود والقيام غاصب بفعله، ولا فعل له إلا قيامه وقعوده ~~وهو متقرب بفعله، فيكون متقربا بعين ما هو عاص به؟ قلنا: هو من حيث أنه ~~مستوف منافع الدار غاصب، ومن حيث أنه أتى بصورة الصلاة متقرب، كما ذكرناه ~~في صورة الخياطة، إذ قد يعقل كونه غاصبا، ولا يعلم كونه مصليا، ويعلم كونه ~~مصليا، ولا يعلم كونه غاصبا، فهما وجهان مختلفان، وإن كان ذات الفعل واحدا. # الجواب الثالث: هو أنا نقول: بم تنكرون على القاضي رحمه الله حيث حكم بأن ~~الفرض يسقط عندها لا بها بدليل الاجماع؟ فسلم أنه معصية، ولكن الامر لا يدل ~~على الاجزاء إذا أتى بالمأمور ولا النهي يدل على عدم الاجزاء، بل يؤخذ ~~الاجزاء من دليل آخر كما سيأتي. # فإن قيل: هذه المسألة اجتهادية أم قطعية؟ قلنا: هي قطعية، والمصيب فيها ~~واحد، لان من صحح، أخذ من الاجماع، وهو قاطع، ومن أبطل أخذ من التضاد الذي ~~بين القربة والمعصية، ويدعى كون ذلك محالا، بدليل العقل، فالمسألة قطعية، ~~فإن قيل: ادعيتم الاجماع في هذه المسألة، وقد ذهب أحمد بن حنبل إلى بطلان ~~هذه الصلاة، وبطلان كل عقد منهي عنه حتى البيع في وقت النداء يوم الجمعة، ~~فكيف تحتجون عليه بالاجماع؟ قلنا: الاجماع حجة عليه، إذ علمنا أن الظلمة لم ~~يؤمروا بقضاء الصلوات مع كثرة وقوعها، مع أنهم لو أمروا به لانتشر وإذا ~~أنكر هذا فيلزمه ما هو أظهر منه، وهو أن لا تحل امرأة لزوجها وفي ذمته دانق ~~ظلم به، ولا يصح بيعه ولا صلاته ولا تصرفاته، وأنه لا يحصل التحليل بوطئ من ~~هذه حاله، لأنه عصى بترك رد المظلمة، ولم يتركها إلا بتزويجه، وبيعه وصلاته ~~وتصرفاته، فيؤدي إلى تحريم أكثر ms093 النساء، وفوات أكثر الاملاك، وهو خرق ~~للاجماع قطعا، وذلك لا سبيل إليه. - مسألة (المكروه غير الواجب) كما يتضاد ~~الحرام والواجب فيتضاد المكروه والواجب، فلا يدخل مكروه تحت الامر حتى يكون ~~شئ واحد مأمورا به مكروها، إلا أن تنصرف الكراهية عن ذات المأمور إلى غيره، ~~ككراهية الصلاة في الحمام وأعطان الإبل وبطن الوادي وأمثاله، فإن المكروه ~~في بطن الوادي التعرض لخطر السيل، وفي الحمام التعرض للرشاش، أو لتخبط ~~الشياطين، وفي أعطان الإبل التعرض لنفارها، وكل ذلك مما يشغل القلب في ~~الصلاة، وربما شوش الخشوع، بحيث لا ينقدح صرف الكراهة عن المأمور إلى ما هو ~~في جواره وصحبته، لكونه خارجا عن ماهيته وشروطه وأركانه، فلا يجتمع الامر ~~والكراهية، فقوله تعالى : * (وليطوفوا بالبيت العتيق) * (الحج: 92) لا ~~يتناول طواف المحدث الذي نهي عنه لان المنهي عنه لا يكون مأمورا به، ~~والمنهي عنه في مسألة الصلاة في الدار المغصوبة انفصل PageV00P063 # عن المأمور، إذ المأمور به الصلاة والمنهي عنه الغصب وهو في جواره. # مسألة (أصناف الترك ذات المتروك) المتفقون على صحة الصلاة في الدار ~~المغصوبة ينقسم النهي عندهم إلى ما يرجع إلى ذات المنهي عنه فيضاد وجوبه، ~~وإلى ما يرجع إلى غيره فلا يضاد وجوبه، وإلى ما يرجع إلى وصف المنهي عنه لا ~~إلى أصله، وقد اختلفوا في هذا القسم الثالث، ومثال القسمين الأولين ظاهر، ~~ومثال القسم الثالث: أن يوجب الطواف وينهى عن إيقاعه مع الحدث، أو يأمر ~~بالصوم وينهى عن إيقاعه في يوم النحر، فيقال: الصوم من حيث أنه صوم مشروع ~~مطلوب، ومن حيث أنه واقع في هذا اليوم غير مشروع، والطواف مشروع بقوله ~~تعالى: # * (وليطوفوا بالبيت العتيق) * (الحج: 92) ولكن وقوعه في حالة الحدث ~~مكروه، والبيع من حيث أنه بيع مشروع، ولكن من حيث وقوعه مقترنا بشرط فاسد ~~أو زيادة في العوض في الربويات مكروه، والطلاق من حيث أنه طلاق مشروع، ولكن ~~من حيث وقوعه في الحيض مكروه، وحراثة الولد من حيث أنها حراثة مشروعة، ~~ولكنها من حيث وقوعها في غير المنكوحة مكروهة، والسفر من ms094 حيث أنه سفر ~~مشروع، ولكن من حيث قصد الإباق به عن السيد غير مشروع، فجعل أبو حنيفة هذا ~~قسما ثالثا، وزعم أن ذلك يوجب فساد الوصف لا انتفاء الأصل، لأنه راجع إلى ~~الوصف لا إلى الأصل، والشافعي رحمه الله ألحق هذا بكراهة الأصل ولم يجعله ~~قسما ثالثا، وحيث نفذ الطلاق في الحيض صرف النهي عن أصله ووصفه إلى تطويل ~~العدة أولو حق الندم عند الشك في الولد، وأبو حنيفة حيث أبطل صلاة المحدث ~~دون طواف المحدث زعم أن الدليل قد دل على كون الطهارة شرطا في الصلاة، فإنه ~~قال عليه الصلاة والسلام: لا صلاة إلا بطهور فهو نفي للصلاة لا نهي، وفي ~~المسألة نظران: # أحدهما: في موجب مطلق النهي من حيث اللفظ، وذلك نظر في مقتضى الصيغة، وهو ~~بحث لغوي نذكره في كتاب الأوامر والنواهي. والنظر الثاني: نظر في تضاد هذه ~~الأوصاف وما يعقل اجتماعه وما لا يعقل إذا وقع التصريح به من القائل وهو ~~أنه: هل يعقل أن يقول السيد لعبده: أنا آمرك بالخياطة وأنهاك عنها، ولا شك ~~في أن ذلك لا يعقل منه، فإنه فيه يكون الشئ الواحد مطلوبا مكروها، ويعقل ~~منه أن يقول: أنا أطلب منك الخياطة وأكره دخول هذه الدار والكون فيها ولا ~~يتعرض في النهي للخياطة وذلك معقول، وإذا خاط في تلك الدار أتى بمطلوبه ~~ومكروهه جميعا، وهل يعقل أن يقول: أطلب منك الخياطة وأنهاك عن إيقاعها في ~~وقت الزوال، فإذا خاط في وقت الزوال فهل جمع بين المكروه والمطلوب أو ما ~~أتى بالمطلوب؟ هذا في محل النظر، والصحيح أنه ما أتى بالمطلوب، وأن المكروه ~~هي الخياطة الواقعة وقت الزوال لا الوقوع في وقت الزوال، مع بقاء الخياطة ~~مطلوبة إذ ليس الوقوع في الوقت شيئا منفصلا عن الواقع، فإن قيل: فلم صحت ~~الصلاة في أوقات الكراهة ولم صحت الصلاة الواقعة في الأماكن السبعة من بطن ~~الوادي وأعطان الإبل؟ وما الفرق بينهما وبين النهي عن صوم يوم النحر؟ قلنا: ~~من صحح هذه الصلوات لزمه صرف النهي ms095 عن أصل الصلاة ووصفها إلى غيره، وقد ~~اختلفوا في انعقاد الصلاة في الأوقات المكروهة لترددهم في أن النهي نهي عن ~~إيقاع الصلاة من حيث أنه إيقاع صلاة أو من أمر آخر مقترن PageV00P064 # به، وأما صوم يوم النحر فقطع الشافعي رحمه الله ببطلانه، لأنه لم يظهر ~~انصراف النهي عن عينه ووصفه، ولم يرتض قولهم أنه نهى عنه، لما فيه من ترك ~~إجابة الدعوة بالاكل، فإن الاكل ضد الصوم، فكيف يقال له: كل، أي أجب ~~الدعوة، ولا تأكل، أي صم؟ والآن تفصيل هذه المسائل ليس على الأصولي، بل هو ~~موكول إلى نظر المجتهدين في الفروع، وليس على الأصولي إلا حصر هذه الأقسام ~~الثلاثة وبيان حكمها في التضاد وعدم التضاد، وأما النظر في آحاد المسائل ~~أنها من أي قسم هي فإلى المجتهد، وقد يعلم ذلك بدليل قاطع، وقد يعلم ذلك ~~بظن وليس على الأصولي شئ من ذلك، وتمام النظر في هذا ببيان أن النهي المطلق ~~يقتضي من هذه الأقسام أيها، وأنه يقتضي كون المنهي عنه مكروها لذاته أو ~~لغيره أو لصفته، وسيأتي. # مسألة (هل الامر بشئ ترك لغيره) اختلفوا في أن الامر بالشئ، هل هو نهي عن ~~ضده؟ وللمسألة طرفان: أحدهما يتعلق بالصيغة، ولا يستقيم ذلك عند من لا يرى ~~للامر صيغة، ومن رأى ذلك فلا شك في أن قوله: قم، غير قوله: لا تقعد، فإنهما ~~صورتان مختلفتان، فيجب عليهم الرد إلى المعنى، وهو أن قوله: قم، له ~~مفهومان، أحدهما: طلب القيام، والآخر ترك القعود، فهو دال على المعنيين، ~~فالمعنيان المفهومان منه متحدان، أو أحدهما غير الآخر، فيجب الرد إلى ~~المعنى. # والطرف الثاني: البحث عن المعنى القائم بالنفس، وهو أن طلب القيام هل هو ~~بعينه طلب ترك القعود أم لا، وهذا لا يمكن فرضه في حق الله تعالى، فإن ~~كلامه واحد، هو أمر ونهي ووعد ووعيد، فلا تتطرق الغيرية إليه، فليفرض في ~~المخلوق، وهو أن طلبه للحركة: هل هو بعينه كراهة للسكون وطلب لتركه؟ وقد ~~أطلق المعتزلة أنه ليس الامر بالشئ نهيا عن ms096 ضده، واستدل القاضي أبو بكر ~~رحمه الله عليهم بأن قال: لا خلاف أن الآمر بالشئ ناه عن ضده، فإذا لم يقم ~~دليل على اقتران شئ آخر بأمره دل على أنه ناه بما هو آمر به، قال: وبهذا ~~علمنا أن السكون عين ترك الحركة، وطلب السكون عين طلب ترك الحركة، وشغل ~~الجوهر بحيز انتقل إليه عين تفريغه للحيز المنتقل عنه، والقرب من المغرب ~~عين البعد من المشرق، فهل فعل واحد بالإضافة إلى المشرق بعد، وبالإضافة إلى ~~المغرب قرب، وكون واحد بالإضافة إلى حيز شغل وبالإضافة إلى آخر تفريغ وكذلك ~~ههنا طلب واحد بالإضافة إلى السكون أمر، وإلى الحركة نهي، قال: والدليل على ~~أنه ليس معه غيره أن ذلك الغير لا يخلو من أن يكون ضدا له أو مثلا أو ~~خلافا، ومحال كونه ضدا لأنهما لا يجتمعان وقد اجتمعا، ومحال كونه مثلا ~~لتضاد المثلين، ومحال كونه خلافا، إذ لو كان خلافا لجاز وجود أحدهما دون ~~الآخر، أما هذا دون ذاك أو ذاك دون هذا، كإرادة الشئ مع العلم به لما ~~اختلفا تصور وجود العلم دون الإرادة، وإن لم يتصور وجود الإرادة دون العلم، ~~بل كان يتصور وجوده مع ضد الآخر، وضد النهي عن الحركة الامر بها، فلنجز أن ~~يكون آمرا بالسكون والحركة معا فيقول: تحرك واسكن، وقم واقعد، وهذا الذي ~~ذكره دليل على المعتزلة، حيث منعوا تكليف المحال، وإلا فمن يجوز ذلك يجوز ~~أن يقول: إجمع بين القيام والقعود، ولا نسلم أيضا أن ضرورة كل آمر بالشئ أن ~~يكون ناهيا عن ضده، بل يجوز أن يكون آمرا بضده، فضلا عن أن يكون لا آمرا ~~PageV00P065 # ولا ناهيا، وعلى الجملة: فالذي صح عندنا بالبحث النظري الكلامي تفريعا ~~على إثبات كلام النفس، أن الامر بالشئ ليس نهيا عن ضده لا بمعنى أنه عينه، ~~ولا بمعنى أنه يتضمنه ولا بمعنى أنه يلازمه، بل يتصور أن يأمر بالشئ من هو ~~ذاهل عن أضداده، فكيف يقوم بذاته قول متعلق بما هو ذاهل عنه، وكذلك ينهى عن ~~الشئ ولا ms097 يخطر بباله أضداده حتى يكون آمرا بأحد أضداده ولا بعينه، فإن أمر ~~ولم يكن ذاهلا عن أضداد المأمور به فلا يقوم بذاته زجر عن أضداده مقصود، ~~إلا من حيث يعلم أنه لا يمكن فعل أضداد المأمور به فلا يقوم بذاته زجر عن ~~أضداد مقصود إلا من حيث يعلم أنه لا يمكن فعل المأمور به إلا بترك أضداده، ~~فيكون ترك أضداد المأمور ذريعة بحكم ضرورة الوجود لا بحكم ارتباط الطلب به، ~~حتى لو تصور على الاستحالة الجمع بين القيام القعود إذا قيل له قم، فجمع ~~كان ممتثلا لأنه لم يؤمر إلا بإيجاد القيام وقد أوجده، ومن ذهب إلى هذا ~~المذهب لزمه فضائح الكعبي من المعتزلة، حيث أنكر المباح وقال: ما من مباح ~~إلا وهو ترك لحرام فهو واجب ويلزمه وصف الصلاة بأنها حرام إذا ترك بها ~~الزكاة الواجبة على الفور، وإن فرق مفرق فقال: النهي ليس أمرا بالضد، ~~والامر نهي عن الضد لم يجد إليه سبيلا إلا التحكم المحض، فإن قيل: فقد ~~قلتم: إن ما لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب، ولا يتوصل إلى فعل الشئ ~~إلا بترك ضده فليكن واجبا؟ قلنا: ونحن نقول ذلك واجب، وإنما الخلاف في ~~إيجابه، هل هو عين إيجاب المأمور به أو غيره؟ فإذا قيل: إغسل الوجه فليس ~~عين هذا إيجابا بالغسل جزء من الرأس، ولا قوله: صم النهار، إيجابا بعينه، ~~لامساك جزء من الليل، ولذلك لا يجب أن ينوي إلا صوم النهار، ولكن ذلك يجب ~~بدلالة العقل على وجوبه من حيث هو ذريعة إلى المأمور، لا أنه عين ذلك ~~الايجاب، فلا منافاة بين الكلامين. # الفن الثالث من القطب الأول في أركان الحكم وهي أربعة: الحاكم، والمحكوم ~~عليه، والمحكوم فيه، ونفس الحكم. أما نفس الحكم: فقد ذكرناه، وأنه يرجع إلى ~~الخطاب وهو الركن الأول. # الركن الثاني: الحاكم، وهو المخاطب، فإن الحكم خطاب، وكلام فاعله كل ~~متكلم، فلا يشترط في وجود صورة الحكم إلا هذا القدر، أما استحقاق نفوذ ~~الحكم فليس إلا لمن له الخلق ms098 والامر، فإنما النافذ حكم المالك على مملوكه، ~~ولا مالك إلا الخالق فلا حكم ولا أمر إلا له، أما النبي (ص) والسلطان ~~والسيد والأب والزوج، فإذا أمروا وأوجبوا لم يجب شئ بإيجابهم، بل بإيجاب ~~الله تعالى طاعتهم، ولولا ذلك لكان كل مخلوق أوجب على غيره شيئا كان للموجب ~~عليه أن يقلب عليه الايجاب، إذ ليس أحدهما أولى من الآخر، فإذا الواجب طاعة ~~الله تعالى، وطاعة من أوجب الله تعالى طاعته، فإن قيل: لا بل من قدر على ~~التوعد بالعقاب وتحقيقه حسا فهو أهل للايجاب، إذ الوجوب إنما يتحقق بالعقاب ~~قلنا: قد ذكرنا من مذهب القاضي رحمه الله أن الله تعالى: لو أوجب شيئا لوجب ~~وإن لم يتوعد عليه بالعقاب، لكن عند البحث عن حقيقة الوجوب لا يتحصل على ~~طائل إذا لم يتعلق به ضرر محذور، وإن كان في الدنيا فقد يقدر عليه، إلا أن ~~العادة جارية بتخصيص هذا الاسم PageV00P066 # بالضرر الذي يحذر في الآخرة، ولا قدرة عليه إلا لله تعالى،، فإن أطلق على ~~كل ضرر محذور وإن كان في الدنيا فقد يقدر عليه الآدمي، فعند ذلك يجوز أن ~~يكون موجبا، لا بمعنى أنا نتحقق قدرته عليه، فإنه ربما يعجز عنه قبل تحقيق ~~الوعيد، لكن نتوقع قدرته ويحصل به نوع خوف. # الركن الثالث: المحكوم عليه، وهو المكلف، وشرطه أن يكون عاقلا يفهم ~~الخطاب، فلا يصح خطاب الجماد والبهيمة، بل خطاب المجنون والصبي الذي لا ~~يميز، لان التكليف مقتضاه الطاعة والامتثال، ولا يمكن ذلك إلا بقصد ~~الامتثال، وشرط القصد العلم بالمقصود والفهم للتكليف، فكل خطاب متضمن للامر ~~بالفهم، فمن لا يفهم كيف يقال له: إفهم ومن لا يسمع الصوت، كالجماد كيف ~~يكلم، وإن سمع الصوت كالبهيمة، ولكنه لا يفهم فهو كمن لا يسمع، ومن يسمع ~~وقد يفهم فهما ما لكنه لا يعقل، ولا يثبت، كالمجنون وغير المميز، فمخاطبته ~~ممكنة لكن اقتضاء الامتثال منه، مع أنه لا يصح منه قصد صحيح غير ممكن، فإن ~~قيل: فقد وجبت الزكاة والغرامات والنفقات على الصبيان، قلنا: ليس ms099 ذلك من ~~التكليف في شئ، إذ يستحيل التكليف بفعل الغير وتجب الدية على العاقلة، لا ~~بمعنى أنهم مكلفون بفعل الغير، ولكن بمعنى أن فعل الغير سبب لثبوت الغرم في ~~ذمتهم، فكذلك الاتلاف، وملك النصاب سبب لثبوت هذه الحقوق في ذمة الصبيان ~~بمعنى أنه سبب لخطاب الولي بالأداء في الحال وسبب لخطاب الصبي بعد البلوغ، ~~وذلك غير محال، إنما المحال أن يقال لمن لا يفهم إفهم، وأن يخاطب من لا ~~يسمع ولا يعقل. وأما أهلية ثبوت الاحكام في الذمة: فمستفاد من الانسانية ~~التي بها يستعد لقبول قوة العقل الذي به فهم التكليف في ثاني الحال، حتى أن ~~البهيمة لما لم تكن لها أهلية فهم الخطاب بالفعل ولا بالقوة لم تتهيأ ~~لإضافة الحكم إلى ذمتها، والشرط لا بد أن يكون حاصلا أو ممكنا أن يحصل على ~~القرب، فيقال أنه موجود بالقوة، كما أن شرط المالكية الانسانية، وشرط ~~الانسانية الحياة، والنطفة في الرحم قد يثبت لها الملك بالإرث والوصية، ~~والحياة غير موجودة بالفعل، ولكنها بالقوة، إذ مصيرها إلى الحياة، فكذلك ~~الصبي، مصيره إلى العقل، فصلح لإضافة الحكم إلى ذمته، ولم يصلح للتكليف في ~~الحال. فإن قيل: فالصبي المميز مأمور بالصلاة، قلنا: مأمور من جهة الولي، ~~والولي مأمور من جهة الله تعالى، إذ قال عليه السلام: مروهم بالصلاة وهم ~~أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر وذلك لأنه يفهم خطاب الولي ويخاف ~~ضربه، فصار أهلا له، ولا يفهم خطاب الشارع إذ لا يعرف الشارع ولا يخاف ~~عقابه، إذ لا يفهم الآخرة، فإن قيل: فإذا قارب البلوغ عقل ولم يكلفه الشرع ~~أفيدل ذلك على نقصان عقله؟ قلنا: قال القاضي أبو بكر رحمه الله: # ذلك يدل عليه، وليس يتجه ذلك، لان انفصال النطفة منه لا يزيده عقلا لكن ~~حط الخطاب عنه تخفيفا، لان العقل خفي، وإنما يظهر فيه على التدريج، فلا ~~يمكن الوقوف بغتة على الحد الذي يفهم به خطاب الشرع ويعرف المرسل والرسول ~~والآخرة فنصب الشرع له علامة ظاهرة. # مسأله (هل يكلف الغافل والناس؟) تكليف ms100 الناسي والغافل عما يكلف محال، إذ ~~من لا يفهم كيف يقال له: إفهم، PageV00P067 # أما ثبوت الاحكام بأفعاله في النوم والغفلة فلا ينكر، كلزوم الغرامات ~~وغيرها، وكذلك تكليف السكران الذي لا يعقل محال، كتكليف الساهي والمجنون ~~والذي يسمع ولا يفهم، بل السكران أسوأ حالا من النائم الذي يمكن تنبيهه، ~~ومن المجنون الذي يفهم كثيرا من الكلام، وأما نفوذ طلاقه ولزوم الغرم فذلك ~~من قبيل ربط الاحكام بالأسباب، وذلك مما لا ينكر، فإن قيل: فقد قال الله ~~تعالى: * (في) * (النساء: 34)، وهذا خطاب للسكران قلنا إذا ثبت بالبرهان ~~استحالة خطابه وجب تأويل الآية، ولها تأويلان: أحدهما أنه خطاب مع المنتشي ~~الذي ظهر فيه مبادئ النشاط والطرب، ولم يزل عقله، فإنه قد يستحسن من اللعب ~~والانبساط ما لا يستحسنه قبل ذلك ولكنه عاقل. وقوله تعالى: * (حتى تعلموا ~~ما تقولون) * (النساء: 34) معناه: حتى تتبينوا ويتكامل فيكم ثباتكم، كما ~~يقال للغضبان، إصبر حتى تعلم ما تقول: أي حتى يسكن غضبك فيكمل علمك، وإن ~~كان أصل عقله باقيا، وهذا لأنه لا يشتغل بالصلاة، مثل هذا السكران، وقد ~~يعسر عليه تصحيح مخارج الحروف وتمام الخشوع. الثاني: أنه ورد الخطاب به في ~~ابتداء الاسلام قبل تحريم الخمر، وليس المراد المنع من الصلاة، بل المنع من ~~إفراط الشرب في وقت الصلاة، كما يقال: لا تقرب التهجد وأنت شبعان، ومعناه: ~~لا تشبع فيثقل عليك التهجد. - مسألة (أمر الله تعالى في الأزل) فإن قال ~~قائل: ليس من شرط الامر عندكم كون المأمور موجودا إذ قضيتم بأن الله تعالى ~~آمر في الأزل لعباده قبل خلقهم، فكيف شرطتم كون المكلف سميعا عاقلا، ~~والسكران والناسي والصبي والمجنون أقرب إلى التكليف من المعدوم؟ قلنا: ~~ينبغي أن يفهم معنى قولنا إن الله تعالى آمر وإن المعدوم مأمور فإنا نعني ~~به أنه مأمور على تقدير الوجود، لا أنه مأمور في حالة العدم، إذ ذلك محال، ~~لكن أثبت الذاهبون إلى إثبات كلام النفس أنه لا يبعد أن يقوم بذات الأب طلب ~~تعلم العلم من الولد الذي سيوجد، وإنه لو ms101 قدر بقاء ذلك الطلب حتى وجد الولد ~~صار الولد مطالبا بذلك الطلب ومأمورا به، فكذلك المعنى القائم بذات الله ~~تعالى الذي هو اقتضاء الطاعة من العباد قديم، تعلق بعباده على تقدير وجودهم ~~فإذا وجدوا صاروا مأمورين بذلك الاقتضاء، ومثل هذا جار في حق الصبي ~~والمجنون، فإن انتظار العقل لا يزيد على انتظار الوجود، ولا يسمى هذا ~~المعنى في الأزل خطابا، إنما يصير خطابا إذا وجد المأمور وأسمع، وهل يسمى ~~أمرا؟ فيه خلاف، والصحيح أنه يسمى به، إذ يحسن أن يقال فيمن أوصى أولاده ~~بالتصدق بماله أن يقال: فلان أمر أولاده بكذا، وإن كان بعض أولاده مجتنا في ~~البطن، أو معدوما، ولا يحسن أن يقال: خاطب أولاده إلا إذا حضروا وسمعوا ثم ~~إذا أوصى فنفذوا وصيته، يقال: قد أطاعوه وامتثلوا أمره، مع أن الآمر الآن ~~معدوم، والمأمور كان وقت وجود الآمر معدوما، وكذلك نحن الآن بطاعتنا ~~ممتثلون أمر رسول الله (ص)، وهو معدوم عن عالمنا هذا، وإن كان حيا عند الله ~~تعالى، فإذا لم يكن وجود الآمر شرطا لكون المأمور مطيعا ممتثلا، فلم يشترط ~~وجود المأمور، لكون الامر أمرا. فإن قيل: أفتقولون إن الله تعالى في الأزل ~~آمر للمعدوم على وجه الالزام؟ قلنا: نعم، نحن نقول: هو آمر، لكن على تقدير ~~الوجود، كما يقال: الوالد موجب وملزم على أولاده التصدق إذا عقلوا وبلغوا ~~PageV00P068 # فيكون الالزام والايجاب حاصلا، ولكن بشرط الوجود والقدرة. ولو قال لعبده: ~~صم غدا، فقد أوجب وألزم في الحال صوم الغد، ولا يمكن صوم الغد في الوقت، بل ~~في الغد، وهو موصوف بأنه ملزم وموجب في الحال. # الركن الرابع: المحكوم فيه، وهو الفعل، إذ لا يدخل تحت التكليف إلا ~~الأفعال الاختيارية ، وللداخل تحت التكليف شروط: الأول: صحة حدوثه، ~~لاستحالة تعلق الامر بالقديم والباقي، وقلب الأجناس والجمع بين الضدين ~~وسائر المحالات التي لا يجوز التكليف بها عند من يحيل تكليف ما لا يطاق، ~~فلا أمر إلا بمعدوم يمكن حدوثه، وهل يكون الحادث في أول حال حدوثه مأمورا ~~به كما كان ms102 قبل الحدوث، أو يخرج عن كونه مأمورا كما في الحالة الثانية من ~~الوجود؟ اختلفوا فيه، وفيه بحث كلامي لا يليق بمقاصد أصول الفقه ذكره. # الثاني: جواز كونه مكتسبا للعبد حاصلا باختياره، إذ لا يجوز تكليف زيد ~~كتابة عمرو وخياطته، وإن كان حدوثه ممكنا، فليكن مع كونه ممكنا مقدورا ~~للمخاطب. الثالث: كونه معلوما للمأمور معلوم التمييز عن غيره حتى يتصور ~~قصده إليه، وأن يكون معلوما كونه مأمورا به من جهة الله تعالى، حتى يتصور ~~منه قصد الامتثال، وهذا يختص بما يجب فيه قصد الطاعة والتقرب، فإن قيل: ~~فالكافر مأمور بالايمان بالرسول عليه السلام وهو لا يعلم أنه مأمور به؟ # قلنا: الشرط لا بد أن يكون معلوما أو في حكم المعلوم، بمعنى أن يكون ~~العلم ممكنا بأن تكون الأدلة منصوبة والعقل والتمكن من النظر حاصلا، حتى أن ~~ما لا دليل عليه أو من لا عقل له مثل الصبي والمجنون لا يصح في حقه. ~~الرابع: أن يكون بحيث يصح إرادة إيقاعه طاعة وهو أكثر العبادات، ويستثنى من ~~هذا شيئان: أحدهما: الواجب الأول، وهو النظر المعرف للوجوب، فإنه لا يمكن ~~قصد إيقاعه طاعة وهو لا يعرف وجوبه إلا بعد الاتيان به، والثاني: أصل إرادة ~~الطاعة والاخلاص، فإنه لو افتقرت إلى إرادة لافتقرت الإرادة إلى إرادة ~~ولتسلسل ويتشعب عن شروط الفعل خمس مسائل. - مسألة (هل المكلف به ممكن ~~الحدوث؟) ذهب قوم إلى أن كون المكلف به ممكن الحدوث ليس بشرط، بل يجوز ~~تكليف ما لا يطاق، والامر بالجمع بين الضدين، وقلب الأجناس وإعدام القديم، ~~وإيجاد الموجود، وهو المنسوب إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري رحمه الله، وهو ~~لازم على مذهبه من وجهين: أحدهما: أن القاعدة عنده غير قادر على القيام إلى ~~الصلاة، لان الاستطاعة عنده مع الفعل لا قبله، وإنما يكون مأمورا قبله. ~~والآخر: أن القدرة الحادثة لا تأثير لها في إيجاد المقدور بل أفعالنا حادثة ~~بقدرة الله تعالى واختراعه، فكل عبد هو عنده مأمور بفعل الغير واستدل على ~~هذا بثلاثة أشياء: أحدها: قوله تعالى: * (ولا ms103 تحملنا ما لا طاقة لنا به) * ~~(البقرة: 286) والمحال لا يسأل دفعه، فإنه مندفع بذاته، وهو ضعيف، لان ~~المراد به ما يشق ويثقل علينا، إذ من أتعب بالتكليف بأعمال تكاد تفضي إلى ~~هلاكه لشدتها كقوله: اقتلوا أنفسكم أو أخرجوا من دياركم، فقد يقال: حمل ما ~~لا طاقة له به، فالظاهر المؤول ضعيف الدلالة في القطعيات. # الثاني: قولهم أن الله تعالى أخبر أن أبا جهل لا يصدق وقد كلفه الايمان، ~~ومعناه أن يصدق محمدا فيما جاء به ومما جاء به أنه لا يصدقه، فكأنه أمره أن ~~يصدقه في أن لا يصدقه وهو PageV00P069 # محال. وهذا ضعيف أيضا، لان أبا جهل أمر بالايمان بالتوحيد والرسالة ~~والأدلة منصوبة والعقل حاضر، إذ لم يكن هو مجنونا، فكان الامكان حاصلا، لكن ~~الله تعالى علم أنه يترك ما يقدر عليه حسدا وعنادا، فالعلم يتبع المعلوم ~~ولا يغيره، فإذا علم كون الشئ مقدورا لشخص وممكنا منه ومتروكا من جهته مع ~~القدرة عليه، فلو انقلب محالا لانقلب العلم جهلا ويخرج عن كونه ممكنا ~~مقدورا، وكذلك نقول: القيامة مقدور عليها من جهة الله تعالى في وقتنا هذا، ~~وإن أخبر أنه لا يقيمها ويتركها مع القدرة عليها، وخلاف خبره محال، إذ يصير ~~وعيده كذبا، ولكن هذه استحالة لا ترجع إلى نفس الشئ فلا تؤثر فيه. الثالث: ~~قولهم: لو استحال تكليف المحال لاستحال إما لصيغته أو لمعناه أو لمفسدة ~~تتعلق به، أو لأنه يناقض الحكمة ولا يستحيل لصيغته، إذ لا يستحيل أن يقول: ~~* (كونوا قردة خاسئين) * (البقرة: 56)، وأن يقول السيد لعبده الأعمى: أبصر، ~~وللزمن إمش، وأما قيام معناه بنفسه فلا يستحيل أيضا إذ يمكن أن يطلب من ~~عبده كونه في حالة واحدة في مكانين ليحفظ: ماله في بلدين، ومحال أن يقال ~~أنه ممتنع للمفسدة أو مناقضة الحكمة، فإن بناء الأمور على ذلك في حق الله ~~تعالى محال إذ لا يقبح منه شئ، ولا يجب عليه الأصلح، ثم الخلاف فيه وفي ~~العباد واحد، والفساد والسفه من المخلوق ممكن، فلم يمتنع ذلك مطلقا، ~~والمختار استحالة ms104 التكليف بالمحال لا لقبحه ولا لمفسدة تنشأ عنه ولا ~~لصيغته، إذ يجوز أن ترد صيغته، ولكن للتعجيز لا للطلب، كقوله تعالى: * (قل ~~كونوا حجارة أو حديدا) * (الاسراء: 05) وكقوله: * (كونوا قردة خاسئين) * ~~(البقرة: 56) أو لاظهار القدرة، كقوله تعالى: * (كن فيكون) * [البقرة: # 117، آل عمران: 47 و 59، الانعام: 73، النحل: 240، مريم: 35، (يس: 82) ~~غافر: 68 لا بمعنى أنه طلب من المعدوم أن يكون بنفسه، ولكن يمتنع لمعناه، ~~إذ معنى التكليف طلب ما فيه كلفة، والطلب يستدعي مطلوبا، وذلك المطلوب ~~ينبغي أن يكون مفهوما للمكلف بالاتفاق، فيجوز أن يقول: تحرك، إذ التحرك ~~مفهوم، فلو قال له: تمرك، فليس بتكليف، إذ معناه ليس بمعقول ولا مفهوم ولا ~~له معنى في نفسه، فإنه لفظ مهمل، فلو كان له معنى في بعض اللغات يعرفه ~~الآمر دون المأمور، فلا يكون ذلك تكليفا أيضا، لان التكليف هو الخطاب بما ~~فيه كلفة، وما لا يفهمه المخاطب لا يكون خطابا معه، وإنما يشترط كونه ~~مفهوما ليتصور منه الطاعة، لان التكليف اقتضاء طاعة، فإذا لم يكن في العقل ~~طاعة لم يكن اقتضاء الطاعة متصورا معقولا، إذ يستحيل أن يقوم بذات العاقل ~~طلب الخياطة من الشجر، لان الطلب يستدعي مطلوبا معقولا أولا، وهذا غير ~~معقول، أي لا وجود له في العقل، فإن الشئ قبل أن يوجد في نفسه، فله وجود في ~~العقل، وإنما يتوجه إليه الطلب بعد حصوله في العقل، وإحداث القديم غير داخل ~~في العقل، فكيف يقوم بذاته طلب إحداث القديم؟ وكذلك سواد الأبيض لا وجود له ~~في العقل، وكذلك قيام القاعدة، فكيف يقول له: قم وأنت قاعد؟ فهذا الطلب ~~يمتنع قيامه بالقلب لعدم المطلوب، فإنه كما يشترط في المطلوب أن يكون ~~معدوما في الأعيان، يشترط أن يكون موجودا في الأذهان، أي في العقل، حتى ~~يكون إيجاده في الأعيان على وفقه في الأذهان، فيكون طاعة وامتثالا، أي ~~احتذاء لمثال ما في نفس الطالب، فما PageV00P070 # لا مثال له في النفس لا مثال له في الوجود، فإن قيل: فإذا لم يعلم عجز ~~المأمور عن القيام تصور ms105 أن يقوم بذاته طلب القيام قلنا: ذلك طلب مبني على ~~الجهل، وربما يظن الجاهل أن ذلك تكليف فإذا انكشف تبين أنه لم يكن طلبا، ~~وهذا لا يتصور من الله تعالى. فإن قيل: # فإذا لم تؤثر القدرة الحادثة في الايجاد وكانت مع الفعل كان كل تكليف ~~تكليفا بما لا يطاق قلنا: نحن ندرك بالضرورة تفرقه بين أن يقال للقاعد الذي ~~ليس بزمن: أدخل البيت، وبين أن يقال له إطلع السماء، أو يقال له: قم، مع ~~استدامة القعود، أو إقلب السواد حركة والشجرة فرسا، إلا أن النظر في أن هذه ~~التفرقة إلى ماذا ترجع ويعلم أنها ترجع إلى تمكن، وقدرة بالإضافة إلى أحد ~~هذه الأوامر دون البقية، ثم النظر في تفصيل تأثير القدرة، وقت حدوث القدرة ~~كيف ما استقر أمره لا يشككنا في هذا، ولذلك جاز أن نقول: * (لا تحملنا ما ~~لا طاقة لنا به) * (البقرة: 682) فإن استوت الأمور كلها فأي معنى لهذا ~~الدعاء، وأي معنى لهذه التفرقة الضرورية؟ # فغرضنا من هذه المسألة غير موقوف على البحث عن وجه تأثير القدرة ووقتها، ~~وعلى الجملة سبب غموض هذا، أن التكليف نوع خاص من كلام النفس، وفي فهم أصل ~~كلام النفس غموض، فالتفريع عليه، وتفصيل أقسامه لا محالة يكون أغمض. # - مسألة (الجمع بين الأضداد) كما لا يجوز أن يقال: إجمع بين الحركة ~~والسكون، لا يجوز أن يقال: لا تتحرك ولا تسكن، لان الانتهاء عنهما محال، ~~كالجمع بينهما، فإن قيل: فمن توسط مزرعة مغصوبة فيحرم عليه المكث ويحرم ~~عليه الخروج، إذ في كل واحد، إفساد زرع الغير فهو عاص بهما؟ قلنا: حظ ~~الأصولي من هذا أن يعلم أنه لا يقال له: لا تمكث ولا تخرج، ولا ينهى عن ~~الضدين، فإنه محال: كما لا يؤمر بجمعهما، فإن قيل: فما يقال له؟ قلنا: يؤمر ~~بالخروج كما يؤمر المولج في الفرج الحرام بالنزع، وإن كان به مماسا للفرج ~~الحرام، ولكن يقال له: # إنزع على قصد التوبة، لا على قصد الالتذاذ، فكذلك في الخروج من الغصب ~~تقليل الضرر في ms106 المكث تكثيره، وأهون الضررين يصير واجبا وطاعة بالإضافة إلى ~~أعظمهما، كما يصير شرب الخمر واجبا في حق من غص بلقمة، وتناول طعام الغير ~~واجبا على المضطر في المخمصة وإفساد مال الغير ليس حراما لعينه، ولذلك لو ~~أكره عليه بالقتل وجب أو جاز، فإن قيل: فلم يجب الضمان بما يفسده في ~~الخروج؟ قلنا: الضمان لا يستدعي العدوان إذ يجب على المضطر في المخمصة مع ~~وجوب الاتلاف ويجب على الصبي وعلى من رمى إلى صف الكفار وهو مطيع به فإن ~~قيل فالمضي في الحج الفاسد إن كان حراما للزوم القضاء فلم يجب، وإن كان ~~واجبا و طاعة، فلم وجب القضاء ولم عصى به؟ قلنا: عصى بالوطء المفسد، وهو ~~مطيع بإتمام الفاسد، والقضاء يجب بأمر مجدد، وقد يجب بما هو طاعة إذا تطرق ~~إليه خلل، وقد يسقط القضاء بالصلاة في الدار المغصوبة، مع أنه عدوان، ~~فالقضاء كالضمان، فإن قيل: فبم تنكرون على أبي هاشم حيث ذهب إلى أنه لو مكث ~~عصى ولو خرج عصى، وأنه ألقى بنفسه في هذه الورطة، فحكم العصيان ينسحب على ~~فعله، قلنا: وليس لاحد أن يلقي بنفسه في حال تكلف ما لا يمكن، فمن ألقى ~~نفسه من سطح فانكسرت رجله لا يعصى بالصلاة قاعدا، وإنما يعصى بكسر الرجل لا ~~بترك الصلاة قائما، وقول القائل ينسحب PageV00P071 # عليه حكم العدوان إن أراد به أنه إنما نهي عنه مع النهي عن ضده، فهو ~~محال، والعصيان عبارة عن ارتكاب منهي، قد نهي عنه، فإن لم يكن نهي لم يكن ~~عصيان، فكيف يفرض النهي عن شئ وعن ضده أيضا؟ ومن جوز تكليف ما لا يطاق عقلا ~~فإنه يمنعه شرعا، لقوله تعالى: # * (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) * (البقرة: 682) إن قيل: فإن رجحتم جانب ~~الخروج لتقليل الضرر فما قولكم فيمن سقط على صدر صبي محفوف بصبيان وقد علم ~~أنه لو مكث قتل من تحته أو انتقل قتل من حواليه ولا ترجيح، فكيف السبيل؟ ~~قلنا: يحتمل أن يقال: # إمكث، فإن الانتقال فعل مستأنف لا يصح إلا ms107 من حي قادر، وأما ترك الحركة ~~فلا يحتاج إلى استعمال قدرة، ويحتمل أن يقال: يتخير إذ لا ترجيح، ويحتمل أن ~~يقال لا حكم لله تعالى فيه، فيفعل ما يشاء، لان الحكم لا يثبت إلا بنص أو ~~قياس على منصوص، ولا نص في هذه المسألة، ولا نظير لها في المنصوصات، حتى ~~يقاس عليه، فبقي على ما كان قبل ورود الشرع، ولا يبعد خلو واقعة عن الحكم، ~~فكل هذا محتمل، وأما تكليف المحال فمحال. # - مسألة (المقتضى بالتكليف) اختلفوا في المقتضى بالتكليف، والذي عليه ~~أكثر المتكلمين أن المقتضى به الاقدام أو الكف وكل واحد كسب العبد، فالامر ~~بالصوم أمر بالكف، والكف فعل يثاب عليه، والمقتضى بالنهي عن الزنا والشرب ~~التلبس بضد من وقال بعض أضداده، وهو الترك، فيكون مثابا على الترك الذي هو ~~فعله المعتزلة: قد يقتضي الكف فيكون فعلا، وقد يقتضي أن لا يفعل ولا يقصد ~~التلبس بضده فأنكر الأولون، هذا وقالوا: المنتهي بالنهي مثاب، ولا يثاب إلا ~~على شئ وأن لا يفعل عدم وليس بشئ، ولا تتعلق به قدرة، إذ القدرة تتعلق بشئ، ~~فلا يصح الاعدام بالقدرة، وإذا لم يصدر منه شئ فكيف يثاب على لا شئ؟ ~~والصحيح أن الامر فيه منقسم، أما الصوم فالكف فيه مقصود، ولذلك تشترط فيه ~~النية، وأما الزنا والشرب فقد نهي عن فعلهما، فيعاقب فاعلهما، ومن لم يصدر ~~منه ذلك فلا يعاقب، ولا يثاب إلا إذا قصد كف الشهوة عنهما مع التمكن، فهو ~~مثاب على فعله، وأما من لم يصدر منه المنهي عن فعله فلا يعاقب عليه ولا ~~يثاب، لأنه لم يصدر منه شئ، ولا يبعد أن يكون مقصود الشرع أن لا تصدر منه ~~الفواحش، ولا يقصد منه التلبس بأضدادها. # - مسألة (هل المكره مكلف؟) فعل المكره يجوز أن يدخل تحت التكليف، بخلاف ~~فعل المجنون والبهيمة، لان الخلل تم في المكلف لا في المكلف به، فإن شرط ~~تكليف المكلف السماع والفهم وذلك في المجنون والبهيمة معدوم، والمكره يفهم، ~~وفعله في حيز الامكان، إذ يقدر على تحقيقه وتركه، ms108 فإن أكره على أن يقتل جاز ~~أن يكلف ترك القتل، لأنه قادر عليه، وإن كان فيه خوف الهلاك، وإن كلف على ~~وفق الاكراه فهو أيضا ممكن، بأن يكره بالسيف على قتل حية همت بقتل مسلم، إذ ~~يجب قتلها، أو أكره الكافر على الاسلام، فإذا أسلم نقول: قد أدى ما كلف، ~~وقالت المعتزلة: إن ذلك محال لأنه لا يصح منه إلا فعل ما أكره عليه فلا ~~يبقى له خيرة، وهذا محال، لأنه قادر على تركه، ولذلك يجب عليه ترك ما أكره ~~عليه إذا أكره على قتل مسلم، وكذلك لو أكره على قتل حية فيجب قتل الحية، ~~وإذا أكره على إراقة الخمر فيجب عليه إراقة الخمر، وهذا ظاهر، ولكن فيه ~~غور، وذلك لان الامتثال إنما يكون طاعة إذا كان الانبعاث له PageV00P072 # بباعث الامر والتكليف دون باعث الاكراه، فإن أقدم للخلاص من سيف المكره ~~لا يكون مجيبا داعي الشرع، وإن انبعث بداعي الشرع بحيث كان يفعله لولا ~~الاكراه، بل كان يفعله لو أكره على تركه، فلا يمتنع وقوعه طاعة، لكن لا ~~يكون مكرها، وإن وجد صورة التخويف فليتنبه لهذه الدقيقة. # - مسألة (الامر بالشرط والمشروط) ليس من شرط الفعل المأمور به أن يكون ~~شرطه حاصلا حالة الامر، بل يتوجه الامر بالشرط، والمشروط، ويكون مأمورا ~~بتقديم الشرط، فيجوز أن يخاطب الكفار بفروع الاسلام، كما يخاطب المحدث ~~بالصلاة، بشرط تقديم الوضوء، والملحد بتصديق الرسول، بشرط تقديم الايمان ~~بالمرسل، وذهب أصحاب الرأي إلى إنكار ذلك، والخلاف إما في الجواز وإما في ~~الوقوع. أما الجواز العقلي: فواضح. إذ لا يمتنع أن يقول الشارع: بني ~~الاسلام على خمس وأنتم مأمورون بجميعها، وبتقديم الاسلام من جملتها، فيكون ~~الايمان مأمورا به لنفسه ولكونه شرطا لسائر العبادات، كما في المحدث ~~والملحد، فإن منع مانع الجميع وقال: كيف يؤمر بما لا يمكن امتثاله، والمحدث ~~لا يقدر على الصلاة، فهو مأمور بالوضوء، فإذا توضأ توجه عليه حينئذ الامر ~~بالصلاة قلنا: فينبغي أن يقال: لو ترك الوضوء والصلاة جميع عمره لا يعاقب ~~على ترك الصلاة، ms109 لأنه لم يؤمر قط بالصلاة، وهذا خلاف الاجماع، وينبغي أن لا ~~يصح أمره بعد الوضوء بالصلاة بل بالتكبير، فإنه يشترط تقديمه، ولا بالتكبير ~~بل بهمزة التكبير أولا، ثم بالكاف ثانيا، وعلى هذا الترتيب، وكذلك السعي ~~إلى الجمعة، ينبغي أن لا يتوجه الامر به إلا بالخطوة الأولى ثم بالثانية. ~~وأما الوقوع الشرعي فنقول: كان يجوز أن يخصص خطاب الفروع بالمؤمنين كما خصص ~~وجوب العبادات بالأحرار و المقيمين والأصحاء والطاهرات دون الحيض، ولكن ~~وردت الأدلة بمخاطبتهم، وأدلته ثلاثة: الأول: # قوله تعالى: * (ما سلككم في سقر ئ قالوا لم نك من المصلين) * (المدثر: ~~24، 34) الآية. # فأخبر أنه عذبهم بترك الصلاة وحذر المسلمين به، فإن قيل: هذه حكاية قول ~~الكفار فلا حجة فيها قلنا ذكره الله تعالى في معرض التصديق لهم بإجماع ~~الأمة، وبه يحصل التحذير، إذ لو كان كذبا لكان كقولهم، عذبنا لأنا مخلوقون ~~وموجودون، كيف وقد عطف عليه قوله: * (وكنا نكذب بيوم الدين) * (المدثر: 64) ~~فكيف يعطف ذلك على ما لا عذاب عليه فإن قيل: العقاب بالتكذيب، لكن غلظ ~~بإضافة ترك الطاعات إليه؟ قلنا: لا يجوز أن يغلظ بترك الطاعات، كما لا يجوز ~~أن يغلظ بترك المباحات التي لم يخاطبوا بها، فإن قيل: # عوقبوا إلا بترك الصلاة، لكن لاخراجهم أنفسهم بترك الايمان عن العلم بقبح ~~ترك الصلاة قلنا: هذا باطل من أوجه: أحدها: أنه ترك للظاهر من غير ضرورة، ~~ولا دليل، فإن ترك العلم بقبح ترك الصلاة غير ترك الصلاة، وقد قالوا: * (لم ~~نك من المصلين) * (المدثر: 34). # الثاني: أن ذلك يوجب التسوية بين كافر باشر القتل وسائر المحظورات وبين ~~من اقتصر على الكفر، لان كليهما استويا في إخراج النفس بالكفر عن العلم ~~بقبح المحظورات، والتسوية بينهما خلاف الاجماع. الثالث: أن من ترك النظر ~~والاستدلال ينبغي أن لا يعاقب على ترك الايمان، لأنه أخرج نفسه بترك النظر ~~عن أهلية العلم بوجوب المعرفة والايمان، فإن قيل: لم PageV00P073 # نك من المصلين أي من المؤمنين، لكن عرفوا أنفسهم بعلامة المؤمنين، كما ~~قال (ص): # نهيت عن قتل المصلين أي ms110 المؤمنين، لكن عرفهم بما هو شعارهم؟ قلنا: هذا ~~محتمل لكن الظاهر لا يترك إلا بدليل، ولا دليل للخصم الدليل الثاني: قوله ~~تعالى: # * (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله) * ~~(الفرقان: 86) إلى قوله تعالى: * (يضاعف له العذاب) * (الفرقان: 96)، ~~فالآية نص في مضاعفة عذاب من جمع بين الكفر والقتل والزنا، لا كمن جمع بين ~~الكفر والأكل والشرب. والدليل الثالث: انعقاد الاجماع على تعذيب الكافر على ~~تكذيب الرسول، كما يعذب على الكفر بالله تعالى، وهذا يهدم معتمدهم إذ ~~قالوا: لا تتصور العبادة مع الكفر، فكيف يؤمر بها؟ احتجوا بأنه لا معنى ~~لوجوب الزكاة وقضاء الصلاة عليه مع استحالة فعله في الكفر، ومع انتفاء ~~وجوبه لو أسلم، فكيف يجب ما لا يمكن امتثاله؟ قلنا: وجب حتى لو مات على ~~الكفر لعوقب على تركه، لكن إذا أسلم عفى له عما سلف، فالاسلام يجب ما قبله، ~~ولا يبعد نسخ الامر قبل التمكن من الامتثال، فكيف يبعد سقوط الوجوب ~~بالاسلام؟ فإن قيل إذا لم تجب الزكاة إلا بشرط الاسلام، والاسلام الذي هو ~~شرط الوجوب هو بعينه مسقط، فالاستدلال بهذا على أنه لم يجب أولى من إيجابه، ~~ثم الحكم بسقوطه؟ قلنا: لا بعد في قولنا: استقر الوجوب بالاسلام وسقط بحكم ~~العفو، فليس في ذلك مخالفة نص، ونصوص القرآن دلت على عقاب الكافر المتعاطي ~~للفواحش، وكذا الاجماع دل على الفرق بين كافر قتل الأنبياء والأولياء وشوش ~~الدين، وبين كافر لم يرتكب شيئا من ذلك، فما ذكرناه أولى، فإن قيل: فلم ~~أوجبتم القضاء على المرتد دون الكافر الأصلي؟ قلنا: القضاء إنما وجب بأمر ~~مجدد، فيتبع فيه موجب الدليل ولا حجة فيه، إذ قد يجب القضاء على الحائض ولم ~~تؤمر بالأداء، وقد يؤمر بالأداء من لا يؤمر بالقضاء، وقد اعتذر الفقهاء بأن ~~المرتد قد التزم بالاسلام القضاء، والكافر لم يلتزم وهذا ضعيف، فإن ما ~~ألزمه الله تعالى فهو لازم التزمه العبد أو لم يلتزمه، فإن كان يسقط بعدم ~~التزامه فالكافر الأصلي لم يلتزم العبادات، وترك ms111 المحظورات فينبغي أن لا ~~يلزمه ذلك. # الفن الرابع من القطب الأول فيما يظهر الحكم به وهو الذي يسمى سببا، ~~وكيفية نسبة الحكم إليه، وفيه أربعة فصول الفصل الأول في الأسباب إعلم أنه ~~لما عسر على الخلق معرفة خطاب الله تعالى في كل حال لا سيما بعد انقطاع ~~الوحي، أظهر الله سبحانه خطابه لخلقه بأمور محسوسة نصبها أسبابا لاحكامه، ~~وجعلها موجبة ومقتضية للأحكام على مثال اقتضاء العلة الحسية معلولها، ونعني ~~بالأسباب ها هنا أنها هي التي أضاف الاحكام إليها، كقوله تعالى: * (أقم ~~الصلاة لدلوك الشمس) * وقوله تعالى: * (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) * ~~(البقرة: 581) وقوله (ص): صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته وهذا ظاهر فيما ~~يتكرر من العبادات، كالصلاة والصوم والزكاة، فإن ما يتكرر الوجوب بتكرره، ~~فجدير بأن يسمى سببا، أما ما لا يتكرر كالاسلام والحج فيمكن أن يقال ذلك ~~معلوم بقوله تعالى: * (ولله على الناس حج البيت) * (آل عمران: 79) وكذا ~~وجوب المعرفة على كل مكلف يعلم PageV00P074 # بالعمومات فلا حاجة إلى إضافتها إلى سبب، ويمكن أن يقال سبب وجوب الايمان ~~والمعرفة الأدلة المنصوبة، وسبب وجوب الحج البيت دون الاستطاعة، ولما كان ~~البيت واحدا لم يجب الحج إلا مرة واحدة، والايمان معرفة، فإذا حصلت دامت، ~~والامر فيه قريب. # هذا قسم العبادات، وأما قسم الغرامات والكفارات والعقوبات، فلا تخفى ~~أسبابها، وأما قسم المعاملات فلحل الأموال والابضاع وحرمتها أيضا أسباب ~~ظاهرة من نكاح وبيع وطلاق وغيره، وهذا ظاهر، وإنما المقصود أن نصب الأسباب ~~أسبابا للأحكام أيضا، حكم من الشرع، فلله تعالى في الزاني حكمان. أحدهما: ~~وجوب الحد عليه. والثاني: نصب الزنا سببا للوجوب في حقه، لان الزنا لا يوجب ~~الرجم لذاته وعينه، بخلاف العلل العقلية، وإنما صار موجبا بجعل الشرع إياه ~~موجبا، فهو نوع من الحكم، فلذلك أوردناه في هذا القطب، ولذلك يجوز تعليله، ~~ونقول: نصب الزنا علة للرجم. والسرقة علة للقطع لكذا وكذا، فاللواط في ~~معناه فينتصب أيضا سببا، والنباش في معنى السارق، وسيأتي تحقيق ذلك في كتاب ~~القياس. # وأعلم أن اسم السبب مشترك في اصطلاح ms112 الفقهاء، وأصل اشتقاقه من الطريق، ~~ومن الحبل الذي به ينزح الماء من البئر وحده ما يحصل الشئ عنده لا به، فإن ~~الوصول بالسير لا بالطريق، ولكن لا بد من الطريق، ونزح الماء بالاستقاء لا ~~بالحبل، ولكن لا بد من الحبل، فاستعار الفقهاء لفظ السبب من هذا الموضع، ~~وأطلقوه على أربعة أوجه: الوجه الأول وهو أقربها إلى المستعار منه ما يطلق ~~في مقابلة المباشرة، إذ يقال: إن حافر البئر مع المردي فيه صاحب سبب، ~~والمردي صاحب علة، فإن الهلاك بالتردية لكن عند وجود البئر، فما يحصل ~~الهلاك عنده لا به يسمى سببا. الثاني: تسميتهم الرمي سببا للقتل، من حيث ~~أنه سبب للعلة، وهو على التحقيق علة العلة، ولكن لما حصل الموت لا بالرمي ~~بل بالواسطة أشبه ما لا يحصل الحكم إلا به. الثالث: تسميتهم ذات العلة مع ~~تخلف وصفها سببا، كقولهم: الكفارة تجب باليمين دون الحنث، فاليمين هو ~~السبب، وملك النصاب هو سبب الزكاة دون الحول مع أنه لا بد منهما في الوجوب ~~ويريدون بهذا السبب ما تحسن إضافة الحكم إليه، ويقابلون هذا بالمحل والشرط ~~فيقولون: ملك النصاب سبب والحول شرط. الرابع: تسميتهم الموجب سببا، فيكون ~~السبب بمعنى العلة، وهذا أبعد الوجوه عن وضع اللسان: فإن السبب في الوضع ~~عبارة عما يحصل الحكم عنده لا به، ولكن هذا يحسن في العلل الشرعية، لأنها ~~لا توجب الحكم لذاتها، بل بإيجاب الله تعالى، ولنصبه هذه الأسباب علامات ~~لاظهار الحكم، فالعلل الشرعية في معنى العلامات المظهرة، فشابهت ما يحصل ~~الحكم عنده. # الفصل الثاني: في وصف السبب بالصحة والبطلان والفساد إعلم أن هذا يطلق في ~~العبادات تارة وفي العقود أخرى، وإطلاقه في العبادات مختلف فيه، فالصحيح ~~عند المتكلمين عبارة عما وافق الشرع وجب القضاء أو لم يجب، وعند الفقهاء ~~عبارة عما أجزأ وأسقط الفضاء، حتى أن صلاة من ظن أن متطهر صحيحة في اصطلاح ~~المتكلمين، لأنه وافق الامر المتوجه عليه في الحال، وأما القضاء فوجوبه ~~بأمر مجدد، فلا يشتق منه اسم الصحة، وهذه الصلاة فاسدة ms113 عند الفقهاء، لأنها ~~غير مجزئة، وكذلك من قطع صلاته بإنقاذ PageV00P075 # غريق، فصلاته صحيحة عند المتكلم فاسدة عند الفقيه، وهذه الاصطلاحات وإن ~~اختلفت فلا مشاحة فيها، إذ المعنى متفق عليه، وأما إذا أطلق في العقود فكل ~~سبب منصوب لحكم إذا أفاد حكمه المقصود منه، يقال أنه صح، وإن تخلف عنه ~~مقصوده يقال إنه بطل، فالباطل هو الذي لا يثمر، لان السبب مطلوب لثمرته، ~~والصحيح هو الذي أثمر، والفاسد مرادف للباطل في اصطلاح أصحاب الشافعي رضي ~~الله عنه، فالعقد إما صحيح وإما باطل، وكل باطل فاسد. وأبو حنيفة أثبت قسما ~~آخر في العقود بين البطلان والصحة، وجعل الفاسد عبارة عنه، وزعم أن الفاسد ~~معتقد لإفادة الحكم، لكن المعني بفساده أنه غير مشروع بوصفه، والمعني ~~بانعقاده أنه مشروع بأصله، كعقد الربا فإنه مشروع من حيث أنه بيع، وممنوع ~~من حيث أنه يشتمل على زيادة في العوض، فاقتضى هذا درجة بين الممنوع بأصله ~~ووصفه جميعا بين المشروع بأصله ووصفه جميعا، فلو صح له هذا القسم لم يناقش ~~في التعبير عنه بالفاسد ولكنه ينازع فيه، إذ كل ممنوع بوصفه فهو ممنوع ~~بأصله كما سبق ذكره. # الفصل الثالث: في وصف العبادة بالأداء والقضاء والإعادة أعلم أن الواجب ~~إذا أدي في وقته سمي أداء، وإن أدي بعد خروج وقته المضيق أو الموسع المقدر ~~سمي قضاء، وإن فعل مرة على نوع من الخلل ثم فعل ثانيا في الوقت سمي إعادة ~~فالإعادة اسم لمثل ما فعل، والقضاء اسم لفعل مثل ما فات وقته المحدود، ~~ويتصدى النظر في شيئين: أحدهما: # أنه لو غلب على ظنه في الواجب الموسع أنه يخترم قبل الفعل، فلو أخر عصي ~~بالتأخير، فلو أخر وعاش، قال القاضي رحمه الله ما يفعله هذا قضاء لأنه تقدر ~~وقته بسبب غلبة الظن وهذا غير مرضي عندنا، فإنه لما انكشف خلاف ما ظن زال ~~حكمه، وصار كما لو علم أنه يعيش، فينبغي أن ينوي الأداء، أعني المريض إذا ~~أخر الحج إلى السنة الثانية وهو مشرف على الهلاك ثم شفي. الثاني: ms114 أن الزكاة ~~على الفور عند الشافعي رحمه الله، فلو أخر ثم أدى فيلزم على مساق كلام ~~القاضي رحمه الله أن يكون قضاء، والصحيح أنه أداء لأنه لم يعين وقته بتقدير ~~وتعيين، وأنما أوجبنا البدء بقرينة الحاجة وإلا فالأداء في جميع الأوقات ~~موافق لموجب الامر وامتثال له، وكذلك من لزمه قضاء صلاة على الفور فأخر فلا ~~نقول أنه قضاء القضاء، ولذلك نقول: يفتقر وجوب القضاء إلى أمر مجدد، ومجرد ~~الامر بالأداء كاف في دوام اللزوم، فلا يحتاج إلى دليل آخر وأمر مجدد، فإذا ~~الصحيح أن اسم القضاء مخصوص بما عين وقته شرعا ثم فات الوقت قبل الفعل. # دقيقة: أعلم أن القضاء قد يطلق مجازا وقد يطلق حقيقة، فإنه تلو الأداء ~~وللأداء أربعة أحوال: الأولى: أن يكون واجبا، فإذا تركه المكلف عمدا أو ~~سهوا وجب عليه القضاء، ولكن حط المأثم عنه عند سهوه على سبيل العفو، ~~فالاتيان بمثله بعده يسمى قضاء حقيقة. # الثانية: أن لا يجب الأداء كالصيام في حق الحائض، فإنه حرام، فإذا صامت ~~بعد الطهر فتسميته قضاء مجاز محض، وحقيقته أنه فرض مبتدأ، لكن لما تجدد هذا ~~الفرض بسبب حالة عرضت منعت من إيجاب الأداء حتى فات لفوات إيجابه سمي قضاء، ~~وقد أشكل هذا على طائفة فقالوا: وجب الصوم على الحائض دون الصلاة، بدليل ~~وجوب القضاء، وجعل هذا PageV00P076 # الاسم مجازا أولى من مخالفة الاجماع إذ لا خلاف أنه لو ماتت الحائض لم ~~تكن عاصية فكيف تؤمر بما تعصي به لو فعلته وليس الحيض كالحدث، فإن إزالته ~~تمكن، فإن قيل فلم تنوي قضاء رمضان؟ قلنا: إن عينت بذلك أنها تنوي قضاء ما ~~منع الحيض من وجوبه فهو كذلك، وإن عنيت أنه قضاء لما وجب عليها في حالة ~~الحيض فهو خطأ ومحال، فإن قيل: # فلينو البالغ القضاء لما فات في حالة الصغر، قلنا: لو أمر بذلك لنواه ~~ولكن لم يجعل فوات الايجاب بالصبا سببا لايجاب فرض مبتدأ بعد البلوغ، كيف ~~والمجاز إنما يحسن بالاشتهار، وقد اشتهر ذلك في الحيض دون الصبا، ولعل ms115 سبب ~~اختصاص اشتهاره أن الصبا يمنع أصل التكليف، والحائض مكلفة فهي بصدد الايجاب ~~الحالة الثالثة: حالة المريض والمسافر إذا لم يجب عليهما، لكنهما إن صاما ~~وقع عن الفرض، فهذا يحتمل أن يقال أنه مجاز أيضا، إذ لا وجوب، ويحتمل أن ~~يقال: إنه حقيقة، إذ فعله في الوقت لصح منه، فإذا أخل بالفعل مع صحته فعله ~~فهو شبيه بمن وجب عليه وتركه سهوا أو عمدا أو نقول: قال الله تعالى: * ~~(فعدة من أيام أخر) * (البقرة: 481 - 581) فهو على سبيل التخيير، فكان ~~الواجب أحدهما لا بعينه، إلا أن هذا البدل لا يمكن إلا بعد فوات الأول، ~~والأول سابق بالزمان فسمي قضاء لتعلقه بفواته، بخلاف العتق والصيام في ~~الكفارة إذ لا يتعلق أحدهما بفوات الآخر، ولكن يلزم على هذا أن تسمى الصلاة ~~في آخر الوقت قضاء، لأنه مخير بين التقديم والتأخير، كالمسافر، والأظهر أن ~~تسمية صوم المسافر قضاء مجاز، أو القضاء اسم مشترك بين ما فات أداؤه الواجب ~~وبين ما خرج عن وقته المشهور المعروف به، ولرمضان خصوص نسبة إلى الصوم ليس ~~ذلك لسواه، بدليل أن الصبي المسافر لو بلغ بعد رمضان لا يلزمه، ولو بلغ في ~~آخر وقت الصلاة لزمته فإخراجه عن مظنة أدائه في حق العموم يوهم كونه قضاء، ~~والذي يقتضيه التحقيق أنه ليس بقضاء، فإن قيل: فالنائم والناسي يقضيان ولا ~~خطاب عليهما، لأنهما لا يكلفان؟ قلنا: هما منسوبان إلى الغفلة والتقصير، ~~ولكن الله تعالى عفا عنهما وحط عنهما المأثم بخلاف الحائض والمسافر، ولذلك ~~يجب عليهما الامساك بقية النهار تشبها بالصائمين دون الحائض، ثم في المسافر ~~مذهبان ضعيفان: أحدهما: مذهب أصحاب الظاهر، أن المسافر لا يصح صومه في ~~السفر، لقوله تعالى: * (فعدة من أيام أخر) * (البقرة: 481 - 581) فلم يأمره ~~إلا بأيام أخر، وهو فاسد، لان سياق الكلام يفهمنا إضمار الافطار، ومعناه: ~~من كان منكم مريضا أو على سفر فأفطر فعدة من أيام أخر، كقوله تعالى: # * (فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه) * (البقرة: 06)، يعني فضرب ~~فانفجرت، ولان أصحاب رسول الله (ص) في ms116 السفر كانوا يصومون ويفطرون ولا ~~يعترض بعضهم على بعض. والثاني: مذهب الكرخي أن الواجب أيام أخر، ولكن لو ~~صام رمضان صح، وكان معجلا للواجب كمن قدم الزكاة على الحول وهو فاسد لان ~~الآية لا تفهم إلا الرخصة في التأخير وتوسيع الوقت عليه، والمؤدي في أول ~~الوقت الموسع غير معجل بل هو PageV00P077 # مؤد في وقته، كما سبق في الصلاة في أول الوقت. الحالة الرابعة: حال ~~المريض، فإن كان لا يخشى الموت في الصوم فهو كالمسافر أما الذي يخشى الموت ~~أو الضرر العظيم فيعصي بترك الاكل فيشبه الحائض من هذا الوجه، فلو صام ~~يحتمل أن يقال: لا ينعقد لأنه عاص به فكيف يتقرب بما يعصي به، ويحتمل أن ~~يقال: إنما عصي بجنايته على الروح التي هي حق الله تعالى، فيكون كالمصلي في ~~الدار المغصوبة، يعصي لتناوله حق الغير، ويمكن أن يقال: # قد قيل للمريض كل، فكيف يقال له: لا تأكل وهو معنى الصوم، بخلاف الصلاة ~~والغصب، ويمكن أن يجاب بأنه قيل له: لا تهلك نفسك، وقيل له صم، فلم يعص من ~~حيث أنه صائم، بل من حيث سعيه في الهلاك، ويلزم عليه صوم يوم النحر، فإنه ~~نهي عنه لترك إجابة الدعوة إلى أكل القرابين والضحايا، وهي ضيافة الله ~~تعالى، ويعسر الفرق بينهما جدا، فهذه احتمالات يتجاذبها المجتهدون، فإن ~~قلنا: لا ينعقد صومه، فتسمية تداركه قضاء مجاز محض، كما في حق الحائض، وإلا ~~فهو كالمسافر. # الفصل الرابع: في العزيمة والرخصة اعلم أن العزم عبارة عن القصد المؤكد: ~~قال الله تعالى: * ((20) فنسي ولم نجد له عزما) * (طه: 511) أي قصدا بليغا، ~~وسمي بعض الرسل أولي العزم، لتأكيد قصدهم في طلب الحق، والعزيمة في لسان ~~حملة الشرع عبارة عما لزم العباد بإيجاب الله تعالى، والرخصة في اللسان ~~عبارة عن اليسر والسهولة، يقال: رخص السعر إذا تراجع وسهل الشراء، وفي ~~الشريعة عبارة عما وسع للمكلف في فعله لعذر وعجز عنه مع قيام السبب المحرم، ~~فإن لم يوجبه الله تعالى علينا من صوم شوال وصلاة الضحى لا يسمى ms117 رخصة، وما ~~أباحه في الأصل من الأكل والشرب لا يسمى رخصة، ويسمى تناول الميتة رخصة، ~~وسقوط صوم رمضان عن المسافر يسمى رخصة، وعلى الجملة فهذا الاسم يطلق حقيقة ~~ومجازا فالحقيقة في الرتبة العليا كإباحة النطق بكلمة الكفر بسبب الاكراه، ~~وكذلك إباحة شرب الخمر، وإتلاف مال الغير بسب الاكراه، والمخمصة والغصص ~~بلقمة لا يسيغها إلا الخمر التي معه، وأما المجاز البعيد عن الحقيقة فتسمية ~~ما حط عنا من الاصر والأغلال التي وجبت على من قبلنا في الملل المنسوخة ~~رخصة، وما لم يجب علينا ولا على غيرنا لا يسمى رخصة، وهذا لما أوجب على ~~غيرنا، فإذا قابلنا أنفسنا به حسن إطلاق اسم الرخصة تجوزا فإن الايجاب على ~~غيرنا ليس تضييقا في حقنا، والرخصة فسحة في مقابلة التضييق، ويتردد بين ~~هاتين الدرجتين صور بعضها أقرب إلى الحقيقة وبعضها أقرب إلى المجاز، منها: ~~القصر والفطر في حق المسافر، وهو جدير بأن يسمى رخصة حقيقة، لان السبب هو ~~شهر رمضان، وهو قائم، وقد دخل المسافر تحت قوله تعالى: * (فمن شهد منكم ~~الشهر فليصمه) * (البقرة: 581) وأخرج عن العموم بعذر وعسر، أما التيمم عند ~~عدم الماء فلا يحسن تسميته رخصة، لأنه لا يمكن تكليف استعمال الماء مع ~~عدمه، فلا يمكن أن يقال: # السبب قائم مع استحالة التكليف، بخلاف المكره على الكفر والشرب، فإنه ~~قادر على الترك، نعم: تجويز ذلك عند المرض أو الجراحة أو بعد الماء عنه أو ~~بيعه بأكثر من ثمن المثل رخصة، بل التيمم عند فقهاء الماء، كالاطعام عند ~~فقد الرقبة، وذلك ليس برخصة، بل أوجبت PageV00P078 # الرقبة في حالة، والاطعام في حالة، فلا نقول السبب قائم عند فقد الرقبة، ~~بل الظهار سبب لوجوب العتق في حالة، ولوجوب الاطعام في حالة، فإن قيل: إن ~~كان سبب وجوب الوضوء مندفعا عند فقد الماء، فسبب تحريم الكفر والشرب ~~والميتة مندفع عند خوف الهلاك، فكان المحرم محرم بشرط انتفاء الخوف، قلنا: ~~المحرم في الميتة الخبث، وفي الخمر الاسكار وفي الكفر كونه جهلا بالله ~~تعالى أو كذبا عليه، وهذه المحرمات ms118 قائمة، وقد اندفع حكمها بالخوف، فكل ~~تحريم اندفع بالعذر والخوف مع إمكان تركه يسمى اندفاعه رخصة ولا يمنع من ~~ذلك تغيير العبارة، بأن يجعل انتفاء العذر شرطا مضموما إلى الموجب، فإن ~~قيل: # فالرخص تنقسم إلى ما يعصى بتركه، كترك أكل الميتة، والافطار عند خوف ~~الهلاك، وإلى ما لا يعصى كالافطار والقصر وترك كلمة الكفر، وترك قتل من ~~أكره على قتل نفسه، فكيف يسمى ما يجب الاتيان به رخصة؟ وكيف فرق بين البعض ~~والبعض؟ قلنا أما تسميته رخصة وإن كانت واجبة فمن حيث أن فيه فسحة، إذ لم ~~يكلف إهلاك نفسه بالعطش، وجوز له تسكينه بالخمر وأسقط عنه العقاب، فمن حيث ~~إسقاط العقاب عن فعله هو فسحة ورخصة، ومن حيث إيجاب العقاب على تركه هو ~~عزيمة. وأما سبب الفرق: فأمور مصلحية رآها المجتهدون، وقد اختلفوا فيها: ~~فمنهم من لم يجوز الاستسلام للصائل، ومنهم من جوز وقال: قتل غيره محظور ~~كقتله، وإنما جوز له نظرا له، وله أن يسقط حق نفسه إذا قابله مثله، وليس له ~~أن يهلك نفسه ليمتنع عن ميتة وخمر، فإن حفظ المهجة أهم في الشرع من ترك ~~الميتة والخمر في حالة نادرة، ومنها السلم: فإنه بيع ما لا يقدر على تسليمه ~~في الحال، فقد يقال إنه رخصة لان عموم نهيه (ص) في حديث حكيم بن حزام: عن ~~بيع ما ليس عنده يوجب تحريمه، وحاجة المفلس اقتضت الرخصة في السلم، ولا شك ~~في أن تزويج الآبقة يصح ولا يسمى ذلك رخصة، فإذا قوبل ببيع الآبق فهو فسحة، ~~لكن قيل النكاح عقد آخر فارق شرطه البيع، فلا مناسبة بينهما، ويمكن أن ~~يقال: السلم عقد آخر، فهو بيع دين، وذلك بيع عين، فافترقا، وافتراقهما في ~~الشرط لا يلحق أحدهما بالرخص، فيشبه أن يكون هذا مجازا، فقول الراوي: نهي ~~عن بيع ما ليس عند الانسان وأرخص في السلم تجوز في الكلام، واعلم أن بعض ~~أصحاب الرأي قالوا: حد الرخصة أنه الذي أبيح مع كونه حراما، وهذا متناقض، ~~فإن الذي أبيح لا يكون ms119 حراما، وحذق بعضهم وقال: ما أرخص فيه مع كونه حراما، ~~وهو مثل الأول، لان الترخيص إباحة أيضا، وقد بنوا هذا على أصلهم إذ قالوا ~~الكفر قبيح لعينه فهو حرام، فبالاكراه رخص له فيما هو قبيح في نفسه، وعن ~~هذا لو أصر ولم يتلفظ بالكفر كان مثابا، وزعموا أن المكره على الافطار لو ~~لم يفطر يثاب، لان الافطار قبيح، والصوم قيام بحق الله تعالى، والمكره على ~~إتلاف المال أيضا لو استسلم قالوا يثاب، والمكره على تناول الميتة وشرب ~~الخمر زعموا أنه يأثم إن لم يتناول، وفي هذه التفاصيل نظر فقهي لا يتعلق ~~بمحض الأصول، والمقصود أن قولهم أنه رخص في الحرام متناقض لا وجه له والله ~~تعالى أعلم. وقد تم النظر في القطب الأول وهو النظر في حقيقة الحكم وأقسامه ~~فلننظر الآن في مثمر الحكم وهو الدليل. PageV00P079 # القطب الثاني في أدلة الاحكام وهي أربعة الكتاب والسنة والاجماع، ودليل ~~العقل المقرر على النفي الأصلي، فأما قول الصحابي وشريعة من قبلنا فمختلف ~~فيه. # الأصل الأول من أصول الأدلة كتاب الله تعالى واعلم أنا إذا حققنا النظر ~~بان أن أصل الاحكام واحد، وهو قول الله تعالى، إذ قول مشغول الرسول (ص) ليس ~~بحكم ولا ملزم، بل هو مخبر عن الله تعالى أنه حكم بكذا وكذا، فالحكم لله ~~تعالى وحده، والاجماع يدل على السنة، والسنة على حكم الله تعالى، وأما ~~العقل فلا يدل على الأحكام الشرعية بل يدل على نفي الاحكام عند انتفاء ~~السمع، فتسمية العقل أصلا من أصول الأدلة تجوز على ما يأتي تحقيقه، إلا أنا ~~إذا نظرنا إلى ظهور الحكم في حقنا فلا يظهر إلا بقول الرسول عليه السلام، ~~لأنا لا نسمع الكلام من الله تعالى ولا من جبريل، فالكتاب يظهر لنا بقول ~~الرسول (ص)، فإذن إن اعتبرنا المظهر لهذه الأحكام فهو قول الرسول فقط، إذ ~~الاجماع يدل على أنهم استندوا إلى قوله، وإن اعتبرنا السبب الملزم فهو ~~واحد، وهو حكم الله تعالى، لكن إذا لم نجرد النظر وجمعنا المدارك صارت ~~الأصول التي ms120 يجب النظر فيها أربعة كما سبق، فلنبدأ بالكتاب والنظر في ~~حقيقته، ثم في حده المميز له عما ليس بكتاب، ثم في ألفاظه، ثم في أحكامه. # النظر الأول: في حقيقته ومعناه هو الكلام القائم بذات الله تعالى، وهو ~~صفة قديمة من صفاته، والكلام اسم مشترك قد يطلق على الألفاظ الدالة على ما ~~في النفس تقول: # سمعت كلام فلان وفصاحته، وقد يطلق على مدلول العبارات، وهي المعاني التي ~~في النفس كما قيل: # إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا وقال الله ~~تعالى: * (ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول) * (المجادلة: 8) ~~وقال تعالى: * (وأسروا قولكم أو اجهروا به) * (الملك: 31) فلا سبيل إلى ~~إنكار كون هذا الاسم مشتركا، وقد قال قوم: وضع في الأصل للعبارات، وهو مجاز ~~في مدلولها، وقيل عكسه ولا يتعلق به غرض بعد ثبوت الاشتراك، وكلام النفس ~~ينقسم إلى خبر واستخبار، وأمر ونهي وتنبيه، وهي معان تخالف بجنسها الإرادات ~~والعلوم، وهي متعلقة بمتعلقاتها لذاتها كما تتعلق القدرة والإرادة والعلم، ~~وزعم قوم أنه يرجع إلى العلوم والإرادات، وليس جنسا برأسه، وإثبات ذلك على ~~المتكلم لا على الأصولي. # فصل كلام الله تعالى واحد، وهو مع وحدته متضمن لجميع معاني الكلام كما أن ~~علمه واحد، وهو مع وحدته محيط بما لا يتناهى من المعلومات، حتى لا يعزب عن ~~علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، وفهم ذلك غامض، وتفهيمه على ~~المتكلم لا على PageV00P080 # الأصولي، وأما كلام النفس في حقنا، فهو يتعدد كما تتعدد العلوم، ويفارق ~~كلامه كلامنا من وجه آخر، وهو أن أحدا من المخلوقين لا يقدر على أن يعرف ~~غيره كلام نفسه إلا بلفظ أو رمز أو فعل والله تعالى قادر على أن يخلق لمن ~~يشاء من عباده علما ضروريا بكلامه من غير توسط حرف وصوت ودلالة، ويخلق لهم ~~السمع أيضا بكلامه من غير توسط صوت وحرف ودلالة، ومن سمع ذلك من غير توسط ~~فقد سمع كلام الله تحقيقا، وهو خاصية موسى صلوات الله تعالى عليه وعلى ~~نبينا ms121 وسائر الأنبياء، وأما من سمعه من غيره ملكا كان أو نبيا كان تسميته ~~سامعا كلام الله تعالى، كتسميتنا من سمع شعر المتنبي من غيره بأنه سمع شعر ~~المتنبي، وذلك أيضا جائز، ولاجله قال الله تعالى: * (وإن أحد من المشركين ~~استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله) * (التوبة: 6). # النظر الثاني في حده وحد الكتاب ما نقل إلينا بين دفتي المصحف على الأحرف ~~السبعة المشهورة، نقلا متواترا، ونعني بالكتاب القرآن المنزل، وقيدناه ~~بالمصحف لان الصحابة بالغوا في الاحتياط في نقله، حتى كرهوا التعاشير ~~والنقط، وأمروا بالتجريد كيلا يختلط بالقرآن غيره، ونقل إلينا متواترا، ~~فعلم أن المكتوب في المصحف المتفق عليه هو القرآن، وأن ما هو خارج عنه فليس ~~منه، إذ يستحيل في العرف والعادة مع توفر الدواعي على حفظه أن يهمل بعضه، ~~فلا ينقل أو يخلط به ما ليس منه، فإن قيل: هلا حددت تموه بالعجز؟ قلنا: لا، ~~لان كونه معجزا يدل على صدق الرسول عليه السلام، لا على كونه كتاب الله ~~تعالى لا محالة، إذ يتصور الاعجاز بما ليس بكتاب الله تعالى: ولان بعض ~~الآية ليس بمعجز، وهو من الكتاب، فإن قيل: فلم شرطتم التواتر؟ قلنا: ليحصل ~~العلم به، لان الحكم بما لا يعلم جهل وكون، الشئ كلام الله تعالى أمر حقيقي ~~ليس بوضعي، حتى يتعلق بظننا، فيقال إذا ظننتم كذا فقد حرمنا عليكم فعلا أو ~~حللناه لكم، فيكون التحريم معلوما عند ظننا ويكون ظننا علامة يتعلق التحريم ~~به، لان التحريم بالوضع، فيمكن الوضع عند الظن، وكون الشئ كلام الله تعالى ~~أمر حقيقي ليس بوضعي، فالحكم فيه بالظن جهل، ويتشعب عن حد الكلام مسألتان: # - مسألة (حكم تتابع الصيام في كفارة اليمين) التتابع في صوم كفارة اليمين ~~ليس بواجب على قول، وإن قرأ ابن مسعود: # فصيام ثلاثة أيام متتابعات، لأن هذه الزيادة لم تتواتر، فليست من القرآن، ~~فتحمل على أنه ذكرها في معرض البيان لما اعتقده مذهبا، فلعله اعتقد التتابع ~~حملا لهذا المطلق على المقيد بالتتابع في الظهار، وقال أبو حنيفة يجب، لأنه ms122 ~~وإن لم يثبت كونه قرآنا فلا أقل من كونه خبرا، والعمل يجب بخبر الواحد، ~~وهذا ضعيف، لان خبر الواحد لا دليل على كذبه، وهو أن جعله من القرآن فهو ~~خطأ قطعا، لأنه وجب على رسول الله (ص) أن يبلغه طائفة من الأمة تقوم الحجة ~~بقولهم، وكان لا يجوز له مناجاة الواحد به، وإن لم يجعله من القرآن احتمل ~~أن يكون ذلك مذهبا له، لدليل قد دله عليه، واحتمل أن يكون خبرا، وما تردد ~~بين أن يكون خبرا أو لا يكون فلا يجوز العمل به، وإنما يجوز العمل بما يصرح ~~الراوي بسماعه من رسول الله (ص). PageV00P081 # - مسألة (هل البسملة آية أم لا؟) البسملة آية من القرآن، لكن هل هي آية ~~من أول كل سورة: فيه خلاف، وميل الشافعي رحمه الله إلى أنها آية من كل سورة ~~الحمد، وسائر السور، لكنها في أول كل سورة آية برأسها، وهي مع أول آية من ~~سائر السور آية، وهذا مما نقل عن الشافعي رحمه الله فيه تردد، وهذا أصح من ~~قول من حمل تردد قول الشافعي على أنها هل هي من القرآن في أول كل سورة، بل ~~الذي يصح أنها حيث كتبت مع القرآن بخط القرآن فهي من القرآن، فإن قيل ~~القرآن لا يثبت إلا بطريق قاطع متواتر، فإن كان هذا قاطعا فكيف اختلفوا ~~فيه، وإن كان مظنونا فكيف يثبت القرآن بالظن، ولو جاز هذا لجاز إيجاب ~~التتابع في صوم كفارة اليمين بقول ابن مسعود، ولجاز للروافض أن يقولوا: قد ~~ثبتت إمامة علي رضي الله عنه بنص القرآن ونزلت فيه آيات أخفاها الصحابة ~~بالتعصب، وإنما طريقنا في الرد عليهم أنا نقول: نزل القرآن معجزة للرسول ~~عليه السلام، وأمر الرسول عليه السلام بإظهاره مع قوم تقوم الحجة بقولهم ~~وهم أهل التواتر، فلا يظن بهم التطابق على الاخفاء، ولا مناجاة الآحاد به ~~حتى لا يتحدث أحد بالانكار، فكانوا يبالغون في حفظ القرآن، حتى كانوا ~~يضايقون في الحروف، ويمنعون من كتبة أسامي السور مع القرآن، ومن التعاشير ~~والنقط، ms123 كيلا يختلط بالقرآن غيره، فالعادة تحيل الاخفاء فيجب أن يكون طريق ~~ثبوت القرآن القطع، وعن هذا المعنى قطع القاضي رحمه الله بخطأ من جعل ~~البسملة من القرآن إلا في سورة النمل فقال: لو كانت من القرآن لوجب على ~~الرسول عليه السلام أن يبين أنها من القرآن بيانا قاطعا للشك والاحتمال، ~~إلا أنه قال: أخطئ القائل به ولا أكفره، لان نفيها من القرآن لم يثبت أيضا ~~بنص صريح متواتر، فصاحبه مخطئ وليس بكافر، واعترف بأن البسملة منزلة على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أول كل سورة، وأنها كتبت مع القرآن بأمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان رسول ~~الله (ص) لا يعرف ختم سورة وابتداء أخرى حتى ينزل عليه جبريل ببسم الله ~~الرحمن الرحيم، لكنه لا يستحيل أن ينزل عليه ما ليس بقرآن، وأنكر قول من ~~نسب عثمان رضي الله عنه إلى البدعة في كتبه بسم الله الرحمن الرحيم في أول ~~كل سورة، وقال لو أبدع لاستحال في العادة سكوت أهل الدين عنه مع تصلبهم في ~~الدين، كيف وقد أنكروا على من أثبت أسامي السور والنقط والتعشير فما بالهم ~~لم يجيبوا بأنا أبدعنا ذلك، كما أبدع عثمان رضي الله عنه كتبه البسملة لا ~~سيما واسم السور يكتب بخط آخر متميز عن القرآن، والبسملة مكتوبة بخط القرآن ~~متصلة به بحيث لا تتميز عنه، فتحيل العادة السكوت على من يبدعها، لولا أنه ~~بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم والجواب أنا نقول: لا وجه لقطع القاضي ~~بتخطئة الشافعي رحمه الله، لان إلحاق ما ليس بقرآن بالقرآن كفر، كما أنه من ~~ألحق القنوت أو التشهد أو التعوذ بالقرآن فقد كفر، فمن ألحق البسملة لم لا ~~يكفر ولا سبب له إلا أنه يقال لم يثبت انتفاؤه من القرآن بنص متواتر، ~~فنقول: لو لم يكن من القرآن لوجب على الرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~التصريح بأنه ليس من القرآن وإشاعة ذلك على وجه يقطع الشك، ms124 كما في التعوذ ~~والتشهد، فإن قيل: ما ليس من القرآن لا حصر له، حتى ينفي إنما الذي يجب ~~التنصيص عليه ما هو PageV00P082 # من القرآن، قلنا: هذا صحيح لو لم تكتب البسملة بأمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مع القرآن بخط القرآن، ولو لم يكن منزلا على رسول الله (ص) مع ~~أول كل سورة، وذلك يوهم قطعا أنه من القرآن، ولا يظن برسول الله (ص) أنه لم ~~يعرف كونه موهما، ولا جواز السكوت عن نفيه مع توهم الحاقه، فإذا القاضي ~~رحمه الله يقول: لو كان من القرآن لقطع الشك بنص متواتر تقوم الحجة به، ~~ونحن نقول: لو لم يكن من القرآن لوجب على رسول الله (ص) التصريح بأنه ليس ~~من القرآن وإشاعته ولنفاه بنص متواتر بعد أن أمر بكتبه بخط القرآن، إذ لا ~~عذر في السكوت عن قطع هذا التوهم، فأما عدم التصريح بأنه من القرآن فإنه ~~كان اعتمادا على قرائن الأحوال إذ كان يملي على الكاتب مع القرآن، وكان ~~الرسول عليه السلام في أثناء إملائه لا يكرر مع كل كلمة وآية أنها من ~~القرآن، بل كان جلوسه له وقرائن أحواله تدل عليه، وكان يعرف كل ذلك قطعا، ~~ثم لما كانت البسملة أمر بها في أول كل أمر ذي بال، ووجد ذلك في أوائل ~~السور، ظن قوم أنه كتب على سبيل التبرك، وهذا الظن خطأ، ولذلك قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما: # سرق الشيطان من الناس آية من القرآن لما ترك بعضهم قراءة البسملة في أول ~~السورة، فقطع بأنها آية، ولم ينكر عليه كما ينكر على من ألحق التعوذ ~~والتشهد بالقرآن، فدل على أن ذلك كان مقطوعا به وحدث الوهم بعده، فإن قيل ~~بعد حدوث الوهم والظن صارت البسملة اجتهادية وخرجت عن مظنة القطع، فكيف ~~يثبت القرآن بالاجتهاد؟ قلنا: جوز القاضي رحمه الله الخلاف في عدد الآيات ~~ومقاديرها، وأقر بأن ذلك منوط باجتهاد القراء وأنه لم يبين بيانا شافيا ~~قاطعا للشك، والبسملة من القرآن في سورة النمل، هي مقطوع بكونها ms125 من القرآن، ~~وإنما الخلاف في أنها من القرآن مرة واحدة أو مرات، كما كتبت، فهذا يجوز أن ~~يقع الشك فيه، ويعلم بالاجتهاد، لأنه نظر في تعيين موضع الآية بعد كونها ~~مكتوبة بخط القرآن، فهذا جائز وقوعه، والدليل على إمكان الوقوع وأن ~~الاجتهاد قد تطرق إليه أن النافي لم يكفر الملحق، والملحق لم يكفر النافي، ~~بخلاف القنوت والتشهد، فصارت البسملة نظرية، وكتبها بخط القرآن مع القرآن ~~مع صلابة الصحابة وتشددهم في حفظ القرآن عن الزيادة قاطع أو كالقاطع في ~~أنها من القرآن، فإن قيل: فالمسألة، صارت نظرية وخرجت عن أن تكون معلومة ~~بالتواتر علما ضروريا فهي قطعية أو ظنية؟ قلنا: الانصاف أنها ليست قطعية بل ~~هي اجتهادية، ودليل جواز الاجتهاد فيها وقوع الخلاف فيها في زمان الصحابة ~~رضي الله عنهم حتى قال ابن عباس رضي الله عنهما: سرق الشيطان من الناس آية، ~~ولم يكفر بإلحاقها بالقرآن ولا أنكر عليه، ونعلم أنه لو نقل الصديق رضي ~~الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: البسملة من سورة الحمد، وأوائل ~~السور المكتوبة معها، لقبل ذلك بسبب كونها مكتوبة بأمر رسول الله (ص)، ولو ~~نقل أن القنوت مع القرآن لعلم بطلان ذلك بطريق قاطع لا يشك فيه، وعلى ~~الجملة: إذا أنصفنا وجدنا أنفسنا شاكين في مسألة البسملة، قاطعين في مسألة ~~التعوذ والقنوت، وإذا نظرنا في كتبها مع القرآن بأمر رسول الله (ص) مع ~~سكوته عن التصريح بنفي كونها من القرآن بعد تحقق سبب الوهم PageV00P083 # كان ذلك دليلا ظاهرا كالقطع في كونها من القرآن، فدل أن الاجتهاد لا ~~يتطرق إلى أصل القرآن أما ما هو من القرآن وهو مكتوب بخطه فالاجتهاد فيه ~~يتطرق إلى تعيين موضعه وأنه من القرآن مرة أو مرات، وقد أوردنا أدلة ذلك في ~~كتاب حقيقة القرآن وتأويل ما طعن به على الشافعي رحمه الله من ترديده القول ~~في هذه المسألة، فإن قيل: قد أوجبتم قراءة البسملة في الصلاة، وهو مبني على ~~كونها قرآنا، وكونها قرآنا لا يثبت بالظن، فإن الظن ms126 علامة وجوب العمل في ~~المجتهدات، وإلا فهو جهل أي ليس بعلم، فليكن كالتتابع في قراءة ابن مسعود ~~قلنا: وردت أخبار صحيحة صريحة في وجوب قراءة البسملة، وكونها قرآنا متواترا ~~معلوم وإنما المشكوك فيه أنها قرآن مرة في سورة النمل أو مرات كثيرة في أول ~~كل سورة، فكيف تساوي قراءة ابن مسعود ولا يثبت بها القرآن ولا هي خبر، ~~وهاهنا صحت أخبار في وجوب البسملة وصح بالتواتر أنها من القرآن، وعلى ~~الجملة فالفرق بين المسألتين ظاهر. # النظر الثالث في ألفاظه وفيه ثلاث مسائل: # - مسألة (الحقيقة والمجاز) ألفاظ العرب تشتمل على الحقيقة والمجاز كما ~~سيأتي في الفرق بينهما، فالقرآن يشتمل على المجاز خلافا لبعضهم، فنقول: ~~المجاز اسم مشترك، قد يطلق على الباطل الذي لا حقيقة له، والقرآن منزه عن ~~ذلك، ولعله الذي أراده من أنكر اشتمال القرآن على المجاز، وقد يطلق على ~~اللفظ الذي تجوز به عن موضوعه، وذلك لا ينكر في القرآن مع قوله تعالى: * ~~(أولئك) * (يوسف: 28)، وقوله: * (جدارا يريد أن ينقض) * (الكهف: 77)، ~~وقوله: * (لهدمت صوامع وبيع وصلوات) * (الحج: 04)، فالصلوات كيف تهدم * (أو ~~جاء أحد منكم من الغائط) * (النساء: 43 والمائدة: 6) * (الله نور السماوات ~~والأرض) يؤذن الله وهو يريد رسوله. * (الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات ~~قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله ~~واعلموا أن الله مع المتقين) * (البقرة: 491)، والقصاص حق، فكيف يكون ~~عدوانا؟ (وجزاء سيئة سيئة مثلها) * (الشورى: 04) * (ذلول) * (البقرة: 51) * ~~(ويمكرون ويمكر الله) * (الأنفال: 03)، * (كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها ~~الله) * (المائدة: 46) * ((18) أحاط بهم سرادقها) * (الكهف: 92) وذلك ما لا ~~يحصى وكل ذلك مجاز كما سيأتي. # - مسألة (هل القرآن كله عربي؟) قال القاضي رحمه الله القرآن عربي كله لا ~~عجمية فيه، وقال قوم: فيه لغة غير العرب، واحتجوا بأن المشكاة هندية، ~~والاستبرق فارسية، وقوله: * (وفاكهة وأبا) * (عبس: 13) قال بعضهم: الأب ليس ~~من لغة العرب، والعرب قد تستعمل اللفظة العجمية فقد استعمل في بعض القصائد ~~العثجاة يعني صدر المجلس، وهو معرب، كمشكاة، وقد تكلف القاضي إلحاق هذه ~~الكلمات بالعربية، ms127 وبين أوزانها، وقال: كل كلمة في القرآن استعملها أهل لغة ~~أخرى فيكون أصلها عربيا، وإنما غيرها غيرهم تغييرا ما كما غير العبرانيون ~~فقالوا للإلاه: لاهوت، وللناس: ناسوت، وأنكر أن يكون في القرآن لفظ عجمي ~~مستدلا بقوله تعالى: * (لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين) ~~PageV00P084 # * (النحل: 301)، وقال: أقوى الأدلة قوله تعالى: (ولو جعلناه قرآنا أعجميا ~~لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي) * (فصلت: 44) ولو كان فيه لغة العجم ~~لما كان عربيا محضا بل عربيا وعجميا، ولاتخذ العرب ذلك حجة وقالوا: نحن لا ~~نعجز عن العربية، أما العجمية فنعجز عنها، وهذا غير مرضي عندنا إذ اشتمال ~~جميع القرآن على كلمتين أو ثلاث أصلها عجمي، وقد استعملتها العرب، ووقعت في ~~ألسنتهم لا يخرج القرآن عن كونه عربيا، وعن إطلاق هذا الاسم عليه، ولا ~~يتمهد للعرب حجة فإن الشعر الفارسي يسمى فارسيا، وإن كانت فيه آحاد كلمات ~~عربية إذا كانت تلك الكلمات متداولة في لسان الفرس فلا حاجة إلى هذا التكلف ~~. - مسألة (المحكم والمتشابه في القرآن) في القرآن محكم ومتشابه، كما قال ~~تعالى: * (منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات) * (آل عمران: 07) ~~واختلفوا في معناه، وإذا لم يرد توقيف في بيانه فينبغي أن يفسر بما يعرفه ~~أهل اللغة، ويناسب اللفظ من حيث الوضع ولا يناسبه قولهم: # المتشابه هي الحروف المقطعة في أوائل السور، والمحكم ما وراء ذلك، ولا ~~قولهم المحكم ما يعرفه الراسخون في العلم والمتشابه ما ينفرد الله تعالى ~~بعلمه، ولا قولهم المحكم الوعد والوعيد، والحلال والحرام والمتشابه القصص ~~والأمثال، وهذا أبعد، بل الصحيح أن المحكم يرجع إلى معنيين: أحدهما: ~~المكشوف المعنى الذي لا يتطرق إليه إشكال واحتمال والمتشابه ما تعارض فيه ~~الاحتمال. الثاني: أن المحكم ما انتظم وترتب ترتيبا مفيدا ما على ما ظاهر ~~أو على تأويل ما لم يكن فيه متناقض ومختلف، لكن هذا المحكم يقابله المثبج، ~~والفاسد دون المتشابه، وأما المتشابه فيجوز أن يعبر به عن الأسماء ~~المشتركة، كالقرء، وكقوله تعالى: * (الذي بيده عقدة النكاح) * (البقرة: ~~732) فإنه مردد ms128 بين الزوج والولي، و كاللمس المردد بين المس والوطئ، وقد ~~يطلق على ما ورد في صفات الله مما يوهم ظاهره الجهة والتشبيه ويحتاج إلى ~~تأويله، فإن قيل: قوله تعالى: * (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في ~~العلم) * (آل عمران: 7) الواو للعطف أم الأولى الوقف على الله؟ قلنا: كل ~~واحد محتمل، فإن كان المراد به وقت القيامة، فالوقف أولى، وإلا فالعطف، إذ ~~الظاهر أن الله تعالى لا يخاطب العرب بما لا سبيل إلى معرفته لاحد من ~~الخلق، فإن قيل: فما معنى الحروف في أوائل السور، إذ لا يعرف أحد معناها؟ ~~قلنا: أكثر الناس فيها وأقربها أقاويل: أحدها: أنها أسامي السور حتى تعرف ~~بها، فيقال: سورة يس وطه، وقيل: ذكرها الله تعالى لجمع دواعي العرب إلى ~~الاستماع لأنها تخالف عادتهم فتوقظهم عن الغفلة حتى تصرف قلوبهم إلى ~~الاصغاء فلم يذكرها لإرادة معنى، وقيل: إنما ذكرها كناية عن سائر حروف ~~المعجم التي لا يخرج عنها جميع كلام العرب تنبيها أنه ليس يخاطبهم إلا ~~بلغتهم وحروفهم، وقد ينبه ببعض الشئ على كله، يقال قرأ سورة البقرة وأنشد " ~~ألا هبي " يعني جميع السورة والقصيدة قال الشاعر: # يناشدني حاميم والرمح شاجر * فهلا تلا حاميم قبل التقدم كنى بحاميم عن ~~القرآن، فقد ثبت أنه ليس في القرآن ما لا تفهمه العرب، فإن قيل PageV00P085 # العرب إنما تفهم من قوله تعالى: * (وهو القاهر فوق عباده) * (الانعام: ~~81) و: * (الرحمن على العرش استوى) * (طه: 5) الجهة والاستقرار، وقد أريد ~~به غيره، فهو متشابه؟ قلنا: # هيهات فإن هذه كنايات واستعارات يفهمها المؤمنون من العرب، المصدقون بأن ~~الله تعالى ليس كمثله شئ، وأنها مؤولة تأويلات تناسب تفاهم العرب. # النظر الرابع في أحكامه ومن أحكامه تطرق التأويل إلى ظاهر ألفاظه وتطرق ~~التخصيص إلى صيغ عمومه، وتطرق النسخ إلى مقتضياته، أما التخصيص والتأويل ~~فسيأتي في القطب الثالث إذا فصلنا وجوه الاستثمار والاستدلال من الصيغ ~~والمفهوم وغيرها، وأما النسخ فقد جرت العادة بذكره بعد كتاب الاخبار، لان ~~النسخ يتطرق إلى الكتاب والسنة جميعا، لكنا ذكرناه في أحكام ms129 الكتاب ~~لمعنيين: أحدهما: إن إشكاله وغموضه من حيث تطرقه إلى كلام الله تعالى مع ~~استحالة البداءة عليه. الثاني: إن الكلام على الاخبار قد طال لأجل تعلقه ~~بمعرفة طرقها من التواتر والآحاد، فرأينا ذكره على أثر أحكام الكتاب أولى. # وهذا: # كتاب النسخ والنظر في حده وحقيقته ثم في إثباته على منكريه، ثم في أركانه ~~وشروطه وأحكامه فنرسم فيه أبوابا الباب الأول: في حده وحقيقته وإثباته أما ~~حده: فاعلم أن النسخ عبارة عن الرفع والإزالة في وضع اللسان، يقال: نسخت ~~الشمس الظل، ونسخت الريح الآثار إذا أزالتها، وقد يطلق لإرادة نسخ الكتاب، ~~فهو مشترك، ومقصودنا النسخ الذي هو بمعنى الرفع والإزالة فنقول: حده أنه ~~الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ~~ثابتا به مع تراخيه عنه، وإنما آثرنا لفظ الخطاب على لفظ النص ليكون شاملا ~~للفظ والفحوى والمفهوم وكل دليل، إذ يجوز النسخ بجميع ذلك، وإنما قيدنا ~~الحد بالخطاب المتقدم، لان ابتداء إيجاب العبادات في الشرع مزيل حكم العقل ~~من براءة الذمة، ولا يسمى نسخا، لأنه لم يزل حكم خطاب، وإنما قيدنا بارتفاع ~~الحكم، ولم نقيد بارتفاع الأمر والنهي ليعم جميع أنواع الحكم، من الندب ~~والكراهة والإباحة، فجميع ذلك قد ينسخ، وإنما قلنا: لولاه لكان الحكم ثابتا ~~به، لان حقيقة النسخ الرفع، فلو لم يكن هذا ثابتا لم يكن هذا رافعا، لأنه ~~إذا ورد أمر بعبادة موقتة وأمر بعبادة أخرى بعد تصرم ذلك الوقت لا يكون ~~الثاني نسخا، فإذا قال: * (ثم أتموا الصيام إلى الليل) * (البقرة: 781)، ثم ~~قال: في الليل لا تصوموا، لا يكون ذلك نسخا بل الرافع ما لا يرتفع الحكم ~~لولاه، وإنما قلنا: مع تراخيه عنه، لأنه لو اتصل به لكان بيانا وإتماما ~~لمعنى الكلام وتقديرا له بمدة أو شرط، وإنما يكون رافعا إذا ورد بعد أن ورد ~~الحكم واستقر بحيث يدوم لولا الناسخ. وأما الفقهاء فإنهم لم يعقلوا الرفع ~~لكلام الله تعالى فقالوا في حد النسخ: أنه الخطاب الدال الكاشف عن مدة ~~العبادة أو ms130 عن زمن انقطاع العبادة، وهذا يوجب أن يكون قوله: صم بالنهار ~~PageV00P086 # وكل بالليل نسخا، وقوله تعالى: * (ثم أتموا الصيام إلى الليل) * (البقرة: ~~781) نسخا، وليس فيه معنى الرفع ولا يغنيهم أن يزيدوا شرط التراخي، فإن ~~قوله الأول إذا لم يتناول إلا النهار فهو متقاعد عن الليل بنفسه، فأي معنى ~~لنسخه، وإنما يرفع ما دخل تحت الخطاب الأول وأريد باللفظ الدلالة عليه، وما ~~ذكروه تخصيص، وسنبين وجه مفارقة النسخ للتخصيص، بل سنبين أن الفعل الواحد ~~إذا أمر به في وقت واحد يجوز نسخه قبل التمكن من الامتثال وقبل وقته فلا ~~يكون بيانا لانقطاع مدة العبادة. وأما المعتزلة فإنهم حدوه: بأنه الخطاب ~~الدال على أن مثل الحكم الثابت بالنص المتقدم زائل على وجهه، لولاه لكان ~~ثابتا، وربما أبدلوا لفظ الزائل بالساقط، وربما أبدلوه بالغير الثابت كل ~~ذلك حذرا من الرفع وحقيقة النسخ الرفع فكأنهم أخلوا الحد عن حقيقة المحدود ~~فإن قيل تحقيق معنى الرفع في الحكم يمتنع من خمسة أوجه: الأول: أن المرفوع ~~إما حكم ثابت أو ما لا ثبات له، والثابت لا يمكن رفعه، وما لا ثبات له لا ~~حاجة إلى رفعه، فدل أن النسخ هو رفع مثل الحكم الثابت لا رفع عينه أو هو ~~بيان لمدة العبادة كما قاله الفقهاء. الثاني: أن كلام الله تعالى قديم ~~عندكم والقديم لا يتصور رفعه. الثالث: أن ما أثبته الله تعالى إنما أثبته ~~لحسنه، فلو نهى عنه لادى إلى أن ينقلب الحسن قبيحا وهو محال. الرابع: أن ما ~~أمر به أراد وجوده، فما كان مرادا كيف ينهى عنه حتى يصير مراد العدم ~~مكروها. الخامس: أنه يدل على البداء، فإنه نهى عنه بعدما أمر به، فكأنه بدا ~~له فيما كان قد حكم به وندم عليه. فالاستحالة الأولى: من جهة استحالة نفس ~~الرفع، والثانية: من جهة قدم الكلام، والثالثة: من جهة صفة ذات المأمور في ~~كونه حسنا قبيحا، والرابعة: من جهة الإرادة المقترنة بالامر، والخامسة: من ~~جهة العلم المتعلق به وظهور البداء بعده. والجواب عن الأول: أن ms131 الرفع من ~~المرفوع كالكسر من المكسور وكالفسخ من العقد، إذ لو قال قائل: ما معنى كسر ~~الآنية وإبطال شكلها من تربيع وتسديس وتدوير فإن الزائل بالكسر تدوير موجود ~~أو معدوم، والمعدوم لا حاجة إلى إزالته، والموجود لا سبيل إلى إزالته، ~~فيقال: معناه أن استحكام شكل الآنية يقتضي بقاء صورتها دائما لولا ما ورد ~~عليه من السبب الكاسر، فالكاسر قطع ما اقتضاه استحكام بنية الآنية لولا ~~الكسر، فكذلك الفسخ يقطع حكم العقد من حيث أن الذي ورد عليه لولاه لدام، ~~فإن البيع سبب للملك مطلقا، بشرط أن لا يطرأ قاطع، وليس طريان القاطع من ~~الفسخ مبينا لنا أن البيع في وقته انعقد مؤقتا ممدودا إلى غاية الفسخ فإنا ~~نعقل أن نقول بعتك هذه الدار سنة، ونعقل أن نقول: بعتك وملكتك أبدا، ثم ~~نفسخ بعد انقضاء السنة، وندرك الفرق بين الصورتين، وأن الأول وضع لملك قاصر ~~بنفسه، والثاني: وضع لملك مطلق مؤبد إلى أن يقطع بقاطع، فإذا فسخ كان الفسخ ~~قاطعا لحكمه الدائم بحكم العقد لولا القاطع لا بيانا لكونه في نفسه قاصر، ~~وبهذا يفارق النسخ التخصيص، فإن التخصيص يبين لنا أن اللفظ ما أريد به ~~الدلالة إلا على البعض، والنسخ يخرج عن اللفظ ما أريد به الدلالة عليه، ~~ولأجل خفاء معنى الرفع أشكل على الفقهاء ووقعوا في إنكار معنى النسخ. وأما ~~الجواب عن الثاني: وهو استحالة رفع الكلام القديم فهو فاسد، إذ ليس معنى ~~النسخ رفع الكلام، بل قطع تعلقه بالمكلف والكلام PageV00P087 # القديم يتعلق بالقادر العاقل، فإذا طرأ العجز والجنون زال التعلق، فإذا ~~عاد العقل والقدرة عاد التعلق، والكلام القديم لا يتغير في نفسه، فالعجز ~~والموت سبب من جهة المخاطب يقطع تعلق الخطاب عنه، والنسخ سبب من جهة ~~المخاطب يقطع تعلق الخطاب كما أن حكم البيع وهو ملك المشتري إياه تارة ~~ينقطع بموت العبد المبيع، وتارة بفسخ العاقد، ولأجل خفاء هذه المعاني أنكر ~~طائفة قدم الكلام. وأما الجواب عن الثالث: وهو انقلاب الحسن قبيحا فقد ~~أبطلنا معنى الحسن والقبح، وأنه لا ms132 معنى لهما، وهذا أولى من الاعتذار بأن ~~الشئ يجوز أن يحسن في وقت ويقبح في وقت، لأنه قد قال في رمضان: لا تأكل ~~بالنهار وكل بالليل، لان النسخ ليس مقصورا عندنا على مثل ذلك، بل يجوز أن ~~يأمر بشئ واحد في وقت وينهى عنه قبل دخول الوقت، فيكون قد نهى عما أمر به ~~كما سيأتي. وأما الجواب عن الرابع: وهو صيرورة المراد مكروها فهو باطل، لان ~~الامر عندنا يفارق الإرادة، فالمعاصي مرادة عندنا وليست مأمورا بها وسيأتي ~~تحقيقه في كتاب الأوامر. وأما الجواب عن الخامس وهو لزوم البداء، فهو فاسد، ~~لأنه إن كان المراد أنه يلزم من النسخ أن يحرم ما أباح، وينهى عما أمر فذلك ~~جائز * (يمحو الله ما يشاء ويثبت) * (الرعد: 93) ولا تناقض فيه، كما أباح ~~الاكل بالليل وحرمه بالنهار، وإن كان المراد أنه انكشف له ما لم يكن عالما ~~به، فهو محال، ولا يلزم ذلك من النسخ، بل يعلم الله تعالى أنه يأمرهم بأمر ~~مطلق ويديم عليهم التكليف إلى وقت معلوم، ثم يقطع التكليف بنسخه عنهم ~~فينسخه في الوقت الذي علم نسخه فيه، وليس فيه تبين بعد جهل، فإن قيل: فهم ~~مأمورون في علمه إلى وقت النسخ أو أبدا فإن كان إلى وقت النسخ فالنسخ قد ~~بين وقت العبادة كما قاله الفقهاء، وإن كانوا مأمورين أبدا فقد تغير علمه ~~ومعلومه، قلنا: هم مأمورون في علمه إلى وقت النسخ الذي هو قطع الحكم المطلق ~~عنهم، الذي لولاه لدام الحكم كما يعلم الله تعالى البيع المطلق مفيدا للملك ~~إلى أن ينقطع بالفسخ: ولا يعلم البيع في نفسه قاصرا على مدة، بل يعلمه ~~مقتضيا لملك مؤبد بشرط أن لا يطرأ قاطع، لكن يعلم أن النسخ سيكون، فينقطع ~~الحكم لانقطاع شرطه لا لقصوره في نفسه، فليس إذا في النسخ لزوم البداء، ~~ولأجل قصور فهم اليهود عن هذا أنكروا النسخ، ولأجل قصور فهم الروافض عنه ~~ارتكبوا البداء ونقلوا عن علي رضي الله عنه أنه كان لا يخبر عن الغيب مخافة ~~أن يبدو ms133 له تعالى فيه فيغيره، وحكوا عن جعفر بن محمد أنه قال: ما بدا الله ~~في شئ كما بدا له في إسماعيل أي في أمره بذبحه، وهذا هو الكفر الصريح، ~~ونسبة الاله تعالى إلى الجهل والتغير، ويدل على استحالته ما دل على أنه ~~محيط بكل شئ علما وأنه ليس محلا للحوادث والتغيرات، وربما احتجوا بقوله ~~تعالى: * (يمحو الله ما يشاء ويثبت) * (الرعد: 93) وإنما معناه أنه يمحو ~~الحكم المنسوخ ويثبت الناسخ، أو يمحو السيئات بالتوبة، كما قال تعالى: * ~~(إن الحسنات يذهبن السيئات) * (هود: 411) ويمحو الحسنات بالكفر والردة، أو ~~يمحو ما ترفع إليه الحفظة من المباحات ويثبت الطاعات، فإن قيل: فما الفرق ~~بين التخصيص والنسخ؟ # قلنا: هما مشتركان من وجه إذ كل واحد يوجب اختصاص الحكم ببعض ما تناوله ~~اللفظ لكن التخصيص بيان أن ما أخرج عن عموم الصيغة ما أريد باللفظ الدلالة ~~عليه، والنسخ PageV00P088 # يخرج عن اللفظ ما قصد به الدلالة عليه، فإن قوله: إفعل أبدا، يجوز أن ~~ينسخ، وما أريد باللفظ بعض الأزمنة، بل الجميع، لكن بقاؤه مشروط بأن لا يرد ~~ناسخ، كما إذا قال: ملكتك أبدا، ثم يقول: فسخت، فالفسخ هذا إبداء ما ينافي ~~شرط استمرار الحكم بعد ثبوته، وقصد الدلالة عليه باللفظ، فلذلك يفترقان في ~~خمسة أمور: الأول: أن الناسخ يشترط تراخيه، والتخصيص يجوز اقترانه، لأنه ~~بيان بل يجب اقترانه عند من لا يجوز تأخير البيان. الثاني: أن التخصيص لا ~~يدخل في الامر بمأمور واحد، والنسخ يدخل عليه. والثالث: أن النسخ لا يكون ~~إلا بقول وخطاب، والتخصيص قد يكون بأدلة العقل والقرائن وسائر أدلة السمع. ~~الرابع: أن التخصيص يبقى دلالة اللفظ على ما بقي تحته حقيقة كان أو مجازا، ~~على ما فيه من الاختلاف، والنسخ يبطل دلالة المنسوخ في مستقبل الزمان ~~بالكلية. الخامس: أن تخصيص العام المقطوع بأصله جائز بالقياس، وخبر الواحد ~~وسائر الأدلة، ونسخ القاطع لا يجوز إلا بقاطع، وليس من الفرق الصحيح قول ~~بعضهم أن النسخ لا يتناول إلا الأزمان، والتخصيص يتناول الأزمان والأعيان ~~والأحوال، وهذا تجوز ms134 واتساع، لان الأعيان والأزمان ليست من أفعال المكلفين، ~~والنسخ يرد على الفعل في بعض الأزمان، والتخصيص أيضا يرد على الفعل في بعض ~~الأحوال، فإذا قال: اقتلوا المشركين إلا المعاهدين، معناه لا تقتلوهم في ~~حالة العهد واقتلوهم في حالة الحرب، والمقصود أن ورود كل واحد منهما على ~~الفعل وهذا القدر كاف في الكشف عن حقيقة النسخ. # الفصل الثاني: من هذا الباب في إثباته على منكريه والمنكر إما جوازه عقلا ~~أو وقوعه سمعا، أما جوازه عقلا فيدل عليه أنه لو امتنع لكان إما ممتنعا ~~لذاته وصورته أو لما يتولد عنه من مفسدة أو أداء إلى محال ولا يمتنع ~~لاستحالة ذاته وصورته، بدليل ما حققناه من معنى الرفع، ودفعناه من ~~الاشكالات عنه، ولا يمتنع لأدائه إلى مفسدة وقبح، فإنا أبطلنا هذه القاعدة ~~وإن سامحنا بها فلا بعد في أن يعلم الله تعالى مصلحة عباده في أن يأمرهم ~~بأمر مطلق حتى يستعدوا له ويمتنعوا، بسبب العزم عن معاص وشهوات، ثم يخفف ~~عنهم، وأما وقوعه سمعا فيدل عليه الاجماع والنص، أما الاجماع فاتفاق الأمة ~~قاطبة على أن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم نسخت شرع من قبله، إما بالكلية ~~وإما فيما يخالفها فيه، وهذا متفق عليه، فمنكر هذا خارق للاجماع، وقد ذهب ~~شذوذ من المسلمين إلى إنكار النسخ، وهم مسبوقون بهذا الاجماع، فهذا الاجماع ~~حجة عليهم وإن لم يكن حجة على اليهود. وأما النص فقوله تعالى: # * (وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر) * ~~(النحل: 101) الآية. # والتبديل يشتمل على رفع وإثبات، والمرفوع إما تلاوة وإما حكم وكيفما كان، ~~فهو رفع ونسخ، فإن قيل: ليس المعني به رفع المنزل، فإن ما أنزل لا يمكن ~~رفعه وتبديله، لكن المعني به تبديل مكان الآية بإنزال آية بدل ما لم ينزل، ~~فيكون ما لم ينزل كالمبدل بما أنزل، قلنا: هذا تعسف بارد، فإن الذي لم ينزل ~~كيف يكون مبدلا، والبدل يستدعي مبدلا، وكيف يطلق اسم التبديل على ابتداء ~~الانزال فهذا هوس وسخف. والدليل الثاني: ms135 قوله تعالى: # * (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم) * (النساء: 061) ~~ولا معنى للنسخ PageV00P089 # إلا تحريم ما أحل، وكذلك قوله تعالى: * (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت ~~بخير منها أو مثلها) * (البقرة: 601) فإن قيل لعله أراد به التخصيص؟ قلنا: ~~قد فرقنا بين التخصيص والنسخ فلا سبيل إلى تغيير اللفظ، كيف والتخصيص لا ~~يستدعي بدلا مثله أو خيرا منه، وإنما هو بيان معنى الكلام. الدليل الثالث: ~~ما اشتهر في الشرع من نسخ تربص الوفاة حولا بأربعة أشهر وعشر، ونسخ فرض ~~تقديم الصدقة أمام مناجاة الرسول (ص) حيث قال تعالى: * (فقدموا بين يدي ~~نجواكم صدقة) * (المجادلة: 21) ومنه نسخ تحويل القبلة عن بيت المقدس إلى ~~الكعبة بقوله تعالى: * (فول وجهك شطر المسجد الحرام) * (البقرة: 441) وعلى ~~الجملة اتفقت الأمة على إطلاق لفظ النسخ في الشرع، فإن قيل: # معناه نسخ ما في اللوح المحفوظ إلى صحف الرسل والأنبياء وهو بمعنى نسخ ~~الكتاب ونقله؟ قلنا: فإذا شرعنا منسوخ كشرع من قبلنا، وهذا اللفظ كفر ~~بالاتفاق كيف وقد نقلنا من قبلة إلى قبلة، ومن عدة إلى عدة، فهو تغيير ~~وتبديل ورفع قطعا. # الفصل الثالث: في مسائل تتشعب عن النظر في حقيقة النسخ وهي ست مسائل - ~~مسألة (هل ينسخ الامر؟) يجوز عندنا نسخ الامر قبل التمكن من الامتثال، ~~خلافا للمعتزلة، وصورته أن يقول الشارع في رمضان، حجوا في هذه السنة، ثم ~~يقول قبل يوم عرفة: لا تحجوا فقد نسخت عنكم الامر، أو يقول: إذبح ولدك ~~فيبادر إلى إحضار أسبابه، فيقول: قبل ذبحه لا تذبح فقد نسخت عنك الامر، لان ~~النسخ عندنا رفع للامر أي لحكم الامر ومدلوله، وليس بيانا لخروج المنسوخ عن ~~لفظ الامر، بخلاف التخصيص، فلو قال: صلوا أبدا، فيجوز أن ينسخ بعد سنة وجوب ~~في المستقبل، لا بمعنى أنه لم يقصد باللفظ الأول الدلالة على جميع الأزمان، ~~ولكن بمعنى قطع حكم اللفظ بعد دوامه، إذ كان دوامه مشروطا بعدم النسخ، فكل ~~أمر مضمن بشرط أن لا ينسخ، فكأنه يقول: صلوا أبدا ما لم أنهكم، ms136 ولم أنسخ ~~عنكم أمري، وإذا كان كذلك، عقل نسخ الحج قبل عرفة، ونسخ الذبح قبل فعله، ~~لان الامر قبل التمكن حاصل، وإن كان أمرا بشرط التمكن، لان الامر بالشرط ~~ثابت، ولذلك يعلم المأمور كونه مأمورا قبل التمكن من الامتثال، ولما لم ~~تفهم المعتزلة هذا أنكروا ثبوت الامر بالشرط كما سيأتي فساد مذهبهم في كتاب ~~(الأوامر) وأقرب دليل على فساده أن المصلي ينوي الفرض، وامتثال الامر في ~~ابتداء الصلاة، وربما يموت في أثنائها وقبل تمام التمكن، ولو مات قبل لم ~~يتبين أنه لم يكن مأمورا، بل نقول: كان مأمورا بأمر مقيد بشرط، والامر ~~المقيد بالشرط ثابت في الحال وجد الشرط أو لم يوجد، وهم يقولون: إذا لم ~~يوجد الشرط علمنا انتفاء الامر من أصله، وإنا كنا نتوهم وجوبه، فبأن أنه لم ~~يكن، فهذه المسألة فرع لتلك المسألة، ولذلك أحالت المعتزلة النسخ قبل ~~التمكن وقالوا أيضا: إنه يؤدي إلى أن يكون الشئ الواحد في وقت واحد على وجه ~~واحد مأمورا منهيا حسنا قبيحا مكروها مرادا مصلحة مفسدة، وجميع ما يتعلق ~~بالحسن والقبح والصلاح والفساد قد أبطلناه، ولكن يبقى لهم مسلكان: المسلك ~~الأول أن الشئ الواحد في وقت واحد كيف يكون منهيا عنه ومأمورا به على وجه ~~واحد؟ وفي الجواب عنه طريقتان: الأولى: إنا لا نسلم أنه منهي عنه ~~PageV00P090 # على الوجه الذي هو مأمور به، بل على وجهين، كما ينهى عن الصلاة مع الحدث ~~ويؤمر بها مع الطهارة، وينهى عن السجود للصنم ويؤمر بالسجود لله عز وجل ~~لاختلاف الوجهين، ثم اختلفوا في كيفية اختلاف الوجهين فقال قوم: هو مأمور ~~بشرط بقاء الامر منهي عنه عند زوال الامر، فهما حالتان مختلفتان، ومنهم من ~~أبدل لفظ بقاء الامر بانتفاء النهي أو بعدم المنع، والألفاظ متقاربة، وقال ~~قوم: هو مأمور بالفعل في الوقت المعين، بشرط أن يختار الفعل والعزم، وإنما ~~ينهى عنه إذا علم أنه لا يختاره، وجعلوا حصول ذلك في علم الله تعالى بشرط ~~هذا النسخ، وقال قوم: يأمر بشرط كونه مصلحة، وإنما يكون مصلحة ms137 مع دوام ~~الامر، أما بعد النهي فيخرج عن كونه مصلحة، وقال قوم: إنما يأمر في وقت ~~يكون الامر مصلحة ثم يتغير الحال فيصير النهي مصلحة، وأنما يأمر الله تعالى ~~به مع علمه بأن إيجابه مصلحة مع دوام الامر، أما بعد النهي فيخرج عن كونه ~~مصلحة، وقال قوم: إنما يأمر الله به مع العلم بأن الحال ستتغير، ليعزم ~~المكلف على فعله إن بقيت المصلحة في الفعل، وكل هذا متقارب، وهو ضعيف، لان ~~الشرط ما يتصور أن يوجد، وأن لا يوجد، فإما ما لا بد منه فلا معنى لشرطيته، ~~والمأمور لا يقع مأمورا إلا عند دوام الامر وعدم النهي، فكيف يقول: آمرك ~~بشرط أن لا أنهاك، فكأنه يقول: آمرك بشرط أن آمرك، وبشرط أن يتعلق الامر ~~بالمأمور، وبشرط أن يكون الفعل المأمور به حادثا أو عرضا أو غير ذلك مما لا ~~بد منه، فهذا لا يصلح للشرطية، وليس هذا كالصلاة مع الحدث والسجود للصنم، ~~فإن الانقسام يتطرق إليه، ومن رغب في هذه الطريقة فأقرب العبارات أن يقول: ~~الامر بالشئ قبل وقته يجوز أن يبقى حكمه على المأمور إلى وقته، ويجوز أن ~~يزال حكمه قبل وقته، فيجوز أن يجعل بقاء حكمه شرطا في الامر فيقال: إفعل ما ~~أمرتك به إن لم يزل حكم أمري عنك بالنهي عنه، فإذا نهى عنه كان قد زال حكم ~~الامر فليس منهيا على الوجه الذي أمر به. الطريقة الثانية: أنا لا نلتزم ~~إظهار اختلاف الوجه، لكن نقول: يجوز أن يقول: ما أمرناك أن تفعله على وجه ~~فقد نهيناك عن فعله على ذلك الوجه ولا استحالة فيه، إذ ليس المأمور حسنا في ~~عينه، أو لوصف هو عليه قبل الامر به حتى يتناقض ذلك، ولا المأمور مرادا حتى ~~يتناقض أن يكون مرادا مكروها، بل جميع ذلك من أصول المعتزلة، وقد أبطلناها، ~~فإن قيل: فإذا علم الله تعالى أنه سينهى عنه فما معنى أمره بالشئ الذي يعلم ~~انتفاءه قطعا لعلمه بعواقب الأمور؟ قلنا: لا يصح ذلك إن كانت عاقبة أمره ~~معلومة ms138 للمأمور، أما إذا كان مجهولا عند المأمور معلوما عند الآمر أمكن ~~الامر لامتحانه بالعزم والاشتغال بالاستعداد المانع له من أنواع اللهو ~~والفساد، حتى يعرض بالعزم للثواب، وبتركه للعقاب، وربما يكون فيه لطف ~~واستصلاح، كما سيأتي تحقيقه في كتاب الأوامر والعجب من إنكار المعتزلة ثبوت ~~الامر بالشرط، مع أنهم جوزوا الوعد من العالم بعواقب الأمور بالشرط وقالوا: ~~وعد الله على الطاعة ثوابا بشرط عدم ما يحبطها من الفسق والردة، وعلى ~~المعصية عقابا بشرط خلوها عما يكفرها من التوبة، والله تعالى عالم بعاقبة ~~أمر من يموت على الردة والتوبة، ثم شرط ذلك في وعده، فلم يستحل أن يشرط في ~~أمره ونهيه، وتكون شرطيته بالإضافة إلى العبد الجاهل بعاقبة الامر فيقول: ~~أثيبك على PageV00P091 # طاعتك ما لم تحبطها بالردة وهو عالم بأنه يحبط أم لا يحبط، وكذلك يقول: ~~أمرتك بشرط البقاء والقدرة وبشرط أن لا أنسخ عنك. # المسلك الثاني في إحالة النسخ قبل التمكن قولهم: الأمر والنهي عندكم كلام ~~الله تعالى القديم، وكيف يكون الكلام الواحد أمرا بالشئ الواحد ونهيا عنه ~~في وقت واحد، بل كيف يكون الرافع والمرفوع واحدا، والناسخ والمنسوخ كلام ~~الله تعالى؟ قلنا: هذا إشارة إلى إشكالين: أحدهما: كيفية اتحاد كلام الله ~~تعالى، ولا يختص ذلك بهذه المسألة، بل ذلك عندنا، كقولهم: العالمية حالة ~~واحدة ينطوي فيها العلم بما لا نهاية من التفاصيل، وإنما يحل إشكاله في ~~الكلام. أما الثاني: فهو أن كلامه واحد، وهو أمر بالشئ ونهي عنه، ولو علم ~~المكلف ذلك دفعة واحدة لما تصور منه اعتقاد الوجوب والعزم على الأداء، ولم ~~يكن ذلك منه بأولى من اعتقاد التحريم والعزم على الترك فنقول: كلام الله ~~تعالى في نفسه واحد، وهو بالإضافة إلى شئ أمر، وبالإضافة إلى شئ خبر، ولكنه ~~إنما يتصور الامتحان به إذا سمع المكلف كليهما في وقتين، ولذلك شرطنا ~~التراخي في النسخ، ولو سمع كليهما في وقت واحد لم يجز، وأما جبريل عليه ~~السلام فإنه يجوز أن يسمعه في وقت واحد إذ لم يكن هو مكلفا، ثم ms139 يبلغ الرسول ~~(ص) في وقتين إن كان ذلك الرسول داخلا تحت التكليف، فإن لم يكن فيبلغ في ~~وقت واحد، لكن يؤمر بتبليغ الأمة في وقتين: فيأمرهم مطلقا بالمسالمة وترك ~~قتال الكفار، ومطلقا باستقبال بيت المقدس في كل صلاة، ثم ينهاهم عنها بعد ~~ذلك، فيقطع عنهم حكم الامر المطلق، كما يقطع حكم العقد بالفسخ، ومن أصحابنا ~~من قال الامر: لا يكون أمرا قبل بلوغ المأمور، فلا يكون أمرا ونهيا في حالة ~~واحدة، بل في حالتين، فهذا أيضا يقطع التناقض ويدفعه، ثم الدليل القاطع من ~~جهة السمع على جوازه قصة إبراهيم عليه السلام، ونسخ ذبح ولده عنه، قبل ~~الفعل، وقوله تعالى: * (وفديناه بذبح عظيم) * (الصافات: 701)، فقد أمر بفعل ~~واحد، ولم يقصر في البدار والامتثال،، ثم نسخ عنه، وقد اعتاص هذا على ~~القدرية حتى تعسفوا في تأويله وتحزبوا فرقا، وطلبوا الخلاص من خمسة أوجه: ~~أحدها: أن ذلك كان مناما لا أمرا. الثاني: أنه كان أمرا لكن قصد به تكليفه ~~العزم على الفعل لامتحان سره في صبره على العزم فالذبح لم يكن مأمورا به. ~~الثالث: أنه لم ينسخ الامر، لكن قلب الله تعالى عنقه نحاسا أو حديدا فلم ~~ينقطع، فانقطع التكليف لتعذره. الرابع: المنازعة في المأمور، وأن المأمور ~~به كان هو الاضجاع والتل للجبين وإمرار السكين دون حقيقة الذبح. الخامس: ~~جحود النسخ، وأنه ذبح امتثالا، فالتأم واندمل والذاهبون إلى هذا التأويل، ~~اتفقوا على أن إسماعيل ليس بمذبوح، واختلفوا في كون إبراهيم عليه السلام ~~ذابحا، فقال قوم: هو ذابح للقطع، والولد غير مذبوح لحصول الالتئام، وقال ~~قوم: ذابح لا مذبوح له محال، وكل ذلك تعسف وتكلف. أما الأول: وهو كونه ~~مناما، فمنام الأنبياء جزء من النبوة، وكانوا يعرفون أمر الله تعالى به، ~~فلقد كانت نبوة جماعة من الأنبياء عليهم السلام بمجرد المنام، ويدل على ~~فهمه الامر قول ولده إفعل ما تؤمر، ولو لم يؤمر لكان كاذبا، وأنه لا يجوز ~~قصد الذبح، والتل للجبين بمنام لا أصل له، وأنه سماه البلاء المبين ~~PageV00P092 # ، وأي بلاء في المنام، ms140 وأي معنى للفداء. وأما الثاني: وهو أنه كان مأمورا ~~بالعزم اختبارا فهو محال، لان علام الغيوب لا يحتاج إلى الاختبار، ولان ~~الاختبار إنما يحصل بالايجاب، فإن لم يكن إيجاب لم يحصل اختبار، وقولهم: ~~العزم هو الواجب محال، لان العزم على ما ليس بواجب لا يجب، بل هو تابع ~~للمعزوم، ولا يجب العزم ما لم يعتقد وجوب المعزوم عليه، ولو لم يكن المعزوم ~~عليه واجبا لكان إبراهيم عليه السلام أحق بمعرفته من القدرية، كيف وقد قال: ~~* (إني أرى في المنام أني أذبحك) *، فقال له ولده: * (إفعل ما تؤمر يعني: ~~الذبح، وقوله تعالى: # * (وتله للجبين) * (الصافات: 103) استسلام لفعل الذبح لا للعزم. وأما ~~الثالث: وهو أن الاضجاع بمجرده هو المأمور به، فهو محال، إذ لا يسمى ذلك ~~ذبحا ولا هو بلاء ولا يحتاج إلى الفداء بعد الامتثال. وأما الرابع: وهو ~~إنكار النسخ، وأنه امتثل، لكن انقلب عنقه حديدا ففات التمكن فانقطع ~~التكليف، فهذا لا يصح على أصولهم، لان الامر بالمشروط لا يثبت عندهم، بل ~~إذا علم الله تعالى أنه يقلب عنقه حديدا فلا يكون آمرا بما يعلم امتناعه، ~~فلا يحتاج إلى الفداء فلا يكون بلاء في حقه. وأما الخامس: وهو أنه فعل ~~والتأم فهو محال لان الفداء كيف يحتاج إليه بعد الالتئام، ولو صح ذلك ~~لأشتهر وكان ذلك من آياته الظاهرة، ولم ينقل ذلك قط، وإنما هو اختراع من ~~القدرية فإن قيل: أليس قد قال: * (قد صدقت الرؤيا) * (الصافات: 105) قلنا: ~~معناه أنك عملت في مقدماته عملا مصدقا بالرؤيا، والتصديق غير التحقيق ~~والعمل. # - مسألة (هل نسخ بعض العبادة نسخ لها؟) إذا نسخ بعض العبادة أو شرطها أو ~~سنة من سننها كما لو أسقطت ركعتان من أربع: أو أسقط شرط الطهارة، فقد قال ~~قائلون: هو نسخ لبعض العبادة لا لأصلها، قال قائلون: هو نسخ لأصل العبادة، ~~وقال قائلون: نسخ الشرط ليس نسخا للأصل، أما نسخ البعض فهو نسخ للأصل: ولم ~~يسمحوا بتسمية الشرط بعضا، ومنهم من أطلق ذلك، وكشف الغطاء عندنا أن نقول: ~~إذا أوجب ms141 أربع ركعات ثم اقتصر على ركعتين فقد نسخ أصل العبادة، لان حقيقة ~~النسخ الرفع والتبديل، ولقد كان حكم الأربع الوجوب، فنسخ وجوبها بالكلية، ~~والركعتان عبادة أخرى، لا أنها بعض من الأربعة، إذ لو كانت بعضا لكان من ~~صلى الصبح أربعا فقد أتى بالواجب وزيادة، كما لو صلى بتسليمتين، وكما لو ~~وجب عليه درهم فتصدق بدرهمين، فإن قيل: إذا رد الأربع إلى ركعة فقد كانت ~~الركعة حكمها أنها غير مجزية، والآن صارت مجزئة، فهل هذا نسخ آخر مع نسخ ~~الأربع؟ قلنا: كون الركعة غير مجزئة معناه أن وجودها كعدمها وهذا حكم أصلي ~~عقلي ليس من الشرع، والنسخ هو رفع ما ثبت بالشرع، فإذا لم يرد بلفظ النسخ ~~إلا الرفع كيف كان من غير نظر إلى المرفوع، فهذا نسخ، لكنا بينا في حد ~~النسخ خلافه، وأما إذا أسقطت الطهارة فقد نسخ وجوب الطهارة وبقيت الصلاة ~~واجبة، نعم: كان حكم الصلاة بغير طهارة أن لا تجزئ، والآن صارت مجزئة، لكن ~~هذا تغيير لحكم أصلي لا لحكم شرعي، فإن الصلاة بغير طهارة لم تكن مجزئة: ~~لأنها لم تكن مأمورا بها شرعا، فإن قيل: كانت صحة الصلاة متعلقة بالطهارة، ~~فنسخ تعلق صحتها بها شرعا فهو نسخ متعلق بنفس العبادة، فالصلاة مع الطهارة ~~غير الصلاة مع الحدث، كما أن الثلاث غير الأربع، فليكن هذا نسخا لتلك ~~PageV00P093 # الصلاة أو إيجابا بغيرها؟ قلنا: لهذا تخيل قوم أن نسخ شرط العبادة كنسخ ~~البعض، ولا شك أنه لو أوجب الصلاة مع الحدث لكان نسخا لايجابها مع الطهارة، ~~وكانت هذه عبادة أخرى: # أما إذا جوزت الصلاة كيف كانت مع الطهارة وغير الطهارة، فقد كانت الصلاة ~~بغير طهارة غير مجزئة لبقائها على الحكم الأصلي، إذ لم يؤمر بها، فالآن ~~جعلت مجزئة، وارتفع الحكم الأصلي، أما صحة الصلاة وأنها كانت متعلقة ~~بالطهارة فنسخ هذا التعلق نسخ لأصل العبادة ، أو نسخ لتعلق الصحة، ولمعنى ~~الشرطية هذا فيه نظر، والخطب فيه يسير، فليس يتعلق به كبر فائدة، وأما إذا ~~نسخت سنة من سننها لا يتعلق ms142 بها الاجزاء، كالوقوف على يمين الامام، أو ستر ~~الرأس، فلا شك أن هذا لا يتعرض للعبادة بالنسخ، فإذا تبعيض مقدار العبادة ~~نسخ لأصل العبادة، وتبعيض السنة لا يتعرض للعبادة، وتبعيض الشرط فيه نظر، ~~وإذا حقق كان إلحاقه بتبعيض قدر العبادة أولى. # - مسألة (هل الزيادة على النص نسخ أم لا؟) الزيادة على النص نسخ عند قوم، ~~وليست بنسخ عند قوم، والمختار عندنا التفصيل فنقول: ينظر إلى تعلق الزيادة ~~بالمزيد عليه، والمراتب فيه ثلاثة: الأولى: أن يعلم أنه لا يتعلق به، كما ~~إذا أوجب الصلاة والصوم، ثم أوجب الزكاة والحج، لم يتغير حكم المزيد عليه، ~~إذ بقي وجوبه وأجزاؤه، والنسخ هو رفع حكم وتبديل ولم يرتفع. الرتبة ~~الثانية: وهي في أقصى البعد عن الأولى أن تتصل الزيادة بالمزيد عليه اتصال ~~اتحاد يرفع التعدد والانفصال، كما لو زيد في الصبح ركعتان، فهذا نسخ إذ كان ~~حكم الركعتين الاجزاء والصحة وقد ارتفع، نعم: الأربعة استؤنف إيجابها ولم ~~تكن واجبة، وهذا ليس بنسخ، إذ المرفوع هو الحكم الأصلي دون الشرعي، فإن ~~قيل: اشتملت الأربعة على الثنتين وزيادة فهما قارتان لم ترفعا وضمت إليهما ~~ركعتان؟ قلنا: النسخ رفع الحكم لا رفع المحكوم فيه، فقد كان من حكم ~~الركعتين الاجزاء والصحة، وقد ارتفع، كيف وقد بينا أنه ليست الأربعة ثلاثة ~~وزيادة، بل هي نوع آخر، إذ لو كان لكانت الخمسة أربعة وزيادة، فإذا أتى ~~بالخمسة فينبغي أن تجزئ ولا صائر إليه. الرتبة الثالثة: وهي بين المرتبتين ~~زيادة عشرين جلدة على ثمانين جلدة في القذف، وليس انفصال هذه الزيادة ~~كانفصال الصوم عن الصلاة ولا اتصالها كاتصال الركعات، وقد قال أبو حنيفة ~~رحمه الله: هو نسخ، وليس بصحيح، بل هو بالمنفصل أشبه، لان الثمانين نفي ~~وجوبها وأجزاؤها عن نفسها ووجبت زيادة عليها مع بقائها، فالمائة ثمانون ~~وزيادة، ولذلك لا ينتفي الاجزاء عن الثمانين بزيادة عليها، بخلاف الصلاة، ~~وفائدة هذه المسألة جواز إثبات التغريب بخبر الواحد عندنا ومنعه عندهم، لان ~~القرآن لا ينسخ بخبر الواحد، فإن قيل: قد كانت الثمانون ms143 حدا كاملا، فنسخ ~~اسم الكمال رفع لحكمه لا محالة؟ # قلنا: هو رفع، ولكن ليس ذلك حكما مقصودا شرعيا، بل المقصود وجوده وأجزاؤه ~~وقد بقي كما كان فلو أثبت مثبت كونه حكما مقصودا شرعيا لامتنع نسخه بخبر ~~الواحد بل هو كما لو أوجب الشرع الصلاة فقط فمن أتى بها فقد أدى كلية ما ~~أوجبه الله تعالى عليه بكماله، فإذا أوجب الصوم خرجت الصلاة عن كونها كلية ~~الواجب، لكن ليس هذا حكما مقصودا، فإن قيل: هو نسخ لوجوب الاقتصار على ~~الثمانين لان إيجاب الثمانين مانع من الزيادة، قلنا ليس PageV00P094 # منع الزيادة بطريق المنطوق، بل بطريق المفهوم، ولا يقولون به ولا نقول به ~~هاهنا، ثم رفع المفهوم كتخصيص العموم، فإنه رفع بعض مقتضى اللفظ، فيجوز ~~بخبر الواحد، ثم أنما يستقيم هذا لو ثبت أنه ورد حكم المفهوم واستقر، ثم ~~ورد التغريب بعده، وهذا لا سبيل إلى معرفته بل لعله ورد بيانا لاسقاط ~~المفهوم متصلا به أو قريبا منه، فإن قيل: التفسيق ورد الشهادة يتعلق ~~بالثمانين، فإذا زيد عليها أزال تعلقه بها؟ قلنا: يتعلق التفسيق ورد ~~الشهادة بالقذف لا بالحد، ولو سلمنا لكان ذلك حكما تابعا للحد لا مقصودا، ~~وكان كحل النكاح بعد انقضاء أربعة أشهر وعشر من عدة الوفاة، وتصرف الشرع في ~~العدة بردها من حول إلى أربعة أشهر وعشر ليس تصرفا في إباحة النكاح، بل في ~~نفس العدة، والنكاح تابع، فإن قيل: فلو أمر بالصلاة مطلقا ثم زيد شرط ~~الطهارة، فهل هو نسخ؟ قلنا: نعم، لأنه كان حكم الأول أجزاء الصلاة بغير ~~طهارة، فنسخ أجزاؤها وأمر بصلاة مع طهارة، فإن قيل: فيلزمكم المصير إلى ~~أجزاء طواف المحدث، لأنه تعالى قال: * (وليطوفوا بالبيت العتيق) * (الحج: ~~92) ولم يشرط الطهارة، والشافعي رحمه الله منع الاجزاء، لقوله (ص): الطواف ~~بالبيت صلاة وهو خبر الواحد، وأبو حنيفة رحمه الله قضى بأن هذا الخبر يؤثر ~~في إيجاب الطهارة أما في إبطال الطواف وأجزائه، وهو معلوم بالكتاب فلا؟ ~~قلنا: لو استقر قصد العموم في الكتاب واقتضى أجزاء الطواف محدثا ms144 ومع ~~الطهارة، فاشتراط الطهارة رفع ونسخ، ولا يجوز بخبر الواحد، ولكن قوله ~~تعالى: * (وليطوفوا بالبيت العتيق) * (الحج: 92) يجوز أن يكون أمرا بأصل ~~الطواف، ويكون بيان شروطه موكولا إلى الرسول عليه السلام، فيكون قوله بيانا ~~وتخصيصا للعموم لا نسخا، فإنه نقصان من النص لا زيادة على النص، لان عموم ~~النص يقتضي أجزاء الطواف بطهارة وغير طهارة، فأخرج خبر الواحد أحد القسمين ~~من لفظ القرآن ، فهو نقصان من النص لا زيادة عليه، ويحتمل أن يكون رفعا إن ~~استقر العموم قطعا وبيانا إن لم يستقر، ولا معنى لدعوى استقراره بالتحكم، ~~وهذا نظير قوله تعالى: * (فتحرير رقبة) * (النساء: 29) فإنه يعم المؤمنة ~~وغير المؤمنة، فيجوز تخصيص العموم، إذ قد يراد بالآية ذكر أصل الكفارة، ~~ويكون أمرا بأصل الكفارة دون قيودها وشروطها، فلو استقر العموم وحصل القطع ~~بكون العموم مرادا لكان نسخه ورفعه بالقياس، وخبر الواحد ممتنعا، فإن قيل ~~فما قولكم في تجويز المسح على الخفين، هل هو نسخ لغسل الرجلين؟ قلنا: ليس ~~نسخا لاجزائه ولا لوجوبه، لكنه نسخ لتضييق وجوبه وتعينه، وجاعل إياه أحد ~~الواجبين، ويجوز أن يثبت بخبر الواحد، فإن قيل: فالكتاب أوجب غسل الرجلين ~~على التضييق؟ قلنا: قد بقي تضييقه في حق من لم يلبس خفا على الطهارة وأخرج ~~من عمومه من لبس الخف على الطهارة، وذلك في ثلاثة أيام أو يوم وليلة، فإن ~~قيل: فقوله تعالى: * (واستشهدوا شهيدين من رجالكم) * (البقرة: 282) الآية ~~توجب إيقاف الحكم على شاهدين، فإذا حكم بشاهد ويمين بخبر الواحد فقد رفع ~~إيقاف الحكم فهو نسخ؟ قلنا: ليس كذلك، فإن الآية لا تقتضي إلا كون الشاهدين ~~حجة، وجواز الحكم بقولهما، أما امتناع الحكم بحجة أخرى فليس من الآية، بل ~~هو كالحكم بالاقرار، وذكر حجة واحدة لا يمنع وجود أخرى، وقولهم: ظاهر ~~PageV00P095 # الآية أن لا حجة سواه فليس هذا ظاهر منطوقه ولا حجة عندهم بالمفهوم، ولو ~~كان فرفع المفهوم رفع بعض مقتضى اللفظ، وكل ذلك لو سلم استقرار المفهوم ~~وثباته، وقد ورد خبر الشاهد واليمين بعده وكل ذلك غير مسلم. ms145 # - مسألة (إثبات بدل غير المنسوخ) ليس من شرط النسخ إثبات بدل غير ~~المنسوخ، وقال قوم: يمتنع ذلك، فنقول: يمتنع ذلك عقلا أو سمعا ولا يمتنع ~~عقلا جوازه، إذ لو امتنع لكان الامتناع لصورته أو لمخالفته المصلحة والحكمة ~~ولا يمتنع لصورته، إذ يقول: قد أوجبت عليك القتال ونسخته عنك ورددتك إلى ما ~~كان قبل من الحكم الأصلي ولا يمتنع للمصلحة فإن الشرع لا ينبني عليها، وإن ~~ابتنى فلا يبعد أن تكون المصلحة في رفعه من غير إثبات بدل، وإن منعوا جوازه ~~سمعا فهو تحكم بل نسخ النهي عن ادخار لحوم الأضاحي وتقدمة الصدقة أمام ~~المناجاة ولا بدل لها، وإن نسخت القبلة إلى بدل ووصية الأقربين إلى بدل ~~وغير ذلك، وحقيقة النسخ هو الرفع فقط، أما قوله تعالى: * (ما ننسخ من آية ~~أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) * (البقرة: 601) أن تمسكوا به فالجواب من ~~أوجه: الأول: أن هذا لا يمنع الجواز، وإن منع الوقوع عند من يقول بصيغة ~~العموم، ومن لا يقول بها فلا يلزمه أصلا، ومن قال بها فلا يلزمه من هذا أنه ~~لا يجوز في جميع المواضع إلا ببدل، بل يتطرق التخصيص إليه بدليل الأضاحي ~~والصدقة أمام المناجاة، ثم ظاهره أنه أراد أن نسخ آية بآية أخرى مثلها لا ~~يتضمن الناسخ إلا رفع المنسوخ، أو يتضمن مع ذلك غيره فكل ذلك محتمل. # - مسألة (الأخف والأثقل في النسخ) قال قوم يجوز النسخ بالأخف، ولا يجوز ~~بالأثقل، فنقول: امتناع النسخ بالأثقل عرفتموه عقلا أو شرعا، ولا يستحيل ~~عقلا، لأنه لا يمتنع لذاته ولا للاستصلاح، فإنا ننكره، وإن قلنا به فلم ~~يستحيل أن تكون المصلحة في التدريج والترقي من الأخف إلى الأثقل، كما كانت ~~المصلحة في ابتداء التكليف ورفع الحكم الأصلي، فإن قيل: إن الله تعالى رؤوف ~~رحيم بعباده ولا يليق به التشديد: قلنا: فينبغي أن لا يليق به ابتداء ~~التكليف، ولا تسليط المرض والفقر وأنواع العذاب على الخلق، فإن قالوا: إنه ~~يمتنع سمعا لقوله تعالى: # * (يريد الله بكم اليسر ولا يريد ms146 بكم العسر) * (البقرة: 581) ولقوله ~~تعالى: * (يريد الله أن يخفف عنكم) * (النساء: 82) قلنا: فينبغي أن يتركهم، ~~وإباحة الفعل ففيه اليسر، ثم ينبغي أن لا ينسخ بالمثل، لأنه لا يسر فيه، إذ ~~اليسر في رفعه إلى غير بدل أو بالأخف، وهذه الآيات وردت في صور خاصة أريد ~~بها التخفيف، وليس فيه منع إرادة التثقيل والتشديد، فإن قيل: # فقد قال: * (ما ننسخ من آية أو ننسها) * (البقرة: 601) الآية وهذا خير ~~عام، والخير ما هو خير لنا، وإلا فالقرآن خير كله، والخير لنا ما هو أخف ~~علينا؟ قلنا: لا بل الخير ما هو أجزل ثوابا وأصلح لنا في المآل وإن كان ~~أثقل في الحال، فإن قيل: لا يمتنع ذلك عقلا بل سمعا، لأنه لم يوجد في الشرع ~~نسخ بالأثقل؟ قلنا: ليس كذلك، إذ أمر الصحابة أولا بترك القتال والاعراض، ~~ثم بنصب القتال مع التشديد بثبات الواحد للعشرة، وكذلك نسخ التخيير بين ~~الصوم والفدية بالاطعام بتعيين الصيام، وهو تضييق، وحرم الخمر ونكاح المتعة ~~والحمر الأهلية بعد إطلاقها، ونسخ جواز تأخير الصلاة عند الخوف إلى إيجابها ~~في أثناء القتال، PageV00P096 # ونسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان، وكانت الصلاة ركعتين عند قوم، فنسخت بأربع ~~في الحضر. # - مسألة (هل هناك نسخ في حق من لم يبلغه الخبر أم لا؟) اختلفوا في النسخ ~~في حق من لم يبلغه الخبر، فقال قوم: النسخ حصل في حقه وإن كان جاهلا به، ~~وقال قوم: ما لم يبلغه لا يكون نسخا في حقه، والمختار أن للنسخ حقيقة، وهو ~~ارتفاع الحكم السابق، ونتيجة وهو وجوب القضاء وانتفاء الاجزاء بالعمل ~~السابق، أما حقيقته فلا يثبت في حق من لم يبلغه، وهو رفع الحكم، لان من أمر ~~باستقبال بيت المقدس فإذا نزل النسخ بمكة لم يسقط الامر عمن هو باليمن في ~~الحال، بل هو مأمور بالتمسك بالامر السابق، ولو ترك لعصى، وإن بان أنه كان ~~منسوخا، ولا يلزمه استقبال الكعبة، بل لو استقبلها لعصى وهذا لا يتجه فيه ~~خلاف، وأما لزوم القضاء للصلاة إذا عرف النسخ فيعرف ذلك ms147 بدليل نص أو قياس، ~~وربما يجب القضاء حيث لا يجب الأداء، كما في الحائض لو صامت عصت ويجب عليها ~~القضاء، فكذلك يجوز أن يقال هذا لو استقبل الكعبة عصى، ويلزمه استقبالها في ~~القضاء، وكما نقول في النائم والمغمى عليه إذا تيقظ وأفاق يلزمهما قضاء، ما ~~لم يكن واجبا، لان من لا يفهم لا يخاطب، فإن قيل إذا علم النسخ ترك تلك ~~القبلة بالنسخ أو بعلمه بالنسخ والعلم لا تأثير له، فدل أن الحكم انقطع ~~بنزول الناسخ لكنه جاهل به، وهو مخطئ فيه، لكنه معذور، قلنا الناسخ هو ~~الرافع لكن العلم شرط، ويحال عند وجود الشرط على الناسخ، ولكن لا نسخ قبل ~~وجود الشرط، لان الناسخ خطاب، ولا يصير خطابا في حق من لم يبلغه، وقولهم ~~أنه مخطئ محال، لان اسم الخطأ يطلق على من طلب شيئا فلم يصب، أو على من وجب ~~عليه الطلب فقصر ولا يتحقق شئ منه في محل النزاع. # الباب الثاني في أركان النسخ وشروطه ويشتمل على تمهيد لمجامع الأركان ~~والشروط، وعلى مسائل تتشعب من أحكام الناسخ والمنسوخ. # أما التمهيد: فاعلم أن أركان النسخ أربعة: النسخ، والناسخ والمنسوخ، ~~والمنسوخ عنه، فإذا كان النسخ حقيقته رفع الحكم فالناسخ هو الله تعالى، ~~فإنه الرافع للحكم، والمنسوخ هو الحكم المرفوع، والمنسوخ عنه هو المتعبد ~~المكلف، والنسخ قوله الدال على رفع الحكم الثابت، وقد يسمى الدليل ناسخا ~~على سبيل المجاز، فيقال: هذه الآية ناسخة لتلك، وقد يسمى الحكم ناسخا ~~مجازا، فيقال: صوم رمضان ناسخ لصوم عاشوراء، والحقيقة هو الأول، لان النسخ ~~هو الرفع، والله تعالى هو الرافع، بنصب الدليل على الارتفاع وبقوله الدال ~~عليه، وأما مجامع شروطه فالشروط أربعة: الأول: أن يكون المنسوخ حكما شرعيا ~~لا عقليا أصليا، كالبراءة الأصلية التي ارتفعت بإيجاب العبادات. الثاني: أن ~~يكون النسخ بخطاب فارتفاع الحكم بموت المكلف ليس نسخا إذ ليس المزيل خطابا ~~رافعا لحكم خطاب سابق، ولكنه قد قيل أولا الحكم عليك ما دمت حيا، فوضع ~~الحكم قاصر على الحياة، فلا يحتاج إلى الرفع. ms148 الثالث: أن لا يكون الخطاب ~~المرفوع حكمه مقيدا بوقت PageV00P097 # يقتضي دخوله زوال الحكم، كقوله تعالى: * (ثم أتموا الصيام إلى الليل) * ~~(البقرة: 781) الرابع: أن يكون الخطاب الناسخ متراخيا، لا كقوله تعالى: * ~~(ولا تقربوهن حتى يطهرن) * (البقرة: 222)، وقوله تعالى: * (حتى يعطوا ~~الجزية عن يد وهم صاغرون) * (التوبة: 92). # وليس يشترط فيه تسعة أمور: الأول: أن يكون رافعا للمثل بالمثل، بل أن ~~يكون رافعا فقط. # الثاني: أن لا يشترط ورود النسخ بعد دخول وقت المنسوخ، بل يجوز قبل دخول ~~وقته. # الثالث: أن لا يتشرط أن يكون المنسوخ مما يدخله الاستثناء والتخصيص، بل ~~يجوز ورود النسخ على الامر بفعل واحد في وقت واحد. الرابع: أن لا يشترط أن ~~يكون نسخ القرآن بالقرآن والسنة بالسنة فلا تشترط الجنسية، بل يكفي أن يكون ~~مما يصح النسخ به. الخامس: # أن لا يشترط أن يكونا نصين قاطعين، إذ يجوز نسخ خبر الواحد بخبر الواحد، ~~وبالمتواتر وإن كان لا يجوز نسخ المتواتر بخبر الواحد. السادس: لا يشترط أن ~~يكون الناسخ منقولا بمثل لفظ المنسوخ، بل أن يكون ثابتا، بأي طريق كان، فإن ~~التوجه إلى بيت المقدس لم ينقل إلينا بلفظ القرآن والسنة، وناسخه نص صريح ~~في القرآن، وكذلك لا يمتنع نسخ الحكم المنطوق به باجتهاد النبي (ص) وقياسه ~~وإن لم يكن ثابتا بلفظ ذي صيغة وصورة يجب نقلها. السابع: لا يشترط أن يكون ~~الناسخ مقابلا للمنسوخ حتى لا ينسخ الامر إلا بالنهي ولا النهي إلا بالامر، ~~بل يجوز أن ينسخ كلاهما بالإباحة، وأن ينسخ الواجب المضيق بالموسع، وإنما ~~يشترط أن يكون الناسخ رافعا حكما من المنسوخ كيف كان. الثامن: لا يشترط ~~كونهما ثابتين بالنص، بل لو كان بلحن القول وفحواه وظاهره وكيف كان، بدليل ~~أن النبي (ص) بين أن آية وصية الأقارب نسخت بقوله: إن الله تعالى قد أعطى ~~كل ذي حق حقه، ألا لا وصية لوارث مع أن الجمع بين الوصية والميراث ممكن، ~~فليسا متنافيين تنافيا قاطعا. # التاسع: لا يشترط نسخ الحكم ببدل أو بما هو أخف، بل يجوز ms149 بالمثل والأثقل ~~وبغير بدل كما سبق. # ولنذكر الآن مسائل تتشعب عن النظر في ركني المنسوخ والناسخ، وهي مسألتان ~~في المنسوخ وأربع مسائل في المنسوخ به. - مسألة (هل الحكم الشرعي قابل ~~للنسخ أم لا؟) مامن حكم شرعي إلا وهو قابل للنسخ خلافا للمعتزلة، فإنهم ~~قالوا: من الافعال مالها صفات نفسية تقتضي حسنها وقبحها، فلا يمكن نسخها، ~~مثل معرفة الله تعالى والعدل وشكر المنعم فلا يجوز نسخ وجوبه، ومثل الكفر ~~والظلم، الكذب، فلا يجوز نسخ تحريمه، وبنوا هذا على تحسين العقل وتقبيحه، ~~وعلى وجوب الأصلح على الله تعالى ، وحجروا بسببه على الله تعالى في الأمر ~~والنهي، وربما بنوا هذا على صحة إسلام الصبي، وأن وجوبه بالعقل وإن استثناء ~~الصبي عنه غير ممكن، وهذه أصول أبطلناها وبينا أنه لا يجب أصل التكليف على ~~الله تعالى كان فيه صلاح العباد أو لم يكن نعم بعد أن كلفهم، لا يمكن أن ~~ينسخ جميع التكاليف إذ لا يعرف النسخ من لا يعرف الناسخ وهو الله عز وجل، ~~ويجب على المكلف معرفة النسخ والناسخ، والدليل المنصوب عليه، فيبقى هذا ~~التكليف بالضرورة، ونسلم أيضا أنه لا يجوز أن يكلفهم أن لا يعرفوه، وأن ~~يحرم عليهم معرفته، لان قوله: أكلفك أن لا تعرفني PageV00P098 # يتضمن المعرفة، أي: اعرفني لاني كلفتك أن لا تعرفني وذلك محال، فيمتنع ~~التكليف فيه عند من يمنع تكليف المحال، وكذلك لا يجوز أن يكلفه معرفة شئ من ~~الحوادث على خلاف ما هو به لأنه محال لا يصح فعله ولا تركه. - مسألة (نسخ ~~الحكم أو التلاوة أو نسخهما معا) الآية إذا تضمنت حكما يجوز نسخ تلاوتها ~~دون حكمها، ونسخ حكمها دون تلاوتها، ونسخهما جميعا، وظن قوم استحالة ذلك ~~فنقول: هو جائز عقلا وواقع شرعا، أما جوازه عقلا فإن التلاوة وكتبتها في ~~القرآن وانعقاد الصلاة بها كل ذلك حكمها، كما أن التحريم والتحليل المفهوم ~~من لفظها حكمها، وكل حكم فهو قابل للنسخ، وهذا حكم، فهو إذن قابل للنسخ، ~~وقد قال قوم: نسخ التلاوة أصلا ممتنع، لأنه لو كان ms150 المراد منها الحكم لذكر ~~على لسان رسول الله (ص)، وما أنزله الله تعالى عليه إلا ليتلى ويثاب عليه، ~~فكيف يرفع؟ قلنا وأي استحالة في أن يكون المقصود مجرد الحكم دون التلاوة، ~~لكن أنزل على رسول الله (ص) بلفظ معين، فإن قيل: فإن جاز نسخها فلينسخ ~~الحكم معها، لان الحكم تبع للتلاوة، فكيف يبقى الفرع مع نسخ الأصل؟ قلنا: ~~لا بل التلاوة حكم وانعقاد الصلاة بها حكم آخر فليس بأصل، وإنما الأصل ~~دلالتها، وليس في نسخ تلاوتها والحكم بأن الصلاة لا تنعقد بها نسخ ~~لدلالتها، فكم من دليل لا يتلى ولا تنعقد به صلاة، وهذه الآية دليل لنزولها ~~وورودها لا لكونها متلوة في القرآن والنسخ لا يرفع ورودها ونزولها ولا ~~يجعلها كأنها غير واردة بل يلحقها بالوارد الذي لا يتلى كيف ويجوز أن ينعدم ~~الدليل ويبقى المدلول فإن الدليل علامة لا علة فإذا دل فلا ضرر في انعدامه ~~كيف والموجب للحكم كلام الله تعالى القديم، ولا ينعدم ولا يتصور رفعه ~~ونسخه، فإذا قلنا: الآية منسوخة أردنا به انقطاع تعلقها عن العبد وارتفاع ~~مدلولها وحكمها لا ارتفاع ذاتها، فإن قيل: # نسخ الحكم مع بقاء التلاوة متناقض، لأنه رفع للمدلول مع بقاء الدليل، ~~قلنا إنما يكون دليلا عند انفكاكه عما يرفع حكمه، فإذا جاء خطاب ناسخ لحكمه ~~زال شرط دلالته، ثم الذي يدل على وقوعه سمعا قوله تعالى: * (وعلى الذين ~~يطيقونه فدية طعام مسكين) * (البقرة: 481) الآية، وقد بقيت تلاوتها ونسخ ~~حكمها بتعيين الصوم، والوصية للوالدين والأقربين متلوة في القرآن، وحكمها ~~منسوخ بقوله (ص): لا وصية لوارث ونسخ تقديم الصدقة أمام المناجاة والتلاوة ~~باقية، ونسخ التربص حولا عن المتوفى عنها زوجها، والحبس والأذى عن اللاتي ~~يأتين الفاحشة بالجلد والرجم مع بقاء التلاوة، وأما نسخ التلاوة فقد تظاهرت ~~الاخبار بنسخ تلاوة آية الرجم مع بقاء حكمها، وهي قوله تعالى: الشيخ ~~والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم، واشتهر ~~عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أنزلت عشر رضعات من محرمات فنسخن ms151 بخمس ~~وليس ذلك في الكتاب. # - مسألة (أنواع النسخ) يجوز نسخ القرآن بالسنة والسنة بالقرآن، لان الكل ~~من عند الله عز وجل، فما المانع منه، ولم يعتبر التجانس، مع أن العقل لا ~~يحيله، كيف وقد دل السمع على وقوعه إذ التوجه إلى بيت المقدس ليس في ~~القرآن، وهو في السنة، وناسخه في القرآن، وكذلك قوله تعالى: * (فالآن ~~باشروهن) * (البقرة: 073) نسخ لتحريم المباشرة، وليس التحريم في ~~PageV00P099 # القرآن، ونسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان وكان عاشوراء ثابتا بالسنة، وصلاة ~~الخوف وردت في القرآن ناسخة لما ثبت في السنة من جواز تأخيرها إلى انجلاء ~~القتال، حتى قال عليه السلام يوم الخندق وقد أخر الصلاة: حشا الله قبورهم ~~نارا لحبسهم له عن الصلاة، وكذلك قوله تعالى: * (فلا ترجعوهن إلى الكفار) * ~~(الممتحنة: 01) نسخ لما قرره عليه السلام من العهد والصلح، وأما نسخ القرآن ~~بالسنة فنسخ الوصية للوالدين والأقربين بقوله (ص): ألا لا وصية لوارث لان ~~آية الميراث لا تمنع الوصية للوالدين والأقربين، إذ الجمع ممكن وكذلك قال ~~(ص): قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب ~~بالثيب جلد مائة والرجم فهو ناسخ لامساكهن في البيوت، وهذا فيه نظر، لأنه ~~(ص) بين أن آية الميراث نسخت آية الوصية، ولم ينسخها هو بنفسه (ص)، وبين أن ~~الله تعالى جعل لهن سبيلا، وكان قد وعد به فقال: * (أو يجعل الله لهن ~~سبيلا) * (النساء: 51) فإن قيل: قال الشافعي رحمه الله لا يجوز نسخ السنة ~~بالقرآن، كما لا يجوز نسخ القرآن بالسنة، وهو أجل من أن لا يعرف هذه الوجوه ~~في النسخ، فكأنه يقول: إنما تلتغي السنة بالسنة، إذ يرفع النبي (ص) سنته ~~بسنته، ويكون هو مبينا لكلام نفسه وللقرآن، ولا يكون القرآن مبينا للسنة، ~~وحيث لا يصادف ذلك فلانه لم ينقل، وإلا فلم يقع النسخ إلا كذلك، قلنا: هذا ~~إن كان في جوازه عقلا فلا يخفى أنه يفهم من القرآن وجوب التحول إلى الكعبة ~~وإن كان التوجه إلى بيت المقدس ثابتا بالسنة وكذلك عكسه ممكن وإن كان ms152 يقول: ~~لم يقع هذا، فقد نقلنا وقوعه، ولا حاجة إلى تقدير سنة خافية مندرسة، إذ لا ~~ضرورة في هذا التقدير، والحكم بأن ذلك لم يقع أصلا تحكم محض، وإن قال ~~الأكثر: كان ذلك فربما لا ينازع فيه، احتجوا بقوله تعالى: # * (قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي ~~أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي) * (يونس: 51) فدل أنه لا ~~ينسخ القرآن بالسنة، قلنا: لا خلاف في أنه لا ينسخ من تلقاء نفسه، بل بوحي ~~يوحى إليه لكن لا يكون بنظم القرآن، وإن جوزنا النسخ في الاجتهاد، فالاذن ~~في الاجتهاد يكون من الله عز وجل، والحقيقة أن الناسخ هو الله عز وجل على ~~لسان رسوله (ص) والمقصود أنه ليس من شرطه أن ينسخ حكم القرآن بقرآن بل على ~~لسان رسوله (ص)، بوحي ليس بقرآن وكلام الله تعالى واحد هو الناسخ باعتبار، ~~والمنسوخ باعتبار، وليس له كلامان، أحدهما قرآن، والآخر ليس بقرآن، وإنما ~~الاختلاف في العبارات، فربما دل على كلامه بلفظ منظوم يأمرنا بتلاوته، ~~فيسمى قرآنا، وربما دل بغير لفظ متلو فيسمى سنة، والكل مسموع من الرسول ~~عليه السلام والناسخ هو الله تعالى في كل حال: على أنهم طالبوه بقرآن مثل ~~هذا القرآن فقال: لا أقدر عليه من تلقاء نفسي، وما طالبوه بحكم غير ذلك، ~~فأين هذا من نسخ القرآن بالسنة وامتناعه؟ # احتجوا بقوله تعالى: * (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) ~~* (يونس: 51) وبين أن الآية لا تنسخ إلا بمثلها أو بخير منها، فالسنة لا ~~تكون مثلها، ثم تمدح وقال: * (ألم تعلم أن الله على كل شئ قدير) * (البقرة: ~~601) بين أنه لا يقدر عليه غيره؟ قلنا: قد حققنا أن الناسخ هو PageV00P100 # الله تعالى، وأنه المظهر له على لسان رسوله (ص) المفهم إيانا بواسطته نسخ ~~كتابه، ولا يقدر عليه غيره، ثم لو نسخ الله تعالى آية على لسان رسوله (ص) ~~ثم أتى بآية أخرى مثلها، كان قد حقق ms153 وعده، فلم يشترط أن تكون الآية الأخرى ~~هي الناسخة للأولى، ثم نقول: ليس المراد الاتيان بقرآن آخر خير منها، لان ~~القرآن لا يوصف بكون بعضه خيرا من البعض كيفما قدر قديما أو مخلوقا، بل ~~معناه أن يأتي بعمل خير من ذلك العمل، لكونه أخف منه أو لكونه أجزل ثوابا. # - مسألة (لا ينسخ الاجماع) الاجماع لا ينسخ به إذ لا نسخ بعد انقطاع ~~الوحي، وما نسخ فالاجماع بالاجماع يدل على ناسخ قد سبق في زمان نزول الوحي ~~من كتاب أو سنة، أما السنة فينسخ المتواتر منها بالمتواتر والآحاد بالآحاد، ~~أما نسخ المتواتر منها بالآحاد فاختلفوا في وقوعه سمعا وجوازه عقلا، فقال ~~قوم: وقع ذلك سمعا، فإن أهل مسجد القباء تحولوا إلى الكعبة بقول واحد ~~أخبرهم وكان ثابتا بطريق قاطع فقلبوا نسخه عن الواحد، والمختار جواز ذلك ~~عقلا لو تعبد به ووقوعه سمعا في زمان رسول الله (ص) بدليل قصة قباء، وبدليل ~~أنه كان ينفذ آحاد الولاة إلى الأطراف، وكانوا يبلغون الناسخ والمنسوخ ~~جميعا، ولكن ذلك ممتنع بعد وفاته، بدليل الاجماع من الصحابة، على أن القرآن ~~والمتواتر المعلوم لا يرفع بخبر الواحد، فلا ذاهب إلى تجويزه من السلف ~~والخلف، والعمل بخبر الواحد تلقى من الصحابة وذلك فيما لا يرفع قاطعا، بل ~~ذهب الخوارج إلى منع نسخ القرآن بالخبر المتواتر حتى أنهم قالوا رجم ماعز ~~وإن كان متواترا لا يصلح لنسخ القرآن، وقال الشافعي رحمه الله: لا يجوز نسخ ~~القرآن بالسنة، وإن تواترت، وليس ذلك بمحال، لأنه يصح أن يقال: تعبدناكم ~~بالنسخ بخبر الواحد في زمان نزول الوحي وحرمنا ذلك بعده، فإن قيل: كيف يجوز ~~ذلك عقلا وهو رفع القاطع بالظن، وأما حديث قباء فلعله انضم إليه من القرائن ~~ما أورث العلم، قلنا: تقدير قرائن معرفة توجب إبطال أخبار الآحاد وحمل عمل ~~الصحابة على المعرفة بالقرائن ولا سبيل إلى وضع ما لم ينقل، وأما قولهم إنه ~~رفع للقاطع بالظن فباطل، إذ لو كان كذلك لقطعنا بكذب الناقل ولسنا نقطع به، ~~بل نجوز صدقه، ms154 وإنما هو مقطوع به بشرط أن لا يرد خبر نسخه، كما أن البراءة ~~الأصلية مقطوع بها وترتفع بخبر الواحد، لأنها تفيد القطع، بشرط عدم خبر ~~الواحد، فإن قيل: بم تنكرون على من يقطع بكونه كاذبا، لان الرسول عليه ~~السلام أشاع الحكم، فلو ثبت نسخه للزمه الإشاعة، قلنا: ولم يستحيل أن يشيع ~~الحكم، ويكل النسخ، إلى الآحاد، كما يشيع العموم وبكل التخصيص إلى المخصص؟ # - مسألة (لا يصح نسخ المتواتر بالقياس) لا يجوز نسخ النص القاطع المتواتر ~~بالقياس المعلوم بالظن والاجتهاد على اختلاف مراتبه، جليا كان أو خفيا، هذا ~~ما قطع به الجمهور إلا شذوذا منهم قالوا: ما جاز التخصيص به جاز النسخ به، ~~وهو منقوض بدليل العقل وبالاجماع وبخبر الواحد، فالتخصيص بجميع ذلك جائز ~~دون النسخ، ثم كيف يتساويان والتخصيص بيان والنسخ رفع والبيان تقرير والرفع ~~إبطال، وقال بعض أصحاب الشافعي، يجوز النسخ بالقياس الجلي، ونحن نقول: لفظ ~~الجلي مبهم فإن أرادوا المقطوع به فهو صحيح، وأما المظنون فلا، وما ~~PageV00P101 # يتوهم القطع به على ثلاث مراتب: الأولى: ما يجري مجرى النص وأوضح منه ~~كقوله تعالى: * (فلا تقل لهما أف) * (الاسراء: 32)، فإن تحريم الضرب مدرك ~~منه قطعا، فلو كان ورد نص بإباحة الضرب لكان هذا ناسخا، لأنه أظهر من ~~المنطوق به، وفي درجته قوله تعالى: # * (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره) * (الزلزلة: 7) الآية في أن ما هو فوق ~~الذرة كذلك، وكذلك قوله تعالى: * (وورثه أبواه فلأمه الثلث) * (النساء: 11) ~~في أن للأب الثلثين. الرتبة الثانية: لو ورد نص بأن العتق لا يسري في ~~الأمة، ثم ورد قوله (ص): من أعتق شركا له في عبد قوم عليه الباقي لقضينا ~~بسراية عتق الأمة قياسا على العبد، لأنه مقطوع به، إذ علم قطعا قصد الشارع ~~إلى المملوك لكونه مملوكا. الرتبة الثالثة: أن يرد النص مثلا بإباحة النبيذ ~~ثم يقول الشارع: حرمت الخمر لشدتها، فينسخ إباحة النبيذ بقياسه على الخمر ~~إن تعبدنا بالقياس، وقال قوم: وإن لم نتعبد بالقياس نسخنا أيضا، إذ لا فرق ~~بين قوله حرمت ms155 كل منتبذ، وبين قوله: حرمت الخمر لشدتها، ولذلك أقر النظام ~~بالعلة المنصوصة وإن كان منكرا لأصل القياس، ولنبين أنه إن لم نتعبد ~~بالقياس، فقوله: حرمت الخمر عليكم لشدتها ليس قاطعا في تحريم النبيذ بل ~~يجوز أن تكون العلة شدة الخمر خاصة كما تكون العلة في الرجم زنا المحصن ~~خاصة، والمقصود أن القاطع لا يرفع بالظن بل بالقاطع، فإن قيل استحالة رفعه ~~بالمظنون عقلي أو سمعي، قلنا: الصحيح أنه سمعي، ولا يستحيل عقلا أن يقال: ~~تعبدناكم بنسخ النص بالقياس على نص آخر، نعم يستحيل أن نتعبد بنسخ النص ~~بقياس مستنبط من عين ذلك النص، لان ذلك يؤدي إلى أن يصير هو مناقضا لنفسه، ~~فيكون واجب العمل به وساقط العمل به، فإن قيل: فما الدليل على امتناعه ~~سمعا؟ # قلنا: يدل عليه الاجماع على بطلان كل قياس مخالف للنص، وقول معاذ رضي ~~الله عنه اجتهد رأيي، بعد فقد النص وتزكية رسول الله (ص) له وإجماع الصحابة ~~على ترك القياس بأخبار الآحاد، فكيف بالنص القاطع المتواتر، واشتهار قولهم ~~عند سماع خبر الواحد: لولا هذا لقضينا برأينا، ولان دلالة النص قاطع في ~~المنصوص، ودلالة الأصل على الفرع مظنون، فكيف يترك الأقوى بالأضعف، وهذا ~~مستند الصحابة في إجماعهم على ترك القياس بالنص، فإن قيل: إذا تناقض قاطعان ~~وأشكل المتأخر فهل يثبت تأخر أحدهما بقول الواحد حتى يكون هو الناسخ؟ قلنا ~~يحتمل أن يقال ذلك، لأنه إذا ثبت الاحصان بقول اثنين مع أن الزنا لا يثبت ~~إلا بأربعة دل على أنه لا يحتاط للشرط بما يحتاط به للمشروط، ويحتمل أن ~~يقال النسخ إذا كان بالتأخير والمنسوخ قاطع، فلا يكفي فيه قول الواحد، فهذا ~~في محل الاجتهاد، والأظهر قبوله، لان أحد النصين منسوخ قطعا، وإنما هذا ~~مطلوب قبوله للتعيين. # مسألة (نسخ الحكم بقول الصحابي) لا ينسخ حكم بقول الصحابي نسخ حكم كذا ما ~~لم يقل: سمعت رسول الله (ص) يقول نسخت حكم كذا، فإذا قال ذلك نظر في الحكم، ~~إن كان ثابتا بخبر الواحد صار منسوخا بقوله، وإن ms156 كان قاطعا فلا، أما قوله: ~~نسخ حكم كذا، فلا يقبل قطعا، فلعله ظن ما ليس ينسخ نسخا، فقد ظن أن الزيادة ~~على النص نسخ، وكذلك في PageV00P102 # مسائل، وقال قوم: إن ذكر لنا ما هو الناسخ عنده لم نقلده، لكن نظرنا فيه، ~~وإن أطلق فنحمله على أنه لم يطلق إلا عن معرفة قطعية، وهذا فاسد، بل الصحيح ~~أنه إن ذكر الناسخ تأملنا فيه وقضينا برأينا، وإن لم يذكر لم نقلده وجوزنا ~~أن يقول ذلك عن اجتهاد ينفرد به، هذا ما ذكره القاضي رحمه الله، والأصح ~~عندنا أن نقبل كقول الصحابي أمر بكذا ونهى عن كذا، فإن ذلك يقبل كما سنذكره ~~في كتاب الاخبار، ولا فرق بين اللفظين، فإن قيل: قالت عائشة رضي الله عنها: ~~ما مات رسول الله (ص) إلا وقد أحلت له النساء اللاتي حظرن عليه بقوله ~~تعالى: * (إنا أحللنا لك أزواجك) * (الأحزاب: 05) فقبل ذلك منها، قلنا: ليس ~~ذلك مرضيا عندنا، ومن قبل فإنما قبل ذلك للدليل الناسخ ورآه صالحا للنسخ، ~~ولم يقلد مذهبها. # خاتمة الكتاب فيما يعرف به تاريخ الناسخ اعلم أنه إذا تناقض نصان فالناسخ ~~هو المتأخر، ولا يعرف تأخره بدليل العقل ولا بقياس الشرع، بل بمجرد النقل، ~~وذلك بطرق: الأول: أن يكون في اللفظ ما يدل عليه كقوله عليه السلام: كنت ~~نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فالآن ادخروها وكقوله: كنت نهيتكم عن زيارة ~~القبور فزوروها. الثاني: أن تجمع الأمة في حكم على أنه المنسوخ وأن ناسخه ~~الآخر. الثالث: أن يذكر الراوي التاريخ مثل أن يقول: سمعت عام الخندق، أو ~~عام الفتح، وكان المنسوخ معلوما قبله، ولا فرق بين أن يروي الناسخ والمنسوخ ~~راو واحد أو راويان، ولا يثبت التاريخ بطرق: الأول: أن يقول الصحابي: كان ~~الحكم علينا كذا ثم نسخ لأنه ربما قاله عن اجتهاد. الثاني: أن يكون أحدهما ~~مثبتا في المصحف بعد الآخر، لان السور والآيات ليس إثباتها على ترتيب ~~النزول، بل ربما قدم المتأخر. الثالث: أن يكون راويه من أحداث الصحابة، فقد ~~ينقل الصبي عمن ms157 تقدمت صحبته، وقد ينقل الأكابر عن الأصاغر وبعكسه. الرابع: ~~أن يكون الراوي أسلم عام الفتح ولم يقل إني سمعت عام الفتح، إذ لعله سمع في ~~حاله كفره، ثم روى بعد الاسلام، أو سمع ممن سبق بالاسلام. الخامس: أن يكون ~~الراوي قد انقطعت صحبته، فربما يظن أن حديثه مقدم على حديث من بقيت صحبته، ~~وليس من ضرورة من تأخرت صحبته أن يكون حديثه متأخرا عن وقت انقطاع صحبة ~~غيره. # السادس: أن يكون أحد الخبرين على وفق قضية العقل والبراءة الأصلية، فربما ~~يظن تقدمه ولا يلزم ذلك، كقوله (ص): لا وضوء مما مسته النار ولا يلزم أن ~~يكون متقدما على إيجاب الوضوء مما مست النار إذ يحتمل أنه أوجب ثم نسخ ~~والله أعلم. وقد فرغنا من الأصل الأول من الأصول الأربعة وهو الكتاب ويتلوه ~~القول في سنة رسول الله صلى الله عليه، سلم. # الأصل الثاني: من أصول الأدلة سنة رسول الله صلى الله عليه سلم وقول رسول ~~الله (ص) حجة، لدلالة المعجزة على صدقه، ولامر الله تعالى إيانا باتباعه، ~~ولأنه * (وما ينطق عن الهوى ئ إن هو إلا وحي يوحى) * (النجم: 3) لكن بعض ~~الوحي يتلى فيسمى كتابا، وبعضه لا يتلى وهو السنة. وقول رسول الله (ص) حجة ~~على من PageV00P103 # سمعه شفاعا فأما نحن فلا يبلغنا قوله إلا على لسان المخبرين إما على سبيل ~~التواتر وإما بطريق الآحاد، فلذلك اشتمل الكلام في هذا الأصل على مقدمة ~~وقسمين: قسم في أخبار التواتر، وقسم في أخبار الآحاد، ويشتمل كل قسم على ~~أبواب. # أما المقدمة: ففي بيان ألفاظ الصحابة رضي الله عنهم في نقل الاخبار عن ~~رسول الله (ص)، وهو على خمس مراتب: الأولى: وهي أقواها، أن يقول الصحابي ~~سمعت رسول الله (ص) يقول كذا، أو أخبرني أو حدثني أو شافهني، فهذا لا يتطرق ~~إليه الاحتمال وهو الأصل في الرواية والتبليغ، قال (ص): # نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها الحديث. الثانية: أن ~~يقول: قال رسول الله (ص) كذا، أخبر، أو أخبر، أو حدث ms158 فهذا ظاهره النقل إذا ~~صدر من الصحابي، وليس نصا صريحا، إذ قد يقول الواحد منا: قال رسول الله ~~(ص)، اعتمادا على ما نقل إليه، وإن لم يسمعه منه فلا يستحيل أن يقول ~~الصحابي ذلك اعتمادا على ما بلغه تواترا، أو بلغه على لسان من يثق به، ~~ودليل الاحتمال ما روى أبو هريرة عن رسول الله (ص) أنه قال: من أصبح جنبا ~~فلا صوم له فلما استكشف قال: # حدثني به الفضل بن عباس، فأرسل الخبر أولا ولم يصرح، وروي عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما قوله (ص): إنما الربا في النسيئة فلما روجع فيه أخبر أنه ~~سمعه من أسامة بن زيد إلا أن هذا وإن كان محتملا فهو بعيد، بل الظاهر أن ~~الصحابي إذا قال: قال رسول الله (ص)، فما يقوله إلا وقد سمع رسول الله (ص) ~~بخلاف من لم يعاصر إذا قال: قال رسول الله (ص)، فإن قرينة حاله تعرف أنه لم ~~يسمع، ولا يوهم إطلاقه السماع، بخلاف الصحابي فإنه إذا قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أوهم السماع، فلا يقدم عليه إلا عن سماع هذا هو الظاهر ~~وجميع الأخبار إنما نقلت إلينا كذلك، إذ يقال: قال أبو بكر: قال رسول الله ~~(ص) قال عمر قال رسول الله (ص)، فلا نفهم من ذلك إلا السماع. الثالثة: أن ~~يقول الصحابي: أمر رسول الله (ص) بكذا أو نهى عن كذا، فهذا يتطرق إليه ~~احتمالان: أحدهما: في سماعه، كما في قوله: قال. والثاني: في الامر إذ ربما ~~يرى ما ليس بأمر أمرا، فقد اختلف الناس في أن قوله إفعل هو للامر، فلأجل ~~هذا قال بعض أهل الظاهر لا حجة فيه ما لم ينقل اللفظ، والصحيح أنه لا يظن ~~بالصحابي إطلاق ذلك إلا إذا علم تحقيقا أنه أمر بذلك، وأن يسمعه يقول: ~~أمرتكم بكذا، أو يقول: إفعلوا، وينضم إليه من القرائن ما يعرفه كونه أمرا ~~ويدرك ضرورة قصده إلى الامر، أما احتمال بنائه الامر على الغلط والوهم فلا ~~نطرقه إلى الصحابة بغير ms159 ضرورة، بل يحمل ظاهر قولهم وفعلهم على السلامة ما ~~أمكن، ولهذا لو قال: قال رسول الله (ص) كذا، ولكن شرط شرطا ووقت وقتا ~~فيلزمنا اتباعه، ولا يجوز أن نقول لعله غلط في فهم الشرط والتأقيت، ورأى ما ~~ليس بشرط شرطا، ولهذا يجب أن يقبل قول الصحابي نسخ حكم كذا، وإلا فلا فرق ~~بين قوله: نسخ، وقوله: أمر، ولذلك قال علي رضي الله عنه وأطلق: أمرت أن ~~أقاتل الناكثين والمارقين PageV00P104 # والقاسطين، ولا يظن بمثله أن يقول أمرت إلا عن مستند يقتضي الامر ويتطرق ~~إليه احتمال ثالث في عمومه وخصوصه حتى ظن قوم أن مطلق هذا يقتضي أمر جميع ~~الأمة، والصحيح أن من يقول بصيغة العموم أيضا، ينبغي أن يتوقف في هذا إذ ~~يحتمل أن يكون ما سمعه أمرا للأمة أو لطائفة أو لشخص بعينه، وكل ذلك يتيح ~~له أن يقول: أمر، فيتوقف فيه على الدليل، لكن يدل عليه أن أمره للواحد أمر ~~للجماعة إلا إذا كان لوصف يخصه من سفر أو حضر، ولو كان كذلك لصرح به ~~الصحابي، كقوله: أمرنا إذا كنا مسافرين أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ~~ولياليهن، نعم لو قال: أمرنا بكذا، وعلم من عادة الصحابي أنه لا يطلقه إلا ~~في أمر الأمة حمل عليه وإلا احتمل أن يكون أمرا للأمة أو له أو لطائفة. ~~الرابعة: أن يقول أمرنا بكذا ونهينا عن كذا، فيتطرق إليه ما سبق من ~~الاحتمالات الثلاثة، واحتمال رابع وهو الآمر، فإنه لا يدري أنه رسول الله ~~(ص) أو غيره من الأئمة والعلماء، فقال قوم: لا حجة فيه، فإنه محتمل، وذهب ~~الأكثرون إلى أنه لا يحمل إلا على أمر الله تعالى، وأمر رسوله صلى الله ~~عليه وسلم لأنه يريد به إثبات شرع وإقامة حجة، فلا يحمل على قول من لا حجة ~~في قوله، وفي معناه قوله: من السنة كذا، والسنة جارية بكذا، فالظاهر أنه لا ~~يريد إلا سنة رسول الله (ص)، وما يجب اتباعه دون سنة غيره ممن لا تجب طاعته ~~ولا فرق بين أن ms160 يقول الصحابي ذلك في حياة رسول الله (ص) أو بعد وفاته، أما ~~التابعي إذا قال: أمرنا احتمل أمر رسول الله (ص) وأمر الأمة بأجمعها والحجة ~~حاصلة به، ويحتمل أمر الصحابة، لكن لا يليق بالعالم أن يطلق ذلك إلا وهو ~~يريد من تجب طاعته، ولكن الاحتمال في قول التابعي أظهر منه في قول الصحابي. ~~الخامسة: أن يقول: # كانوا يفعلون كذا، فإن أضاف ذلك إلى زمن الرسول عليه السلام فهو دليل على ~~جواز الفعل، لان ذكره في معرض الحجة يدل على أنه أراد ما علمه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وسكت عليه دون ما لم يبلغه، وذلك يدل على الجواز، وذلك ~~مثل قول ابن عمر رضي الله عنه: كنا نفاضل على عهد رسول الله (ص) فنقول: خير ~~الناس بعد رسول الله (ص) أبو بكر ثم عمر ثم عثمان، فيبلغ ذلك رسول الله (ص) ~~فلا ينكره، وقال: كنا نخابر على عهد رسول الله (ص) وبعده أربعين سنة حتى ~~روى لنا رافع بن خديج الحديث، وقال أبو سعيد: كنا نخرج على عهد رسول الله ~~(ص) صاعا من بر في زكاة الفطر، وقالت عائشة رضي الله عنها، كانوا لا يقطعون ~~في الشئ التافه، وأما قول التابعي: كانوا يفعلون، لا يدل على فعل جميع ~~الأمة بل على البعض، فلا حجة فيه إلا أن يصرح بنقله عن أهل الاجماع فيكون ~~نقلا للاجماع، وفي ثبوته بخبر الواحد كلام سيأتي، فقد ظهر من هذه المقدمة ~~ما هو خبر عن رسول الله (ص) وما ليس خبرا عنه، والآن فلا بد من بيان طرق ~~انتهاء الخبر إلينا، وذلك إما بنقل التواتر أو الآحاد القسم الأول من هذا ~~الأصل الكلام في التواتر وفيه أبواب الباب الأول في إثبات أن التواتر يفيد ~~العلم ولنقدم عليها حد الخبر، وحده أنه PageV00P105 # القول الذي يتطرق إليه التصديق أو التكذيب أو هو القول الذي يدخله الصدق ~~أو الكذب، وهو أولى من قولهم يدخله الصدق والكذب، إذ الخبر الواحد لا يدخله ~~كلاهما، بل كلام الله تعالى لا ms161 يدخله الكذب أصلا، والخبر عن المحالات لا ~~يدخله الصدق أصلا، والخبر قسم من أقسام الكلام القائم بالنفس، وأما العبارة ~~فهي الأصوات المقطعة التي صيغتها، مثل قول القائل، زيد قائم وضارب، وهذا ~~ليس خبرا لذاته، بل يصير خبرا بقصد القاصد إلى التعبير به عما في النفس، ~~ولهذا إذا صدر من نائم أو مغلوب لم يكن خبرا، وأما كلام النفس فهو خبر ~~لذاته وجنسه، إذا وجد، لا يتغير بقصد القاصد، أما إثبات كون التواتر مفيدا ~~للعلم فهو ظاهر خلافا للسمنية، حيث حصروا العلوم في الحواس وأنكروا هذا، ~~وحصرهم باطل، فإنا بالضرورة نعلم كون الألف أكثر من الواحد، واستحالة كون ~~الشئ الواحد قديما محدثا وأمورا أخر ذكرناها في مدارك اليقين سوى الحواس، ~~بل نقول: حصرهم العلوم في الحواس معلوم لهم، وليس ذلك مدركا بالحواس الخمس، ~~ثم لا يستريب عاقل في أن في الدنيا بلدة تسمى بغداد، وإن لم يدخلها، ولا ~~يشك في وجود الأنبياء، بل في وجود الشافعي وأبي حنيفة رحمهما الله بل في ~~الدول والوقائع الكبيرة، فإن قيل: لو كان هذا معلوما ضرورة لما خالفناكم؟ ~~قلنا: من يخالف في هذا فإنما يخالف بلسانه أو عن خبط في عقله أو عن عناد، ~~ولا يصدر إنكار هذا من عدد كثير يستحيل إنكارهم في العادة لما علموه، ~~وعنادهم ولو تركنا ما علمناه ضرورة لقولكم للزمكم ترك المحسوسات بسبب خلاف ~~السوفسطائية، أما بطلان مذهب الكعبي حيث ذهب إلى أن هذا العلم نظري، فإنا ~~نقول: النظري هو الذي يجوز أن يعرض فيه الشك، وتختلف فيه الأحوال، فيعلمه ~~بعض الناس دون بعض، ولا يعلمه النساء والصبيان ومن ليس من أهل النظر، ولا ~~يعلمه من ترك النظر قصدا، وكل علم نظري، فالعالم به قد يجد نفسه فيه شاكا ~~ثم طالبا، ونحن لا نجد أنفسنا شاكين في وجود مكة ووجود الشافعي رحمه الله، ~~طالبين لذلك، فإن عنيتم بكونه نظريا شيئا من ذلك فنحن ننكره، وإن عنيتم به ~~أن مجرد قول المخبر لا يفيد العلم ما لم ينتظم في النفس مقدمتان: ms162 إحداهما: ~~أن هؤلاء مع اختلاف أحوالهم وتباين أغراضهم ومع كثرتهم على حال لا يجمعهم ~~على الكذب جامع، ولا يتفقون إلا على الصدق. والثانية: أنهم قد اتفقوا على ~~الاخبار عن الواقعة فيبتني العلم بالصدق على مجموع المقدمتين، فهذا مسلم ~~ولا بد وأن تشعر النفس بهاتين المقدمتين حتى يحصل له العلم والتصديق، وإن ~~لم تتشكل في النفس هذه المقدمات بلفظ منظوم فقد شعرت به حتى حصل التصديق ~~وإن لم يشعر بشعورها، وتحقيق القول فيه أن الضروري إن كان عبارة عما يحصل ~~بغير واسطة كقولنا: القديم لا يكون محدثا، والموجود لا يكون معدوما، فهذا ~~ليس بضروري، فإنه حصل بواسطة المقدمتين المذكورتين، وإن كان عبارة عما يحصل ~~بدون تشكل الواسطة في الذهن فهذا ضروري ورب واسطة حاضرة في الذهن لا يشعر ~~الانسان بوجه توسطها وحصول العلم بواسطتها، فيسمى أوليا وليس بأولي كقولنا ~~الاثنان نصف الأربعة فإنه لا يعلم ذلك إلا بواسطة وهو أن النصف أحد جزئي ~~الجملة المساوي للآخر والاثنان أحد الجزأين المساوي للثاني من جملة ~~الأربعة، فهو إذا نصف، PageV00P106 # فقد حصل هذا العلم بواسطة، لكنها جلية في الذهن حاضرة ولهذا لو قيل: ستة ~~وثلاثون، هل هو نصف اثنين وسبعين يفتقر فيه إلى تأمل ونظر حتى يعلم أن هذه ~~الجملة تنقسم بجزأين متساويين: أحدهما: ستة وثلاثون، فإذا العلم بصدق خبر ~~التواتر يحصل بواسطة هذه المقدمات وما هو كذلك فهو ليس بأولي، وهل يسمى ~~ضروريا هذا ربما يختلف في الاصطلاح، والضروري عند الأكثرين عبارة عن الأولي ~~لا عما نجد أنفسنا مضطرين إليه، فإن العلوم الحسابية كلها ضرورية وهي ~~نظرية، ومعنى كونها نظرية أنها ليست بأولية، وكذلك العلم بصدق خبر التواتر، ~~ويقرب منه العلم المستفاد من التجربة التي يعبر عنها باطراد العادات كقولنا ~~الماء مرو، والخمر مسكر، كما نبهنا عليه في مقدمة الكتاب، فإن قيل: لو ~~استدل مستدل على كونه غير ضروري بأنه لو كان ضروريا لعلمنا بالضرورة كونه ~~ضروريا، ولما تصور الخلاف فيه، فهذا الاستدلال صحيح أم لا؟ قلنا: إن كان ~~الضروري عبارة عما نجد ms163 أنفسنا مضطرين إليه فبالضرورة نعلم من أنفسنا أنا ~~مضطرون إليه، وإن كان عبارة عما يحصل بغير واسطة فيجوز أن يحتاج في معرفة ~~ذلك إلى تأمل، ويقع الشك فيه كما يتصور أن نعتقد شيئا على القطع، ونتردد في ~~أن اعتقادنا علم محقق أم لا. # الباب الثاني في شروط التواتر وهي أربعة: الأول: أن يخبروا عن علم لا عن ~~ظن، فإن أهل بغداد لو أخبرونا عن طائر أنهم ظنوه حماما، أو عن شخص أنهم ~~ظنوه زيدا لم يحصل لنا العلم بكونه حماما وبكونه زيدا، وليس هذا معللا، بل ~~حال المخبر لا تزيد على حال المخبر، لأنه كان في قدرة الله تعالى أن يخلق ~~لنا العلم بخبرهم وإن كان عن ظن ولكن العادة غير مطردة بذلك. الشرط الثاني: ~~أن يكون علمهم ضروريا مستندا إلى محسوس، إذ لو أخبرنا أهل بغداد عن حدوث ~~العالم وعن صدق بعض الأنبياء لم يحصل لنا العلم، وهذا أيضا معلوم بالعادة، ~~وإلا فقد كان في قدرة الله تعالى أن يجعل ذلك سببا للعلم في حقنا. # الشرط الثالث: أن يستوي طرفاه وواسطته في هذه الصفات وفي كمال العدد، ~~فإذا نقل الخلف عن السلف وتوالت الاعصار ولم تكن الشروط قائمة في كل عصر، ~~لم يحصل العلم بصدقهم، لان خبر أهل كل عصر خبر مستقل بنفسه، فلا بد من ~~شروط، ولا جل ذلك لم يحصل لنا العلم بصدق اليهود مع كثرتهم في نقلهم عن ~~موسى صلوات الله عليه تكذيب كل ناسخ لشريعته، ولا بصدق الشيعة والعباسية ~~والبكرية في نقل النص على إمامة علي أو العباس أو أبي بكر رضي الله عنهم، ~~وإن كثر عدد الناقلين في هذه الاعصار القريبة، لان بعض هذا وضعه الآحاد ~~أولا ثم أفشوه ثم كثر الناقلون في عصره وبعده، والشرط إنما حصل في بعض ~~الاعصار فلم تستو فيه الاعصار، ولذلك لم يحصل التصديق بخلاف وجود عيسى عليه ~~السلام وتحديه بالنبوة ووجود أبي بكر وعلي رضي الله عنهما وانتصابهما ~~للإمامة، فإن كل ذلك لما تساوت فيه الأطراف والواسطة حصل ms164 لنا علم ضروري لا ~~نقدر على تشكيك أنفسنا فيه، ونقدر على التشكيك فيما نقلوه عن موسى وعيسى ~~عليهما السلام، وفي نص الإمامة. الشرط الرابع: في العدد وتهذب الغرض منه ~~برسم مسائل: # - مسألة (العدد الذي يحصل به التواتر) عدد المخبرين ينقسم إلى ما هو ناقص ~~فلا يفيد العلم، وإلى ما هو كامل وهو PageV00P107 # الذي يفيد العلم، وإلى زائد وهو الذي يحصل العلم ببعضه وتقع الزيادة فضلا ~~عن الكفاية، والكامل وهو أقل عدد يورث العلم ليس معلوما لنا، لكنا بحصول ~~العلم الضروري نتبين كمال العدد، لا أنا بكمال العدد نستدل على حصول العلم، ~~فإذا عرفت هذا فالعدد الكامل الذي يحصل التصديق به في واقعة هل يتصور أن لا ~~يفيد العلم في بعض الوقائع؟ قال القاضي رحمه الله: ذلك محال، بل كل ما يفيد ~~العلم في واقعة يفيد في كل واقعة، وإذا حصل العلم لشخص فلا بد وأن يحصل لكل ~~شخص يشاركه في السماع، ولا يتصور أن يختلف، وهذا صحيح إن تجرد الخبر عن ~~القرائن، فإن العلم لا يستند إلى مجرد العدد ونسبة كثرة العدد إلى سائر ~~الوقائع وسائر الاشخاص واحدة، أما إذا اقترنت به قرائن تدل على التصديق ~~فهذا يجوز أن تختلف فيه الوقائع والاشخاص، وأنكر القاضي ذلك ولم يلتفت إلى ~~القرائن ولم يجعل لها أثرا، وهذا غير مرضي، لان مجرد الاخبار يجوز أن يورث ~~العلم عند كثرة المخبرين، وإن لم تكن قرينة، ومجرد القرائن أيضا قد يورث ~~العلم وإن لم يكن فيه أخبار، فلا يبعد أن تنضم القرائن إلى الاخبار، فيقوم ~~بعض القرائن مقام بعض العدد من المخبرين، ولا ينكشف هذا إلا بمعرفة معنى ~~القرائن وكيفية دلالتها فنقول: لا شك في أنا نعرف أمورا ليست محسوسة، إذ ~~نعرف من غيرنا حبه لانسان وبغضه له وخوفه منه وغضبه وخجله، وهذه أحوال في ~~نفس المحب والمبغض لا يتعلق الحس بها قد تدل عليها دلالات آحادها ليست ~~قطعية بل يتطرق إليها الاحتمال، ولكن تميل النفس بها إلى اعتقاد ضعيف. ثم ~~الثاني والثالث يؤكد ذلك، ms165 ول أفردت آحادها لتطرق إليها الاحتمال، يحصل ~~القطع باجتماعها، كما أن قول كل واحد من عدد التواتر يتطرق إليه الاحتمال ~~لو قدر مفردا ويحصل القطع بسبب الاجتماع، ومثاله أنا نعرف عشق العاشق لا ~~بقوله بل بأفعال هي أفعال المحبين، من القيام بخدمته وبذل ماله وحضور ~~مجالسه لمشاهدته وملازمته في تردداته وأمور من هذا الجنس، فإن كل واحد يدل ~~دلالة لو انفرد لاحتمل أن يكون ذلك لغرض آخر يضمره لا لحبه إياه، لكن تنتهي ~~كثرة هذه الدلالات إلى حد يحصل لنا علم قطعي بحبه وكذلك ببغضه، إذا رؤيت ~~منه أفعال ينتجها البغض، وكذلك نعرف غضبه وخجله لا بمجرد حمرة وجهه لكن ~~الحمرة إحدى الدلالات، وكذلك نشهد الصبي يرتضع مرة بعد أخرى فيحصل لنا علم ~~قطعي بوصول اللبن إلى جوفه وإن لم نشاهد اللبن في الضرع لأنه مستور، ولا ~~عند خروجه فإنه مستور بالفم، ولكن حركة الصبي في الامتصاص وحركة حلقه تدل ~~عليه دلالة ما، مع أن ذلك قد يحصل من غير وصول اللبن، لكن ينضم إليه أن ~~المرأة الشابة لا يخلو ثديها عن لبن، ولا تخلو حلمته عن ثقب، ولا يخلو ~~الصبي عن طبع باعث على الامتصاص مستخرج للبن، وكل ذلك يحتمل خلافه نادرا ~~وإن لم يكن غالبا، لكن إذا انضم إليه سكوت الصبي عن بكائه مع أنه لم يتناول ~~طعاما آخر صار قرينة، ويحتمل أن يكون بكاؤه عن وجع وسكوته عن زواله، ويحتمل ~~أن يكون تناول شيئا آخر لم نشاهده وإن كنا نلازمه في أكثر الأوقات، ومع هذا ~~فاقتران هذه الدلائل كاقتران الاخبار وتواترها وكل دلالة شاهدة يتطرق إليها ~~الاحتمال، كقول كل مخبر على حياله، وينشأ من الاجتماع العلم وكأن هذا مدرك ~~سادس من مدارك العلم سوى ما PageV00P108 # ذكرناه في المقدمة من الأوليات والمحسوسات والمشاهدات الباطنة والتجربيات ~~والمتواترات فيلحق هذا بها، وإذا كان هذا غير منكر فلا يبعد أن يحصل ~~التصديق بقول عدد ناقص عند انضمام قرائن إليه، لو تجرد عن القرائن لم يفد ~~العلم، فإنه إذا أخبر خمسة أو ms166 ستة عن موت إنسان لا يحصل العلم بصدقهم، لكن ~~إذا انضم إليه خروج والد الميت من الدار حاسر الرأس حافي الرجل ممزق الثياب ~~مضطرب الحال يصفق وجهه ورأسه وهو رجل كبير ذو منصب ومروءة، لا يخالف عادته ~~ومروءته والتجربة تدل عليه. وكذلك العدد الكثير ربما يخبرون عن أمر يقتضي ~~إيالة الملك وسياسة إظهاره والمخبرون من رؤساء جنود الملك، فيتصور اجتماعهم ~~تحت ضبط الإيالة بالاتفاق على الكذب، ولو كانوا متفرقين خارجين عن ضبط ~~الملك لم يتطرق إليهم هذا الوهم، فهذا يؤثر في النفس تأثيرا لا ينكر، ولا ~~أدري لم أنكر القاضي ذلك وما برهانه على استحالته، فقد بان بهذا أن العدد ~~يجوز أن يختلف بالوقائع وبالاشخاص فرب شخص انغرس في نفسه أخلاق تميل به إلى ~~سرعة التصديق ببعض الأشياء، فيقوم ذلك مقام القرائن، وتقوم تلك القرائن ~~مقام خبر بعض المخبرين، فينشأ من ذلك أن لا برهان على استحالته، فإن قيل: ~~فهل يجوز أن يحصل العلم بقول واحد؟ قلنا: حكي عن الكعبي جوازه، ولا يظن ~~بمعتوه تجويزه مع انتفاء القرائن، أما إذا اجتمعت قرائن فلا يبعد أن تبلغ ~~القرائن مبلغا لا يبقى بينها وبين إثارة العلم إلا قرينة واحدة، ويقوم ~~إخبار الواحد مقام تلك القرينة، فهذا مما لا يعرف استحالته ولا يقطع ~~بوقوعه، فإن وقوعه إنما يعلم بالتجربة ونحن لم نجربه، ولكن قد جربنا كثيرا ~~مما اعتقدناه جزما بقول الواحد مع قرائن أحواله، ثم انكشف أنه كان تلبيسا، ~~وعن هذا أحال القاضي ذلك، وهذا كلام في الوقائع مع بقاء العادات على ~~المعهود من استمرارها فأما لو قدرنا خرق هذه العادة فالله تعالى قادر على ~~أن يحصل لنا العلم بقول واحد من غير قرينة فضلا على أن تنضم إليه القرائن. # - مسألة (هل شهادة الأربعة فيها غلبة الظن؟) قطع القاضي رحمه الله بأن ~~قول الأربعة قاصر عن العدد الكامل، لأنها بينة شرعية يجوز بالاجماع للقاضي ~~وقفها على المزكين لتحصل غلبة الظن، ولا يطلب الظن فيما علم ضرورة، وما ~~ذكره صحيح إذا لم تكن قرينة، ms167 فإنا لا نصادف أنفسنا مضطرين إلى خبر الأربعة، ~~أما إذا فرضت قرائن مع ذلك فلا يستحيل حصول التصديق لكن لا يكون ذلك حاصلا ~~عن مجرد الخبر بل عن القرائن مع الخبر والقاضي رحمه الله يحيل ذلك مع ~~القرائن أيضا. # - مسألة (هل شهادة الخمسة تفيد العلم؟) قال القاضي علمت بالاجماع أن ~~الأربعة ناقص أما الخمس فأتوقف فيها لأنه لم يقم فيها دليل الاجماع، وهذا ~~ضعيف لأنا نعلم بالتجربة ذلك فكم من أخبار نسمعها من خمسة أو ستة ولا يحصل ~~لنا العلم بها فهو أيضا ناقص لا نشك فيه. # - مسألة (العدد الذي يفيد التواتر) إذا قدرنا انتفاء القرائن فأقل عدد ~~يحصل به العلم الضروري معلوم لله تعالى وليس معلوما لنا، ولا سبيل لنا إلى ~~معرفته، فإنا لا ندري متى حصل علمنا بوجود مكة ووجود الشافعي ووجود ~~الأنبياء عليهم السلام عند تواتر الخبر إلينا، وأنه كان بعد خبر المائة ~~والمائتين ويعسر علينا تجربة ذلك وإن تكلفناها، وسبيل التكلف أن نراقب ~~أنفسنا إذا قتل PageV00P109 # رجل في السوق مثلا وانصرف جماعة عن موضع القتل ودخلوا علينا يخبرونا عن ~~قتله، فإن قول الأول يحرك الظن، وقول الثاني والثالث يؤكده، ولا يزال ~~يتزايد تأكيده إلى أن يصير ضروريا لا يمكننا أن نشكك فيه أنفسنا، فلو تصور ~~الوقوف على اللحظة التي يحصل العلم فيها ضرورة وحفظ حساب المخبرين وعددهم ~~لأمكن الوقوف، ولكن درك تلك اللحظة عسير، فإنه تتزايد قوة الاعتقاد تزايدا ~~خفي التدريج، نحو تزايد عقل الصبي المميز إلى أن يبلغ حد التكليف، ونحو ~~تزايد ضوء الصبح إلى أن ينتهي إلى حد الكمال، فلذلك بقي هذا في غطاء من ~~الاشكال، وتعذر على القوة البشرية إدراكه، فأما ما ذهب إليه قوم التخصيص ~~بالأربعين أخذا من الجمعة، وقوم إلى التخصيص بالسبعين أخذا من قوله تعالى: ~~* (واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا) * (الأعراف: 551) وقوم إلى ~~التخصيص بعدد أهل بدر فكل ذلك تحكمات فاسدة باردة لا تناسب الغرض ولا تدل ~~عليه، ويكفي تعارض أقوالهم دليلا على فسادها، فإذا لا سبيل لنا إلى ms168 حصر ~~عدده، لكنا بالعلم الضروري نستدل على أن العدد الذي هو الكامل عند الله ~~تعالى قد توافقوا على الاخبار، فإن قيل، فكيف علمتم حصول العلم بالتواتر ~~وأنتم لا تعلمون أقل عدده؟ قلنا: كما نعلم أن الخبز يشبع والماء يروي ~~والخمر يسكر، وإن كنا لا نعلم أقل مقدار منه، ونعلم أن القرائن تفيد العلم ~~وإن لم نقدر على حصر أجناسها وضبط أقل درجاتها. # - مسألة (هل يكذب العدد الكامل؟) العدد الكامل إذا أخبروا ولم يحصل العلم ~~بصدقهم فيجب القطع بكذبهم، لأنه لا يشترط في حصول العلم إلا شرطان: أحدهما: ~~كمال العدد. والثاني: أن يخبروا عن يقين ومشاهدة، فإذا كان العدد كاملا كان ~~امتناع العلم لفوات الشرط الثاني: فنعلم أنهم بجملتهم كذبوا أو كذب بعضهم ~~في قوله: إني شاهدت ذلك، بل بناه على توهم وظن أو كذب متعمدا، لانهم لو ~~صدقوا وقد كمل عددهم حصل العلم ضرورة، وهذا أيضا أحد الأدلة على أن الأربعة ~~ليسوا عدد التواتر إذ القاضي لم يحصل له العلم بصدقهم، وجاز له القضاء ~~بغلبة الظن بالاجماع، ولو تمر عددهم لكان انتفاء العلم بصدقهم دليلا قاطعا ~~على كذب جميعهم أو كذب واحد منهم، ولقطعنا بأن فيهم كاذبا أو متوهما، ولا ~~يقبل شهادة أربعة يعلم أن فيهم كاذبا أو متوهما فإن قيل فإن لم يحصل العلم ~~بقولهم وقد كثروا كثرة يستحيل بحكم العادة توافقهم على الكذب عن اتفاق، ~~ويستحيل دخولهم تحت ضابط وتساعدهم على الكذب، بحيث ينكتم ذلك على جميعهم، ~~ولا يتحدث به واحد منهم، فعلى ماذا يحمل كذبهم، وكيف يتصور ذلك؟ قلنا: إنما ~~يمكن ذلك بأن يكونوا منقسمين إلى صادقين وكاذبين، أما الصادقون فعددهم ناقص ~~عن المبلغ الذي يستقل بإفادة العلم، وأما الكاذبون فيحتمل أن يقع منهم ~~التواطؤ لنقصان عددهم عن مبلغ يستحيل عليهم التواطؤ مع الانكتام، فإن كانوا ~~مبلغا لا يستحيل التواطؤ عليهم مع الانكتام فلا يستحيل الانكتام في الحال ~~إلى أن يتحدث به في ثاني الحال ونقل الشيعة نص الإمامة مع كثرتها إنما لم ~~يفد العلم لانهم لم ms169 يخبروا عن المشاهدة والسماع، بل لو سمعوا عن سلف فهم ~~صادقون، لكن السلف الواضعون لهذا الكذب يكون عددهم ناقصا عن مبلغ يستحيل ~~منهم التواطؤ مع PageV00P110 # الانكتام، وربما ظن الخلف أن عددهم كامل لا يستحيل عليهم التواطؤ فيخطئون ~~في الظن فيقطعون بالحكم، ويكون هذا منشأ غلطهم. # خاتمة لهذا الباب في بيان شروط فاسدة ذهب إليها قوم وهي خمسة: # الأول: شرط قوم في عدد التواتر أن لا يحصرهم عدد ولا يحويهم بلد، وهذا ~~فاسد، فإن الحجيج بأجمعهم إذا أخبروا عن واقعة صدتهم عن الحج ومنعتهم من ~~عرفات حصل العلم بقولهم وهم محصورون، وأهل الجامع إذا أخبروا عن نائبة في ~~الجمعة منعت الناس من الصلاة علم صدقهم، مع أنهم يحويهم مسجد، فضلا عن بلد، ~~وكذلك أهل المدينة إذا أخبروا عن رسول الله (ص) بشئ حصل العلم وقد حواهم ~~بلد. # الثاني: شرط قوم أن تختلف أنسابهم فلا يكونوا بني أب واحد وتختلف أوطانهم ~~فلا يكونوا في محلة واحدة وتختلف أديانهم، فلا يكونوا أهل مذهب واحد، وهذا ~~فاسد لان كونهم من محلة واحدة ونسب واحد لا يؤثر إلا في إمكان تواطئهم، ~~والكثرة إلى كمال العدد تدفع هذا الامكان، وإن لم تكن كثرة أمكن التواطؤ من ~~بني الأعمام، كما يمكن من الاخوة ومن أهل بلد، كما يمكن من أهل محلة وكيف ~~يعتبر اختلاف الدين ونحن نعلم صدق المسلمين إذا أخبروا عن قتل وفتنة ~~وواقعة، بل نعلم صدق أهل قسطنطينية إذا أخبروا عن موت قيصر. فإن قيل: ~~فلنعلم صدق النصارى في نقل التثليث عن عيسى عليه السلام وصدقهم في صلبه؟ ~~قلنا: لم ينقلوا التثليث توقيفا وسماعا عن عيسى بنص صريح لا يحتمل التأويل، ~~لكن توهموا ذلك بألفاظ موهمة لم يقفوا على مغزاها كما فهم المشبهة التشبيه ~~من آيات وأخبار لم يفهموا معناها، والتواتر ينبغي أن يصدر عن محسوس، فأما ~~قتل عيسى عليه السلام فقد صدقوا في أنهم شاهدوا شخصا يشبه عيسى عليه السلام ~~مقتولا ولكن شبه لهم، فإن قيل: فهل يتصور التشبيه في المحسوس، فإن تصور ~~فليشك ms170 كل واحد منا إذا رأى زوجته وولده فلعله شبه له؟ قلنا: إن كان الزمان ~~زمان خرق العادة يجوز التشبيه في المحسوس، وذلك زمان النبوة لاثبات صدق ~~النبي (ص)، وذلك لا يوجب الشك في غير ذلك الزمان، إذ لا خلاف في قدرة الله ~~تعالى على قلب العصا ثعبانا وخرق العادة به لتصديق النبي عليه السلام، ومع ~~ذلك إذا أخذنا العصا في زماننا لم نخف من انقلابها ثعبانا ثقة بالعادات في ~~زماننا. فإن قيل: خرق العادة في زماننا هذا جائز كرامة للأولياء، فلعل وليا ~~من الأولياء دعا الله تعالى بذلك فأجابه، فلنشك لامكان ذلك؟ قلنا: إذا فعل ~~الله تعالى ذلك نزع عن قلوبنا العلم الضروري الحاصل بالعادات، فإذا وجدنا ~~من أنفسنا علما ضروريا بأنه لم تنقلب العصا ثعبانا ولا الجبل ذهبا، ولا ~~الحصى في الجبال جواهر ويواقيت قطعنا بأن الله تعالى لم يخرق العادة، وإن ~~كان قادرا عليها. # الثالث: شرط قوم أن يكونوا أولياء مؤمنين، وهو فاسد، إذ يحصل العلم بقول ~~الفسقة والمرجئة والقدرية، بل بقول الروم إذا أخبروا بموت ملكهم حصل العلم. # الرابع: شرط قوم أن لا يكونوا محمولين بالسيف على الاخبار، وهو فاسد، ~~لانهم إن PageV00P111 # حملوا على الكذب لم يحصل العلم لفقد الشرط وهو الاخبار عن العلم الضروري ~~وإن صدقوا حصل العلم، فلو أن أهل بغداد حملهم الخليفة بالسيف على الاخبار ~~عن محسوس شاهدوه أو شهادة كتموها فأخبروا حصل العلم بقولهم. فإن قيل: هل ~~يتصور عدد يحصل العلم بقولهم إذا أخبروا عن اختيار ولا يحصل لو أخبروا عن ~~إكراه؟ قلنا: أجاب القاضي رحمه الله ذلك من حيث أنه لم يجعل للقرائن مدخلا، ~~وذلك غير محال عندنا، فإنا بينا أن النفس تشعر بأن هؤلاء على كثرتهم لا ~~يجمعهم على الكذب جامع ثم تصدق، فإذا ظهر كون السيف جامعا لم يبعد أن لا ~~يحصل العلم. # الخامس: شرط الروافض أن يكون الامام المعصوم في جملة المخبرين، وهذا يوجب ~~العلم بأخبار الرسول (ص) عن جبريل عليه السلام، لأنه معصوم، فأي حاجة إلى ~~أخبار غيره، ms171 ويجب أن لا يحصل العلم بنقلهم على التواتر النص على علي رضي ~~الله عنه، إذ ليس فيهم معصوم، وأن لا تلزم حجة الامام إلا على من شاهده من ~~أهل بلده وسمع منه دون سائر البلاد، وأن لا تقوم الحجة بقول أمرائه ودعاته ~~ورسله وقضاته، إذ ليسوا معصومين، وأن لا يعلم موت أمير وقتله ووقوع فتنة ~~وقتال في غير مصر، وكل ذلك لازم على هذيانهم. # الباب الثالث: في تقسيم الخبر إلى ما يجب تصديقه وإلى ما يجب تكذيبه وإلى ~~ما يجب التوقف فيه وهي ثلاثة أقسام: # القسم الأول: ما يجب تصديقه، وهي سبعة. # الأول: ما أخبر عنه عدد التواتر، فإنه يجب تصديقه ضرورة وإن لم يدل عليه ~~دليل آخر، فليس في الاخبار ما يعلم صدقه بمجرد الاخبار إلا المتواتر، وما ~~عداه فإنما يعلم صدقه بدليل آخر يدل عليه سوى نفس الخبر. # الثاني: ما أخبر الله تعالى عنه، فهو صدق بدليل استحالة الكذب عليه، ويدل ~~عليه دليلان، أقواهما إخبار الرسول عليه السلام عن امتناع الكذب عليه ~~تعالى، والثاني أن كلامه تعالى قائم بنفسه، ويستحيل الكذب في كلام النفس ~~على من يستحيل عليه الجهل، إذ الخبر يقوم بالنفس على وفق العلم، والجهل على ~~الله تعالى محال. # الثالث: خبر الرسول عليه السلام ودليل صدقه دلالة المعجزة على صدقه مع ~~استحالة إظهار المعجزة على أيدي الكاذبين، لان ذلك لو كان ممكنا لعجز ~~الباري عن تصديقه رسله والعجز عليه محال. # الرابع: ما أخبر عنه الأمة إذ ثبت عصمتها بقول الرسول عليه السلام ~~المعصوم عن الكذب، وفي معناه كل شخص أخبر الله تعالى أو رسوله (ص) عنه بأنه ~~صادق لا يكذب. # الخامس: كل خبر يوافق ما أخبر الله تعالى عنه أو رسوله (ص) أو الأمة ~~PageV00P112 # أو من صدقه هؤلاء أو دل العقل عليه والسمع، فإنه لو كان كاذبا لكان ~~الموافق له كذبا. # السادس: كل خبر صح أنه ذكره المخبر بين يدي رسول الله (ص) وبمسمع منه ولم ~~يكن غافلا عنه فسكت عليه، لأنه لو كان كذبا لما ms172 سكت عنه ولا عن تكذيبه، ~~ونعني به ما يتعلق بالدين. # السابع: كل خبر ذكر بين يدي جماعة أمسكوا عن تكذيبه والعادة تقضي في مثل ~~ذلك بالتكذيب وامتناع السكوت لو كان كذبا، وذلك بأن يكون للخبر وقع في ~~نفوسهم، وهم عدد يمتنع في مستقر العادة التواطؤ عليهم بحيث ينكتم التواطؤ ~~ولا يتحدثون به، وبمثل هذه الطريقة ثبتت أكثر أعلام رسول الله (ص)، إذ كان ~~ينقل بمشهد جماعات وكانوا يسكتون عن التكذيب مع استحالة السكوت عن التكذيب ~~على مثلهم، فمهما كمل الشرط وترك النكير كما سبق نزل منزلة قولهم صدقت، فإن ~~قيل، لو ادعى واحد أمرا بمشهد جماعة وادعى علمهم به فسكتوا عن تكذيبه فهل ~~يثبت صدقه؟ قلنا: إن كان ذلك في محل النظر والاجتهاد فلا يثبت صدقه، ~~لاحتمال أنهم اعتقدوا عن النظر ما ادعاه، وإن كان يسنده إلى مشاهدة وكانوا ~~عددا يستحيل عليهم الدخول تحت داع واحد، فالسكوت عن تكذيبه تصديق من جهتهم، ~~فإن قيل: وهل يدل على الصدق تواتر الخبر عن جماعة لا يجوز على مثلهم ~~التواطؤ على الكذب قصدا ولا التوافق على اتفاق؟ قلنا: أحال القاضي رحمه ~~الله ذلك، وقال قولهم يورث العلم ضرورة إن بلغوا عدد التواتر في علم الله، ~~فإن لم يورث العلم الضروري دل على نقصان العدد ولا يجوز الاستدلال على ~~صدقهم بالنظر في أحوالهم، بل نعلم قطعا كذبهم أو اشتمالهم على كاذب أو ~~متوهم، وهذا على مذهبه إن لم ينظر إلى القرائن لازم، أما من نظر إلى ~~القرائن فلا يبعد أن يعلم صدقهم بنوع من النظر، فإن قيل خبر الواحد الذي ~~عمل به الأمة هل يجب تصديقه؟ قلنا: إن عملوا على وفقه فلعلهم عملوا عن دليل ~~آخر، وإن عملوا به أيضا فقد أمروا بالعمل بخبر الواحد وإن لم يعرفوا صدقه، ~~فلا يلزم الحكم بصدقه، فإن قيل لو قدر الراوي كاذبا لكان عمل الأمة ~~بالباطل، وهو خطأ، ولا يجوز ذلك على الأمة، قلنا: الأمة ما تعبدوا إلا ~~بالعمل بخبر يغلب على الظن صدقهم فيه، وقد غلب ms173 على ظنهم، كالقاضي إذ قضى ~~بشهادة عدلين فلا يكون مخطئا، وإن كان الشاهد كاذبا بل يكون محقا، لأنه لم ~~يؤمر إلا به. # القسم الثاني من الاخبار: ما يعلم كذبه: وهي أربعة: # الأول: ما يعلم خلافه بضرورة العقل أو نظره أو الحس والمشاهدة أو أخبار ~~التواتر، وبالجملة ما خالف المعلوم بالمدارك الستة المذكورة، كمن أخبر عن ~~الجمع بين الضدين وإحياء الموتى في الحال وأنا على جناح نسر أو في لجة بحر ~~وما يحس خلافه. # الثاني: ما يخالف النص القاطع من الكتاب والسنة المتواترة وإجماع الأمة، ~~فإنه ورد مكذبا لله تعالى ولرسوله (ص) وللأمة. # الثالث: ما صرح بتكذيبه جمع كثير يستحيل في العادة تواطؤهم على الكذب إذا ~~PageV00P113 # قالوا حضرنا معه في ذلك الوقت فلم نجد ما حكاه من الواقعة أصلا. # الرابع: ما سكت الجمع الكثير عن نقله والتحدث به مع جريان الواقعة بمشهد ~~منهم ومع إحالة العادة السكوت عن ذكره لتوفر الدواعي على نقله، كما لو أخبر ~~مخبر بأن أمير البلدة قتل في السوق على ملا من الناس ولم يتحدث أهل السوق ~~به فيقطع بكذبه إذ لو صدق لتوفرت الدواعي على نقله، ولا حالت العادة ~~اختصاصه بحكايته، وبمثل هذه الطريقة عرفنا كذب من ادعى معارضة القرآن ونص ~~الرسول على نبي آخر بعده، وأنه أعقب جماعة من الأولاد الذكور، ونصه على ~~إمام بعينه على ملا من الناس وفرضه صوم شوال وصلاة الضحى وأمثال ذلك مما ~~إذا كان أحالت العادة كتمانه، فإن قيل: فقد تفرد الآحاد بنقل ما تتوفر ~~الدواعي عليه حتى وقع الخلاف فيه، كإفراده (ص) الحج أو قرانه، وكدخوله ~~الكعبة وصلاته فيها، وأنه عليه السلام نكح ميمونة وهو حرام، وأنه دخل مكة ~~عنوة، وقبوله شهادة الأعرابي وحده على رؤية الهلال، وانفراد الأعرابي ~~بالرؤية حتى لم يشاركه أحد فيه وانشقاق القمر، ولم ينقله إلا ابن مسعود رضي ~~الله عنه وعدد يسير معه، وكان ينبغي أن يراه كل مؤمن وكافر وباد وحاضر، ~~ونقل النصارى معجزات عيسى عليه السلام ولم ينقلوا كلامه في المهد، وهو ms174 من ~~أعظم العلامات، ونقلت الأمة القرآن ولم ينقلوا بقية معجزات الرسول عليه ~~السلام كنقل القرآن في الشيوع، ونقل الناس أعلام الرسل ولم ينقلوا أعلام ~~شعيب عليه السلام، ونقلت الأمة سور القرآن ولم تنقل المعوذتين نقل غيرهما، ~~حتى خالف ابن مسعود رضي الله عنه في كونهما من القرآن، وما تعم به البلوى ~~من اللمس والمس أيضا، فكل هذا نقض على هذه القاعدة، والجواب أن إفراد رسول ~~الله (ص) وقرانه ليس مما يجب أن ينكشف وأن ينادي به رسول الله (ص) على ~~الكافة، بل لا يطلع عليه إلا من أطلعه عليه أو على نيته بإخباره إياه، نعم ~~ظهر على الاستفاضة تعليمه الناس الافراد والقران جميعا، وأما دخوله الكعبة ~~وصلاته فيها فقد يكون ذلك مع نفر يسير ومع واحد واثنين ولا يقع شائعا، كيف ~~ولو وقع شائعا لم تتوفر الدواعي على دوام نقله، لأنه ليس من أصول الدين ولا ~~من فرائضه ومهماته، وأما دخوله مكة عنوة فقد صح على الاستفاضة دخوله متسلحا ~~مع الألوية والاعلام وتمام التمكن والاستيلاء وبذله الأمان لمن دخل دار أبي ~~سفيان ولمن ألقى سلاحه واعتصم بالكعبة، وكل ذلك غير مختلف فيه، ولكن استدل ~~بعض الفقهاء بما روي عنه (ص) أنه ودى قوما قتلهم خالد بن الوليد رضي الله ~~عنه على أنه كان صلحا، ووقوع مثل هذه الشبهة للآحاد ممكن، إلى أن تزال ~~بالنظر وأن يكون ذلك بنهي خاص عن قوم مخصوصين، ولسبب مخصوص، وأما انفراد ~~الأعرابي برؤية الهلال فممكن، وقد يقع مثل ذلك في زماننا في الليلة الأولى ~~لخفاء الهلال ودقته، فينفرد به من يتحد بصره، وتصدق في الطلب رغبته، ويقع ~~على موضع الهلال بصره عن معرفة أو اتفاق، وأما انشقاق القمر فهي آية ليلية ~~وقعت والناس نيام، غافلون، وإنما كان في لحظة، فرآه من ناظره النبي (ص) من ~~قريش ونبهه على النظر له، وما انشق منه إلا شعبة ثم عاد صحيحا في لحظة، فكم ~~من انقضاض كوكب وزلزلة وأمور هائلة من ريح PageV00P114 # وصاعقة بالليل لا يتنبه له إلا ms175 الآحاد على أن مثل هذا، إنما يعمله من قيل ~~له انظر إليه فانشق عقيب القول والتحدي، ومن لم يعلم ذلك ووقع عليه بصره ~~ربما توهم أنه خيال انقشع أو كوكب كان تحت القمر فانجلى القمر عنه، أو قطعة ~~سحاب سترت قطعة من القمر، فلهذا لم يتواتر نقله، وأما نقلهم القرآن دون ~~سائر الاعلام فذلك لامرين: أحدهما: أن الدواعي لا تتوفر بعد ثبوت النبوة ~~بالقرآن واستقلالها به على نقل ما يقع بعده، بحيث تقع المداومة عليه اكتفاء ~~بثبوتها بالقرآن الذي هو أعظم الآيات، ولان غير القرآن إنما ظهر في عمر كل ~~واحد مرة واحدة، وربما ظهر بين يدي نفر يسير، والقرآن كان يردده طول عمره ~~مرة بعد أخرى، ويلقيه على كافتهم قصدا، ويأمرهم بحفظه والتلاوة له والعمل ~~بموجبه، وأما المعوذتان فقد ثبت نقلهما شائعا من القرآن كسائر السور، وابن ~~مسعود رضي الله عنه لم ينكر كونهما من القرآن لكن أنكر إثباتهما في المصحف ~~وإثبات الحمد أيضا، لأنه كانت السنة عنده أن لا يثبت إلا ما أمر النبي (ص) ~~بإثباته وكتبته ولما لم يجده كتب ذلك ولا سمع أمره به أنكره، وهذا تأويل ~~وليس جحدا لكونه قرآنا، ولو جحد ذلك لكان فسقا عظيما لا يضاف إلى مثله، ولا ~~إلى أحد من الصحابة، وأما ترك النصارى نقل كلام عيسى عليه السلام في المهد ~~، فلعله لم يتكلم إلا بحضرة نفر يسير ومرة واحدة لتبرئة مريم عليها السلام ~~عما نسبوها إليه، فلم ينتشر ذلك ولم يحصل العلم بقول من سمع ذلك منهم ~~فاندرس فيما بينهم، وأما شعيب ومن يجري مجراه من الرسل عليهم السلام، فلم ~~يكن لهم شريعة ينفردون بها بل كانوا يدعون إلى شريعة من قبلهم، فلم تتوفر ~~الدواعي على نقل معجزاتهم، إذ لم يكن لهم معجزات ظاهرة، لكن ثبت صدقهم ~~بالنص والتوقيف من نبي ذي معجزة، وأما الخبر عن اللمس والمس للذكر وما تعم ~~به البلوى، فيجوز أن يخبر به الرسول عليه السلام عددا يسيرا ثم ينقلونه ~~آحادا ولا يستفيض، وليس ذلك مما ms176 يعظم في الصدور وتتوفر الدواعي على التحدث ~~به دائما. # القسم الثالث: ما لا يعلم صدقه ولا كذبه: فيجب التوقف فيه، وهو جملة ~~الأخبار الواردة في أحكام الشرع والعبادات مما عدا القسمين المذكورين، وهو ~~كل خبر لم يعرف صدقه ولا كذبه، فإن قيل: عدم قيام الدليل على صدقه يدل على ~~كذبه، إذ لو كان صدقا لما أخلانا الله تعالى عن دليل على صدقه، قلنا: ولم ~~يستحيل أن يخلينا عن دليل قاطع على صدقه، ولو قلب هذا وقيل يعلم صدقه لأنه ~~لو كان كذبا لما أخلانا الله تعالى عن دليل قاطع على كذبه، لكان مقاوما ~~لهذا الكلام، وكيف يجوز ذلك، ويلزم منه أن يقطع بكذب كل شاهد لا يقطع بصدقه ~~وكفر كل قاض ومفت وفجوره، إذا لم يعلم إسلامه وورعه بقاطع، وكذا كل قياس ~~ودليل في الشرع لا يقطع بصحته فليقطع ببطلانه، وهذا بخلاف التحدي بالنبوة ~~إذا لم تظهر معجزة، فإنا نقطع بكذبه، لان النبي (ص) هو الذي كلفنا تصديقه ~~وتصديقه بغير دليل محال وتكليف المحال محال فبه علمنا، أنا لم نكلف تصديقه، ~~فلم يكن رسولا إلينا قطعا، أما خبر الواحد، وشهادة الاثنين فلم نتعبد فيه ~~بالتصديق بل بالعمل عند ظن الصدق والظن حاصل، والعمل ممكن ونحن مصيبون وإن ~~كان هو كاذبا ولو عملنا PageV00P115 # بقول شاهد واحد، فنحن مخطئون وإن كان هو صادقا، فإن قيل: إنما وجب إقامة ~~المعجزة لنعرف صدقه فنتبعه فيما يشرعه فليجب عليه إزالة الشك فيما يبلغ من ~~الشرع بالمشافهة والإشاعة إلى حد التواتر ليحصل العلم في حق من لم يشافهه ~~به، قلنا لا استحالة في أن يقسم الشارع شرعه إلى ما يتعبد فيه بالعلم ~~والعمل فيجب فيه، ما ذكرتموه وإلى ما يتعبد فيه بالعمل دون العلم: فيكون ~~فرض من يسمع من الرسول العلم والعمل جميعا، وفرض من غاب العمل دون العلم، ~~ويكون العمل منوطا بظن الصدق في الخبر، وإن كان هو كاذبا عند الله تعالى، ~~وكذا الظن الحاصل من قياس وقول شاهد، ويمين المدعى عليه أو يمين المدعي ms177 مع ~~النكول، فلا نحيل شيئا من ذلك. # القسم الثاني من هذا الأصل في أخبار الآحاد وفيه أبواب الباب الأول في ~~إثبات التعبد به مع قصوره عن إفادة العلم وفيه أربع مسائل: # - مسألة (هل خبر الواحد يفيد العلم؟) اعلم أنا نريد بخبر الواحد في هذا ~~المقام ما لا ينتهي من الاخبار إلى حد التواتر المفيد للعلم، فما نقله ~~جماعة من خمسة أو ستة مثلا فهو خبر الواحد، وأما قول الرسول عليه السلام ~~مما علم صحته فلا يسمى خبر الواحد، وإذا عرفت هذا فنقول: خبر الواحد لا ~~يفيد العلم، وهو معلوم بالضرورة، إنا لا نصدق بكل ما نسمع، ولو صدقنا ~~وقدرنا تعارض خبرين فكيف نصدق بالضدين، وما حكي عن المحدثين من أن ذلك يوجب ~~العلم فلعلهم أرادوا أنه يفيد العلم بوجوب العمل، إذ يسمى الظن علما، ولهذا ~~قال بعضهم: # يورث العلم الظاهر، والعلم ليس له ظاهر وباطن، وإنما هو الظن، ولا تمسك ~~لهم في قوله تعالى: * (فإن علمتموهن مؤمنات) * (الممتحنة: 01) وأنه أراد ~~الظاهر، لان المراد به العلم الحقيقي بكلمة الشهادة التي هي ظاهر الايمان ~~دون الباطن الذي لم يكلف به، والايمان باللسان يسمى إيمانا مجازا، ولا تمسك ~~لهم في قوله تعالى: * (ولا تقف ما ليس لك به علم) * (الاسراء: 63) وأن ~~الخبر لو لم يفد العلم لما جاز العمل به، لان المراد بالآية منع الشاهد عن ~~جزم الشهادة إلا بما يتحقق، وأما العلم بخبر الواحد فمعلوم الوجوب بدليل ~~قاطع أوجب العمل عند ظن الصدق، والظن حاصل قطعا، ووجوب العمل عنده معلوم ~~قطعا، كالحكم بشهادة اثنين، أو يمين المدعي مع نكول المدعى عليه. # - مسألة (هل يتعبد بخبر الواحد؟) أنكر منكرون جواز التعبد بخبر الواحد ~~عقلا، فضلا عن وقوعه سمعا، فيقال لهم: من أين عرفتم استحالته؟ أبالضرورة ~~ونحن نخالفكم فيه، ولا نزاع في الضرورة، أو بدليل ولا سبيل لهم إلى إثباته، ~~لأنه لو كان محالا لكان يستحيل، إما لذاته أو لمفسدة تتولد منه، ولا يستحيل ~~لذاته ولا التفات إلى المفسدة، ولا نسلم أيضا لو التفتنا ms178 إليها، فلا بد من ~~بيان وجه المفسدة، فإن قيل: وجه المفسدة أن يروي الواحد خبرا في سفك دم أو ~~في استحلال بضع، وربما يكذب، فيظن أن سفك الدم هو بأمر الله تعالى، ولا ~~يكون بأمره، فكيف يجوز الهجوم بالجهل؟ ومن شككنا في إباحة بضعه وسفك دمه، ~~فلا يجوز الهجوم عليه بالشك، فيقبح من الشارع حوالة الخلق على الجهل ~~واقتحام الباطل بالتوهم، بل إذا أمر الله PageV00P116 # تعالى بأمر فليعرفنا أمره لنكون على بصيرة، إما ممتثلون أو مخالفون، ~~والجواب: أن هذا السؤال إن صدر ممن ينكر الشرائع فنقول له: أي استحالة في ~~أن يقول الله تعالى لعباده إذا طار بكم طائر وظننتموه غرابا فقد أوجبت ~~عليكم كذا وكذا، وجعلت ظنكم علامة وجوب العمل كما جعلت زوال الشمس علامة ~~وجوب الصلاة فيكون نفس الظن علامة الوجوب والظن مدرك بالحس وجوده، فيكون ~~الوجوب معلوما، فمن أتى بالواجب عند الظن فقد امتثل قطعا وأصاب، فإذا جاز ~~أن يجعل الزوال أو ظن كونه غرابا علامة، فلم لا يجوز أن يجعل ظنه علامة؟ ~~ويقال له: إذا ظننت صدق الراوي والشاهد والحالف، فاحكم به ولست متعبدا ~~بمعرفة صدقه، ولكن بالعمل عند ظن صدقه، وأنت مصيب وممتثل صدق أو كذب، ولست ~~متعبدا بالعلم بصدقه، ولكن بالعمل عند ظنك الذي تحسه من نفسك، وهذا ما ~~نعتقده في القياس وخبر الواحد والحكم بالشاهد واليمين وغير ذلك، وأما إذا ~~صدر هذا من مقر بالشرع فلا يتمكن منه، لأنه تعبد بالعمل بالشهادة والحكم ~~والفتوى ومعاينة الكعبة وخبر الرسول صلى الله عليه وسلم، فهذه خمسة، ثم ~~الشهادة، قد يقطع بها كشهادة الرسول (ص) وشهادة خزيمة بن ثابت حين صدقه ~~رسول الله (ص)، وشهادة موسى وهارون والأنبياء صلوات الله عليهم، وقد يظن ~~ذلك كشهادة غيرهم، ثم ألحق المظنون بالمقطوع به في وجوب العمل، وكذلك فتوى ~~النبي (ص) وحكمه مقطوع به وفتوى سائر الأئمة وحكم سائر القضاة مظنون وألحق ~~بالمعلوم، والكعبة تعلم قطعا بالعيان وتظن بالاجتهاد، وعند الظن يجب العمل، ~~كما يجب عند المشاهدة، فكذلك خبر ms179 الرسول صلى الله عليه وسلم يجب العمل به ~~عند التواتر، فلم يستحيل أن يلحق المظنون بالمعلوم في وجوب العمل خاصة، ومن ~~أراد أن يفرق بين هذه الخمسة في مفسدة أو مصلحة لم يتمكن منه أصلا، فإن ~~قيل: فهل يجوز التعبد بالعمل بخبر الفاسق؟ قلنا: قال قوم: يجوز بشرط ظن ~~الصدق، وهذا الشرط عندنا فاسد، بل كما يجوز أن تجعل حركة الفلك علامة ~~التعبد بالصلاة فحركة لسان الفاسق يجوز أن تجعل علامة، فتكليف العمل عند ~~وجود الخبر شئ، وكون الخبر صدقا أو كذبا شئ آخر. # مسألة (هل يجب العمل بخبر الواحد؟) ذهب قوم إلى أن العقل يدل على وجوب ~~العمل بخبر الواحد دون الأدلة السمعية، واستدلوا عليه بدليلين: أحدهما: أن ~~المفتي إذا لم يجد دليلا قاطعا من كتاب أو إجماع أو سنة متواترة ووجد خبر ~~الواحد، فلو لم يحكم به لتعطلت الاحكام، ولان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ~~كان مبعوثا إلى أهل العصر يحتاج إلى إنفاذ الرسل، إذ لا يقدر على مشافهة ~~الجميع ولا إشاعة جميع أحكامه على التواتر إلى كل أحد، إذ لو أنفذ عدد ~~التواتر إلى كل قطر لم يف بذلك أهل مدينته، وهذا ضعيف، لان المفتي إذا فقد ~~الأدلة القاطعة يرجع إلى البراءة الأصلية والاستصحاب، كما لو فقد خبر ~~الواحد أيضا، وأما الرسول صلى الله عليه وسلم فليقتصر على من يقدر على ~~تبليغه، فمن الناس في الجزائر من لم يبلغه الشرع فلا يكلف به، فليس تكليف ~~الجميع واجبا، نعم لو تعبد نبي بأن يكلف جميع الخلق ولا يخلي واقعة عن حكم ~~الله تعالى ولا شخصا عن التكليف، فربما يكون الاكتفاء بخبر الواحد ~~PageV00P117 # ضرورة في حقه. والدليل الثاني: إنهم قالوا: صدق الراوي ممكن، فلو لم نعمل ~~بخبر الواحد لكنا قد تركنا أمر الله تعالى وأمر رسوله (ص) فالاحتياط والحزم ~~في العمل وهو باطل من ثلاثة أوجه: أحدها: أن كذبه ممكن، فربما يكون عملنا ~~بخلاف الواجب. الثاني: أنه كان يجب العمل بخبر الكافر والفاسق، لان صدقه ~~ممكن. الثالث: هو ms180 أن براءة الذمة معلومة بالعقل والنفي الأصلي فلا ترفع ~~بالوهم، وقد استدل به قوم في نفي خبر الواحد، وهو وإن كان فاسدا فهو أقوم ~~من قوله إن الصدق إذا كان ممكنا يجب العمل به. # مسألة (هل يتعبد بخبر الواحد؟) الصحيح الذي ذهب إليه الجماهير من سلف ~~الأمة من الصحابة والتابعين والفقهاء والمتكلمين أنه لا يستحيل التعبد بخبر ~~الواحد عقلا، ولا يجب التعبد به عقلا، وأن التعبد به واقع سمعا، وقال ~~جماهير القدرية ومن تابعهم من أهل الظاهر كالقاساني بتحريم العمل به سمعا، ~~ويدل على بطلان مذهبهم مسلكان قاطعان: أحدهما: إجماع الصحابة على قبول خبر ~~الواحد. والثاني: تواتر الخبر بإنفاذ رسول الله (ص) الولاة والرسل إلى ~~البلاد وتكليفه إياهم تصديقهم فيما نقلوه من الشرع ونحن نقرر هذين ~~المسلكين: # المسلك الأول: ما تواتر و اشتهر من عمل الصحابة بخبر الواحد في وقائع شتى ~~لا تنحصر، وإن لم تتواتر آحادها، فيحصل العلم بمجموعها، ونحن نشير إلى ~~بعضها: فمنها: ما روي عن عمر رضي الله عنه في وقائع كثيرة، من ذلك قصة ~~الجنين وقيامه في ذلك يقول: # أذكر الله امرءا سمع من رسول الله (ص) شيئا في الجنين، فقام إليه حمل بن ~~مالك بن النابغة وقال: كنت بين جارتين (يعني ضرتين) فضربت إحداهما الأخرى ~~بمسطح فألقت جنينا ميتا، فقضى فيه رسول الله (ص) بغرة عبد أو وليدة، فقال ~~عمر، لو لم نسمع هذا لقضينا فيه بغير هذا، أي لم نقض بالغرة أصلا، وقد ~~انفصل الجنين ميتا للشك في أصل حياته. ومن ذلك أنه كان رضي الله عنه لا يرى ~~توريث المرأة من دية زوجها، فلما أخبره الضحاك أن رسول الله (ص) كتب إليه ~~أن يورث امرأة أشيم الضبابي من ديته رجع إلى ذلك. ومن ذلك ما تظاهرت به ~~الاخبار عنه في قصة المجوس أنه قال: ما أدري ما الذي أصنع في أمرهم وقال: ~~أنشد الله امرءا سمع فيهم شيئا إلا رفعه إلينا، فقال عبد الرحمن بن عوف: ~~أشهد لسمعت رسول الله (ص) يقول: سنوا ms181 بهم سنة أهل الكتاب فأخذ الجزية منهم ~~وأقرهم على دينهم. ومنها: ما ظهر منه ومن عثمان رضي الله عنهما وجماهير ~~الصحابة رضي الله عنهم من الرجوع عن سقوط فرض الغسل من التقاء الختانين ~~بخبر عائشة رضي الله عنها وقولها: فعلت ذلك أنا ورسول الله (ص) فاغتسلنا. ~~ومن ذلك ما صح عن عثمان رضي الله عنه أنه قضى في السكنى بخبر فريعة بنت ~~مالك بعد أن أرسل إليها وسألها. ومنها: ما ظهر من علي رضي الله عنه من ~~قبوله خبر الواحد واستظهاره باليمين، حتى قال في الخبر المشهور: كنت إذا ~~سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا نفعني الله بما شاء منه، وإذا ~~حدثني غيره أحلفته، فإذا حلف صدقته، PageV00P118 # وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر قال: قال رسول الله (ص): ما من عبد يصيب ~~ذنبا الحديث... فكان يحلف المخبر لا لتهمة بالكذب، ولكن للاحتياط في سياق ~~الحديث على وجهه والتحرز والتحرز من تغيير لفظه نقلا بالمعنى، ولئلا يقدم ~~على الرواية بالظن بل عند السماع المحقق. ومنها: ما روي عن زيد بن ثابت رضي ~~الله عنه أنه كان يرى أن الحائض لا يجوز لها أن تصدر حتى يكون آخر عهدها ~~الطواف بالبيت، وأنكر على ابن عباس خلافه في ذلك، فقيل له: إن ابن عباس سأل ~~فلانة الأنصارية: هل أمرها رسول الله (ص) بذلك فأخبرته، فرجع زيد بن ثابت ~~يضحك ويقول لابن عباس: ما أراك إلا قد صدقت: ورجع إلى موافقته بخبر ~~الأنصارية. ومنها: ما روي عن أنس رضي الله عنه أنه قال: كنت أسقي أبا عبيدة ~~وأبا طلحة وأبي بن كعب شرابا من فضيخ تمر، إذا أتانا آت فقال: إن الخمر قد ~~حرمت، فقال أبو طلحة: قم يا أنس إلى هذه الجرار فاكسرها، فقمت إلى مهراس ~~لنا فضربتها بأسفله حتى تكسرت. ومنها: ما اشتهر من عمل أهل قباء في التحول ~~عن القبلة بخبر الواحد، وأنهم أتاهم آت فأخبرهم بنسخ القبلة، فانحرفوا إلى ~~الكعبة بخبره. # ومنها: ما ظهر من ابن عباس ms182 رضي الله عنه، وقد قيل أن فلانا رجلا من ~~المسلمين يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس بموسى نبي إسرائيل عليه السلام، فقال ~~ابن عباس: كذب عدو الله: أخبرني أبي بن كعب قال: خطبنا رسول الله (ص)، ثم ~~ذكر موسى والخضر بشئ يدل على أن موسى صاحب الخضر هو موسى بني إسرائيل، ~~فتجاوز ابن عباس العمل بخبر الواحد وبادر إلى التكذيب بأصله، والقطع بذلك ~~لأجل خبر أبي بن كعب. # ومنها: أيضا ما روي عن أبي الدرداء أنه لما باع معاوية شيئا من آنية ~~الذهب والورق بأكثر من وزنه، فقال له أبو الدرداء: سمعت رسول الله (ص) ينهى ~~عن ذلك، فقال له معاوية: إني لا أرى بذلك بأسا، فقال أبو الدرداء: من ~~يعذرني من معاوية، أخبره عن رسول الله (ص) ويخبرني عن رأيه: لا أساكنك بأرض ~~أبدا. ومنها: ما اشتهر عن جميعهم في أخبار لا تحصى الرجوع إلى عائشة وأم ~~سلمة وميمونة وحفصة رضوان الله عليهن وإلى فاطمة بنت أسد، وفلانة وفلانة ~~ممن لا يحصى كثرة، وإلى زيد وأسامة بن زيد وغيرهم من الصحابة رضوان الله ~~عليهم من الرجال والنساء والعبيد والموالي، وعلى ذلك جرت سنة التابعين ~~بعدهم، حتى قال الشافعي رحمه الله وجدنا علي بن الحسين رضي الله عنه يعول ~~على أخبار الآحاد، وكذلك محمد بن علي، وجبير بن مطعم، ونافع بن جبير وخارجة ~~بن زيد، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار، وعطاء بن يسار، وكذلك ~~كان حال طاوس، وعطاء، ومجاهد، وكان سعيد بن المسيب يقول: أخبرني أبو سعيد ~~الخدري عن النبي (ص) في الصرف، فيثبت حديثه سنة ويقول: حدثني أبو هريرة، ~~وعروة ابن الزبير يقول: حدثتني عائشة رضي الله عنها أن رسول الله (ص) قضى ~~أن الخراج بالضمان ويعترض بذلك على قضية عمر بن عبد العزيز فينقض عمر قضاءه ~~لأجل ذلك، وكذلك ميسرة باليمن ومكحول بالشام، وعلى ذلك كان فقهاء البصرة ~~كالحسن وابن سيرين وفقهاء الكوفة وتابعوهم، كعلقمة والأسود والشعبي ومسروق، ~~وعليه جرى من PageV00P119 # بعدهم من الفقهاء، ولم ms183 ينكر عليهم أحد في عصر، ولو كان نكير لنقل، ولوجب ~~في مستقر العادة اشتهاره، وتوفرت الدواعي على نقله، كما توفرت على نقل ~~العمل به، فقد ثبت أن ذلك مجمع عليه من السلف، وإنما الخلاف، حدث بعدهم، ~~فإن قيل: لعلهم عملوا، بها مع قرائن أو بأخبار أخر صاحبتها أو ظواهر ~~ومقاييس وأسباب قارنتها لا بمجرد هذه الأخبار كما زعمتم كما قلتم عملهم ~~بالعموم، وصيغة الأمر والنهي ليس نصا صريحا على أنهم عملوا بمجردها بل بها ~~مع قرائن قارنتها؟ قلنا: لانهم لم ينقل عنهم لفظ، إنما عملنا بمجرد الصيغة ~~من أمر ونهي وعموم، وقد قالوا هاهنا: لولا هذا لقضينا بغير هذا، وصرح ابن ~~عمر رضي الله عنهما برجوعهم عن المخابرة بخبر رافع بن خديج، ورجوعهم في ~~التقاء الختانين بخبر عائشة رضي الله عنها، كيف وصيغة العموم والامر والنهي ~~قط لا تنفك عن قرينة من حال المأمور والمأمور به والآمر، أما ما يرويه ~~الراوي عن رسول الله (ص)، فماذا يقترن به حتى يكون دليلا بسببه؟ فتقدير ذلك ~~كتقدير قرائن في عملهم بنص الكتاب، وبالخبر المتواتر وبالاجماع وذلك يبطل ~~جميع الأدلة، وبالجملة فمناشدتهم في طلب الاخبار لا داعي لها إلا بالعمل ~~بها، فإن قيل: فقد تركوا العمل بأخبار كثيرة أيضا؟ قلنا: ذلك لفقدهم شرط ~~قبولها كما سيأتي، وكما تركوا العمل بنص القرآن وبأخبار متواترة، لاطلاعهم ~~على نسخها أو فوات الامر وانقراض من كان الخطاب متعلقا به. # الدليل الثاني: ما تواتر من إنفاذ رسول الله (ص) أمراءه وقضاته ورسله ~~وسعاته إلى الأطراف، وهم آحاد، ولا يرسلهم إلا لقبض الصدقات، وحل العهود ~~وتقريرها وتبليغ أحكام الشرع، فمن ذلك تأميره أبا بكر الصديق على الموسم ~~سنة تسع، وإنفاذه سورة براءة مع علي، وتحميله فسخ العهود والعقود التي كانت ~~بينهم وبينه (ص) ومن ذلك توليته عمر رضي الله عنه على الصدقات، وتوليته ~~معاذا قبض صدقات اليمن والحكم على أهلها، ومن ذلك إنفاذه (ص) عثمان بن عفان ~~إلى أهل مكة متحملا ورسولا مؤديا عنه، حتى بلغه أن قريشا قتلته، ms184 فقلق لذلك، ~~وبايع لأجله بيعة الرضوان، وقال: # والله لئن كانوا قتلوه لاضرمنها عليهم نارا ومن ذلك توليته (ص) على ~~الصدقات والجبايات قيس بن عاصم، ومالك بن نويرة، والزبرقان بن بدر، وزيد بن ~~حارثة وعمرو بن العاص، وعمرو بن حزم، وأسامة بن زيد، وعبد الرحمن بن عوف، ~~وأبا عبيدة بن الجراح وغيرهم ممن يطول ذكرهم، وقد ثبت باتفاق أهل السير أنه ~~كان (ص) يلزم أهل النواحي قبول قول رسله وسعاته وحكامه، ولو احتاج في كل ~~رسول إلى تنفيذ عدد التواتر معه لم يف بذلك جميع أصحابه، وخلت دار هجرته عن ~~أصحابه وأنصاره، وتمكن منه أعداؤه من اليهود وغيرهم، وفسد النظام والتدبير، ~~وذلك وهم باطل قطعا، فإن قيل: كان قد أعلمهم (ص) تفصيل الصدقات شفاها ~~وبأخبار متواترة، وإنما بعثهم لقبضها؟ قلنا: ولم وجب تصديقهم في دعوى القبض ~~وهم آحاد، ثم لم يكن بعثه (ص) في الصدقات فقط بل كان في تعليمهم الدين ~~والحكم بين المتخاصمين وتعريف وظائف الشرع، فإن قيل: فليجب عليهم قبول أصل ~~الصلاة والزكاة، بل أصل الدعوة والرسالة PageV00P120 # والمعجزة؟ قلنا: أما أصل الزكاة والصلاة فكان يجب قبوله، لانهم كانوا ~~ينفذون لشرح وظائف الشرع بعد انتشار أصل الدعوة، وأما أصل والرسالة ~~والايمان وأعلام النبوة فلا، إذ كيف يقول رسول الله (ص) قد أوجب عليكم ~~تصديقي وهم لم يعرفوا برسالته، أما بعد التصديق به فيمكن الاصغاء إلى رسله ~~بإيجابه الاصغاء إليهم، فإن قيل: فإنما يجب قبول خبر الواحد إذا دل قاطع ~~على وجوب العمل به، كما دل الاجماع والتواتر عندكم، فأولئك بماذا صدقوا ~~الولاة في قولهم يجب عليكم العمل بقولنا: قلنا: قد كان تواتر إليهم من سيرة ~~رسول الله (ص) أنه ينفذ الولاة والرسل آحادا، كسائر الأكابر والرؤساء، ~~ولولا علمهم بذلك لجاز للمتشكك، أن يجادل فيه إذ عرض له شك، ولكن قل ما ~~يعرض الشك فيه مع القرائن، فإن الذي يدخل بلادنا مع منشور القضاء قد لا ~~يخالجنا ريب في صدقه وإن لم يتواتر إلينا، ولكن بقرائن الأحوال والمعرفة ~~لخط الكاتب وببعد ms185 جرأته على الكذب مع تعريضه للخطر في أمثال ذلك. # الدليل الثالث: إن العامي بالاجماع مأمور باتباع المفتي وتصديقه، مع أنه ~~ربما يخبر عن ظنه، فالذي يخبر بالسماع الذي لا يشك فيه أولى بالتصديق، ~~والكذب والغلط جائزان على المفتي كما على الراوي، بل الغلط على الراوي ~~أبعد، لان كل مجتهد وإن كان مصيبا فإنما يكون مصيبا، إذا لم يقصر في إتمام ~~النظر، وربما يظن أنه لم يقصر ويكون قد قصر، وهذا على مذهب من يجوز تقليد ~~مقلد الشافعي رحمه الله إذا نقل مذهبه أوقع لأنه يروي مذهب غيره فكيف لا ~~يروي قول غيره؟ فإن قيل: هذا قياس لا يفيد إلا الظن، ولا يجوز إثبات الأصول ~~بالظن والقياس، والعمل بخبر الواحد أصل، كيف ولا ينقدح وجه الظن، فإن ~~المجتهد مما يضطر إليه ولو كلف آحاد العوام درجة الاجتهاد تعذر ذلك، فهو ~~مضطر إلى تقليد المفتي؟ قلنا: لا ضرورة في ذلك، بل ينبغي أن يرجع إلى ~~البراءة الأصلية، إذ لا طريق له إلى المعرفة، كما وجب على المفتي بزعمكم ~~إذا بلغه خبر الواحد أن يرد الخبر فيرجع إلى البراءة الأصلية إذا تعذر عليه ~~التواتر، ثم نقول: ليس هذا قياسا مظنونا، بل هو مقطوع به بأنه في معناه، ~~لأنه لو صح العمل بخبر الواحد في الأنكحة لقطعنا به في البياعات ولم يختلف ~~الامر باختلاف المروي وهاهنا لم يختلف إلا المخبر عنه، فإن المفتي يخبر عن ~~ظن نفسه، والراوي عن قول غيره، كما لم يفرق في حق الشاهدين بين أن يخبرا عن ~~أنفسهما أو عن غيرهما إذا شهدا على عدالة غيرهما، أو يخبرا عن ظن أنفسهما ~~العدالة في غيرهما الدليل الرابع: قوله تعالى: * (فلولا نفر من كل فرقة ~~منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم) * (التوبة: ~~221) فالطائفة نفر يسير كالثلاثة، ولا يحصل العلم بقولهم، وهذا فيه نظر، ~~لأنه إن كان قاطعا فهو في وجوب الانذار لا في وجوب العمل على المنذر عنه ~~اتحاد المنذر كما يجب على الشاهد الواحد إقامة الشهادة، لا ms186 ليعمل بها وحدها ~~لكن إذا انضم غيرها إليها، وهذا الاعتراض هو الذي يضعف أيضا التمسك بقوله ~~تعالى: * (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى) * (البقرة: 951) ~~وبقوله صلى الله عليه وسلم: نضر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها فأداها كما ~~سمعها الحديث وأمثالهما، ثم PageV00P121 # اعلم أن المخالف في المسألة له شبهتان: # الشبهة الأولى: قولهم: لا مستند في إثبات خبر الواحد إلا الاجماع، فكيف ~~يدعي ذلك، وما من أحد من الصحابة إلا وقد رد خبر الواحد، فمن ذلك توقف رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن قبول خبر ذي اليدين حيث سلم عن اثنتين، حتى سأل ~~أبا بكر وعمر رضي الله عنهما وشهدا بذلك وصدقاه ثم قبل، وسجد للسهو، ومن ~~ذلك رد أبي بكر رضي الله عنه خبر المغيرة بن شعبة من ميراث الجد حتى أخبره ~~معه محمد بن مسلمة، ومن ذلك رد أبي بكر وعمر خبر عثمان رضي الله عنهم فيما ~~رواه من استئذانه الرسول في رد الحكم بن أبي العاص وطالباه بمن يشهد معه ~~بذلك، ومن ذلك ما اشتهر من رد عمر رضي الله عنه خبر أبي موسى الأشعري في ~~الاستئذان حتى شهد له أبو سعد الخدري رضي الله عنه، ومن ذلك رد علي رضي ~~الله عنه خبر أبي سنان الأشجعي في قصة بروع بنت واشق وقد ظهر منه أنه كان ~~يحلف على الحديث، ومن ذلك رد عائشة رضي الله عنها خبر ابن عمر في تعذيب ~~الميت ببكاء أهله عليه، وظهر من عمر نهيه لأبي موسى وأبي هريرة عن الحديث ~~عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وأمثال ذلك مما يكثر، وأكثر هذه الأخبار تدل ~~على مذهب من يشترط عددا في الراوي لا على مذهب من يشترط التواتر، فإنهم لم ~~يجتمعوا فينتظروا التواتر، لكنا نقول في الجواب عما سألوا عنه: الذي رويناه ~~قاطع في عملهم، وما ذكرتموه رد لأسباب عارضة تقتضي الرد، ولا تدل على بطلان ~~الأصل، كما أن ردهم بعض نصوص القرآن وتركهم بعض أنواع القياس ورد القاضي ~~بعض أنواع ms187 الشهادات لا يدل على بطلان الأصل، ونحن نشير إلى جنس المعاذير في ~~رد الاخبار والتوقف فيها، أما توقف رسول الله (ص) عن قول ذي اليدين فيحتمل ~~ثلاثة أمور: أحدها: أنه جوز الوهم عليه لكثرة الجمع وبعد انفراده بمعرفة ~~ذلك مع غفلة الجميع، إذ الغلط عليه أقرب من الغفلة على الجمع الكثير، وحيث ~~ظهرت أمارات الوهم يجب التوقف. الثاني: أنه وإن علم صدقه جاز أن يكون سبب ~~توقفه أن يعلمهم وجوب التوقف في مثله، ولو لم يتوقف لصار التصديق مع سكوت ~~الجماعة سنة ماضية، فحسم سبيل ذلك. الثالث: أنه قال قولا لو علم صدقا لظهر ~~أثره في حق الجماعة، واشتغلت ذمتهم، فألحق بقبيل الشهادة، فلم يقبل فيه قول ~~الواحد، والأقوى ما ذكرناه من قبل، نعم: لو تعلق بهذا من يشترط عدد ~~الشهادة، فيلزمه اشتراط ثلاثة، ويلزمه أن تكون في جمع يسكت عليه الباقون، ~~لأنه كذلك كان. أما توقف أبي بكر في حديث المغيرة في توريث الجدة فلعله كان ~~هناك وجه اقتضى التوقف، وربما لم يطلع عليه أحد، أو لينظر أنه حكم مستقر أو ~~منسوخ، أو ليعلم هل عند غيره مثل ما عنده، ليكون الحكم أوكدا أو خلافه ~~فيندفع، أو توقف في انتظار استظهار بزيادة، كما يستظهر الحاكم بعد شهادة ~~اثنين على جزم الحكم إن لم يصادف الزيادة لا على عزم الرد أو أظهر التوقف ~~لئلا يكثر الاقدام على الرواية عن تساهل، ويجب حمله على شئ من ذلك إذ ثبت ~~منه قطعا قبول خبر الواحد وترك الانكار على القائلين به. وأما رد حديث ~~عثمان في حق الحكم بن أبي العاص فلانه خبر عن إثبات حق لشخص فهو كالشهادة ~~لا تثبت بقول واحد، أو توقف لأجل قرابة عثمان من الحكم، وقد كان ~~PageV00P122 # معروفا بأنه كلف بأقاربه، فتوقف تنزيها لعرضه ومنصبه من أن يقول: متعنت، ~~إنما قال ذلك لقرابته حتى ثبت ذلك بقول غيره، أو لعلهما توقفا ليسنا للناس ~~التوقف في حق القريب الملاطف ليتعلم منهما التثبت في مثله. وأما خبر أبي ~~موسى في ms188 الاستئذان فقد كان محتاجا إليه ليدفع به سياسة عمر عن نفسه لما ~~انصرف عن بابه بعد أن قرع ثلاثا، كالمترفع عن المثول ببابه فخاف أن يصير ~~ذلك طريقا لغيره إلى أن يروي الحديث على حسب غرضه، بدليل أنه لما رجع مع ~~أبي سعيد الخدري وشهد له قال عمر: إني لم أتهمك، ولكني خشيت أن يتقول الناس ~~على رسول الله (ص) ويجوز للامام التوقف مع انتفاء التهمة لمثل هذه المصلحة، ~~كيف ومثل هذه الأخبار لا تساوي في الشهرة والصحة أحاديثنا في نقل القبول ~~عنهم. وأما رد علي خبر الأشجعي فقد ذكر علته وقال: كيف نقبل قول أعرابي ~~بوال على عقبيه بين أنه لم يعرف عدالته وضبطه، ولذلك وصفه بالجفاء وترك ~~التنزه عن البول كما قال عمر في فاطمة بنت قيس في حديث السكنى لا ندع كتاب ~~ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت، فهذا سبيل الكلام على ~~ما ينقل من التوقف في الاخبار. # الشبهة الثانية: تمسكهم بقوله تعالى: * (ولا تقف ما ليس لك به علم) * ~~(الاسراء: 63) * (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) * (البقرة: 961) وقوله ~~تعالى: * (وما شهدنا إلا بما علمنا) * (يوسف: 18) وقوله تعالى: * (إن جاءكم ~~فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة) * (الحجرات: 6) والجهالة في قول ~~العدل حاصلة، وهذا باطل من أوجه. # الأول: أن إنكارهم القول بخبر الواحد غير معلوم ببرهان قاطع، بل يجوز ~~الخطأ فيه، فهو إذا حكم بغير علم. الثاني: أن وجوب العمل به معلوم بدليل ~~قاطع من الاجماع فلا جهالة فيه. # الثالث: إن المراد من الآيات منع الشاهد عن جزم الشهادة بما لم يبصر ولم ~~يمسع والفتوى بما لم يرو ولم ينقله العدول. الرابع: إن هذا لو دل على رد ~~خبر الواحد لدل على شهادة الاثنين والأربعة، والرجل والمرأتين، والحكم ~~باليمين، فكما علم بالنص في القرآن وجوب الحكم بهذه الأمور مع تجويز الكذب، ~~فكذلك بالاخبار. الخامس: أنه يجب تحريم نصب الخلفاء والقضاة، لأنا لا نتيقن ~~إيمانهم فضلا عن ورعهم، ولا نعلم طهارة إمام الصلاة ms189 عن الجنابة والحدث ~~فليمتنع الاقتداء. # الباب الثاني في شروط الراوي وصفته وإذا ثبت وجوب العمل بخبر الواحد، ~~فاعلم أن كل خبر فليس بمقبول، وافهم أولا أنا لسنا نعني بالقبول التصديق، ~~ولا بالرد التكذيب، بل يجب علينا قبول قول العدل، وربما كان كاذبا أو ~~غالطا، ولا يجوز قبول قول الفاسق، وربما كان صادقا، بل نعني بالمقبول ما ~~يجب العمل به، وبالمردود ما لا تكليف علينا في العمل به، والمقبول رواية كل ~~مكلف عدل مسلم ضابط، منفردا كان بروايته أو معه غيره، فهذه خمسة أمور لا بد ~~من النظر فيها: الأول: أن رواية الواحد تقبل، وإن لم تقبل شهادته خلافا ~~للجبائي وجماعة، حيث شرطوا العدد، ولم يقبلوا إلا قول رجلين، ثم لا تثبت ~~رواية كل واحد إلا من رجلين آخرين، وإلى أن ينتهي إلى زماننا يكثر كثرة ~~عظيمة لا يقدر معها على إثبات حديث أصلا، وقال قوم: لا بد من أربعة أخذا من ~~شهادة الزنا، ودليل بطلان مذهبهم أنا نقول: إذا PageV00P123 # ثبت قبول قول الآحاد مع أنه لا يفيد العلم، فاشتراط العدد تحكم لا يعرف ~~إلا بنص أو قياس على منصوص، ولا سبيل إلى دعوى النص، وما نقل الصحابة من ~~طلب استظهار فهو في واقعتين أو ثلاث لأسباب ذكرناها، أما ما قضوا فيه بقول ~~عائشة وحدها وقول زوجات رسول الله (ص)، وقول عبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة ~~وغيرهم، فهو خارج عن الحصر، فقد علمنا قطعا من أحوالهم قبول خبر الواحد، ~~كما علمنا قطعا رد شهادة الواحد، وإن أخذوا من قياس الشهادة فهو قياس باطل ~~إذ عرف من فعلهم الفرق، ولم لا يقاس عليه في شرط الحرية والذكورة، واشترط ~~في أخبار الزنا أربعة، وفيما يتعلق برؤية الهلال، وشهادة القابلة واحد، ~~والمصير إلى ذلك خرق للاجماع، ولا فرق إن وجب القياس. الشرط الثاني: # وهو الأول تحقيقا، فإن العدد ليس عندنا من الشروط، وهو التكليف، فلا تقبل ~~رواية الصبي لأنه لا يخاف الله تعالى، فلا وازع له من الكذب، فلا تحصل ~~الثقة بقوله، وقد ms190 اتبعوا في قبول الشهادة سكون النفس وحصول الظن، والفاسق ~~أوثق من الصبي، فإنه يخاف الله تعالى وله وازع من دينه وعقله، والصبي لا ~~يخاف الله تعالى أصلا، فهو مردود بطريق الأولى، والتمسك بهذا أولى من ~~التمسك برد إقراره، وإنه إذا لم يقبل قوله فيما يحكيه عن نفسه، فبأن لا ~~يقبل فيما يرويه عن غيره أولى، فإن هذا يبطل بالعبد، فإنه قد لا يقبل ~~إقراره وتقبل روايته، فإن كان سببه أنه يتناول ملك السيد وملك السيد معصوم ~~عنه، فملك الصبي أيضا محفوظ عنه لمصلحته، فما لا يتعلق به قد يؤثر فيه ~~قوله، بل حاله حتى يجوز الاقتداء به اعتمادا على قوله أنه ظاهر، وعلى أنه ~~لا يصلي إلا طاهر، لكنه كما يجوز الاقتداء بالبر والفاجر فكذلك بالصبي ~~والبالغ، وشهادة الفاسق لا تقبل والصبي أجرأ على الكذب منه، أما إذا كان ~~طفلا مميزا عند التحمل، بالغا عند الرواية، فإنه يقبل، لأنه لا خلل في ~~تحمله ولا في أدائه، ويدل على قبول سماعه إجماع الصحابة على قبول خبر ابن ~~عباس وابن الزبير والنعمان بن بشير وغيرهم من أحداث الصحابة، من غير فرق ~~بين ما تحملوه بعد البلوغ أو قبله، وعلى ذلك درج السلف والخلف من إحضار ~~الصبيان مجالس الرواية، ومن قبول شهادتهم فيما تحملوه في الصغر، فإن قيل: ~~فقد قال بعض العلماء، تقبل شهادة الصبيان في الجنايات التي تجري بينهم، ~~قلنا: ذلك منه استدلال بالقرائن، إذا كثروا وأخبروا قبل التفرق، أما إذا ~~تفرقوا فيتطرق إليهم التلقين الباطل، ولا وازع لهم فمن قضى به، فإنما قضى ~~به لكثرة الجنايات بينهم ولمسيس الحاجة إلى معرفته بقرائن الأحوال، فلا ~~يكون ذلك على منهاج الشهادة. الشرط الثالث: أن يكون ضابطا، فمن كان عند ~~التحمل غير مميز أو كان مغفلا لا يحسن ضبط ما حفظه ليؤديه على وجهه فلا ثقة ~~بقوله، وإن لم يكن فاسقا. الشرط الرابع: أن يكون مسلما، ولا خلاف في أن ~~رواية الكافر لا تقبل، لأنه متهم في الدين، وإن كان تقبل شهادة بعضهم على ms191 ~~بعض عند أبي حنيفة، ولا يخالف في رد روايته، والاعتماد في ردها على الاجماع ~~المنعقد على سلبه أهلية هذا المنصب في الدين وإن كان عدلا في دين نفسه، وهو ~~أولى من قولنا الفاسق مردود الشهادة، والكفر أعظم أنواع الفسق، وقد قال ~~تعالى: * (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا) * (الحجرات: 6) لان ~~الفاسق متهم لجرأته على المعصية، والكافر المترهب قد لا PageV00P124 # يتهم، لكن التعويل على الاجماع في سلب الكافر هذا المنصب، فإن قيل: هذا ~~يتجه في اليهود والنصارى ومن لا يؤمن بديننا، إذ لا يليق في السياسة تحكيمه ~~في دين لا يعتقد تعظيمه، فما قولكم في الكافر المتأول، وهو الذي قد قال ~~ببدعة يجب التكفير بها فهو معظم للدين، وممتنع من المعصية وغير عالم بأنه ~~كافر، فلم لا تقبل روايته وقد قبل الشافعي رواية بعض أهل البدع، وإن كان ~~فاسقا ببدعته، لأنه متأول في فسقه؟ قلنا: في رواية المبتدع المتأول كلام ~~سيأتي، وأما الكافر وإن كان متأولا فلا تقبل روايته، لان كل كافر متأول، ~~فإن اليهودي أيضا لا يعلم كونه كافرا، أما الذي ليس بمتأول وهو المعاند ~~بلسانه بعد معرفة الحق بقلبه فذلك مما يندر، وتورع المتأول عن الكذب كتورع ~~النصراني فلا ينظر إليه بل هذا المنصب لا يستفاد إلا بالاسلام وعرف ذلك ~~بالاجماع لا بالقياس. الشرط الخامس: العدالة، قال الله تعالى: * (لهم) * ~~(الحجرات: 6) وهذا زجر عن اعتماد قول الفاسق، ودليل على شرط العدالة في ~~الرواية والشهادة، والعدالة عبارة عن استقامة السيرة والدين، ويرجع حاصلها ~~إلى هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعا حتى تحصل ~~ثقة النفوس بصدقه، فلا ثقة بقول من لا يخاف الله تعالى خوفا وازعا عن ~~الكذب، ثم لا خلاف في أنه لا يشترط العصمة من جميع المعاصي، ولا يكفي أيضا ~~اجتناب الكبائر، بل من الصغائر ما يرد به، كسرقة بصلة، وتطفيف في حبة قصدا، ~~وبالجملة كل ما يدل على ركاكة دينه إلى حد يستجرئ على الكذب بالاعراض ~~الدنيوية، كيف وقد شرط في العدالة التوقي ms192 عن بعض المباحات القادحة في ~~المروءة، نحو الاكل في الطريق، والبول في الشارع، وصحبة الأراذل، وإفراط ~~المزح، والضابط في ذلك فيما جاوز محل الاجماع أن يرد إلى اجتهاد الحاكم، ~~فما دل عنده على جراءته على الكذب رد الشهادة به، وما لا فلا، وهذا يختلف ~~بالإضافة إلى المجتهدين، وتفصيل ذلك من الفقه، لا من الأصول، ورب شخص يعتاد ~~الغيبة، ويعلم الحاكم أن ذلك له طبع لا يصبر عنه، ولو حمل على شهادة الزور ~~لم يشهد أصلا فقوله شهادته بحكم اجتهاده جائز في حقه، ويختلف ذلك بعادات ~~البلاد واختلاف أحوال الناس في استعظام بعض الصغائر دون بعض، ويتفرع عن هذا ~~الشرط مسألتان. # - مسألة (تعريف العدالة) قال بعض أهل العراق العدالة عبارة عن إظهار ~~الاسلام فقط مع سلامته عن فسق ظاهر، فكل مسلم مجهول عنده عدل، وعندنا لا ~~تعرف عدالته إلا بخبرة باطنة والبحث عن سيرته، وسريرته، ويدل على بطلان ما ~~قالوه أمور: الأول: أن الفاسق مردود الشهادة والرواية بنص القرآن، ولعلمنا ~~بأن دليل قبول خبر الواحد قبول الصحابة إياه وإجماعهم، ولم ينقل ذلك عنهم ~~إلا في العدل والفاسق، لو قبلت روايته لقبل بدليل الاجماع أو بالقياس على ~~العدل المجمع عليه ولا إجماع في الفاسق، ولا هو في معنى العدل في حصول ~~الثقة بقوله، فصار الفسق مانعا من الرواية، كالصبا والكفر، وكالرق في ~~الشهادة، ومجهول الحال في هذه الخصال لا يقبل قوله، فكذلك مجهول الحال في ~~الفسق، لأنه إن كان فاسقا فهو مردود الرواية ، وإن كان عدلا فغير مقبول ~~أيضا للجهل به، كما لو شككنا في صباه ورقه وكفره ولا فرق. # الثاني: أنه لا تقبل شهادة المجهول وكذلك روايته، وإن منعوا شهادة المال ~~فقد سلموا شهادة PageV00P125 # العقوبات، ثم المجهول مردود في العقوبات وطريق الثقة في الرواية والشهادة ~~واحد وإن اختلفا في بقية الشروط. الثالث: أن المفتي المجهول الذي لا يدري ~~أنه بلغ رتبة الاجتهاد أم لا يجوز للعامي قبول قوله، وكذلك إذا لم يدر أنه ~~عالم أم لا، بل سلموا أنه لو لم ms193 تعرف عدالته وفسقه فلا يقبل، وأي فرق بين ~~حكاية المفتي عن نفسه اجتهاده وبين حكايته خبرا عن غيره. الرابع: أن شهادة ~~الفرع لا تسمع ما لم يعين الفرع شاهد الأصل، وهو مجهول عند القاضي، فلم يجب ~~تعيينه وتعريفه إن كان قول المجهول مقبولا، وهذا رد على من قبل شهادة ~~المجهول ولا جواب عنه، فإن قيل: يلزمه ذكر شاهد الأصل، فلعل القاضي يعرفه ~~بفسق فيرد شهادته؟ قلنا: إذا كان حد العدالة هو الاسلام من غير ظهور فسق ~~فقد تحقق ذلك، فلم يجب التتبع حتى يظهر الفسق ثم يبطل ما ذكره بالخبر ~~المرسل فإنهم لم يوجبوا ذكر الشيخ، ولعل المروي له يعرف فسقه. الخامس: أن ~~مستندنا في خبر الواحد عمل الصحابة، وهم قد ردوا خبر المجهول، فرد عمر رضي ~~الله عنه فاطمة بنت قيس وقال: # كيف نقبل قول امرأة لا ندري صدقت أم كذبت؟ ورد علي خبر الأشجعي في ~~المفوضة وكان يحلف الراوي، وإنما يحلف من عرف من ظاهره العدالة دون الفسق، ~~ومن رد قول المجهول منهم كان لا ينكر عليه غيره، فكانوا بين راد وساكت، ~~وبمثله ظهر إجماعهم في قبول العدل، إذ كانوا بين قابل وساكت غير منكر ولا ~~معترض. السادس: ما ظهر من حال رسول الله (ص) في طلبه العدالة والعفاف، وصدق ~~التقوى ممن كان ينفذه للأعمال وأداء الرسالة، وإنما طلب الأشد التقوى، لأنه ~~كان قد كلفهم أن لا يقبلوا إلا قول العدل، فهذه أدلة قوية في محل الاجتهاد، ~~قريبة من القطع، والمسألة اجتهادية لا قطعية. # شبه الخصوم وهي أربع: الأولى: أنه (ص) قبل شهادة الأعرابي وحده على رؤية ~~الهلال، ولم يعرف منه إلا الاسلام، قلنا: وكونه أعرابيا لا يمنع كونه معلوم ~~العدالة عنده إما بالوحي، وإما بالخبرة، وإما بتزكية من عرف حاله، فمن يسلم ~~لكم أنه كان مجهولا عنده. الثانية: أن الصحابة قبلوا قول العبيد والنسوان ~~والاعراب، لانهم لم يعرفوهم بالفسق، وعرفوهم بالاسلام، قلنا: إنما قبلوا ~~قول أزواج رسول الله (ص) وأزواج أصحابه، وكانت عدالتهن وعدالة مواليهم ~~مشهورة عندهم، ms194 وحيث جهلوا ردوا كرد قول الأشجعي، وقول فاطمة بنت قيس. ~~الثالثة: قولهم: لو أسلم كافر وشهد في الحال أو روى، فإن قلتم: لا نقبل ~~شهادته، فهو بعيد، وإن قبلتم فلا مستند للقبول إلا إسلامه وعدم معرفة الفسق ~~منه، فإذا انقضت مدة ولم نعرف منه فسقا لطول مدة إسلامه لم نوجب رده؟ قلنا: ~~لا نسلم قبول روايته، فقد يسلم الكذوب ويبقى على طبعه، فما لم نطلع على خوف ~~في قلبه وازع عن الكذب لا نقبل شهادته، والتقوى في القلب، وأصله الخوف، ~~وإنما تدل عليه أفعاله في مصادره وموارده، فإن سلمنا قبول روايته فذلك لطرق ~~إسلامه وقرب عهده، بالدين وشتان بين من هو في طراوته وبدايته، وبين من قسا ~~قلبه بطول الألف، فإن قيل: إذا رجعت العدالة إلى هيئة باطنة في النفس ~~وأصلها الخوف وذلك لا يشاهد، بل يستدل عليه بما ليس بقاطع، بل هو مغلب على ~~الظن، فأصل ذلك الخوف هو الايمان، فذلك يدل على الخوف دلالة PageV00P126 # ظاهرة فلنكتف به، قلنا: لا يدل عليه، فإن المشاهدة والتجربة دلت على أن ~~عدد فساق المؤمنين أكثر من عدد عدولهم، فكيف نشكك نفوسنا فيما عرفناه ~~يقينا، ثم هلا أكتفي بذلك في شهادة العقوبات وشهادة الأصل وحال المفتي في ~~العدالة وسائر ما سلموه. الرابعة: # قولهم: يقبل قول المسلم المجهول في كون اللحم لحم ذكي، وكون الماء في ~~الحمام طاهرا وكون الجارية المبيعة رقيقة غير مزوجة ولا معتدة حتى يحل ~~الوطئ بقوله، وقول المجهول في كونه متطهرا للصلاة عن الحدث والجنابة إذا أم ~~الناس، وكذلك قول من يخبر عن نجاسة الماء وطهارته بناء على ظاهر الاسلام، ~~وكذلك قول من يخبر الأعمى عن القبلة، قلنا: أما قول العاقد فمقبول، لا ~~لكونه مجهولا، لكنه مع ظهور الفسق، وذلك رخصة لكثرة الفساق ، ولمسيس حاجتهم ~~إلى المعاملات، وكذلك جواز الاقتداء بالبر والفاجر، فلا يشترط الستر، أما ~~الخبر عن القبلة وعن طهارة الماء فلم يحصل سكون النفس بقول المخبر فلا يجب ~~قبوله، والمجهول لا تسكن النفس إليه، بل سكون النفس إلى ms195 قول فاسق جرب ~~باجتناب الكذب أغلب منه إلى قول المجهول، وما يخص العبد بينه وبين الله ~~تعالى، فلا يبعد أن يرد إلى سكون نفسه، فأما الرواية والشهادة فأمرهما ~~أرفع، وخطرهما عام، فلا يقاسان على غيرهما وهذه صور ظنية اجتهادية، أما رد ~~خبر الفاسق والمجهول فقريب من القطع. # - مسألة (هل تقبل شهادة الفاسق المتأول؟) الفاسق المتأول، وهو الذي لا ~~يعرف فسق نفسه، اختلفوا في شهادته، وقد قال الشافعي: أقبل شهادة الحنفي ~~وأحده، إذا شرب النبيذ، لان هذا فسق غير مقطوع به إنما المقطوع به فسق ~~الخوارج الذين استباحوا الديار وقتلوا الذراري وهم لا يدرون أنهم فسقة، وقد ~~قال الشافعي: تقبل شهادة أهل الأهواء، لا الخطابية من الرافضة، لانهم يرون ~~الشهادة بالزور لموافقيهم في المذهب، واختار القاضي أنه لا تقبل رواية ~~المبتدع وشهادته لأنه فاسق بفعله وبجهله بتحريم فعله، ففسقه مضاعف، وزعم أن ~~جهله بفسق نفسه كجهله بكفر نفسه ورق نفسه، ومثار هذا الخلاف أن الفسق يرد ~~الشهادة لأنه نقصان منصب يسلب الأهلية كالكفر والرق أو هو مردود القول ~~للتهمة، فإن كان للتهمة فالمبتدع متورع عن الكذب فلا يتهم، وكلام الشافعي ~~مشير إلى هذا، وهو في محل الاجتهاد، فذهب أبي حنيفة أن الكفر والفسق لا ~~يسلبان الأهلية، بل يوجبان التهمة، ولذلك قبل شهادة أهل الذمة بعضهم على ~~بعض ومذهب القاضي أن كليهما نقصان منصب يسلب الأهلية، ومذهب الشافعي أن ~~الكفر نقصان، والفسق موجب للرد للتهمة، وهذا هو الأغلب على الظن عندنا. فإن ~~قيل: هذا مشكل على الشافعي من وجهين: أحدهما: أنه قضى بأن النكاح لا ينعقد ~~بشهادة الفاسق وذلك لسلب الأهلية، الثاني: أنه إن كان للتهمة، فإذا غلب على ~~ظن القاضي صدقه فليقبل. # قلنا: أما الأول فأخذه قوله (ص): لا نكاح إلا بولي وشاهدين عدل وللشارع ~~أن يشترط زيادة على أهلية الشهادة، كما شرط في الولي، وكما شرط في الزنا ~~زيادة عدد. # وأما الثاني: فسببه أن الظنون تختلف، وهو أمر خفي ناطه الشرع بسبب ظاهر ~~وهو عدد مخصوص ووصف مخصوص، وهو العدالة، ms196 فيجب اتباع السبب الظاهر دون ~~المعنى الخفي، كما في العقوبات، وكما في رد شهادة الوالد لاحد ولديه على ~~الآخر، فإنه قد يتهم وترد شهادته PageV00P127 # لان الأبوة مظنة للتهمة، فلا ينظر إلى الحال، وإنما مظنة التهمة ارتكاب ~~الفسق مع المعرفة دون من لا يعرف ذلك، ويدل أيضا على مذهب الشافعي قبول ~~الصحابة قول الخوارج في الاخبار والشهادة وكانوا فسقة متأولين، وعلى قبول ~~ذلك درج التابعون، لانهم متورعون عن الكذب جاهلون بالفسق، فإن قيل: فهل ~~يمكن دعوى الاجماع في ذلك؟ قلنا: لا، فإنا نعلم أن عليا والأئمة قبلوا قول ~~قتلة عثمان والخوارج، لكن لا نعلم ذلك من جميع الصحابة، فلعل فيهم من أضمر ~~إنكارا، لكن لم يرد على الامام في محل الاجتهاد، فكيف ولو قبل جميعهم ~~خبرهم، فلا يثبت أن جميعهم اعتقدوا فسقهم، وكيف يفرض والخوارج من جملة أهل ~~الاجماع، وما اعتقدوا فسق أنفسهم، بل فسق خصومهم، وفسق عثمان وطلحة، ~~ووافقهم عليه عمار بن ياسر، وعدي بن حاتم، وابن الكواء، والأشتر النخعي ~~وجماعة من الامراء، وعلي في تقية من الانكار عليهم خوف الفتنة، فإن قيل لو ~~لم يعتقدوا فسق الخوارج لفسقوا قلنا ليس كذلك، فليس الجهل بما يفسق ويكفر ~~فسقا وكفرا، وعلى الجملة فقبولهم روايتهم يدل على أنهم اعتقدوا رد خبر ~~الفاسق: للتهمة، ولم يتهموا المتأول، والله أعلم. # خاتمة جامعة للرواية والشهادة اعلم أن التكليف والاسلام ولعدالة والضبط ~~يشترك فيه الرواية والشهادة، فهذه أربعة، أما الحرية والذكورة والبصر ~~والقرابة والعدد والعداوة، فهذه الستة تؤثر في الشهادة دون الرواية، لان ~~الرواية حكمها عام لا يختص بشخص حتى تؤثر فيه الصداقة والقرابة والعداوة، ~~فيروي أولاد رسول الله (ص) عنه، ويروي كل ولد عن والده، والضرير الضابط ~~للصوت تقبل روايته، وإن لم تقبل شهادته، إذ كانت الصحابة يروون عن عائشة ~~اعتمادا على صوتها، وهم كالضرير في حقها، ولا يشترط كون الراوي عالما ~~فقيها، سواء خالف ما رواه القياس أو وافق، إذ رب حامل فقه غير فقيه ورب ~~حامل فقه إلى من هو أفقه منه، فلا ms197 يشترط إلا الحفظ، ولا يشترط مجالسة ~~العلماء وسماع الأحاديث، بل قبل الصحابة قول أعرابي لم يرو إلا حديثا ~~واحدا، نعم: إذا عارضه حديث العالم الممارس ففي الترجيح نظر سيأتي، ولا ~~تقبل رواية من عرف باللعب والهزل في أمر الحديث أو التساهل في أمر الحديث، ~~أو بكثرة السهو فيه، إذ تبطل الثقة بجميع ذلك، أما الهزل والتساهل في حديث ~~نفسه فقد لا يوجب الرد، ولا يشترط كون الراوي معروف النسب، بل إذا عرف ~~عدالة شخص بالخبرة قبل حديثه، وإن لم يكن له نسب، فضلا عن أن يكون لا يعرف ~~نسبه، ولو روى عن مجهول العين لم نقبله، بل من يقبل رواية المجهول صفته لا ~~يقبل رواية المجهول عينه ، إذ لو عرف عينه ربما عرفه بالفسق، بخلاف من عرف ~~عينه ولم يعرفه بالفسق، فلو روى عن شخص ذكر اسمه واسمه مردد بين مجرح وعدل ~~فلا يقبل لأجل التردد الباب الثالث في الجرح والتعديل وفيه أربعة فصول ~~الأول: في عدد المزكى وقد اختلفوا فيه، فشرط بعض المحدثين العدد في المزكى ~~والجارح، كما في مزكى الشاهد، وقال القاضي: لا يشترط العدد في تزكية ~~الشاهد، ولا في تزكية الراوي، وإن كان الأحوط في الشهادة الاستظهار بعدد ~~المزكى، وقال قوم: يشترط في الشهادة PageV00P128 # دون الرواية، وهذه مسألة فقهية، والأظهر عندنا أنه يشترط في الشهادة دون ~~الرواية، وهذا لان العدد الذي تثبت به الرواية لا يزيد على نفس الرواية، ~~فإن قيل: صح من الصحابة قبول رواية الواحد، ولم يصح قبول تزكية الواحد ~~فيرجع فيه إلى قياس الشرع؟ قلنا: نحن نعلم مما فعلوه كثيرا مما لم يفعلوه، ~~إذ نعلم أنهم كما قبلوا حديث الصديق رضي الله عنه، كانوا يقبلون تعديله لمن ~~روى الحديث، وكيف يزيد شرط الشئ على أصله، والاحصان يثبت بقول اثنين، وإن ~~لم يثبت الزنا إلا بأربعة، ولم يقس عليه، وكذلك نقول: تقبل تزكية العبد ~~والمرأة في الرواية، كما تقبل روايتهما، وهذه مسائل فقهية ثبتت بالمقاييس ~~الشبيهة فلا معنى للإطناب فيها في الأصول. # الفصل الثاني في ms198 ذكر سبب الجرح والتعديل قال الشافعي: يجب ذكر سبب الجرح ~~دون التعديل إذ قد يجرح بما لا يراه جارحا لاختلاف المذاهب فيه، وأما ~~العدالة فليس لها إلا سبب واحد، وقال قوم: مطلق الجرح يبطل الثقة، ومطلق ~~التعديل لا يحصل الثقة، لتسارع الناس إلى البناء على الظاهر، فلا بد من ذكر ~~سببه، وقال قوم: لا بد من السبب فيهما جميعا أخذا بمجامع كلام الفريقين ~~وقال القاضي: لا يجب ذكر المسبب فيهما جميعا لأنه إن لم يكن بصيرا بهذا ~~الشأن فلا يصلح للتزكية، وإن كان بصيرا فأي معنى للسؤال، والصحيح عندنا أن ~~هذا يختلف باختلاف حال المزكي، فمن حصلت الثقة ببصيرته وضبطه يكتفى ~~بإطلاقه، ومن عرفت عدالته في نفسه ولم تعرف بصيرته بشروط العدالة فقد ~~نراجعه إذا فقدنا عالما بصيرا به، وعند ذلك نستفصله، أما إذا تعارض الجرح ~~والتعديل قدمنا الجرح، فإن الجارح أطلع على زيادة ما أطلع عليها المعدل ولا ~~نفاها، فإن نفاها بطلت عدالة المزكي، إذ النفي لا يعلم إلا إذا جرحه بقتل ~~إنسان، فقال المعدل: رأيته حيا بعده، تعارضا وعدد المعدل إذا زاد، قيل: إنه ~~يقدم على الجارح، وهو ضعيف، لان سبب تقديم الجرح اطلاع الجارح على مزيد، ~~ولا ينتفي ذلك بكثرة العدد. # الفصل الثالث في نفس التزكية وذلك إما بالقول أو بالرواية عنه، أو بالعمل ~~بخبره أو بالحكم بشهادته، فهذه أربعة: أعلاها: صريح القول، وتمامه أن يقول، ~~هو عدل رضا، لاني عرفت منه كيت وكيت، فإن لم يذكر السبب وكان بصيرا بشروط ~~العدالة كفى. الثانية: أن يروي عنه خبرا، وقد اختلفوا في كونه تعديلا، ~~والصحيح أنه إن عرف من عادته أو بصريح قوله أنه لا يستجيز الرواية إلا من ~~عدل كانت الرواية تعديلا، وإلا فلا، إذ من عادة أكثرهم الرواية من كل من ~~سمعوه، ولو كلفوا الثناء عليهم سكتوا، فليس في روايته ما يصرح بالتعديل، ~~فإن قيل: لو عرفه بالفسق ثم روى عنه كان غاشا في الدين؟ قلنا: لم نوجب على ~~غيره العمل، لكن قال: سمعت فلانا، قال ms199 كذا وصدق فيه، ثم لعله لم يعرفه ~~بالفسق ولا العدالة، فروى ووكل البحث إلى من أراد القبول. الثالثة: العمل ~~بالخبر إن أمكن حمله على الاحتياط أو على العمل بدليل آخر وافق الخبر، فليس ~~بتعديل، وإن عرفنا يقينا أنه عمل بالخبر، فهو تعديل، إذ لو عمل بخبر غير ~~العدل لفسق وبطلت عدالته، فإن قيل: لعله ظن أن مجرد الاسلام مع عدم الفسق ~~عدالة قلنا: هذا يتطرق إلى التعديل بالقول ونحن نقول: العمل PageV00P129 # كالقول، وهذا الاحتمال ينقطع بذكر سبب العدالة، وما ذكرناه تفريع على ~~الاكتفاء بالتعديل المطلق، إذ لو شرط ذكر السبب لشرط في شهادة البيع ~~والنكاح عد جميع شرائط الصحة، وهو بعيد، فإن قيل: لعله عرفه عدلا ويعرفه ~~غيره بالفسق؟ قلنا: من عرفه لا جرم لا يلزمه العمل به، كما لو عدل جريحا. ~~الرابعة: أن يحكم بشهادته، فذلك أقوى من تزكيته بالقول، أما ترك الحكم ~~بشهادته وبخبره فليس جرحا، إذ قد يتوقف في شهادة العدل وروايته لأسباب سوى ~~الجرح، كيف وترك العمل لا يزيد على الجرح المطلق، وهو غير مقبول عند ~~الأكثرين، وبالجملة: إن لم ينقدح وجه لتزكية العمل من تقديم أو دليل آخر ~~فهو كالجرح المطلق. # الفصل الرابع في عدالة الصحابة رضي الله عنهم والذي عليه سلف الأمة ~~وجماهير الخلف أن عدالتهم معلومة بتعديل الله عز وجل إياهم وثنائه عليهم في ~~كتابه، فهو معتقدنا فيهم، إلا أن يثبت بطريق قاطع ارتكاب واحد لفسق مع علمه ~~به، وذلك مما لا يثبت فلا حاجة لهم إلى التعديل، قال الله تعالى: * (بصير) ~~* (آل عمران: 011) وقال تعالى: * (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء ~~على الناس) * (البقرة: 341) وهو خطاب مع الموجودين في ذلك العصر، وقال ~~تعالى: * (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) * (الفتح: 81) ~~وقال عز وجل: * (والسابقون الأولون) * (التوبة: 100) وقد ذكر الله تعالى: ~~المهاجرين والأنصار في عدة مواضع، وأحسن الثناء، عليهم، وقال (ص): خير ~~الناس قرني ثم الذين يلونهم، وقال صلى الله عليه وسلم: لو أنفق أحدكم ملء ~~الأرض ذهبا ما بلغ ms200 مد أحدهم ولا نصيفه وقال صلى الله عليه وسلم: إن الله ~~اختار لي أصحابا وأصهارا وأنصارا فأي تعديل أصح من تعديل علام الغيوب ~~سبحانه وتعديل رسول الله (ص)، كيف ولو لم يرد الثناء لكان فيما اشتهر ~~وتواتر من حالهم في الهجرة والجهاد وبذل المهج والأموال وقتل الآباء والاهل ~~في موالاة رسول الله (ص) ونصرته، كفاية في القطع بعدالتهم، وقد زعم قوم أن ~~حالهم كحال غيرهم في لزوم البحث، وقال قوم حالهم العدالة في بداية الامر ~~إلى ظهور الحرب والخصومات ثم تغير الحال وسفكت الدماء، فلا بد من البحث، ~~وقال جماهير المعتزلة: عائشة وطلحة والزبير وجميع أهل العراق والشام فساق ~~بقتال الإمام الحق، وقال قوم من سلف القدرية: يجب رد شهادة علي وطلحة ~~والزبير مجتمعين ومفترقين، لان فيهم فاسقا لا نعرفه بعينه، وقال قوم: نقبل ~~شهادة كل واحد إذا انفرد، لأنه لم يتعين فسقه، أما إذا كان مع مخالفه فشهدا ~~ردا إذ نعلم أن أحدهما فاسق، وشك بعضهم في فسق عثمان وقتلته، وكل هذا جراءة ~~على السلف على خلاف السنة، بل قال قوم: ما جرى بينهم ابتنى على الاجتهاد ~~وكل مجتهد مصيب، أو المصيب واحد والمخطئ معذور لا ترد شهادته، وقال قوم: ~~ليس ذلك مجتهدا فيه، ولكن قتلة عثمان والخوارج مخطئون قطعا، لكنهم جهلوا ~~خطأهم وكانوا متأولين، والفاسق المتأول لا ترد روايته، وهذا أقرب من المصير ~~إلى سقوط تعديل القرآن مطلقا، فإن قيل: القرآن أثنى على الصحابة، فمن ~~الصحابة من عاصر رسول الله (ص) أو من لقيه مرة أو من صحبه ساعة أو من طالت ~~صحبته وما حد PageV00P130 # طولها قلنا: الاسم لا يطلق إلا على من صحبه، ثم يكفي للاسم من حيث الوضع ~~الصحبة ولو ساعة، ولكن العرف يخصص الاسم بمن كثرت صحبته ويعرف ذلك بالتواتر ~~والنقل الصحيح وبقول الصحابي: كثرت صحبتي، ولا حد لتلك الكثرة بتقدير بل ~~بتقريب. # الباب الرابع في مستند الراوي وكيفية ضبطه ومستنده إما قراءة الشيخ عليه ~~أو قراءته على الشيخ أو إجازته أو مناولته أو رؤيته ms201 بخطه في كتاب، فهي خمس ~~مراتب: الأولى. وهي الاعلى قراءة الشيخ في معرض الاخبار ليروى عنه، وذلك ~~يسلط الراوي على أن يقول: حدثنا وأخبرنا وقال فلان وسمعته يقول. الثانية: ~~أن يقرأ على الشيخ وهو ساكت، فهو كقوله: هذا صحيح، فتجوز الرواية به، خلاف ~~لبعض أهل الظاهر، إذ لو لم يكن صحيحا لكان سكوته وتقريره عليه فسقا قادحا ~~في عدالته، ولو جوزنا ذلك لجوزنا أن يكذب إذا نطق بكونه صحيحا، نعم لو كان ~~ثم مخيلة قلة اكتراث أو غفلة فلا يكفي السكوت، وهذا يسلط الراوي على أن ~~يقول: أخبرنا وحدثنا فلان قراءة عليه، أما قوله: حدثنا مطلقا، أو سمعت ~~فلانا، اختلفوا فيه، والصحيح أنه لا يجوز، لأنه يشعر بالنطق، لان الخبر ~~والحديث والمسموع كل ذلك نطق، وذلك منه كذب، إلا إذا علم بصريح قوله أو ~~بقرينة حاله أنه يريد به القراءة على الشيخ دون سماع حديثه. الثالثة: ~~الإجازة، وهو أن يقول: أجزت لك أن تروي عني الكتاب الفلاني، أو ما صح عندك ~~من مسموعاتي، وعند ذلك يجب الاحتياط في تعيين المسموع أما إذا اقتصر على ~~قوله: هذا مسموعي من فلان، فلا تجوز الرواية عنه، لأنه لم يأذن في الرواية ~~فلعله لا يجوز الرواية لخلل يعرفه فيه وإن سمعه، وكذلك لو قال: عندي شهادة ~~لا يشهد ما لم يقل أذنت لك في أن تشهد على شهادتي، أو لم تقم تلك الشهادة ~~في مجلس الحكم، لان الرواية شهادة، والانسان قد يتساهل في الكلام، لكن عند ~~جزم الشهادة قد يتوقف، ثم الإجازة تسلط الراوي على أن يقول: حدثنا وأخبرنا ~~إجازة، أما قوله: حدثنا مطلقا، جوزه قوم، وهو فاسد، لأنه يشعر بسماع كلامه، ~~وهو كذب كما ذكرناه في القراءة على الشيخ. الرابعة: # المناولة، وصورته أن يقول: خذ هذا الكتاب وحدث به عني، فقد سمعته من فلان ~~ومجرد المناولة دون هذا اللفظ لا معنى له، وإذا وجد هذا اللفظ فلا معنى ~~للمناولة فهو زيادة تكلف أحدثه بعض المحدثين بلا فائدة، كما يجوز رواية ~~الحديث بالإجازة، فيجب ms202 العمل به، خلافا لبعض أهل الظاهر، لان المقصود معرفة ~~صحة الخبر لا عين الطريق المعرف، وقوله: هذا الكتاب مسموعي فاروه عني في ~~التعريف، كقراءته والقراءة عليه، وقولهم: إنه قادر على أن يحدثه به فهو ~~كذلك، لكن أي حاجة إليه، ويلزم أن لا تصح القراءة عليه، لأنه قادر على ~~القراءة بنفسه، ويجب أن لا يروى في حياة الشيخ، لأنه قادر على الرجوع إلى ~~الأصل كما في الشهادة، فدل أن هذا لا يعتبر في الرواية. الخامسة: الاعتماد ~~على الخط بأن يرى مكتوبا بخطه إني سمعت على فلان كذا، فلا يجوز أن يروي ~~عنه، لان روايته شهادة عليه بأنه قاله والخط لا يعرفه هذا، نعم: يجوز أن ~~يقول: رأيت مكتوبا في كتاب بخط ظننت أنه خط فلان، فإن الخط أيضا قد يشبه ~~الخط، أما إذا قال: هذا خطي قبل قوله، ولكن لا يروي عنه ما لم يسلطه على ~~الرواية بصريح قوله أو أما بقرينة حاله في الجلوس لرواية الحديث، أما إذا ~~PageV00P131 # قال عدل: هذه نسخة صحيحة من صحيح البخاري مثلا فرأى فيه حديثا فليس له أن ~~يروي عنه، لكن هل يلزمه العمل إن كان مقلدا فعليه أن يسأل المجتهد، وإن كان ~~مجتهدا فقال قوم: لا يجوز له العلم به ما لم يسمعه، وقال قوم: إذا علم صحة ~~النسخة بقول عدل جاز العمل، لان أصحاب رسول الله (ص) كانوا يحملون صحف ~~الصدقات إلى البلاد، وكان الخلق يعتمدون تلك الصحف بشهادة حامل الصحف بصحته ~~دون أن يسمعه كل واحد منه، فإن ذلك يفيد سكون النفس وغلبة الظن، وعلى ~~الجملة: فلا ينبغي أن يروي إلا ما يعلم سماعه أولا وحفظه وضبطه إلى وقت ~~الأداء، بحيث يعلم أن ما أداه هو الذي سمعه، ولم يتغير منه حرف، فإن شك في ~~شئ منه فليترك الرواية. ويتفرع عن هذا الأصل مسائل: # - مسألة (الشك في الرواية إذا كان في مسموعاته عن الزهري مثلا حديث واحد ~~شك أنه سمعه من الزهري أم لا لم يجز له أن يقول: سمعت الزهري، ولا ms203 أن يقول: ~~قال الزهري، لان قوله قال الزهري شهادة على الزهري، فلا يجوز إلا عن علم، ~~فلعله سمعه من غيره، فهو كمن سمع إقرارا ولم يعلم أن المقر زيد وعمرو، فلا ~~يجوز أن يشهد على زيد، بل نقول: لو سمع مائة حديث من شيخ وفيها حديث واحد ~~علم أنه لم يسمعه، ولكنه التبس عليه عينه فليس له روايته، بل ليس له رواية ~~شئ من الأحاديث عنه، إذ ما من حديث إلا ويمكن أن يكون هو الذي لم يسمعه، ~~ولو غلب على ظنه في حديث أنه مسموع من الزهري لم تجز الرواية بغلبة الظن، ~~وقال قوم: يجوز، لان الاعتماد في هذا الباب على غلبة الظن، وهو بعيد لان ~~الاعتماد في الشهادة على غلبة الظن، ولكن في حق الحاكم، فإنه لا يعلم صدق ~~الشاهد، أما الشاهد فينبغي أن يتحقق، لان تكليفه أن لا يشهد إلا على ~~المعلوم فيما تمكن فيه المشاهدة ممكن، وتكليف الحاكم أن لا يحكم إلا بصدق ~~الشاهد محال، وكذلك الراوي لا سبيل له إلى معرفة صدق الشيخ، ولكن له طريق ~~إلى معرفة قوله بالسماع، فإذا لم يتحقق فينبغي أن لا يروي، فإن قيل: ~~فالواحد في عصرنا يجوز أن يقول: قال رسول الله (ص) ولا يتحقق ذلك، قلنا: لا ~~طريق له إلى تحقق ذلك، ولا يفهم من قوله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه سمعه، لكن يفهم منه أنه سمع هذا الحديث من غيره، أو رواه في كتاب يعتمد ~~عليه، وكل من سمع ذلك لا يلزمه العمل به، لأنه مرسل لا يدري من أين يقوله ~~وإنما يلزم العمل إذا ذكر مستنده حتى ينظر في حاله وعدالته والله أعلم. # - مسألة (تكذيب الشيخ الراوي) إذا أنكر الشيخ الحديث إنكار جاحد قاطع ~~بكذب الراوي ولم يعمل به لم يصر الراوي مجروحا، لان الجرح ربما لا يثبت ~~بقول واحد، ولأنه مكذب شيخه، كما أن شيخه مكذب له، وهما عدلان فهما كبينتين ~~متكاذبتين، فلا يوجب الجرح، أما إذا أنكر إنكار متوقف وقال: لست ms204 أذكره، ~~فيعمل بالخبر، لان الراوي جازم أنه سمعه منه، وهو ليس بقاطع بتكذيبه وهما ~~عدلان، فصدقهما إذا ممكن، وذهب الكرخي إلى أن نسيان الشيخ الحديث يبطل ~~الحديث، وبنى عليه اطراح خبر الزهري أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها واستدل ~~بأنه الأصل، ولأنه ليس للشيخ أن يعمل بالحديث والراوي فرعه، فكيف يعمل به؟ ~~قلنا: للشيخ أن يعمل به إذا روى العدل له عنه، فإن بقي شك له مع رواية ~~العدل فليس له العمل به، وعلى PageV00P132 # الراوي العمل إذا قطع بأنه سمع وعلى غيرهما العمل جمعا بين تصديقهما، ~~والحاكم يجب عليه العمل بقول الشاهد المزور الظاهر العدالة، ويحرم على ~~الشاهد، ويجب على العامي العمل بفتوى المجتهد، وإن تغير اجتهاده إذا لم ~~يعلم تغير اجتهاده، والمجتهد لا يعمل به بعد التغير، لأنه علمه، فعمل كل ~~واحد على حسب حاله، وقد ذهب إلى العمل به مالك والشافعي وجماهير المتكلمين، ~~وهذا لان النسيان غالب على الانسان، وأي محدث يحفظ في حينه جميع ما رواه في ~~عمره، فصار كشك الشيخ في زيادة في الحديث أو في إعراب في الحديث، فإن ذلك ~~لما لم يبطل الحديث لكثر وقوع الشك فيه، فكذلك أصل الحديث. # - مسألة (هل تقبل زيادة الثقة بالحديث؟) انفراد الثقة بزيادة في الحديث ~~عن جماعة النقلة مقبول عند الجماهير سواء كانت الزيادة من حيث اللفظ، أو من ~~حيث المعنى، لأنه لو انفرد بنقل حديث عن جميع الحفاظ لقبل، فكذلك إذا انفرد ~~بزيادة، لان العدل لا يتهم بما أمكن، فإن قيل: يبعد انفراده بالحفظ مع ~~إصغاء الجميع، قلنا: تصديق الجميع أولى إذا كان ممكنا، وهو قاطع بالسماع ~~والآخرون ما قطعوا بالنفي، فلعل الرسول (ص) ذكره في مجلسين، فحيث ذكر ~~الزيادة لم يحضر إلا الواحد، أو كرر في مجلس واحد، وذكر الزيادة في إحدى ~~الكرتين ولم يحضر إلا الواحد، ويحتمل أن يكون راوي النقص دخل في أثناء ~~المجلس فلم يسمع التمام، أو اشتركوا في الحضور ونسوا الزيادة، إلا واحدا، ~~أو طرأ في أثناء الحديث سبب شاغل مدهش، فغفل ms205 به البعض عن الاصغاء، فيختص ~~بحفظ الزيادة المقبل على الاصغاء، أو عرض لبعض السامعين خاطر شاغل عن ~~الزيادة، أو عرض له مزعج يوجب قيامه قبل التمام فإذا احتمل ذلك فلا يكذب ~~العدل ما أمكن. # - مسألة (هل تقبل رواية بعض الخبر؟) رواية بعض الخبر ممتنعة عند أكثر من ~~منع نقل الحديث بالمعنى، ومن جوز النقل على المعنى جوز ذلك إن كان قد رواه ~~مرة بتمامه، ولم يتعلق المذكور بالمتروك تعلقا يغير معناه، وأما إذا تعلق، ~~كشرط العبادة أو ركنها أو ما به التمام، فنقل البعض تحريف وتلبيس، أما إذا ~~روى الحديث مرة تاما ومرة ناقصا نقصانا لا يغير فهو جائز، ولكن بشرط أن لا ~~يتطرق إليه سوء الظن بالتهمة، فإذا علم أنه يتهم باضطراب النقل وجب عليه ~~الاحتراز عن ذلك. # - مسألة (هل يصح رواية الحديث بالمعنى؟) نقل الحديث بالمعنى دون اللفظ ~~حرام على الجاهل بمواقع الخطاب ودقائق الألفاظ، أما العالم بالفرق بين ~~المحتمل وغير المحتمل والظاهر والأظهر والعام والأعم فقد جوز له الشافعي ~~ومالك وأبو حنيفة وجماهير الفقهاء أن ينقله على المعنى إذا فهمه، وقال ~~فريق: لا يجوز له إلا إبدال بما يرادفه ويساويه في المعنى، كما يبدل القعود ~~بالجلوس والعلم بالمعرفة والاستطاعة بالقدرة والابصار بالاحساس بالبصر ~~والحظر بالتحريم وسائر ما لا يشك فيه، وعلى الجملة ما لا يتطرق إليه تفاوت ~~بالاستنباط والفهم، وإنما ذلك فيما فهمه قطعا لا فيما فهمه بنوع استدلال ~~يختلف فيه الناظرون، ويدل على جواز ذلك للعالم الاجماع على جواز شرح الشرع ~~للعجم بلسانهم، فإذا جاز إبدال العربية بعجمية ترادفها فلان يجوز عربية ~~بعربية ترادفها وتساويها أولى، وكذلك كان سفراء رسول الله (ص) في ~~PageV00P133 # البلاد يبلغونهم أوامره بلغتهم، وكذلك من سمع شهادة الرسول (ص)، فله أن ~~يشهد على شهادته بلغة أخرى، وهذا لأنا نعلم أنه لا تعبد في اللفظ، وإنما ~~المقصود فهم المعنى وإيصاله إلى الخلق، وليس ذلك، كالتشهد والتكبير وما ~~تعبد فيه باللفظ، فإن قيل: # فقد قال (ص): نضر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها فأداها كما ms206 سمعها، فرب ~~مبلغ أوعى من سامع ورب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه ~~منه. قلنا: # هذا هو الحجة، لأنه ذكر العلة وهو اختلاف الناس في الفقه، فما لا يختلف ~~الناس فيه من الألفاظ المترادفة، فلا يمنع منه، وهذا الحديث بعينه قد نقل ~~بألفاظ مختلفة والمعنى واحد، وإن أمكن أن تكون جميع الألفاظ قول رسول الله ~~(ص) في أوقات مختلفة، لكن الأغلب أنه حديث واحد، ونقل بألفاظ مختلفة، فإنه ~~روى: رحم الله امرءا ونضر الله امرءا وروي: ورب حامل فقه لا فقه له وروى: ~~حامل فقه غير فقيه وكذلك الخطب المتحدة والوقائع المتحدة رواها الصحابة رضي ~~الله عنهم بألفاظ مختلفة فدل ذلك على الجواز. # - مسألة (هل يقبل الحديث المرسل أم لا؟) المرسل مقبول عند مالك وأبي ~~حنيفة والجماهير، ومردود عند الشافعي والقاضي، وهو المختار، وصورته أن ~~يقول: قال رسول الله (ص) من لم يعاصره، أو قال: من لم يعاصر أبا هريرة، قال ~~أبو هريرة: والدليل أنه لو ذكر شيخه ولم يعدله وبقي مجهولا عندنا لم نقبله، ~~فإذا لم يسمه فالجهل أتم فمن لا يعرف عينه كيف تعرف عدالته، فإن قيل: رواية ~~العدل عنه تعديل، فالجواب من وجهين: الأول: أنا لا نسلم، فإن العدل قد يروي ~~عمن لو سئل عنه لتوقف فيه أو جرحه، وقد رأيناهم رووا عمن إذا سئلوا عنه ~~عدلوه مرة وجرحوه أخرى، أو قالوا، لا ندري، فالراوي عنه ساكت عن تعديله، ~~ولو كان السكوت عن الجرح تعديلا لكان السكوت عن التعديل جرحا، ولوجب أن ~~يكون الراوي إذا جرح من روى عنه مكذبا نفسه ولان شهادة الفرع ليس تعديلا ~~للأصل ما لم يصرح، وافتراق الرواية والشهادة في بعض التعبدات لا يوجب فرقا ~~في هذا المعنى كما لم يوجب فرقا في منع قبول رواية المجروح والمجهول، وإذا ~~لم يجز أن يقال: لا يشهد العدل إلا على شهادة عدل، لم يجز ذلك في الرواية، ~~ووجب فيها معرفة عين الشيخ والأصل حتى ينظر في حالهما، فإن قيل: العنعنة ms207 ~~كافية في الرواية مع أن قوله: روى فلان عن فلان عن فلان يحتمل ما لم يسمعه ~~فلان عن فلان، بل بلغه بواسطة، ومع الاحتمال يقبل، ومثل ذلك في الشهادة لا ~~يقبل، قلنا: هذا إذا لم يوجب فرقا في رواية المجهول، والمرسل مروي عن ~~مجهول، فينبغي أن لا يقبل، ثم العنعنة جرت العادة بها في الكتبة، فإنهم ~~استثقلوا أن يكتبوا عند كل اسم روي عن فلان سماعا منه، وشحوا على القرطاس، ~~والوقت أن يضيعوه فأوجزوا، وإنما يقبل في الرواية ذلك إذا علم بصريح لفظه ~~أو عامته أنه يريد به السماع، فإن لم يرد السماع فهو متردد بين المسند ~~والمرسل، فلا يقبل. # الجواب الثاني: أنا إن سلمنا جدلا أن الرواية تعديل، فتعديله المطلق لا ~~يقبل ما لم يذكر السبب، فلو صرح بأنه سمعه من عدل ثقة لم يلزم قبوله، وإن ~~سلم قبول التعديل PageV00P134 # المطلق فذلك في حق شخص نعرف عينه، ولا يعرف بفسق، أما من لم نعرف عينه، ~~فلعله لو ذكره لعرفناه بفسق لم يطلع عليه المعدل، وإنما يكتفي في كل مكلف ~~بتعريف غيره عند العجز عن معرفة نفسه، ولا يعلم عجزه ما لم يعرفه بعينه، ~~وبمثل هذه العلة لم يقبل تعديل شاهد الفرع مطلقا، ما لم يعرف الأصل ولم ~~يعينه، فلعل الحاكم يعرفه بفسق وعداوة، وغيره احتجوا باتفاق الصحابة ~~والتابعين على قبول مرسل العدل، فابن عباس مع كثرة روايته قيل أنه لم يسمع ~~من رسول الله (ص) إلا أربعة أحاديث لصغر سنه، وصرح بذلك في حديث الربا في ~~النسيئة وقال: حدثني به أسامة بن زيد وروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة، فلما روجع قال: حدثني به أخي الفضل بن ~~عباس، وروى ابن عمر عن النبي (ص) أنه قال: من صلى على جنازة فله قيراط ثم ~~أسنده إلى أبي هريرة، وروى أبو هريرة أن: من أصبح جنبا في رمضان فلا صوم له ~~وقال: ما أنا قلتها ورب الكعبة، ولكن محمدا (ص) قالها، فلما ms208 روجع قال: ~~حدثني به الفضل بن عباس، وقال البراء بن عازب ما كل ما نحدثكم به سمعناه من ~~رسول الله (ص)، لكن سمعنا بعضه، وحدثنا أصحابه ببعضه، أما التابعون فقد قال ~~النخعي: إذا قلت حدثني فلان عن عبد الله فهو حدثني، وإذا قلت: قال عبد الله ~~فقد سمعته من غير واحد، وكذلك نقل عن جماعة من التابعين قبول المرسل، ~~والجواب من وجهين: الأول: أن هذا صحيح، ويدل على قبول بعضهم المراسيل، ~~والمسألة في محل الاجتهاد، ولا يثبت فيها إجماع أصلا، وفيه ما يدل على أن ~~الجملة لم يقبلوا المراسيل ولذلك باحثوا ابن عباس وابن عمر وأبا هريرة مع ~~جلالة قدرهم لا لشك في عدالتهم ولكن للكشف عن الراوي، فإن قيل: قبل بعضهم ~~وسكت الآخرون فكان إجماعا، قلنا: لا نسلم ثبوت الاجماع بسكوتهم، لا سيما في ~~محل الاجتهاد، بل لعله سكت مضمرا للانكار، أو مترددا فيه. # والجواب الثاني: أن من المنكرين للمرسل من قبل مرسل الصحابي لانهم يحدثون ~~عن الصحابة وكلهم عدول، ومنهم من أضاف إليه مراسيل التابعين، لانهم يروون ~~عن الصحابة، ومنهم من خصص كبار التابعين بقبول مرسله، والمختار على قياس رد ~~المرسل أن التابعي والصحابي إذا عرف بصريح خبره أو بعادته أنه لا يروي إلا ~~عن صحابي قبل مرسله، وإن لم يعرف ذلك فلا يقبل لانهم قد يروون عن غير ~~الصحابي من الاعراب الذين لا صحبة لهم، وإنما ثبتت لنا عدالة أهل الصحبة، ~~قال الزهري بعد الارسال، حدثني به رجل على باب عبد الملك، وقال عروة بن ~~الزبير فيما أرسله عن بسرة حدثني به بعض الحرس. - مسألة (هل يقبل خبر ~~الواحد؟) خبر الواحد فيما تعم به البلوى مقبول خلافا للكرخي، وبعض أصحاب ~~الرأي، لان كل ما نقله العدل، وصدقه فيه ممكن وجب تصديقه، فمس الذكر مثلا ~~نقله العدل وصدقه فيه ممكن، فإنا لا نقطع بكذب ناقله، بخلاف ما لو انفرد ~~واحد بنقل ما تحيل العادة فيه أن لا يستفيض، كقتل أمير في السوق، وعزل وزير ~~وهجوم واقعة في الجامع ms209 منعت الناس من الجمعة، أو كخسف أو زلزلة أو انقضاض ~~كوكب عظيم وغيره من العجائب، فإن الدواعي تتوفر على إشاعة جميع ذلك، ~~ويستحيل انكتامه، وكذلك القرآن لا يقبل فيه خبر الواحد لعلمنا بأنه صلى ~~PageV00P135 # الله تعبد بإشاعته، واعتنى بإلقائه إلى كافة الخلق، فإن الدواعي تتوفر ~~على إشاعته ونقله لأنه أصل الدين والمنفرد برواية سورة أو آية كاذب قطعا، ~~فأما ما تعم به البلوى، فلا نقطع بكذب خبر الواحد فيه، فإن قيل: بم تنكرون ~~على من يقطع بكذبه، لان خروج الخارج من السبيلين لما كان الانسان لا ينفك ~~عنه في اليوم والليلة مرارا، وكانت الطهارة تنتقض به، فلا يحل لرسول الله ~~(ص) أن لا يشيع حكمه ويناجي به الآحاد، إذ يؤدي إلى إخفاء الشرع وإلى أن ~~تبطل صلاة العباد وهم لا يشعرون فتجب الإشاعة في مثله، ثم تتوفر الدواعي ~~على نقله، وكذلك مس الذكر مما يكثر وقوعه فكيف يخفى حكمه؟ قلنا: # هذا يبطل أولا بالوتر، وحكم الفصد والحجامة والقهقهة ووجوب الغسل من غسل ~~الميت وإفراد الإقامة وتثنيتها، وكل ذلك مما تعم به البلوى، وقد أثبتوها ~~بخبر الواحد، فإن زعموا أن ليس عموم البلوى فيها كعمومها في الاحداث، ~~فنقول: فليس عموم البلوى في اللمس والمس كعمومها في خروج الاحداث فقد يمضي ~~على الانسان مدة لا يلمس ولا يمس الذكر إلا في حالة الحدث كما لا يفتصد ولا ~~يحتجم إلا أحيانا فلا فرق. والجواب الثاني: وهو التحقيق أن الفصد والحجامة، ~~وإن كان لا يتكرر كل يوم، ولكنه يكثر، فكيف أخفي حكمه حتى يؤدي إلى بطلان ~~صلاة خلق كثير وإن لم يكن هو الأكثر فكيف، وكل ذلك إلى الآحاد، ولا سبب له، ~~إلا أن الله تعالى لم يكلف رسول الله (ص) إشاعة جميع الأحكام، بل كلفه ~~إشاعة البعض، وجوز له رد الخلق إلى خبر الواحد في البعض، كما جوز له ردهم ~~إلى القياس في قاعدة الربا، وكان يسهل عليه أن يقول: لا تبيعوا المطعوم ~~بالمطعوم أو المكيل بالمكيل حتى يستغنى عن الاستنباط من الأشياء ms210 الستة، ~~فيجوز أن يكون ما تعم به البلوى من جملة ما تقتضي مصلحة الخلق أن يردوا فيه ~~إلى خبر الواحد، ولا استحالة فيه، وعند ذلك يكون صدق الراوي ممكنا، فيجب ~~تصديقه، وليس علة الإشاعة عموم الحاجة أو ندورها، بل علته التعبد والتكليف ~~من الله، وإلا فما يحتاج إليه كثير، كالفصد والحجامة، كما يحتاج إليه ~~الأكثر في كونه شرعا لا ينبغي أن يخفى، فإن قيل: فما الضابط لما تعبد ~~الرسول صلى الله عليه فيه بالإشاعة قلنا إن طلبتم ضابطا لجوازه عقلا فلا ~~ضابط، بل لله تعالى أن يفعل في تكليف رسوله من ذلك ما يشاء، وإن أردتم ~~وقوعه، فإنما يعلم ذلك من فعل رسول الله (ص)، وإذا استقرينا السمعيات ~~وجدناها أربعة أقسام: الأول: القرآن، وقد علمنا أنه عني بالمبالغة في ~~إشاعته. الثاني: مباني الاسلام الخمس، ككلمتي الشهادة والصلاة والزكاة ~~والصوم والحج، وقد أشاعه إشاعة اشترك في معرفته العام الخاص. الثالث: # أصول المعاملات التي ليست ضرورية، مثل أصل البيع والنكاح، فإن ذلك أيضا ~~قد تواتر، بل كالطلاق والعتاق والاستيلاد والتدبير والكتابة فإن هذا تواتر ~~عند أهل العلم، وقامت به الحجة القاطعة إما بالتواتر وإما بنقل الآحاد في ~~مشهد الجماعات مع سكوتهم، والحجة تقوم به، لكن العوام لم يشاركوا العلماء ~~في العلم، بل فرض العوام فيه القبول من العلماء. الرابع: تفاصيل هذه ~~الأصول، فما يفسد الصلاة والعبادات وينقض الطهارة من اللمس والمس والقئ ~~وتكرار مسح الرأس فهذا الجنس منه ما شاع، ومنه ما نقله الآحاد ويجوز أن ~~يكون مما تعم به البلوى، PageV00P136 # فما نقله الآحاد فلا استحالة فيه ولا مانع، فإن ما أشاعه كان يجوز أن لا ~~يتعبد فيه بالإشاعة، وما وكله إلى الآحاد كان يجوز أن يتعبد فيه بالإشاعة، ~~لكن وقوع هذه الأمور يدل على أن التعبد وقع كذلك، فما كان يخالف أمر الله ~~سبحانه وتعالى في شئ من ذلك، هذا تمام الكلام في الاخبار والله أعلم. # الأصل الثالث من أصول الأدلة: الاجماع وفيه أبواب الباب الأول في إثبات ~~كونه حجة على ms211 منكريه ومن حاول إثبات كون الاجماع حجة افتقر إلى تفهيم لفظ ~~الاجماع أولا، وبيان تصوره ثانيا، وبيان إمكان الاطلاع عليه ثالثا، وبيان ~~الدليل على كونه حجة رابعا. أما تفهيم لفظ الاجماع: فإنما نعني به اتفاق ~~أمة محمد (ص) خاصة على أمر من الأمور الدينية، ومعناه في وضع اللغة: ~~الاتفاق والإزماع، وهو مشترك بينهما، فمن أزمع وصمم العزم على إمضاء أمر ~~يقال أجمع، والجماعة إذا اتفقوا يقال: أجمعوا، وهذا يصلح لاجماع اليهود ~~والنصارى، وللاتفاق في غير أمر الدين، لكن العرف خصص اللفظ بما ذكرناه، ~~وذهب النظام إلى أن الاجماع عبارة عن كل قول قامت حجته، وإن كان قول واحد، ~~وهو على خلاف اللغة والعرف، لكنه سواه على مذهبه، إذ لم ير الاجماع حجة، ~~وتواتر إليه بالتسامع تحريم مخالفة الاجماع، فقال: هو كل قول قامت حجته. ~~أما الثاني: # وهو تصوره: فدليل تصوره وجوده، فقد وجدنا الأمة مجمعة على أن الصلوات خمس ~~وأن صوم رمضان واجب، وكيف يمتنع تصوره والأمة كلهم متعبدون باتباع النصوص ~~والأدلة القاطعة، ومعرضون للعقاب بمخالفتها، فكما لا يمتنع اجتماعهم على ~~الأكل والشرب لتوافق الدواعي، فكذلك على اتباع الحق واتقاء النار، فإن قيل: ~~الأمة مع كثرتها واختلاف دواعيها في الاعتراف بالحق والعناد فيه، كيف تتفق ~~آراؤها فذلك محال منها، كاتفاقهم على أكل الزبيب مثلا في يوم واحد، قلنا: ~~لا صارف جميعهم إلى تناول الزبيب خاصة ولجميعهم باعث على الاعتراف بالحق، ~~كيف وقد تصور إطباق اليهود مع كثرتهم على الباطل، فلم لا يتصور إطباق ~~المسلمين على الحق، والكثرة إنما تؤثر عند تعارض الأشباه والدواعي والصوارف ~~ومستند الاجماع في الأكثر نصوص متواترة وأمور معلومة ضرورة بقرائن الأحوال، ~~والعقلاء كلهم فيه على منهج واحد، نعم: هل يتصور الاجماع عن اجتهاد أو ~~قياس؟ ذلك فيه كلام سيأتي إن شاء الله. أما الثالث: وهو تصور الاطلاع على ~~الاجماع: # فقد قال قوم: لو تصور إجماعهم فمن الذي يطلع عليهم مع تفرقهم في الأقطار؟ ~~فنقول : يتصور معرفة ذلك بمشافهتهم إن كانوا عددا يمكن لقاؤهم، وإن لم يمكن ms212 ~~عرف مذهب قوم بالمشافهة، ومذهب الآخرين بأخبار التواتر عنهم، كما عرفنا أن ~~مذهب جميع أصحاب الشافعي منع قتل المسلم بالذمي، وبطلان النكاح بلا ولي، ~~ومذهب جميع النصارى التثليث، ومذهب جميع المجوس التثنية، فإن قيل: مذهب ~~أصحاب الشافعي وأبي حنيفة مستند إلى قائل واحد وهو الشافعي وأبو حنيفة، ~~وقول الواحد يمكن أن يعلم، وكذلك مذهب النصارى يستند إلى عيسى عليه السلام، ~~أما قول جماعة لا ينحصرون كيف يعلم؟ قلنا: وقول أمة محمد (ص) في أمور الدين ~~يستند إلى ما فهموه من محمد (ص) PageV00P137 # وسمعوه منه، ثم إذا انحصر أهل الحل والعقد فكما يمكن أن يعلم قول واحد ~~أمكن أن يعلم قول الثاني إلى العشرة والعشرين، فإن قيل: لعل أحدا منهم في ~~أسر الكفار وبلاد الروم؟ # قلنا: تجب مراجعته، ومذهب الأسير ينقل كمذهب غيره، وتمكن معرفته فمن شك ~~في موافقته للآخرين لم يكن متحققا للاجماع، فإن قيل: فلو عرف مذهبه ربما ~~يرجع عنه بعده؟ # قلنا: لا أثر لرجوعه بعد انعقاد الاجماع، فإنه يكون محجوجا به ولا يتصور ~~رجوع جميعهم إذ يصير أحد الاجماعين خطأ، وذلك ممتنع بدليل السمع. أما ~~الرابع: وهو إقامة الحجة على استحالة الخطأ على الأمة: وفيه الشأن كله، ~~وكونه حجة إنما يعلم بكتاب أو سنة متواترة أو عقل أما الاجماع فلا يمكن ~~إثبات الاجماع به، وقد طمعوا في التلقي من الكتاب والسنة والعقل وأقواها ~~السنة، ونحن نذكر المسالك الثلاثة: # المسلك الأول: التمسك بالكتاب وذلك قوله تعالى: * (وكذلك جعلناكم أمة ~~وسطا لتكونوا شهداء على الناس) * (البقرة: 341) وقوله تعالى: * (كنتم خير ~~أمة أخرجت للناس) * (آل عمران: 011) الآية، وقوله تعالى: * (وممن خلقنا أمة ~~يهدون بالحق وبه يعدلون) * (الأعراف: 181) وقوله تعالى: * (واعتصموا بحبل ~~الله جميعا ولا تفرقوا) * (آل عمران: # 301) وقوله تعالى: * (وما اختلفتم فيه من شئ فحكمه إلى الله) * (الشورى: ~~011) ومفهومه أن ما اتفقتم فيه فهو حق، وقوله عز وجل: * (فإن تنازعتم في شئ ~~فردوه إلى الله والرسول) * (النساء: 95) مفهومه إن اتفقتم فهو حق فهذه كلها ~~ظواهر لا تنص على الغرض، بل لا ms213 تدل أيضا دلالة الظواهر، وأقواها قوله ~~تعالى: * (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل ~~المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا) * (النساء: 511) فإن ذلك ~~يوجب اتباع سبيل المؤمنين، وهذا ما تمسك به الشافعي وقد أطنبنا في كتاب ~~تهذيب الأصول في توجيه الأسئلة على الآية ودفعها، والذي نراه أن الآية ليست ~~نصافي الغرض، بل الظاهر أن المراد بها أن من يقاتل الرسول ويشاقه ويتبع غير ~~سبيل المؤمنين في مشايعته ونصرته ودفع الأعداء عنه نوله ما تولى، فكأنه لم ~~يكتف بترك المشاقة حتى تنضم إليه متابعة سبيل المؤمنين في نصرته والذب عنه ~~والانقياد له فيما يأمر وينهي، وهذا هو الظاهر السابق إلى الفهم، فإن لم ~~يكن ظاهرا فهو محتمل، ولو فسر رسول الله (ص) الآية بذلك لقبل، ولم يجعل ذلك ~~رفعا للنص، كما لو فسر المشاقة بالموافقة واتباع سبيل المؤمنين بالعدول عن ~~سبيلهم. # المسلك الثاني: وهو الأقوى التمسك بقوله (ص): لا تجتمع أمتي على الخطأ ~~وهذا من حيث اللفظ أقوى وأدل على المقصود ولكن ليس بالمتواتر، كالكتاب ، ~~والكتاب متواتر، لكن ليس بنص، فطريق تقرير الدليل أن نقول تظاهرت الرواية ~~عن رسول الله (ص) بألفاظ مختلفة مع اتفاق المعنى في عصمة هذه الأمة من ~~الخطأ، واشتهر على لسان المرموقين والثقات من الصحابة كعمر وابن مسعود وأبي ~~سعيد الخدري وأنس بن مالك وابن عمر وأبي هريرة وحذيفة بن اليمان وغيرهم ممن ~~يطول ذكره من نحو قوله (ص): لا تجتمع أمتي على الضلالة، ولم يكن الله ليجمع ~~أمتي على PageV00P138 # الضلالة وسألت الله تعالى أن لا يجمع أمتي على الضلالة فأعطانيها ومن سره ~~أن يسكن بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم، وإن ~~الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد وقوله (ص): يد الله مع الجماعة، ~~ولا يبالي الله بشذوذ من شذ ولا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا ~~يضرهم من خالفهم وروي: لا يضرهم خلاف من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء ومن ~~خرج عن ms214 الجماعة أو فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الاسلام من عنقه، ومن ~~فارق الجماعة ومات فميتته جاهلية. وهذه الأخبار لم تزل ظاهرة في الصحابة ~~والتابعين إلى زماننا هذا، لم يدفعها أحد من أهل النقل من سلف الأمة ~~وخلفها، بل هي مقبولة من موافقي الأمة ومخالفيها، ولم تزل الأمة تحتج بها ~~في أصول الدين وفروعه، فإن قيل: فما وجه الحجة ودعوى التواتر في آحاد هذه ~~الأخبار غير ممكن ونقل الآحاد لا يفيد العلم، قلنا في تقرير وجه الحجة ~~طريقان: # أحدهما: أن ندعي العلم الضروري بأن رسول الله (ص) قد عظم شأن هذه الأمة، ~~وأخبر عن عصمتها عن الخطأ، بمجموع هذه الأخبار المتفرقة، وإن لم تتواتر ~~آحادها، وبمثل ذلك نجد أنفسنا مضطرين إلى العلم بشجاعة علي، وسخاوة حاتم، ~~وفقه الشافعي وخطابة الحجاج، وميل رسول الله (ص) إلى عائشة من نسائه، ~~وتعظيمه صحابته وثنائه عليهم، وإن لم تكن آحاد الاخبار فيها متواترة، بل ~~يجوز الكذب على كل واحد منها لو جردنا النظر إليه، ولا يجوز على المجموع، ~~وذلك يشبه ما يعلم من مجموع قرائن آحادها لا ينفك عن الاحتمال، ولكن ينتفي ~~الاحتمال عن مجموعها حتى يحصل العلم الضروري. # الطريق الثاني: أن لا ندعي علم الاضطرار، بل علم الاستدلال من وجهين: ~~الأول: أن هذه الأحاديث لم تزل مشهورة بين الصحابة والتابعين يتمسكون بها ~~في إثبات الاجماع، ولا يظهر أحد فيها خلافا وإنكارا إلى زمان النظام، ~~ويستحيل في مستقر العادة توافق الأمم في أعصار متكررة على التسليم لما لم ~~تقم الحجة بصحته، مع اختلاف الطباع، وتفاوت الهمم والمذاهب في الرد ~~والقبول، ولذلك لم ينفك حكم ثبت بأخبار الآحاد عن خلاف مخالف وإبداء تردد ~~فيه. الوجه الثاني: أن المحتجين بهذه الاخبار أثبتوا بها أصلا مقطوعا به ~~وهو الاجماع الذي يحكم به على كتاب الله تعالى وعلى السنة المتواترة، ~~ويستحيل في العادة التسليم لخبر يرفع به الكتاب المقطوع به، إلا إذا استند ~~إلى مستند مقطوع به، فأما رفع المقطوع بما ليس بمقطوع فليس معلوما، حتى لا ms215 ~~يتعجب متعجب ولا يقول قائل: كيف ترفعون الكتاب القاطع بإجماع مستند إلى خبر ~~غير معلوم الصحة؟ وكيف تذهل عنه جميع الأمة إلى زمان النظام فيختص بالتنبه ~~له هذا وجه الاستدلال؟ وللمنكرين في معارضته ثلاثة مقامات: الرد، والتأويل، ~~والمعارضة: المقام الأول: في الرد. وفيه أربعة أسئلة: السؤال الأول: قولهم: ~~لعل واحدا خالف هذه الأخبار وردها ولم ينقل إلينا؟ قلنا: هذا أيضا تحيله ~~العادة إذ الاجماع أعظم أصول الدين، فلو خالف فيه مخالف لعظم الامر فيه ~~واشتهر الخلاف، إذ لم يندرس خلاف الصحابة في دية الجنين ومسألة الحرام وحد ~~الشرب، فكيف اندرس الخلاف في أصل عظيم يلزم فيه التضليل والتبديع لمن أخطأ ~~في نفيه وإثباته؟ وكيف اشتهر خلاف النظام مع سقوط PageV00P139 # قدره وخسة رتبته وخفي خلاف أكابر الصحابة والتابعين؟ هذا مما لا يتسع له ~~عقل أصلا. # السؤال الثاني: قالوا قد استدللتم بالخبر على الاجماع، ثم استدللتم ~~بالاجماع على صحة الخبر، فهب أنهم أجمعوا على الصحة، فما الدليل على أن ما ~~أجمعوا على صحته فهو صحيح وهل النزاع إلا فيه؟ قلنا: لا، بل استدللنا على ~~الاجماع بالخبر، وعلى صحة الخبر بخلو الاعصار عن المدافعة والمخالفة له، مع ~~أن العادة تقتضي إنكار إثبات أصل قاطع يحكم به على القواطع بخبر غير معلوم ~~الصحة، فعلمنا بالعادة كون الخبر مقطوعا به، لا بالاجماع، والعادة أصل ~~يستفاد منها معارف، فإن بها يعلم بطلان دعوى معارضة القرآن واندراسها، وبها ~~يعلم بطلان دعوى نص الإمامة، وإيجاب صلاة الضحى وصوم شوال، وإن ذلك لو كان ~~لاستحال في العادة السكوت عنه. السؤال الثالث: قالوا: بم تنكرون على من ~~يقول: لعلهم أثبتوا الاجماع، لا بهذه الاخبار، بل بدليل آخر، قلنا: قد ظهر ~~منهم الاحتجاج بهذه الاخبار في المنع من مخالفة الجماعة وتهديد من يفارق ~~الجماعة ويخالفها، وهذا أولى من أن يقال: لو كان لهم فيه مستند لظهر ~~وانتشر، فإنه قد نقل تمسكهم أيضا بالآيات. السؤال الرابع: # قولهم: لما علمت الصحابة صحة هذه الأخبار لم لم يذكروا طريق صحتها ~~للتابعين، حتى كان ينقطع ms216 الارتياب ويشاركونهم في العلم؟ قلنا: لانهم علموا ~~تعريفه عليه السلام عصمة هذه الأمة بمجموع قرائن وأمارات وتكريرات ألفاظ ~~وأسباب دلت ضرورة على قصده إلى بيان نفي الخطأ عن هذه الأمة، وتلك القرائن ~~لا تدخل تحت الحكاية ولا تحيط بها العبارات، ولو حكوها لتطرق إلى آحادها ~~احتمالات، فاكتفوا بعلم التابعين بأن الخبر المشكوك فيه لا يثبت به أصل ~~مقطوع به، ويقع التسليم في العادة به، فكانت العادة في حق التابعين أقوى من ~~الحكاية. # المقام الثاني: في التأويل ولهم تأويلات ثلاثة: الأول: قوله (ص): # لا تجتمع أمتي على ضلالة ينبئ عن الكفر والبدعة فلعله أراد عصمة جميعهم ~~عن الكفر بالتأويل والشبهة، وقوله: على الخطأ لم يتواتر وإن صح، فالخطأ عام ~~يمكن حمله على الكفر؟ قلنا: الضلال في وضع اللسان لا يناسب الكفر، قال الله ~~تعالى: * (ووجدك ضالا فهدى) * (الضحى: 7) وقال تعالى إخبارا عن موسى عليه ~~السلام: * (فعلتها إذا وأنا من الضالين) * (الشعراء: 02) وما أراد من ~~الكافرين، بل أراد من المخطئين، يقال: ضل فلان عن الطريق، وضل سعي فلان، كل ~~ذلك الخطأ، كيف وقد فهم ضرورة من هذه الألفاظ تعظيم شأن هذه الأمة وتخصيصها ~~بهذه الفضيلة، أما العصمة عن الكفر فقد أنعم بها في حق علي وابن مسعود وأبي ~~وزيد على مذهب النظام، لانهم ماتوا على الحق، وكم من آحاد عصموا عن الكفر ~~حتى ماتوا، فأي خاصية للأمة، فدل أنه أراد ما لم يعصم عنه الآحاد من سهو ~~وخطأ وكذب ويعصم عنه الأمة تنزيلا لجميع الأمة منزلة النبي (ص) في العصمة ~~عن الخطأ في الدين، أما في غير الدين من إنشاء حرب وصلح وعمارة بلدة ~~فالعموم يقتضي العصمة للأمة عنه أيضا، ولكن ذلك مشكوك فيه، وأمر الدين ~~مقطوع بوجوب العصمة فيه، كما في حق النبي (ص)، فإنه أخطأ في أمر تأبير ~~النخل ثم قال: أنتم PageV00P140 # أعرف بأمر دنياكم وأنا أعرف بأمر دينكم. التأويل الثاني: قولهم: غاية هذا ~~أن يكون عاما يوجب العصمة عن كل خطأ، ويحتمل أن يكون المراد به بعض أنواع ~~الخطأ ms217 من الشهادة في الآخرة أو ما يوافق النص المتواتر، أو يوافق دليل ~~العقل دون ما يكون بالاجتهاد والقياس، قلنا: لا ذاهب من الأمة إلى هذا ~~التفصيل إذ ما دل من العقل على تجويز الخطأ عليهم في شئ دل على تجويزه في ~~شئ آخر، وإذا لم يكن فارق لم يكن تخصيص بالتحكم دون دليل، ولم يكن تخصيص ~~أولى من تخصيص، وقد ذم من خالف الجماعة، وأمر بالموافقة، فلو لم يكن ما فيه ~~العصمة معلوما استحال الاتباع إلا أن ثبت العصمة مطلقا، وبه ثبتت فضيلة ~~الأمة وشرفها، فأما العصمة عن البعض دون البعض فهذا يثبت لكل كافر، فضلا عن ~~المسلم، إذ ما من شخص يخطئ في كل شئ بل كل إنسان فإنه يعصم عن الخطأ في بعض ~~الأشياء التأويل الثالث: أن أمته (ص) كل من آمن به إلى يوم القيامة، فجملة ~~هؤلاء من أول الاسلام إلى آخر عمر الدنيا، لا يجتمعون على خطأ، بل كل حكم ~~انقضى على اتفاق أهل الاعصار كلها بعد بعثة النبي (ص)، فهو حق، إذ الأمة ~~عبارة عن الجميع كيف والذين ماتوا في زماننا هم من الأمة، وإجماع من بعدهم ~~ليس إجماع جميع الأمة بدليل أنهم لو كانوا قد خالفوا ثم ماتوا لم ينعقد ~~بعدهم إجماع، وقبلنا من الأمة من خالف وإن كان قد مات، فكذلك إذا لم ~~يوافقوا؟ قلنا: كما لا يجوز أن يراد بالأمة المجانين والأطفال والسقط ~~والمجتن وإن كانوا من الأمة، فلا يجوز أن يراد به الميت والذي لم يخلق بعد، ~~بل الذي يفهم قوم يتصور منهم اختلاف واجتماع، ولا يتصور الاجتماع والاختلاف ~~من المعدوم، والميت، والدليل عليه أنه أمر باتباع الجماعة، وذم من شذ عن ~~الموافقة، فإن كان المراد به ما ذكروه فإنما يتصور الاتباع والمخالفة في ~~القيامة لا في الدنيا، فيعلم قطعا أن المراد به إجماع يمكن خرقه ومخالفته، ~~في الدنيا، وذلك هم الموجودون في كل عصر، أما إذا مات فيبقى أثر خلافه فإن ~~مذهبه لا يموت بموته، وسيأتي فيه كلام شاف إن ms218 شاء الله تعالى. # المقام الثالث: المعارضة بالآيات والاخبار أما الآيات: فكل ما فيها منع ~~من الكفر والردة والفعل الباطل، فهو عام مع الجميع، فإن لم يكن ذلك ممكنا ~~فكيف نهوا عنه، كقوله تعالى: * (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) * ~~(الأعراف: 33) * (ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر) * (البقرة: 712) * ~~(ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) * (البقرة: 881) وأمثال ذلك، قلنا: ليس ~~هذا نهيا لهم عن الاجتماع، بل نهي للآحاد، وإن كان كل واحد على حياله داخلا ~~في النهي وإن سلم، فليس من شرط النهي وقوع المنهي عنه ولا جواز وقوعه، فإن ~~الله تعالى علم أن جميع المعاصي لا تقع منهم ونهاهم عن الجميع وخلاف ~~المعلوم غير واقع، وقال لرسوله (ص): * (لئن أشركت ليحبطن عملك) * (الزمر: ~~56) وقال: # * (فلا تكونن من الجاهلين) * (الانعام: 53) وقد علم أنه قد عصمه منهم وأن ~~ذلك لا يقع، وأما الاخبار فقوله عليه السلام: بدأ الاسلام غريبا وسيعود ~~غريبا كما بدأ وقوله عليه السلام: خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم ثم ~~الذين يلونهم ثم يفشو الكذب حتى إن الرجل ليحلف وما يستحلف، ويشهد وما ~~يستشهد وكقوله (ص): لا تقوم PageV00P141 # الساعة إلا على شرار أمتي قلنا: هذا وأمثاله يدل على كثرة العصيان ~~والكذب، ولا يدل على أنه لا يبقى متمسك بالحق، ولا يناقض قوله (ص): لا تزال ~~طائفة من أمتي على الحق حتى يأتي أمر الله وحتى يظهر الدجال كيف ولا تجري ~~هذه الأخبار في الصحة والظهور مجرى الأحاديث التي تمسكنا بها. # المسلك الثالث: التمسك بالطريق المعنوي وبيانه أن الصحابة إذا قضوا بقضية ~~وزعموا أنهم قاطعون بها، فلا يقطعون بها إلا عن مستند قاطع، وإذا كثروا ~~كثرة تنتهي إلى حد التواتر، فالعادة تحيل عليهم قصد الكذب، وتحيل عليهم ~~الغلط حتى لا يتنبه واحد منهم للمحق في ذلك، وإلى أن القطع بغير دليل قاطع، ~~خطأ، فقطعهم في غير محل القطع محال في العادة، فإن قضوا عن اجتهاد واتفقوا ~~عليه فيعلم أن التابعين كانوا يشددون النكير على مخالفيهم ويقطعون به ~~وقطعهم بذلك ms219 قطع في غير محل القطع فلا يكون ذلك أيضا إلا عن قاطع، وإلا ~~فيستحيل في العادة أن يشذ عن جميعهم الحق مع كثرتهم حتى لا يتنبه واحد منهم ~~للحق، وكذلك نعلم أن التابعين لو أجمعوا على شئ أنكر تابعوا التابعين على ~~المخالف وقطعوا بالانكار، وهو قطع في غير محل القطع، فالعادة تحيل ذلك إلا ~~عن قاطع، وعلى مساق هذا قالوا: لو رجع أهل الحل والعقد إلى عدد ينقص عن عدد ~~التواتر، فلا يستحيل عليهم الخطأ في العاد ولا تعمد الكذب لباعث عليه، فلا ~~حجة فيه، وهذه الطريقة ضعيفة عندنا، لان منشأ الخطأ إما تعمد الكذب، وإما ~~ظنهم ما ليس بقاطع قاطعا، والأول غير جائز على عدد التواتر، وأما الثاني ~~فجائز، فقد قطع اليهود ببطلان نبوة عيسى ومحمد عليهما السلام، وهم أكثر من ~~عدد التواتر، وهو قطع في غير محل القطع، لكن ظنوا ما ليس بقاطع قاطعا: ~~والمنكرون لحدوث العالم والنبوات والمرتكبون لسائر أنواع البدع والضلالات، ~~عددهم بالغ مبلغ عدد التواتر ويحصل الصدق بإخبارهم، ولكن أخطؤوا بالقطع في ~~غير محل القطع، وهذا القائل يلزمه أن يجعل إجماع اليهود والنصارى حجة ولا ~~تخصيص لهذه الأمة، وقد أجمعوا على بطلان دين الاسلام، فإن قيل: هذا تمسك ~~بالعادة، وأنتم في نصرة المسلك الثاني استروحتم إلى العادة وهذا عين الأول؟ ~~قلنا: العادة لا تحيل على عدد التواتر أن يظنوا ما ليس بقاطع قاطعا، وعن ~~هذا قلنا: شرط خبر التواتر أن يستند إلى محسوس، والعادة تحيل الانقياد ~~والسكوت عمن دفع الكتاب والسنة المتواترة بإجماع دليله خبر مظنون غير مقطوع ~~به، وكل ما هو ضروري يعلم بالحس أو بقرينة الحال أو بالبديهة، فمنهاجه ~~واحد، ويتفق الناس على دركه، والعادة تحيل الذهول عنه على أهل التواتر، وما ~~هو نظري فطرقه مختلفة ، فلا يستحيل في العادة أن يجتمع أهل التواتر على ~~الغلط فيه، فهذا هو الفرق بين المسلكين، فإن قيل: اعتمادكم في هذا المسلك ~~الثاني أن ما أجمعوا عليه حق وليس بخطأ، فما الدليل على وجوب اتباعه وكل ~~مجتهد ms220 مصيب للحق، ولا يجب على مجتهد آخر اتباعه، والشاهد المزور مبطل، ويجب ~~على القاضي اتباعه، فوجوب الاتباع شئ، وكون الشئ حقا غير ه؟ قلنا: # أجمعت الأمة على وجوب اتباع الاجماع، وأنه من الحق الذي يجب اتباعه، ~~وبحسب كونهم محقين في قولهم يجب اتباع الاجماع، ثم نقول: كل حق علم كونه ~~حقا، فالأصل فيه وجوب PageV00P142 # الاتباع والمجتهد يجب اتباعه إلا على المجتهد الذي هو محق أيضا، فقدم حق ~~حصل باجتهاده على ما حصل باجتهاد غيره في حقه، والشاهد المزور لو علم كونه ~~مزورا لم يتبع، ويدل عليه أيضا ذمة من خالف الجماعة، وأنه ذكر هذا في معرض ~~الثناء على الأمة ولا يتحقق ذلك إلا بوجوب الاتباع، وإلا فلا يبقى له معنى، ~~إلا أنهم محقون إذا أصابوا دليل الحق، وذلك جائز في حق كل واحد من أفراد ~~المؤمنين، فليس فيه مدح وتخصيص البتة الباب الثاني في بيان أركان الاجماع ~~وله ركنان: المجمعون ونفس الاجماع: # الركن الأول: المجمعون: وهم أمة محمد (ص)، وظاهر هذا يتناول كل مسلم، لكن ~~لكل ظاهر طرفان واضحان في النفي والاثبات وأوساط متشابهة، أما الواضح في ~~الاثبات فهو كل مجتهد مقبول الفتوى فهو أهل الحل والعقد قطعا، ولا بد من ~~موافقته في الاجماع، وأما الواضح في النفي، فالأطفال والمجانين والأجنة، ~~فإنهم وإن كانوا من الأمة، فنعلم أنه عليه الصلاة والسلام ما أراد بقوله: ~~لا تجتمع أمتي على الخطأ إلا من يتصور منه الوفاق والخلاف في المسألة بعد ~~فهمهما فلا يدخل فيه من لا يفهمها، وبين الدرجتين العوام المكلفون، والفقيه ~~الذي ليس بأصولي، والأصولي الذي ليس بفقيه والمجتهد الفاسق والمبتدع ~~والناشئ من التابعين، مثلا: إذا قارب رتبة الاجتهاد في عصر الصحابة، فنرسم ~~في كل واحد مسألة: # - مسألة (إجماع أهل الحل والعقد) يتصور دخول العوام في الاجماع، فإن ~~الشريعة تنقسم إلى ما يشترك في دركه العوام والخواص، كالصلوات الخمس ووجوب ~~الصوم والزكاة والحج، فهذا مجمع عليه والعوام وافقوا الخواص في الاجماع، ~~وإلى ما يختص بدركه الخواص كتفصيل أحكام الصلاة والبيع والتدبير ms221 ~~والاستيلاد، فما أجمع عليه الخواص، فالعوام متفقون على أن الحق فيه ما أجمع ~~عليه أهل الحل والعقد، لا يضمرون فيه خلافا أصلا، فهم موافقون أيضا فيه، ~~ويحسن تسمية ذلك إجماع الأمة قاطبة، كما أن الجند إذا حكموا جماعة من أهل ~~الرأي والتدبير في مصالحة أهل قلعة فصالحوهم على شئ يقال: هذا باتفاق جميع ~~الجند، فإذا كل مجمع عليه من المجتهدين، فهو مجموع عليه من جهة العوام وبه ~~يتم إجماع الأمة، فإن قيل: فلو خالف عامي في واقعة أجمع عليها الخواص من ~~أهل العصر، فهل ينعقد الاجماع دونه إن كان ينعقد، فكيف خرج العامي من ~~الأمة، وإن لم ينعقد فكيف يعتد بقول العامي؟ قلنا: قد اختلف الناس فيه، ~~فقال قوم: لا ينعقد، لأنه من الأمة، فلا بد من تسليمه بالجملة أو بالتفصيل، ~~وقال آخرون، وهو الأصح: إنه ينعقد بدليلين: أحدهما: أن العامي ليس أهلا ~~لطلب الصواب، إذ ليس له آلة هذا الشأن، فهو كالصبي والمجنون في نقصان ~~الآلة، ولا يفهم من عصمة الأمة من الخطأ إلا عصمة من يتصور منه الإصابة ~~لأهليته. والثاني: وهو الأقوى أن العصر الأول من الصحابة قد أجمعوا على أنه ~~لا عبرة بالعوام في هذا الباب، أعني خواص الصحابة وعوامهم، ولان العامي إذا ~~قال قولا علم أنه يقوله عن جهل، وأنه ليس يدري ما يقول وأنه ليس أهلا ~~للوفاق والخلاف فيه، وعن هذا لا يتصور صدور هذا من عامي عاقل، لان العاقل ~~يفوض ما لا يدري إلى من يدري، فهذه صورة فرضت، ولا وقوع لها أصلا، ويدل ~~PageV00P143 # على انعقاد الاجماع أن العامي يعصي بمخالفته العلماء ويحرم ذلك عليه، ~~ويدل على عصيانه ما ورد من ذم الرؤساء الجهال إذا ضلوا وأضلوا بغير علم. ~~وقوله تعالى: * ((4) لعلمه الذين يستنبطونه منهم) * (النساء: 38) فردهم عن ~~النزاع إلى أهل الاستنباط، وقد وردت أخبار كثيرة بإيجاب المراجعة للعلماء ~~وتحريم فتوى العامة بالجهل والهوى وهذا لا يدل على انعقاد الاجماع دونهم، ~~فإنه يجوز أن يعصي بالمخالفة، كما يعصي من يخالف خبر الواحد، ولكن يمتنع ms222 ~~وجود الاجماع لمخالفته والحجة في الاجماع فإذا امتنع بمعصية أو بما ليس ~~بمعصية فلا حجة، وإنما الدليل ما ذكرنا من قبل. # - مسألة (يعتد بقول الأصولي والفقيه المبرز إذا قلنا لا يعتبر قول العوام ~~لقصور آلتهم فرب متكلم ونحوي ومفسر ومحدث هو ناقض الآلة في درك الاحكام، ~~فقال قوم: لا يعتد إلا بقول أئمة المذاهب المستقلين بالفتوى، كالشافعي ~~ومالك وأبي حنيفة وأمثالهم من الصحابة والتابعين، ومنهم من ضم إلى الأئمة ~~الفقهاء الحافظين لاحكام الفروع الناهضين بها، لكن أخرج الأصولي الذي لا ~~يعرف تفاصيل الفروع ولا يحفظها، والصحيح أن الأصولي العارف بمدارك الاحكام ~~وكيفية تلقيها من المفهوم والمنظوم، وصيغة الأمر والنهي، والعموم وكيفية ~~تفهيم النصوص، والتعليل أولى بالاعتداد بقوله من الفقيه الحافظ للفروع، بل ~~ذو الآلة، من هو متمكن من درك الاحكام إذا أراد، وإن لم يحفظ الفروع، ~~والأصولي قادر عليه، والفقيه الحافظ للفروع لا يتمكن منه، وآية أنه لا ~~يعتبر حفظ الفروع أن العباس والزبير وطلحة وسعدا وعبد الرحمن بن عوف وسعيد ~~بن زيد بن عمرو بن نفيل وأبا عبيدة بن الجراح وأمثالهم ممن لم ينصب نفسه ~~للفتوى ولم يتظاهر بها تظاهر العبادلة، وتظاهر علي وزيد بن ثابت ومعاذ، ~~كانوا يعتدون بخلافهم لو خالفوا، وكيف لا وكانوا صالحين للإمامة العظمى، ~~ولا سيما لكون أكثرهم في الشورى، وما كانوا يحفظون الفروع، بل لم تكن ~~الفروع موضوعة بعد، لكن عرفوا الكتاب والسنة، وكانوا أهلا لفهمهما، والحافظ ~~لفروع قد لا يحفظ دقائق فروع الحيض، والوصايا، فأصل هذه الفروع كهذه ~~الدقائق، فلا يشترط حفظها، فينبغي أن يعتد بخلاف الأصولي وبخلاف الفقيه ~~المبرز، لأنهما ذوا آلة على الجملة، يقولان ما يقولان عن دليل، أما النحوي ~~والمتكلم فلا يعتد بهما، لأنهما من العوام في حق هذا العلم، إلا أن يقع ~~الكلام في مسألة تنبني على النحو أو على الكلام، فإن قيل: فهذه المسألة ~~قطعية أم اجتهادية؟ قلنا: هي اجتهادية، ولكن إذا جوزنا أن يكون قوله معتبرا ~~صار الاجماع مشكوكا فيه عند مخالفته فلا يصير حجة قاطعة، إنما ms223 يكون حجة ~~قاطعة إذا لم يخالف هؤلاء، أما خلاف العوام فلا يقع، ولو وقع فهو قول ~~باللسان، وهو معترف بكونه جاهلا بما يقول، فبطلان قوله مقطوع به، كقول ~~الصبي، فأما هذا فليس كذلك، فإن قيل: # فإذا قلد الأصولي الفقهاء فيما اتفقوا عليه في الفروع وأقر بأنه حق هل ~~ينعقد الاجماع، قلنا: # نعم، لأنه لا مخالفة، وقد وافق الأصولي جملة وإن لم يعرف التفصيل، كما أن ~~الفقهاء اتفقوا على أن ما أجمع عليه المتكلمون في باب الاستطاعة والعجز ~~والأجسام والاعراض والضد والخلاف، فهو صواب، فيحصل الاجماع بالموافقة ~~الجملية، كما يحصل من العوام، لان كل فريق كالعامي، بالإضافة إلى ما لم ~~يحصل علمه، وإن حصل علما آخر. PageV00P144 # - مسألة (عدم انعقاد الاجماع بالمجتهد الفاسق المبتدع إذا خالف لم ينعقد ~~الاجماع دونه إذا لم يكفر، بل هو كمجتهد فاسق وخلاف المجتهد الفاسق معتبر، ~~فإن قيل: لعله يكذب في إظهار الخلاف وهو لا يعتقده. # قلنا: لعله يصدق، ولا بد من موافقته ولو لم نتحقق موافقته، كيف وقد نعلم ~~اعتقاد الفاسق بقرائن أحواله في مناظراته واستدلالاته، والمبتدع ثقة يقبل ~~قوله، فإنه ليس يدري أنه فاسق، أما إذا كفر ببدعته فعند ذلك لا يعتبر خلافه ~~وإن كان يصلي إلى القبلة ويعتقد نفسه مسلما. # لان الأمة ليست عبارة عن المصلين إلى القبلة، بل عن المؤمنين وهو كافر، ~~وإن كان لا يدري أنه كافر، نعم: لو قال بالتشبيه والتجسيم وكفرناه فلا ~~يستدل على بطلان مذهبه بإجماع مخالفيه على بطلان التجسيم مصيرا إلى أنهم كل ~~الأمة دونه، لان كونهم كل الأمة موقوف على إخراج هذا من الأمة والاخراج من ~~الأمة موقوف على دليل التكفير، فلا يجوز أن يكون دليل تكفيره ما هو موقوف ~~على تكفيره، فيؤدي إلى إثبات الشئ بنفسه، نعم: بعد أن كفرناه بدليل عقلي لو ~~خالف في مسألة أخرى لم يلتفت إليه، فلو تاب وهو مصر على المخالفة في تلك ~~المسألة التي أجمعوا عليها في حال كفره، فلا يلتفت إلى خلافه بعد الاسلام، ~~لأنه مسبوق بإجماع كل الأمة ms224 وكان المجمعون في ذلك الوقت كل الأمة دونه، ~~فصار كما لو خالف كافر كافة الأمة ثم أسلم وهو مصر على ذلك الخلاف، فإن ذلك ~~لا يلتفت إليه إلا على قول من يشترط انقراض العصر في الاجماع، فإن قيل: فلو ~~ترك بعض الفقهاء الاجماع بخلاف المبتدع المكفر إذا لم يعلم أن بدعته توجب ~~الكفر وظن أن الاجماع لا ينعقد دونه، فهل يعذر من حيث أن الفقهاء لا يطلعون ~~على معرفة ما يكفر به من التأويلات؟ قلنا: للمسألة صورتان: إحداهما: أن ~~يقول الفقهاء: نحن لا ندري أن بدعته توجب الكفر أم لا، ففي هذه الصورة لا ~~يعذرون فيه إذ يلزمهم مراجعة علماء الأصول، ويجب على العلماء تعريفهم، فإذا ~~أفتوا بكفره فعليهم التقليد، فإن لم يقنعهم التقليد فعليهم السؤال عن ~~الدليل، حتى إذا ذكر لهم دليله فهموه لا محالة، لان دليله قاطع، فإن لم ~~يدركه فلا يكون معذورا كمن لا يدرك دليل صدق الرسول (ص)، فإنه لا عذر مع ~~نصب الله تعالى الأدلة القاطعة. # الصورة الثانية: أن لا يكون قد بلغته بدعته وعقيدته، فترك الاجماع ~~لمخالفته، فهو معذور في خطئه وغير مؤاخذ به، وكان الاجماع لم ينتهض حجة في ~~حقه، كما إذا لم يبلغه الدليل الناسخ لأنه غير منسوب إلى تقصير، بخلاف ~~الصورة الأولى، فإنه قادر على المراجعة والبحث فلا عذر له في تركه، فهو كمن ~~قبل شهادة الخوارج وحكم بها فهو مخطئ، لان الدليل على تكفير الخوارج على ~~علي عثمان رضي الله عنهما، والقائلين بكفرهما المعتقدين استباحة دمهما ~~ومالهما ظاهر يدرك على القرب، فلا يعذر من لا يعرفه بخلاف من حكم بشهادة ~~الزور، وهو لا يعرف، لأنه لا طريق له إلى معرفة صدق الشاهد وله طريق إلى ~~معرفة كفره، فإن قيل وما الذي يكفر به؟ قلنا: الخطب في ذلك طويل، وقد أشرنا ~~إلى شئ منه في كتاب فصل التفرقة بين الاسلام والزندقة والقدر الذي نذكره ~~الآن أنه يرجع إلى ثلاثة أقسام: الأول: ما يكون نفس اعتقاده كفرا، كإنكار ~~الصانع وصفاته وجحد النبوة. ms225 الثاني: ما يمنعه اعتقاده من الاعتراف بالصانع ~~وصفاته وتصديق رسله، ويلزمه إنكار PageV00P145 # ذلك من حيث التناقض. الثالث: ما ورد التوقيف بأنه لا يصدر إلا من كافر ~~كعبادة النيران والسجود للصنم، وجحد سورة من القرآن، وتكذيب بعض الرسل، ~~واستحلال الزنا والخمر وترك الصلاة، وبالجملة إنكار ما عرف بالتواتر ~~والضرورة من الشريعة. # مسألة قال قوم، لا يعتد بإجماع غير الصحابة وسنبطله، وقال قوم: يعتد ~~بإجماع التابعين بعد الصحابة، ولكن لا يعتد بخلاف التابعي في زمان الصحابة ~~ولا يندفع إجماع الصحابة بخلافه، وهذا فاسد مهما بلغ التابعي رتبة الاجتهاد ~~قبل تمام الاجماع، لأنه من الأمة، فإجماع غيره لا يكون إجماع جميع الأمة، ~~بل إجماع البعض، والحجة في إجماع الكل، نعم: لو أجمعوا ثم بلغ رتبة ~~الاجتهاد بعد إجماعهم فهو مسبوق بالاجماع، فليس له الآن أن يخالف، كمن أسلم ~~بعد تمام الاجماع، ويدل عليه قوله تعالى: * (وما اختلفتم فيه من شئ فحكمه ~~إلى الله) * (الشورى: 10) وهذا مختلف فيه، ويدل عليه إجماع الصحابة على ~~تسويغ الخلاف للتابعي وعدم إنكارهم عليه، فهو إجماع منهم على جواز الخلاف، ~~كيف وقد علم أن كثيرا من أصحاب عبد الله كعلقمة والأسود وغيرهما كانوا ~~يفتون في عصر الصحابة، وكذا الحسن البصري، وسعيد بن المسيب، فكيف لا يعتد ~~بخلافهم، وعلى الجملة فلا يفضل الصحابي التابعي إلا بفضيلة الصحبة، ولو ~~كانت هذه الفضيلة تخصص الاجماع لسقط قول الأنصار بقول المهاجرين، وقول: ~~المهاجرين بقول العشرة وقول العشرة بقول الخلفاء الأربعة، وقولهم بقول أبي ~~بكر وعمر رضي الله عنهم، فإن قيل: روي عن عائشة رضي الله عنها أنها أنكرت ~~على أبي سلمة بن عبد الرحمن مجاراة الصحابة، وقالت: فروج يصقع مع الديكة، ~~قلنا: ما ذكرناه مقطوع به، ولم يثبت عن عائشة ما ذكرتم إلا بقول الآحاد، ~~وإن ثبت فهو مذهبها، ولا حجة فيه، ثم لعلها أرادت منعه من مخالفتهم فيما ~~سبق إجماعهم عليه، أو لعلها أنكرت عليه خلافه في مسألة لا تحتمل الاجتهاد ~~في اعتقادها، كما أنكرت على زيد بن أرقم في مسألة العينة، ms226 وظنت أن وجوب حسم ~~الذريعة قطعي، واعلم أن هذه المسألة يتصور الخلاف فيها مع من يوافق على أن ~~إجماع الصحابة يندفع بمخالفة واحد من الصحابة، أما من ذهب إلى أنه لا يندفع ~~خلاف الأكثر بالأقل كيفما كان فلا يختص كلامه بالتابعي. - مسألة (هل ينعقد ~~إجماع الأكثر أم لا؟) الاجماع من الأكثر ليس بحجة مخالفة الأقل، وقال قوم: ~~إن بلغ عدد الأقل عدد التواتر اندفع الاجماع، وإن نقص فلا يندفع، والمعتمد ~~عندنا أن العصمة إنما تثبت للأمة بكليتها، وليس هذا إجماع الجميع، بل هو ~~مختلف فيه، وقد قال تعالى: * (وما اختلفتم فيه من شئ فحكمه إلى الله) * ~~(الشورى: 01) فإن قيل: قد تطلق الأمة ويراد بها الأكثر كما يقال بنو تميم ~~يحمون الجار، ويكرمون الضيف، ويراد الأكثر؟ # قلنا: من يقول بصيغة العموم يحمل ذلك على الجميع، ولا يجوز التخصيص ~~بالتحكم، بل بدليل وضرورة، ولا ضرورة ههنا، ومن لا يقول به فيجوز أن يريد ~~به الأقل، وعند ذلك لا يتميز البعض المراد عما ليس بمراد، ولا بد من إجماع ~~الجميع ليعلم أن البعض المراد داخل فيه، كيف وقد وردت أخبار تدل على قلة ~~أهل الحق حيث قال (ص) وهم يومئذ PageV00P146 # الأقلون، وقال (ص): سيعود الدين غريبا كما بدا غريبا وقال تعالى: # * (أكثرهم لا يعقلون) * (المائدة: 301) وقال تعالى: * (وقليل من عبادي ~~الشكور) * (سبأ: # 13) وقال تعالى: * (كم من فئة قليلة) * (البقرة: 942) الآية وإذا لم يكن ~~ضابط، ولا مرد فلا خاص إلا باعتبار قول الجميع. الدليل الثاني: إجماع ~~الصحابة على تجويز الخلاف للآحاد، فكم من مسألة قد انفرد فيها الآحاد بمذهب ~~كانفراد ابن عباس بالعول فإنه أنكره، فإن قيل: لا بل أنكروا على ابن عباس ~~القول بتحليل المتعة، وأن الربا في النسيئة، وأنكرت عائشة على ابن أرقم ~~مسألة العينة، وأنكروا على أبي موسى الأشعري قوله: النوم لا ينقض الوضوء، ~~وعلى أبي طلحة القول بأن أكل البرد لا يفطر، وذلك لانفرادهم به، قلنا: لا، ~~بل لمخالفتهم السنة الواردة فيه المشهورة بينهم، أو لمخالفتهم أدلة ظاهرة ~~قامت عندهم، ms227 ثم نقول: هب أنهم أنكروا انفراد المنفرد والمنكر منكر عليهم ~~إنكارهم، ولا ينعقد الاجماع فلا حجة في إنكارهم مع مخالفة الواحد. # ولهم شبهتان: الشبهة الأولى: قولهم: قول الواحد فيما يخبر عن نفسه لا ~~يورث العلم، فكيف يندفع به قول عدد حصل العلم بإخبارهم عن أنفسهم لبلوغهم ~~عدد التواتر، وعن هذا قال قوم: عدد الأقل إلى أن يبلغ مبلغ التواتر يدفع ~~الاجماع، وهذا فاسد من ثلاثة أوجه: الأول: إن صدق الأكثر وإن علم فليس ذلك ~~صدق جميع الأمة، واتفاقهم والحجة في اتفاق الجميع، فسقطت الحجة، لانهم ~~ليسوا كل الأمة. الثاني: إن كذب الواحد ليس بمعلوم، فلعله صادق، فلا تكون ~~المسألة اتفاقا من جميع الصادقين إن كان صادقا. الثالث: إنه لا نظر إلى ما ~~يضمرون، بل التعبد متعلق بما يظهرون، فهو مذهبهم، وسبيلهم لا ما أضمروه، ~~فإن قيل: فهل يجوز أن تضمر الأمة خلاف ما تظهر؟ قلنا: ذلك إن كان إنما يكون ~~عن تقية وإلجاء، وذلك يظهر ويشتهر وإن لم يشتهر فهو محال، لأنه يؤدي إلى ~~اجتماع الأمة على ضلالة وباطل، وهو ممتنع، بدليل السمع. الشبهة الثانية: إن ~~مخالفة الواحد شذوذ عن الجماعة، وهو منهي عنه، فقد ورد ذم الشاذ، وأنه ~~كالشاذ من الغنم عن القطيع، قلنا: الشاذ عبارة عن الخارج عن الجماعة بعد ~~الدخول فيها ومن دخل في الاجماع لا يقبل خلافه بعده، وهو الشذوذ، أما الذي ~~لم يدخل أصلا فلا يسمى شاذا، فإن قيل: فقد قال عليه السلام: # عليكم بالسواد الأعظم فإن الشيطان مع الواحد وهو عن الاثنين أبعد قلنا: ~~أراد به الشاذ الخارج على الامام بمخالفة الأكثر على وجه يثير الفتنة، ~~وقوله: وهو عن الاثنين أبعد أراد به الحث على طلب الرفيق في الطريق، ولهذا ~~قال عليه السلام: والثلاثة ركب، وقد قال بعضهم: قول الأكثر حجة، وليس ~~بإجماع، وهو متحكم بقوله أنه حجة إذ لا دليل عليه: وقال بعضهم: مرادي به أن ~~اتباع الأكثر أولى، قلنا: هذا يستقيم في الاخبار، وفي حق المقلد إذا لم يجد ~~ترجيحا بين المجتهدين ms228 سوى الكثرة، وأما المجتهد فعليه اتباع الدليل دون ~~الأكثر، لأنه إن خالفه واحد لم يلزمه اتباعه وإن انضم إليه مخالف آخر لم ~~يلزمه الاتباع. - مسألة (إجماع أهل المدينة عند مالك) قال مالك: الحجة في ~~إجماع أهل المدينة فقط، وقال قوم: المعتبر إجماع أهل الحرمين مكة والمدينة ~~والمصرين الكوفة والبصرة، وما أراد المحصلون بهذا إلا أن هذه PageV00P147 # البقاع قد جمعت في زمن الصحابة أهل الحل والعقد، فإن أراد مالك أن ~~المدينة هي الجامعة لهم فمسلم له ذلك لو جمعت، وعند ذلك لا يكون للمكان فيه ~~تأثير وليس ذلك بمسلم بل لم تجمع المدينة جميع العلماء لا قبل الهجرة ولا ~~بعدها بل ما زالوا متفرقين في الاسفار، والغزوات والامصار، فلا وجه لكلام ~~مالك، إلا أن يقول عمل أهل المدينة حجة لانهم الأكثرون، والعبرة بقول ~~الأكثرين وقد أفسدناه، أو يقول يدل اتفاقهم في قول أو عمل أنهم استندوا إلى ~~سماع قاطع، فإن الوحي الناسخ نزل فيهم، فلا تشذ عنهم مدارك الشريعة، وهذا ~~تحكم، إذ لا يستحيل أن يسمع غيرهم حديثا من رسول الله (ص) في سفر أو في ~~المدينة، لكن يخرج منها قبل نقله، فالحجة في الاجماع، ولا إجماع، وقد تكلف ~~لمالك تأويلات ومعاذير استقصيناها في كتاب تهذيب الأصول ولا حاجة إليها ~~هاهنا، وربما احتجوا بثناء رسول الله (ص) على المدينة وعلى أهلها، وذلك يدل ~~على فضيلتهم وكثرة ثوابهم لسكناهم المدينة، ولا يدل على تخصيص الاجماع بهم، ~~وقد قال قوم: الحجة في اتفاق الخلفاء الأربعة، وهو تحكم لا دليل عليه إلا ~~ما تخيله جماعة في أن قول الصحابي حجة، وسيأتي في موضعه. - مسألة (هل يشترط ~~التواتر في الاجماع؟) اختلفوا في أنه هل يشترط أن يبلغ أهل الاجماع عدد ~~التواتر، أما من أخذه من دليل العقل واستحالة الخطأ بحكم العادة، فيلزمه ~~الاشتراط، والذين أخذوه من السمع اختلفوا، فمنهم من شرط ذلك، لأنه إذا نقص ~~عددهم فنحن لا نعلم إيمانهم بقولهم فضلا عن غيره، وهذا فاسد من وجهين: ~~أحدهما: أنه يعلم إيمانهم لا بقولهم، لكن ms229 بقوله (ص): لا تزال طائفة من أمتي ~~على الحق حتى يأتي أمر الله وحتى يظهر الدجال.، فإذا لم يكن على وجه الأرض ~~مسلم سواهم فهم على الحق. الثاني: أنا لم نتعبد بالباطن، وإنما أمة محمد من ~~آمن بمحمد (ص) ظاهرا، إذ لا وقوف على الباطن، وإذا ظهر أنا متعبدون ~~باتباعهم فيجوز أن يستدل بهذا على أنهم صادقون، لان الله تعالى لا يتعبدنا ~~باتباع الكاذب وتعظيمه والاقتداء به، فإن قيل: كيف يتصور رجوع عدد المسلمين ~~إلى ما دون عدد التواتر، وذلك يؤدي إلى انقطاع التكليف، فإن التكليف يدوم ~~بدوام الحجة، والحجة تقوم بخبر التواتر عن أعلام النبوة، وعن وجود محمد (ص) ~~وتحديه بالنبوة، والكفار لا يقومون بنشر أعلام النبوة، بل يجتهدون في ~~طمسها، والسلف من الأئمة مجمعون على دوام التكليف إلى القيامة، وفي ضمنه ~~الاجماع على استحالة اندراس الاعلام، وفي نقصان عدد التواتر ما يؤدي إلى ~~الاندراس، وإذا لم يتصور وجود هذه الحادثة فكيف نخوض في حكمها، قلنا: يحتمل ~~أن يقال: ذلك ممتنع لهذه الأدلة، وإنما معنى تصور هذه المسألة رجوع عدد أهل ~~الحل والعقد إلى ما دون عدد التواتر، وإن قطعنا بأن قول العوام لا يعتبر، ~~فتدوم أعلام الشرع بتواتر العوام، ويحتمل أن يقال: يتصور وقوعها، والله ~~تعالى يديم الاعلام بالتواتر الحاصل من جهة المسلمين والكفار، فيتحدثون ~~بوجود محمد (ص)، ووجود معجزته، وإن لم يعترفوا بكونها معجزة، أو يخرق الله ~~تعالى العادة، فيحصل العلم بقول القليل حتى تدوم الحجة، بل نقول: قول ~~القليل مع القرائن المعلومة PageV00P148 # في مناظرته وتسديده قد يحصل العلم من غير خرق عادة، فبجميع هذه الوجوه ~~يبقى الشرع محفوظا، فإن قيل: فإذا جاز أن يقل عدد أهل الحل والعقد، فلو رجع ~~إلى واحد، فهل يكون مجرد قوله حجة قاطعة؟ قلنا: إن اعتبرنا موافقة العوام ~~فإذا، قال قولا وساعده عليه العوام ولم يخالفوه فيه فهو إجماع الأمة، فيكون ~~حجة، إذ لو لم يكن لكان قد اجتمعت الأمة على الضلالة والخطأ، وإن لم نلتفت ~~إلى قول العوام فلم يوجد ms230 ما يتحقق به اسم الاجتماع والاجماع، إذ يستدعي ذلك ~~عددا بالضرورة حتى يسمى إجماعا، ولا أقل من اثنين أو ثلاثة، وهذا كله يتصور ~~على مذهب من يعتبر إجماع من بعد الصحابة، فأما من لا يقول إلا بإجماع ~~الصحابة فلا يلزمه شئ من ذلك، لان الصحابة قد جاوز عددهم عدد التواتر. # - مسألة (مذهب الظاهرية) ذهب داود وشيعته من أهل الظاهر إلى أنه لا حجة ~~في إجماع من بعد الصحابة، وهو فاسد، لان الأدلة الثلاثة على كون الاجماع ~~حجة، أعني الكتاب والسنة والعقل، لا تفرق بين عصر وعصر، فالتابعون إذا ~~أجمعوا فهو إجماع من جميع الأمة ومن خالفهم فهو سالك غير سبيل المؤمنين، ~~ويستحيل بحكم العادة أن يشذ الحق عنهم مع كثرتهم عند من يأخذه من العادة، ~~ولهم شبهتان، أضعفهما قولهم الاعتماد على الخبر والآية، وهو قوله تعالى: * ~~(ويتبع غير سبيل المؤمنين) * (النساء: 511) يتناول الذين نعتوا بالايمان، ~~وهم الموجودون وقت نزول الآية، فإن المعدوم لا يوصف بالايمان، ولا يكون له ~~سبيل، وقوله عليه السلام: لا تجتمع أمتي على الخطأ يتناول أمته الذين آمنوا ~~به وتصور إجماعهم واختلافهم، وهم الموجودون، وهذا باطل، إذ يلزم على مساقه ~~أن لا ينعقد إجماع بعد موت سعد بن معاذ وحمزة ومن استشهد من المهاجرين ~~والأنصار ممن كانوا موجودين عند نزول الآية، فإن إجماع من وراءهم ليس إجماع ~~جميع المؤمنين وكل الأمة، ويلزم أن لا يعتد بخلاف من أسلم بعد نزول الآية ~~وكملت آلته بعد ذلك، وقد أجمعنا وإياهم والصحابة على أن موت واحد من ~~الصحابة لا يحسم باب الاجماع، بل إجماع الصحابة بعد النبي (ص) حجة ~~بالاتفاق، وكم من صحابي استشهد في حياة رسول الله (ص) بعد نزول الآية. ~~الشبهة الثانية: أن الواجب اتباع سبيل جميع المؤمنين وإجماع جميع الأمة، ~~وليس التابعون جميع الأمة، فإن الصحابة وإن ماتوا لم يخرجوا بموتهم عن ~~الأمة، ولذلك لو خالف واحد من الصحابة إجماع التابعين لا يكون قول جميع ~~الأمة، ولا يحرم الاخذ بقول الصحابي، فإذا كان خلاف بعض الصحابة يدفع ms231 إجماع ~~التابعين، فعدم وفاقهم أيضا يدفع، لانهم بالموت لم يخرجوا عن كونهم من ~~الأمة، قالوا: وقياس هذا يقتضي أن لا يثبت وصف الكلية أيضا للصحابة، بل ~~ينتظر لحوق التابعين وموافقتهم من بعدهم إلى القيامة، فإنهم كل الأمة، لكن ~~لو اعتبر ذلك لم ينتفع بالاجماع إلا في القيامة، فثبت أن وصف الكلية إنما ~~هو لمن دخل في الوجود دون من لم يدخل، فلا سبيل إلى إخراج الصحابة من ~~الجملة، وعند ذلك لا يثبت وصف كلية الأمة للتابعين؟ والجواب أنه كما بطل ~~على القطع الالتفات إلى اللاحقين بطل الالتفات إلى الماضين، ولولا ذلك لما ~~تصور إجماع بعد موت واحد من المسلمين في زمان الصحابة، والتابعين، ولا بعد ~~أن استشهد حمزة، وقد اعترفوا بصحة إجماع PageV00P149 # الصحابة بعد رسول الله (ص) وبعد موت من مات بعد رسول الله (ص)، وليس ذلك ~~إلا لان الماضي لا يعتبر، والمستقبل لا ينتظر وأن وصف كلية الأمة حاصل لكل ~~من الموجودين في كل وقت، وأما إجماع التابعين على خلاف قول واحد من ~~الصحابة، فقد قال قوم: يصير قول الصحابي مهجورا لانهم كل الأمة، وإن سلمنا ~~وهو الصحيح فنقول: # إن اتفقوا على وفق قوله انعقد الاجماع، إذ موافقته إن لم تقو الاجماع فلا ~~تقدح فيه، وإن أجمعوا على خلاف قوله فلا يصير ذلك القول عندنا مهجورا حتى ~~يحرم على تابعي التابعين موافقته، لأنه بعد أن أفتى في المسألة فليس فتوى ~~التابعين فيها فتوى جميع الأمة، بل فتوى البعض، فإن قيل إن ثبت نعت الكلية ~~للتابعين فليكن خلاف قولهم بعدهم حراما، وإن قال به صحابي قبلهم، وإن لم ~~يكونوا كل الأمة، فينبغي أن لا تقوم الحجة بإجماعهم، ولا يحرم خلافهم، إذ ~~خلاف بعض الأمة ليس بحرام، أما أن تكون كلية الأمة في شئ دون شئ فهذا ~~متناقض، وجمع بين النفي والاثبات؟ قلنا: ليس بمتناقض، لان الكلية إنما تثبت ~~بالإضافة إلى المسألة التي خاضوا فيها، فإذا نزلت مسألة بعد الصحابة ~~فالتابعون فيها كل الأمة إذا أجمعوا فيها، أما ما أفتى فيها ms232 الصحابي ففتواه ~~ومذهبه لا ينقطع بموته، وهذا كالصحابي إذا مات بعد الفتوى، وأجمع الباقون ~~على خلافه، لا يكون ذلك إجماعا من الأمة، ولو مات ثم نزلت واقعة بعده انعقد ~~الاجماع على كل مذهب، وتكون الكلية حاصلة بالإضافة، فإن قيل: إن كان في ~~الأمة غائب لا ينعقد الاجماع دونه، وإن لم يكن لذلك الغائب خبر من الواقعة، ~~ولا فتوى فيها، لكن نقول: لو كان حاضرا لكان له قول فيها، فلا بد من ~~موافقته، فليكن الميت قبل التابعين كالغائب؟ قلنا: يبطل بالميت الأول من ~~الصحابة، فإن الاجماع انعقد دونه، ولو كان غائبا لم ينعقد، لان الغائب في ~~الحال ذو مذهب ورأي بالقوة فتمكن موافقته، ومخالفته، فيحتمل أن يوافق أو ~~يخالف إذا عرضت المسألة عليه، بخلاف الميت، فإنه لا يتصور في حقه خلاف أو ~~وفاق، لا بالقوة ولا بالفعل، بل المجنون والمريض الزائل العقل والطفل لا ~~ينتظر لأنه بطل منه إمكان الوفاق والخلاف، فإن قيل: فما أجمع عليه التابعون ~~يندفع، بخلاف واحد من الصحابة إذا نقل، فإن لم ينقل فلعله خالف، ولكن لم ~~ينقل إلينا فلا يستيقن إجماع كل الأمة؟ قلنا: يبطل بالميت الأول من ~~الصحابة، فإن إمكان خلافه لا يكون كحقيقة خلافه، وهذا التحقيق، وهو أنه لو ~~فتح باب الاحتمال لبطلت الحجج، إذ ما من حكم إلا ويتصور تقدير نسخه وانفراد ~~الواحد بنقله، وموته قبل أن ينقل إلينا فيبطل إجماع الصحابة، لاحتمال أن ~~واحدا منهم أضمر المخالفة، وإنما أظهر الموافقة لسبب، ويرد خبر الواحد ~~لاحتمال أن يكون كاذبا، وإذا عرف الاجماع وانقرض العصر أمكن رجوع واحد منهم ~~قبل الموت، وإن لم ينقل إلينا فيبطل الاجماع على مذهب من يشترط انقراض ~~العصر، فإن قيل: إن الأصل عدم النسخ وعدم الرجوع؟ قلنا: والأصل عدم خوضه في ~~الواقعة، وعدم الخلاف والوفاق جميعا، ومع أن الأصل العدم، فالاحتمال لا ~~ينتفي، وإذا ثبت الاحتمال حصل الشك فيصير الاجماع غير مستيقن مع الشك، ولكن ~~يقال: لا يندفع الاجماع بكل شك، فإن قيل في مسألة تجويز النسخ وتجويز ~~الرجوع ms233 شك بعد استيقان أصل الحجة، وإنما PageV00P150 # الشك في دوامها، وهاهنا الشك في أصل الاجماع، لان الاجماع موقوف على حصول ~~نعت الكلية لهم، ونعت الكلية موقوف على معرفة انتفاء الخلاف، فإذا شككنا في ~~انتفاء الخلاف شككنا في الكلية فشككنا في الاجماع؟ قلنا: لا بل نعت الكلية ~~حاصل للتابعين، وإنما ينتفي بمعرفة الخلاف فإذا لم يعرف بقيت الكلية، وما ~~ذكروه يضاهي قول القائل: الحجة في نص مات الرسول عليه السلام قبل نسخه، ~~فإذا لم يعرف موته قبل نسخه شككنا في الحجة، والحجة الاجماع المنقرض عليه ~~العصر فإذا شككنا في الرجوع فقد شككنا في الحجة، وكذلك القول في قول الميت ~~الأول من الصحابة، فإنا لا نقول: صار كلية الباقين مشكوكا فيها، هذا تمام ~~الكلام في الركن الأول. # الركن الثاني: في نفس الاجماع ونعني به اتفاق فتاوى الأمة في المسألة في ~~لحظة واحدة انقرض عليه العصر أو لم ينقرض، أفتوا عن اجتهاد أو عن نص، مهما ~~كانت الفتوى نطقا صريحا، وتمام النظر في هذا الركن ببيان أن السكوت ليس ~~كالنطق وأن انقراض العصر ليس بشرط، وأن الاجماع قد ينعقد عن اجتهاد فهذه ~~ثلاث مسائل: # - مسألة (الاجماع السكوتي) إذا أفتى بعض الصحابة بفتوى وسكت الآخرون لم ~~ينعقد الاجماع، ولا ينسب إلى ساكت قول، وقال قوم: إذا انتشر وسكتوا فسكوتهم ~~كالنطق حتى يتم به الاجماع، وشرط قوم انقراض العصر على السكوت، وقال قوم: ~~هو حجة وليس بإجماع، وقال قوم: # ليس بحجة ولا إجماع، ولكنه دليل تجويزهم الاجتهاد في المسألة، والمختار ~~أنه ليس بإجماع ولا حجة، ولا هو دليل على تجويز الاجتهاد في المسألة، إلا ~~إذا دلت قرائن الأحوال على أنهم سكتوا مضمرين الرضا، وجواز الاخذ به عند ~~السكوت، والدليل عليه أن فتواه، إنما تعلم بقوله الصريح الذي لا يتطرق إليه ~~احتمال وتردد، والسكوت متردد، فقد يسكت من غير إضمار الرضا لسبعة أسباب: ~~الأول: أن يكون في باطنه مانع من إظهار القول، ونحن لا نطلع عليه، وقد تظهر ~~قرائن السخط عليه مع سكوته. الثاني: أن يسكت لأنه ms234 يراه قولا سائغا لمن أداه ~~إليه اجتهاده، وإن لم يكن هو موافقا عليه، بل كان يعتقد خطأه. الثالث: أن ~~يعتقد أن كل مجتهد مصيب فلا يرى الانكار في المجتهدات أصلا، ولا يرى الجواب ~~إلا فرض كفاية، فإذا كفاه من هو مصيب سكت وإن خالف اجتهاده. الرابع: أن ~~يسكت وهو منكر لكن ينتظر فرصة الانكار، ولا يرى البدار مصلحة لعارض من ~~العوارض ينتظر زواله ثم يموت قبل زوال ذلك العارض أو يشتغل عنه. الخامس: أن ~~يعلم أنه لو أنكر لم يلتفت إليه وناله ذل وهوان كما قال ابن عباس في سكوته ~~عن إنكار العول في حياة عمر كان رجلا مهيبا فهبته. السادس: أن يسكت، لأنه ~~متوقف في المسألة، لأنه بعد في مهلة النظر. السابع: أن يسكت لظنه أن غيره ~~قد كفاه الانكار، وأغناه عن الاظهار، ثم يكون قد غلط فيه، فترك الانكار عن ~~توهم، إذا رأى الانكار فرض كفاية وظن أنه قد كفى، وهو مخطئ في وهمه، فإن ~~قيل: لو كان فيه خلاف لظهر؟ # قلنا: لو كان فيه وفاق لظهر، فإن تصور عارض يمنع من ظهور الوفاق تصور ~~مثله في ظهور الخلاف. وبهذا يبطل قول الجبائي حيث شرط انقراض العصر في ~~السكوت إذ من العوارض المذكورة ما يدوم إلى آخر العصر، أما من قال هو حجة ~~وإن لم يكن إجماعا فهو PageV00P151 # تحكم، لأنه قول بعض الأمة والعصمة إنما تثبت للكل فقط، فإن قيل: نعلم ~~قطعا أن التابعين كانوا إذا أشكل عليهم مسألة، فنقل إليهم مذهب بعض الصحابة ~~مع انتشاره وسكوت الباقين كانوا لا يجوزون العدول عنه، فهو إجماع منهم على ~~كونه حجة، قلنا: هذا إجماع غير مسلم، بل لم يزل العلماء مختلفين في هذه ~~المسألة، ويعلم المحصلون أن السكوت متردد، وأن قول بعض الأمة لا حجة فيه. # مسألة (انعقاد الاجماع باتفاق الأمة) إذا اتفقت كلمة الأمة ولو في لحظة ~~انعقد الاجماع، ووجبت عصمتهم عن الخطأ، وقال قوم: لا بد من انقراض العصر ~~وموت الجميع، وهذا فاسد، لان الحجة في اتفاقهم لا ms235 في موتهم، وقد حصل قبل ~~الموت، فلا يزيده الموت تأكيدا، وحجة الاجماع الآية والخبر، وذلك لا يوجب ~~اعتبار العصر، فإن قيل: ما داموا في الاحياء فرجوعهم متوقع وفتواهم غير ~~مستقرة، قلنا: والكلام في رجوعهم، فإنا لا نجوز الرجوع من جميعهم، إذ يكون ~~أحد الاجماعين خطأ، وهو محال، أما بعضهم فلا يحل له الرجوع، لأنه برجوعه ~~خالف إجماع الأمة التي وجبت عصمتها عن الخطأ، نعم يمكن أن يقع الرجوع من ~~بعضهم ويكون به عاصيا فاسقا، والمعصية تجوز على بعض الأمة، ولا تجوز على ~~الجميع، فإن قيل: كيف يكون مخالفا للاجماع وبعد ما تم الاجماع، وإنما يتم ~~بانقراض العصر؟ قلنا: إن عنيتم به أنه لا يسمى إجماعا فهو بهت على اللغة ~~والعرف، وإن عنيتم أن حقيقته لم تتحقق فما حده، وما الاجماع إلا اتفاق ~~فتاويهم، والاتفاق قد حصل، وما بعد ذلك استدامة للاتفاق لا إتمام للاتفاق، ~~ثم نقول: كيف يدعي ذلك ونحن نعلم أن التابعين في زمان بقاء أنس بن مالك ~~وأواخر الصحابة كانوا يحتجون بإجماع الصحابة؟ ولم يكن جواز الاحتجاج ~~بالاجماع مؤقتا بموت آخر الصحابة، ولهذا قال بعضهم: يكفي موت الأكثر، وهو ~~تحكم آخر لا مستند له، ثم نقول: # هذا يؤدي إلى تعذر الاجماع، فإنه إن بقي واحد من الصحابة جاز للتابعي أن ~~يخالف إذ لم يتم الاجماع، وما دام واحد من عصر التابعين أيضا لا يستقر ~~الاجماع منهم، فيجوز لتابعي الخلاف، وهذا خبط لا أصل له، ولهم شبه: # الشبهة الأولى: قولهم إنه: ربما قال بعضهم ما قاله عن وهم وغلط، فيتنبه ~~له، فكيف يحجر عليه في الرجوع عن الغلط، وكيف يؤمن ذلك باتفاق يجري في ساعة ~~واحدة؟ قلنا: # وبأن يموت من أين يحصل أمان من غلطه، وهل يؤمن من الغلط إلا دلالة النص ~~على وجوب عصمة الأمة، وأما إذا رجع وقال: تبينت أني غلطت فنقول: إنما يتوهم ~~عليك الغلط إذا انفردت، وأما ما قلته في موافقة الأمة فلا يحتمل الخطأ، فإن ~~قال: تحققت أني قلت ما قلته عن دليل كذا، ms236 وقد انكشف لي خلافه قطعا فنقول: ~~إنما أخطأت في الطريق لا في نفس المسألة، بل موافقة الأمة تدل على أن الحكم ~~حق، وإن كنت في طريق الاستدلال مخطئا. # الشبهة الثانية: إنهم ربما قالوا عن اجتهاد وظن، ولا حجر على المجتهد إذا ~~تغير اجتهاده أن يرجع، وإذا جاز الرجوع دل أن الاجماع لم يتم؟ قلنا: لا حجر ~~على المجتهد في الرجوع إذا انفرد باجتهاده، أما ما وافق فيه اجتهاده اجتهاد ~~الأمة فلا يجوز الخطأ فيه ويجب كونه حقا والرجوع عن الحق ممنوع. ~~PageV00P152 # الشبهة الثالثة: أنه لو مات المخالف لم تصر المسألة إجماعا بموته، ~~والباقون هم كل الأمة، لكنهم في بعض العصر، فلذلك لا يصير مذهب المخالف ~~مهجورا، فإن كان العصر لا يعتبر فليبطل مذهب المخالف، قلنا: قال قوم: يبطل ~~مذهبه ويصير مهجورا، لان الباقين هم كل الأمة في ذلك الوقت، وهو غير صحيح ~~عندنا بل الصحيح، أنهم ليسوا كل الأمة بالإضافة إلى تلك المسألة التي أفتى ~~فيها الميت، فإن فتواه لا ينقطع حكمها بموته، وليس هذا للعصر، فإنه جار في ~~الصحابي الواحد إذا قال قولا وأجمع التابعون في جميع عصرهم على خلافه، فقد ~~بينا أنه لا يبطل مذهبه، لانهم ليسوا كل الأمة بالإضافة إلى هذه المسألة. # الشبهة الرابعة: ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: اجتمع رأيي ورأي ~~عمر على منع بيع أمهات الأولاد، وأنا الآن أرى بيعهن، فقال عبيدة السلماني: ~~رأيك في الجماعة أحب إلينا من رأيك في الفرقة، قلنا: لو صح إجماع الصحابة ~~قاطبة لما كان هذا يدل من مذهب علي على اشتراط انقراض العصر، ولو ذهب إلى ~~هذا صريحا لم يجب تقليده، كيف ولم يجتمع إلا رأيه ورأي عمر كما قال، وأما ~~قول عبيدة: رأيك في الجماعة، ما أراد به موافقة الجماعة إجماعا، وإنما أراد ~~به أن رأيك في زمان الألفة والجماعة، والاتفاق والطاعة للامام أحب إلينا من ~~رأيك في الفتنة والفرقة وتفرق الكلمة وتطرق التهمة إلى علي في البراءة من ~~الشيخين رضي الله عنهم فلا ms237 حجة فيما ليس صريحا في نفسه. # - مسألة (كيفية انعقاد الاجماع) يجوز انعقاد الاجماع عن اجتهاد وقياس ~~ويكون حجة، وقال قوم الخلق الكثير لا يتصور اتفاقهم في مظنة الظن، ولو تصور ~~لكان حجة، وإليه ذهب ابن جرير الطبري، وقال قوم، هو متصور وليس بحجة، لان ~~القول بالاجتهاد يفتح باب الاجتهاد ولا يحرمه، والمختار أنه متصور وأنه ~~حجة، وقولهم أن الخلق الكثير كيف يتفقون على حكم واحد في مظنة الظن؟ قلنا: ~~هذا إنما يستنكر فيما يتساوى فيه الاحتمال، وأما الظن الأغلب فيميل إليه كل ~~واحد، فأي بعد في أن يتفقوا على أن النبيذ في معنى الخمر في الاسكار، فهو ~~في معناه في التحريم، كيف وأكثر الاجماعات مستندة إلى عمومات وظواهر وأخبار ~~آحاد صحت عند المحدثين، والاحتمال يتطرق إليها، كيف وقد أجمعوا على التوحيد ~~والنبوة، وفيهما من الشبهة ما هو أعظم جذبا لأكثر الطباع من الاحتمال الذي ~~في مقابلة الظن الاظهر، وقد أجمعت على إبطال النبوة مذاهب باطلة ليس لها ~~دليل قطعي ولا ظني، فكيف لا يجوز الاتفاق على دليل ظاهر وظن غالب، ويدل ~~عليه جواز الاتفاق عن اجتهاد لا بطريق القياس، كالاتفاق على جزاء الصيد، ~~ومقدار أرش الجناية، وتقدير النفقة، وعدالة الأئمة والقضاة، وكل ذلك مظنون ~~وإن لم يكن قياسا. ولهم شبه: # الأولى: قولهم: كيف تتفق الأمة على اختلاف طباعها وتفاوت أفهامها في ~~الذكاء والبلادة على مظنون؟ قلنا: إنما يمتنع مثل هذا الاتفاق في زمان واحد ~~وساعة معينة، لانهم في مهلة النظر قد يختلفون، أما في أزمنة متمادية فلا ~~يبعد أن يسبق الأذكياء إلى الدلالة الظاهرة، ويقررون ذلك عند ذوي البلادة، ~~فيقبلونه منهم ويساعدون عليه، وأهل هذا المذهب قد جوزوا الاجماع على نفي ~~القياس وإبطاله، مع ظهور أدلة صحته، فكيف يمتنع الاجماع على هذا. ~~PageV00P153 # الشبهة الثانية: قولهم: كيف تجتمع الأمة على قياس، وأصل القياس مختلف ~~فيه؟ قلنا: # إنما يفرض ذلك من الصحابة، وهم متفقون عليه، والخلاف حدث بعدهم وإن فرض ~~بعد حدوث الخلاف فيستند القائلون بالقياس إلى القياس والمنكرون له إلى ~~اجتهاد ms238 ظنوا أنه ليس بقياس، وهو على التحقيق قياس، إذ قد يتوهم غير العموم ~~عموما، وغير الامر أمرا، وغير القياس قياسا، وكذا عكسه. # الشبهة الثالثة: قولهم إن الخطأ في الاجتهاد جائز، فكيف تجتمع الأمة على ~~ما يجوز فيه الخطأ، وربما قالوا: الاجماع منعقد على جواز مخالفة المجتهد، ~~فلو انعقد الاجماع عن قياس لحرمت المخالفة التي هي جائز بالاجماع، ولتناقض ~~الاجماعان؟ قلنا: إنما يجوز الخطأ في اجتهاد ينفرد به الآحاد، أما اجتهاد ~~الأمة المعصومة فلا يحتمل الخطأ كاجتهاد رسول الله (ص) وقياسه، فإنه لا ~~يجوز خلافه لثبوت عصمته، فكذا عصمة الأمة من غير فرق. # الباب الثالث في حكم الاجماع وحكمه وجوب الاتباع وتحريم المخالفة، ~~والامتناع عن كل ما ينسب الأمة إلى تضييع الحق، والنظر فيما هو خرق ~~ومخالفة، وما ليس بمخالفة يتهذب برسم مسائل: # - مسألة (الاجماع على رأيين) إذا اجتمعت الأمة في المسألة على قولين ~~كحكمهم، مثلا في الجارية المشتراة إذا وطئها المشتري ثم وجد بها عيبا، فقد ~~ذهب بعضهم إلى أنها ترد مع العقر وذهب بعضهم إلى منع الرد، فلو اتفقوا على ~~هذين المذهبين كان المصير إلى الرد مجانا خرقا للاجماع عند الجماهير، إلا ~~عند شذوذ من أهل الظاهر والشافعي إنما ذهب إلى الرد مجانا لان الصحابة ~~بجملتهم لم يخوضوا في المسألة وإنما نقل فيها مذهب بعضهم، فلو خاضوا فيها ~~بجملتهم واستقر رأي جميعهم على مذهبين لم يجز إحداث مذهب ثالث، ودليله أنه ~~يوجب نسبة الأمة إلى تضييع الحق، إذ لا بد لمذهب الثالث من دليل، ولا بد من ~~نسبة الأمة إلى تضييعه والغفلة عنه، وذلك محال، ولهم شبه: # الشبهة الأولى: قولهم: إنهم خاضوا خوض مجتهدين، ولم يصرحوا بتحريم قول ~~ثالث؟ قلنا: وإذا اتفقوا على قول واحد عن اجتهاد فهو كذلك، ولم يجز خلافهم ~~لأنه يوجب نسبتهم إلى تضييع الحق والغفلة عن دليله فكذلك هاهنا. # الشبهة الثانية: قولهم إنه لو استدل الصحابة بدليل أو علة لجاز الاستدلال ~~بعلة أخرى، لانهم لم يصرحوا ببطلانها فكذلك القول الثالث لم يصرحوا ~~ببطلانه؟ قلنا: فليجز ms239 خلافهم إذا اتفقوا عن اجتهاد، إذ يجوز التعليل بعلة ~~أخرى فيما اتفقوا عليه، لكن الجواب أنه ليس من فرض دينهم الاطلاع على جميع ~~الأدلة، بل يكفيهم معرفة الحق بدليل واحد، فليس في إحداث علة أخرى ~~واستنباطها نسبة إلى تضييع الحق، وفي مخالفتهم في الحكم إذا اتفقوا نسبة ~~إلى التضييع، فكذلك إذا اختلفوا على قولين. # الشبهة الثالثة: إنه لو ذهب بعض الصحابة إلى أن اللمس والمس ينقضان ~~الوضوء وبعضهم إلى أنهما لا ينقضان الوضوء، ولم يفرق واحد بينهما، فقال ~~تابعي: ينقض أحدهما PageV00P154 # دون الآخر، كان هذا جائزا وإن كان قولا ثالثا قلنا: لان حكمه في كل مسألة ~~يوافق مذهب طائفة وليس في المسألتين حكم واحد، وليست التسوية مقصودة، ولو ~~قصدوها وقالوا لا فرق واتفقوا عليه لم يجز الفرق، وإذا فرقوا بين المسألتين ~~واتفقوا على الفرق قصدا امتنع الجمع، أما إذا لم يجمعوا ولم يفرقوا فلا ~~يلتئم حكم واحد من مسألتين، بل نقول صريحا لا يخلو إنسان عن معصية وخطأ في ~~مسألة، فالأمة مجتمعة على المعصية والخطأ وكل ذلك ليس بمحال إنما يستحيل ~~الخطأ بحيث يضيع الحق حتى لا يقوم به طائفة مع قوله عليه السلام: لا تزال ~~طائفة من أمتي على الحق فلهذا نقول: يجوز أن تنقسم الأمة في مسألتين إلى ~~فرقتين وتخطئ فرقة في مسألة، والفرقة الأخرى تقوم بالحق فيها، والقائمون ~~بالحق يخطئون في المسألة الأخرى، ويقوم بالحق فيها المخطئون في المسألة ~~الأولى حتى يقول مثلا أحد شطري الأمة: القياس ليس بحجة والخوارج مبطلون، ~~ويقول فريق آخر القياس حجة والخوارج محقون، فيشملهم الخطأ، ولكن في ~~مسألتين، فلا يكون الحق في مسألتين مضيعا بين الأمة في كل واحد منهما. # الشبهة الرابعة: إن مسروقا أحدث في مسألة الحرام قولا ثالثا ولم ينكر ~~عليه منكر، قلنا: لم يثبت استقرار كافة الصحابة على رأيين في مسألة الحرام ~~بل ربما كان بعضهم فيها في مهلة النظر أو لم يخض فيها، أو لعل مسروقا خالف ~~الصحابة في ذلك الوقت ولم ينطق بوفاقهم وكان أهلا للاجتهاد في ms240 وقت وقوع هذه ~~المسألة، كيف ولم يصح هذا عن مسروق إلا بإخبار الآحاد، فلا يدفع بها ما ~~ذكرنا. # مسألة (خلاف القليل للاجماع) إذا خالف واحد من الأمة أو اثنان لم ينعقد ~~الاجماع دونه، فلو مات لم تصر المسألة إجماعا، خلافا لبعضهم، ودليلنا أن ~~المحرم مخالفة الأمة كافة، ومن ذهب إلى مذهب الميت بعد عصره لا يمكن أن ~~يقال مذهبه خلاف كافة الأمة، لان الميت من الأمة لا ينقطع مذهبه بموته، ~~ولذلك يقال: فلان وافق الشافعي أو خالفه، وذلك بعد موت الشافعي، فمذهب ~~الميت لا يصير مهجورا بموته، ولو صار مهجورا لصار مذهب الجميع كالمنعدم عند ~~موتهم، حتى يجوز لمن بعدهم أن يخالفهم، فإن قيل: فلو مات في مهلة النظر وهو ~~بعد متوقف فماذا تقولون فيه؟ قلنا: نقطع في طرفين واضحين إحداهما: أن يموت ~~قبل الخوض في المسألة وقبل أن تعرض عليه، فالباقون بعده كل الأمة، وإن خاض ~~وأفتى فالباقون بعض الأمة، وإن مات في مهلة النظر فهذا محتمل، فإنه كما لم ~~يخالفهم لم يوافقهم أيضا، بل المتوقف مخالف للجازم، لكنه بصدد الموافقة ~~فهذه المسألة محتملة عندنا والله أعلم. # - مسألة (إجماع التابعين على أحد قولي الصحابة) إذا اتفق التابعون على ~~أحد قولي الصحابة لم يصر القول الآخر مهجورا، ولم يكن الذاهب إليه خارقا ~~للاجماع، خلافا للكرخي وجماعة من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وكثير من ~~القدرية، كالجبائي وابنه، لأنه ليس مخالفا لجميع الأمة، فإن الذين ماتوا ~~على ذلك المذهب هم من الأمة، والتابعون في تلك المسألة بعض الأمة، وإن ~~كانوا كل الأمة، فمذهبهم باختيار أحد القولين لا يحرم القول الآخر، فإن ~~صرحوا بتحريم القول الآخر فنحن بين أمرين: إما أن نقول هذا محال وقوعه لأنه ~~يؤدي إلى تناقض الاجماعين، إذ مضت الصحابة PageV00P155 # مصرحة بتجويز الخلاف، وهؤلاء اتفقوا على تحريم ما سوغوه، وإما أن نقول أن ~~ذلك ممكن، ولكنهم بعض الأمة في هذه المسألة، والمعصية من بعض الأمة جائزة، ~~وإن كانوا كل الأمة في كل مسألة لم يخض الصحابة فيها، لكن هذا يخالف ms241 قوله ~~(ص): لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين إذ يكون الحق قد ضاع في هذا ~~الزمان، فلعل من يميل إلى هذا المذهب يجعل الحديث من أخبار الآحاد، فإن ~~قيل: بم تنكرون على من يقول هذا إجماع يجب اتباعه، وأما الصحابة فقد اتفقوا ~~على قولين: بشرط أن لا يعثر من بعدهم على دليل يعين الحق في أحدهما: قلنا: ~~هذا تحكم واختراع عليهم، فإنهم لم يشترطوا هذا الشرط والاجماع حجة قاطعة، ~~فلا يمكن الشرط في الحجة القاطعة، إذ يتطرق الاحتمال إليه ويخرج عن كونه ~~قاطعا، ولو جاز هذا لجاز أن يقال: إذا أجمعوا على قول واحد عن اجتهاد فقد ~~اتفقوا بشرط أن لا يعثر من بعدهم على دليل يعين الحق في خلافه، وقد مضت ~~الصحابة متفقة على تسويغ كل واحد من القولين فلا يجوز خرق إجماعهم. # - مسألة (الرجوع إلى أحد الرأيين) إذا اختلفت الأمة على قولين ثم رجعوا ~~إلى قول واحد صار ما اتفقوا عليه إجماعا قاطعا عند من شرط انقراض العصر، ~~ويخلص من الاشكال، أما نحن إذا لم نشترط فالاجماع الأول ولو في لحظة قد تم ~~على تسويغ الخلاف: فإذا رجعوا إلى أحد القولين فلا يمكننا في هذه الصورة أن ~~نقول هم بعض الأمة في هذه المسألة كما ذكرناه في اتفاق التابعين على أحد ~~قولي الصحابة، فيعظم الاشكال، وطرق الخلاص عنه خمسة: أحدها: أن نقول هذا ~~محال وقوعه، وهو كفرض إجماعهم على شئ ثم رجوعهم بأجمعهم إلى خلافه، أو ~~اتفاق التابعين على خلافه والشارطون لانقراض العصر يتخذون هذه المسألة عمدة ~~لهم ويقولون مثلا إذا اختلفوا في مسألة النكاح بلا ولي فمن ذهب إلى بطلانه ~~جاز له أن يصر عليه فلم لا يجوز للآخرين أن يوافقوه مهما ظهر لهم دليل ~~البطلان، وكيف يحجز على المجتهد إذا تغير اجتهاده أن يوافق مخالفه؟ قلنا: ~~هذا استبعاد محض، ونحن نحيل ذلك لأنه يؤدي إلى تناقض الاجماعين، فإن ~~الاجماع الأول قد دل على تسويغ الخلاف، وعلى إيجاب التقليد على كل عامي لمن ~~شاء من ms242 المجتهدين، ولا يكون الاتفاق على تسويغ ذلك إلا عن دليل قاطع أو ~~كالقاطع في تجويزه، وكيف يتصور رفعه وإحالة وقوع هذا التناقض في الاجماعين ~~أقرب من التحكم باشتراط العصر، ثم يبقى الاشكال في اتفاق التابعين بعد ~~انقراض العصر الأول على اختلاف قولين، ثم لا خلاف في أنه يجوز الرجوع إلى ~~أحدهما في القطعيات، كما رجعوا إلى قتال المانعين للزكاة بعد الخلاف، وإلى ~~أن الأئمة من قريش، لان كل فريق يؤثم مخالفه، ولا يجوز مذهبه بخلاف ~~المجتهدات، فإن الخلاف فيها مقرون بتجويز الخلاف وتسويغ الاخذ بكل مذهب أدى ~~إليه الاجتهاد من المذهبين. والمخلص الثاني: اشتراط انقراض العصر، وهو مشكل ~~فإن اشتراطه تحكم. والمخلص الثالث: # اشتراط كون الاجماع مستندا إلى قاطع لا إلى قياس واجتهاد، فإن من شرط هذا ~~يقول لا يحصل من اختلافهم إجماع على جواز كل مذهب، بل ذلك أيضا مستند إلى ~~اجتهاد، فإذا رجعوا إلى واحد فالنظر إلى ما اتفقوا عليه لتعين الحق، بدليل ~~قاطع في أحد المذهبين، وهو PageV00P156 # مشكل لأنه لو فتح هذا الباب لم يكن التعلق بالاجماع، إذ ما من إجماع إلا ~~ويتصور أن يكون عن اجتهاد، فإذا انقسم الاجماع إلى ما هو حجة وإلى ما ليس ~~بحجة ولا فاصل سقط التمسك به، وخرج عن كونه حجة، فإنه إن ظهر لنا القاطع ~~الذي هو مستندهم فيكون الحكم مستقلا بذلك القاطع، ومستندا إليه لا إلى ~~الاجماع، ولان قوله عليه السلام: لا تجتمع أمتي على الخطأ لم يفرق بين ~~إجماع وإجماع، ولا يتخلص من هذا إلا من أنكر تصور الاجماع عن اجتهاد، وعند ~~ذلك يناقض آخر كلامه أوله حيث قال: اتفاقهم على تسويغ الخلاف مستنده ~~الاجتهاد. المخلص الرابع: أن يقال: النظر إلى الاتفاق الأخير فأما في ~~الابتداء فإنما جوز الخلاف بشرط أن لا ينعقد إجماع على تعيين الحق في واحد، ~~وهذا مشكل فإنه زيادة شرط في الاجماع والحجج القاطعة لا تقبل الشرط الذي ~~يمكن أن يكون وأن لا يكون، ولو جاز هذا لجاز أن يقال: الاجماع الثاني ليس ~~بحجة، ms243 بل إنما يكون حجة بشرط أن لا يكون اتفاقا بعد اختلاف، وهذا أولى لأنه ~~يقطع عن الاجماع الشرط المحتمل. المخلص الخامس: هذا، وهو أن الأخير ليس ~~بحجة، ولا يحرم القول المهجور، لان الاجماع إنما يكون حجة بشرط أن لا يتقدم ~~اختلاف، فإذا تقدم لم يكن حجة، وهذا أيضا مشكل، لان قوله عليه السلام: لا ~~تجتمع أمتي على الخطأ يحسم باب الشرط، ويوجب كون كل إجماع حجة كيف ما كان، ~~فيكون كل واحد من الاجماعين حجة، ويتناقض، فلعل الأولى الطريق الأول، وهو ~~أن هذا لا يتصور، لأنه يؤدي إلى التناقض، وتصويره كتصوير رجوع أهل الاجماع ~~عما أجمعوا عليه، وكتصوير اتفاق التابعين على خلاف إجماع الصحابة، وذلك مما ~~يمتنع وقوعه بدليل السمع فكذلك هذا، فإن قيل: فإذا ذهب جميع الأمة من ~~الصحابة إلى العول إلا ابن عباس وإلى منع بيع أمهات الأولاد إلا عليا، فإذا ~~ظهر لهما الدليل على العول وعلى منع البيع فلم يحرم عليهما الرجوع إلى ~~موافقة سائر الأمة، وكيف يستحيل أن يظهر لهما ما ظهر للأمة، ومذهبكم يؤدي ~~إلى هذه الإحالة عند سلوك الطريق الأول؟ قلنا: لا إشكال على الطريق الأول ~~إلا هذا، وسبيل قطعه أن يقال: لا يحرم عليهما الرجوع لو ظهر لهما وجه ذلك، ~~ولكنا نقول: # يستحيل أن يظهر لهما وجه أو يرجعا لا لامتناعه في ذاته، لكن لافضائه إلى ~~ما هو ممتنع سمعا، والشئ تارة يمتنع لذاته وتارة لغيره، كاتفاق التابعين ~~على إبطال القياس وخبر الواحد، فإنه محال لا لذاته، لكن لافضائه إلى تخطئة ~~الصحابة أو تخطئة التابعين كافة، وهو ممتنع سمعا، والله أعلم. # مسألة (ظهور حديث يخالف إجماع الصحابة) فإن قال قائل إذا أجمعت الصحابة ~~على حكم ثم ذكر واحد منهم حديثا على خلافه ورواه، فإن رجعوا إليه كان ~~الاجماع الأول باطلا، وإن أصروا على خلاف الخبر فهو محال، لا سيما في حق من ~~يذكره تحقيقا، وإذا رجع هو كان مخالفا للاجماع، وإن لم يرجع كان مخالفا ~~للخبر، وهذا لا مخلص عنه إلا باعتبار انقراض ms244 العصر فليعتبر قلنا عنه ~~مخلصان: أحدهما: أن هذا فرض محال، فإن الله يعصم الأمة عن الاجماع على نقيض ~~الخبر، أو يعصم الراوي عن النسيان إلى أن يتم الاجماع. الثاني: أنا ننظر ~~إلى أهل الاجماع، فإن أصروا تبين أنه حق، وأن الخبر إما أن يكون غلط فيه ~~الراوي فسمعه من غير PageV00P157 # رسول الله (ص) وظن أنه سمعه من الرسول (ص) أو تطرق إليه نسخ لم يسمعه ~~الراوي وعرفه أهل الاجماع، وإن لم ينكشف لنا، فإن رجع الراوي كان مخطئا، ~~لأنه خالف الاجماع وهو حجة قاطعة، وإن رجع أهل الاجماع إلى الخبر قلنا: كان ~~ما أجمعوا عليه حقا في ذلك الزمان إذ لم يكلفهم الله ما لم يبلغهم، كما ~~يكون الحكم المنسوخ حقا قبل بلوغ النسخ، وكما لو تغير الاجتهاد أو يكون كل ~~واحد من الرأيين حقا عند من صوب قول كل مجتهد، فإن قيل: فإن جاز هذا فلم لا ~~يجوز أن يقال: إذا أجمعت الأمة عن اجتهاد جاز لمن بعدهم الخلاف، بل جاز لهم ~~الرجوع، فإن ما قالوه كان حقا ما دام ذلك الاجتهاد باقيا، فإذا تغير تغير ~~الفرض والكل حق، لا سيما إذا اختلفوا عن اجتهاد ثم رجعوا إلى قول واحد، ~~وهلا قلتم: إن ذلك جائز لانهم كانوا يجوزون للذاهب إلى إنكار العول وبيع أم ~~الولد القول به ما غلب ذلك على ظنه، فإذا تغير ظنه تغير فرضه وحرم عليه ما ~~كان سائغا له، ولا يكون هذا رفعا للاجماع بل تجويزا للمصير إلى مذهب بشرط ~~غلبة الظن، فإذا تغير الظن لم يكن مجوزا، ويكون هذا مخلصا سادسا في المسألة ~~التي قبل هذه المسألة؟ قلنا: ما أجمعوا عليه عن اجتهاد لا يجوز خلافه بعده، ~~لا لأنه حق فقط، لكن لأنه حق اجتمعت الأمة عليه، وقد أجمعت الأمة على أن كل ~~ما أجمعت الأمة عليه يحرم خلافه لا كالحق الذي يذهب إليه الآحاد، وأما إذا ~~اختلفوا عن اجتهاد فقد اتفقوا على جواز القول الثاني، فيصير جواز المصير ~~إليه أمرا متفقا عليه، ولا ms245 يجوز أن يقيد بشرط بقاء الاجتهاد، كما لو اتفقوا ~~على قول واحد بالاجتهاد، فإنه لا يشترط فيه أن لا يتغير الاجتهاد، بل يحرم ~~خلافه مطلقا من غير شرط، فكذلك هذا فإن قيل: فلو ظهر للتابعين ذلك الخبر ~~على خلاف ما أجمعت الصحابة عليه ونقله إليهم من كان حاضرا عند إجماع أهل ~~الحل والعقد، ولم يكن الراوي من أهل الحل والعقد؟ قلنا: يحرم على التابعين ~~موافقته ويجب عليه اتباع الاجماع القاطع فإن خبر الواحد يحتمل النسخ والسهو ~~والاجماع لا يحتمل ذلك. # - مسألة (هل يثبت الاجماع بخبر الواحد) الاجماع لا يثبت بخبر الواحد، ~~خلافا لبعض الفقهاء، والسر فيه أن الاجماع دليل قاطع يحكم به على الكتاب ~~والسنة المتواترة، وخبر الواحد، لا يقطع به فكيف يثبت به قاطع وليس يستحيل ~~التعبد به عقلا لو ورد كما ذكرناه في نسخ القرآن بخبر الواحد، لكن لم يرد، ~~فإن قيل: فليثبت في حق وجوب العمل به إن لم يكن العمل به مخالفا لكتاب ولا ~~سنة متواترة، إذ الاجماع كالنص في وجوب العمل، والعمل بما ينقله الراوي من ~~النص واجب، وإن لم يحصل القطع به لصحة النص، فكذا الاجماع؟ قلنا: إنما يثبت ~~العمل بخبر الواحد اقتداء بالصحابة وإجماعهم عليه، وذلك فيما روي عن رسول ~~الله (ص). أما ما روي عن الأمة من اتفاق أو إجماع، فلم يثبت فيه نقل ~~وإجماع، ولو أثبتناه لكان ذلك بالقياس، ولم يثبت لنا صحة القياس في إثبات ~~أصول الشريعة، هذا هو الاظهر، ولسنا نقطع ببطلان مذهب من يتمسك به في حق ~~العمل خاصة، والله أعلم. # - مسألة (ليست من الاجماع الاخذ بالأقل) الاخذ بأقل ما قيل ليس تمسكا ~~بالاجماع خلافا لبعض الفقهاء، ومثاله: إن الناس اختلفوا في دية اليهودي، ~~فقيل: إنها مثل دية المسلم، وقيل: إنها مثل نصفها، وقيل PageV00P158 # إنها ثلثها، فأخذ الشافعي بالثلث الذي هو الأقل، وظن ظانون أنه تمسك ~~بالاجماع، وهو سوء ظن بالشافعي رحمه الله، فإن المجمع عليه وجوب هذا القدر ~~فلا مخالف فيه، وإنما المختلف فيه سقوط الزيادة، ولا ms246 إجماع فيه، بل لو كان ~~الاجماع على الثلث إجماعا على سقوط الزيادة لكان موجب الزيادة خارقا ~~للاجماع، ولكان مذهبه باطلا على القطع، لكن الشافعي أوجب ما أجمعوا عليه، ~~وبحث عن مدارك الأدلة، فلم يصح عنده دليل على إيجاب الزيادة، فرجع إلى ~~استصحاب الحال في البراءة الأصلية التي يدل عليها العقل، فهو تمسك ~~بالاستصحاب، ودليل العقل لا بدليل الاجماع، كما سيأتي معناه إن شاء الله ~~تعالى، وهذا تمام الكلام في الاجماع الذي هو الأصل الثالث. # الأصل الرابع: دليل العقل والاستصحاب اعلم أن الاحكام السمعية لا تدرك ~~بالعقل، لكن دل العقل على براءة الذمة عن الواجبات، وسقوط الحرج عن الخلق ~~في الحركات والسكنات قبل بعثة الرسل عليهم السلام وتأييدهم بالمعجزات، ~~وانتفاء الاحكام معلوم بدليل العقل قبل ورود السمع، ونحن على استصحاب ذلك ~~إلى أن يرد السمع، فإذا ورد نبي وأوجب خمس صلوات فتبقى الصلاة السادسة غير ~~واجبة، لا بتصريح النبي بنفيها لكن كان وجوبها منتفيا، إذ لا مثبت للوجوب ~~فبقي على النفي الأصلي لان نطقه بالايجاب قاصر على الخمسة، فبقي على النفي ~~في حق السادسة، وكأن السمع لم يرد، وكذلك إذا أوجب صوم رمضان بقي صوم شوال ~~على النفي الأصلي، وإذا أوجب عبادة في وقت بقيت الذمة بعد انقضاء الوقت على ~~البراءة الأصلية، وإذا أوجب على القادر بقي العاجز على ما كان عليه، فإذا ~~النظر في الاحكام إما أن يكون في إثباتها أو في نفيها، أما إثباتها فالعقل ~~قاصر عن الدلالة عليه، وأم النفي فالعقل قد دل عليه إلى أن يرد الدليل ~~السمعي بالمعنى الناقل من النفي الأصلي، فانتهض دليلا على أحد الشطرين وهو ~~النفي، فإن قيل: إذا كان العقل دليلا بشرط أن لا يرد سمع فبعد بعثة الرسل ~~ووضع الشرع لا يعلم نفي السمع، فلا يكون انتفاء الحكم معلوما، ومنتهاكم عدم ~~العلم بورود السمع وعدم العلم لا يكون حجة؟ قلنا: انتفاء الدليل السمعي قد ~~يعلم، وقد يظن، فإنا نعلم أنه لا دليل على وجوب صوم شوال، ولا على وجوب ~~صلاة سادسة، ms247 إذ نعلم أنه لو كان لنقل وانتشر ولما خفي على جميع الأمة، وهذا ~~علم بعدم الدليل، وليس هو عدم العلم بالدليل، فإن عدم العلم بالدليل ليس ~~بحجة، والعلم بعدم الدليل حجة أما الظن، فالمجتهد إذا بحث عن مدارك الأدلة ~~في وجوب الوتر والأضحية وأمثالهما فرآها ضعيفة ولم يظهر له دليل مع شدة ~~بحثه وعنايته بالبحث غلب على ظنه انتفاء الدليل، فنزل ذلك منزلة العلم في ~~حق العمل، لأنه ظن استند إلى بحث واجتهاد، وهو غاية الواجب على المجتهد، ~~فإن قيل: ولم يستحيل أن يكون واجبا ولا يكون عليه دليل، أو يكون عليه دليل ~~لم يبلغنا؟ قلنا: أما إيجاب ما لا دليل عليه فمحال، لأنه تكليف بما لا ~~يطاق، ولذلك نفينا الاحكام قبل ورود السمع، وأما إن كان عليه دليل ولم ~~يبلغنا فليس دليلا في حقنا، إذ لا تكليف علينا إلا فيما بلغنا، فإن قيل: # فيقدر كل عامي أن ينفي مستندا إلى أنه لم يبلغه الدليل؟ قلنا: هذا إنما ~~يجوز للباحث PageV00P159 # المجتهد المطلع على مدارك الأدلة القادر على الاستقصاء، كالذي يقدر على ~~التردد في بيته لطلب متاع إذا فتش وبالغ، أمكنه أن يقطع بنفي المتاع، أو ~~يدعي غلبة الظن، أما الأعمى الذي لا يعرف البيت ولا يبصر ما فيه فليس له أن ~~يدعي نفي المتاع من البيت، فإن قيل: وهل للاستصحاب معنى سوى ما ذكرتموه؟ ~~قلنا: يطلق الاستصحاب على أربعة أوجه يصح ثلاثة منها: الأول: ما ذكرناه. ~~والثاني: استصحاب العموم إلى أن يرد تخصيص واستصحاب النص إلى أن يرد نسخ، ~~أما العموم فهو دليل عند القائلين به، وأما النص فهو دليل على دوام الحكم ~~بشرط أن لا يرد نسخ، كما دل العقل على البراءة الأصلية، بشرط أن لا يرد سمع ~~مغير. # الثالث: استصحاب حكم دل الشرع على ثبوته ودوامه، كالملك عند جريان العقد ~~المملك وكشغل الذمة عند جريان إتلاف أو التزام، فإن هذا وإن لم يكن حكما ~~أصليا فهو حكم شرعي دل الشرع على ثبوته ودوامه جميعا ولولا دلالة الشرع على ms248 ~~دوامه إلى حصول براءة الذمة لما جاز استصحابه، فالاستصحاب ليس بحجة إلا ~~فيما دل الدليل على ثبوته ودوامه بشرط عدم المغير، كما دل على البراءة ~~العقل وعلى الشغل السمعي وعلى الملك الشرعي، ومن هذا القبيل الحكم بتكرر ~~اللزوم والوجوب إذا تكررت أسبابها، كتكرر شهر رمضان وأوقات الصلوات، ونفقات ~~الأقارب عند تكرر الحاجات، إذا أفهم انتصاب هذه المعاني أسبابا لهذه ~~الأحكام من أدلة الشرع إما بمجرد العموم عند القائلين به أو بالعموم وجملة ~~من القرائن عند الجميع، وتلك القرائن تكريرات وتأكيدات وإمارات عرف حملة ~~الشريعة قصد الشارع إلى نصبها أسبابا، إذا لم يمنع مانع، فلولا دلالة ~~الدليل على كونها أسبابا لم يجز استصحابها، فإذن الاستصحاب عبارة عن التمسك ~~بدليل عقلي أو شرعي، وليس راجعا إلى عدم العلم بالدليل، بل إلى دليل مع ~~العلم بانتفاء المغير أو مع ظن انتفاء المغير عند بذل الجهد في البحث ~~والطلب. الرابع: استصحاب الاجماع في محل الخلاف وهو غير صحيح ولنرسم فيه ~~وفي افتقار النافي إلى دليل مسألتين: # - مسألة (استصحاب الاجماع) لا حجة في استصحاب الاجماع في محل الخلاف ~~خلافا لبعض الفقهاء، ومثاله المتيمم إذا رأى الماء في خلال الصلاة مضى في ~~الصلاة، لان الاجماع منعقد على صحة صلاته ودوامها فطريان وجود الماء، ~~كطريان هبوب الريح، وطلوع الفجر، وسائر الحوادث، فنحن نستصحب دوام الصلاة ~~إلى أن يدل دليل على كون رؤية الماء قاطعا للصلاة، وهذا فاسد، لان هذا ~~المستصحب لا يخلو إما أن يقر بأنه لم يقم دليلا في المسألة لكن قال: أنا ~~ناف ولا دليل على النافي، وأما أن يظن أنه أقام دليلا، فإن أقر بأنه لم يدل ~~فسنبين وجوب الدليل على النافي، وإن ظن أنه أقام دليلا فقد أخطأ، فإنا ~~نقول: إنما يستدام الحكم الذي دل الدليل على دوامه، فالدليل على دوام ~~الصلاة ههنا لفظ الشارع أو إجماع، فإن كان لفظا فلا بد من بيان لذلك اللفظ، ~~فلعله يدل على دوامها عند العدم لا عند الوجود فإن دل بعمومه على دوامها ~~عند العدم والوجود ms249 جميعا، كان ذلك تمسكا بعموم عند القائلين به فيجب إظهار ~~دليل التخصيص، وإن كان ذلك بإجماع، فالاجماع منعقد على دوام الصلاة عند ~~العدم، أما حال الوجود فهو مختلف فيه، ولا إجماع مع الخلاف، ولو كان ~~الاجماع شاملا PageV00P160 # حال الوجود لكان المخالف خارقا للاجماع، كما أن المخالف في انقطاع الصلاة ~~عند هبوب الرياح وطلوع الفجر خارق للاجماع، لان الاجماع لم ينعقد مشروطا ~~بعدم الهبوب، وانعقد مشروطا بعدم الماء، فإذا وجد فلا إجماع فيجب أن يقاس ~~حال الوجود على حال العدم المجمع عليه بعلة جامعة، فأما أن يستصحب الاجماع ~~عند انتفاء الاجماع فهو محال، وهذا كما أن العقل دل على البراءة الأصلية ~~بشرط أن لا يدل دليل السمع، فلا يبقى له دلالة مع وجود دليل السمع، وههنا ~~انعقد الاجماع بشرط العدم، وانتفى الاجماع عند الوجوب أيضا فهذه الدقيقة ~~وهي أن كل دليل يضاد نفس الخلاف، فلا يمكن استصحابه مع الخلاف، والاجماع ~~يضاده نفس الخلاف، إذ لا إجماع مع الخلاف، بخلاف العموم والنص، ودليل ~~العقل، فإن الخلاف لا يضاده، فإن المخالف مقر بأن العموم مقر بأن العموم ~~تناول بصيغته محل الخلاف إذ قوله صلى الله عليه وسلم لا صيام لمن لم يبيت ~~الصيام من الليل شامل بصيغته صوم رمضان، مع خلاف الخصم فيه فيقول: أسلم ~~شمول الصيغة، لكني أخصصه بدليل فعليه الدليل وهاهنا، المخالف لا يسلم شمول ~~الاجماع محل الخلاف، إذ يستحيل الاجماع مع الخلاف، ولا يستحيل شمول الصيغة ~~مع الدليل، فهذه الدقيقة لا بد من التنبه لها، فإن قيل: الاجماع يحرم ~~الخلاف، فكيف يرتفع بالخلاف، قلنا: هذا الخلاف غير محرم بالاجماع، وإنما لم ~~يكن المخالف خارقا للاجماع، لان الاجماع إنما انعقد على حالة العدم لا على ~~حالة الوجود، فمن ألحق الوجود بالعدم فعليه الدليل، فإن قيل: فالدليل الدال ~~على صحة الشروع دال على دوامه إلى أن يقوم دليل على انقطاعه، قلنا: فلينظر ~~في ذلك الدليل، أهو عموم أو نص يتناول حالة الوجود أم لا، فإن كان هو ~~الاجماع مشروط بالعدم، فلا يكون ms250 دليلا عند الوجود، فإن قيل: بم تنكرون على ~~من يقول الأصل أن كل ما ثبت دام إلى وجود قاطع، فلا يحتاج الدوام إلى دليل ~~في نفسه، بل الثبوت هو الذي يحتاج إلى الدليل، كما أنه إذا ثبت موت زيد، ~~وثبت بناء دار أو بلد، كان دوامه بنفسه لا بسبب؟ قلنا: هذا وهم باطل، لان ~~كل ما ثبت جاز أن يدوم، فلا بد لدوامه من سبب ودليل سوى دليل الثبوت، ولولا ~~دليل العادة على أن من مات لا يحيا، والدار إذا بنيت لا تنهدم ما لم تهدم ~~أو يطول الزمان لما عرفنا دوامه بمجرد ثبوته، كما إذا أخبر عن قعود الأمير ~~وأكله، ودخوله الدار، ولم تدل العادة على دوام هذه الأحوال فإنا لا نقضي ~~بدوام هذه الأحوال أصلا، فكذلك خبر الشرع عن دوام الصلاة مع عدم الماء ليس ~~خبرا عن دوامها مع الوجود، فيفتقر دوامها إلى دليل آخر. فإن قيل: ليس هو ~~مأمورا بالشروع فقط، بل بالشروع مع الاتمام؟ قلنا: نعم، هو مأمور بالشروع ~~مع العدم، وبالاتمام مع العدم، أما مع وجود فهو محل الخلاف، فما الدليل على ~~أنه مأمور في حالة الوجود بالاتمام. فإن قيل: لأنه منهي عن إبطال العمل، ~~وفي استعمال الماء إبطال العمل، قلنا: هذا الامر إنجرار إلى ما جررناكم ~~إليه، وانقياد للحاجة إلى الدليل، وهذا الدليل وإن كان ضعيفا فبيان ضعفه ~~ليس من حظ الأصولي، ثم هو ضعيف، لأنه إن أردتم بالبطلان إحباط ثوابه فلا ~~نسلم أنه لا يثاب على فعله، وإن أردتم أنه أوجب عليه مثله فليس الصحة عبارة ~~عما لا يجب فعل مثله على ما قررناه من قبل فإن قيل: الأصل أنه لا يجب شئ ~~PageV00P161 # بالشك ووجوب استئناف الصلاة مشكوك فيه، فلا يرتفع به اليقين، قلنا: هذا ~~يعارضه أن وجوب المضي في هذه الصلاة مشكوك فيه، وبراءة الذمة بهذه الصلاة ~~مع وجود الماء مشكوك فيه، فلا يرتفع به اليقين، ثم نقول: من يوجب الاستئناف ~~يوجبه بدليل يغلب على الظن، كما يرفع البراءة الأصلية بدليل يغلب ms251 على الظن، ~~كيف واليقين قد يرفع بالشك في بعض المواضع، فالمسائل فيه متعارضة، وذلك إذا ~~اشتبهت ميتة بمذكاة، ورضيعة بأجنبية، وماء طاهر بماء نجس، ومن نسي صلاة من ~~خمس صلوات احتجوا بأن الله تعالى صوب الكفار في مطالبتهم للرسل بالبرهان ~~حين قال تعالى: * (تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان ~~مبين) * (إبراهيم: 01) فقد اشتغل الناس بالبراهين المغيرة للاستصحاب، قلنا: # لانهم لم يستصحبوا الاجماع، بل النفي الأصلي الذي دل العقل عليه، إذ ~~الأصل في فطرة الآدمي أن لا يكون نبيا، وإنما يعرف ذلك بآيات وعلامات، فهم ~~مصيبون في طلب البرهان ومخطئون في المقام على دين آبائهم بمجرد الجهل من ~~غير برهان. # - مسألة (النافي هل عليه دليل؟) اختلفوا في أن النافي هل عليه دليل؟ فقال ~~قوم: لا دليل عليه، وقال قوم: لا بد من الدليل، وفرق فريق ثالث بين ~~العقليات والشرعيات، فأوجبوا الدليل في العقليات دون الشرعيات. والمختار أن ~~ما ليس بضروري فلا يعرف إلا بدليل، والنفي فيه كالاثبات، وتحقيقه أن يقال ~~للنافي: ما ادعيت نفيه عرفت انتفاءه، أو أنت شاك فيه، فإن أقر بالشك فلا ~~يطالب الشاك بالدليل، فإنه يعترف بالجهل وعدم المعرفة، وإن قال: أنا متيقن ~~للنفي، قيل: يقينك هذا حصل عن ضرورة أو عن دليل، ولا تعد معرفة النفي ~~ضرورة، فإنا نعلم أنا لسنا في لجة بحر أو على جناح نسر، وليس بين أيدينا ~~نيل ولا تعد معرفة النفي ضرورة، وإن لم يعرفه ضرورة فإنما عرفه عن تقليد أو ~~عن نظر، فالتقليد لا يفيد العلم، فإن الخطأ جائز على المقلد والمقلد معترف ~~بعمى نفسه، وإنما يدعي البصيرة لغيره، وإن كان عن نظر فلا بد من بيانه، ~~فهذا أصل الدليل، ويتأيد بلزوم إشكالين بشعين على إسقاط الدليل عن النافي، ~~وهو أن لا يجب الدليل على نافي حدوث العالم، ونافي الصانع ونافي حدوث ~~العالم، ونافي الصانع ونافي النبوات ونافي تحريم الزنا والخمر والميتة ~~ونكاح المحارم وهو محال، والثاني: أن الدليل إذا سقط عن هؤلاء لم يعجز أن ~~يعبر المثبت ms252 عن مقصود إثباته بالنفي، فيقول بدل قوله: محدث، إنه ليس بقديم، ~~وبدل قوله: قادر إنه ليس بعاجز وما يجري مجراه. ولهم في المسألة شبهتان: # الشبهة الأولى: قولهم أنه لا دليل على المدعى عليه بالدين لأنه ناف، ~~والجواب من أربعة أوجه: (الأول): أن ذلك ليس لكونه نافيا، ولا لدلالة العقل ~~على سقوط الدليل عن النافي، بل ذلك بحكم الشرع لقوله (ص): البينة على ~~المدعي واليمين على من أنكر ولا يجوز أن يقاس عليه غيره، لان الشرع إنما ~~قضى به للضرورة إذ لا سبيل إلى إقامة دليل على النفي، فإن ذلك إنما يعرف ~~بأن يلازمه عدد التواتر من أول وجوده إلى وقت الدعوى، فيعلم انتفاء سبب ~~اللزوم قولا وفعلا بمراقبة اللحظات، فكيف يكلف إقامة البرهان على ما يستحيل ~~إقامة البرهان عليه، بل المدعي أيضا لا دليل عليه، لان قول الشاهدين لا ~~يحصل المعرفة، بل الظن بجريان سبب اللزوم من إتلاف أو دين وذلك في الماضي، ~~أما في PageV00P162 # الحال فلا يعلم الشاهد شغل الذمة، فإنه يجوز براءتها بأداء أو إبراء، ولا ~~سبيل للخلق إلى معرفة شغل الذمة وبراءتها إلا بقول الله تعالى وقول الرسول ~~المعصوم، ولا ينبغي أن يظن أن على المدعي أيضا دليلا، فإن قول الشاهد إنما ~~صار دليلا بحكم الشرع، فإن جاز ذلك فيمين المدعى عليه أيضا لازم، فليكن ذلك ~~دليلا. (والجواب الثاني): أن المدعى عليه يدعي علم الضرورة ببراءة ذمة ~~نفسه، إذ يتيقن أنه لم يتلف ولم يلتزم ويعجز الخلق كلهم عن معرفته، فإنه لا ~~يعرفه إلا الله تعالى: فالنافي في العقليات إن ادعى معرفة إن ادعى معرفة ~~النفي ضرورة فهو محال، وإن أقر بأنه مختص بمعرفته اختصاصا لا يمكن أن ~~يشاركه فيه إلا الله، فعند ذلك لا يطالب بالدليل، وكذلك أنه إذا أخبر عن ~~نفسه بنفي الجوع ونفي الخوف وما جرى مجراه، وعند ذلك يستوي الاثبات والنفي، ~~فإنه لو ادعى وجود الجوع والخوف كان ذلك معلوما له ضرورة، ويعسر على غيره ~~معرفته، والعقليات مشتركة النفي منها و الاثبات والمحسوسات ms253 أيضا يستوي فيها ~~النفي والاثبات. (الثالث): أن النافي في مجلس الحكم عليه دليل وهي اليمين ~~كما على المدعي دليل وهو البينة، وهذا ضعيف، إذ اليمين يجوز أن تكون فاجرة، ~~فأي دلالة لها من حيث العقل، لولا حكم الشرع نعم هو كالبينة، فإن قول ~~الشاهدين أيضا يجوز أن يكون غلطا وزورا، فاستعماله من هذا الوجه صحيح كما ~~سبق، أو يقال: كما وجب على النافي في مجلس القضاء أن يعضد جانبه بزيادة على ~~دعوى النفي فليجب ذلك في الاحكام فهذا أيضا له وجه. (الرابع): أن يد المدعى ~~عليه دليل على نفي ملك المدعي وهو ضعيف، لان اليد تسقط دعوى المدعي شرعا، ~~وإلا فاليد قد تكون عن غصب وعارية فأي دلالة لها. # (الشبهة الثانية): وهي أنه كيف يكلف الدليل على النفي، وهو متعذر كإقامة ~~الدليل على براءة الذمة، فنقول: تعذره غير مسلم، فإن النزاع إما في ~~العقليات وإما في الشرعيات، أما العقليات فيمكن أن يدل على نفيها بأن ~~إثباتها يفضي إلى المحال، وما أفضى إلى المحال فهو محال لقوله تعالى: * (لو ~~كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) * (الأنبياء: 22) ومعلوم أنهما لم تفسدا، ~~فدل ذلك على نفي الثاني، ويمكن إثباته بالقياس الشرطي الذي سميناه في ~~المقدمة طريق التلازم: فإن كل إثبات له لوازم، فانتفاء اللازم يدل على ~~انتفاء الملزوم، وكذلك المتحدي ليس نبيا، إذ لو كان نبيا لكان معه معجزة، ~~إذ تكليف المحال محال فهذا طريق وهو الصحيح. الطريق الثاني: أن يقال للمثبت ~~لو ثبت ما ادعيته لعلم ذلك بضرورة أو دليل، ولا ضرورة مع الخلاف ولا دليل، ~~فيدل ذلك على الانتفاء، وهذا فاسد، فإنه ينقلب على النافي فيقال له: لو ~~انتفى الحكم لعلم انتفاؤه بضرورة أو بدليل ولا ضرورة ولا دليل، ولا يمكنه ~~أن يتمسك بالاستصحاب، بأن يقول مثلا: الأصل عدم إله ثان، فمن ادعاه فعليه ~~الدليل، إذ لا يسلم له أن الأصل العدم بخلاف البراءة الأصلية، فإن العقل قد ~~دل على نفي الحكم قبل السمع من حيث دل على أن الحكم هو ms254 التكليف والخطاب من ~~الله تعالى وتكليف المحال محال، ولو كلفناه من غير رسول مصدق بالمعجزة يبلغ ~~إلينا تكليفه، كان ذلك تكليف محال، فاستندت البراءة الأصلية إلى دليل عقلي ~~بخلاف عدم الاله الثاني، وأما قولهم: لو ثبت إله ثان لكان لله تعالى عليه ~~دليل فهو تحكم من وجهين: (أحدهما): أنه يجوز PageV00P163 # أن لا ينصب الله تعالى على بعض الأشياء دليلا، ويستأثر بعلمه. (الثاني): ~~إنه يجوز أن ينصب عليه دليلا، ونحن لا نتنبه له، ويتنبه له بعض الخواص أو ~~بعض الأنبياء ومن خصص بحاسة سادسة وذوق أخر، بل الذي يقطع به أن الأنبياء ~~يدركون أمورا نحن لا ندركها وأن في مقدورات الله أمورا ليس في قوة البشر ~~معرفتها، ويجوز أن يكون لله تعالى صفات لا تدرك بهذه الحواس ولا بهذا ~~العقل، بل بحاسة سادسة أو سابعة، بل لا يستحيل أن تكون اليد والوجه عبارة ~~عن صفات لا نفهمها ولا دليل عليها، ولو لم يرد السمع بها لكان نفيها خطأ، ~~فلعل من الصفات من هذا القبيل ما لم يرد السمع بالتعبير عنه، ولا فينا قوة ~~إدراكها، بل لو لم يخلق لنا السمع لأنكرنا الأصوات ولم نفهمها، ولو لم يخلق ~~لنا ذوق الشعر لأنكرنا تفرقة صاحب العروض بين الموزون وغير الموزون، فما ~~يدرينا أن في قدرة الله تعالى أنواعا من الحواس، لو خلقها لنا لأدركنا بها ~~أمورا أخر نحن ننفيها، فكان هذا إنكارا بالجهل ورميا في العماية، أما ~~الشرعيات فقد تصادف الدليل عليها من الاجماع، كنفي وجوب صوم شوال وصلاة ~~الضحى، أو النص، كقوله (ص): لا زكاة في الحلى، ولا زكاة في المعلوفة أو من ~~القياس، كقياس الخضراوات على الرمان والبطيخ المنصوص على نفي الزكاة عنه، ~~كقول الراوي: لا زكاة في الرمان والبطيخ، بل هو عفو عفا عنه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقد لا يساعد مثل هذا الدليل فنبحث عن مدارك الاثبات، فإذا ~~لم نجد رجعنا إلى الاستصحاب للنفي الأصلي الثابت بدليل العقل، وهو دليل عند ~~عدم ورود السمع، وحيث أوردنا في ms255 تصانيف الخلاف أن النافي لا دليل عليه ~~أردنا به أنه ليس عليه دليل سمعي، إذ يكفيه استصحاب البراءة الأصلية التي ~~كنا نحكم بها لولا بعثة الرسول وورود السمع، فإن قيل: دليل العقل مشروط ~~بانتفاء السمع، وانتفاء السمع غير معلوم، وعدم العلم به لا يدل على عدمه ~~ولا سبيل إلى دعوى العلم بانتفائه، فإن ذلك لا يعلم؟ قلنا: قد بينا أن ~~انتفاءه تارة يعلم كما في انتفاء وجوب صوم شوال وصلاة الضحى، وتارة يظن بأن ~~يبحث من هو من أهل البحث عن مدارك الشرع، والظن فيه كالعلم لأنه صادر عن ~~اجتهاد، إذ قد يقول لو كان لوجدته، فإذا لم أجده مع شدة بحثي دل على أنه ~~ليس بكائن، كطالب المتاع في البيت إذا استقصى، فإن قيل أليس للاستقصاء غاية ~~محدودة، بل للبحث بداية ووسط ونهاية، فمتى يحل له أن ينفي الدليل السمعي ~~المغير؟ قلنا: مهما رجع رجع إلى نفسه فعلم أنه بذل غاية وسعه في الطلب ~~كطالب المتاع في البيت، فإن قيل: البيت محصور وطلب اليقين فيه ممكن، ومدارك ~~الشرع غير محصورة، فإن الكتاب وإن كان محصورا فالاخبار غير محصورة، وربما ~~كان راوي الحديث مجهولا؟ قلنا: إن كان ذلك في ابتداء الاسلام قبل انتشار ~~الاخبار، ففرض كل مجتهد ما هو جهد رأيه إلى أن يبلغه الخبر، وإن كان بعد أن ~~رويت الاخبار وصنفت الصحاح، فما دخل فيها محصور عند أهلها وقد انتهى إلى ~~المجتهدين وأوردوها في مسائل الخلاف. وعلى الجملة: فدلالة العقل على النفي ~~الأصلي مشروطة بنفي المغير، كما أن دلالة العموم مشروطة بنفي المخصص، وكل ~~واحد من المخصص والمغير تارة يعلم انتفاؤه وتارة يظن وكل واحد دليل في ~~الشرع. هذا تمام الكلام في الأصل الرابع PageV00P164 # وهو منتهى الكلام في القطب الثاني المشتمل على أصول الأدلة المثمرة التي ~~هي الكتاب والسنة والاجماع والعقل. # خاتمة لهذا القطب ببيان أن ثم ما يظن أنه من أصول الأدلة وليس منها وهو ~~أيضا أربعة: شرع من قبلنا، وقول الصحابي، والاستحسان، والاستصلاح. # فهذه أيضا لا بد ms256 من شرحها. # الأصل الأول: من الأصول الموهومة شرع من قبلنا من الأنبياء فيما لم يصرح ~~شرعنا بنسخه ونقدم على هذا الأصل مسألة وهي أنه (ص) قبل مبعثه هل كان ~~متعبدا بشرع أحد من الأنبياء، منهم من قال: لم يكن متعبدا، ومنهم من قال: ~~كان متعبدا، ثم منهم من نسبه إلى نوح عليه السلام، وقوم نسبوه إلى إبراهيم ~~عليه السلام، وقوم نسبوه إلى موسى، وقوم إلى عيسى عليهما السلام، والمختار ~~أن جميع هذه الأقسام جائز عقلا، لكن الواقع منه غير معلوم بطريق قاطع، ورجم ~~الظن فيما لا يتعلق به الآن تعبد عملي لا معنى له، فإن قيل: الدليل القاطع ~~على أنه لم يكن على ملة أنه لو كان لافتخر به أولئك القوم ونسبوه إلى ~~أنفسهم، ولكان يشتهر تلبسه بشعارهم وتتوفر الدواعي على نقله؟ قلنا: هذا ~~يعارضه أنه لو كان منسلخا عن التكليف والتعبد بالشرائع لظهر مخالفته أصناف ~~الخلق وتوفرت الدواعي على نقله ويشبه أن يكون اختفاء حاله قبل البعث معجزة ~~خارقة للعادة وذلك من عجائب أموره، وللمخالف شبهتان: الأولي: أن موسى وعيسى ~~دعوا إلى دينهما كافة المكلفين من عباد الله تعالى، فكان هو داخلا تحت ~~العموم، وهذا باطل من وجهين: # أحدهما: أنه لم ينقل إلينا على التواتر عنهما عموم صيغة حتى ننظر في ~~فحواه، فلا مستند لهذه الدعوى إلا المقايسة بدين نبينا (ص)، والمقايسة في ~~مثل هذا باطل وإن كان عموم فلعله استثنى عنه من ينسخ شريعتهما. الثاني: أنه ~~ربما كان زمانه زمان فترة الشرائع واندراسها وتعذر القيام بها، ولاجله بعث ~~(ص)، فمن أين يعلم قيام الحجة على تفصيل شريعتهما. الثانية: من شبههم أنه ~~(ص) كان يصلي ويحج ويعتمر ويتصدق ويذبح الحيوان ويجتنب الميتة، وذلك لا ~~يرشد إليه العقل؟ قلنا: # هذا فاسد من وجهين: (أحدهما): أن شيئا من ذلك لم يتواتر بنقل مقطوع به ~~ولا سبيل إلى إثباته بالظن. (الثاني): أنه ربما ذبح الحيوان بناء على أنه ~~لا تحريم إلا بالسمع، ولا حكم قبل ورود الشرع وترك الميتة عيافة بالطبع، ~~كما ms257 ترك أكل الضب عيافة، والحج والصلاة إن صح فلعله فعله تبركا بما نقل ~~جملته من أنبياء السلف وإن اندرس تفصيله، ونرجع الآن إلى الأصل المقصود وهو ~~أنه بعد بعثته هل كان متعبدا بشريعة من قبله؟ والقول في الجواز العقلي ~~والوقوع السمعي. أما الجواز العقلي: فهو حاصل، إذ لله تعالى أن يتعبد عباده ~~بما شاء من شريعة سابقة أو مستأنفة، أو بعضها سابقة وبعضها مستأنفة، ولا ~~يستحيل منه شئ لذاته ولا لمفسدة فيه، وزعم بعض القدرية أنه لا يجوز بعثة ~~نبي إلا بشرع مستأنف، فإنه إن لم يجدد أمرا فلا فائدة في بعثته، ولا يرسل ~~الله تعالى رسولا بغير فائدة، ويلزمهم على هذا PageV00P165 # تجويز بعثته بمثل تلك الشريعة إذا كانت قد اندرست، وإرساله بمثلها إذا ~~كانت قد اشتملت على زوائد، وأن يكون الأول مبعوثا إلى قوم، والثاني مبعوثا ~~إليهم وإلى غيرهم، ولعلهم يخالفون إذا كانت الأولى غضة طرية، ولم تشتمل ~~الثانية على مزيد، فنقول: يدل على جوازه ما يدل على جواز نصب دليلين وبعثة ~~رسولين معا، كما قال تعالى: * (إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا ~~بثالث) * (يس: 41) وكما أرسل موسى وهارون وداود وسليمان، بل كخلق العينين ~~مع الاكتفاء في الابصار بإحداهما، ثم كلامهم بناء على طلب الفائدة في أفعال ~~الله تعالى، وهو تحكم. أما الوقوع السمعي: فلا خلاف في أن شرعنا ليس بناسخ ~~جميع الشرائع بالكلية، إذ لم ينسخ وجوب الايمان، وتحريم الزنا والسرقة ~~والقتل والكفر، ولكن حرم عليه (ص) هذه المحظورات بخطاب مستأنف، أو بالخطاب ~~الذي نزل إلى غيره وتعبد باستدامته، ولم ينزل عليه الخطاب إلا بما خالف ~~شرعهم، فإذا نزلت واقعة لزمه اتباع دينهم، إلا إذا أنزل عليه وحي مخالف لما ~~سبق، فإلى هذا يرجع الخلاف والمختار أنه لم يتعبد (ص) بشريعة من قبله ويدل ~~عليه أربعة مسالك: # المسلك الأول: أنه (ص) لما بعث معاذا إلى اليمن، قال له: بم تحكم؟ # قال: بالكتاب والسنة والاجتهاد، ولم يذكر التوراة والإنجيل وشرع من ~~قبلنا، فزكاه رسول الله (ص) وصوبه، ولو كان ms258 ذلك من مدارك الأحكام لما جاز ~~العدول إلى الاجتهاد إلا بعد العجز عنه، فإن قيل: إنما لم يذكر التوراة ~~والإنجيل، لان في الكتاب آيات تدل على الرجوع إليهما؟ قلنا: سنبين سقوط ~~تمسكهم بتلك الآيات، بل فيه قوله تعالى: * (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) * ~~(المائدة: 84) وقال (ص): لو كان موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي ثم نقول في ~~الكتاب ما يدل على اتباع السنة والقياس، فكان ينبغي أن يقتصر على ذكر ~~الكتاب، فإن شرع في التفصيل كانت الشريعة السابقة أهم مذكور، فإن قيل: ~~اندرجت التوراة والإنجيل تحت الكتاب، فإنه اسم يعم كل كتاب؟ قلنا: إذا ذكر ~~الكتاب والسنة لم يسبق إلى فهم المسلمين شئ سوى القرآن وكيف يفهم غيره ولم ~~يعهد من معاذ قط تعلم التوراة والإنجيل، والعناية بتمييز المحرف عن غيره، ~~كما عهد منه تعلم القرآن؟ ولو وجب ذلك لتعلمه جميع الصحابة، لأنه كتاب منزل ~~لم ينسخ إلا بعضه، وهو مدرك بعض الأحكام ، ولم يتعهد حفظ القرآن، إلا لهذه ~~العلة، وكيف وطالع عمر رضي الله عنه ورقة من التوراة، فغضب (ص) حتى احمرت ~~عيناه وقال: لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي؟. # المسلك الثاني: أنه (ص) لو كان متعبدا بها للزمه مراجعتها والبحث عنها، ~~وكان لا ينتظر الوحي، ولا يتوقف في الظهار ورمي المحصنات والمواريث، ولكان ~~يرجع أولا إليها، لا سيما أحكام هي ضرورة كل أمة، فلا تخلو التوراة عنها، ~~فإن لم يراجعها لاندراسها وتحريفها فهذا يمنع التعبد، وإن كان ممكنا فهذا ~~يوجب البحث والتعلم ولم يراجع قط إلا في رجم اليهود ليعرفهم أن ذلك ليس ~~مخالفا لدينهم. PageV00P166 # المسلك الثالث: أن ذلك لو كان مدركا لكان تعلمها ونقلها وحفظها من فروض ~~الكفايات، كالقرآن والاخبار، ولوجب على الصحابة مراجعتها في تعرف الاحكام، ~~كما وجب عليهم المناشدة في نقل الاخبار ولرجعوا إليها في مواضع اختلافهم ~~حيث أشكل عليهم كمسألة العول، وميراث الجد، والمفوضة، وبيع أم الولد، وحد ~~الشرب والربا في غير النسيئة ومتعة النساء، ودية الجنين، وحكم المكاتب إذا ~~كان عليه ms259 شئ من النجوم، والرد بالعيب بعد الوطئ والتقاء الختانين، وغير ذلك ~~من أحكام لا تنفك الأديان والكتب عنها، ولم ينقل عن واحد منهم مع طول ~~أعمارهم وكثرة وقائعهم واختلافاتهم مراجعة التوراة، لا سيما وقد أسلم من ~~أخبارهم من تقوم الحجة بقولهم، كعبد الله بن سلام، وكعب الأحبار، ووهب، ~~وغيرهم، ولا يجوز القياس إلا بعد اليأس من الكتاب، فكيف يحصل القياس قبل ~~العلم؟ # المسلك الرابع: إطباق الأمة قاطبة على أن هذه الشريعة ناسخة، وأنها شريعة ~~رسولنا (ص) بجملتها، ولو تعبد بشرع غيرها لكان مخبرا لا شارعا ولكان صاحب ~~نقل لا صاحب شرع، إلا أن هذا ضعيف لأنه إضافة تحتمل المجاز، وأن معلوما ~~بواسطته وإن لم يكن هو شارعا لجميعه. وللمخالف التمسك بخمس آيات وثلاثة ~~أحاديث: (الآية الأولى): # أنه تعالى لما ذكر الأنبياء قال: * (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده) ~~* (الانعام: 09). # قلنا: أراد بالهدى التوحيد ودلالة الأدلة العقلية على وجدانيته وصفاته ~~بدليلين: أحدهما: # أنه قال: * (فبهداهم اقتده) * (الانعام: 09) ولم يقل بهم، وإنما هداهم ~~الأدلة التي ليست منسوبة إليهم، أما الشرع فمنسوب إليهم فيكون اتباعهم فيه ~~اقتداء بهم. الثاني: أنه كيف أمر بجميع شرائعهم وهي مختلفة وناسخة ومنسوخة ~~ومتى بحث عن جميع ذلك وشرائعهم كثيرة فدل على أنه أراد الهدى المشترك بين ~~جميعهم وهو التوحيد. (الآية الثانية): قوله تعالى: * (ثم أوحينا إليك أن ~~اتبع ملة إبراهيم) * (النحل: 321) وهذا يتمسك به من نسبه إلى إبراهيم عليه ~~لسلام وتعارضه الآية الأولى، ثم لا حجة فيها إذ قال: * (أوحينا إليك) * ~~فوجب بما أوحي إليه لا بما أوحي إلى غيره وقوله: * (أن اتبع) * أي افعل مثل ~~فعله، وليس معناه كن متبعا له وواحدا من أمته، كيف والملة عبارة عن أصل ~~الدين والتوحيد والتقديس الذي تتفق فيه جميع الشرائع، ولذلك قال تعالى: * ~~(ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه) * (البقرة: # 130) ولا يجوز تسفيه الأنبياء المخالفين له ويدل عليه أنه لم يبحث عن ملة ~~إبراهيم، وكيف كان يبحث مع اندراس كتابه وأسناد أخباره. (الآية الثالثة): ~~قوله تعالى: ms260 * (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا) * (الشورى: 31) وهذا ~~يتمسك به من نسبه إلى نوح عليه السلام، وهو فاسد، إذا تعارضه الآيتان ~~السابقتان، ثم الدين عبارة عن أصل التوحيد، وإنما خصص نوحا بالذكر تشريفا ~~له وتخصيصا، ومتى راجع رسول الله (ص) تفصيل شرع نوح، وكيف أمكن ذلك مع أنه ~~أقدم الأنبياء وأشد الشرائع اندراسا، كيف وقد قال تعالى: * (شرع لكم من ~~الدين ما وصى به نوحا) * فلو قال شرع لنوح ما وصاكم به لكان ربما دل هذا ~~على غرضهم وأما هذا فيصرح بضده. (الآية الرابعة): قوله تعالى: * (إنا ~~أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون) * (المائدة: 44) الآية، ~~وهو أحد الأنبياء PageV00P167 # فليحكم بها، واستدل بهذا من نسبه إلى موسى عليه السلام وتعارضه الآيات ~~السابقة، ثم المراد بالنور والهدى أصل التوحيد، وما يشترك فيه النبيون دون ~~الاحكام المعرضة للنسخ، ثم لعله أراد النبيين في زمانه دون من بعدهم، ثم هو ~~على صيغة الخبر لا على صيغة الامر فلا حجة فيه، ثم يجوز أن يكون المراد حكم ~~النبيين بها بأمر ابتدأهم به الله تعالى وحيا إليهم لا بوحي موسى عليه ~~السلام. (الآية الخامسة): قوله تعالى بعد ذكر التوراة وأحكامها: * (ومن لم ~~يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) * (المائدة: 44) قلنا: المراد به ~~ومن لم يحكم بما أنزل الله مكذبا به وجاحدا له لا من حكم بما أنزل الله ~~عليه خاصة، أو من لم يحكم به ممن أوجب عليه الحكم به من أمته وأمة كل نبي ~~إذا خالفت ما أنزل على نبيهم، أو يكون المراد به يحكم بمثلها النبيون وإن ~~كان بوحي خاص إليهم لا بطريق التبعية. وأما الأحاديث: فأولها: أنه (ص) طلب ~~منه القصاص في سن كسرت فقال: كتاب الله يقضي بالقصاص وليس في القرآن قصاص ~~السن إلا ما حكي عن التوراة في قوله تعالى: * (والسن بالسن) * (المائدة: ~~54) قلنا: بل فيه: * (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) * ~~(البقرة: 491) فدخل السن تحت عمومه. (الحديث الثاني): قوله صلى الله عليه ms261 ~~وسلم): من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها وقرأ قوله تعالى: * ~~(وأقم الصلاة لذكري) * (طه: 41) وهذا خطاب مع موسى عليه السلام، قلنا: ما ~~ذكره صلى الله عليه وسلم تعليلا للايجاب، لكن أوجب بما أوحي إليه ونبه على ~~أنهم أمروا كما أمر موسى، وقوله: * (لذكري) * أي لذكر إيجابي للصلاة، ولولا ~~الخبر لكان السابق إلى الفهم أنه لذكر الله تعالى بالقلب، أو لذكر الصلاة ~~بالايجاب. الحديث الثالث: مراجعته (صلى الله عليه وسلم التوراة في رجم ~~اليهوديين وكان ذلك تكذيبا لهم في إنكار الرجم إذ كان يجب أن يراجع الإنجيل ~~فإنه آخر ما أنزل الله فلذلك لم يراجع في واقعة سوى هذه، والله أعلم. # الأصل الثاني: من الأصول الموهومة قول الصحابي وقد ذهب قوم إلى أن مذهب ~~الصحابي حجة مطلقا، وقوم إلى أنه حجة إن خالف القياس، وقوم إلى أن الحجة في ~~قول أبي بكر وعمر خاصة لقوله (ص): اقتدوا باللذين من بعدي وقوم إلى أن ~~الحجة في قول الخلفاء الراشدين إذا اتفقوا، والكل باطل عندنا، فإن من يجوز ~~عليه الغلط والسهو ولم تثبت عصمته عنه فلا حجة في قوله، فكيف يحتج بقولهم ~~مع جواز الخطأ وكيف تدعى عصمتهم من غير حجة متواترة، وكيف يتصور عصمة قوم ~~يجوز عليهم الاختلاف، وكيف يختلف المعصومان، كيف وقد اتفقت الصحابة على ~~جواز مخالفة الصحابة، فلم ينكر أبو بكر وعمر على من خالفهما بالاجتهاد بل ~~أوجبوا في مسائل الاجتهاد على كل مجتهد أن يتبع اجتهاد نفسه، فانتفاء ~~الدليل على العصمة، ووقوع الاختلاف بينهم وتصريحهم بجواز مخالفتهم فيه ~~ثلاثة أدلة قاطعة. وللمخالف خمس شبه: الشبهة الأولى: # قولهم: وإن لم تثبت عصمتهم فإذا تعبدنا باتباعهم لزم الاتباع، كما أن ~~الراوي الواحد لم تثبت عصمت لكن لزم اتباعه للتعبد به، وقد قال (ص): أصحابي ~~كالنجوم بأيهم اقتديت اهتديتم والجواب: أن هذا خطاب مع عوام أهل عصره (ص) ~~PageV00P168 # بتعريف درجة الفتوى لأصحابه حتى يلزم اتباعهم، وهو تخيير لهم في الاقتداء ~~بمن شاؤوا منهم، بدليل أن الصحابي غير داخل فيه، ms262 إذ له أن يخالف صحابيا ~~آخر، فكما خرج الصحابة بدليل فكذلك خرج العلماء بدليل، وكيف وهذا لا يدل ~~على وجوب الاتباع بل على الاهتداء إذا اتبع، فلعله يدل على مذهب من يجوز ~~للعالم تقليد العالم، أو من يخير العامي في تقليد الأئمة من غير تعيين ~~الأفضل. الشبهة الثانية: أن دعوى وجوب الاتباع إن لم تصح لجميع الصحابة ~~فتصح للخلفاء الأربعة، لقوله (ص): عليكم سنتي وسنة الخلفاء الراشدين من ~~بعدي وظاهر قوله عليكم للايجاب، وهو عام، قلنا: فيلزمكم على هذا تحريم ~~الاجتهاد على سائر الصحابة رضي الله عنهم، إذا اتفق الخلفاء، ولم يكن كذلك، ~~بل كانوا يخالفون، وكانوا يصرحون بجواز الاجتهاد فيما ظهر لهم، وظاهر هذا ~~تحريم مخالفة كل واحد من الصحابة، وإن انفرد فليس في الحديث شرط الاتفاق، ~~وما اجتمعوا في الخلافة حتى يكون اتفاقهم اتفاق الخلفاء، وإيجاب اتباع كل ~~واحد منهم محال مع اختلافهم في مسائل، لكن المراد بالحديث إما أمر الخلق ~~بالانقياد وبذل الطاعة لهم، أي عليكم بقبول إمارتهم وسنتهم، أو أمر الأمة ~~بأن ينهجوا منهجهم في العدل والانصاف والاعراض عن الدنيا وملازمة سيرة رسول ~~الله (ص) في الفقر والمسكنة والشفقة على الرعية، أو أراد منع من بعدهم عن ~~نقض أحكامهم، فهذه احتمالات ثلاثة تعضدها الأدلة التي ذكرناها. الشبهة ~~الثالثة: قولهم: إنه إن لم يجب اتباع الخلفاء، فيجب اتباع أبي بكر وعمر، ~~بقوله صلى الله عليه وسلم: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر قلنا: ~~تعارضه الأخبار السابقة، فيتطرق إليه الاحتمالات الثلاثة، ثم نقول بموجبه، ~~فيجب الاقتداء بهما في تجويزهما لغيرهما مخالفتهما بموجب الاجتهاد، ثم ليت ~~شعري، لو اختلفا كما اختلفا في التسوية في العطاء فأيهما يتبع. الشبهة ~~الرابعة: أن عبد الرحمن بن عوف ولى عليا الخلافة بشرط الاقتداء بالشيخين، ~~فأبى وولى عثمان فقبل، ولم ينكر عليه، قلنا: لعله اعتقد بقوله عليه السلام: ~~من بعدي جواز تقليد العالم للعالم، وعلي رضي الله عنه لم يعتقد أو اعتقد أن ~~قوله صلى الله عليه وسلم: اقتدوا باللذين من بعدي أبي ms263 بكر وعمر إيجاب ~~التقليد ولا حجة في مجرد مذهبه ويعارضه مذهب علي إذ فهم أنه إنما أراد عبد ~~الرحمن اتباعهما في السيرة والعدل، وفهم على إيجاب التقليد. الشبهة ~~الخامسة: أنه إذا قال الصحابي قولا يخالف القياس فلا محمل له إلا سماع خبر ~~فيه, قلنا: فهذا إقرار بأن قوله ليس بحجة وإنما الحجة الخبر، إلا أنكم ~~أثبتم الخبر بالتوهم المجرد ومستندنا إجماع الصحابة رضي الله عنهم في قبول ~~خبر الواحد وهم إنما عملوا بالخبر المصرح بروايته دون الموهوم المقدر الذي ~~لا يعرف لفظه ومورده، فقوله ليس بنص صريح في سماع خبر، بل ربما قاله عن ~~دليل ضعيف ظنه دليلا وأخطأ فيه، والخطأ جائز عليه، وربما يتمسك الصحابي ~~بدليل ضعيف، وظاهر موهوم، ولو قاله عن نص قاطع لصرح به، نعم لو تعارض ~~قياسان، وقول الصحابي مع أحدهما، فيجوز للمجتهد إن غلب على ظنه الترجيح ~~بقول الصحابي أن يرجح، وكذلك نوع من المعنى يقتضي تغليظ الدية بسبب الجرم، ~~وقياس أظهر منه يقتضي نفي التغليظ، فربما يغلب على ظن المجتهد أن ذلك ~~المعنى PageV00P169 # الأخفى الذي ذهب إليه الصحابي يترجح به، ولكن يختلف ذلك باختلاف ~~المجتهدين، أما وجوب اتباعه ولم يصرح بنقل خبر فلا وجه له، وكيف وجميع ما ~~ذكروه أخبار آحاد ونحن أثبتنا القياس والاجماع، وخبر الواحد بطرق قاطعة لا ~~بخبر الواحد، وجعل قول الصحابي حجة كقول رسول الله (ص)، وخبره إثبات أصل من ~~أصول الاحكام ومداركه فلا يثبت إلا بقاطع كسائر الأصول. # - مسألة (هل يجوز تقليد الصحابي؟) إن قال قائل: إن لم يجب تقليدهم فهل ~~يجوز تقليدهم؟ قلنا: أما العامي فيقلدهم، وأما العالم فإنه إن جاز له تقليد ~~العالم جاز له تقليدهم، وإن حرمنا تقليد العالم للعالم فقد اختلف قول ~~الشافعي رحمه الله في تقليد الصحابة، فقال في القديم: يجوز تقليد الصحابي ~~إذا قال قولا وانتشر قوله ولم يخالف وقال في موضع آخر: يقلد وإن لم ينتشر، ~~ورجع في الجديد إلى أنه لا يقلد العالم صحابيا، كما لا يقلد عالما آخر، ~~ونقل المزني ms264 عنه ذلك، وأن العمل على الأدلة التي بها يجوز للصحابة الفتوى ~~وهو الصحيح المختار عندنا إذ كل ما دل على تحريم تقليد العالم للعالم كما ~~سيأتي في كتاب (الاجتهاد) لا يفرق فيه بين الصحابي وغيره. فإن قيل: كيف لا ~~يفرق بينهم مع ثناء الله تعالى وثناء رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~تعالى: * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) * (النساء: 95) ~~وقال تعالى: * (لقد رضي الله عن المؤمنين) * (الفتح: 81) وقال رسول الله ~~(ص): خير الناس قرني وقال (ص): أصحابي كالنجوم إلى غير ذلك؟ قلنا: هذا كله ~~ثناء يوجب حسن الاعتقاد في علمهم ودينهم، ومحلهم عند الله تعالى، ولا يوجب ~~تقليدهم لا جوازا ولا وجوبا فإنه (ص) أثنى أيضا على آحاد الصحابة، ولا ~~يتميزون عن بقية الصحابة بجواز التقليد أو وجوبه، كقوله صلى الله عليه ~~وسلم: لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان العالمين لرجح وقال (ص): إن الله قد ضرب ~~بالحق على لسان عمر وقلبه يقول الحق وإن كان مرا وقال لعمر: والله ما سلكت ~~فجا إلا سلك الشيطان فجا غير فجك، وقال (ص) في قصة أسارى بدر حيث نزلت ~~الآية على وفق رأي عمر، لو نزل بلاء من السماء ما نجا منه إلا عمر وقال ~~صلوات الله عليه: إن منكم لمحدثين وإن عمر لمنهم وكان علي رضي الله عنه ~~وغيره من الصحابة يقولون ما كنا نظن إلا أن ملكا بين عينيه يسدده، وأن ملكا ~~ينطق على لسانه، وقال (ص) في حق علي: اللهم أدر الحق مع علي حيث دار وقال ~~صلى الله عليه وسلم: أقضاكم علي، وأفرضكم زيد، وأعرفكم بالحلال والحرام ~~معاذ بن جبل وقال عليه السلام: رضيت لامتي ما رضي ابن أم عبد وقال عليه ~~السلام لأبي بكر وعمر: لو اجتمعا على شئ ما خالفتهما وأراد في مصالح الحرب، ~~وكل ذلك ثناء لا يوجب الاقتداء أصلا. # فصل في تفريع الشافعي في القديم على تقليد الصحابة ونصوصه. قال في كتاب ~~اختلاف الحديث: إنه روي عن علي أنه صلى في ms265 ليلة ست ركعات في كل ركعة ست ~~سجدات، قال: لو ثبت ذلك عن علي لقلت به، وهذا لأنه رأى أنه لا يقول ذلك إلا ~~عن PageV00P170 # توقيف، إذ لا مجال للقياس فيه، وهذا غير مرضي، لأنه لم ينقل فيه حديثا ~~حتى يتأمل لفظه ومورده وقرائنه، وفحواه وما يدل عليه، ولم نتعبد إلا بقبول ~~خبر يرويه صحابي مكشوفا يمكن النظر فيه، كما كان الصحابة يكتفون بذكر مذهب ~~مخالف للقياس ويقدرون ذلك حديثا من غير تصريح به، وقد نص في موضع أن قول ~~الصحابي إذا انتشر ولم يخالف فهو حجة، وهو ضعيف، لان السكوت ليس بقول، فأي ~~فرق بين أن ينتشر أو لا ينتشر؟ وقد نص على أنه إذا اختلفت الصحابة فالأئمة ~~أولى، فإن اختلف الأئمة فقول أبي بكر وعمر أولى لمزيد فضلهما، وقال في موضع ~~آخر: يجب الترجيح بقول الأعلم والأكثر قياسا لكثرة القائلين على كثرة ~~الرواة وكثرة الأشباه، وإنما يجب ترجيح الأعلم، لان زيادة علمه تقوي ~~اجتهاده وتبعده عن الاهمال والتقصير والخطأ وإن اختلف الحكم والفتوى من ~~الصحابة فقد اختلف قول الشافعي فيه، فقال مرة: الحكم أولى، لان العناية به ~~أشد، والمشورة فيه أبلغ، وقال مرة: # الفتوى أولى، لان سكوتهم على الحكم يحمل على الطاعة للوالي، وكل هذا ~~مرجوع عنه: # فإن قيل: فما قولكم في ترجيح أحد القياسين بقول الصحابي؟ قلنا: قال ~~القاضي، لا ترجيح إلا بقوة الدليل، ولا يقوى الدليل بمصير مجتهد إليه، ~~والمختار أن هذا في محل الاجتهاد، فربما يتعارض ظنان والصحابي في أحد ~~الجانبين، فتميل نفس المجتهد إلى موافقة الصحابي، ويكون ذلك أغلب على ظنه، ~~ويختلف ذلك باختلاف المجتهدين، وقال قوم: إنما يجوز ترجيح قياس المصير إذا ~~كان أصل القياس في واقعة شاهدها الصحابي، وإلا فلا فرق بينه وبين غيره وهذا ~~قريب، ولكن مع هذا يحتمل أن يكون مصيره إليه لا لاختصاصه بمشاهدة ما يدل ~~عليه بل بمجرد الظن، أما إذا حمل الصحابي لفظ الخبر على أحد محتمليه فمنهم ~~من رجح ومنهم من قال: إذا لم يقل: علمت ms266 ذلك من لفظ الرسول (ص) بقرينة ~~شاهدتها فلا ترجيح به، وهذا اختيار القاضي، فإن قيل: فقد ترك الشافعي في ~~الجديد القياس في تغليظ الدية في الحرم بقول عثمان، وكذلك فرق بين الحيوان ~~وغيره في شرط البراءة بقول علي؟ قلنا له: في مسألة شرط البراءة أقوال، فلعل ~~هذا مرجوع عنه، وفي مسألة التغليظ الظن به أنه قوي القياس بموافقة الصحابة، ~~فإن لم يكن كذلك فمذهبه في الأصول أن لا يقلد، والله أعلم. # الأصل الثالث: من الأصول الموهومة الاستحسان وقد قال به أبو حنيفة، وقال ~~الشافعي: من استحسن فقد شرع ورد الشئ قبل فهمه محال، فلا بد أولا من فهم ~~الاستحسان، وله ثلاثة معان: الأول: وهو الذي يسبق إلى الفهم ما يستحسنه ~~المجتهد بعقله، ولا شك في أنا نجوز ورود التعبد باتباعه عقلا، بل لو ورد ~~الشرع بأن ما سبق إلى أوهامكم أو استحسنتموه بعقولكم أو سبق إلى أوهام ~~العوام مثلا فهو حكم الله عليكم لجوزناه، ولكن وقوع التعبد لا يعرف من ~~ضرورة العقل ونظره، بل من السمع، ولم يرد فيه سمع متواتر ولا نقل آحاد، ولو ~~ورد لكان لا يثبت بخبر الواحد، فإن جعل الاستحسان مدركا من مدارك أحكام ~~الله تعالى ينزل منزلة الكتاب والسنة والاجماع، وأصلا من الأصول لا يثبت ~~بخبر الواحد، ومهما انتفى الدليل وجب النفي. المسلك الثاني: أنا نعلم قطعا ~~إجماع الأمة قبلهم، PageV00P171 # على أن العالم ليس له أن يحكم بهواه وشهوته من غير نظر في دلالة الأدلة، ~~والاستحسان من غير نظر في أدلة الشرع حكم بالهوى المجرد، وهو كاستحسان ~~العامي، ومن لا يحسن النظر فإنه إنما جوز الاجتهاد للعالم دون العامي، لأنه ~~يفارقه في معرفة أدلة الشريعة، وتمييز صحيحها من فاسدها، وإلا فالعامي أيضا ~~يستحسن، ولكن يقال: لعل مستند استحسانك وهم وخيال لا أصل له، ونحن نعلم أن ~~النفس لا تميل إلى الشئ إلا بسبب مميل إليه، لكن السبب ينقسم إلى ما هو وهم ~~وخيال إذا عرض على الأدلة لم يتحصل منه طائل، وإلى ما هو مشهور ms267 من أدلة ~~الشرع، فلم يميز المستحسن ميله عن الأوهام وسوابق الرأي إذا لم ينظر في ~~الأدلة ولم يأخذ منها، ولهم شبه ثلاث: # الشبهة الأولى: قوله تعالى: * (واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم) * (الزمر: ~~55) وقال: # * (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه) * (الزمر: 81) قلنا اتباع أحسن ما ~~أنزل إلينا هو اتباع الأدلة، فبينوا أن هذا مما أنزل إلينا، فضلا عن أن ~~يكون من أحسنه، وهو كقوله تعالى: # * (واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم) * (الزمر: 55) ثم نقول: نحن ~~نستحسن إبطال الاستحسان، وأن لا يكون لنا شرع سوى المصدق بالمعجزة، فليكن ~~هذا حجة عليهم. # الجواب الثاني: أن يلزم من ظاهر هذا اتباع استحسان العامي والطفل ~~والمعتوه، لعموم اللفظ، فإن قلتم: المراد بعض الاستحسانات، وهو استحسان من ~~هو من أهل النظر، فكذلك نقول: المراد كل استحسان صدر عن أدلة الشرع، وإلا ~~فأي وجه لاعتبار أهلية النظر في الأدلة مع الاستغناء عن النظر. # الشبهة الثانية: قوله (ص): ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، ولا ~~حجة من أوجه: الأول: أنه خبر واحد لا تثبت به الأصول. الثاني: أن المراد به ~~ما رآه جميع المسلمين، لأنه لا يخلو أن يريد به جميع المسلمين أو آحادهم، ~~فإن أراد الجميع فهو صحيح إذ الأمة لا تجتمع على حسن شئ إلا عن دليل، ~~والاجماع حجة، وهو مراد الخبر، وإن أراد الآحاد لزم استحسان العوام، فإن ~~فرق بأنهم ليسوا أهلا للنظر قلنا: # إذا كان لا ينظر في الأدلة فأي فائدة لأهلية النظر. الثالث: أن الصحابة ~~أجمعوا على استحسان منع الحكم بغير دليل ولا حجة، لانهم مع كثرة وقائعهم ~~تمسكوا بالظواهر والاشباه، وما قال واحد: حكمت بكذا وكذا لاني استحسنته ولو ~~قال ذلك لشددوا الانكار عليه وقالوا: من أنت حتى يكون استحسانك شرعا وتكون ~~شارعا لنا، وما قال معاذ حيث بعثه إلى اليمن أني أستحسن، بل ذكر الكتاب ~~والسنة والاجتهاد فقط. # الشبهة الثالثة: إن الأمة استحسنت دخول الحمام من غير تقدير أجرة وعوض ~~الماء ولا تقدير مدة السكون واللبث فيه، وكذلك شرب ms268 الماء من يد السقاء بغير ~~تقدير العوض، ولا مبلغ الماء المشروب، لان التقدير في مثل هذا قبيح في ~~العادات، فاستحسنوا ترك المضايقة فيه، ولا يحتمل ذلك في إجارة ولا بيع، ~~والجواب من وجهين: الأول: أنهم من أين عرفوا أن الأمة فعلت ذلك من غير حجة ~~ولا دليل، ولعل الدليل جريان ذلك في عصر رسول الله صلى الله PageV00P172 # عليه وسلم مع معرفته به وتقريره عليه، لأجل المشقة في تقدير الماء ~~المشروب والمصبوب في الحمام وتقدير مدة المقام والمشقة سبب الرخصة. الثاني: ~~أن نقول شرب الماء بتسليم السقاء مباح، وإذا أتلف ماءه فعليه ثمن المثل، إذ ~~قرينة حاله تدل على طلب العوض فيما بذله في الغالب، وما يبذل له في الغالب ~~يكون ثمن المثل فيقبله السقاء، فإن منع فعليه مطالبته، فليس في هذا إلا ~~الاكتفاء في معرفة الإباحة بالمعاطاة والقرينة، وترك المماسكة في العوض، ~~وهذا مدلول عليه من الشرع، وكذلك داخل الحمام مستبيح بالقرينة، ومتلف بشرط ~~العوض بقرينة حال الحمامي، ثم ما يبذله إن ارتضى به الحمامي واكتفى به عوضا ~~أخذه وإلا طالبه بالمزيد إن شاء، فليس هذا أمرا مبدعا ولكنه منقاس والقياس ~~حجة. التأويل الثاني: # للاستحسان قولهم المراد به دليل ينقدح في نفس المجتهد لا تساعده العبارة ~~عنه، ولا يقدر على إبرازه وإظهاره، وهذا هوس، لان ما لا يقدر على التعبير ~~عنه لا يدري أنه وهم وخيال أو تحقيق، ولا بد من ظهوره ليعتبر بأدلة الشريعة ~~لتصححه الأدلة أو تزيفه، أما الحكم بما لا يدري ما هو فمن أين يعلم جوازه، ~~أبضرورة العقل أو نظره أو بسمع متواتر أو آحاد، ولا وجه لدعوى شئ من ذلك، ~~كيف وقد قال أبو حنيفة: إذا شهد أربعة على زنا شخص لكن عين كل واحد منهم ~~زاوية من زوايا البيت وقال: زنى فيها، فالقياس أن لا حد عليه، لكنا نستحسن ~~حده، فيقول له، لم يستحسن سفك دم مسلم من غير حجة إذ لم تجتمع شهادة ~~الأربعة على زنا واحد، وغايته أن يقول: تكذيب المسلمين قبيح، ms269 وتصديقهم وهم ~~عدول حسن، فنصدقهم ونقدر دورانه في زنية واحدة على جميع الزوايا، بخلاف ما ~~لو شهدوا في أربعة بيوت، فإن تقدير التزاحف بعيد، وهذا هوس، لأنا نصدقهم ~~ولا نرجم المشهود عليه، كما لو شهد ثلاثة، وكما لو شهدوا في دور وندرأ ~~الرجم من حيث لم نعلم يقينا اجتماع الأربعة على شهادة واحدة فدرء الحد ~~بالشبهة أحسن، كيف وإن كان هذا دليلا، فلا ننكر الحكم بالدليل، ولكن لا ~~ينبغي أن يسمى بعض الأدلة استحسانا. التأويل الثالث: للاستحسان، ذكره ~~الكرخي وبعض أصحاب أبي حنيفة ممن عجز عن نصرة الاستحسان، وقال: ليس هو ~~عبارة عن قول بغير دليل، بل هو بدليل، وهو أجناس، منها: العدول بحكم ~~المسألة عن نظائرها بدليل خاص من القرآن، مثل قوله: مالي صدقة، أو لله علي ~~أن أتصدق بمالي، فالقياس لزوم التصدق بكل ما يسمى مالا، لكن استحسن أبو ~~حنيفة التخصيص بمال الزكاة، لقوله تعالى: * (خذ من أموالهم صدقة) * ~~(التوبة: 301) ولم يرد إلا مال الزكاة. ومنها: أن يعدل بها عن نظائرها ~~بدليل السنة، كالفرق في سبق الحدث والبناء على الصلاة بين السبق والتعمد ~~على خلاف قياس الاحداث وهذا مما لا ينكر، وإنما يرجع الاستنكار إلى اللفظ، ~~وتخصيص هذا النوع من الدليل بتسميته استحسانا من بين سائر الأدلة، والله ~~أعلم. # الأصل الرابع: من الأصول الموهومة الاستصلاح وقد اختلف العلماء في جواز ~~اتباع المصلحة المرسلة، ولا بد من كشف معنى المصلحة وأقسامها فنقول: ~~المصلحة بالإضافة إلى شهادة الشرع ثلاثة أقسام: قسم شهد الشرع لاعتبارها، ~~وقسم شهد لبطلانها، وقسم لم يشهد الشرع لا لبطلانها ولا لاعتبارها. أما ما ~~شهد الشرع لاعتبارها: فهي حجة، PageV00P173 # ويرجع حاصلها إلى القياس، وهو اقتباس الحكم من معقول النص والاجماع، ~~وسنقيم الدليل عليه في القطب الرابع، فإنه نظر في كيفية استثمار الاحكام من ~~الأصول المثمرة، ومثاله حكمنا أن كل ما أسكر من مشروب أو مأكول فيحرم، ~~قياسا على الخمر، لأنها حرمت، لحفظ العقل الذي هو مناط التكليف، فتحريم ~~الشرع الخمر دليل على ملاحظة هذه المصلحة. # القسم الثاني: ms270 ما شهد الشرع لبطلانها: مثاله قول بعض العلماء لبعض الملوك ~~لما جامع في نهار رمضان: إن عليك صوم شهرين متتابعين، فلما أنكر عليه حيث ~~لم يأمره بإعتاق رقبة مع اتساع ماله قال: لو أمرته بذلك لسهل عليه واستحقر ~~إعتاق رقبة في جنب قضاء شهوته، فكانت المصلحة في إيجاب الصوم لينزجر به، ~~فهذا قول باطل ومخالف لنص الكتاب بالمصلحة، وفتح هذا الباب يؤدي إلى تغيير ~~جميع حدود الشرائع ونصوصها بسبب تغير الأحوال، ثم إذا عرف ذلك من صنيع ~~العلماء لم تحصل الثقة للملوك بفتواهم، وظنوا أن كل ما يفتون به فهو تحريف ~~من جهتهم بالرأي. القسم الثالث: ما لم يشهد له من الشرع بالبطلان ولا ~~بالاعتبار نص معين: وهذا في محل النظر، فلنقدم على تمثيله تقسيما آخر وهو: ~~أن المصلحة باعتبار قوتها في ذاتها تنقسم إلى ما هي في رتبة الضرورات، وإلى ~~ما هي في رتبة الحاجات، وإلى ما يتعلق بالتحسينات، والتزيينات، وتتقاعد ~~أيضا عن رتبة الحاجات، ويتعلق بأذيال كل قسم من الأقسام ما يجري منها مجرى ~~التكملة والتتمة لها، ولنفهم أولا معنى المصلحة ثم أمثلة مراتبها: أما ~~المصلحة: فهي عبارة في الأصل عن جلب منفعة أو دفع مضرة، ولسنا نعني به ذلك، ~~فإن جلب المنفعة ودفع المضرة مقاصد الخلق، وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم، ~~لكنا نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع، ومقصود الشرع من الخلق خمسة ~~وهو: أن يحفظ عليهم دينهم، ونفسهم، وعقلهم، ونسلهم، ومالهم، فكل ما يتضمن ~~حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها ~~مصلحة، وإذا أطلقنا المعنى المخيل والمناسب في كتاب القياس أردنا به هذا ~~الجنس، وهذه الأصول الخمسة حفظها واقع في رتبة الضرورات، فهي أقوى المراتب ~~في المصالح، ومثاله قضاء الشرع بقتل الكافر المضل، وعقوبة المبتدع الداعي ~~إلى بدعته، فإن هذا يفوت على الخلق دينهم، وقضاؤه بإيجاب القصاص أدبه حفظ ~~النفوس، وإيجاب حد الشرب إذ به حفظ العقول التي هي ملاك التكليف، وإيجاب حد ~~الزنا إذ به حفظ النسل والأنساب، ms271 وإيجاب زجر الغصاب والسراق، إذ به يحصل ~~حفظ الأموال التي هي معاش الخلق، وهم مضطرون إليها، وتحريم تفويت هذه ~~الأصول الخمسة، والزجر عنها يستحيل أن لا تشتمل عليه ملة من الملل وشريعة ~~من الشرائع التي أريد بها إصلاح الخلق، ولذلك لم تختلف الشرائع في تحريم ~~الكفر والقتال والزنا والسرقة وشرب المسكر، أما ما يجري مجرى التكملة ~~والتتمة لهذه المرتبة فكقولنا: المماثلة مرعية في استيفاء القصاص، لأنه ~~مشروع للزجر والتشفي، ولا يحصل ذلك إلا بالمثل، وكقولنا: القليل من الخمر، ~~إنما حرم لأنه يدعو إلى الكثير، فيقاس عليه النبيذ، فهذا دون الأول، ولذلك ~~اختلفت فيه الشرائع. ما تحريم السكر فلا تنفك عنه شريعة لان السكر يسد باب ~~التكليف والتعبد PageV00P174 # الرتبة الثانية: ما يقع في رتبة الحاجات من المصالح والمناسبات، كتسليط ~~الولي على تزويج الصغيرة والصغير، فذلك لا ضرورة إليه، لكنه محتاج إليه في ~~اقتناء المصالح، وتقييد الأكفاء خيفة من الفوات، واستغناما للصلاح المنتظر ~~في المآل، وليس هذا كتسليط الولي على تربيته وإرضاعه، وشراء الملبوس ~~والمطعوم لأجله، فإن ذلك ضرورة لا يتصور فيها اختلاف الشرائع المطلوب بها ~~مصالح الخلق، أما النكاح في حال الصغر فلا يرهق إليه توقان شهوة ولا حاجة ~~تناسل، بل يحتاج إليه لصلاح المعيشة باشتباك العشائر والتظاهر بالأصهار ~~وأمور من هذا الجنس لا ضرورة إليها، أما ما يجري مجرى التتمة لهذه الرتبة ~~فهو كقولنا: لا تزوج الصغيرة إلا من كفؤ، وبمهر مثل فإنه أيضا مناسب، ولكنه ~~دون أصل الحاجة إلى النكاح، ولهذا اختلف العلماء فيه. # الرتبة الثالثة: ما لا يرجع إلى ضرورة ولا إلى حاجة، ولكن يقع موقع ~~التحسين والتزيين والتيسير للمزايا والمزائد، ورعاية أحسن المنا هج في ~~العادات والمعاملات، مثاله: سلب العبد أهلية الشهادة مع قبول فتواه ~~وروايته، من حيث أن العبد نازل القدر والرتبة، ضعيف الحال والمنزلة ~~باستسخار المالك إياه، فلا يليق بمنصبه التصدي للشهادة، أما سلب ولايته فهو ~~من مرتبة الحاجات، لان ذلك مناسب للمصلحة إذ ولاية الأطفال تستدعي استغراقا ~~وفراغا، والعبد مستغرق بالخدمة، فتفويض أمر الطفل ms272 إليه إضرار بالطفل، أما ~~الشهادة فتتفق أحيانا كالرواية والفتوى، ولكن قول القائل سلب منصب الشهادة ~~لخسة قدره ليس كقوله سلب ذلك لسقوط الجمعة عنه، فإن ذلك لا يشم منه رائحة ~~مناسبة أصلا، وهذا لا ينفك عن الانتظام، لو صرح به الشرع ولكن تنتفي ~~مناسبته بالرواية والفتوى، بل ذلك ينقص عن المناسب إلى أن يعتذر عنه ~~والمناسب قد يكون منقوصا، فيترك أو يحترز عنه بعذر أو تقييد، كتقييد النكاح ~~بالولي لو أمكن تعليله بفتور رأيها في انتقاء الأزواج وسرعة الاغترار ~~بالظواهر، لكان واقعا في الرتبة الثانية، ولكن لا يصح ذلك في سلب عبارتها، ~~وفي نكاح الكفؤ فهو في الرتبة الثالثة، لان الأليق بمحاسن العادات استحياء ~~النساء عن مباشرة العقد، لان ذلك يشعر بتوقان نفسها إلى الرجال، ولا يليق ~~ذلك بالمروءة، ففوض الشرع ذلك إلى الولي، حملا للخلق على أحسن المناهج، ~~وكذلك تقييد النكاح بالشهادة لو أمكن تعليله بالاثبات عند النزاع، لكان من ~~قبيل الحاجات، ولكن سقوط الشهادة على رضاها يضعف هذا المعنى، فهو لتفخيم ~~أمر النكاح وتمييزه عن السفاح بالاعلان والاظهار عند من له رتبة ومنزلة على ~~الجملة، فليلحق برتبة التحسينات، فإذا عرفت هذه الأقسام فنقول الواقع في ~~الرتبتين الأخيرتين لا يجوز الحكم بمجرده إن لم يعتضد بشهادة أصل، إلا أنه ~~يجري مجرى وضع الضرورات، فلا بعد في أن يؤدي إليه اجتهاد مجتهد، وإن لم ~~يشهد الشرع بالرأي فهو كالاستحسان، فإن اعتضد بأصل فذاك قياس، وسيأتي، أما ~~الواقع في رتبة الضرورات فلا بعد في أن يؤدي إليه اجتهاد مجتهد وإن لم يشهد ~~له أصل معين، ومثاله: إن الكفار إذا تترسوا بجماعة من أسارى المسلمين فلو ~~كففنا عنهم لصدمونا وغلبوا على دار الاسلام وقتلوا كافة المسلمين، ولو ~~رمينا الترس لقتلنا مسلما معصوما لم يذنب ذنبا، وهذا لا عهد به في الشرع، ~~ولو كففنا لسلطنا الكفار على جميع PageV00P175 # المسلمين فيقتلونهم ثم يقتلون الأسارى أيضا، فيجوز أن يقول قائل: هذا ~~الأسير مقتول بكل حال، فحفظ جميع المسلمين أقرب إلى مقصود الشرع، لأنا نعلم ~~قطعا ms273 أن مقصود الشرع تقليل القتل، كما يقصد حسم سبيله عند الامكان، فإن لم ~~نقدر على الحسم قدرنا على التقليل، وكان هذا التفاتا إلى مصلحة علم ~~بالضرورة كونها مقصود الشرع، لا بدليل واحد وأصل معين، بل بأدلة خارجة عن ~~الحصر، لكن تحصيل هذا المقصود بهذا الطريق وهو قتل من لم يذنب غريب لم يشهد ~~له أصل معين، فهذا مثال مصلحة غير مأخوذة بطريق القياس على أصل معين، ~~وانقدح اعتبارها باعتبار ثلاثة أوصاف أنها ضرورة قطعية كلية، وليس في ~~معناها، ما لو تترس الكفار في قلعة بمسلم، إذ لا يحل رمي الترس إذ لا ~~ضرورة، فينا غنية عن القلعة، فنعدل عنها إذ لم نقطع بظفرنا بها، لأنها ليست ~~قطعية، بل ظنية، وليس في معناها جماعة في سفينة لو طرحوا واحدا منهم لنجوا ~~وإلا غرقوا بجملتهم، لأنها ليست كلية، إذ يحصل بها هلاك عدد محصور، وليس ~~ذلك كاستئصال كافة المسلمين، ولأنه ليس يتعين واحد للاغراق، إلا أن يتعين ~~بالقرعة، ولا أصل لها، وكذلك جماعة في مخمصة لو أكلوا واحدا بالقرعة لنجوا، ~~فلا رخصة فيه لان المصلحة ليست كلية، وليس في معناها قطع اليد للاكلة حفظا ~~للروح، فإنه تنقدح الرخصة فيه، لأنه إضرار به لمصلحته، وقد شهد الشرع ~~للاضرار بشخص في قصد صلاحه، كالفصد والحجامة وغيرهما، وكذا قطع المضطر قطعة ~~من فخذه إلى أن يجد الطعام، فهو كقطع اليد، لكن ربما يكون القطع سببا ظاهرا ~~في الهلاك، فيمنع منه لأنه ليس فيه يقين الخلاص، فلا تكون المصحلة قطعية، ~~فإن قيل: فالضرب بالتهمة للاستنطاق بالسرقة مصلحة فهل تقولون بها؟ قلنا: قد ~~قال بها مالك رحمه الله، ولا نقول به، لا لابطال النظر إلى جنس المصلحة ~~لكن، لأن هذه مصلحة تعارضها أخرى، وهي مصلحة المضروب، فإنه ربما يكون بريئا ~~من الذنب، وترك الضرب في مذنب أهون من ضرب برئ، فإن كان فيه فتح باب يعسر ~~معه انتزاع الأموال، ففي الضرب فتح باب إلى تعذيب البرئ، فإن قيل: # فالزنديق المتستر إذا تاب فالمصلحة في قتله وأن لا ms274 تقبل توبته وقد قال ~~صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فماذا ~~ترون؟ قلنا: هذه المسألة في محل الاجتهاد، ولا يبعد قتله، إذ وجب بالزندقة ~~قتله، وإنما كلمة الشهادة تسقط القتل في اليهود والنصارى، لانهم يعتقدون ~~ترك دينهم بالنطق بكلمة الشهادة، والزنديق يرى التقية عين الزندقة، فهذا لو ~~قضينا به فحاصله استعمال مصلحة في تخصيص عموم، وذلك لا ينكره أحد، فإن قيل: ~~رب ساع في الأرض بالفساد بالدعوة إلى البدعة أو بإغراء الظلمة بأموال الناس ~~وحرمهم وسفك دمائهم بإثارة الفتنة والمصلحة قتله لكف شره، فما ذا ترون فيه؟ ~~قلنا: إذا لم يقتحم جريمة موجبة لسفك الدم فلا يسفك دمه، إذ في تخليد الحبس ~~عليه كفاية شره، فلا حاجة إلى القتل، فلا تكون هذه المصلحة ضرورية، فإن ~~قيل: إذا كان الزمان زمان فتنة ولم يقدر على تخليد الحبس فيه مع تبدل ~~الولايات على قرب، فليس في إبقائه وحبسه إلا إيغار صدره وتحريك داعيته، ~~ليزداد في الفساد والاغراء جدا عند الافلات، قلنا: # هذا الآن رجم بالظن، وحكم بالوهم، فربما لا يفلت ولا تتبدل الولاية ~~والقتل بتوهم المصلحة PageV00P176 # لا سبيل إليه، فإن قيل: فإذا تترس الكفار بالمسلمين فلا نقطع بتسلطهم على ~~استئصال الاسلام لو لم يقصد، الترس، بل يدرك ذلك بغلبة الظن، قلنا: لا جرم ~~ذكر العراقيون في المذهب وجهين في تلك المسألة، وعللوا بأن ذلك مظنون. ونحن ~~إنما نجوز ذلك عند القطع أو ظن قريب من القطع، والظن القريب من القطع إذا ~~صار كليا وعظم الخطر فيه، فتحتقر الاشخاص الجزئية بالإضافة إليه، فإن قيل ~~إن في توقفنا عن الساعي في الأرض بالفساد ضررا كليا بتعريض أموال المسلمين ~~ودمائهم للهلاك، وغلب ذلك على الظن بما عرف من طبيعته وعادته المجربة طول ~~عمره، قلنا: لا يبعد أن يؤدي اجتهاد مجتهد إلى قتله إذا كان كذلك، بل هو ~~أولى من الترس، فإنه لم يذنب ذنبا، وهذا قد ظهرت منه جرائم توجب العقوبة ~~وإن لم توجب القتل وكأنه التحق ms275 بالحيوانات الضارية لما عرف من طبيعته ~~وسجيته، فإن قيل: كيف يجوز المصير إلى هذا في هذه المسألة، وفي مسألة ~~الترس، وقد قدمتم أن المصلحة إذا خالفت النص لم تتبع كإيجاب صوم شهرين على ~~الملوك إذا جامعوا في نهار رمضان، وهذا يخالف قوله تعالى: * (ومن يقتل ~~مؤمنا متعمدا) * (النساء: 39) وقوله تعالى: * (ولا تقتلوا النفس التي حرم ~~الله إلا بالحق) * (الانعام: 151) وأي ذنب لمسلم يتترس به كافر، فإن زعمتم ~~أنا نخصص العموم بصورة ليس فيها خطر كلي فلنخصص العتق بصورة يحصل بها ~~الانزجار عن الجناية حتى يخرج عنها الملوك، فإذا غاية الأمر في مسألة الترس ~~أن يقطع باستئصال أهل الاسلام، فما بالنا نقتل من لم يذنب قصدا ونجعله فداء ~~للمسلمين، ونخالف النص في قتل النفس التي حرم الله تعالى؟ قلنا: لهذا نرى ~~المسألة في محل الاجتهاد ولا يبعد المنع من ذلك، ويتأيد بمثله السفينة، ~~وأنه يلزم منه قتل ثلث الأمة لاستصلاح ثلثيها ترجيحا للكثرة، إذ لا خلاف في ~~أن كافرا لو قصد قتل عدد محصور كعشرة مثلا وتترس بمسلم، فلا يجوز لهم قتل ~~الترس في الدفع، بل حكمهم كحكم عشرة أكرهوا على قتل، أو اضطروا في مخمصة ~~إلى أكل واحد، وإنما نشأ هذا من الكثرة، ومن كونه كليا، لكن للكلي الذي لا ~~يحصر حكم آخر أقوى من الترجيح بكثرة العدد، وكذلك لو اشتبهت أخته بنساء ~~بلدة حل له النكاح، ولو اشتبهت بعشرة وعشرين لم يحل، ولا خلاف، أنهم لو ~~تترسوا بنسائهم وذراريهم قاتلناهم وإن كان التحريم عاما، لكن تخصصه بغير ~~هذه الصورة، فكذلك ههنا التخصيص ممكن، وقول القائل هذا سفك دم محرم معصوم ~~يعارضه أن في الكف عنه إهلاك دماء معصومة لا حصر لها، ونحن نعلم أن الشرع ~~يؤثر الكلي على الجزئي، فإن حفظ أهل الاسلام عن اصطلام الكفار أهم في مقصود ~~الشرع من حفظ دم مسلم واحد، فهذا مقطوع به من مقصود الشرع، والمقطوع به لا ~~يحتاج إلى شهادة أصل، فإن قيل: فتوظيف الخراج من المصالح، فهل إليه سبيل أم ~~لا؟ ms276 قلنا: لا سبيل إليه مع كثرة الأموال في أيدي الجنود، أما إذا خلت ~~الأيدي من الأموال ولم يكن من مال المصالح ما يفي بخراجات العسكر، ولو تفرق ~~العسكر واشتغلوا بالكسب لخيف دخول الكفار بلاد الاسلام، أو خيف ثوران ~~الفتنة من أهل العرامة في بلاد الاسلام، فيجوز للامام أن يوظف على الأغنياء ~~مقدار كفاية الجند، ثم إن رأى في طريق التوزيع التخصيص بالأراضي فلا حرج، ~~لأنا نعلم أنه إذا تعارض شران أو PageV00P177 # ضرران قصد الشرع دفع أشد الضررين وأعظم الشرين وما يؤديه كل واحد منهم ~~قليل، بالإضافة إلى ما يخاطر به من نفسه وماله لو خلت خطة الاسلام عن ذي ~~شوكة يحفظ نظام الأمور، ويقطع مادة الشرور، وكان هذا لا يخلو عن شهادة أصول ~~معينة، فإن لولي الطفل عمارة القنوات وإخراج أجرة الفصاد وثمن الأدوية، وكل ~~ذلك تنجيز خسران لتوقع ما هو أكثر منه، وهذا أيضا يؤيد مسلك الترجيح في ~~مسألة الترس لكن هذا تصرف في الأموال، والأموال مبتذلة، يجوز ابتذالها في ~~الأغراض التي هي أهم منها، وإنما لمحظور سفك دم معصوم من غير ذنب سافك، فإن ~~قيل: فبأي طريق بلغ الصحابة حد الشرب إلى ثمانين، فإن كان حد الشرب مقدرا، ~~فكيف زادوا بالمصلحة، وإن لم يكون مقدرا وكان تعزيرا فلم افتقروا إلى الشبه ~~بحد القذف؟ قلنا: الصحيح أنه لم يكن مقدرا، لكن ضرب الشارب في زمان رسول ~~الله (ص) بالنعال وأطراف الثياب، فقد ذلك على سبيل التعديل والتقويم ~~بأربعين، فرأوا المصلحة في الزيادة فزادوا، والتعزيرات مفوضة إلى رأي ~~الأئمة، فكأنه ثبت الاجماع أنهم أمروا بمراعاة المصلحة وقيل لهم، اعملوا ~~بما رأيتموه أصوب، بعد أن صدرت الجناية الموجبة للعقوبة، ومع هذا، فلم ~~يريدوا الزيادة على تعزير رسول الله (ص) إلا بتقريب من منصوصات الشرع، ~~فرأوا الشرب مظنة القذف، لان من سكر هذى ومن هذى افترى، ورأوا الشرع يقيم ~~مظنة الشئ مقام نفس الشئ، كما أقام النوم مقام الحدث وأقام الوطئ مقام شغل ~~الرحم، والبلوغ مقام نفس العقل، لأن هذه الأسباب مظان ms277 هذه المعاني، فليس ما ~~ذكروه مخالفة للنص بالمصلحة أصلا، فإن قيل: فما قولكم في المصالح الجزئية ~~المتعلقة بالاشخاص، مثل المفقود زوجها إذا اندرس خبر موته وحياته وقد ~~انتظرت سنين وتضررت بالعزوبة أيفسخ نكاحها للمصلحة أم لا؟ وكذلك إذا عقد ~~وليان أو وكيلان نكاحين أحدهما سابق واستبهم الامر ووقع اليأس عن البيان ~~بقيت المرأة محبوسة طول العمر عن الأزواج ومحرمة على زوجها المالك لها في ~~علم الله تعالى؟ وكذلك المرأة إذا تباعد حيضها عشر سنين وتعوقت عدتها وبقيت ~~ممنوعة من النكاح هل يجوز لها الاعتداد بالأشهر أو تكتفي بتربص أربع سنين؟ ~~وكل ذلك مصلحة ودفع ضرر، ونحن نعلم أن دفع الضرر مقصود شرعا؟ قلنا: ~~المسألتان الأوليان مختلف فيهما، فهما في محل الاجتهاد، فقد قال عمر: # تنكح زوجة المفقود بعد أربع سنين من انقطاع الخبر، وبه قال الشافعي في ~~القديم، وقال في الجديد، تصبر إلى قيام البينة على موته أو انقضاء مدة يعلم ~~أنه لا يعيش إليها، لأنا إن حكمنا بموته بغير بينة فهو بعيد إذ لا تدارس ~~الاخبار أسباب سوى الموت، لا سيما في الخامل الذكر النازل القدر، وإن فسخنا ~~فالفسخ إنما يثبت بنص أو قياس على منصوص، والمنصوص أعذار وعيوب من جهة ~~الزوج من اعسار وجب وعنة، فإذا كانت النفقة دائمة فغايته الامتناع من ~~الوطئ، وذلك في الحضرة لا يؤثر، فكذلك في الغيبة، فإن قيل: سبب الفسخ دفع ~~الضرر عنها ورعاية جانبها، فيعارضه أن رعاية جانبه أيضا مهم ودفع الضرر عنه ~~واجب، وفي تسليم زوجته إلى غيره في غيبته، ولعله محبوس أو مريض معذور إضرار ~~به، فقد تقابل الضرران، وما من ساعة إلا وقدوم الزوج فيها ممكن، فليس تصفو ~~هذه المصلحة عن معارض، وكذلك PageV00P178 # اختلف قول الشافعي في مسألة الوليين، ولو قيل بالفسخ من حيث تعذر إمضاء ~~العقد فليس ذلك حكما بمجرد مصلحة، لا يعتضد بأصل معين، بل تشهد له الأصول ~~المعينة، أما تباعد الحيضة فلا خلاف فيها في مذهب الشافعي، ولم يبلغنا خلاف ~~عن العلماء، وقد أوجب الله تعالى ms278 التربص بالأقراء إلا على اللائي يئسن من ~~المحيض، وليست هذه من الآيسات، ما من لحظة إلا ويتوقع فيها هجوم الحيض وهي ~~شابة، فمثل هذا القدر النادر لا يسلطنا على تخصيص النص، فإنا لم نر الشرع ~~يلتفت إلى النوادر في أكثر الأحوال، وكان لا يبعد عندي لو اكتفي بأقصى مدة ~~الحمل وهو أربع سنين، لكن لما أوجبت العدة مع تعليق الطلاق على يقين ~~البراءة غلب التعبد فإن قيل: فقد ملتم في أكثر هذه المسائل إلى القول ~~بالمصالح ثم أوردتم هذا الأصل في جملة الأصول الموهومة، فليلحق هذا بالأصول ~~الصحيحة ليصير أصلا خامسا بعد الكتاب والسنة والاجماع والعقل، قلنا: هذا من ~~الأصول الموهومة، إذ من ظن أنه أصل خامس فقد أخطأ، لأنا رددنا المصلحة إلى ~~حفظ مقاصد الشرع، ومقاصد الشرع تعرف بالكتاب والسنة والاجماع، فكل مصلحة لا ~~ترجع إلى حفظ مقصود، فهم من الكتاب والسنة والاجماع، وكانت من المصالح ~~الغريبة التي لا تلائم تصرفات الشرع، فهي باطلة مطرحة، ومن صار إليها فقد ~~شرع، كما أن من استحسن فقد شرع، وكل مصلحة رجعت إلى حفظ مقصود شرعي علم ~~كونه مقصودا بالكتاب والسنة والاجماع، فليس خارجا من هذه الأصول، لكنه لا ~~يسمى قياسا، بل مصلحة مرسلة، إذ القياس أصل معين، وكون هذه المعاني مقصودة ~~عرفت لا بدليل واحد، بل بأدلة كثيرة لا حصر لها من الكتاب والسنة وقرائن ~~الأحوال وتفاريق الامارات تسمى لذلك مصلحة مرسلة، وإذا فسرنا المصلحة ~~بالمحافظة على مقصود الشرع، فلا وجه للخلاف في اتباعها، بل يجب القطع ~~بكونها حجة، وحيث ذكرنا خلافا فذلك عند تعارض مصلحتين ومقصودين، وعند ذلك ~~يجب ترجيح الأقوى، ولذلك قطعنا بكون الاكراه مبيحا لكلمة الردة، وشرب ~~الخمر، وأكل مال الغير، وترك الصوم والصلاة، لان الحذر من سفك الدم أشد من ~~هذه الأمور، ولا يباح به الزنا، لأنه مثل محذور الاكراه، فإذا منشأ الخلاف ~~في مسألة الترس الترجيح، إذ الشرع ما رجح الكثير على القليل في مسألة ~~السفينة، ورجح الكل على الجزء في قطع اليد المتأكلة، وهل يرجح ms279 الكلي على ~~الجزئي في مسألة الترس؟ فيه خلاف ولذلك يمكن إظهار هذه المصالح في صيغة ~~البرهان، إذ تقول في مسألة الترس مخالفة مقصود الشرع حرام وفي الكف عن قتال ~~الكفار، مخالفة لمقصود الشرع. فإن قيل: لا ننكر أن مخالفة مقصود الشرع ~~حرام، ولكن لا نسلم أن هذه مخالفة؟ # قلنا: قهر الكفار واستعلاء الاسلام مقصود، وفي هذا استئصال الاسلام ~~واستعلاء الكفر، فإن قيل: فالكف عن المسلم الذي لم يذنب مقصود، وفي هذا ~~مخالفة المقصود؟ قلنا: هذا مقصود، وقد اضطررنا إلى مخالفة أحد المقصودين، ~~ولا بد من الترجيح، والجزئي محتقر بالإضافة إلى الكلي، وهذا جزئي بالإضافة، ~~فلا يعارض بالكلي، فإن قيل: مسلم أن هذا جزئي، ولكن لا يسلم أن الجزئي ~~محتقر بالإضافة إلى الكلي، فاحتقار الشرع له يعرف بنص أو قياس على منصوص؟ ~~قلنا: قد عرفنا ذلك لا بنص واحد معين، بل بتفاريق أحكام واقتران ~~PageV00P179 # دلالات، لم يبق معها شك في أن حفظ خطة الاسلام ورقاب المسلمين أهم في ~~مقاصد الشرع من حفظ شخص معين في ساعة أو نهار، وسيعود الكفار عليه بالقتل، ~~فهذا مما لا يشك فيه، كما أبحنا أكل مال الغير بالاكراه، لعلمنا بأن المال ~~حقير في ميزان الشرع بالإضافة إلى الدم وعرف ذلك بأدلة كثيرة، فإن قيل: ~~فهلا فهمتم أن حفظ الكثير أهم من حفظ القليل في مسألة السفينة وفي الاكراه ~~وفي المخمصة؟ قلنا، لم نفهم ذلك، إذ أجمعت الأمة على أنه لو أكره شخصان على ~~قتل شخص لا يحل لهما قتله، وأنه لا يحل لمسلمين أكل مسلم في المخمصة، فمنع ~~الاجماع من ترجيح الكثرة، أما ترجيح الكلي فمعلوم إما على القطع وإما بظن ~~قريب من القطع يجب اتباع مثله في الشرع، ولم يرد نص على خلافه، بخلاف ~~الكثرة، إذ الاجماع في الاكراه وفي المخمصة منع منه فبهذه الشروط التي ~~ذكرناها يجوز اتباع المصالح، وتبين أن الاستصلاح ليس أصلا خامسا برأسه، بل ~~من استصلح فقد شرع، كما أن من استحسن فقد شرع، وتبين به أن الاستصلاح على ~~ما ذكرنا، ms280 وهذا تمام الكلام في القطب الثاني من الأصول. # القطب الثالث في كيفية استثمار الاحكام من مثمرات الأصول ويشتمل هذا ~~القطب على صدر ومقدمة وثلاثة فنون: # صدر القطب الثالث: اعلم أن هذا القطب هو عمدة علم الأصول: لان ميدان سعي ~~المجتهدين في اقتباس الاحكام من أصولها واجتنائها من أغصانها إذ نفس ~~الاحكام ليست ترتبط باختيار المجتهدين ورفعها ووضعها، والأصول الأربعة من ~~الكتاب والسنة والاجماع والعقل، لا مدخل لاختيار العباد في تأسيسها ~~وتأصيلها، وإنما مجال اضطراب المجتهد واكتسابه استعمال الفكر في استنباط ~~الاحكام واقتباسها من مداركها، والمدارك هي الأدلة السمعية، ومرجعها إلى ~~الرسول (ص)، إذ منه يسمع الكتاب أيضا، وبه يعرف الاجماع والصادر منه من ~~مدارك الأحكام ثلاثة، إما لفظ، وإما فعل، وإما سكوت وتقرير، ونرى أن نؤخر ~~الكلام في الفعل والسكوت، لان الكلام فيهما أوجز. واللفظ إما أن يدل على ~~الحكم بصيغته ومنظومه، أو بفحواه ومفهومه، أو بمعناه ومعقوله، وهو الاقتباس ~~الذي يسمى قياسا، فهذه ثلاثة فنون: المنظوم والمفهوم، والمعقول. # الفن الأول: في المنظوم وكيفية الاستدلال بالصيغة من حيث اللغة والوضع ~~ويشتمل هذا الفن على مقدمة وأربعة أقسام: القسم الأول: في المجمل والمبين، ~~القسم الثاني: في الظاهر والمؤول، القسم الثالث: في الأمر والنهي، القسم ~~الرابع: في العام والخاص، فهذا صدر هذا القطب. أما المقدمة فتشتمل على سبعة ~~فصول: الفصل الأول: في مبدأ اللغات أنه اصطلاح أم توقيف. الفصل الثاني: في ~~أن اللغة هل تثبت قياسا. الفصل الثالث: في الأسماء العرفية. الفصل الرابع: ~~في الأسماء الشرعية. الفصل الخامس: في اللفظ المفيد وغير المفيد. الفصل ~~السادس: في طريق فهم المراد من الخطاب على الجملة. الفصل السابع: في المجاز ~~والحقيقة. PageV00P180 # الفصل الأول: في مبدأ اللغات وقد ذهب قوم إلى أنها اصطلاحية، إذ كيف تكون ~~توقيفا ولا يفهم التوقيف إذا لم يكن لفظ صاحب التوقيف معروفا للمخاطب ~~باصطلاح سابق، وقال قوم: إنها توقيفية، إذ الاصطلاح لا يتم إلا بخطاب ~~ومناداة ودعوة إلى الوضع، ولا يكون ذلك إلا بلفظ معروف قبل الاجتماع ~~للاصطلاح، وقال قوم: القدر ms281 الذي يحصل به التنبيه والبعث على الاصطلاح يكون ~~بالتوقيف، وما بعده يكون بالاصطلاح، والمختار: أن النظر في هذا إما أن يقع ~~في الجواز أو في الوقوع. أما الجواز العقلي: فشامل للمذاهب الثلاثة، والكل ~~في حيز الامكان. أما التوقيف: فبأن يخلق الأصوات والحروف، بحيث يسمعها واحد ~~أو جمع، ويخلق لهم العلم بأنها قصدت للدلالة على المسميات، والقدرة الأزلية ~~لا تقصر عن ذلك. # وأما الاصطلاح: فبأن يجمع الله دواعي جمع من العقلاء للاشتغال بما هو ~~مهمهم وحاجتهم، من تعريف الأمور الغائبة التي لا يمكن الانسان أن يصل إليها ~~فيبتدئ واحد ويتبعه الآخر حتى يتم الاصطلاح، بل العاقل الواحد ربما ينقدح ~~له وجه الحاجة، وإمكان التعريف بتأليف الحروف، فيتولى الوضع ثم يعرف ~~الآخرين بالإشارة والتكرير معها للفظ مرة بعد أخرى، كما يفعل الوالدان ~~بالولد الصغير، وكما يعرف الأخرس ما في ضميره بالإشارة، وإذا أمكن كل واحد ~~من القسمين أمكن التركيب منهما جميعا، أما الواقع من هذه الأقسام فلا مطمع ~~في معرفته يقينا إلا ببرهان عقلي، أو بتواتر خبر أو سمع قاطع، ولا مجال ~~لبرها العقل في هذا، ولم ينقل تواتر ولا فيه سمع قاطع، فلا يبقى إلا رجم ~~الظن في أمر لا يرتبط به تعبد عملي، ولا ترهق إلى اعتقاده حاجة، فالخوض فيه ~~إذا فصول لا أصل له، فإن قيل: قال الله تعالى: * (وعلم آدم الأسماء كلها) * ~~(البقرة: 13) وهذا يدل على أنه كان بوحي وتوقيف، فيدل على الوقوع وإن لم ~~يدل على استحالة خلافه؟ قلنا: وليس ذلك دليلا قاطعا على الوقوع أيضا، إذ ~~يتطرق إليه أربعة احتمالات: أحدها: أنه ربما ألهمه الله تعالى الحاجة إلى ~~الوضع، فوضع بتدبيره وفكره، ونسب ذلك إلى تعليم الله تعالى، لأنه الهادي ~~والملهم، ومحرك الداعية، كما تنسب جميع أفعالنا إلى الله تعالى. الثاني: أن ~~الأسماء ربما كانت موضوعة باصطلاح من خلق الله تعالى قبل آدم من الجن، أو ~~فريق من الملائكة، فعلمه الله تعالى ما تواضع عليه غيره. الثالث: أن ~~الأسماء صيغة عموم، فلعله أراد به أسماء السماء ms282 والأرض، وما في الجنة ~~والنار، دون الأسامي التي حدثت مسمياتها بعد آدم عليه السلام من الحرف ~~والصناعات والآلات وتخصيص قوله تعالى كلها كتخصيص قوله تعالى: * (وأوتيت من ~~كل شئ) * (النمل: 32) وقوله تعالى: * (تدمر كل شئ بأمر ربها فأصبحوا لا يرى ~~إلا مساكنهم) * (الأحقاف: 52) وهو على كل شئ قدير إذ يخرج عنه ذاته وصفاته. ~~الرابع: أنه ربما علمه ثم نسيه أو لم يعلم غيره ثم اصطلح بعده أولاده على ~~هذه اللغات المعهودة الآن والغالب أن أكثرها حادثة بعده. # الفصل الثاني في أن الأسماء اللغوية هل تثبت قياسا وقد اختلفوا فيه: فقال ~~بعضهم: سموا الخمر من العنب خمرا لأنها تخمر العقل، فيسمى النبيذ خمرا ~~لتحقق ذلك المعنى فيه، قياسا عليه، حتى يدخل في عموم قوله (ص): حرمت الخمر ~~لعينها وسمي الزاني زانيا لأنه مولج فرجه في فرج محرم، فيقاس عليه اللائط ~~في إثبات اسم PageV00P181 # الزاني، حتى يدخل في عموم قوله تعالى: * ((24) الزانية والزاني) * ~~(النور: 2) وسمي السارق سارقا، لأنه أخذ مال الغير في خفية، وهذه العلة ~~موجودة في النباش، فيثبت له اسم السارق قياسا، حتى يدخل تحت عموم قوله ~~تعالى: * (والسارق والسارقة) * (المائدة: 83) وهذا غير مرضي عندنا، لان ~~العرب إن عرفتنا بتوقيفها أنا وضعنا الاسم للمسكر: المعتصر من العنب خاصة، ~~فوضعه لغيره، تقول عليهم واختراع، فلا يكون لغتهم، بل يكون وضعا من جهتنا، ~~وإن عرفتنا أنها وضعته لكل ما يخامر العقل أو يخمره فكيفما كان قاسم الخمر ~~ثابت للنبيذ بتوقيفهم لا بقياسنا، كما أنهم عرفونا أن كل مصدر فله فاعل، ~~فإذا سمينا فاعل الضرب ضاربا كان ذلك عن توقيف لا عن قياس، وإن سكتوا عن ~~الامرين احتمل أن يكون الخمر اسم ما يعتصر من العنب خاصة واحتمل غيره، فلم ~~نتحكم عليهم ونقول: لغتهم هذا، وقد رأيناهم يضعون الاسم لمعاني ويخصصونها ~~بالمحل، كما يسمون الفرس أدهم لسواده كميتا لحمرته، والثوب المتلون بذلك ~~اللون، بل الآدمي المتلون بالسواد لا يسمونه بذلك الاسم، لانهم ما وضعوا ~~الأدهم والكميت للأسود والأحمر، بل لفرس أسود وأحمر، وكما سموا ms283 الزجاج الذي ~~تقر فيه المائعات قارورة أخذا من القرار، ولا يسمون الكوز والحوض قارورة ~~وإن قر الماء فيه، فإذا: كل ما ليس على قياس التصريف الذي عرف منهم ~~بالتوقيف فلا سبيل إلى إثباته ووضعه بالقياس، وقد أطنبنا في شرح هذه ~~المسألة في كتاب أساس القياس فثبت بهذا أن اللغة وضع كلها وتوقيف ليس فيها ~~قياس أصلا. # الفصل الثالث في الأسماء العرفية اعلم أن الأسماء اللغوية تنقسم إلى ~~وضعية وعرفية، والاسم يسمى عرفيا باعتبارين: أحدهما: أن يوضع الاسم لمعنى ~~عام، ثم يخصص عرف الاستعمال من أهل اللغة، ذلك الاسم ببعض مسمياته، كاختصاص ~~اسم الدابة بذوات الأربع، مع أن الوضع لكل ما يدب، واختصاص اسم المتكلم ~~بالعالم بعلم الكلام، مع أن كل قائل ومتلفظ متكلم، وكاختصاص اسم الفقيه ~~والمتعلم وببعض العلماء وبعض المتعلمين، مع أن الوضع عام، قال الله تعالى: ~~* (وعلم آدم الأسماء كلها) * (البقرة: 13)، وقال تعالى: * (خلق الانسان ئ ~~علمه البيان) * (الرحمن: 3 - 4) وقال عز وجل: * (فمال هؤلاء القوم لا ~~يكادون يفقهون حديثا) * (النساء: 87). الاعتبار الثاني: أن يصير الاسم ~~شائعا في غير ما وضع له أولا، بل فيما هو مجاز فيه، كالغائط المطمئن من ~~الأرض، والعذرة البناء الذي يستتر به، وتقضى الحاجة من ورائه، فصار أصل ~~الوضع منسيا، والمجاز معروفا سابقا إلى الفهم بعرف الاستعمال، وذلك بالوضع ~~الأول، فالأسامي اللغوية، إما وضعية، وإما عرفية، أما ما انفرد المحترفون ~~وأرباب الصناعات بوضعه لأدواتهم، فلا يجوز أن يسمى عرفيا، لان مبادئ اللغات ~~والوضع الأصلي كلها كانت كذلك، فيلزم أن يكون جميع الأسامي اللغوية عرفية. # الفصل الرابع في الأسماء الشرعية قالت المعتزلة والخوارج وطائفة من ~~الفقهاء: # الأسماء لغوية، ودينية، وشرعية، أما اللغوية فظاهرة، وأما الدينية فما ~~نقلته الشريعة إلى أصل الدين، كلفظ الايمان والكفر والفسق، وأما الشرعية ~~فكالصلاة والصوم والحج والزكاة، واستدل القاضي على إفساد مذهبهم بمسلكين: ~~الأول: أن هذه الألفاظ يشتمل عليها القرآن، PageV00P182 # والقرآن نزل بلغة العرب، قال الله تعالى: * (إنا أنزلناه قرآنا عربيا) * ~~(يوسف: 2)، * (بلسان عربي مبين) * * (وما أرسلنا من رسول إلا ms284 بلسان قومه) * ~~(إبراهيم: 4) ولو قال: أطعموا العلماء: وأراد الفقراء لم يكن هذا بلسانهم، ~~وإن كان اللفظ المنقول عربيا، فكذلك إذا نقل اللفظ عن موضوعه إلى غير ~~موضوعه، أو جعل عبارة عن بعض موضوعه، أو متناولا لموضوعه وغير موضوعه، فكل ~~ذلك ليس من لسان العرب. الثاني: أن الشارع لو فعل ذلك للزمه تعريف الأمة ~~بالتوقيف نقل تلك الأسامي، فإنه إذا خاطبهم بلغتهم لم يفهموا إلا موضوعها، ~~ولو ورد فيه توقيف لكان متواترا، فإن الحجة لا تقوم بالآحاد، احتجوا بقوله ~~تعالى: # * (وما كان الله ليضيع إيمانكم) * (البقرة: 341) وأراد به الصلاة نحو بيت ~~المقدس، وقال (ص): نهيت عن قتل المصلين وأراد به المؤمنين، وهو خلاف اللغة، ~~قلنا: # أراد بالايمان التصديق بالصلاة والقبلة، وأراد بالمصلين المصدقين ~~بالصلاة، وسمي التصديق بالصلاة صلاة على سبيل التجوز، وعادة العرب تسمية ~~الشئ بما يتعلق به نوعا من التعلق والتجوز منفس اللغة، احتجوا بقوله: ~~الايمان بضع وسبعون بابا، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة ~~الأذى عن الطريق وتسمية الإماطة إيمانا خلاف الوضع، قلنا: هذا من أخبار ~~الآحاد، فلا يثبت به مثل هذه القاعدة، وإن ثبتت فهي دلالة الايمان، فيتجوز ~~بتسميته أيمانا، احتجوا بأن الشرع وضع عبادات لم تكن معهودة، فافتقرت إلى ~~أسام، وكان استعارتها من اللغة أقرب من نقلها من لغة أخرى أو إبداع أسام ~~لها، قلنا: لا نسلم أنه حدث في الشريعة عبادة لم يكن لها اسم في اللغة، فإن ~~قيل: فالصلاة في اللغة ليست عبارة عن الركوع والسجود، ولا الحج عبارة عن ~~الطواف والسعي، قلنا: عنه جوابان: الأول: أنه ليست الصلاة في الشرع أيضا ~~عبارة عنه بل الصلاة عبارة عن الدعاء كما في اللغة، والحج عبارة عن القصد، ~~والصوم عبارة عن الامساك، والزكاة عبارة عن النمو، لكن الشرع شرط في أجزاء ~~هذه الأمور أمورا أخر تنضم إليها، فشرط في الاعتداد بالدعاء الواجب انضمام ~~الركوع والسجود إليه، وفي قصد البيت أن ينضم إليه الوقوف والطواف والاسم ~~غير متناول له، لكنه شرط الاعتداد، بما ينطلق عليه ms285 الاسم، فالشرع تصرف بوضع ~~الشرط لا بتغيير الوضع. الثاني: أنه يمكن أن يقال: سميت جميع الأفعال صلاة ~~لكونها متبعا بها فعل الامام، فإن التالي للسابق في الخيل يسمى مصليا لكونه ~~متبعا، هذا كلام القاضي رحمه الله، والمختار عندنا أنه لا سبيل إلى إنكار ~~تصرف الشرع في هذه الأسامي، ولا سبيل إلى دعوى كونها منقولة عن اللغة ~~بالكلية، كما ظنه قوم، ولكن عرف اللغة تصرف في الأسامي من وجهين: أحدهما: ~~التخصيص ببعض المسميات، كما في الدابة، فتصرف الشرع في الحج والصوم ~~والايمان من هذا الجنس إذ للشرع عرف في الاستعمال كما للعرب. والثاني: في ~~إطلاقهم الاسم على ما يتعلق به الشئ ويتصل به، كتسميتهم الخمر محرمة، ~~والمحرم شربها، والام محرمة والمحرم وطؤها، فتصرفه في الصلاة كذلك، لان ~~الركوع والسجود شرطه الشرع في تمام الصلاة، فشمله الاسم بعرف استعمال الشرع ~~إذ إنكار كون الركوع والسجود ركن الصلاة، ومن نفسها بعيد، فتسليم هذا القدر ~~من التصرف بتعارف الاستعمال للشرع أهون من PageV00P183 # إخراج السجود والركوع من نفس الصلاة، وهو كالمهم المحتاج إليه، إذ ما ~~يصوره الشرع من العبادات ينبغي أن يكون لها أسام معروفة، ولا يوجد ذلك في ~~اللغة إلا بنوع تصرف فيه، وأما ما استدل به من أن القرآن عربي، فهذا لا ~~يخرج هذه الأسامي عن أن تكون عربية، ولا يسلب اسم العربي عن القرآن، فإنه ~~لو اشتمل على مثل هذه الكلمات بالعجمية لكان لا يخرجه عن كونه عربيا أيضا، ~~كما ذكرناه، في القطب الأول من الكتاب. وأما قوله: إنه كان يجب عليه ~~التوقيف على تصرفه، فهذا أيضا، إنما يجب إذا لم يفهم مقصوده من هذه الألفاظ ~~بالتكرير والقرائن مرة بعد أخرى، فإذا فهم هذا فقد حصل الغرض فهذا أقرب ~~عندنا بما ذكره القاضي رحمه الله. # الفصل الخامس في الكلام المفيد اعلم أن الأمور منقسمة إلى ما يدل على ~~غيره وإلى ما لا يدل، فأما ما يدل فينقسم إلى ما يدل بذاته، وهو الأدلة ~~العقلية وقد ذكرنا مجامع أقسامها في مدارك العقول من ms286 مقدمة الكتاب، وإلى ما ~~يدل بالوضع، وهو ينقسم إلى صوت وغير صوت، كالإشارة والرمز، والصوت ينقسم في ~~دلالته إلى مفيد وغير مفيد، والمفيد كقولك: زيد قائم، وزيد خرج راكبا، وغير ~~المفيد كقولك: زيد لا وعمرو في، فإن هذا لا يحصل منه معنى، وإن كان آحاد ~~كلماته موضوعة للدلالة، وقد اختلف في تسمية هذا كلاما، فمنهم من قال: هو ~~كمقلوب رجل وزيد لجر وديز، فإن هذا لا يسمى كلاما، ومنهم من سماه كلاما، ~~لان آحاده وضعت للإفادة. واعلم أن المفيد من الكلام ثلاثة أقسام: اسم، ~~وفعل، وحرف ، كما في علم النحو، وهذا لا يكون مفيدا حتى يشتمل على اسمين ~~أسند أحدهما إلى الآخر، نحو: زيد أخوك، والله ربك، أو اسم أسند إلى فعل، ~~نحو قولك: ضرب زيد وقام عمرو، وأما الاسم والحرف كقولك: زيد من وعمرو في ~~فلا يفيد حتى تقول من مضر وفي الدار، وكذلك قولك: ضرب قام لا يفيد إذ لم ~~يتخلله اسم، وكذلك قولك: من في قد على. واعلم أن المركب من الاسم والفعل ~~والحرف تركيبا مفيدا ينقسم إلى مستقل بالإفادة من كل وجه، وإلى ما لا يستقل ~~بالإفادة إلا بقرينة، وإلى ما يستقل بالإفادة من وجه دون وجه، مثال الأول ~~قوله تعالى: * (ذلك) * (الاسراء: 23)، * (ولا تقتلوا أنفسكم) * (النساء: ~~92) وذلك يسمى نصا لظهوره، والنص في السير هو الظهور فيه، ومنه منصة العروس ~~للكرسي الذي تظهر عليه، والنص ضربان ضرب هو نص بلفظه ومنظومه، كما ذكرناه، ~~وضرب هو نص بفحواه ومفهومه، نحو قوله تعالى: * (فلا تقل لهما أف) * ~~(الاسراء: 32) * (ولا تظلمون فتيلا) * (النساء: 77) * (فمن يعمل مثقال ذرة ~~خيرا يره) * (الزلزلة: 7) * (ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك) * (آل ~~عمران: 57). فقد اتفق أهل اللغة على أن فهم ما فوق التأفيف من الضرب والشتم ~~وما وراء الفتيل والذرة من المقدار الكثير أسبق إلى الفهم منه من نفس الذرة ~~والفتيل والتأفيف، ومن قال: إن هذا معلوم بالقياس، فإن أراد به أن المسكوت ~~عنه عرف بالمنطوق فهو حق، وإن أراد به أن ms287 يحتاج فيه إلى تأمل أو يتطرق إليه ~~احتمال فهو غلط، وأما الذي لا يستقل إلا بقرينة فكقوله تعالى: * (أو يعفوا ~~الذي بيده) * (البقرة: 237) وقوله: * (ثلاثة قروء) * (البقرة: 822) وكل لفظ ~~مشترك ومبهم، وكقوله: رأيت أسدا وحمارا PageV00P184 # وثورا، إذا أراد شجاعا وبليدا، فإنه لا يستقل بالدلالة على مقصوده إلا ~~بقرينة، وأما الذي يستقل من وجه دون وجه، فكقوله تعالى: * (وآتوا حقه يوم ~~حصاده) * (الانعام: 141) وكقوله تعالى: # * (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) * (التوبة: 92) (التوبة: 92) فإن ~~الايتاء ويوم الحصاد معلوم، ومقدار ما يؤتى غير معلوم، والقتال وأهل الكتاب ~~معلوم، وقدر الجزية مجهول، فخرج من هذا أن اللفظ المفيد بالإضافة إلى ~~مدلوله، إما أن لا يتطرق إليه احتمال فيسمى نصا، أو يتعارض فيه الاحتمالات ~~من غير ترجيح، فيسمى مجملا ومبهما، أو يترجح أحد احتمالاته على الآخر فيسمى ~~بالإضافة إلى الاحتمال الأرجح ظاهرا، وبالإضافة إلى الاحتمال البعيد مؤولا، ~~فاللفظ المفيد إذا ما نص أو ظاهر أو مجمل. # الفصل السادس في طريق فهم المراد من الخطاب اعلم أن الكلام إما أن يسمعه ~~نبي أو ملك من الله تعالى، أو يسمعه نبي أو ولي من ملك، أو تسمعه الأمة من ~~النبي، فإن سمعه ملك أو نبي من الله تعالى فلا يكون حرفا ولا صوتا ولا لغة ~~موضوعة حتى يعرف معناه بسبب تقدم المعرفة بالمواضعة، لكن يعرف المراد منه ~~بأن يخلق الله تعالى في السامع علما ضروريا بثلاثة أمور: بالمتكلم وبأن ما ~~سمعه من كلامه، وبمراده من كلامه، فهذه ثلاثة أمور ، لا بد وأن تكون ~~معلومة، والقدرة الأزلية ليست قاصرة عن اضطرار الملك والنبي إلى العلم ~~بذلك، ولا متكلم إلا وهو محتاج إلى نصب علامة لتعريف ما في ضميره، إلا الله ~~تعالى، فإنه قادر على اختراع علم ضروري به من غير نصب علامة، وكما أن كلامه ~~ليس من جنس كلام البشر، فسمعه الذي يخلقه لعبده ليس من جنس سمع الأصوات، ~~ولذلك يعسر علينا تفهم كيفية سماع موسى كلام الله تعالى الذي ليس بحرف ولا ~~صوت، كما يعسر ms288 على الأكمة تفهم كيفية إدراك البصير للألوان والاشكال، أما ~~سماع النبي من الملك فيحتمل أن يكون بحرف وصوت دال على معنى كلام الله، ~~فيكون المسموع الأصوات الحادثة، التي هي فعل الملك دون نفس الكلام، ولا ~~يكون هذا إسماعا لكلام الله بغير واسطة، وإن كان يطلق عليه اسم سماع كلام ~~الله تعالى، كما يقال: فلان سمع شعر المتنبي وكلامه، وإن سمعه من غيره وسمع ~~صوت غيره، وكما قال تعالى: * (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع ~~كلام الله) * (التوبة : 6) وكذلك سماع الأمة من الرسول (ص) كسماع الرسول من ~~الملك، ويكون طريق فهم المراد تقدم المعرفة بوضع اللغة التي بها المخاطبة، ~~ثم إن كان نصا لا يحتمل كفى معرفة اللغة وإن تطرق إليه الاحتمال فلا يعرف ~~المراد منه حقيقة إلا بانضمام قرينة إلى اللفظ، والقرينة إما لفظ مكشوف، ~~كقوله تعالى: * (وآتوا حقه يوم حصاده) * (الانعام: # 141) والحق هو العشر، وإما إحالة على دليل العقل، كقوله تعالى: * (وما ~~قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات ~~بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون) * (الزمر: 76) وقوله عليه السلام: قلب ~~المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن. # وإما قرائن أحوال من إشارات ورموز وحركات وسوابق ولواحق لا تدخل تحت ~~الحصر والتخمين يختص بدركها المشاهد لها، فينقلها المشاهدون من الصحابة إلى ~~التابعين بألفاظ صريحة، أو مع قرائن من ذلك الجنس أو من جنس آخر، حتى توجب ~~علما ضروريا بفهم المراد، أو توجب ظنا، وكل ما ليس عبارة موضوعة في اللغة ~~فتتعين فيه القرائن، وعند منكري صيغة PageV00P185 # العموم والامر يتعين تعريف الامر والاستغراق بالقرائن، فإن قوله تعالى: ~~(فاقتلوا المشركين) (التوبة: 5) وإن أكده بقوله: كلهم وجميعهم فيحتمل ~~الخصوص عندهم تقوله تعالى: (ولله) * (الأحقاف: 52) * ((27) وأوتيت من كل ~~شئ) (النمل: # 32) فإنه أريد به البعض، وسيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى. # الفصل السابع: في الحقيقة والمجاز اعلم أن اسم الحقيقة مشترك، إذ قد يراد ~~به ذات الشئ وحده ويراد به حقيقة الكلام، ولكن إذا استعمل في الألفاظ أريد ~~به ما استعمل ms289 في موضوعه. والمجاز ما استعمله العرب في غير موضوعه وهو ثلاثة ~~أنواع، الأول: ما أستعير للشئ بسببه المشابهة في خاصية مشهورة، كقولهم ~~للشجاع: أسد وللبليد: حمار، فلو سمي الأبخر أسدا لم يجز، لان البخر ليس ~~مشهورا في حق الأسد. الثاني: الزيادة كقوله تعالى: # * (ليس كمثله شئ) * (الشورى: 11) فإن الكاف وضعت للإفادة، فإذا استعملت ~~على وجه لا يفيد كان على خلاف الوضع. الثالث: النقصان الذي لا يبطل ~~التفهيم، كقوله عز وجل: # * (واسأل القرية) * (يوسف: 28) والمعنى: واسأل أهل القرية، وهذا النقصان ~~اعتادته العرب فهو توسع وتجوز، وقد يعرف المجاز بإحدى علامات أربع: الأولى: ~~أن الحقيقة جارية على العموم في نظائره، إذ قولنا: عالم لما عني به ذو علم ~~صدق على كل ذي علم، وقوله: * (واسئل القرية) * يصح في بعض الجمادات لإرادة ~~صاحب القرية، ولا يقال: سل البساط والكوز، وإن كان قد يقال: سل الطلل ~~والربع، لقربه من المجاز المستعمل. الثانية: # أن يعرف بامتناع الاشتقاق عليه، إذ الامر إذا استعمل في حقيقته اشتق منه ~~اسم الآمر وإذا استعمل في الشأن مجازا لم يشتق منه آمر، والشأن هو المراد ~~بقوله تعالى: * (وما أمر فرعون برشيد) * (هود: 79) وبقوله تعالى: * (إذا ~~جاء أمرنا) * (هود: 04). الثالثة: أن تختلف صيغة الجمع على الاسم، فيعلم ~~أنه مجاز في أحدهما، إذ الامر الحقيقي يجمع على أوامر، وإذا أريد به الشأن ~~يجمع على أمور. الرابعة: أن الحقيقي إذا كان له تعلق بالغير، فإذا استعمل ~~فيما لا تعلق له به لم يكن له متعلق كالقدرة إذا أريد بها الصفة، كان لها ~~مقدور، وإن أريد بها المقدور كالنبات الحسن العجيب، إذ يقال: انظر إلى قدرة ~~الله تعالى: أي إلى عجائب مقدوراته لم يكن له متعلق، إذ النبات لا مقدور ~~له. واعلم أن كل مجاز فله حقيقة، وليس من ضرورة كل حقيقة أن يكون لها مجاز، ~~بل ضربان من الأسماء لا يدخلهما المجاز، الأول: أسماء الاعلام، نحو: زيد ~~وعمرو، لأنها أسام وضعت للفرق بين الذوات لا للفرق في الصفات، نعم الموضوع ~~للصفات قد يجعل ms290 علما فيكون مجازا، كالأسود بن الحرث إذ لا يراد به الدلالة ~~على الصفة مع أنه وضع له فهو مجاز، أما إذا قال: قرأت المزني وسيبويه وهو ~~يريد كتابيهما فليس ذلك، إلا كقوله تعالى: * (واسأل القرية) * (يوسف: 28) ~~فهو على طريق حذف اسم الكتاب، معناه: قرأت كتاب المزني، فيكون في الكلام ~~مجاز بالمعنى الثالث المذكور للمجاز. الثاني: الأسماء التي لا أعم منها ولا ~~أبعد، كالمعلوم والمجهول، والمدلول والمذكور، إذ لا شئ إلا وهو حقيقة فيه ~~فكيف يكون مجازا عن شئ. هذا تمام المقدمة، ولنشتغل بالمقاصد، وهي كيفية ~~اقتباس الاحكام من الصيغ والألفاظ المنطوق بها وهي أربعة أقسام. ~~PageV00P186 # القسم الأول من الفن الأول من مقاصد القطب الثالث في المجمل والمبين اعلم ~~أن اللفظ إما أن يتعين معناه بحيث لا يحتمل غيره فيسمى مبينا ونصا، وإما أن ~~يتردد بين معنيين فصاعدا من غير ترجيح، فيسمى مجملا، وإما أن يظهر في ~~أحدهما ولا يظهر في الثاني فيسمى ظاهرا، والمجمل هو اللفظ الصالح لاحد ~~معنيين الذي لا يتعين معناه لا بوضع اللغة ولا بعرف الاستعمال وينكشف ذلك ~~بمسائل. # مسألة (كيفية معرفة المجمل قوله تعالى: * (حرمت عليكم أمهاتكم) * ~~(النساء: 32) و: * (حرمت عليكم الميتة) * (المائدة: 3) ليس بمجمل، وقال قوم ~~من القدرية: هو مجمل لان الأعيان لا تتصف بالتحريم، وإنما يحرم فعل ما ~~يتعلق بالعين وليس يدري ما ذلك الفعل، فيحرم من الميتة مسها أو أكلها أو ~~النظر إليها أو بيعها والانتفاع بها فهو مجمل، والام يحرم منها النظر أو ~~المضاجعة أو الوطئ، فلا يدري أيه، ولا بد من تقدير فعل وتلك الأفعال كثيرة ~~وليس بعضها أولى من بعض، وهذا فاسد إذ عرف الاستعمال كالوضع، ولذلك قسمنا ~~الأسماء إلى عرفية ووضعية، وقدمنا بيانها، ومن أنس بتعارف أهل اللغة واطلع ~~على عرفهم علم أنهم لا يستريبون في أن من قال: حرمت عليك الطعام والشراب ~~أنه يريد الاكل دون النظر والمس، وإذا قال: # حرمت عليك هذا الثوب أنه يريد اللبس، وإذا قال حرمت عليك النساء أنه يريد ~~الوقاع، وهذا صريح عندهم ms291 مقطوع به فكيف يكون مجملا والصريح تارة يكون بعرف ~~الاستعمال وتارة بالوضع، وكل ذلك واحد في نفي الاجمال، وقال قوم: هو من ~~قبيل المحذوف كقوله تعالى: * (واسأل القرية) * أي أهل القرية (يوسف: 28) ~~وكذلك قوله تعالى: * (أحلت لكم بهيمة الأنعام) * أي أكل البهيمة * (أحل لكم ~~صيد البحر) * (المائدة: 69) وهذا إن أراد به إلحاقه بالمجمل، فهو خطأ، وإن ~~أراد به حصول الفهم به مع كونه محذوفا فهو صحيح، وإن أراد به إلحاقه ~~بالمجاز فيلزمه تسمية الأسماء العربية مجازا. # - مسألة (رفع الخطأ والنسيان) قوله (ص): رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ~~يقتضي بالوضع نفي نفس الخطأ والنسيان وليس كذلك، وكلامه (ص) يجل عن الخلف، ~~فالمراد به رفع حكمه لا على الاطلاق، بل الحكم الذي عرف بعرف الاستعمال قبل ~~ورود الشرع إرادته بهذا اللفظ، فقد كان يفهم قبل الشرع من قول القائل ~~لغيره: رفعت عنك الخطأ والنسيان، إذ يفهم منه رفع حكمه لا على الاطلاق، وهو ~~المؤاخذة بالذم والعقوبة فكذلك قول رسول الله (ص) نص صريح فيه، وليس بعام ~~في جميع أحكامه من الضمان ولزوم القضاء وغيره، ولا هو مجمل بين المؤاخذة ~~التي ترجع إلى الذم ناجزا أو إلى العقاب آجلا وبين الغرم والقضاء، لأنه لا ~~صيغة لعمومه حتى يجعل عاما في كل حكم، كما لم يجعل قوله تعالى: * (حرمت ~~عليكم أمهاتكم) * (النساء: 32) عاما في كل فعل، مع أنه لا بد من إضمار فعل، ~~فالحكم هاهنا لا بد من إضماره لإضافة الرفع إليه، كالفعل، ثم ينزل على ما ~~يقتضيه عرف الاستعمال، وهو الذم، والعقاب هاهنا والوطئ، ثم فإن قيل: ~~فالضمان أيضا عقاب، فليرتفع؟ قلنا: الضمان قد يجب امتحانا ليثاب عليه، لا ~~للانتقام، ولذلك يجب على الصبي والمجنون، وعلى العاقلة بسبب الغير، ويجب ~~حيث يجب الاتلاف، كالمضطر في PageV00P187 # المخمصة وقد يجب عقابا كما يجب على المعتمد لقتل الصيد ليذوق وبال أمره، ~~وإن وجب على المخطئ بالقتل امتحانا، فغاية ما يلزم أن يقال ينتفي به كل ~~ضمان هو بطريق العقاب لأنه مؤاخذة وانتقام بخلاف ما هو بطريق ms292 الجبران ~~والامتحان، والمقصود أن من ظن أن هذا اللفظ خاص أو عام لجميع أحكام الخطأ ~~أو مجمل متردد فقد غلط فيه، فإن قيل: فلو ورد في موضع لا عرف فيه يدرك به ~~خصوص معناه، فهل يجعل نفيا لاثره بالكلية حتى يقوم مقام العموم، أو يجعل ~~مجملا؟ قلنا: هو مجمل، يحتمل نفي الأثر مطلقا، ونفي آحاد الآثار، ويصلح أن ~~يراد به الجميع، ولا يترجح أحد الاحتمالات، وهذا عند من لا يقول بصيغة ~~العموم ظاهر، أما من يقول بها فيتبع فيه الصيغة، ولا صيغة للمضمرات، وهذا ~~قد أضمر فيه الأثر، فعلى ماذا يعول في التعميم؟ فإن قيل: هو نفي فيقتضي ~~وضعه نفي الأثر والمؤثر جميعا، فإن تعذر نفي المؤثر بقرينة الحس فالتعذر ~~مقصور عليه، فيبقى الأثر منفيا؟ قلنا: ليس قوله: لا صيام ولا عمل ولا خطأ ~~ولا نسيان، أو رفع الخطأ والنسيان عاما في نفي المؤثر والأثر حتى إذا تعذر ~~في المؤثر، بقي في الأثر، بل هو لنفي المؤثر فقط، والأثر ينتفي ضرورة ~~بانتفاء المؤثر لا بحكم عموم اللفظ وشموله له، فإذا تعذر حمله على المؤثر ~~صار مجازا، إما عن جميع الآثار أو عن بعض الآثار، ولا تترجح الجملة على ~~البعض، ولا أحد الابعاض على غيره. # - مسألة (نفي الكمال أو الصحة في اللفظ الشرعي) في قوله (ص): لا صلاة إلا ~~بطهور ولا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، ولا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل، ~~ولا نكاح إلا بولي ولا نكاح إلا بشهود، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله ~~عليه، ولا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد، فإن هذا نفي لما ليس منفيا ~~بصورته، فإن صورة النكاح والصوم والصلاة موجودة كالخطأ والنسيان، وقالت ~~المعتزلة: هو مجمل لتردده بين نفي الصورة والحكم، وهو أيضا فاسد، بل فساده ~~في هذه الصورة أظهر، فإن الخطأ والنسيان ليس اسما شرعيا، والصلاة والصوم ~~والوضوء والنكاح ألفاظ تصرف الشرع فيها، فهي شرعية، وعرف الشرع في تنزيل ~~الأسامي الشرعية على مقاصده، كعرف اللغة على ما قدمنا وجه تصرف الشرع ms293 في ~~هذه الألفاظ، فلا يشك في أن الشرع ليس يقصد بكلامه نفي الصورة فيكون خلفا، ~~بل يريد نفي الوضوء والصوم والنكاح الشرعي، فعرف الشرع يزيل هذا الاحتمال ~~فكأنه صرح بنفي نفس الصلاة الشرعية والنكاح الشرعي، فإن قيل: فيحتمل نفي ~~الصحة ونفي الكمال، أي لا صلاة كاملة ولا صوم فاضلا ولا نكاح مؤكدا ثابتا، ~~فهل هو محتمل بينهما؟ قلنا: ذهب القاضي إلى أنه مردد بين نفي الكمال ~~والصحة، إذ لا بد من إضمار الصحة أو الكمال، وليس أحدهما بأولى من الآخر، ~~والمختار أنه ظاهر في نفي الصحة محتمل لنفي الكمال على سبيل التأويل، لان ~~الوضوء والصوم صارا عبارة عن الشرعي، وقوله: لا صيام صريح في نفي الصوم، ~~ومهما حصل الصوم الشرعي، وإن لم يكن فاضلا كاملا كان ذلك على خلاف مقتضى ~~النفي، فإن قيل: فقوله (ص): لا عمل إلا بنية من قبيل قوله: # لا صلاة أو من قبيل قوله: رفع عن أمتي الخطأ والنسيان قلنا: الخطأ ~~والنسيان ليسا من الأسماء الشرعية، والصوم والصلاة من الأسماء الشرعية، ~~وأما العمل فليس للشرع فيه PageV00P188 # تصرف، وكيفما كان، فقوله (ص): لا عمل إلا بنية وقوله: إنما الأعمال ~~بالنيات يقتضي عرف الاستعمال نفي جدواه وفائدته، كما يقتضي عرف الشرع نفي ~~الصحة في الصوم والصلاة، فليس هذا من المجملات، بل من المألوف في عرف ~~الاستعمال قولهم: لا علم إلا ما نفع، ولا كلام إلا ما أفاد ولا حكم إلا ~~لله، ولا طاعة إلا له، ولا عمل إلا ما نفع وأجدى، وكل ذلك نفي لما لا ~~ينتفي، وهو صدق لان المراد منه نفي مقاصده. # دقيقة: القاضي رحمه الله إنما لزمه جعل اللفظ مجملا بالإضافة إلى الصحة ~~والكمال من حيث أنه نفى الأسماء الشرعية، وأنكر أن يكون للشرع فيها عرف ~~يخالف الوضع، فلزمه إضمار شئ في قوله عليه السلام: لا صيام أي لا صيام ~~مجزئا صحيحا، أو لا صيام فاضلا كاملا، ولم يكن أحد الاضمارين بأولى من ~~الآخر، وأما نحن إذا اعترفنا بعرف الشرع في هذه الألفاظ صار هذا ms294 النفي ~~راجعا إلى نفس الصوم، كقوله: لا رجل في البلد، فإنه يرجع إلى نفي الرجل، ~~ولا ينصرف إلى الكمال إلا بقرينة الاحتمال. # - مسألة (معنى المجمل) إذا أمكن حمل لفظ الشارع على ما يفيد معنيين وحمله ~~على ما يفيد معنى واحدا وهو مردد بينهما فهو مجمل، وقال بعض الأصوليين ~~يترجح حمله على ما يفيد معنيين، كما لو دار بين ما يفيد وما لا يفيد يتعين ~~حمله على المفيد، لان المعنى الثاني مما قصر اللفظ عن إفادته إذا حمل على ~~الوجه الآخر فحمله على الوجه المفيد بالإضافة إليه أولى، وهذا فاسد، لان ~~حمله على غير المفيد يجعل الكلام عبثا ولغوا يجل عنه منصب رسول الله (ص): ~~أما المفيد لمعنى واحد فليس بلغو، وكلماته التي أفادت معنى واحدا لعلها ~~أغلب وأكثر مما يفيد معنيين، فلا معنى لهذا الترجيح. # - مسألة (الاحكام المتعددة في اللفظ) ما أمكن حمله على حكم متعدد فليس ~~بأولى مما يحمل اللفظ فيه على التقرير على الحكم الأصلي والحكم العقلي ~~والاسم اللغوي لان كل واحد محتمل، وليس حمل الكلام عليه ردا له إلى العبث، ~~وقال قوم: حمله على الحكم الشرعي الذي هو فائدة خاصة بالشرع أولى وهو ضعيف، ~~إذ لم يثبت أن رسول الله (ص) لا ينطق بالحكم العقلي ولا بالاسم اللغوي ولا ~~بالحكم الأصلي، فهذا ترجيح بالتحكم، مثاله قوله صلى الله عليه وسلم: ~~الاثنان فما فوقهما جماعة فإنه يحتمل أن يكون المراد به أنه يسمى جماعة ~~ويحتمل أن يكون المراد به انعقاد الجماعة أو حصول فضيلتها، ومثاله أيضا ~~قوله صلى الله عليه وسلم: الطواف بالبيت صلاة إذ يحتمل أن يكون المراد به ~~الافتقار إلى الطهارة، أي هو كالصلاة حكما، ويحتمل أن فيه دعاء كما في ~~الصلاة، ويحتمل أنه يسمى صلاة شرعا وإن كان لا يسمى في اللغة صلاة، فهو ~~مجمل بين هذه الجهات ولا ترجيح. # - مسألة (دوران الاسم بين المعنى اللغوي والشرعي) إذا دار الاسم بين ~~معناه اللغوي ومعناه الشرعي كالصوم والصلاة، قال القاضي: هو مجمل، لان ~~الرسول عليه السلام ms295 يناطق العرب بلغتهم، كما يناطقهم بعرف شرعه، ولعل هذا ~~منه تفريع على مذهب من يثبت الأسامي الشرعية، وإلا فهو منكر للأسامي ~~الشرعية، وهذا فيه نظر، لان غالب عادة الشارع استعمال هذه الأسامي على عرف ~~الشرع PageV00P189 # لبيان الأحكام الشرعية، وإن كان أيضا كثيرا ما يطلق على الوضع اللغوي، ~~كقوله صلى الله عليه وسلم: دعي الصلاة أيام أقرائك ومن باع حرا أو من باع ~~خمرا. فحكمه كذا، وإن كانت الصلاة في حالة الحيض وبيع الخمر والحر لا يتصور ~~إلا بموجب الوضع، فأما الشرعي فلا، ومثال هذه المسألة قوله (ص) حيث لم يقدم ~~إليه غداء إني إذا أصوم فإنه إن حمل على الصوم الشرعي، دل على جواز النية ~~نهارا، وإن حمل على الامساك لم يدل، وقوله (ص): لا تصوموا يوم النحر إن حمل ~~على الامساك الشرعي دل على انعقاده، إذ لولا إمكانه لما قيل له لا تفعل، إذ ~~لا يقال للأعمى لا تبصر، وإن حمل على الصوم الحسي لم ينشأ منه دليل على ~~الانعقاد، وقد قال الشافعي: لو حلف أن لا يبيع الخمر لا يحنث ببيعه، لان ~~البيع الشرعي لا يتصور فيه، وقال المزني: يحنث، لان القرينة تدل على أنه ~~أراد البيع اللغوي، والمختار عندنا أن ما ورد في الاثبات والامر فهو للمعنى ~~الشرعي، وما ورد في النهي كقوله: دعي الصلاة فهو مجمل. # - مسألة (تعارض الحقيقة والمجاز أيهما يقدم؟) إذا دار اللفظ بين الحقيقة ~~والمجاز فاللفظ للحقيقة إلى أن يدل الدليل أنه أراد المجاز، ولا يكون ~~مجملا، كقوله: رأيت اليوم حمارا، واستقبلني في الطريق أسد، فلا يحمل على ~~البليد والشجاع إلا بقرينة زائدة، فإن لم تظهر فاللفظ للبهيمة والسبع، ولو ~~جعلنا كل لفظ أمكن أن يتجوز به مجملا تعذرت الاستفادة من أكثر الألفاظ، فإن ~~المجاز إنما يصار إليه لعارض، وهذا في مجاز لم يغلب بالعرف بحيث صار الوضع ~~كالمتروك مثل الغائط والعذرة، فإنه لو قال: رأيت اليوم عذرة أو غائطا لم ~~يفهم منه المطمئن من الأرض وفناء الدار، لأنه صار كالمتروك بعرف الاستعمال ms296 ~~والمعنى العرفي كالمعنى الوضعي في تردد اللفظ بينهما، وليس المجاز ~~كالحقيقي، لكن المجاز إذا صار عرفيا كان الحكم للعرف. # خاتمة جامعة إعلم أن الاجمال تارة يكون في لفظ مفرد وتارة يكون في لفظ ~~مركب وتارة في نظم الكلام والتصريف وحروف النسق ومواضع الوقف والابتداء. ~~أما اللفظ المفرد فقد يصلح لمعان مختلفة، كالعين للشمس والذهب والعضو ~~الباصر والميزان، وقد يصلح لمتضادين، كالقرء للطهر والحيض، والناهل للعطشان ~~والريان، وقد يصلح لمتشابهين بوجه ما كالنور للعقل، ونور الشمس، وقد يصلح ~~لمتماثلين، كالجسم للسماء والأرض، والرجل لزيد وعمرو، وقد يكون موضوعا لهما ~~من غير تقديم وتأخير، وقد يكون مستعارا لأحدهما من الآخر، كقولك: الأرض أم ~~البشر، فإن الام وضع اسما للوالدة أولا، وكذلك اسم المنافق والكافر والفاسق ~~والصوم والصلاة، فإنه نقل في الشرع إلى معان، ولم يترك المعنى الوضعي أيضا. ~~أما الاشتراك مع التركيب فكقوله تعالى: * أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح) ~~* (البقرة: # 237) فإن جميع هذه الألفاظ مرددة بين الزوج والولي، وأما الذي بحسب ~~التصريف فكالمختار للفاعل والمفعول، وأما الذي بحسب نسق الكلام فكقولك: كل ~~ما علمه الحكيم فهو كما علمه، فإن قولك: فهو كما علمه متردد بين أن يرجع ~~إلى كل ما وبين أن يرجع إلى الحكم حتى يقول: والحكيم يعلم الحجر، فهو إذا ~~كالحجر، وقد يكون بحسب PageV00P190 # الوقف والابتداء، فإن الوقف على السماوات في قوله تعالى: * (وهو الله في ~~السماوات وفى الأرضي يعلم سركم وجهركم) * (الانعام: 3) له معنى يخالف الوقف ~~على الأرض والابتداء بقوله: * (يعلم سركم وجهركم) * وقوله تعالى: * (وما ~~يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم) * (آل عمران: 7) من غير وقف ~~يخالف الوقف على قوله: * (إلا الله) * (ال عمران: 7) وذلك لتردد الواو بين ~~العطف والابتداء، ولذلك قد يصدق قولك: الخمسة زوج وفرد. أي هو اثنان ~~وثلاثة، ويصدق قولك: الانسان حيوان وجسم، لأنه حيوان وجسم أيضا، ولا يصدق ~~قولك، الانسان حيوان وجسم، ولا قولك الخمسة زوج وفرد، لان الانسان ليس ~~بحيوان وجسم وليست الخمسة زوجا وفرد أيضا، وذلك لان الواو يحتمل جمع ms297 ~~الاجزاء وجمع الصفات، وكذلك تقول زيد طبيب بصير يصدق، وإن كان جاهلا ضعيف ~~المعرفة بالطب ولكن بصير بالخياطة فيتردد البصير بين أن يراد به البصير في ~~الطب، أو يراد وصف زائد في نفسه، فهذه أمثلة مواضع الأحمال، وقد تم القول ~~في المجمل، وفي مقابلته المبين فلنتكلم في البيان وحكمه وحده. # القول في البيان والمبين إعلم أنه جرت عادة الأصوليين برسم كتاب في ~~البيان، وليس النظر فيه مما يستوجب أن يسمى كتابا، فالخطب فيه يسير، والامر ~~فيه قريب، ورأيت أولى المواضع به أن يذكر عقيب المجمل، فإنه المفتقر إلى ~~البيان، والنظر فيه حد البيان وجواز تأخيره والتدريج في إظهاره، وفي طريق ~~ثبوته، فهذه أربعة أمور نرسم في كل واحد منها مسألة: # - مسألة في حد البيان إعلم أن البيان عبارة عن أمر يتعلق بالتعريف ~~والاعلام، وإنما يحصل الاعلام بدليل، والدليل محصل للعلم، فها هنا ثلاثة ~~أمور: إعلام، ودليل به الاعلام وعلم يحصل من الدليل. فمن الناس من جعله ~~عبارة عن التعريف فقال في حده: أنه إخراج الشئ من حيز الاشكال إلى حيز ~~التجلي ومنهم من جعله عبارة عما به تحصل المعرفة فيما يحتاج إلى المعرفة، ~~أعني الأمور، التي ليست ضرورية، وهو الدليل، فقال في حده: أنه الدليل ~~الموصل بصحيح النظر فيه إلى العلم بما هو دليل عليه، وهو اختيار القاضي، ~~ومنهم من جعله عبارة عن نفس العلم، وهو تبين الشئ، فكأن البيان عنده ~~والتبيين واحد، ولا حجر في إطلاق اسم البيان على كل واحد من هذه الأقسام ~~الثلاثة، إلا أن الأقرب إلى اللغة وإلى المتداول بين أهل العلم ما ذكره ~~القاضي إذ يقال لمن دل غيره على الشئ بينه له، وهذا بيان منك، لكنه لم ~~يتبين، وقال تعالى: * هذا بيان للناس) * (آل عمران: 831) وأراد به القرآن، ~~وعلى هذا فبيان الشئ قد يكون بعبارات وضعت بالاصطلاح، فهي بيان في حق من ~~تقدمت معرفته بوجه المواضعة، وقد يكون بالفعل والإشارة والرمز، إذا لكل ~~دليل ومبين، ولكن صار في عرف المتكلمين مخصوصا بالدلالة بالقول، فيقال ms298 له: ~~بيان حسن، أي كلام حسن رشيق الدلالة على المقاصد. واعلم أنه ليس من شرط ~~البيان أن يحصل التبيين به لكل أحد بل أن يكون بحيث إذا سمع وتؤمل وعرفت ~~المواضعة صح أن يعلم به، ويجوز أن يختلف الناس في تبين ذلك وتعرفه، وليس من ~~شرطه أن يكون بيانا لمشكل، لان النصوص المعربة PageV00P191 # عن الأمور ابتداء بيان وإن لم يتقدم فيها إشكال، وبهذا يبطل قول من حده ~~بأنه إخراج الشئ من حيز الاشكال إلى حيز التجلي، فذلك ضرب من البيان وهو ~~بيان المجمل فقط. وعلم أن كل مفيد من كلام الشارع وفعله وسكوته واستبشاره، ~~حيث يكون دليلا وتنبيهه، بفحوى الكلام على علة الحكم، كل ذلك بيان، لان ~~جميع ذلك دليل، وإن كان بعضها يفيد غلبة الظن فهو من حيث إنه يفيد العلم ~~بوجوب العمل قطعا دليل وبيان، وهو كالنص، نعم، كل ما لا يفيد علما ولا ظنا ~~ظاهرا فهو مجمل، وليس ببيان، بل هو محتاج إلى البيان، والعموم يفيد ظن ~~الاستغراق عند القائلين به، لكنه يحتاج إلى البيان ليصير الظن علما، فيتحقق ~~الاستغراق، أو يتبين خلافه فيتحقق الخصوص، وكذلك الفعل يحتاج إلى بيان ~~تقدمه أنه أريد به بيان الشرع لان الفعل لا صيغة له. # - مسألة في تأخير البيان لا خلاف أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ~~إلا على مذهب من يجوز تكليف المحال، أما تأخيره إلى وقت الحاجة فجائز عند ~~أهل الحق خلافا للمعتزلة، وكثير من أصحاب أبي حنيفة، وأصحاب الظاهر، وإليه ~~ذهب أبو إسحق المروزي وأبو بكر الصيرفي، وفرق جماعة بين العام والمجمل ~~فقالوا: يجوز تأخير بيان المجمل، إذ لا يحصل من المجمل جهل، وأما العام ~~فإنه يوهم العموم، فإذا أريد به الخصوص فلا ينبغي أن يتأخر بيانه، مثل ~~قوله: * (فاقتلوا المشركين) * (التوبة: 5) فإنه إن لم يقترن به البيان له ~~أوهم جواز قتل غير أهل الحرب، وأدى ذلك إلى قتل من لا يجوز قتله، والمجمل ~~مثل قوله تعالى: * (وآتوا حقه يوم حصاده) * (الانعام: 141) يجوز تأخير ~~بيانه، لان ms299 الحق مجمل لا يسبق إلى الفهم منه شئ، وهو كما لو قال: حج في هذه ~~السنة كما سأفصله، أو أقتل فلانا غدا بآلة سأعينها من سيف أو سكين، وفرق ~~طوائف بين الأمر والنهي، وبين الوعد والوعيد، فلم يجوزوا تأخير البيان في ~~الوعد والوعيد. ويدل على جواز التأخير مسالك: # الأول: أنه لو كان ممتنعا لكان لاستحالته في ذاته أو لافضائه إلى مجال ~~وكل ذلك يعرف بضرورة أو نظر، وإذا انتفى المسلكان ثبت الجواز، وهذا دليل ~~يستعمله القاضي في مسائل كثيرة وفيه نظر، لأنه لا يورث العلم ببطلان ~~الإحالة ولا بثبوت الجواز، إذ يمكن أن يكون وراء من ذكره وفصله دليل على ~~الإحالة لم يخطر له، فلا يمكن أن يكون دليلا لا على الإحالة ولا على الجواز ~~فعدم العلم العلم بدليل الجواز لا يثبت الإحالة، وكذلك عدم العلم بدليل ~~الإحالة لا يثبت الجواز، بل عدم العلم بدليل الإحالة لا يكون علما لعدم ~~الإحالة، فلعل عليه دليلا ولم نعرفه، بل لو عرفنا انتفاء دليل الإحالة لم ~~يثبت الجواز بل لعله محال وليس عليه دليل يعرفه آدمي، فمن أين يجب أن يكون ~~كل جائز ومحال في مقدور الآدمي معرفته؟. # الثاني: أنه إنما يحتاج إلى البيان للامتثال وإمكانه، ولاجله يحتاج إلى ~~القدرة والآلة، ثم جاز تأخير القدرة وخلق الآلة، فكذلك البيان، وهذا أيضا ~~ذكره القاضي وفيه نظر لأنه إنما ينفع، لو اعترف الخصم بأنه يحيله لتعذر ~~الامتثال، ولعله يحيله لما من تجهيل، أو لكونه PageV00P192 # لغوا بلا فائدة، أو لسبب آخر، وليس في تسليمه تعليل القدرة والآلة بتأتي ~~الامتثال ما يلزمه تعليل غير به. # الثالث: الاستدلال على جوازه بوقوعه في القرآن والسنة، قال الله تعالى: * ~~(فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه) * (القيامة: 81) وثم للتأخير، ~~وقال تعالى: * (كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير) * * (إن الله ~~يأمركم أن تذبحوا بقرة) * وإنما أراد بقرة معينة، ولم يفصل إلا بعد السؤال، ~~وقال تعالى: # * (واعلموا أنما غنمتم من شئ فان الله خمسة وللرسول ولذي القربى) * ~~(الأنفال: ms300 41) الآية، وإنما أراد بذي القربى بني هاشم وبني المطلب دون بني ~~أمية، وكل من عدا بني هاشم، فلما منع بني أمية وبني نوفل وسئل عن ذلك قال: ~~أنا وبنو المطلب لم نفترق في جاهلية ولا إسلام، ولم نزل هكذا وشبك بين ~~أصابعه، وقال في قصة نوح: * (إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح) * (هود: ~~64) بين بعد أن توهم أنه من أهله، وأما السنن فبيان المراد بقوله: وأقيموا ~~الصلاة بصلاة جبريل في يومين بين الوقتين. وقوله عليه السلام: ليس في ~~الخضروات صدقة ثم قال بعد ذلك، ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة وقال: في ~~أربعين شاة شاة وخذوا عني مناسككم كله ورد متأخرا عن قوله: # * (وآتوا الزكاة) * (النساء: 77) * (ولله على الناس حج البيت من استطاع) ~~* (آل عمران: 79) الآية وقال: * (وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم) * (التوبة: 14) ~~وهو عام، ثم ورد بعده: * (إذا) * (النور: 16) وكذلك جميع الأعذار، وكذلك ~~أمر النكاح والبيع والإرث ورد أولا أصلها، ثم بين النبي (ص) بالتدريج من ~~يرث ومن لا يرث ومن يحل نكاحه ومن لا يحل، وما يصح بيعه وما لا يصح، وكذلك ~~كل عام ورد في الشرع، فإنما ورد دليل خصوصه بعده، وهذا مسلك لا سبيل إلى ~~إنكاره، وإن تطرق الاحتمال، إلى أحد هذه الاستشهادات بتقدير اقتران البيان، ~~فلا يتطرق إلى الجميع. # الرابع: أنه يجوز تأخير النسخ بالاتفاق، بل يجب تأخيره، لا سيما عند ~~المعتزلة، فإن النسخ عندهم بيان لوقت العبادة، ويجوز أن يرد لفظ يدل على ~~تكرر الافعال على الدوام ثم ينسخ ويقطع الحكم بعد حصول الاعتقاد بلزوم ~~الفعل على الدوام، لكن بشرط أن لا يرد نسخ، وهذا أيضا واقع، فهذه الأدلة ~~واقعة دالة على جواز تأخير البيان عن كل ما يحتاج إلى البيان، من عام ومجمل ~~ومجاز وفعل متردد وشرط مطلق غير مقيد، وهو أيضا دليل على من جوز في الامر ~~دون الوعيد، وعلى من قال بعكس ذلك. وللمخالف أربع شبه: # الأولى: قالوا: إن جوزتم خطاب العربي بالعجمية والفارسي بالزنجية، فقد ~~ركبتم بعيدا وتعسفتم، وإن منعتم ms301 فما الفرق بينه وبين مخاطبة العربي بلفظ ~~مجمل لا يفهم معناه، ولكن يسمع لفظه ويلزم منه جواز خطابه بلغة هو واضعها ~~وحده إلى أن يبين، والجواب من وجهين: أحدهما: وهو الأولى أنهم لم قالوا ~~قوله: * (وآتوا حقه يوم حصاده) * (الانعام: # 141) كالكلام بلغة لا تفهم مع أنه يفهم أصل الايجاب ويعزم على أدائه ~~وينتظر بيانه وقت PageV00P193 # الحصاد فالتسوية بينهما تعسف وظلم. الجواب الثاني: أنا نجوز للنبي عليه ~~السلام أن يخاطب جميع أهل الأرض من الزنج والترك بالقرآن، ويشعرهم أنه ~~يشتمل على أوامر يعرفهم بها المترجم، وكيف يبعد هذا ونحن نجوز كون المعدوم ~~مأمورا على تقدير الوجود، فأمر العجم على تقدير البيان أقرب؟ نعم: لا يحصل ~~ذلك خطابا، بل إنما يسمى خطابا إذا فهمه المخاطب، والمخاطب في مسألتنا فهم ~~أصل الامر بالزكاة، وجهل قدر الحق الواجب عند الحصاد، وكذلك قوله تعالى: * ~~(أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح) * (البقرة: 732) مفهوم وتردده بين الزوج ~~والولي معلوم والتعيين منتظر، فإن قيل: فليجز خطاب المجنون والصبي؟ # قلنا: أما من لا يفهم فلا يسمى مخاطبا ويسمى مأمورا، كالمعدوم على تقدير ~~الوجود وكذلك لا لصبي مأمور على تقدير البلوغ، أعني من علم الله أنه سيبلغ، ~~أما الذي يفهم ويعلم الله ببلوغه فلا نحيل أن يقال له: إذا بلغت فأنت مأمور ~~بالصلاة والزكاة، والصبا لا ينافي مثل هذا الخطاب، وإنما ينافي خطابا يعرضه ~~للعقاب في الصبا . الثانية: قولهم الخطاب يراد لفائدة وما لا فائدة فيه، ~~فيكون وجوده كعدمه، ولا يجوز أن يقول: أبجد هوز، ويريد به وجوب الصلاة ~~والصوم ثم يبينه من بعد، لأنه لغو من الكلام، وكذلك المجمل الذي لا يفيد؟ ~~قلنا: إنما يجوز الخطاب بمجمل يفيد فائدة ما لان قوله تعالى: * (وآتوا حقه ~~يوم حصاده) * (الانعام: 141) يعرف منه وجوب الايتاء ووقته، وأنه حق في ~~المال، فيمكن العزم فيه على الامتثال والاستعداد له، ولو عزم على تركه عصى، ~~وكذلك مطلق الامر إذا ورد ولم يتبين أنه للايجاب أو الندب، أو أنه على ~~الفور أو التراخي، أو أنه للتكرار ms302 أو للمرة الواحدة أفاد علم اعتقاد الأصل ~~ومعرفة التردد بين الجهتين، وكذلك: (أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح) ~~[البقر: 237] يعرف إمكان سقوط المهر بين الزوج والولي، فلا يخلو عن أصل ~~الفائدة، وإنما يخلو عن كمالها وذلك غير مستنكر، بل هو واقع في الشريعة ~~والعادة، بخلاف قوله: أبجد هوز، فإن ذلك لا فائدة له أصلا. # الثالثة: أنه لا خلاف في أنه لو قال: في خمس من الإبل شاة وأراد خمسا من ~~الأفراس لا يجوز ذلك، وإن كان بشرط البيان بعده، لأنه تجهيل في الحال ~~وإيهام لخلاف المراد فكذلك قوله: * ((9) فاقتلوا المشركين) * (التوبة: 5) ~~يوهم قتل كل مشرك وهو خلاف المراد، فهو تجهيل في الحال، ولو أراد بالعشرة ~~سبعة كان ذلك تجهيلا، وإن كان ذلك جائزا إن اتصل الاستثناء به بأن يقول: ~~عشرة إلا ثلاثة، وكذلك العموم للاستغراق في الوضع إنما يراد به الخصوص، ~~بشرط قرينة متصلة مبينة، فأما إرادة الخصوص دون القرينة فهو تغيير للوضع، ~~وهذا حجة من فرق بين العام والمجمل، والجواب: أن العموم لو كان نصا في ~~الاستغراق لكان كما ذكرتموه، وليس كذلك، بل هو مجمل عند أكثر المتكلمين، ~~متردد بين الاستغراق والخصوص، وهو ظاهر عند أكثر الفقهاء في الاستغراق، ~~وإرادة الخصوص به من كلام العرب، فإن الرجل قد يعبر بلفظ العموم عن كل ما ~~تمثل في ذهنه وحضر في فكره، فيقول مثلا ليس للقاتل من الميراث شئ، فإذا قيل ~~له: فالجلاد والقاتل قصاصا لم يرث. # فيقول: ما أردت هذا ولم يخطر لي بالبال، ويقول: للبنت النصف من الميراث، ~~فيقال: PageV00P194 # فالبنت الرقيقة والكافرة لا ترث شيئا؟ فيقول: ما خطر ببالي هذا، وإنما ~~أردت غير الرقيقة والكافرة، ويقول الأب، إذا انفرد يرث المال أجمع، فيقال: ~~والأب الكافر أو الرقيق لا يرث. # فيقول: إنما خطر ببالي الأب غير الرقيق والكافر، فهذا من كلام العرب، ~~وإذا أراد السبعة بالعشرة فليس من كلام العرب، فإذا اعتقد العموم قطعا فذلك ~~لجهله، بل ينبغي أن يعتقد أنه ظاهر في العموم محتمل للخصوص، وعليه الحكم ~~بالعموم إن ms303 خلي والظاهر، وينتظر أن ينبه على الخصوص أيضا. # الرابعة: أنه إن جاز تأخير البيان إلى مدة مخصوصة طويلة كانت أو قصيرة ~~فهو تحكم، وإن جاز إلى غير نهاية فربما يخترم لنبي (ص) قبل البيان، فيبقى ~~العامل بالعموم في ورطة الجهل، متمسكا بعموم ما أريد به الخصوص؟ قلنا: ~~النبي عليه السلام لا يؤخر البيان إلا إذا جوز له التأخير، أو أوجب وعين له ~~وقت البيان وعرف أنه يبقى إلى ذلك الوقت، فإن اخترم قبل البيان بسبب من ~~الأسباب فيبقى العبد مكلفا بالعموم عند من يرى العموم ظاهرا ولا يلزمه حكم ~~ما لم يبلغه، كما لو اخترم قبل النسخ لما أمر بنسخه، فإنه يبقى مكلفا به ~~دائما، فإن أحالوا اخترامه قبل تبليغ النسخ فيما أنزل عليه النسخ فيه ~~فيستحيل أيضا اخترامه قبل بيان الخصوص فيما أريد به الخصوص ولا فرق. # - مسألة (هل يجوز منع التدرج في البيان؟) ذهب بعض المجوزين لتأخير البيان ~~في العموم إلى منع التدريج في البيان فقالوا: إذا ذكر إخراج شئ من العموم ~~فينبغي أن يذكر جميع ما يخرج وإلا أوهم ذلك استعمال العموم في الباقي، وهذا ~~أيضا غلط، بل من توهم ذلك فهو المخطئ فإنه كما كان يجوز الخصوص فإنه ينبغي ~~أن يبقى مجوزا له في الباقي، وإن أخرج البعض، إذ ليس في إخراج البعض تصريح ~~بحسم سبيل لشئ آخر، كيف وقد نزل قوله تعالى: * (ولله على الناس حج البيت من ~~استطاع إليه سبيلا) * (آل عمران: 79) فسئل النبي عليه السلام عن الاستطاعة ~~فقال: الزاد والراحلة ولم يتعرض لامن الطريق والسلامة وطلب الخفارة، وذلك ~~يجوز أن يتبين بدليل آخر بعده وقال تعالى: * (والسارق والسارقة) * ~~(المائدة: 83) ثم ذكر النصاب بعده ثم ذكر الحرز بعد ذلك، وكذلك كان يخرج ~~شيئا شيئا من العموم على قدر وقوع الوقائع، وكذلك يخرج من قوله: * (فاقتلوا ~~المشركين) * (التوبة: 5) أهل الذمة مرة والعسيف مرة والمرأة مرة أخرى، ~~وكذلك على التدريج ولا إحالة في شئ من ذلك، فإن قيل: فإذا كان كذلك فمتى ~~يجب على المجتهد الحكم ms304 بالعموم ولا يزال منتظرا لدليل بعده؟ # قلنا: سيأتي ذلك في كتاب العموم والخصوص إن شاء الله. # - مسألة (هل يصح تخصيص المتواتر بخبر الآحاد) لا يشترط أن يكون طريق ~~البيان للمجمل والتخصيص للعموم، كطريق المجمل والعموم، حتى يجوز بيان مجمل ~~القرآن وعمومه، وما ثبت بالتواتر بخبر الواحد خلافا لأهل العراق، فإنهم لم ~~يجوزوا التخصيص في عموم القرآن والمتواتر بخبر الواحد، وأما المجمل فيما ~~تعم به البلوى كأوقات الصلاة وكيفيتها وعدد ركعاتها ومقدار واجب الزكاة ~~وجنسها فإنهم قالوا: لا يجوز أن يبين إلا بطريق قاطع، وأما ما لا تعم به ~~البلوى كقطع يد السارق وما يجب على الأئمة من الحد وذكر أحكام المكاتب ~~والمدبر فيجوز أن يبين بخبر الواحد، وهذا PageV00P195 # يتعلق طرف منه بطريق التخصيص، وسيأتي في القسم الرابع، وطرف يتعلق بما ~~تعم به البلوى، وقد ذكرناه في كتاب الاخبار. # القسم الثاني من الفن الأول في الظاهر والمؤول إعلم أنا بينا أن اللفظ ~~الدال الذي ليس بمجمل إما أن يكون نصا وإما أن يكون ظاهرا، والنص هو الذي ~~لا يحتمل التأويل، والظاهر هو الذي يحتمله، فهذا القدر قد عرفته على ~~الجملة، وبقي عليك الآن أن تعرف الاختلاف في إطلاق لفظ النص، وأن تعرف حده ~~وحد الظاهر، وشرط التأويل المقبول، فنقول: # النص اسم مشترك يطلق في تعارف العلماء على ثلاثة أوجه: الأول: ما أطلقه ~~الشافعي رحمه الله، فإنه سمى الظاهر نصا، وهو منطبق على اللغة، ولا مانع ~~منه في الشرع، والنص في اللغة بمعنى الظهور، تقول العرب: نصت الظبية رأسها ~~إذا رفعته وأظهرته، وسمي الكرسي منصة إذ تظهر عليه العروس، وفي الحديث: كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد فرجة نص، فعلى هذا حده حد الظاهر هو ~~اللفظ الذي يغلب على الظن فهم معنى منه من غير قطع، فهو بالإضافة إلى ذلك ~~المعنى الغالب ظاهر ونص. الثاني: وهو الأشهر، ما لا يتطرق إليه احتمال ~~أصلا، لا على قرب ولا على بعد، كالخمسة مثلا، فإنه نص في معناه لا يحتمل ~~الستة ولا ms305 الأربعة وسائر الاعداد، ولفظ الفرس لا يحتمل الحمار والبعير ~~وغيره، فكل ما كانت دلالته على معناه في هذه الدرجة سمي بالإضافة إلى معناه ~~نصا في طرفي الاثبات والنفي، أعني في إثبات المسمى ونفي ما لا ينطلق عليه ~~الاسم، فعلى هذا حده اللفظ الذي يفهم منه على القطع معنى، فهو بالإضافة إلى ~~معناه المقطوع به نص، ويجوز أن يكون اللفظ الواحد نصا ظاهرا مجملا، لكن ~~بالإضافة إلى ثلاثة معان لا إلى معنى واحد. الثالث: التعبير بالنص عما لا ~~يتطرق إليه احتمال مقبول يعضده دليل، أما الاحتمال الذي لا يعضده دليل فلا ~~يخرج اللفظ عن كونه نصا، فكان شرط النص بالوضع الثاني أن لا يتطرق إليه ~~احتمال أصلا، وبالوضع الثالث أن لا يتطرق إليه احتمال مخصوص، وهو المعتضد ~~بدليل، ولا حجر في إطلاق اسم النص على هذه المعاني الثلاثة، لكن الاطلاق ~~الثاني أوجه وأشهر، وعن الاشتباه بالظاهر أبعد، هذا هو القول في النص ~~والظاهر. أما القول في التأويل فيستدعي تمهيد أصل وضرب أمثلة: أما التمهيد: ~~فهو أن التأويل عبارة عن احتمال يعضده دليل يصير به أغلب على الظن من ~~المعنى الذي يدل عليه الظاهر، ويشبه أن يكون كل تأويل صرفا للفظ عن الحقيقة ~~إلى المجاز، وكذلك تخصيص العموم يرد اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز، فإنه إن ~~ثبت أن وضعه وحقيقته للاستغراق فهو مجاز في الاقتصار على البعض، فكأنه رد ~~له إلى المجاز، إلا أن الاحتمال تارة يقرب وتارة يبعد، فإن قرب كفى في ~~إثباته دليل قريب، وإن لم يكن بالغا في القوة، وإن كان بعيدا افتقر إلى ~~دليل قوي يجبر بعده حتى يكون ركوب ذلك الاحتمال البعيد أغلب على الظن من ~~مخالفة ذلك الدليل، وقد يكون ذلك الدليل قرينة وقد يكون قياسا، وقد يكون ~~ظاهرا آخر أقوى منه، ورب تأويل لا ينقدح إلا بتقدير قرينة وإن لم تنقل ~~القرينة، كقوله عليه السلام: إنما الربا في النسيئة فإنه يحمل على مختلفي ~~الجنس، ولا ينقدح هذا التخصيص إلا بتقدير واقعة وسؤال عن مختلفي الجنس ms306 ولكن ~~يجوز تقدير PageV00P196 # مثل هذه القرينة إذا اعتضد بنص، وقوله عليه السلام: لا تبيعوا البر بالبر ~~إلا سواء بسواء نص في إثبات ربا الفضل، وقوله: إنما الربا في النسيئة حصر ~~للربا في النسيئة، ونفي لربا الفضل، فالجمع بالتأويل البعيد الذي ذكرناه ~~أولى من مخالفة النص، ولهذا المعنى كان الاحتمال البعيد كالقريب في ~~العقليات، فإن دليل العقل لا تمكن مخالفته بوجه ما، والاحتمال البعيد يمكن ~~أني يكون مرادا باللفظ بوجه ما، فلا يجوز التمسك في العقليات إلا بالنص ~~بالوضع الثاني، وهو الذي لا يتطرق إليه احتمال قريب ولا بعيد، ومهما كان ~~الاحتمال قريبا وكان الدليل أيضا قريبا وجب على المجتهد الترجيح والمصير ~~إلى ما يغلب على ظنه. # ، فليس كل تأويل مقبولا بوسيلة كل دليل، بل ذلك يختلف، ولا يدخل تحت ضبط، ~~إلا أنا نضرب أمثلة فيما يرتضي من التأويل وما لا يرتضي ونرسم في كل مثال ~~مسألة ونذكر لأجل المثال عشر مسائل خمسة في تأويل العموم وخمسة في تخصيص ~~العموم. # - مسألة (فساد التأويل بقرائن) التأويل وإن كان محتملا فقد تجتمع قرائن ~~تدل على فساده، وأحاد تلك القرائن لا تدفعه، لكن يخرج بمجموعها عن أن يكون ~~منقدحا غالبا، مثاله: قوله عليه السلام لغيلان حين أسلم على عشر نسوة أمسك ~~أربعا وفارق سائرهن وقوله عليه السلام لفيروز الديلمي حين أسلم على أختين: ~~أمسك إحداهما وفارق الأخرى فإن ظاهر هذا يدل على دوام النكاح، فقال أبو ~~حنيفة: أراد به ابتداء النكاح، أي أمسك أربعا فانكحهن وفارق سائرهن، أي ~~انقطع عنهن ولا تنكحهن، ولا شك أن ظاهر لفظ الامساك الاستصحاب والاستدامة، ~~وما ذكره أيضا محتمل، ويعتضد احتماله بالقياس، إلا أن جملة من القرائن عضدت ~~الظاهر وجعلته أقوى في النفس من التأويل، أولها أنا نعلم أن الحاضرين من ~~الصحابة لم يسبق إلى إفهامهم من هذه الكلمة إلا الاستدامة في النكاح، وهو ~~السابق إلى أفهامنا، فإنا لو سمعناه في زماننا لكان هو السابق إلى أفهامنا. ~~الثاني: أنه قابل لفظ الامساك بلفظ المفارقة وفوضه إلى اختياره، فليكن ~~الامساك ms307 والمفارقة إليه، وعندهم الفراق واقع والنكاح لا يصح إلا برضا ~~المرأة. الثالث: أنه لو أراد ابتداء النكاح لذكر شرائطه، فإنه كان لا يؤخر ~~البيان عن وقت الحاجة، وما أحوج جديد العهد بالاسلام إلى أن يعرف شروط ~~النكاح. # الرابع: أنه لا يتوقع في اطراد العادة انسلاكهن في ربقة الرضا على حسب ~~مراده، بل ربما كان يمتنع جميعهن، فكيف أطلق الامر مع هذا الامكان. الخامس: ~~أن قوله: أمسك أمر وظاهره الايجاب، فكيف أوجب عليه ما لم يجب، ولعله أراد ~~أن لا ينكح أصلا. السادس: # أنه ربما أراد أن لا ينكحهن بعد أن قضى منهن وطرا، فكيف حصره فيهن بل، ~~كان ينبغي أن يقول: انكح أربعا ممن شئت من نساء العالم من الأجنبيات، فإنهن ~~عندكم كسائر نساء العالم، فهذا وأمثاله من القرائن ينبغي أن يلتفت إليها في ~~تقرير التأويل ورده، وآحادها لا يبطل الاحتمال، لكن المجموع يشكك في صحة ~~القياس المخالف للظاهر، ويصير اتباع الظاهر بسببها أقوى في النفس من اتباع ~~القياس، والانصاف أن ذلك يختلف بتنوع أحوال المجتهدين، وإلا فلسنا نقطع ~~ببطلان تأويل أبي حنيفة مع هذه القرائن، وإنما المقصود تذليل الطريق ~~للمجتهدين. PageV00P197 # - مسألة (التأويل في حديث غيلان الثقفي) من تأويلاتهم في هذه المسألة أن ~~الواقعة ربما وقعت في ابتداء الاسلام قبل الحصر في عدد النساء، فكان على ~~وفق الشرع، وإنما الباطل من أنكحة الكفار ما يخالف الشرع، كما لو جمع في ~~صفقة واحدة بين عشر بعد نزول الحصر، فنقول: إذا سلم هذا أمكن القياس عليه، ~~لان قياسهم يقتضي اندفاع جميع هذه الأنكحة، كما لو نكح أجنبيتين ثم حدث ~~بينهما أخوة برضاع اندفاع النكاح ولم يتخير، ومع هذا فنقول هذا بناء تأويل ~~على احتمال من غير نقل، ولم يثبت عندنا رفع حجر في ابتداء الاسلام، ويشهد ~~له أنه لم ينقل عن أحد من الصحابة زيادة على أربعة، وهم الناكحون، ولو كان ~~جائزا لفارقوا عند نزول الحصر ولأوشك أن ينقل ذلك، وقوله تعالى: * (وأن ~~تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف) * (النساء: # 23) أراد ms308 به زمان الجاهلية، هذا ما ورد في التفسير، فإن قيل: فلو صح رفع ~~حجر في الابتداء، هل كان هذا الاحتمال مقبولا؟ قلنا: قال بعض أصحابنا ~~الأصوليين: لا يقبل، لان الحديث استقل حجة، فلا يدفع بمجرد الاحتمال، ما لم ~~ينقل وقوع نكاح غيلان قبل نزول الحجر، وهذا ضعيف، لان الحديث لا يستقل حجة ~~ما لم ينقل تأخر نكاحه عن نزول الحصر لأنه إن تقدم فليس بحجة وإن تأخر فهو ~~حجة، فليس أحد الاحتمالين أولى من الآخر، ولا تقوم الحجة باحتمال يعارضه ~~غيره. # - مسألة (هل يرفع التأويل النص؟) قال بعض الأصوليين كل تأويل يرفع النص ~~أو شيئا منه فهو باطل، ومثاله تأويل أبي حنيفة في مسألة الابدال حيث قال ~~عليه الصلاة والسلام في أربعين شاة شاة فقال أبو حنيفة، الشاة غير واجبة، ~~وإنما الواجب مقدار قيمتها من أي مال كان، قال: فهذا باطل لان اللفظ نص في ~~وجوب شاة، وهذا رفع وجوب الشاة، فيكون رفعا للنص، فإن قوله: # (وآتوا الزكاة) * (النساء: 77) للايجاب، وقوله عليه السلام: في أربعين ~~شاة شاة بيان للواجب وإسقاط وجوب الشاة رفع للنص، وهذا غير مرضي عندنا، فإن ~~وجوب الشاة إنما يسقط بتجويز الترك مطلقا، فأما إذا لم يجز تركها إلا ببدل ~~يقوم مقامها فلا تخرج الشاة عن كونها واجبة، فإن من أدى خصلة من خصال ~~الكفارة المخير فيها فقد أدى واجبها، وإن كان الوجوب يتأدى بخصلة أخرى، ~~فهذا توسيع للوجوب واللفظ نعى في أصل الوجوب لا في تعيينه وتصنيفه ولعله ~~ظاهر في التعيين محتمل للتوسيع والتخيير، وهو كقوله: وليستنج بثلاثة أحجار ~~فإن إقامة المدر مقامه لا يبطل وجوب الاستنجاء، لكن الحجر يجوز أن يتعين ~~ويجوز أن يتخير بينه وبين ما في معناه، نعم إنما ينكر الشافعي هذا التأويل ~~لا من حيث أنه نص لا يحتمل لكن من وجهين: أحدهما: أن دليل الخصم أن المقصود ~~سد الخلة، ومسلم أن سد الخلة مقصود، لكن غير مسلم أنه كل المقصود، فلعله ~~قصد مع ذلك التعبد بإشراك الفقير في جنس مال الغني ms309 فالجمع بين الظاهر وبين ~~التعبد ومقصود سد الخلة أغلب على الظن في العبادات، لان العبادات مبناها ~~على الاحتياط، من تجريد النظر إلى مجرد سد الخلة. الثاني: أن التعليل بسد ~~الخلة مستنبط من قوله: في أربعين شاة شاة وهو استنباط يعود على أصل النص ~~بالابطال، أو على الظاهر بالرفع، وظاهره وجوب الشاة على التعيين، فإبراز ~~معنى لا يوافق الحكم السابق إلى الفهم من اللفظ لا معنى له، لان العلة ما ~~يوافق الحكم، والحكم لا PageV00P198 # معنى له إلا ما يدل عليه ظاهر اللفظ، وظاهر اللفظ يدل على تعيين الشاة، ~~وهذا التعليل يدفع هذا الظاهر، وهذا أيضا عندنا في محل الاجتهاد، فإن معنى ~~سد الخلة ما يسبق إلى الفهم من إيجاب الزكاة للفقراء وتعيين الشاة يحتمل أن ~~يكون للتعبد، كما ذكر الشافعي رحمه الله، ويحتمل أن لا يكون متعينا، لكن ~~الباعث على تعيينه شيئان: أحدهما: أن الأيسر على الملاك، والأسهل في ~~العبادات كما عين ذكر الحجر في الاستنجاء، لأنه أكثر في تلك البلاد وأسهل، ~~وكما يقول المفتي وجبت عليه كفارة اليمين: تصدق بعشرة أمداد من البر، لأنه ~~يرى ذلك أسهل عليه من العتق، ويعلم من عادته أنه لو خير بينهما لاختار ~~الاطعام على الاعتاق ليسره، فيكون ذلك باعثا على تخصيصه بالذكر. والثاني: ~~أن الشاة معيار لمقدار الواجب فلا بد من ذكرها، إذ القيمة تعرف بها، وهي ~~تعرف بنفسها، فهي أصل على التحقيق، ولو فسر النبي عليه الصلاة والسلام ~~كلامه بذلك لم يكن متناقضا، ولكان حكما بأن البدل يجري في الزكاة فهذا كله ~~في محل الاجتهاد، وإنما تشمئز عنه طباع من لم يأنس بتوسع العرب في الكلام، ~~وظن اللفظ نصا في كل ما يسبق إلى الفهم منه، فليس يبطل الشافعي رحمه الله ~~هذا الانتفاء الاحتمال، لكن لقصور الدليل الذي يعضده، ولامكان كون التعبد ~~مقصودا مع سد الخلة، ولأنه ذكر الشاة في خمس من الإبل وليس من جنسه حتى ~~يكون للتسهيل، ثم في الجبران ردد بين شاة وعشرة دراهم، ولم يردهم إلى قيمة ~~الشاة، وفي ms310 خمس من الإبل لم يردد فهذه قرائن تدل على التعبد والباب باب ~~التعبد والاحتياط فيه أولى. # - مسألة (تأويل آية مصارف الزكاة) يقرب مما ذكرنا تأويل الآية في مسألة ~~أصناف الزكاة، فقال قوم، قوله تعالى: # * (إنما الصدقات للفقراء والمساكين) * (التوبة: 06) الآية، نص في ~~التشريك، فالصرف إلى واحد إبطال له، وليس كذلك عندنا، بل هو عطف على قوله ~~تعالى: * (ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا ~~منها إذا هم يسخطون) * ولو أنهم رضوا) * (التوبة: 58، 59) إلى قوله: * ~~(إنما الصدقات للفقراء والمساكين) * (التوبة: 60) يعني أن طمعهم في الزكاة ~~مع خلوهم عن شرط الاستحقاق باطل، ثم عدد شروط الاستحقاق ليبين مصرف الزكاة، ~~ومن يجوز صرف الزكاة إليه، فهذا محتمل، فإن منعه فللقصور في دليل التأويل، ~~لا لانتفاء الاحتمال، فهذا وأمثاله ينبغي أن يسمى نصا بالوضع الأول أو ~~الثالث أما بالوضع الثاني فلا. # - مسألة (هل المعتبر العدد أم الجنس؟) قال قوم: قوله تعالى: * (فإطعام ~~ستين مسكينا) * (المجادلة: 4) نص في وجوب رعاية العدد ومنع الصرف إلى مسكين ~~واحد في ستين يوما، وقطعوا ببطلان تأويله، وهو عندنا من جنس ما تقدم فإنه ~~إن أبطل لقصور الاحتمال، وكون الآية نصا بالوضع الثاني فهو غير مرضي، فإنه ~~يجوز أن يكون ذكر المساكين لبيان مقدار الواجب ومعناه فإطعام طعام ستين ~~مسكينا، وليس هذا ممتنعا في توسع لسان العرب، نعم دليله تجريد النظر إلى سد ~~الخلة، والشافعي يقول: لا يبعد أن يقصد الشرع، ذلك لاحياء ستين مهجة تبركا ~~بدعائهم وتحصنا عن حلول العذاب بهم، ولا يخلو جمع من المسلمين عن ولي من ~~الأولياء يغتنم دعاؤه، ولا دليل على بطلان هذا المقصود فتصير الآية نصا ~~بالوضع الأول والثالث، لا بالوضع الثاني PageV00P199 # هذه أمثلة التأويل، ولنذكر أمثلة التخصيص، فإن العموم إن جعلنا ظاهرا في ~~الاستغراق لم يكن في التخصيص إلا إزالة ظاهر، فلأجل ذلك عجلنا ذكر هذا ~~القدر، وإلا فبيانه في القسم الرابع المرسوم لبيان العموم أليق. # - مسألة (أقسام العموم) إعلم أن العموم عند من يرى التمسك به ينقسم ms311 إلى ~~قوي يبعد عن قبول التخصيص إلا بدليل قاطع أو كالقاطع، وهو الذي يحوج إلى ~~تقدير قرينة، حتى تنقدح إرادة الخصوص به، وإلى ضعيف ربما يشك في ظهوره، ~~ويقتنع في تخصيصه، بدليل ضعيف وإلى متوسط، مثال القوي منه قوله (ص): أيما ~~امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل الحديث، وقد حمله الخصم على الأمة، ~~فنبا عن قبوله قوله، فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن مهر الأمة للسيد، ~~فعدلوا إلى الحمل على المكاتبة، وهذا تعسف ظاهر، لان العموم قوي، والمكاتبة ~~نادرة بالإضافة إلى النساء، وليس من كلام العرب إرادة النادر الشاذ باللفظ ~~الذي ظهر منه قصد العموم إلا بقرينة تقترن باللفظ، وقياس النكاح على المال ~~وقياس الإناث على الذكور ليس قرينة مقترنة باللفظ حتى يصلح لتنزيله على ~~صورة نادرة، ودليل ظهور قصد التعمم بهذا اللفظ أمور: الأول: أنه صدر الكلام ~~بأي، وهي من كلمات الشرط، ولم يتوقف في عموم أدوات الشرط جماعة ممن توقف في ~~صيغ العموم الثاني: أنه أكده بما فقال: أيما وهي من المؤكدات المستقلة ~~بإفادة العموم أيضا. الثالث: أنه قال فنكاحها باطل رتب الحكم على الشرط في ~~معرض الجزاء، وذلك أيضا يؤكد قصد العموم، ونحن نعلم أن العربي الفصيح لو ~~اقتراح عليه بأن يأتي بصيغة عامة دالة على قصد العموم مع الفصاحة والجزالة ~~لم تسمح قريحته بأبلغ من هذه الصيغة، ونحن نعلم قطعا أن الصحابة رضي الله ~~عنهم لم يفهموا من هذه الصيغة المكاتبة، وأنا لو سمعنا واحدا منا يقول ~~لغيره: # أيما امرأة رأيتها اليوم فأعطها درهما، لا يفهم منه المكاتبة، ولو قال: ~~أردت المكاتبة نسب إلى الإلغاز والهزء، ولو قال: أيما أهاب دبغ فقد طهر، ثم ~~قال: أردت به الكلب أو الثعلب على الخصوص، لنسب إلى اللكنة والجهل باللغة، ~~ثم لو أخرج الكلب أو الثعلب أو المكاتبة وقال: ما خطر ذلك ببالي لم يستنكر، ~~فما لا يخطر بالبال أو بالاخطار وجاز أن يشذ عن ذكر اللافظ وذهنه حتى جاز ~~إخراجه عن اللفظ، كيف يجوز قصر اللفظ ms312 عليه؟ بل نقول: # من ذهب إلى إنكار صيغ العموم وجعلها مجملة فلا ينكر منع التخصيص إذا دلت ~~القرائن عليه، فالمريض إذا قال لغلامه: لا تدخل علي الناس، فأدخل عليه ~~جماعة من الثقلاء وزعم أني أخرجت هذا من عموم لفظ الناس فإنه ليس نصا في ~~الاستغراق استوجب التعزيز، فلنتخذ هذه المسألة مثالا لمنع التخصيص ~~بالنوادر. # - مسألة (مثال عن العام القوي) يقرب من هذا قوله عليه الصلاة والسلام: من ~~ملك ذا رحم محرم عتق عليه إذ قبله بعض أصحاب الشافعي وخصصه بالأب، وهذا ~~بعيد، لان الأب يختص بخاصية تتقاضى تلك الخاصية التنصيص عليه فيما يوجب ~~الاحترام والعدول عن لفظه الخاص إلى لفظ يعم قريب من الألغاز والالباس، ولا ~~يليق بمنصب الشارع عليه السلام إلا إذا اقترن به قرينة معرفة، ولا سبيل إلى ~~وضع القرائن من غير ضرورة، وليس قياس الشافعي في تخصيص PageV00P200 # النفقة بالبعضية بالغا في القوة مبلغا ينبغي أن يخترع تقدير القرائن ~~بسببه، فلو صح هذا اللفظ لعمل الشافعي رحمه الله بموجبه، فإن من كان من ~~عادته إكرام أبيه فقال: من عادتي إكرام الناس كان ذلك خلفا من الكلام، ولكن ~~قال الشافعي: الحديث موقوف على الحسن بن عمارة. # - مسألة (مثال عن العام الضعيف) ما ذكرناه مثال العموم القوي، أما مثال ~~العموم الضعيف، فقوله عليه السلام: # فيما سقت السماء العشر، وفيما سقي ينضح أو دالية نصف العشر فقد ذهب بعض ~~القائلين بصيغ العموم إلى أن هذا لا يحتج به في إيجاب العشر ونصف العشر في ~~جميع ما سقته السماء، ولا في جميع ما سقي بنضح، لان المقصود منه الفرق بين ~~العشر ونصف العشر لا بيان ما يجب فيه العشر حتى يتعلق بعمومه، وهذا فيه نظر ~~عندنا، إذ لا يبعد أن يكون كل واحد مقصودا وهو إيجاب العشر في جميع ما سقته ~~السماء، وإيجاب نصفه في جميع ما سقي بنضح، واللفظ عام في صيغته، فلا يزول ~~ظهوره بمجرد الوهم، لكن يكفي في التخصيص أدنى دليل، لكنه لو لم يرد إلا ~~بهذا اللفظ، ولم ms313 يرد دليل مخصص لوجب التعميم في الطرفين على مذهب من يرى ~~صيغ العموم حجة. # - مسألة (تأويل آية الأنفال) قال الله تعالى: * (اعلموا أنما غنمتم من شئ ~~فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى) * (الأنفال: 14) فقال أبو حنيفة: تعتبر ~~الحاجة مع القرابة، ثم جوز حرمان ذوي القربى فقال أصحاب الشافعي رحمه الله: ~~هذا تخصيص باطل لا يحتمله اللفظ، لأنه أضاف المال إليهم بلام التمليك، وعرف ~~كل جهة بصفة، وعرف هذه الجهة في الاستحقاق بالقرابة، وأبو حنيفة ألغى ~~القرابة المذكورة، واعتبر الحاجة المتروكة، وهو مناقضة للفظ لا تأويل، وهذا ~~عندنا في مجال الاجتهاد، وليس فيه إلا تخصيص عموم لفظ، ذوي القربى ~~بالمحتاجين منهم كما فعله الشافعي على أحد القولين في اعتبار الحاجة مع ~~اليتم في سياق هذه الآية، فإن قيل: لفظ اليتم ينبئ عن الحاجة؟ قيل: فلم لا ~~يحمل عليه قوله: لا تنكح اليتيمة حتى تستأمر فإن قيل: قرينة إعطاء المال هي ~~التي تنبه على اعتبار الحاجة مع اليتم فله هو أن يقول واقتران ذوي القربى ~~باليتامى والمساكين قرينة أيضا، وإنما دعا إلى ذكر القرابة كونهم محرومين ~~عن الزكاة حتى يعلم أنهم ليسوا محرومين عن هذا المال، وهذا تخصيص لو دل ~~عليه دليل فلا بد من قبوله، فليس ينبو عنه اللفظ نبوة حديث النكاح بلا ولي ~~عن المكاتبة. # - مسألة (تأويل نية الصيام) قوله عليه السلام: لا صيام لمن لم يبيت ~~الصيام من الليل حمله أبو حنيفة على القضاء والنذر، فقال أصحابنا: قوله: لا ~~صيام نفي عام لا يسبق منه إلى الفهم إلا الصوم الأصلي الشرعي، وهو الفرض ~~والتطوع، ثم التطوع غير مراد، فلا يبقى إلا الفرض الذي هو ركن الدين وهو ~~صوم رمضان، وأما القضاء والنذر فيجب بأسباب عارضة، ولا يتذكر بذكر الصوم ~~مطلقا، ولا يخطر بالبال، بل يجري مجرى النوادر كالمكاتبة في مسألة النكاح، ~~وهذا فيه نظر، إذ ليس ندور القضاء والنذر كنذور المكاتبة، وإن كان الفرض ~~أسبق منه إلى الفهم، PageV00P201 # فيحتاج مثل هذا التخصيص إلى دليل قوي، فليس يظهر بطلانه كظهور ms314 بطلان ~~التخصيص بالمكاتبة وعند هذا يعلم أن إخراج النادر قريب، والقصر على النادر ~~ممتنع وبينهما درجات متفاوتة في القرب والبعد لا تدخل تحت الحصر، ولكل ~~مسألة ذوق، ويجب أن تفرد بنص خاص، ويليق ذلك بالفروع، ولم نذكر هذا القدر ~~إلا لوقوع الانس بجنس التصرف فيه والله أعلم. هذا تمام النظر في المجمل ~~والمبين، والظاهر والمؤول، وهو نظر يتعلق بالألفاظ كلها، والقسمان الباقيان ~~نظر أخص، فإنه نظر في الأمر والنهي خاصة، وفي العموم والخصوص خاصة، فلذلك ~~قدمنا النظر في الأعم على النظر في الأخص. # القسم الثالث في الأمر والنهي فنبدأ بالامر فنقول: أولا: في حده وحقيقته، ~~وثانيا: في صيغته، وثالثا: في مقتضاه من الفور والتراخي أو الوجوب أو ~~الندب، وفي التكرار والاتحاد وإثباته. # النظر الأول: في حده وحقيقته وهو قسم من أقسام الكلام، إذ بينا أن الكلام ~~ينقسم إلى أمر ونهي وخبر واستخبار، فالامر أحد أقسامه، وحد الامر أنه القول ~~المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به والنهي هو القول المقتضي ترك الفعل، ~~وقيل في حد الامر أنه طلب الفعل واقتضاؤه على غير وجه المسألة، وممن هو دون ~~الآمر في الدرجة احترازا عن قوله: # اللهم اغفر لي، وعن سؤال العبد من سيده، والولد من والده، ولا حاجة إلى ~~هذا الاحتراز، بل يتصور من العبد والولد أمر السيد والوالد، وإن لم تجب ~~عليهما الطاعة، فليس من ضرورة كل أمر أن يكون واجب الطاعة، بل الطاعة لا ~~تجب إلا لله تعالى، والعرب قد تقول: فلان أمر أباه، والعبد أمر سيده، ومن ~~يعلم أن طلب الطاعة لا يحسن منه، فيرون ذلك أمرا وإن لم يستحسنوه، وكذلك ~~قوله: اغفر لي، فلا يستحيل أن يقوم بذاته اقتضاء الطاعة من الله تعالى أو ~~من غيره، فيكون آمرا ويكون عاصيا بأمره، فإن قيل: قولكم الامر هو القول ~~المقتضي طاعة المأمور أردتم به القول باللسان أو كلام النفس قلنا: الناس ~~فيه فريقان: الفريق الأول: هم المثبتون لكلام النفس وهؤلاء يريدون بالقول ~~ما يقوم بالنفس من اقتضاء الطاعة، وهو الذي يكون ms315 النطق عبارة عنه ودليلا ~~عليه، وهو قائم بالنفس وهو أمر بذاته وجنسه، ويتعلق بالمأمور به، وهو ~~كالقدرة، فإنها قدرة لذاتها، وتتعلق بمتعلقها، ولا يختلف في الشاهد والغائب ~~في نوعه وحده وينقسم إلى قديم ومحدث كالقدرة، ويدل عليه تارة بالإشارة ~~والرمز والفعل وتارة بالألفاظ، فإن سميت الإشارة المعرفة أمرا فمجاز، لأنه ~~دليل على الامر، لا أنه نفس الامر، وأما الألفاظ فمثل قوله: أمرتك، فاقتضى ~~طاعته، وهو ينقسم إلى إيجاب وندب، ويدل على معنى الندب بقوله: ندبتك ورغبتك ~~فافعل فإنه خير لك، وعلى معنى الوجوب بقوله: أوجبت عليك أو فرضت أو حتمت ~~فافعل فإن تركت فأنت معاقب وما يجري مجراه، وهذه الألفاظ الدالة على معنى ~~الامر تسمى أمرا، وكأن الاسم مشترك بين المعنى القائم بالنفس وبين اللفظ ~~الدال، فيكون حقيقة فيهما، أو يكون حقيقة في المعنى القائم بالنفس، وقوله: ~~إفعل، يسمى أمرا مجازا: كما تسمى الإشارة المعرفة أمرا مجازا، ومثل هذا ~~الخلاف جاز في اسم الكلام أنه مشترك بين ما في النفس وبين اللفظ، أو هو ~~مجاز في اللفظ. الفريق الثاني: هم المنكرون PageV00P202 # لكلام النفس، وهؤلاء انقسموا إلى ثلاثة أصناف، وتحزبوا على ثلاث مراتب: # الحزب الأول: قالوا: لا معنى للامر إلا حرف وصوت، وهو مثل قوله: إفعل، أو ~~ما يفيد معناه، وإليه ذهب البلخي من المعتزلة، وزعم أن قوله: إفعل، أمر ~~لذاته وجنسه، وأنه لا يتصور أن لا يكون أمرا، فقيل له: هذه الصيغة قد تصدر ~~للتهديد، كقوله: اعملوا ما شئتم، وقد تصدر للإباحة، كقوله: * (وإذا حللتم ~~فاصطادوا) * (المائدة: 2) فقال: ذلك جنس آخر لا من هذا الجنس، وهو مناكرة ~~للحس، فلما استشعر ضعف هذه المجاحدة اعترف. # الحزب الثاني: وفيهم جماعة من الفقهاء يقولون: إن قوله: أفعل ليس أمرا ~~بمجرد صيغته ولذاته، بل لصيغته وتجرده عن القرائن الصارفة له عن جهة الامر ~~إلى التهديد والإباحة وغيره، وزعموا أنه لو صدر من النائم والمجنون أيضا لم ~~يكن أمرا للقرينة، وهذا بعارضه قوله من قال أنه لغير الامر، إلا إذا صرفته ~~قرينة إلى معنى الامر، ms316 لأنه إذا سلم إطلاق العرب هذه الصيغة على أوجه ~~مختلفة فحوالة البعض على الصيغة، وحوالة الباقي على القرينة تحكم مجرد لا ~~يعلم بضرورة العقل، ولا بنظر ولا بنقل متواتر من أهل اللغة، فيجب التوقف ~~فيه، فعند ذلك اعترف. # الحزب الثالث: من محققي المعتزلة: أنه ليس أمر الصيغة وذاته ولا لكونه ~~مجردا عن القرائن مع الصيغة، بل يصير أمرا بثلاث إرادات، إرادة المأمور به، ~~وإرادة إحداث الصيغة، وإرادة الدلالة بالصيغة على الامر دون الإباحة ~~والتهديد، وقال بعضهم: تكفي إرادة واحدة وهي إرادة المأمور، وهذا فاسد من ~~أوجه: الأول: أنه يلزم أن يكون قوله تعالى: # * (ادخلوها بسلام آمنين) * (الحجر: 64) وقوله: * (كلوا واشربوا هنيئا بما ~~أسلفتم في الأيام الخالية) * (الحاقة: 42) أمرا لأهل الجنة، ولا يمكن تحقيق ~~الامر إلا بوعد ووعيد، فتكون الدار الآخرة دار تكليف ومحنة، وهو خلاف ~~الاجماع. وقد ركب ابن الجبائي هذا وقال: إن الله مريد دخولهم الجنة، وكاره ~~امتناعهم، إذ يتعذر به إيصال الثواب إليهم وهذا ظلم والله سبحانه يكره ~~الظلم، فإن قيل: قد وجدت إرادة الصيغة وإرادة المأمور به، لكن لم توجد ~~إرادة الدلالة به على الامر؟ قلنا: وهل للامر معنى وراء الصيغة حتى تراه ~~الدلالة عليه أم لا، فإن كان له معنى فما هو وهل له حقيقة سوى ما يقول ~~بالنفس من اقتضاء الطاعة، وإن لم يكن سوى الصيغة، فلا معنى لاعتبار هذه ~~الإرادة الثالثة. الوجه الثاني: أنه يلزمهم أن يكون القائل لنفسه: # إفعل، مع إرادة الفعل من نفسه آمرا لنفسه، وهو محال بالاتفاق، فإن الامر ~~هو المقتضى، وأمره لنفسه لا يكون مقتضيا للفعل، بل المقتضي دواعيه وأغراضه، ~~ولهذا لو قال لنفسه: إفعل، وسكت وجد هاهنا إرادة الصيغة وإرادة المأمور به، ~~وليس بأمر، فدل أن حقيقته اقتضاء الطاعة وهو معنى قائم بالنفس من ضرورته أن ~~يتعلق بغيره، وهل يشترط أن لا يكون ذلك الغير فوقه في الرتبة فيه كلام سبق، ~~فإن قيل: وما الدليل على قيام معنى بالنفس سوى إرادة الفعل المأمور به، فإن ~~السيد لا يجد من ms317 نفسه عند قوله لعبده اسقني أو أسرج الدابة إلا إرادة السقي ~~PageV00P203 # والاسراج، أعني طلبه والميل إليه، لارتباط غرضه به، فإن ثبت أن الامر ~~يرجع إلى هذه الإرادة لزم اقتران الامر، والإرادة في حق الله تعالى، حتى لا ~~تكون المعاصي الواقعة إلا مأمورا بها مرادة إذ الكائنات كلها مرادة، أو ~~ينكر وقوعها بإرادة الله، فيقال: إنها على خلاف إرادته، وهو شنيع إذ يؤدي ~~إلى أن يكون ما يجري في ملكه، على خلاف ما أراد أكثر مما يجري على وفق ~~إرادته، وهي الطاعات، وذلك أيضا منكر، فما المخلص من هذه الورطة؟ قلنا: هذه ~~الضرورة التي دعت الأصحاب إلى تمييز الامر عن الإرادة فقالوا: قد يأمر ~~السيد عبده بما لا يريده، كالمعاتب من جهة السلطان على ضرب عبده إذا مهد ~~عنده عذره لمخالفة أوامره فقال له بين يدي الملك: أسرج الدابة، وهو يريد أن ~~لا يسرج إذ في إسراجه خطر وإهلاك للسيد، فيعلم أنه لا يريده، وهو آمرا إذ ~~لولاه لما كان العبد مخالفا ولما تمهد عذره عند السلطان وكيف لا يكون آمرا ~~وقد منهم العبد والسلطان والحاضرون منه الامر، فدل أنه قد يأمر بما لا ~~يريده هذا منتهى كلامهم، وتحته غور لو كشفناه لم تحتمل لأصول التفصي عن ~~عهدة ما يلزم منه ولتزلزلت به قواعد لا يمكن تداركها إلا بتفهيمها على وجه ~~يخالف ما سبق إلى أوهام أكثر المتكلمين، والقول فيه يطول ويخرج عن خصوص ~~مقصود الأصول. # النظر الثاني: في الصيغة وقد حكى بعض الأصوليين خلافا في أن الامر هل له ~~صيغة، وهذه الترجمة خطأ، فإن قول الشارع: أمرتكم بكذا وأنتم مأمورون بكذا، ~~أو قول الصحابي: أمرت بكذا، كل ذلك صيغ دالة على الامر، وإذا قال: أوجبت ~~عليكم أو فرضت عليكم، أو أمرتكم بكذا وأنتم معاقبون على تركه، فكل ذلك يدل ~~على الوجوب، ولو قال: أنتم مثابون على فعل كذا ولستم معاقبين على تركه فهو ~~صيغة دالة على الندب، فليس في هذا خلاف، وإنما الخلاف في أن قوله: إفعل، هل ~~يدل على ms318 الامر بمجرد صيغته إذا تجرد عن القرائن، فإنه قد يطلق على أوجه: ~~منها بالوجوب، كقوله: أقم الصلاة [لقمان: 17] والندب، كقوله: فكاتبوهم ~~والارشاد، كقوله: واستشهدوا [البقرة: # 282) والإباحة، كقوله: فاصطادوا، والتأديب، كقوله لابن عباس: كل مما يليك ~~والامتنان، كقوله: كلوا مما رزقكم الله، وإلا كرام، كقوله: # * (ادخلوها بسلام آمنين) * (الحجر: 64) والتهديد كقوله: * (اعملوا ما ~~شئتم) * (فصلت: # 40) والتسخير كقوله: * (كونوا قردة خاسئين) * (البقرة: 56) والإهانة ~~كقوله: * (ذق إنك أنت العزيز الكريم) * (الدخان: 94) والتسوية كقوله: * ~~(فاصبروا أو لا تصبروا) * (الطور: 61) والانذار كقوله: * (كلوا وتمتعوا) * ~~(المرسلات: 64). والدعاء كقوله: اللهم اغفر لي والتمني كقول الشاعر: ألا ~~أيها الليل الطويل ألا انجلي ولكمال القدرة كقوله: * (كن فيكون) * (البقرة ~~117، آل عمران: 47، 59، الانعام: 73، النحل: # 40، مريم: 35، يس 28، غافر: 86) وأما صيغة النهي وهو قوله: لا تفعل، فقد ~~تكون للتحريم وللكراهية والتحقير، كقوله: * (لا تمدن عينيك) * (الحجر: 88) ~~ولبيان العاقبة كقوله: * (ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون) * ~~(إبراهيم: 24) وللدعاء كقوله: ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولليأس ~~كقوله: * (لا تعتذروا اليوم) * (التحريم: PageV00P204 # 7) وللارشاد كقوله: * (لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم) * (المائدة: ~~101) فهذه خمسة عشر وجها في إطلاق صيغة الامر، وسبعة أوجه في إطلاق صيغة ~~النهي فلا بد من البحث عن الوضع الأصلي في جملة ذلك ما هو والمتجوز به ما ~~هو، وهذه الأوجه عدها الأصوليون شغفا منهم بالتكثير، وبعضها كالمتداخل، فإن ~~قوله: كل مما يليك جعل للتأديب، وهو داخل في الندب، والآداب مندوب إليها، ~~وقوله: * (تمتعوا) (هود 65، إبراهيم: 30، الذاريات: # 43) للانذار، قريب من قوله: * (اعملوا ما شئتم) * (فصلت: 04) الذي هو ~~للتهديد، ولا نطول بتفصيل ذلك وتحصيله، فالوجوب والندب والارشاد والإباحة ~~أربعة وجوه محصلة، ولا فرق بين الارشاد والندب، إلا أن الندب لثواب الآخرة، ~~والارشاد للتنبيه على المصلحة الدنيوية، فلا ينقص ثواب بترك الاشهاد في ~~المداينات ولا يزيد بفعله. وقال قوم: هو مشترك بين هذه الوجوه الخمسة عشر، ~~كلفظ العين والقرء، وقال قوم: يدل على أقل الدرجات، وهو الإباحة، وقال قوم: ~~هو للندب، ويحمل على الوجوب بزيادة قرينة، وقال قوم: هو للوجوب، فلا ms319 يحمل ~~على ما عداه إلا بقرينة، وسبيل كشف الغطاء أن نرتب النظر على مقامين: ~~الأول: في بيان أن هذه الصيغة هل تدل على اقتضاء وطلب أم لا. والثاني: في ~~بيان أنه إن اشتمل في اقتضاء، والاقتضاء موجود في الندب، والوجوب على ~~اختيارنا في أن الندب داخل تحت الامر فهل يتعين لأحدهما أو هو مشترك؟. # المقام الأول: في دلالته على اقتضاء الطاعة، فنقول: قد أبعد من قال أن ~~قوله: إفعل مشترك بين الإباحة والتهديد الذي هو المنع وبين الاقتضاء، فإنا ~~ندرك التفرقة في وضع اللغات كلها، بين قولهم، إفعل ولا تفعل، وإن شئت فافعل ~~وإن شئت فلا تفعل، حتى إذا قدرنا انتفاء القرائن كلها، وقدرنا هذا منقولا ~~على سبيل الحكاية عن ميت أو غائب لا في فعل معين من قيام وقعود وصيام ~~وصلاة، بل في الفعل مجملا، سبق إلى فهمنا اختلاف معاني هذه الصيغ، وعلمنا ~~قطعا أنها ليست أسامي مترادفة على معنى واحد، كما أنا ندرك التفرقة بين ~~قولهم في الاخبار: قام زيد ويقوم زيد، وزيد قائم، في أن الأول للماضي، ~~والثاني للمستقبل الثالث للحال، هذا هو الوضع، وإن كان قد يعبر بالماضي عن ~~المستقبل، وبالمستقبل عن الماضي لقرائن تدل عليه، وكما ميزوا الماضي عن ~~المستقبل ميزوا الامر عن النهي، وقالوا في باب الأمر: إفعل، وفي باب النهي: ~~لا تفعل، وإنهما لا ينبئان عن معنى قوله: إن شئت فافعل، وإن شئت فلا تفعل، ~~فهذا أمر نعلمه بالضرورة من العربية والتركية والعجمية وسائر اللغات، لا ~~يشككنا فيه لطلاق مع قرينة التهديد ومع قرينة الإباحة في نوادر الأحوال، ~~فإن قيل: بم تنكرون على من يحمله على الإباحة، لأنها أقل الدرجات فهو ~~مستيقن؟ قلنا: هذا باطل من وجهين: أحدهما: أنه محتمل للتهديد والمنع، ~~فالطريق الذي يعرف أنه لم يوضع للتهديد يعرف أنه لم يوضع للتخيير. الثاني: ~~أن هذا من قبيل الاستصحاب، لا من قبيل البحث عن الوضع، فإنا نقول: هل تعلم ~~أن مقتضى قوله: إفعل للتخيير بين الفعل والترك؟ # فإن قال: نعم، فقد باهت ms320 واخترع، وإن قال: لا، فنقول: فأنت شاك في معناه، ~~فيلزمك التوقف، فيحصل من هذا أن قوله: إفعل يدل على ترجيح جانب الفعل على ~~جانب الترك PageV00P205 # بأنه ينبغي أن يوجد، وقوله: لا تفعل، يدل على ترجيح جانب الترك على جانب ~~الفعل، وأنه ينبغي أن لا يوجد، وقوله: أبحت لك، فإن شئت فافعل، وإن شئت فلا ~~تفعل يرفع الترجيح. # المقام الثاني: في ترجيح بعض ما ينبغي أن يوجد، فإن الواجب و المندوب كل ~~واحد منهما ينبغي أن يوجد ويرجح فعله على تركه، وكذا ما أرشد إليه، إلا أن ~~الارشاد يدل على أنه ينبغي أن يوجد ويرجح فعله على تركه لمصلحة العبد في ~~الدنيا، والندب لمصلحته في الآخرة، والوجوب لنجاته في الآخرة، هذا إذا فرض ~~من الشارع، وفي حق السيد إذا قال لعبده إفعل، أيضا يتصور ذلك مع زيادة أمر، ~~وهو أن يكون لغرض السيد فقط، كقوله: اسقني عند العطش، وهو غير متصور في حق ~~الله تعالى: فإن الله غني عن العالمين، ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه، وقد ~~ذهب ذاهبون إلى أن وضعه للوجوب، وقال قوم: # هو للندب، وقال قوم: يتوقف فيه، ثم منهم من قال: هو مشترك، كلفظ العين، ~~ومنهم من قال: لا ندري أيضا أنه مشترك، أو وضع لأحدهما واستعمل في الثاني ~~مجازا، والمختار أنه متوقف فيه، والدليل القاطع فيه أن كونه موضوعا لواحد ~~من الأقسام، لا يخلو إما أن يعرف عن عقل أو نقل، ونظر العقل إما ضروري أو ~~نظري، ولا مجال للعقل في اللغات، والنقل إما متواتر أو آحاد ولا حجة في ~~الآحاد، والتواتر في النقل لا يعدو أربعة أقسام: فإنه إما أن ينقل عن أهل ~~اللغة عند وضعهم أنهم صرحوا بأنا وضعناه لكذا، أو أقروا به بعد الوضع، وإما ~~أن ينقل عن الشارع الاخبار عن أهل اللغة بذلك، أو تصديق من ادعى ذلك، وإما ~~أن ينقل عن أهل الاجماع، وإما أن يذكر بين يدي جماعة يمتنع عليهم السكوت ~~على الباطل، فهذه الوجوه الأربعة هي وجوه تصحيح النقل ودعوى ms321 شئ من ذلك في ~~قوله: إفعل، أو في قوله: أمرتك بكذا، وقول الصحابي: أمرنا بكذا لا يمكن، ~~فوجب التوقف فيه، وكذلك قصر دلالة الامر على الفور أو التراخي وعلى التكرار ~~أو الاتحاد يعرف بمثل هذه الطريق، وكذلك التوقف في صيغة العموم عمن توقف ~~فيها هذا مستنده، وعليه ثلاثة أسئلة بها يتم الدليل، ونذكر شبه المخالفين: # السؤال الأول: قولهم إن هذا ينقلب عليكم في إخراج الإباحة والتهديد من ~~مقتضى اللفظ، مع أنه لا يدل عليه عقل ولا نقل، فإنه لم ينقل عن العرب صريحا ~~بأنا ما وضعنا هذه الصيغة للإباحة والتهديد، لكن استعملناها فيهما على سبيل ~~التجوز، قلنا: ما يعرف باستقراء اللغة وتصفح وجوه الاستعمال أقوى مما يعرف ~~بالنقل الصريح، ونحن كما عرفنا أن الأسد وضع لسبع، والحمار وضع لبهيمة، وإن ~~كان كل واحد منهما يستعمل في الشجاع والبليد، فيتميز عندنا بتواتر ~~الاستعمال الحقيقة من المجاز، فكذلك يتميز صيغة الأمر والنهي والتخيير تميز ~~صيغة الماضي والمستقبل والحال، ولسنا نشك فيه أصلا، وليس كذلك تميز الوجوب ~~عن الندب. # السؤال الثاني: قولهم إن هذا ينقلب عليكم في الوقف، فإن الوقف في هذه ~~الصيغة غير منقول عن العرب، فلم توقفتم بالتحكم؟ قلنا: لسنا نقول: التوقف ~~مذهب، لكنهم أطلقوا هذه الصيغة للندب مرة وللوجوب أخرى، ولم يوقفونا على ~~أنه موضوع لأحدهما دون الثاني، PageV00P206 # فسبيلنا أن لا ننسب إليهم ما لم يصرحوا به، وأن نتوقف عن التقول ~~والاختراع عليهم، وهذا كقولنا بالاتفاق أنا رأيناهم يستعملون لفظ الفرقة ~~والجماعة، والنفر تارة في الثلاثة، وتارة في الأربعة، وتارة في الخمسة، فهي ~~لفظة مرددة، ولا سبيل إلى تخصيصها بعدد على سبيل الحكم وجعلها مجازا في ~~الباقي. # السؤال الثالث: قولهم إن هذا ينقلب عليكم في قولكم إن هذه الصيغة مشتركة ~~اشتراك لفظ الجارية بين المرأة والسفينة، والقرء بين الطهر والحيض، فإنه لم ~~ينقل أنه مشترك؟ قلنا: لسنا نقول أنه مشترك، لكنا نقول: نتوقف في هذه أيضا، ~~فلا ندري أنه وضع لأحدهما وتجوز به عن الآخر، أو وضع لهما معا، ويحتمل ms322 أن ~~نقول أنه مشترك، بمعنى أنا إذا رأيناهم أطلقوا اللفظ لمعنيين ولم يوقفونا ~~على أنهم وضعوه لأحدهما وتجوزوا به في الآخر، فنحمل إطلاقهم فيهما على لفظ ~~الوضع لهما، وكيفما قلنا فالامر فيه قريب. # شبه المخالفين الصائرين إلى أنه للندب وقد ذهب إليه كثير من المتكلمين ~~وهم المعتزلة وجماعة من الفقهاء، ومنهم من نقله عن الشافعي، وقد صرح ~~الشافعي في كتاب أحكام القرآن بتردد الامر بين الندب والوجوب وقال: النهي ~~على التحريم، فقال: إنما أوجبنا تزويج الأيم، لقوله تعالى: * (فلا تعضلوهن) ~~* (البقرة: 232) وقال لم يتبين لي وجوب إنكاح العبد، لأنه لم يرد فيه النهي ~~عن العضل، بل لم يرد إلا قوله تعالى: * (وانكحوا الأيامى) * (النور: 23) ~~الآية، فهذا أمر، وهو محتمل للوجوب والندب. # الشبهة الأولى: لمن ذهب إلى أنه للندب أنه لا بد من تنزيل قوله: إفعل، ~~وقوله أمرتكم على أقل ما يشترك فيه الوجوب والندب، وهو طلب الفعل واقتضاؤه ~~وأن فعله خير من تركه، وهذا معلوم، وأما لزوم العقاب بتركه فغير معلوم، ~~فيتوقف فيه، وهذا فاسد من ثلاثة أوجه: الأول: أن هذا استدلال، والاستدلال ~~لا مدخل له في اللغات، وليس هذا نقلا عن أهل اللغة قوله إفعل للندب. ~~الثاني: أنه لو وجب تنزيل الألفاظ على الأقل المستيقن لوجب تنزيل هذا على ~~الإباحة والاذن، إذ قد يقال: أذنت لك في كذا فافعله، فهو الأقل المشترك، ~~أما حصول الثواب بفعله فليس بمعلوم، كلزوم العقاب بتركه، لا سيما على مذهب ~~المعتزلة، فالمباح عندهم حسن، ويجوز أن يفعله الفاعل لحسنه ويأمر به، وكذلك ~~يلزم تنزيل صيغة الجمع على أقل الجمع ولم يذهبوا إليه. الثالث: وهو التحقيق ~~أن ما ذكروه إنما يستقيم أن لو كان الواجب ندبا وزيادة، فتسقط الزيادة ~~المشكوك فيها، ويبقى الأصل، وليس كذلك، بل يدخل في حد الندب جواز تركه، فهل ~~تعلمون أن المقول فيه، إفعل يجوز تركه أم لا، فإن لم تعلموه فقد شككتم في ~~كونه ندبا وإن علمتموه فمن أين ذلك؟ واللفظ لا يدل على لزوم المأثم بتركه، ~~فلا يدل على ms323 سقوط المأثم بتركه أيضا. فإن قيل: لا معنى لجواز تركه إلا أنه ~~لا حرج عليه في فعله، وذلك كان معلوما قبل ورود السمع، فلا يحتاج فيه إلى ~~تعريف السمع، بخلاف لزوم المأثم، قلنا: لا يبقى لحكم العقل بالنفي بعد ورود ~~صيغة الامر حكم فإنه معين للوجوب عند قوم فلا أقل من احتمال حصل الشك في ~~كونه ندبا فلا PageV00P207 # وجه إلا التوقف، نعم: يجوز الاستدلال به على بطلان قول من يقول أنه منهي ~~عنه محرم، لأنه ضد الوجوب والندب جميعا. # الشبهة الثانية: التمسك بقوله عليه السلام: إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما ~~استطعتم، وإذا نهيتكم عن شئ فانتهوا ففوض الامر إلى استطاعتنا ومشيئتنا، ~~وجزم في النهي طلب الانتهاء، قلنا، هذا اعتراف بأنه من جهة اللغة، والوضع ~~ليس للندب واستدلال بالشرع، ولا يثبت مثل ذلك بخبر الواحد لو صحت دلالته، ~~كيف ولا دلالة له إذ لم يقل فافعلوا ما شئتم، بل قال: ما استطعتم، كما قال: ~~فاتقوا الله ما استطعتم وكل إيجاب مشروط بالاستطاعة، وأما قوله: فانتهوا، ~~كيف دل على وجوب الانتهاء، وقوله: فانتهوا صيغة أمر، وهو محتمل للندب. # شبه الصائرين إلى أنه للوجوب وجميع ما ذكرناه في إبطال مذهب الندب جار ~~هاهنا وزيادة، وهو أن الندب داخل تحت الامر حقيقة كما قدمناه، ولو حمل على ~~الوجوب لكان مجازا في الندب، وكيف يكون مجازا فيه مع وجود حقيقته، إذ حقيقة ~~الامر ما يكون ممتثله مطيعا، والممتثل مطيع بفعل الندب، ولذلك إذا قيل: ~~أمرنا بكذا حسن أن يستفهم، فيقال: أمر إيجاب أو أمر استحباب وندب، ولو قال: ~~رأيت أسدا لم يحسن أن يقال: أردت سبعا أو شجاعا، لأنه موضوع للسبع، ويصرف ~~إلى الشجاع بقرينة، وشبههم سبع: # الأولى: قولهم إن المأمور في اللغة والشرع جميعا يفهم وجوب المأمور به ~~حتى لا يستبعد الذم والعقاب عند المخالفة، ولا الوصف بالعصيان، وهم اسم ذم، ~~ولذلك فهمت الأمة وجوب الصلاة والعبادات، ووجوب السجود لآدم بقوله اسجدوا، ~~[البقرة: 34، الأعراف: 11، الاسراء: 61،، الكهف: 50، طه: 116،] وبه يفهم ~~العبد والولد وجوب أمر ms324 السيد والوالد، قلنا: هذا كله نفس الدعوى وحكاية ~~المذهب، وليس شئ من ذلك مسلما، وكل ذلك علم بالقرائن، فقد تكون للآمر عادة ~~مع المأمور، وعهد وتقترن به أحوال وأسباب، بها يفهم الشاهد الوجوب، واسم ~~العصيان لا يسلم إطلاقه على وجه الذم إلا بعد قرينة الوجوب، لكن قد يطلق لا ~~على وجه الذم، كما يقال: أشرت عليك فعصيتني وخالفتني. # الشبهة الثانية: أن الايجاب من المهمات في المحاورات، فإن لم يكن قولهم: ~~إفعل عبارة عنه فلا يبقى له اسم، ومحال إهمال العرب ذلك، قلنا: هذا يقابله ~~أن الندب أمر مهم فليكن إفعل عبارة عنه، فإن زعموا أن دلالته قولهم ندبت ~~وأرشدت ورغبت، فدلالة الوجوب قولهم: أوجبت وحتمت وفرضت وألزمت، فإن زعموا ~~أنه صيغة إخبار أو صيغة إرشاد فأين صيغة الانشاء عورضوا بمثله في الندب، ثم ~~يبطل عليهم بالبيع والإجارة والنكاح، إذ ليس لها إلا صيغة الاخبار، كقولهم: ~~بعت وزوجت، وقد جعله الشرع إنشاء إذ ليس لانشائه لفظ. # الشبهة الثالثة: أن قوله: افعل إما أن يفيد المنع أو التخيير أو الدعاء، ~~فإذا بطل التخيير والمنع تعين الدعاء والايجاب، قلنا: بل يبقى قسم رابع وهو ~~أن لا يفيد واحدا من PageV00P208 # الأقسام إلا بقرينة، كالألفاظ المشتركة، فإن قيل: أليس قوله: لا تفعل ~~أفاد التحريم، فقوله: # إفعل ينبغي أن يفيد الايجاب، قلنا: هذا قد نقل عن الشافعي، والمختار أن ~~قوله: لا تفعل متردد بين التنزيه والتحريم كقوله: إفعل ولو صح ذلك في النهي ~~لما جاز قياس الامر عليه، فإن اللغة تثبت نقلا لا قياسا، فهذه شبههم ~~اللغوية والعقلية. # أما الشبهة الشرعية: فهي أقرب، فإنه لو دل دليل الشرع على أن الامر ~~للوجوب لحملناه على الوجوب لكن لا دليل عليه، وإنما الشبهة الأولى قولهم ~~نسلم أن اللغة والعقل لا يدل على تخصيص الامر بالوجوب لكن يدل عليه من جهة ~~الكتاب قوله تعال: * (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول) [النور: 54] وهذا لا ~~حجة فيه، لان الخلاف في قوله: * (وأطيعوا) قائم أنه للندب أو الوجوب وقوله: ~~* (عليه ما حمل وعليكم ما ms325 حملتم) أي: كل واحد عليه ما حمل من التبليغ ~~والقبول، وهذا إن كان معناه التهديد والنسبة إلى الاعراض عن الرسول عليه ~~السلام فهو دليل على أنه أراد به الطاعة في أصل الايمان، وهو على الوجوب ~~بالاتفاق، وغاية هذا اللفظ عموم فنخصه بالأوامر التي هي على الوجوب، وكل ما ~~يتمسك به من الآيات من هذا الجنس، فهي صيغ أمر يقع النزاع في أنه للندب أم ~~لا، فإن اقترن بذكر وعيد فيكون قرينة دالة على وجوب ذلك الامر خاصة فإن كان ~~أمرا عاما يحمل على الامر بأصل الدين، وما عرف بالدليل أنه على الوجوب، وبه ~~يعرف الجواب عن قوله تعالى: * (وما آتاكم الرسول فخذوه) * (الحشر: 7) وقوله ~~تعالى: * (وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون) * (المرسلات: 84) وقوله تعالى: * ~~(فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم) * (النساء: 56) فكل ذلك ~~أمر بتصديقه ونهى عن الشك في قوله، وأمر بالانقياد في الاتيان بما أوجبه ~~الشبهة الثانية: تمسكهم بقوله: * (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم ~~فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) * (النور: 36) قلنا: تدعون أنه نص في كل أمر أو ~~عام، ولا سبيل إلى دعوى النص، وإن ادعيتم العموم فقد لا نقول بالعموم ~~ونتوقف في صيغته، كما نتوقف في صيغة الامر أو نخصصه بالامر بالدخول في ~~دينه، بدليل أن ندبه أيضا أمره، ومن خالف عن أمره في قوله تعالى: * ~~(فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا) * (النور: 33) وقوله: * (واستشهدوا شهيدين) ~~* (البقرة: 282) وأمثاله لا يتعرض للعقاب، ثم نقول هذا نهي عن المخالفة ~~وأمر بالموافقة أي يؤتى به على وجهه إن كان واجبا فواجبا، وإن كان ندبا ~~فندبا، والكلام في صيغة الايجاب لا في الموافقة والمخالفة، ثم لا تدل الآية ~~إلا على وجوب أمر الرسول عليه السلام، فأين الدليل على وجوب أمر الله ~~تعالى. # الشبهة الثالثة: تمسكهم من جهة السنة بأخبار آحاد، لو كانت صريحة صحيحة ~~لم يثبت بها مثل هذا الأصل، وليس شئ منها صريحا، فمنها قوله عليه السلام ~~لبريرة وقد عتقت تحت عبد وكرهته: لو راجعتيه فقالت: بأمرك ms326 يا رسول الله؟ ~~فقال: لا، إنما أنا شافع فقالت: # لا حاجة لي فيه فقد علمت أنه لو كان أمرا لوجب وكذلك عقلت الأمة، قلنا: ~~هذا وضع PageV00P209 # على بريرة وتوهم، فليس في قولها إلا استفهام أنه أمر شرعي من جهة الله ~~تعالى حتى تطيع طلبا للثواب، أو شفاعة لسبب الزوج حتى تؤثر غرض نفسها عليه، ~~فإن قيل شفاعة الرسول عليه السلام أيضا مندوب إلى إجابتها وفيها ثواب، ~~قلنا: وكيف قالت: لا حاجة لي فيه والمسلم يحتاج إلى الثواب، فلا يقول ذلك، ~~لكنها اعتقدت أن الثواب في طاعته في الامر الصادر عن الله تعالى وفيما هو ~~لله لا فيما يتعلق بالاغراض الدنيوية، أو علمت أن ذلك في الدرجة دون ما ~~ندبت إليه فاستفهمت، أو أفهمت بالقرينة أنها شكت في الوجوب، فعبرت بالامر ~~عن الوجوب فأفهمت، ومنها قوله عليه السلام: لولا أني أخاف أن أشق على أمتي ~~لامرتهم بالسواك عند كل صلاة فدل على أنه للوجوب، وإلا فهو مندوب، قلنا: ~~لما كان قد حثهم على السواك ندبا قبل ذلك أفهم أنه أراد بالامر ما هو شاق، ~~أو كان قد أوحي إليه أنك لو أمرتهم بقولك استاكوا لأوجبنا ذلك عليهم، ~~فعلمنا أن ذلك يجب بإيجاب الله تعالى عند إطلاقه صيغة الامر، ومنها قوله ~~عليه السلام لأبي سعيد الخدري لما دعاه وهو في الصلاة فلم يجبه: # أما سمعت الله تعالى يقول: * (استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما ~~يحييكم) * (الأنفال: 42)، فكان هذا التوبيخ على مخالفة أمره، قلنا: لم يصدر ~~منه أمر، بل مجرد نداء، وكان قد عرفهم بالقرائن تفهيما ضروريا وجوب التعظيم ~~له، وأن ترك جواب النداء تهاون وتحقير بأمره، بدليل أنه كان في الصلاة ~~وإتمام الصلاة واجب، ومجرد النداء لا يدل على ترك واجب، بل يجب تركه بما هو ~~أوجب منه، كما يجب ترك الصلاة لانقاذ الغرقى، ومجرد النداء لا يدل عليه، ~~ومنها قول الأقرع بن حابس: أحجنا هذا لعامنا هذا أم للأبد؟ فقال عليه ~~السلام: للأبد، ولو قلت نعم لوجب فدل على أن جميع ms327 أوامره للايجاب، قلنا: قد ~~كان عرف وجوب الحج بقوله تعالى: # * (ولله على الناس حج البيت) * (آل عمران: 79) وبأمور أخر صريحة، لكن شك ~~في أن الامر للتكرار أو للمرة الواحدة، فإنه متردد بينهما، ولو عين الرسول ~~عليه السلام أحدهما لتعين وصار متعينا في حقنا ببيانه، فمعنى قوله: لو قلت ~~نعم لوجب أي لو عينت لتعين. # الشبهة الرابعة من جهة الاجماع: زعموا أن الأمة لم تزل في جميع الأعصار ~~ترجع في إيجاب العبادات وتحريم المحظورات إلى الأوامر والنواهي، كقوله: * ~~(أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) * (البقرة: 34) * (وقاتلوا المشركين كافة) * ~~(التوبة: 63) وقوله: * (ولا تقربوا الزنا) * (الاسراء: 23) * (لا تأكلوا ~~الربا) * (آل عمران: 031) * (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم) * (النساء: ~~2) * (ولا تقتلوا أنفسكم) * (النساء: 92) * (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم) * ~~(النساء: 22) وأمثاله، والجواب: أن هذا وضع وتقول على الأمة ونسبه لهم إلى ~~الخطأ ويجب تنزيههم عنه، نعم يجوز أن يصدر ذلك من طائفة ظنوا أن ظاهر الامر ~~للوجوب، وإنما فهم المحصلون وهم الأقلون ذلك من القرائن والأدلة، بدليل ~~أنهم قطعوا بوجوب الصلاة وتحريم الزنا، والامر محتمل للندب وإن لم يكن ~~موضوعا له، والنهي يحتمل التنزيه، وكيف قطعوا مع الاحتمال لولا أدلة قاطعة، ~~وما قولهم إلا كقول من يقول: الامر للندب بالاجماع، لانهم حكموا بالندب في ~~الكتابة والاستشهاد وأمثاله لصيغة الامر، والأوامر التي حملتها الأمة على ~~الندب أكثر، فإن النوافل والسنن والآداب أكثر من الفرائض إذا ما من فريضة ~~إلا ويتعلق PageV00P210 # بها وبإتمامها وبآدابها سنن كثيرة، أو نقول: هي للإباحة بدليل حكمهم ~~بالإباحة في قوله: # * (فاصطادوا) * (المائدة: 2) وقوله: * (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في ~~الأرض) * (الجمعة : 01) وإن كان ذلك للقرائن، فكذلك الوجوب، فإن قيل: وما ~~تلك القرائن قلنا: أما في الصلاة فمثل قوله تعالى: * (إن الصلاة كانت على ~~المؤمنين كتابا موقوتا) * (النساء: 301) وما ورد من التهديدات في ترك ~~الصلاة، وما ورد من تكليف الصلاة في حال شدة الخوف والمرض إلى غير ذلك، ~~وأما الزكاة فقد اقترن بقوله تعالى: * (وآتوا الزكاة) * (البقرة: 34) ~~وغيرها] وقوله تعالى: * (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في ms328 سبيل ~~الله) * (التوبة: 43) إلى قوله: * (فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم) * ~~(التوبة: 53) وأما الصوم فقوله: * (كتب عليكم الصيام) * (البقرة: 381) ~~وقوله: * (فعده من أيام أخر) [البقرة: 184، 185] وإيجاب تداركه على الحائض، ~~وكذلك الزنا والقتل ورد فيهما تهديدات ودلالات تواردت على طول مدة النبوة ~~لا تحصى، فلذلك قطعوا به، لا بمجرد الامر الذي منتهاه أن يكون ظاهرا فيتطرق ~~إليه الاحتمال . - مسألة (هل بعد انتهاء الخطر فيه إباحة؟) فإن قال قائل: ~~قوله: افعل بعد الحظر ما موجبه، وهل لتقدم الحظر تأثير؟ # قلنا: قال قوم: لا تأثير لتقدم الحظر أصلا، وقال قوم هي قرينة تصرفها إلى ~~الإباحة، والمختار أنه ينتظر، فإن كان الحظر السابق عارضا لعلة، وعلقت صيغة ~~افعل بزواله، كقوله تعالى: * (وإذا حللتم فاصطادوا) * (المائدة: 2) فعرف ~~الاستعمال يدل على أنه لرفع الذم فقط حتى يرجع حكمه إلى ما قبله، وإن احتمل ~~أن يكون رفع هذا الحظر بندب وإباحة لكن الأغلب ما ذكرناه، كقوله: * ~~(فانتشروا) * (الجمعة: 01) وكقوله عليه السلام: كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي ~~فادخروا أما إذا لم يكن الحظر عارضا لعلة ولا صيغة افعل علق بزوالها، فيبقى ~~موجب الصيغة على أصل التردد بين الندب والإباحة، ونزيح هاهنا احتمال ~~الإباحة، ويكون هذا قرينة تزيح هذا الاحتمال، وإن لم تعينه، إذ لا يمكن ~~دعوى عرف الاستعمال في هذه الصيغة حتى يغلب العرف الوضع، أما إذا لم ترد ~~صيغة افعل، لكن قال: * (فإذا حللتم) * (المائدة: 2) فأنتم مأمورون ~~بالاصطياد، فهذا يحتمل الوجوب والندب ولا يحتمل الإباحة لأنه عرف في هذه ~~الصورة، وقوله: أمرتكم بكذا، يضاهي قوله: افعل في جميع المواضع إلا في هذه ~~الصورة وما يقرب منها. # النظر الثالث: في موجب الامر ومقتضاه في موجب الامر ومقتضاه بالإضافة إلى ~~الفور والتراخي والتكرار وغيره، ولا يتعلق هذا النظر بصيغة مخصوصة، بل يجري ~~في قوله، افعل، كان للندب أو للوجوب، وفي قوله: أمرتكم وأنتم مأمورون، وفي ~~كل دليل يدل على الامر بالشئ، إشارة كانت أو لفظا أو قرينة أخرى، لكنا ~~نتكلم في مقتضى قوله: افعل ليقاس عليه غيره، ونرسم فيه مسائل: ms329 # - مسألة (أحكام الامر) قوله: صم، كما أنه في نفسه يتردد بين الوجوب ~~والندب، فهو بالإضافة إلى الزمان يتردد بين الفور والتراخي، وبالإضافة إلى ~~المقدار يتردد بين المرة الواحدة و استغراق PageV00P211 # العمر، وقد قال قوم: هو للمرة، ويحتمل التكرار وقال قوم: هو للتكرار، ~~والمختار أن المرة الواحدة معلومة وحصول براءة الذمة بمجردها مختلف فيه، ~~واللفظ بوضعه ليس فيه دلالة على نفي الزيادة ولا على إثباتها، وقياس مذهب ~~الواقفية التوقف فيه لتردد اللفظ، كتردده بين الوجوب والندب، لكني أقول: ~~ليس هذا ترددا في نفس اللفظ على نحو تردد اللفظ، المشترك بل اللفظ خال عن ~~التعرض لكمية المأمور به، لكن يحتمل الاتمام ببيان الكمية، كما أنه يحتمل ~~أن نتممه بسبع مرات أو خمس، وليس في نفس اللفظ تعرض للعدد، ولا هو موضوع ~~لآحاد الاعداد وضع اللفظ المشترك، وكما أن قوله: أقتل إذا لم يقل أقتل زيدا ~~أو عمرا فهو دون زيادة كلام ناقص، فإتمامه بلفظ دال على تلك الزيادة، لا ~~بمعنى البيان، فإن قيل: بين مسألتنا وبين القتل فرق، فإن قوله: اقتل، كلام ~~ناقص لا يمكن امتثاله، وقوله: # صم، كلام تام مفهوم يمكن امتثاله، قلنا: يحتمل أن يقال: يصير ممتثلا بقتل ~~أي شخص كان بمجرد قوله أقتل، كما يصير ممتثلا بصوم أي يوم كان إذا قال: صم ~~يوما بلا فرق، ويكون قوله: أقتل، كقوله: أقتل شخصا، لان الشخص القتيل من ~~ضرورة القتل، وإن لم يذكر، كما أن اليوم من ضرورة الصوم وإن لم يصرح به، ~~فيتحصل من هذا أنه تبرأ ذمته بالمرة، الواحدة، لان وجوبها معلوم، والزيادة ~~لا دليل على وجوبها، إذ لم يتعرض اللفظ لها، فصار كما قبل قوله: # صم، وكنا لا نشك في نفي الوجوب، بل نقطع بانتفائه، وقوله: صم دال على ~~القطع في يوم واحد، فبقي الزائد على ما كان، هذا هو الظاهر من مطلق اللفظ ~~المجرد عن الكمية، ويعتضد هذا باليمين، فإنه لو قال: والله لأصومن، لبر ~~بيوم واحد، ولو قال: لله علي صوم لتفصى عن عهدة النذر بيوم ms330 واحد، لان ~~الزائد لم يتعرض له، فإن قيل: فلو فسر التكرار بصوم العمر فقد فسره بمحتمل، ~~أو كان ذلك الحاق زيادة، كما لو قال: أردت بقولي: اقتل. أي أقتل زيدا، ~~وبقولي: صم، أي صم يوم السبت خاصة. فإن هذا تفسير بما لا يحتمله اللفظ، بل ~~ليس تفسيرا، إنما ذكر زيادة لم يذكرها، ولم يوضع اللفظ المذكور لها، لا ~~بالاشتراك ولا بالتجوز ولا بالتنصيص. قلنا: هذا فيه نظر، والأظهر عندنا أنه ~~إن فسره بعدد مخصوص كتسعة أو عشرة، فهو إتمام بزيادة وليس بتفسير، إذ اللفظ ~~لا يصلح للدلالة على تكرر وعدد، وإن أراد استغراق العمر فقد أراد كلية ~~الصوم في حقه، وكأن كلية الصوم شئ فرد أذله حد واحد وحقيقة واحدة، فهو واحد ~~بالنوع، كما أن اليوم الواحد واحد بالعدد، واللفظ يحتمله، ويكون ذلك بيانا ~~للمراد لا استئناف زيادة، ولهذا لو قال: أنت طالق، ولم يخطر بباله عدد كانت ~~الطلقة الواحدة ضرورة لفظه فيقتصر عليها، ولو نوى الثلاثة بعد لأنه كلية ~~الطلاق فهو كالواحد بالجنس أو النوع، ولو نوى طلقتين، فالأغوص ما قاله أبو ~~حنيفة، وهو أنه لا يحتمله، ووجه مذهب الشافعي قد تكلفناه في كتاب المبادئ ~~والغايات، فإن قيل: الزيادة التي هي كالمتممة لا تبعد إرادتها في اللفظ، ~~فلو قال: طلقت زوجتي وله أربع نسوة وقال: أردت زينب بنيتي وقع الطلاق من ~~وقت اللفظ، ولولا احتماله لوقع من وقت التعيين، قلنا: الفرق أغوص، لان ~~قوله: زوجتي، مشترك بين الأربع، يصلح لكل واحدة، فهو كإدارة إحدى المسميات ~~بالمشترك، أما الطلاق فموضوع لمعنى لا يتعرض للعدد، والصوم موضوع لمعنى ~~PageV00P212 # لا يتعرض للسبعة والعشرة، وليست الاعداد موجودات، فيكون اسم الصوم مشتركا ~~بينهما اشتراك اسم الزوجة بين النسوة الزوجات شبه المخالفين ثلاث: # الشبهة الأولى: قولهم قوله: * (اقتلوا المشركين) * (التوبة: 5) يعم قتل ~~كل مشرك، فقوله: صم وصل ينبغي أن يعم كل زمان، لان إضافته إلى جميع الأزمان ~~واحد، كإضافة لفظ المشترك إلى جميع الاشخاص، قلنا: إن سلمنا صيغة العموم ~~فليس هذا نظيرا له، بل نظيره ms331 أن يقال: صم الأيام، وصل في الأوقات، أما مجرد ~~قوله: صم، فلا يتعرض للزمان، لا بعموم ولا بخصوص، لكن الزمان من ضرورته ~~كالمكان، ولا يجب عموم الأماكن بالفعل، وإن كان نسبة الفعل إلى كل مكان على ~~وتيرة واحدة، وكذلك الزمان. # الشبهة الثانية: قولهم: إن قوله صم، كقوله: لا تصم، وموجب النهي ترك ~~الصوم أبدا، فليكن موجب الامر فعل الصوم أبدا، وتحقيقه أن الامر بالشئ نهي ~~عن ضده، فقوله قم، وقوله: لا تقعد، واحد وقوله تحرك، وقوله: لا تسكن واحد، ~~ولو قال: لا تسكن، لزمت الحركة دائما، فقوله: تحرك، تضمن قوله: لا تسكن، ~~قلنا: أما قولكم أن الامر بالشئ نهي عن ضده، فقد أبطلناه في القطب الأول، ~~وإن سلمنا فعموم النهي الذي هو ضمن بحسب الامر المتضمن، لأنه تابع له، فلو ~~قال: تحرك مرة واحدة كان السكون المنهي عنه مقصورا على المرة، وقوله: تحرك، ~~كقوله: تحرك مرة واحدة، كما سبق تقريره، وأما قياسهم الامر على النهي فباطل ~~من خمسة أوجه: # الأول: أن القياس باطل في اللغات لأنها تثبت توقيفا. # الثاني: أنا لا نسلم في النهي لزوم الانتهاء مطلقا بمجرد اللفظ، بل لو ~~قيل للصائم لا تصم، يجوز أن تقول: نهاني عن صوم هذا اليوم أو عن الصوم ~~أبدا، فيستفسر بل التصريح أن يقول: لا تصم أبدا، ولا تصم يوما واحدا، فإذا ~~اقتصر على قوله: لا تصم، فانتهى يوما واحدا جاز أن يقال: قضى حق النهي ولا ~~يغنيهم عن هذا الاسترواح إلى المناهي الشرعية والعرفية وحملها على الدوام. ~~فإن هذا القائل يقول: عرفت ذلك بأدلة أفادت علما ضروريا بأن الشرع يريد عدم ~~الزنا والسرقة وسائر الفواحش مطلقا، وفي كل حال: لا بمجرد صيغة النهي، وهذا ~~كما أنا نوجب الايمان دائما لا بمجرد قوله: آمنوا لكن الأدلة دلت على أن ~~دوام الايمان مقصود. # الثالث: أنا نفرق، ولعله الأصح، فنقول: إن الامر يدل على أن المأمور ~~ينبغي أن يوجد مطلقا، والنهي يدل على أنه ينبغي أن لا يوجد مطلقا، والنفي ~~المطلق يعم، والوجود المطلق ms332 لا يعم، فكل ما وجد مرة فقد وجد مطلقا، وما ~~انتفى مرة فما انتفى مطلقا، ولذلك إذا قال في اليمين: لأفعلن، بر بمرة، ولو ~~قال: لا أفعل، حنث بمرة، ومن قال: لأصومن صدق وعده بمرة، ومن قال: لا أصوم، ~~كان كاذبا مهما صام مرة. # الرابع: أنه لو حمل الامر على التكرار لتعطلت الاشغال كلها، وحمل النهي ~~على PageV00P213 # التكرار لا يفضي إليه إذ يمكن الانتهاء في حال واحدة عن أشياء كثيرة مع ~~الاشتغال بشغل ليس ضد المنهي عنه، وهذا فاسد، لأنه تفسير للغة بما يرجع إلى ~~المشقة والتعذر، ولو قال افعل دائما، لم يتغير موجب اللفظ بتعذره، وإن كان ~~التعذر هو المانع فليقتصر على ما يطاق ويشق دون ما يتيسر. # الخامس: أن النهي يقتضي قبح المنهي عنه، ويجب الكف عن القبيح كله، والامر ~~يقتضي الحسن، ولا يجب الاتيان بالحسن كله، وهذا أيضا فاسد. فإن الأمر ~~والنهي لا يدلان على الحسن والقبح، فإن الامر بالقبيح تسميه العرب أمرا ~~فتقول أمر بالقبيح، وما كان ينبغي أن يأمر به، وأما الامر الشرعي فقد ثبت ~~أنه لا يدل على الحسن، ولا النهي على القبح فإنه لا معنى للحسن والقبح ~~بالإضافة إلى ذوات الأشياء بل الحسن ما أمر به، والقبيح ما نهى عنه فيكون ~~الحسن والقبح تابعا للامر والنهي لا علة ولا متبوعا. # الشبهة الثالثة: أن أوامر الشرع في الصوم والصلاة والزكاة حملت على ~~التكرار فتدل على أنه موضوع له، قلنا: وقد حمل في الحج على الاتحاد فليدل ~~على أنه موضوع له، فإن كان ذلك بدليل فكذلك هذا بدليل وقرائن. بل بصرائح ~~سوى مجرد الامر وقد أجاب قوم عن هذا: بأن القرينة فيه إضافتها إلى أسباب ~~وشروط، وكل ما أضيف إلى شر وتكرر الشرط تكرر الوجوب، وسنبين ذلك في المسألة ~~الثانية : - مسألة (تكرار الامر المضاف لشرط) اختلف الصائرون إلى أن الامر ~~ليس للتكرار في الامر المضاف إلى شرط، فقال قوم: لا أثر للإضافة، وقال قوم: ~~يتكرر بتكرر الشرط، والمختار أنه لا أثر للشرط، لان قوله: اضربه، ms333 أمر ليس ~~يقتضي التكرار، فقوله: اضربه، إن كان قائما، أو إذا كان قائما لا يقتضيه ~~أيضا، بل لا يريد إلا اختصاص الضرب الذي يقتضيه الاطلاق بحالة للقيام، وهو ~~كقوله لوكيله: طلق زوجتي إن دخلت الدار، لا يقتضي التكرار بتكرر الدخول، بل ~~لو قال: # إن دخلت الدار فأنت طالق لم يتكرر بتكرر الدخول إلا أن يقول: كلما دخلت ~~الدار، وكذلك قوله تعالى: * (من شهد منكم الشهر فليصمه) * (البقرة: 581)، ~~وإذا زالت الشمس. # فصل قوله لزوجاته: فمن شهد منكن الشهر فهي طالق، ومن زالت عليها الشمس ~~فهي طالق، ولهم شبهتان: الأولى: أن الحكم يتكرر بتكرر العلة، والشرط ~~كالعلة، فإن علل الشرع علامات، قلنا: العلة إن كانت عقلية فهي موجبة ~~لذاتها، ولا يعقل وجود ذاتها دون المعلول، وإن كانت شرعية فلسنا نسلم تكرر ~~الحكم بمجرد إضافة الحكم إلى العلة ما لم تقترن به قرينة أخرى وهو التعبد ~~بالقياس، ومعنى التعبد بالقياس الامر باتباع العلة، وكأن الشرع يقول: الحكم ~~يثبت بها فاتبعوها. # الشبهة الثانية: إن أوامر الشرع إنما تتكرر بتكرر الأسباب، كقوله تعالى: ~~* (وإن كنتم جنبا فاطهروا) * (المائدة: 6). و * (إذا قمتم إلى الصلاة ~~فاغسلوا) * (المائدة: 6) قلنا: ليس ذلك بموجب اللغة: ومجرد الإضافة بل ~~بدليل شرعي في كل شرط، فقد قال تعالى: * (ولله على الناس حج البيت من ~~استطاع إليه سبيلا) * (آل عمران: 79) ولا يتكرر الوجوب بتكرر PageV00P214 # الاستطاعة، فإن أحالوا ذلك على الدليل أحلنا ما يتكرر أيضا على الدليل، ~~كيف ومن قام إلى الصلاة غير محدث فلا يتكرر عليه، ومن كان جنبا فليس عليه ~~أن يتطهر إذا لم يرد الصلاة فلم يتكرر مطلقا، لكن اتبع فيه موجب الدليل. # - مسألة (هل الامر على الفور أم لا؟) مطلق الامر يقتضي الفور عند قوم ولا ~~يقتضيه عند قوم وتوقف فيه من الواقفية قوم، ثم منهم من قال: التوقف في ~~المؤخر هل هو ممتثل أم لا، أما المبادر فممتثل قطعا، ومنهم من غلا وقال: ~~يتوقف في المبادر أيضا، والمختار أنه لا يقتضي إلا الامتثال، ويستوي فيه ~~البدار والتأخير، وندل على ms334 بطلان الوقف أولا فنقول للمتوقف: المبادر ممتثل ~~أم لا؟ فإن توقفت فقد خالفت إجماع الأمة قبلك، فإنهم متفقون على أن المسارع ~~إلى الامتثال مبالغ في الطاعة مستوجب جميل الثناء، والمأمور إذا قيل له: قم ~~فقام يعلم نفسه ممتثلا، ولا يعد به مخطئا باتفاق أهل اللغة قبل ورود الشرع، ~~وقد أثنى الله تعالى على المسارعين، فقال عز من قائل: # * (سارعوا إلى مغفرة من ربكم) * (آل عمران: 331) وقال: * (أولئك يسارعون ~~في الخيرات وهم لها سابقون) * (المؤمنون: 16) وإذا بطل هذا التوقف فنقول: ~~لا معنى للتوقف في المؤخر لان قوله: اغسل هذا الثوب: مثلا لا يقتضي إلا طلب ~~الغسل والزمان من ضرورة الغسل كالمكان، وكالشخص في القتل والضرب والسوط ~~والسيف في الضرب، ثم لا يقتضي الامر بالضرب مضروبا مخصوصا، ولا سوطا ولا ~~مكانا للامر، فكذلك الزمان، لان اللافظ ساكت عن التعرض للزمان والمكان، ~~فهما سيان، ويعتضد هذا بطريق ضرب المثال لا بطريق القياس بصدق الوعد. إذا ~~قال: أغسل وأقتل فإنه صادق، بادر أو أخر، ولو حلف: لأدخلن الدار، لم يلزمه ~~البدار، وتحقيقه أن مدعي الفور متحكم، وهو محتاج إلى أن ينقل عن أهل اللغة ~~أن قولهم افعل للبدار، ولا سبيل إلى نقل ذلك لا تواترا ولا آحادا. ولهم ~~شبهتان: الأولى: أن الامر للوجوب، وفي تجويز التأخير ما ينافي الوجوب، إما ~~بالتوسع وإما بالتخيير في فعل لا بعينه من جملة الافعال الواقعة في الأوقات ~~والتوسع والتخيير كلاهما يناقض الوجوب. قلنا: قد بينا في القطب الأول أن ~~الواجب المخير والموسع جائز، ويدل عليه أنه لو صرح وقال: اغسل الثوب أي وقت ~~شئت، فقد أوجبته عليك لم يتناقض، ثم لا نسلم أن الامر للوجوب، ولو كان ~~للوجوب أما بنفسه أو بقرينة فالتوسع لا ينافيه كما سبق. الشبهة الثانية: أن ~~الامر يقتضي وجوب الفعل، واعتقاد الوجوب والعزم على الامتثال ثم وجوب ~~الاعتقاد والعزم على الفور، فليكن كذلك الفعل، قلنا: القياس باطل في ~~اللغات، ثم هو منقوض بقوله: افعل أي وقت شئت، فإن الاعتقاد والعزم فيه على ~~الفور دون ms335 الفعل، ثم نقول: وجوب الفور في العزم والاعتقاد معلوم بقرينة ~~وأدلة دلت على التصديق للشارع، والعزم على الانقياد له ولم يحصل ذلك بمجرد ~~الصيغة. # - مسألة (قضاء العبادات) مذهب بعض الفقهاء أن وجوب القضاء لا يفتقر إلى ~~أمر مجدد، ومذهب المحصلين أن الامر بعبادة في وقت لا يقتضي القضاء، لان ~~تخصيص العبادة بوقت الزوال أو شهر رمضان، كتخصيص الحج بعرفات، وتخصيص ~~الزكاة بالمساكين، وتخصيص الضرب والقتل بشخص، وتخصيص الصلاة بالقبلة، فلا ~~فرق بين الزمان والمكان والشخص فإن PageV00P215 # جميع ذلك تقييد للمأمور بصفة، والعاري عن تلك الصفة لا يتناوله اللفظ، بل ~~يبقى على ما كان قبل الامر، فإن قيل: الوقت للعبادة كالأجل للدين، فكما لا ~~يسقط الدين بانقضاء الاجل لا تسقط الصلاة الواجبة في الذمة بانقضاء المدة، ~~قلنا: مثال الاجل الحول في الزكاة لا جرم لا تسقط الزكاة بانقضائه، لان ~~الاجل مهلة لتأخير المطالبة حتى ينجز بعد المدة، وأما الوقت فقد صار وصفا ~~للواجب، كالمكان والشخص، ومن أوجب عليه شئ بصفة، فإذا أتى به لا على تلك ~~الصفة لم يكن ممتثلا، نعم يجب القضاء في الشرع إما بنص، كقوله: من نام عن ~~صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها أو بقياس، فإنا نقيس الصوم، إذا نسيه على ~~الصلاة إذا نسيها، ونراه في معناها، ولا نقيس عليه الجمعة ولا الأضحية، ~~فإنهما لا يقضيان في غير وقتهما، وفي رمي الجمار تردد أنه بأي الأصلين ~~أشبه، ولا نقيس صلاة الحائض على صومها في القضاء، لفرق النص، ولا نقيس صلاة ~~الكافر وزكاته على صلاة المرتد وإن تساويا في أصل الامر والوجوب عندها. # - مسألة (في موضوع القضاء أيضا) ذهب بعض الفقهاء إلى أن الامر يقتضي وقوع ~~الاجزاء بالمأمور به إذا امتثل، وقال بعض المتكلمين: لا يدل على الاجزاء لا ~~بمعنى أنه لا يدل على كونه طاعة وقربة وسبب ثواب وامتثالا، لكن بمعنى أنه ~~لا يمنع الامتثال من وجوب القضاء، ولا يلزم حصول الاجزاء بالأداء، بدليل أن ~~من أفسد حجه فهو مأمور بالاتمام، ولا يجزئه، بل يلزمه القضاء، ومن ms336 ظن أنه ~~متطهر فهو مأمور بالصلاة وممتثل إذا صلى ومطيع ومتقرب ويلزمه القضاء، فلا ~~يمكن إنكار كونه مأمورا ولا إنكار كونه ممتثلا حتى يسقط العقاب، ولا إنكار ~~كونه مأمورا بالقضاء، فهذه أمور مقطوع بها، والصواب عندنا أن نفصل ونقول: ~~إذا ثبت أن القضاء يجب بأمر متجدد وأنه مثل الواجب الأول فالامر بالشئ لا ~~يمنع إيجاب مثله بعد الامتثال، وهذا لا شك فيه، ولكن ذلك المثل إنما يسمى ~~قضاء. إذا كان فيه تدارك لفائت من أصل العبادة أو وصفها، وإن لم يكن فوات ~~وخلل استحال تسميته قضاء فنقول الامر يدل على أجزاء المأمور. إذا أدى بكمال ~~وصفه وشرطه من غير خلل، وإن تطرق إليه خلل كما في الحج الفاسد والصلاة على ~~غير الطهارة فلا يدل الامر على أجزائه بمعنى منع إيجاب القضاء، فإن قيل: ~~فالذي ظن أنه متطهر مأمور بالصلاة على تلك الحالة أو مأمور بالطهارة، فإن ~~كان مأمور بالطهارة مع تنجز الصلاة، فينبغي أن يكون عاصيا، وإن كان مأمورا ~~بالصلاة على حالته فقد امتثل من غير خلل، فبم عقل إيجاب القضاء؟ وكذلك ~~المأمور بإتمام الحج الفاسد أتم كما أمر، قلنا: هذا مأمور بالصلاة مع الخلل ~~بضرورة نسيانه، فقد أتى بصلاة مختلة فاقدة شرطها لضرورة حاله، فعقل الامر ~~لتدارك الخلل، أما إذا لم يكن الخلل لا عن قصد ولا عن نسيان فلا تدارك فيه، ~~فلا يعقل إيجاب قضائه، وهو المعني بأجزائه، وكذلك مفسد الحج مأمور بحج خال ~~عن فساد، وقد فوت على نفسه ذلك فيقضيه. # - مسألة (دليل الامر) الامر بالامر بالشئ ليس أمرا بالشئ ما لم يدل عليه ~~دليل، مثاله قوله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام: * (خذ من أموالهم صدقة ~~تطهرهم) * (التوبة: 301) لا يدل على وجوب الأداء بمجرده على الأمة، وربما ~~ظن ظان أنه يدل على الوجوب، وليس الامر كذلك، PageV00P216 # لكن دل الشرع على أن أمر النبي عليه الصلاة والسلام، واجب الطاعة، وأنهم ~~لو كانوا مأذونين في المنع لكان ذلك تحقيرا للنبي عليه السلام وتنفيرا ~~للأمة عنه، وذلك يغض من قدره ms337 ، ويشوش مقصود الشرع، وإلا فلا يستحيل أن يقال ~~للزوج الشافعي إذا قال لزوجته: أنت بائن علي نية الطلاق راجعها وطالبها ~~بالوطئ ويقال للحنفية التي ترى أنها بائنة: يجب عليك المنع، ويقال للولي ~~الذي يرى أن لطفله على طل غيره شيئا أطلبه، ويقال للمدعي عليه إذا عرف أنه ~~لا شئ على طفله لا تعطه ومانعه، ويقول السيد لاحد العبدين، أوجبت عليك أن ~~تأمر العبد الآخر، ويقول للآخر: أوجبت عليك العصيان له، وبهذا تعرف أن قوله ~~عليه السلام: مروهم بالصلاة لسبع ليس خطابا من الشرع مع الصبي ولا إيجابا ~~عليه مع أن الامر واجب على الولي، فإن قيل: فلو قال للنبي: أوجبت عليك أن ~~توجب على الأمة، وقال للأمة: أوجبت عليكم خلافه: قلنا ذلك يدل على أن ~~الواجب على النبي أن يقول: # أوجبت لا على حقيقة الايجاب، فإن أراد حقيقة الايجاب فهو متناقض، بخلاف ~~قوله: # * ((9) خذ من أموالهم صدقة) * (التوبة: 301) فإن ذلك لا يناقضه أمرهم ~~بالمنع، فإن قيل: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، والتسلم لا يتم إلا ~~بالتسليم، قلنا: لا يجب التسلم، بل يجب الطلب فقط، ثم إن وجب التسلم فذلك ~~يتم بالتسليم المحرم، وإنما يناقض التسلم انتفاء التسليم في نفسه لانتفاء ~~علته وحكمه، وبالجملة: كما أن من أمر زيدا بضرب عمرو فلا يطلب من عمرو ~~شيئا، فكذلك إذا أمره يأمر عمرا فلا يطلب من عمرو شيئا. # - مسألة (خطاب الجماعة بالامر) ظاهر الخطاب مع جماعة بالامر يقتضي وجوبه ~~على كل واحد، إلا أن يدل دليل على سقوط الفرض عن الجميع بفعل واحد، أو يرد ~~الخطاب بلفظ لا يعم الجميع، كقوله تعالى: * (ولتكن منكم أمة يدعون إلى ~~الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) * (آل عمران: 401) كقوله تعالى: ~~* (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين) * (التوبة: 221) ~~فإن هذا لا يدل على الوجوب في حق كل واحد على التعيين، فإن قيل: فما حقيقة ~~فرض الكفاية: أهو فرض على الجميع ثم يسقط الفرض بفعل البعض، أو هو فرض على ~~واحد ms338 لا بعينه، أي واحد كان، كالواجب المخير في خصال الكفارة، أو هو واجب ~~على من حضر وتعين أعني حضر الجنازة أو المنكر، أما من لم يتعين فهو ندب في ~~حقه، قلنا: # الصحيح من هذه الأقسام الأول وهو عموم الفرضية، فإن سقوط الفرض دون ~~الأداء يمكن، إما بالنسخ أو بسبب آخر. ويدل عليه أنهم لو فعلوا بأجمعهم نال ~~كل واحد منهم ثواب الفرض وإن امتنعوا عم الحرج الجميع، ولو خلا بعضهم عن ~~الوجوب لا نفك عن الاثم. أما الايجاب على واحد لا بعينه فمحال: لان المكلف ~~ينبغي أن يعلم أنه مكلف، وإذا أبهم الوجوب تعذر الامتثال كما حققناه في ~~بيان الواجب المخير. # مسألة (متى يعلم الامر والامتثال) ذهبت المعتزلة إلى أن المأمور لا يعلم ~~كونه مأمورا قبل التمكن من الامتثال، وذهب القاضي وجماهير أهل الحق إلى أنه ~~يعلم ذلك، وفي تفهيم حقيقة المسألة غموض، وسبيل كشف الغطاء عنه أن نقول: ~~إنما يعلم المأمور كونه مأمورا مهما كان مأمورا، لان العلم يتبع المعلوم. ~~وإنما يكون مأمورا إذا توجه الامر عليه ولا خلاف أنه يتصور أن يقول السيد ~~PageV00P217 # لعبده: صم غدا، وأن هذا أمر مقق ناجز في الحال، وإن كان مشروطا ببقاء ~~العبد إلى غد، ولكن اتفقت المعتزلة على أن الامر المقيد بالشرط أمر حاصل ~~ناجز في الحال، لكن يشترط أن يكون تحقق الشرط مجهولا عند الآمر والمأمور، ~~أما إذا كان معلوما فلا، فإنه لو قال: صم إن صعدت إلى السماء أو إن عشت ألف ~~سنة، فليس هذا بأمر، أي هذه الصيغة، ليست عبارة عن حقيقة عن حقيقة المعنى ~~الذي يقوم بالنفس ويسمى أمرا، ولو قل: صم إن كان العالم مخلوقا أو كان الله ~~موجودا، فهذا أمر، ولكن ليس بمقيد بشرط، وليس هذا من الشرط في شئ فإن الشرط ~~هو الذي يمكن أن يوجد ولا يوجد، فلما كان العلم بوجود الشرط أو عدمه منافيا ~~وجود الامر المقيد بالشرط زعموا أن الله عالم بعواقب الامر، فالشرط في أمره ~~محال ونحن نسلم أن جهل المأمور ms339 شرط، أما جهل الآمر فليس بشرط، حتى لو علم ~~السيد بقول نبي صادق أن عبده يموت قبل رمضان، فيتصور أن يأمره بصوم رمضان ~~مهما جهل العبد ذلك، وربما كان له فيه لطف يدعوه إلى الطاعات ويزجره عن ~~المعاصي، وربما كان لطفا لغير المأمور بحث أو زجر وربما كان امتحانا له ~~ليشتغل بالاستعداد، فيثاب على العزم على الامتثال، ويعاقب على العزم على ~~الترك، والمعتزلة أحالوا ذلك وقالوا: إذا شهد العبد هلال رمضان توجه عليه ~~الامر بحكم قوله تعالى: * (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) * (البقرة: 581) لكن ~~ذلك بناء على ظن البقاء ودوام القدرة فإن الحياة والقدرة شرط في التكليف ~~فإذا مات في منتصف الشهر تبينا أنه كان مأمورا بالنصف الأول، وأنه لم يكن ~~مأمورا بالنصف الثاني. # ويدلك على بطلان مذهبهم مسالك: المسلك الأول: أن الأمة مجمعة قبل ظهور ~~المعتزلة أن الصبي كما يبلغ يجب عليه أن يعلم ويعتقد كونه مأمورا بشرائع ~~الاسلام منهيا عن الزنا والسرقة والقتل في الحال وإن لم يحضره وقت صلاة ولا ~~زكاة، ولا حضر من يمكن قتله والزنا به، ولا حضر مال تمكن سرقته، ولكن يعلم ~~نفسه مأمورا منهيا بشرط التمكن، لأنه جاهل بعواقب أمره، وعلمه بأن الله ~~تعالى عالم بها لا يدفع عنه وجوب هذا الاعتقاد. المسلك الثاني: أن الأمة ~~مجمعة على أن من عزم على ترك ما ليس منهيا عنه، فليس بمتقرب إلى الله ~~تعالى، ومن عزم على ترك المنهيات، و الاتيان بالمأمورات، كان متقربا إلى ~~الله تعالى، وإن احتمل أن لا يكون مأمورا أو منهيا، لعلم الله بأنه لا ~~يساعده التمكن، فينبغي أن نشك في كونه متقربا، ونتوقف ونقول: إن مت بعد هذا ~~العزم وقبل التمكن فلا ثواب لك، لأنه لا تقرب منك، وإن عشت وتمكنت تبينا ~~عند ذلك كونك متقربا، وهذا خلاف الاجماع. المسلك الثالث: # إجماع الأمة على أن صلاة الفرض لا تصح إلا بنية الفرضية، ولا يعقل تثبيت ~~نية الفرضية إلا بعد معرفة الفرضية، والعبد ينوي في أول وقت الصلاة فرض ~~الظهر، وربما ms340 يموت في أثناء وقت الصلاة، فيتبين عند المعتزلة أنه لم يكن ~~فرضا، فليكن شاكا في الفرضية، وعند ذلك تمتنع النية، فإن النية قصد لا ~~يتوجه إلا إلى معلوم فإن قيل: إن نوى فرضية أربع ركعات، فلو مات بعد ركعتين ~~يعلم أنه لم تكن إلا ربع فريضة، وهو مجوز للموت، فكيف ينوي فرض ما هو شاك ~~فيه؟ قلنا: ليس شاكا فيه، بل هو قاطع بأن الأربع فرض بشرط البقاء، فالامر ~~بالشرط أمر في الحال، وليس بمعلق، والفرض بالشرط فرض، أي أنه مأمور أمر ~~إيجاب، من عزم عليه يثاب PageV00P218 # ثواب من عزم على واجب. وإذا قال السيد لعبده: صم غدا، فهو أمر في الحال ~~يصوم في الغد، لا أنه أمر في الغد. وإذا قال له: أوجبت عليك بشرط بقائك ~~وقدرتك، فهو موجب في الحال، لكن إيجابا بشرط، فهكذا ينبغي أن تفهم حقيقة ~~هذه المسألة، وكذلك إذا قال لوكيله: # بع داري غدا، فهو موكل وآمر في الحال، والوكيل مأمور، ووكيل في الحال، ~~حتى يعقل أن يعزل قبل مجئ الغد، فإذا قال الوكيل وكلني ثم عزلني، وأمرني ثم ~~منعني، كان صادقا، فلو مات قبل مجئ الغد لا يتبين أنه كان كاذبا، وقد حققنا ~~هذا في مسألة نسخ الامر قبل التمكن من الامتثال، وفي نسخ الذبح عن إبراهيم ~~عليه السلام، ولهذا فرق الفقهاء بين أن يقول: إذا جاء رأس الشهر فأنت ~~وكيلي، وبين أن يقول: وكلتك ببيع داري لكن تبيعها عند رأس الشهر، فإن الأول ~~تعليق، ومن منع تعليق الوكالة ربما جوز تنجيز الوكالة مع تأخير التنفيذ إلى ~~رأس الشهر. المسلك الرابع: إجماع الأمة على لزوم الشروع في صوم رمضان، أعني ~~أول يوم مثلا، ولو كان الموت في أثناء النهار يبين عدم الامر فالموت مجوز، ~~فيصير الامر مشكوكا فيه، ولا يلزمه الشروع بالشك، فإن قيل، لأنه إن بقي كان ~~واجبا، والظاهر بقاؤه والحاصل في الحال يستصحب، والاستصحاب أصل تبنى عليه ~~الأمور، كما أن من أقبل عليه سبع يهرب، وإن كان يحتمل موت السبع قبل ~~الانتهاء ms341 إليه، لكن الأصل بقاؤه فيستصحبه، ولأنه لو فتح هذا الباب لم يتصور ~~امتثال الأوامر المضيقة أوقاتها كالصوم، فإنه إنما يعلم تمام التمكن بعد ~~انقضاء اليوم ويكون قد فات، قلنا: هذا يلزمكم في الصوم، ومذهبكم هو الذي ~~يفضي إلى هذا المحال، وما يفضي إلى المحال فهو محال، وأما الهرب من السبع ~~فحزم وأخذ بأسوأ الأحوال، ويكفي فيه الاحتمال البعيد، فإن من شك في سبع على ~~الطريق أو سارق فيحسن منه الحزم والاحتراز، أما الوجوب فلا يثبت بالشك ~~والاحتمال، وينبغي أن يقال: من أعرض عن الصوم، ومات قبل الغروب لم يكن ~~عاصيا، لأنه أخذ بالاحتمال الآخر، وهو احتمال الموت، فليكن معذورا به. فإن ~~زعموا أن ظن البقاء بالاستصحاب أورث ظن الوجوب، وظن الوجوب اقتضى تحقق ~~الوجوب من الشرع جزما قطعا فهذا تعسف وتناقض. المسلك الخامس: أن الاجماع ~~منعقد على أن من حبس المصلي في أول الوقت وقيده ومنعه من الصلاة متعد عاص ~~بسبب منعه من الصلاة الواجبة، فإن كان التكليف يندفع به فقد أحسن إليه إذ ~~منع التكليف عنه فلم عصي، وهذا فيه نظر، لأنه عصي، لان التصرف في الغير ~~بضبطه ومنعه حرام، وإن منعه غير مباح أيضا، ولان منعه صار سببا لوجوب ~~القضاء في ذمته وهو على خطر من فواته، أو يحرم لأنه أخرجه عن أن يكلفه، وفي ~~التكليف مصلحة وقد فوتها عليه، بدليل أنه لو قيده قبل وقت الصلاة أو قبل ~~وقت الصلاة أو قبل البلوغ إلى أن بلغ ودخل وقت الصلاة عصى، ولم يكن على ~~الصبي أمر ناجز لا بشرط ولا بغير شرط. # شبه المعتزلة الأولى: قولهم: إثبات الامر بشرط يؤدي إلى أن يكون وجود ~~الشئ مشروطا بما يوجد بعده، والشرط ينبغي أن يقارن أو يتقدم أما تأخير ~~الشرط عن المشروط فمحال، قلنا: ليس هذا شرطا لوجود ذات الامر، وقيامه بذات ~~الآمر بل الامر موجود قائم بذات الآمر وجد الشرط PageV00P219 # أو لم يوجد، وإنما هو شرط لكون الامر لازما واجب التنفيذ، وليس ذلك من ~~شرط كونه موجودا بسبيل، ولهذا ms342 قلنا: الامر أمر للمعدوم بتقدير الوجود، وإن ~~لم يبلغه بشرط بلوغه فليس البلوغ شرطا لقيام نفس الامر بذات الآمر بل للزوم ~~تنفيذه، فإن قال قائل اختلاف قول الشافعي في أن من جامع في نهار رمضان ثم ~~مات أو جن قبل الغروب هل يلزمه الكفارة؟ هل يلتفت إلى هذا الأصل؟ قلنا: أما ~~من ذهب إلى أنا نتبين عند زوال الحياة انتفاء الامر من أصله فلا يمكنه ~~إيجاب الكفارة، وأما من ذهب إلى أنا لا نتبين عدم الامر فيحتمل منه التردد، ~~إذ يحتمل أن يقول: قد أفسد بالجماع الصوم الذي كان واجبا عليه، وقطع الصوم ~~الواجب بحكم الوقت وإفساده يوجب الكفارة، يحتمل أن يقال: وجبت الكفارة ~~بإفساد صوم لا يتعرض للفساد والانقطاع قبل الغروب، وهذا متعرض له، فيكون ~~هذا مانعا من الالحاق بالصوم، الذي يتعين الجماع لافساده، فإن قال قائل: ~~فلو علمت المرأة بالعادة أنها تحيض في أثناء النهار أو بقول نبي صادق حيضا ~~أو جنونا أو موتا، فهل يلزمها الصوم حتى تصوم بعض اليوم؟ قلنا: على مذهب ~~المعتزلة لا ينبغي أن يلزم لان بعض اليوم غير مأمور به، وهي غير مأمورة ~~بالكل، أما عندنا فالأظهر وجوبه، لان المرخص في الافطار لم يوجد، والامر ~~قائم في الحال، والميسور لا يسقط بالمعسور، فإن قال قائل: لو قال: إن صليت ~~أو شرعت في الصلاة أو الصوم فزوجتي طالق ثم شرع ثم أفسد أو مات أو جن قبل ~~الاتمام فقد اختلفوا في وقوع الطلاق، فهل يلتفت هذا إلى هذا الأصل؟ قلنا: ~~نعم، قياس مذهب المعتزلة أن لا يحنث، لان بعض الصوم ليس بصوم، والفاسد ليس ~~بصوم، وقد تبين ذلك بالآخرة، وعلى مذهبنا ينبغي أن يحنث، وهذه صلاة في ~~الحال، وتمامها مقيد بالشرط، حتى لو قال: والله لأعتكفن صائما، أوان اعتكفت ~~صائما فزوجتي طالق ثلاثا، فاعتكف ساعة صائما ثم جن أو مات لم تجب الكفارة ~~في تركته ولم ترثه زوجته. ولا تخلو هذه المسائل عن الالتفات إلى هذا الأصل، ~~ولو قال: إن أمرت عبدي فزوجتي طالق، ms343 ثم قال: صم غدا، طلقت زوجته، فإن مات ~~قبل الغد فلا يتبين انتفاء الطلاق، ولو قال: إن وكلت وكيلا فزوجتي طالق، ~~وإن عزلت وكيلا فعبدي حر. ثم وكل من يبيع داره غدا ثم عزل قبل الغد طلقت ~~زوجته وعتق عبده. # الشبهة الثانية: وهي الأقوى، قولهم: إن الامر طلب، فلا يقوم بذات من يعلم ~~امتناع وجود المأمور، فكيف يقوم بذات السيد طلب الخياطة إن صعد العبد إلى ~~السماء، وهو يعلم أنه لا يصعد، نعم يمكن أن يقول: خط إن صعدت إلى السماء، ~~لكنه صيغة أمر، ولا يقوم الطلب بذاته، كما لو قال له: اصعد إلى السماء، لم ~~يكن أمرا لعجزه، وعلم الآمر بامتناعه إلا على مذهب من يجوز تكليف ما لا ~~يطاق، وأنتم قد ملتم إلى منع تكليف المحال، وبه يفارق الآمر الجاهل فإن من ~~لا يعرف عجز عبده عن القيام يتصور أن يقول: قم ويقوم بذاته الطلب، أما إذا ~~علم عجزه فلا يقوم بذاته طلب الممتنع، وهذا التحقيق، وهو أن الجهل إذا كان ~~شرطا لقيام هذا الامر بذاته فالمؤثر في صفة ذاته جهله لا جهل المأمور، فهما ~~علم الآمر عدم الشرط، فكيف يكون طالبا، وإذا لم يكن طالبا فكيف يكون آمرا، ~~والآمر هو الطلب، هذا واقع، والجواب: أن هذا لا يصح من المعتزلة مع إنكارهم ~~كلام النفس، أما PageV00P220 # عندنا فليس المراد بالطلب الذي هو معنى الامر إرادة وتشوقا، لان المعاصي ~~عندنا مرادة وهي غير مأمور بها، والطاعات مأمور بها، وقد لا تكون مرادة، ~~فإن ما أراد الله واقع، والتشوق على الله محال، وإنما معناه اقتضاء فعله ~~لمصلحة العبد، ولكنه يكون توطئة للنفس على عزم الامتثال أو الترك لما ~~يخالفه لطفا به في الاستعداد والانحراف عن الفساد، وهذا لطف متصور من الله ~~تعالى، ويتصور أيضا من السيد أن يستصلح عبده بأوامر ينجزها عليه، مع عزمه ~~على نسخ الامر قبل الامتثال، امتحانا للعبد واستصلاحا له، وكل أمر مقيد ~~بشرط أن لا ينسخ، وكوكالة مقيدة بشرط أن لا يعزل الوكيل، وقوله: وكلتك ببيع ms344 ~~العبد غدا، مع العلم بأنه سيعتق العبد قبل الغد وكالة في الحال يقصد بها ~~استمالة الوكيل مثلا وامتحانه في إظهار الاستبشار بأمره أو الكراهية، فكل ~~ذلك معقول لهذه الفائدة، وليس تحت الامر إلا أنه اقتضاء من هذا الجنس والله ~~أعلم. # لقول في صيغة النهي اعلم أن ما ذكرناه من مسائل الأوامر تتضح به أحكام ~~النواهي، إذ لكل مسألة وزان من النهي على العكس، فلا حاجة إلى التكرار، ~~ولكنا نتعرض لمسائل لابد من افرادها بالكلام. # - مسألة (هل النهي يقتضي الفساد) اختلفوا في أن النهي عن البيع والنكاح ~~والتصرفات المفيدة للأحكام هل يقتضي فسادها؟ فذهب الجماهير إلى أنه يقتضي ~~فسادها، وذهب قوم إلى أنه إن كان نهيا عنه لعينه دل على الفساد، وإن كان ~~لغيره فلا، والمختار أنه لا يقتضي الفساد، وبيانه أنا نعني بالفساد تخلف ~~الاحكام عنها وخروجها عن كونها أسبابا مفيدة للأحكام، ولو صرح الشارع وقال: ~~حرمت عليك استيلاد جارية الابن ونهيتك عنه لعينه، لكن إن فعلت ملكت ~~الجارية، ونهيتك عن الطلاق في الحيض لعينه لكن إن فعلت بانت زوجتك، ونهيتك ~~عن إزالة النجاسة عن الثوب بالماء المغصوب لكن إن فعلت طهر الثوب، ونهيتك ~~عن ذبح شاة الغير بسكين الغير من غير إذن، لكن إن فعلت حلت الذبيحة، فشئ من ~~هذا ليس يمتنع ولا يتناقض، بخلاف قوله: حرمت عليك الطلاق وأمرتك به، أو ~~أبحثه لك، وحرمت عليك الاستيلاد لجارية الابن وأوجبته عليك، فإن ذلك متناقض ~~لا يعقل، لان التحريم يضاد الايجاب ولا يضاده كون المحرم منصوبا علامة على ~~حصول الملك والحل وسائر الأحكام، إذ يتناقض أن يقول: حرمت الزنا وأبحته، ~~ولا يتناقض أن يقول: حرمت الزنا وجعلت الفعل الحرام في عينه سببا لحصول ~~الملك في العوضين، فإن شرط التحريم التعرض لعقاب الآخرة فقط دون تخلف ~~الثمرات والاحكام عنه، فإذا ثبت هذا فقوله: لا تبع، ولا تطلق، ولا تنكح لو ~~دل على تخلف الاحكام وهو المراد بالفساد فلا يخلو إما أن يدل من حيث اللغة ~~أو من حيث الشرع، ومحال أن ms345 يدل من حيث اللغة، لان العرب قد تنهى عن الطاعات ~~وعن الأسباب المشروعة وتعتقد ذلك نهيا حقيقيا دالا على أن المنهي ينبغي أن ~~لا يوجد، أما الاحكام فإنها شرعية لا يناسبها اللفظ من حيث وضع اللسان، إذ ~~يعقل أن يقول العربي: هذا العقد الذي يفيد الملك والاحكام إياك أن تفعله ~~وتقدم عليه، ولو صرح به الشارع أيضا لكان منتظما مفهوما، أما من حيث الشرع ~~فلو قام دليل على أن النهي PageV00P221 # للافساد ونقل ذلك عن النبي عليه السلام صريحا لكان ذلك من جهة الشرع ~~تصرفا في اللغة بالتغيير، أو كان النهي من جهته منصوبا علامة على الفساد، ~~ويجب قبول ذلك ولكن الشأن في إثبات هذه الحجة ونقلها، وشبههم الشرعية أربع: ~~الشبهة الأولى: قولهم إن المنهي عنه قبيح ومعصية، فكيف يكون مشروعا؟ قلنا: ~~إن أردتم بالمشروع كونه مأمورا به أو مباحا أو مندوبا فذلك محال، ولسنا ~~نقول به، وإن عنيتم به كونه منصوبا علامة للملك أو الحال أو حكم من الاحكام ~~ففيه وقع النزاع، فلم ادعيتم استحالته ولم يستحل أن يحرم الاستيلاد وينصب ~~سببا لملك الجارية ويحرم الطلاق وينصب سببا للفراق، بل لا يستحيل أن ينهي ~~عن الصلاة في الدار المغصوبة وتنصب سببا لبراءة الذمة وسقوط الفرض. الشبهة ~~الثانية: قولهم إن النهي لا يرد من الشارع في البيع والنكاح إلا لبيان ~~خروجه عن كونه مملكا أو مشروعا، قلنا: في هذا وقع النزاع الدليل عليه، وكم ~~من بيع ونكاح ونهي عنه وبقي سببا للإفادة، فما هذا التحكم؟ # الشبهة الثالثة: قوله عليه السلام: كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد، ومن ~~أدخل في ديننا ما ليس منه فهو رد قلنا: معنى قوله: رد، أي غير مقبول طاعة ~~وقربة ولا شك في أن المجرم لا يقع طاعة. أما أن لا يكون سببا للحكم فلا، ~~فإن الاستيلاد والطلاق وذبح شاة الغير ليس عليه أمرنا، ثم ليس برد بهذا ~~المعنى. الشبهة الرابعة: قولهم أجمع سلف الأمة على الاستدلال بالمناهي على ~~الفساد ففهموا فساد الربا من قوله: * (وذروا ms346 ما بقي من الربا) * (البقرة: ~~122) واحتج ابن عمر رضي الله عنه في فساد نكاح المشركات بقوله: * (ولا ~~تنكحوا المشركات حتى يؤمن) * (البقرة: 322) وفي نكاح المحارم بالنهي، قلنا: ~~هذا يصح من بعض الأمة أما من جميع الأمة فلا يصح، ولا حجة في قول البعض، ~~نعم: يتمسك به في التحريم والمنع أما في الافساد فلا. # - مسألة (الفرق بين الفساد والبطلان) الذين اتفقوا على أن النهي عن ~~التصرفات لا يدل على فسادها، اختلفوا في أنه هل يدل على صحتها؟ فنقل أبو ~~زيد عن محمد بن الحسن وأبي حنيفة أنه يدل على الصحة، وأنه يستدل بالنهي عن ~~صوم يوم النحر على انعقاده، فإنه لو استحال انعقاده لما نهي عنه فإن المحال ~~لا ينهي عنه، كما لا يؤمر، فلا يقال للأعمى: لا تبصر، كما لا يقال له: أبصر ~~فزعموا أن النهي عن الزنا يدل على انعقاده، وهذا فاسد، لأنا بينا أن الامر ~~بمجرده لا يدل على الاجزاء والصحة، فكيف يدل عليه النهي؟ بل الأمر والنهي ~~يدل على اقتضاء الفعل واقتضاء الترك فقط، أو على الوجوب والتحريم فقط، أما ~~حصول الاجزاء والفائدة أو نفيهما فيحتاج إلى دليل آخر، واللفظ من حيث اللغة ~~غير موضوع لهذه القضايا بالشرعية، وأما من حيث الشرع فلو قال الشارع: إذا ~~نهيتكم عن أمر أردت به صحته لتلقيناه منه، ولكنه لم يثبت ذلك صريحا لا ~~بالتواتر ولا بنقل الآحاد، وليس من ضرورة المأمور أن يكون صحيحا مجزئا فكيف ~~يكون من ضرورة المنهي ذلك، فإذا لم يثبت ذلك شرعا ولغة وضرورة بمقتضى اللفظ ~~فالمصير إليه تحكم، بل الاستدلال به على فساده أقرب من الاستدلال به على ~~صحته، فإن قيل: المحال لا ينهي عنه، لان الامر كما يقتضي مأمورا يمكن ~~امتثاله، فالنهي يقتضي منهيا PageV00P222 # يمكن ارتكابه، فصوم يوم النحر إذا نهى عنه ينبغي أن يصح ارتكابه ويكون ~~صوما، فاسم الصوم للصوم الشرعي لا للامساك. فإنه صوم لغة لا شرعا، والأسامي ~~الشرعية تحمل على موضوع الشرع هذا هو الأصل، ولا يلزم عليه قوله: دعي ~~الصلاة ms347 أيام أقرائك وقوله تعالى: # * (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء) * النساء: 22) لأنه حمل النكاح ~~والصلاة بالمعنى اللغوي على خلاف الوضعي بدليل دل عليه، ولا يلزم عليه قوله ~~عليه السلام: لا صلاة إلا بطهور ولا نكاح إلا بشهود، لان ذلك نفي، وليس ~~نهيا، قلنا: الأصل أن الاسم لموضوعه اللغوي إلا ما صرفه عنه عرف الاستعمال ~~في الشرع وقد ألفينا عرف الشرع في الأوامر أنه يستعمل الصوم والنكاح والبيع ~~لمعانيها الشرعية، أما في المنهيات فلم يثبت هذا العرف المغير للوضع، بدليل ~~قوله: دعي الصلاة أيام أقرائك * (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء) * ~~وأمثال هذه المناهي مما لا ينعقد أصلا، ولم يثبت فيه عرف استعمال الشرع، ~~فيرجع إلى أصل الوضع، ونقول: إذا تعارض فيه عرف الشرع والوضع فمن صام يوم ~~النحر فقد ارتكب النهي وإن لم ينعقد صومه، ويكون هذا أولى، لان مذهبهم يفضي ~~إلى صرف النهي عن ذلك المنهي عنه إلى غيره. فإنه لو كان منهيا في عينه ~~استحال أن يكون عبادة منعقدة، ومطلق النهي عن الشئ يدل على النهي عن عينه ~~إلا أن يدل دليل، فلا معنى لترك الظاهر من غير ضرورة، فإن قيل: فإذا اخترتم ~~أن النهي لا يدل على الصحة ولا على الفساد في أسباب المعاملات، فما قولكم ~~في النهي عن العبادات؟ قد بينا أن النهي يضاد كون المنهي عنه قربة وطاعة، ~~لان الطاعة عبارة عما يوافق الامر، والامر والنهي متضادان، فعلى هذا صوم ~~يوم النحر لا يكون منعقدا إن أريد بانعقاده كونه طاعة وقربة وامتثالا، لان ~~النهي يضاده، وإذا لم يكن قربة لم يلزم بالنذر، إذ لا يلزم بالنذر ما ليس ~~بقربة نعم: لو أمكن صرف النهي عن عين الصوم إلى ترك إجابة دعوة الله تعالى ~~فذلك لا يمنع انعقاده، ولكن ذلك أيضا فاسد كما سبق في القطب الأول، وإن قيل ~~فقد حمل بعض المناهي في الشرع على الفساد دون البعض، فما الفصل؟ قلنا: ~~النهي لا يدل على الفساد وإنما يعرف فساد العقد والعبادة بفوات شرطه ms348 وركنه، ~~ويعرف فوات الشرط إما بالاجماع كالطهارة في الصلاة وستر العورة واستقبال ~~القبلة، وإما بنص، وإما بصيغة النفي كقوله لا صلاة إلا بطهور ولا نكاح إلا ~~بشهود فذلك ظاهر في النفي عند عدم الشرط، وأما القياس على منصوص فكل نهي ~~يتضمن ارتكابه الاخلال بالشرط فيدل على الفساد من حيث الاخلال بالشرط لا من ~~حيث النهي، وشرط المبيع أن يكون مالا متقوما مقدورا على تسليمه معينا، أما ~~كونه مرئيا ففي اشتراطه خلاف، وشرط الثمن أن يكون مالا معلوم القدر والجنس، ~~وليس من شرط النكاح الصداق، فلذلك لم يفسد بكون النكاح على خمر أو خنزير أو ~~مغصوب وإن كان منهيا عنه، ولا فرق بين الطلاق السني والبدعي في شرط النفوذ ~~وإن اختلفا في التحريم، فإن قيل: فلو قال قائل: كل نهي رجع إلى عين الشئ ~~فهو دليل الفساد دون ما يرجع إلى غيره، فهل يصح؟ قلنا: لا، لأنه لا فرق بين ~~الطلاق في حال الحيض والصلاة في الدار المغصوبة، لأنه إن أمكن أن يقال: ليس ~~منهيا عن الطلاق لعينه ولا عن الصلاة لعينها بل PageV00P223 # لوقوعه في حال الحيض، ولوقوعها في الدار المغصوبة، أمكن تقدير مثله في ~~الصلاة في حال الحيض، فلا اعتماد إلا على فوات الشرط، ويعرف الشرط بدليل ~~يدل عليه وعلى ارتباط الصحة به، ولا يعرف بمجرد النهي، فإنه لا يدل عليه ~~وضعا وشرعا كما سبق في المسألة التي قبلها، وهذا القدر كاف في صيغة الأمر ~~والنهي فإن ما يتعلق منه بحقيقة الوجوب والتحريم ويضادهما ويوافقهما فقد ~~ميزناه عما يتعلق بمقتضى الصيغة وقررناه في القطب الأول عند البحث عن حقيقة ~~الحكم، فإن ذلك نظر عقلي وهذا نظر لغوي من حيث دلالة الألفاظ فلذلك ميزناه ~~على خلاف عادة الأصوليين. # القسم الرابع من النظر في الصيغة القول في العام والخاص ويشتمل على مقدمة ~~وخمسة أبواب: # المقدمة القول في حد العام والخاص ومعناهما أعلم أن العموم والخصوص من ~~عوارض الألفاظ لامن عوارض المعاني والافعال. # والعام عبارة عن اللفظ الواحد الدال من جهة واحدة على ms349 شيئين فصاعدا مثل ~~الرجال والمشركين ومن دخل الدار فأعطه درهما، ونظائره كما سيأتي تفصيل صيغ ~~العموم، واحترزنا بقولنا: من جهة واحدة، عن قولهم: ضرب زيد عمرا، وعن ~~قولهم: ضرب زيدا عمرو، فإنه يدل على شيئين، ولكن بلفظين لا بلفظ واحد، ومن ~~جهتين لا من جهة واحدة، وأعلم أن اللفظ إما خاص في ذاته مطلقا كقولك: زيد ~~وهذا الرجل، وإما عام مطلقا كالمذكور والمعلوم، إذ لا يخرج منه موجود ولا ~~معدوم، وإما عام بالإضافة كلفظ المؤمنين، فإنه عام بالإضافة إلى آحاد ~~المؤمنين خاص بالإضافة إلى جملتهم، إذ يتناولهم دون المشركين فكأنه يسمى ~~عاما من حيث شموله لما شمله خاصا من حيث اقتصاره على ما شمله وقصوره عما لم ~~يشمله، ومن هذا الوجه يمكن أن يقال: ليس في الألفاظ عام مطلق، لان لفظ ~~المعلوم لا يتناول المجهول، والمذكور لا يتناول المسكوت عنه، فإن قيل: فلم ~~قلتم، إن العموم من عوارض الألفاظ لا من عوارض المعاني والافعال، والعطاء ~~فعل، وقد يعطي عمرا وزيدا وتقول عممهما بالعطاء، والوجود معنى، وهو يعم ~~الجواهر والاعراض، قلنا: عطاء زيد متميز عن عطاء عمرو من حيث أنه فعل، فليس ~~في الوجود فعل واحد هو عطاء، وتكون نسبته إلى زيد وعمرو واحدة، وكذلك وجود ~~السواد يفارق وجود البياض، وليس الوجود معنى واحدا حاصلا مشركا بينهما وإن ~~كانت حقيقته واحدة في العقل وعلوم الناس وقدرهم وإن كانت مشتركة في كونها ~~علما وقدرة لا يوصف بأنه عموم، فقولنا: الرجل له وجود في الأعيان وفي ~~الأذهان وفي اللسان، أما وجوده في اللسان فلقط الرجل قد وضع للدلالة ونسبته ~~في الدلالة إلى زيد وعمرو واحدة يسمى عاما باعتبار نسبة الدلالة إلى ~~المدلولات الكثيرة، وأما ما في الأذهان من معنى الرجل فيسمى كليا من حيث أن ~~العقل يأخذ من مشاهدة زيد حقيقة الانسان وحقيقة الرجل، فإذا رأى عمرا لم ~~يأخذ منه صورة أخرى، وكان ما أخذه من قبل نسبته إلى عمرو والذي حدث الآن ~~كنسبته إلى زيد الذي عهده أولا، فهذا معنى كليته، فإن ms350 سمي PageV00P224 # عاما بهذا فلا بأس، فإن قيل: فهل يجوز أن يقال: هذا عام مخصوص، وهذا عام ~~قد خصص ؟ قلنا: لا، لان المذاهب ثلاثة: مذهب أرباب الخصوص، ومذهب أرباب ~~العموم، ومذهب الواقفية. أما أرباب الخصوص: فإنهم يقولون: لفظ المشركين ~~مثلا موضوع لأقل الجمع، وهو للخصوص، فكيف يقولون إنه عموم قد خصص. وأما ~~أرباب العموم: فيقولون: هو الاستغراق، فإن أريد به البعض فقد تجوز به عن ~~حقيقته ووضعه، فلم يتصرف في الوضع ولم يغير حتى يقال إنه خصص العام أو هو ~~عام مخصوص. وأما الواقفية: فإنهم يقولون: إن اللفظ مشترك، وإنما ينزل على ~~خصوص أو عموم بقرينة وإرادة معينة، كلفظ العين، فإن أريد به الخصوص فهو ~~موضوع له، لا أنه عام قد خصص، وإن أريد به العموم فهو موضوع له، لا أنه خاص ~~قد عمم فإذا هذا اللفظ مؤول، على كل مذهب، فيكون معناه أنه كان يصلح أن ~~يقصد به العموم فقصد به الخصوص، وهذا على مذهب الوقف، وعلى مذهب الاستغراق ~~أن وضعه للعموم واستعمل في غير وضعه مجازا فهو عام بالوضع، خاص بالإرادة ~~والتجوز، وإلا فالعام والخاص بالوضع لا ينقلب عن وضعه بإرادة المتكلم فإن ~~قيل: فما معنى قولهم: # خصص فلان عموم الآية والخبران كان العام لا يقبل التخصيص؟ قلنا: تخصيص ~~العام محال كما سبق، وتأويل هذا اللفظ أن يعرف أنه أريد باللفظ العام ~~بالوضع أو الصالح لإرادة العموم الخصوص، فيقال على سبيل التوسع لمن عرف ذلك ~~أنه خصص العموم، أي عرف أنه أريد به الخصوص، ثم من لم يعرف ذلك لكن اعتقده ~~أو ظنه أو أخبر عنه بلسانه أو نصب الدليل عليه يسمى مخصصا، وإنما هو معرف ~~ومخبر عن إرادة المتكلم، ومستدل عليه بالقرائن، لا أنه مخصص بنفسه، هذه هي ~~المقدمة. أما الأبواب فهي خمسة: الباب الأول: في أن العموم هل له صيغة أم ~~لا واختلاف المذاهب فيه. الباب الثاني: في تمييز ما يمكن دعوى العموم فيه ~~عما لا يمكن. الباب الثالث: في تفصيل الأدلة المخصصة. الباب الرابع: في ~~تعارض ms351 العمومين. الباب الخامس: في الاستثناء والشرط. # الباب الأول في أن العموم هل له صيغة في اللغة أم لا؟ ولنشرح أولا صيغ ~~العموم عند القائلين بها، ثم اختلاف المذاهب، ثم أدلة أرباب الخصوص، ثم ~~أدلة أرباب العموم، ثم أدلة أرباب الوقف، ثم المختار فيه عندنا، ثم حكم ~~العام عند القائلين به إذا دخله التخصيص فهذه سبعة فصول في صيغ العموم. ~~وأعلم أنها عند القائلين بها خمسة أنواع: # الأول: ألفاظ الجموع، أما المعرفة كالرجال والمشركين، وأما المنكرة ~~كقولهم: رجال ومشركون، كما قال تعالى: * (ما لنا لا نرى رجالا) * (ص: 26) ~~والمعرفة للعموم إذا لم يقصد بها تعريف المعهود كقولهم: أقبل الرجل ~~والرجال، أي المعهودون المنتظرون. الثاني: # من وما إذا ورد للشرط والجزاء، كقوله عليه السلام: من أحيا أرضا ميتة فهي ~~له. وعلى اليد ما أخذت حتى تؤديه وفي معناه متى وأين للمكان والزمان، ~~كقوله: متى جئتني أكرمتك، وأينما كنت أتيتك. الثالث: ألفاظ النفي، كقولك: ~~ما جاءني أحد، وما في الدار ديار. الرابع: الاسم المفرد إذا دخل عليه الألف ~~واللام لا للتعريف، كقوله تعالى: * (إن الانسان لفي خسر) * (العصر: 2) ~~وقوله: * (والسارق والسارقة) * (المائدة: 83) أما النكرة، PageV00P225 # كقولك: مشرك وسارق، فلا يتناول إلا واحدا. الخامس: الألفاظ المؤكدة، ~~كقولهم: كل وجميع وأجمعون وأكتعون. # تفصيل المذاهب: أعلم أن الناس اختلفوا في هذه الأنواع الخمسة على ثلاثة ~~مذاهب: فقال قوم يلقبون بأرباب الخصوص: إنه موضوع لأقل الجمع، وهو إما ~~اثنان وإما ثلاثة على ما سيأتي الخلاف فيه، وقال أرباب العموم: هو ~~للاستغراق بالوضع، إلا أن يتجوز به عن وضعه، وقالت الواقفية: لم يوضع لا ~~لخصوص ولا لعموم، بل أقل الجمع داخل فيه لضرورة صدق اللفظ بحكم الوضع، وهو ~~بالإضافة إلى الاستغراق للجميع أو الاقتصار على الأقل، أو تناول صنف أو عدد ~~بين الأقل، والاستغراق مشترك يصلح لكل واحد من الأقسام كاشتراك لفظ الفرقة ~~والنفر بين الثلاثة والخمسة والستة، إذ يصلح لكل واحد منهم، فليس مخصوصا في ~~الوضع بعدد، وإن كنا نعلم أن أقل الجمع لا بد منه ليجوز إطلاقه ms352 ثم أرباب ~~العموم اختلفوا في التفصيل في ثلاث مسائل: الأولى: الفرق بين المعرف ~~والمنكر، فقال الجمهور: لا فرق بين قولنا: اضربوا الرجال، وبين قولنا: ~~اضربوا رجالا واقتلوا المشركين واقتلوا مشركين، وإليه ذهب الجبائي، وقال ~~قوم: يدل المنكر على جمع غير معين ولا مقدر، ولا يدل على الاستغراق وهو ~~الاظهر. الثاني: اختلفوا في الجمع المعرف بالألف واللام، كالسارقين ~~والمشركين والفقراء والمساكين والعاملين، فقال قوم: هو للاستغراق، وقال ~~قوم: هو لأقل الجمع، ولا يحمل على الاستغراق إلا بدليل، والأول أقوى وأليق ~~بمذاهب أرباب العموم. الثالثة: الاسم المفرد إذا دخل عليه الألف واللام، ~~كقولهم: # الدينار خير من الدرهم، فمنهم من قال: هو لتعريف الواحد فقط، وذلك في ~~تعريف المعهود، وقال قوم: هو للاستغراق، وقال قوم: يصلح للواحد والجنس ~~ولبعض الجنس، فهو مشترك، ومذهب الواقفية أن جميع هذه الألفاظ مشتركة، ولم ~~يبق منها شئ للاستغراق حتى كل وكلما وأي والذي ومن وما، واختلفوا في مسألة ~~واحدة، فقال قوم: إنما التوقف في العموم الواردة في الاخبار والوعد ~~والوعيد، أما الأمر والنهي فلا. فإنا متعبدون بفهمه ولو كان مشتركا لكان ~~مجملا غير مفهوم، وهذا فاسد لا يليق بمذهب الواقفية، لان دليلهم لا يفرق ~~بين جنس وجنس، إذ العرب تريد بصيغ الجمع البعض في كل جنس كما تريد الكل، ~~ويستوي في ذلك قولهم، فعلوا وافعلوا، وقولهم: قتل المشركون واقتلوا ~~المشركين، ولان من الاخبار ما تعبد بفهمه، كقوله تعالى: * (وهو بكل شئ ~~عليم) * (البقرة: 92) ، (الانعام: 101) وقوله: * (وما من دابة في الأرض إلا ~~على الله رزقها) * (هود: 6) (تنبيه): لا ينبغي أن يقول الواقفية الوقف في ~~ألفاظ العموم جائز وفيما مخرجه مخرج العموم واجب، فقد أطلق ذلك الشيخ أبو ~~الحسن الأشعري وجماعة، لان المتوقف لا يسلم أنه لفظ العموم كما لا يسلم أنه ~~لفظ الخصوص إلا أن يعني به أنه لفظ العموم عند معتقدي العموم بل ينبغي أن ~~يقول: التوقف في صيغ الجموع وأدوات الشرط واجب. PageV00P226 # القول في أدلة أرباب العموم ونقضها وهي خمسة: # الدليل الأول: أن أهل اللغة بل ms353 أهل جميع اللغات كما عقلوا الاعداد ~~والأنواع والاشخاص والأجناس ووضعوا لكل واحدا اسما لحاجتهم إليه، عقلوا ~~أيضا معنى العموم واستغراق الجنس واحتاجوا إليه، فكيف لم يضعوا له صيغة ~~ولفظا؟ الاعتراض من أربعة أوجه: الأول: أن هذا قياس واستدلال في اللغات، ~~واللغة تثبت توقيفا ونقلا لا قياسا واستدلالا، بل هي كسنن الرسول عليه ~~السلام، وليس لقائل أن يقول: الشارع كما عرف الأشياء الستة وجريان الربا ~~فيها ومست إليه حاجة الخلق ونص عليها فينبغي أن يكون قد نص على سائر ~~الربويات، وهذا فاسد. الثاني: أنه وإن سلم أن ذلك واجب في الحكمة، فمن يسلم ~~عصمة واضعي اللغة حتى لا يخالفوا الحكمة في وضعها، وهم في حكم من يترك مالا ~~تقتضي الحكمة تركه. الثالث: إن هذا منقوض، فإن العرب عقلت الماضي والمستقبل ~~والحال، ثم لم تضع للحال لفظا مخصوصا حتى لزم استعمال المستقبل أو اسم ~~الفاعل فيها، فتقول: رأيته يضرب أو ضاربا، ثم كما عقلت الألوان عقلت ~~الروائح، ثم لم تضع للروائح أسامي حتى لزم تعريفها بالإضافة فيقال: ريح ~~المسك، وريح العود، ولا يقال: لون الدم ولون الزعفران، بل أصفر أو أحمر. ~~الرابع: أنا لا نسلم أنهم لم يضعوا للعموم لفظا، كما لا نسلم أنهم لم يضعوا ~~للعين الباصرة لفظا، وإن كان العين مشتركا بين أشياء لم يخرج عن كونه ~~موضوعا له، وإن لم يكن وقفا عليه بل صالحا له ولغيره، وكذلك صيغ الجموع ~~مشتركة بين العموم والخصوص. # الدليل الثاني: أنه يحسن أن تقول: اقتلوا المشركين إلا زيدا، ومن دخل ~~الدار فأكرمه إلا الفاسق، ومن عصاني عاقبته إلا المعتذر، ومعنى الاستثناء: ~~إخراج ما لولاه لوجب دخوله تحت اللفظ، إذ لا يجوز أن تقول: أكرم الناس إلا ~~الثور، الاعتراض أن للاستثناء فائدتين إحداهما: ما ذكرتموه، وهو إخراج ما ~~يجب دخوله تحت اللفظ، كقوله: علي عشرة إلا ثلاثة ، والثاني: ما يصلح أن ~~يدخل تحته ويتوهم أن يكون مرادا به وهذا صالح لان يدخل تحت اللفظ، ~~والاستثناء لقطع صلاحيته لا لقطع وجوبه، بخلاف الثور، إن لفظ ms354 الناس لا يصلح ~~لإرادته. # الدليل الثالث: أن تأكيد الشئ ينبغي أن يكون موافقا لمعناه ومطابقا له ~~وتأكيدا لخصوص غير تأكيد العموم، إذ يقال: اضرب زيدا نفسه، واضرب الرجال ~~أجمعين أكتعين، ولا يقال: اضرب زيدا كلهم. الاعتراض أن الخصم يسلم أن لفظ ~~الجمع يتناول قوما، وهو أقل الجمع فما زاد، ويجوز أن يقال: اضرب القوم ~~كلهم، لان للقوم كلية وجزئية، أما زيد والواحد المعين ليس له بعض، فليس فيه ~~كل، وكما أن الفظ العموم لا يتعين مبلغ المراد منه بعد مجاوزة أقل الجمع، ~~فكذلك لفظ المشركين والمؤمنين، والكلام في أنه لاستغراق الجنس أو لأقل ~~الجمع أو لعدد بين الدرجتين وكيفما كان، فلفظ الكلية لائق به، فإن قيل: ~~فإذا قال: # أكرم الناس أكتعين أجمعين كلهم وكافتهم ينبغي أن يدل هذا على الاستغراق، ~~ثم يكون PageV00P227 # الدال هو المؤكد دون التأكيد، فإن التأكيد تابع، وإنما يؤكد بالاستغراق ~~ما يدل على استغراق الجماعة الذين أرادهم بلفظ الناس، قلنا: لا يشعر ~~بالاستغراق، كما لو قال: أكرم الفرقة والطائفة كلهم وكافتهم وجملتهم، لم ~~يتغير به مفهوم لفظ الفرقة، ولم يتعين للأكثر، بل نقول: # لو كان لفظ الناس يدل على الاستغراق لم يحسن أن يقول: كافتهم وجملتهم ~~فإنما تذكر هذه الزيادة لمزيد فائدة فهو مشعر بنقيض غرضهم. # الدليل الرابع: أن صيغ العموم باطل أن تكون لأقل الجمع خاصة كما سيأتي، ~~وباطل أن تكون مشتركا، إذ يبقى مجهولا، ولا يفهم إلا بقرينة، وتلك القرينة ~~لفظ أو معنى، فإن كان لفظا فالنزاع في ذلك اللفظ قائم، فإن الخلاف في أنه: ~~هل وضع العرب صيغة تدل على الاستغراق أم لا؟ وإن كان معنى فالمعنى تابع ~~للفظ، فكيف تزيد دلالته على اللفظ؟ # الاعتراض: إن قصد الاستغراق يعلم بعلم ضروري يحصل عن قرائن أحوال ورموز ~~وإشارات وحركات من المتكلم وتغيرات في وجهه، وأمور معلومة من عادته ~~ومقاصده، وقرائن مختلفة لا يمكن حصرها في جنس ولا ضبطها بوصف، بل هي ~~كالقرائن التي يعلم بها خجل الخجل ووجل الوجل وجبن الجبان، وكما يعلم قصد ~~المتكلم ms355 إذا قال: السلام عليكم، أنه يريد التحية، أو الاستهزاء واللهو، ومن ~~جملة القرائن فعل المتكلم، فإنه إذا قال: على المائدة هات الماء، فهم أنه ~~يريد الماء العذب البارد دون الحار الملح، وقد تكون دليل العقل كعموم قوله ~~تعالى: * (وهو بكل شئ عليم) * (البقرة: 92)، (الانعام: 101)، * (وما من ~~دابة في الأرض إلا على الله رزقها) * وخصوص قوله تعالى: * (الله خالق كل شئ ~~وهو على كل شئ وكيل) * (الزمر: 62) إذ لا يدخل فيه ذاته وصفاته، ومن جملته ~~تكرير الألفاظ المؤكدة، كقوله: اضرب الجناة، وأكرم المؤمنين كافتهم، صغيرهم ~~وكبيرهم، شيخهم وشابهم، ذكرهم وأنثاهم، كيف كانوا وعلى أي وجه وصورة كانوا، ~~ولا تغادر منهم أحدا بسبب من الأسباب ووجه من الوجوه، ولا يزال يؤكد حتى ~~يحصل علم ضروري بمراده، أما قولهم ما ليس بلفظ فهو تابع للفظ فهو فاسد، فمن ~~سلم أن حركة المتكلم وأخلاقه وعادته وأفعاله وتغير لونه وتقطيب وجهه وجبينه ~~وحركة رأسه وتقليب عينيه تابع للفظه، بل هذه أدلة مستقلة يفيد اقتران جملة ~~علوما ضرورية، فإن قيل: فبم عرفت الأمة عموم ألفاظ الكتاب والسنة وإن لم ~~يفهموه من اللفظ، وبم عرف الرسول من جبريل، وجبريل من الله تعالى، حتى ~~عمموا الاحكام؟ قلنا: # أما الصحابة رضوان الله عليهم فقد عرفوه بقرائن أحوال النبي عليه السلام ~~وتكريراته وعادته المتكررة، وعلم التابعون بقرائن أحوال الصحابة وإشاراتهم، ~~ورموزهم وتكريراتهم المختلفة، وأما جبريل عليه السلام فإن سمع من الله بغير ~~واسطة، فالله تعالى يخلق له العلم الضروري بما يريده بالخطاب بكلامه ~~المخالف لأجناس كلام الخلق، وإن رآه جبريل في اللوح المحفوظ فبأن يراه ~~مكتوبا بلغة ملكية ودلالة قطعية لا احتمال فيها. # الدليل الخامس: وهو عمدتهم: إجماع الصحابة فإنهم وأهل اللغة بأجمعهم ~~أجروا ألفاظ الكتاب والسنة على العموم، إلا ما دل الدليل على تخصيصه، وإنهم ~~كانوا يطلبون دليل الخصوص لا دليل العموم، فعملوا بقول الله تعالى: * ~~(يوصيكم الله في أولادكم) * PageV00P228 # (النساء: 11) واستدلوا به على إرث فاطمة رضي الله عنها، حتى نقل أبو بكر ~~رضي الله عنه عن النبي (ص): ms356 نحن معاشر الأنبياء لا نورث وقوله: * (الزانية ~~والزاني) * (النور: 2)، * (والسارق والسارقة) * (المائدة: 83) * (ومن قتل ~~مظلوما) * (الاسراء: 33) * (وذروا ما بقي من الربا) * (البقرة: 872) * (ولا ~~تقتلوا أنفسكم) * (النساء: 92) * (لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم) * (المائدة: ~~59) ولا وصية لوارث ولا تنكح المرأة على عمتها وخالتها ومن ألقى سلاحه فهو ~~آمن ولا يرث القاتل ولا يقتل والد بولده إلى غير ذلك مما لا يحصى، ويدل ~~عليه: أنه لما نزل قوله تعالى: * (لا يستوي القاعدون من المؤمنين) * ~~(النساء: 59) الآية قال ابن أم مكتوم ما قال، وكان ضريرا فنزل قوله تعالى: ~~* (غير أولي الضرر) * (النساء: 59) فشمل الضرير وغيره عموم لفظ المؤمنين ~~ولما نزل قوله تعالى: # * (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون) * (الأنبياء: ~~89) قال بعض اليهود: أنا أخصم لكم محمدا، فجاءه وقال: قد عبدت الملائكة ~~وعبد المسيح، فيجب أن يكونوا من حطب جهنم، فأنزل الله عز وجل: * (إن الذين ~~سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون) * (الأنبياء: 101) تنبيها على ~~التخصيص، ولم ينكر النبي عليه السلام والصحابة رضي الله عنهم تعلقه ~~بالعموم، وما قالوا له: لم استدللت بلفظ مشترك مجمل؟ ولما نزل قوله تعالى: ~~* (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) * (الانعام: 28) قالت الصحابة: # فأينا لم يظلم، فبين أنه إنما أراد ظلم النفاق والكفر، واحتج عمر رضي ~~الله عنه على أبي بكر الصديق رضي الله عنه بقوله عليه السلام: أمرت أن ~~أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فدفعه أبو بكر بقوله: إلا بحقها ~~ولم ينكر عليه التعلق بالعموم، وهذا وأمثاله لا تنحصر حكايته الاعتراض من ~~وجهين: أحدهما: أن هذا إن صح من بعض الأمة فلا يصح من جميعهم، فلا يبعد من ~~بعض الأمة اعتقاد العموم، فإنه الأسبق إلى أكثر الافهام، ولا يسلم صحة ذلك ~~على كافة الصحابة. الثاني: إنه لو نقل ما ذكروه عن جملة الصحابة، فلم ينقل ~~عنهم قولهم على التواتر إنا حكمنا في هذه المسائل بمجرد العموم لأجل اللفظ ~~من غير التفات إلى قرينة، فلعل بعضهم قضى باللفظ مع القرينة المسوية ms357 بين ~~المراد باللفظ وبين بقية المسميات، لعلمه بأنه لا مدخل في التأثير للفارق ~~بين محل القطع ومحل الشك، والخلاف راجع إلى أن العموم متمسك به بشرط انتفاء ~~قرينة مخصصة أو بشرط اقتران قرينة مسوية بين المسميات، ولم يصرح الصحابة ~~بحقيقة هذه المسألة ومجرى الخلاف فيها، وأنه متمسك به بشرط انتفاء المخصص ~~لا بشرط وجود القرينة المسوية. # شبه أرباب الخصوص ذهب قوم إلى أن لفظ الفقراء والمساكين والمشركين ينزل ~~على أقل الجمع، واستدلوا بأنه القدر المستيقن دخوله تحت اللفظ. والباقي ~~مشكوك فيه، ولا سبيل إلى إثبات حكم بالشك، وهذا استدلال فاسد، لان كون هذا ~~القدر مستيقنا لا يدل على كونه مجازا في الزيادة، والخلاف في أنه لو أريد ~~به الزيادة لكان حقيقة أو مجازا، فإن الثلاثة مستيقنة من لفظ العشرة، ولا ~~يوجب كونه مجازا في الباقي وكون ارتفاع الحرج معلوما من صيغة الامر لا يوجب ~~كونه مجازا في الوجوب والندب، وكون الواحد مستيقنا من لفظ الناس ~~PageV00P229 # لا يوجب كونه مجازا في الباقي، وكون الندب مستيقنا من الامر لا يوجب كونه ~~مجازا في الوجوب، وكون الفعلة الواحدة مستيقنة في الامر لا يوجب كونه مجازا ~~في التكرار، وكون البدار معلوما في الامر لا يوجب كونه مجازا في التراخي، ~~ثم نقول: هذا متناقض، لان قولهم: # إن الثلاثة هو المفهوم فقط، يناقض قولهم: الباقي مشكوك، لأنه إن كان هو ~~المفهوم فقط فالباقي غير داخل قطعا. وإن كانوا شاكين في الباقي، فقد شكوا ~~في نفس المسألة، فإن الخلاف في الباقي وأخطأوا في قولهم إن الثلاثة مفهومه ~~فقط. # شبه أرباب الوقف قد ذهب القاضي والأشعري وجماعة من المتكلمين إلى الوقف، ~~ولهم شبه ثلاث : الأولى: أن كون هذه الصيغ موضوعة للعموم لا يخلو إما أن ~~تعرف بعقل أو نقل، والنقل إما نقل عن أهل اللغة أو نقل عن الشارع، وكل واحد ~~إما آحاد وإما تواتر، والآحاد لا حجة فيها، والتواتر لا يمكن دعواه، فإنه ~~لو كان لأفاد علما ضروريا، والعقل لا مدخل له في اللغات وهلم جرا، إلى ms358 تمام ~~الدليل الذي سقناه في بيان أن صيغة الامر مترددة بين الايجاب والندب، ~~الاعتراض: أن هذا مطالبة بالدليل، وليس بدليل، ومسلم أنه إن لم يدل دليل، ~~فلا سبيل إلى القول به، وسنذكر وجه الدليل عليه إن شاء الله. # الثانية: إنا لما رأينا العرب تستعمل لفظ العين في مسمياته، ولفظ اللون ~~في السواد والبياض والحمرة، استعمالا واحدا متشابها، قضينا بأنه مشترك، فمن ~~ادعى أنه حقيقة في واحد ومجاز في الآخر فهو متحكم، وكذلك رأيناهم يستعملون ~~هذه الصيغ للعموم والخصوص جميعا بل استعمالهم لها في الخصوص أكثر، فقلما ~~وجد في الكتاب والسنة والكلمات المطلقة في المحاورات ما لا يتطرق إليه ~~التخصيص، فمن زعم أنه مجاز في الخصوص حقيقة، في العموم كان كمن قال: هو ~~حقيقة في الخصوص مجاز في العموم، والقولان متقابلان فيجب تدافعهما ~~والاعتراف بالاشتراك. الاعتراض: إن هذا أيضا يرجع إلى المطالبة بالدليل ~~وليس بدليل، لان العرب تستعمل المجاز والحقيقة كما تستعمل اللفظ المشترك، ~~ولم تقيموا دليلا على أن هذا ليس من قبيل المجاز والحقيقة بل طالبتم ~~بالدليل على أن هذا ليس من المشترك. # الشبهة الثالثة: قولهم: إنه كم يحسن الاستفهام في قوله: افعل إنه للوجوب ~~أو الندب، فيحسن الاستفهام في صيغ الجمع أنه أريد به البعض أو الكل، فإنه ~~إذا قال السيد لعبده من أخذ مالي فأقتله، يحسن أن يقول: وإن كان أباك أو ~~ولدك، فيقول: لا أو نعم، ويقول: من أطاعني فأكرمه، فيقول وإن كان كافرا أو ~~فاسقا فيقول: لا أو نعم، فكل ذلك مما يحسن، فلو قال اقتل كل مشرك، فيقول: ~~والمؤمن أيضا اقتله أم لا؟ فلا يحسن هذا الاستفهام لظهور التجوز به عن ~~الخصوص، قلنا: المجاز إذا كثر استعماله كان للمستفهم الاحتياط في طلبه، أو ~~يحسن إذا عرف من عادة المتكلم أنه يهين الفاسق والكافر وإن أطاعه، ويسامح ~~الأب PageV00P230 # في بذل المال والقرينة تشهد للخصوص واللفظ يشهد للعموم ويتعارض ما يورث ~~الشك فيحسن الاستفهام. # بيان الطريق المختار عندنا في إثبات العموم أعلم أن هذ النظر لا يختص ms359 ~~بلغة العرب، بل هو جار في جميع اللغات، لان صيغ العموم محتاج إليها في جميع ~~اللغات، فيبعد أن يغفل عنها جميع أصناف الخلق، فلا يضعونها مع الحاجة ~~إليها، ويدل على وضعها توجه الاعتراض على من عصى الامر العام، وسقوط ~~الاعتراض عمن أطاع، ولزوم النقض والخلف عن الخبر العام، وجواز بناء ~~الاستحلال على المحللات العامة، فهذه أمور أربعة تدل على الغرض، وبيانها: ~~أن السيد إذا قال لعبده: من دخل اليوم داري فأعطه درهما أو رغيفا، فأعطى كل ~~داخل لم يكن للسيد أن يعترض عليه، فإن عاتبه في إعطائه واحدا من الداخلين ~~مثلا وقال: لم أعطيت هذا من جملتهم وهو قصير، وإنما أردت الطوال أو هو ~~أسود، وإنما أردت البيض فللعبد أن يقول ما أمرتني بإعطاء الطوال ولا البيض، ~~بل بإعطاء من دخل، وهذا داخل، فالعقلاء إذا سمعوا هذا الكلام في اللغات ~~كلها أو إعتراض السيد ساقطا وعذر العبد متوجها، وقالوا للسيد: أنت أمرته ~~بإعطاء من دخل وهذا قد دخل ولو أنه أعطى الجميع إلا واحدا فعاتبه السيد ~~وقال: لم لم تعطه؟ فقال العبد: لان هذا طويل أو أبيض، وكان لفظك عاما فقلت: ~~لعلك أردت القصار أو السود، استوجب التأديب بهذا الكلام، وقيل له: مالك ~~وللنظر إلى الطول واللون، وقد أمرت بإعطاء الداخل، فهذا معنى سقوط الاعتراض ~~عن المطيع وتوجهه على العاصي، وأما النقض على الخبر فإذا قال ما رأيت اليوم ~~أحدا وكان قد رأى جماعة كان كلامه خلفا منقوضا وكذبا، فإن أردت أحدا غير ~~تلك الجماعة كان مستنكرا، وهذه كصيغ الجميع فإن النكرة في النفي تعم عند ~~القائلين بالعموم، ولذلك قال الله تعالى: # * (إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شئ قل من أنزل الكتاب الذي جاء به ~~موسى نورا وهدى للناس) * (الانعام: 19) وإنما أورد هذا نقضا على كلامهم، ~~فإن لم يكن عاما فلم ورد النقض عليهم؟ فإن هم أرادوا غير موسى فلم لزم دخول ~~موسى تحت اسم البشر، وأما الاستحلال بالعموم، فإذا قال الرجل: أعتقت عبيدي ~~وإمائي ومات عقيبه، ms360 جاز لمن سمعه أن يزوج من أي عبيده شاء، ويتزوج من أي ~~جواريه شاء بغير رضا الورثة، وإذا قال العبيد الذين هم في يدي ملك فلان، ~~كان ذلك إقرارا محكوما به في الجميع وبناء الاحكام على أمثال هذه العمومات ~~في سائر اللغات لا ينحصر، ولا خلاف في أنه لو قال: أنفق على عبدي غانم أو ~~على زوجتي زينب، أو قال: غانم حر، وزينب طالق، وله عبدان اسمهما غانم، ~~وزوجتان اسمهما زينب، فتجب المراجعة والاستفهام، لأنه أتى باسم مشترك غير ~~مفهوم، فإن كان لفظ العموم فيما وراء أقل الجمع مشتركا فينبغي أن يجب ~~التوقف على العبد إذا أعطى ثلاثة ممن دخل الدار، وينبغي أن يراجع في ~~الباقي، وليس كذلك عند العقلاء كلهم في اللغات كلها، فإن قيل: إن سلم لكم ~~ما ذكرتموه فإنما يسلم بسبب القرائن لا بمجرد اللفظ، فإن عرى عن القرائن ~~فلا يسلم، قلنا: كل قرينة قدرتموها فعلينا أن نقدر نفيها أو يبقى حكم ~~الاعتراض والنقض كما سبق، فإن غايتهم أن يقولوا: إذا قال: أنفق على عبيدي ~~وجواري في غيبتي، وكان PageV00P231 # مطيعا بالانفاق على الجميع لأجل قرينة لحاجة إلى النفقة، أو أعط من دخل ~~داري، فهو بقرينة إكرام الزائر، فهذا وما يجري مجراه إذا قدروه فسبيلنا أن ~~نقدر أضدادها، فإنه لو قال: # لا تنفق على عبيدي وزوجاتي كان عاصيا بالانفاق مطيعا بالتضييع، ولو قال: ~~اضربهم، لم يكن عليه أن يقتصر على ثلاثة، بل إذا ضرب جميعهم عد مطيعا، ولو ~~قال: من دخل داري فخذ منه شيئا، بقي العموم، بل نقدر ما لا غرض في نفيه ~~وإثباته، فلو قال: من قال من عبيدي جيم فقل له صاد، ومن قال من جواري ألف ~~فأعتقها فامتثل أو عصى، كان ما ذكرناه من سقوط الاعتراض وتوجهه جاريا، بل ~~نعلم قطعا أنه لو ورد من صادق عرف صدقه بالمعجزة، ولم يعش إلا ساعة من ~~نهار، وقال في تلك الساعة: من سرق فأقطعوه، ومن زنى فاضربوه والصلاة واجبة ~~على كل عاقل بالغ، وكذلك الزكاة، ومن ms361 قتل مسلما فعلية القصاص، ومن كان له ~~ولد فعليه النفقة، ومات عقيب هذا الكلام ولم نعرف له عادة ولا أدركنا من ~~أحواله قرينة ولا صدر منه سوى هذه الألفاظ إشارة ورمزا ولا ظهر في وجهه ~~حالة، لكنا نحكم بهذه الألفاظ ونتبعها، ولا يقال: جاء بألفاظ مشتركة مجملة ~~ومات قبل أن يبينها، فلا يمكن العمل بها، ولو قدروا قرينة في نطقه وصورة ~~حركته عند كلامه فليقدر أنه كتب في كتاب وسلمه إلينا وقال: اعملوا بما فيه ~~ومات، وإن قدروا قرينة مناسبة بين هذه الجنايات والعقوبات فنقدر أمورا لا ~~مناسبة فيها، كحروف المعجم، فإذا قال: من قال لكم ألف فقولوا جيم وأمثاله، ~~فيكون جميع ذلك مفهوما معمولا به، وكل قرينة قدروها فنقدر نفيها ويبقى ما ~~ذكرنا بمجرد اللفظ، وبهذا تبين أن الصحابة إنما تمسكوا بالعمومات بمجرد ~~اللفظ وانتفاء القرائن المخصصة، لا أنهم طلبوا قرينة معممة وتسوية بين أقل ~~الجمع والزيادة، فإن قيل: إذا قال: من دخل داري فأعطه، فيحسن أن يقال: ولو ~~كان كافرا فاسقا، فربما يقول نعم، وربما يقول لا، فلو عم اللفظ فلم حسن ~~الاستفهام؟ قلنا: لا يحسن أن يقال: وإن كان طويلا أو أبيض أو محترفا وما ~~جرى مجراه، وإنما حسن السؤال عن الفاسق، لأنه يفهم من الاعطاء الاكرام، ~~ويعلم من عادته أنه لا يكرم الفاسق، أو علم من عادة الناس ذلك فتوهم أنه ~~يقتدي بالناس فيه، فلتوهم هذه القرينة المخصصة حسن منه السؤال، ولذلك لم ~~يحسن في سائر الصفات، ولذلك لو لم يراجع وأعطى الفاسق وعاتبه السيد فله أن ~~يقول: أمرتني بإعطاء كل داخل وهذا قد دخل فيقول السيد: كان ينبغي أن تعرف ~~بعقلك أن هذا إكرام، والفاسق لا يكرم، فيتمسك بقرينة مخصصة، فربما يكون ~~مقبولا، فلو لم يقل هذا ولكن قال: كان لفظي مشتركا غير مفهوم ، فلم أقدمت ~~قبل السؤال؟ لم يكن هذا العتاب متوجها قطعا، فإن قيل فقد فرضتم الكلام في ~~أداة الشرط، وقد قال بعمومه من أنكر سائر العمومات، فما الدليل في سائر ~~الصور؟ قلنا: ms362 هذا يجري في (من) و (ما) و (متى) و (حيث) وأي وقت، وأي شخص ~~ونظائره، ويجري أيضا في النكرة في النفي، كقوله: ما رأيت أحدا مثل قوله ~~تعالى: * (ما أنزل الله على بشر من شئ) * (الانعام: 19) وكذلك في قولهم: ~~(كل) و (جميع) و (أجمعون) بل هو أظهر، وهو النوع الثالث، وكذلك في النوع ~~الرابع وهي صيغ الجموع، كالفقراء والمساكين، وهذا أيضا جار فيه، فإنه إذا ~~قال لعبده: أعط الفقراء واقتل المشركين، واقتصر على هذا، وانتفت القرائن ~~PageV00P232 # جري حكم الطاعة والعصيان، وتوجه الاعتراض وسقوطه كما سبق، وهو جار في كل ~~جمع إلا في بعض الجموع المبنية للتقليل، كما ورد على وزن الافعال كالأثواب، ~~والأفعلة كالأرغفة، والافعل كالأكلب، والفعلة كالصبية، وقد قال سيبويه: ~~جميع هذا للتقليل وما عداه للتكثير، وقيل أيضا جمع السلامة للتقليل، وهذا ~~بعيد، لا سيما فيما ليس فيه جمع مبني للتكثير وجمع القلة أيضا لا يتقدر ~~المراد منه، بل يختلف ذلك بالقرائن والأحوال، إلا أنه ليس موضوعا ~~للاستغراق. وأما النوع الخامس: وهو الاسم المفرد إذا دخل عليه الألف واللام ~~فهذا فيه نظر، وقد اختلفوا فيه، والصحيح التفصيل، وهو أنه ينقسم إلى ما ~~يتميز فيه لفظ الواحد عن الجنس بالهاء، كالتمرة والتمر، والبرة والبر، فإن ~~عري عن الهاء فهو للاستغراق، فقوله: لا تبيعوا البر بالبر، ولا التمر ~~بالتمر يعم كل بر وتمر، وما لا يتميز بالهاء ينقسم إلى ما يتشخص ويتعدد، ~~كالدينار والرجل، حتى يقال: دينار واحد ورجل واحد، وإلى ما لا يتشخص واحد ~~منه ، كالذهب، إذ لا يقال: ذهب واحد فهذا لاستغراق الجنس، أما الدينار ~~والرجل فيشبه أن يكون للواحد والألف واللام فيه للتعريف فقط، وقولهم: ~~الدينار أفضل من الدرهم يعرف بقرينة التسعير، ويحتمل أن يقال: هو دليل على ~~الاستغراق فإنه لو قال: لا يقتل المسلم بالكافر ولا يقتل الرجل بالمرأة فهم ~~ذلك في الجميع فإنه لو قد حيث لا مناسبة فلا يخلو عن الدلالة على الجنس. # القول في العموم إذا خص هل يصير مجازا في الباقي وهل يبقى ms363 حجة وهما ~~نظران: # أما صيرورته مجازا فقد اختلفوا فيه على أربعة مذاهب. فقال قوم: يبقى ~~حقيقة، لأنه كان متناولا لما بقي حقيقة، فخروج غيره عنه لا يؤثر، وقال قوم: ~~يصير مجازا لأنه وضع للعموم، فإذا أريد به غير ما وضع له بالقرينة كان ~~مجازا، وإن لم يكن هذا مجازا فلا يبقى للمجاز معنى، ولا يكفي تناوله مع ~~غيره، لأنه لا خلاف أنه لورد إلى ما دون أقل الجمع صار مجازا، فإذا قال: لا ~~تكلم الناس ثم قال: أردت زيدا خاصة كان مجازا، وإن كان هو داخلا فيه. وقال ~~قوم: هو حقيقة في تناوله مجاز في الاقتصار عليه، وهذا ضعيف، فإنه لورد إلى ~~الواحد كان مجازا مطلقا، لأنه تغير عن وضعه في الدلالة، فالسارق مهما صار ~~عبارة عن سارق النصاب خاصة فقد تغير الوضع واستعمل لا على الوجه الذي وضعته ~~العرب، وقد اختار القاضي في التفريع على مذهب أرباب العموم أنه صار مجازا، ~~لكن قال: إنما يصير مجازا إذا أخرج منه البعض بدليل منفصل من عقل أو نقل، ~~أما ما خرج بلفظ متصل كالاستثناء فلا يجعله مجازا، بل يصير الكلام بسبب ~~الزيادة المتصلة به كلاما آخر موضوعا لشئ آخر، فإنا نريد الواو والنون في ~~قولنا: مسلم، فنقول: مسلمون، فيدل على أمر زائد ولا نجعله مجازا، ونزيد ~~الألف واللام على قولنا: رجل، فنقول: الرجل، فيزيد فائدة أخرى وهي التعريف، ~~لأن هذه صارت صيغة أخرى بهذه الزيادة، فجاز أن يدل على معنى آخر، ولا فرق ~~بين أن نزيد حرفا أو كلمة، فإذا قال: يقطع السارق إلا من سرق دون النصاب، ~~كان مجموع هذا الكلام موضوعا للدلالة على ما دل عليه، فقوله تعالى: * (فلبث ~~فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما) * (العنكبوت: 41) دل على تسعمائة وخمسين لا ~~على سبيل المجاز، بل PageV00P233 # الوضع كذلك وضع، وكأن العرب وضعت عن تسعمائة وخمسين عبارتين إحداهما ألف ~~سنة إلا خمسين، والاخرى تسعمائة وخمسون، ويمكن أن يقال: ما صار عبارة ~~بالوضع عن هذا القدر بل بقي الألف للألف، والخمسون للخمسين، ms364 وإلا للرفع بعد ~~الاثبات، ونحن بعلم الحساب عرفنا أن هذا تسعمائة وخمسون، فإنا إذا وضعنا ~~ألفا ورفعنا خمسين علمنا مقدار الباقي بعلم الحساب، فلا نقول المجموع صار ~~عبارة موضوعة عن هذا العدد وهذا أدق وأحق، لا كزيادة الألف واللام والياء ~~والنون على المسلم، فإن تلك الزيادة لا معنى لها بغير اللفظ الأول. فإن ~~قيل: لو قال الله تعالى: * (براءة من الله ورسوله) *، فقال الرسول متصلا ~~به: إلا زيدا، فهل يكون هذا كالمتصل الذي لا يجعل لفظ المشركين مجازا في ~~الباقي؟ قلنا: # اختلفوا فيه، والظاهر أن هذا من غير المتكلم يجري مجرى الدليل المنفصل من ~~قياس العقل والنقل، ولهذا لو قال زيد، وقال غيره: قام، لا يصير خبرا حتى ~~يصدر من الأول قوله قام ، لان نظم الكلام إنما يكون من متكلم واحد، وذلك ~~يجعله خبرا، فإن قيل: فلو أخرج بالاستثناء عن لفظ المشركين الجميع إلا زيدا ~~فهل يصير لفظ المشركين مجازا؟ قلنا: نعم لأنه للجمع بالاتفاق، والخلاف في ~~أنه مستغرق أو غير مستغرق، فهو عند أرباب العموم عند الاستثناء لجمع غير ~~مستغرق دون الاستثناء لجمع مستغرق. وأما النظر الثاني في كونه حجة في ~~الباقي، فقد قال قوم من القائلين بالعموم: إنه لا يبقى حجة، بل صار مجملا، ~~وإليه ذهبت القدرية، لأنه إذا لم يترك على الوضع فلا يبقى للفهم معتمد سوى، ~~القرينة، وتلك القرينة غير معينة فلا يهتدي إليها، ومن هؤلاء من قال: أقل ~~الجمع يبقى لأنه مستيقن، واحتج القائلون بكونه مجملا بأن السارق إذا خرج ~~منه سارق ما دون النصاب والسارق من غير الحرز ومن يستحق النفقة وغير ذلك ~~فبم يفهم المراد منه على سبيل الحصر وقد خرج الوضع من أيدينا، ولا قرينة ~~تفصل وتحصر فيبقى مجملا؟ والصحيح أنه يبقى حجه إلا إذا استثنى منه مجهولا، ~~كما لو قال: اقتلوا المشركين إلا رجلا أما إذا استخرج منه معلوم فإنه يبقى ~~دليلا في الباقي، ولاجله تمسك الصحابة بالعمومات وما من عموم: إلا وقد تطرق ~~إليه التخصيص، وهذا لان لفظ السارق يتناول ms365 كل سارق بالوضع لولا دليل مخصوص، ~~والدليل المخصوص صرف دلالته عن البعض، ولا مسقط لدلالته في الباقي، نعم: لا ~~يدل اللفظ على إخراج ما خرج، فافتقر إلى دليل مخرج، وقصوره عنه لا يدل على ~~قصوره عن تناول الباقي، فمن قال: # أعتق رقبة ثم قال: لا تعتق معيبة ولا كافرة، لم يخرج به كلامه الأول عن ~~كونه مفهوما، والرجوع في هذا إلى عادة اللسان وأهل اللغة وعادات الصحابة إذ ~~لم يطرحوا جميع عمومات الكتاب والسنة لتطرق التخصيص إليها، وعلى الجملة: ~~كلام الواقفية في العموم المخصص أظهر لا محالة، فإن قيل: قد سلمتم أنه صار ~~مجازا، فيفتقر العمل به إلى دليل، إذا المجاز لا يعمل به إلا بدليل؟ قلنا: ~~هو حقيقة في وضعه، والدليل المخصص هو الذي جعله مجازا، أما سقوط دلالة ~~المجاز فلا وجه له لا سيما المجاز المعروف، فإنا نتمسك به بغير دليل زائد، ~~كقوله تعالى: * (أو جاء أحد منكم من الغائط) * (المائدة: 6)، (النساء: 34) ~~فإنه وإن كان مجازا فهو معروف، وكذلك التفهيم بالعمومات المخصصة معروف في ~~اللسان ولا يمكن اطراحه. PageV00P234 # الباب الثاني في تمييز ما يمكن دعوى العموم فيه عما لا يمكن وفيه مسائل: # - مسألة (بيان العموم) إنما يمكن دعوى العموم فيما ذكره الشارع على سبيل ~~الابتداء، أما ما ذكره في جواب السائل فإنه ينظر، فإن أتى بلفظ مستقل لو ~~ابتدأ به كان عاما كما سئل عن بئر بضاعة، فقال: خلق الله الماء طهورا لا ~~ينجسه شئ إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه وكما سئل عن ماء البحر فقال: هو ~~الطهور ماؤه الحل ميتته وأما إذا لم يكن مستقلا نظر، فإن لم يكن لفظ السائل ~~عاما فلا يثبت العموم للجواب، كما لو قال السائل: توضأت بماء البحر، فقال: ~~يجزيك، أو قال: وطئت في نهار رمضان، فقال: أعتق رقبة، فهذا لا عموم له، ~~لأنه خطاب مع شخص واحد، وإنما يثبت الحكم في حق غيره، بدليل مستأنف من قياس ~~إذا ورد التعبد بالقياس أو تعلق بقوله عليه السلام، حكمي على ms366 الواحد حكمي ~~على الجماعة، وذلك بشرط أن يكون حال غيره مثل حاله في كل وصف مؤثر في الحكم ~~حتى لا يفترقا إلا في الشخص، والأحوال التي لا مدخل لها في التفرقة من ~~الطول واللون وأمثاله، والذكورة والأنوثة ، كالطول واللون في بعض الأحكام ~~كالعتق، ولذلك قلنا: حكمه في العبد بالسراية حكم في الأمة، وفي باب ولاية ~~النكاح ليس كذلك، إذ عرف من الشرع ترك الالتفات إلى الذكورة والأنوثة في ~~العتق والرق، ولم يعرف ذلك في النكاح، ولذلك نقول روي في الصحيح أن أبا بكر ~~رضي الله عنه أم بالناس في مرض النبي (ص)، فخرج عليه السلام وهو في أثناء ~~الصلاة فهم بأن يتخلف، فأشار عليه بالمنع ووقف بجانبه، واقتدى أبو بكر ~~بالنبي عليه السلام واستمر الناس على الاقتداء بأبي بكر رضي الله عنه، وصلى ~~الناس بصلاة أبي بكر، وصلى أبو بكر بصلاة النبي عليه السلام وفيه اقتداء ~~الامام بغيره، واقتداء الناس بالمقتدى بغيره، وليس يظهر لنا أن غير رسول ~~الله (ص) في معنى النبي عليه السلام فإن التقدم عليه مع حضوره مستبعد فيما ~~يرجع إلى الامام، وللنبوة فيها تأثير، وهذا فعل خاص لا عموم له، ودعوى ~~الالحاق تحكم مع ظهور الفرق ولا عموم يتعلق به، بل قوله لعبد الرحمن بن ~~عوف: البس الحرير ولأبي بردة بن نيار في الأضحية بجذعة من الضان تجزيك ~~وإذنه للعرنيين بشرب أبوال الإبل وقوله لعمر: مره فليراجعها إلا عموم لشئ ~~منه، فيفتقر تعميمه إلى دليل مستأنف من قياس أو غيره أما ما نقل من اقتداء ~~الناس بأبي بكر مع اقتدائه بالنبي عليه السلام فيحتمل أن مقتدي الكل كان ~~بالنبي عليه السلام، وكان أبو بكر سفيرا برفع الصوت بالتكبيرات. أما إذا ~~كان لفظ السائل عاما نزل منزلة عموم لفظ الشارع، كما لو سأله سائل عمن أفطر ~~في نهار رمضان فقال: أعتق رقبة، كان كما لو قال: من أفطر في نهار رمضان ~~أعتق رقبة، لأنه يجيب عن السؤال، فلا يكون الجواب إلا مطابقا للسؤال أو أعم ~~منه، فأما ms367 أخص منه فلا، أما لو قال السائل: أفطر زيد في نهار رمضان، فقال: ~~عليه عتق رقبة: أو قال: طلق ابن عمر زوجته، فقال: مره فليراجعها فهذا لا ~~عموم له، فلعله عرف من حاله ما يوجب العتق والمراجعة عليه خاصة، ولا نعرف ~~ما تلك الحال ومن الذي يساويه فيها، ولا يدري أنه أفطر عمدا أو سهوا أو ~~بأكل أو جماع، فإن قيل: ترك الاستفصال مع تعارض الأحوال يدل على عموم ~~الحكم، وهذا من كلام الشافعي، قلنا: من أين تحقق PageV00P235 # ذلك، ولعله عليه السلام عرف خصوص الحال فأجاب بناء على معرفته ولم ~~يستفصل، فهذا تقرير عموم بالوهم المجرد. # - مسألة (ورود العام على سبب خاص لا يسقط دعوى العموم، كقوله (صلى الله ~~عليه وسلم) حيث مر بشاة ميمونة: أيما إهاب دبغ فقد طهر وقال قوم: يسقط ~~عمومه، وهو خطأ، نعم: يصير احتمال التخصيص أقرب، ويقنع فيه بدليل أخف ~~وأضعف، وقد يعرف بقرينة اختصاصه بالواقعة، كما إذا قيل: كلم فلانا في ~~واقعة، فقال: والله لا أكلمه أبدا، فإنه يفهم بالقرينة أنه يريد ترك الكلام ~~في تلك الواقعة لا على الاطلاق، والدليل على بقاء العموم أن الحجة في لفظ ~~الشارع لا في السؤال والسبب، ولذلك يجوز أن يكون الجواب معدولا عن سنن ~~السؤال، حتى لو قال السائل: أيحل شرب الماء وأكل الطعام والاصطياد؟ فيقول: ~~الاكل واجب والشرب مندوب، والصيد حرام، فيجب اتباع هذه الأحكام وإن كان فيه ~~خطر، ووجوب والسؤال وقع عن الإباحة فقط، وكيف ينكر هذا وأكثر أصول الشرع ~~خرجت على أسباب ، كقوله تعالى: * (لبئس) * (المائدة: 83) نزل في سرقة المجن ~~أو رداء صفوان ، ونزلت آية الظهار في سلمة بن صخر، وآية اللعان في هلال بن ~~أمية، وكل ذلك على العموم. # وشبه المخالفين ثلاث: الأولى: أنه لو لم يكن للسبب تأثير والنظر إلى ~~اللفظ خاصة فينبغي أن يجوز إخراج السبب بحكم التخصيص عن عموم المسميات، كما ~~لو لم يرد على سبب، قلنا: لا خلاف في أن كلامه بيان للواقعة، لكن الكلام في ~~أنه بيان له ms368 خاصة أوله ولغيره، واللفظ يعمه ويعم غيره، وتناوله له مقطوع به ~~وتناوله لغيره ظاهر، فلا يجوز أن يسأل عن شئ فيجيب عن غيره، نعم: يجوز أن ~~يجيب عنه وعن غيره، ويجوز أيضا أن يجيب عن غيره بما ينبه على محل السؤال، ~~كما قال لعمر: أرأيت لو تمضمضت، وقد سأله عن القبلة وقال للخثعمية، أرأيت ~~لو كان على أبيك دين فقضيته. الشبهة الثانية: إنه لو لم يكن للسبب مدخل لما ~~نقله الراوي، إذ لا فائدة فيه، قلنا: فائدته معرفة أسباب التنزيل والسير ~~والقصص واتساع علم الشريعة، وأيضا: امتناع إخراج السبب بحكم التخصيص ~~بالاجتهاد، ولذلك غلط أبو حنيفة رحمه الله في إخراج الأمة المستفرشة من ~~قوله: الولد للفراش، والخبر إنما ورد في وليدة زمعة، إذ قال عبد بن زمعة: ~~هو أخي وابن وليدة أبي، ولد على فراشه، فقال عليه السلام: الولد للفراش ~~وللعاهر الحجر فأثبت للأمة فراشا، وأبو حنيفة لم يبلغه السبب، فأخرج الأمة ~~من العموم. الشبهة الثالثة: إنه لولا أن المراد بيان السبب لما أخر البيان ~~إلى وقوع الواقعة، فإن الغرض إذا كان تمهيد قاعدة عامة فلم أخرها إلى وقوع ~~واقعة؟ قلنا: ولم قلتم: لا فائدة في تأخيره، والله تعالى أعلم بفائدته، ولم ~~طلبتم لافعال الله فائدة؟ بل لله تعالى أن ينشئ التكليف في أي وقت شاء، ولا ~~يسأل عما يفعل، ثم نقول: لعله علم أن تأخيره إلى الواقعة لطف ومصلحة ~~للعباد، داعية إلى الانقياد، ولا يحصل ذلك بالتقديم والتأخير، ثم نقول: ~~يلزم لهذه العلة اختصاص الرجم بما عز، والظهار واللعان، وقطع السرقة ~~بالاشخاص الذين ورد فيهم، لان الله تعالى آخر البيان إلى وقوع وقائعهم، ~~وذلك خلاف الاجماع. PageV00P236 # - مسألة (العموم للألفاظ دون المعاني) المقتضى لا عموم له، وإنما العموم ~~للألفاظ لا للمعاني، فتضمنها من ضرورة الألفاظ، بيانه: أن قوله: لا صيام ~~لمن لم يبيت الصيام ظاهره ينفي صورة الصوم حسا، لكن وجب رده إلى الحكم، وهو ~~نفي الاجزاء أو الكمال، وقد قيل: إنه متردد بينهما، فهو مجمل، وقيل إنه عام ~~لنفي ms369 الاجزاء والكمال، وهو غلط، نعم: لو قال: لا حكم لصوم بغير تبييت، لكن ~~الحكم لفظا عاما في الاجزاء والكمال، أما إذا قال لا صيام، فالحكم غير ~~منطوق به، وإنما أثبت ذلك من طريق الضرورة، وكذلك قوله عليه السلام: رفع عن ~~أمتي الخطأ والنسيان معناه حكم الخطأ والنسيان ولا عموم له، ولو قال: لا ~~حكم للخطأ لأمكن حمله على نفي الاثم والغرم وغير ذلك، لا على العموم في ~~الاجزاء والكمال، لان الاجزاء الصحة إذا انتفيا كان انتفاء الكمال ضرورة، ~~وإنما العموم ما يشتمل على معنيين يمكن انتفاء كل واحد منهما دون الآخر. # - مسألة (العام في الفعل المتعدي) الفعل المتعدي إلى مفعول اختلفوا في ~~أنه بالإضافة إلى مفعولاته هل يجري مجرى العموم؟ فقال أصحاب أبي حنيفة: لا ~~عموم له، حتى لو قال: والله لا آكل، ونوى طعاما بعينه، أو قال: إن أكلت ~~فأنت طالق، ونوى طعاما بعينه، لم يقبل، وكذلك إذا نوى بالضرب آلة بعينها، ~~واستدل أصحاب أبي حنيفة بأن هذا من قبيل المقتضى، فلا عموم له، لان الاكل ~~يستدعي مأكولا بالضرورة، لا أن اللفظ تعرض له، فما ليس منطوقا لا عموم له، ~~فالمكان للخروج، والطعام للاكل، والآلة للضرب، كالوقت للفعل، والحال ~~للفاعل، ولو قال: أنت طالق، ثم قال: أردت به إن دخلت الدار، أو أردت به يوم ~~الجمعة، لم يقبل، وكذلك قالوا: لو نوى بقوله: أنت طالق عددا، لم يجزه، وجوز ~~أصحاب الشافعي ذلك، والانصاف أن هذا ليس من قبيل المقتضى، ولا هو من قبيل ~~الوقت، والحال فإن اللفظ المعتدي إلى المفعول يدل على المفعول بصيغته ~~ووضعه، فأما الحال والوقت فمن ضرورة وجود الأشياء، لكن لا تعلق بها ~~بالألفاظ، والمقتضى هو ضرورة صدق الكلام، كقوله: لا صيام، أو ضرورة وجود ~~المذكور كقوله: أعتق عني، فإنه يدل على حصول الملك قبله لا من حيث اللفظ، ~~لكن من حيث كون الملك شرطا لتصور العتق شرعا، أما الاكل فيدل على المأكول ~~والضرب على الآلة والخروج على المكان وتتشابه نسبته إلى الجميع فهو بالعموم ~~أشبه، ms370 فإن قيل: لا خلاف في أنه لو أمر بالاكل والضرب والخروج كان ممتثلا ~~بكل طعام وبكل آلة وكل مكان ولو علق العتق حصل بالجميع، فهذا يدل على ~~العموم، قلنا: ليس ذلك لأجل العموم، ولكن لأجل أن ما علق عليه وجد، والآلة ~~والمكان والمأكول غير متعرض له أصلا، حتى لو تصور هذه الأفعال دون الطعام ~~والآلة والمكان والمأكول يحصل الامتثال، وهو كالوقت والحال فإنه إن أكل وهو ~~داخل في الدار أو خارج وراكب أو راجل حنث وكان ممتثلا لا لعموم اللفظ، لكن ~~لحصول الملفوظ في الأحوال كلها، وإنما تظهر فائدة العموم في إرادة بعض هذه ~~الأمور، وإلا ظهر عندنا جواز نية البعض، وأنه جار مجرى العموم ومفارق ~~للمقتضى كما ذكرنا . - مسألة (العموم في الافعال) لا يمكن دعوى العموم في ~~الفعل، لان الفعل لا يقع إلا على وجه معين، فلا يجوز أن يحمل على كل وجه ~~يمكن أن يقع عليه، لان سائر الوجوه متساوية بالنسبة إلى PageV00P237 # محتملاته، والعموم ما يتساوى بالنسبة إلى دلالة اللفظ عليه، بل الفعل ~~كاللفظ المجمل المتردد بين معان متساوية في صلاح اللفظ، ومثاله ما روي عن ~~النبي (ص) أنه صلى بعد غيبوبة الشفق، فقال قائل: الشفق شفقان: الحمرة ~~والبياض، وأنا أحمله على وقوع صلاة رسول الله (ص) بعدهما جميعا، وكذلك صلى ~~رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في الكعبة، فليس لقائل أن يستدل به على ~~جواز الفرض في البيت، مصيرا إلى أن الصلاة تعم النفل والفرض، لأنه إنما يعم ~~لفظ الصلاة لا فعل الصلاة، أما الفعل فإما أن يكون فرضا فلا يكون نفلا أو ~~يكون نفلا فلا يكون فرضا. # - مسألة (هل الفعل النبي (ص) عموم؟) فعل النبي عليه السلام كما لا عموم ~~له بالإضافة إلى أحوال الفعل، فلا عموم له بالإضافة إلى غيره، بل يكون خاصا ~~في حقه إلا أن يقول: أريد بالفعل بيان حكم الشرع في حقكم، كما قال: صلوا ~~كما رأيتموني أصلي بل نزيد ونقول قوله تعالى: * (يا أيها النبي اتق الله) * ~~(الأحزاب: 1) وقوله: * (لئن أشركت ms371 ليحبطن عملك) * (الزمر: 56) مختص به بحكم ~~اللفظ، وإنما يشاركه غيره بدليل لا بموجب هذا اللفظ، كقوله: * (يا أيها ~~الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك) * (المائدة: 76) وقوله تعالى: * (فاصدع ~~بما تؤمر) * (الحجر: 49). # وقال قوم: ما ثبت في حقه فهو ثابت في حق غيره إلا ما دل الدليل على أنه ~~خاص به، وهذا فاسد، لان الاحكام إذ قسمت إلى خاص وعام فالأصل اتباع موجب ~~الخطاب، فما ثبت بمثل قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا) * و * (يا أيها ~~الناس) * و * (يا عبادي) * و * (يا أيها المؤمنون) * فيتناول النبي إلا ما ~~استثنى بدليل، وما ثبت للنبي كقوله: * (يا أيها النبي) * فيختص به إلا ما ~~دل الدليل على الالحاق، وقوله تعالى: * (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء) * ~~(الطلاق: 1) عام، لان ذكر النبي جرى في صدر الكلام تشريفا، وإلا فقوله: ~~طلقتم عام في صيغته، وكذلك قوله النبي (ص) لأبي هريرة: افعل، ولابن عمر ~~راجعها، خاص، إنما يشمل الحكم غيره بدليل آخر، مثل قوله: حكمي على الواحد ~~حكمي على الجماعة أو ما جرى مجراه. # - مسألة (هل النهي يقتضي العموم؟) قول الصحابي: نهى النبي عليه السلام عن ~~كذا، كبيع الغرر، ونكاح الشغار وغيره، لا عموم له، لان الحجة في المحكي، لا ~~في قول الحاكي ولفظه، وما رواه الصحابي من حكى النهي يحتمل أن يكون فعلا لا ~~عموم له نهى عنه النبي عليه السلام، ويحتمل أن يكون لفظا خاصا، ويحتمل أن ~~يكون لفظا عاما، فإذا تعارض الاحتمالات لم يكن إثبات العموم بالتوهم، فإذا ~~قال الصحابي: نهى عن بيع الرطب بالتمر، فيحتمل أن يكون قد رأى شخصا باع ~~رطبا بتمر، فنهاه، فقال الراوي ما قال، ويحتمل أن يكون قد سمع الرسول عليه ~~السلام ينهي عنه ويقول: أنهاكم عن بيع الرطب بالتمر، ويحتمل أن يكون قد سئل ~~عن واقعة معينة فنهى عنها، فالتمسك بعموم هذا تمسك بتوهم العموم لا بلفظ ~~عرف عمومه بالقطع، وهذا على مذهب من يرى هذا حجة في أصل النهي، وقد قال ~~قوم: لا بد أن يحكي ms372 الصحابي قول الرسول ولفظه، وإلا فربما سمع ما يعتقده ~~نهيا باجتهاده، ولا يكون نهيا، فإن قوله: لا تفعل فيه خلاف أنه للنهي أم ~~لا، وكذلك في ألفاظ أخر، وكذلك إذا قال: نسخ PageV00P238 # فلا يحتج به ما لم يقل سمعت النبي (ص) يقول نسخت آية كذا، لأنه ربما يرى ~~ما ليس بنسخ نسخا، وهذا قد ذكرناه في باب الاخبار وهو أصل السنة في القطب ~~الثاني. # - مسألة (هل قول الصحابي يقتضي العموم) قول الصحابي: قضى النبي (ص) ~~بالشفعة للجار وبالشاهد واليمين، كقوله نهى، في أنه لا عموم له، لان حكاية، ~~والحجة في المحكي، ولعله حكم في عين أو بخطاب خاص مع شخص، فكيف يتمسك ~~بعمومه، فيقال مثلا: يقضي بالشاهد واليمين في البضع، أو في الدم، لان ~~الراوي أطلق، مع أن للراوي أن يطلق هذا إذا رآه قد قضى في مال، أو في بضع، ~~بل لو قال الصحابي: سمعته يقول: قضيت بالشفعة للجار، فهذا يحتمل الحكاية عن ~~قضاء الجار معروف، ويكون الألف واللام للتعريف، وقوله: قضيت، حكاية فعل ~~ماض، فأما لو قال: قضيت بأن الشفعة للجار، فهذا أظهر في الدلالة على ~~التعريف للحكم دون الحكاية، ولو قال الراوي: قضى النبي عليه السلام بأن ~~الشفعة للجار اختلفوا فيه، فمنهم من جعله عاما، ومنهم من قال: يجوز أن يكون ~~قد قضى في واقعة بأن الشفعة للجار، فدعوى العموم فيه حكم بالتوهم. # - مسألة (لا عموم لواقعة الحال) لا يمكن دعوى العموم في واقعة لشخص معين ~~قضى فيها النبي عليه السلام بحكم وذكر علة حكمه أيضا إذا أمكن اختصاص العلة ~~بصاحب الواقعة، مثاله: حكمه في أعرابي محرم وقصت به ناقته: لا تخمروا رأسه ~~ولا تقربوه طيبا، فإنه يحشر يوم القيامة ملبيا فإنه يحتمل أن يقال: إما ~~لأنه وقصت به ناقته محرما لا بمجرد إحرامه، أو لأنه علم من نيته أنه كان ~~مخلصا في عبادته، وأنه مات مسلما وغيره لا يعلم موته على الاسلام، فضلا عن ~~الاخلاص، وكذلك قال عليه السلام في قتلي أحد: زملوهم بكلومهم ودمائهم فإنهم ms373 ~~يحشرون وأوداجهم تشخب دما يجوز أن يكون لقتلى أحد خاصة لعلو درجتهم، أو ~~لعلمه أنهم أخلصوا الله فهم شهداء حقا، ولو صرح بأن ذلك خاصيتهم قبل ذلك ~~فاللفظ خاص والتعميم وهم، والشافعي رحمه الله تعالى عمم هذا الحكم نظرا إلى ~~العلة، وأن ذلك كان بسبب الجهاد والاحرام، وأن العلة حشرهم على هذه الصفات، ~~وعلة حشرهم الجهاد أو الاحرام، وقد وقعت الشركة في العلة، وهذا أسبق إلى ~~الفهم، لكن خلافه وهو الذي اختاره القاضي ممكن، والاحتمال متعارض، والحكم ~~بأحد الاحتمالين، لأنه أسبق إلى الفهم فيه نظر، فإن الحكم بالعموم إنما أخذ ~~من العادة، ومن وضع اللسان ولم يثبت ههنا في مثل هذه الصورة لا وضع ولا ~~عادة فلا يكون في معنى العموم. # - مسألة (هل للمفهوم عموم؟) من يقول بالمفهوم قد يظن للمفهوم عموما ~~ويتمسك به، وفيه نظر لان العموم لفظ تتشابه دلالته بالإضافة إلى المسميات، ~~والمتمسك بالمفهوم والفحوى ليس متمسكا بلفظ بل بسكوت، فإذا قال عليه ~~السلام: في سائمة الغنم زكاة فنفي الزكاة في المعلوفة ليس بلفظ حتى يعم ~~اللفظ، أو يخص، وقوله تعالى: * (فلا تقل لهما أف) * (الاسراء: 32) دل على ~~تحريم الضرب لا بلفظه المنطوق به حتى يتمسك بعمومه، وقد ذكرنا أن العموم ~~للألفاظ لا للمعاني ولا للأفعال. PageV00P239 # مسألة (لا يقتضي العطف العموم) ظن قوم أن من مقتضيات العموم الاقتران ~~بالعام والعطف عليه، وهو غلط، إذ المختلفات قد تجمع العرب بينهما، فيجوز أن ~~يعطف الواجب على الندب، والعام على الخاص، فقوله تعالى: * (والمطلقات ~~يتربصن بأنفسهن) * (البقرة: 822) عام، وقوله بعد: # * (وبعولتهن أحق بردهن) * (البقرة: 822) في ذلك خاص وقوله تعالى: * (كلوا ~~من ثمره) * (الانعام: 141) إباحة، وقوله بعده: * (وآتوا حقه يوم حصاده) * ~~(الانعام: 141) إيجاب، وقوله تعالى: * (فكاتبوهم) * (النور: 33) استحباب، ~~وقوله: * ((24) وآتوهم من مال الله الذي آتاكم) * (النور: 33) إيجاب. # - مسألة (هل في المشترك عموم؟) الاسم المشترك بين مسميين لا يمكن دعوى ~~العموم فيه عندنا، خلافا للقاضي والشافعي، لان المشترك لم يوضع للجمع، ~~مثاله: القرء للطهر والحيض، والجارية للسفينة والأمة، والمشتري للكوكب ~~السعد وقابل البيع، ms374 والعرب ما وضعت هذه الألفاظ وضعا يستعمل في مسمياتها ~~إلا على سبيل البدل، أما على سبيل الجمع فلا، نعم: نسبة المشترك إلى ~~مسمياته متشابهة، ونسبة العموم إلى آحاد المسميات متشابهة، لكن تشابه نسبة ~~كل واحد من آحاد العموم على الجمع، ونسبة كل واحد من آحاد المشترك على ~~البدل، وتشابه نسبة المفهوم في السكوت عن الجمع لا في الدلالة، وتشابه نسبة ~~الفعل في إمكان وقوعه على كل وجه، إذ الصلاة المعينة إذا تلقيت من فعل ~~النبي عليه السلام أمكن أن تكون فرضا ونفلا وأداء وقضاء، وظهرا وعصرا، ~~والامكان شامل بالإضافة إلى علمنا، أما الواقع في نفسه وفي علم الله تعالى ~~واحد متعين لا يحتمل غيره، فهذه أنواع التشابه، والوهم سابق إلى التسوية ~~بين المتشابهات، وأنواع هذا التشابه متشابهة من وجه، فربما يسبق إلى بعض ~~الأوهام أن العموم كان دليلا لتشابه نسبة اللفظ إلى المسميات والتشابه ههنا ~~موجود فيثبت حكم العموم وهو غفلة عن تفصيل هذا التشابه، وإن تشابه نسبة ~~العموم إلى مسمياته في دلالته على الجمع بخلاف هذه الأنواع، احتج القاضي ~~بأنه لو ذكر اللفظ مرتين، وأراد في كل مرة معنى آخر جاز، فأي بعد في أن ~~يقتصر على مرة واحدة، ويريد به كلا المعنيين مع صلاح اللفظ للكل؟ # بخلاف ما إذا قصد بلفظ المؤمنين الدلالة على المؤمنين والمشركين جميعا، ~~فإن لفظ المؤمنين لا يصلح للمشركين بخلاف اللفظ المشترك فنقول: إن قصد ~~باللفظ الدلالة على المعنيين جميعا بالمرة الواحدة فهذا ممكن، لكن يكون قد ~~خالف الوضع كما في لفظ المؤمنين فإن العرب وضعت اسم العين للذهب والعضو ~~الباصر على سبيل البدل لا على سبيل الجمع، فإن قيل: اللفظ الذي هو حقيقة في ~~شئ مجاز في غيره، هل يطلق لإرادة معنييه جميعا مثل النكاح للوطئ والعقد ~~واللمس للجس وللوطئ حتى يحمل قوله: * (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء) ~~* (النساء: 22) على وطئ الأب وعقده جميعا، وقوله تعالى: * (أو لامستم ~~النساء) * (النساء: 34) على الوطئ والمس جميعا؟ قلنا: # هذا عندنا كاللفظ المشترك، وإن كان ms375 التعميم فيه أقرب قليلا، وقد نقل عن ~~الشافعي رحمه الله أنه قال: أحمل آية اللمس على المس والوطئ جميعا، وإنما ~~قلنا: إن هذا أقرب، لان المس مقدمة الوطئ، والنكاح أيضا يراد للوطئ، فهو ~~مقدمته، ولاجله أستعير للعقد اسم النكاح الذي PageV00P240 # وضعه للوطئ، واستعير للوطئ اسم اللمس، فلتعلق أحدهما بالآخر، ربما لا ~~يبعد أن يقصدا جميعا باللفظ المذكور مرة واحدة، لكن الاظهر عندنا أن ذلك ~~أيضا على خلاف عادة العرب، فإن قيل: فقد قال الله تعالى: * (إن الله ~~وملائكته يصلون على النبي) * (الأحزاب: 65)، والصلاة من الله مغفرة، ومن ~~الملائكة استغفار، وهما معنيان مختلفان والاسم مشترك، وقد ذكر مرة واحدة ~~وأريد به المعنيان جميعا، وكذلك قوله تعالى: * (ألم تر أن الله يسجد له من ~~في السماوات ومن في الأرض والشمس القمر والنجوم والجبال والشجر والدواب) ~~[الحج: 18] وسجود الناس غير سجود الشجر والدواب، بل هو في الشجر مجاز قلنا: ~~هذا يعضد ما ذكره الشافعي رحمه الله، ويفتح هذا الباب في معنيين يتعلق ~~أحدهما بالآخر، فإن طلب المغفرة يتعلق بالمغفرة، لكن الاظهر عندنا أن هذا ~~إنما أطلق على المعنيين بإزاء معنى واحد مشترك بين المعنيين، وهو العناية ~~بأمر الشئ لشرفه وحرمته، والعناية من الله مغفرة، ومن الملائكة استغفار ~~ودعاء، ومن الأمة دعاء وصلوات، وكذلك العذر عن السجود. # - مسألة (هل العبد مخاطب بالتكاليف الشرعية؟) ما ورد من الخطاب مضافا إلى ~~الناس والمؤمنين يدخل تحته العبد، كقوله تعالى: * (ولله على الناس حج ~~البيت) * (آل عمران: 79) وأمثاله، وقال قوم: لا يدخل تحته لأنه مملوك ~~للآدمي بتمليك الله تعالى: فلا يتناوله إلا خطاب خاص به، وهذا هوس لأنه لم ~~يخرج عن معظم التكاليف، وخروجه عن بعضها كخروج المريض والحائض والمسافر، ~~وذلك لا يوجب رفع العموم، فلا يجوز إخراجه إلا بدليل خاص. # - مسألة (هل الخطاب الشرعي يعم الكافر؟) يدخل الكافر تحت خطاب الناس وكل ~~لفظ عام، لأنا بينا أن خطابه بفروع العبادات ممكن، وإنما خرج عن بعضها ~~بدليل خاص، ومن الناس من أنكر ذلك، وهو باطل لما قررناه في ms376 أحكام التكاليف. # - مسألة (هل تدخل النساء في عموم الخطاب؟) يدخل النساء تحت الحكم المضاف ~~إلى الناس فأما المؤمنون والمسلمون وصيغ جمع الذكر اختلفوا فيه، فقال قوم: ~~تدخل النساء تحته، لان الذكور والإناث إذا اجتمعوا غلبت العرب التذكير، ~~واختار القاضي أنها لا تدخل، وهو الاظهر، لان الله تعالى ذكر المسلمين ~~والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات، فجمع الذكور متميز، نعم: إذا اجتمعوا في ~~الحكم وأراد الاخبار تجوز العرب الاقتصار على لفظ التذكير، أما ما ينشأ على ~~سبيل الابتداء ويخصه بلفظ المؤمنين فإلحاق المؤمنات إنما يكون بدليل آخر من ~~قياس، أو كونه في معنى المنصوص أو ما جرى مجراه. # - مسألة (هل تدخل الأمة عند خطاب الله للنبي (ص)؟) كما لا تدخل الأمة تحت ~~خطاب النبي (ص) في قوله: * (يا أيها النبي) * لا يدخل النبي تحت الخطاب ~~الخاص بالأمة، أما الخطاب بقوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا) * و * (يا ~~أيها الناس) * فيدخل النبي تحته لعموم هذه الألفاظ، وقال قوم: لا يدخل، ~~لأنه قد خص بالخطاب في أحكام، فلا يلزمه إلا الخطاب الذي يخصه، وهو فاسد، ~~PageV00P241 # لأنه قد خص المسافر والعبد والحائض والمريض بأحكام، ولا يمنع ذلك دخولهم ~~تحت العموم حيث يعم الخطاب، كذلك ههنا. # - مسألة (هل للمشافهة عموم؟) المخاطبة شفاها لا يمكن دعوى العموم فيها، ~~بالإضافة إلى جميع الحاضرين، فإذا قال لجميع نسائه الحاضرات: طلقتكن، ~~ولجميع عبيده: أعتقتكم، فإنما يكون مخاطبا من جملتهم من أقبل عليه بوجهه ~~وقصد خطابه، وذلك يعرف بصورته وشمائله والتفاته ونظره، فقد يحضره جماعة من ~~الغلمان من البالغين والصبيان فيقول: اركبوا معي، ويريد به أهل الركوب منهم ~~دون من ليس أهلا له، فلا يتناول خطابه إلا من قصده ولا يعرف قصده إلا بلفظه ~~أو شمائله الظاهرة، فلا يمكن دعوى العموم فيها، فنقول: على هذا كل حكم يدل ~~بصيغة المخاطبة، كقوله تعالى: * (يا أيها الذين أمنوا) * و * (يا أيها ~~المؤمنون) * و * (يا أيها الناس) * فهو خطاب مع الموجودين في عصر رسول الله ~~(ص)، وإثباته في حق من يحدث بعده بدليل زائد دال على ms377 أن كل حكم ثبت في ~~زمانه، فهو دائم إلى يوم القيامة على كل مكلف، ولولاه لم يقتض مجرد اللفظ ~~ذلك، ولما ثبت ذلك أفاد مثل هذه الألفاظ فائدة العموم لاقتران الدليل الآخر ~~بها لا بمجرد الخطاب، فإن قيل: فإذا كان الخطاب خاصا مع شخص مشافهة أو مع ~~جمع فهل يدل على العموم مثل قوله تعالى: * (وما أرسلناك إلا كافة للناس) * ~~(سبأ: 28) وقوله عليه السلام: بعثت إلى الناس كافة، وبعثت إلى الأحمر ~~والأسود، وقوله: حكمي على لواحد حكمي على الجماعة وقوله تعالى: * (واتقون ~~يا أولي الألباب) * (البقرة: 791) و * (يا أولي الابصار) * و * (يا أيها ~~الناس) * وأمثاله؟ قلنا: لا، بل عرف الصحابة عموم الحكم الثابت في عصره ~~للاعصار كلها بقرائن كثيرة، وعرفنا ذلك من الصحابة ضرورة، ومجرد هذه ~~الألفاظ ليست قاطعة، فإنه وإن كان مبعوثا إلى الكافة فلا يلزم تساويهم في ~~الاحكام، فهو مبعوث إلى الحر والعبد، والحائض والطاهر والمريض والصحيح، ~~ليعرفهم أحكامهم المختلفة، وكذلك قوله تعالى: * (لأنذركم به ومن بلغ) * ~~(الانعام: 91) أي ينذر كل قوم بل كل شخص بحكمه، فيكون شرعه عاما، وقوله: ~~حكمي على الواحد حكمي على الجماعة لا يتناول إلا عصره، فإن الجماعة عبارة ~~عن الموجودين فلا يتناول من بعده، فإن قيل: فهل يدل على عموم الحكم أنه كان ~~إذا أراد التخصيص خصص وقال: تجزئ عنك ولا تجزئ عن أحد بعدك وحلل الحرير ~~لعبد الرحمن بن عوف خاصة، قلنا: لا، لأنه ذكره حيث قدم عموما أو حيث توهم ~~أنهم يلحقون غيره به للتعبد بالقياس، وكذلك قوله تعالى: * (خالصة لك من دون ~~المؤمنين) * (الأحزاب: 05) لا يدل على أن الخطاب معه خطاب مع الأمة لمثل ما ~~ذكرناه. # - مسألة (التفريق بين العام والمجمل) من الصيغ ما يظن عموما، وهي إلى ~~الاجمال أقرب، مثل من يتمسك في إيجاب الوتر بقوله: * (وافعلوا الخير) * ~~(الحج: 77) مصيرا إلى أن ظاهر الامر الوجوب، والخير اسم عام وإخراج ما قام ~~الدليل على نفي وجوبه لا يمنع التمسك به، وكمن يستدل على منع قتل المسلم ~~بالذمي بقوله تعالى: * (ولن ms378 يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) ~~(النساء: 141) وأن ذلك يفيد منع السلطنة إلا ما دل عليه الدليل من الدية ~~والضمان والشركة وطلب الثمن وغيره، أو يستدل بقوله: * (لا يستوي أصحاب ~~النار وأصحاب الجنة) PageV00P242 # * (الحشر: 02) وأن إيجاب القصاص تسوية، وهذا كله مجمل، ولفظ الخير ولفظ ~~السبيل ولفظ " الاستواء " إلى الاجمال أقرب، وينضم إليه أن المستثنى من هذه ~~العمومات ليس داخلا تحت الحصر، وليس مضبوطا بضابط واحد ولا بضوابط محصورة، ~~وإن لم ينحصر المستثنى كان المستثني مجهولا وليس من هذا القبيل قوله: فيما ~~سقت السماء العشر وقد قال قوم: لا يتمسك بعمومه، لان المقصود ذكر الفصل بين ~~العشر ونصف العشر، وهذا فاسد لان صيغة ما صيغة شرط وضع للعموم بخلاف لفظ ~~السبيل والخير والاستواء، نعم: تردد الشافعي في قوله تعالى: * (وأحل الله ~~البيع) * (البقرة: 572) في أنه عام أو مجمل من حيث أن الألف واللام احتمل ~~أن يكون فيه للتعريف، ومعناه: وأحل الله البيع الذي عرف الشرع بشرطه. # - مسألة (هل المخاطب يندرج تحت العموم لمخاطب يندرج تحت الخطاب العام، ~~وقال قوم: لا يندرج تحت خطابه بدليل قوله تعالى: * (وهو رب كل شئ) * ~~(الانعام: 164)، ولا يدخل هو تحته وبدليل قول القائل لغلامه، من دخل الدار ~~فأعطه درهما، فإنه لا يحسن أن يعطي السيد، وهذا فاسد لان الخطاب عام، ~~والقرينة هي التي أخرجت المخاطب مما ذكروه، ويعارضه قوله: * (وهو بكل شئ ~~عليم) * (البقرة: 92) وهو عالم بذاته، ويتناوله اللفظ، ومجرد كونه مخاطبا ~~ليس قرينة قاضية بالخروج عن العموم في كل خطاب، بل القرائن فيه تتعارض، ~~والأصل اتباع العموم في اللفظ. # - مسألة (فائدة العموم للاسم المفرد) اسم الفرد وإن لم يكن على صيغة ~~الجمع يفيد فائدة العموم في ثلاثة مواضع: # أحدها: أن يدخل عليه الألف واللام، كقوله: لا تبيعوا البر بالبر. ~~والثاني: النفي في النكرة لان النكرة في النفي تعم، كقولك: ما رأيت رجلا ~~لأن النفي لا خصوص له بل هو مطلق فإذا أضيف إلى منكر لم يتخصص بخلاف قوله: ~~رأيت رجلا، فإنه إثبات، والاثبات يتخصص في ms379 الوجود، فإذا أخبر عنه لم يتصور ~~عمومه، وإذا أضيف إلى مفرد اختص به. الثالث: أن يضاف إليه أمر أو مصدر، ~~والفعل بعد غير واقع، بل منتظر، كقوله: أعتق رقبة، وقوله تعالى: # * (فتحرير رقبة) * (المجادلة: 3) فإنه ما من رقبة إلا وهو ممتثل ~~باعتاقها، والاسم متناول للكل، فنزل منزلة العموم، بخلاف قوله: أعتقت رقبة، ~~فإنه إخبار عن ماض قد تم وجوده، ولا يدخل في الوجود إلا فعل خاص. # - مسألة (أقل عدد الجمع) صرف العموم إلى غير الاستغراق جائز، وهو معتاد، ~~أما رده إلى ما دون أقل الجمع فغير جائز، ولا بد من بيان أقل الجمع، وقد ~~اختلفوا فيه، فقال عمر وزيد بن ثابت: # إنه اثنان، وبه قال مالك وجماعة، وقال ابن عباس والشافعي وأبو حنيفة: ~~ثلاثة حتى قال ابن عباس لعثمان حين رد الام من الثلث إلى السدس بأخوين: ليس ~~الاخوان أخوة في لغة قومك، فقال: حجبها قومك يا غلام، وقال ابن مسعود: إذا ~~اقتدى بالامام ثلاثة اصطفوا خلفه، وإذا اقتدى اثنان وقف كل واحد عن جانب ~~وهذا يشعر من مذهبه بأنه يرى أقل الجمع ثلاثة، وليس من حقيقة هذا الخلاف ~~منع جمع الاثنين بلفظ يعمهما، فإن ذلك جائز ومعتاد، لكن الخلاف في أن لفظ ~~الناس والرجال والفقراء وأمثاله يطلق على ثلاثة فما زاد حقيقة، PageV00P243 # وهل يطلق على الاثنين حقيقة أم لا؟ واختار القاضي أن أقل الجمع اثنان، ~~واستدل بإجماع أهل اللغة على جواز إطلاق اسم الجمع على اثنين في قولهم: ~~فعلتم وفعلنا وتفعلون، وقد ورد به القرآن، قال الله تعالى في قصة موسى ~~وهارون: * (إنا معكم مستمعون) * (الشعراء: 51) وقال: * (فررتم) * (يوسف: ~~38) وهما يوسف وأخوه، وقال: * (فقد صغت قلوبكما) * (التحريم: 4) ولهما ~~قلبان، وقال: * (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث) * (الأنبياء: 87) إلى ~~قوله: * (وكنا لحكمهم شاهدين) * (الأنبياء: 87) وهما اثنان، وقال: * (وإن ~~طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما) * (الحجرات: 9) وهما طائفتان، ~~وقال: * (وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب) * (ص: 12) وهما ملكان، فإن ~~قيل: عن كل واحد من هذا جواب، فقوله: * (إنا معكم مستمعون) ms380 * (الشعراء: 51) ~~يعني هارون وموسى وفرعون وقومه وهم جماعة، وقوله: # * (قلوبكما) * (التحريم: 4) لضرورة استثقال الجمع بين اثنتين، مع أن ~~القلوب على وزن الواحد في بعض الألفاظ، وقوله: * (عسى الله يأتيني بهم ~~جميعا) * (يوسف: 38) أراد به يوسف وأخاه، والأخ الأكبر الذي تخلف عن ~~الاخوة، وقوله تعالى: * (وكنا لحكمهم شاهدين) * (الأنبياء: 87) أي حكمهما ~~مع الجمع المحكوم عليهم، وقوله: * (وإن طائفتان) * (الحجرات: 9) كل طائفة ~~جمع، قلنا: هذه تعسفات وتكلفات إنما يحوج إليها ضرورة نقل من أهل اللغة في ~~استحالة إطلاق اسم الجمع على الاثنين وإذا لم يكن نقل صريح فيحمل خلافهم ~~على الحقيقة كما ورد، فإن قيل: ههنا أدلة أربعة الأول: أن الاثنين لو كانا ~~جمعا لكان قولنا فعلا اسم جمع، فليجز إطلاقه على الثلاثة فصاعدا، كقوله: ~~فعلوا، فإنه لما كان اسم جمع جاز على الثلاثة فما فوقها، قلنا: فعلوا اسم ~~جمع مشترك بين سائر أعداد الجمع، وفعلا اسم جمع خاص، لان الجمع لا يستدعي ~~إلا الانضمام، وذلك يحصل في الاثنين، وهو كالعشرة، فإنه اسم مع، لكن جمع ~~خاص، فلا يصلح لغيره، وكيف ينكر كون الاثنين جمعا. ويقول الرجلان: نحن ~~فعلنا، فإن قيل: قد يقول الواحد ذلك، كقوله: * (إنا أنزلناه في ليلة القدر) ~~* (القدر: 1) قلنا: ذلك مجاز بالاتفاق وهذا ليس بمجاز. الثاني: # قولهم أجمع أهل اللغة على أن الأسماء ثلاثة أضرب: توحيد وتثنية وجمع، وهو ~~رجل ورجلان ورجال، فلتكن هذه الثلاثة متباينة، قلنا: ما قالوا الرجلان ليس ~~اسم جمع لكن وضعوا البعض أعداد الجمع اسما خاصا كالعشرة، وجعلوا اسم الرجال ~~مشتركا. الثالث: # قولهم فرق في اللسان بين الرجال والرجلين، وما ذكرتموه رفع للفرق؟ قلنا: ~~الفرق أن الرجلين اسم جمع خاص وهو للاثنين، والرجال اسم جمع مشترك لكل جمع ~~من الاثنين والثلاثة، فما زاد. الرابع: قولهم لو صح هذا لجاز أن يقال: رأيت ~~اثنين رجال، كما يقال رأيت ثلاثة رجال، قلنا: هذا ممتنع لان العرب لم ~~تستعمله على هذا الوجه، ولا يمكن تعدي عرفهم، وعلى الجملة فمن يرد لفظ ~~الجمع إلى الاثنين ربما يفتقر إلى ms381 دليل أظهر ممن يرده إلى الثلاثة، وإذا ~~رده إلى الواحد فقد غير اللفظ النص بقرينة، فإن قيل: فقد يقول لامرأته ~~أتخرجين وتكلمين الرجال، وربما يريد رجلا واحدا؟ قلنا: ذلك استعمال لفظ ~~الجمع بدلا PageV00P244 # عن لفظ الواحد، لتعلق غرض الزوج لجنس الرجال، لا أنه عنى بلفظ الرجال ~~رجلا واحدا، أما إذا أراد رجلين أو ثلاثة فقد ترك اللفظ على حقيقته. # الباب الثالث في الأدلة التي يخص بها العموم لا نعرف خلافا بين القائلين ~~بالعموم في جواز تخصيصه بالدليل، إما بدليل العقل أو السمع أو غيرهما، وكيف ~~ينكر ذلك مع الاتفاق على تخصيص قوله تعالى: * (خالق كل شئ) * (الانعام: ~~201، الرعد: 61، الزمر: 62، غافر: 62) ويحيى إليه ثمرات كل شئ) * (القصص: ~~57) و (تدمر كل شئ) [الأحقاف: 25] و (أوتيت من كل شئ) [النمل: 83] * ~~(الزانية والزاني) * (النور: 2) * (وورثه أبواه) * (النساء: 11) (ويوصيكم ~~الله في أولادكم) (النساء: 11) وفيما سقت السماء العشر فإن جميع عمومات ~~الشرع مخصصة بشروط في الأصل والمحل والسبب، وقلما يوجد عام لا يخصص، مثل ~~قوله تعالى: # * (وهو بكل شئ عليم) فإنه باق على العموم. # والأدلة التي يخص بها العموم أنواع عشرة: # الأول: دليل الحس وبه خصص قوله تعالى: * (وأوتيت من كل شئ) * (النمل: 32) ~~فإن ما كان في يد سليمان لم يكن في يدها وهو شئ، وقوله تعالى: * (تدمر كل ~~شئ بأمر ربها) * (الأحقاف: 52) خرج منه السماء والأرض وأمور كثيرة بالحس. # الثاني: دليل العقل، وبه خصص قوله تعالى: * (خالق كل شئ) * (الانعام: ~~102) الرعد 16، الزمر: 62، غافر: 62) إذ خرج عنه ذاته وصفاته، إذ القديم ~~يستحيل تعلق القدرة به، وكذلك قوله تعالى: * (ولله على الناس حج البيت) * ~~(آل عمران: 79) خرج منه الصبي والمجنون، لان العقل قد دل على استحالة تكليف ~~من لا يفهم، فإن قيل كيف يكون العقل مخصصا وهو سابق على أدلة السمع، ~~والمخصص ينبغي أن يكون متأخرا، ولان التخصيص إخراج ما يمكن دخوله تحت اللفظ ~~وخلاف المعقول لا يمكن أن يتناوله اللفظ؟ قلنا: قال قائلون: لا يسمى دليل ~~العقل مخصصا لهذا الحال، وهو نزاع في عبارة فإن تسمية ms382 الأدلة مخصصة تجوز، ~~فقد بينا أن تخصيص العام محال، لكن الدليل يعرف إرادة المتكلم، وأنه أراد ~~باللفظ الموضوع للعموم معنى خاصا، ودليل العقل يجوز أن يبين لنا أن الله ~~تعالى ما أراد بقوله: * (خالق كل شئ) * (الانعام: 201، الرعد: 16، الزمر: ~~62، غافر: 62) نفسه وذاته، فإنه وإن تقدم دليل العقل فهو موجود أيضا عند ~~نزول اللفظ، وإنما يسمى مخصصا بعد نزول الآية لا قبله، وأما قولهم: لا يجوز ~~دخوله تحت اللفظ، فليس كذلك، بل يدخل تحت اللفظ من حيث اللسان، ولكن يكون ~~قائله كاذبا، ولما وجب الصدق في كلام الله تعالى تبين أنه يمتنع دخوله تحت ~~الإرادة مع شمول اللفظ له من حيث الوضع. # الثالث: دليل الاجماع، ويخصص به العام، لان الاجماع قاطع لا يمكن الخطأ ~~فيه والعام يتطرق إليه الاحتمال، ولا تقضي الأمة في بعض مسميات العموم، ~~بخلاف موجب PageV00P245 # العموم إلا عن قاطع بلغهم في نسخ اللفظ الذي كان قد أريد به العموم، أو ~~في عدم دخوله تحت الإرادة عند ذكر العموم، والاجماع أقوى من النص الخاص، ~~لان النص الخاص محتمل نسخه، والاجماع لا ينسخ، فإنه إنما ينعقد بعد انقطاع ~~الوحي. # الرابع: النص الخاص يخصص اللفظ العام، فقوله: فيما سقت السماء العشر يعم ~~ما دون النصاب، وقد خصصه قوله عليه السلام: لا زكاة فيما دون خمسة أوسق ~~وقوله تعالى: * (والسارق والسارقة) * (المائدة: 83) يعم كل مال، وخرج ما ~~دون النصاب بقوله: لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا وقوله: * (فتحرير رقبة) ~~* (المجادلة: 3) يعم الكافرة، فلو ورد مرة أخرى * (فتحرير رقبة مؤمنة) * ~~(النساء: 29) في الظهار بعينة لتبين لنا أن المراد بالرقبة المطلقة العامة ~~هي المؤمنة على الخصوص، وقد ذهب قوم إلى أن الخاص والعام يتعارضان ~~ويتدافعان، فيجوز أن يكون الخاص سابقا، وقد ورد العام بعده لإرادة العموم ~~فنسخ الخاص، ويجوز أن يكون العام سابقا، وقد أريد به العموم ثم نسخ باللفظ ~~الخاص بعده، فعموم الرقبة مثلا يقتضي أجزاء الكافرة مهما أريد به العموم، ~~والتقييد بالمؤمنة يقتضي منع أجزاء الكافرة فهما متعارضان، وإذا أمكن النسخ ms383 ~~والبيان جميعا فلم يتحكم بحمله على البيان دون النسخ، ولم يقطع بالحكم على ~~العام بالخاص، ولعل العام هو المتأخر الذي أريد به العموم وينسخ به الخاص، ~~وهذا هو الذي اختاره القاضي، والأصح عندنا تقديم الخاص، وإن كان ما ذكره ~~القاضي ممكنا، ولكن تقدير النسخ محتاج إلى الحكم بدخول الكافرة. تحت اللفظ ~~ثم خروجه عنه، فهو إثبات وضع ورفع بالتوهم، وإرادة الخاص باللفظ العام غالب ~~معتاد بل هو الأكثر، والنسخ كالنادر، فلا سبيل إلى تقديره بالتوهم، ويكاد ~~يشهد لما ذكرناه من سير الصحابة والتابعين كثير، فإنهم كانوا يسارعون إلى ~~الحكم بالخاص على العام، وما اشتغلوا بطلب التاريخ والتقدم والتأخر. # الخامس: المفهوم بالفحوى كتحريم ضرب الأب، حيث فهم من النهي عن التأفيف، ~~فهو قاطع كالنص، وإن لم يكن مستندا إلى لفظ، ولسنا نريد اللفظ بعينه بل ~~لدلالته، فكل دليل سمعي قاطع، فهو كالنص، والمفهوم عند القائلين به أيضا ~~كالمنطوق، حتى إذا ورد عام في إيجاب الزكاة في الغنم، ثم قال الشارع: في ~~سائمة الغنم زكاة، أخرجت المعلوفة من مفهوم هذا اللفظ عن عموم اسم الغنم ~~والنعم. # السادس: فعل رسول الله (ص) وهو دليل على ما سيأتي بشرطه عند ذكر دلالة ~~الافعال، وإنما يكون دليلا إذا عرف من قوله أنه قصد به بيان الاحكام، كقوله ~~عليه السلام: صلوا كما رأيتموني أصلي وخذوا عني مناسككم فإن لم يتبين أنه ~~أراد به البيان، فإذا ناقض فعله لحكمه الذي حكم به فلا يرفع أصل الحكم ~~بفعله المخالف له لكن قد يدل على التخصيص، ونذكر له ثلاثة أمثلة: المثال ~~الأول: إنه نهى عن الوصال ثم واصل، فقيل له: نهيت عن الوصال ونراك تواصل؟ ~~فقال: إني لست كأحدكم إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني فبين أنه ليس يريد ~~بفعله بيان الحكم، ثم تحريم الوصال إن كان بقوله لا تواصلوا أو نهيتكم عن ~~الوصال فلا يدخل فيه الرسول عليه السلام لأنه مخاطب غيره، PageV00P246 # والمخاطب إنما يدخل تحت خطاب نفسه إذا أثبت الحكم بلفظ عام، كقوله: حرم ~~الوصال على كل ms384 عبد أو على كل مكلف، أو على كل إنسان، أو كل مؤمن أو ما يجري ~~مجراه، وإن كان بلفظ عام فيكون فعله تخصيصا. المثال الثاني: أنه نهى عن ~~استقبال القبلة في قضاء الحاجة ثم رآه ابن عمر مستقبلا بيت المقدس على سطح، ~~فيحتمل أنه تخصيص، لأنه كان وراء سترة والنهي كان مطلقا، وأريد به ما إذا ~~لم يكن ساتر، ويحتمل أنه كان مستثنى ومخصوصا فهو دليل على خروجه عن العموم ~~إن كان اللفظ المحرم عاما له، ولا يصلح هذا، لان ينسخ به تحريم الاستقبال ~~لأنه فعل يكون في خلوة وخفية فلا يصلح لان يراد به البيان، فإن ما أريد به ~~البيان يلزمه إظهاره عند أهل التواتر أن تعبد فيه الخلق بالعلم وإن لم ~~يتعبدوا إلا بالظن والعمل، فلا بد من إظهاره لعدل أو لعدلين. المثال ~~الثالث: أنه نهى عن كشف العورة ثم كشف فخذه بحضرة أبي بكر وعمر، ثم دخل ~~عثمان رضي الله عنهم فستره، فعجبوا منه فقال: # ألا أستحي ممن تستحي منه ملائكة السماء فهذا لا يرفع النهي، لاحتمال أنه ~~لم يكن داخلا فيه، أو لعله كشفه لعارض وعذر، فإنه حكاية حال، أو أريد ~~بالفخذ ما يقرب منه وليس داخلا في حده أو إباحته خاصة له أو نسخ تحريم كشف ~~العورة، وإذا تعارضت الاحتمالات فلا يرتفع التحريم في حق غيره بالوهم. # السابع: تقرير رسول الله (ص) واحدا من أمته على خلاف موجب العموم، وسكوته ~~عليه السلام عليه يحتمل نسخ أصل الحكم، أو تخصيص ذلك الشخص بالنسخ في حقه ~~خاصة له، أو تخصيص وصف وحال ووقت ذلك الشخص ملابس له فيشاركه في الخصوص من ~~شاركه في ذلك المعنى، فإن كان قد ثبت ذلك الحكم في كل وقت وفي كل حال تعين ~~تقرير لكونه نسخا، إما على الجملة، وإما في حقه خاصة، والمستيقن حقه خاصة ~~لكن لو كان من خاصيته لوجب على النبي عليه السلام أن يبين اختصاصه بعد أن ~~عرف أمته أن حكمه في الواحد كحكمه في الجماعة، فيدل من ms385 هذا الوجه على النسخ ~~المطلق، ولما أقر عليه السلام أصحابه على ترك زكاة الخيل مع كثرتها في ~~أيديهم دل على سقوط زكاة الخيل، إذ ترك الفرض منكر يجب إنكاره، فإن قيل: ~~فلعلهم أخرجوا ولم ينقل إلينا، أو لعله لم يكن في خيلهم سائمة، قلنا: ~~العادة تحيل اندراس إخراجهم الزكاة طول أعمارهم والسوم قريب من الامكان، ~~ويجب شرح ما يقرب وقوعه فلو وجب لذكره فهذه سبع مخصصات ووراءها ثلاثة تظن ~~مخصصات، وليست منها فننظمها في سلك المخصصات. # الثامن: عادة المخاطبين فإذا قال لجماعة من أمته: حرمت عليكم الطعام ~~والشراب مثلا وكانت عادتهم تناولهم جنسا من الطعام، فلا يقتصر بالنهي على ~~معتادهم بل يدخل فيه لحم السمك والطير، وما لا يعتاد في أرضهم لان الحجة في ~~لفظه، وهو عام وألفاظه غير مبنية على عادة الناس في معاملاتهم، حتى يدخل ~~فيه شرب البول وأكل التراب وابتلاع الحصاة والنواة، وهذا بخلاف لفظ الدابة، ~~فإنها تحمل على ذوات الأربع خاصة لعرف أهل اللسان في تخصيص اللفظ وأكل ~~النواة والحصاة يسمى أكلا في العادة، وإن كان لا يعتاد فعله، ففرق ~~PageV00P247 # بين أن لا يعتاد الفعل وبين أن يعتاد إطلاق الاسم على الشئ، وعلى الجملة: ~~فعادة الناس تؤثر في تعريف مرادهم من ألفاظهم، حتى أن الجالس على المائدة ~~يطلب الماء يفهم منه العذب البارد، لكن لا تؤثر في تغيير خطاب الشارع ~~إياهم. # التاسع: مذهب الصحابي إذا كان بخلاف العموم فيجعل مخصصا عند من يرى قول ~~الصحابي حجة يجب تقليده وقد أفسدناه، وكذلك تخصيص الراوي يرفع العموم عند ~~من يرى أن مذهب الراوي إذا خالف روايته يقدم مذهبه على روايته، وهذا أيضا ~~مما أفسدناه بل الحجة في الحديث ومخالفته وتأويله وتخصيصه يجوز أن تكون عن ~~اجتهاد ونظر لا نرتضيه فلا نترك الحجة بما ليس بحجة بل لو كان اللفظ محتملا ~~وأخذ الراوي بأحد محتملاته واحتمل أن يكون ذلك عن توقيف فلا تجب متابعته ما ~~لم يقل إني عرفته من التوقيف، بدليل أنه لو رواه راويان وأخذ كل واحد ms386 ~~باحتمال آخر فلا يمكننا أن نتبعهما أصلا. # العاشر: خروج العام على سبب خاص جعل دليلا على تخصصه عند قوم، وهو غير ~~مرضي عندنا كما سبق تقريره واختتام هذا الكتاب بذكر مسألتين في تخصيص عموم ~~القرآن بخبر الواحد وبالقياس. # - مسألة (تخصيص العموم بخبر الواحد) خبر الواحد إذا ورد مخصصا لعموم ~~القرآن اتفقوا على جواز التعبد به لتقديم أحدهما على الآخر، لكن اختلفوا في ~~وقوعه على أربعة مذاهب، فقال: بتقديم العموم قوم وبتقديم الخبر قوم، ~~وبتقابلهما والتوقف إلى ظهور دليل آخر قوم، وقال قوم: إن كان العموم مما ~~دخله التخصيص بدليل قاطع فقد ضعف وصار مجازا، فالخبر أولى منه وإلا فالعموم ~~أولى وإليه ذهب عيسى بن أبان. احتج القائلون بترجيح العموم بمسلكين: الأول: ~~أن عموم الكتاب، مقطوع به، وخبر الواحد مظنون، فكيف يقدم عليه؟ الاعتراض من ~~أوجه: الأول: # أن دخول أصل محل الخصوص في العموم، وكونه مراد، به مظنون ظنا ضعيفا يستند ~~إلى صيغة العموم وقد أنكره الواقفية وزعموا أنه مجمل، فكيف ينفع كون أصل ~~الكتاب مقطوعاته فيما لا يقطع بكونه مرادا بلفظه. الثاني: أنه لو كان ~~مقطوعا به للزم تكذيب الراوي قطعا ولا شك في إمكان صدقه، فإن قيل: فلو نقل ~~النسخ فصدقه أيضا ممكن ولا يقبل، قلنا: لا جرم لا يعلل رده بكون الآية ~~مقطوعا بها، لان دوام حكمها إنما يقطع به بشرط أن الايراد ناسخ فلا يبقى ~~القطع مع وروده، لكن الاجماع منع من نسخ القرآن بخبر الواحد، ولا مانع من ~~التخصيص. # الثالث: أن براءة الذمة قبل ورود السمع مقطوع بها، ثم ترفع بخبر الواحد، ~~لأنه مقطوع بها بشرط أن لا يرد سمع، وماء البحر مقطوع بطهارته إذا جعل في ~~كوز، لكن بشرط أن لا يرد سمع بأن يخبر عدل بوقوع النجاسة فيه، وكذلك العموم ~~ظاهر في الاستغراق بشرط أن لا يرد خاص. الرابع: أن وجوب العمل بخبر الواحد ~~مقطوع به بالاجماع، وإنما الاحتمال في صدق الراوي ولا تكليف علينا في ~~اعتقاد صدقه، فإن سفك الدم وتحليل البضع واجب ms387 بقول عدلين قطعا مع أنا لا ~~نقطع بصدقهما، فوجوب العمل بالخبر مقطوع به وكون العموم مستغرقا غير مقطوع ~~به فإن قيل: إنما يجب العمل بخبر لا يقابل عموم القرآن؟ قلنا: يقابله أنه ~~إنما يجب العمل بعموم لا يخصصه حديث نص ينقله عدل ولا فصل بين الكلامين. ~~PageV00P248 # المسلك الثاني: قولهم إن الحديث إما أن يكون نسخا أو بيانا، والنسخ لا ~~يثبت بخبر الواحد اتفاقا وإن كان بيانا فعال إذا البيان ما يقترن بالمبين ~~وما يعرفه الشارع أهل التواتر حتى تقوم الحجة به قلنا هو بيان ولا يجب ~~اقتران البيان، بل يجوز تأخيره عندنا وما يدريهم أنه وقع متراخيا، فلعله ~~كان مقترنا، والراوي لم يرو اقترانه، كيف ويجوز أن يقول بعد ورود آية ~~السرقة لا قطع إلا في ربع دينار من الحرز وأما قولهم: ينبغي أن يلقيه إلى ~~عدد التواتر فتحكم، بل إذا لم يكلفهم العلم، بل العمل جاز تكليفهم بقول عدل ~~واحد، ثم ما يدر بهم فلعله ألقاه إلى عدد التواتر فماتوا قبل النقل أو ~~نسوا، أو هم في الاحياء، لكنا ما لقينا منهم إلا واحدا حجة القائلين بتقديم ~~الخبر أن الصحابة ذهبت إليه، إذ روى أبو هريرة أن المرأة لا تنكح على عمتها ~~وخالتها فخصصوا به قوله تعالى: * (وأحل لكم ما وراء ذلكم) * (النساء: 42) ~~وخصصوا عموم آية المواريث برواية أبي هريرة أنه لا يرث القاتل والعبد ولا ~~أهل ملتين ورفعوا عموم آية الوصية بقوله: لا وصية لوارث ورفعوا عموم قوله ~~تعالى: * (حتى تنكح زوجا غيره) * (البقرة: 32) برواية من روى: حتى تذوق ~~عسيلتها إلى نظائر لذلك كثيرة لا تحصى. الاعتراض: إن هذا ليس قاطعا بأنهم ~~رفعوا العموم بمجرد قول الراوي، بل ربما قامت الحجة عندهم على صحة قوله ~~بأمور وقرائن وأدلة سوى مجرد قوله، كما نقل أن أهل قباء تحولوا عن القبلة ~~بخبر واحد، وهو نسخ، لكنهم لعلهم عرفوا صدقه برفع صوته في جوار النبي عليه ~~الصلاة والسلام وأصحابه، وأن ذلك لا يمكن الكذب فيه. حجة القائلين بالتوقف ~~وهو اختيار القاضي ms388 أن العموم وحده دليل مقطوع الأصل مظنون الشمول، والخبر ~~وحده مظنون الأصل مقطوع به في اللفظ والمعنى وهما متقابلان، ولا دليل على ~~الترجيح فيتعارضان والرجوع إلى دليل آخر، والمختار أن خبر العدل أولى، لان ~~سكون النفس إلى عدل واحد في الرواية لما هو نص كسكونها إلى عدلين في ~~الشهادة أما اقتضاء آية المواريث الحكم في حق القاتل والكافر ضعيف، وكلام ~~من يدعي إجمال العموم قوي واقع وكلام من ينكر خبر الواحد ولا يجعله حجة في ~~غاية الضعف، ولذلك ترك توريث فاطمة رضي الله عنها بقول أبي بكر: نحن معاشر ~~الأنبياء لا نورث الحديث فنحن نعلم أن تقدير كذب أبي بكر وكذب كل عدل أبعد ~~في النفس من تقدير كون آية المواريث مسوقة لتقدير المواريث لا للقصد إلى ~~بيان حكم النبي عليه الصلاة والسلام والقاتل والعبد والكافر وهذه النوادر. # - مسألة (تعارض القياس مع العموم) قياس نص خاص إذا قابل عموم نص آخر، ~~فالذاهبون إلى أن العموم حجة لو انفرد والقياس حجة لو انفرد، اختلفوا فيه ~~على خمسة مذاهب: فذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وأبو الحسن الأشعري إلى ~~تقديم القياس على العموم، ذهب الجبائي وابنه وطائفة من المتكلمين والفقهاء ~~إلى تقديم العموم، وذهب القاضي وجماعة إلى التوقف لحصول التعارض، وقال قوم: ~~يقدم على العموم جلى القياس دون خفيه، وقال عيسى بن أبان: يقدم القياس على ~~عموم دخله التخصيص دون ما لم يدخله. # حجاج من قدم العموم ثلاث: الأولى: أن القياس فرع، والعموم أصل، فكيف يقدم ~~فرع PageV00P249 # على أصل؟ الاعتراض من وجوه: الأول: أن القياس فرع نص آخر لا فرع النص ~~المخصوص به، والنص تارة يخصص بنص آخر وتارة بمعقول نص آخر، ولا معنى للقياس ~~إلا معقول النص، وهو الذي يفهم المراد من النص، والله هو الواضع لإضافة ~~الحكم إلى معنى النص، إلا أنه مظنون نص، كما أن العموم وتناوله للمسمى ~~الخاص مظنون نص آخر فهما ظنان في نصين مختلفين، وإذا خصصنا بقياس الأرز على ~~البر عموم قوله: * (وأحل الله البيع وحرم الربا) ms389 * (البقرة: 572) لم نخصص ~~الأصل بفرعه: فإن الأرز فرع، حديث البر لا فرع آية إحلال البيع. الثاني: ~~أنه يلزم أن لا يخصص القرآن بخبر الواحد لأنه فرع، فإنه يثبت بأصل من كتاب ~~وسنة فيكون فرعا له، فقد سلم التخصيص بخبر الواحد من لا يسلم التخصيص ~~بالقياس فهذا لازم لهم، فإن قيل: خبر الواحد ثبت بالاجماع لا بالظاهر ~~والنص، قلنا وكون القياس حجة ثبت أيضا بالاجماع، ثم لا مستند للاجماع سوى ~~النص فهو فرع الاجماع والاجماع فرع النص الحجة الثانية: أنه إنما يطلب ~~القياس حكم ما ليس منطوقا به، فما هو منطوق به كيف يثبت بالقياس؟. ~~الاعتراض: أنه ليس منطوقا به كالنطق بالعين الواحدة، لان زيدا في قوله: * ~~(فاقتلوا المشركين) * (التوبة: 5) ليس كقوله: اقتلوا زيدا، والأرز في قوله: # * (وأحل الله البيع وحرم الربا) * (البقرة: 572) ليس كقوله: يحل بيع ~~الأرز بالأرز متفاضلا ومتماثلا، فإذا كان كونه مرادا بآية إحلال البيع ~~مشكوكا فيه كان كونه منطوقا به مشكوكا فيه لان العام إذا أريد به الخاص كان ~~ذلك نطقا بذلك القدر، ولم يكن نطقا بما ليس بمراد، والدليل عليه جواز ~~تخصيصه بدليل العقل القاطع، ودليل العقل لا يجوز أن يقابل النطق الصريح من ~~الشارع، لان الأدلة لا تتعارض، فإن قيل: ما أخرجه العقل عرف أنه لم يدخل ~~تحت العموم قلنا: تحت لفظه أو تحت الإرادة، فإن قلتم تحت اللفظ، فإن الله ~~تعالى شئ وهو داخل تحت اللفظ من قوله تعالى: * (خالق كل شئ) * (الانعام: ~~201، الرعد: 16، الزمر: 62، غافر: 62) وإن قلتم: لا يدخل تحت الإرادة فكذلك ~~دليل القياس يعرفنا ذلك ولا فرق. # الحجة الثالثة: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لمعاذ: بم تحكم؟ فقال: ~~بكتاب الله، قال: فإن لم تجد قال: بسنة رسول الله قال: فإن لم تجد؟ قال: ~~أجتهد رأيي فجعل الاجتهاد مؤخرا، فكيف يقدم على الكتاب؟ قلنا: كونه مذكورا ~~في الكتاب مبني على كونه مرادا بالعموم، وهو مشكوك فيه، فكونه في الكتاب ~~مشكوك فيه، ولذلك جاز لمعاذ ترك العموم بالخبر المتواتر وخبر الواحد، ونص ~~الكتاب ms390 لا يترك بالسنة إلا أن تكون السنة بيانا لمعنى الكتاب، والكتاب يبين ~~الكتاب، والسنة تبين السنة تارة بلفظ وتارة بمعقول لفظ، ثم نقول: # حكم العقل الأصلي في براءة الذمة يترك بخبر الواحد وبقياس خبر الواحد: ~~لأنه ليس يحكم به العقل مع ورود الخبر فيصير مشكوكا فيه معه فكذلك العموم. # حجاج القائلين بتقديم القياس اثنتان: الأولى: أن العموم يحتمل المجاز ~~والخصوص، والاستعمال في غير ما وضع له، والقياس لا يحتمل شيئا من ذلك، ~~ولأنه يخصص العموم بالنص الخاص مع إمكان كونه مجازا ومؤولا فالقياس أولى. ~~الاعتراض: أن احتمال الغلط في القياس ليس بأقل من احتمال ما ذكر في العموم ~~من احتمال الخصوص والمجاز بل ذلك PageV00P250 # موجود في أصل القياس، وزيادة ضعف ما يختص به من احتمال الخصوص، والمجاز ~~إذ القياس ربما يكون منتزعا من خبر واحد فيتطرق الاحتمال إلى أصله، وربما ~~استنبطه من ليس أهلا للاجتهاد، فظن أنه من أهله، ولا حكم لاجتهاد غير ~~الأهل، والعموم لا يستند إلى اجتهاد وربما يستدل على إثبات العلة بما يظنه ~~دليلا وليس بدليل، وربما لا يستوفي جميع أوصاف الأصل فيشذ عنه وصف داخل في ~~الاعتبار، وربما يغلط في إلحاق الفرع به لفرق دقيق بينهما لم يتنبه له، ~~فمظنة الاحتمال والغلط في القياس أكثر. الحجة الثانية: قولهم تخصيص العموم ~~بالقياس جمع بين القياس وبين الكتاب، فهو أولى من تعطيل أحدهما أو تعطيلهما ~~وهذا فاسد، لان القدر الذي وقع فيه التقابل ليس فيه جمع، بل هو رفع للعموم ~~وتجريد للعمل بالقياس. # حجة الواقفية: قالوا إذا بطل كلام المرجحين كما سبق، وكل واحد من القياس ~~والعموم دليل لو انفرد وقد تقابلا ولا ترجيح، فهل يبقى إلا التوقف، لان ~~الترجيح إما أن يدرك بعقل أو نقل والعقل إما نظري أو ضروري، والنقل إما ~~تواتر أو آحاد، ولم يتحقق شئ من ذلك، فيجب طلب دليل آخر، فإن قيل: هذا ~~يخالف الاجماع، لان الأمة مجمعة على تقديم أحدهما وإن اختلفوا في التعيين، ~~ولم يذهب أحد قبل القاضي إلى التوقف، أجاب ms391 القاضي: # بأنهم لم يصرحوا ببطلان التوقف قطعا ولم يجمعوا عليه، لكن كل واحد رأى ~~ترجيحا. # والاجماع لا يثبت بمثل ذلك، كيف ومن لا يقطع ببطلان مذهب مخالفه في ترجيح ~~القياس كيف يقطع بخطئه إن توقف؟ # حجة من فرق بين جلى القياس وخفيه: وهي أن جلي القياس قوي وهو أقوى من ~~العموم والخفي ضعيف، ثم حكي عنهم أنهم فسروا الجلي بقياس العلة، والخفي ~~بقياس الشبه، وعن بعضهم أن الجلي مثل قوله عليه السلام: " لا يقض القاضي ~~وهو غضبان " وتعليل ذلك بما يدهش العقل عن تمام الفكر حتى يجري في الجائع ~~والحاقن خفي. # والمختار أن ما ذكروه غير بعيد، فإن العموم يفيد ظنا، والقياس يفيد ظنا، ~~وقد يكون أحدهما أقوى في نفس المجتهد، فيلزمه اتباع الأقوى، والعموم تارة ~~يضعف بأن لا يظهر منه قصد التعميم، ويظهر ذلك بأن يكثر المخرج منه ويتطرق ~~إليه تخصيصات كثيرة، كقوله تعالى: # (وأحل الله البيع) (البقرة: 572) فإن دلالة قوله عليه السلام: " لا ~~تبيعوا البر بالبر "، على تحريم الأرز، والتمر أظهر من دلالة هذا العموم ~~على تحليله، وقد دل الكتاب على تحريم الخمر، وخصص به قوله تعالى: * (قل لا ~~أجد فيما أوحى إلي محرما على طاعم يطعمه) * (الانعام: 541) وإذا ظهر منه ~~التعليل بالاسكار فلو لم يرد خبر في تحريم كل مسكر لكان إلحاق النبيذ ~~بالخمر بقياس الاسكار أغلب على الظن من بقائه تحت عموم قوله: * (لا أحد ~~فيما أوحى إلى محرما) * (الانعام: 541) وهذا ظاهر في هذه الآية، وآية احلال ~~البيع لكثرة ما أخرج منهما ولضعف قصد العموم فيهما، ولذلك جوزه عيسى بن ~~أبان في أمثاله دون ما بقي على العموم، ولكن لا يبعد ذلك عندنا أيضا فيما ~~بقي عاما لأنا لا نشك في أن العمومات بالإضافة إلى بعض المسميات تختلف في ~~القوة لاختلافها في ظهور إرادة قصد ذلك PageV00P251 # المسمى بها، فإن تقابلا وجب تقديم أقوى العمومين، وكذلك أقوى القياسين ~~إذا تقابلا قدمنا أجلاهما وأقواهما، فكذلك العموم والقياس إذا تقابلا، فلا ~~يبعد أن يكون قياس قوي أغلب على الظن ms392 من عموم ضعيف أو عموم قوي أغلب على ~~الظن من قياس ضعيف فنقدم الأقوى، وإن تعادلا فيجب التوقف كما قاله القاضي، ~~إذ ليس كون هذا عموما أو كون ذلك قياسا مما يوجب ترجيحا لعينهما، بل لقوة ~~دلالتهما، فمذهب القاضي صحيح بهذا الشرط، فإن قيل: فهذا الخلاف الذي في ~~تخصيص بقياس مستنبط من الكتاب إذا خصص به عموم الكتاب، فهل يجري في قياس ~~مستنبط من الاخبار؟ قلنا: نسبة قياس الكتاب إلى عموم الكتاب كنسبة قياس ~~الخبر المتواتر إلى عموم الخبر المتواتر، وكنسبة قياس خبر الواحد إلى عموم ~~خبر الواحد، والخلاف جار في الكل وكذا قياس الخبر المتواتر بالنسبة إلى ~~عموم الكتاب، وقياس نص الكتاب بالإضافة إلى عموم الخبر المتواتر، أما قياس ~~خبر الواحد إذا عارض عموم القرآن فلا يخفي ترجيح الكتاب عند من لا يقدم خبر ~~الواحد على عموم القرآن، أما من يقدم الخبر فيجوز أن يتوقف في قياس الخبر، ~~فإنه ازداد ضعفا وبعدا وما في معنى الأصل، والمعلوم بالنظر الجلي قريب من ~~الأصل، فلا يبعد أن يكون أقوى في النفس في بعض الأحوال من ظن العموم، ~~فالنظر فيه إلى المجتهد، فإن قيل الخلاف في هذه المسألة من جنس الخلاف في ~~القطعيات أو في المجتهدات، قلنا يدل سياق كلام القاضي على أن القول في ~~تقديم خبر الواحد على عموم الكتاب، وفي تقديم القياس على العموم مما يجب ~~القطع بخطأ المخالف فيه، لأنه من مسائل الأصول، وعندي أن إلحاق هذا ~~بالمجتهدات أولى فإن الأدلة من سائر الجوانب فيه متقاربة غير بالغة مبلغ ~~القطع. # الباب الرابع في تعارض العمومين ووقت جواز الحكم بالعموم وفيه فصول: # الفصل الأول: في التعارض: اعلم أن المهم الأول معرفة محل التعارض، فنقول: ~~كل ما دل العقل فيه على أحد الجانبين فليس للتعارض فيه مجال إذ الأدلة ~~العقلية يستحيل نسخها وتكاذبها، فإن ورد دليل سمي على خلاف العقل، فأما لا ~~يكون متواترا فيعلم أنه غير صحيح، وإما أن يكون متواترا فيكون مؤولا ولا ~~يكون متعارضا، وأما نص متواتر لا ms393 يحتمل الخطأ والتأويل، وهو على خلاف دليل ~~العقل، فذلك محال، لان دليل العقل لا يقبل النسخ والبطلان، مثال ذلك: ~~المؤول في العقليات: قوله تعالى: * (خالق كل شئ) * (الانعام: 102) الرعد: ~~160، الزمر: 62، غافر: 62) إذ خرج بدليل العقل ذات القديم وصفاته، وقوله: # * (وهو بكل شئ عليم) * (الانعام: 101، الحديد: 3) دل العقل على عمومه، ~~ولا يعارضه قوله تعالى: * (قل أتنبئون الله بما لا يعلم) * (يونس: 81) إذ ~~معناه ما لا يعلم له أصلا، أي يعلم أنه لا أصل له، ولا يعارضه قوله تعالى: ~~* (حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم) * (محمد: 13) إذا ~~معناه أنه يعلم المجاهدة كائنة وحاصلة، وفي الأزل لا يوصف علمه بتعلقه ~~بحصول المجاهدة قبل حصولها، وكذلك قوله تعالى: * (وتخلقون إفكا) * ~~(العنكبوت: 71) لا يعارض قوله: * (خالق كل شئ) * لان المعنى به الكذب دون ~~الايجاد، وكذلك قوله تعالى: * (وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير) * (المائدة: ~~011) لان معناه: تقدر PageV00P252 # والخلق هو التقدير، وكذلك قوله: * (أحسن الخالقين) * (المؤمنون: 41، ~~الصافات: 25) أي المقدرين، وهكذا أبدا تأويل ما خالف دليل العقل أو خالف ~~دليلا شرعا دل العقل على عمومه. أما الشرعيات: فإذا تعارض فيها دليلان فأما ~~أن يستحيل الجمع أو يمكن، فإن امتنع الجمع لكونهما متناقضين كقوله مثلا: من ~~بدل دينه فاقتلوه من بدل دينه فلا تقتلوه، لا يصح نكاح بغير ولي، يصح نكاح ~~بغير ولي، فمثل هذا لا بد أن يكون أحدهما ناسخا والآخر منسوخا فإن أشكل ~~التاريخ فيطلب الحكم من دليل آخر، ويقدر تدافع النصين، فإن عجزنا عن دليل ~~آخر فنتخير العمل بأيهما شئنا لان الممكنات أربعة: العمل بهما وهو متناقض، ~~أو اطراحهما، وهو إخلاء الواقعة عن الحكم وهو متناقض أو استعمال واحد بغير ~~مرجح وهو تحكم، فلا يبقى إلا التخير الذي يجوز ورود التعبدية ابتداء فإن ~~الله تعالى لو كلفنا واحدا بعينه لنصب عليه دليلا، ولجعل لنا إليه سبيلا، ~~إذ لا يجوز تكليف بالمحال، وفي التخيير بين الدليلين المتعارضين مزيد غور ~~سنذكره في كتاب الاجتهاد عند تخير المجتهد وتحيره، أما إذا أمكن الجمع بوجه ~~ما فهو على ms394 مراتب: # المرتبة الأولى: عام وخاص، كقوله عليه السلام فيما سقت السماء العشر مع ~~قوله لا صدقة فيما دون خمسة أوسق فقد ذكرنا من مذهب القاضي أن التعارض واقع ~~لامكان كون أحدهما نسخا بتقدير إرادة العموم بالعام، والمختار أن يجعل ~~بيانا ولا يقدر النسخ إلا لضرورة فإن فيه تقدير دخول ما دون النصاب تحت ~~وجوب العشر ثم خروجه منه وذلك لا سبيل إلى إثباته بالتوهم من غير ضرورة. # المرتبة الثانية: وهي قريبة من الأولى أن يكون اللفظ المؤول قويا في ~~الظهور بعيدا عن التأويل لا ينقدح تأويله إلا بقرينة، فكلام القاضي فيه ~~أوجه، ومثاله قوله عليه السلام: # إنما الربا في النسيئة كما رواه ابن عباس، فإنه كالصريح في نفي ربا ~~الفضل، ورواية عبادة بن الصامت في قوله: الحنطة بالحنطة مثلا بمثل صريح في ~~إثبات ربا الفضل، فيمكن أن يكون أحدهما ناسخا للآخر، ويمكن أن يكون قوله: ~~إنما الربا في النسيئة أي في مختلفي الجنس، ويكون قد خرج على سؤال خاص عن ~~المختلفين أو حاجة خاصة حتى ينقدح الاحتمال، والجمع بهذا التقدير ممكن، ~~والمختار أنه وإن بعد أولى من تقدير النسخ ، وللقاضي أن يقول: قطعكم بأنه ~~أراد به الجنسين تحكم لا يدل عليه قاطع، ويخالف ظاهر اللفظ المفيد للظن، ~~والتحكم بتقدير ليس يعضده دليل قطعي ولا ظني لا وجه له، قلنا: يحملنا عليه ~~ضرورة الاحتراز عن النسخ، فيقول: فما المانع من تقدير النسخ، وليس في ~~إثباته ارتكاب محال ولا مخالفة دليل قطعي ولا ظني، وفيما ذكرتم مخالفة صيغة ~~العموم ودلالة اللفظ وهو دليل ظني، فما هو الخوف والحذر من النسخ وإمكانه ~~كإمكان البيان، فليس أحدهما بأولى من الآخر، فإن قلنا البيان أغلب على عادة ~~الرسول عليه السلام من النسخ وهو أكثر وقوعا فله أن يقول: وما الدليل على ~~جواز الاخذ بالاحتمال الأكثر وإذا اشتبهت رضيعة بعشر نسوة فالأكثر حلال، ~~وإذا اشتبه إناء نجس بعشر أوان طاهرة فلا ترجيح للأكثر بل لا بد من ~~الاجتهاد والدليل ولا يجوز أن يأخذوا واحدا ويقدر حله ms395 أو طهارته، لان جنسه ~~أكثر، لكنا نقول: الظن PageV00P253 # عبارة عن أغلب الاحتمالين، ولكن لا يجوز اتباعه إلا بدليل فخبر الواحد لا ~~يورث إلا غلبة الظن من حيث إن صدق العدل أكثر وأغلب من كذبه، وصيغة العموم ~~تتبع، لان إرادة ما يدل عليه الظاهر أغلب، وأكثر من وقوع غيره والفرق بين ~~الفرع والأصل ممكن غير مقطوع ببطلانه في الأقيسة الظنية، لكن الجمع أغلب ~~على الظن، واتباع الظن في هذه الأصول لا لكونه ظنا، لكن لعمل الصحابة به ~~واتفاقاتهم عليه، فكذا نعلم من سيرة الصحابة إنهم ما اعتقدوا كون غير ~~القرآن منسوخا من أوله إلى آخره، ولم يبق فيه عام لم يخصص إلا قوله تعالى: ~~* (وهو بكل شئ عليم) * (البقرة: 92) وألفاظ نادرة، بل قدروا جملة ذلك ~~بيانا، وورد العام والخاص في الاخبار، ولا يتطرق النسخ إلى الخبر، كقوله ~~تعالى: # * (وأقبل بعضهم على بعض يتلاومون) * (القلم: 03) وتخصيصا لقوله تعالى: * ~~(هذا يوم لا ينطقون) * (المرسلات: 53) وتخصيص قوله تعالى: * (وأوتيت من كل ~~شئ) * (النمل: 32) و * (تدمر كل شئ بأمر ربها) * (الأحقاف: 52) و * (ويحيى ~~إليه ثمرات كل شئ) (القصص: 75) وكانوا لا ينسخون إلا بنص وضرورة، أما ~~بالتوهم فلا، ولعل السبب أن في جعلهما متضادين إسقاطهما ذا لم يظهر ~~التاريخ، وفي جعله بيانا استعمالها، وإذا تخيرنا بين الاستعمال والاسقاط ~~فالاستعمال هو الأصل ولا يجوز الاسقاط إلا لضرورة. # تنبيه: أعلم أن القاضي أيضا إنما يقدر النسخ بشرط أن لا يظهر دلالة على ~~إرادة البيان، مثاله قوله: لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب، عام يعارضه ~~خصوص قوله صلى الله عليه وسلم: إهاب دبغ فقد طهر لكن القاضي يقدره نسخا ~~بشرطين: أحدهما: # أن لا ينبت في اللسان اختصاص اسم الإهاب بغير المدبوغ، فقد قيل ما لم ~~يدبغ الجلد يسمى إهابا، فإذا دبغ فأديم وصرم وغيره، فإن صح هذا فلا تعارض ~~بين اللفظين. الثاني: أنه روي عن ابن عباس أنه عليه السلام مر بشاة لميمونة ~~ميتة فقال: ألا أخذوا إهابها فدبغوه وانتفعوا به وكانوا قد تركوها لكونها ~~ميتة ثم كتب: ms396 لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب، فساق الحديث سياقا يشعر ~~بأنه جرى متصلا، فيكون بيانا ناسخا لان شرط النسخ التراخي. # المرتبة الثالثة: من التعارض أن يتعارض عمومان، فيزيد أحدهما على الآخر ~~من وجه وينقص عنه من وجه، مثاله قوله عليه السلام من بدل دينه فاقتلوه فإنه ~~يعم النساء مع قوله: نهيت عن قتل النساء فإنه يعم المرتدات، وكذلك قوله: ~~نهيت عن الصلاة بعد العصر فإنه يعم الفائتة أيضا مع قوله: من نام عن صلاة ~~أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإنه يعم المستيقظ بعد العصر، وكذلك قوله: * ~~(تعلمون) * (النساء: 32) فإنه يشمل جمع الأختين في ملك اليمين أيضا مع ~~قوله: * (أو ما ملكت أيمانكم) * (النساء: 3) فإنه يحل الجمع بين الأختين ~~بعمومه فيمكن أن يخصص قوله: * (وأن تجمعوا بني الأختين) * (النساء: 32) ~~بجمع الأختين في النكاح دون ملك اليمين لعموم قوله: * (أو ما ملكت أيمانكم) ~~* فهو على مذهب القاضي تعارض وتدافع بتقدير النسخ، ويشهد له قول علي وعثمان ~~رضي الله عنهما لما سئلا عن هذه المسألة، أعني جمع أختين PageV00P254 # في ملك اليمين، فقالا: حرمتهما آية وحللتهما آية، أما على مذهبنا في حمله ~~على البيان ما أمكن ليس أيضا أحدهما، بأولى من الآخر ما لم يظهر ترجيح، وقد ~~ظهر فنقول: حفظ عموم قوله: * (وأن تجمعوا بين الأختين) * أولى لمعنيين: ~~أحدهما: إنه عموم لم يتطرق إليه تخصيص متفق عليه، فهو أقوى من عموم تطرق ~~إليه التخصيص بالاتفاق إذ قد استثنى عن تحليل ملك اليمن المشتركة ~~والمستبرأة والمجوسية والأخت من الرضاع والنسب وسائر المحرمات أما الجمع ~~بين الأختين فحرام على العموم. الثاني: أن قوله: * (وأن تجمعوا بين ~~الأختين) * (النساء: 32) سيق بعد ذكر المحرمات وعدها على الاستقصاء إلحاقا ~~لمحرمات تعم الحرائر والإماء، وقوله: * (أو ما ملكت أيمانكم) * (النساء: 3) ~~ما سيق لبيان المحللات قصدا بل في معرض الثناء على أهل التقوى الحافظين ~~فروجهم عن غير الزوجات والسراري فلا يظهر منه قصد البيان. فإن قيل: هل يجوز ~~أن يتعارض عمومان ويخلوا عن دليل الترجيح؟ قلنا: قال قوم: لا يجوز ms397 ذلك، ~~لأنه يؤدي إلى التهمة ووقوع الشبهة لتناقض الكلامين، وهو منفر عن الطاعة ~~والاتباع والتصديق، وهذا فاسد بل، ذلك جائز ويكون ذلك مبينا لأهل العصر ~~الأول، وإنما خفي علينا لطول المدة واندراس القرائن والأدلة ويكون ذلك محنة ~~وتكليفا علينا لنطلب الدليل من وجه آخر من ترجيح أو نتخير، ولا تكليف في ~~حقنا إلا بما بلغنا فليس فيه محال، وأما ما ذكروه من التنفير والتهمة ~~فباطل، فإن ذلك قد نفر طائفة من الكفار في ورود النسخ حتى قال تعالى: * ~~(وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر) * ~~(النحل: 101) الآية، ثم ذلك لم يدل على استحالة النسخ. # الفصل الثاني في جواز إسماع العموم من لم يسمع الخصوص وقد اختلفوا في ~~جوازه فقيل: لا يجوز ذلك، لان فيه الباسا وتجهيلا، ونحن نقول: يجب على ~~الشارع أن يذكر دليل الخصوص إما مقترنا وإما متراخيا على ما ذكرناه من ~~تأخير البيان، وليس من ضرورة كل مجتهد بلغه العموم أن يبلغه دليل الخصوص، ~~بل يجوز أن يغفل عنه، ويكون حكم الله عليه العمل بالعموم، وهذا القدر الذي ~~بلغه لا يكلف ما لم يبلغه، ودليل جوازه وقوعه بالاجماع فإن من الأدلة ~~المخصصة ما هي عقلية غامضة عجز عنها الأكثرون إلا الراسخون في العلم وغلطوا ~~فيها، فالألفاظ المتشابهة في القرآن الموهمة للتشبيه بلغت الجميع والأدلة ~~العقلية الغامضة لم ينتبه لها الجميع، ولم يرد الشرع صريحا بنفي التشبيه ~~وقطع الوهم، وذلك سبب للجهل، والدليل عليه وقوع الجهل للمشبهة، فإن قيل: ~~العقل الذي يدل على التخصيص عتيد لكل عاقل، فالحوالة عليه ليس بتجهيل، قلنا ~~وأي شئ ينفع كونه عتيدا ولم يزل به جهل الأكثرين وكان يزول بالتصريح، والنص ~~الذي لا يوهم التشبيه أصلا، احتجوا بشبهتين: # الأولى: إنه لو جاز ذلك لجاز أن يسمعهم المنسوخ دون الناسخ، والمستثنى ~~دون الاستثناء. # قلنا: ذلك جائز في النسخ، وعليه العمل بالمنسوخ إلى أن يبلغه الناسخ، ~~وليس عليه إلا تجويز النسخ والتصفح عن دليله، فإذا لم يبلغه فلا تكليف عليه ms398 ~~بما لم يبلغه، كما إذا عجز من معرفة التخصيص بعد البحث عمل بالعموم، وأما ~~الاستثناء فيشترط إتصاله، فكيف لا يبلغه؟ نعم: # يجوز أن يسمعه الأول فينزعج عن المكان لعارض قبل سماع الاستثناء فلا ~~يسمعه فلا يكون PageV00P255 # مكلفا بما لم يبلغه. الشبهة الثانية: قولهم تبليغ العام دون دليل الخصوص ~~تجهيل فإنه يعتقد العموم وهو جهل، قلنا جهل من جهته إن اعتقد جزما عمومه، ~~بل ينبغي أن يعتقد أن ظاهره العموم وهو محتمل للخصوص ومكلف بطلب دليل ~~الخصوص إلى أن يبلغه أو يظهر له انتفاؤه، لأنه إن اعتقد أنه عام قطعا أو ~~خاص قطعا أو لا عام ولا خاص، أو هو عام وخاص معا، فكل ذلك جهل، فإذا بطل ~~الكل لم يبق إلا اعتقاد أنه ظاهر في العموم محتمل للخصوص، وبهذا يتبين ~~بطلان مذهب أبي حنيفة حيث قال: قوله: * (فتحرير رقبة) * (النساء: 92، ~~المجادلة: 3) يجب أن يعتقد عمومه قطعا حتى يكون إخراج الكافرة نسخا، وقوله: ~~* (وليطوفوا بالبيت العتيق) * (الحج: 92) يجب اعتقاد إجزائه قطعا، حتى يكون ~~اشتراط الطهارة بدليل آخر نسخا، وهو خطأ بل يعتقده ظاهرا محتملا، أو يتوقف ~~عن القطع والجزم نفيا وإثباتا، فإنه ليس بقاطع. # الفصل الثالث في الوقت الذي يجوز للمجتهد الحكم بالعموم فيه فإن قال ~~قائل: # إذا لم يجز الحكم بالعموم ما لم يتبين انتفاء دليل الخصوص، فمتى يتبين له ~~ذلك: وهل يشترط أن يعلم انتفاء المخصص قطعا أو يظنه ظنا؟ قلنا: لا خلاف في ~~أنه لا يجوز المبادرة إلى الحكم بالعموم قبل البحث عن الأدلة العشرة التي ~~أوردناها في المخصصات، لان العموم دليل بشرط انتفاء المخصص، والشرط بعد لم ~~يظهر، وكذلك كل دليل يمكن أن يعارضه دليل، فهو دليل بشرط السلامة عن ~~المعارضة، فلا بد من معرفة الشرط، وكذلك الجمع بعلة مخيلة بين الفرع والأصل ~~دليل بشرط أن لا ينقدح فرق فعليه أن يبحث عن الفوارق جهده أو ينفيها ثم ~~يحكم بالقياس، وهذا الشرط لا يحصل إلا بالبحث، ولكن المشكل أنه إلى متى يجب ~~البحث فإن المجتهد وإن استقصى ms399 أمكن أن يشذ عنه دليل لم يعثر عليه فكيف يحكم ~~مع إمكانه، أو كيف ينحسم سبيل إمكانه، وقد انقسم الناس في هذا على ثلاثة ~~مذاهب: فقال قوم: يكفيه أن يحصل غلبة الظن بالانتفاء عند الاستقصاء في ~~البحث، كالذي يبحث عن متاع في بيت فيه أمتعة كثيرة فلا يجده، فيغلب على ظنه ~~عدمه، وقائل يقول: لا بد من اعتقاد جازم وسكون نفس بأنه لا دليل، أما إذا ~~كان يشعر بجواز دليل يشذ عنه ويحيك في صدره إمكانه، فكيف يحكم بدليل يجوز ~~أن يكون الحكم به حراما؟ نعم إذا اعتقد جزما وسكنت نفسه إلى الدليل جاز له ~~الحكم كان مخطئا عند الله أو مصيبا، كما لو سكنت نفسه إلى القبلة فصلى ~~إليها، وقال قوم: لا بد أن يقطع بانتفاء الأدلة، وإليه ذهب القاضي لان ~~الاعتقاد الجزم من غير دليل قاطع سلامة قلب وجهل، بل العالم الكامل يشعر ~~نفسه بالاحتمال حيث لا قاطع ولا تسكن نفسه، والمشكل على هذا طريق تحصيل ~~القطع بالنفي، وقد ذكر فيه القاضي مسلكين: أحدهما: إنه إذا بحث في مسألة ~~قتل المسلم بالذمي عن مخصصات قوله: لا يقتل مؤمن بكافر مثلا: فقال هذه ~~مسألة طال فيها خوض العلماء وكثر بحثهم فيستحيل في العادة أن يشذ عن جميعهم ~~مدركها وهذه المدارك المنقولة عنهم علمت بطلانها، فأقطع بأن لا مخصص لها، ~~وهذا فاسد من وجهين: أحدهما: إنه حجر على الصحابة أن يتمسكوا بالعموم في كل ~~واقعة لم يكثر الخوض فيها ولم يطل البحث عنها، ولا PageV00P256 # شك في عملهم مع جواز التخصيص بل مع جواز نسخ لم يبلغهم كما حكموا بصحة ~~المخابرة بدليل عموم إحلال البيع، حتى روى رافع بن خديج النهي عنها. ~~الثاني: أنه بعد طول الخوض لا يحصل اليقين، بل إن سلم إنه لا يشذ المخصص عن ~~جميع العلماء، فمن أين لقي جميع العلماء، ومن أين عرف أنه بلغه كلام ~~جميعهم، فلعل منهم من تنبه لدليله وما كتبه في تصنيفه ولا نقل عنه، وإن ~~أورده في تصنيفه فلعله لم يبلغه، ms400 وعلى الجملة لا يظن بالصحابة فعل المخابرة ~~مع اليقين بانتفاء النهي: وكان النهي حاصلا ولم يبلغهم، بل كان الحاصل إما ~~ظنا وإما سكون نفس. المسلك الثاني: قال القاضي: لا يبعد أن يدعي المجتهد ~~اليقين وإن لم يدع الإحاطة بجميع المدارك، إذ يقول: لو كان الحكم خاصا لنصب ~~الله تعالى عليه دليلا للمكلفين، ولبلغهم ذلك وما خفي عليهم، وهذا أيضا من ~~الطراز الأول، فإنه: لو اجتمعت الأمة على شئ أمكن القطع بأن لا دليل يخالفه ~~إذ يستحيل إجماعهم على الخطأ، أما في مسألة الخلاف كيف يتصور ذلك والمختار ~~عندنا، أن تيقن الانتفاء إلى هذا الحد لا يشترط، وأن المبادرة قبل البحث لا ~~تجوز، بل عليه تحصيل علم وظن باستقصاء البحث، أما الظن فبانتفاء الدليل في ~~نفسه، وأما القطع فبانتفائه في حقه بتحقق عجز نفسه عن الوصول إليه بعد بذل ~~غاية وسعه، فيأتي بالبحث الممكن إلى حد يعلم أن بحثه بعد ذلك سعي ضائع، ~~ويحس من نفسه بالعجز يقينا فيكون العجز عن العثور على الدليل في حقه يقينا، ~~وانتفاء الدليل في نفسه مظنون، وهو الظن بالصحابة في المخابرة ونظائرها، ~~وكذلك الواجب في القياس والاستصحاب وكل ما هو مشروط بنفي دليل آخر. # الباب الخامس في الاستثناء والشرط والتقييد بعد الاطلاق الكلام في ~~الاستثناء والنظر في حقيقته وحده، ثم في شرطه، ثم في تعقب الجمل المترادفة، ~~فهذه ثلاثة فصول. # الفصل الأول في حقيقة الاستثناء: وصيغه معرفة، وهي: إلا وعدا، وحاشا ~~وسوى، وما جرى مجراها، وأم الباب: لا، وحده أنه قول ذو صيغ مخصوصة محصورة ~~دال على أن المذكور فيه لم يرد بالقول الأول، ففيه احتراز عن أدلة التخصيص، ~~لأنها قد لا تكون قولا وتكون فعلا وقرينة ودليل عقل فإن كان قولا فلا تنحصر ~~صيغه، واحترزنا بقولنا ذو صيغ محصورة: عن قوله: رأيت المؤمنين ولم أر زيدا، ~~فإن العرب لا تسميه استثناء وإن أفاد ما يفيده قوله إلا زيدا، ويفارق ~~الاستثناء التخصيص في أنه يشترط اتصاله وأنه يتطرق إلى الظاهر والنص جميعا، ~~إذ يجوز أن ms401 يقول: عشرة إلا ثلاثة: كما يقول: اقتلوا المشركين إلا زيدا ~~والتخصيص لا يتطرق إلى النص أصلا، وفيه احتراز عن النسخ إذ هو رفع وقطع، ~~وفرق بين النسخ والاستثناء والتخصيص أن النسخ رفع لما دخل تحت اللفظ ~~والاستثناء يدخل على الكلام، فيمنع أن يدخل تحت اللفظ ما كان يدخل لولاه، ~~والتخصيص يبين كون اللفظ قاصرا عن البعض فالنسخ قطع ورفع، والاستثناء رفع، ~~والتخصيص بيان، وسيأتي لهذا مزيد تحقيق في فصل الشرط إن شاء الله. ~~PageV00P257 # الفصل الثاني في الشروط: وهي ثلاثة: الأول: الاتصال، فمن قال: اضرب ~~المشركين: ثم قال بعد ساعة: إلا زيدا لم يعد هذا كلاما، بخلاف ما لو قال: ~~أردت بالمشركين قوما ما دون قوم، ونقل عن ابن عباس أنه جوز تأخير ~~الاستثناء، ولعله لا يصح عنه النقل، إذ لا يليق ذلك بمنصبه، وأن صح فلعله ~~أراد به إذا نوى الاستثناء أولا ثم أظهر نيته بعده فيدين بينه وبين الله ~~فيما نواه، ومذهبه أن ما يدين فيه العبد فيقبل ظاهرا أيضا فهذا له وجه. # أما تجويز التأخير لو أجيز عليه دون هذا التأويل، فيرد عليه اتفاق أهل ~~اللغة على خلافه لأنه جزء من الكلام يحصل به الاتمام، فإذا انفصل لم يكن ~~إتماما كالشرط وخبر المبتدأ، فإنه لو قال: اضرب زيدا إذا قام فهذا شرط، فلو ~~أخر ثم قال: بعد شهر، إذا قام لم يفهم هذا الكلام فضلا عن أن يصير شرطا، ~~وكذلك قوله: إلا زيدا بعد شهر لا يفهم، وكذلك لو قال زيد، ثم قال بعد شهر: ~~قام لم يعد هذا خبرا أصلا، ومن ههنا قال قوم يجوز التأخير لكن بشرط أن يذكر ~~عند قوله: إلا زيدا أني أريد الاستثناء حتى يفهم، وهذا أيضا لا يغني فإن ~~هذا لا يسمى استثناء. احتجوا بجواز تأخير النسخ وأدلة التخصيص وتأخير ~~البيان فنقول: # إن جاز القياس في اللغة فينبغي أن يقاس عليه الشرط والخبر، ولا ذاهب إليه ~~لأنه لا قياس في اللغات، وكيف يشبه بأدلة التخصيص وقوله: إلا زيدا يخرج عن ~~كونه مفهوما، ms402 فضلا عن أن يكون إتماما للكلام الأول. والشرط الثاني: أن يكون ~~المستثنى من جنس المستثنى منه، كقوله رأيت الناس إلا زيدا، ولا تقول: رأيت ~~الناس إلا حمارا، أو تستثنى جزءا مما دخل تحت اللفظ كقوله: رأيت الدار إلا ~~بابها، ورأيت زيدا إلا وجهه، وهذا استثناء من غير الجنس، لان اسم الدار لا ~~ينطلق على الباب، واسم زيد على وجهه، بخلاف قوله: مائة ثوب إلا ثوبا، وعن ~~هذا قال قوم: ليس مشرط الاستثناء أن يكون من الجنس، قال الشافعي: لو قال: ~~علي مائة درهم إلا ثوبا صح ويكون معناه: إلا قيمة ثوب، ولكن إذا رد إلى ~~القيمة فكأنه تكلف رده إلى الجنس، وقد ورد الاستثناء من غير الجنس، كقوله ~~تعالى: # * (فسجد الملائكة كلهم أجمعون كيف) * (الحجر: 03 - 13) ولم يكن من ~~الملائكة، فإنه قال: * (إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه) * (الكهف: ~~05) وقال تعالى: * (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ) * (النساء: 29) ~~استثنى الخطأ من العمد، وقال تعالى: # * (فإنهم عدو لي إلا رب العالمين) * (الشعراء: 77) وقال: * (لا تأكلوا ~~أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة) * (النساء: 92) وقال تعالى: * ~~(وما لاحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الاعلى) (الليل: 91 - 02) ~~وهذا الاستثناء ليس فيه معنى التخصيص والاخراج إذ المستثنى ما كان ليدخل ~~تحت اللفظ أصلا، ومن معتاد كلام العرب ما في الدار رجل إلا امرأة، وما له ~~ابن إلا ابنة، وما رأيت أحدا إلا ثورا، وقال شاعرهم: # وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس وقال آخر: # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب PageV00P258 # وقد تكلف قوم عن هذا كله جوابا فقالوا: ليس هذا استثناء حقيقة، بل هو ~~مجاز، وهذا خلاف اللغة، فإن إلا في اللغة للاستثناء والعرب تسمى هذا ~~استثناء ولكن تقول: هو استثناء من غير الجنس وأبو جنيفة رحمه الله جوز ~~استثناء المكيل من الموزون وعكسه ولم يجوز استثناء غير المكيل والموزون ~~منهما في الأقارير، وجوزه الشافعي رحمه الله، والأولى التجويز في ms403 الأقارير، ~~لأنه إذا صار معتادا في كلام العرب وجب قبوله لانتظامه، نعم اسم الاستثناء ~~عليه مجاز أو حقيقة، وهذا فيه نظر، واختار القاضي رحمه الله أنه حقيقة، ~~والأظهر عندي أنه مجاز، لان الاستثناء من الثني، تقول: ثنيت زيدا عن رأيه ~~وثنيت العنان، فيشعر الاستثناء بصرف الكلام عن صوبه الذي كان يقتضيه سياقه، ~~فإذا ذكر ما لا دخول له في الكلام الأول لولا الاستثناء أيضا فما صرف ~~الكلام ولا ثناه عن وجه استرساله، فتسميته استثناء تجوز باللفظ عن موضعه، ~~فتكون إلا في هذا الموضع بمعنى لكن. الشرط الثالث: أن لا يكون مستغرقا، فلو ~~قال: لفلان علي عشرة إلا عشرة لزمته العشرة، لأنه رفع الاقرار، والاقرار لا ~~يجوز رفعه، وكذلك كل منطوق به لا يرفع، ولكن يتمم بما يجري مجرى الجزء من ~~الكلام، وكما أن الشرط جزء من الكلام، فالاستثناء جزء، وإنما لا يكون رفعا ~~بشرط أن يبقى للكلام معنى، أما استثناء الأكثر فقد اختلفوا فيه، والأكثرون ~~على جوازه. قال القاضي رحمه الله: وقد نظرنا في مواضع جوازه، والأشبه أن لا ~~يجوز، لان العرب تستقبح استثناء الأكثر وتستحمق قول القائل: رأيت ألفا إلا ~~تسعمائة وتسعة وتسعين بل قال كثير من أهل اللغة لا يستحسن استثناء عقد صحيح ~~بأن يقول: عندي مائة إلا عشرة، أو عشرة إلا درهم بل مائة إلا خمسة، وعشرة ~~إلا دانقا، كما قال تعالى: * (فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما) ~~(العنكبوت: 41) فلو بلغ المائة لقال: فلبث فيهم، تسعمائة، ولكن لما كان ~~كسرا استثناه قال: ولا وجه لقول من قال: لا ندري استقباحهم أطراح لهذا ~~الكلام عن لغتهم، أو هو كراهة واستثقال، لأنه إذا ثبت كراهتهم وإنكارهم ثبت ~~أنه ليس من لغتهم، ولو جاز في هذا لجاز في كل ما أنكروه وقبحوه من كلامهم، ~~احتجوا بأنه لما جاز استثناء الأقل، جاز استثناء الأكثر وهذا قياس فاسد ~~كقول القائل إذا جاز استثناء البعض جاز استثناء الكل ولا قياس في اللغة، ثم ~~كيف يقاس ما كرهوه وأنكروه على استحسنوه واحتجوا بقوله ms404 تعالى: * (قم الليل ~~إلا قليلا ئ نصفه أو انقص منه قليلا فالملقيات) * (المزمل: 2 - 3 - 4) ولا ~~فرق بين استثناء النصف والأكثر، فإنه ليس بأقل، وقال الشاعر: # أدوا التي نقصت تسعين من مائة ثم ابعثوا حكما بالحق قوالا والجواب: أن ~~قوله تعالى: * (قم الليل إلا قليلا نصفه) * [المزمل: 2 - 4] أي قم نصفه، ~~وليس باستثناء، وقول الشاعر ليس باستثناء، إذ يجوز أن تقول: أسقطت تسعين من ~~جملة المائة، هذا ما كره القاضي، والأولى عندنا: أن هذا استثناء صحيح وإن ~~كان مستكرها، فإذا قال: علي عشرة إلا تسعة فلا يلزمه باتفاق الفقهاء إلا ~~درهم، ولا سبب له إلا أنه استثناء صحيح وإن كان قبيحا، كقوله علي عشرة إلا ~~تسع سدس ربع درهم، فإن هذا قبيح لكن يصح، وإنما المستحسن استثناء الكسر، ~~وأما قوله عشرة إلا أربعة فليس بمستحسن بل PageV00P259 # ربما يستنكر أيضا، لكن الاستنكار على الأكثر أشد، وكلما ازداد قلة ازداد ~~حسنا. # الفصل الثالث في تعقب الجمل بالاستثناء فإذا قال القائل: من قذف زيدا ~~فأضر به وأرد: شهادته واحكم بفسقه إلا أن يتوب، أو: إلا الذين تابوا، ومن ~~دخل الدار وأفحش الكلام وأكل الطعام عاقبه إلا من تاب، فقال قوم: يرجع إلى ~~الجميع، وقال قوم: يقصر على الأخير، وقال قوم: يحتمل كليهما، فيجب التوقف ~~إلى قيام دليل. # وحجج القائلين بالشمول ثلاث: الأولى: أنه لا فرق بين أن يقول: اضرب ~~الجماعة التي منها قتلة وسراق وزناة إلا من تاب، وبين قوله عاقب من قتل ~~وزنى وسرق إلا من تاب في رجوع الاستثناء إلى الجميع. الاعتراض: أن هذا ~~قياس، ولا مجال للقياس في اللغة، فلم قلتم: أن اللفظ المتفاضل المتعدد ~~كاللفظ المتحد. الثانية: قولهم أهل اللغة مطبقون على أن تكرار الاستثناء ~~عقيب كل جملة نوع من العي واللكنة، كقوله: إن دخل الدار فأضربه إلا أن ~~يتوب، وإن أكل فاضربه إلا أن يتوب، وإن تكلم فاضربه إلا أن يتوب، وهذا ما ~~لا يستنكر الخصم استقباحه، بل يقول. ذلك واجب لتعرف شمول الاستثناء. ~~الثالثة: أنه لو قال: ms405 # والله لا أكلت الطعام ولا دخلت الدار ولا كلمت زيدا إن شاء الله تعالى، ~~يرجع الاستثناء إلى الجميع، وكذلك الشرط عقيب الجمل يرجع إليها، كقوله: أعط ~~العلوية والعلماء إن كانوا فقراء، وهذا مما لا تسلمه، الواقفية، بل يقولون: ~~هو متردد بين الشمول والاقتصار، والشك كاف في استصحاب الأصل من براءة الذمة ~~في اليمن، ومنع الاعطاء إلا عند الاذن المستيقن، ومن سلم من المخصصة ذلك ~~فهو مشكل عليه إلا أن يجيب بإظهار دليل فقهي يقضي في الشرط خاصة دون ~~الاستثناء، وحجة المخصصة اثنتان: الأولى: قولهم أن المعممين عمموا لان كل ~~جملة غير مستقلة فصارت جملة واحدة بالواو والعاطفة، ونحن إذا خصصنا بالأخير ~~جعلناها مستقلة، وهذا تقرير علة للخصم واعتراض عليهم، ولعلهم لا يعللون ~~بذلك، ثم علة عدم الاستقلال أنه لو اقتصر عليه لم يغد وهذا لا يندفع بتخصيص ~~الاستثناء به. الثانية: قولهم إطلاق الكلام الأول معلوم، ودخوله تحت ~~الاستثناء مشكوك فيه، فلا ينبغي أن يخرج منه ما دخل فيه إلا بيقين، وهذا ~~فاسد من أوجه: الأول: أنا لا نسلم إطلاق الأول قبل تمام الكلام، وما تم ~~الكلام حتى أردف باستثناء يرجع إليه عند المعمم، ويحتمل الرجوع إليه عند ~~المتوقف. الثاني: أنه لا يتعين رجوعه إلى الأخير، بل يجوز رجوعه إلى الأول ~~فقط فكيف نسلم اليقين. الثالث: أنه لا يسلم ما ذكروه في الشرط والصفة ويسلم ~~أكثرهم عموم ذلك، ويلزمهم قصر لفظ الجمع على الاثنين أو الثلاثة لأنه ~~المستيقن. # حجة الواقفية: أنه إذا بطل التعميم والتخصيص، لان كل واحد تحكم ورأينا ~~العرب تستعمل كل واحد منهما لا يمكن الحكم بأن أحدهما حقيقة والآخر مجاز، ~~فيجب التوقف لا محالة إلا أن يثبت نقل متواتر من أهل اللغة أنه حقيقة في ~~أحدهما مجاز في الآخرة، وهذا هو الأحق، وإن لم يكن بد من رفع التوقف، فمذهب ~~المعممين أولى، لان الواو ظاهرة في العطف، PageV00P260 # وذلك يوجب نوعا من الاتحاديين بين المعطوف والمعطوف عليه، لكن الواو ~~محتمل أيضا للابتداء، كقوله تعالى: * (لنبين لكم ونقر في الأرحام ms406 ما نشاء ~~إلى أجل مسمى) [الحج: 5] وقوله عز وجل: (فإن يشأ الله يختم على قلبك ويمح ~~الله) [الشورى: 24] والذي يدل على أن التوقف أولى أنه ورد في القرآن ~~الأقسام كلها من الشمول والاقتصار على الأخير والرجوع إلى بعض الجمل ~~السابقة، كقوله تعالى: * (في) * (النور: 4) فقوله تعالى: # * (إلا الذين تابوا) * (النور: 5) لا يرجع إلى الجلد، ويرجع إلى الفسق، ~~وهل يرجع إلى الشهادة؟ فيه خلاف، وقوله تعالى: * (فتحرير رقبة مؤمنة ودية ~~مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا) * (النساء: 29) يرجع إلى الأخير وهو الدية، ~~لان التصدق لا يؤثر في الاعتاق، وقوله تعالى: * (فكفارته إطعام عشرة مساكين ~~من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة ~~أيام) [المائدة: 89] فقوله: (فمن لم يجد) [المائدة: 89] يرجع إلى الخصال ~~الثلاثة، وقوله تعالى: * (وإذا جاءهم أمر من الامن أو الخوف أذاعوا به ولو ~~ردوه إلى الرسول وإلى أولي الامر منهم لعلمه) * إلى قوله: * (إلا قليلا) * ~~(النساء: 83) فهذا يبعد حمله على الذي يليه لأنه يؤذي إلى أن لا يتبع ~~الشيطان بعض من لم يشمله فضل الله ورحمته، فقيل أنه محمول على قوله: (لعلمه ~~الذين يستنبطونه منهم) (النساء: 83) إلا قليلا منهم لتقصير وإهمال وغلط، ~~وقيل: إنه يرجع إلى قوله: * (أذاعوا به) * (النساء: 83) ولا يبعد أن يرجع ~~إلى الأخير، ومعناه: ولولا فصل الله عليكم ورحمته ببعثة محمد عليه السلام ~~لاتبعتم الشيطان إلا قليلا قد كان تفضل عليهم بالعصمة من الكفر قبل البعثة، ~~كأويس القرني، وزيد بن عمرو بن نفيل، وقس بن ساعدة وغيرهم ممن تفضل الله ~~عليهم بتوحيده واتباع رسوله قبله. # القول في دخول الشرط على الكلام اعلم أن الشرط عبارة عما لا يوجد المشروط ~~مع عدمه، لكن لا يلزم أن يوجد عند وجوده، وبه يفارق العلة، إذ العلة يلزم ~~وجودها وجود المعلول، والشرط يلزم من عدمه عدم المشروط، ولا يلزم من وجوده ~~وجوده، والشرط عقلي وشرعي ولغوي، والعقلي: كالحياة للعلم، والعلم للإرادة، ~~والمحل للحياة، إذ الحياة تنتفي بانتفاء المحل، فإنه لا بد لها من ms407 محل، ولا ~~يلزم وجودها بوجود المحل. والشرعي كالطهارة للصلاة، والاحصان للرجم. ~~واللغوي: كقوله إن دخلت الدار فأنت طالق، وإن جئتني أكرمتك، فإن مقتضاه في ~~اللسان باتفاق أهل اللغة اختصاص الاكرام بالمجئ، فإنه إن كان يكرمه دون ~~المجئ لم يكن كلامه اشتراطا، فنزل الشرط منزلة تخصيص العموم ومنزلة ~~الاستثناء إذ لا فرق بين قوله: * (فاقتلوا المشركين) * (التوبة: 5) إلا أن ~~يكونوا أهل عهد، وبين أن يقول: اقتلوا المشركين إن كانوا حربيين، وكل واحد ~~من الشرط والاستثناء يدخل على الكلام فيغيره عما كان يقتضيه لولا الشرط ~~والاستثناء حتى يجعله متكلما بالباقي، لا إنه مخرج من كلامه ما دخل فيه ~~فإنه لو دخل فيه لما خرج، نعم: كان يقبل القطع في الدوام بطريق النسخ، فأما ~~رفع ما سبق دخوله في الكلام فمحال، فإذا قال: أنت طالق إن دخلت الدار، ~~فمعناه: أنك عند الدخول طالق، فكأنه لم يتكلم بالطلاق إلا بالإضافة إلى حال ~~الدخول، أما أن نقول: تكلم PageV00P261 # بالطلاق عاما مطلقا دخل أو لم يدخل، ثم أخرج ما قبل الدخول فليس هذا ~~بصحيح. فإن قيل: قوله * (فاقتلوا المشركين) * إلا أهل الذمة، أو إن لم ~~يكونوا ذميين، فلفظ المشركين متناول للجميع، ولأهل الذمة لكن خرج أهل الذمة ~~بإخراجه بالشرط والاستثناء، قلنا: هو كذلك لو اقتصر عليه، ولذلك يمتنع ~~الاخراج بالشرط، والاستثناء منفصلا ولو قدر على الاخراج لم يفرق بين ~~المنفصل والمتصل، ولكن إذا لم يقتصر وألحق به ما هو جزء منه وإتمام له غير ~~موضوع الكلام، فجعله كالناطق بالباقي ودفع دخول البعض، ومعنى الدفع أنه كان ~~يدخل لولا الشرط والاستثناء فإذا لحقا قبل الوقوف دفعا، فقوله تعالى: * ~~(فويل للمصلين) * (الماعون: 4) لا حكم له قبل إتمام الكلام، فإذا تم الكلام ~~كان الويل مقصورا على من وجد فيه شرط السهو والرياء، لا أنه دخل فيه كل مصل ~~ثم خرج البعض، فهكذا ينبغي أن يفهم حقيقة الاستثناء والشرط، فأعلموه ~~ترشدوا. # القول في المطلق والمقيد اعلم أن التقييد اشتراط والمطلق محمول على ~~المقيد إن اتحد الموجب والموجب كما لو قال: ms408 لا نكاح إلا بولي وشهود وقال: ~~لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل فيحمل المطلق على المقيد، فلو قال في كفارة ~~القتل: (فتحرير رقبة) (النساء: 92) ثم قال فيها مرة أخرى: (فتحرير رقبة) ~~(النساء: 29) فيكون هذا اشتراطا ينزل عليه الاطلاق، وهذا صحيح، ولكن على ~~مذهب من لا يرى بين الخاص والعام تقابل الناسخ والمنسوخ كما نقلناه عن ~~القاضي والقاضي مع مصيره إلى التعارض نقل الاتفاق عن العلماء على تنزيل ~~المطلق على المقيد عند اتحاد الحكم، أما إذا اختلف الحكم كالظهار والقتل، ~~فقال قوم: يحمل المطلق على المقيد من غير حاجة إلى دليل، كما لو اتحدت ~~الواقعة وهذا تحكم محض يخالف وضع اللغة إذ لا يتعرض القتل للظهار فكيف يرفع ~~الاطلاق الذي فيه والأسباب المختلفة تختلف في الأكثر شروط واجباتها، كيف ~~ويلزم من هذا تناقض، فإن الصوم مقيد بالتتابع في الظهار والتفريق في الحج، ~~حيث قال تعالى: # * (ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم) * (البقرة: 691) ومطلق في ~~اليمين، فليت شعري على أي المقيدين يحمل، فقال قوم: لا يحمل على المقيد ~~أصلا، وإن قام دليل القياس لأنه نسخ ولا سبيل إلى نسخ الكتاب بالقياس، وإلى ~~هذا ذهب أبو حنيفة، إذا جعل الزيادة على النص نسخا، وقد بينا فساد هذا في ~~كتاب النسخ، وأن قوله تعالى: * (فتحرير رقبة) * (النساء: 92) ليس هو نصا في ~~أجزاء الكافرة، بل هو عام يعتقد ظهوره مع تجويز قيام الدليل على خصوصه، أما ~~أن يعتقد عمومه قطعا، فهذا خطأ في اللغة. وقال الشافعي رحمه الله: إن قام ~~دليل حمل عليه، ولم يكن فيه إلا تخصيص العموم، وهذا هو الطريق الصحيح، فإن ~~قيل: # إنما يطلب بالقياس حكم مما ليس منطوقا به في كفارة الظهار، ومقتضاها ~~أجزاء الكافرة، قلنا بينا أن كون الكافرة منطوقا بها مشكوك فيه، إذ ليس ~~تناول عموم الرقبة له كالتنصيص على الكافرة، وقد كشفنا الغطاء في مسألة ~~تخصيص عموم القرآن بالقياس. هذا تمام القول في العموم والخصوص ولواحقه من ~~الاستثناء والشرط والتقييد، وبه تم الكلام في الفن الأول وهو ms409 دلالة اللفظ ~~على معناه من حيث الصيغة والوضع. PageV00P262 # الفن الثاني فيما يقتبس من الألفاظ لا من حيث صيغتها بل من حيث فحواها ~~وإشارتها وهي خمسة أضرب الضرب الأول ما يسمى اقتضاء، وهو الذي لا يدل عليه ~~اللفظ ولا يكون منطوقا به ولكن يكون من ضرورة اللفظ إما من حيث لا يمكن كون ~~المتكلم صادقا إلا به، أو من حيث يمتنع وجود الملفوظ شرعا إلا به، أو من ~~حيث يمتنع نبوته عقلا إلا به. أما المقتضى الذي هو ضرورة صدق المتكلم ~~فكقوله عليه السلام: لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل فإنه نفى الصوم ~~والصوم لا ينتفي بصورته، فمعناه لا صيام صحيح أو كامل فيكون حكم الصوم هو ~~المنفي لا نفسه، والحكم غير منطوق به، لكن لا بد منه لتحقيق صدق الكلام، ~~فعن هذا قلنا لا عموم له لأنه ثبت اقتضاء لا لفظا، وهذا يصح على مذهب من ~~ينكر الأسماء الشرعية ويقول: لفظ الصوم باق على مقتضى اللغة، فيفتقر فيه ~~إلى إضمار الحكم، أما من جعله عبارة عن الصوم الشرعي فيكون انتفاؤه بطريق ~~النطق لا بطريق الاقتضاء، بل مثاله: # لا عمل إلا بنية ورفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما سبقت أمثلته في باب ~~المجمل. وأما مثال ما ثبت اقتضاء لتصور المنطوق به شرعا، فقول القائل: أعتق ~~عبدك عني فإنه يتضمن الملك ويقتضيه ولم ينطق به لكن العتق المنطوق به شرط ~~نفوذه شرعا تقدم الملك، فكان ذلك مقتضى اللفظ وكذلك لو أشار إلى عبد الغير، ~~وقال: والله لأعتقن هذا العبد، يلزمه تحصيل الملك فيه إن أراد البرد، وإن ~~لم يتعرض له لضرورة الملتزم، وأما مثال ما ثبت اقتضاء لتصور المنطوق به ~~عقلا، فقوله تعالى: * (حرمت عليكم أمهاتكم) * (النساء: 32) فإنه يقتضي ~~إضمار الوطئ، أي حرم عليكم وطئ أمهاتكم لان الأمهات عبارة عن الأعيان، ~~والاحكام لا تتعلق بالأعيان، بل لا يعقل تعلقها إلا بأفعال المكلفين، ~~فاقتضى اللفظ فعلا وصار ذلك هو الوطئ من بين سائر الأفعال بعرف الاستعمال، ~~وكذلك قوله: * (حرمت عليكم الميتة ms410 والدم) * (المائدة: 3) * (أحلت لكم بهيمة ~~الأنعام) * (المائدة: 1) أي الاكل، ويقرب منه * (واسأل القرية) * (يوسف: ~~28) أي أهل القرية لأنه لا بد من الأهل حتى يعقل السؤال فلا بد من إضماره ~~ويجوز أن يلقب هذا بالاضمار دون الاقتضاء. والقول في هذا قريب. # الضرب الثاني ما يؤخذ من إشارة اللفظ لا من اللفظ، ونعني به ما يتسع ~~اللفظ من غير تجريد قصد إليه، فكما أن المتكلم قد يفهم بإشارته وحركته في ~~أثناء كلامه ما لا يدل عليه نفس اللفظ، فيسمى إشارة، فكذلك قد يتبع اللفظ ~~ما لم يقصد به ويبني عليه، ومثال ذلك تمسك العلماء في تقدير أقل الطهر ~~وأكثر الحيض بخمسة عشر يوما بقوله عليه السلام إنهن ناقصات عقل ودين فقيل: ~~ما نقصان دينهن فقال: تقعد إحداهن في قعر بيتها شطر دهرها لا تصلي ولا تصوم ~~فهذا إنما سيق لبيان نقصان الدين وما وقع المنطق قصدا إلا به لكن حصل به ~~إشارة إلى أكثر الحيض وأقل الطهر، وأنه لا يكون فوق شطر الدهر وهو خمسة عشر ~~يوما من الشهر، إذ لو تصور الزيادة لتعرض لها عند قصد المبالغة في نقصان ~~دينها. # ومثاله استدلال الشافعي رحمه الله في تنجس الماء القليل بنجاسة لا تغيره ~~بقوله عليه PageV00P263 # السلام: إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في لاناء حتى يغسلها ~~ثلاثا، فإنه لا يدري أين باتت يده إذ قال: لولا أن يقين النجاسة ينجس لكان ~~توهمها لا يوجب الاستحباب. # ومثاله تقدير أقل مدة الحمل بستة أشهر، أخذا من قوله: * (وحمله وفصاله ~~ثلاثون شهرا) * (الأحقاف: 51) وقد قال في موضع آخر: * (وفصاله في عامين) * ~~(لقمان: 41) ومثاله المصير إلى من وطئ بالليل في رمضان فأصبح جنبا لم يفسد ~~صومه، لأنه قال: * (وكلوا واشربوا حتى يتبين) * (البقرة: 781) وقال: * ~~(فالآن باشروهن) * (البقرة: 781) ثم مد الرخصة إلى يتبين الخيط الأبيض من ~~الخيط الأسود من الفجر، فتشعر الآية بجواز الأكل والشرب والجماع في جميع ~~الليل ومن فعل ذلك في آخر الليل استأخر غسله إلى النهار وإلا وجب إن يحرم ~~الوطئ في ms411 آخر جزء من الليل بمقدار ما يتسع للغسل، فهذا وأمثاله مما يكثر ~~ويسمى إشارة اللفظ. # الضرب الثالث فهم التعليل من إضافة الحكم إلى الوصف المناسب، كقوله ~~تعالى: # * (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) * (المائدة: 83) و * (الزانية ~~والزاني فاجلدوا كل واحد منهما) * (النور: 2) فإنه كما فهم وجوب القطع ~~والجلد على السارق والزاني وهو المنطوق به فهم كون السرقة والزنا علة ~~للحكم، وكونه علة غير منطوق به، لكن يسبق إلى الفهم من فحوى الكلام، وقوله ~~تعالى: * (إن الأبرار لفي نعيم ئ وإن الفجار لفي جحيم) * (الانفطار: 13 - ~~14) أي لبرهم وفجورهم، وكذلك كل ما خرج مخرج الذم والمدح، والترغيب ~~والترهيب، وكذلك إذا قال: ذم الفاجر وامدح المطيع وعظم العالم، فجميع ذلك ~~يفهم منه التعليل من غير نطق به، وهذا قد يسمى إيماء وإشارة، كما يسمى فحوى ~~الكلام ولحنه، وإليك الخيرة في تسميته بعد الوقوف على جنسه وحقيقته. # الضرب الرابع فهم غير المنطوق به من المنطوق بدلالة سياق الكلام ومقصوده، ~~كفهم تحريم الشتم والقتل والضرب، من قوله تعالى: * (فلا تقل لهما أف ولا ~~تنهرهما) * (الاسراء: 32) وفهم تحريم مال اليتيم وإحراقه وإهلاكه من قوله ~~تعالى: * (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما) * (النساء: 01) وفهم ما ~~وراء الذرة والدينار من قوله تعالى: * (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره) * ~~(الزلزلة: 7) وقوله: * (ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك) * (آل ~~عمران: 57) وكذلك قول القائل: ما أكلت له برة، ولا شربت له شربة، ولا أخذت ~~من ماله حبة: فإنه يدل على ما وراءه، فإن قيل هذا من قبيل التنبيه بالأدنى ~~على الاعلى، قلنا: لا حجر في هذه التسمية، لكن يشترط أن يفهم أن مجرد ذكر ~~الأدنى لا يحصل هذا التنبيه ما لم يفهم الكلام وما سيق له، فلولا معرفتنا ~~بأن الآية سيقت لتعظيم الوالدين واحترامهما لما فهمنا منع الضرب والقتل من ~~منع التأفيف، إذ قد يقول: السلطان إذا أمر بقتل ملك لا تقل له أف لكن ~~اقتله، وقد يقول: والله ما أكلت مال فلان، ويكون قد أحرق ماله فلا يحنث، ~~فإن ms412 قيل: # الضرب حرام قياسا على التأفيف، لان التأفيف إنما حرم للايذاء، وهذا ~~الايذاء فوقه، قلنا: إن أردت بكونه قياسا أنه محتاج إلى تأمل واستنباط علة ~~فهو خطأ، وإن أردت أنه مسكوت فهم من منطوق فهو صحيح بشرط أن يفهم أنه أسبق ~~إلى الفهم من المنطوق، أو هو معه وليس PageV00P264 # متأخرا عنه، وهذا قد يسمى مفهوم الموافقة، وقد يسمى فحوى اللفظ ولكل فريق ~~اصطلاح آخر فلا تلتفت إلى الألفاظ واجتهد في إدراك حقيقة هذا الجنس. # الضرب الخامس هو المفهوم، ومعناه الاستدلال بتخصيص الشئ بالذكر على نفي ~~الحكم عما عداه، ويسمى مفهوما، لأنه مفهوم مجرد لا يستند إلى منطوق، وإلا ~~فما دل عليه المنطوق أيضا مفهوم، وربما سمي هذا دليل الخطاب ولا التفات إلى ~~الأسامي، وحقيقته أن تعليق الحكم بأحد، وصفي الشئ هل يدل على نفيه عما ~~يخالفه في الصفة؟ كقوله تعالى: # * (ومن قتله منكم متعمدا) * (المائدة: 59) وكقوله عليه السلام: في سائمة ~~الغنم الزكاة والثيب أحق بنفسها من وليها ومن باع نخلة مؤبرة فثمرتها ~~للبائع فتخصيص العمد والسوم والثيوبة والتأبير بهذه الأحكام هل يدل على نفي ~~الحكم عما عداها؟ فقال الشافعي وما لك والأكثرون من أصحابهما: أنه يدل، ~~وإليه ذهب الأشعري، إذا احتج في إثبات خبر الواحد بقوله تعالى: * (إن جاءكم ~~فاسق بنبأ فتبينوا) * (الحجرات: 6) قال: هذا يدل على أن العدل بخلافه، ~~واحتج في مسألة الرؤية بقوله تعالى: * (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) * ~~(المطففين: 51) قال: وهذا يدل على أن المؤمنين بخلافهم، وقال جماعة من ~~المتكلمين ومنهم القاضي وجماعة من حذاق الفقهاء، ومنهم ابن شريح: إن ذلك لا ~~دلالة له وهو الأوجه عندنا. ويدل عليه مسالك. # الأول: أن إثبات زكاة السائمة مفهوم، أما نفيها عن المعلوفة اقتباسا من ~~مجرد الاثبات لا يعلم إلا بنقل من أهل اللغة متواترا وجار مجرى المتواتر ~~والجاري مجرى المتواتر، كعلمنا بأن قولهم: ضروب وقتول وأمثاله للتكثير وأن ~~قولهم: عليم وأعلم وقدير وأقدر للمبالغة، أعني الأفعل، أما نقل الآحاد فلا ~~يكفي، إذ الحكم على لغة ينزل عليها كلام ms413 الله تعالى بقول الآحاد مع جواز ~~الغلط لا سبيل إليه، فإن قيل: فمن نفي المفهوم افتقر إلى نقل متواترا أيضا؟ ~~قلنا: لا حاجة إلى حجة، فيما لم يضعوه فإن ذلك لا يتناهى، إنما الحجة على ~~من يدعي الوضع. # الثاني: حسن الاستفهام. فإن من قال: إن ضربك زيد عامدا فاضربه، حسن أن ~~يقول: # فإن ضربني خاطئا أفأضربه؟ وإذا قال أخرج الزكاة من ماشيتك السائمة حسن أن ~~يقول: # هل أخرجها من المعلوفة، وحسن الاستفهام يدل على أن ذلك غير مفهوم، فإنه ~~لا يحسن في المنطوق وحسن في المسكوت عنه، فإن قيل: حسن لأنه قد لا يراد به ~~النفي مجازا، قلنا: # الأصل أنه إذا احتمل ذلك كان حقيقة، وإنما يرد إلى المجاز بضرورة دليل ~~ولا دليل. # المسلك الثالث أنا نجدهم يعلقون الحكم على الصفة تارة مع مساواة المسكوت ~~عنه للمنطوق، وتارة مع المخالفة، فالثبوت للموصوف معلوم منطوق، والنفي عن ~~المسكوت محتمل، فليكن على الوقف إلى البيان بقرينة زائدة، ودليل آخر أما ~~دعوى كونه مجازا عند الموافقة حقيقة عند المخالفة فتحكم بغير دليل يعارضه ~~عكسه من غير ترجيح. # المسلك الرابع أن الخبر عن ذي الصفة لا ينفي غير الموصوف، فإذا قال: قام ~~PageV00P265 # الأسود، أو خرج أو قعد، لم يدل على نفيه عن الأبيض، بل هو سكوت عن ~~الأبيض، وإن منع ذلك مانع وقد قيل به لزمه تخصيص اللقب والاسم العلم، حتى ~~يكون قولك: رأيت زيدا نفيا للرؤية عن غيره، وإذا قال: ركب زيد، دل على نفي ~~الركوب عن غيره، وقد تبع هذا بعضهم، وهو بهت واختراع على اللغات كلها، فإن ~~قولنا: رأيت زيدا لا يوجب نفي رؤيته عن ثوب زيد ودابته وخادمه، ولا عن ~~غيره، إذ يلزم أن يكون قوله: زيد عالم كفرا، لأنه نفي للعلم عن الله ~~وملائكته ورسله، وقوله عيسى نبي الله كفرا لأنه نفي النبوة عن محمد عليه ~~السلام وعن غيره من الأنبياء. فإن قيل: هذا قياس الوصف على اللقب ولا قياس ~~في اللغة، قلنا ما قصدنا به إلا ضرب مثال ms414 ليتنبه به حتى يعلم أن الصفة ~~لتعريف الموصوف فقط كما أن أسماء الاعلام لتعريف الاشخاص، ولا فرق بين ~~قوله: في الغنم زكاة في نفي الزكاة عن البقر والإبل، وبين قوله: في سائمة ~~الغنم زكاة في نفي الزكاة عن المعلوفة. # المسلك الخامس أنا كما أنا لا نشك في أن للعرب طريقا إلى الخبر عن مخبر ~~واحد واثنين وثلاثة اقتصارا عليه مع السكوت عن الباقي فلها طريق أيضا في ~~الخبر عن الموصوف بصفة، فتقول، رأيت الظريف، وقام الطويل، ونكحت الثيب، ~~واشتريت السائمة، وبعت النخلة المؤبرة، فلو قال بعد ذلك: نكحت البكر أيضا، ~~واشتريت المعلوفة أيضا، لم يكن هذا مناقضا للأول ورفعا له وتكذيبا لنفسه، ~~كما لو قال: ما نكحت الثيب وما اشتريت السائمة، ولو فهم النفي كما فهم ~~الاثبات لكان الاثبات بعده تكذيبا ومضادا لما سبق. وقد احتج القائلون ~~بالمفهوم بمسالك: # الأول: أن الشافعي رحمه الله من جملة العرب ومن علماء اللغة وقد قال ~~بدليل الخطاب، وكذلك أبو عبيدة من أئمة اللغة، وقد قال في قوله عليه ~~السلام: لي الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته فقال: دليله أن من ليس بواجد لا ~~يحل ذلك منه، وفي قوله: لان يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير من أن يمتلئ ~~شعرا فقيل: أنه أراد الهجاء والسب، أو هجو الرسول عليه السلام فقال: ذلك ~~حرام قليله وكثيره امتلأ به الجوف أو قصر، فتخصيصه بالامتلاء يدل على أن ما ~~دونه بخلافه، وأن من لم يتجرد للشعر ليس مرادا بهذا الوعيد، والجواب، ~~أنهما: ما إن قالاه عن اجتهاد فلا يجب تقليدهما، وقد صرحا بالاجتهاد إذ ~~قالا: لو لم يدل على النفي لما كان للتخصيص بالذكر فائدة، وهذا الاستدلال ~~معرض للاعتراض كما سيأتي، فليس على المجتهد قبول قول من لم يثبت عصمته عن ~~الخطأ فيما يظنه بأهل اللغة أو بالرسول، وإن كان ما قالاه عن نقل فلا يثبت ~~هذا بقول الآحاد، ويعارضه أقوال جماعة أنكروه، وقد قال قوم: لا تثبت اللغة ~~بنقل أرباب المذاهب والآراء فإنهم يميلون إلى نصرة ms415 مذاهبهم، فلا تحصل الثقة ~~بقولهم. # المسلك الثاني أن الله تعالى قال: * (إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر ~~الله لهم) * (التوبة: 08) فقال عليه السلام: لأزيدن على السبعين فهذا يدل ~~على أن حكم ما عدا PageV00P266 # السبعين بخلافه، والجواب من أوجه: الأول: أن هذا خبر واحد لا تقوم به ~~الحجة في إثبات اللغة، والأظهر أنه غير صحيح لأنه عليه السلام أعرف الخلق ~~بمعاني الكلام، وذكر السبعين جرى مبالغة في اليأس وقطع الطمع عن الغفران، ~~كقول القائل: أشفع أو لا تشفع، وإن شفعت لهم سبعين مرة لم أقبل منك شفاعتك. ~~الثاني: أنه قال: لأزيدن على السبعين ولم يقل ليغفر لهم، فما كان ذلك ~~لانتظار الغفران، بل لعله كان لاستمالة قلوب الاحياء منهم لما رأى من ~~المصلحة فيهم ولترغيبهم في الدين، لا لانتظار غفران الله تعالى للموتى مع ~~المبالغة في اليأس وقطع الطمع. الجواب الثالث: أن تخصيص نفي المغفرة ~~بالسبعين أدل على جواز المغفرة بعد السبعين أو على وقوعه، فإن قلتم: على ~~وقوعه فهو خلاف الاجماع، وإن قلتم على جوازه فقد كان الجواز ثابتا بالعقل ~~قبل الآية، فانتفى الجواز المقدر بالسبعين والزيادة ثبت جوازها بدليل ~~العقل، لا بالمفهوم. # المسلك الثالث أن الصحابة قالوا: الماء من الماء منسوخ بقول عائشة رضي ~~الله عنها إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل فلو لم يتضمن نفي الماء عن غير ~~الماء لما كان وجوبه بسبب آخر نسخا له، فإنه لم ينسخ وجوبه بالماء، بل ~~انحصاره عليه واختصاصه به، والجواب من أوجه: الأول: أن هذا نقل آحاد ولا ~~تثبت به اللغة. الثاني: أنه إنما يصح عن قوم مخصوصين لا عن كافة الصحابة، ~~فيكون ذلك مذهبا لهم بطريق الاجتهاد ولا يجب تقليدهم. # الثالث: أنه يحتمل أنهم فهموا منه أن كل الماء من الماء ففهموا من لفظ ~~الماء المذكور أولا، العموم والاستغراق لجنس استعمال الماء، وفهموا أخيرا، ~~كون خبر التقاء الختانين نسخا لعموم، الأول لا لمفهومه ودليل خطابه، وكل ~~عام أريد به الاستغراق، فالخاص بعده يكون نسخا لبعضه ويتقابلان إن أتحدث ~~الواقعة. ms416 الرابع: أنه نقل عنه عليه السلام أنه قال: لا ماء إلا من الماء ~~وهذا تصريح بطرفي النفي والاثبات، كقوله عليه السلام: لا نكاح إلا بولي ولا ~~صلاة إلا بطهور وروي أنه أتى باب رجل من الأنصار فصاح به فلم يخرج ساعة ثم ~~خرج ورأسه يقطر ماء فقال عليه السلام: عجلت عجلت ولم تنزل فلا تغتسل فالماء ~~من الماء وهذا تصريح بالنفي فرأوا خبر التقاء الختانين ناسخا لما فهم من ~~هذه الأدلة. الخامس: أنه قال في رواية إنما الماء من الماء وقد قال بعض ~~منكري المفهوم أن هذا للحصر والنفي والاثبات ولا مفهوم للقب والماء اسم لقب ~~فدل أنه مأخوذ من الحصر الذي دل عليه الألف واللام وقوله: إنما ولم يقل أحد ~~من الصحابة أن المنسوخ مفهوم هذا اللفظ فلعل المنسوخ عمومه أو حصره المعلوم ~~لا بمجرد التخصيص والكلام في مجرد التخصيص. # المسلك الرابع قولهم أن يعلى بن أمية قال لعمر رضي الله عنه: ما بالنا ~~نقصر وقد أمنا؟ فقال تعجبت مما تعجبت منه، فسألت النبي عليه الصلاة والسلام ~~فقال: هي صدقة تصدق الله بها عليكم أو على عباده، فاقبلوا صدقته وتعجبهما ~~من بطلان مفهوم تخصيص قوله تعالى: * (إن خفتم) * (النساء: 101) قلنا: لان ~~الأصل الاتمام، واستثنى حالة الخوف، فكان الاتمام واجبا عند عدم الخوف بحكم ~~الأصل لا بالتخصيص. PageV00P267 # المسلك الخامس أن ابن عباس رضي الله عنهما فهم من قوله: إنما الربا في ~~النسيئة نفي ربا الفضل، وكذلك عقل من قوله تعالى: * (فإن كان له إخوة فلأمه ~~السدس) * (النساء: 11) إنه إن كان له إخوان فلأمه الثلث، وكذلك قال الأخوات ~~لا يرثن مع الأولاد: لقوله تعالى: * (إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها ~~نصف ما ترك) * (النساء: 671) فإنه لما جعل لها النصف بشرط عدم الولد دل على ~~انتفائه عند وجود الولد، والجواب عن هذا من أوجه: الأول: أن هذا غايته أن ~~يكون مذهب ابن عباس ولا حجة فيه. # الثاني: أن جميع الصحابة خالفوه في ذلك، فإن دل مذهبه عليه دل مذهبهم ms417 على ~~نقيضه. # الثالث: أنه لم يثبت أنه دفع ربا الفضل بمجرد هذا اللفظ بل ربما دفعه ~~بدليل آخر وقرينة أخرى. الرابع: أنه لعله اعتقد أن البيع أصله على الإباحة ~~بدليل العقل، أو عموم قوله تعالى: # * (وأحل الله البيع وحرم الربا) * (البقرة: 572) فإذا كان النهي قاصرا ~~على النسيئة كان الباقي حلالا بالعموم، ودليل العقل لا بالمفهوم. الخامس: ~~أنه روي أنه قال: لا ربا إلا في النسيئة، وهذا نص في النفي والاثبات، ~~وقوله: إنما الربا في النسيئة أيضا قد أقربه بعض منكري المفهوم لما فيه من ~~الحصر. # المسلك السادس أنه إذا قال: اشتر لي عبدا أسود، يفهم نفي الأبيض، وإذا ~~قال أضربه إذا قام، يفهم المنع إذا لم يقم، قلنا: هذا باطل، بل الأصل منع ~~الشراء والضرب إلا فيما أذن والاذن قاصر فبقي الباقي على النفي، وتولد منه ~~درك الفرق بين الأبيض والأسود وعماد الفرق إثبات ونفي، ومستندا لنفي الأصل، ~~ومستند الاثبات الاذن القاصر، والذهن إنما ينتبه للفرق عند الاذن القاصر ~~على الأسود فإنه يذكر الأبيض، فيسبق إلى الأوهام العامية أن إدراك الذهن ~~هذا الاختصاص، والفرق من الذكر القاصر لا بل هو عند الذكر القاصر لكن أحد ~~طرفي الفرق حصل من الذكر والآخر كان حاصلا في الأصل فيذكره عند التخصيص ~~فكان حصول الفرق عنده لا به، فهذا مزلة القدم، وهو دقيق، ولاجله غلط ~~الأكثرون، ويدل عليه أيضا أنه لو عرض على البيع شاة وبقرة وغانما وسالما ~~وقال: اشتر غانما والشاة لسبق إلى الفهم الفرق بين غانم وسالم، وبين البقرة ~~والشاة، واللقب لا مفهوم له بالاتفاق عند كل محصل إذ قوله: لا تبيعوا البر ~~بالبر لم يدل على نفي الربا من غير الأشياء الستة بالاتفاق، ولو دل لا نحسم ~~باب القياس، وإن القياس فائدته إبطال التخصيص، وتعدية الحكم من المنصوص إلى ~~غيره، لكن مزلة القدم ما ذكرناه، وهو جار في كل ما يتضمن الاقتطاع من أصل ~~ثابت، كقوله: أنت طالق إن دخلت الدار، فإن لم تدخل لم تطلق، لان الأصل عدم ~~الطلاق، لا ms418 لتخصيص الدخول، بدليل أنه لو قال: إن دخلت فلست بطالق، فلا يقع ~~إذا لم تدخل، لأنه ليس الأصل وقوع الطلاق حتى يكون تخصيص النفي بالدخول ~~موجبا للرجوع إلى الأصل عند عدم الدخول، وهذا واضح. # المسلك الرابع وعليه تعويل الأكثرين، وهو السبب الأعظم في وقوع هذا ~~الوهم، أن تخصيص الشئ بالذكر لا بد أن تكون له فائدة، فإن استوت السائمة ~~والمعلوفة والثيب والبكر، والعمد والخطأ فلم خصص البعض بالذكر والحكم شامل، ~~والحاجة إلى البيان تعم PageV00P268 # القسمين، فلا داعي له إلى اختصاص الحكم، وإلا صار الكلام لغوا؟ والجواب ~~من أربعة أوجه: الأول: أن هذا عكس الواجب، فإنكم جعلتم طلب الفائدة طريقا ~~إلى معرفة وضع اللفظ، وينبغي أن يفهم أولا الوضع، ثم ترتب الفائدة عليه، ~~والعلم بالفائدة ثمرة معرفة الوضع أما أن يكون الوضع تبع معرفة الفائدة ~~فلا. الثاني: وأن عماد هذا الكلام أصلان. # أحدهما: أنه لا بد من فائدة التخصيص. والثاني: أنه لا فائدة إلا اختصاص ~~الحكم، والنتيجة أنه الفائدة إذا، ومسلم أنه لا بد من فائدة، لكن الأصل ~~الثاني وهو أنه لا فائدة إلا هذا فغير مسلم، فلعل فيه فائدة فليست الفائدة ~~محصورة في هذا، بل البواعث على التخصيص كثرة واختصاص الحكم أحد البواعث، ~~فإن قيل: فلو كان له فائدة أو عليه باعث سوى اختصاص الحكم لعرفناه قلنا ولم ~~قلتم أن كل فائدة ينبغي أن تكون معلومة لكم، فلعلها حاضرة ولم تعثروا ~~عليها، فكأنكم جعلتم عدم علم الفائدة علما بعدم الفائدة، وهذا خطأ فعماد ~~هذا الدليل هو الجهل بفائدة أخرى. الثالث: وهو قاصمة الظهر على هذا المسلك، ~~أن تخصيص اللقب لا يقول به محصل، فلم لم تطلبوا الفائدة فيه، فإذا خصص ~~الأشياء الستة في الربا، وعمم الحكم في المكيلات والمطعومات كلها، وخصص ~~الغنم بالزكاة مع وجوبها في الإبل والبقر، فما سببه مع استواء الحكم؟ ~~فيقال: لعل إليه داعيا من سؤال أو حاجة أو سبب لا نعرفه، فليكن كذلك في ~~تخصيص الوصف. الرابع: أن في تخصيص الحكم بالصفة الخاصة فوائد: الأولى: أنه ms419 ~~لو استوعب جميع محل الحكم لم يبق للاجتهاد مجال فأراد بتخصيص بعض الألقاب ~~والأوصاف بالذكر أن يعرض المجتهدين لثواب جزيل في الاجتهاد إذ بذلك تتوفر ~~دواعيهم على العلم ويدوم العلم محفوظا بإقبالهم ونشاطهم في الفكر ~~والاستنباط، ولولا هذا لذكر لكل حكم رابطة عامة جامعة لجميع مجاري الحكم، ~~حتى لا يبقى للقياس مجال. الثانية: أنه لو قال: في الغنم زكاة ولم يخصص ~~السائمة لجاز للمجتهد إخراج السائمة عن العموم بالاجتهاد الذي ينقدح له، ~~فخص السائمة بالذكر لتقاس المعلوفة عليها إن رأى أنها في معناها أو لا تلحق ~~بها فتبقى السائمة بمعزل عن محل الاجتهاد، وكذلك لو قال: لا تبيعوا الطعام ~~بالطعام، ربما أدى اجتهاد مجتهد إلى إخراج البر والتمر فنص على ما لا وجه ~~لاخراجه، وترك ما هو موكول إلى الاجتهاد، لا سيما ولو ذكر الطعام أو الغنم، ~~وهو لفظ عام، لصار عند الواقفية محتملا للعموم وللبر خاصة أو التمر خاصة ~~وللمعلوفة خاصة، وللسائمة خاصة، فأخرج المخصوص عن محل الوقف والشك، ورد ~~الباقي إلى الاجتهاد لما رأى فيه من اللطف والصلاح. الثالثة: أن يكون ~~الباعث على التخصيص للأشياء الستة عموم وقوع أو خصوص سؤال أو وقوع واقعة أو ~~اتفاق معاملة فيها خاصة أو غير ذلك من أسباب لا نطلع عليها، فعدم علمنا ~~بذلك لا ينزل بمنزلة علمنا بعدم ذلك، بل نقول: لعل إليه داعيا لم نعرفه، ~~فكذلك في الأوصاف. # المسلك الثامن: قولهم إن التعليق بالصفة كالتعليق بالعلة وذلك يوجب ~~الثبوت بثبوت العلة والانتفاء بانتفائها، والجواب: أن الخلاف في العلة ~~والصفة واحد فتعليق الحكم بالعلة يوجب ثبوته بثبوتها، أما انتفاؤه ~~بانتفائها فلا، بل يبقى بعد انتفاء العلة على ما PageV00P269 # يقتضيه الأصل، وكيف ونحن نجوز تعليل الحكم بعلتين، فلو كان إيجاب القتل ~~بالردة نافيا للقتل عند انتفائها لكان إيجاب القصاص نسخا لذلك النفي، بل ~~فائدة ذكر العلة معرفة الرابطة فقط، وليس من فائدته أيضا تعدية العلة من ~~محلها إلى غير محلها، فإن ذلك عرف بورود التعبد بالقياس، ولولاه لكان قوله: ~~حرمت عليكم الخمر ms420 لشدتها لا يوجب تحريم النبيذ المشتد بل يجوز أن تكون ~~العلة شدة الخمر خاصة إلى أن يرد دليل، وتعبد باتباع العلة وترك الالتفات ~~إلى المحل. # المسلك التاسع: استدلالهم بتخصيصات في الكتاب والسنة خالف الموصوف فيها ~~غير الموصوف بتلك الصفات، وسبيل الجواب عن جميعها إما لبقائها على الأصل أو ~~معرفتها بدليل آخر أو بقرينة، ولو دل ما ذكروه لدلت تخصيصات في الكتاب ~~والسنة لا أثر لها على نقيضه، كقوله تعالى: * (ومن قتله منكم متعمدا) * ~~(المائدة: 59) في جزاء الصيد إذ يجب على الخاطئ، وقوله تعالى: * ((4) ومن ~~قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة) * (النساء: 29) إذ تجب على العامد عند ~~الشافعي رحمه الله، وقوله: * (فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن ~~خفتم) * (النساء: 101) الآية، وقوله في الخلع: * (وإن خفتم شقاق بينهما ~~فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها) * (النساء: 53) وقوله عليه السلام: ~~أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها إلى أمثال له لا تحصى. # القول في درجات دليل الخطاب اعلم أن توهم النفي من الاثبات على مراتب ~~ودرجات، وهي ثمانية: # الأولى: وهي أبعدها، وقد أقر ببطلانها كل محصل من القائلين بالمفهوم وهو ~~مفهوم اللقب، كتخصيص الأشياء الستة في الربا. # الثانية: الاسم المشتق الدال على جنس، كقوله: لا تبيعوا الطعام بالطعام ~~وهذا أيضا يظهر إلحاقه باللقب، لان الطعام لقب لجنسه، وإن كان مشتقا مما ~~يطعم، إذ لا تدرك تفرقة بين قوله: في الغنم زكاة وفي الماشية زكاة، وإن ~~كانت الماشية مشتقة مثلا. الثالثة: # تخصيص الأوصاف التي تطرأ و تزول، كقوله: الثيب أحق بنفسها والسائمة تجب ~~فيها الزكاة، فلأجل أن السوم يطرأ ويزول ربما يتقاضى الذهن طلب سبب ~~التخصيص، وإذا لم يجد حمله على انتفاء الحكم، وهو أيضا ضعيف ومنشؤه الجهل ~~بمعرفة الباعث على التخصيص. # الرابعة: أن يذكر الاسم العام ثم تذكر الصفة الخاصة في معرض الاستدراك ~~والبيان ، كما لو قال: في الغنم السائمة زكاة، وكقوله: من باع نخلة مؤبرة ~~فثمرها للبائع و اقتلوا المشركين الحربيين، فإنه ذكر الغنم والنخلة ~~والمشركين، وهي عامة، فلو كان الحكم ms421 يعمها لما أنشأ بعده استدراكا، لكن ~~الصحيح أن مجرد هذا التخصيص من غير قرينة لا مفهوم له فيرجع حاصل الكلام ~~إلى طلب سبب الاستدراك، ويجوز أن يكون له سبب سوى اختصاص الحكم لم نعرفه، ~~ووجه التفاوت بين هذه الصور أن تخصيص اللقب يمكن حمله على أنه لم يحضره ذكر ~~المسكوت عنه، ولذلك ذكر الأشياء الستة، فهذا احتمال وهو الغفلة عن غير ~~PageV00P270 # المنطوق به، والغفلة البكر عند التعرض للثيب أبعد، لان ذكر الصفة بذكر ~~ضدها يضعف هذا الاحتمال، فصار احتمال المفهوم أظهر، وعند الاستدراك بعد ~~التعميم انقطع هذا الاحتمال بالكلية، فظهر احتمال المفهوم لانحسام أحد ~~الاحتمالات الباعثة على التخصيص، لكن وراء هذه احتمالات داعية إلى التخصيص، ~~وإن لم نعرفها فلا يحتج بما لا يعلم فينظر إلى لفظه، ومن تعرض للغنم ~~السائمة والنخلة المؤبرة فهو ساكت، عن المعلوفة وغير المؤبرة، كما لو قال: ~~في السائمة وفي المؤبرة، وكما قال: في سائمة الغنم زكاة. # الخامسة: الشرط، وذلك أن يقول: إن كان كذا فافعل كذا، وإن جاءكم كريم قوم ~~فأكرموه، وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن، وقد ذهب ابن شريح وجماعة من ~~المنكرين للمفهوم إلى أن هذا يدل على النفي، والذي ذهب إليه القاضي إنكاره ~~وهو الصحيح عندنا على قياس ما سبق، لان الشرط يدل على ثبوت الحكم عند وجود ~~الشرط فقط، فيقصر عن الدلالة على الحكم عند عدم الشرط، أما أن يدل على عدم ~~عند العدم فلا. # وفرق بين أن لا يدل على الوجود فيبقى على ما كان قبل الذكر وبين أن يدل ~~على النفي فيتغير عما كان، والدليل عليه أنه يجوز تعليق الحكم بشرطين، كما ~~يجوز بعلتين، فإذا قال: احكم بالمال للمدعي إن كانت له بينة، واحكم له ~~بالمال إن شهد له شاهدان، لا يدل على نفي الحكم بالاقرار واليمين والشاهد، ~~ولا يكون الامر بالحكم بالاقرار والشاهد واليمين نسخا له ورفعا للنص أصلا، ~~ولهذا المعنى جوزناه بخبر الواحد، وقوله تعالى: * (وإن كن أولات حمل ~~فأنفقوا عليهن) * (الطلاق: 6) أنكر أبو حنيفة مفهومه لما ms422 ذكرناه، ويجوز أن ~~نوافق الشافعي في هذه المسألة، وإن خالفناه في المفهوم من حيث أن انقطاع ~~ملك النكاح يوجب سقوط النفقة إلا ما استثنى، والحامل هي المستثنى، فيبقى ~~الحائل على أصل النفي، وانتفت نفقتها إلا بالشرط، لكن بانتفاء النكاح الذي ~~كان علة النفقة. # السادسة: قوله عليه السلام: إنما الماء من الماء وإنما الشفعة فيما لم ~~يقسم وإنما الولاء لمن أعتق وإنما الربا بالنسيئة إنما الأعمال بالنيات ~~وهذا قد أصر أصحاب أبي حنيفة وبعض المنكرين للمفهوم على إنكاره وقالوا إنه ~~إثبات فقط، ولا يدل على الحصر، وأقر القاضي بأنه ظاهر في الحصر محتمل ~~للتأكيد، إذ قوله تعالى: * (إنما الله إله واحد) * (النساء: 171) و * (إنما ~~يخشى الله من عباده العلماء) * (فاطر: 82) يشعر بالحصر، ولكن قد يقول: إنما ~~النبي محمد، وإنما العالم في البلد زيد يريد به الكمال والتأكيد، وهذا هو ~~المختار عندنا أيضا، ولكن خصص القاضي هذا بقوله إنما، ولم يطرده في قوله: ~~الأعمال بالنيات ، والشفعة فيما لم يقسم وتحريمها التكبير، وتحليلها ~~التسليم، والعالم في البلد زيد، وعندنا أن هذا يلحق بقوله: إنما وإن كان ~~دونه في القوة لكنه ظاهر في الحصر أيضا، فإنا ندرك التفرقة بين قول القائل، ~~زيد صديقي وبين قوله: صديقي زيد، وبين قوله: زيد عالم وبين قوله: العالم ~~زيد وهذا التحقيق، وهو أن الخبر لا يجوز أن يكون أخص من المبتدأ، بل ينبغي ~~أن يكون أعم منه أو مساويا له، فلا يجوز أن تقول الحيوان إنسان، ويجوز أن ~~تقول: الانسان حيون، فإذا جعل زيدا مبتدأ وقال: زيد صديقي جاز أن تكون ~~الصداقة PageV00P271 # أعم من زيد، وزيد أخص من الصديق، لان المبتدأ يجوز أن يكون أخص من الخبر، ~~أما إذا جعل الصديق مبتدأ فقال: صديقي زيد، فلو كان له صديق آخر كان ~~المبتدأ أعم من الخبر والخبر أخص، وكان كقوله: اللون سواد، والحيوان إنسان، ~~وذلك ممتنع، وإن كان عكسه جائزا. # ، فإن قيل: يجوز أن يقول: صديقي زيد وعمرو أيضا، والولاء لمن أعتق ولمن ~~كاتب، ولمن باع بشرط العتق، ولو ms423 كان للحصر لكان هذا نقضا له، قلنا: هو ~~للحصر بشرط أن لا يقترن به قبل الفراغ من الكلام ما يغيره، كما أن العشرة ~~لمعناها بشرط أن لا يتصل بها الاستثناء، وقوله: # * (اقتلوا المشركين) * (التوبة: 5) ظاهر في الجميع بشرط أن لا يقول: إلا ~~زيدا. # السابعة: مد الحكم إلى غاية بصيغة إلى وحتى، كقوله تعالى: * ((2) ولا ~~تقربوهن حتى يطهرن) * (البقرة: 222) * (فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا ~~غيره) * (البقرة: 032) وقوله تعالى: * (حتى يعطوا الجزية عن يد) * (التوبة: ~~9) وقد أصر على إنكار هذا أصحاب أبي حنيفة وبعض المنكرين للمفهوم وقالوا: ~~هذا نطق بما قبل الغاية وسكوت عما بعد الغاية، فيبقى على ما كان قبل النطق، ~~وأقر القاضي بهذا، لان قوله تعالى: * (حتى تنكح زوجا غيره) * و * (حتى ~~يطهرن) * ليس كلاما مستقلا، فإن لم يتعلق بقوله: * (ولا تقربوهن) * وقوله: ~~* (فلا تحل له) * فيكون لغوا من الكلام، وإنما صح لما فيه من إضمار، وهو ~~قوله: حتى يطهرن فاقربوهن، وحتى تنكح فتحل، ولهذا يقبح الاستفهام إذا قال: ~~لا تعط زيدا حتى يقوم، ولو قال: أعطه، إذا قام فلا يحسن، إذ معناه، أعطه ~~إذا قام، ولان الغاية نهاية، ونهاية الشئ مقطعة، فإن لم يكن مقطع فلا يكون ~~نهاية، فإنه إذا قال: # اضربه حتى يتوب، فلا يحسن معه أن يقول: وهل أضربه، وإن تاب، وهذا وإن كان ~~له ظهور ما ولكن لا ينفك عن نظر، إذ يحتمل أن يقال: كل ماله ابتداء، فغايته ~~مقطع لبدايته فيرجع الحكم بعد الغاية إلى ما كان قبل البداية، فيكون ~~الاثبات مقصورا أو ممدودا إلى الغاية المذكورة، ويكون ما بعد الغاية كما ~~قبل البداية، فإذا هذه الرتبة أضعف في الدلالة على النفي مما قبلها. # الرتبة الثامنة: لا عالم في البلد إلا زيد، وهذا قد أنكره غلاة منكري ~~المفهوم وقالوا: # هذا نطق بالمستثنى عنه، وسكوت عن المستثنى، فما خرج بقوله إلا فمعناه أنه ~~لم يدخل في الكلام، فصار الكلام مقصورا على الباقي، وهذا ظاهر البطلان، لان ~~هذا صريح في النفي والاثبات، فمن قال: ms424 لا إله إلا الله، لم يقتصر على ~~النفي، بل أثبت لله تعالى الألوهية ونفاها عن غيره، ومن قال: لا عالم إلا ~~زيد، ولا فتى إلا علي، ولا سيف إلا ذو الفقار، فقد نفى وأثبت قطعا وليس ~~كذلك، قوله: لا صلاة إلا بطهور ولا نكاح إلا بولي ولا تبيعوا البر بالبر ~~إلا سواء بسواء هذا صيغة الشرط، ومقتضاها نفي المنفى عند انتفاء الشرط، ~~فليس منطوقا به، بل تفسد الصلاة مع الطهارة لسبب آخر، وكذلك: النكاح مع ~~الولي والبيع مع المساواة، وهذا على وفق قاعدة المفهوم، فإن إثبات الحكم ~~عند ثبوت وصف لا يدل على إبطاله عند انتفائه، بل يبقى على ما كان قبل ~~النطق، وكذلك نفيه عند انتفاء شئ لا يدل على إثباته عند ثبوت ذلك الشئ، بل ~~يبقى على ما كان قبل النطق، وكذلك نفيه عند انتقاء شئ لا يدل على ~~PageV00P272 # إثباته عند ثبوت ذلك الشئ بل يبقى على ما كان قبل النطق ويكون المنطوق به ~~النفي عند الانتقاء فقط بخلاف قوله: لا إله إلا الله، ولا عالم إلا زيد، ~~لأنه إثبات ورد على النفي والاستثناء من النفي إثبات، ومن الاثبات نفي، ~~وقوله لا صلاة ليس فيه تعرض للطهارة بل للصلاة فقط، وقوله: إلا بطهور ليس ~~إثباتا للصلاة، بل للطهور الذي لم يتعرض له في الكلام فلا يفهم منه إلا ~~الشرط. # - مسألة (مفهوم اللقب) القائلون بالمفهوم أقروا بأنه لا مفهوم لقوله: * ~~(وإن خفتم شقاق بينهما) * (النساء: 53) ولا لقوله: إيما امرأة نكحت بغير ~~إذن وليها لان الباعث على التخصيص العادة، لأن الخلع لا يجري إلا عند ~~الشقاق، والمرأة لا تنكح نفسها إلا إذا أبى الولي. # وكذلك القائلون بمفهوم اللقب قالوا: لا مفهوم لقوله: صبوا عليه ذنوبا من ~~ماء وليستنج بثلاثة أحجار لأنه ذكرهما لكونهما غالبين، وإذا كان يسقط ~~المفهوم بمثل هذا الباعث فحيث لم يظهر لنا الباعث احتمل أن يكون ثم باعث لم ~~يظهر لنا، فكيف يبني الحكم على عدم ظهور الباعث لنا، فإن قيل: فلو انتفى ~~الباعث المخصص في علم ms425 الله تعالى واستوت الحاجة في المذكور والمسكوت ~~واستويا في الذكر ولم يكن أحدهما منسيا، فهل يجوز للنبي عليه السلام أن يخص ~~أحدهما بالذكر؟ فإن جوزتم فهو نسبة له إلى اللغو والعبث، وكان كقوله: يجب ~~الصوم على الطويل والأبيض، فقلنا: وهل يجب على القصير والأسود؟ فقال: نعم، ~~قلنا: # فلم خصصت هذا بالذكر؟ فقال: بالتشهي والتحكم، فلا شك أنه ينسب إلى خلاف ~~الجد ويصلح ذلك لان يلقب به ليضحك منه كما يقول القائل: اليهودي إذا مات لا ~~يبصر فيكون ذلك هزؤا، فثبت بهذا أن هذا دليل إن لم يكن باعث، فإذا لم يظهر ~~فالأصل عدمه، أما إسقاط دلالته بالتوهم باعث على التخصيص سوى اختصاص الحكم ~~به، فهو رفع للدلالة بالتوهم، قلنا: ما ذكرتموه مسلم، وهو أيضا جار في ~~تخصيص اللقب، واليهودي اسم لقب، ويستقبح تخصيصه. ولا مفهوم للقب، لان ذلك ~~يحسم سبيل القياس، وإنما أسقط مفهوم اللقب لأنه ليس فيه دلالة من حيث ~~اللفظ، بل هو نطق بشئ وسكوت عن شئ، فينبغي أن يقال: فلم سكت عن البعض ونطق ~~بالبعض، فنقول: لا ندري فإن ذلك يحتمل أن يكون بسبب اختصاص الحكم ويحتمل أن ~~يكون بسبب آخر فلا يثبت الاختصاص بمجرد احتمال ووهم، وكذلك تخصيص الوصف، ~~ولا فرق، فإذا لسنا ندرأ الدليل بالوهم بل الخصم يبني الدليل على الوهم، ~~فإنه ما لم ينتف سائر البواعث لا يتعين باعث اختصاص الحكم وتقدير انتفاء ~~البواعث وهم مجرد، وأما قول القائل: اليهودي إذا مات لا يبصر، فليس ~~استقباحه للتخصيص، بل لأنه ذكر ما هو جلي، فإنه لو قال: الانسان إذا مات لم ~~يبصر، أو الحيوان إذا مات لا يبصر استقبح ذلك، لأنه تعرض لما هو واضح في ~~نفسه، فإن تعرض لمشكل فلا يستقبح التخصيص في كل مقام، كقوله: العبد إذا وقع ~~في الحج لزمته الكفارة، فهذا لا يستقبح وإن شاركه الحر، وكقوله: الانسان لا ~~يتحرك إلا بالإرادة، ولا يريد إلا بعد الادراك، فلا يستقبح وإن كان سائر ~~الحيوان شاركه فيهما. # هذا تمام التحقيق في المفهوم، وبه ms426 تمام النظر في الفن الثاني، وهو اقتباس ~~الحكم من PageV00P273 # اللفظ لا من حيث صيغته ووضعه، بل من حيث فحواه وإشارته، ولم يبق إلا الفن ~~الثالث وهو اقتباس الحكم من حيث معناه ومعقوله، وهو القياس، والقول فيه ~~طويل. ونرى أن نلحق بآخر الفن الثاني القول في فعل رسول الله (ص) وسكوته ~~ووجه دلالته على الاحكام، فإنه قد يظن أنه نازل منزلة القول في الدلالة، ثم ~~بعد الفراغ منه نخوض في الفن الثالث وهو شرح القياس. # القول في دلالة أفعال النبي عليه السلام وسكوته واستبشاره وفيه فصول ~~الفصل الأول في دلالة الفعل ونقدم عليه مقدمة في عصمة الأنبياء، فنقول: لما ~~ثبت ببرهان العقل صدق الأنبياء وتصديق الله تعالى إياهم بالمعجزات، فكل ما ~~يناقض مدلول المعجزة فهو محال عليهم بدليل العقل، ويناقض مدلول المعجزة ~~جواز الكفر والجهل بالله تعالى وكتمان رسالة الله والكذب والخطأ والغلط ~~فيما يبلغ، والتقصير في التبليغ والجهل بتفاصيل الشرع الذي أمر بالدعوة ~~إليه، أما ما يرجع إلى مقارفة الذنب فيما يخصه ولا يتعلق بالرسالة فلا يدل ~~على عصمتهم عنه، عندنا دليل العقل، بل دليل التوقيف والاجماع، قد دل على ~~عصمتهم عن الكبائر وعصمتهم أيضا عما يصغر أقدارهم من القاذورات، كالزنا ~~والسرقة واللواط، أما الصغائر فقد أنكرها جماعة وقالوا: الذنوب كلها كبائر، ~~فأوجبوا عصمتهم عنها، والصحيح أن من الذنوب صغائر، وهي التي تكفرها الصلوات ~~الخمس واجتناب الكبائر، كما ورد في الخبر، وكما قررنا حقيقته في كتاب ~~التوبة من كتاب إحياء علوم الدين، فإن قيل: لم لم تثبت عصمتهم بدليل العقل، ~~لانهم لو لم يعصموا لنفرت قلوب الخلق عنهم، قلنا: لا يجب عندنا عصمتهم من ~~جميع ما ينفر، فقد كانت الحرب سجالا بينه وبين الكفار، وكان ذلك ينفر قلوب ~~قوم عن الايمان، ولم يعصم عنه، وإن ارتاب المبطلون، مع أنه حفظ عن الخط ~~والكتابة كي لا يرتاب المبطلون، وقد ارتاب جماعة بسبب النسخ، كما قال ~~تعالى: * (16) وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت ~~مفتر) * (النحل: 201) وجماعة ms427 بسبب المتشابهات فقالوا: كان يقدر على كشف ~~الغطاء لو كان نبيا لخلص الخلق من كلمات الجهل والخلاف، كما قال تعالى: * ~~(فيتبعون ما نشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله) [آل عمران: 7] وهذا ~~لان نفي المنفرات ليس بشرط دلالة المعجزة، هذا حكم الذنوب أما النسيان ~~والسهو فلا خلاف في عصمتهم بما يتعلق بتبليغ الشرع والرسالة، فإنهم كلفوا ~~تصديقه جزما، ولا يمكن التصديق مع تجويز الغلط، وقد قال قوم: يجوز عليه ~~الغلط فيما شرعه بالاجتهاد، لكن لا يقر عليه، وهذا على مذهب من يقول المصيب ~~واحد من المجتهدين، أما من قال: كل مجتهد مصيب فلا يتصور الخطأ عنده في ~~اجتهاد غيره فكيف في اجتهاده. # رجعنا إلى المقصود، وهو أفعاله عليه السلام، فما عرف بقوله أنه تعاطاه ~~بيانا للواجب كقوله عليه السلام: صلوا كما رأيتموني أصلي وخذوا عني مناسككم ~~أو علم بقرينة الحال أنه إمضاء لحكم نازل، كقطع يد السارق من الكوع، فهذا ~~دليل وبيان، وما عرف أنه PageV00P274 # خاصيته، فلا يكون دليلا في حق غيره، وأما ما لم يقترن به بيان في نفي ولا ~~إثبات فالصحيح عندنا أنه لا دلالة له، بل هو متردد بين الإباحة والندب ~~والوجوب وبين أن يكون مخصوصا به وبين أن يشاركه غيره فيه، ولا يتعين واحد ~~من هذه الأقسام إلا بدليل زائد، بل يحتمل الحظر أيضا عند من يجوز عليهم ~~الصغائر، وقال قوم أنه على الحظر، وقال قوم على الإباحة، وقال قوم على ~~الندب، وقال قوم على الوجوب إن كان في العبادات وإن كان في العادات فعلى ~~الندب، ويستحب التأسي به، وهذه تحكمات، لان الفعل لا صيغة له وهذه ~~الاحتمالات متعارضة، ونحن نفرد كل واحد بالابطال. أما إبطال الحمل على ~~الحظر: فهو أن هذا خيال من رأى الافعال قبل ورود الشرع على الحظر، قال: ~~وهذا الفعل لم يرد فيه شرع، ولا يتعين بنفسه لإباحة ولا لوجوب، فيبقى على ~~ما كان، فلقد صدق في إبقاء الحكم على ما كان، وأخطأ في قوله بأن الاحكام ~~قبل الشرع على الحظر، وقد أبطلنا ms428 ذلك، ويعارضه قول من قال إنها على ~~الإباحة، وهو أقرب من الحظر، ثم يلزم منه تناقض، وهو أن يأتي بفعلين ~~متضادين في وقتين فيؤدي إلى أن يحرم الشئ وضده، وهو تكليف المحال. أما ~~إبطال الإباحة: فهو أنه إن أراد به أنه أطلق لنا مثل ذلك فهو تحكم لا يدل ~~عليه عقل ولا سمع، وإن أراد به أن الأصل في الافعال نفي الحرج فيبقى على ما ~~كان قبل الشرع، فهو حق، وقد كان كذلك قبل فعله فلا دلالة، إذا لفعله. أما ~~إبطال الحمل على الندب: فإنه تحكم، إذا لم يحمل على الوجوب لاحتمال كونه ~~ندبا، فلا يحمل على الندب لاحتمال كونه واجبا بل لاحتمال كونه مباحا. # وقد تمسكوا بشبهتين: الأولى: أن فعله يحتمل الوجوب و الندب، والندب أقل ~~درجاته فيحمل عليه، قلنا: إنما يصح ما ذكروه، لو كان الندب داخلا في ~~الوجوب، ويكون الوجوب ندبا وزيادة، وليس كذلك، إذ يدخل جواز الترك في حد ~~الندب دون حد الوجوب، وأقرب ما قيل فيه الحمل على الندب، لا سيما في ~~العبادات، أما في العادات فلا أقل من حمله على الإباحة، لا بمجرد الفعل، ~~ولكن نعلم أن الصحابة كانوا يعتقدون في كل فعل له أنه جائز ويستدلون به على ~~الجواز، ويدل هذا على نفي الصغائر عنه، وكانوا يتبركون بالاقتداء به في ~~العادات، لكن هذا أيضا ليس بقاطع، إذ يحتمل أن يكون، استدلالهم بذلك مع ~~قرائن حسمت بقية الاحتمالات، وكلامنا في مجرد الافعال دون قرينة، ولا شك في ~~أن ابن عمر لما رآه مستقبل بيت المقدس في قضاء حاجته استدل به على كونه ~~مباحا إذا كان في بناء، لأنه كان في البناء ولم يعتقد أنه ينبغي أن يقتدي ~~به فيه، لأنه خلا بنفسه، فلم يكن يقصد إظهاره ليعلم بالقرينة قصده الدعاء ~~إلى الاقتداء، فتبين من هذا أنهم اعتقدوا وأن ما فعله مباح، وهذا يدل على ~~أنهم لم يجوزوا عليه الصغائر وأنهم لم يعتقدوا الاقتداء في كل فعل بل ما ~~يقترن به قرينة تدل على إرادته ms429 البيان بالفعل. الثانية: التمسك بقوله: * ~~(لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) * (الأحزاب: 12) فأخبر أن لنا، ~~التأسي، ولم يقل عليكم التأسي فيحمل على الندب لا على الوجوب، قلنا: الآية ~~حجة عليكم، لان التأسي به في إيقاع الفعل الذي أوقعه على ما أوقعه فما ~~أوقعه واجبا أو مباحا إذا أوقعناه على وجه الندب لم نكن مقتدين به، كما أنه ~~إذا قصد الندب فأوقعناه واجبا خالفنا التأسي فلا سبيل إلى التأسي به، قبل ~~معرفة قصده PageV00P275 # ولا يعرف قصده إلا بقوله أو بقرينة ثم نقول: إذا انقسمت أفعاله إلى ~~الواجب والندب لم يكن من يحمل الكل على الوجوب متأسيا ومن يجعل الكل أيضا ~~ندبا متأسيا، بل كان النبي عليه السلام يفعل ما لا يدري فمن فعل ما لا يدري ~~على أي وجه فعله لم يكن متأسيا. أما أبطال الحمل على الوجوب: فإن ذلك لا ~~يعرف بضرورة عقل ولا نظر، ولا بدليل قاطع، فهو تحكم، لان فعله متردد بين ~~الوجوب والندب، وعند من لم يوجب عصمته من الصغائر يحتمل الحظر أيضا، فلم ~~يتحكم بالحمل على الوجوب ولهم شبه: الأولى: قولهم لا بد من وصف فعله بأنه ~~حق وصواب ومصلحة ولولاه لما أقدم عليه ولا تعيد به، قلنا: جملة ذلك مسلم في ~~حقه خاصة ليخرج به عن كونه محظورا، وإنما الكلام في حقنا، وليس يلزم الحكم ~~بأن ما كان في حقه حقا وصوابا ومصلحة كان في حقنا كذلك، بل لعله مصلحة ~~بالإضافة إلى صفة النبوة أو صفة هو يختص بها، ولذلك خالفنا في جملة من ~~الجائزات والواجبات والمحظورات، بل اختلف المقيم والمسافر والحائض والطاهر ~~في الصلوات فلم يمتنع اختلاف النبي والأمة. الثانية: أنه نبي، وتعظيم النبي ~~واجب، والتأسي به تعظيم، قلنا: تعظيم الملك في الانقياد له فيما يأمر وينهي ~~لا في التربع إذا تربع، ولا في الجلوس على السرير إذا جلس عليه، فلو نذر ~~الرسول أشياء لم يكن تعظيمه في أن ننذرها مثل ما نذرها، ولو طلق أو باع أو ~~اشترى لم يكن تعظيمه ms430 في التشبه به. # الثالث: أنه لو لم يتابع في أفعاله لجاز أن لا يتابع في أقواله، وذلك ~~تصغير لقدره وتنفير للقلوب عنه، قلنا هذا هذيان، فإن المخالفة في القول ~~عصيان له، وهو مبعوث للتبليغ حتى يطاع في أقاويله، لان قوله متعد إلى غيره، ~~وفعله قاصر عليه، وأما التنفير فقد بينا أنه لا التفات إليه ولو كان ترك ~~التشبه به تصغيرا له لكنا تركنا للوصال، وتركنا نكاح تسع بل تركنا دعوى ~~النبوة تصغيرا، فاستبان أن هذه خيالات، وأن التحقيق أن الفعل متردد، كما أن ~~اللفظ المشترك كالقرء متردد، فلا يجوز حمله على أحد الوجوه إلا بدليل زائد. ~~الرابعة: تمسكهم بآي من الكتاب، كقوله تعالى: * (ونصروا) * (الانعام: 351) ~~وأنه يعم الأقوال والافعال، وكقوله تعالى: * (فليحذر الذين يخالفون عن ~~أمره) * (النور: 36) وقوله: * (وما آتاكم الرسول فخذوه) * (الحشر: 7) ~~وأمثاله، وجمع ذلك يرجع إلى قبول أقواله، وغايته أن يعم الأقوال والافعال، ~~وتخصيص العموم ممكن، ولذلك لم يجب على الحائض و المريض موافقته مع أنهم ~~مأمورون بالاتباع والطاعة. الخامسة: وهي أظهرها تمسكهم بفعل الصحابة، وهو ~~أنهم واصلوا الصيام لما واصل وخلعوا نعالهم في الصلاة لما خلع، وأمرهم عام ~~الحديبية بالتحلل بالحلق فتوقفوا، فشكا إلى أم سلمة، فقالت أخرج إليهم ~~واذبح واحلق ففعل، فذبحوا وحلقوا مسارعين، وإنه خلع خاتمه فخلعوا، وبأن عمر ~~كان يقبل الحجر ويقول: إني لاعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت ~~النبي عليه السلام يقبلك ما قبلتك وبأنه قال في جواب من سأل أم سلمة عن ~~قلبة الصائم فقال: ألا أخبرته أني أقبل وأنا صائم وكذلك الصحابة رضي الله ~~عنهم بأجمعهم اختلفوا في الغسل من التقاء الختانين، فقالت عائشة رضي الله ~~عنها: فعلته أنا ورسول الله فاغتسلنا فرجعوا إلى ذلك الجواب من وجوه. ~~PageV00P276 # الأول: أن هذه أخبار آحاد، وكما لا يثبت القياس وخبر الواحد إلا بدليل ~~قاطع فكذلك هذا لأنه أصل من الأصول. الثاني: أنهم لم يتبعوه في جميع أفعاله ~~وعباداته، فكيف صار اتباعهم للبعض دليلا ولم تصر مخالفتهم في البعض دليل ms431 ~~جواز المخالفة. الثالث: وهو التحقيق: أن أكثر هذه الأخبار تتعلق بالصلاة ~~والحج والصوم والوضوء، وقد كان بين لهم أن شرعه وشرعهم فيه سواء فقال: صلوا ~~كما رأيتموني أصلي وخذوا عني مناسككم وعلمهم الوضوء وقال: هذا وضوئي ووضوء ~~الأنبياء من قبلي وأما الوصال فإنهم ظنوا لما أمرهم بالصوم واشتغل معهم به ~~أنه قصد بفعله امتثال الواجب وبيانه، فرد عليهم ظنهم وأنكر عليهم الموافقة، ~~وكذلك في قبلة الصائم ربما كان قد بين لهم مساواة الحكم في المفطرات وأن ~~شرعه شرعهم، وكذلك في الاحداث قد عرفهم مساواة الحكم فيها، ففهموا لا بمجرد ~~حكاية الفعل، كيف وقد نقل أنه عليه السلام قال: إذا التقى الختانان فقد وجب ~~الغسل وأما خلع الخاتم فهو مباح، فلما خلع أحبوا موافقته لا لاعتقادهم وجوب ~~ذلك عليهم، أو توهموا أنه لما ساواهم في سنة التختم فيساويهم في سنة الخلع، ~~فإن قيل: الأصل أن ما ثبت في حقه عام إلا ما استثنى قلنا: لا بل الأصل أن ~~ما ثبت في حقه فهو خاص إلا ما عممه فإن قيل: التعميم أكثر فلينزل عليه، ~~قلنا: ولم يجب التنزيل على الأكثر وإذا اشتبهت أخت بعشر أجنبيات، فالأكثر ~~حلال، ولا يجوز الاخذ به، كيف والمباحات أكثر من المندوبات، فلتلحق بها ~~والمندوبات أكثر من الواجبات فلتلحق بها، بل ربما قال القائل: المحظورات ~~أكثر من الواجبات فلتنزل عليها. # الفصل الثاني في شبهات متفرقة في أحكام الافعال الأولى قال قائل: إذا نقل ~~إلينا فعله عليه السلام فما الذي يجب على المجتهد أن يبحث عنه، وما الذي ~~يستحب؟ قلنا: لا يجب إلا أمر واحد، وهو البحث عنه، هل ورد بيانا لخطاب عام ~~أو تنفيذا لحكم لازم عام فيجب علينا اتباعه، أوليس كذلك فيكون قاصرا عليه ~~فإن لم يقم دليل على كونه بيانا لحكم عام فالبحث عن كونه ندبا في حقه أو ~~واجبا أو مباحا أو محظورا أو قضاء أو أداء موسعا أو مضيقا لا يجب، بل هو ~~زيادة درجة، وفضل في العلم يستحب للعالم أن يعرفه، فإن قيل: ms432 كم أصناف ما ~~يحتاج إلى البيان سوى الفعل؟ قلنا: ما يتطرق إليه احتمال كالمجمل والمجاز ~~والمنقول عن وضعه والمنقول بتصرف الشرع، والعام المحتمل للخصوص، والظاهر ~~المحتمل للتأويل، ونسخ الحكم بعد استقراره، ومعنى قول: افعل أنه للندب أو ~~للوجوب أو أنه على الفور أو التراخي، أو أنه للتكرار أو المرة الواحد، ~~والجمل المعطوفة إذا أعقبت باستثناء وما يجري مجراه مما يتعارض فيه ~~الاحتمال والفعل من جملة ذلك، فإن قيل: فإن بين لنا بفعله ندبا فهل يكون ~~فعله واجبا؟ # قلنا: نعم، هو من حيث أنه بيان واجب، لأنه تبليغ للشرع، ومن حيث أنه فعل ~~ندب، وذهب بعض القدرية إلى أن بيان الواجب واجب، وبيان الندب ندب، وبيان ~~المباح مباح، ويلزم على ذلك أن يكون بيان المحظور محظورا، فإذا كان بيان ~~المحظور واجبا فلم لا يكون بيان الندب واجبا، وكذلك بيان المباح، وهي أحكام ~~الله تعالى على عباده والرسول مأمور بالتبليغ PageV00P277 # وبيانه: بالقول أو الفعل، وهو مخير بينهما، فإذا أتى بالفعل فقد أتى ~~بإحدى خصلتي الواجب فيكون فعله، واقعا عن الواجب، فإن قيل: وبم يعرف كون ~~فعله بيانا؟ قلنا: إما بصريح قوله وهو ظاهر، أو بقرائن، وهي كثيرة. إحداها: ~~أن يرد خطاب مجمل ولم يبينه بقوله إلى وقت الحاجة، ثم فعل عند الحاجة ~~والتنفيذ للحكم فعلا صالحا للبيان، فيعلم أنه بيان، إذا لم يكن لكان مؤخرا ~~للبيان عن وقت الحاجة، وذلك محال عقلا عند قوم وسمعا عند آخرين، وكونه غير ~~واقع متفق عليه، لكن كون الفعل متعينا للبيان، يظهر للصحابة، إذ قد علموا ~~عدم البيان بالقول، أما نحن فيجوز أن يكون قد بين بالقول ولم يبلغنا، فيكون ~~الظاهر عندنا أن الفعل بيان، فقطع يد السارق من الكوع وتيممه إلى المرفقين، ~~بيان لقوله عز وجل: * (فاقطعوا أيديهما) * (المائدة: 83) ولقوله تعالى: * ~~(فامسحوا بوجوهكم وأيديكم) * (المائدة: 6) الثانية: أن ينقل فعل غير مفصل، ~~كمسحه رأسه وأذنيه من غير تعرض لكونهما مسحا بماء واحد أو بماء جديد ثم ~~ينقل أنه أخذ لأذنيه ماء جديدا، فهذا في الظاهر يزيل ms433 الاحتمال عن الأول، ~~ولكن يحتمل أن الواجب ماء واحد، وأن المستحب ماء جديدا فيكون أحد الفعلين ~~على الأقل، والثاني على الأكمل. # الثالثة: أن يترك ما لزمه فيكون بيانا لكونه منسوخا في حقه، أما في حق ~~غيره فلا يثبت النسخ إلا ببيان الاشتراك في الحكم، نعم لو ترك غيره بين ~~يديه فلم ينكر مع معرفته فيدل على النسخ في حق الغير. # الرابعة: أنه إذا أتى بسارق ثمر أو ما دون النصاب فلم يقطع فيدل على ~~تخصيص الآية، لكن هذا بشرط أن يعلم انتفاء شبهة أخرى تدرأ القطع، لأنه لو ~~أتى بسارق سيف فلم يقطعه فلا يتبين لنا سقوط القطع في السيف ولا في الحديد، ~~لكن يبحث عن سببه، فكذلك الثمر وما دون النصاب، وكذلك تركه القنوت والتسمية ~~والتشهد الأول مرة واحدة لا يدل على النسخ، إذ يحمل على نسيان أو على بيان ~~جواز ترك السنة، وإن ترك مرات دل على عدم الوجوب، وكذلك لو ترك الفخذ ~~مكشوفا دل على أنه ليس من العورة. # الخامسة: إذا فعل في الصلاة ما لو لم يكن واجبا لأفسد الصلاة دل على ~~الوجوب، كزيادة ركوع في الخسوف، وكحمل أمامة في الصلاة يدل على أن الفعل ~~القليل لا يبطل وأنه فعل قليل هذا مع قوله: صلوا كما رأيتموني أصلي يكون ~~بيانا في حقنا. # السادسة: إذا أمر الله تعالى بالصلاة وأخذ الجزية والزكاة مجملا ثم أنشأ ~~الصلاة وابتدأ بأخذ الجزية فيظهر كونه بيانا وتنفيذا، لكن إن لم تكن الحاجة ~~متنجزة بحيث يجوز تأخير البيان فلا يتعين لكونه بيانا، بل يحتمل أن يكون ~~فعلا أمر به خاصة في ذلك الوقت، فإذا لا يصير بيانا للحكم العام إلا بقرينة ~~أخرى. # السابعة: أخذه مالا ممن فعل فعلا أو إيقاعه به ضربا أو نوع عقوبة، فإنه ~~له خاصة ما لم ينبه على أن من فعل ذلك الفعل فعليه مثل ذلك المال، فإنه لا ~~يمتنع، لأنه وإن تقدم ذلك PageV00P278 # الفعل فلا يتعين لكونه موجب أخذ المال، وأنه لا يمتنع وجود سبب آخر هو ms434 ~~المقتضى للمال وللعقوبة أما قضاؤه على من فعل فعلا بعقوبة أو مال كقضائه ~~على الأعرابي بإعتاق رقبة فإنه يدل على أنه موجب ذلك الفعل، لان الراوي لا ~~يقول: قضى على فلان بكذا لما فعل كذا إلا بعد معرفته بالقرينة، فإن قيل: ~~فإذا فعل فعلا وكان بيانا ووقع في زمان ومكان وعلى هيئة فهل يتبع الزمان ~~والمكان والهيئة؟ فيقال: أما الهيئة والكيفية فنعم، وأما الزمان والمكان ~~فهو كتغيم السماء وصحوها، ولا مدخل له في الاحكام إلا أن يكون الزمان ~~والمكان لائقا به بدليل دل عليه كاختصاص الحج بعرفات والبيت، واختصاص ~~الصلوات بأوقات، لأنه لو اتبع المكان للزم مراعاة تلك الرواية بعينها، ووجب ~~مراعاة ذلك الوقت، وقد انقضى ولا يمكن إعادته وما بعده من الأوقات ليس ~~مثلا، فيجب إعادة الفعل في الزمان الماضي وهو محال، وقد قال قوم إن تكرر ~~فعله في مكان واحد وزمان واحد دل على الاختصاص وإلا فلا، وهو فاسد لما سبق ~~ذكره، فإن قيل، إن كان فعله بيانا فتقريره على الفعل وسكوته عليه وتركه ~~الانكار واستبشاره بالفعل أو مدحه له، هل يدل على الجواز وهل يكون بيانا؟ ~~قلنا: نعم، سكوته مع المعرفة وتركه الانكار دليل على الجواز إذ لا يجوز له ~~ترك الانكار لو كان حراما، ولا يجوز له الاستبشار بالباطل، فيكون دليلا على ~~الجواز كما نقل في قاعدة القيافة، وإنما تسقط دلالته عند من يحمل ذلك على ~~المعصية، ويجوز عليه الصغيرة، ونحن نعلم إتفاق الصحابة على إنكار ذلك ~~وإحالته، فإن قيل: لعله، منع من الانكار مانع، كعلمه بأنه لم يبلغه التحريم ~~فلذلك فعله، أو بلغه الانكار مرة فلم ينجح فيه فلم يعاوده. قلنا: ليس هذا ~~مانعا لان من لم يبلغه التحريم فيلزمه تبليغه ونهيه حتى لا يعود ومن بلغه، ~~ولم ينجح فيه فيلزمه إعادته وتكراره كيلا يتوهم نسخ التحريم، فإن قيل: فلم ~~لم يجب عليه أن يطوف صبيحة كل سبت وأحد على اليهود والنصارى إذا اجتمعوا في ~~كنائسهم وبيعهم؟ قلنا: لأنه علم أنهم مصرون مع تبليغه وعلم ms435 الخلق أنه مصر ~~على تكفيرهم دائما، فلم يكن ذلك مما يوهم النسخ، بخلاف فعل يجري بين يديه ~~مرة واحدة أو مرات، فإن السكوت عنه يوهم النسخ. # الفصل الثالث في تعارض الفعلين. # فنقول: معنى التعارض التناقض، فإن وقع في الخبر أوجب كون واحد منهما ~~كذبا، ولذلك لا يجوز التعارض في الاخبار من الله تعالى ورسوله، وإن وقع في ~~الأمر والنهي والاحكام فيتناقض فيرفع الأخير الأول ويكون نسخا، وهذا متصور، ~~وإذا عرفت أن التعارض هو التناقض، فلا يتصور التعارض في الفعل، لأنه لا بد ~~من فرض الفعلين في زمانين أو في شخصين، فيمكن الجمع بين وجوب أحدهما وتحريم ~~الآخر فلا تعارض، فإن قيل: فالقول أيضا لا يتناقض إذ يوجد القولان في ~~حالتين، وإنما يتناقض حكمهما، فكذلك يتناقض حكم الفعلين، قلنا: إنما يتناقض ~~حكم القولين، لان القول الأول اقتضى حكما دائما، فيقطع القول الثاني دوامه، ~~والفعل لا يدل أصلا على حكم ولا على دوام حكم، نعم: لو أشعرنا الشارع بأنه ~~يريد بمباشرة فعل بيان دوام وجوبه ثم ترك ذلك الفعل بعده كان ذلك نسخا ~~وقطعا لدوام حكم ظهر بالفعل مع تقدم الاشعار، فهذا القدر ممكن، وأما ~~التعارض بين القول والفعل PageV00P279 # فممكن بأن يقول قولا يوجب على أمته فعلا دائما وأشعرهم بأن حكمه فيه ~~حكمهم ابتداء ونسخا، ثم فعل خلافه أو سكت على خلافه، كان الأخير نسخا، وإن ~~أشكل التاريخ وجب طلبه وإلا فهو متعارض، كما روي أنه قال في السارق: وإن ~~سرق خامسة فاقتلوه ثم أتى بمن سرق خامسة فلم يقتله، فهذا إن تأخر فهو نسخ ~~القول والفعل، وإن تأخر القول فهو نسخ ما دل عليه: الفعل، وقد قال قوم: إذا ~~تعارضا وأشكل التاريخ يقدم القول، لان القول بيان بنفسه بخلاف الفعل، فإن ~~الفعل يتصور أن يخصه، والقول يتعدى إلى غيره، ولان القول يتأكد بالتكرار ~~بخلاف الفعل، فنقول: أما قولكم أن الفعل ليس بيانا بنفسه فمسلم، ولكن ~~كلامنا في فعل صار بيانا لغيره فلا يتأخر عما كان بيانا بنفسه، وأما خصوص ~~الفعل فمسلم ms436 أيضا، ولكن كلامنا في فعل لا يمكن حمله على خاصيته، وأما تأكيد ~~القول بالتكرار إن عني به أنه إذا تواتر أفاد العلم، فهذا مسلم إذا توتر من ~~أشخاص، فليس ذلك تكرارا وتكراره من شخص واحد لا أثر له كتكرار الفعل، هذا ~~تمام الكلام في الافعال الملحقة بالأقوال، وبيان ما فيها من البيان ~~والاجمال، ولنشتغل بعدها بالفن الثالث من القطب وهو المرسوم لبيان كيفية ~~دلالة الألفاظ على المدلولات بمعقولها ومعناها، وهو الذي يسمى قياسا فلنخض ~~في شرح كتاب القياس مستعينين بالله عز وجل. # الفن الثالث في كيفية استثمار الاحكام من الألفاظ والاقتباس من معقول ~~الألفاظ بطريق القياس ويشتمل على مقدمتين وأربعة أبواب الأول: في إثبات أصل ~~القياس على منكريه. الثاني: في طريق إثبات العلة. الثالث : في قياس الشبه. ~~الرابع: في أركان القياس، وهي أربعة: الأصل، والفرع، والعلة، والحكم، وبيان ~~شروط كل ركن من هذه الأركان. # مقدمة في حد القياس وحده أنه جمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو ~~نفيه عنهما بأمر جامع بينهما من إثبات حكم أو صفة أو نفيهما عنهما، ثم إن ~~كان الجامع موجبا للاجتماع على الحكم كان قياسا صحيحا، وإلا كان فاسدا، ~~واسم القياس يشتمل على الصحيح والفاسد في اللغة، ولا بد في كل قياس من فرع ~~وأصل وعلة وحكم، وليس من شرط الفرع والأصل كونهما موجودين، بل ربما يستدل ~~بالنفي على النفي، فلذلك لم نقل حمل شئ، لان المعدوم ليس بشئ عندنا، ~~وأبدلنا لفظ الشئ بالمعلوم ولم نقل حمل فرع على أصل، لأنه ربما ينبو هذا ~~اللفظ عن المعدوم، وإن كان لا يبعد إطلاق هذا الاسم عليه بتأويل ما، والحكم ~~يجوز أن يكون نفيا ويجوز أن يكون إثباتا، والنفي كانتفاء الضمان والتكليف، ~~والانتفاء أيضا يجوز أن يكون علة، فلذلك أدرجنا الجميع في الحد، ودليل صحة ~~هذا الحد إطراده وانعكاسه، أما قول من قال في حد القياس أنه الدليل الموصل ~~إلى الحق أو العلم الواقع بالمعلوم عن نظر أو رد غائب إلى شاهد، فبعض هذا ~~أعم ms437 من القياس وبعضه أخص، ولا حاجة إلى الاطناب في إبطاله، وأبعد منه إطلاق ~~الفلاسفة PageV00P280 # اسمه على تركيب مقدمتين يحصل منهما نتيجة، كقول القائل: كل مسكر حرام، ~~وكل نبيذ مسكر، فيلزم منه أن كل نبيذ حرام، فإن لزوم هذه النتيجة من ~~المقدمتين لا ننكره، لكن القياس يستدعي أمرين يضاف أحدهما إلى الآخر بنوع ~~من المساواة، إذ تقول العرب: لا يقاس فلان إلى فلان في عقله ونسبه وفلان ~~يقاس إلى فلان، فهو عبارة عن معنى إضافي بين شيئين، وقال بعض الفقهاء: ~~القياس هو الاجتهاد، وهو خطأ، لان الاجتهاد أعم من القياس، لأنه قد يكون ~~بالنظر في العمومات ودقائق الألفاظ وسائر طرق الأدلة سوى القياس، ثم أنه لا ~~ينبئ في عرف العلماء إلا عن بذل المجتهد وسعه في طلب الحكم، ولا يطلق إلا ~~على من يجهد نفسه ويستفرغ الوسع، فمن حمل خردلة لا يقال اجتهد، ولا ينبئ ~~هذا عن خصوص معنى القياس، بل عن الجهد الذي هو حال القياس فقط. # مقدمة أخرى في حصر مجاري الاجتهاد في العلل اعلم أنا نعني بالعلة في ~~الشرعيات مناط الحكم، أي ما أضاف الشرع الحكم إليه وناطه به ونصبه علامة ~~عليه، والاجتهاد في العلة إما أن يكون في تحقيق مناط الحكم أو في تنقيح ~~مناط الحكم أو في تخريج مناط الحكم واستنباطه. أما الاجتهاد في تحقيق مناط ~~الحكم: فلا نعرف خلافا بين الأمة في جوازه مثاله الاجتهاد في تعيين الامام ~~بالاجتهاد مع قدرة الشارع في الامام الأول على النص، وكذا تعيين الولاة ~~والقضاة، وكذلك في تقدير المقدرات وتقدير الكفايات في نفقة القرابات، ~~وإيجاب المثل في قيم المتلفات، وأروش الجنايات، وطلب المثل في جزاء الصيد، ~~فإن مناط الحكم في نفقة القريب الكفاية، وذلك معلوم النص، أما أن الرطل ~~كفاية لهذا الشخص أم لا فيدرك بالاجتهاد والتخمين، وينتظم هذا الاجتهاد ~~بأصلين. أحدهما: أنه لا بد من الكفاية. والثاني: أن الرطل قدر الكفاية ~~فيلزم منه أنه الواجب على القريب، أما الأصل الأول فمعلوم بالنص والاجماع، ~~وأما الثاني فمعلوم بالظن، وكذلك ms438 نقول يجب في حمار الوحش بقرة، لقوله ~~تعالى: * (فجزاء مثل ما قتل من النعم) * (المائدة: 59) فنقول: # المثل واجب، والبقرة مثل، فإذا هي الواجب، والأول معلوم بالنص وهي ~~المثلية التي هي مناط الحكم، أما تحقق المثلية في البقرة فمعلوم بنوع من ~~المقايسة والاجتهاد، وكذلك من أتلف فرسا فعليه ضمانه، والضمان هو المثل في ~~القيمة، أما كونه مائة درهم مثلا في القيمة فإنما يعرف بالاجتهاد، ومن هذا ~~القبيل الاجتهاد في القبلة وليس ذلك من القياس في شئ بل الواجب استقبال جهة ~~القبلة وهو معلوم بالنص، أما أن هذه جهة القبلة فإنه يعلم بالاجتهاد ~~والامارات الموجبة للظن عند تعذر اليقين، وكذلك حكم القاضي بقول الشهود ظني ~~لكن الحكم بالصدق واجب، وهو معلوم بالنص، وقول العدل صدق معلوم بالظن ~~وأمارات العدالة، والعدالة لا تعلم إلا بالظن فلنعبر عن هذا الجنس بتحقيق ~~مناط الحكم، لان المناط معلوم، بنص أو إجماع لا حاجة إلى استنباطه، لكن ~~تعذرت معرفته باليقين فاستدل عليه بإمارات ظنية، وهذا لا خلاف فيه بين ~~الأمة، وهو نوع اجتهاد، والقياس مختلف فيه، فكيف يكون هذا قياسا وكيف يكون ~~مختلفا فيه، وهو ضرورة كل شريعة، لان التنصيص على عدالة الاشخاص وقدر كفاية ~~كل شخص محال، فمن ينكر القياس ينكره حيث يمكن التعريف PageV00P281 # للحكم بالنص المحيط بمجاري الحكم. الاجتهاد الثاني: في تنقيح مناط الحكم: ~~وهذا أيضا يقربه أكثر منكري القياس، مثاله: أن يضيف الشارع الحكم إلى سبب ~~وينوطه به وتقترن به أوصاف لا مدخل لها في الإضافة، فيجب حذفها عن درجة ~~الاعتبار حتى يتسع الحكم، مثاله: إيجاب العتق على الأعرابي حيث أفطر في ~~رمضان بالوقاع مع أهله، فإنا نلحق به أعرابيا آخر بقوله عليه السلام: حكمي ~~على الواحد حكمي على الجماعة أو بالاجماع على أن التكليف يعم الاشخاص، ~~ولكنا نلحق التركي والعجمي به، لأنا نعلم أن مناط الحكم وقاع مكلف لا وقاع ~~أعرابي، ونلحق به من أفطر في رمضان آخر، لأنا نعلم أن المناط هتك حرمة ~~رمضان لا حرمة ذلك الرمضان، بل نلحق به يوما ms439 آخر من ذلك الرمضان، ولو وطئ ~~أمته أوجبنا عليه الكفارة، لأنا نعلم أن كون الموطوءة منكوحة لا مدخل له في ~~هذا الحكم بل يلحق به الزنا، لأنه أشد في هتك الحرمة، إلا أن هذه إلحاقات ~~معلومة تنبئ على تنقيح مناط الحكم بحذف ما علم بعادة الشرع في موارده ~~ومصادره في أحكامه أنه لا مدخل له في التأثير، وقد يكون حذف بعض الأوصاف ~~مظنونا فينقدح الخلاف فيه، كإيجاب الكفارة بالاكل والشرب إذ يمكن أن يقال: ~~مناط الكفارة كونه مفسدا للصوم المحترم والجماع آلة الافساد، كما أن مناط ~~القصاص في القتل بالسيف كونه مزهقا روحا محترمة، والسيف آلة فيلحق به ~~السكين والرمح والمثقل، فكذلك الطعام والشراب آلة، ويمكن أن يقال: الجماع ~~مما لا تنزجر النفس عنه عند هيجان شهوته لمجرد وازع الدين، فيحتاج فيه إلى ~~كفارة وازعة، بخلاف الاكل، وهذا محتمل، والمقصود أن هذا تنقيح المناط بعد ~~أن عرف المناط بالنص لا بالاستنباط، ولذلك أقر به أكثر منكري القياس، بل ~~قال أبو حنيفة رحمه الله: لا قياس في الكفارات وأثبت هذا النمط من التصرف ~~وسماه استدلالا، فمن جحد هذا الجنس من منكري القياس وأصحاب الظاهر لم يخف ~~فساد كلامه. الاجتهاد الثالث في تخريج مناط الحكم واستنباطه مثاله: أن يحكم ~~بتحريم في محل ولا يذكر إلا الحكم والمحل، ولا يتعرض لمناط الحكم وعلته، ~~كتحريم شرب الخمر والربا في البر، فنحن نستنبط المناط بالرأي والنظر فنقول: ~~حرمه لكونه مسكرا، وهو العلة، ونقيس عليه النبيذ، وحرم الربا في البر لكونه ~~مطعوما ونقيس عليه الأرز والزبيب، ويوجب العشر في البر فنقول: أوجبه لكونه ~~قوتا. فنلحق به الأقوات، أو لكونه نبات الأرض وفائدتها، فنلحق به الخضراوات ~~وأنواع النبات، فهذا هو الاجتهاد القياسي الذي عظم الخلاف فيه وأنكره أهل ~~الظاهر وطائفة من معتزلة بغداد وجميع الشيعة، والعلة المستنبطة أيضا عندنا ~~لا يجوز التحكم بها بل قد تعلم بالايماء وإشارة النص فتلحق بالمنصوص وقد ~~تعلم بالسير حيث يقوم دليل على وجوب التعليل، وتنحصر الأقسام في ثلاثة ~~مثلا، ويبطل قسمان ms440 فيتعين الثالث، فتكون العلة ثابتة بنوع من الاستدلال، ~~فلا تفارق تحقيق المناط وتنقيح المناط، وقد يقوم الدليل على كون الوصف ~~المستنبط مؤثرا بالاجماع فيلحق به ما لا يفارقه إلا فيما لا مدخل له في ~~التأثير، كقولنا الصغير يولي عليه في ماله لصغره، فيلحق بالمال البضع، إذ ~~ثبت بالاجماع تأثير الصغر في جلب الحكم، ولا يفارق البضع المال في معنى ~~مؤثر في الحكم، فكل ذلك استدلال قريب من القسمين الأولين، PageV00P282 # والقسم الأول متفق عليه، والثاني مسلم من الأكثرين. هذا شرح المقدمتين ~~ولنشرع الآن في الأبواب. # الباب الأول في إثبات القياس على منكريه وقد قالت الشيعة وبعض المعتزلة: ~~يستحيل التعبد بالقياس عقلا، وقال قوم في مقابلتهم: يجب التعبد به عقلا، ~~وقال قوم: لا حكم للعقل فيه بإحالة ولا إيجاب ولكنه في مظنة الجواز، ثم ~~اختلفوا في وقوعه، فأنكر أهل الظاهر وقوعه، بل ادعوا حظر الشرع له والذي ~~ذهب إليه الصحابة رضي الله عنهم بأجمعهم وجماهير الفقهاء والمتكلمين بعدهم ~~رحمهم الله وقوع التعبد به شرعا، ففرق المبطلة له ثلاث: المحيل له عقلا، ~~والموجب له عقلا والحاظر له شرعا، فنفرض على كل فريق مسألة، ونبطل عليهم ~~خيالهم ونقول للمحيل للتعبد به عقلا: بم عرفت إحالته، بضرورة أو نظر؟ ولا ~~سبيل إلى دعوى شئ من ذلك ولهم مسالك. # الأول: قولهم كلما نصب الله تعالى دليلا قاطعا، على معرفته فلا نحيل ~~التعبد به، إنما نحيل التعبد بما لا سبيل إلى معرفته، لان رحم الظن جهل، ~~ولا صلاح للخلق في إقحامهم ورطة الجهل حتى يتخبطوا فيه، ويحكموا بما لا ~~يتحققون أنه حكم الله، بل يجوز أنه نقيض حكم الله تعالى فهذا أصلان: ~~أحدهما: أن الصلاح واجب على الله تعالى. # والثاني: أنه لا صلاح في التعبد بالقياس، ففي أيهما النزاع؟. والجواب: ~~إننا ننازعكم في الأصلين جميعا، أما إيجاب صلاح العباد على الله تعالى فقد ~~أبطلناه، فلا نسلم، وإن سلمنا فقد جوز التعبد بالقياس، بعض من أوجب الصلاح، ~~وقال: لعل الله تعالى علم لطفا بعباده في الرد إلى القياس ms441 لتحمل كلفة ~~الاجتهاد وكد القلب والعقل في الاستنباط لنيل الخيرات الجزيلة: * (يرفع ~~الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) * (المجادلة: 11) وتجشم ~~القلب بالفكر لا يتقاعد عن تجشم البدن بالعبادات، فإن قيل: كان الشارع ~~قادرا على أن يكفيهم بالتنصيص كلمات الظن، وذلك أصلح، قلنا: من أوجب الصلاح ~~لا يوجب الأصلح، ثم لعل الله تعالى علم من عباده أنه لو نص على جميع ~~التكاليف لبقوا وعصوا، وإذا فرض إلى رأيهم انبعث حرصهم لاتباع اجتهادهم ~~وظنونهم، ثم نقول: أليس قد أقحمهم ورطة الجهل في الحكم بقول الشاهدين ~~والاستدلال على القبلة وتقدير المثل والكفايات في النفاقات والجنايات وكل ~~ذلك ظن وتخمين، فإن قيل: ما تعبد القاضي بصدق الشاهدين فإن ذلك لا يقدر ~~عليه، بل أوجب الحكم عليه عند ظن الصدق، وأوجب استقبال جهة يظن أن القبلة ~~فيها لا استقبال القبلة، قلنا: وكذلك تعبد المجتهد بأن يحكم بشهادة الأصل ~~للفرع إذا غلب على ظنه دلالته عليه وشهادته له، ولا تكليف عليه في تحقيق ~~تلك الشهادة، بل هو مكلف بظنه، وإن فسدت الشهادة كما كلف الحاكم الحكم ~~بظنه، وإن كان كذب الشهود ممكنا ولا فرق، ولذلك نقول: كل مجتهد مصيب، ~~والخطأ محال إذ يستحيل أن يكلف إصابة ما لم ينصب عليه دليل قاطع وما ذكروه ~~إنما يشكل على من يقول المصيب واحد، وتحقيقه أنه PageV00P283 # لو قال الشارع: حرمت كل مسكر، أو حرمت الخمر لكونه مسكرا، لم يكن التعبد ~~به ممتنعا، فلو قال: متى حرمت الربا في البر فأسيروا حاله، وقسموا صفاته، ~~فإن غلب على ظنكم بإمارة أني حرمته لكونه قوتا، وحرمت الخمر لكونه مسكرا، ~~فقد حرمت عليكم كل قوت وكل مسكر، ومن غلب على ظنه أني حرمته لكونه مكيلا ~~فقد حرمت عليه كل مكيل، لم يكن بين هذا وبين قوله إذا اشتبهت عليكم القبلة، ~~فكل جهة غلب على ظنكم أن القبلة فيها فاستقبلوها فرق حتى لو غلب جهتان على ~~ظن رجلين فيكون كل واحد مصيبا، وكما لم يمتنع أن يلحق ظن القبلة بمشاهدتها، ~~وظن صدق ms442 العدل بتحقيق صدق الرسول المؤيد بالمعجزة وصدق الراوي الواحد ~~بتحقيق صدق التواتر، فكذلك لا يمتنع أن يلحق ظن ارتباط الحكم بمناط بتحقيق ~~ارتباطه به بالنص الصريح، فإن قيل: فأي مصلحة في تحريم الربا في البر لكونه ~~مكيلا أو قوتا أو مطعوما قلنا: ومن أوجب الأصلح لم يشترط كون المصلحة ~~مكشوفة للعباد، وأي مصلحة في تقدير المغرب ثلاث ركعات والصبح بركعتين، وفي ~~تقدير الحدود والكفارات ونصب الزكوات بمقادير مختلفة لكن علم الله تعالى في ~~التعبد لطفا استأثر بعلمه يقرب العباد بسببه من الطاعة، ويبعدون به عن ~~المعصية وأسباب الشقاوة، حتى لو أضاف الحكم إلى اسم مجرد ثبت واعتقدنا فيه ~~لطفا ندركه فكيف لا يتصور ذلك في الأوصاف؟ الشبهة الثانية: قولهم لا يستقيم ~~قياس إلا بعلة، والعلة ما توجب الحكم لذاتها، وعلل الشرع ليست كذلك، فكيف ~~يستقيم التعليل مع أن ما نصب علة للتحريم يجوز أن يكون علة للتحليل؟ قلنا: ~~لا معنى لعلة الحكم إلا علامة منصوبة على الحكم، ويجوز أن ينصب الشرع السكر ~~علامة لتحريم الخمر ويقول: اتبعوا هذه العلامة واجتنبوا كل مسكر، ويجوز أن ~~ينصبه علامة للتحليل أيضا، ويجوز أن يقول: من ظن أنه علامة للتحليل فقد ~~حللت له كل مسكر ومن ظن أنه علامة للتحريم فقد حرمت عليه كل مسكر حتى يختلف ~~المجتهدون في هذه الظنون، وكلهم مصيبون. الشبهة الثالثة: قولهم حكم الله ~~تعالى خبره، ويعرف ذلك بتوقيف، فإذا لم يخبر الله عن حكم الزبيب فكيف يقال: ~~حكم الله في الزبيب التحريم والنص، لم ينطق إلا بالأشياء الستة، قلنا: إذا ~~قال الله تعالى: قد تعبدتكم بالقياس فإذا ظننتم أني حرمت الربا في البر ~~لكونه مطعوما فقيسوا عليه كل مطعوم، فيكون هذا خبرا عن حكم الزبيب، وما لم ~~يقم دليل على التعبد بالقياس لا يجوز القياس عندنا فالقياس عندنا حكم ~~بالتوقيف المحض كما قررناه في كتاب أساس القياس، لكن هذا النص بعينه وإن لم ~~يرد فقد دل إجماع الصحابة على القياس، على أنهم ما فعلوا ذلك إلا وقد فهموا ~~من ms443 الشارع هذا المعنى بألفاظ وقرائن وإن لم ينقلوها إلينا. الشبهة الرابعة: ~~قولهم إذا اشتبهت رضيعة بعشر أجنبيات أو ميتة بعشر مذكيات لم يجز مد اليد ~~إلى واحدة، وإن وجدت علامات لامكان الخطأ والخطأ ممكن في كل اجتهاد وقياس، ~~فكيف يجوز الهجوم مع إمكان الخطأ، ولا يلزم هذا على الاجتهاد في القبلة، ~~وعدالة الشاهد والقاضي والامام ومتولي الأوقاف لمعنيين. # أحدهما: أن ذلك حكم في الاشخاص والأعيان ولا نهاية لها، ولا يمكن تعريفها ~~بالنص. # والثاني: أن الخطأ فيه غير ممكن، لانهم متعبدون بظنونهم لا بصدق الشهود، ~~قلنا: وكذلك PageV00P284 # نحن نعترف بأنه لا خلاص عن هذا الاشكال إلا بتصويب كل مجتهد، وأن المجتهد ~~وإن خالف النص فهو مصيب إذ لم يكلف إلا بما بلغه، فالخطأ غير ممكن في حقه، ~~أما من ذهب إلى أن المصيب واحد فيلزمه هذا الاشكال، وأما اختلاط الرضيعة ~~بأجنبيات فلسنا نسلم أن المانع مجرد، إمكان الخطأ، فإنه لو شك في رضاع ~~امرأة حل له نكاحها، والخطأ ممكن، لكن الشرع إنما أباح نكاح امرأة يعلم ~~أنها أجنبية بيقين، وحكم أن اليقين لا يندفع بالشك الطارئ، أما إذا تعارض ~~يقينان وهو يقين التحريم والتحليل، فليس ذلك في معنى اليقين الصافي عن ~~المعارضة، ولا في معنى اليقين الذي لم يعارضه إلا الشك المجرد فلم يلحق به ~~اتباعا لموجب الدليل، ولو ورد الشرع بالرخصة فيه لم يكن ذلك ممتنعا. # - مسألة (القائلين بوجوب القياس عقلا) الذين ذهبوا إلى أن التعبد بالقياس ~~واجب عقلا متحكمون فمطالبون بالدليل ولهم شبهتان: الأولى: أن الأنبياء ~~مأمورون بتعميم الحكم في كل صورة، والصور لا نهاية لها فكيف تحيط النصوص ~~بها، فيجب ردهم إلى الاجتهاد ضرورة، فنقول: هذا فاسد لان الحكم في الاشخاص ~~التي ليست متناهية، إنما يتم بمقدمتين كلية، كقولنا: كل مطعوم ربوي، وجزئية ~~كقولنا: هذا النبات مطعوم، أو الزعفران مطعوم، وكقولنا: كل مسكر حرام وهذا ~~الشراب بعينه مسكر، وكل عدل مصدق، وزيد عدل، وكل زان مرجوم، وماعز قد زنى ~~فهو إذا مرجوم، والمقدمة الجزئية هي التي لا تتناهى ms444 مجاريها فيضطر فيها إلى ~~الاجتهاد لا محالة، وهو اجتهاد في تحقيق مناط الحكم، وليس ذلك بقياس، أما ~~المقدمة الكلية فتشتمل على مناط الحكم وروابطه، وذلك يمكن التنصيص عليه ~~بالروابط الكلية، كقوله: كل مطعوم ربوي، بدلا عن قوله: لا تبيعوا البر ~~بالبر، وكقوله: كل مسكر حرام، بدلا عن قوله: حرمت الخمر، وإذا أتى بهذه ~~الألفاظ العامة وقع الاستغناء عن استنباط مناط الحكم واستغنى عن القياس، ~~هذا مع أنه يمكن منازعة هذا القائل بأنه لم يجب استيعاب جميع الصور بالحكم ~~ولم يستحيل خلو بعضها عن الحكم فإنه في المقدمة الجزئية أيضا يمكن أن يراد ~~فيه إلى اليقين فيقال: من تيقنتم صدقة، وما تيقنتم كونه مطعوما أو مسكرا ~~فاحكموا به، وما لم تتيقنوا به فاتركوه على حكم الأصل، إلا أن هذا لا يجري ~~في جميع الجزئيات، لأنه لا سبيل إلى تيقين صدق الشهود وعدالة القضاة ~~والولاة، ولا سبيل إلى تقدير متيقن في كفاية الأقارب وأروش المتلفات، فإن ~~التكثير فيه إلى حصول اليقين ربما يضر بجانب الموجب عليه كما يضر التقليل ~~بجانب الموجب له، فالاجتهاد في تحقيق مناط الحكم ضرورة، أما في تخريج ~~المناط وتنقيح المناط فلا. الثانية: قولهم إن العقل كما دل على العلل ~~العقلية دل على العلل الشرعية، فإنها تدرك بالعقل، ومناسبة الحكم مناسبة ~~عقلية مصلحة يتقاضى العقل ورود الشرع بها، وهذا فاسد، لان القياس إنما ~~يتصور لخصوص النص ببعض مجاري الحكم، وكل حكم قدر خصوصه، فتعميمه ممكن، فلو ~~عم لم يبق للقياس مجال، وما ذكروه من قياس العلة الشرعية بالعلة العقلية ~~خطأ، لان من العلل ما لا يناسب، وما تناسب لا توجب الحكم لذاتها، بل يجوز أ ~~يتخلف الحكم عنها فيجوز أن لا يحرم المسكر وأن لا يوجب الحد بالزنا ~~والسرقة، وكذا سائر العلل والأسباب. PageV00P285 # مسألة (الرد على منكري الاجتهاد) في الرد على من حسم سبيل الاجتهاد ~~بالظن، ولم يجوز الحكم في الشرع إلا بدليل قاطع، كالنص وما يجري مجراه، ~~فأما الحكم بالرأي والاجتهاد فمنعوه وزعموا أنه لا دليل عليه، وإنما ms445 الرد ~~عليهم بإظهار الدليل، وما عندي أن أحدا ينازع في الاجتهاد في تحقيق مناط ~~الحكم، فلا تصرف الزكاة إلا إلى فقير ويعلم فقره بأمارة ظنية، ولا يحكم إلا ~~بقول عدل، وتعرف عدالته بالظن، وكذلك الاجتهاد في الوقت والقبلة وأروش ~~الجنايات وكفاية القريب، وإن اعتذروا عن جميع ذلك بأن كل عبد مأمور باتباع ~~ظنه في ذلك موجود قطعا، والحكم عند الظن واجب قطعا، فنحن كذلك نقول في سائر ~~الاجتهادات، وإن اعتذروا عن ذلك بأن ذلك ضرورة، فإنما نزاعنا في معرفة مناط ~~الاحكام بالرأي والاجتهاد، فيستدل على ذلك بإجماع الصحابة على الحكم بالرأي ~~والاجتهاد في كل واقعة وقعت لهم ولم يجدوا فيها نصا، وهذا مما تواتر إلينا ~~عنهم تواترا لا شك فيه، فننقل من ذلك بعضه وإن لم يمكن نقل الجميع، فمن ذلك ~~حكم الصحابة بإمامة أبي بكر رضي الله عنه بالاجتهاد مع انتفاء النص، ونعلم ~~قطعا بطلان دعوى النص عليه وعلى علي وعلى العباس، إذ لو كان لنقل ولتمسك به ~~المنصوص عليه ولم يبق للمشورة مجال حتى ألقى عمر رضي الله عنه الشورى بين ~~ستة وفيهم علي رضي الله عنه، فلو كان منصوصا عليه وقد استصلحه له فلم تردد ~~بينه وبين غيره، ومن ذلك قياسهم العهد على العقد، إذ ورد في الاخبار عقد ~~الإمامة بالبيعة، ولم ينص على واحد، وأبو بكر عهد إلى عمر خاصة ولم يرد فيه ~~نص، ولكن قاسوا تعيين الامام على تعيين الأمة لعقد البيعة، فكتب أبو بكر: ~~هذا ما عهد أبو بكر، ولم يعترض عليه أحد، ومن ذلك رجوعهم إلى اجتهاد أبي ~~بكر ورأيه في قتال ما نعى الزكاة، حتى قال عمر: فكيف تقاتلهم؟ وقد قال عليه ~~السلام أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا ~~مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها فقال أبو بكر: ألم يقل إلا بحقها؟ # فمن حقها إيتاء الزكاة، كما أن من حقها إقام الصلاة، فلا أفرق بين ما جمع ~~الله، والله لو منعوني عقالا مما أعطوا النبي عليه ms446 السلام؟ لقاتلتهم عليه، ~~وبنو حنيفة الممتنعون من الزكاة جاؤوا إلى أبي بكر رضي الله عنه متمسكين ~~بدليل أصحاب الظاهر في اتباع النص وقالوا: # إنما أمر النبي عليه السلام بأخذ الصدقات، لان صلاته كانت سكنا لنا، ~~وصلاتك ليست بسكن لنا، إذ قال الله تعالى: * (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم ~~وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم) * (التوبة: 301) فأوجبوا تخصيص ~~الحكم بمحل النص، وقاس أبو بكر والصحابة خليفة الرسول على الرسول، إذ ~~الرسول إنما كان يأخذ للفقراء لا لحق نفسه والخليفة نائب في استيفاء ~~الحقوق، ومن ذلك ما أجمعوا عليه من طريق الاجتهاد بعد طول التوقف فيه، ككتب ~~المصحف، وجمع القرآن بين الدفتين، فاقترح عمر ذلك أولا على أبي بكر فقال: ~~كيف أفعل ما لم يفعله النبي عليه السلام؟ حتى شرح الله له صدر أبي بكر، ~~وكذلك جمعه عثمان على ترتيب واحد بعد أن كثرت المصاحف مختلفة الترتيب، ومن ~~ذلك إجماعهم على الاجتهاد في مسألة الجد والاخوة على وجوه مختلفة، مع قطعهم ~~بأنه لا نص في المسألة التي قد أجمعوا على الاجتهاد فيها، PageV00P286 # وننقل الآن من أخبارهم ما يدل على قولهم بالرأي: فمن ذلك قول أبي بكر لما ~~سئل عن الكلالة: أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ ~~فمني ومن الشيطان والله ورسوله منه بريئان، الكلالة ما عدا الوالد والولد، ~~ومن ذلك أنه ورث أم الام دون أم الأب، فقال له بعض الأنصار: لقد ورثت امرأة ~~من ميت، لو كانت هي الميتة لم يرثها وتركت امرأة لو كانت هي الميتة ورث ~~جميع ما تركت، فرجع إلى الاشتراك بينهما في السدس. ومن ذلك حكمه بالرأي في ~~التسوية في العطاء، فقال عمر: لا نجعل من ترك دياره وأمواله مهاجرا إلى ~~النبي عليه السلام كمن دخل في الاسلام كرها فقال أبو بكر: إنما أسلموا الله ~~وأجورهم على الله، وإنما الدنيا بلاغ. ولما انتهت الخلافة إلى عمر فرق ~~بينهم ووزع على تفاوت درجاتهم، واجتهاد أبي بكر أن العطاء إذا لم يكن ms447 جزاء ~~على طاعتهم لم يختلف باختلافها، واجتهاد عمر أنه لولا الاسلام لما ~~استحقوها، فيجوز أن يختلفوا، وأن يجعل معيشة العالم أوسع من معيشة الجاهل، ~~ومن ذلك قول عمر رضي الله عنه أقضي في الجد برأيي وأقول فيه برأيي، وقضى ~~بآراء مختلفة، وقوله: من أحب أن يقتحم جراثيم جهنم فليقض في الجد برأيه، أي ~~الرأي العاري عن الحجة، وقال لما سمع الحديث في الجنين: لولا هذا لقضينا ~~فيه برأينا، ولما قيل في مسألة المشتركة: هب أن أبانا كان حمارا، ألسنا من ~~أم واحدة؟ # أشرك بينهم بهذا الرأي. ومن ذلك أنه قيل لعمر: إن سمرة أخذ من تجار ~~اليهود الخمر في العشور وخللها وباعها، فقال: قاتل الله سمرة، أما علم أن ~~النبي (ص) قال: # لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها فقاس عمر ~~الخمر على الشحم، وأن تحريمها تحريم لثمنها. وكذلك جلد أبا بكرة، لما لم ~~يكمل نصاب الشهادة مع أنه جاء شاهدا في مجلس الحكم لا قاذفا لكنه قاسه على ~~القاذف، وقال علي رضي الله عنه اجتماع رأيي ورأي عمر في أم الولد أن لا ~~تباع، ورأيت الآن بيعهن، فهو تصريح بالقول بالرأي. وكذلك عهد عمر إلى أبي ~~موسى الأشعري: أعرف الأشباه والامثال، ثم قس الأمور برأيك، ومن ذلك قول ~~عثمان لعمر رضي الله عنهما في بعض الأحكام إن اتبعت رأيك فرأيك أسد، وإن ~~تتبع رأي من قبلك فنعم الرأي كان فلو كان في المسألة دليل قاطع لما صوبهما ~~جمعا. وقال عثمان وعلي رضي الله عنهما في الجمع بين الأختين: المملوكتين: # أحلتهما آية وحرمتهما آية، وقضى عثمان بتوريث المبتوتة بالرأي. ومن ذلك ~~قول علي رضي الله عنه في حد الشرب، من شرب هذي ومن هذي افترى، فأرى عليه حد ~~المفتري، وهو قياس للشرب على القذف، لأنه مظنة القذف التفاتا إلى أن الشرع ~~قد ينزل مظنة الشئ منزلته، كما أنزل النوم منزلة الحدث والوطئ في إيجاب ~~العدة منزلة حقيقة شغل الرحم ونظائره، ومن ذلك قول ابن مسعود في المفوضة ~~برأيه ms448 بعد أن استمهل شهرا. وكان ابن مسعود يوصي من يلي القضاء بالرأي ~~ويقول: الامر في القضاء بالكتاب والسنة وقضايا الصالحين فإن لم يكن شئ من ~~ذلك فأجتهد رأيك. ومن ذلك قول معاذ بن جبل للنبي صلى الله عليه وسلم: أجتهد ~~رأيي عند فقد الكتاب والسنة فزكاة النبي (ص). ومن ذلك قول ابن عباس لمن قضى ~~بتفاوت الدية في الأسنان لاختلاف منافعها، كيف لم يعتبروا بالأصابع ~~PageV00P287 # وقال في العول: من شاء باهلته الحديث، ولما سمع نهيه عن بيع الطعام قبل ~~أن يقبض قال: لا أحسب كل شئ إلا مثله، وقال في المتطوع: إذا بدا له الافطار ~~أنه كالمتبرع أراد التصدق بمال فتصدق ببعضه ثم بدا له. ومن ذلك قول زيد في ~~الفرائض والحجب وميراث الجد، ولما ورث زيد ثلث ما بقي في مسألة زوج وأبوين ~~قال ابن عباس: أين وجدت في كتاب الله ثلث ما بقي؟ فقال زيد: أقول برأيي ~~وتقول برأيك، فهذا وأمثاله مما لا يدخل تحت الحصر مشهور، وما من مفت إلا ~~وقد قال بالرأي ومن لم يقل فلانه أغناه غيره عن الاجتهاد ولم يعترض عليهم ~~في الرأي فانعقد اجماع قاطع على جواز القول بالرأي. # وجه الاستدلال: أنه في هذه المسائل التي اختلفوا واجتهدوا فيها، فلا ~~يخلوا إما أن يكون فيها دليل قاطع لله على حكم معين أو لم يكن، فإن لم يكن ~~وقد حكموا بما ليس بقاطع فقد ثبت الاجتهاد، وإن كان فمحال، إذ كان يجب على ~~من عرف الدليل القاطع أن لا يكتمه، ولو أظهره وكان قاطعا لما خالفه أحد، ~~ولو خالفه لوجب تفسيقه وتأثيمه ونسبته إلى البدعة والضلال ولوجب منعه من ~~الفتوى ومنع العامة من تقليده، هذا أقل ما يجب فيه إن لم يجب قتله، وقد قال ~~به قوم، وإن كنا لا نراه، وعلى الجملة: فلو كان فيها دليل قاطع لكان ~~المخالف فاسقا، وكان المحق بالسكوت عن المخالف، وترك دعوته إلى الحق فاسقا، ~~فيعم الفسق جميع الصحابة بل يعم العباد جميعهم، وليس هذا كالعقليات، فإن ~~أدلتها ms449 غامضة قد لا يدركها بعض الخلق فلا يكون معاندا، أما القاطع الشرعي ~~فهو نص ظاهر، وقد قال أهل الظاهر: إنما يحكم بنص منطوق به أو بدليل ظاهر ~~فيما ليس منطوقا به لا يحتمل التأويل، كقوله تعالى: * (وورثه أبواه فلأمه ~~الثلث) * (النساء: 11) فمعقول هذا أن لأبيه الثلثين، وقوله تعالى: * ~~(فاسعوا إلى ذكر الله) * (الجمعة: 9) فمعقوله تحريم التجارة والجلوس في ~~البيت، وقوله: * (ولا تظلمون فتيلا) * (النساء: 77) و * (فمن يعمل مثقال ~~ذرة خيرا يره) * (الزلزلة: 7) و * (فلا تقل لهما أف) * (الاسراء: 32) فلم ~~يرخص في الحكم في المسكوت عنه إلا في هذا الجنس، ولا يخفى هذا على عامي، ~~فكيف خفي على الصحابة رضي الله عنهم مع جلالة قدرهم حتى نشأ الخلاف بينهم ~~في المسائل، هذا تمهيد الدليل وتمامه بدفع الاعتراضات، وقد يعترض الخصم ~~عليه تارة بإنكار كون الاجماع حجة، وهو قول النظام، وقد فرغنا من إثباته، ~~وتارة بإنكار تمام الاجماع في القياس، من حيث أن ما ذكرناه منقول عن بعضهم، ~~وليس للباقين إلا السكوت، وقد نقلوا عن بعضهم إنكار الرأي، وتارة يسلمون ~~السكوت، لكن حملوه على المجاملة في ترك الاعتراض، لا على الموافقة في ~~الرأي، وتارة يقرون بالاجماع، ولا يكترثون بتفسيق الصحابة، وتارة يردون ~~رأيهم إلى العمومات، ومقتضى الألفاظ وتحقيق مناط الحكم دون القياس، فهذه ~~مدارك اعتراضاتهم وهي خمسة. # الاعتراض الأول: قال الجاحظ حكاية عن النظام: إن الصحابة لو لزموا العمل ~~بما أمروا به ولم يتكلفوا ما كفوا القول فيه من أعمال الرأي والقياس لم يقع ~~بينهم التهارج والخلاف، ولم يسفكوا الدماء، لكن لما عدلوا عما كلفوا ~~وتخيروا وتآمروا وتكلفوا القول بالرأي جعلوا الخلاف طريقا، وتورطوا فيما ~~كان بينهم من القتل والقتال، وكذلك الرافضة PageV00P288 # بأسرهم زعموا أن السلف بأسرهم تآمروا وغصبوا الحق أهله وعدلوا عن طاعة ~~الامام المعصوم المحيط بجميع النصوص المحيطة بالأحكام إلى القيامة، فتورطوا ~~فيما شجر بينهم من الخلاف، وهذا اعتراض من عجز عن إنكار اتفاقهم على الرأي، ~~ففسق وضل ونسبهم إلى الصلال ويدل على فساد قوله ما دل على أن الأمة ms450 لا ~~تجتمع على الخطأ، وما دل على منصب الصحابة رضوان الله عليهم من ثناء القرآن ~~والاخبار عليهم، كما تتركز في كتاب الإمامة وكيف يعتقد العاقل القدح فمن ~~أثنى الله ورسوله عليهم بقول مبتدع مثل النظام؟ # الاعتراض الثاني: قولهم لا يصح الرأي والقياس إلا من بعضهم وكذلك السكوت ~~لا يصح إلا من بعضهم، فإن فيهم من لم يخض في القياس، وفيهم من لم يسكت عن ~~الاعتراض، قال النظام فيما حكاه الجاحظ عنه إنه لم يخض في القياس إلا نفر ~~يسير من قدمائهم، كأبي بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت وأبي بن كعب ومعاذ بن ~~جبل ونفر يسير من أحداثهم، كابن مسعود وابن عباس وابن الزبير، ثم شرع في ~~ثلب العبادلة وقال: كأنهم كانوا أعرف بأحوال النبي عليه السلام من آبائهم، ~~وأثنى على العباس والزبير، إذ تركا القول بالرأي ولم يشرعا، وقال الداودية: ~~لا نسلم سكوت جميعهم عن إنكار الرأي والتخطئة فيه، إذ قال أبو بكر: أي سماء ~~تظلني، وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله برأيي، وقال: أقول في الكلالة ~~برأيي، فإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، وقال علي لعمر رضي الله عنهما في قصة ~~الجنين: إن اجتهدوا فقد أخطأوا، وإن لم يجتهدوا فقد غشوا، وقالت عائشة رضي ~~الله عنها: # أخبروا زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله (ص) إن لم يتب لفتواه ~~بالرأي في مسألة العينة. وقال ابن عباس: من شاء باهلته إن الله لم يجعل في ~~المال النصف والثلثين، وقال: ألا يتقي الله زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ~~ابنا ولا يجعل أبا الأب أبا، وقال ابن مسعود في مسألة المفوضة: إن يك خطأ ~~فمني ومن الشيطان، وقال عمر: إياكم وأصحاب الرأي، فإنهم أعداء السنن، ~~أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا. وقال علي وعثمان ~~رضي الله عنهما: لو كان الدين بالرأي لكان المسح على باطن الخف أولى من ~~ظاهره، وقال عمر رضي الله عنه: اتهموا الرأي على الدين، فإن الرأي منا تكلف ~~وظن، ms451 وإن الظن لا يغني من الحق شيئا، وقال أيضا: إن قوما يفتون بآرائهم، ~~ولو نزل القرآن لنزل بخلاف ما يفتون، وقال ابن مسعود: قراؤكم وصلحاؤكم ~~يذهبون، ويتخذ الناس رؤساء جهالا يقيسون ما لم يكن بما كان، وقال أيضا: إن ~~حكمتم في دينكم بالرأي أحللتم كثيرا مما حرمه الله، وحرمتم كثيرا مما أحله ~~الله، وقال ابن عباس: إن الله لم يجعل لاحد أن يحكم في دينه برأيه، وقال ~~الله تعالى لنبيه عليه السلام: * (لتحكم بين الناس بما أراك الله) * ~~(النساء: 501) ولم يقل: بما رأيت، وقال: إياكم والمقاييس، فما عبدت الشمس ~~إلا بالمقاييس. وقال ابن عمر: ذروني من أرأيت وأرأيت، وكذلك أنكر التابعون ~~القياس. قال الشعبي: ما أخبروك عن أصحاب أحمد فأقبله، وما أخبروك عن رأيهم ~~فألقه في الجش أن السنة لم توضع بالمقاييس، وقال مسروق بن الأجدع: لا أقيس ~~شيئا بشئ أخاف أن تزل قدم بعد ثبوتها والجواب من أوجه: الأول: أنا بينا ~~بالقواطع من جميع الصحابة الاجتهاد PageV00P289 # والقول بالرأي والسكوت عن القائلين به، وثبت ذلك بالتواتر في وقائع ~~مشهورة، كميراث الجد والاخوة وتعيين الامام بالبيعة، وجمع المصحف، والعهد ~~إلى عمر الخلافة وما لم يتواتر كذلك فقد صح من آحاد الوقائع بروايات صحيحة ~~لا ينكرها أحد من الأمة ما أورث علما ضروريا بقولهم بالرأي، وعرف ذلك ضرورة ~~كما عرف سخاء حاتم وشجاعة علي، فجاوز الامر حدا يمكن التشكك في حكمهم ~~بالاجتهاد، وما نقلوه بخلافه، فأكثرها مقاطيع ومروية عن غير ثبت، وهي ~~بعينها معارضة برواية صحيحة عن صاحبها بنقيضه، فكيف يترك المعلوم ضرورة بما ~~ليس مثله، ولو تساوت في الصحة لوجب إطراح جميعها والرجوع إلى ما تواتر من ~~مشاورة الصحابة واجتهادهم. الثاني: أنه لو صحت هذه الروايات وتواترت أيضا ~~لوجب الجمع بينها وبين المشهور من اجتهاداتهم، فيحمل ما أنكروه على الرأي ~~المخالف للنص أو الرأي الصادر عن الجهل الذي يصدر ممن ليس أهلا للاجتهاد، ~~أو وضع الرأي في غير محله والرأي الفاسد الذي لا يشهد له أصل ويرجع إلى محض ~~الاستحسان ووضع ms452 الشرع ابتداء من غير نسخ على منوال سابق، وفي ألفاظ روايتهم ~~ما يدل عليه إذ قال اتخذ الناس رؤساء جهالا، وقال: لو قالوا بالرأي لحرموا ~~الحلال وأحلوا الحرام، فإذا القائلون بالقياس مقرون بإبطال أنواع من الرأي ~~والقياس والمنكرون للقياس: لا يقرون بصحة شئ منه أصلا، ونحن نقر بفساد ~~أنواع من الرأي والقياس، كقياس أصحاب الظاهر، إذا قالوا: الأصول لا تثبت ~~قياسا فلتكن الفروع كذلك، ولا تثبت الأصول بالظن فكذلك الفروع، وقالوا: لو ~~كان في الشريعة علة لكانت كالعلة العقلية، فقاسوا الشئ بما لا يشبهه، فإذا ~~إن بطل كل قياس فليبطل قياسهم ورأيهم في إبطال القياس أيضا، وذلك يؤدي إلى ~~إبطال المذهبين. # الاعتراض الثالث: أن دليل الاجماع إنما تم بسكوت الباقين وإن ذلك لو كان ~~باطلا لأنكروه فنقول: لعلهم سكتوا على سبيل المجاملة، والمصالحة خيفة من ~~ثوران فتنة النزاع، أو سكتوا عن إظهار الدليل لخفائه، والدليل عليه أن ~~مسائل الأصول فيها قواطع، وقد اختلف الأصوليون في صيغة الامر وصيغة العموم ~~والمفهوم واستصحاب الحال وأفعال النبي عليه السلام، بل في أصل خبر الواحد، ~~وأصل القياس، وأصل الاجماع وفي هذه المسائل أدلة قاطعة عندكم في النفي ~~والاثبات، ولم ينقل عن الصحابة والتابعين التأثيم والتفسيق فيها. # والجواب: أن حمل سكوتهم على المجاملة والمصالحة واتقاء الفتنة محال لانهم ~~اختلفوا في المسائل وتناظروا وتحاجوا ولم يتجاملوا، ثم افترقت بهم المجالس ~~عن اجتهادات مختلفة ولم ينكر بعضهم على بعض، ولو كان ذلك بالغا مبلغا قطعيا ~~لبادروا إلى التأثيم والتفسيق كما فعلوا بالخوارج والروافض والقدرية وكل من ~~عرف بقاطع فساد مذهبهم، وأما سكوتهم لخفاء الدليل فمحال، فإن قول القائل ~~لغيرة لست شارعا ولا مؤذونا من جهة الشارع فلم تضع أحكام الله برأيك ليس ~~كلاما خفيا عجز عن دركه الافهام، وكل من قاس بغير إذن فقد شرع، فلولا علمهم ~~حقيقة بالاذن لكانوا ينكرون على من يسامي رسول الله (ص) في وضع الشرع ~~واختراع الاحكام، وأما ما ذكروه من مسائل الأصول فليس بين الصحابة خلاف في ~~صحة القياس ولا في ms453 خبر الواحد ولا في الاجماع، بل أجمعوا عليه PageV00P290 # وبإجماعهم تمسكنا في هذه القواعد، وأما العموم والمفهوم وصيغة الامر ~~فقلما خاضوا في هذه المسائل بتجريد النظر فيما خوض الأصوليين، ولكن كانوا ~~يتمسكون في مناظراتهم بالعموم والصيغة، ولم يذكروا أنا نتمسك بمجرد الصيغة ~~من غير قرينة بل كانت القرائن المعرفة للأحكام المتقرنة بالصيغ في زمانهم ~~غضة طرية متوافرة متظاهرة، فما جردوا النظر في هذه المسائل، كيف وقد قال ~~بعض الفقهاء: ليس في هذه المسائل سوى خبر الواحد وأصل القياس والاجماع أدلة ~~قاطعة، بل هي في محل الاجتهاد، فمن سلك هذا الطريق اندفع عنه الاشكال، وإن ~~لم يكن هذا مرضيا عند المحققين من الأصوليين، فإن هذه أصول الاحكام فلا ~~ينبغي أن تثبت إلا بقاطع، لكن الصحابة لم يجردوا النظر فيها، وبالجملة من ~~اعتقد في مسألة دليلا قاطعا فلا يسكت عن تعصية مخالفة، وتأثيمه كما سبق في ~~حق الخوارج والروافض والقدرية. # الاعتراض الرابع: قولهم إن ما ذكرتموه نقل للحكم بالظن والاجتهاد، فلعلهم ~~عولوا فيه على صيغة عموم وصيغة أمر، واستصحاب حال ومفهوم لفظ، واستنباط ~~معنى صيغة من حيث الوضع واللغة في جمع بين آيتين وخبرين، وصحة رد مقيد إلى ~~مطلق، وبناء عام على خاص وترجيح خبر على خبر وتقرير على حكم العقل الأصلي، ~~وما جاوز هذا كان اجتهادهم في تحقيق مناط الحكم لا في تنقيحه واستنباطه، ~~والحكم إذا صار معلوما بضابط، فتحقيق الضابط في كل محل يحتاج إلى اجتهاد لا ~~ننكره، فقد علموا قطعا أنه لا بد من إمام وعلموا أن الأصلح ينبغي أن يقدم ~~وعرفوا بالاجتهاد الأصلح إذ لا بد منه ولا سبيل إلى معرفته إلا بالاجتهاد، ~~وعرفوا أن حفظ القرآن عن الاختلاط والنسيان واجب قطعا، وعلموا أنه لا طريق ~~إلى حفظه إلا الكتبة في المصحف، فهذه أمور علقت على المصلحة نصا وإجماعا، ~~ولا يمكن تعيين المصلحة في الاشخاص وا لأحوال إلا بالاجتهاد، فهو من قبيل ~~تحقيق المناط للحكم وما جاوز هذا من تشبيه مسألة بمسألة واعتبارها بها، كان ~~ذلك في معرض النقض ms454 بخيال فاسد لا في معرض اقتباس الحكم، كقول ابن عباس في ~~دية الأسنان: كيف لم يعتبروا بالأصابع، إذ عللوا اختلاف دية الأسنان ~~باختلاف منافعها، وذلك منقوض بالأصابع ونحن لا ننكر أن النقض من طرق إفساد ~~القياس وإن كان القياس فاسدا بنفسه أيضا وكذلك قول علي أيضا: أرأيت لو ~~اشتركوا في السرقة حيث توقف عمر عن قتل سبعة بواحد، فإنه لما تخيل كون ~~الشركة مانعا بنوع من القياس نقضه علي بالسرقة فإذا ليس في شئ مما ذكرتموه ~~ما يصحح القياس أصلا. والجواب: أن هذا اعتراف بأنه لا حاجة في الحكم إلى ~~دليل قاطع وأن الحكم بالظن جائز والانصاف الاعتراف بأنه لو لم يثبت إلا هذا ~~النوع من الظن، لكنا لا نقيس ظن القياس على ظن الاجتهاد في مفهوم الألفاظ ~~وتحقيق مناط الاحكام إذ يجوز أن يتعبد بنوع من الظن دون نوع ولكن بان لنا ~~على القطع أن اجتهاد الصحابة لم يكن مقصورا على ما ذكروه بل جاوزوا ذلك إلى ~~القياس والتشبيه، وحكموا بأحكام لا يمكن تصحيح ذلك إلا بالقياس تعليل النص ~~وتنقيح مناط الحكم، وذلك كعهد أبي بكر إلى عمر رضي الله عنهما، فإنه قاس ~~العهد PageV00P291 # على العقد بالبيعة، وقياس أبي بكر الزكاة على الصلاة في قتال من منع ~~الزكاة، ورجوع أبي بكر إلى توريث أم الأب قياسا على أم الام، وقياس عمر ~~الخمر على الشحم في تحريم ثمنه وقياسه الشاهد على القاذف في حد أبي بكرة، ~~وتصريح علي بالقياس على الافتراء في حد الشرب، ولسنا نعني بالقياس إلا هذا ~~الجنس، وهو معلوم منهم ضرورة في وقائع لا تحصى ولا تنحصر، ولنعين مسألتين ~~مشهورتين نقلنا على التواتر، وهي مسألة الجد والاخوة ومسألة الحرام، أما في ~~قوله: أنت علي حرام ألحقه بعضهم بالظهار وبعضهم بالطلاق وبعضهم باليمين، ~~وكل ذلك قياس وتشبيه في مسألة لا نص فيها إذ النص ورد في المملوكة في قوله ~~تعالى: * (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك) * (التحريم: 1) والنزاع ~~وقع في المنكوحة، فكان من حقهم أن ms455 يقولوا: هذه لفظة لا نص في النكاح، فلا ~~حكم لها ويبقى الحل والملك مستمرا، كما كان، لان قطع الحل والملك، أو إيجاب ~~الكفارة يعرف بنص أو قياس على منصوص، ولا نص والقياس باطل، فلا حكم، فلم ~~قاسوا المنكوحة على الأمة؟ ولم قاسوا هذا اللفظ على لقظ الطلاق وعلى لفظ ~~الظهار وعلى لفظ اليمين؟ ولم يقل أحد من الصحابة قد أغناكم الله عن إثبات ~~حكم في مسألة لا نص فيها، وكذلك الجد وحده عصبة بالنص والأخ وحده عصبة ولا ~~نص عند الاجتماع، فقضوا حيث لا نص بقضايا مختلفة وصرحوا بالتشبيه بالحوضين ~~والخليجين وصرح من قدم الجد، وقال ابن الابن ابن فليكن أبو الأب أبا، وصرح ~~من سوى بينهما بأن الأخ يدلي بالأب والجد أيضا يدلي به والمدلي به واحد ~~والأدلاء مختلف، فقاسوا الأدلاء بجهة الأبوة على الأدلاء بجهة البنوة مع أن ~~البنوة قد تفارق الأبوة في أحكام وكذلك قال زيد في مسألة زوج وأبوين للام ~~ثلث ما بقي، فقال ابن عباس: أين رأيت في كتاب الله تعالى ثلث ما بقي، فقال: ~~أقول برأيي وتقول برأيك، فزيد قاس حال وجود الزوج على ما إذا لم يكن زوج. ~~إذ يكون للأب ضعف ما للام، فقال نقدر كأن الباقي بعد الزوج والزوجة كل ~~المال، ونقدر كأن الزوج لم يكن وكذلك من فتش عن اختلافاتهم في مسائل ~~الفرائض وغيرها علم ضرورة سلوكهم طرق المقايسة والتشبيه، وأنهم إذا رأوا ~~فارقا بين محل النص وغيره ورأوا جامعا وكان الجامع في اقتضاء الاجتماع أقوى ~~في القلب من الفارق في اقتضاء الافتراق مالوا إلى الأقوى الأغلب، فإنا نعلم ~~أنهم ما طلبوا المشابهة من كل وجه إذ لو تشابها من كل وجه لاتحدت المسألة ~~ولم تتعدد فيبطل التشبيه والمقايسة، وكانوا لا يكتفون بالاشتراك في أي وصف ~~كان، بل في وصف هو مناط الحكم وكون ذلك الوصف مناطا لو عرفوه بالنص لما بقي ~~للاجتهاد والخلاف مجال، فكانوا يدركون ذلك بظنون وأمارات ونحن أيضا نشترط ~~ذلك في كل قياس كما سيأتي في ms456 باب إثبات علة الأصل. # الاعتراض الخامس: أن الصحابة إن قالوا بالقياس اختراعا من تلقاء أنفسهم ~~فهو محال، وإن قالوا به عن سماع من النبي عليه السلام فيجب إظهار مستندهم ~~والتمسك به، فإنكم تسلمون أنه لا حجة فيما أبدعوه ووضعوه، ونحن نسلم وجوب ~~الاتباع فيما سمعوه، فإنه إذا قال عليه السلام: إذا غلب على ظنكم أن مناط ~~الحكم بعض الأوصاف فاتبعوه، فإن الامر كما ظننتموه، أو حكم الظان على ما ~~ظنه، فهي علامة في حقه، وغير علامة في حق من ظنه PageV00P292 # بخلافه، فلا ينكر وجوب قبول هذا لو صرح به، فإنه إذا قال إذا ظننتم أن ~~زيدا في الدار فاعلموا أن عمرا في الدار، واعلموا أني حرمت الربا في البر ~~لكنا، نقطع بتحريم البر وكون عمرو في الدار مهما ظننا أن زيدا في الدار، ~~فإن هذا يرجع إلى القول بالقياس، ولكن من أين فهم الصحابة هذا وليس في ~~الكتاب والسنة ما يدل عليه. والجواب من وجهين: أحدهما: # أن هذه مؤونة كفيناها، فإنهم مهما أجمعوا على القياس، فقد ثبت بالقواطع ~~أن الأمة لا تجتمع على الخطأ، بل لو وضعوا القياس واخترعوا استصوابا برأيهم ~~ومن عند أنفسهم لكان ذلك حقا واجب الاتباع، فلا يجمع الله أمة محمد عليه ~~السلام على الخطأ، فلا حاجة بنا إلى البحث عن مستندهم. الثاني: هو أنا نعلم ~~أنهم قالوا ذلك عن مستندات كثيرة خارجة عن الحصر، وعن دلالات وقرائن أحوال ~~وتكريرات وتنبيهات تفيد علما ضروريا بالتعبد وبالقياس وربط الحكم بما غلب ~~على الظن كونه مناطا للحكم، لكن انقسمت تلك المستندات إلى ما اندرس، فلم ~~ينقل اكتفاء بما علمته الأمة ضرورة، وإلى ما نقل، ولكن لم يبق في هذه ~~الاعصار إلا نقل الآحاد لم يبق على حد التواتر، ولا يورث العلم وإلى ما ~~تواتر ولكن آحاد لفظها يتطرق الاحتمال والتأويل إليه، فلا يحصل العلم ~~بآحادها، وإلى ما هي قرائن أحوال يعسر وصفها ونقلها، فلم ينقل إلينا، ~~فكفينا مؤونة البحث عن المستند لما علمناه عل التواتر من إجماعهم، ونحن مع ms457 ~~هذا نشبع القول في شرح مستندات الصحابة والألفاظ التي هي مدارك تنبيهاتهم ~~للتعبد بالقياس، وذلك من القرآن، وقوله تعالى: * (فاعتبروا يا أولي ~~الابصار) * (الحشر: 2) إذ معنى الاعتبار العبور من الشئ إلى نظيره إذا ~~شاركه في المعنى، كما قال ابن عباس: هلا اعتبروا بالأصابع؟ وقوله تعالى: * ~~(لعلمه الذين يستنبطونه منهم) * (النساء: 38) وقوله: * (ما فرطنا في الكتاب ~~من شئ) * (الانعام: 83) وليس في الكتاب مسألة الجد والاخوة ومسألة الحرام ~~إذا لم يكن الاقتباس من المعاني التي في الكتاب، وقد تمسك القائلون بالقياس ~~بهذه الآيات، وليست مرضية، لأنها ليست بمجردها نصوصا صريحة إن لم تنضم ~~إليها قرائن، ومن ذلك قوله عليه السلام لمعاذ: بم تحكم قال: بكتاب الله ~~وسنة نبيه، قال: فإن لم تجد؟ قال أجتهد رأيي، فقال: الحمد الله الذي وفق ~~رسول رسول الله لما يرضاه رسول الله وهذا حديث تلقته الأمة بالقبول، ولم ~~يظهر أحد فيه طعنا وإنكارا، وما كان كذلك فلا يقدح فيه كونه مرسلا بل لا ~~يجب البحث عن إسناده، وهذا كقوله: لا وصية لوارث ولا تنكح المرأة على عمتها ~~ولا يتوارث أهل ملتين وغير ذلك مما علمت به الأمة كافة، إلا أنه نص في أصل ~~الاجتهاد، ولعله في تحقيق المناط وتعيين المصلحة فيما علق أصله بالمصلحة، ~~فلا يتناول القياس إلا بعمومه، ومن ذلك قوله لعمر حين تردد في قبلة الصائم: ~~أرأيت لو تمضمضت أكان عليك من جناح؟ فقال: لا فقال: فلم إذا؟ فشبه مقدمة ~~الوقاع بمقدمة الشرب، لكنه ليس بصريح إلا بقرينه، إذ يمكن أن يكون ذلك نقضا ~~لقياسه حيث ألحق مقدمة الشئ بالشئ فقال إن كنت تقيس غير المنصوص على ~~المنصوص لأنه مقدمته فألحق المضمضة بالشرب، ومن ذلك قوله عليه السلام ~~للخثعمية: # أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان ينفعه؟ قالت: نعم قال: فدين الله ~~أحق PageV00P293 # بالقضاء فهو تنبيه على قياس دين الله تعالى على دين الخلق، ولا بد من ~~قرينة تعرف القصد أيضا، إذ لو كان لتعلم القياس لقيس عليه السلام الصوم ~~والصلاة ومن ذلك قوله ms458 عليه السلام: # كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي لأجل الدافة - أي القافلة -: فادخروا فبين ~~أنه وان سكت عن العلة فقد كان النهي لعلة وقد زالت العلة فزال الحكم، ومن ~~ذلك قوله عليه السلام: # أينقض الرطب إذا يبس؟ فقيل: نعم قال: فلا إذا وقوله تعالى: * (كي لا يكون ~~دولة بين الأغنياء منكم) * (الحشر: 7) وقال لام سلمة وقد سئلت عن قبلة ~~الصائم: ألا أخبرتيه أني أقبل وأنا صائم؟ تنبيها على قياس غيره عليه، وروت ~~أم سلمة رضي الله عنها أنه قال: # أني أقضي بينكم بالرأي فيما لم ينزل فيه وحي ودل عليه قوله تعالى: * ~~(لتحكم بين الناس بما أراك الله) * (النساء: 501) وليس الرأي إلا تشبيها ~~وتمثيلا بحكم ما هو أقرب إلى الشئ وأشبه به، وإذا ثبت أنه كان مجتهدا ~~بالامر وثبت اجتهاد الصحابة فيعلم أنهم اجتهدوا بالامر، وقال عمر: يا أيها ~~الناس، إن الرأي كان من النبي عليه السلام مصيبا، فإن الله تعالى كان ~~يسدده، وإنما هو منا الظن والتكلف، فلم يفرق إلا في العصمة، ومن ذلك أمره ~~سعد بن معاذ أن يحكم في بني قريظة برأيه، فأمرهم بالنزول على حكمه، فأمر ~~بقتلهم وسبي نسائهم، فقال عليه السلام: لقد وافق حكمه حكم الله ومن ذلك ~~قوله: إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإن أصاب فله أجران ومن ذلك أنه ~~عليه السلام شاور الصحابة في عقوبة الزنا والسرقة قبل نزول الحد ومن ذلك ~~قوله عليه السلام: لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها ~~وأكلوا أثمانها علل تحريم ثمنها بتحريم أكلها، واستدل عمر بهذا في الرد على ~~سمرة حيث أخذ الخمر في عشور الكفار وباعها، ومن تعليلاته بعض الأحكام ~~كقوله: لا تخمروا رأسه فإنه يحشر ملبيا وقوله في الشهداء مثل لك، وقوله: # أنها من الطوافين عليكم والطوافات وقوله في الذي ابتاع غلاما واستغفله ثم ~~رده الخراج بالضمان فهذه أجناس لا تدخل تحت الحصر، وآحادها لا تدل دلالة ~~قاطعة، ولكن لا يبعد تأثير اقترانها مع نظائرها في أشعار الصحابة بكونهم ~~متعبدين بالقياس والله أعلم. # القول ms459 في شبه المنكرين للقياس والصائرين إلى حظره من جهة الكتاب والسنة ~~وهي سبع الأولى: تمسكهم بقوله تعالى: * (ما فرطنا في الكتاب من شئ) * ~~(الانعام: 83) وقوله: * (تبيانا لكل شئ) * (النحل: 98) قالوا: معناه بيانا ~~لكل شئ مما شرع لكم، فإنه ليس فيه بيان الأشياء كلها، فليكن كل مشروع في ~~الكتاب، وما ليس مشروعا فيبقى على النفي الأصلي والجواب من أوجه: الأول: ~~أنه أين في كتاب الله تعالى مسألة الجد والاخوة والعول والمبتوتة والمفوضة، ~~وأنت علي حرام، وفيها حكم لله تعالى شرعي اتفق الصحابة على طلبه، والكتاب ~~بيان له، إما بتمهيد طريق الاعتبار، أو بالدلالة على الاجماع والسنة، وقد ~~ثبت القياس بالاجماع والسنة، فيكون الكتاب قد بينه. الثاني: أنكم حرمتم ~~القياس، وليس في كتاب الله تعالى بيان تحريمه، فيلزمكم تخصيص قوله تعالى ~~لكل شئ كما خصص قوله: * (خالق كل شئ) * (الانعام: 201) * (وأوتيت من ~~PageV00P294 # كل شئ) * (النمل: 32) * (تدمر كل شئ) * (الأحقاف: 52). # الثانية: قوله تعالى: * (كفارة) * (المائدة: 94) وهذا حكم بغير المنزل؟ ~~قلنا: القياس ثابت بالسنة والاجماع، وقد دل عليه الكتاب المنزل كيف ومن حكم ~~بمعنى استنبط من المنزل فقد حكم بالمنزل، ثم هذا خطاب مع الرسول عليه ~~السلام وقد قاسوا عليه غيره، فأقروا بالقياس في معرض إبطال القياس مع ~~انقداح الفرق إذ قال قوم: لم يجز الاجتهاد للرسول عليه السلام كي لا يتهم، ~~ولأنه كان يقدر على التبليغ بالوحي بخلاف الأمة، وهذا الجواب أيضا عن قوله: ~~* (اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم) * (الأعراف: 3) * (ومن لم يحكم بما أنزل ~~الله) * (المائدة: 44، 45، 47). # الثالثة: قوله تعالى: * (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) * (البقرة: ~~961، الأعراف: # 33) * (ولا تقف ما ليس لك به علم) * (الاسراء: 63) * (وإن الظن لا يغني ~~من الحق شيئا) * (النجم: 82) و * (إن بعض الظن إثم) * (الحجرات: 21) قلنا: ~~إذا علمنا أنا إذا ظننا كون زيد في الدار حرم علينا الربا في البر، ثم ظننا ~~كان الحكم مقطوعا به لا مظنونا، كما إذا ظن القاضي صدق الشهود، وكما في ~~القبلة وجزاء الصيد وأبواب تحقيق مناط الحكم، ثم نقول: # هذا ms460 عام أراد به ظنون الكفار المخالفة للأدلة القاطعة، ثم نقول ألستم ~~قاطعين بإبطال القياس مع أنا نقطع بخطئكم فلا تحكموا بالظن، وليس من الجواب ~~المرضي قول القائل: # الظن علم في الظاهر فإن العلم ليس له ظاهر وباطن. # الرابعة: قوله تعالى: * (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم) * ~~(الانعام: # 121) قالوا: وأنتم تجادلون في القياس؟ قلنا: وأنتم تجادلون في نفيه ~~وإبطاله، فإن قلتم: # أراد به الجدال الباطل فهو عذرنا، فإنه رد عليهم في جدالهم، بخلاف النص ~~حيث قالوا: # نأكل ما قتلناه ولا نأكل مما قتله الله، وكما قاسوا الربا على البيع فرد ~~الله تعالى عليهم في قولهم: * (إنما البيع مثل الربا) * (البقرة: 572). # الخامسة: قوله: * (تعلمها) * (النساء: 95) قالوا: وأنتم تردون إلى الرأي، ~~قلنا: لا بل نرده إلى العلل المستنبطة من نصوص النبي عليه السلام، والقياس ~~عباره عن تفهم معاني النصوص بتجريد مناط الحكم، وحذف الحشو الذي لا أثر له ~~في الحكم، وأنتم: فقد رددتم القياس من غير رد إلى نص النبي عليه السلام ولا ~~إلى معنى مستنبط من النص. # السادسة: قوله عليه السلام تعمل هذه الأمة برهة بالكتاب، وبرهة بالسنة ~~وبرهة بالقياس، فإذا فعلوا ذلك فقد ضلوا قلنا: أراد به الرأي المخالف للنص، ~~بدليل قوله: ستفترق أمتي نيفا وسبعين فرقة، أعظمها فتنة على أمتي قوم ~~يقيسون الأمور برأيهم، فيحلون الحرام ويحرمون الحلال وما نقلوا من آثار ~~الصحابة في ذم الرأي والقياس قد تكلمنا عليه. # السابعة: قول الشيعة وأهل التعليم: إنكم اعترفتم ببطلان القياس بخلاف ~~النص، والنصوص محيطة بجميع المسائل، وإنما يعلمها الامام المعصوم، وهو نائب ~~الرسول، فيجب PageV00P295 # مراجعته، قالوا: ولا يمنع من هذا كون الوقائع غير متناهية، وكون النصوص ~~متناهية لان التي لا تتناهى أحكام الاشخاص، كحكم زيد وعمرو في أنه عدل تقل ~~شهادته أم لا، وفقير تصرف إليه الزكاة أم لا، ومسلم أن هذا يعرف بالاجتهاد، ~~لأنه يرجع إلى تحقيق مناط الحكم، أما الروابط الكلية للأحكام فيمكن ضبطها ~~بالنص بأن نقول مثلا: من سرق نصابا كاملا من حرز مثله لا شبهة له فيه ms461 ~~فيلزمه القطع، ومن أفطر في نهار رمضان بجماع تام أثم به لأجل الصوم لزمته ~~الكفارة، فما تناولته الرابطة الجامعة يجري فيه الحكم، وما خرج عنه مما لا ~~يتناهى يبقى على الحكم الأصلي، فتكون محيطة بهذه الطرق. والجواب: أنا لا ~~نسلم بطلان القياس مع النص، ونسلم إمكان الربط بالضوابط والروابط الكلية، ~~لكنكم اخترعتم هذه الدعوى، فإن الصحابة رضي الله عنهم اختلفوا في مسألة ~~الجد والحرام والمفوضة و مسائل كثيرة وكانوا يطلبون من سمع فيها حديثا من ~~النبي (ص)، وفيهم المعصوم بزعمكم وكانوا يشاورونه ويراجعونه، فتارة وافقوه ~~وتارة خالفوه، ولم ينقل قط حديث ولا نص إلا ساعدوه، بل قبلوا النقل من كل ~~عدل، فضلا عن الخلفاء الراشدين فلم كتم النص عنهم في بعض المسائل وتركهم ~~مختلفين إن كانت النصوص محيطة، فبلضرورة يعلم من اجتهادهم واختلافهم أن ~~النصوص لم تكن محيطة، فدل هذا أنهم كانوا متعبدين بالاجتهاد. # القول في شبههم المعنوية وهي ست: # الأولى: قول الشيعة والتعليمية: إن الاختلاف ليس من دين الله، ودين الله ~~واحد ليس بمختلف، وفي رد الخلق إلى الظنون ما يوجب الاختلاف ضرورة، الرأي ~~منبع الخلاف فإن كان كل مجتهد مصيبا فكيف يكون الشئ ونقيضه دينا، وإن كان ~~المصيب واحدا فهو محال، إذ ظن، هذا كظن ذاك، والظنيات لا دليل فيها بل ترجع ~~إلى ميل النفوس ورب كلام تميل إليه نفس زيد وهو بعينه ينفر عنه قلب عمرو، ~~والدليل على ذم الاختلاف قوله تعالى: # * (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) * (النساء: 28) ~~وقال: * (أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه) * (الشورى: 31) وقال: * (ولا ~~تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) * (الأنفال: # 46) وقال تعالى: * (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شئ) * ~~(الانعام: # 159) وقال تعالى: * (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعدما جاءهم ~~البينات) * (آل عمران: 501) وكذلك ذم الصحابة رضي الله عنهم الاختلاف، فقال ~~عمر رضي الله عنه: # لا تختلفوا، فإنكم إن اختلفتم كان من بعدكم أشد اختلافا، وسمع ابن مسعود ~~وأبي بن كعب يختلفان في صلاة الرجل في ms462 الثوب الواحد والثوبين، فصعد عمر إلى ~~المنبر وقال: اختلف رجلان من أصحاب النبي (ص)، فعن أي فتياكم يصدر ~~المسلمون، لا أسمع اثنين يختلفان بعد مقامي هذا إلا فعلت وصنعت. وقال جرير ~~بن كليب: رأيت عمر ينهى عن المتعة وعلي يأمر بها، فقلت: إن بينكما لشرا، ~~فقال علي: ما بيننا إلا خير، ولكن خيرنا أتبعنا لهذا الدين، وكتب علي رضي ~~الله عنه إلى قضاته أيام الخلافة أن اقضوا كما كنتم تقضون، فإني أكره ~~الخلاف، وأرجو أن أموت كما مات أصحابي. والجواب: أن الذي نراه تصويب ~~المجتهدين، وقولهم أن الشئ ونقيضه كيف يكون دينا، قلنا يجوز: ذلك في حق ~~PageV00P296 # شخصين، كالصلاة وتركها في حق الحائض والطاهر، والقبلة في حق، من يظنها ~~إذا اختلف الاجتهاد في القبلة، وكجواز ركوب البحر وتحريمه في حق رجلين يغلب ~~على ظن أحدهما السلامة وعلى ظن الآخر الهلاك، وكتصديق الراوي والشاهد ~~وتكذيبهما في حق قاضيين ومفتيين يظن أحدهما الصدق والآخر الكذب، وأما قولهم ~~كيف يكون الاختلاف مأمورا به؟ # قلنا: بل يؤمر المجتهد بظنه، وإن خالفه غيره فليس رفعه داخلا تحت ~~اختياره، فالاختلاف واقع ضرورة لا أنه أمر به، وقوله تعالى: * (ولو كان من ~~عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) * (النساء: 28) معناه التناقض ~~والكذب الذي يدعيه الملحدة، أو الاختلاف في البلاغة واضطراب اللفظ الذي ~~يتطرق إلى كلام البشر بسبب اختلاف أحواله في نظمه ونثره، وليس المراد به ~~نفي الاختلاف في الاحكام، لان جميع الشرائع والملل من عند الله، وهي ~~مختلفة، والقرآن فيه أمر ونهي وإباحة ووعد ووعيد، وأمثال ومواعظ وهذه ~~اختلافات، أما قوله: * (ولا تتفرقوا) * (الشورى: 31) * (ولا تنازعوا) * فكل ~~ذلك نهي عن الاختلاف في التوحيد والايمان بالنبي عليه السلام والقيام ~~بنصرته، وكذلك أصول جميع الديانات التي الحق فيها واحد، ولذلك قال تعالى: * ~~(من بعدما جاءهم البينات) * (آل عمران: 501) وقوله تعالى: * (ولا تنازعوا ~~فتفشلوا وتذهب ريحكم) * (الأنفال: 64) أراد به التخاذل عن نصرة الدين، وأما ~~ما رووه عن الصحابة رضي الله عنهم في ذم الاختلاف، فكيف يصح وهم أول ~~المختلفين ms463 والمجتهدين، واختلافهم واجتهادهم معلوم تواترا، كيف تدفعها ~~روايات يتطرق إلى سندها ضعف وإلى متنها تأويل من النهي عن الاختلاف في أصل ~~الدين أو نصرة الدين، أو في أمر الخلافة والإمامة والخلاف بعد الاجماع، أو ~~الاختلاف على الأئمة والولاة والقضاة، أو نهي العوام عن الاختلاف بالرأي ~~وليسوا أهل الاجتهاد؟ وأما إنكار عمر اختلاف ابن مسعود وأبي بن كعب فلعله ~~قد كان سبق إجماع على ثوب واحد، ومن خالف ظن أن انقضاء العصر شرط في ~~الاجماع، ولذلك قال عمر: عن أي فتياكم يصدر المسلمون وأنتم جميعا تروون عن ~~النبي عليه السلام، أو لعل كل واحد أثم صاحبه وبالغ فيه، فنهى عن وجه ~~الاختلاف لا عن أصله، أو لعلهما اختلفا على مستفت واحد، فتحير السائل فقال، ~~عن أي فتياكم يصدر الناس، أي العامة، بل إذا ذكر المفتي في محل الاجتهاد ~~شيئا للعامي فلا ينبغي للمفتي الآخر أن يخالفه بين يديه فيتحير السائل، ~~وأما اختلاف عمر وعلي رضي الله عنهما في تحريم المتعة فلا يصح، بل صح عن ~~علي نقله تحريم متعة النساء ولحوم الحمر الأهلية يوم خيبر كيف وقد علم قطعا ~~أنهم جوزوا الاجتهاد، أما كتاب علي إلى قضاته وكراهية الاختلاف فيحتمل ~~وجوها: أحدها: أنهم ربما كتبوا إليه يطلبون رأيه في بعض الوقائع فقال: ~~اقضوا كما كنتم تقضون، إذ لو خالفتموهم الآن لا نفتق به فتق آخر وحمل ذلك ~~على تعصب مني ومخالفة، ويحتمل أنهم استأذنوه في مخالفة إجماع الصحابة رضي ~~الله عنهم على ظن أن العصر لم ينقرض، بعد فيجوز الخلاف، فكره لهم مخالفة ~~السابقين، واستأذنوه في القضاء بشهادة أهل البصرة من الخوارج وغيرهم أو ~~ردها فأمرهم بقبولها كما كان قبل الحرب لانهم حاربوا على تأويل وفي رد ~~شهادتهم تعصب وتجديد خلاف. PageV00P297 # الثانية: قولهم النفي الأصلي معلوم، والاستثناء عنه بالنص معلوم فيبقى ~~المسكوت عنه على النفي الأصلي المعلوم، فكيف يندفع المعلوم: على القطع ~~بالقياس المظنون؟ قلنا: # العموم والظواهر وخبر الواحد وقول المقوم في أروش الجنايات والنفقات ~~وجزاء الصيد وصدق الشهود وصدق المخالف ms464 في مجلس الحكم، كل ذلك مظنون، ويرفع ~~به النفي الأصلي، ثم نقول: نحن لا نرفع ذلك إلا بقاطع، فإنا إذا تعبدنا ~~بإتباع العلة المظنونة وظننا فنقطع بوجود الظن، ونقطع بوجود الحكم عند الظن ~~فلا يرفع ذلك إلا بقاطع. # الثالثة: قولهم كيف يتصرف بالقياس في شرع مبناه على التحكم والتعبد، ~~والفرق بين المتماثلات والجمع بين المتفرقات، إذ قال يغسل الثوب من بول ~~الصبية ويرش من بول الصبي، ويجب الغسل من المني والحيض، ولا يجب من البول ~~والمذي، وفرق في حق الحائض بين قضاء الصلاة والصوم، وأباح النظر إلى ~~الرقيقة دون الحرة، وجمع بين المختلفات فأوجب جزاء الصيد على من قتله عمدا ~~أو خطأ، وفرق في حلق الشعر والتطيب بين العمد والخطأ، وأوجب الكفارة ~~بالظهار، والقتل واليمين والافطار، وأوجب القتل على الزاني والكافر والقاتل ~~وتارك الصلاة، وقال لأبي بردة: تجزئ عنك ولا تجزئ عن أحد بعدك في الأضحية. ~~وقيل للنبي عليه السلام: * (خالصة لك من دون المؤمنين) * (الأحزاب: 50) ~~وكيف يتحاسر في شرع هذا منهاجه على إلحاق المسكوت بالمنطوق، وما من نص على ~~محل إلا ويمكن أن يكون ذلك تحكما وتعبدا؟ قلنا: لا ننكر اشتمال الشرع على ~~تحكمات وتعبدات، فلا جرم نقول: الاحكام ثلاثة أقسام: قسم لا يعلل أصلا، ~~وقسم يعلم كونه معللا، كالحجر على الصبي، فإنه لضعف عقله، وقسم يتردد فيه، ~~ونحن لا نقيس ما لم يقم لنا دليل على كون الحكم معللا، ودليل على عين العلة ~~المستنبطة، ودليل على وجود العلة في الفرع، وعند ذلك يندفع الاشكال ~~المذكور، ولما كثرت التعبدات في العبادات لم يرتضى قياس غير التكبير ~~والتسليم والفاتحة عليها، ولا قياس غير المنصوص في الزكاة على المنصوص، ~~وإنما نقيس في المعاملات وغرامات الجنايات، وما علم بقرائن كثيرة بناؤها ~~على معان معقولة ومصالح دنيوية. # الرابعة: قولهم إن النبي عليه السلام قد أوتي جوامع الكلم، فكيف يليق به ~~أن يترك الوجيز المفهم، ويعدل إلى الطويل الموهم، فيعدل عن قوله: حرمت ~~الربا في كل مطعوم أو كل مكيل إلى عد الأشياء الستة ms465 ليرتبك الخلق في ظلمات ~~الجهل؟ قلنا: ولو ذكر الأشياء الستة وذكر معها أن ما عداها لا ربا فيه وأن ~~القياس حرام فيه، لكان ذلك أصرح، وللجهل والاختلاف أدفع، فلم لم يصرح وقد ~~كان قادرا ببلاغته على قطع الاحتمال للألفاظ العامة والظواهر وعلى أن يبين ~~الجميع في القرآن المتواتر، ليحسم الاحتمال عن المتن والسند جميعا، وكان ~~قادرا على رفع احتمال التشبيه في صفات الله تعالى بالتصريح بالحق في جميع ~~ما وقع الخلاف فيه في العقليات، وإذا لم يفعل فلا سبيل إلى التحكم على الله ~~ورسوله فيما صرح ونبه وطول وأوجز، والله أعلم بأسرار ذلك كله، ثم نقول: إن ~~علم الله تعالى لطفا وسرا في تعبد العلماء بالاجتهاد وأمرهم بالتشمير عن ~~ساق الجد في استنباط أسرار الشرع فيتعين عليه PageV00P298 # أن يذكر البعض ويسكت عن البعض، وينبه عليها تنبيها يحرك الدواعي ~~للاجتهاد: * (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) * ~~(المجادلة: 11) هذا على مذهب من يوجب الصلاح وعندنا فلله تعالى أن يفعل ~~بعباده ما يشاء. # الخامسة: قولهم أن الحكم يثبت في الأصل بالنص لا بالعلة، فكيف يثبت في ~~الفرع، بالعلة وهو تابع للأصل، فكيف يكون ثبوت الحكم فيه بطرق سوى طريق ~~الأمل، وأن ثبت في الأصل بالعلة فهو محال، لان النص قاطع، والعلة مظنونة، ~~والحكم مقطوع به، فكيف يحال المقطوع به على العلة المظنونة؟ قلنا: الحكم في ~~الأصل يثبت بالنص، وفائدة استنباط العلة المظنونة إما تعدية العلة وأما ~~الوقوف على مناط الحكم المظنون للمصلحة، وأما زوال الحكم عند زوال المناط ~~كما سيأتي في العلة القاصرة، وأما الحكم في الفرع وإن كان تابعا للأصل في ~~الحكم فلا يلزم أن يتبعه في الطريق، فإن الضروريات والمحسوسات أصل ~~للنظريات، ولا يلزم مساواة الفرع لها في الطريق، وإن لزمت المساواة في ~~الحكم. # السادسة: وهي عمدتهم الكبرى أن الحكم لا يثبت إلا بتوقيف والعلة غايتها ~~أن تكون منصوصا عليها، فلو قال الشارع: اتقوا الربا في كل مطعوم، فهو توقيف ~~عام، ولو قال: اتقوا الربا في البر لأنه ms466 مطعوم، فهذا لا يساويه ولا يقتضي ~~الربا في غير البر، كما لو قال المالك: أعتق من عبيدي كل أسود، عتق كل ~~أسود، فلو قال: أعتق غانما لسواده، أو لأنه أسود، لم يعتق جميع عبيده ~~السود، وكذلك لو علل بمخيل وقال: أعتقوا غانما لأنه سئ الخلق حتى أتخلص ~~منه، لم يلزم عتق سالم، وإن كان أسوأ خلقا منه، فإذا كانت العلة المنصوصة ~~لا يمكن تعديتها لقصور لفظها، فالمستنبطة كيف تعدى أو كيف يفرق بين كلام ~~الشارع وبين كلام غيره في الفهم، وإنما منهاج الفهم وضع اللسان وذلك لا ~~يختلف. # والجواب: أن نفاة القياس ثلاث فرق، وهذا لا يستقيم من فريقين، وإنما ~~يستقيم من الفريق الثالث. إذ منهم من قال: التنصيص على العلة كذكر اللفظ ~~العام، فإنه لا فرق بين قوله: # حرمت الخمر لشدتها، وبين قوله: حرمت كل مشتد، في أن كل واحد: يوجب تحريم ~~النبيذ، لكن بطريق اللفظ لا بطريق القياس، بل فائدة قوله: لشدتها، إقامة ~~الشدة مقام الاسم العام فقد أقر هذا القائل بالالحاق، وإنما أنكر تسميته ~~قياسا. الفريق الثاني من القاشانية والنهروانية فإنهم أجازوا القياس بالعلة ~~المنصوصة دون المستنبطة فقالوا: إذا كشف النص أو دليل آخر عن الأصل كانت ~~العلة جامعة للحكم في جميع مجاريها، وما فارقهم الفريق الأول: إلا في ~~التسمية، حيث لم يسموا هذا الفن قياسا، والفريقان مقران بأن هذا في العتق ~~والوكالة لا يجري، فلا يصح منهما الاستشهاد مع الاقرار بالفرق. أما الفريق ~~الثالث وهو من أنكر الالحاق مع التنصيص على العلة فتستقيم لهم هذه الحجة. ~~وجوابهم من ثلاثة أوجه. # الأول: ان الصيرفي من أصحابنا يتشوف إلى التسوية فقال: لو قال أعتقت هذا ~~العبد لسواده ، فاعتبروا وقيسوا عليه كل أسود، لعتق كل عبد أسود، وهو وزان ~~مسألتنا، إذا أمرنا بالقياس والاعتبار، ولو لم يثبت التعبد به لكان مجرد، ~~التنصيص على العلة لا يرخص في الالحاق، إذ يجوز أن تكون العلة شدة الخمر ~~خاصة، ومنهم من قال: إن علم قطعا قصده إلى عتقه PageV00P299 # لسواده عتق كل عبد ms467 أسود بقوله: أعتقت غانما لسواده، ومنهم من قال: لا ~~يكفي أن يعلم قصده عتقه بمجرد السواد ما لم ينو بهذا اللفظ عتق جميع ~~السودان، فإن نوى كفاه هذا اللفظ لاعتاق جميع السودان مع النية، ولم يكن ~~فيه إلا إرادته معنى عاما بلفظ خاص، وذلك غير منكر، كما لو قال: والله لا ~~أكلت لفلان خبزا ولا شربت من مائة جرعة، ونوى به دفع المنة، حنث بأخذ ~~الدراهم والثياب والأمتعة، وصلح اللفظ الخاص مع هذه النية للمعنى العام، ~~كما صلح قوله تعالى: * (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما) * (النساء: ~~01) للنهي عن الاتلاف العام: وقوله * (فلا تقل لهما أف) * (الاسراء: 32) ~~للنهي عن الايذاء العام، فإذا استتب لهؤلاء الفرق التسوية بين الخطابين ~~فإنهم إنما يعممون الحكم إذا دل الدليل على إرادة الشرع تعليق الحكم ~~المجردة، ولكنه غير مرضي عندنا، بل الصحيح أنه لا يعتق إلا غانم بقوله: ~~أعتقت غانما لسواده، وإن نوى عتق السودان، لأنه يبقى في حق غير غانم مجرد ~~النية والإرادة فلا تؤثر. الوجه الثاني: من الجواب أن الأمة مجمعة على ~~الفرق، إذ تجب التسوية في الحكم مهما قال: حرمت الخمر لشدتها فقيسوا عليها ~~كل مشتد، ولو قال: أعتقت غانما لسواده فقيسوا عليه كل أسود، اقتصر العتق ~~على غانم عند الأكثرين، فكيف يقاس أحدهما على الآخر مع الاعتراف بالفرق، ~~وإنما اعترفوا بالفرق لان الحكم لله في أملاك العباد، وفي أحكام الشرع وقد ~~علق أحكام الاملاك حصولا وزوالا بالألفاظ دون الإرادات المجردة، وأما أحكام ~~الشرع فتثبت بكل ما دل على رضا الشرع وإرادته من قرينة ودلالة وإن لم يكن ~~لفظا بدليل أنه لو بيع مال لتاجر بمشهد منه بأضعاف ثمنه فاستبشر وظهر أثر ~~الفرح عليه لم ينفذ البيع إلا بتلفظه بإذن سابق أو إجازة لاحقة عند أبي ~~حنيفة ولو جرى بين يدي رسول الله (ص) فعل فسكت عليه دل سكوته على رضاه وثبت ~~الحكم به، فكيف يتساويان، بل ضيق الشرع تصرفات العباد حتى لم تحصل أحكامها ~~بكل لفظ بل ببعض الألفاظ، فإنه لو ms468 قال الزوج: فسخت النكاح وقطعت الزوجية ~~ورفعت علاقة الحل بيني وبين زوجتي لم يقع الطلاق ما لم ينو الطلاق، فإذا ~~تلفظ بالطلاق وقع وإن نوى غير الطلاق، فإذا لم تحصل الاحكام بجميع الألفاظ ~~بل ببعضها فكيف تحصل بما دون اللفظ مما يدل على الرضا. الوجه الثالث: أن ~~قول القائل: لا تأكل هذه الحشيشة لأنها سم ولا تأكل الهليلج فإنه مسهل، ولا ~~تأكل العسل فإنه حار، ولا تأكل أيها المفلوج القثاء فإنه بارد، ولا تشرب ~~الخمر فإنه يزيل العقل، ولا تجالس فلانا فإنه أسود، فأهل اللغة متفقون على ~~أن معقول هذا التعليل تعدى النهي إلى كل ما فيه العلة هذا مقتضى اللغة، ~~وهذا أيضا مقتضاه في العتق، لكن التعبد منع من الحكم بالعتق بالتعليل بل، ~~لا بد فيه من اللفظ الصريح المطابق للمحل، ولا مانع منه في الشرع، إذ كل ما ~~عرف بإشارة وأمارة وقرينة فهو كما عرف باللفظ، فكيف يستويان مع الاجماع على ~~الفرق، لان المفرق بين المتماثلات كالجامع بين المختلفات، فمن أثبت الحكم ~~للخلافين يتعجب منه ويطلب منه الجامع، ومن فرق بين المثلين يتعجب منه لماذا ~~فرق بينهما، فإن قيل: إن قال من تجب طاعته: بع هذه الدابة لجماحها، وبع هذا ~~العبد لسوء خلقه، فهل يجوز للمأمور بيع ما شاركه في العلة؟ فإن قلتم ~~PageV00P300 # يجوز، فقد خالفتم الفقهاء، وإن منعتم فما، الفرق بين كلامه وبين كلام ~~الشارع مع الاتفاق في الموضعين؟ وإن ثبت تعبد في لفظ العتق والطلاق بخصوص ~~الجهة فلم يثبت في لفظ الوكالة. قلنا: أن كان قد قال له إن ما ظهر لك ~~إرادتي إياه أو رضاي به بطرق الاستدلال دون صريح اللفظ فافعله، فله أن يفعل ~~ذلك، وهو وزان حكم الشرع، لكن يشترط أمر آخر وهو أن يقطع بأنه أمر ببيعه ~~لمجرد سوء الخلق لا لسوء الخلق مع القبح أو مع الخرق في الخدمة، فإنه قد ~~يذكر بعض أوصاف العلة، فإن لم يعلم قطعا ولكن ظنه ظنا فينبغي أن يكون قد ~~قال له ظنك نازل منزلة ms469 العلم في تسليطك على التصرف، فإن اجتمع هذه الشروط ~~جاز التصرف وهو وزان مسألتنا، فإن قيل: وإن كان الشارع قد قال: ما عرفتموه ~~بالقرائن والدلائل من رضاي وإرادتي فهو كما عرفتموه بالصريح فلم يقل إني ~~إذا ذكرت علة شئ ذكرت تمام أوصافه، فلعله علل تحريم الخمر بشدة الخمر ~~وتحريم الربا بطعم البر خاصة لا للشدة المجردة، ولله أسرار في الأعيان، فقد ~~حرم الخنزير والميتة والدم والموقوذة والحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع ~~وكل ذي مخلب من الطير، لخواص، لا يطلع عليها، فلم يبعد أن يكون لشدة الخمر ~~من الخاصية ما ليس لشدة النبيذ، فبماذا يقع الامر عن هذا، وهذا أوقع كلام ~~في مدافعة القياس والجواب: أن خاصة المحل قد يعلم ضرورة سقوط اعتبارها، ~~كقوله: أيما رجل مات أو أفلس فصاحب المتاع أولى بمتاعه إذ يعلم أن المرأة ~~في معناه، وقوله: من أعتق شركا له في عبد قوم عليه الباقي فالأمة في معناه، ~~لأنا عرفنا بتصفح أحكام العتق والبيع وبمجموع إمارات وتكريرات وقرائن أنه ~~لا مدخل للأنوثة في البيع والعتق، وقد يعلم ذلك ظنا بسكون النفس إليه، وقد ~~عرفنا أن الصحابة رضي الله عنهم عولوا على الظن، فعلمنا أنهم فهموا من ~~النبي عليه السلام قطعا إلحاق الظن بالقطع، ولولا سيرة الصحابة لما تجاسرنا ~~عليه، وقد اختلفوا في مسائل ولو كانت قطيعة لما اختلفوا فيها، فعلمنا أن ~~الظن كالعلم أما حيث انتفى الظن والعلم وحصل الشك فلا يقدم على القياس ~~أصلا. # مسألة (العلة المنصوصة) قال النظام: العلة المنصوصة توجب الالحاق، لكن لا ~~بطريق القياس، بل بطريق اللفظ والعموم، إذ لا فرق في اللغة بين قوله: حرمت ~~كل مشتد، وبين قوله. حرمت الخمر لشدتها، وهذا فاسد، لان قوله حرمت الخمر ~~لشدتها لا يقتضي من حيث اللفظ والوضع إلا تحريم الخمر خاصة، ولا يجوز إلحاق ~~النبيذ ما لم يرد التعبد بالقياس، وإن لم يرد فهو كقوله: أعتقت غانما ~~لسواده، فإنه لا يقتضي إعتاق جميع السودان، فكيف يصح هذا ولله أن ينصب شدة ~~الخمر ms470 خاصة علة ويكون فائدة ذكر العلة زوال التحريم عند زوال الشدة ويجوز ~~أن يعلم الله خاصية في شدة الخمر تدعو إلى ركوب القبائح ويعلم في شدة ~~النبيذ لطفا داعيا إلى العبادات، فإذا قد ظن النظام أنه منكر للقياس، وقد ~~زاد علينا إذ قاس حيث لا نقيس لكنه أنكر اسم القياس، فإن قيل: قول السيد ~~والوالد لعبده ولده: لا تأكل هذا لأنه سم وكل هذا فإنه غذاء، يفهم منه ~~المنع عن أكل سم آخر، والامر يتناول ما هو مثله في الاغتذاء، قلنا: لان ذلك ~~معلوم بقرينة إطراد العادات، ومعرفة أخلاق الآباء والسادات في مقاصدهم من ~~العبيد والأبناء، وأنهم لا يفرقون بين سم وسم، وإنما يتقون الهلاك، وأما ~~الله تعالى إذا حرم شيئا بمجرد PageV00P301 # إرادته فيجوز أن يبيح مثله وأن يحرم، لان فيه رفقا ومصلحة، فيجوز أن يكون ~~قد سبق في علمه أن مثله مفسدة، لان تضمنه الصلاح والفساد ليس لطبعه ولذاته ~~ولوصف هو عليه في نفسه، بل يجوز أن يكون في فعل شئ وقت الزوال مصلحة، وفيه ~~وقت العصر مفسدة، وكذلك يجوز أن يختلف بيوم السبت والجمعة والمكان والحال، ~~فكذلك يجوز أن يفارق شدة الخمر شدة النبيذ، فإن قيل: فإن لم يفهم النبيذ من ~~الخمر فينبغي أن لا يفهم تحريم الضرب والأذى من التأفيف؟ قلنا؟ الحق عندنا، ~~أن ذلك غير مفهوم من مجرد اللفظ العاري عن القرينة، لكن إذا دلت قرينة ~~الحال على قصد الاكرام فعند ذلك يدل لفظ التأفيف على تحريم الضرب بل يكون ~~ذلك أسبق إلى الفهم من التأفيف المذكور، إذا التأفيف لا يكون مقصودا في ~~نفسه بل يقصد به التنبيه على منع الايذاء بذكر أقل درجاته. وكذلك النقير ~~والقطمير والذرة والدينار لا يدل بمجرد اللفظ على ما فوقه في قوله تعالى: * ~~(فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره) * (الزلزلة: # 7) وفي قوله تعالى: * (ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك) * (آل ~~عمران: 57) وفي قوله: والله ما شربت لفلان جرعة، ولا أخذت من ماله حبة، بل ~~بقرينة دفع المنة وإظهار ms471 جزاء العمل، وليس إلحاق الضرب بالتأفيف أيضا بطريق ~~القياس، لان الفرع المسكوت عنه الملحق بطريق القياس هو الذي يتصور أن يغفل ~~عنه المتكلم ولا يقصده بكلامه وهاهنا المسكوت عنه هو الأصل في القصد الباعث ~~على النطق بالتأفيف، وهو الأسبق إلى فهم السامع، فهذا مفهوم من لحن القول ~~وفحواه، وعند ظهور القرينة المذكورة ربما تظهر قرينة أخرى تمنع هذا الفهم، ~~إذا الملك قد يقتل أخاه المنازع له، فيقول للجلاد: اقتله ولا تهنه ولا تقل ~~له أف، أما تحريم النبيذ بتحريم الخمر فليس من هذا بالقبيل، بل لا وجه له ~~إلا القياس، فإذا لم يرد التعبد بالقياس، فقوله حرمت الخمر لشدتها، لا يفهم ~~تحريم النبيذ، بخلاف قوله: حرمت كل مشتد. # - مسألة (تخصيص القياس) ذهب القاشاني والنهرواني إلى الاقرار بالقياس ~~لأجل إجماع الصحابة، لكن خصصوا ذلك بموضعين: أحدهما: أن تكون العلة منصوصة، ~~كقوله: حرمت الخمر لشدتها وفإنها من الطوافين عليكم والطوافات. الثاني: ~~الاحكام المعلقة بالأسباب، كرجم ماعز لزناه، وقطع سارق رداء صفوان، وكأنهم ~~يعنون بهذا الجنس تنقيح مناط الحكم ويعترفون به. قلنا: هذا المذهب يمكن ~~تنزيله على ثلاثة أوجه: أحدها: أن يشترطوا مع هذا أن يقول : وحرمت كل مشارك ~~للخمر في الشدة، ويقول في رجم ماعز: وحكمي على الواحد حكمي على الجماعة ~~فهذا ليس قولا بالقياس بل بالعموم، فلا يحصل التقصي به عن عهدة الاجماع ~~المنعقد من الصحابة على القياس. الثاني: أن لا يشترط هذا ولا يشترط أيضا ~~ورود التعبد بالقياس، فهذه زيادة علينا، وقول بالقياس حيث لا نقول به كما ~~رددناه على النظام. # الثالث: أن يقول: مهما ورد التعبد بالقياس جاز الالحاق بالعلة المنصوصة، ~~فهذا قول حق في الأصل، خطأ في الحصر، فإنه قصر طريق إثبات علة الأصل على ~~النص، وليس مقصورا عليه، بل ربما دل عليه السبر والتقسيم أو دليل آخر، وما ~~لم يدل عليه دليل فنحن لا نجوز الجمع بين الفرع والأصل، ولا فرق بين دليل ~~ودليل. فإن قيل إذا كانت العلة منصوصة كان PageV00P302 # الحكم في الفرع معلوما ولم يكن ms472 مظنونا، وحصل الامن من الخطأ، وإن كانت ~~مستنبطة لم يؤمن الخطأ؟ قلنا: أخطأتم في طرفي الكلام حيث ظننتم حصول الامن ~~بالنص، وإمكان الخطأ عند عدم النص، فإن وإن نص على شدة الخمر فلا نعلم قطعا ~~أن شدة النبيذ في معناها، بل يجوز أن يكون معللا بشدة الخمر خاصة إلا أن ~~يصرح ويقول يتبع الحكم مجرد الشدة في كل محل فيكون ذلك لفظا عاما، ولا يكون ~~حكما بالقياس، فلا يحصل التقصي عن عهدة الاجماع، وإذا لم يصرح فنحن نظن أن ~~النبيذ في معناه ولا نقطع، فللظن مثاران في العلة المستنبطة: أحدهما: أصل ~~العلة، والآخر إلحاق الفرع بالأصل، فإنه مشروط بانتفاء الفوارق، وفي العلة ~~المنصوصة مثار الظن واحد، وهو إلحاق الفرع لأنه مبني على الوقوف على جميع ~~أوصاف علة الأصل، وأنه الشدة بمجردها دون شدة الخمر، وذلك لا يعلم إلا بنص ~~يوجب عموم الحكم ويدفع الحاجة إلى القياس. أما قوله في العلة المستنبطة أنه ~~لا يؤمن فيها الخطأ فهذا لا يستقيم على مذهب من يصوب كل مجتهد، إذ شهادة ~~الأصل للفرع عنده كشهادة العدل عند القاضي، والقاضي في أمن من الخطأ وإن ~~كان الشاهد مزورا، لأنه لم يتعبد باتباع الصدق، بل باتباع ظن الصدق، وكذلك ~~هاهنا لم يتعبد باتباع العلة بل باتباع ظن العلة وقد تحقق الظن. نعم: هذا ~~الاشكال متوجه على من يقول المصيب واحد، لأنه لا يأمن الخطأ، ولا دليل يميز ~~الصواب عن الخطأ، إذ لو كان عليه دليل لكان آثما إذا أخطأ كما في العقليات، ~~ثم نقول: إن محملهم على الاقرار بهذا القياس إجماع الصحابة، ولم يقتصر ~~قياسهم على العلة المنصوصة إذ قاسوا في قوله: أنت علي حرام وفي مسألة الجد ~~والاخوة، وفي تشبيه حد الشرب بحد القذف لما فيه من خوف الافتراء والقذف ~~أوجب ثمانين جلدة، لأنه نفس الافتراء لا الخوف من الافتراء، ولكنهم رأوا ~~الشارع في بعض المواضع أقام مظنة الشئ مقام نفسه، فشبهوا هذا به بنوع من ~~الظن هو في غاية الضعف، فدل أنهم لم يطلبوا ms473 النص ولا القطع، بل اكتفوا ~~بالظن، ثم نقول: إذا جاز القياس بالعلة المعلومة فلنلحق بها المظنونة في حق ~~العمل، كما لتحق رواية العدل بالتواتر وشهادة العدل بشهادة النبي عليه ~~السلام المعصوم، والقبلة المظنونة بالقبلة المعاينة، وهذا فيه نظر لأنا وإن ~~أثبتنا خبر الواحد وقبول الشهادة بأدلة قاطعة فقبول الشرع الظن في موضع لا ~~يرخص لنا في قياس ظن آخر عليه، بل لا بد من دليل على القياس المظنون كما في ~~خبر الواحد وغيره. # - مسألة (التفريق بين الفعل والترك) فرق بعض القدرية الفعل والترك، فقال: ~~إذا علل الشارع وجوب فعل بعلة فلا يقاس عليه غيره إلا بتعبد بالقياس، ولو ~~علل تحريم الخمر بعلة وجب قياس النبيذ عليه دون التعبد بالقياس، لان من ترك ~~العسل لحلاوته لزمه أن يترك كل حلو ومن ترك الخمر لإسكاره لزمه أن يترك كل ~~مسكر. أما من شرب العسل لحلاوته فلا يلزمه أن يشرب كل حلو، ومن صلى لأنها ~~عبادة لا يلزمه أن يأتي بكل عبادة، وبنوا على هذا أن التوبة لا تصح من بعض ~~الذنوب، بل من ترك ذنبا لكونه معصية لزمه ترك كل ذنب، أما من أتى بعبادة ~~لكونها طاعة فلا يلزمه أن يأتي بكل طاعة، وهذا محال في الطرفين، لأنه لا ~~يبعد في جانب التحريم PageV00P303 # أن يحرم الخمر لشدة الخمر خاصة، ويفرق بين شدة الخمر وشدة النبيذ. وأما ~~في جانب الفعل فمن تناول العسل لحلاوته ولفراغ معدته وصدق شهوته لا يفرق ~~بين عسل وعسل، نعم لا يلزمه أن يأكل مرة بعد أخرى لزوال الشهوة وامتلاء ~~المعدة واختلاف الحال، فما ثبت للشئ ثبت لمثله، كان ذلك في ترك أو فعل لكن ~~المثل المطلق لا يتصور إذا الاثنينية شرط المثلية، ومن شرط الاثنينية ~~مغايرة ومخالفة، وإذا جاءت المخالفة بطلت المماثلة، وهذا له غور وليس هذا ~~موضع بيانه. هذا تمام النظر في إثبات أصل القياس على منكريه. # الباب الثاني في طريق إثبات علة الأصل وكيفية إقامة الدلالة على صحة آحاد ~~الأقيسة وننبه في صدر الكتاب على مثارات ms474 الاحتمال في كل قياس، إذ لا حاجة ~~إلى الدليل إلا في محل الاحتمال، ثم على انحصار الدليل في الأدلة السمعية، ~~ثم على انقسام الأدلة السمعية إلى ظنية وقطعية، فهذه ثلاث مقدمات. # المقدمة الأولى في مواضع الاحتمال من كل قياس وهي ستة: الأول: يجوز أن لا ~~يكون الأصل معلولا عند الله تعالى، فيكون القائس قد علل ما ليس بمعلل. ~~الثاني: أنه إن كان معللا فلعله لم يصب ما هو العلة عند الله تعالى، بل ~~علله بعلة أخرى. الثالث: أنه إن أصاب في أصل التعليل وفي عين العلة فلعله ~~قصر على وصفين أو ثلاثة، وهو معلل به مع قرينة أخرى زائدة على ما قصر ~~اعتباره عليه. الرابع: أن يكون قد جمع إلى العلة وصفا ليس مناطا للحكم فزاد ~~على الواحد. الخامس: أن يصيب في أصل العلة وتعيينها وضبطها لكن يخطئ في ~~وجودها في الفرع، فيظنها موجودة بجميع قيودها وقرائنها ولا تكون كذلك. # السادس: أن يكون قد استدل على تصحيح العلة بما ليس بدليل، وعند ذلك لا ~~يحل له القياس وإن أصاب العلة، كما لو أصاب بمجرد الوهم والحدس من غير ~~دليل، وكما لو ظن القبلة في جهة من غير اجتهاد فصلى، فإنه لا تصح الصلاة، ~~وزاد آخرون احتمالا سابعا وهو الخطأ في أصل القياس، إذا يحتمل أن يكون أصل ~~القياس في الشرع باطلا، وهذا خطأ لان صحة القياس ليس مظنونا بل هو مقطوع ~~به، ولو تطرق إليه احتمال التطرق إلى جميع القطعيات من التوحيد والنبوة ~~وغيرهما والمثارات الستة لاحتمال الخطأ: إنما تستقيم على مذهب من يقول ~~المصيب واحد وفي موضع يقدر نصب الله تعالى أدلة قاطعة يتصور أن يحيط بها ~~الناظر. أما من قال: كل مجتهد مصيب، فليس في الأصل وصف معين هو العلة عند ~~الله تعالى حتى يخطئ أصلها أو وصفها، بل العلة عند الله تعالى في حق كل ~~مجتهد ما ظنه علة فلا يتصور الخطأ، ولكنه على الجملة يحتاج إلى إقامة ~~الدليل في هذه وإن كانت أدلة ظنية. # المقدمة الثانية ms475 إن هذه الأدلة لا تكون إلا سمعية، بل لا مجال للنظر ~~العقلي في هذه المثارات إلا في تحقيق وجود علة الأصل في الفرع، فإن العلة ~~إذا كانت محسوسة كالسكر والطعم والطوف في السؤر، فوجود ذلك في النبيذ ~~والأرز والفأرة قد يعلم بالحس وبالأدلة PageV00P304 # العقلية، أما أصل تعليل الحكم وإثبات عين العلة ووصفها فلا يمكن إلا ~~بالأدلة السمعية لان العلة الشرعية علامة وأمارة لا توجب الحكم بذاتها إنما ~~معنى كونها علة نصب الشرع إياها علامة، وذلك وضع من الشارع، ولا فرق بين ~~وضع الحكم وبين وضع العلامة ونصبها أمارة على الحكم، فالشدة التي جعلت ~~أمارة التحريم يجوز أن يجعلها الشرع أمارة الحل، فليس إيجابها لذاتها، ولا ~~فرق بين قوله الشارع: ارجموا ماعزا، وبين قوله: جعلت الزنا علامة إيجاب ~~الرجم، فإن قيل: فالحكم لا يثبت إلا توقيفا ونصا فلتكن العلة كذلك، قلنا: ~~لا يثبت الحكم إلا توقيفا لكن ليس طريق معرفة التوقيف في الاحكام مجرد النص ~~بل النص والعموم والفحوى ومفهوم القول وقرائن الأحوال وشواهد الأصول وأنواع ~~الأدلة، فكذلك إثبات العلة تتسع طرقه ولا يقتصر فيه على النص. # المقدمة الثالثة إن الحاق المسكوت بالمنطوق ينقسم إلى مقطوع ومظنون، ~~والمقطوع به على مرتبتين: # إحداهما: أن يكون المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق به، كقوله: (لا تقل ~~لهما أف) * [الاسراء: 32] فإنه أفهم تحريم الضرب والشتم، وكقوله عليه ~~السلام أدوا الخيط والمخيط فإنه أفهم تحريم الغلول في الغنيمة بكل قليل ~~وكثير، وكنهيه عن الضحية بالعوراء والعرجاء، فإنه أفهم المنع من العمياء ~~ومقطوعة الرجلين، وكقوله: العينان وكاء السه فإذا نامت العينا استطلق ~~الوكاء، فإن الجنون والاغماء والسكر وكل ما أزال العقل أولى به من النوم، ~~وقد اختلفوا في تسمية هذا قياسا وتبعد تسميته قياسا، لأنه لا يحتاج فيه إلى ~~فكر واستنباط علة، ولان المسكوت عنه هاهنا كأنه أولى بالحكم من المنطوق به ~~ومن سماه قياسا اعترف بأنه مقطوع به، ولا مشاحة في الأسامي، فمن كان القياس ~~عنده عبارة عن نوع من الالحاق يشمل هذه الصورة، فإنما ms476 مخالفته في عبارة، ~~وهذا الجنس قد يلتحق بأذياله ما يشبهه من وجه، ولكنه يفيد الظن دون العلم، ~~كقولهم: إذا جبت الكفارة في قتل الخطأ فبأن تجب في العمد أولى، لان فيه ما ~~فيه الخطأ وزيادة عدوان، وإذا ردت شهادة الفاسق فالكافر أولى، لان الكفر ~~فسق وزيادة، وإذا أخذت الجزية من الكتابي فمن الوثني أولى، لأنه كافر مع ~~زيادة جهل، وهذا يفيد الظن في حق بعض المجتهدين، وليس من جنس الأول بل جنس ~~الأول أن يقول إذا قبلت شهادة اثنين فشهادة الثلاثة أولى. وهو مقطوع به ~~لأنه وجد فيه الأول وزيادة. والعمياء عوراء مرتين، ومقطوع الرجلين أعرج ~~مرتين، فأما العمد فيخالف الخطأ، فيجوز أن لا تقوى الكفارة على محوه بخلاف ~~الخطأ، بل جنس الأول قولنا: من واقع أهله في نهار رمضان فعليه الكفارة. ~~فالزاني به أولى إذ وجد في الزنا إفساد الصوم بالوطئ وزيادة ولم يوجد في ~~العمد الخطأ وزيادة، وكذلك الوثني، بدليل أنه لو وقع التصريح بالفرق بين ~~هذه المسائل لم تنفر النفس عن قبوله، ولو قيل: تجزئ العمياء دون العوراء أو ~~تقبل شهادة اثنين ولا تقبل شهادة ثلاثة. كان ذلك مما تنفر النفس عن قبوله ~~وإنما نفرت النفس عن قبوله لما علم قطعا من أن منع العوراء لأجل نقصانها، ~~وقبول شهادة اثنين لظهور صدق الدعوى وتحريم التأفيف لاكرام الآباء، فمع فهم ~~هذه المعاني يتناقض الفرق، ولم يفهم مثل ذلك PageV00P305 # من قتل الخطأ وشهادة الكافر وجزية الوثني. # المرتبة الثانية: ما يكون المسكوت عنه مثل المنطوق به، ولا يكون أولى منه ~~ولا هو دونه، فيقال إنه في معنى الأصل، وربما اختلفوا في تسميته قياسا، ~~ومثاله قوله: من أعتق شركا له في عبد قوم عليه الباقي فإن الأمة في معناه. ~~وقوله: أيما رجل أفلس أو مات فصاحب المتاع أحق بمتاعه فالمرأة في معناه، ~~وقوله تعالى: * (فعليهن نصف من على المحصنات من العذاب) * (النساء: 52) ~~فالعبد في معناها، وقوله عليه السلام: من باع عبدا وله مال فماله للبائع ~~إلا أن يشترطه المبتاع فإن الجارية ms477 في معناه، وقوله في موت الحيوان في ~~السمن أنه يراق المائع ويقور ما حوالي الجامد، أن العسل لو كان جامدا في ~~معناه، وهذا جنس يرجع حاصله إلى العلم بأن الفارق بين المسكوت عنه والمنطوق ~~به لا مدخل له في التأثير في جنس ذلك الحكم، وإنما يعرف أنه لا مدخل له في ~~التأثير باستقراء أحكام الشرع وموارده ومصادره في ذلك الجنس حتى يعلم أن ~~حكم الرق والحرية ليس يختلف بذكورة وأنوثة، كما لا يختلف بالبياض والسواد ~~والطول والقصر والحسن والقبح فلا يجري هذا في جنس من الحكم تؤثر الذكورة ~~فيه والأنوثة، كولاية النكاح والقضاء والشهادة وأمثالها، وضابط هذا الجنس ~~أن لا يحتاج إلى التعرض للعلة الجامعة، بل يتعرض للفارق ويعلم أنه لا فارق ~~إلا كذا، ولا مدخل له في التأثير قطعا، فإن تطرق الاحتمال إلى قولنا: لا ~~فارق إلا كذا بأن احتمل أن يكون ثم فارق آخر وتطرق الاحتمال إلى قولنا لا ~~مدخل له في التأثير بأن احتمل أن يكون له مدخل، لم يكن هذا الالحاق مقطوعا ~~به، بل ربما كان مظنونا. ويتعلق بأذيال هذا الجنس ما هو مظنون، كقولنا إنه ~~لو أضاف العتق إلى عضو معين سرى، فإنه إذا أضاف إلى النصف سرى لأنه بعض، ~~واليد بعض، وهذا يغلب على ظن بعض المجتهدين، ومساواة البعض المعين للبعض ~~الشائع في هذا الحكم غير مقطوع به، لان هذا النوع من المفارقة لا يبعد أن ~~يكون له مدخل في التأثير. ومن هذا الجنس ما يتعلق بتنقيح مناط الحكم، كقوله ~~للاعرابي الذي جامع امرأته في رمضان أعتق رقبة فإنا نعلم أن التركي والهندي ~~في معنى العربي إذ علمنا أن ذلك لا مدخل له في الحكم، ويعلم أن العبد في ~~معنى الحر فيلزمه الصوم، لأنه شاركه في وجوب الصوم، ولا نرى الصبي في معناه ~~لأنه لا يشاركه في اللزوم، وللزوم مدخل في التأثير، وإن نظرنا إلى المحل ~~فقد واقع أهله، فيعلم أنه لو واقع مملوكته فهو في معناه، بل لو زنى بامرأة ~~فهو بالكفارة أولى، ms478 أما اللواط وإتيان البهيمة والمرأة الميتة هل هو في ~~معناه؟ ربما يتردد فيه، والأظهر أن اللواط في معناه، وإن نظرنا إلى الصوم ~~المجني عليه فقد جرى وقاع الأعرابي في يوم معين وشهر معين، فيعلم أن سائر ~~الأيام في ذلك الشهر، وسائر شهور رمضان في معناه، والقضاء والنذر ليس في ~~معناه لان حرمة رمضان أعظم، فهتكها أفحش، وللحرمة مدخل في جنس هذا الحكم، ~~وإن نظرنا إلى نفس هذا الفعل فهل يلتحق به الأكل والشرب وسائر المفطرات، ~~هذا في محل النظر، إذ يحتمل أن يقال: إنما وجبت الكفارة لتفويت الصوم، ~~والوطئ آلته، كما يجب القصاص لتفويت الدم ثم السيف والسكين وسائر الآلات ~~على وتيرة واحدة. ويحتمل أن يقال: الكفارة زجر ودواعي الوقاع لا ~~PageV00P306 # تنخنس بمجرد وازع الدين فافتقر إلى كفارة زاجرة، بخلاف داعية الاكل، وهذه ~~ظنون تختلف بالإضافة إلى المجتهدين، وهل يسمى إلحاق الاكل ههنا بالجماع ~~قياسا؟ اختلفوا فيه فقال أصحاب أبي حنيفة: لا قياس في الكفارات، وهذا ~~استدلال وليس بقياس، بل هو استدلال على تجريد مناط الحكم وحذف الحشو منه، ~~ولفظة القياس اصطلاح للفقهاء، فيختلف إطلاقها بحسب اختلافهم في الاصطلاح، ~~فلست أرى الاطناب في تصحيح ذلك أو إفساده لان أكثر تدوار النظر لا فيه على ~~اللفظ، وعلى الجملة فلا يظن بالظاهر في المنكر للقياس إنكار المعلوم، ~~والمقطوع به من هذه الالحاقات، لكن لعله ينكر المظنون منه ويقول: ما علم ~~قطعا أنه لا مدخل له في التأثير، فه كاختلاف الزمان والمكان والسواد ~~والبياض والطوال والقصر فيجب حذفه عن درجة الاعتبار. أما ما يحتمل فلا يجوز ~~حذفه بالظن، وإذا بان لنا إجماع الصحابة أنهم عملوا بالظن كان ذلك دليلا ~~على نزول الظن منزلة العلم في وجوب العمل، لان المسائل التي اختلفوا فيها ~~واجتهدوا، كمسألة الحرام ومسألة الجد وحد الخمر والمفوضة وغيرها من المسائل ~~ظنية وليست قطعية، وعلى الجملة: فلالحاق المسكوت عنه بالمنطوق طريقان ~~متباينان: أحدهما: أن لا يتعرض إلا للفارق وسقوط أثره فيقول: لا فارق إلا ~~كذا وهذه مقدمة، ثم يقول: ولا مدخل ms479 لهذا الفارق في التأثير، وهذه مقدمة ~~أخرى، فيلزم منه نتيجة وهو أنه لا فرق في الحكم، وهذا إنما يحسن إذا ظهر ~~التقارب بين الفرع والأصل، كقرب الأمة من العبد، لأنه لا يحتاج إلى التعرض ~~للجامع لكثرة ما فيه من الاجتماع. الطريق الثاني: أن يتعرض للجامع ويقصد ~~نحوه، ولا يلتفت إلى الفوارق وإن كثرت، ويظهر تأثير الجامع في الحكم فيقول: ~~العلة في الأصل كذا، وهي موجودة في الفرع، فيجب الاجتماع في الحكم، وهذا هو ~~الذي يسمى قياسا بالاتفاق. أما الأول: ففي تسميته قياسا خلاف لان القياس ما ~~قصد به الجمع بين شيئين، وذلك قصد فيه نفي الفرق، فحصل الاجتماع بالقصد ~~الثاني لا بالقصد الأول، فلم يكن على صورة المقايسة بالإضافة إلى القصد ~~الأول والطريق الأول الذي هو التعرض للفارق ونفيه ينتظم حيث لم تعرف علة ~~الحكم، بل ينتظم في حكم لا يعلل وينتظم حيث عرف أنه معلل، لكن لم تتعين ~~العلة، فإنا نقول: الزبيب في معنى التمر في الربا قبل أن يتعين عندنا علة ~~الربا أنه الطعم أو الكيل أو القوت، وينتظم حيث ظهر أصل العلة وتعين أيضا ~~ولكن لم تتلخص بعد أوصافه ولم تتحرر بعد قيوده وحدوده. أما الطريق الثاني ~~وهو الجمع فلا يمكن إلا بعد تعين العلة وتلخيصها بحدها وقيودها وبيان تحقيق ~~وجودها بكمالها في الفرع، وكل واحد من الطريقين ينقسم إلى مقطوع به وإلى ~~مظنون، فإذا تمهدت هذه المقدمات فيرجع إلى المقصود وهو بيان إثبات العلة في ~~الطريق الثاني الذي هو القياس بالاتفاق، وهو رد فرع إلى أصل بعلة جامعة ~~بينهما، وهذا القياس يحتاج إلى إثبات مقدمتين: إحداهما: مثلا أن علة تحريم ~~الخمر الاسكار. والثانية: أن الاسكار موجود في النبيذ، أما الثانية فيجوز ~~أن تثبت بالحس ودليل العقل والعرب وبدليل الشرع وسائر أنواع الأدلة، أما ~~الأولى فلا تثبت إلا بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والاجماع، أو نوع ~~استدلال مستنبط، فإن كون الشدة علامة التحريم وضع شرعي، كما أن نفس التحريم ~~كذلك وطريقه PageV00P307 # طريقه، وجملة الأدلة الشرعية ترجع إلى ms480 ألفاظ الكتاب والسنة والاجماع ~~والاستنباط، فنحصره في ثلاث أقسام: # القسم الأول إثبات العلة بأدلة نقلية وذلك إنما يستفاد من صريح النطق أو ~~من الايماء أو من التنبيه على الأسباب، وهي ثلاثة أضرب: # الضرب الأول: الصريح، وذلك أن يرد فيه لفظ التعليل، كقوله لكذا أو لعلة ~~كذا أو لأجل كذا، أو لكيلا يكون كذا، وما يجري مجراه من صيغ التعليل، مثل ~~قوله تعالى: * (كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم) * (الحشر: 7) * (من أجل ~~ذلك كتبنا على بني إسرائيل) * (المائدة: 23) و * (ذلك بأنهم شاقوا الله ~~ورسوله) * (الأنفال: 31) وقوله عليه السلام: إنما جعل الاستئذان لأجل البصر ~~وإنما نهيتكم لأجل الدافة فهذه صيغ التعليل، إلا إذا دل دليل على أنه ما ~~قصد التعليل فيكون مجازا كما يقال: لم فعلت؟ فيقول لاني أردت أن أفعل، فهذا ~~لا يصح أن يكون علة، فهو استعمال اللفظ في غير محله. قال القاضي: قوله ~~تعالى: * (أقم الصلاة لدلوك الشمس) * (الاسراء: 87) من هذا الجنس، لان هذا ~~لام التعليل، والدلوك لا يصلح أن يكون علة، فمعناه: صل عنده، فهو للتوقيت، ~~وهذا فيه نظر إذ الزوال والغروب لا يبعد أن ينصبه الشرع علامة للوجوب، ولا ~~معنى لعلة الشرع إلا العلامة المنصوبة، وقد قال الفقهاء: الأوقات أسباب، ~~ولذلك يتكرر الوجوب بتكررها ولا يبعد تسمية السبب علة. # الضرب الثاني: التنبيه والايماء على العلة: كقوله عليه السلام لما سئل عن ~~الهرة إنها من الطوافين عليكم أو الطوافات فإنه وإن لم يقل لأنها أو لأجل ~~أنها من الطوافين لكن أومأ إلى التعليل لأنه لو لم يكن علة لم يكن ذكر وصف ~~الطواف مفيدا، فإنه لو قال: إنها سوداء أو بيضاء، لم يكن منظوما إذ لم يرد ~~التعليل، وكذلك قوله: فإنه يحشر يوم القيامة ملبيا وإنهم يحشرون وأوداجهم ~~تشخب دما وقوله جل جلاله: * (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة ~~والبغضاء) * (المائدة: 19) فإنه بيان لتعليل تحريم الخمر حتى يطرد في كل ~~مسكر، وكذلك ذكر الصفة قبل الحكم، كقوله: * (قل هو أذى فاعتزلوا النساء في ~~المحيض) * (البقرة: 222) فهو ms481 تعليل حتى يفهم منه تحريم الاتيان في غير ~~المأتي، لان الأذى فيه دائم، ولا يجري في المستحاضة، لان ذلك عارض وليس ~~بطبيعي، وكذلك قوله: # تمرة طيبة وماء طهور فإن ذلك لو لم يكن تعليلا لاستعماله لما كان الكلام ~~واقعا في محله، وهو الذي يدل على أنه كان ماء نبذ فيه تميرات، فيقاس عليه ~~الزبيب و غيره ولا يقاس عليه المرقة والعصيدة وما انقلب شيئا آخر بالطبخ، ~~وكذلك قوله عليه السلام: أينقص الرطب إذا يبس؟ فقيل: نعم، فقال فلا إذا ~~ففيه تنبيه على العلة من ثلاثة أوجه. # أحدها: أنه لا وجه لذكر هذا الوصف لولا التعليل به. الثاني: قوله: إذا ~~فإنه للتعليل. # الثالث: الفاء في قوله: فلا إذا فإنه للتعقيب والتسبيب، ومن ذلك أن يجيب ~~عن المسألة بذكر نظيرها كقوله: أرأيت لو تمضمضت أرأيت لو كان على أبيك دين ~~فقضيتيه؟ فإنه لو لم يكن للتعليل لما كان التعرض لغير محل السؤال منتظما ~~ومن ذلك أن يفصل الشارع بين قسمين بوصف ويخصه بالحكم، كقول القائل: القاتل ~~لا يرث، فإنه يدل في الظاهر PageV00P308 # على أنه لا يرث لكونه قاتلا، وليس هذا للمناسبة، بل لو قال: الطويل لا ~~يرث أو الأسود لا يرث لكنا نفهم منه جعله الطول والسواد علامة على انفصاله ~~عن الورثة فهذا وأمثاله مما يكثر، ولا يدخل تحت الحصر، فوجوه التنبيه لا ~~تنضبط، وقد أطنبنا في تفصيلها في كتاب شفاء الغليل. وهذا القدر كاف ههنا. # الضرب الثالث: التنبيه على الأسباب بترتيب الاحكام عليها بصيغة الجزاء ~~والشرط وبالفاء التي هي للتعقيب والتسبيب، كقوله عليه السلام: من أحيا أرضا ~~ميتة فهي له ومن بدل دينه فاقتلوه وقوله تعالى: * (كانوا) * (المائدة: 38) ~~و * (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما) * (النور: 2) وقوله تعالى: * ~~(فلم تجدوا ماء فتيمموا) * (المائدة: 6) ويلتحق بهذا القسم ما يرتبه الراوي ~~بفاء الترتيب كقوله: زنى ماعز فرجم، وسها النبي فسجد، ورضخ يهودي رأس جارية ~~فرضخ النبي رأسه، فكل هذا يدل على التسبيب، وليس للمناسبة، فإن قوله: من مس ~~ذكره فليتوضأ يفهم منه السبب، ms482 وإن لم يناسب، بل يلتحق بهذا الجنس كل حكم ~~حدث عقيب وصف حادث سواء كان من الأقوال كحدوث الملك والحل عند البيع ~~والنكاح والتصرفات، أو من الافعال كاشتغال الذمة عند القتل والاتلاف، أو من ~~الصفات، كتحريم الشرب عند طريان الشدة على العصير وتحريم الوطئ عند طريان ~~الحيض فإنه ينقدح أن يقال: لا يتجدد إلا بتجدد سبب ولم يتجدد إلا هذا، فإذا ~~هو السبب، وإن لم يناسب. فإن قيل: فهذه الوجوه المذكورة تدل على السبب، ~~والعلة دلالة قاطعة أو دلالة ظنية؟ قلنا: أما ما رتب على غيره بفاء الترتيب ~~وصيغة الجزاء والشرط فيدل على أن المرتب عليه معتبر في الحكم لا محالة، فهو ~~صريح في أصل الاعتبار. أما اعتباره بطريق كونه علة أو سببا متضمنا للعلة ~~بطريق الملازمة والمجاورة أو شرطا يظهر الحكم عنده بسبب آخر، أو يفيد الحكم ~~على تجرده حتى يعم الحكم المحال أو يضم إليه وصف آخر حتى يختص ببعض المحال، ~~فمطلق الإضافة من الألفاظ المذكورة ليس صريحا فيها، ولكن قد يكون ظاهرا من ~~وجه ويحتمل غيره، وقد يكون مترددا بين وجهين فيتبع فيه موجب الأدلة وإنما ~~الثابت بالايماء، والتنبيه كون الوصف المذكور معتبرا بحيث لا يجوز إلغاؤه، ~~مثال هذا قوله عليه السلام: لا يقض القاضي وهو غضبان وهو تنبيه على أن ~~الغضب علة في منع القضاء، لكن قد يتبين بالنظر أنه ليس علة لذاته، بل لما ~~يتضمنه من الدهشة المانعة من استيفاء الفكر حتى يلحق به الجائع والحاقن ~~والمتألم فيكون الغضب مناطا لا لعينه بل لمعنى يتضمنه. وكذلك قوله: سها ~~فسجد، يحتمل أن يكون السبب هو السهو لعينه ويحتمل أن يكون لما يتضمنه من ~~ترك أبعاض الصلاة، حتى لو تركه عمدا ربما قيل يسجد أيضا، وكذلك قوله: زنى ~~ما عز فرجم، احتمل أن يكون لأنه زنى، واحتمل أن يكون لما يتضمنه الزنا من ~~إيلاج فرج في فرج محرم قطعا مشتهى طبعا، حتى يتعدى إلى اللواط. # وكذلك قوله: من جامع في نهار رمضان فعليه ما على المظاهر يحتمل ms483 أن يكون ~~لنفس الجماع، ويحتمل أن يكون لما يتضمنه من هتك حرمة الشهر، ويحتمل أن يكون ~~لما يتضمنه من إفساد الصوم، حتى يتعدى إلى الاكل، والظاهر الإضافة إلى ~~الأصل ومن صرفه عن الأصل PageV00P309 # إلى ما يتضمنه من إفساد الصوم حتى يتعدى إلى الاكل افتقر إلى دليل. وهذا ~~النوع من التصرف غير منقطع عن هذه الإضافات. فهذا ظاهر في الإضافات اللفظية ~~إيماء كان أو صريحا. أما ما يحدث بحدوث وصف كحدوث الشدة ففي إضافة الحكم ~~إليه نظر سيأتي في الطرد والعكس. # القسم الثاني في إثبات العلة بالاجماع على كونها مؤثرة في الحكم مثاله ~~قولهم: # إذا قدم الأخ من الأب والام على الأخ للأب في الميراث، فينبغي أن يقدم في ~~ولاية النكاح فإن العلة في الميراث التقديم بسبب امتزاج الاخوة، وهو المؤثر ~~بالاتفاق، وكذلك قول بعضهم: الجهل بالمهر يفسد النكاح، لأنه جهل بعوض في ~~معاوضة، فصار كالبيع، إذ الجهل مؤثر في الافساد في البيع بالاتفاق وكذلك ~~نقول: يجب الضمان على السارق وإن قطع لأنه مال تلف تحت اليد العارية فيضمن، ~~كما في الغصب وهذا الوصف هو المؤثر في الغصب اتفاقا، وكذلك يقول الحنفي: ~~صغيرة فيولي عليها قياسا لثيب الصغيرة على البكر الصغيرة، فالمطالبة منقطعة ~~عن إثبات علة الأصل، لأنها بالاتفاق مؤثرة. ويبقى سؤال وهو أن يقال: لم ~~قلتم إذا أثر امتزاج الاخوة في التقديم في الإرث فينبغي أن يؤثر في النكاح؟ # وإذا أثر الصغر في البكر فهو يؤثر في الثيب، وهذا السؤال إما أن يوجهه ~~المجتهد على نفسه أو يوجهه المناظر في المناظرة، أما المجتهد فيدفعه ~~بوجهين: أحدهما: أن يعرف مناسبة المؤثر كالصغر، فإنه يسلط الولي على ~~التزويج للعجز، فنقول: الثيب كالبكر في هذه المناسبة. الثاني: أن يتبين أنه ~~لا فارق بين الفرع والأصل إلا كذا وكذا، ولا مدخل له في التأثر كما ذكرناه ~~في إلحاق الأمة بالعبد في سراية العتق ونظائره، فيكون هذا القياس تمامه ~~بالتعرض للجامع ونفي الفارق جميعا، وإن ظهرت المناسبة استغنى عن التعرض ~~للفارق، وإن كان السؤال من ms484 مناظر فيكفي أن يقال: القياس لتعدية حكم العلة ~~من موضع إلى موضع وما من تعدية إلا ويتوجه عليها هذا السؤال، فلا ينبغي أن ~~يفتح هذ الألباب، بل يكلف المعترض الفرق أو التنبيه على مثار خيال الفرق ~~بأن يقول مثلا: إخوة الام أثرت في الميراث في الترجيح، لان مجردها يؤثر في ~~التوريث، فلم قلت: إذا استعمل في الترجيح ما يستقل بالتأثير فيستعمل حيث لا ~~يستقل، فتقبل المطالبة على هذه الصيغة، وهي أولى من إبدائه في معرض الفرق ~~ابتداء، أما إذا لم ينبه على مثار خيال الفرق وأصر على صرف المطالبة فلا ~~ينبغي أن يصطلح المناظرون على قبوله، لأنه يفتح بابا من اللجاج لا ينسد، ~~ولا يجوز إرهافه إلى طلب المناسبة فإن ما ظهر تأثيره بإضافة الحكم إليه، ~~فهو علة ناسب أو لم يناسب، فقد قال عليه السلام: من مس ذكره فليتوضأ فنحن ~~نقيس عليه ذكر غيره ولا مناسبة، ولكن نقول: ظهر تأثير المس ولا مدخل للفارق ~~في التأثير، فإنه وإن ظهر مناسبته أيضا فيجوز أن يختص اعتبار المناسب ببعض ~~المواضع، إذ السرقة تناسب القطع ثم تختص بالنصاب، والزنا يناسب الرجم ثم ~~يختص بالمحصن، فيتوجه على المناسب أيضا أن يقول: لم قلت إذا أثر هذا ~~المناسب وهو الصغر في ولاية المال فينبغي أن يؤثر في ولاية البضع، وإذا أثر ~~في البكر يؤثر في الثيب، وإذا أثر في التزويج من الابن يؤثر في التزويج من ~~البنت ومن المناسبات ما يختص PageV00P310 # ببعض المواضع، وهذا السؤال يستمد من خيال منكري القياس، فلا ينبغي أن ~~يقبل. # القسم الثالث في إثبات العلة بالاستنباط وطرق الاستدلال وهي أنواع: # النوع الأول: السبر والتقسيم: وهو دليل صحيح، وذلك بأن يقول هذا الحكم ~~معلل، ولا علة له إلا كذا أو كذا، وقد بطل أحدهما فتعين الآخر، وإذا استقام ~~السبر كذلك فلا يحتاج إلى مناسبة، بل له أن يقول: حرم الربا في البر، ولا ~~بد من علامة تضبط مجرى الحكم عن موقعه، ولا علامة إلا الطعم أو القوت أو ~~الكيل، وقد بطل ms485 القوت والكيل بدليل كذا وكذا، فثبت الطعم، لكن يحتج ههنا ~~إلى إقامة الدليل على ثلاثة أمور. أحدها: أنه لا بد من علامة، إذ قد يقال: ~~هو معلوم باسم البر، فلا يحتاج إلى علامة وعلة فنقول: ليس كذلك، لان إذا ~~صار دقيقا وخبزا وسويقا نفى حكم الربا وزال اسم البر، فدل أن مناط الربا ~~أمر أعم من اسم البر. # الثاني: أن يكون سبره حاصرا، فيحصر جميع ما يمكن أن يكون علة أما بأن ~~يوافقه الخصم على أن الممكنات ما ذكره، وذلك ظاهر أو لا يسلم، فإن كان ~~يسلم، فإن كان مجتهدا فعليه سبر بقدر إمكانه حتى يعجز عن إيراد غيره، وإن ~~كان مناظرا فيكفيه أن يقول: هذا منتهى قدرتي في السبر فإن شاركتني في الجهل ~~بغيره لزمك ما لزمني، وإن أطلعت على علة أخرى فيلزمك التنبيه عليها حتى ~~أنظر في صحتها أو فسادها. فإن قال: لا يلزمني ولا أظهر العلة وإن كنت ~~أعرفها، فهذا عناد محرم، وصاحبه إما كاذب وإما فاسق بكتمان حكم مست الحاجة ~~إلى إظهار، ومثل هذا الجدل حرام وليس من الدين، ثم إفساد سائر العلل تارة ~~يكون ببيان سقوط أثرها في الحكم بأن يظهر بقاء الحكم مع انتفائها أو ~~بانتقاضها بأن يظهر انتفاء الحكم مع وجودها. # النوع الثاني: من الاستنباط: إثبات العلة بإبداء مناسبتها للحكم، ~~والاكتفاء بمجرد المناسبة في إثبات الحكم مختلف فيه، وينشأ منه أن المراد ~~بالمناسب ما هو على منهاج المصالح، بحيث إذا أضيف الحكم إليه انتظم، مثاله: ~~قولنا حرمت الخمر لأنها تزيل العقل الذي هو مناط التكليف، وهو مناسب، لا ~~كقولنا: حرمت لأنها تقذف بالزبد، أو لأنها تحفظ في الدن، فإن ذلك لا يناسب، ~~وقد ذكرنا حقيقة المناسب وأقسامه ومراتبه في آخر القطب الثاني من باب ~~الاستحسان والاستصلاح، فلا نعيده، لكنا نقول: المناسب ينقسم إلى مؤثر ~~وملائم وغريب. ومثال المؤثر: التعليل للولاية بالصغر ومعنى كونه مؤثرا أنه ~~ظهر تأثيره في الحكم بالاجماع أو النص، وإذا ظهر تأثيره فلا يحتاج إلى ~~المناسبة، بل قوله: من مس ms486 ذكره فليتوضأ لما دل على تأثير المس قسنا عليه مس ~~ذكر غيره. أما الملائم: فعبارة عما لم يظهر تأثير عينه في عين ذلك الحكم ~~كما في الصغر، لكن ظهر تأثير جنسه في جنس ذلك الحكم. # مثاله قوله: لا يجب على الحائض قضاء الصلاة دون الصوم، لما في قضاء ~~الصلاة من الحرج بسبب كثرة الصلاة، وهذا قد ظهر تأثير جنسه لان لجنس المشقة ~~تأثيرا في التخفيف، أما هذه المشقة نفسها وهي مشقة التكرر فلم يظهر تأثيرها ~~في موضع آخر، نعم: لو كان قد ورد النص بسقوط قضاء الصلاة عن الحرائر الحيض ~~وقسنا عليهن الإماء لكان ذلك تعليلا بما ظهر تأثير عينه في عين الحكم لكن ~~في محل مخصوص فعديناه إلى محل آخر، ومثاله أيضا PageV00P311 # قولنا إن قليل النبيذ وإن لم يسكر حرام قياسا على قليل الخمر، وتعليلنا ~~قليل الخمر بأن ذلك منه يدعو إلى كثيره فهذا مناسب لم يظهر تأثير عينه، لكن ~~ظهر تأثير جنسه إذا الخلوة لما كانت داعية إلى الزنا حرمها الشرع، كتحريم ~~الزنا فكان هذا ملائما للجنس بصرف الشرع وأن لم يظهر تأثير عينه في الحكم. ~~وأما الغريب الذي لم يظهر تأثيره ولا ملاءمته لجنس تصرفات الشرع، فمثاله ~~قولنا: إن الخمر إنما حرمت، لكونها مسكرة، ففي معناها: كل مسكر، ولم يظهر ~~أثر السكر في موضع آخر لكنه مناسب. وهذا مثال الغريب لو لم يقدر التنبيه ~~بقوله: * (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر) * ~~(المائدة: 19) ومثاله أيضا قولنا: # المطلقة ثلاثا في مرض الموت ترث، لان الزوج قصد الفرار من ميراثها، ~~فيعارض بنقيض قصده، قياسا على القاتل، فإنه لا يرث، لأنه يستعجل الميراث ~~فعورض بنقيض قصده، فإن التعليل حرمان القاتل بهذا تعليل بمناسب لا يلائم ~~جنس تصرفات الشرع، لأنا لا نرى الشرع في موضع آخر قد التفت إلى جنسه، فتبقى ~~مناسبة مجردة غريبة، ولو علل الحرمان بكونه متعديا بالقتل وجعل هذا جزاء ~~على العدوان كان تعليلا بمناسبة ملائم ليس بمؤثر لان الجناية بعينها وإن ~~ظهر تأثيرها في ms487 العقوبات فلم يظهر تأثيرها في الحرمان عن الميراث، فلم يؤثر ~~في عين الحكم، وإنما أثر في جنس آخر من الاحكام فهو من جنس الملائم لا من ~~جنس المؤثر، ولا من جنس الغريب، فإذا عرفت مثال هذه الأقسام الثلاثة، فأعلم ~~أن المؤثر مقبول باتفاق القائلين بالقياس، وقصر أبو زيد الدبوسي القياس ~~عليه وقال: لا يقبل إلا مؤثر، ولكن أورد للمؤثر أمثله عرف بها أنه قبل ~~الملائم لكنه سماه أيضا مؤثرا، وذكرنا تفصيل أمثلته والاعتراض عليها في ~~كتاب شفاء الغليل، ولا سبيل إلى الاقتصار على المؤثر، لان المطلوب غلبة ~~الظن، ومن استقرأ أقيسة الصحابة رضي الله عنهم واجتهاداتهم علم أنهم لم ~~يشترطوا في كل قياس، كون العلة معلومة بالنص والاجماع، وأما المناسب الغريب ~~فهذا في محل الاجتهاد. ولا يبعد عندي أن يغلب ذلك على ظن بعض المجتهدين، ~~ولا يدل دليل قاطع على بطلان اجتهاده، فإن قيل: يدل على بطلانه أنه متحكم ~~بالتعليل من غير دليل يشهد لإضافة الحكم إلى علته، قلنا: إثبات الحكم على ~~وفقه يشهد لملاحظة الشرع له ويغلب ذلك على الظن، فإن قيل: قولكم إثبات ~~الحكم على وفقه تلبيس إذ معناه أنه تقاضى الحكم بمناسبة، وبعث الشارع على ~~الحكم فأجاب باعثه وانبعث على وفق بعثه، وهذا تحكم، لأنه يحتمل أن يكون حكم ~~الشرع بتحريم الخمر تعبدا أو تحكما، كتحريم الخنزير والميتة والدم والحمر ~~الأهلية، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، مع تحليل الضبع ~~والثعلب على بعض المذاهب، وهي تحكمات، لكن اتفق معنى الاسكار في الخمر فظن ~~أنه لأجل الاسكار، ولم يتفق مثله في الميتة والخنزير، فقيل أنه تحكم، وهذا ~~على تقدير عدم التنبيه في القرآن بذكر العداوة والبغضاء، ويحتمل أن يكون ~~بمعنى آخر مناسب لم يظهر لنا، ويحتمل أن يكون للاسكار فهذه ثلاثة احتمالات ~~، فالحكم بواحد من هذه الثلاثة تحكم بغير دليل وإلا فبم يترجح هذا الاحتمال ~~وهذا لا ينقلب في المؤثر فإنه عرف كونه علة بإضافة الحكم إليه نصا أو ~~إجماعا، كالصغر وتقديم الأخ PageV00P312 # للأب ms488 والام. والجواب: أنا نرجح هذا الاحتمال على احتمال التحكم بما رددنا ~~به مذهب منكري القياس، كما في المؤثر، فإن العلة إذا أضيف الحكم إليها في ~~محل احتمل أن يكون مختصا بذلك المحل، كما اختص تأثير الزنا بالمحصن وتأثير ~~السرقة بالنصاب، فلا يبعد أن يؤثر الصغر في ولاية المال دون ولاية البضع ~~وامتزاج الاخوة في التقديم في الميراث دون الولاية، وبه اعتصم نفاة القياس، ~~لكن قيل لهم: علم من الصحابة رضي الله عنهم اتباع العلل، وإطراح تنزيل ~~الشرع على التحكم ما أمكن، فكذلك ههنا ولا فرق، وأما قولهم: لعل فيه معنى ~~آخر مناسبا هو الباعث للشارع ولم يظهر لنا، وإنما مالت أنفسنا إلى المعنى ~~الذي ظهر لعدم ظهور الآخر لا لدليل دل عليه، فهو وهم محض. فنقول: غلبة الظن ~~في كل موضع تستند إلى مثل هذا الوهم وتعتمد انتفاء الظهور في معنى آخر لو ~~ظهر لبطلت غلبة الظن، ولو فتح هذا الباب لم يستقم قياس، فإن العلة الجامعة ~~بين الفرع والأصل، وإن كانت مؤثرة فإنما يغلب على الظن الاجتماع لعدم ظهور ~~الفرق، ولعل فيه معنى لو ظهر لزالت عنه غلبة الظن، ولعدم علة معارضة لتلك ~~العلة، فلو ظهر أصل آخر يشهد للفرع بعلة أخرى تناقض العلة الأولى لا تدفع ~~غلبة الظن، بل يحصل الظن من صيغ العموم والظواهر بشرط انتفاء قرينة مخصصة ~~لو ظهرت لزال الظن، لكن إذا لم تظهر جاز التعويل عليه، وذلك لأنه لم يظهر ~~لنا من إجماع الصحابة رضي الله عنهم على الاجتهاد إلا اتباع الرأي الأغلب، ~~وإلا فلم يضبطوا أجناس غلبة الظن ، ولم يميزوا جنسا عن جنس، فإن سلمتم حصول ~~الظن بمجرد المناسبة وجب اتباعه، فإن قيل: لا نسلم أن هذا ظن، بل هو وهم ~~مجرد، فإن التحكم محتمل ومناسب آخر لم يظهر لنا محتمل وهذا الذي ظهر محتمل، ~~ووهم الانسان مائل إلى طلب علة وسبب لكل حكم ثم أنه سباق إلى ما ظهر له ~~وقاض بأنه ليس في الوجود إلا ما ظهر له فتقضي نفسه بأنه ms489 لا بد من سبب، ولا ~~سبب إلا هذا فإذا هو السبب، فقوله: لا بد من سبب إن سلمناه ولم ينزل على ~~التحكم ونقول بلا علة ولا سبب، فقوله: لا سبب إلا هذا، تحكم مستنده أنه لم ~~يعلم إلا هذا، فجعل عدم علمه بسبب آخر علما بعدم سبب آخر، وهو غلط، وبمثل ~~هذا الطريق أبطلتم القول بالمفهوم، إذ مستند القائل به أنه لابد من باعث ~~على التخصيص، ولم يظهر لنا باعث سوى اختصاص الحكم، فإذا هو الباعث إذ قلتم ~~بما عرفتم أنه لا باعث سواه؟ فلعله بعثه على التخصيص باعث لم يظهر لكم، ~~وهذا كلام واقع في إمكان التعليل بمناسب لا يؤثر ولا يلائم. والجواب أن هذا ~~استمداد من مأخذ نفاة القياس، وهو منقلب في المؤثر والملائم فإن الظن ~~الحاصل به أيضا يقابله احتمال التحكم واحتمال فرق ينقدح واحتمال علة تعارض ~~هذه العلة في الفرع، ولا فرق بين هذه الاحتمالات، ولولاها لم يكن الالحاق ~~مظنونا بل مقطوعا، كإلحاق الأمة بالعبد، وفهم الضرب من التأفيف، وقول ~~القائل: أن هذا وهم وليس بظن، ليس كذلك، فإن الوهم عبارة عن ميل النفس من ~~غير سبب مرجح والظن عبارة عن الميل بسبب، ومن بنى أمره في المعاملات ~~الدنيوية على الوهم سفه في عقله، ومن بناه على الظن كان معذورا، حتى لو ~~تصرف في مال الطفل بالوهم ضمن، ولو تصرف بالظن لم يضمن، فمن رأى مركب ~~الرئيس على باب دار السلطان فاعتقد أن الرئيس ليس في داره بل في دار ~~PageV00P313 # السلطان وبنى عليه مصلحته لم يعد متوهما، وإن أمكن أن يكون الرئيس قد ~~أعار مركبه أو ركبه الركابي في شغل ومن رأى الرئيس أمر غلامه بضرب رجل وكان ~~قد عرف أنه يشتم الرئيس فحمل ضربه على أنه شتمه كان معذورا، ومن رأى ماعزا ~~أقر بالزنا، ثم رأى النبي عليه السلام قد أمر برجمه فاعتقد أنه أمر برجمه ~~لزناه، وروى ذلك كان معذورا ظانا ولم يكن متوهما، ومن عرف شخصا بأنه جاسوس ~~ثم رأى السلطان قد أمر ms490 بقتله فحمله عليه لم يكن متوهما، فإن قيل: لا بل، ~~يكون متوهما، فإنه لو عرف من عادة الرئيس أنه يقابل الإساءة بالاحسان ولا ~~يضرب من يشتمه، وعرف من عادة الأمير الاغضاء عن الجاسوس إما استهانة بالخصم ~~أو استمالة ثم رآه قتل جاسوسا فحكم بأنه قتله لتجسسه، فهو متوهم متحكم، أما ~~إذا عرف من عادته ذلك فتكون عادته المطردة علامة شاهدة لحكم ظنه، ووزانه من ~~مسألتنا الملائم الذي التفت الشرع إلى مثله وعرف من عادته ملاحظة عينه أو ~~ملاحظة جنسه، وكلامنا في الغريب الذي ليس بملائم ولا مؤثر. والجواب: أن ~~ههنا ثلاث مراتب: إحداها: أن يعرف أن من عادة الرئيس الاحسان إلى المسئ ومن ~~عادة الأمير الاغضاء عن الجاسوس، فهذا يمنع تعليل الضرب والقتل بالشتم ~~والتجسس، ووزانه أن يعلل الحكم بمناسب أعرض الشرع عنه وحكم بنقيض موجبه، ~~فهذا لا يعول عليه، لان الشرع كما التفت إلى مصالح فقد أعرض عن مصالح، فما ~~أعرض عنه لا يعلل به. والثانية: أن يعرف من عادة الرئيس والأمير ضرب الشاتم ~~وقتل الجاسوس، فوزانه الملائم وهذا مقبول وفاقا من القائسين. وإنما النظر ~~في رتبة ثالثة وهو من لم تعرف له عادة أصلا في الشاتم والجاسوس، فنحن نعلم ~~أنه لو ضرب وقتل غلب على ظنون العقلاء الحوالة عليه، وأنه سلك مسلك ~~المكافأة، لان الجريمة تناسب العقوبة، فإن قيل: لان أغلب عادة الملوك ذلك، ~~والأغلب أن طبائعهم تتقارب قلنا: فليس في هذا إلا الاخذ بالأغلب، وكذلك ~~أغلب عادات الشرع في غير العبادات اتباع المناسبات والمصالح دون التحكمات ~~الجامدة، فتنزيل حكمه عليه أغلب على الظن، ويبقى أن يقال لعله حكم بمناسب ~~آخر لم يظهر لنا فنقول: ما بحثنا عنه بحسب جهدنا فلم نعثر عليه فهو معدوم ~~في حقنا، ولم يكلف المجتهد غيره وعليه دلت أقيسة الصحابة والتمسك بالمؤثر ~~والملائم، لقول النبي عليه السلام لعمر: أرأيت لو تمضمضت معناه: لم لم تفهم ~~أن القبلة مقدمة الوقاع، والمضمضة مقدمة الشرب، فلو قال عمر: لعلك عفوت عن ~~المضمضة لخاصية في المضمضة أو ms491 لمعنى مناسب لم يظهر لي ولا يتحقق ذلك في ~~القبلة، لم يقبل منه ذلك، وعد ذلك مجادلة وكذلك قوله: أرأيت لو كان على ~~أبيك دين فقضيتيه؟ وكذلك كل قياس نقل عن الصحابة، وبالجملة إذا فتح باب ~~القياس فالضبط بعده غير ممكن، لكن يتبع الظن، والظن على مراتب، وأقواه ~~المؤثر، فإنه لا يعارضه إلا احتمال التعليل بتخصيص المحل ودونه الملائم ~~ودونه المناسب الذي لا يلائم، وهو أيضا درجات، وإن كان على ضعف، ولكن يختلف ~~باختلاف قوة المناسبة، وربما يورث الظن لبعض المجتهدين في بعض المواضع، فلا ~~يقطع ببطلانه ولا يمكن ضبط درجات المناسبة أصلا، بل لكل مسألة ذوق آخر ~~ينبغي أن ينظر فيه المجتهد. وأما المفهوم فلا يبعد أيضا أن يغلب في بعض ~~المواضع على ظن بعض PageV00P314 # المجتهدين وعند ذلك يعسر الوقوف، على أن ذلك الظن حصل بمجرد التخصيص وحده ~~أو به مع قرينة، فلا يبعد أن يقال: هو مجتهد فيه وليس مقطوعا، فإنه ظهر لنا ~~أن صيغة العموم بمجردها إذا تجردت عن القرائن أفادت العموم، وليس يفهم ذلك ~~من مجرد لفظ التخصيص وإن كان يمكن انقداحه في النفس في بعض المواضع، فليكن ~~ذلك أيضا في محل الاجتهاد، وقد خرج على هذا أن المعنى باعتبار الملاءمة ~~وشهادة الأصل المعين أربعة أقسام، ملائم يشهد له أصل معين يقبل قطعا عند ~~القائسين، ومناسب لا يلائم ولا يشهد له أصل معين، فلا يقبل قطعا عند ~~القائسين فإنه استحسان ووضع للشرع بالرأي ومثاله: حرمان القاتل لو لم يرد ~~فيه نص لمعارضته بنقيض قصده، فهذا وضع للشرع بالرأي ومناسب يشهد له أصل ~~معين، لكن لا يلائم، فهو في محل الاجتهاد، وملائم لا يشهد له أصل معين، وهو ~~الاستدلال المرسل وهو أيضا في محل الاجتهاد، وقد ذكرناه في باب الاستصلاح ~~في آخر القطب الثاني وبينا مراتبه. # القول في المسالك الفاسدة في إثبات علة الأصل وهي ثلاثة: # الأول: أن نقول الدليل على صحة علة الأصل سلامتها عن علة تعارضها تقتضي ~~نقيض حكمها، وسلامتها عن المعارضة دليل صحتها، وهذا ms492 فاسد، لأنه إن سلم عنه ~~فإنما سلم عن مفسد واحد، فربما لا يسلم عن مفسد آخر، وإن سلم عن كل مفسد ~~أيضا لم يدل على صحته، كما لو سلم شهادة المجهول عن علة قادحة، لا يدل على ~~كونه حجة ما لم تقم بينة معدلة مزكية، فكذلك لا يكفي للصحة انتفاء المفسد ~~بل لابد من قيام الدليل على الصحة. فإن قيل: دليل صحتها انتفاء المفسد، ~~قلنا: لا بل، دليل، فساده انتفاء المصحح، فهذا منقلب ولا فرق بين الكلامين ~~المسلك الثاني: الاستدلال على صحتها باطرادها وجريانها في حكمها، وهذا لا ~~معنى له إلا سلامتها عن مفسد واحد وهو النقض، فهو كقول القائل: زيد عالم ~~لأنه دليل يفسد دعوى العلم ويعارضه أنه جاهل، لأنه لا دليل يفسد دعوى ~~الجهل، والحق أنه لا يعلم كونه عالما بانتفاء دليل الجهل، ولا كونه جاهلا ~~بانتفاء دليل العلم بل يتوقف فيه إلى ظهور الدليل، فكذلك الصحة والفساد، ~~فإن قيل: ثبوت حكمها معها واقترانه بها دليل على كونها علة، قلنا غلطتم في ~~قولكم ثبوت حكمها، لأن هذه إضافة للحكم لا تثبت إلا بعد قيام الدليل على ~~كونها علة، فإذا لم يثبت لم يكن حكمها بل بحال غلبة الظن عليه كان حكم علته ~~واقترن بها، والاقتران لا يدل على الإضافة، فقد يلزم الخمر لون وطعم يقترن ~~به التحريم ويطرد وينعكس والعلة الشدة واقترانه بما ليس بعلة كاقتران ~~الاحكام بطلوع كوكب وهبوب ريح وبالجملة، فنصب العلة مذهب يفتقر إلى دليل ~~كوضع الحكم ولا يكفي في إثبات الحكم أنه لا نقض عليه ولا مفسد له، بل لا بد ~~من دليل فكذلك العلة. # المسلك الثالث: الطرد والعكس، وقد قال قوم: الوصف إذا ثبت الحكم معه وزال ~~مع زواله يدل على أنه علة، وهو فاسد، لان الرائحة المخصوصة مقرونة بالشدة ~~في الخمر ويزول التحريم عند زوالها ويتجدد عند تجددها وليس بعلة بل هو ~~مقترن بالعلة، وهذا لان PageV00P315 # الوجود عند الوجود طرد محض، فزيادة العكس لا تؤثر لان العكس ليس بشرط في ~~العلل الشرعية ms493 فلا أثر لوجوده وعدمه، ولان زواله عند زواله يحتمل أن يكون ~~لملازمته للعلة كالرائحة أو لكونه جزءا من أجزاء العلة، أو شرطا من شروطها، ~~والحكم ينتفي بانتفاء بعض شروط العلة وبعض أجزائها فإذا تعارضت الاحتمالات ~~فلا معنى للتحكم، وعلى الجملة فنسلم أن ما ثبت الحكم بثبوته فهو علة، فكيف ~~إذا انضم إليه أنه زال بزواله؟ أما ما ثبت مع ثبوته وزال مع زواله فلا يلزم ~~كونه علة، كالرائحة المخصوصة مع الشدة، أما إذا انضم إليه سبر وتقسيم كان ~~ذلك حجة، كما لو قال هذا الحكم لا بد له من علة، لأنه حدث بحدوث حادث ولا ~~حادث يمكن أن يعلل به إلا كذا وكذا، وقد بطل الكل إلا هذا فهو العلة، ومثل ~~هذا السبر حجة في الطرد المحض وإن لم ينضم إليها العكس، ولا يرد على هذا ~~إلا أنه ربما شذ عنه وصف آخر هو العلة، ولا يجب على المجتهد إلا سبر بحسب ~~وسعه، ولا يجب على الناظر غير ذلك، وعلى من يدعي وصفا آخر إبرازه حتى ينظر ~~فيه، فإن قيل فما معنى إبطالكم التمسك بالطرد والعكس وقد رأيتم تصويب ~~المجتهدين، وقد غلب هذا على ظن قوم، فإن قلتم: لا يجوز لهم الحكم به فمحال، ~~إذ ليس على المجتهد إلا الحكم بالظن، وإن قلتم: لم يغلب على ظنهم فمحال، ~~لان هذا قد غلب على ظن قوم ولولاه لما حكموا به. قلنا: أجاب القاضي رحمه ~~الله عن هذا بأن قال: نعني بإبطاله أنه باطل في حقنا، لأنه لم يصح عندنا ~~ولم يغلب على ظننا إما من غلب على ظنه فهو صحيح في حقه. وهذا فيه نظر عندي، ~~لان المجتهد مصيب إذا استوفى النظر وأتمه، وأما إذا قضى بسابق الرأي وبادئ ~~الوهم فهو مخطئ، فإن سبر وقسم فقد أتم النظر وأصاب، أما حكمه قبل السبر ~~والتقسيم بأن ما اقترن بشئ ينبغي أن يكون علة فيه تحكم ووهم، إذ تمام دليله ~~أن ما اقترن بشئ فهو علته، وهذا قد اقترن به فهو إذا علته، ms494 والمقدمة الأولى ~~منقوضة بالطم والرم فإذا كأنه لم ينظر ولم يتمم النظر ولم يعثر على مناسبة ~~العلة ولم يتوصل إليه بالسير والتقسيم، ومن كشف له هذا لم يبق له غلبة ظن ~~بالطرد المجرد إلا أن يكون جاهلا ناقص الرتبة عن درجة المجتهدين، ومن اجتهد ~~وليس أهلا له فهو مخطئ، وليس كذلك عندي المناسب الغريب والاستدلال المرسل ~~فإن ذلك مما يوجب الظن لبعض المجتهدين، وليس يقوم فيه دليل قاطع من عرفه ~~محق ظنه بخلاف الطرد المجرد الذي ليس معه سبر وتقسيم، وهذا تمام القول في ~~قيا أآلهتنا العلة، ولنشرع في قياس الشبه. # الباب الثالث في قياس الشبه ويتعلق النظر فهذا الباب بثلاثة أطراف: # الطرف الأول: في حقيقة الشبه وأمثلته وتفصيل المذاهب فيه وإقامة الدليل ~~على صحته. أما حقيقته فاعلم أن اسم الشبه يطلق على كل قياس، فإن الفرع يلحق ~~بالأصل بجامع يشبهه فيه، فهو إذا يشبهه، وكذلك اسم الطرد، لان الاطراد شرط ~~كل علة جمع فيها بين الفرع والأصل، ومعنى الطرد السلامة عن النقض، لكن ~~العلة الجامعة إن كانت مؤثرة أو مناسبة عرفت بأشرف صفاتها وأقواها وهو ~~التأثير، والمناسبة دون الأخس الأعم الذي هو الاطراد والمشابهة فإن لم يكن ~~للعلة خاصية إلا الاطراد الذي هو أعم أوصاف العلل وأضعفها في الدلالة على ~~الصحة خص باسم الطرد لا لاختصاص الاطراد بها لكن لأنه لا PageV00P316 # خاصية لها سواه، فإن انضاف إلى الاطراد زيادة ولم ينته إلى درجة المناسب ~~والمؤثر سمي شبها وتلك الزيادة هي مناسبة الوصف الجامع لعلة الحكم وإن لم ~~يناسب نفس الحكم، بيانه أنا نقدر أن لله تعالى في كل حكم سرا وهو مصلحة ~~مناسبة للحكم، وربما لا يطلع على عين تلك المصلحة، لكن يطلع على وصف يوهم ~~الاشتمال على تلك المصلحة ويظن أنه مظنتها وقالبها الذي يتضمنها وإن كنا لا ~~نطلع على عين ذلك السر، فالاجتماع في ذلك الوصف الذي يوهم الاجتماع في ~~المصلحة الموجبة للحكم يوجب الاجتماع في الحكم، ويتميز عن المناسب بأن ~~المناسب هو الذي يناسب الحكم ويتقاضاه ms495 بنفسه، كمناسبة الشدة للتحريم، ~~ويتميز عن الطرد بأن الطرد لا يناسب الحكم ولا المصلحة المتوهمة للحكم بل ~~نعلم إن ذلك الجنس لا يكون مظنة المصالح وقالبها، كقول القائل، الخل مائع ~~لا تبنى القنطرة على جنسه فلا يزيل النجاسة كالدهن، وكأنه علل إزالة ~~النجاسة بالماء بأنه تبنى القنطرة على جنسه واحترز من الماء القليل. فإنه ~~وإن كان لا تبنى القنطرة عليه فإنه تبنى على جنسه، فهذه علة مطردة لا نقض ~~عليها ليس فيها خصلة سوى الاطراد ونعلم أنه لا يناسب الحكم ولا يناسب العلة ~~التي تقتضي الحكم بالتضمن لها، والاشتمال عليها، فإنا نعلم أن الماء جعل ~~مزيلا للنجاسة لخاصية وعلة وسبب يعلمه الله تعالى وإن لم نعلمها ونعلم أن ~~بناء القنطرة مما لا يوهم الاشتمال عليها ولا يناسبها فإذا معنى التشبيه ~~الجمع بين الفرع، والأصل بوصف مع الاعتراف بأن ذلك الوصف ليس علة للحكم ~~بخلاف قياس العلة، فإنه جمع بما هو علة الحكم، فإن لم يرد الأصوليون بقياس ~~الشبه هذا الجنس فلست أدري ما الذي أرادوا وبم فصلوه عن الطرد المحض وعن ~~المناسب وعلى الجملة فنحن نريد هذا بالشبه، فعلينا الآن تفهيمه بالأمثلة ~~وإقامة الدليل على صحته، أما أمثلة قياس الشبه فهي كثيرة ولعل جل أقيسة ~~الفقهاء ترجع إليها إذ يعسر إظهار تأثير العلل بالنص والاجماع والمناسبة ~~المصلحية: المثال الأول: قول أبي حنيفة: مسح الرأس لا يتكرر تشبيها له بمسح ~~الخف والتيمم، والجامع أنه مسح، فلا يستحب فيه التكرار قياسا على التيمم ~~ومسح الخف، ولا مطمع فيما ذكره أبو زيد من تأثير المسح، فإنه أورد هذا ~~مثالا للقياس المؤثر وقال: ظهر تأثير المسح في التخفيف في الخف والتيمم، ~~فهو تعليل بمؤثر وقد غلط فيه، إذ ليس يسلم الشافعي أن الحكم في الأصل معلل ~~بكونه مسحا بل لعله تعبد ولا علة له أو معلل بمعنى آخر مناسب لم يظهر لنا ~~والنزاع واقع في علة الأصل، وهو أن مسح الخف لم لا يستحب تكراره. أيقال أنه ~~تعبد لا يعلل؟ أو لان تكراره يؤدي ms496 إلى تمزيق الخف، أو لأنه وظيفة تعبدية ~~تمرينية لا تفيد فائدة الأصل إذ لا نظافة فيه، لكن وضع لكيلا تركن النفس ~~إلى الكسل، أو لأنه وظيفة على بدل محل الوضوء لا على الأصل، فمن سلم أن ~~العلة المؤثرة في الأصل هي المسح يلزمه فالشافعي يقول: أصل يؤدي بالماء، ~~فيتكرر كالأعضاء الثلاثة، فكأنه يقول: هي إحدى الوظائف الأربع في الوضوء، ~~فالأشبه التسوية بين الأركان الأربعة، ولا يمكن ادعاء التأثير والمناسبة في ~~العلتين على المذهبين ولا ينكر تأثير كل واحد من الشبهين في تحريك الظن إلى ~~أن يترجح. المثال الثاني: قال الشافعي رحمه الله: في مسألة النية طهارتان، ~~فكيف يفترقان؟ وقد يقال: طهارة موجبها في غير PageV00P317 # محل موجبها، فتفتقر إلى النية كالتيمم، وهذا يوهم الاجتماع في مناسب هو ~~مأخذ النية وإن يطلع على ذلك المناسب. المثال الثالث: تشبيه الأرز والزبيب ~~بالتمر والبر لكونهما مطعومين أو قوتين، فإن ذلك إذا قوبل بالتشبيه بكونهما ~~مقدرين أو مكيلين ظهر الفرق، إذ يعلم أن الربا ثبت لسر ومصلحة، والطعم ~~والقوت وصف ينبئ عن معنى به قوام النفس، والأغلب على الظن أن تلك المصلحة ~~في ضمنهما لا في ضمن الكيل الذي هو عبارة عن تقدير الأجسام. # المثال الرابع: تعليلنا وجوب الضمان في يد السوم بأنه أخذ لغرض نفسه من ~~غير استحقاق ونعديه إلى يد العارية، وتعليل أبي حنيفة بأنه أخذ على جهة ~~الشراء، والمأخوذ على جهة الشراء كالمأخوذ على حقيقته ويعديه إلى الرهن، ~~فكل واحدة من العلتين ليست مناسبة ولا مؤثرة، إذ لم يظهر بالنص أو الاجماع ~~إضافة الحكم إلى هذين الوصفين في غير يد السوم وهو في يد السوم متنازع فيه. ~~المثال الخامس: قولنا إن قليل أرش الجناية يضرب على العاقلة لأنه بدل ~~الجناية على الآدمي كالكثير، فإنا نقول: ثبت ضرب الدية وضرب أرش اليد ~~والأطراف، ونحن لا نعرف معنى مناسبا يوجب الضرب على العاقلة، فإنه على خلاف ~~المناسب، لكن يظن أن ضابط الحكم الذي تميز به عن الأموال هو أنه بدل ~~الجناية على الآدمي فهو ms497 مظنة المصلحة التي غابت عنا. المثال السادس: قولنا ~~في مسألة التبييت: أنه صوم مفروض، فافتقر إلى التبييت كالقضاء، وهم يقولون: ~~صوم عين فلا يفتقر إلى التبييت كالتطوع، وكأن الشرع رخص في التطوع ومنع من ~~القضاء فظهر لنا أن فاصل الحكم هو الفرضية، فهذا وأمثاله مما يكثر شبهه ~~ربما ينقدح لبعض المنكرين للشبه، في بعض هذه الأمثلة إثبات العلة بتأثير أو ~~مناسبة، أو بالتعرض للفارق وإسقاط أثره، فيقول: هي مأخذ الذي الذي ظهر لهذا ~~الناظر، وعند انتفائه يبقى ما ذكرناه من الايهام، وهو كتقديرنا في تمثيل ~~المناسب بإسكار الخمر عدم ورود الايماء في قوله تعالى: * (إنما يريد ~~الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء) * (المائدة: 19) والمقصود أن ~~المثال ليس مقصودا في نفسه، فإن انقدح في بعض الصور معنى زائد على الايهام ~~المذكور فليقدر انتفاؤه، هذا حقيقة الشبه وأمثلته. وأما إقامة الدليل على ~~صحته فهو: أن الدليل إما أن يطلب من المناظر أو يطلبه المجتهد من نفسه، ~~والأصل هو المجتهد، وهذا الجنس مما يغلب على ظن بعض المجتهدين، وما من ~~مجتهد يمارس النظر في مأخذ الاحكام إلا ويجد ذلك من نفسه، فمن أثر ذلك في ~~نفسه حتى غلب ذلك على ظنه فهو كالمناسب، ولم يكلف إلا غلبة الظن، فهو صحيح ~~في حقه، ومن لم يغلب ذلك على ظنه فليس له الحكم به، وليس معنا دليل قاطع ~~يبطل الاعتماد على هذا الظن بعد حصوله بخلاف الطرد على ما ذكرناه، أما ~~المناظر فلا يمكنه إقامة الدليل على على الخصم المنكر فإنه إن خرج إلى طريق ~~السبر والتقسيم كان ذلك طريقا مستقلا لو ساعد مثله في الطرد لكان دليلا، ~~وإذا لم يسبر فطريقه أن يقول: هذا يوهم الاجتماع في مأخذ الحكم ويغلب على ~~الظن، والخصم يجاحد، إما معاندا جاحدا وإما صادقا من حيث أنه لا يوهم عنده ~~ولا يغلب على ظنه، وإن غلب على ظن خصمه، والمجتهدون الذين أفضى بهم النظر ~~إلى أن هذا الجنس مما يغلب على الظن لا ينبغي أن يصطلحوا في المناظرة على ms498 ~~فتح باب المطالبة PageV00P318 # أصلا كما فعله القدماء من الأصحاب، فإنهم لم يفتحوا هذا الباب، واكتفوا ~~من العلل بالجمع بين الفرع والأصل بوصف جامع كيف كان، وأخرجوا المعترض إلى ~~إفساده بالنقض أو الفرق أو المعارضة، لان إضافة وصف آخر من الأصل إلى ما ~~جعله علة الأصل وإبداء ذلك في معرض قطع الجمع أهون من تكليف إقامة الدليل ~~على كونه مغلبا على الظن، فإن ذلك يفتح طريق النظر في أوصاف الأصل، ~~والمطالبة تحسم سبيل النظر، وترهق إلى ما لا سبيل فيه إلى إرهاق الخصم ~~وإفحامه، والجدل شريعة وضعها الجدليون فليضعوها على وجه هو أقرب إلى ~~الانتفاع فإن قيل: وضعها كذلك يفتح باب الطرديات المستقبحة، وذلك أيضا ~~شنيع، قلنا: # الطرد الشنيع يمكن إفساده على الفور بطريق أقرب من المطالبة فإنه إذا علل ~~الأصل بوصف مطرد يشمل الفرع فيعارض بوصف مطرد يخص الأصل ولا يشمل الفرع، ~~فيكون ذلك معارضة الفاسد بالفاسد، وهو مسكت معلوم على الفور، والاصطلاح ~~عليه كما فعله قدماء الأصحاب أولى، بل لا سبيل إلى الاصطلاح على غيره لمن ~~يقول بالشبه، فإن لم يستحسن هذا الاصطلاح فليقع الاصطلاح على أن يسير ~~المعلل أوصاف الأصل ويقول: لا بد للحكم من مناط، وعلامة ضابطة، ولا علة ولا ~~مناط إلا كذا وكذا، وما ذكرته أولى من غيره أو ما ذكرته فهو منقوض وباطل، ~~فلا يبقى عليه سؤال إلا أن يقول: مناط الحكم في محل النص الاسم أو المعنى ~~الذي يخص المحل كقوله: الحكم في البر معلوم باسم البر فلا حاجة إلى علامة ~~أخرى، وفي الدراهم والدنانير معلوم بالنقدية التي تخصها، أو يقول مناط ~~الحكم وصف آخر لا أذكره، ولا يلزمني أن أذكره، وعليك تصحيح علة نفسك، وهذا ~~الثاني مجادلة محرمة محظورة، إذ يقال له: إن لم يظهر لك إلا ما ظهر لي لزمك ~~ما لزمني بحكم استفراغ الوسع في السبر، وإن ظهر لك شئ آخر يلزمك التنبيه ~~عليه بذكره حتى أنظر فيه فأفسده أو أرجح علتي على علتك، فإن قال: هو اسم ~~البر أو النقدية ms499 فذلك صحيح مقبول، وعلى المعلل أن يفسد ما ذكره بأن يقول: ~~ليس المناط اسم البر بدليل أنه إذا صار دقيقا أو عجينا أو خبزا دام حكم ~~الربا وزال اسم البر، فدل أن علامة الحكم أمر يشترط فيه هذه الأحوال من طعم ~~أو قوت أو كيل. والقوت لا يشهد له الملح، فالطعم الذي يشهد له الملح أولى، ~~والكيل ينبئ عن معنى يشعر بتضمن المصالح بخلاف الطعم. فهكذا نأخذ من ~~الترجيح ونتجاذب أطراف الكلام، فإذا الطريق إما اصطلاح القدماء وإما ~~الاكتفاء بالسبر، وإما إبطال القول بالشبه رأسا والاكتفاء بالمؤثر الذي دل ~~النص أو الاجماع أو السبر القاطع على كونه مناطا للحكم ويلزم منه أيضا ترك ~~المناسب، وإن كان ملائما، فكيف إذا كان غريبا فإن للخصم أن يقول: إنما غلب ~~على ظنك مناسبته من حيث لم تطلع على مناسبة أظهر وأشد إخالة مما اطلعت ~~عليه، وما أنت إلا كمن رأى إنسانا أعطى فقيرا شيئا فظن أنه أعطاه لفقره، ~~لأنه لم يطلع على أنه ابنه ولو اطلع لم يظن ما ظنه وكمن رأى ملكا قتل ~~جاسوسا فظن أنه قتله لذلك، ولم يعلم أنه دخل على حريمه وفجر بأهله ولو علم ~~لما ظن ذلك الظن، فإن قبل من المتمسك بالمناسب أن يقول: هذا ظني بحسب سبري ~~وجهدي واستفراغ وسعي، فليقبل ذلك من المشبه بل من الطارد ويلزم إبداء ما هو ~~أظهر منه حتى يمحق ظنه. وهذا تحقيق قياس الشبه وتمثيله ودليله. PageV00P319 # أما تفصيل المذاهب فيه ونقل الأقاويل المختلفة في تفهيمه فقد آثرت ~~الاعراض عنه لقلة فائدته، فمن عرف ما ذكرناه لم يخف عليه غور ما سواه ومن ~~طلب الحق من أقاويل الناس دار رأسه وحار عقله، وقد استقصيت ذلك في تهذيب ~~الأصول. # الطرف الثاني في بيان التدريج في منازل هذه الأقيسة من أعلاها إلى أدناها ~~وأدناها الطرد الذي ينبغي أن ينكره كل قائل بالقياس، وأعلاها ما في معنى ~~الأصل الذي ينبغي أن يقربه كل منكر للقياس، وبيانه أن القياس أربعة أنواع: ~~المؤثر، ثم المناسب، ثم ms500 الشبه، ثم الطرد، والمؤثر يعرف كونه مؤثرا بنص أو ~~إجماع أو سبر حاصر، وأعلاها المؤثر، وهو ما ظهر تأثيره في الحكم، أي الذي ~~عرف إضافة الحكم إليه وجعله مناطا وهو باعتبار النظر إلى عين العلة وجنسها، ~~وعين الحكم وجنسه أربعة، لأنه إما أن يظهر تأثير عينه في عين ذلك الحكم أو ~~تأثير عينه في جنس ذلك الحكم، أو تأثير جنسه في جنس ذلك الحكم أو تأثير ~~جنسه في عين ذلك الحكم، فإن ظهر تأثير عينه في عين ذلك الحكم فهو الذي يقال ~~له أنه في معنى الأصل وهو المقطوع به الذي ربما يعترف به منكرو القياس، إذ ~~لا يبقى بين الفرع والأصل مباينة إلا تعدد المحل، فإنه إذا ظهر أن عين ~~السكر أثر في تحريم عين الشرب في الخمر، والنبيذ ملحق به قطعا، وإذا ظهر أن ~~علة الربا في التمر الطعم فالزبيب ملحق به قطعا، إذ لا يبقى إلا اختلاف عدد ~~الاشخاص التي هي مجازي المعنى، ويكون ذلك كظهور أثر الوقاع في إيجاب ~~الكفارة على الأعرابي، إذ يكون الهندي والتركي في معناه. الثاني في ~~المرتبة: أن يظهر تأثير عينه في جنس ذلك الحكم لا في عينه، كتأثير أخوة ~~الأب والام في التقديم في الميراث، فيقاس عليه ولاية النكاح، فإن الولاية ~~ليس هي عين الميراث، لكن بينهما مجانسة في الحقيقة، فإن هذا حق، وذلك حق، ~~فهذا دون الأول: لان المفارقة بين جنس وجنس غير بعيد بخلاف المفارقة بين ~~محل ومحل لا يفترقان أصلا فيما يتوهم أن له مدخلا في التأثير. الثالث في ~~المرتبة: أن يؤثر جنسه في عين ذلك الحكم، كإسقاط قضاء الصلاة عن الحائض ~~تعليلا بالجرح والمشقة، فإنه ظهر تأثير جنس الحرج في إسقاط قضاء الصلاة، ~~كتأثير مشقة السفر في إسقاط قضاء الركعتين الساقطتين بالقصر، وهذا هو الذي ~~خصصناه باسم الملائم، وخصصنا اسم المؤثر بما ظهر تأثير عينه. الرابع في ~~المرتبة: ما ظهر تأثير جنسه في جنس ذلك الحكم وهو الذي سميناه المناسب ~~الغريب، لان الجنس الأعم للمعاني كونها مصلحة ms501 والمناسب مصلحة، وقد ظهر أثر ~~المصالح في الاحكام، إذ عهد من الشرع الالتفات إلى المصالح، فلأجل هذا ~~الاستمداد العام من ملاحظة الشرع جنس المصالح اقتضى ظهور المناسبة تحريك ~~الظن. ولأجل شمة من الالتفات إلى عادة الشرع أيضا أفاد الشبه الظن لأنه ~~عبارة عن أنواع من الصفات عهد من الشرع ضبط الاحكام بجنسها، ككون الصيام ~~فرضا في مسألة التبييت، وككون الطهارة تعبدا موجبها في غير محل موجبها، ~~وكون الواجب بدل الجناية على الآدمي في مسألة ضرب القليل على العاقلة، ~~بخلاف بناء القنطرة على الماء وأمثاله من الصفات، فإن الشرع لم يلتفت إلى ~~جنسه، والمألوف من عادة الشرع هو الذي يعرف مقاصد الشرع، والعادة تارة تثبت ~~في جنس وتارة تثبت في عين، ثم للجنسية أيضا مراتب بعضها PageV00P320 # أعم من بعض، وبعضها أخص، وإلى العين أقرب، فإن أعم أوصاف الاحكام كونه ~~حكما، ثم تنقسم إلى تحريم وإيجاب وندب وكراهة، والواجب مثلا ينقسم إلى ~~عبادة وغير عبادة، والعبادة تنقسم إلى صلاة وغير صلاة، والصلاة تنقسم إلى ~~فرض ونفل، وما ظهر تأثيره في الفرض أخص مما ظهر تأثيره في الصلاة، وما ظهر ~~تأثيره في الصلاة أخص مما ظهر تأثيره في العبادة، وما ظهر تأثيره في ~~العبادة أخص مما ظهر في جنس الواجبات، وما ظهر في جنس الواجبات أخص مما ظهر ~~في جنس الاحكام. وكذلك في جانب المعنى أعم أوصافه أن يكون وصفا تناط ~~الاحكام بجنسه حتى يدخل فيه الأشباه، وأخص منه كونه مصلحة حتى يدخل فيه ~~المناسب دون الشبه، وأخص منه أن يكون مصلحة خاصة، كالردع والزجر، أو معنى ~~سد الحاجات، أو معنى حفظ العقل بالاحتراز عن المسكرات، فليس كل جنس على ~~مرتبة واحدة، فالاشباه أضعفها، لأنها لا تعتضد بالعادة المألوفة إلا من حيث ~~أنه من جنس الأوصاف التي قد يضبط الشرع الاحكام بها، وأقواها المؤثر الذي ~~ظهر أثر عينه في عين الحكم، فإن قياس الثيب الصغيرة على البكر الصغيرة في ~~ولاية التزويج ربما كان أقرب من بعض الوجوه من قياسه على ولاية المال، فإن ms502 ~~الصغر إن أثر في ولاية المال فولاية البضع جنس آخر، فإذا ظهر أثره في حق ~~الابن الصغير في نفس ولاية النكاح ربما كان أقرب من بعض الوجوه من قياسه ~~على ولاية المال، فقد عرفت بهذا أن الظن ليس بتحريك، والنفس ليست تميل إلا ~~بالالتفات إلى عادة الشرع في التفات الشرع إلى عين ذلك المعنى أو جنسه في ~~عين ذلك الحكم أو جنسه، وأن للجنسية درجات متفاوتة في القرب والبعد لا ~~تنحصر، فلأجل ذلك تتفاوت درجات الظن، والأعلى مقدم على الأسفل، والأقرب ~~مقدم على الابعد في الجنسية، ولكل مسألة ذوق مفرد ينظر فيه المجتهد. ومن ~~حاول حصر هذه الأجناس في عدد وضبط فقد كلف نفسه شططا لا تتسع له قوة البشر، ~~وما ذكرناه هو النهاية في الإشارة إلى الأجناس ومراتبها وفي مقنع وكفاية. # تنبيه آخر على خواص الأقيسة إعلم أن المؤثر من خاصيته أن يستغنى عن السبر ~~والحصر، فلا يحتاج إلى نفي ما عداه، لأنه لو ظهر في الأصل مؤثر آخر لم يطرح ~~بل يجب التعليل بهما، فإن الحيض والردة والعدة قد تجتمع على امرأة، ويعلل ~~تحريم الوطئ بالجميع لأنه قد ظهر تأثير كل واحد على الانفراد بإضافة الشرع ~~التحريم إليه، أما المناسب فلم يثبت إلا بشهادة المناسبة وإثبات الحكم على ~~وفقه، فإذا ظهرت مناسبة أخرى انمحقت الشهادة الأولى، كما في إعطاء الفقير ~~القريب، فإنا لا ندري أنه أعطى للفقر أو للقرابة أو لمجموع الامرين، فلا ~~يتم نظر المجتهد في التعليل بالمناسب ما لم يعتقد نفي مناسب آخر أقوى ولم ~~يتوصل بالسبر إليه. أما المناظر فينبغي أن يكتفي منه بإظهار المناسبة ولا ~~يطالب بالسبر، لان المناسبة تحرك الظن إلا في حق من اطلع على مناسب آخر، ~~فيلزم المعترض إظهاره إن اطلع عليه، وإلا فليعترض بطريق آخر فهذا فرق ما ~~بين المناسب والمؤثر، وأما الشبه فمن خاصيته أنه يحتاج إلى نوع ضرورة في ~~استنباط مناط الحكم، فإن لم تكن ضرورة فقد ذهب ذاهبون إلى أنه لا يجوز ~~اعتباره، وليس هذا بعيدا عندي ms503 في أكثر المواضع، فإنه إذا أمكن قصر ~~PageV00P321 # الحكم على المحل وكان المحل المنصوص عليه معرفا بوصف مضبوط فأي حاجة إلى ~~طلب ضابط آخر ليس بمناسب، فكان تمام النظر في الشبه بأن يقال: لا بد من ~~علامة ولا علامة أولى من هذا، فإذا هو العلامة كما تقول: الربا جار في ~~الدقيق والعجين، فلم ينضبط باسم البر، فلا بد من ضابط، ولا ضابط أولى من ~~الطعم. والضرب على العاقلة ورد في النفس والطرف وفارق المال، فلا بد من ~~ضابط ولا ضابط إلا أنه بدل الجناية على الآدمي وهذا يجري في القليل، ~~والتطوع يستغني عن التبييت، و القضاء لا يستغنى، والأداء دائر بينهما، ولا ~~بد من فاصل للقسمين، والفرضية أولى الفواصل، وهذا بخلاف المناسب، فإنه يجذب ~~الظن ويحركه وإن لم يكن إلى طلب العلة ضرورة، فإن قيل: فإذا تحققت الضرورة ~~حتى جاز أن يقال: لا بد من علامة وتم السبر حتى لم تظهر علامة إلا الطرد ~~المحض الذي لا يوهم جاز القياس به أيضا فإنه خاصية تنفي الشبه وإيهام ~~الاشتمال على مخيل، قلنا: لهذا السؤال قال قائلون: لا تشترط هذه الضرورة في ~~الشبه كما في المناسب، فإن شرطناه فيكاد لا يبقى بين الشبه والطرد من حيث ~~الذات فرق، لكن من حيث الإضافة إلى القرب و البعد، فإن جعلنا الطرد عبارة ~~عما بعد عن ذات الشئ كبناء القنطرة فيقضي بادئ الرأي ببطلانه، لأنه يظهر ~~سواه على البديهة صفات هي أحرى بتضمن حكم المصلحة، فيه فيكون فساده لظهور ~~ما هو أقرب منه لا لذاته، وعلى الجملة فمهما ظهر الأقرب والأخص أمحق الظن ~~الحاصل بالأبعد، وقد يكون ظهور الأقرب بديهيا لا يحتاج إلى تأمل، فيصير ~~بطلان الابعد بديهيا، فيظن أنه لذاته وإنما هو لانمحاق الظن به من حيث وجد ~~ما هو أقرب، وقد بينا أن ضبط هذا الجنس بالضوابط الكلية عسير، بل للمجتهد ~~في كل مسألة ذوق يختص بها، فلنفوض ذلك إلى رأي المجتهد، وإنما القدر الذي ~~قطعنا به في إبطال الطرد أن مجرد كون الحكم ms504 مع الوصف لا يحرك الظن للتعليل ~~به ما لم يستمد من شمة إخالة أو مناسبة أو إيهام مناسبة أو سبر وحصر مع ~~ضرورة طلب مناط، وقد ينطوي الذهن على معنى تلك الضرورة، والسبر وإن لم يشعر ~~صاحبه بشعور نفسه به فإن الشعور بالشئ غير الشعور بالشعور، فلو قدر تجرده ~~عن هذا الشعور لم يحرك ظن عاقل أصلا. # الطرف الثالث في بيان ما يظن أنه من الشبه المختلف فيه وليس منه وهي ~~ثلاثة أقسام: # الأول: ما عرف منه مناط الحكم قطعا وافتقر إلى تحقيق المناط، مثاله: طلب ~~الشبه في جزاء الصيد، وبه فسر بعض الأصوليين الشبه وهذا خطأ، لان صحة ذلك ~~مقطوع به لأنه قال: * (فجزاء مثل ما قتل من النعم) * (المائدة: 59) فعلم أن ~~المطلوب هو المثل، وليس في النعم ما يماثل الصيد من كل وجه، فعلم أن المراد ~~به الأشبه الأمثل، فوجب طلبه كما أوجب الشرع مهر المثل وقيمة المثل وكفاية ~~المثل في الأقارب، ولا سبيل إلا المقايسة بينها وبين نساء العشيرة وبين شخص ~~القريب المكفى في السن والحال والشخص وبين سائر الاشخاص لتعرف الكفاية، ~~فذلك مقطوع به، فكيف يمثل به الشبه المختلف فيه الذي يصعب الدليل على ~~إثباته. PageV00P322 # القسم الثاني: ما عرف منه مناط الحكم، ثم اجتمع مناطان متعارضان في موضع ~~واحد فيجب ترجيح أحد المناطين ضرورة، فلا يكون ذلك من الشبه، مثاله أن بدل ~~المال غير مقدر وبدل النفس مقدر، والعبد نفس كالحر ومال كالفرس، فأما أن ~~يقدر بدله أو لا يقدر، فتارة يشبه بالفرس وتارة بالحر، وذلك يظهر في ترجيح ~~أحد المعنيين على الآخر وقد ظهر كون المعنيين من مناط الحكم، وإنما المشكل ~~من الشبه جعل الوصف الذي لا يناسب مناطا مع أن الحكم لم يضف إليه، وههنا ~~بالاتفاق الحكم ينضاف إلى هذين المناطين. # القسم الثالث: ما لم يوجد فيه كل مناط على الكمال، لكن تركبت الواقعة من ~~مناطين وليس يتمحض أحدهما فيحكم فيه بالأغلب، مثاله: أن اللعان مركب من ~~الشهادة واليمين وليس بيمين محض، لان يمين ms505 المدعي لا تقبل، والملاعن مدع، ~~وليس بشهادة لان الشاهد يشهد لغيره، وهو إنما يشهد لنفسه، وفي اللعان لفظ ~~اليمين والشهادة، فإذا كان العبد من أهل اليمين لا من أهل الشهادة، وتردد ~~في أنه هل هو من أهل اللعان، وبان لنا غلبة إحدى الشائبتين، فلا ينبغي أن ~~يختلف في أن الحكم به واجب، وليس من الشبه المختلف فيه، وكذلك الظهار لفظ ~~محرم، وهو كلمة زور، فيدور بين القذف والطلاق، وزكاة الفطر تتردد بين ~~المؤنة والقربة، والكفارة تتردد بين العبادة والعقوبة، وفي مشابههما، فإذا ~~تناقض حكم الشائبتين، ولا يمكن إخلاء الواقعة عن أحد الحكمين وظهر دليل على ~~غلبة إحدى الشائبتين ولم يظهر معنى مناسب في الطرفين فينبغي أن يحكم ~~بالأغلب الأشبه، وهذا أشبه هذه الأقسام الثلاثة بمأخذ الشبه، فإنا نظن أن ~~العبد ممنوع من الشهادة لسر فيه مصلحة وممكن من اليمين لمصلحة، وأشكل الامر ~~في اللعان، وبان أن إحدى الشائبتين أغلب، فيكون الأغلب على ظننا بقاء تلك ~~المصلحة المودعة تحت المعنى الأغلب. فإن قيل: وبم يعلم المعنى الأغلب ~~المعين؟ قلنا: تارة بالبحث عن حقيقة الذات، وتارة بالأحكام وكثرتها، وتارة ~~بقوة بعض الأحكام وخاصيته في الدلالة، وهو مجال نظر المجتهدين، وإنما يتولى ~~بيانه الفقيه دون الأصولي، والغرض أنه إذا سلم أن أحد المناطين أغلب وجب ~~الاعتراف بالحكم بموجبه، لأنه إما أن يخلى عن أحد الحكمين المتناقضين وهو ~~محال أو يحكم بالمغلوب أو بالغالب، فيتعين الحكم بالغالب فيكيف يلحق هذا ~~بالشبه المشكل المختلف فيه؟ نعم لو دار الفرع بين أصلين وأشبه أحدهما في ~~وصف ليس مناطا وأشبه الآخر في وصفين ليسا مناطين فهذا من قبيل الحكم ~~بالشبه، والالحاق بالأشبه والامر فيه إلى المجتهد فإن غلب على ظنه أن ~~المشاركة في الوصفين توهم المشاركة في المصلحة المجهولة عنده التي هي مناط ~~الحكم عند الله تعالى، وكان ذلك أغلب في نفسه من مشاركة الأصل الآخر الذي ~~لم يشبهه إلا في صفة واحدة، فحكم هنا بظنه، فهذا من قبيل الحكم بالشبه، أما ~~كل وصف ظهر كونه مناطا ms506 للحكم فاتباعه من قبيل قياس العلة لا من قبيل قياس ~~الشبه. هذا ما أردنا ذكره في قياس الشبه، وكان القول فيه من تتمة الباب ~~الثاني لأنه نظر في طريق إثبات علة الأصل، لكنا أفردناه بباب لكيلا يطول ~~الكلام في الباب الأول، وإذا فرغنا من طريق إثبات العلل فلا بد من بيان ~~أركان القياس وشروطه بعد ذلك. PageV00P323 # الباب الرابع في أركان القياس وشروط كل ركن وأركانه أربعة: الأصل، ~~والفرع، والعلة، والحكم، فلنميز القول في شرط كل ركن ليكون أقرب إلى الضبط ~~الركن الأول وهو الأصل وله شروط ثمانية. # الشرط الأول: أن يكون حكم الأصل ثابتا، فإنه إن أمكن توجيه المنع عليه لم ~~ينتفع به الناظر ولا المناظر قبل إقامة الدليل على ثبوته. # الثاني: أن يكون الحكم ثابتا بطريق سمعي شرعي إذ ما ثبت بطريق عقلي أو ~~لغوي لم يكن حكما شرعيا، والحكم اللغوي والعقلي لا يثبت قياسا عندنا كما ~~ذكرناه في كتاب أساس القياس. # الثالث: أن يكون الطريق الذي به عرف كون المستنبط من الأصل علة سمعا، لان ~~كون الوصف علة حكم شرعي ووضع شرعي. # الرابع: أن لا يكون الأصل فرعا لأصل آخر، بل يكون ثبوت الحكم فيه بنص أو ~~إجماع فلا معنى لقياس الذرة على الأزر، ثم قياس الأرز على البر، لان الوصف ~~الجامع إن كان موجودا في الأصل الأول كالطعم مثلا، فتطويل الطريق عبث. إذ ~~ليست الذرة بأن تجعل فرعا للأرز أولى من عكسه، وإن لم يكن موجودا في الأصل ~~فبم يعرف كون الجامع علة، وإنما يعرف كون الشبه والمناسب علة بشهادة الحكم، ~~وإثباته على وفق المعنى، فإذا لم يكن الحكم منصوصا عليه أو مجمعا عليه لم ~~يصح لان يستدل به على ملاحظة المعنى المقرون به لان ذلك يؤدي في قياس الشبه ~~إلى أن يشبه بالفرع الثالث رابع، وبالرابع خامس فينتهي الأخير إلى حد لا ~~يشبه الأول، كما لو التقط حصاة وطلب ما يشبهها، ثم طلب ما يشبه الثانية ثم ~~طلب ما يشبه الثالثة، ثم ينتهي بالآخرة إلى أن ms507 لا يشبه العاشر الأول، لان ~~الفروق الدقيقة تجتمع فتظهر المفارقة، فإن قيل: فأي فائدة لفرض المناظر ~~الكلام في بعض الصور؟ قلنا: # للفرض محلان. أحدهما: أن يعم السائل بسؤاله جملة من الصور، فيخصص المناظر ~~بعض الصور إذ يساعده فيه خبر أو دليل خاص أو يندفع فيه بعض شبه الخصم. ~~الثاني: أن تبني فرعا على فرع آخر، وهو ممتنع على الناظر المجتهد لما ~~ذكرناه، أما قبوله من المناظر فإنه ينبني على اصطلاح الجدليين، فالجدل ~~شريعة وضعها المتناظرون، ونظرنا في المجتهد وهو لا ينتفع بذلك، وموافقة ~~الخصم على الفرع لا تنفع ولا تجعله أصلا، إذ الخطأ ممكن على الخصمين، إلا ~~أن يكون ذلك إجماعا مطلقا فيصير أصلا مستقلا. # الخامس: أن يكون دليل إثبات العلة في الأصل مخصوصا بالأصل لا يعم الفرع، ~~مثاله أنه لو قال السفرجل مطعوم، فيجري فيه الربا قياسا على البر، ثم استدل ~~على إثبات كون الطعم علة بقوله عليه السلام، لا تبيعوا الطعام بالطعام أو ~~قال: فضل القاتل القتيل بفضيلة الاسلام فلا يقتل به كما لو قتل المسلم ~~المعاهد ثم استند في إثبات علته إلى قوله: PageV00P324 # لا يقتل مؤمن بكافر فهذا قياس منصوص على منصوص، وهو كقياس البر على ~~الشعير والدراهم على الدنانير. # السادس: قال قوم: شرط الأصل أن يقوم دليل بجواز القياس عليه، وقال قوم: ~~بل أن يقوم دليل على وجوب تعليه، وهذا كلام مختل لا أصل له، فإن الصحابة ~~حيث قاسوا لفظ الحرام على الظهار أو الطلاق أو اليمين، لم يقم دليل عندهم ~~على وجوب تعليل أو جوازه، لكن الحق أنه إن القدح فيه معنى مخيل غلب على ~~الظن اتباعه، وترك الالتفات إلى المحل الخاص، وإن كان الوصف من قبيل الشبه ~~كالطعم الذي يناسب فيحتمل أن يقال: لولا ضرورة جريان الربا في الدقيق ~~والعجين وامتناع ضبط الحكم باسم البر لما وجب استنباط الطعم، فهذا له وجه ~~وقد ذكرناه وإن لم يرد به هذا فلا وجه له. # السابع: أن لا يتغير حكم الأصل بالتعليل ومعناه ما ذكرناه من أن ms508 العلة ~~إذا عكرت على الأصل بالتخصيص فلا تقبل، كما ذكرناه في كتاب التأويل في ~~مسألة الابدال، وقد بينا أن المعنى إن كان سابقا إلى الفهم جاز أن يكون ~~قرينة مخصصة للعموم، أما المستنبط بالتأمل ففيه نظر. # الثامن: أن لا يكون الأصل معدولا به عن سنن القياس، فإن الخارج عن القياس ~~لا يقاس عليه غيره، وهذا مما أطلق ويحتاج إلى تفصيل، فنقول: قد اشتهر في ~~ألسنة الفقهاء أن الخارج عن القياس لا يقاس عليه غيره ويطلق اسم الخارج عن ~~القياس على أربعة أقسام مختلفة فإن ذلك يطلق على ما استثنى من قاعدة عامة ~~وتارة على ما استفتح ابتداء من قاعدة مقررة بنفسها لم تقطع من أصل سابق، ~~وكل واحد من المستثنى والمستفتح ينقسم إلى ما يعقل معناه وإلى ما لا يعقل ~~معناه، فهي أربعة أقسام: الأول: ما استثنى عن قاعدة عامة وخصص بالحكم، ولا ~~يعقل معنى التخصيص، فلا يقاس عليه غيره لأنه فهم ثبوت الحكم في محله على ~~الخصوص، وفى القياس إبطال الخصوص المعلوم بالنص، ولا سبيل إلى إبطال النص ~~بالقياس، بيانه ما فهم من تخصيص النبي عليه السلام واستثناؤه في تسع نسوة، ~~وفي نكاح امرأة على سبيل الهبة من غير مهر. وفي تخصيصه بصفي المغنم، وما ~~ثبت من تخصيصه خزيمة بقبول شهادته وحده، وتخصيصه أبا بردة في العناق أنها ~~تجزئ عنه في الضحية، فهذا لا يقاس عليه، لأنه لم يرد ورود النسخ للقاعدة ~~السابقة، بل ورود الاستثناء مع إبقاء القاعدة، فكيف يقاس عليه؟ وكونه خاصية ~~لمن ورد في حقه تارة يعلم وتارة يظن، فالمظنون كاختصاص قوله: لا تخمروا ~~رأسه ولا تقربوه طيبا فإنه يحشر يوم القيامة ملبيا، وقوله في شهداء أحد: ~~زملوهم بكلومهم ودمائهم فقال أبو حنيفة: # لا ترفع به قاعدة الغسل في حق المحرمين والشهداء، لان اللفظ خاص، ويحتمل ~~أن يكون الحكم خاصا لاطلاعه عليه السلام على إخلاصهم في العبادة، ونحن لا ~~نطلع على موت غيرهم على الاسلام فضلا عن موتهم على الاحرام والشهادة، ولما ~~قال للاعرابي الذي واقع ms509 أهله في نهار رمضان: تصدق به على أهل بيتك ولم يقر ~~الكفارة في ذمته عند عجزه وجعل PageV00P325 # الشبق عجزا عن الصوم، قال أكثر العلماء: هو خاصية، وقال صاحب التقريب: ~~يلتحق به من يساويه في الشبق والعجز، ومن جعله خاصية استند فيه إلى أنه لو ~~فتح هذا الباب فيلزم مثله في كفارة المظاهر وسائر الكفارات، ونص القرآن ~~دليل على أنهم لا ينفكون عن واجب وإن اختلفت أحوالهم في العجز، فحمله على ~~الخاصية أهون من هدم القواعد المعلومة. # القسم الثاني: ما استثنى عن قاعدة سابقة، ويتطرق إلى استثنائه معنى، فهذا ~~يقاس عليه كل مسألة دارت بين المستثنى والمستبقى، وشارك المستثنى في علة ~~الاستثناء، مثاله: استثناء العرايا، فإنه لم يرد ناسخا لقاعدة الربا ولا ~~هادما لها، لكن استثني للحاجة، فنقيس العنب على الرطب، لأنا نراه في معناه، ~~وكذلك إيجاب صاع من تمر في لبن المصراة لم يرد هادما لضمان المثليات ~~بالمثل، لكن لما اختلط اللبن الحادث بالكائن في الضرع عند البيع ولا سبيل ~~إلى التمييز ولا إلى معرفة القدر. وكان متعلقا بمطعوم يقرب الامر فيه خلص ~~الشارع المتبايعين من ورطة الجهل بالتقدير بصاع من تمر، فلا جرم نقول: لورد ~~المصراة بعيب آخر لا بعيب التصرية فيضمن اللبن أيضا بصاع، وهو نوع الحاق ~~وإن كان في معنى الأصل، ولولا أنا نشم منه رائحة المعنى لم نتجاسر على ~~الالحاق، فإنه لما فرق في بول الصبيان بين الذكور والإناث وقال: يغسل من ~~بول الصبية، ويرش على بول الغلام ولم ينقدح فيه معنى لم يقس عليه الفرق في ~~حق البهائم بين ذكورها وإناثها، وكذلك حكم الشرع ببقاء صوم الناسي على خلاف ~~قياس المأمورات، قال أبو حنيفة: لا نقيس عليه كلام الناسي في الصلاة ولا ~~أكل المكره والمخطئ في المضمضة، ولكن قال: جماع الناسي في معناه لان ~~الافطار باب واحد، والشافعي قال: الصوم من جملة المأمورات بمعناه إذا افتقر ~~إلى النية والتحق بأركان العبادات، وهو من جملة المنهيات في نفسه وحقيقته، ~~إذ ليس فيه إلا ترك يتصور من ms510 النائم جميع النهار فإسقاط الشرع عهدة الناسي ~~ترجيح لنزوعه إلى المنهيات فنقيس عليه كلام الناسي، ونقيس عليه المكره ~~والمخطئ على قول. القسم الثالث: القاعدة المستقلة المستفتحة التي لا يعقل ~~معناها، فلا يقاس عليها غيرها لعدم العلة، فيسمى خارجا عن القياس تجوزا إذ ~~معناه أنه ليس منقاسا، لأنه لم يسبق عموم قياس ولا استثناء حتى يسمى ~~المستثنى خارجا عن القياس بعد دخوله فيه، ومثاله المقدرات في أعداد الركعات ~~ونصب الزكوات ومقادير الحدود والكفارات، وجميع التحكمات المبتدأة التي لا ~~ينقدح فيها معنى، فلا يقاس عليها غيرها لأنها لا تعقل علتها. القسم الرابع: ~~في القواعد المبتدأة العديمة النظير لا يقاس عليها، مع أنه يعقل معناها، ~~لأنه لا يوجد لها نظير خارج مما تناوله النص والاجماع. والمانع من القياس ~~فقد العلة في غير المنصوص. فكأنه معلل بعلة قاصرة، ومثاله: رخص السفر في ~~القصر والمسح على الخفين، ورخصة المضطر في أكل الميتة وضرب الدية على ~~العاقلة، وتعلق الأرش برقبة العبد وإيجاب غرة الجنين والشفعة في العقار ~~وخاصية الإجارة والنكاح، وحكم اللعان والقسامة وغير ذلك من نظائرها، فإن ~~هذه القواعد متباينة المأخذ، فلا يجوز أن يقال: بعضها خارج عن قياس البعض، ~~بل لكل واحد من هذه القواعد معنى منفرد به لا يوجد له نظير فيه، فليس البعض ~~بأن يوضع أصلا ويجعل الآخر PageV00P326 # خارجا عن قياسه بأولى من عكسه، ولا ينظر فيه إلى كثرة العدد وقلته، ~~وتحقيقه أنا نعلم أنه إنما جوز المسح على الخف لعسر النزع ومسيس الحاجة إلى ~~استصحابه، فلا نقيس عليه العمامة والقفازين، وما لا يستر جميع القدم، لا ~~لأنه خارج عن القياس، لكن لأنه لا يوجد ما يساويه في الحاجة وعسر النزع ~~وعموم الوقوع، وكذلك رخصة السفر لاشك في ثبوتها بالمشقة، ولا يقاس عليها ~~مشقة أخرى، لأنها لا يشاركها غيرها في جملة معانيها ومصالحها، لان المرض ~~يحوج إلى الجمع لا إلى القصر، وقد يقضي في حقه بالرد من القيام إلى القعود ~~ولما ساواه في حاجة الفطر سوى الشرع بينهما، وكذلك قولهم: تناول الميتة ms511 ~~رخصة خارجة عن القياس غلط، لأنه إن أريد به أنه لا يقاس عليه غير المضطر، ~~فلانه ليس في معناه، وإلا فلنقس الخمر على الميتة، والمكره على المضطر، فهو ~~منقاس، وكذلك بداءة الشرع بإيمان المدعي في القسامة لشرف أمر الدم ولخاصية ~~لا يوجد مثلها في غيره، ولأنه عديم النظير فلا يقاس عليه، وأقرب شئ إليه ~~البضع وقد ورد تصديق المدعي باللعان على ما يليق به، وكذلك ضرب الدية على ~~العاقلة فإن ذلك حكم الجاهلية قرره الشرع لكثرة وقوع الخطأ وشدة الحاجة إلى ~~ممارسة السلاح، ولا نظير له في غير الدية، وهذا مما يكثر، فبهذا يعرف أن ~~قول الفقهاء تأقت الإجارة خارج عن قياس البيع والنكاح خطأ، كقولهم: تأبد ~~البيع والنكاح خارج عن قياس الإجارة، وتأقت المساقاة خارج عن تأبد القراض ~~بل تأبد القراض خارج عن قياس تأقت المساقاة، فإذا هذه الأقسام الأربعة لا ~~بد من فهمها وبفهم بيانها يحصل الوقوف على سر هذا الأصل. # الركن الثاني للقياس وله خمسة شروط: # الشرط الأول: أن تكون علة الأصل موجودة في الفرع فإن تعدي الحكم فرع تعدي ~~العلة، فإن كان وجودها في الفرع غير مقطوع به لكنه مظنون صح الحكم، وقال ~~قوم: لا يجوز ذلك لان مشاركته للأصل في العلة لم تعلم، وإنما المعلوم ~~بالقياس أن الحكم يتبع العلة ولا يقتصر على المحل أما إذا وقع الشك في ~~العلة فلا يلحق وهذا ضعيف لأنه إذا ثبت أن النجاسة هي علة بطلان البيع في ~~جلد الميتة قسنا عليه الكلب إذا ثبت عندنا نجاسة الكلب بدليل مظنون، وكذلك ~~قد يكون علة الكفارة العصيان ويدرك تحقيقه في بعض الصور بدليل ظني، فإذا ~~ثبت التحق بالأصل، وكذلك الماء الكثير، إذا تغير بالنجاسة فطرح فيه التراب ~~فإن كان التراب ساترا كالزعفران لم تزل النجاسة، وإن كان مبطلا كهبوب الريح ~~وطول المدة زالت النجاسة وربما يعرف ذلك بدليل ظني فالظن كالعلم في هذه ~~الأبواب. # الثاني: أن لا يتقدم الفرع في الثبوت على الأصل، ومثاله قياس الوضوء على ~~التيمم في النية، ms512 والتيمم متأخر، وهذا فيه نظر لأنه إذا كان بطريق الدلالة، ~~فالدليل يجوز أن يتأخر عن المدلول، فإن حدوث العالم دل على الصانع القديم، ~~وإن كان بطريق التعليل فلا يستقيم لان الحكم يحدث بحدوث العلة، فكيف يتأخر ~~عن المعلول لكن يمكن العدول إلى طريق الاستدلال فإن إثبات الشرع الحكم في ~~التيمم على وفق العلة يشهد لكونه ملحوظا بعين PageV00P327 # الاعتبار، وإن كان للعلة دليل آخر سوى التيمم، فلا يكون التيمم وحده ~~دليلا لعلة الوضوء السابق. # الثالث: أن لا يفارق حكم الفرع حكم الأصل في جنسية ولا في زيادة ولا ~~نقصان، فإن القياس عبارة عن تعدية حكم من محل إلى محل، فكيف يختلف ~~بالتعدية؟ وليس من شكل القياس قول القائل بلغ رأس المال أقصى مراتب ~~الأعيان، فليبلغ المسلم فيه أقصى مراتب الديون، قياسا لاحد العوضين على ~~الآخر، لان هذا إلحاق فرع بأصل في إثبات خلاف حكمه. # الرابع: أن يكون الحكم في الفرع مما ثبتت حملته بالنص وإن لم يثبت ~~تفصيله، وهذا ذكره أبو هاشم وقال: لولا أن الشرع ورد بميراث الجد جملة لما ~~نظرت الصحابة في توريث الجد مع الاخوة، وهذا فاسد، لانهم قاسوا قوله: أنت ~~علي حرام، على الظهار والطلاق واليمين، ولم يكن قد ورد فيه حكم لا على ~~العموم ولا على الخصوص، بل الكم إذا ثبت في الأصل بعلة تعدي بتعدي العلة ~~كيفما كان. # الخامس: أن لا يكون الفرع منصوصا عليه، فإنه إنما يطلب الحكم بقياس أصل ~~آخر فيما لا نص فيه، فإن قيل: فلم قستم كفارة الظهار على كفارة القتل في ~~الرقبة المؤمنة والظهار أيضا منصوص عليه، واسم الرقبة يشمل الكافرة؟ قلنا: ~~اسم الرقبة ليس نصا في إجزاء الكافرة، لكنه ظاهر فيه، كما في المعيبة، وعلة ~~اشتراط الايمان في كفارة القتل عرفنا تخصيص عموم آية الظهار، فخرج عن أن ~~يكون أجزاء الكافرة منصوصا عليه فطلبنا حكمه بالقياس لذلك. # الركن الثالث الحكم وشرطه أن يكون حكما شرعيا لم يتعبد فيه بالعلم، ~~وبيانه بمسائل: # - مسألة (لا قياس في اللغويات والعقليات) الحكم العقلي ms513 والاسم اللغوي لا ~~يثبت بالقياس، فلا يجوز إثبات اسم الخمر للنبيذ، الزنا للواط، والسرقة ~~للنبش، والخليط للجار بالقياس، لان العرب تسمي الخمر إذا حمضت خلا لحموضته، ~~ولا تجريه في كل حامض، وتسمي الفرس أدهم لسواده ولا تجريه في كل أسود، ~~وتسمي القطع في الآنف جدعا ولا تطرده في غيره، وهذه المسألة قد قدمناها فلا ~~نعيدها، وكذلك لا يعرف كون المكره قاتلا، والشاهد قاتلا، والشريك قاتلا ~~بالقياس، بل يتعرف حد القتل بالبحث العقلي، وكذلك غاصب الماشية هل هو غاصب ~~للنتاج؟ والمستولي على العقار هل هو غاصب للغلة؟ فهذه مباحث عقلية تعرف ~~بصناعة الجدل، نعم: يجوز أن يقال: ألحق الشرع الشريك بالمنفرد بالقتل حكما، ~~فنقيس عليه الشريك في القطع والحق المكره بالقاتل فنقيس عليه الشاهد إذا ~~رجع، وذلك إلحاق من ليس قائلا بالقاتل في الحكم. # - مسألة (لا قياس في الأمور التعبدية) ما تعبد فيه بالعلم لا يجوز إثباته ~~بالقياس، كمن يريد إثبات خبر الواحد PageV00P328 # بالقياس على قبول الشهادة، ولذلك أورد في مثال هذا الباب إثبات صلاة ~~سادسة أو صوم شوال، أنه لا يثبت بالقياس، لان مثل هذه الأصول ينبغي أن تكون ~~معلومة، وهذا فيه نظر، إذ يمكن أن يقال: إن الوتر صلاة سادسة وقد وقع ~~الخلاف في وجوبها، فلم يشترط أن تكون السادسة معلومة الوجوب على القطع، بل ~~سبب بطلان هذا القياس علمنا ببطلانه، لأنه لو وجب صوم شوال وصلاة سادسة ~~لكانت العادة تحيل أن لا يتواتر، أو لأنا لا نجد أصلا نقيسه عليه، فإنه لا ~~يمكن قياس شوال على رمضان، إذ لم يثبت لنا أن وجوب صوم رمضان لأنه شهر من ~~الشهور أو وقت من الأوقات، أو لو صف يشاركه فيه شوال حتى يقاس عليه. # - مسألة (قياس الدلالة وقياس العلة) اختلفوا في أن النفي الأصلي هل يعرف ~~بالقياس، وأعني بالنفي الأصلي البقاء على ما كان قبل ورود الشرع، والمختار ~~أنه يجري فيه قياس الدلالة لا قياس العلة، وقياس الدلالة أن يستبدل بانتفاء ~~الحكم عن الشئ على انتفائه عن مثله، ويكون ذلك ms514 ضم دليل إلى دليل، وإلا فهو ~~باستصحاب موجب العقل النافي للأحكام قبل ورود الشرع مستغن عن الاستدلال ~~بالنظر، أما قياس العلة فلا يجري، لان الصلاة السادسة وصوم شوال انتفى ~~وجوبهما، لأنه لا موجب لهما كما كان قبل ورود الشرع، وليس ذلك حكما حادثا ~~سمعيا حتى تطلب له علة شرعية، بل ليس ذلك من أحكام الشرع، بل هو نفي لحكم ~~الشرع ولا علة له إنما العلة لما يتجدد، فحدوث العالم له سبب، وهو إرادة ~~الصانع، أما عدمه في الأزل فلم تكن له علة، إذ لو أحيل على إرادة الله ~~تعالى لوجب أن ينقلب موجودا لو قدرنا عدم المريد والإرادة، كما أن الإرادة ~~لو قدر انتفاؤها لانتفى وجود العالم في وقت حدوثه، فإذا لم يكن الانتفاء ~~الأصلي حكما شرعيا على لتحقيق لم يثبت بعلة سمعية، أما النفي الطارئ كبراءة ~~الذمة عن الدين فهو حكم شرعي يفتقر إلى علة، فيجري فيه قياس العلة. # - مسألة (قياس الحكم المعلل) كل حكم شرعي أمكن تعليله فالقياس جار فيه، ~~وحكم الشرع نوعان. # أحدهما: نفس الحكم. والثاني: نصب أسباب الحكم، فلله تعالى في إيجاب الرجم ~~والقطع على الزاني والسارق حكمان. أحدهما: إيجاب الرجم والآخر: نصب الزنا ~~سببا لوجوب الرجم، فيقال: وجب الرجم في الزنا لعلة كذا، وتلك العلة موجودة ~~في اللواط فنجعله سببا وإن كان لا يسمى زنا. وأنكر أبو زيد الدبوسي هذا ~~النوع من التعليل وقال: # الحكم يتبع السبب دون حكمة السبب، وإنما الحكمة ثمرة وليست بعلة، فلا ~~يجوز أن يقال جعل القتل سببا للقصاص للزجر والردع. فينبغي أن يجب القصاص ~~على شهود القصاص لمسيس الحاجة إلى الزجر وإن لم يتحقق القتل، وهذا فاسد. ~~والبرهان القاطع على أن هذا الحكم شرعي، أعني نصب الأسباب لايجاب الاحكام، ~~فيمكن أن تعقل علته، ويمكن أن يتعدى إلى سبب آخر، فإن اعترفوا بإمكان معرفة ~~العلة وإمكان تعديته ثم توقفوا عن التعدية كانوا متحكمين بالفرق بين حكم ~~وحكم، كمن يقول: يجري القياس في حكم الضمان لا في القصاص وفي البيع لا في ms515 ~~النكاح، وإن ادعوا الإحالة فمن أين عرفوا استحالته، أبضرورة أو نظر، ولا بد ~~من بيانه، كيف ونحن نبين إمكانه بالأمثلة، فإن قيل: الامكان مسلم في العقل، ~~لكنه غير واقع، لأنه لا يلفي للأسباب علة مستقيمة تتعدى، فنقول: الآن قد ~~ارتفع النزاع PageV00P329 # الأصولي، إذ لا ذاهب إلى تجويز القياس، حيث لا تعقل العلة أو لا تتعدى، ~~وهم قد ساعدوا على جواز القياس، حيث أمكن معرفة العلة وتعديتها فارتفع ~~الخلاف. الجواب الثاني: هو أنا نذكر إمكان القياس في الأسباب على منهجين: ~~المنهج الأول: ما لقبناه بتنقيح مناط الحكم فنقول: قياسنا اللائط والنباش ~~على الزاني والسارق مع الاعتراف بخروج النباش واللائط عن اسم الزاني ~~والسارق، كقياسكم الاكل على الجماع في كفارة الفطر مع أن الاكل لا يسمى ~~وقاعا، وقد قال الأعرابي: واقعت في نهار رمضان، فإن قيل ليس هذا قياسا، ~~فإنا نعرف بالبحث أن الكفارة ليست كفارة الجماع، بل كفارة الافطار، قلنا ~~وكذلك نقول: ليس الحد حد الزنا، بل حد إيلاج الفرج في الفرج المحرم قطعا ~~المشتهى طبعا، والقطع قطع أخذ مال محرز لا شبهة للاخذ فيه، فإن قيل: إنما ~~القياس أن يقال: علق الحكم بالزنا لعلة كذا وهي موجودة في غير الزنا، وعلقت ~~الكفارة بالوقاع لعلة كذا. وهي موجودة في الاكل، كما يقال أثبت التحريم في ~~الخمر لعلة الشدة، وهي موجودة في النبيذ، ونحن في الكفارة نبين أنه لم يثبت ~~الحكم للجماع، ولم يتعلق به، فنتعرف، محل الحكم الوارد شرعا أنه أين ورد ~~وكيف ورد، وليس هذا قياسا، فإن استمر لكم مثل هذا في اللائط والنباش فنحن، ~~لا ننازع فيه، قلنا: فهذا الطريق جار لنا في اللائط والنباش بلا فرق، وهو ~~نوع إلحاق لغير المنصوص بالمنصوص بفهم العلة التي هي مناط الحكم، فيرجع ~~النزاع إلى الاسم. المنهج الثاني: هو أنا نقول: إذا انفتح باب المنهج الأول ~~تعدينا إلى إيقاع الحكم والتعليل بها، فإنا لسنا نعني بالحكمة إلا المصلحة ~~المخيلة المناسبة، كقولنا في قوله عليه السلام: لا يقض القاضي وهو غضبان ~~إنه إنما ms516 جعل الغضب سبب المنع، لأنه يدهش العقل، ويمنع من استيفاء الفكر، ~~وذلك موجود في الجوع المفرط، والعطش المفرط، والألم المبرح، فنقيسه عليه ~~وكقولنا أن الصبي يولي عليه لحكمة، وهي عجزه عن النظر لنفسه، فليس الصبا ~~سبب الولاية لذاته، بل لهذه الحكمة، فننصب الجنون سببا قياسا على الصغر، ~~والدليل على جواز مثل ذلك اتفاق عمر وعلي رضي الله عنهما على جواز قتل ~~الجماعة بالواحد، والشرع إنما أوجب القتل على القاتل، والشريك ليس بقاتل ~~على الكمال، لكنهم قالوا: إنما اقتص من القاتل لأجل الزجر وعصمة الدماء، ~~وهذا المعنى يقتضي إلحاق المشارك بالمنفرد، ونزيد على هذا القياس ونقول: ~~هذه الحكمة جريانها في الأطراف كجريانها في النفوس، فيصان الطرف في القصاص ~~عن المشارك كما يصان عن المنفرد، وكذلك نقول: يجب القصاص بالجارح لحكمة ~~الزجر وعصمة الدماء، فالمثقل في معنى الجارح بالإضافة إلى هذه العلة، فهذه ~~تعليلات معقولة في هذه الأسباب لا فرق بينها وبين تعليل تحريم الخمر ~~بالشدة، وتعليل ولاية الصغر بالعجز، ومنع الحكم بالغضب فإن قيل: المانع منه ~~أن الزجر حكمة، وهي ثمرة، وإنما تحصل بعد القصاص وتتأخر عنه، فكيف تكون علة ~~وجوب القصاص، بل علة وجوب القصاص القتل. قلنا: مسلم أن علة وجوب القصاص ~~القتل، لكن علة كون القتل علة للقصاص الحاجة إلى الزجر، والحاجة إلى الزجر ~~هي العلة دون نفس الزجر، والحاجة سابقة، وحصول الزجر هو المتأخر إذ يقال: ~~خرج الأمير عن البلد للقاء زيد، ولقاء زيد يقع بعد خروجه، ولكن تكون ~~PageV00P330 # الحاجة إلى اللقاء علة باعثة على الخروج سابقة عليه، وإنما المتأخر نفس ~~اللقاء، فكذلك الحاجة إلى عصمة الدماء هي الباعثة للشرع على جعل القتل سببا ~~للقصاص، والشريك في هذا المعنى يساوي المنفرد، والمثقل يساوي الجارح فألحق ~~به قياسا. # - مسألة (قياس الحدود والكفارات) نقل عن قوم أن القياس لا يجري في ~~الكفارات والحدود، وما قدمناه يبين فساد هذا الكلام، فإن إلحاق الاكل ~~بالجماع قياس وإلحاق النباش بالسارق قياس، فإن زعموا أن ذلك تنقيح لمناط ~~الحكم لا استنباط للمناط، فما ذكروه ms517 حق والانصاف يقتضي مساعدتهم إذ فسروا ~~كلامهم بهذا فيجب الاعتراف بأن الجاري في الكفارات والحدود، بل وفي سائر ~~أسباب الاحكام المنهج الأول في الالحاق دون المنهج الثاني، وأن المنهج ~~الثاني يرجع إلى تنقيح مناط الحكم وهو المنهج الأول، فإنا إذا ألحقنا ~~المجنون بالصبي بان لنا أن الصبا لم يكن مناط الولاية، بل أمر أعم منه، وهو ~~فقد عقل التدبير، وإذا ألحقنا الجوع بالغضب بان لنا أن الغضب لم يكن مناطا ~~بل أمر أعم منه، وهو ما يدهش العقل عن النظر، وعند هذا يظهر الفرق للمنصف ~~بين تعليل الحكم وتعليل السبب. فإن تعليل الحكم تعدية الحكم عن محله ~~وتقريره في محله، فإنا نقول: حرم الشرع شرب الخمر، والخمر محل الحكم ونحن ~~نطلب مناط الحكم وعلته، فإذا تبينت لنا الشدة عديناها إلى النبيذ، فضممنا ~~النبيذ إلى الخمر في التحريم، ولم نغير من أمر الخمر شيئا، أما ههنا إذا ~~قلنا علق الشرع الرجم بالزنا لعلة كذا فيلحق به غير الزنا، يناقض آخر ~~الكلام أوله، لان الزنا إن كان مناطا من حيث أنه زنا، فإذا ألحقنا به ما ~~ليس بزنا فقد أخرجنا الزنا عن كونه مناطا، فكيف يعلل كونه مناطا، بما يخرجه ~~عن كونه مناطا والتعليل تقرير لا تغيير، ومن ضرورة تعليل الأسباب تغييرها ~~فإنك إذا اعترفت بكونه سببا ثم أثبت ذلك الحكم بعينه عند فقد ذلك السبب فقد ~~نقضت قولك الأول أنه سبب، فإنا إذا ألحقنا الاكل بالجماع بان لنا بالآخرة ~~أن الجماع لم يكن هو السبب بل معنى أعم منه وهو الافطار وإنما كان يكون هذا ~~تعليلا لو بقي الجماع مناطا وانضم إليه مناط آخر يشاركه في العلة، كما بقي ~~الخمر محلا للتحريم، وانضم إليه محل آخر وهو النبيذ، فلم يخرج المحل الذي ~~طلبنا علة حكمه عن كونه محلا لكن انضم إليه محل آخر وهو النبيذ وكذلك ينبغي ~~أن لا يخرج الجماع عن كونه مناطا وينضم إليه مناط آخر وهو الاكل، وذلك ~~محال، بل الحاق الاكل يخرج وصف الجماع عن كونه مناطا، ms518 ويوجب حذفه عن درجة ~~الاعتبار، ويوجب إضافة الحكم إلى معنى آخر حتى يصير وصف الجماع حشوا زائدا، ~~وكذلك يصير وصف الزنا حشوا زائدا، ويعود الامر إلى أن مناط الرجم وصف زائد، ~~لان مناط الرجم أمر أعم من الزنا، وهو إيلاج فرج في فرج حرام، فإذا مهما ~~فسر مذهبهم على هذا الوجه اقتضى الانصاف المساعدة والله أعلم. # الركن الرابع العلة ويجوز أن تكون العلة حكما كقولنا: بطل بيع الخمر، لان ~~حرم الانتفاع به، ولأنه نجس، وغلط من قال أن الحكم أيضا يحتاج إلى علة فلا ~~يعلل به، ويجوز أن يكون وصفا محسوسا عارضا كالشدة، أو لازما كالطعم ~~والنقدية والصغر أو من أفعال المكلفين كالقتل PageV00P331 # والسرقة، أو وصفا مجردا أو مركبا من أوصاف، ولا فرق بين أن يكون نفيا أو ~~إثباتا، ويجوز أن يكون مناسبا وغير مناسب أو متضمنا لمصلحة مناسبة، ويجوز ~~أن لا تكون العلة موجودة في محل الحكم، كتحريم نكاح الأمة بعلة رق الولد، ~~وتفارق العلة الشرعية في بعض هذه المعاني العلة العقلية على ما بينا في ~~كتاب التهذيب ولم نر فيه فائدة، لان العلة العقلية مما لا نراها أصلا، فلا ~~معنى لقولهم: العلم علة كون العالم عالما، لا كون الذات عالمة، ولا أن ~~العالمية حال وراء قيام العلم بالذات، فلا وجه لهذا عندنا في المعقولات، بل ~~لا معنى لكونه عالما إلا قيام العلم بذاته. وأما الفقهيات فمعنى العلة فيها ~~العلامة وسائر الأقسام التي ذكرناها يجوز أن ينصبها الشارع علامة. فالذي ~~يتعرض له في هذا الركن كيفية إضافة الحكم إلى العلة، ويتهذب ذلك بالنظر في ~~أربع مسائل: إحداها: تخلف الحكم عن العلة مع وجودها وهو الملقب بالنقض ~~والتخصيص. و الثانية: وجود الحكم دون العلة، وهو الملقب بالعكس وتعليل ~~الحكم بعلتين و الثالثة: أن الحكم في محل النص يضاف إلى النص أو إلى العلة ~~وعنه تتشعب الرابعة: وهي العلة القاصرة. # . - مسألة (تخصيص العلة) اختلفوا في تخصيص العلة، ومعناه أن فقد الحكم مع ~~وجود العلة يبين فساد العلة وانتفاضها أو يبقيها علة، ms519 ولكن يخصصها بما وراء ~~موقعها، فقال قوم: إنه ينقض العلة و يفسدها. ويبين أنها لم تكن علة، إذ لو ~~كانت لا طردت ووجد الحكم حيث وجدت، و قال قوم: تبقى علة فيما وراء النقض ~~وتخلف الحكم عنها يخصصها، كتخلف حكم العموم، فإنه يخصص العموم بما وراءه، ~~وقال قوم: إن كانت العلة مستنبطة مظنونة انتقضت وفسدت، وإن كانت منصوصا ~~عليها تخصصت ولم تنتقض، وسبيل كشف الغطاء عن الحق أن نقول: # تخلف الحكم عن العلة يعرض على ثلاثة أوجه: # الأول: أن يعرض في صوب جريان العلة ما يمنع اطرادها وهو الذي يسمى نقضا. ~~وهو ينقسم إلى ما يعلم أنه ورد مستثنى عن القياس، وإلى ما لا يظهر ذلك منه ~~فما ظهر أنه ورد مستثنى عن القياس مع استبقاء القياس، فلا يرد نقضا على ~~القياس ولا يفسد العلة، بل يخصصها بما وراء المستثنى، فتكون علة في غير محل ~~الاستثناء ولا فرق بين أن يرد ذلك على علة مقطوعة أو مظنونة، مثال الوارد ~~على العلة المقطوعة: إيجاب صاع من التمر في لبن المصراة، فإن علة إيجاب ~~المثل في المثليات المتلفة تماثل الاجزاء، والشرع لم ينقض هذه العلة، إذ ~~عليها تعويلنا في الضمانات، لكن استثنى هذه الصورة، فهذا الاستثناء لا يبين ~~للمجتهد فساد هذه العلة، ولا ينبغي أن يكلف المناظر الاحتراز عنه حتى يقول ~~في علته تماثل أجزاء في غير المصراة، فيقتضي إيجاب المثل، لان هذا تكليف ~~قبيح، وكذلك صدور الجناية من الشخص علة وجوب الغرامة عليه، فورود الضرب على ~~العاقلة لم ينقض هذه العلة ولم يفسد هذا القياس، لكن استثنى هذه الصورة ~~فتخصصت العلة بما وراءها، ومثال ما يرد على العلة المظنونة مسألة العرايا، ~~فإنها لا تنقض التعليل بالطعم إذ فهم أن ذلك استثناء لرخصة الحاجة، ولم يرد ~~ورود النسخ للربا، ودليل كونه مستثنى أنه يرد على علة الكيل وعلى كل علة، ~~وكذلك إذا قلنا عبادة مفروضة، فتفتقر إلى تعيين النية لم تنتقض بالحج، فإنه ~~ورد على PageV00P332 # خلاف قياس العبادات، لأنه لو أهل بإهلال ms520 زيد صح ولا يعهد مثله في ~~العبادات، أما إذا لم يرد مورد الاستثناء فلا يخلو إما أن يرد على العلة ~~المنصوصة أو على المظنونة، فإن ورد على المنصوصة فلا يتصور هذا إلا بأن ~~ينعطف منه قيد على العلة، ويتبين أن ما ذكرناه لم يكن تمام العلة، مثاله ~~قولنا: خارج فينقض الطهارة أخذا من قوله: الوضوء مما خرج، ثم بأن أنه لم ~~يتوضأ من الحجامة، فعلمنا أن العلة بتمامها لم يذكرها، وأن العلة خارج من ~~المخرج المعتاد، فكان ما ذكرناه بعض العلة، فالعلة إن كانت منصوصة ولم يرد ~~النقض مورد الاستثناء لم يتصور إلا كذلك، فإن لم تكن كذلك فيجب تأويل ~~التعليل، إذ قد يرد بصيغة التعليل ما لا يراد به التعليل لذلك الحكم، فقوله ~~تعالى: * (يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين) * (الحشر: 2) ثم قال: * ~~(ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله) * (الحشر: 4) وليس كل من يشاقق الله يخرب ~~بيته، فتكون العلة منقوضة، ولا يمكن أن يقال إنه علة في حقهم خاصة، لان هذا ~~يعد تهافتا في الكلام، بل نقول: تبين بآخر الكلام أن الحكم المعلل ليس هو ~~نفس الخراب، بل استحقاق الخراب خرب أو لم يخرب. أو نقول: ليس الخراب معلولا ~~بهذه العلة لكونه خرابا بل لكونه عذابا، وكل من شاق الله وسوله فهو معذب ~~إما بخراب البيت أو غيره، فإن لم يتكلف مثل هذا كان الكلام منتقضا، أما إذا ~~ورد على العلة المظنونة لا في معرض الاستثناء، وانقدح جواب عن محل النقض من ~~طريق الا خالة، أن كانت العلة مخيلة أو من طريق الشبه إن كانت شبها، فهذا ~~بين أن ما ذكرناه أولا لم يكن تمام العلة، وانعطف قيد على العلة من مسألة ~~النقض به يندفع النقص. أما إذا كانت العلة مخيلة ولم ينقدح جواب مناسب ~~وأمكن أن يكون النقض دليلا على فساد العلة وأمكن أن يكون معرفا اختصاص ~~العلة بمجراها بوصف من قبيل الأوصاف الشبيهة يفصلها عن غير مجراها، فهذا ~~الاحتراز عنه مهم في الجدل للمتناظرين لكن المجتهد الناظر ماذا عليه ms521 أن ~~يعتقد في هذه العلة الانتقاض والفساد أو التخصيص، هذا عندي في محل ~~الاجتهاد، ويتبع كل مجتهد ما غلب على ظنه، ومثاله قولنا: صوم رمضان يفتقر ~~إلى النية، لأن النية لا تنعطف على ما مضى، وصوم جميع النهار واجب، وأنه لا ~~يتجزأ فينتقض هذا بالتطوع، فإنه لا يصح إلا بنية، ولا يتجزأ على المذهب ~~الصحيح، ولا مبالاة بمذهب من يقول إنه صائم بعض النهار فيحتمل أن ينقدح عند ~~المجتهد فساد هذه العلة بسبب التطوع، ويحتمل أن ينقدح له أن التطوع ورد ~~مستثنى رخصة لتكثير النوافل، فإن الشرع قد سامح في النفل بما لم يسامح به ~~في الفرض، فالمخيل الذي ذكرناه يستعمل في الفرض ويكون وصف الفرضية فاصلا ~~بين مجرى العلة وموقعها، ويكون ذلك وصفا شبيها اعتبر في استعمال المخيل ~~وتميز مجراه عن موقعه، ومن أنكر قياس الشبه جوز الاحتراز عن النقض بمثل هذا ~~الوصف الشبهي، فأكثر العلل المخيلة خصص الشرع اعتبارها بمواضع لا ينقدح في ~~تعيين المحل معنى مناسب على مذاق أصل العلة، وهذا التردد إنما ينقدح في ~~معنى مؤثرة لا يحتاج إلى شهاده الأصل فإن مقدمات هذا القياس مؤثر بالاتفاق ~~من قولنا أن كل اليوم واجب وإن النبه عزم لا ينعطف على الماضي، وإن الصوم ~~لا يصح إلا بنية، فإن كانت العلة مناسبة بحيث تفتقر إلى أصل يستشهد به، ~~فإنما يشهد PageV00P333 # لصحته ثبوت الحكم في موضع آخر على وفقه فتنتقض هذه الشهادة بتخلف الحكم ~~عنه في موضع آخر، فإن إثبات الحكم على وفق المعنى إن دل على التفات الشرع ~~فقطع الحكم أيضا يدل على إعراض الشرع، وقول القائل: أنا أتبعه إلا في محل ~~إعراض الشرع بالنص ليس هو أولى ممن قال: أعرض عنه إلا في محل اعتبار الشرع ~~إياه بالتنصيص على الحكم، وعلى الجملة: يجوز أن يصرح الشرع بتخصيص العلة ~~واستثناء صورة حكم عنها، ولكن إذا لم يصرح واحتمل نفي الحكم مع وجود العلة ~~احتمل أن يكون لفساد العلة، واحتمل أن يكون لتخصيص العلة، فإن كانت العلة ~~قطعية كان ms522 تنزيلها على التخصيص أولى من التنزيل على نسخ العلة، وإن كانت ~~العلة مظنونة ولا مستند للظن إلا إثبات الحجم في موضع على وفقها فينقطع هذا ~~الظن بإعراض الشرع عن اتباعها في موضع آخر، وإن كانت مستقلة مؤثرة كما ~~ذكرناه في مسألة تبييت النية كان ذلك في محل الاجتهاد. # الوجه الثاني: لانتفاء حكم العلة أن ينتفي لا لخلل في نفس العلة، لكن ~~يندفع الحكم عنه بمعارضة علة أخرى دافعة، مثاله قولنا: إن علة رق الولد ملك ~~الام ثم المغرور بحرية جارية ينعقد ولده حرا. وقد وجد رق الام وانتفى ~~الولد، لكن هذا انعدام بطريق الاندفاع بعلة دافعة مع كمال العلة المرقة، ~~بدليل أن الغرم يجب على المغرور، ولولا أن الرق في حكم الحاصل المندفع لما ~~وجبت قيمة الولد، فهذا النمط لا يرد نقضا على المناظر، ولا يبين لنظر ~~المجتهد فسادا في العلة، لان الحكم ههنا كأنه حاصل تقديرا. # الوجه الثالث: أن يكون النقض مائلا عن صوب جريان العلة، ويكون تخلف الحكم ~~لا لخلل في ركن العلة، لكن لعدم مصادفتها محلها أشرطها أو أهلها، كقولنا: ~~السرقة علة القطع، وقد وجدت في النباش، فليجب القطع، فقيل: يبطل بسرقة ما ~~دون النصاب وسرقة الصبي والسرقة من غير الحرز، ونقول: البيع علة الملك، وقد ~~جرى فليثبت الملك في زمان الخيار، فقيل: هذا باطل ببيع المستولدة والموقوف ~~والمرهون وأمثال ذلك فهذا جنس لا يلتفت إليه المجتهد، لان نظره في تحقيق ~~العلة دون شرطها، ومحلها فهو مائل عن صوب نظره. أما المناظر فهل يلزمه ~~الاحتراز عنه أو يقبل منه العذر بأن هذا منحرف عن مقصد النظر وليس عليه ~~البحث عن المحل والشرط؟ هذا مما اختلف الجدليون فيه، والخطب فيه يسير، ~~فالجدل شريعة وضعها الجدليون، وإليهم وضعها كيف شاؤوا، وتكلف الاحتراز أجمع ~~لنشر الكلام، وذلك بأن يقول: بيع صدر من أهله وصادف محله، وجمع شرطه، فيفيد ~~الملك ويقول سرق نصابا كاملا من حرز لا شبهة له فيه فيفيد القطع، فإن قيل: ~~فقد ذكرتم أن النقض إذا ورد على ms523 صوب جريان العلة وكان مستثنى عن القياس لم ~~يقبل فبم يعرف الاستثناء وما من معلل يرد عليه نقض إلا وهو يدعي ذلك، قلنا: ~~أما المجتهد فلا يعاند نفسه فيتبع فيه موجب ظنه، وأما المناظر فلا يقبل ذلك ~~منه، إلا أن يبين اضطرار الخصم إلى الاعتراف بأنه على خلاف قياسه أيضا، فإن ~~قياس أبي حنيفة في الحاجة إلى تعيين النية يوجب افتقار الحج إلى التعيين، ~~فهو خارج عن قياسه أيضا، فإن أمكنه إبراز قياس سوى مسألة النقض على قياس ~~نفسه كانت علته المطردة أولى من علته المنقوضة، ولم تقبل دعوى المعلل ~~PageV00P334 # أنه خارج عن القياس، فإن قيل: فحيث أوردتم مسألة المصراة مثالا فهل ~~تقولون إن العلة موجودة في مسألة المصراة، وهي تماثل الاجزاء، لكن اندفع ~~الحكم بمانع النص، كما تقولون في مسألة المغرور بحرية الولد، قلنا: لا، لان ~~التماثل ليس علة لذاته، بل يجعل الشرع إياه علامة على الحكم، فحيث لم يثبت ~~الحكم لم يجعله علامة فلم يكن علة، كما أنا لا نقول الشدة الموجودة قبل ~~تحريم الخمر كانت علة، لكن لم يرتب الشرع عليها الحكم، بل ما صارت علة إلا ~~حيث جعلها الشرع علة، وما جعلها علة إلا بعد نسخ إباحة الشرب، فكذلك ~~التماثل ليس علة في مسألة المصراة، بخلاف مسألة المغرور، فإن الحكم فيه ~~ثابت تقديرا، وكأنه ثبت ثم اندفع فهو في حكم المنقطع لا في حكم الممتنع، ~~ولو نصب شبكة ثم مات فتعقل بها صيد لقضى منه ديونه، ويستحقه ورثته لان نصب ~~الشبكة سبب ملك الناصب للصيد. ولكن الموت حالة تعقل الصيد دفع الملك فتلقاه ~~الوارث، وهو في حكم الثابت للميت المنتقل إلى الوارث، فليفهم دقيقة الفرق ~~بينهما. فإن قيل: إذا لم يكن التماثل علة في المصراة فقد انعطف به قيد على ~~التماثل، أفتقولون العلة في غير المصراة التماثل المطلق أو تماثل مضاف إلى ~~غير المصراة؟ فإن قلتم هو مطلق التماثل ومجرده فهو محال لأنه موجود في ~~المصراة ولا حكم. # وإن قلتم هو تماثل مضاف فليجب على المعلل ms524 الاحتراز، فإنه إذا ذكر التماثل ~~المطلق فقد ذكر بعض العلة، إذ ليست العلة مجرد التماثل، بل التماثل مع قيد ~~الإضافة إلى غير المصراة، وعند هذا يكون انتفاء الحكم في مسألة المصراة ~~لعدم العلة فلا يكون نقضا للعلة ولا تخصيصا، فإذا قال القائل: اقتلوا زيدا ~~لسواده، اقتضى ظاهره قتل كل أسود، فلو ظهر بنص قاطع أنه ليس يقتل إلا زيد ~~فقد بان أن العلة لم تكن السواد المطلق، بل سواد زيد وسواد زيد لا يوجد إلا ~~في زيد، فإن لم يقتل غيره فلعدم العلة لا لخصوص العلة ولا لانتقاضها ولا ~~لاستثنائها عن العلة. # والجواب: أن هذا منشأ تخبط الناس في هذه المسألة، وسبب غموضها أنهم ~~تكلموا في تسمية مطلق التماثل علة قبل معرفة حد العلة، وأن العلة الشرعية ~~تسمى علة أي اعتبار، وقد أطلق الناس اسم العلة باعتبارات مختلفة، ولم ~~يشعروا بها، ثم تنازعوا في تسمية مثل هذا علة، وفي تسمية مجرد السبب علة ~~دون المحل والشرط، فنقول: اسم العلة مستعار في العلامات الشرعية، وقد ~~استعاروها من ثلاثة مواضع على أوجه مختلفة: الأول: الاستعارة من العلة ~~العقلية، وهو عبارة عما يوجب الحكم لذاته، فعلى هذا لا يسمى التماثل علة ~~لأنه بمجرده لا يوجب الحكم، ولا يسمى السواد علة بل سواد زيد، ولا تسمى ~~الشدة المجردة علة، لأنه بمجرده لا يوجب الحكم بل شدة في زمان. الثاني: ~~الاستعارة من البواعث، فإن الباعث على الفعل يسمى علة الفعل فمن أعطى فقيرا ~~فيقال: أعطاه لفقره فلو علل به ثم منع فقيرا آخر فقيل له لم تعطه وهو فقير؟ ~~فيقول لأنه عدوي ومنع فقيرا ثالثا وقال: لأنه معتزلي، فلذلك لم أعطه فمن ~~تغلب على طبعه عجرفة الكلام وجدله، فقد يقول: أخطأ في تعليلك الأول، فكان ~~من حقك أن تقول أعطيته لأنه فقير وليس عدوا ولا هو معتزلي ومن بقي على ~~الاستقامة التي يقتضيها أصل الفطرة وطبع المحاورة لم يستبعد ذلك ولم يعده ~~متناقضا، وجوز أن يقول: أعطيته لأنه فقير، لان باعثه هو الفقر، وقد لا ms525 ~~يحضره عند الاعطاء العداوة والاعتزال ولا انتفاؤهما، ولو كانا جزأين ~~PageV00P335 # من الباعث لم ينبعث إلا عند حضورهما في ذهنه، وقد انبعث ولم يخطر بباله ~~إلا مجرد الفقر فمن جوز تسمية الباعث علة فيجوز أن يسي مجرد التماثل علة ~~لأنه الذي يبعثنا على إيجاب المثل في ضمانه، وإن لم يخطر ببالنا إضافته إلى ~~غير المصراة، فإنه قد لا تحضرنا مسألة المصراة أصلا في تلك الحالة. المأخذ ~~الثالث: لاسم العلة علة المريض وما يظهر المرض عنده كالبرودة فإنها علة ~~المرض مثلا، والمرض يظهر عقيب غلبة البرودة، وإن كان لا يحصل بمجرد ~~البرودة، بل ربما ينضاف إليها من المزاج الأصلي أمور مثلا كالبياض، لكن ~~انضاف المرض إلى البرودة الحادثة وكما ينضاف الهلاك إلى اللطم الذي تحصل ~~التردية به في، البئر، وإن كان مجرد اللطم لا يهلك دون البئر لكن يحال ~~بالحكم على اللطم لا على التردية التي ظهر بها الهلاك دون ما تقدم، وبهذا ~~الاعتبار سمى الفقهاء الأسباب عللا فقالوا: # علة القصاص القتل، وعلة القطع السرقة، ولم يلتفوا إلى المحل والشرط، فعلى ~~هذا المأخذ أيضا يجوز أن يسمى التماثل المطلق علة، وإذا عرف هذا المأخذ فمن ~~قال مجرد التماثل هل هو علة، فيقال له: ما الذي تفهم من العلة وما الذي ~~تعني بها؟ فإن عنيت بها الموجب للحكم فهذا بمجرده لا يوجب فلا يكون علة، ~~وهذا هو اللائق بمن غلب طبع الكلام، ولهذا أنكر الأستاذ أبو إسحق تخصيص ~~العلة وإن كانت منصوصة وقال: يصير التخصيص قيدا مضموما إلى العلة، ويكون ~~المجموع هو العلة وانتفاء الحكم عند انتفاء المجموع وفاء بالعلة، وليس بنقص ~~لها، وإن عنيت به الباعث أو ما يظهر الحكم به عند الناظر وإن غفل عن غيره ~~فيجوز تسميته علة، هذا حكم النظر في التسمية في حق المجتهد، أما الاحتراز ~~في الجدل فهو تابع للاصطلاح، ويقبح أن يكلف الاحتراز فيه فيقول: تماثل في ~~غير المصراة وشدة في غير ابتداء الاسلام وما يجري مجراه. وأعلم أن العلة إن ~~أخذت من العلة العقلية لم ms526 يكن للفرق بين المحل والعلة والشرط معنى بل العلة ~~المجموع والمحل والاهل وصف من أوصاف العلة: ولا فرق بين الجميع، لان العلة ~~هي العلامة، وإنما العلامة جملة الأوصاف والإضافات، نعم لا ينكر ترجيح ~~البعض على البعض في أحكام الضمان وغيرها، إذ يحال الضمان على المردي دون ~~الحافر، وإن كان الهلاك لا يتم إلا بهما لنوع من الترجيح. وكذلك لا ينكرون ~~أن تعجيل الزكاة قبل الحول لا يدل على تعجيل الزكاة قبل تمام النصاب، وإن ~~كان كل واحد لا بد منه، لكن ربما لا ينقدح للمجتهد التسوية بين جميع أجزاء ~~العلة ويراها متفاوتة في مناسبة الحكم، ولا يمتنع أيضا الاصطلاح على ~~التعبير عن البعض بالمحل وعن البعض بركن العلة، وهذا فيه كلام طويل ذكرناه ~~في كتاب شفاء الغليل، ولم نورده ههنا لأنها مباحث فقهية قد استوفيناها في ~~الفقه، فلا نطول الأصول بها. # - مسألة (تعليل الحكم بعلتين) اختلفوا في تعليل الحكم بعلتين. والصحيح ~~عندنا جوازه لان العلة الشرعية علامة، ولا يمتنع نصب علامتين على شئ واحد، ~~وإنما يمتنع هذا في العلل العقلية، ودليل جوازه وقوعه، فإن من لمس ومس وبال ~~في وقت واحد ينتقض وضوؤه، ولا يحال على واحد من هذه الأسباب، ومن أرضعته ~~زوجة أخيك وأختك أيضا أو جمع لبنهما وانتهى إلى حلق المرضع في لحظة واحدة ~~حرمت عليك، لأنك خالها وعمها والنكاح فعل واحد، وتحريمه حكم PageV00P336 # واحد، ولا يمكن أن يحال على الخؤولة دون العمومة أو بعكسه، ولا يمكن أن ~~يقال: هما تحريمان وحكمان، بل التحريم له حد واحد وحقيقة واحدة، ويستحيل ~~اجتماع مثلين، نعم لو فرض رضاع ونسب فيجوز أن يرجح: النسب لقوته، أو اجتمع ~~ردة وعدة وحيض فيحرم الوطئ، فيجوز أن يتوهم تعديد التحريمات ولو قتل وارتد ~~فيجوز أن يقال المستحق قتلان ولو قتل شخصين فكذلك، ولو باع حرا بشرط خيار ~~مجهول ربما قيل: علة البطلان الحرية دون الخيار، فهذه أوهام ربما تنقدح في ~~بعض المواضع، وإنما فرضناه في اللمس والمس والخؤولة والعمومة لدفع هذه ~~الخيالات، فدل هذا ms527 على إمكان نصب علامتين على حكم واحد وعلى وقوعه أيضا، ~~فإن قيل: فإذا قاس المعلل على أصل بعلة فذكر المعترض علة أخرى في الأصل بطل ~~قياس المعلل، وإن أمكن الجمع بين علتين فلم يقبل هذا الاعتراض فنقول: إنما ~~يبطل به استشهاده بالأصل إن كانت علته ثابتة بطريق المناسبة المجردة دون ~~التأثير، أو بطريق العلامة الشبيهة أما إن كان بطريق التأثير، أعني ما دل ~~النص أو الاجماع على كونه علة، فاقتران علة أخرى بها لا يفسدها، كالبول ~~والمس والخؤولة والعمومة في الرضاع، إذ دل الشرع على أن كل واحد من ~~المعنيين علة على حيالها، أما إذا كان إثباته بشهادة الحكم والمناسبة انقطع ~~الظن بظهور علة أخرى. مثاله: إن من أعطى إنسانا فوجدناه فقيرا ظننا أنه ~~أعطاه لفقره وعللناه به، وإن وجدناه قريبا عللنا بالقرابة، فإن ظهر لنا ~~الفقر بعد القرابة أمكن أن يكون الاعطاء للفقر لا للقرابة، أو يكون لاجتماع ~~الامرين، فيزول ذلك الظن، لان تمام ذلك الظن بالسبر، وهو أنه لا بد من باعث ~~على العطاء، ولا باعث إلا الفقر، فإذا هو الباعث أو لا باعث إلا القرابة ~~فإذا هو الباعث، فإذا ظهرت علة أخرى بطلت إحدى مقدمتي السبر، وهو أنه لا ~~باعث إلا كذا، وكذلك عتقت بريرة تحت عبد، فخيرها النبي عليه السلام فيقول ~~أبو حنيفة خيرها لملكها نفسها ولزوال قهر الرق عنها، فإنها كانت مقهورة في ~~النكاح، وهذا مناسب، فيبني عليه تخييرها، وإن عتقت تحت حر فقلنا: العلة ~~خيرها لتضررها بالمقام تحت عبد، ولا يجري ذلك في الحر فكيف يلحق به، وإمكان ~~هذا يقدح في الظن الأول، فإنه لا دليل له عليه إلا المناسبة، ودفع الضرر ~~أيضا مناسب، وليست الحوالة على ذلك أولى من هذا، إلا أن يظهر ترجيح لاحد ~~المعنيين، وأما مثال العلامة الشبهية فعلة الربا فإنه لم يذهب أحد إلى ~~الجمع بين القوت والطعم والكيل، على أن كل واحد علة، لأنه لم يقم دليل من ~~جهة النص والاجماع، بل طريقة إظهار الضرورة في طلب علامة ضابطة ms528 مميزة مجرى ~~الحكم عن موقعه إذ جرى الربا في الخبز والعجين مع زوال اسم البر، فلا يتم ~~النظر إلا بقولنا، ولا بد من علامة، ولا علامة أولى من الطعم، فإذا هو ~~العلامة، فإذا ظهرت علامة أخرى مساوية بطلت المقدمة الثانية من النظر، ~~فانقطع الظن، والحاصل أن كل تعليل يفتقر إلى السبر فمن ضرورته اتحاد العلة، ~~وإلا انقطع شهادة الحكم للعلة، وما لا يفتقر إلى السبر كالمؤثر فوجود علة ~~أخرى لا يضر، وقد ذكرنا هذا في خواص هذه الأقيسة. # - مسألة (اشتراط العكس في العلة) اختلفوا في اشتراط العكس في العلل ~~الشرعية، وهذا الخلاف لا معنى له، بل لا بد من تفصيل، وقبل التفصيل فاعلم ~~أن العلامات الشرعية دلالات، فإذا جاز اجتماع PageV00P337 # دلالات لم يكن من ضرورة انتفاء بعضها انتفاء الحكم، لكنا نقول: إن لم يكن ~~للحكم إلا علة واحدة فالعكس لازم لا، لان انتفاء العلة يوجب انتفاء الحكم، ~~بل لان الحكم لا بد له من علة، فإذا اتحدت العلة وانتفت، فلو بقي الحكم ~~لكان ثابتا بغير سبب، أما حيث تعددت العلة فلا يلزم انتفاء الحكم عند ~~انتفاء بعض العلل، بل عند انتفاء جميعها. والذي يدل على لزوم العكس عند ~~اتحاد العلة أنا إذا قلنا: لا تثبت الشفعة للجار، لان ثبوتها للشريك معلل ~~بعلة الضرر اللاحق من التزاحم على المرافق المتخذة من المطبخ والخلاء ~~والمطرح للتراب ومصعد السطح وغيره، فلأبي حنيفة أن يقول: هذا لا مدخل له في ~~التأثير، فإن الشفعة ثابتة في العرصة البيضاء وما لا مرافق له، فهذا الآن ~~عكس، وهو لازم، لأنه يقول: لو كان هذا مناطا للحكم لانتفى الحكم عند ~~انتفائه فنقول: السبب فيه ضرر مزاحمة الشركة فنقول: # لو كان كذلك لثبت في شركة العبيد والحيوانات والمنقولات، فإن قلنا: ضرر ~~الشركة فيما يبقى ويتأبد فيقول: فلتجز في الحمام الصغير، وما لا ينقسم فلا ~~يزال يؤاخذنا بالطرد والعكس، وهي مؤاخذة صحيحة إلى أن نعلل بضرر مؤونة ~~القسمة، ونأتي بتمام قيود العلة، بحيث يوجد الحكم بوجودها ويعدم بعدمها، ~~وهذا المكان ms529 أنا أثبتنا هذه العلة بالمناسبة، وشهادة الحكم لها لوروده على ~~وفقها وشرط مثل هذه العلة الاتحاد وشرط الاتحاد العكس، فإن قيل: ولفظ العكس ~~هل يراد به معنى سوى انتفاء الحكم عند انتفاء العلة؟ قلنا: هذا هو المعنى ~~الأشهر، وربما أطلق على غيره بطريق التوهم كما يقول الحنفي لما لم يجب ~~القتل بصغير المثقل لم يجب بكبيره بدليل عكسه، وهو أنه لما وجب بكبير ~~الجارح وجب بصغيرة، وقالوا: لما سقط بزوال العقل جميع العبادات ينبغي أن ~~يجب برجوع العقل جميع العبادات، وهذا فاسد لأنه لا مانع من أن يرد الشرع ~~بوجوب القصاص بكل جارح وإن صغر، ثم يخصص في المثقل بالكبير، ولا بعد في أن ~~يكون العقل شرطا في العبادات، ثم لا يكفي مجرده للوجوب، بل يستدعي شرطا ~~آخر. # - مسألة (هل تصح العلة القاصرة أم لا؟) العلة القاصرة صحيحة، وذهب أبو ~~حنيفة إلى إبطالها، ونحن نقول: أولا ينظر الناظر في استنباط العلة وإقامة ~~الدليل على صحتها بالايماء أو بالمناسبة أو تضمن المصلحة المبهمة، ثم بعد ~~ذلك ينظر، فإن كان أعم من النص عدي حكمها وإلا اقتصر، فالتعدية فرع الصحة، ~~فكيف يكون ما يتبع الشئ مصححا له؟ فإن قيل: كما أن البيع يراد للملك ~~والنكاح للحل، فإذا تخلفت فائدتهما قيل أنهما باطلان، فكذلك العلة تراد ~~لاثبات الحكم بها في غير محل النص، فإذا لم يثبت بها حكم كانت باطلة لخلوها ~~عن الفائدة، وللجواب منهاجان: أحدهما: أن نسلم عدم الفائدة ونقول: إن عنيتم ~~بالبطلان أنه لا يثبت بها حكم في غير محل النص فهو مسلم، ونحن لا نعني ~~بالصحة إلا أن الناظر ينظر ويطلب العلة. ولا ندري أن ما سيفضي إليه نظره ~~قاصر أو متعد، ويصحح العلة بما يغلب على ظنه من مناسبة أو مصلحة أو تضمن ~~مصلحة، ثم يعرف بعد ذلك تعديه أو قصوره، فما ظهر من قصوره لا ينعطف فسادا ~~على مأخذ ظنه ونظره، ولا ينزع من قلبه ما قر في نفسه من التعليل، فإذا ~~فسرنا الصحة بهذا القدر لم يمكن ms530 جحده، وإذا فسروا البطلان بما ذكروه لم ~~نجحده وارتفع PageV00P338 # الخلاف. الثاني: أنا لا نسلم عدم الفائدة، بل له فائدتان: الأولى: معرفة ~~باعث الشرع ومصلحة الحكم استمالة للقلوب إلى الطمأنينة والقبول بالطبع ~~والمسارعة إلى التصديق، فإن النفوس إلى قبول الاحكام المعقولة الجارية على ~~ذوق المصالح أميل منها إلى قهر التحكم ومرارة التعبد، ولمثله هذا الغرض ~~استحب الوعظ، وذكر محاسن الشريعة ولطائف معانيها وكون المصلحة مطابقة للنص، ~~وعلى قدر حذقه يزيدها حسنا وتأكيدا، فإن قيل: هذا إنما يجري في المناسب دون ~~الأوصاف الشبيهة مثل النقدية في الدراهم والدنانير، وقد جوزتم التعليل بمثل ~~هذه العلة القاصرة؟ قلنا: تعريف الاحكام بمعان توهم الاشتمال على مصلحة ~~ومناسبة أقرب إلى العقول من تعريفها بمجرد الإضافة إلى الأسامي، فلا تخلو ~~من فائدة، ثم إن لم تجر هذه الفائدة في العلة الشبهية فالفائدة الثانية ~~جارية. الفائدة الثانية: المنع من تعدية الحكم عند ظهور علة أخرى متعدية ~~إلا بشرط الترجيح، فإن قيل: تمتنع تعدية الحكم لا بظهور علة قاصرة، بل بأن ~~لا تظهر علة متعدية، فأي حاجة إلى العلة القاصرة، وإن ظهرت علة متعدية فلا ~~يمتنع التعليل بالعلة القاصرة، بل يعلل الحكم في الأصل بعلتين، وفي الفرع ~~بعلة واحدة قلنا: ليس كذلك، فإن كل علة مخيلة أو شبهية، فإنما تثبت بشهادة ~~الحكم وتتم بالسبر، وشرطه الاتحاد كما سبق، فإذا ظهرت علة أخرى انقطع الظن، ~~فإذا ظهرت علة متعدية يجب تعدية الحكم، فإن أمكن التعليل بعلة قاصرة عارضت ~~المتعدية ودفعتها إلا إذا اختصت المتعدية بنوع ترجيح، فإذا أفادت القاصرة ~~دفع المتعدية التي تساويها والمتعدية دفع القاصرة وتقاوما بقي الحكم مقصورا ~~على النص، ولولا القاصرة لتعدي الحكم، فإن قيل: # إنما تصح العلة بفائدتها الخاصة بها، وفائدة العلة الحكم بالفرع دون حكم ~~الأصل، فإن حكم الأصل ثابت بالنص لا بالعلة: إنما الذي يثبت بالعلة حكم ~~الفرع، إذ فائدتها تعدية الحكم، فإذا لم تكن تعدية فلا حكم للعلة قلنا: ~~قولكم فائدة العلة حكم الفرع محال، لأن علة تحريم الربا في البر طعم البر، ms531 ~~ولا تحرم الذرة بطعم البر، بل بطعم الذرة، فحكم الفرع فائدة علة في الفرع ~~لا فائدة علة في الأصل، وقولكم: حكمها التعدية محال، فإن لفظ التعدية تجوز ~~واستعارة، وإلا فالحكم لا يتعدى من الأصل إلى الفرع، بل يثبت في الفرع مثل ~~حكم الأصل عند وجود مثل تلك العلة، فلا حقيقة للتعدي، ويتولد من هذا النظر ~~مسألة وهي: أن العلة إذا كانت متعدية فالحكم في محل النص يضاف إلى العلة أو ~~إلى النص، فقال أصحاب الرأي: # يضاف إلى النص، لان الحكم مقطوع به في المنصوص، والعلة مظنونة، فكيف يضاف ~~مقطوع إلى مظنون؟ وقال أصحابنا: يضاف إلى العلة، وهو نزاع لا تحقيق تحته، ~~فإنا لا نعني بالعلة إلا باعث الشرع على الحكم، فإنه لو ذكر جميع المسكرات ~~بأسمائها فقال: لا تشربوا الخمر والنبيذ وكذا وكذا، ونص على جميع مجاري ~~الحكم لكان استيعابه مجاري الحكم لا يمنعنا من أن نظن أن الباعث له على ~~التحريم الاسكار، فنقول: الحكم مضاف إلى الخمر والنبيذ بالنص، ولكن الإضافة ~~إليه معلل بالشدة، بمعنى أن باعث الشرع على التحريم هو الشدة، وقولهم: إنه ~~مظنون، فنقول: ونحن لا نزيد على أن نقول: نظن أن باعث الشرع الشدة، فلا ~~يسقط هذا الظن باستيعاب مجاري الحكم، ولا حجر علينا في أن نصدق فنقول: إنما ~~نظن PageV00P339 # كذا مهما ظننا ذلك. فإن قيل: الظن جهل إنما يجوز لضرورة العمل، والعلة ~~القاصرة لا يتعلق بها عمل، فلا يجوز الهجرة عليها برجم الظنون وعند هذا كاع ~~بعض الأصحاب وقال: إن كانت منصوصة جاز إضافة الحكم إليها في محل النص، ~~كالسرقة مثلا، وإلا فلا، ونحن نقول: # لا مانع من هذا الظن للفائدتين المذكورتين: إحداهما: استمالة القلوب إلى ~~حسن التصديق والانقياد وأكثر المواعظ على هذه الصفة ظنية، وخلقت طباع ~~الآدميين مطيعة للظنون بل للأوهام، وأكثر بواعث الناس على أعمالهم وعقائدهم ~~في مصادرهم ومواردهم ظنون. # الفائدة الثانية: مدافعة العلة المعارضة له كما سبق. # خاتما لهذا الباب فيما يفسد العلة قطعا وما يفسدها ظنا واجتهادا ومثارات ~~فساد العلل القطعية ms532 أربعة: # الأول: الأصل، وشروطه أربعة: الأول: أن يكون حكما شرعيا، فإن كان عقليا ~~فلا يمكن أن يعلل بعلة تثبت حكما سمعيا. الثاني: أن يكون حكم الأصل معلوما ~~بنص أو إجماع، فإن كان مقيسا على أصل فهو فرع، فالقياس عليه باطل قطعا إن ~~لم يكن الجامع هو علة الأصل الأول، وإن كان هو تلك العلة فتعيين الفرع مع ~~إمكان القياس على الأصل عبث بلا فائدة. والثالث: أن يكون الأصل قابلا ~~للتعليل لا كوجوب شهر رمضان وتقدير صلاة المغرب بثلاث ركعات وأمثاله، وكان ~~هذا فاسدا من جهة عدم الدليل على صحة العلة. # الرابع: أن يكون الأصل المستنبط منه غير منسوخ، فإن المنسوخ كان أصلا، ~~وليس هو الآن أصلا، وليس من هذا القبيل قياس رمضان على صوم عاشوراء في ~~التبييت، فإن من سلم وجوبه في ابتداء الاسلام وسلم افتقاره إلى التبييت لم ~~يبعد أن يستشهد به على رمضان الذي أبدل وجوب عاشوراء، به، فإن المنسوخ نفس ~~الوجوب وليس نقيس في الوجوب، لكن في مأخذ دلالة الوجوب على الحاجة إلى ~~التبييت، وهذا أيضا وإن كان قريبا فلا يخلو عن نظر. # المثار الثاني: أن يكون من جهة الفرع، وله وجوه ثلاثة: الأول: أن يثبت في ~~الفرع خلاف حكم الأصل، مثاله قوله: بلغ برأس المال في السلم أقصى مراتب ~~الأعيان، فليبلغ بعوضه أقصى مراتب الديون قياسا لاحد العوضين على الآخر، ~~فهذا باطل قطعا، لأنه خلاف صورة القياس، إذ القياس لتعدية الحكم، وليس هذا ~~تعدية. الثاني: أن تثبت العلة في الأصل حكما مطلقا، ولا يمكن أن تثبت في ~~الفرع إلا بزيادة أو نقصان، فهو باطل قطعا، لأنه ليس على صورة تعدية: الحكم ~~فلا يكون قياسا مثاله قولهم: شرع في صلاة الكسوف ركوع زائد، لأنها صلاة ~~تشرع فيها الجماعة، فتختص بزيادة كصلاة الجمعة، فإنها تختص بالخطبة، وصلاة ~~العيد، فإنها تختص بالتكبيرات، وهذا فاسد، فإنه ليس يتمكن من تعدية الحكم ~~على وجه وتفصيله. الثالث: # أن لا يكون الحكم اسما لغويا، فقد بينا أن اللغة لا تثبت قياسا، وتلك ~~المسألة ms533 قطعية، وربما جعلها قوم مسألة اجتهادية، وإثبات اسم الزنا والسرقة ~~والخمر للائط والنباش والنبيذ من هذا القبيل، فكان هذا بالمثار الأول أليق. ~~PageV00P340 # المثار الثالث: أن يرجع الفساد إلى طريق العلة وهو على أوجه: الأول: ~~انتفاء دليل على صحة العلة فإنه دليل قاطع على فاسدها، فمن استدل على صحة ~~علته بأنه لا دليل على فسادها فقياسه باطل قطعا، وكذلك إن استدل بمجرد ~~الاطراد إن لم ينضم إليه سبر، وربما رأي بعضهم إبطال الطرد في محل ~~الاجتهاد. الثاني: أن يستدل على صحة العلة بدليل عقلي فهو باطل قطعا، فإن ~~كون الشئ علة للحكم أمر شرعي. الثالث: أن تكون العلة دافعة للنص ومناقضة ~~لحكم منصوص، فالقياس على خلاف النص باطل قطعا. وكذا على خلاف الاجماع. # وكذلك ما يخالف العلة المنصوصة، كتعليل تحريم الخمر بغير الاسكار المثير ~~للعداوة والبغضاء، وليس التعليل بالكيل من هذا الجنس، وإن دفع قوله: لا ~~تبيعوا الطعام بالطعام ولأنه إيماء إلى التعليل بالطعم، وليس بصريح لا يقبل ~~التأويل، وليس من هذا القبيل التعليل بعلة غير علة صاحب الشرع مع تقرير ~~العلة المنصوصة، فإن النص على علة واحدة لا يمنع وجود علة أخرى، ولذلك يجوز ~~تعليل الحكم بغير ما علل به الصحابة إذا لم تدفع علتهم إذ لم يكن فرض ~~الصحابة استنباط جميع العلل. # المثار الرابع: وضع القياس في غير موضعه، كمن أراد أن يثبت أصل القياس أو ~~أصل خبر ا لواحد بالقياس، فقاس الرواية على الشهادة، وكذلك المسائل ~~الأصولية العقلية لا سبيل إلى إثباتها بالأقيسة الظنية، فاستعمال القياس ~~فيها وضع له في غير موضعه، هذه المفسدات القطعية القسم الثاني. في المفسدات ~~الظنية الاجتهادية التي نعني بفسادها أنها فاسدة عندنا: # وفي حقنا إذ لم تغلب على ظننا وهي صحيحة في حق من غلبت على ظنه، ومن قال: # المصيب واحد فيقول: هي فاسد ة في نفسها لا بالإضافة إلى أني أجوز أن أكون ~~أنا المخطئ وعلى الجملة لا تأثيم في محل الاجتهاد، ومن خالف الدليل القطعي ~~فهو آثم، وهذه المفسدات تسع: الأول: ms534 العلة المخصوصة باطلة عند من لا يرى ~~تخصيص العلة صحيحة عند من يبقى ظنه مع التخصيص. الثاني: علة مخصصة لعموم ~~القرآن هي صحيحة عندنا فاسدة عند من رأى تقديم العموم على القياس. الثالث: ~~علة عارضتها علة تقتضي نقيض حكمها، فاسدة عند من يقول: المصيب واحد صحيحة ~~عند من صوب كل مجتهد وهما علامتان لحكمين في حق المجتهدين، وفي حق مجتهد ~~واحد في حالتين، فإن اجتمعا في حالة واحدة. فقد نقول إنه يوجب التخيير كما ~~سيأتي. الرابع: أن لا يدل على صحتها إلا الطرد والعكس وقد يقال: ما يدل ~~عليه مجرد الاطراد فهو أيضا في محل الاجتهاد. الخامس: أن يتضمن زيادة على ~~النص كما في مسألة الرقبة الكافرة. السادس: القياس في الكفارات والحدود، ~~وقد ذكرنا في هذا ما يظن أنه يرفع الخلاف. السابع: ذهب قوم إلى أنه لا يجوز ~~انتزاع العلة من خبر الواحد، بل ينبغي أن تؤخذ من أصل مقطوع به، وهذا فاسد، ~~ولا يبعد من أن يكون فساده مقطوعا به. الثامن: علة تخالف مذهب الصحابة، وهي ~~فاسدة عند من يوجب اتباع الصحابة وإن كان المنع من تقليد الصحابي مسألة ~~اجتهادية، فهذا مجتهد فيه ولا يبعد أن يقول بطلان ذلك المذهب مقطوع به. ~~التاسع: أن يكون وجود العلة في الفرع مظنونا PageV00P341 # لا مقطوعا به، وقد ذكرنا فيه خلافا والله أعلم. هذه هي المفسدات. ووراء ~~هذا اعتراضات مثل المنع وفساد الوضع وعدم التأثير والكسر والفرق والقول ~~بالموجب والتعدية والتركيب وما يتعلق فيه تصويب نظر المجتهدين قد انطوى تحت ~~ما ذكرناه وما لم يندرج تحت ما ذكرناه فهو نظر جدلي يتبع شريعة الجدل التي ~~وضعها الجدليون باصطلاحهم فإن لم يتعلق بها فائدة دينية فينبغي أن تشح على ~~الأوقات أن تضيعها بها، وتفصيلها وإن تعلق بها فائدة من ضم نشر الكلام ورد ~~كلام المناظرين إلى مجرى الخصام كيلا يذهب كل واحد عرضا وطولا في كلامه ~~منحرفا عن مقصد نظره، فهي ليست فائدة من جنس أصول الفقه، بل هي من علم ~~الجدل، فينبغي أن ms535 تفرد بالنظر، ولا تمزح بالأصول التي يقصد بها تذليل طرق ~~الاجتهاد للمجتهدين. وهذا آخر القطب الثالث المشتمل على طرق استثمار ~~الاحكام إما من صيغة اللفظ وموضوعه أو إشارته ومقتضاه ومعقوله، ومعناه فقد ~~استوفيناه والله أعلم. # القطب الرابع في حكم المستثمر وهو المجتهد ويشتمل هذا القطب على ثلاثة ~~فنون: فن في الاجتهاد، وفين في التقليد، وفن في ترجيح المجتهد دليلا على ~~دليل عند التعارض. # الفن الأول في الاجتهاد والنظر في أركانه وأحكامه أما أركانه فثلاثة ~~المجتهد والمجتهد فيه نفس الاجتهاد الركن الأول في نفس الاجتهاد: وهو عبارة ~~عن بذل المجهود واستفراغ الوسع في فعل من الافعال ولا يستعمل إلا فيما فيه ~~كلفة وجهد فيقال اجتهد في حمل حجر الرحا ولا يقال اجتهد في حمل خردلة لكن ~~صار اللفظ في عرف العلماء مخصوصا ببذل المجتهد وسعه في طلب العلم بأحكام ~~الشريعة والاجتهاد التام أن يبذل الوسع في الطلب بحيث يحس من نفسه بالعجز ~~عن مزيد طلب. # الركن الثاني المجتهد: وله شرطان: أحدهما: أن يكون محيطا بمدارك الشرع ~~متمكنا من استثارة الظن بالنظر فيها وتقديم ما يجب تقديمه وتأخير ما يجب ~~تأخيره. والشرط الثاني: أن يكون عدلا مجتنبا للمعاصي القادحة في العدالة، ~~وهذا يشترط لجواز الاعتماد على فتواه، فمن ليس عدلا فلا تقبل فتواه. أما هو ~~في نفسه فلا فكأن العدالة شرط القبول للفتوى لا شرط صحة الاجتهاد، فإن قيل: ~~متى يكون محيطا بمدارك الشرع، وما تفصيل العلوم التي لا بد منها لتحصيل ~~منصب الاجتهاد؟ قلنا: إنما يكون متمكنا من الفتوى بعد أن يعرف المدارك ~~المثمرة للأحكام، وأن يعرف كيفية الاستثمار والمدارك المثمرة للأحكام كما ~~فصلناها أربعة: الكتاب، والسنة، والاجماع، والعقل. وطريق الاستثمار يتم ~~بأربعة علوم: # اثنان مقدمان، واثنان متممان، وأربعة في الوسط، فهذه ثمانية فلنفصلها ~~ولننبه فيها على دقائق أهملها الأصوليون، أما كتاب الله عز وجل فهو الأصل، ~~ولا بد من معرفته ولنخفف عنه أمرين. أحدهما: إنه لا يشترط معرفة جميع ~~الكتاب، بل ما تتعلق به الاحكام منه وهو مقدار خمسمائة آية. ms536 الثاني: لا ~~يشترط حفظها عن ظهر قلبه، بل أن يكون عالما بمواضعها بحيث PageV00P342 # يطلب فيها الآية المحتاج إليها في وقت الحاجة، وأما السنة فلا بد من ~~معرفة الأحاديث التي تتعلق بالأحكام، وهي وإن كانت زائدة على ألوف فهي ~~محصورة وفيها التخفيفان المذكوران، إذ لا يلزمه معرفة ما يتعلق من الأحاديث ~~بالمواعظ وأحكام الآخرة وغيرها الثاني: لا يلزمه حفظها عن ظهر قلبه بل أن ~~يكون عنده أصل مصحح لجميع الأحاديث المتعلقة بالأحكام، كسنن أبي داود ~~ومعرفة السنن لأحمد البيهقي أو أصل وقعت العناية فيه بجميع الأحاديث ~~المتعلقة بالأحكام ويكفيه أن يعرف مواقع كل باب فيراجعه وقت الحاجة إلى ~~الفتوى، وإن كان يقدر على حفظه فهو أحسن وأكمل. وأما الاجماع فينبغي أن ~~تتميز عنده مواقع الاجماع حتى لا يفتي بخلاف الاجماع كما يلزمه معرفة ~~النصوص حتى لا يفتي بخلافها، والتخفيف في هذا الأصل أنه لا يلزمه أن يحفظ ~~جميع مواقع الاجماع والخلاف، بل كل مسألة يفتي فيها فينبغي أن يعلم أن ~~فتواه ليس مخالفا للاجماع إما بأن يعلم أنه موافق مذهبا من مذاهب العلماء ~~أيهم كان أو يعلم أن هذه واقعة متولدة في العصر لم يكن لأهل الاجماع فيها ~~خوض فهذا القدر فيه كفاية، وأما العقل فنعني به مستند النفي الأصلي ~~للأحكام، فإن العقل قد دل على نفي الحرج في الأقوال والافعال، وعلى نفي ~~الاحكام عنها من صور لا نهاية لها، أما ما استثنته الأدلة السمعية من ~~الكتاب والسنة فالمستثناة محصورة، وإن كانت كثيرة، فينبغي أن يرجع في كل ~~واقعة إلى النفي الأصلي والبراءة الأصلية، ويعلم أن ذلك لا يغير إلا بنص أو ~~قياس على منصوص، فيأخذ في طلب النصوص، وفي معنى النصوص الاجماع، وأفعال ~~الرسول بالإضافة إلى ما يدل عليه الفعل على الشرط الذي فصلناه هذه المدارك ~~الأربعة. فأما العلوم الأربعة التي بها يعرف طرق الاستثمار فعلمان مقدمان: ~~أحدهما: # معرفة نصب الأدلة وشروطها التي بها تصير البراهين والأدلة منتجة والحاجة ~~إلى هذا تعم المدارك الأربعة. والثاني: معرفة اللغة والنحو على وجه ms537 يتيسر ~~له به فهم خطاب العرب، وهذا يخص فائدة الكتاب والسنة، ولكل واحد من هذين ~~العلمين تفصيل وفيه تخفيف وتثقيل، أما تفصيل العلم الأول فهو أن يعلم أقسام ~~الأدلة وأشكالها وشروطها، فيعلم أن الأدلة ثلاثة عقلية تدل لذاتها وشرعية ~~صارت أدلة بوضع الشرع، ووضعية وهي العبارات اللغوية ويحصل تمام المعرفة فيه ~~بما ذكرناه في مقدمة الأصول من مدارك العقول لا بأقل منه فإن من لم يعرف ~~شروط الأدلة لم يعرف حقيقة الحكم ولا حقيقة الشرع، ولم يعرف مقدمة الشارع، ~~ولا عرف من أرسل الشارع، ثم قالوا: لا بد أن يعرف حدوث العالم وافتقاره إلى ~~محدث موصوف بما يجب لهو من الصفات منزه عما يستحيل عليه، وأنه متعبد عباده ~~ببعثة الرسل وتصديقهم بالمعجزات، وليكن عارفا بصدق الرسول، والنظر في ~~معجزته، والتخفيف في هذا عندي أن القدر الواجب من هذه الجملة اعتقاد جازم، ~~إذ به يصير مسلما، والاسلام شرط المفتي لا محالة، فأما مجاوزة حد التقليد ~~فيه إلى معرفة الدليل فليس بشرط أيضا لذاته لكنه يقع من ضرورة منصب ~~الاجتهاد، فإنه لا يبلغ رتبة الاجتهاد في العلم إلا وقد قرع سمعه أدلة خلق ~~العالم وأوصاف الخالق وبعثة الرسل وإعجاز القرآن، فإن كل ذلك يشتمل عليه ~~كتاب الله، وذلك محصل للمعرفة الحقيقية، مجاوز بصاحبه حد التقليد ~~PageV00P343 # وإن لم يمارس صاحبه صنعة الكلام فهذا من لوازم منصب الاجتهاد حتى لو تصور ~~مقلد محض في تصديق الرسول وأصول الايمان لجاز له الاجتهاد في الفروع. أما ~~المقدمة الثانية فعلم اللغة والنحو أعني القدر الذي يفهم به خطاب العرب ~~وعادتهم في الاستعمال إلى حد يميز بين صريح الكلام وظاهره ومجمله، وحقيقته ~~ومجازه، وعامه وخاصه، ومحكمه ومتشابهة ومطلقه ومقيده ونصه وفحواه، ولحنه ~~ومفهومه، والتخفيف فيه أنه لا يشترط أن يبلغ درجة الخليل والمبرد وأن يعرف ~~جميع اللغة ويتعمق في النحو، بل القدر الذي يتعلق بالكتاب والسنة ويستولي ~~به على مواقع الخطاب ودرك حقائق المقاصد منه، وأما العلمان المتممان ~~فأحدهما: معرفة الناسخ والمنسوخ من الكتاب والسنة، وذلك في آيات ms538 وأحاديث ~~مخصوصة، والتخفيف فيه أن لا يشترط أن يكون جميعه على حفظه، بل كل واقعة ~~يفتي فيها بآية أو حديث فينبغي أن يعلم أن ذلك الحديث وتلك الآية ليست من ~~جملة المنسوخ، وهذا يعم الكتاب والسنة. الثاني: وهو يخص السنة معرفة ~~الرواية، وتمييز الصحيح منها عن الفاسد والمقبول عن المردود، فإن ما لا ~~ينقله العدل عن العدل فلا حجة فيه، والتخفيف فيه أن كل حديث يفتى به مما ~~قبلته الأمة، فلا حاجة، به إلى النظر في إسناده، وإن خالفه بعض العلماء ~~فينبغي أن يعرف رواته وعدالتهم، فإن كانوا مشهورين عنده كما يرويه الشافعي ~~عن مالك عن نافع عن ابن عمر مثلا اعتمد عليه، فهؤلاء قد تواتر عند الناس ~~عدالتهم وأحوالهم والعدالة إنما تعرف بالخبرة والمشاهدة، أو بتواتر الخبر، ~~فما نزل عنه فهو تقليد، وذلك بأن يقلد البخاري ومسلما في أخبار الصحيحين، ~~وإنهما ما رووها إلا عمن عرفوا عدالته فهذا مجرد تقليد، وإنما يزول التقليد ~~بأن يعرف أحوال الرواة بتسامع أحوالهم وسيرهم، ثم ينظر في سيرهم أنها تقتضي ~~العدالة أم لا، وذلك طويل، وهو في زماننا مع كثرة الوسائط عسير. والتخفيف ~~فيه أن يكتفي بتعديل الإمام العدل بعد أن عرفنا أن مذهبه في التعديل مذهب ~~صحيح، فإن المذاهب مختلفة فيما يعدل به ويجرح فإن من مات قبلنا بزمان ~~امتنعت الخبرة و المشاهدة في حقه، ولو شرط أن تتواتر سيرته فذلك لا يصادف ~~إلا في الأئمة المشهورين، فيقلد في معرفة سيرته عدلا فيما يخبر فنقلده في ~~تعديله، بعد أن عرفنا صحة مذهبه في التعديل فإن جوزنا للمفتي الاعتماد على ~~الكتب الصحيحة التي ارتضى الأئمة رواتها قصر الطريق على المفتي، وإلا طال ~~الامر، وعسر الخطب في هذا الزمان مع كثرة الوسائط، ولا يزال الامر يزداد ~~شدة بتعاقب الاعصار، فهذه هي العلوم الثمانية التي يستفاد بها منصب ~~الاجتهاد ومعظم ذلك يشتمل عليه ثلاثة فنون: علم الحديث، وعلم اللغة، وعلم ~~أصول الفقه، فأما الكلام وتفاريع الفقه فلا حاجة إليهما، وكيف يحتاج إلى ~~تفاريع الفقه وهذه ms539 التفاريع يولدها المجتهدون ويحكمون فيها بعد حيازة منصب ~~الاجتهاد، فكيف تكون شرطا في منصب الاجتهاد وتقدم الاجتهاد عليها شرط، نعم: ~~إنما يحصل منصب الاجتهاد في زماننا بممارسته، فهو طريق تحصيل الدربة في هذا ~~الزمان ولم يكن الطريق في زمان الصحابة ذلك، ويمكن الآن سلوك طريق الصحابة ~~أيضا. # دقيقة في التخفيف يغفل عنها الأكثرون: اجتماع هذه العلوم الثمانية، إنما ~~يشترط في PageV00P344 # حق المجتهد المطلق الذي يفتي في جميع الشرع، وليس الاجتهاد عندي منصبا لا ~~يتجزأ بل يجوز أن يقال للعالم بمنصب الاجتهاد في بعض الأحكام دون بعض، فمن ~~عرف طريق النظر القياسي فله أن يفتي في مسألة قياسية وإن لم يكن ماهرا في ~~علم الحديث، فمن ينظر في مسألة المشتركة يكفيه أن يكون فقيه النفس عارفا ~~بأصول الفرائض ومعانيها، وإن لم يكن قد حصل الاخبار التي وردت في مسألة ~~تحريم المسكرات أو في مسألة النكاح بلا ولي، فلا استمداد لنظر هذه المسألة ~~منها، ولا تعلق لتلك الأحاديث بها، فمن أين تصير الغفلة عنها أو القصور عن ~~معرفتها نقصا، ومن عرف أحاديث قتل المسلم بالذمي وطريق التصرف فيه فما يضره ~~قصوره عن علم النحو الذي يعرف قوله تعالى: * (وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى ~~الكعبين) * (المائدة: 6) وقس عليه ما في معناه، وليس من شرط المفتي أن يجيب ~~عن كل مسألة، فقد سئل مالك رحمه الله عن أربعين مسألة فقال في ستة وثلاثين ~~منها: لا أدري، وكم توقف الشافعي رحمه الله، بل الصحابة في المسائل، فإذا ~~لا يشترط إلا أن يكون على بصيرة فيما يفتي فيفتي فيما يدري ويدري أنه يدري، ~~ويميز بين ما لا يدري وبين ما يدري فيتوقف فيما لا يدري ويفتي فيما يدري. # الركن الثالث المجتهد فيه: والمجتهد فيه كل حكم شرعي ليس فيه دليل قطعي، ~~واحترزنا بالشرعي عن العقليات ومسائل الكلام، فإن الحق فيها واحد والمصيب ~~واحد والمخطئ آثم، وإنما نعني بالمجتهد فيه ما لا يكون المخطئ فيه آثما، ~~ووجوب الصلوات الخمس والزكوات وما اتفقت عليه الأمة من جليات الشرع فيها ms540 ~~أدلة قطعية يأثم فيها المخالف فليس ذلك محل الاجتهاد، فهذه هي الأركان، ~~فإذا صدر الاجتهاد التام من أهله وصادف محله كان ما أدى إليه الاجتهاد حقا ~~وصوابا كما سيأتي، وقد ظن ظانون أن شرط المجتهد أن لا يكون نبيا، فلم ~~يجوزوا الاجتهاد للنبي وأن شرط الاجتهاد أن لا يقع في زمن النبوة، فنرسم ~~فيه مسألتين. # - مسألة (الاجتهاد في حياة النبي (ص)) اختلفوا في جواز التعبد بالقياس ~~والاجتهاد في زمان الرسول عليه السلام، فمنعه قوم، وأجازه قوم، وقال قوم: ~~يجوز للقضاة والولاة في غيبته لا في حضور النبي صلى الله عليه وسلم، والذين ~~جوزوا منهم من قال يجوز بالاذن، ومنهم من قال: يكفي سكوت رسول الله (ص)، ثم ~~اختلف المجوزون في وقوعه، والمختار أن ذلك جائز في حضرته وغيبته، وأن يدل ~~عليه بالاذن أو السكوت، لأنه ليس في التعبد به استحالة في ذاته ، ولا يفضي ~~إلى محال ولا إلى مفسدة، وإن أوجبنا الصلاح فيجوز أن يعلم الله لطفا يقتضي ~~ارتباط صلاح العباد بتعبدهم بالاجتهاد لعلمه بأنه لو نص لهم على قاطع لبغوا ~~وعصوا، فإن قيل، الاجتهاد مع النص محال، وتعرف الحكم بالنص بالوحي الصريح ~~ممكن، فكيف يردهم إلى ورطة الظن؟ قلنا: فإذا قال لهم: أوحي إلي أن حكم الله ~~تعالى عليكم ما أدى إليه اجتهادكم، وقد تعبدكم بالاجتهاد، فهذا نص، وقولهم: ~~الاجتهاد مع النص محال مسلم، ولكن لم ينزل نص في الواقعة، وإمكان النص لا ~~يضاد الاجتهاد وإنما يضاده نفس النص، كيف وقد تعبد النبي (ص) بالقضاء بقول ~~الشهود حتى قال: إنكم لتختصمون PageV00P345 # إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض وكان يمكن نزول الوحي بالحق ~~الصريح في كل واقعة حتى لا يحتاج إلى رجم بالظن وخوف الخطأ، فأما وقوعه ~~فالصحيح أنه قام الدليل على وقوعه في غيبته بدليل قصة معاذ، فأما في حضرته ~~فلم يقم فيه دليل، فإن قيل: فقد قال لعمرو بن العاص: أحكم في بعض القضايا، ~~فقال: اجتهد وأنت حاضر؟ # فقال: نعم إن أصبت فلك أجران وإن ms541 أخطأت فلك أجر وقال لعقبة بن عامر ولرجل ~~من الصحابة: اجتهدوا، فإن أصبتما فلكما عشر حسنات، وإن أخطأتما فلكما حسنة ~~قلنا: # حديث معاذ مشهور قبلته الأمة، وهذه أخبار آحاد لا تثبت وأن ثبتت احتمل أن ~~يكون مخصوصا بهما، أو في واقعة معينة، وإنما الكلام في جواز الاجتهاد مطلقا ~~في زمانه. # - مسألة (اختلفوا في النبي عليه السلام) هل يجوز له الحكم بالاجتهاد فيما ~~لا نص فيه؟ # والنظر في الجواز والوقوع والمختار جواز تعبد بذلك، لأنه ليس بمحال في ~~ذاته، ولا يفضي إلى محال ومفسدة، فإن قيل: المانع منه أنه قادر على استكشاف ~~الحكم بالوحي الصريح فكيف يرجم الظن؟ قلنا: فإذا استكشف فقيل له: حكمنا ~~عليك أن تجتهد وأنت متعبد به فهل له أن ينازع الله فيه أو يلزمه أن يعتقد ~~أن صلاحه فيما تعبد به، فإن قيل: قوله نص قاطع يضاد الظن، والظن يتطرق إليه ~~احتمال الخطأ فهما متضادان، قلنا: إذا قيل له ظنك علامة الحكم، فهو يستيقن ~~الظن والحكم جميعا، فلا يحتمل، الخطأ، وكذلك اجتهاد غيره عندنا ويكون كظنه ~~صدق الشهود، فإنه يكون مصيبا وإن كان الشاهد مزورا في الباطن، فإن قيل: # فإن ساواه غيره في كونه مصيبا بكل حال فليجز لغيره أن يخالف قياسه ~~باجتهاد نفسه، قلنا: لو تعبد بذلك لجاز، ولكن دل الدليل من الاجماع على ~~تحريم مخالفة اجتهاده، كما دل على تحريم مخالفة الأمة كافة، وكما دل على ~~تحريم مخالفة اجتهاد الامام الأعظم والحاكم لان. # صلاح الخلق في اتباع رأي الامام والحاكم وكافة الأمة، فكذلك النبي، ومن ~~ذهب إلى أن المصيب واحد يرجح اجتهاده لكونه معصوما عن الخطأ دون غيره، ~~ومنهم من جوز عليه الخطأ ولكن لا يقر عليه، فإن قيل: كيف يجوز ورود التعبد ~~بمخالفة اجتهاده، وذلك يناقض الاتباع وينفر عن الانقياد، قلنا: إذا عرفهم ~~على لسانه بأن حكمهم اتباع ظنهم، وإن خالف ظن النبي كان اتباعه في امتثال ~~ما رسمه لهم كما في القضاء بالشهود، فإن لو قضي النبي بشهادة شخصين لم يعرف ~~فسقهما فشهدا ms542 عند حاكم عرف فسقهما لم يقبلهما، وأما التنفير فلا يحصل، بل ~~تكون مخالفته فيه كمخالفته في الشفاعة وفي تأبير النخل ومصالح الدنيا، فإن ~~قيل: لو قاس فرعا على أصل أفيجوز إيراد القياس على فرعه أم لا إن قلتم لا ~~فمحال لأنه صار منصوصا عليه من جهته وإن قلتم نعم، فكيف يجوز القياس على ~~الفرع؟ قلنا: يجوز القياس عليه، وعلى كل فرع أجمعت الأمة على إلحاقه بأصل، ~~لأنه صار أصلا بالاجماع والنص، فلا ينظر إلى مأخذهم، وما ألحقه بعض العلماء ~~فقد جوز بعضهم القياس عليه وإن لم توجد علة الأصل، أما الوقوع فقد قال به ~~قوم وأنكره آخرون وتوقف فيه فريق ثالث وهو الأصح، فإنه لم يثبت فيه قاطع، ~~احتج القائلون به بأنه عوتب عليه الصلاة والسلام في أسارى بدر، وقيل: * (ما ~~كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض) * (الأنفال: PageV00P346 # 76) وقال النبي عليه السلام: ولو نزل عذاب ما نجا منه إلا عمر لأنه كان ~~قد أشار بالقتل ولو كان قد حكم بالنص لما عوتب، قلنا: لعله كان مخير بالنص ~~في إطلاق الكل أو قتل الكل أو فداء الكل، فأشار بعض الأصحاب بتعيين الاطلاق ~~على سبيل المنع عن غيره، فنزل العتاب مع الذي عينوا لا مع رسول الله (ص)، ~~لكن ورد بصيغة الجمع، والمراد به، أولئك خاصة، واحتجوا بأنه لما قال: يختلي ~~خلاها ولا يعضد شجرها قال العباس: # إلا الإذخر، فقال (ص): إلا الإذخر وقال في الحج: هو للأبد، ولو قلت ~~لعامنا لوجب ونزل منزلا للحرب فقيل له: إن كان بوحي فسمعا وطاعة. وإن كان ~~باجتهاد ورأي فهو منزل مكيدة فقال: بل باجتهاد ورأي فرحل؟ قلنا: أما الإذخر ~~فلعله كان نزل الوحي بأن لا يستثنى الإذخر إلا عند قول العباس، أو كان ~~جبريل عليه السلام حاضرا فأشار عليه بإجابة العباس، وأما الحج فمعناه، لو ~~قلت لعامنا لما قلته إلا عن وحي ولوجب لا محالة، وأما المنزل فذلك اجتهاد ~~في مصالح الدنيا، وذلك جائز بلا خلاف إنما الخلاف في أمور ms543 الدين أحتج ~~المنكرون لذلك بأمور: أحدها: أنه لو كان مأمورا به لأجاب عن كل سؤال ولما ~~انتظر الوحي. الثاني: أنه لو كان مجتهدا لنقل ذلك عنه واستفاض. الثالث: أنه ~~لو كان لكان ينبغي أن يختلف اجتهاده ويتغير فيتهم بسبب تغير الرأي. قلنا: ~~أما انتظار الوحي فلعله كان حيث لم ينقدح له اجتهاد أو في حكم لا يدخله ~~الاجتهاد أو نهي عن الاجتهاد فيه، وأما الاستفاضة بالنقل فلعله لم يطلع ~~الناس عليه، وإن كان متعبدا به، أو لعله كان متعبدا بالاجتهاد إذا لم ينزل ~~نص وكان ينزل النص فيكون كمن تبعد بالزكاة والحج إن ملك النصاب والزاد، فلم ~~يملك فلا يدل على أنه لم يكن متعبدا، وأما التهمة بتغير الرأي فلا تعويل ~~عليها، فقد اتهم بسب النسخ، كما قال تعالى: * (قالوا إنما أنت مفتر) * ~~(النحل: 101) ولم يدل ذلك على استحالة النسخ كيف وقد عورض هذا الكلام ~~بجنسه؟ فقيل لو لم يكن متعبدا بالاجتهاد لفاته ثواب المجتهدين، ولكان ثواب ~~المجتهدين أجزل من ثوابه، وهذا أيضا فاسد، لان ثواب تحمل الرسالة والأداء ~~عن الله تعالى فوق كل ثواب. فإن قيل فهل يجوز التعبد بوضع العبادات ونصب ~~الزكوات وتقديراتها بالاجتهاد؟ قلنا: لا محيل لذلك، ولا يفضي إلى محال ~~ومفسدة، ولا بعد في أن يجعل الله تعالى صلاح عباده فيما يؤدي إليه اجتهاد ~~رسوله لو كان الامر مبينا على الصلاح ومنع القدرية هذا وقالوا: إن وافق ظنه ~~الصلاح في البعض فيمتنع أن يوافق الجميع، وهذا فساد، لأنه لا يبعد أن يلقى ~~الله في اجتهاد رسوله ما فيه صلاح عباده هذا هو الجواز العقلي أما وقوعه ~~فبعيد، وإن لم يكن محالا بل الظاهر أن ذلك، كله كان عن وحي صريح ناص على ~~التفصيل. # النظر الثاني: في أحكام الاجتهاد و النظر في حق المجتهد في تأثيمه ~~وتخطئته وإصابته وتحريم التقليد عليه، وتحريم نقض حكمه الصادر عن الاجتهاد، ~~فهذه أحكام النظر. الأول: # في تأثيم المخطئ في الاجتهاد، والاثم ينتفي عن كل من جمع صفات المجتهدين ~~إذا تمم الاجتهاد ms544 في محله، فكل اجتهاد تام إذا صدر من أهله وصادف محله ~~فثمرته حق وصواب، والاثم عن المجتهد منفي، والذي نختاره أن الاثم والخطأ ~~متلازمان، فكل مخطئ آثم وكل PageV00P347 # آثم مخطئ ومن انتفى عنه الاثم انتفى عنه الخطأ، فلنقدم حكم الاثم أولا ~~فنقول: # النظريات تنقسم إلى ظنية وقطعية فلا إثم في الظنيات إذ لا خطأ فيها ~~والمخطئ في القطعيات آثم، والقطعيات ثلاثة أقسام: كلامية وأصولية وفقهية. ~~أما الكلامية: فنعني بها العقليات المحضة، والحق فيها واحد، ومن أخطأ الحق ~~فيها فهو آثم، ويدخل فيه حدوث العالم وإثبات المحدث وصفاته الواجبة، ~~والجائزة والمستحيلة وبعثة الرسل وتصديقهم بالمعجزات وجواز الرؤية وخلق ~~الأعمال وإرادة الكائنات، وجميع ما الكلام فيه مع المعتزلة والخوارج ~~والروافض والمبتدعة وحد المسائل الكلامية المحضة ما يصح للناظر درك حقيقته ~~بنظر العقل قبل ورود الشرع، فهذه المسائل الحق فيها واحد، ومن أخطأه فهو ~~آثم، فإن أخطأ فيما يرجع إلى الايمان بالله ورسوله فهو كافر، وإن أخطأ فيما ~~لا يمنعه من معرفة الله عز وجل ومعرفة رسوله كما في مسألة الرؤية وخلق ~~الأعمال وإرادة الكائنات وأمثالها فهو آثم من حيث عدل عن الحق وضل، ومخطئ ~~من حيث أخطأ الحق المتيقن، ومبتدع من حيث قال قولا مخالفا للمشهور بين ~~السلف ولا يلزم الكفر. وأما الأصولية: فنعني بها كون الاجماع حجة وكون ~~القياس حجة وكون خبر الواحد حجة، ومن جملته خلاف من جوز خلاف الاجماع ~~المنبرم قبل انقضاء العصر وخلاف الاجماع الحاصل عن اجتهاد ومنع المصير إلى ~~أحد قولي الصحابة والتابعين عند اتفاق الأمة بعدهم على القول الآخر، ومن ~~جملته اعتقاد كون المصيب واحدا في الظنيات، فإن هذه مسائل أدلتها قطعية، ~~والمخالف فيها آثم مخطئ وقد نبهنا على القطعيات والظنيات في أدراج الكلام ~~في جملة الأصول. وأما الفقهية: فالقطعية منها وجوب الصلوات الخمس، والزكاة، ~~والحج والصوم وتحريم الزنا والقتل والسرقة والشرب وكل ما علم قطعا من دين ~~الله فالحق فيها واحد وهو المعلوم والمخالف فيها آثم، ثم ينظر فإن أنكر ما ~~علم ضرورة من مقصود ms545 الشارع: كإنكار تحريم الخمر والسرقة ووجوب الصلاة ~~والصوم، فهو كافر، لان هذا الانكار لا يصدر إلا عن مكذب بالشرع، وإن علم ~~قطعا بطريق النظر لا بالضرورة ككون الاجماع حجة وكون القياس، وخبر الواحد ~~حجة، وكذلك الفقهيات المعلومة بالاجماع، فهي قطعية فمنكرها ليس بكافر لكنه ~~آثم مخطئ، فإن قيل: # كيف حكمتم بأن وجوب الصلاة والصوم ضروري، ولا يعرف ذلك إلا بصدق الرسول ~~وصدق الرسول نظري؟ قلنا: نعني به أن إيجاب الشارع له معلوم تواترا أو ~~ضرورة، أما أن ما أوجبه فهو واجب فذلك نظري يعرف بالنظر في المعجزة ~~المصدقة، ومن ثبت عنده صدقه فلا بد أن يعترف به، فإن أنكره فذلك لتكذيبه ~~الشارع ومكذبه كافر، فلذلك كفرناه به، أما ما عداه من الفقهيات الظنية التي ~~ليس عليها دليل قاطع فهو في محل الاجتهاد، فليس فيها عندنا حق معين ولا إثم ~~على المجتهد إذا تمم اجتهاده وكان من أهله، فخرج من هذا أن النظريات قسمان ~~قطعية وظنية، فالمخطئ في القطعيات آثم ولا إثم في الظنيات أصلا لا عند من ~~قال المصيب فيها واحد، ولا عند من قال: كل مجتهد مصيب، هذا هو مذهب ~~الجماهير، وقد ذهب بشر المريسي إلى إلحاق الفروع بالأصول وقال فيها حق واحد ~~متعين والمخطئ آثم، وقد ذهب الجاحظ والعنبري إلى إلحاق الأصول بالفروع، ~~وقال العنبري: كل مجتهد في PageV00P348 # الأصول أيضا مصيب، وليس فيها حق متعين، وقال الجاحظ فيها حق واحد متعين ~~لكن المخطئ فيها معذور غير آثم كما في الفروع، فلنرسم في الرد على هؤلاء ~~الثلاثة ثلاث مسائل: # - مسألة (مخالفة أهل الكتاب للاسلام) ذهب الجاحظ إلى أن مخالف ملة ~~الاسلام من اليهود والنصارى والدهرية إن كان معاندا على خلاف اعتقاده فهو ~~آثم، وإن نظر فعجز عن درك الحق فهو معذور غير آثم، وإن لم ينظر من حيث لم ~~يعرف وجوب النظر فهو أيضا معذور، وإنما الآثم المعذب هو المعاند فقط، لان ~~الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها وهؤلاء قد عجزوا عن درك الحق ولزموا ~~عقائدهم خوفا من ms546 الله تعالى إذ استد عليهم طريق المعرفة، وهذا الذي ذكره ~~ليس بمحال عقلا لو ورد الشرع به، وهو جائز ولو ورد التعبد كذلك لوقع، ولكن ~~الواقع خلاف هذا فهو باطل بأدلة سمعية ضرورية، فإنا كما نعرف أن النبي (ص) ~~أمر بالصلاة والزكاة ضرورة فيعلم أيضا ضرورة أنه أمر اليهود والنصارى ~~بالايمان به واتباعه، وذمهم على إصرارهم على عقائدهم، ولذلك قاتل جميعهم، ~~وكان يكشف عن مؤتزر من بلغ منهم ويقتله ويعلم قطعا أن المعاند العارف مما ~~يقل وإنما الأكثر المقلدة الذين اعتقدوا دين آبائهم تقليدا ولم يعرفوا ~~معجزة الرسول عليه السلام وصدقه والآيات الدالة في القرآن على هذا لا تحصى، ~~كقوله تعالى: * (ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار) * (ص: 72) ~~وقوله تعالى: # * (وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم) * (فصلت: 32) وقوله تعالى: * ~~((45) إن هم إلا يظنون) * (الجاثية: 42) وقوله تعالى: * (ويحسبون أنهم على ~~شئ) * (المجادلة: 81) وقوله تعالى: # * (في قلوبهم مرض) * (البقرة: 01) أي شك، وعلى الجملة ذم الله تعالى ~~والرسول عليه السلام المكذبين من الكفار مما لا ينحصر في الكتاب والسنة، ~~وأما قوله: كيف يكلفهم ما لا يطيقون قلنا: نعلم ضرورة أنه كلفهم، أما أنهم ~~يطيقون أو لا يطيقون فلننظر فيه، بل نيه الله تعالى على أنه أقدرهم عليه ~~بما رزقهم من العقل، ونصب من الأدلة وبعث من الرسل المؤيدين بالمعجزات ~~الذين نبهوا العقول، وحركوا دواعي النظر حتى لم يبق على الله لاحد حجة بعد ~~الرسل. # - مسألة (الاجتهاد في العقليات) ذهب عبد الله بن الحسن العنبري إلى أن كل ~~مجتهد مصيب في العقليات كما في الفروع، فنقول له: إن أردت أنهم لم يؤمروا ~~إلا بما هم عليه وهو منتهى مقدورهم في الطلب. فهذا غير محال عقلا ولكنه ~~باطل إجماعا وشرعا كما سبق رده على الجاحظ، وإن عنيت به أن ما أعتقده فهو ~~على ما اعتقده فنقول: كيف يكون قدم العالم وحدوثه حقا وإثبات الصانع ونفيه ~~حقا وتصديق الرسول وتكذيبه حقا، وليست هذه الأوصاف وضعية كالاحكام الشرعية؟ ~~إذ يجوز أن يكون الشئ حراما ms547 على زيد وحلالا لعمرو إذا وضع كذلك، أما الأمور ~~الذاتية فلا تتبع الاعتقاد، بل الاعتقاد يتبعها، فهذا المذهب شر من مذهب ~~الجاحظ، فإنه أقر بأن المصيب واحد، ولكن جعل المخطئ معذورا بل هو شر من ~~مذهب السوفسطائية لانهم نفوا حقائق الأشياء، وهذا قد أثبت الحقائق ثم جعلها ~~تابعة للاعتقادات، فهذا أيضا لو ورد به PageV00P349 # الشرع لكان محالا بخلاف مذهب الجاحظ، وقد استبشع إخوانه من المعتزلة هذا ~~المذهب فأنكروه وأولوه وقالوا أراد به اختلاف المسلمين في المسائل الكلامية ~~التي لا يلزم فيها تكفير، كمسألة الرؤية، وخلق الأعمال، وخلق القرآن، ~~وإرادة الكائنات لان الآيات والاخبار فيها متشابهة وأدلة الشرع فيها ~~متعارضة، وكل فريق ذهب إلى ما رآه أوفق لكلام الله وكلام رسوله عليه السلام ~~وأليق بعظمة الله سبحانه وثبات دينه، فكانوا فيه مصيبين ومعذورين، فنقول أن ~~زعم أنهم فيه مصيبون فهذا محال عقلا لأن هذه أمور ذاتية لا تختلف بالإضافة، ~~بخلاف التكليف فلا يمكن أن يكون القرآن قديما ومخلوقا أيضا، بل أحدهما، ~~والرؤية محالا وممكنا أيضا، والمعاصي بإرادة الله تعالى وخارجة عن إرادته، ~~أو يكون القرآن مخلوقا في حق زيد قديما في حق عمرو، بخلاف الحلال والحرام، ~~فإن ذلك لا يرجع إلى أوصاف الذوات، وإن أراد أن المصيب واحد لكم المخطئ ~~معذور غير آثم، فهذا ليس بمحال عقلا لكنه باطل بدليل الشرع، واتفاق سلف ~~الأمة على ذم المبتدعة ومهاجرتهم وقطع الصحبة معهم وتشديد الانكار عليهم، ~~مع ترك التشديد على المختلفين في مسائل الفرائض وفروع الفقه، فهذا من حيث ~~الشرع دليل قاطع، وتحقيقه أن اعتقاد الشئ على خلاف ما هو به جهل، والجهل ~~بالله حرام مذموم، والجهل بجواز رؤية الله تعالى وقدم كلامه الذي هو صفته ~~وشمول إرادته المعاصي وشمول قدرته في التعلق بجميع الحوادث، كل ذلك جهل ~~بالله وجهل بدين الله فينبغي أن يكون حراما، ومهما كان الحق في نفسه واحدا ~~متعينا كان أحدهما معتقدا للشئ على خلاف ما هو عليه فيكون جاهلا فإن قيل: ~~يبطل هذا بالجهل في المسائل الفقهية وبالجهل ms548 في الأمور الدنيوية كجهل إذا ~~اعتقد أن الأمير في الدار وليس فيها وأن المسافة بين مكة والمدينة أقل أو ~~أكثر مما هي عليها، قلنا: أما الفقهيات، فلا يتصور الجهل فيها، إذ ليس فيها ~~حق معين وأما الدنيويات فلا ثواب في معرفتها ولا عقاب على الجهل فيها، أما ~~معرفة الله تعالى ففيها ثواب وفي الجهل بها عقاب، والمستند فيه الاجماع دون ~~دليل العقل وإلا فدليل العقل لا يحيل حط المأثم عن الجاهل بالله فضلا عن ~~الجاهل بصفات الله تعالى وأفعاله، فإن قيل: إنما يأثم بالجهل فيما يقدر فيه ~~على العلم ويظهر عليه الدليل والأدلة غامضة والشبهات في هذه المسائل ~~متعارضة، قلنا: وكذلك في مسألة حدوث العالم وإثبات النبوات وتمييز المعجزة ~~عن السحر ففيها أدلة غامضة، ولكنه لم ينته الغموض إلى حد لا يمكن فيه تمييز ~~الشبهة عن الدليل، فكذلك في هذه المسألة عندنا أدلة قاطعة على الحق، ولو ~~تصورت مسألة لا دليل عليها لكنا نسلم أنه لا تكليف على الخلق فيها. # - مسألة (إثم المجتهد في الفروع) ذهب بشر المريسي إلى أن الاثم غير محطوط ~~عن المجتهدين في الفروع بل فيها حق معين، وعليه دليل قاطع، فمن أخطأه فهو ~~آثم كما في العقليات لكن المخطئ قد يكفر كما في أصل الإلهية والنبوة، وقد ~~يفسق كما في مسألة الرؤية وخلق القرآن ونظائرها، وقد يقتصر على مجرد ~~التأثيم كما في الفقهيات، وتابعه على هذا من القائلين بالقياس ابن علية ~~وأبو بكر الأصم، ووافقه جميع نفاة القياس، ومنهم الامامية وقالوا: لا مجال ~~للظن في الاحكام لكن العقل قاض بالنفي الأصلي في جميع الأحكام إلا ما ~~استثناه دليل سمعي قاطع فما PageV00P350 # أثبته قاطع سمعي فهو ثابت بدليل قاطع، وما لم يثبته فهو باق على النفي ~~الأصلي قطعا ولا مجال للظن فيه، وإنما استقام هذا لهم لانكارهم القياس وخبر ~~الواحد، وربما أنكروا أيضا القول بالعموم والظاهر المحتمل حتى يستقيم لهم ~~هذا المذهب، وما ذكروه هو اللازم على قول من قال: المصيب واحد، ويلزمهم ~~عليه منع المقلد من ms549 استفتاء المخالفين، وقد ركب بعض معتزلة بغداد رأسه في ~~الوفاء بهذا القياس وقال: يجب على العامي النظر وطلب الدليل، وقال بعضهم: ~~يقلد العالم أصاب المقلد أم أخطأ، ويدل على فساد هذا المذهب دليلان: الأول: ~~ما سنذكره في تصويب المجتهدين، ونبين أن هذه المسائل ليس فيها دليل قاطع ~~ولا فيها حكم معين والأدلة الظنية لا تدل لذاتها، وتختلف بالإضافة، فتكليف ~~الإصابة لما لم ينصب عليه دليل قاطع تكليف ما لا يطاق وإذا بطل الايجاب بطل ~~التأثيم فانتفاء الدليل القاطع ينتج نفي التكليف ينتج نفي الاثم، ولذلك ~~يستدل تارة بنفي الاثم على نفي التكليف، كما يستدل في مسألة التصويب، ~~ويستدل في هذه المسألة بانتفاء التكليف على انتفاء الاثم، فإن النتيجة تدل ~~على المنتج كما يدل المنتج على النتيجة. الدليل الثاني: إجماع الصحابة على ~~ترك النكير على المختلفين في الجد والاخوة ومسألة العول ومسألة الحرام ~~وسائر ما اختلفوا فيه من الفرائض وغيرها، فكانوا يتشاورون ويتفرقون مختلفين ~~ولا يعترض بعضهم على بعض، ولا يمنعه من فتوى العامة، ولا يمنع العامة من ~~تقليده ولا يمنعه من الحكم باجتهاده، وهذا متواتر تواترا لا شك فيه وقد ~~بالغوا في تخطئة الخوارج وما نعي الزكاة ومن نصب إماما من غير قريش أو رأى ~~نصب إمامين بل لو أنكر منكر وجوب الصلاة والصوم وتحريم السرقة والزنا ~~لبالغوا في التأثيم والتشديد، لان فيها أدلة قاطعة، فلو كان سائر المجتهدات ~~كذلك لأثموا وأنكروا، فإن قيل لهم: لعلهم أثموا ولم ينقل إلينا وأضمروا ~~التأثيم ولم يظهروا خوف الفتنة والهرج؟ قلنا: العادة تحيل اندراس التأثيم ~~والانكار لكثرة الاختلاف والوقائع، بل لو وقع لتوفرت الدواعي على النقل، ~~كما نقلوا الانكار على مانعي الزكاة ومن استباح الدار، وعلى الخوارج في ~~تكفير علي وعثمان، وعلى قاتلي عثمان، ولو جاز أن يتوهم إندراس مثل هذا لجاز ~~أن يدعي أن بعضهم نقض حكم بعض وأنهم اقتتلوا في المجتهدات ومنعوا العوام من ~~التقليد للمخالفين أو للعلماء، أو أوجبوا على العوام النظر أو اتباع إمام ~~معين معصوم، ثم نقول: تواتر ms550 إلينا تعظيم بعضهم بعضا مع كثرة الاختلافات إذ ~~كان توقيرهم وتسليمهم للمجتهد العمل باجتهاده، وتقريره عليه أعظم من ~~التوقير والمجاملة والتسليم في زماننا ومن علمائنا، ولو اعتقد بعضهم في ~~البغض التعصية والتأثيم بالاختلاف لتهاجروا ولتقاطعوا وارتفعت المجاملة ~~وامتنع التوقير والتعظيم، فأما امتناعهم من التأثيم للفتنة فمحال، فإنهم ~~حيث اعتقدوا ذلك لم تأخذهم في الله لومة لائم ولا منعهم ثوران الفتنة ~~وهيجان القتال حتى جرى في قتال مانعي الزكاة، وفي واقعة علي وعثمان ~~والخوارج ما جرى، فهذا توهم محال، فإن قيل: فقد نقل الانكار والتشديد ~~والتأثيم، حتى قال ابن عباس: ألا يتقي الله زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ~~ابنا ولا يجعل أبا الأب أبا وقال أيضا: من شاء باهلته أن الله لم يجعل في ~~المال النصف والثلثين. وقالت عائشة رضي الله PageV00P351 # عنها: أخبروا زيد بن أرقم أنه أحبط جهاده مع رسول الله (ص) إن لم يتب. # قلنا: ما تواتر إلينا من تعظيم بعضهم بعضا وتسليمهم لكل مجتهد أن يحكم ~~ويفتي ولكل عامي أن يقلد من شاء جاوز حدا لا يشك فيه فلا يعارضه أخبار آحاد ~~لا يوثق بها ثم نقول: # من ظن بمخالفه أنه خالف دليلا قاطعا فعليه التأثيم والانكار، وإنما نقل ~~إلينا في مسائل معدودة ظن أصحابها أن أدلتها قاطعة، فظن ابن عباس أن الحساب ~~مقطوع به، فلا يكون في المال نصف وثلثان وظنت عائشة رضي الله عنها أن حسم ~~الذرائع مقطوع به فمنعت مسألة العينة، وقد أخطأوا في هذا الظن، فهذه ~~المسائل أيضا ظنية، ولا يجب عصمتها عن مثل هذا الغلط، أما عصمة جملة ~~الصحابة عن العصيان بتعظيم المخالفين وترك تأثيمهم لو أثموا فواجب الحكم ~~الثاني في الاجتهاد والتصويب والتخطئة وقد اختلف الناس فيها، واختلفت ~~الرواية عن الشافعي وأبي حنيفة، وعلى الجملة قد ذهب قوم إلى أن كل مجتهد في ~~الظنيات مصيب، وقال قوم: المصيب واحد، واختلف الفريقان جميعا في أنه هل في ~~الواقعة التي لا نص: فيها حكم معين لله تعالى هو مطلوب المجتهد؟ فالذي ذهب ~~إليه ms551 محققو المصوبة أنه ليس في الواقعة التي لا نص فيها حكم معين يطلب ~~بالظن بل الحكم يتبع الظن وحكم الله تعالى على كل مجتهد ما غلب على ظنه، ~~وهو المختار، وإليه ذهب القاضي، وذهب قوم من المصوبة إلى أن فيه حكما معينا ~~يتوجه إليه الطلب، إذ لابد للطلب من مطلوب، لكن لم يكلف المجتهد إصابته، ~~فلذلك كان مصيبا وإن أخطأ ذلك الحكم المعين الذي لم يؤمر بإصابته بمعنى أنه ~~أدى ما كلف فأصاب ما عليه، وأما القائلون بأن المصيب واحد فقد اتفقوا على ~~أن فيه حكما معينا لله تعالى لكن اختلفوا في أنه هل عليه دليلا أم لا؟ فقال ~~قوم: لا دليل عليه، وإنما هو مثل دفين يعثر الطلب عليه بالاتفاق فلمن عثر ~~عليه أجران ولمن حاد عنه أجر واحد لأجل سعيه وطلبه، والذين ذهبوا إلى أن ~~عليه دليلا اختلفوا في أن عليه دليلا قاطعا أو ظنيا، فقال قوم: وهو قاطع ~~ولكن الاثم محطوط عن المخطئ لغموض الدليل وخفائه، ومن هذا تمادي بشر ~~المريسي في إتمام هذا القياس فقال: إذا كان الدليل قطعيا أثم المخطئ كما في ~~سائر القطعيات، وهو تمام الوفاء بقياس مذهب من قال: المصيب واحد، ثم الذين ~~ذهبوا إلى أن عليه دليلا ظنيا اختلفوا في أن المجتهد هل أمر قطعيا بإصابة ~~ذلك الدليل فقال قوم: لم يكلف المجتهد إصابته لخفائه وغموضه، فلذلك كان ~~معذورا ومأجورا، وقال قوم: أمر بطلبه، وإذا أخطأ لم يكن مأجورا، لكن حط ~~الاثم عنه تخفيفا. هذا تفصيل المذاهب، والمختار عندنا وهو الذي نقطع به ~~ونخطئ المخالف فيه أن: كل مجتهد في الظنيات مصيب، وأنها ليس فيها حكم معين ~~لله تعالى، وسنكشف الغطاء عن ذلك بفرض الكلام في طرفين: # الطرف الأول: مسألة فيها نص للشارع وقد أخطأ مجتهد النص فنقول: ينظر فإن ~~كان النص مما هو مقدور على بلوغه، لو طلبه المجتهد بطريقه فقصر ولم يطلب ~~فهو مخطئ PageV00P352 # وآثم بسبب تقصيره، لأنه كلف الطلب المقدور عليه فتركه فعصى وأثم وأخطأ ~~حكم الله تعالى عليه، ms552 أما إذا لم يبلغه النص لا لتقصير من جهته لكن لعائق ~~من جهة بعد المسافة وتأخير المبلغ والنص قبل أن يبلغه ليس حكما في حقه فقد ~~يسمى مخطئا مجازا على معنى أنه أخطأ بلوغ ما لو بلغه لصار حكما في حقه، ~~ولكنه قبل البلوغ ليس حكما في حقه، فليس مخطئا حقيقة، وذلك أنه لو صلى ~~النبي عليه السلام إلى بيت المقدس بعد أن أمر الله تعالى جبريل أن ينزل على ~~محمد عليه السلام ويخبره بتحويل القبلة فلا يكون النبي مخطئا لان خطاب ~~استقبال الكعبة بعد لم يبلغه، فلا يكون مخطئا في صلاته، فلو نزل فأخبره ~~وأهل مسجد قباء يصلون إلى بيت المقدس ولم يخرج بعد إليهم النبي عليه السلام ~~ولا مناد من جهته فليسوا مخطئين، إذ ذلك ليس حكما في حقهم قبل بلوغه، فلو ~~بلغ ذلك أبا بكر وعمر واستمر سكان مكة على استقبال بيت المقدس قبل بلوغ ~~الخبر إليهم فليسوا مخطئين، لانهم ليسوا مقصرين، وكذلك نقل عن ابن عمر أنا ~~كنا نخابر أربعين سنة، حتى روى لنا رافع بن خديج النهي عن المخابرة، فليس ~~ذلك خطأ منهم قبل البلوغ لان الراوي غاب عنهم أو قصر في الرواية، فإذا ثبت ~~هذا في مسألة فيها نص فالمسألة التي لا نص فيها كيف يتصور الخطأ فيها، فإن ~~قيل: # فرضتم المسألة حيث لا دليل على الحكم المنصوص و نحن نخطئه إذا كان عليه ~~دليل ووجب عليه طلبه فلم يعثر عليه، قلنا: عليه دليل قاطع أو دليل ظني، فإن ~~كان عليه دليل قاطع فلم يعثر عليه وهو قادر عليه فهو آثم عاص ويجب تأثيمه، ~~وحيث وجب تأثيمه وجبت تخطئته كانت المسألة فقهية أو أصولية أو كلامية، ~~وإنما كلامنا في مسائل ليس عليها دليل قاطع، ولو كان لنبه عليه من عثر عليه ~~من الصحابة غيره ولشدد الانكار عليهم فإن الدليل القاطع في مثل هذه المسألة ~~نص صريح أو في معنى المنصوص على وجه يقطع به ولا يتطرق الشك إليه والتنبيه ~~على ذلك سهل، أفيقولون لم ms553 يعثر عليه جميع الصحابة رضي الله عنهم فأخطأ أهل ~~الاجماع الحق، أو عرفه بعضهم وكتمه أو أظهره فلم يفهمه الآخرون أو فهموه ~~فعاندوا الحق وخالفوا النص الصريح وما يجري مجراه، وجميع هذه الاحتمالات ~~مقطوع ببطلانها، ومن نظر في المسائل الفقهية التي لا نص فيها علم ضرورة ~~انتفاء دليل قاطع فيها، وإذا انتفى الدليل فتكليف الإصابة من غير دليل قاطع ~~تكليف محال، فإذا انتفى التكليف انتفى الخطأ، فإن قيل عليه دليل ظني ~~بالاتفاق فمن أخطأ الدليل الظني فقد أخطأ؟ قلنا: الأمارات الظنية ليست أدلة ~~بأعيانها، بل يختلف ذلك بالإضافات، فرب دليل يفيد الظن لزيد وهو بعينه لا ~~يفيد الظن لعمرو مع إحاطته به، وربما يفيد الظن لشخص واحد في حال دون حال ~~بل قد يقوم في حق شخص واحد في حال واحدة في مسألة واحدة دليلان متعارضان ~~كان كل واحد لو انفرد لأفاد الظن، ولا يتصور في الأدلة القطعية تعارض، ~~وبيانه أن أبا بكر رأى التسوية في العطاء إذ قال: الدنيا بلاغ، كيف وإنما ~~عملوا لله عز وجل وأجورهم على الله، حيث قال عمر: كيف تساوي بين الفاضل ~~والمفضول، ورأى عمر التفاوت ليكون ذلك ترغيبا في طلب الفضائل، ولان أصل ~~الاسلام، وإن كان لله فيوجب الاستحقاق، والمعنى الذي ذكره أبو بكر فهمه عمر ~~رضي الله عنهما، ولم يفده غلبة PageV00P353 # الظن وما رآه عمر فهمه أبو بكر ولم يفده غلبة الظن ولا مال قلبه إليه، ~~وذلك لاختلاف أحوالهما، فمن خلق خلقة أبي بكر في غلبة التأله وتجريد النظر ~~في الآخرة غلب على ظنه لا محالة ما ظنه أبو بكر، ولم ينقدح في نفسه إلا ~~ذلك، ومن خلقه الله خلقة عمر وعلى حالته وسجيته في الالتفات إلى السياسة ~~ورعاية مصالح الخلق وضبطهم وتحريك دواعيهم للخير، فلا بد أن تميل نفسه إلى ~~ما مال إليه عمر مع إحاطة كل واحد منهما بدليل صاحبه، ولكن اختلاف الأخلاق ~~والأحوال والممارسات يوجب اختلاف الظنون، فمن مارس علم الكلام ناسب طبعه ~~أنواعا من الأدلة يتحرك بها ظنه لا ms554 يناسب ذلك طبع من مارس الفقه، ولذلك من ~~مارس الوعظ، صار مائلا إلى جنس ذلك الكلام بل يختلف باختلاف الأخلاق، فمن ~~غلب عليه الغضب مالت نفسه إلى كل ما فيه شهامة وانتقام، ومن لان طبعه ورق ~~قلبه نفر عن ذلك ومال إلى ما فيه الرفق والمساهلة، فالامارات كحجر ~~المغناطيس تحرك طبعا يناسبها، كما يحرك المغناطيس الحديد دون النحاس بخلاف ~~دليل العقل، فإنه موجب لذاته، فإن تسليم المقدمتين على الشكل الذي ذكرناه ~~في مدارك العقول يوجب التصديق ضرورة بالنتيجة. فإذا لا دليل في الظنيات على ~~التحقيق، وما يسمى دليلا فهو على سبيل التجوز بالإضافة إلى ما مالت نفسه ~~إليه، فإذا أصل الخطأ في هذه المسألة إقامة الفقهاء للأدلة الظنية وزنا حتى ~~ظنوا أنها أدلة في أنفسها لا بالإضافة، وهو خطأ محض يدل على بطلانه ~~البراهين القاطعة. فإن قيل: لم تنكرون على من يقول فيه أدلة قطعية، وإنما ~~لم يؤثم المخطئ لغموض الدليل؟ قلنا: الشئ ينقسم إلى معجوز عنه ممتنع وإلى ~~مقدور عليه على يسر، وإلى مقدور عليه على عسر فإن كان درك الحق المتعين ~~معجوزا عنه ممتنعا فالتكليف به محال وإن كان مقدورا على يسر فالتارك له ~~ينبغي أن يأثم قطعا لأنه ترك ما قدر عليه وقد أمر به، وإن كان مقدورا على ~~عسر فلا يخلوا إما أن يكون العسر صار سببا للرخصة وحط التكليف. كإتمام ~~الصلاة في السفر، أو بقي التكليف مع العسر، فإن بقي التكليف مع العسر فتركه ~~مع القدرة إثم كالصبر على قتل الكفار مع تضاعف عددهم، فإنه شديد جدا وعسير، ~~و لكن يعصى إذا تركه، لان التكليف لم يزل بهذا العسر، وكذلك صبر المرأة على ~~الضرات وحسن التبعل، مع أن ذلك جهاد شديد على النفس. ولكنها تأثم بتركه مع ~~ضعفها وعجزها، وكذلك التمييز بين الدليل، والشبهة في مسألة حدوث العالم ~~ودلالة المعجزة وتمييزها عن السحر في غاية الغموض، ومن أخطأ فيه أثم بل كفر ~~واستحق التخليد في النار، وكذلك الحق في المسائل الفقهية مع العسران أمر ~~به، ms555 فالمخطئ آثم فيه وإن لم يؤمر بإصابة الحق، بل بحسب غلبة الظن فقد أدى ~~ما كلف، وأصاب ما هو حكم في حقه وأخطأ ما ليس حكما في حقه، بل هو بصدد أن ~~يكون حكما في حقه، لو خوطب به أو نصب على معرفته دليل قاطع، فإذا الحاصل أن ~~الإصابة محال أو ممكن، ولا تكليف بالمحال، ومن أمر بممكن فتركه عصى وأثم، ~~ومحال أن يقال: هو مأمور به، لكن إن خالف لم يعص ولم يأثم وكان معذورا ، ~~لان هذا يناقض حد الامر والايجاب، إذ حد الايجاب ما يتعرض تاركه للعقاب ~~والذم. وهذا تقسيم قاطع يرفع الخلاف مع كل منصف، ويرد النزاع إلى عبارة ~~وهو: إن ما ليس حكما في حقه قد أخطأه، وذلك مسلم، ولكنه نوع مجاز، كتخطئة ~~المصلي إلى بيت المقدس قبل بلوغ PageV00P354 # الخبر، ثم هذا المجاز أيضا إنما ينقدح في حكم نزل من السماء ونطق به ~~الرسول كما في تحويل القبلة ومسألة المخابرة، أما سائر المجتهدات التي يلحق ~~فيها المسكوت بالمنطوق قياسا واجتهادا فليس فيها حكم معين أصلا، إذا الحكم ~~خطاب مسموع أو مدلول عليه بدليل قاطع، وليس فيها خطاب ونطق، فلا حكم فيها ~~أصلا إلا ما غلب على ظن المجتهد، وسنفرد لهذا مسألة ونبين أنه ليس في ~~المسألة أشبه عند الله عز وجل، ونذكر الآن شبه المخالفين وهي أربع: # الشبهة الأولى: قولهم هذا المذهب في نفسه محال، لأنه يؤدي إلى الجمع بين ~~النقيضين، وهو أن يكون قليل النبيذ مثلا حلالا حراما، والنكاح بلا ولي ~~صحيحا باطلا والمسلم إذا قتل كافرا مهدرا ومقادا، إذ ليس في المسألة حكم ~~معين، وكل واحد من المجتهدين مصيب، فإذا الشئ ونقيضه حق وصواب وتبجح بعضهم ~~بهذا الدليل حتى قال: هذا مذهب أوله سفسطة وآخره زندقة، لأنه في الابتداء ~~يجعل الشئ ونقيضه حقا وبالآخر يرفع الحجر ويخير المجتهد بين الشئ ونقيضه ~~عند تعارض الدليلين ويخير المستفتى لتقليد من شاء وينتقي من المذاهب أطيبها ~~عنده. والجواب: أن هذا كلام فقيه سليم القلب جاهل بالأصول وبحد ms556 النقيضين ~~وبحقيقة الحكم، ظان أن الحل والحرمة وصف للاعيان فيقول: يستحيل أن يكون ~~النبيذ حلالا حراما، كما يستحيل أن يكون الشئ قديما حادثا، وليس يدري أن ~~الحكم خطاب لا يتعلق بالأعيان بل بأفعال المكلفين، ولا يتناقض أن يحل لزيد ~~ما يحرم على عمرو، كالمنكوحة تحل للزوج وتحرم على الأجنبي، وكالميتة تحل ~~للمضطر دون المختار، وكالصلاة تجب على الطاهر وتحرم على الحائض، وإنما ~~المتناقض أن يجتمع التحليل والتحريم في حالة واحدة لشخص واحد في فعل واحد ~~من وجه واحد، فإذا تطرق التعدد والانفصال إلى شئ من هذه الجملة انتفى ~~التناقض حتى نقول: الصلاة في الدار المغصوبة حرام قربة في حالة واحدة لشخص ~~واحد، لكن من وجه دون وجه، فإذا اختلاف الأحوال ينفي التناقص، ولا فرق بين ~~أن يكون اختلاف الأحوال بالحيض والطهر والسفر والحضر، أو بالعلم والجهل، أو ~~غلبة الظن، فالصلاة حرام على المحدث إذا علم أنه محدث واجبة عليه إذا جهل ~~كونه محدثا، ولو قال الشارع: يحل ركوب البحر لمن غلب على ظنه السلامة، ~~ويحرم على من غلب على ظنه الهلاك، فغلب على ظن الجبان الهلاك وعلى ظن ~~الجسور السلامة، حرم على الجبان وحل للجسور لاختلاف حالهما، وكذلك لو صرح ~~الشارع وقال: من غلب على ظنه أن النبيذ بالخمر أشبه فقد حرمته عليه، ومن ~~غلب على ظنه أنه بالمباحات أشبه فقد حللته له لم يتناقض، فصريح مذهبنا إن ~~لو نطق به الشرع لم يكن متناقضا ولا محالا، ومذهب الخصم لو صرح به الشرع ~~كان محالا وهو أن يقول: # كلفتك العثور على ما لا دليل عليه، أو يقول: كلفتك العثور على ما عليه ~~دليل، لكن لو تركته مع القدرة لم تأثم، فيكون الأول محالا من جهة تكليف ما ~~لا يطاق، ويكون الثاني محالا من جهة تناقض حد الامر إذ حد الامر ما يعصى ~~تاركه. الجواب الثاني: أن نقول: لو سلمنا أن الحل والحرمة وصف للاعيان أيضا ~~لم يتناقض، إذ يكون من الأوصاف الإضافية، ولا PageV00P355 # يتناقض أن يكون الشخص الواحد أبا وابنا، ms557 لكن لشخصين، وأن يكون الشئ ~~مجهولا ومعلوما لكن لاثنين، وتكون المرأة حلالا حراما لرجلين، كالمنكوحة ~~حرام للأجنبي حلال للزوج والميتة حرام للمختار حلال للمضطر. الجواب الثالث: ~~هو أن التناقض ما ركبه الخصم، فإنه اتفق كل محصل لم يهذ هذيان المريسي، أن ~~كل مجتهد يجب عليه أن يعمل بما أدى إليه اجتهاده، ويعصي بتركه، فالمجتهدان ~~في القبلة يجب على أحدهما استقبال جهة يحرم على الآخر استقبالها، فإن ~~المصيب لا يتميز عن المخطئ، فيجب على كل واحد منهما العمل بنقيض ما يعمل به ~~الآخر. # الشبهة الثانية: قولهم إن سلمنا لكم أن هذه المذهب ليس بمحال في نفسه لو ~~صرح الشرع به، فهو مؤد إلى المحال في بعض الأمور، وما يؤدي إلى المحال فهو ~~محال، فأداؤه إلى المحال فهو في حق المجتهد بأن يتقاوم عنده دليلان، فيتحير ~~عندكم بين الشئ ونقيضه في حالة واحدة، وأما في حق صاحب الواقعة فإذا نكح ~~مجتهد مجتهدة ثم قال لها: # أنت بائن وراجعها والزوج شفعوي يرى الرجعة والزوجة حنفية ترى الكنايات ~~قاطعة للعصمة والرجعة، فيسلط الزوج على مطالبتها بالوطئ، ويجب عليها مع ~~تسلط الزوج عليها منعه، وكذلك إذا نكح بغير ولي أولا ثم نكح آخر بولي، فإن ~~كان كل واحد من المذهبين حقا فالمرأة حلال للزوجين، وهذا محال، ويمكن أن ~~يستعمل هذا في نصرة الشبهة الأولى، والاعتراض على ما ذكرنا من دفع التناقض ~~ورده إلى شخصين، فقد تكلفوا تقريره في حق شخص واحد. والجواب من أوجه، ~~وحاصله أنه لا إشكال في هذه المسائل ولا استحالة، وما فيه من الاشكال ~~فينقلب عليهم ولا يختص إشكاله بهذا المذهب، أما المجتهد إذا تعارض عنده ~~دليلان قلنا فيه رأيان: أحدهما وهو الذي ننصره في هذه المسألة أنه يتوقف ~~ويطلب الدليل من موضع آخر، لأنه مأمور باتباع غالب الظن ولم يغلب على ظنه ~~شئ، فقولنا فيه قولكم، فإنه وإن كان أحدهما حقا عندكم فقد تعذر عليه الوصول ~~إليه، وهذا يقطع مادة الاشكال، وعلى رأيي نقول: يتخير بأي دليل شاء، وسنفرد ~~هذه المسألة ms558 بالذكر وننبه على غورها. أما الثانية: فقولنا فيها أيضا قولكم، ~~فإن المصيب وإن كان واحدا عندهم فلا يتميز عن المخطئ، ويجب على المخطئ في ~~الحال العمل بموجب اجتهاده لجهله بكونه مخطئا، إذا لا يتميز عن صاحبه، فقد ~~أوجبوا عليها المنع، وأباحوا للزوج الطلب، فقد ركبوا المحال إن كان هذا ~~محالا فسيقولون إنه ليس بمحال، وهو جوابنا الثاني ووجهه أن إيجاب المنع ~~عليها لا يناقض إباحة الطلب للزوج ولا إيجابه، بل للسيد أن يقول لاحد ~~عبديه، أوجبت عليك سلب فرس الآخر، ويقول للآخر أوجبت عليك منعه ودفعه ويقول ~~لهذا: إن لم تسلب عاقبتك، ويقول للآخر: إن لم تحفظ عاقبتك، وكذلك يجب على ~~ولي الطفل أن يطلب غرامة مال الطفل إذا أخبره عدلان بأنه أتلفه طفل آخر، ~~ويجب على ولي الطفل المنسوب إلى الاتلاف إذا عاين صدور الاتلاف من غير ~~الطفل أو علم كذب الشاهدين أن يمنع ويدفع، فيجب الطلب على أحدهما والدفع ~~على الآخر مؤاخذة لكل واحد بموجب اعتقاده، نعم: هذا السؤال يحسن من منكري ~~الاجتهاد من التعليمية وغيرهم إذ يقولون: أصل PageV00P356 # الاجتهاد باطل لأدائه إلى هذا النوع من التناقض وجوابه ما ذكرناه، ~~ونقابله على مذهبه أيضا بما لا يجد عنه محيصا فنقول: إن أنكرت الظنون لم ~~تنكر القواطع، وسعي الانسان في هلاك نفسه أو إهلاك غيره حرام بالقواطع، فلو ~~اضطر شخصان إلى قدر من الميتة لا يفي إلا بسد رمق أحدهما، ولو قسماه أو ~~تركاه ماتا، ولو أخذه أحدهما هلك الآخر، ولو وكله إليه أهلك نفسه فماذا يجب ~~عليه وكيفما قال فهو مناقض ولا مخلص، فإن أوجب على كل واحد أن يأخذ فقد ~~أوجب الاخذ على هذا وأوجب الدفع عن ذاك، فإن أوجب عليهما الترك فقد أوجب ~~إهلاكهما جميعا، وإن خص أحدهما بالأخذ فهو تحكم، وإن قال يتخير كل واحد ~~منهما بين الاخذ والترك فقد سلط هذا على الاخذ وذاك على الدفع، فإن أحدهما ~~لو اختار الاخذ واختار الآخر الدفع جاز، وهو أيضا متناقض بزعمهم فماذا ~~يقولون: والمختار عندنا في ms559 هذه الصورة التخيير لكل واحد، فإنه إنما يجب ~~الاخذ إذا لم يهلك غيره، وإنما يجب الترك والايثار إذا لم يهلك نفسه، فإذا ~~تعارضا تخيرا ويحتمل أن يقرع بينهما كبينتين متعارضتين. وأما المسألة ~~الثانية إذا نشب الخصام بين الزوج وزوجته احتمل وجهين: أحدهما: أن يقول: ~~يلزمهما الرفع إلى حاكم البلد فإن قضى بثبوت الرجعة لزم تقديم اجتهاد ~~الحاكم على اجتهاد أنفسهما وحل لهما مخالفة اجتهاد أنفسهما إذ اجتهاد ~~الحاكم أولى من اجتهادهما لضرورة رفع الخصومات فإن عجزا عن حاكم فعليهما ~~تحكيم عالم فيقضي بينهما، فإن لم يفعلا أثما وعصيا وكل ذلك احتمالات فقهية، ~~ويحتمل أن يتركا متنازعين ولا يبالي بتمانعهما، فإنه تكليف بنقيضين في حق ~~شخصين فلا يتناقض. وأما المسألة الثالثة وهي: أن تنكح بولي من نكحت بغير ~~ولي فنقول: إن كان النكاح بلا ولي صدر من حنفي يعتقد ذلك فقد صح النكاح في ~~حقه، والنكاح الثاني بعده باطل قطعا، لأنها صارت زوجة للأول، وإن كان ~~الحنفي عقده باجتهاد نفسه واتصل به قضاء حنفي فذلك أوكد، فإن كان مقلدا فقد ~~صح أيضا في حقه، وإن صدر العقد من شفعوي على خلاف معتقده احتمل أمرين: ~~أحدهما: أن نقطع ببطلانه، فإنا إنما نجعله حقا إذا صدر من معتقده عن تقليد ~~أو اجتهاد حيث لا يأثم ولا يعصي، وهذا قد عصى فهو مخطئ، ويحتمل أن يقال: ما ~~لم يطلق أو لم يقض حاكم ببطلانه فلا تحل لغيره لأنه نكاح بصدد أن يقضي به ~~حنفي فينحسم سبيل نقضه، فلا يعقد نكاح آخر قبل نقضه، وقد اختلفوا في أن ~~الحنفي لو قضى لشفعوي بشفعة الجار أو بصحة النكاح بلا ولي، فهل يؤثر قضاؤه ~~في الاحلال باطنا، فغلا أبو حنيفة وجعل القضاء بشهادة الزور يغير الحكم ~~باطنا فيما للقاضي فيه ولاية الفسخ والعقد، وغلا قوم فقالوا: لا يحل القضاء ~~شيئا بل يبقى على ما كان عليه، وإن كان قضاؤه في محل الاجتهاد. وقال قوم: ~~يؤثر في محل الاجتهاد ويغير الحكم باطنا ولا يؤثر حيث قاله أبو حنيفة، ms560 وهذه ~~احتمالات فقهية لا يستحيل شئ منها، فنختار منها ما نشاء، فلا يتناقض ولا ~~يلزمنا في الأصول تصحيح واحد من هذه الاختيارات الفقهية، فإنها ظنيات ~~محتملة كل مجتهد أيضا فيها مصيب. # الشبهة الثالثة: تمسكهم بطريق الدلالة بقولهم: لو صح ما ذكرتموه لجاز لكل ~~واحد PageV00P357 # من المجتهدين في القبلة والاناءين إذا اختلف اجتهادهما أن يقتدي بالآخر، ~~لان صلاة كل واحد صحيحة، فلم لا يقتدي بمن صحت صلاته، وكذلك ينبغي أن يصح ~~اقتداء الشافعي بحنفي إذا ترك الفاتحة أيضا صحيحة، لأنه بناها على ~~الاجتهاد، فلما اتفقت الأمة على فساد هذا الاقتداء دل على أن الحق واحد؟ ~~والجواب: أن الاتفاق في هذا غير مسلم، فمن العلماء من جوز الاقتداء مع ~~اختلاف المذاهب، وهو منقدح، لان كل مصل يصلي لنفسه، ولا يجب الاقتداء إلا ~~بمن هو في صلاة، وصلاة الامام غير مقطوع ببطلانها، فكيف يمتنع الاقتداء، ~~ولو بان كون الامام جنبا ربما لم يجب قضاء الصلاة، ولو سلمنا فنقول: إنما ~~يجوز الاقتداء بمن صحت صلاته في حق المقتدي، وللمقتدي أن يقول صلاة الامام ~~صحيحة في حقه، لأنها على وفق اعتقاده فاسدة في حقي، لأنها على خلاف اعتقادي ~~فظهر أثر صحتها في كل ما يخص المجتهد، أما ما يتعلق بمخالفته فينزل منزلة ~~الباطل، والاقتداء يتعلق بالمقتدي، فصلاته لا تصلح لقدوة من يعتقد فسادها ~~في حق نفسه، وإن كان يعتقد صحتها في حق غيره، والدليل عليه أن الامام وإن ~~صلى بغير فاتحة فيحتمل صلاته الصحة بالاتفاق، إذ الشافعي لا يقطع بخطئه، ~~فلم فسد اقتداؤه بمن تجوز صحة صلاته ويجوز بطلانها، وكل إمام فيحتمل أن ~~تكون صلاته باطلة بحدث أو نجاسة لا يعرفها المقتدي ولا تبطل صلاته ~~بالاحتمال، فلا سبب لها إلا أنها باطلة في اعتقاده وبموجب اجتهاده ونحن ~~نقول هي باطلة بموجب اعتقاده في حقه لا في حق إمامه، وبطلانها في حقه كاف ~~لبطلان اقتدائه. # الشبهة الرابعة: قولهم إن صح تصويب المجتهدين فينبغي أن نطوي بساط ~~المناظرات في الفروع، لان مقصود المناظرة دعوة الخصم إلى الانتقال ms561 عن ~~مذهبه، فلم يدع إلى الانتقال، بل ينبغي أن يقال: ما اعتقدته فهو حق فلازمه، ~~فإنه لا فضل لمذهبي على مذهبك، فالمناظرة إما واجبة وإما ندب وإما مفيدة، ~~ولا يبقى لشئ من ذلك وجه مع التصويب. والجواب: أنا لا ننكر أن جماعة من ~~ضعفة الفقهاء يتناظرون لدعوة الخصم إلى الانتقال لظنهم أن المصيب واحد، بل ~~لاعتقادهم في أنفسهم أنهم المصيبون، وأن خصمهم مخطئ على التعيين، أما ~~المحصلون فلا يتناظرون في الفروع، لذلك لكن يعتقدون وجوب المناظرة لغرضين ~~واستحبابها لستة أغراض، أما الوجوب ففي موضعين: أحدهما: أنه يجوز أن يكون ~~في المسألة دليل قاطع من نص أو ما في معنى النص أو دليل عقلي قاطع فيما ~~يتنازع فيه في تحقيق مناط الحكم، ولو عثر عليه لامتنع الظن والاجتهاد، ~~فعليه المباحثة والمناظرة حتى ينكشف انتفاء القاطع الذي يأثم ويعصي بالغفلة ~~عنه. الثاني: أن يتعارض عنده دليلان ويعسر عليه الترجيح، فيستعين بالمباحثة ~~على طلب الترجيح، فإنا وإن قلنا على رأي أنه يتخير فإنما يتخير إذا حصل ~~اليأس عن طلب الترجيح وإنما يحصل اليأس بكثرة المباحثة. وأما الندب ففي ~~مواضع: الأول: أن يعتقد فيه أنه معاند فيما يقوله غير معتقد له، وأنه إنما ~~يخالف حسدا أو عنادا أو نكرا فيناظر ليزيل عنهم معصية سوء الظن ويبين أنه ~~يقوله عن اعتقاد واجتهاد. الثاني: أن ينسب إلى الخطأ وأنه قد خالف دليلا ~~قاطعا فيعلم جهلهم، PageV00P358 # فيناظر ليزيل عنهم الجهل كما أزال في الأول معصية التهمة. الثالث: أن ~~ينبه الخصم على طريقه في الاجتهاد، حتى إذا فسد ما عنده لم يتوقف ولم ~~يتخير، وكان طريقه عنده عتيدا يرجع إليه إذا فسد ما عنده وتغير فيه ظنه. ~~الرابع: أن يعتقد أن مذهبه أثقل وأشد، وهو لذلك أفضل وأجزل ثوابا فيسعى في ~~استجرار الخصم من الفاضل إلى الأفضل، ومن الحق إلى الأحق. # الخامس: أنه يفيد المستمعين معرفة طرق الاجتهاد ويذلل لهم مسلكه ويحرك ~~دواعيهم إلى نيل رتبة الاجتهاد ويهديهم إلى طريقه، فيكون كالمعاونة على ~~الطاعات والترغيب في القربات. السادس: ms562 وهو الأهم، وهو أن يستفيد هو وخصمه ~~تذليل طرق النظر في الدليل حتى يترقى من الظنيات إلى ما الحق فيه واحد من ~~الأصول فيحصل بالمناظرة نوع من الارتياض وتشحيذ الخاطر وتقوية المنة في طلب ~~الحقائق ليترقى به إلى نظر هو فرض عينه إن لم يكن في البلد من يقوم به أو ~~كان قد وقع الشك في أصل من الأصول، أو إلى ما هو فرض على الكفاية، إذ لا بد ~~في كل بلد من عالم ملئ بكشف معضلات أصول الدين وما لا يتوصل إلى الواجب إلا ~~به فهو واجب متعين إن لم يكن إليه طريق سواه، وإن كان إليه طريق سواه فيكون ~~هو إحدى خصال الواجب، فهذا في بعض الصور يلتحق بالمناظرة الواجبة، فهذه ~~فوائد مناظرات المحصلين دون الضعفاء المغترين حين يطلبون من الخصم ~~الانتقال، ويفتون بأنه يجب على خصمهم العمل بما غلب على ظنه، وأنه لو وافقه ~~على خلاف اجتهاد نفسه عصى وأثم، وهل في عالم الله تناقض أظهر منه؟ فهذه ~~شبههم العقلية. أما الشبه النقلية فخمس: # الأولى: تمسكهم بقوله تعالى: * (وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ ~~نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين الانعام) * (الأنبياء: 87 - 79) ~~وهذا يدل على اختصاص سليمان بمدرك الحق وأن الحق واحد. الجواب من ثلاثة ~~أوجه: الأول: أنه من أين صح أنهما بالاجتهاد حكما ومن العلماء من منع ~~اجتهاد الأنبياء عقلا، ومنهم من منعه سمعا، ومن أجاز أحال الخطأ عليهم، ~~فكيف ينسب الخطأ إلى داود عليه السلام، ومن أين يعلم أنه قال ما قال عن ~~اجتهاد؟ الثاني: أن الآية أدل على نقيض مذهبهم إذ قال: * (وكلا آتينا حكما ~~وعلما) * والباطل والخطأ يكون ظلما وجهلا لا حكما وعلما، ومن قضى بخلاف حكم ~~الله تعالى لا يوصف بأنه حكم الله، وأنه الحكم والعلم الذي آتاه الله، لا ~~سيما في معرض المدح والثناء، فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: * (ففهمناها ~~سليمان) * (الأنبياء: 97) قلنا: لا يلزمنا ذكر ذلك بعد أن أبطلنا نسبة ~~الخطأ إلى داود. # الجواب الثالث: التأويل، ms563 وهو أنه يحتمل أنهما كانا مأذونين في الحكم ~~باجتهادهما فحكما وهما محقان ثم نزل الوحي على وفق اجتهاد سليمان، فصار ذلك ~~حقا متعينا بنزول الوحي على سليمان بخلافه، لكن لنزوله على سليمان أضيف ~~إليه، ويتعين تنزيل ذلك على الوحي، إذ نقل المفسرون أن سليمان حكم بأنه ~~يسلم الماشية إلى صاحب الزرع حتى ينتفع بدرها ونسلها وصوفها حولا كاملا، ~~وهذا إنما يكون حقا وعدلا إذا علم أن الحاصل منه في جميع السنة يساوي ما ~~فات على صاحب الزرع، وذلك يدركه علام الغيوب ولا يعرف بالاجتهاد. ~~PageV00P359 # الشبهة الثانية: قوله تعالى: * (لعلمه الذين يستنبطونه منهم) * (النساء: ~~38) وقوله: # * (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم) * (آل عمران: 7) فدل ~~على أن في مجال النظر حقا متعينا يدركه المستنبط، وهذا فاسد من وجهين: ~~أحدهما: أنه ربما أراد به الحق فيما الحق فيه واحد من العقليات والسمعيات ~~القطعيات إذ منها ما يعلم بطريق قاطع نظري مستنبط. والثاني: أنه ليس فيه ~~تخصيص بعض العلماء، فكل ما أفضى إليه نظر عالم فهو استنباطه وتأويله، وهو ~~حق مستنبط وتأويل أذن للعلماء فيه دون العوام، وجعل الحق في حق العوام الحق ~~الذي استنبطه العلماء بنظرهم وتأويلهم، فهذا لا يدل على تخطئة البعض. # الشبهة الثالثة: قوله عليه السلام: إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، ~~وإن أخطأ فله أجر فدل أن فيه خطأ وصوابا، وقد ادعيتم استحالة الخطأ في ~~الاجتهاد، والجواب من وجهين: الأول: أن هذا هو القاطع على أن كل واحد مصيب ~~إذ له أجر وإلا فالمخطئ الحاكم بغير حكم الله تعالى كيف يستحق الاجر؟ ~~الثاني: هو أنا لا ننكر إطلاق اسم الخطأ على سبيل الإضافة إلى مطلوبه لا ~~إلى ما وجب عليه، فإن الحاكم يطلب رد المال إلى مستحقه، وقد يخطئ ذلك فيكون ~~مخطئا فيما طلبه مصيبا فيما هو حكم الله تعالى عليه، وهو اتباع ما غلب على ~~ظنه من صدق الشهود، وكذلك كل من اجتهد في القبلة يقال أخطأ أي أخطأ ما ~~طلبه، ولم يجب عليه الوصول إلى مطلوبه، ms564 بل الواجب استقبال جهة يظن أن ~~مطلوبه فيها، فإن قبل: ولم كان للمصيب أجران وهما في التكليف وأداء ما كلفا ~~سواء؟ قلنا: لقضاء الله تعالى وقدره وإرادته فإنه لو جعل للمخطئ أجرين لكان ~~له ذلك، وله أن يضاعف الاجر على أخف العملين، لان ذلك منه تفضل، ثم السبب ~~فيه أنه أدى ما كلف وحكم بالنص إذ بلغه، والآخر حرم الحكم بالنص إذ لم ~~يبلغه ولم يكلف إصابته لعجزه ففاته فضل التكليف والامتثال، وهذا ينقدح في ~~كل مسألة فيها نص، وفي كل اجتهاد يتعلق بتحقيق مناط الحكم، كأروش الجنايات، ~~وقدر كفاية الأقارب فإن فيها حقيقة متعينة عند الله تعالى وإن لم يكلف ~~المجتهد طلبها، وهو جار في المسائل التي لا نص فيها عند من قال: في كل ~~مسألة حكم متعين، وأشبه عند الله تعالى، وسيأتي وجه فساده بعد هذا إن شاء ~~الله تعالى . الشبهة الرابعة: تمسكهم بقوله تعالى: * (ولا تفرقوا واذكروا ~~نعمة الله عليكم) * (آل عمران: 301) * (تنازعوا فتفشلوا) * (الأنفال: 64) * ~~(ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا) * (آل عمران: 501) * ((84) وكذلك) * ~~(هود: 811 - 911) والاجماع منعقد على الحث على الألفة والموافقة والنهي عن ~~الفرقة، فدل أن الحق واحد ومذهبكم أن دين الله مختلف، ولو كان من عند غير ~~الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا والجواب من أوجه: # الأول: أن اختلاف الحكم باختلاف الأحوال في العلم والجهل والظن كاختلافه ~~باختلاف السفر والإقامة والحيض والطهر والحرية والرق والاضطرار والاختيار. ~~الثاني: أن الأمة مجمعة على أنه يجب على المختلفين في الاجتهاد أن يحكم كل ~~واحد بموجب اجتهاده، وهو مخالف لغيره، والامر باتباع المختلف أمر ~~بالاختلاف، فهذا ينقلب عليكم إشكاله وإنما يصح هذا السؤال من منكري أصل ~~الاجتهاد. الثالث: وهو جواب منكري أصل الاجتهاد PageV00P360 # أيضا أنه لو كان المراد ما ذكروه لما جاز للمجتهدين في القبلة أن يصلوا ~~إلى جهات مختلفة، مع أن القبلة عند الله تعالى واحدة ولما جاز في الكفارات ~~المختلفة أن يعتق واحد ويصوم آخر، ولما جاز للمضطرين إلى ميتة لا تفي برمق ~~جميعهم أن يتقارعوا، ولما جاز ms565 الاجتهاد في أروش الجنايات وتقدير النفقات ~~وفي مصالح الحرب، وكل ما سميناه بتحقيق مناط الحكم وذلك كله ضروري في ~~الدين، وليس مرادنا الاختلاف المنهي عنه، بل المنهي عنه الاختلاف في أصول ~~الدين وعلى الولاة والأئمة. # الشبهة الخامسة: قولهم حسمتم إمكان الخطأ في الاجتهاد، والصحابة مجمعون ~~على الحذر من الخطأ، حتى قال أبو بكر رضي الله عنه: أقول في الكلالة برأيي، ~~فإن كان صوابا فمن الله، وإن كان خطأ فمن الشيطان. وقال علي لعمر رضي الله ~~عنهما: إن لم يجتهدوا فقد غشوا، وإن اجتهدوا فقد أخطأوا، أما الاثم فأرجو ~~أن يكون عنك زائلا، وأما الدية فعليك . ولما كتب أبو موسى كتابا عن عمر كتب ~~فيه: هذا ما أرى الله عمر، فقال: امحه واكتب، هذا ما رأى عمر، فإن يك خطأ ~~فمن عمر. وقال في جواب المرأة التي ردت عليه في النهي عن لمبالغة في المهر ~~حيث ذكرت القنطار في الكتاب: أصابت امرأة وأخطأ عمر. وقال ابن مسعود في ~~المفوضة، إن كانت خطأ فمني ومن الشيطان بعد أن اجتهد شهرا؟. الجواب: # إنا نثبت الخطأ في أربعة أجناس: أن يصدر الاجتهاد من غير أهله، أو لا ~~يستتم المجتهد نظره أو يضعه في غير محله بل في موضع فيه دليل قاطع أو يخالف ~~في اجتهاده دليلا قاطعا كما ذكرناه في باب مثارات إفساد القياس، وإنا ذكرنا ~~عشرة أوجه تبطل القياس قطعا لا ظنا: فجميع هذا محال الخطأ، وإنما ينتفي ~~الخطأ متى صدر الاجتهاد من أهله وتم في نفسه ووضع في محله ولم يقع مخالفا ~~لدليل قاطع، ثم مع ذلك كله يثبت اسم الخطأ بالإضافة إلى ما طلب لا إلى ما ~~وجب، كما في القبلة وتحقيق مناط الاحكام، فمن ذكره من الصحابة فإما إن كان ~~اعتقد أن الخطأ ممكن وذهب، مذهب من قال: المصيب واحد أو خاف على نفسه أن ~~يكون قد خالف دليلا قاطعا غفل عنه أو لم يستتم نظره ولم يستفرغ تمام وسعه، ~~أو يخاف أن لا يكون أهلا للنظر في تلك المسألة ms566 أو أمن ذلك كله، لكن قال ما ~~قال إظهارا للتواضع والخوف من الله تعالى كما يقولون أنا مؤمن بالله إن شاء ~~الله، مع أنهم لم يشكوا في إيمانهم، ثم جميع ما ذكروا أخبار آحاد لا يقوم ~~بها حجة ويتطرق إليها الاحتمال المذكور فلا يندفع بها البراهين القاطعة ~~التي ذكرناها. # - مسألة (الخطأ والإصابة في الاجتهاد) القول في نفي حكم معين في ~~المجتهدات، أما من ذهب إلى أن المصيب واحد فقد وضع في كل مسألة حكما معينا ~~هو قبلة الطالب ومقصد طلبه فيصيب أو يخطئ، أما المصوبة فقد اختلفوا فيه، ~~فذهب بعضهم إلى إثباته، وإليه تشير نصوص الشافعي رحمه الله، لأنه لا بد ~~للطالب من مطلوب، وربما عبروا عنه بأن مطلوب المجتهد الأشبه عند الله ~~تعالى، والأشبه معين عند الله، والبرهان الكاشف للغطاء عن هذا الكلام ~~المبهم هو أنا نقول: # المسائل منقسمة إلى ما ورد فيها نص وإلى ما لم يرد، أما ما ورد فيه نص ~~فالنص كأنه مقطوع به من جهة الشرع، لكن لا يصير حكما في حق المجتهد إلا إذا ~~بلغه وعثر عليه أو كان عليه PageV00P361 # دليل قاطع يتيسر معه العثور عليه إن لم يقصر في طلبه، فهذا مطلوب المجتهد ~~وطلبه واجب وإذا لم يصب فهو مقصر آثم، أما إذا لم يكن إليه طريق متيسر قاطع ~~كما في النهي عن المخابرة وتحويل القبلة قبل بلوغ الخبر، فقد بينا أن ذلك ~~حكم في حق من بلغه لا في حق من لم يبلغه، لكنه عرضة أن يصير حكما فيه حكم ~~بالقوة لا بالفعل، وإنما يصير حكما بالبلوغ أو تيسر طريقه على وجه يأثم من ~~لا يصيبه، فمن قال في هذه المسائل حكم معين لله تعالى وأراد به أنه حكم ~~موضوع ليصير حكما في حق المكلف إذا بلغه وقبل البلوغ وتيسر الطريق ليس حكما ~~في حقه بالفعل بل بالقوة، فهو صادق، وإن أراد به غيره فهو باطل، أما ~~المسائل التي لا نص فيها فيعلم أنه لا حكم فيها، لان حكم الله تعالى خطابه، ms567 ~~وخطابه يعرف بأن يسمع من الرسول أو يدل عليه دليل قاطع من فعل النبي عليه ~~السلام أو سكوته، فإنه قد يعرفنا خطاب الله تعالى من غير استماع صيغة، فإذا ~~لم يكن خطاب لا مسموع ولا مدلول عليه فكيف يكون فيه حكم، فقليل النبيذ إن ~~اعتقد فيه كونه عند الله حراما، فمعنى تحريمه أنه قيل فيه لا تشربوه، وهذا ~~خطاب والخطاب يستدعي مخاطبا والمخاطب به هم الملائكة أو الجن أو الآدميون، ~~ولا بد أن يكون المخاطب به هم المكلفون من الآدميين، ومتى خوطبوا ولم ينزل ~~فيه نص بل هو مسكوت عنه غير منطوق به ولا مدلول عليه بدليل قاطع سوى النطق، ~~فإذا لا يعقل خطاب لا مخاطب به، كما لا يعقل علم لا معلوم له، وقتل لا ~~مقتول له، ويستحيل أن يخاطب من لا يسمع الخطاب ولا يعرفه بدليل قاطع، فإن ~~قيل: عليه أدلة ظنية؟ قلنا: قد بينا أن تسمية الامارات أدلة مجاز، فإن ~~الامارات لا توجب الظن لذاتها، بل تختلف بالإضافة، فمما لا يفيد الظن لزيد ~~فقد يفيد لعمرو، وما يفيد لزيد حكما فقد يفيد لعمرو ونقيضه، وقد يختلف ~~تأثيره في حق زيد في حالتين، فلا يكون طريقا إلى المعرفة، ولو كان طريقا ~~لعصى إذا لم يصبه، فسبب هذا الغلط إطلاق اسم الدليل على الامارات مجازا فظن ~~أنه دليل محقق وإنما الظن عبارة عن ميل النفس إلى شئ، واستحسان المصالح ~~كاستحسان الصور، فمن وافق طبعه صورة مال إليها وعبر عنها بالحسن، وذلك قد ~~يخالف طبع غيره فيعبر عنه بالقبح حيث ينفر عنه، فالأسمر حسن عند قوم قبيح ~~عند قوم، فهي أمور إضافية ليس لها حقيقة في نفسها، فلو قال قائل، الأسمر ~~حسن عند الله أو قبيح قلنا: لا حقيقة لحسنه وقبحه عند الله إلا موافقته ~~لبعض الطباع ومخالفته لبعضها، وهو عند الله كما هو عند الناس، فهو عند الله ~~حسن عند زيد قبيح عند عمرو، إذ لا معنى لحسنه إلا موافقته طبع زيد، ولا ~~معنى لقبحه إلا مخالفته لطبع عمرو، ms568 وكذلك تحريك الرغبة للفضائل، والتفاوت ~~في العطاء هو حسن عند عمر رضي الله عنه موافق لرأيه، وهو بعينه ليس موافقا ~~لأبي بكر رضي الله عنه بل الحسن عنده أن يجعل الدنيا بلاغا ولا يلتفت ~~إليها. فهذه الحقيقة في الظنون ينبغي أن تفهم حتى ينكشف الغطاء، وإنما غلط ~~فيه الفقهاء من حيث ظنوا أن الحلال والحرام وصف للاعيان كما ظن قوم أن ~~الحسن والقبح وصف للذوات، فإن قيل: نحن لا ننكر أن ما لم يرد فيه نطق ولا ~~دليل قاطع فليس فيه حكم نازل موضوع، لكن نعني بالأشبه فيما هو قبلة للطالب ~~الحكم الذي كان الله ينزله لو أنزله، وربما كان الشارع يقوله لو رجع في تلك ~~المسألة، قلنا هذا هو PageV00P362 # الحكم بالقوة، وما كان ينزل لو نزل إنما يكون حكما لو نزل فقبل نزوله ليس ~~حكما، فقد ظهر أنه لا حكم، ومن أخطأ لم يخطئ الحكم بل أخطأ ما كان لعله ~~سيصير حكما لو جرى في تقدير الله أنزله، ولم يجر في تقديره، فلا معنى له، ~~ويلزم من هذا أن يجوز خطأ المجتهدين جميعا في تقديره وإصابة المجتهدين ~~جميعا، فإنه ربما كان ينزل لو أنزل التخيير بين المذهبين، وتصويب كل من قال ~~فيه قولا كيفما قال، أو ينزل تخطئة كل من قطع القول بإثبات أو نفي حيث لم ~~يتخير بين الحكمين، فإن هذه التجويزات لا تنحصر، فربما يعلم الله صلاح ~~العباد في أن لا يضع في الوقائع حكما، بل يجعل حكمها تابعا لظن المجتهدين، ~~فتعبدهم بما يظنون ويبطل مذهب من يقول فيها بحكم معين، فيكون في هذا تخطئة ~~كل من أثبت من المجتهدين حكما معينا نفيا أو إثباتا، احتجوا بأن قالوا: ~~إنما اضطرنا إلى هذا ضرورة الطلب فإنه يستدعي مطلوبا، فمن علم أن الجماد ~~ليس بعالم ولا جاهل لا يتصور أن يطلب الظن أو العلم بجهله وعلمه، ومن اعتقد ~~أن العالم خال عن وصف القدم والحدوث هل يتصور أن يطلب ما يعتقد انتفاءه، ~~فإذا اعتقد الطلب أن قليل النبيذ ليس ms569 عند الله حراما ولا حلالا فكيف يجتهد ~~في طلب أحدهما؟ قلنا: فقد أخطأ إذ ظننتم أن المجتهد يطلب حكم الله مع علمه ~~بأن حكم الله خطابه، فإن الواقعة لا نص فيها ولا خطاب، بل إنما يطلب غلبة ~~الظن. # وهو كمن كان على ساحل البحر، وقيل له: إن غلب على ظنك السلامة أبيح لك ~~الركوب وإن غلب على ظنك الهلاك حرم عليك الركوب، وقبل حصول الظن لا حكم لله ~~عليك وإنما حكمه يترتب على ظنك ويتبع ظنك بعد حصوله، فهو يطلب الظن دون ~~الإباحة والتحريم، فإن قيل: هذا في البحر معقول لأنه ينظر في أمارات الهلاك ~~والسلامة فذلك مطلوبة، والإباحة والتحريم أمر وراءه وفي مسألتنا لا مطلوب ~~سوى الحكم، قلنا: من ههنا غلطتم فإنه لا فرق بين الصورتين، ونحن نكشف ذلك ~~بالأمثلة فنقول: لو قلنا للشارع: ما حكم الله تعالى في العطاء الواجب ~~التسوية أو التفضيل. فقال: حكم الله على كل إمام ظن أن الصلاح في التسوية ~~هو التسوية، وحكمه على كل من ظن أن المصلحة في التفضيل ولا حكم عليهم قبل ~~تحصيل الظن، إنما يتجدد حكمه بالظن وبعده كما يتجدد الحكم على راكب البحر ~~بعد الظن ويتجدد على قاضيين شهد عندهما في واقعتين شخصان وجوب القبول ووجوب ~~الرد عند ظن الصدق وظن الكذب فيجب على أحدهما التصديق وعلى الآخر التكذيب، ~~وكذلك إذا قلنا: ما حكمه في قليل النبيذ فقال: حكمه تحريم الشرب على من ظن ~~أني حرمت قليل الخمر لأنه يدعوه إلى كثيره، والتحليل لمن ظن أني حرمت الخمر ~~لعينها إلا لهذه العلة ولا حكم لله تعالى قبل هذا الظن، وكذلك، إذا قلنا: ~~ما حكم الله في قيمة العبد، أتضرب على العاقلة أم على الجاني؟ فقال: حكم ~~الله تعالى على من ظن أنه بالحر أشبه الضرب على العاقلة، وعلى من ظن أنه ~~بالبهيمة أشبه الضرب على الجاني، وكذلك نقول: ما حكم الله في المفاضلة في ~~بيع الجص والبطيخ فقال: حكم الله على من ظن إني حرمت ربا الفضل في البر ms570 ~~لأنه مطعوم تحريم البطيخ دون الجص، وعلى من ظن أني حرمته للكيل تحريم الجص ~~دون البطيخ، فإن قيل: فما علة تحريم ربا البر عند الله، أهي الطعم أم ~~PageV00P363 # الكيل أم القوت؟ فنقول: كل واحد من الطعم والكيل لا يصلح أن يكون علة ~~لذاتها بل معنى كونها علة أ علامة، فمن ظن أن الكيل علامة فهو علامة في حقه ~~دون من ظن أن علامته الطعم وليست العلة وصفا ذاتيا، كالقدم والحدوث للعالم ~~حتى يجب أن يكون في علم الله على أحد الوصفين لا محالة، بل هو أمر وضعي، ~~والوضع يختلف بالإضافة وقد وضعته كذلك، فهذا لو صرح الشارع به فهو معقول، ~~وجانب الخصم لو صرح به كان محالا، وهو أن يكون لله حكم ليس بخطاب، ولا ~~يتعلق بمخاطب ومكلف، فإن هذا يضاد حد الحكم وحقيقته أو يقول تعلق به، لكن ~~لا طريق له إلى معرفته، فهو محال لما فيه من تكليف ما لا يطاق، أو يقول: له ~~طريق إلى معرفته، وقد أمر به، لكنه لا يعصي بتركه، فهو أيضا يضاد حد الواجب ~~ويضاد حد الاجماع المنعقد على أن المجتهد يجب عليه العمل بموجب اجتهاده، ~~فكيف يجب عليه مع ذلك ضده، وكيف يكون مأمورا باستقبال القبلة من غلب على ~~ظنه أن القبلة في جهة أخرى بل بالاجماع لو خالف اجتهاد نفسه واستقبل جهة ~~أخرى فاتفق إن كان جهة القبلة عصى ولزمه القضاء، فاستبان أن ذلك الاجتهاد ~~الشرعي على الممكن دون المحال هذا حكم التأثيم والتصويب، ونذكر بقية أحكام ~~الاجتهاد في صور مسائل. # - مسألة (تعارض الأدلة مع بعضها) إذا تعارض دليلان عند المجتهد وعجز عن ~~الترجيح ولم يجد دليلا من موضع آخر وتحير، فالذين ذهبوا إلى أن المصيب واحد ~~يقولون: هذا بعجز المجتهد، وإلا فليس في أدلة الشرع تعارض من غير ترجيح، ~~فيلزم التوقف أو الاخذ بالاحتياط أو تقليد مجتهد آخر عثر على الترجيح، وأما ~~المصوبة فاختلفوا فمنهم من قال يتوقف لأنه متعبد باتباع غالب الظن ولم يغلب ~~عليه ظن شئ وهذا هو ms571 الأسلم الأسهل، وقال القاضي: يتخير، لأنه تعارض عنده ~~دليلان، وليس أحدهما أولى من الآخر فيعمل بأيهما شاء، وهذا ربما يستنكر ~~ويستبعد ويقال: كيف يتخير في حال واحدة بين الشئ وضده، وليس هذا محالا، لان ~~التخيير بين حكمين مما ورد الشرع به كالتخيير بين خصال الكفارة، ولو صرح ~~الشرع بالتخيير كان له ذلك فقد اضطررنا إلى التخيير لان الحكم تارة يؤخذ من ~~النص، وتارة من المصلحة، وتارة من الشبه، وتارة من الاستصحاب، فإن نظرنا ~~إلى النص فيجوز أن يتعارض في حقنا نصان ولا يتبين تاريخ أو يتعارض عمومان، ~~ولا يتبين ترجيح أو يتعارض استصحابان كما في مسائل تقابل الأصلين، أو ~~يتعارض شبهان بأن تدور المسألة بين أصلين ويكون شبهه هذا كشبهة ذاك أو ~~يتعارض مصلحتان بحيث لا ترجيح، فلو قلنا يتوقف، فإلى متى يتوقف؟ وربما لا ~~يقبل الحكم التأخير ولا نجد مأخذا آخر للحكم، ولا نجد مفتيا آخر يترجح عنده ~~أو وجد من ترجح عنده بخيال هو فاسد عنده يعلم أنه لا يصلح للترجيح، فكيف ~~يرجح بما يعتقد أنه لا يصلح للترجيح، بل لا سبيل إلا التخيير، كما لو اجتمع ~~على العامي مفتيان استوى حالهما عنده في العلم والورع ولم يجد ثالثا، فلا ~~طريق إلا التخيير، وللفقهاء في تعارض البينتين مذاهب، فمنهم من قال: نقسم ~~المال بينهما ومعناه، تصديق البينتين، وتقدير أنه قام لكل واحد سبب كمال ~~الملك لكن ضاق المحل عن الوفاء بهما، ولا ترجيح فصار كما لو استحقاه ~~بالشفعة إذ لكل واحد من الشفيعين سبب كامل في استحقاق جميع الشقص المبيع، ~~لكن ضاق المحل PageV00P364 # فيوزع عليهما وعلى الجملة الاحتمالات أربعة: أما العمل بالدليلين جميعا، ~~أو إسقاطهما جميعا، أو تعيين أحدهما بالتحكم، أو التخيير، ولا سبيل إلى ~~الجمع عملا وإسقاطا لأنه متناقض، ولا سبيل إلى التوقف إلى غير نهاية، فإن ~~فيه تعطيلا، ولا سبيل إلى التحكم بتعيين أحدهما، فلا يبقى إلا الرابع وهو ~~التخيير، كما في اجتماع المفتيين على العامي، فإن قيل : كما استحالت ~~الأقسام الثلاثة فالتخيير أيضا جمع بين ms572 النقيضين فهو محال؟ قلنا: المحال ما ~~لو صرح الشرع به لم يعقل، ولو قال الشارع: من دخل الكعبة فله أن يستقبل أي ~~جدار أراد فيتخير بين أن يستقبل جدارا أو يستدبره كان معقولا، لأنه كيفما ~~فعل فهو مستقبل شيئا من الكعبة، وكيفما تقلب فإليها ينقلب، وكذلك إذا قال: ~~تعبدتكم باتباع الاستصحاب ثم تعارض استصحابان، فكيفما تقلب فهو مستصحب، كما ~~إذا أعتق عن كفارته عبدا غائبا انقطع خبره، فالأصل بقاء الحياة، والأصل ~~بقاء اشتغال الذمة فقد تعارضا، وكذلك إذا علم المجتهد أن في التسوية في ~~العطاء مصلحة وهي الاحتراز عن وحشة الصدور بمقدار التفاوت الذي لا يتقدر ~~إلا بنوع من الاجتهاد، وفي التفاوت مصلحة تحريك رغبات الفضائل، وهما ~~مصلحتان ربما تساوتا عند الله تعالى أيضا فكيفما فعل فقد مال إلى مصلحة، ~~وكذلك قد تشبه المسألة أصلين شبها متساويا وقد أمرنا باتباع الشبه فكيفما ~~فعل فهو ممتثل، و مثاله قوله تعالى عليه السلام في زكاة الإبل: في كل ~~أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة فمن له من الإبل مائتان فإن أخرج الحقاق ~~فقد عمل بقوله عليه السلام: في كل خمسين حقة وإن أخرج بنات لبون فقد عمل ~~بقوله: في كل أربعين بنت لبون وليس أحد اللفظين بأولى من الآخر فيتخير، ~~فكذلك عند تعارض الاستصحاب و المصلحة والشبه، فإن قيل التخيير بين التحريم ~~ونقيضه يرفع التحريم، والتخيير بين الواجب وتكره يرفع الوجوب، والجمع بين ~~أختين مملوكتين أما أن يحرم أو لا يحرم، فإن قلنا بهما جميعا فهو متناقض، ~~قلنا: يحتمل أن يرجع عند تعارض الدليل الموجب والمسقط إلى الوجه الآخر، وهو ~~القول بالتساقط، ويطلب الدليل من موضع آخر، ويخص وجه التخيير بما لو ورد ~~الشرع فيه بالتخيير لم يتناقض مما يضاهي مسألة بنات اللبون والحقاق، ~~وكالاختلاف في المحرم إذا جمع بين التحليلين الواجب عليه بدنة أو شاة إذ ~~التخيير بينهما معقول، فيحصل في تعارض الدليلين ثلاثة أوجه: وجه في ~~التساقط، ووجه في التخيير، ووجه في التفصيل، وفصل بين ما يمكن التخيير فيه ms573 ~~من الواجبات، إذ يمكن التخيير فيها وبين ما يتعارض فيه الموجب والمبيح أو ~~المحرم والمبيح، فلا يمكن التخيير فيه فيرجع إلى التساقط، وإن أردنا ~~الاصرار على وجوب التخيير مطلقا فله وجه أيضا، وهو أنا نقول: # إنما يناقض الوجوب جواز الترك مطلقا، أما جوازه بشرط فلا، بدليل أن الحج ~~واجب على التراخي، وإذا أخر ثم مات قبل الأداء لم يلق الله عاصيا عندنا إذا ~~أخر مع العزم على الامتثال، فجواز تركه بشرط العزم لا ينافي الوجوب، بل ~~المسافر مخير بين أن يصلي أربعا فرضا وبين أن يترك ركعتين فالركعتان ~~واجبتان، ويجوز أن يتركهما، ولكن جاز تركهما بشرط أن يقصد الترخص ويقبل ~~صدقة قد تصدق الله بها على عباده فهو كمن يستحق أربعة دراهم على غيره فقال ~~له: تصدقت عليك بدرهمين، إن قبلت وإن لم تقبل، وأتيت بالأربعة قبلت ~~PageV00P365 # الأربعة عن الدين الواجب، فإن شاء قبل الصدقة وأتى بدرهمين، وإن شاء اتى ~~بالأربعة عن الواجب ولا يتناقض، فكذلك في مسألتنا إذا اقتضى استصحاب شغل ~~الذمة إيجاب عتق آخر بعد أن أعتق عبدا غائبا، فلا يجوز له تركه إلا بشرط أن ~~يقصد استصحاب الحياة ويعمل بموجبه، فمن لم يخطر له الدليل المعارض أو خطر ~~له ولم يقصد العمل وترك الواجب لم يجز، وكذلك إذا سمع قوله تعالى: * (وأن ~~تجمعوا بين الأختين) * (النساء: 32) حرم عليه الجمع بين المملوكتين، وإنما ~~يجوز له قصد العمل بموجب الدليل الثاني هو قوله تعالى: * ((4) أو ما ملكت ~~أيمانكم) * (النساء: 3) كما قال عثمان أحلتهما آية وحرمتهما آية، وسئل ابن ~~عمر عمن نذر صوم يوم من كل أسبوع فوافق يوم العيد فقال: أمر الله بوفاء ~~النذر ونهى النبي (ص) عن صوم يوم العيد ولم يزد على هذا، معناه أنه إذا لم ~~يظهر ترجيح فيحرم صوم العيد بالنهي ويجوز أن يصوم بشرط أن يقصد العمل بموجب ~~الدليل الثاني وهو الامر بالوفاء، وكان ذلك جوازا بشرط فلا يتناقض الواجب، ~~وأما إذا تعارض الموجب والمحرم فيتولد منه التخيير المطلق، كالولي إذا لم ~~يجد من ms574 اللبن إلا ما يسد رمق أحد رضيعيه ولو قسم عليهما أو منعهما لماتا، ~~ولو أطعم أحدهما مات الآخر فإذا أشرنا إلى رضيع معين كان إطعامه واجبا لان ~~فيه إحياءه، وحراما لان فيه هلاك غيره، فنقول هو مخير بين أن يطعم هذا ~~فيهلك ذاك أو ذاك فيهلك هذا فلا سبيل إلا التخييرة فإذا مهما تعارض دليلان ~~في واجبين كالشاة والبدنة في الجمع بين التحليلين تخيير بينهما، وأن تعارض ~~دليل الوجوب ودليل الإباحة تخير بشرط قصد العمل بموجب الدليل المبيح، كما ~~يتخير بين ترك الركعتين قصدا وبين إتمامهما لكن بشرط قصد الترخص، وإن تعارض ~~الموجب والمحرم حصل التخيير المطلق أيضا، هذا طريق نصره اختيار القاضي في ~~التخيير، فإن قيل: تعارض دليلين من غير ترجيح محال، وإنما يخفى الترجيح على ~~المجتهد، قلنا وبم عرفتم استحالة ذلك؟ # فكما تعارض موجب بنات اللبون والحقاق فلم يستحل أن يتعارض استصحابان ~~وشبهان ومصلحتان وينتفى الترجيح في علم الله تعالى، فإن قيل: فما معنى قول ~~الشافعي: المسألة على قولين؟ قلنا: هو التخيير في بعض المواضع والتردد في ~~بعض المواضع، كتردده في أن البسملة هل هي آية في أول كل سورة؟ فإن ذلك لا ~~يحتمل التخيير، لأنه في نفسه أمر حقيقي ليس بإضافي فيكون الحق فيه واحدا، ~~فإن قيل: فمذهب التخيير يفضي إلى محال، وهو أن يخير الحاكم المتخاصمين في ~~شفعة الجوار أو استغراق الجد للميراث أو المقاسمة لان حكم الله الخيرة، ~~وكذلك يخير المفتي العامي، وكذلك يحكم لزيد بشفعة الجوار ولعمرو بنقيضه، ~~ويوم السبت باستغراق الجد للميراث، ويوم الاحد بالمقاسمة بل تثبت الشفعة ~~يوم الأحد وتسترد يوم الاثنين بالرأي الآخر؟ قلنا: لا تخيير للمخاصمين بين ~~النقيضين لان الحاكم منصوب لفصل الخصومة عند التنازع، فيلزمه أن يفصل ~~الخصومة بأي رأي أراد، كما لو تنازع الساعي والمالك في بنات اللبون ~~والحقاق، وفي الشاة والدراهم في الجبران فالحاكم يحكم بما أراد أما الرجوع ~~فغير جائز لمصلحة الحكم أيضا، فإنه لو تغير اجتهاده عندكم تغير فتواه، ولا ~~ينقض الحكم السابق للمصلحة، أما ms575 قضاؤه يوم الأحد بخلاف قضائه يوم السبت ~~PageV00P366 # وفي حق زيد بخلاف ما في حق عمرو، فما قولكم فيه لو تغير اجتهاده أليس ذلك ~~جائزا؟ # فكذلك إذا اجتمع دليلان عليه عندنا، كما في الحقاق وبنات اللبون يجوز أن ~~يشير بإشارات مختلفة فيأمر زيدا ببنات اللبون، وعمرا بالحقاق، وعلى الجملة ~~يجوز أن يغاير أمر الحكم أمر الفتوى لمصلحة الحكم، كما لو تغير الاجتهاد، ~~فإنه لا ينقض الحكم الماضي ويحكم في المستقبل بالاجتهاد الثاني، وكذلك ~~المجتهد في القبلة إذا تعارض عنده دليلان في جهتين والصلاة لا تقبل ~~التأخير، ولا مجتهد يقلد، فهل له سبيل إلا أن يتخير إحدى الجهتين فيصلي إلى ~~أي الجهتين شاء، ولا يجوز له أن يعدل إلى الجهتين الباقيتين اللتين دل ~~اجتهاده على أن القبلة ليست فيهما، فهذه أمور لو وقع التصريح بها من الشارع ~~كان مقبولا ومعقولا وإليه الإشارة بقول علي وعثمان رضي الله عنهما في الجمع ~~بين المملوكتين أحلتهما آية وحرمتهما آية. # - مسألة (نقض الاجتهاد) في نقض الاجتهاد: المجتهد إذا أداه اجتهاده إلى ~~أن الخلع فسخ فنكح امرأة خالعها ثلاثا ثم تغير اجتهاده لزمه تسريحها ولم ~~يجز له إمساكها على خلاف اجتهاده، ولو حكم بصحة النكاح حاكم بعد أن خالع ~~الزوج ثلاثا ثم تغير اجتهاده لم يفرق بين الزوجين ولم ينقض اجتهاده السابق ~~بصحة النكاح لمصلحة الحكم فإنه، لو نقض الاجتهاد لنقض النقض أيضا ولتسلسل ~~فاضطربت الاحكام ولم يوثق بها، أما إذا نكح المقلد بفتوى مفت وأمسك زوجته ~~بعد دور الطلاق وقد نجز الطلاق بعد الدور ثم تغير اجتهاد المفتي فهل على ~~المقلد تسريح زوجته؟ هذا ربما يتردد فيه، والصحيح أنه يجب تسريحها، كما لو ~~تغير اجتهاد مقلده عن القبلة في أثناء الصلاة، فإنه يتحول إلى الجهة ~~الأخرى، كما لو تغير اجتهاده في نفسه، وإنما حكم الحاكم هو الذي لا ينقض، ~~ولكن بشرط أن لا يخالف نصا ولا دليلا قاطعا فإن أخطأ النص نقصنا حكمه، ~~وكذلك إذا تنبهنا لأمر معقول في تحقيق مناط الحكم أو تنقيحه بحيث يعلم ms576 أنه ~~لو تنبه له لعلم قطعا بطلان حكمه فينقض الحكم. فإن قيل: قد ذكرتم أن مخالف ~~النص مصيب إذا لم يقصر، لان ذلك حكم الله تعالى عليه بحسب حاله فلم ينقض ~~حكمه؟ قلنا نعم، هو مصيب بشرط دوام الجهل، كمن ظن أنه متطهر فحكم الله عليه ~~وجوب الصلاة، ولو علم أنه محدث فحكم الله عليه تحريم الصلاة مع الحدث، لكن ~~عند الجهل الصلاة واجبة عليه وجوبا حاصلا ناجزا، وهي حرام عليه بالقوة، أي ~~هي بصدد أن تصير حراما ما لو علم محدث، فمهما علم لزمه تدارك ما مضى وكان ~~ذلك صلاة بشرط دوام الجهل، وكذلك مهما بلغ المجتهد النص نقض حكمه الواقع ~~فكذلك الحاكم الآخر العالم بالنص ينقض حكمه، وعند هذا ننبه على دقيقة وهي ~~أنا ذكرنا أن اختلاف حال المكلف في الظن والعلم كاختلاف حاله في السفر ~~والإقامة، والطهر والحيض، فيجوز أن يكون ذلك سببا لاختلاف الحكم، لكن ~~بينهما فرق وهو: أن من سقط عنه وجوب لسفره أو عجزه فلا يجب إزالة سفره ~~وعجزه ليتحقق الوجوب، ومن سقط عنه لجهله وجب إزالة جهله، فإن التعليم ~~وتبليغ حكم الشرع وتعريف أسبابه واجب، وكذلك نقول: من صلى وعلى ثوبه نجاسة ~~لا يعرفها تصح صلاته ولا يقضيها على قول، فمن رأى في ثوبه تلك النجاسة ~~يلزمه تعريفه ولو PageV00P367 # تيمم ليصلي وقدر غيره على أن يزيل عجزه بحمل ماء إليه لم يلزمه، ففي هذه ~~الدقيقة يختلف حكم العلم والجهل، وحكم سائر الأوصاف. فإن قيل: فلو خالف ~~الحاكم قياسا جليا هل ينقض حكمه؟ قلنا: قال الفقهاء ينقض فإن أرادوا به ما ~~هو في معنى الأصل مما يقطع به فهو صحيح وإن أرادوا به قياسا مظنونا مع كونه ~~جليا فلا وجه له، إذ لا فرق بين ظن وظن، فإذا انتقى القاطع فالظن يختلف ~~بالإضافة، وما يختلف بالإضافة، فلا سبيل إلى تتبعه. # فإن قيل: فمن حكم على خلاف خبر الواحب أو بمجرد صيغة لأمر أو حكم في ~~الفساد بمجرد النهي فهل ينقض حكمه وقد قطعتم بصحة ms577 خبر الواحد، وأن صيغة ~~الامر لا تدل على الوجوب، والنهي لا يدل بمجرده على الفساد؟ قلنا: معما ~~كانت المسألة ظنية فلا ينقض الحكم، لأنا لا ندري أنه حكم لرده خبر الواحد، ~~أو أنه حكم بمجرد صيغة الامر، بل لعله كان حكم لدليل آخر ظهر له، فإن علمنا ~~أنه حكم لذلك لا لغيره وكانت المسألة مع ذلك ظنية اجتهادية فلا ينبغي أن ~~ينقض لأنه ليس لله في المسألة الظنية حكم معين، فقد حكم بما هو حكم الله ~~تعالى على بعض المجتهدين، فإن أخطأ في الطريق فليس مخطئا في نفس الحكم ، بل ~~حكم في محل الاجتهاد، وعلى الجملة: الحكم في مسألة فيها خبر واحد على خلاف ~~الخبر ليس حكما برد الخبر مطلقا، وإنما المقطوع به كون الخبر حجة على ~~الجملة، أما آحاد المسائل فلا يقطع فيها بحكم فإن قيل: فإن حكم بخلاف ~~اجتهاده لكن وافق مجتهدا آخر وقلده فهل ينقض حكمه؟ ولو حكم حاكم مقلد بخلاف ~~مذهب إمامه فهل ينقض؟ قلنا: هذا في حق المجتهد لا يعرف يقينا، بل يحتمل ~~تغير اجتهاده، وأما المقلد فلا يصح حكمه عند الشافعي، ونحن وإن حكمنا ~~يتنفيذ حكم المقلدين في زماننا لضرورة الوقت، فإن قضينا بأنه لا يجوز ~~للمقلد أن يتبع أي مفت شاء بل عليه اتباع إمامه الذي هو أحق بالصواب في ~~ظنه، فينبغي أن ينقض حكمه، ولو جوزنا ذلك، فإذا وافق مذهب ذي مذهب فقد وقع ~~الحكم في محل الاجتهاد فلا ينقض، وهذه مسائل فقهية أعني نقض الحكم في هذه ~~الصور، وليست من الأصول في شئ والله أعلم. # - مسألة (في وجوب الاجتهاد على المجتهد وتحريم التقليد عليه) وقد اتفقوا ~~على أنه إذا فرغ من الاجتهاد وغلب على ظنه حكم فلا يجوز له أن يقلد مخالفه ~~ويعمل بنظر غيره ويترك نظر نفسه، أما إذا لم يجتهد بعد ولم ينظر فإن كان ~~عاجزا عن الاجتهاد كالعامي فله التقليد، وهذا ليس مجتهدا، لكن ربما يكون ~~متمكنا من الاجتهاد في بعض الأمور وعاجزا عن البعض إلا بتحصيل علم ms578 على سبيل ~~الابتداء، كعلم النحو مثلا في مسألة نحوية، وعلم صفات الرجال وأحوالهم في ~~مسألة نحوية خبرية، وقع النظر فيها في صحة الاسناد فهذا من حيث حصل بعض ~~العلوم واستقل بها لا يشبه العامي، ومن حيث أنه لم يحصل هذا العلم فهو ~~كالعامي ، فيلحق بالعامي أو بالعالم فيه نظر والأشهر والأشبه أنه كالعامي، ~~وإنما المجتهد هو الذي صارت العلوم عنده بالقوة القريبة، أما إذا احتاج إلى ~~تعب كثير في التعلم بعد فهو في ذلك الفن عاجز، وكما يمكنه تحصيله فالعامي ~~أيضا يمكنه التعلم ولا يلزمه، بل يجوز له ترك الاجتهاد، وعلى الجملة: بين ~~درجة المبتدئ في العلم وبين رتبة الكمال منازل واقعة بين PageV00P368 # طرفين، وللنظر فيها مجال، وإنما كلامنا الآن في المجتهد لو بحث عن مسألة ~~ونظر في الأدلة لاستقل بها، ولا يفتقر إلى تعلم علم من غيره، فهذا هو ~~المجتهد، فهل يجب عليه الاجتهاد أم يجوز له أن يقلد غيره، هذا مما اختلفوا ~~فيه، فذهب قوم إلى أن الاجماع قد حصل، على أن من وراء الصحابة لا يجوز ~~تقليدهم، وقال قوم من وراء الصحابة والتابعين، وكيف يصح دعوى الاجماع، وممن ~~قال بتقليد العالم أحمد بن حنبل، وإسحق بن راهويه، وسفيان الثوري وقال محمد ~~بن الحسن: يقلد العالم الأعلم، ولا يقلد من هو دونه أو مثله، وذهب الأكثرون ~~من أهل العراق إلى جواز تقليد العالم العالم فيما يفتي وفيما يخصه، وقال ~~قوم: يجوز فيما يخصه دون ما يفتي، وخصص قوم من جملة ما يخصه ما يفوت وقته ~~لو اشتغل بالاجتهاد، واختار القاضي منع تقليد العالم للصحابة ولمن بعدهم ~~وهو الاظهر عندنا والمسألة ظنية اجتهادية، والذي يدل عليه أن قليد من لا ~~تثبت عصمته ولا يعلم بالحقيقة إصابته، بل يجوز خطؤه وتلبيسه حكم شرعي لا ~~يثبت إلا بنص أو قياس على منصوص، ولا نص ولا منصوص إلا العامي، والمجتهد، ~~إذ للمجتهد أن يأخذ بنظر نفسه وإن لم يتحقق وللعامي أن يأخذ بقوله، أما ~~المجتهد إنما يجوز له الحكم بظنه لعجزه عن ms579 العلم، فالضرورة دعت إليه في كل ~~مسألة ليس فيها دليل قاطع، أما العامي فإنما جوز له تقليد غيره للعجز عن ~~تحصيل العلم والظن بنفسه، والمجتهد غير عاجز فلا يكون في معنى العاجز، ~~فينبغي أن يطلب الحق بنفسه، فإنه يجوز الخطأ على العالم بوضع الاجتهاد في ~~غير محله، والمبادرة قبل استتمام الاجتهاد والغفلة عن دليل قاطع وهو قادر ~~على معرفة جميع ذلك ليتوصل في بعضها إلى اليقين وفي بعضها إلى الظن، فكيف ~~يبني الامر على عماية كالعميان وهو بصير بنفسه، فإن قيل: وهو ليس يقدر إلا ~~على تحصيل ظن، وظن غيره كظنه، ولا سيما عندكم، وقد صوبتم كل مجتهد؟ قلنا: ~~مع هذا إذا حصل ظنه لم يجز له اتباع ظن غيره، فكان ظنه أصلا، وظن غيره بدلا ~~يدل عليه أنه لم يجز العدول إليه مع وجود المبدل؟ فلا يجوز مع القدرة على ~~المبدل كما في سائر الابدال والمبدلات، إلا أن يرد نص بالتخيير فترتفع ~~البدلية، أو يرد نص بأنه بدل عند الوجود لا عند العدم، كبنت مخاض وابن لبون ~~في خمس وعشرين من الإبل، فإن وجوب بنت مخاض يمنع من قبول ابن لبون، والقدرة ~~على شرائه لا تمنع منه. فإن قيل: حصرتم طريق معرفة الحق في الالحاق، ثم ~~قطعتم طريق الالحاق، ولا نسلم أن مأخذه الالحاق، بل عمومات تشمل العامي ~~والعالم، كقوله تعالى: * (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) * ~~(الأنبياء: 7) وما أراد من لا تعلم شيئا أصلا، فإن ذاك مجنون أو صبي، بل من ~~لا يعلم تلك المسألة، وكذلك قوله تعالى: * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~وأولي الأمر منكم) * (النساء: 95) وهم العلماء قلنا أما قوله تعالى: * ~~(فاسألوا أهل الذكر) * فإنه لا حجة فيه من وجهين: أحدهما: # أن المراد به أمر العوام بسؤال العلماء، إذ ينبغي أن يتميز السائل عن ~~المسؤول، فمن هو من أهل العلم مسؤول وليس بسائل ولا يخرج عن كونه من أهل ~~العلم بأن لا تكون المسألة حاضرة في ذهنه إذ هو متمكن من معرفتها من غير أن ~~يتعلم ms580 من غيره. الثاني: أن معناه سلوا لتعلموا، أي سلوا عن الدليل لتحصيل ~~العلم، كما يقال: كل لتشبع، واشرب لتروي، PageV00P369 # وأما أولو الامر فإنما أراد بهم الولاة، إذا وجب طاعتهم كطاعة الله ~~ورسوله، ولا يجب على المجتهد اتباع المجتهد، فإن كالمراد بأولي الامر ~~الولاة، فالطاعة على الرعية، وإن كان هم العلماء فالطاعة على العوام ولا ~~نفهم غير ذلك، ثم نقول يعارض هذه العمومات عمومات أقوى منها يمكن التمسك ~~بها ابتداء في المسألة، كقوله تعالى: * (فاعتبروا يا أولي الابصار ) * ~~(الحشر: 2) وقوله تعالى: * (لعلمه الذين يستنبطونه منهم) * (النساء: 38) ~~وقوله: * (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) * (محمد: 42) وقوله: * ~~(وما اختلفتم فيه من شئ فحكمه إلى الله) * (الشورى: 01) وقوله: * (فإن ~~تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول) * (النساء: 95) فهذا كله أمر ~~بالتدبر والاستنباط والاعتبار، وليس خطابا مع العوام، فلم يبق مخاطب إلا ~~العلماء، والمقلد تارك للتدبر والاعتبار والاستنباط، وكذلك قوله تعالى: * ~~(اتبعوا أحسن ما انزل إليكم من ربكم) * (الزمر: 55) و (لا تتبعوا من دونه ~~أوليا وهذا بظاهره يوجب الرجوع إلى الكتاب فقط، لكن دل الكتاب على اتباع ~~السنة، والسنة على الاجماع، والاجماع على القياس، وصار جميع ذلك منزلا فهو ~~المتبع دون أقوال العباد، فهذه ظواهر قوية، والمسألة ظنية يقوي فيها التمسك ~~بأمثالها، ويعتضد ذلك، بفعل الصحابة، فإنهم تشاوروا في ميراث الجد والعول، ~~والمفوضة ومسائل كثيرة، وحكم كل واحد منهم بظن نفسه ولم يقلد غيره، فإن ~~قيل: لم ينقل عن طلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف وهم أهل الشورى نظر ~~في الاحكام مع ظهور الخلاف، والأظهر أنهم أخذوا بقول غيرهم؟ قلنا: كانوا لا ~~يفتون اكتفاء بمن عداهم في الفتوى، أما عملهم في حق أنفسهم لم يكن إلا بما ~~سمعوه من النبي (ص) والكتاب وعرفوه فإن وقعت واقعة لم يعرفوا دليلها شاوروا ~~غيرهم لتعرف الدليل لا للتقليد، فإن قيل: فما تقولون في تقليد الأعلم؟ ~~قلنا: الواجب أن ينظر أولا، فإن غلب على ظنه ما وافق الأعلم فذاك، وإن غلب ~~على ظنه خلافه فما ينفع كونه ms581 أعلم، وقد صار رأيه مزيفا عنده والخطأ جائز ~~على الأعلم، وظنه أقوى في نفسه من ظن غيره وله أن يأخذ بظن نفسه وفاقا، ولم ~~يلزمه تقليده لكونه أعلم، فينبغي أن لا يجوز تقليده، ويدل عليه إجماع ~~الصحابة رضي الله عنهم على تسويغ الخلاف لابن عباس وابن عمر وابن الزبير ~~وزيد بن ثابت وأبي سلمة بن عبد الرحمن وغيرهم من أحداث الصحابة لأكابر ~~الصحابة، ولأبي بكر ولعمر رضي الله عن جميعهم، فإن قيل: فهل من فرق بين ما ~~يخصه وبين ما يفتي به؟ قلنا: يجوز له أن ينقل للمستفتي مذهب الشافعي وأبي ~~حنيفة، لكن لا يفتي من يستفتيه بتقليد غيره: إذ لو جاز ذلك لجاز الفتوى ~~للعوام، وأما ما يخصه إذا ضاق الوقت وكان في البحث تفويت فهذا هل يلحقه ~~بالعاجز في جواز التقليد فيه نظر فقهي ذكرناه في مسألة العدول إلى التيمم ~~عند ضيق الوقت وتناوب جماعة على بئر ماء، فهذه مسألة محتملة والله أعلم. # الفن الثاني من هذا القطب في التقليد والاستفتاء وحكم العوام فيه وفيه ~~أربع مسائل: # - مسألة (تعريف التقليد) التقليد هو قبول قول بلا حجة، وليس ذلك طريقا ~~إلى العلم لا في الأصول، ولا PageV00P370 # في الفروع، وذهب الحشوية والتعليمية إلى أن طريق معرفة الحق التقليد، وأن ~~ذلك هو الواجب، وأن النظر والبحث حرام، ويدل على بطلان مذهبهم مسالك. ~~الأول: هو أن صدق المقلد لا يعلم ضرورة، فلا بد من دليل، ودليل الصدق ~~المعجزة، فيعلم صدق الرسول عليه السلام بمعجزته، وصدق كلام الله بأخبار ~~الرسول عن صدقه، وصدق أهل الاجماع بأخبار الرسول عن عصمتهم، ويجب على ~~القاضي الحكم بقول العدول لا بمعنى اعتقاد صدقهم، لكن من حيث دل السمع على ~~تعبد القضاة باتباع غلبة الظن صدق الشاهد أم كذب، ويجب على العامي اتباع ~~المفتي، إذ دل الاجماع على أن فرض العوام اتباع ذلك كذب المفتي أم صدق أم ~~أصاب فنقول: قول المفتي والشاهد لزم بحجة الاجماع، فهو قبول قول بحجة فلم ~~يكن تقليدا، فإنا نعني بالتقليد قبول قول ms582 بلا حجة، فحيث لم تقم حجة ولم ~~يعلم الصدق بضرورة ولا بدليل فالاتباع فيه اعتماد على الجهل. المسلك ~~الثاني: أن نقول: # أتحيلون الخطأ على مقلدكم أم تجوزونه، فإن جوزتموه فإنكم شاكون في صحة ~~مذهبكم وإن احلتموه فبم عرفتم استحالته؟ بضرورة أم بنظر أو تقليد ولا ضرورة ~~ولا دليل؟ فإن قلدتموه في قوله أن مذهبه حق، فبم عرفتم صدقه في تصديق نفسه؟ ~~وإن قلدتم فيه غيره، فبم عرفتم صدق المقلد الآخر وإن عولتم على سكون النفس ~~إلى قوله، فبم تفرقون بين سكون نفوسكم وسكون نفوس النصارى واليهود؟ وبم ~~تفرقون بين قول مقلدكم إني صادق محق وبين قول مخالفكم؟ ويقال لهم أيضا في ~~إيجاب التقليد هل تعلمون وجوب التقليد أم لا، فإن لم تعلموه فلم قلدتم؟ وإن ~~علمتم فبضرورة أم بنظر أو تقليد، ويعود عليهم السؤال في التقليد، ولا سبيل ~~لهم إلى النظر والدليل، فلا يبقى إلا إيجاب التقليد بالتحكم، فإن قيل: ~~عرفنا صحته بأنه مذهب للأكثرين فهو أولى بالاتباع؟ قلنا: وبم أنكرتم على من ~~يقول الحق دقيق غامض لا يدركه إلا الأقلون ويعجز عنه الأكثرون، لأنه يحتاج ~~إلى شروط كثيرة من الممارسة والتفرغ للنظر ونفاذ القريحة والخلو عن ~~الشواغل، ويدل على أنه عليه السلام محقا في ابتداء أمره وهو في شرذمة ~~يسيرة، على خلاف الأكثرين، وقد قال تعالى: (وان تطع أكثر من في الأرض يضلوك ~~عن سبيل الله) (الانعام: 611) كيف وعدد الكفار في زماننا أكثر، ثم يلزمكم ~~أن تتوقفوا حتى تدوروا في جميع العالم وتعدوا جميع المخالفين فإن ساووهم ~~توقفوا وإن غلبوا رجحوا، كيف وهو على خلاف نص القرآن، قال الله تعالى: * ~~(وقليل من عبادي الشكور) * (سبأ: 31) * (ولكن أكثرهم لا يعلمون) * ~~(الانعام: 37 الأعراف 131، القصص 13 الدخان 39، الطور: 47) * (وأكثرهم للحق ~~كارهون) * (المؤمنون: 70) فإن قيل: فقد قال عليه السلام: عليكم بالسواد ~~الأعظم، ومن سره أن يسكن بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، والشيطان مع الواحد، ~~وهو من الاثنين أبعد قلنا: أولا: بم عرفتم صحة هذه الأخبار وليست متواترة؟ ~~فإن كان عن تقليد فبم تتميزون ms583 عن مقلد اعتقد فسادها؟ ثم لو صح فمتبع السواد ~~الأعظم ليس بمقلد، بل علم بقول الرسول وجوب اتباعه، وذلك قبول، قول بحجة ~~وليس بتقليد، ثم المراد بهذه الاخبار ذكرناه في كتاب الاجماع، وأنه الخروج ~~عن موافقة الامام أو موافقة الاجماع، ولهم شبه الشبهة الأولى قولهم: إن ~~الناظر متورط في شبهات، PageV00P371 # وقد كثر ضلال الناظرين فترك الخطر وطلب السلامة أولى؟ قلنا: وقد كثر ضلال ~~المقلدين من اليهود والنصارى، فبم تفرقون بين تقليدكم وتقليد سائر الكفار ~~حيث قالوا: انا وجدنا آباءنا على امه؟ ثم نقول: إذا وجبت المعرفة كان ~~التقليد جهلا وضلالا، فكأنكم حملتم هذا خوفا من الوقوع في الشبهة كمن يقتل ~~نفسه عطشا وجوعا خيفة من أن يغص بلقمة أو يشرق بشربة لو أكل وشرب، وكالمريض ~~يترك العلاج رأسا خوفا من أن يخطئ في العلاج، وكمن يترك التجارة والحراثة ~~خوفا من نزول صاعقة فيختار الفقر خوفا من الفقر. الشهبة الثانية: # تمسكهم بقوله تعالى: * (ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا) * (غافر: ~~4) وأنه نهى عن الجدال في القدر، والنظر يفتح باب الجدال؟ قلنا: نهى عن ~~الجدال بالباطل كما قال تعالى: # * (وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق) * (غافر: 5) بدليل قوله تعالى: * ~~(وجادلهم بالتي هي أحسن) * (النحل: 521) فأما القدر فنهاهم عن الجدال فيه، ~~إما لأنه كان قد وقفهم على الحق بالنص فمنعهم عن الممارة في النص، أو كان ~~في بدء الاسلام، فاحترز عن أن يسمعه المخالف فيقول: هؤلاء بعد لم تستقر ~~قدمهم في الدين، أو لانهم كانوا مدفوعين إلى الجهاد الذي هو أهم عندهم، ثم ~~إنا نعارضهم بقوله تعالى: * (ولا تقف ما ليس لك به علم) * (الاسراء: 63) * ~~(وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) * (البقرة: 961) * (قل هاتوا برهانكم) ~~* (البقرة: 111) هذا كله نهي عن التقليد وأمر بالعلم، ولذلك عظم شأن ~~العلماء، وقال تعالى: * (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم ~~درجات) * (المجادلة: 11) وقال عليه السلام: يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ~~ينفون عنه تحريف الغالين، وتأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين ولا يحصل هذا ~~بالتقليد ms584 بل بالعلم، وقال ابن مسعود: لا تكونن إمعة، قيل: وما إمعة، قال: ~~أن يقول الرجل أنا مع الناس إن ضلوا ضللت وإن اهتدوا اهتديت ألا لا يوطنن ~~أحدكم نفسه أن يكفر إن كفر الناس. # - مسألة (تقليد العامي للعلماء) العامي يجب عليه الاستفتاء واتباع ~~العلماء، وقال قوم من القدرية: يلزمهم النظر في الدليل واتباع الامام ~~المعصوم، وهذا باطل بمسلكين: أحدهما: إجماع الصحابة، فإنهم كانوا يفتون ~~العوام ولا يأمرونهم بنيل درجة الاجتهاد، وذلك معلوم على الضرورة والتواتر ~~من علمائهم وعوامهم، فإن قال قائل من الامامية: كان الواجب عليهم اتباع على ~~لعصمته، وكان علي لا ينكر عليهم تقية وخوفا من الفتنة؟ قلن: هذا كلام جاهل ~~سد على نفسه باب الاعتماد على قول علي وغيره من الأئمة في حال ولايته إلى ~~آخر عمره، لأنه لم يزل في اضطراب من أمره، فلعل جميع ما قاله خالف فيه الحق ~~خوفا وتقية. المسلك الثاني: إن الاجماع منعقد على أن العامي مكلف بالأحكام، ~~وتكليفه طلب رتبة الاجتهاد محال، لأنه يؤدي إلى أن ينقطع الحرث والنسل، ~~وتتعطل الحرف والصنائع، ويؤدي إلى خراب الدنيا لو اشتغل الناس بحملتهم بطلب ~~العلم، وذلك يرد العلماء إلى طلب المعايش، ويؤدي إلى اندراس العلم، بل إلى ~~إهلاك العلماء وخراب العالم، وإذا استحال هذا لم يبق إلا سؤال العلماء، فإن ~~قيل: فقد أبطلتم التقليد، وهذا عين التقليد؟ قلنا: التقليد قبول قول بلا ~~حجة، وهؤلاء وجب عليهم ما أفتى به المفتي بدليل الاجماع، كما وجب على ~~الحاكم قبول قول الشهود، PageV00P372 # ووجب علينا قبول خبر الواحد، وذلك عند ظن الصدق، والظن معلوم ووجوب الحكم ~~عند الظن معلوم، بدليل سمعي قاطع، فهذا الحكم قاطع، والتقليد جهل، فإن قيل: ~~فقد رفعتم التقليد من الدين، وقد قال الشافعي رحمه الله: ولا يحل تقليد أحد ~~سوى النبي عليه السلام، فقد أثبت تقليدا؟ قلنا: قد صرح بإبطال التقليد رأسا ~~إلا ما استثنى فظهر أنه لم يجعل الاستفتاء وقبول خبر الواحد وشهادة العدول ~~تقليد، نعم: يجوز تسمية قبول قول الرسول تقليدا توسعا واستثناؤه ms585 من غير ~~جنسه، ووجه التجوز أن قبول قوله وإن كان لحجة دلت على صدقه جملة فلا تطلب ~~منه حجة على غير تلك المسألة، فكأنه تصديق بغير حجة خاصة، ويجوز أن يسمى ~~ذلك تقليدا مجازا. # - مسألة (فتوى العامي للعلماء العدول) لا يستفتي العامي إلا من عرفه ~~بالعلم والعدالة، أما من عرفه بالجهل فلا يسأله وفاقا وأن سأل من لا يعرف ~~جهله فقد قال قوم: يجوز، وليس عليه البحث، وهذا فساد لان كل من وجب عليه ~~قبول قول غيره فيلزمه معرفة حاله، فيجب على الأمة معرفة حال الرسول بالنظر ~~في معجزته، فلا يؤمن بكل مجهول يدعي أنه رسول الله، ووجب على الحاكم معرفة ~~حال الشاهد في العدالة، وعلى المفتي معرف حال الراوي، وعلى الرعية معرفة ~~حال الامام والحاكم، وعلى الجملة: كيف يسأل من يتصور أن يكون أجهل من ~~السائل؟ فإن قيل: إذا لم يعرف عدالة المفتي هل يلزمه البحث إن قلتم يلزمه ~~البحث، فقد خالفتم العادة، لان من دخل بلدة فيسأل عالم البلدة ولا يطلب حجة ~~على عدالته، وإن جوزتم مع الجهل فكذلك في العلم؟ قلنا: من عرفه بالفسق فلا ~~يسأله، ومن عرفه بالعدالة فيسأله، ومن لم يعرف حاله فيحتمل أن يقال لا يهجم ~~بل يسأل عن عدالته أولا فإنه لا يأمن كذبه وتلبيسه ويحتمل أن يقال: ظاهر ~~حال العالم العدالة، لا سيما إذا اشتهر بالفتوى، ولا يمكن أن يقال: ظاهر ~~حال الخلق العلم ونيل درجة الفتوى، والجهل أغلب على الخلق، فالناس كلهم ~~عوام إلا الافراد بل العلماء كلهم عدول إلا الآحاد، فإن قيل: فإن وجب ~~السؤال لمعرفة عدالته أو علمه فيفتقر إلى التواتر أم لا يفتقر إليه، قيل ~~يحتمل أن يقال ذلك، فإن ذلك ممكن، ويحتمل أن يقال يكفي غالب الظن الحاصل ~~بقول عدل أو عدلين، وقد جوز قوم العمل بإجماع نقله العدل الواحد، وهذا يقرب ~~منه من وجه. # - مسألة (تعدد العلماء بالنسبة لسؤال العامي) إذا لم يكن في البلدة إلا ~~مفت واحد، وجب على العامي مراجعته، وإن كانوا جماعة فله ms586 أن يسأل ممن شاء ~~ولا يلزمه مراجعة الأعلم كما فعل في زمان الصحابة إذ سأل العوام الفاضل ~~والمفضول، ولم يحجر على الخلق في سؤال غير أبي بكر وعمر وغير الخلفاء، وقال ~~قوم: تجب مراجعة الأفضل، فإن استووا تخير بينهم، وهذا يخالف إجماع الصحابة ~~إذ لم يحجر الفاضل على المفضول الفتوى، بل لا تجب إلا مراجعة من عرفه ~~بالعلم والعدالة، وقد عرف كلهم بذلك، نعم إذا اختلف عليه مفتيان في حكم فإن ~~تساويا راجعهما مرة أخرى، وقال: تناقض فتواكما وتساويتما عندي فما الذي ~~يلزمني؟ فإن خيراه تخير، وإن اتفقا على الامر بالاحتياط أو الميل إلى جانب ~~معين فعل، وإن أصرا على الخلاف لم يبق إلا التخيير، فإنه لا سبيل إلى تعطيل ~~الحكم وليس أحدهما بأولى من الآخر، والأئمة كالنجوم، فبأيهم اقتدى ~~PageV00P373 # اهتدى، أما إذا كان أحدهما أفضل وأعلم في اعتقاده اختار القاضي أنه يتخير ~~أيضا لان المفضول أيضا من أهل الاجتهاد لو انفرد، فكذلك إذا كان معه غيره، ~~فزيادة الفضل لا تؤثر، والأولى عندي أنه يلزمه اتباع الأفضل، فمن اعتقد أن ~~الشافعي رحمه الله أعلم، والصواب على مذهبه أغلب، فليس له أن يأخذ بمذهب ~~مخالفه بالتشهي، وليس للعامي أن ينتقي من المذاهب في كل مسألة أطيبها عنده ~~فيتوسع، بل هذا الترجيح عنده كترجيح الدليلين المتعارضين عند المفتي فإنه ~~يتبع ظنه في الترجيح، فكذلك ههنا، وإن صوبنا كل مجتهد ولكن الخطأ ممكن ~~بالغفلة عن دليل قاطع، وبالحكم قبل تمام الاجتهاد واستفراغ الوسع والغلط ~~على الأعلم أبعد لا محالة، وهذا التحقيق وهو أنا نعتقد أن لله تعالى سرا في ~~رد العباد إلى ظنونهم حتى لا يكونوا مهملين متبعين للهوى مسترسلين استرسال ~~البهائم من غير أن يزمهم لجام التكليف فيردهم من جانب إلى جانب، فيتذكرون ~~العبودية ونفاذ حكم الله تعالى فيهم في كل حركة وسكون، يمنعهم من جانب إلى ~~جانب، فما دمنا نقدر على ضبطهم بضابط فذلك أولى من تخييرهم وإهمالهم ~~كالبهائهم والصبيان، أما إذا عجزنا عند تعارض مفتيين وتساويهما أو عند ~~تعارض دليلين ms587 فذلك ضرورة، والدليل عليه أنه إذا كان يمكن أن يقال: كل مسألة ~~ليس لله تعالى فيها حكم معين أو يصوب فيها كل مجتهد، فلا يجب على المجتهد ~~فيها النظر، بل يتخير فيفعل ما شاء إذ ما من جانب إلا ويجوز أن يغلب على ظن ~~مجتهد، والاجماع منعقد على أنه يلزمه، أولا تحصيل الظن، ثم يتبع ما ظنه، ~~فكذلك ظن العامي ينبغي أن يؤثر، فإن قيل: المجتهد لا يجوز له أن يتبع ظنه ~~قيل أن يتعلم طرق الاستدلال، والعامي يحكم بالوهم ويغتر بالظواهر، وربما ~~يقدم المفضول على الفاضل، فإن جاز أن يحكم بغير بصيرة فلينظر في نفس ~~المسألة وليحكم بما يظنه، فلمعرفة مراتب الفضل أدلة غامضة ليس دركها من شأن ~~العوام، وهذا سؤال واقع، ولكنا نقول: من مرض له طفل وهو ليس بطبيب فسقاه ~~دواء برأيه كان متعديا مقصرا ضامنا، ولو راجع طبيبا لم يكن مقصرا، فإن كان ~~في البلد طبيبان فاختلفا في الدواء فخالف الأفضل عد مقصرا، ويعلم فضل ~~الطبيبين بتواتر الاخبار، وبإذعان المفضول له، وبتقديمه بأمارات تفيد غلبة ~~الظن، فكذلك في حق العلماء يعلم الأفضل بالتسامع وبالقرائن دون البحث عن ~~نفس العلم، والعامي أهل له، فلا ينبغي أن يخالف الظن بالتشهي، فهذا هو ~~الأصح عندنا والأليق بالمعنى الكلي في ضبط الخلق بلجام التقوى والتكليف ~~والله أعلم. # الفن الثالث من القطب الرابع في الترجيح وكيفية تصرف المجتهد عند تعارض ~~الأدلة ويشتمل هذا الفن على مقدمات ثلاث وبابين: # أما المقدمة الأولى: ففي بيان ترتيب الأدلة. فنقول: يجب على المجتهد في ~~كل مسألة أن يرد نظر إلى النفي الأصلي قبل ورود الشرع، ثم يبحث عن الأدلة ~~السمعية المغيرة، فينظر أول شئ في الاجماع، فإن وجد في المسألة إجماعا ترك ~~النظر في الكتاب والسنة PageV00P374 # فإنهما يقبلان النسخ، والاجماع لا يقبله، فالاجماع على خلاف ما في ~~الكتاب، والسنة دليل قاطع على النسخ، إذ لا تجتمع الأمة على الخطأ، ثم ينظر ~~في الكتاب والسنة المتواترة على رتبة واحدة، لان كل واحد يفيد العلم ~~القاطع، ولا ms588 يتصور التعارض في القطعيات السمعية إلا بأن يكون أحدهما ناسخا، ~~فما وجد فيه نص كتاب أو سنة متواترة أخذ به، وينظر بعد ذلك إلى عمومات ~~الكتاب وظواهره، ثم ينظر في مخصصات العموم من أخبار الآحاد ومن الأقيسة، ~~فإن عارض قياس عموما أو خبر واحد عموما فقد ذكرنا ما يجب تقديمه منها، فإن ~~لم يجد لفظا نصا ولا ظاهرا نظر إلى قياس النصوص، فإن تعارض قياسات أو خبران ~~أو عمومان طلب الترجيح كما سنذكره، فإن تساويا عنده توقف على رأي وتخير على ~~رأي آخر كما سبق . المقدمة الثانية: في حقيقة التعارض ومحله. اعلم أن ~~الترجيح إنما يجري بين ظنين لان الظنون تتفاوت في القوة ولا يتصور ذلك في ~~معلومين، إذ ليس بعض العلوم أقوى وأغلب من بعض، وإن كان بعضها أجلى وأقرب ~~حصولا وأشد استغناء عن التأمل، بل بعضها يستغني عن أصل التأمل وهو البديهي، ~~وبعضها غير بديهي يحتاج إلى تأمل، لكنه بعد الحصول محقق يقيني لا يتفاوت في ~~كونه محققا، فلا ترجيح لعلم على علم، ولذلك قلنا: إذا تعارض نصان قاطعان ~~فلا سبيل إلى الترجيح، بل إن كانا متواترين حكم بأن المتأخر ناسخ، ولا بد ~~أن يكون أحدهما ناسخا، وإن كانا من أخبار الآحاد وعرفنا التاريخ أيضا حكمنا ~~بالمتأخر، وإن لم نعرف فصدق الراوي مظنون، فنقدم الأقوى في نفوسنا، وكما لا ~~يجوز التعارض والترجيح بين نصين قاطعين فكذلك في علتين قاطعتين، فلا يجوز ~~أن ينصب الله علة قاطعة للتحريم في موضع وعلة قاطعة للتحليل في موضع وتدور ~~بينهما مسألة توجد فيها العلتان ونتعبد بالقياس لأنه يؤدي إلى أن يجتمع ~~قاطع على التحريم وقاطع على التحليل في فرع واحد في حق مجتهد واحد، وهو ~~محال لا كالعلل المظنونة، لان الظنون تختلف بالإضافات فلا تجتمع في حق ~~مجتهد واحد، فإن تقاوم ظنان أوجبنا التوقف على رأي، كما لو تعارض قاطعان، ~~ومن أمر بالتخيير أجاب بأنه لا يجوز أن يرد نصان قاطعان بالتحريم والتحليل ~~من غير تقدم وتأخر ويكون معناه التخيير لان اللفظ ms589 لا يحتمل التخيير فكذلك ~~التعبد بالقياس مع التصريح بالتعليل تصريح بالنفي والاثبات لا يحتمل ~~التخيير من حيث اللفظ فيكون متناقضا، أما الدليل الذي دل على تعبد المجتهد ~~باتباع الظن فيصلح لان ينزل على اتباع أغلب الظنين وعند التعارض على ~~التخيير بينهما، فإنه أمر بإتباع المصلحة وبالتشبيه وبالاستصحاب، فإذا ~~تعارضا فكيفما فعل فهو مستصحب ومشبه ومتبع للمصلحة، أما القواطع فمتضادة ~~ومتناقضة لا بد من أن تكون ناسخا أو منسوخا فلا تقبل الجمع، نعم: لو أشكل ~~التاريخ وعجزنا عن طلب دليل آخر فلا بد أن يتخير إذ ليس أحدهما بأولى من ~~الآخر مع تضادهما، فإن قيل فهل يجوز أن يجتمع علم وظن؟ قلنا: لا، فإن الظن ~~لو خالف العلم فهو محال، لان ما علم كيف يظن خلافه، وظن خلافه شك فكيف يشك ~~فيما يعلم؟ وإن وافقه فإن أثر الظن يمحي بالكلية بالعلم فلا يؤثر معه. # المقدمة الثالثة: في دليل وجوب الترجيح. فإن قال قائل: لم رجحتم أحد ~~الظنين، وكل PageV00P375 # ظن لو انفرد بنفسه لوجب اتباعه، وهلا قضيتم بالتخيير أو التوقف؟ قلنا: ~~كان يجوز أن يرد التعبد بالتسوية بين الظنين وإن تفاوتا، لكن الاجماع قد دل ~~على خلافه على ما علم من السلف في تقديم بعض الأخبار على بعض لقوة الظن ~~بسبب علم الرواة وكثرتهم وعدالتهم وعلو منصبهم، فلذلك قدموا خبر أزواجه ~~عليه السلام على غيره من النساء، وقدموا خبر عائشة رضي الله عنها في التقاء ~~الختانين على خبر من روى: لإماء إلا من الماء وخبر من روت من أزواجه أنه ~~كان يصبح جنبا على ما روى أبو هريرة عن الفضل بن عباس أن من أصبح جنبا فلا ~~صوم له، وكما قوي علي خبر أبي بكر فلم يحلفه وحلف غيره، وقوى أبو بكر خبر ~~المغيرة في ميراث الجدة لما روى معه محمد بن مسلمة، وقوى عمر خبر أبي موسى ~~الأشعري في الاستئذان بموافقة أبي سعيد الخدري في الرواية، إلى غير ذلك مما ~~يكثر تتبعه، وكذلك إذا غلب على الظن كون الفرع أشبه بأحد ms590 الأصلين وجب ~~اتباعه بالاجماع، فقد فهم من أهل الاجماع أنهم تعبدوا بما هو عادة للناس في ~~ميراثهم وتجارتهم و سلوكهم الطرق المخوفة: فإنهم عند تعارض الأسباب المخوفة ~~يرجحون ويميلون إلى الأقوى. فإن قيل: فلم لم ترجحوا في الشهادة بالكثرة ~~وقوة غلبة الظن، بل يقضي بالتعارض عند تناقض البينتين، قلنا: لان أهل ~~الاجماع لم يرجحوا في الشهادة، وقد رجحوا في الرواية، وسببه أن باب الشهادة ~~مبني على التعبد، حتى لو أتى عشرة بلفظ الاخبار دون الشهادة لم تقبل ولا ~~تقبل شهادة مائة امرأة ولا مائة عبد على باقة بقل، هذه هي المقدمات. # الباب الأول فيما ترجح به الاخبار اعلم أن التعارض هو التناقض، فإن كان ~~في خبرين فأحدهما كذب، والكذب محال على الله ورسوله، وإن كان في حكمين من ~~أمر ونهي وحظر وإباحة، فالجمع تكليف محال فأما أن يكون أحدهما كذبا أو يكون ~~متأخرا ناسخا أو أمكن الجمع بينهما بالتنزيل على حالتين، كما إذا قال: ~~الصلاة واجبة على أمتي، الصلاة غير واجبة على أمتي، فنقول: أراد بالأول ~~المكلفين، وأراد بالثاني الصبيان والمجانين، أو في حالتي العجز والقدرة، أو ~~في زمن دون زمن. وإن عجزنا عن الجمع وعن معرفة المتقدم والمتأخر رجحنا ~~وأخذنا بالأقوى وتقوى الخبر في نفوسنا بصدق الراوي وصحته، وتضعيف الخبر في ~~نفوسنا إما باضطراب في متنه أو بضعف في سنده أو بأمر خارج من السند والمتن، ~~أما ما يتعلق بالسند والمتن فسبعة عشر: # الأول: سلامة متن أحد الخبرين عن الاختلاف والاضطراب دون الآخر فسلامته ~~مرجحة، فإن ما لا يضطرب فهو بقول الرسول أشبه، فإن انضاف إلى اضطراب اللفظ ~~اضطراب المعنى كان أبعد عن أن يكون قول الرسول فيدل على الضعف وتساهل ~~الراوي في الرواية. فإن قيل: فيجب أن تكون رواية الزيادة في متن الحديث ~~اضطرابا يوجب إطراحه؟ قلنا: لا يجب، لأنه في معنى خبرين منفصلين إلا أن ~~يعرف محدث بكثرة الانفراد بالرواية عن الحفاظ، فيجوز أن يقدم خبر غيره على ~~خبره. الثاني: اضطراب السند بأن يكون في أحدهما ذكر ms591 رجال تلتبس أسماؤهم ~~ونعوتهم وصفاتهم بأسماء قوم ضعفاء وصفاتهم بحيث يعسر التمييز. # الثالث: أن يروي أحدهما في تضاعيف قصة مشهورة متداولة بين أهل النقل ~~ومعارضة قد PageV00P376 # انفرد به الراوي لا في جملة القصة، فما روي في الجماعة أقوى في النفوس ~~وأقرب إلى السلامة من الغلط مما يرويه الواحد عاريا عن قصته المشهورة. ~~الرابع: أن يكون راويه معروفا بزيادة التيقظ وقلة الغلط، فالثقة بروايته ~~عند الناس أشد. الخامس: أن يقول أحدهما : سمعنا النبي عليه السلام، والآخر ~~أن يقول: كتب إلي، بكذا، فإن التحريف والتصحيف في المكتوب أكثر منه في ~~المسموع. السادس: أن يتطرق الخلاف إلى أحد الخبرين أنه موقوف على الراوي أو ~~مرفوع، فالمتفق على كونه مرفوعا أولى. السابع: أن يكون منسوبا إليه نصا ~~وقولا، والآخر ينسب إليه اجتهادا، بأن يروي أنه كان في زمانه أو في مجلسه ~~ولم ينكره، فما نسب إليه قولا ونصا أقوى، لان النص غير محتمل، وما في زمانه ~~ربما لم يبلغه وما في مجلسه ربما غفل عنه. الثامن: أن يروي أحد الخبرين عمن ~~تعارضت الرواية عنه، فنقل عنه أيضا ضده، فيقدم عليه ما لم يتعارض، لان ~~المتعارض متساقط، فيبقى الآخر سليما عن المعارضة. # التاسع: أن يكون الراوي صاحب الواقعة، فهو أولى بالمعرفة من الأجنبي، ~~فرواية ميمونة: # تزوجني النبي عليه السلام ونحن حلالان بعدما رجع مقدمة على رواية ابن ~~عباس أنه نكحها وهو حرام. العاشر: أن يكون أحد الراويين أعدل وأوثق وأضبط ~~وأشد تيقظا وأكثر تحريا. الحادي عشر: أن يكون أحدهما على وفق عمل أهل ~~المدينة، فهو أقوى، لان ما رآه مالك رحمه الله حجة وإجماعا، إن لم يصلح حجة ~~فيصلح للترجيح، لان المدينة دار الهجرة، ومهبط الوحي الناسخ، فيبعد أن ~~ينطوي عليهم. الثاني عشر: أن يوافق أحد الخبرين مرسل غيره فيرجح به من يرجح ~~بكثرة الرواة، لان المرسل حجة عند قوم، فإن لم يكن حجة فلا أقل من أن يكون ~~مرجحا. الثالث عشر: أن تعمل الأمة بموجب أحد الخبرين، فإنه إذا احتمل أن ~~يكون عملهم بدليل ms592 آخر فيحتمل أن يكون هذا الخبر فيكون صدقه أقوى في النفس. ~~الرابع عشر: أن يشهد القرآن أو الاجماع أو النص المتواتر أو دليل العقل ~~لوجوب العمل على وفق الخبر فيرجح به. فإن قيل: ذلك قاطع في تصديقه، قلنا: ~~لا، بل يتصور أن يكذب على النبي عليه السلام فيما يوافق القرآن والاجماع ~~فيقول: سمعت ما لم يسمعه، وإنما يجب صدقه إذا اجتمعت الأمة على صدقه، لا ~~إذا اجتمعت على عمل يوافق خبره، ولعله عن دليل آخر. # الخامس عشر: أن يكون أحدهما أخص والآخر أعم فيقدم ما هو أخص بالمقصود، ~~كتقديم قوله في الرقة ربع العشر في إيجابه على الطفل والبالغ على قوله: رفع ~~القلم عن ثلاثة، لان هذا تعرض لنفي الخطاب العام وليس بتعرض للزكاة ولا ~~لسقوط الزكاة عن الولي بإخراج زكاته، والحديث الأول متعرض لخصوص الزكاة ~~ومتناول لعمومه مال الصبي، فهو أخص وأمس بالمقصود. السادس عشر: أن يكون ~~أحدهما مستقلا بالإفادة ومعارضه لا يفيد إلا بتقدير إضمار أو حذف، وذلك مما ~~يتطرق إليه زيادة التباس لا يتطرق إلى المستقبل. السابع عشر: أن يكون رواة ~~أحد الخبرين أكثر، فالكثرة تقوي الظن، ولكن رب عدل أقوى في النفس من عدلين ~~لشدة تيقظه وضبطه والاعتماد في ذلك على ما غلب على ظن المجتهد. هذا ما يوجب ~~الترجيح، لأمر في سند الخبر أو في متنه، وقد يرجح لأمور خارجة عنها وهي ~~خمسة: # الأول: كيفية استعمال الخير في محل الخبر، كقوله: لا نكاح إلا بولي مع ~~قوله: الأيم PageV00P377 # أحق بنفسها من وليها لأنا نحمل ذلك على أنها أحق بنفسها في الاذن لا في ~~العقد، واللفظ يعم الاذن والعقد، وهم يحملون خبرنا على الصغير أو الأمة أو ~~النكاح من غير كف ء، ولا خلاف واقع في الكبيرة، وهم صرفوا خبرنا عن محل ~~الخلاف ونحن استعملنا الخبرين في الكبيرة، فتأويلنا أقرب، فإنه لا ينبو عنه ~~اللفظ، بل كان اللفظ محتملا لهما، أما تنزيل خبرنا على الصغيرة والأمة ~~فبعيد. الثاني: أن يكون أحد الخبرين يوجب غضا من منصب ms593 الصحابة، فيكون أضعف، ~~كما رووا من أمر النبي (ص) الصحابة بإعادة الوضوء عند القهقهة، فخبرنا وهو ~~قوله: كان يأمرنا إذا كنا مسافرين أن لا ننزع خفافنا إلا من جنابة لا من ~~بول أو غائط أو نوم وليس فيه القهقهة، فهو أولى من خبرهم. الثالث: أن يكون ~~أحد الخبرين متنازعا في خصوصه والآخر متفق على تطرق الخصوص إليه، فقد قال ~~قوم أنه يسقط الاحتجاج، به فإن لم يصح ذلك فيدل على ضعفه لا محالة. الرابع: ~~أن يكون أحد الخبرين قد قصد به بيان الحكم المتنازع فيه دون الآخر، كقوله: ~~أيما إهاب دبغ فقد طهر لم يفرق فيه بين ما يؤكل وبين ما لا يؤكل فدلالة ~~عمومه على جلد ما لا يؤكل، أقوى من دلالة نهيه عن افتراش جلود السباع، لأنه ~~ما سيق لبيان النجاسة والطهارة، بل ربما نهى عن الافتراش للخيلاء أو لخاصية ~~لا نعقلها. الخامس: يتضمن أحد الخبرين إثبات ما ظهر تأثيره في الحكم دون ~~الآخر حتى تقدم رواية عائشة وابن عمر وابن عباس أن بريرة أعتقت تحت عبد على ~~ما روي أنها أعتقت تحت حر، لان ضرر الرق في الخيار قد ظهر أثره ولا يجري ~~ذلك في الحر. # القول فيما يظن أنه ترجيح وليس بترجيح وله أمثلة ستة: # الأول: أن يعمل أحد الراويين بالخبر دون الآخر، أو يعمل بعض الأمة أو بعض ~~الأئمة بموجب أحد الخبرين، فلا يرجح به، إذ لا يجب تقليدهم فالمعمول به ~~وغير المعمول به واحد. الثاني: أن يكون أحدهما غريبا لا يشبه الأصول كحديث ~~القهقهة، وغرة الجنين، وضرب الدية على العاقلة، وخبر نبيذ التمر، ودفع ~~القيمة في إحدى عيني الفرس، فهذه الأحاديث لو صحت لا تؤخر عن معارضها ~~الموافق للأصول، لان للشارع أن يتعبد بالغريب والمألوف، نعم: لو ثبت ~~التقاوم بين الخبرين تساقطا ورجعنا إلى القياس، وذلك ليس من الترجيح في شئ. ~~الثالث: الخبر الذي يدرأ الحد لا يقدم على الموجب، وإن كان الحد يسقط ~~بالشبهة، وقال قوم: الرافع أولى، وهو ضعيف، لان هذا لا ms594 يوجب تفاوتا في صدق ~~الراوي فيما ينقله من لفظ الايجاب أو الاسقاط. الرابع: إذا روي خبران من ~~فعل النبي صلى الله عليه وسلم أحدهما مثبت والآخر ناف فلا يرجع أحدهما على ~~الآخر، لاحتمال وقوعهما في حالين فلا يكون بينهما تعارض. وقد بينا في باب ~~أفعال النبي عليه السلام محل امتناع التعارض بين الفعلين. الخامس: خبر ~~يتضمن العتق، والآخر يتضمن نفيه، قال قوم من أهل العراق: المثبت للعتق أولى ~~لغلبة العتق، ولأنه لا يقبل الفسخ وهذا ضعيف، لان هذا لا يوجب تفاوتا في ~~صدق الراوي وثبوت نقله. السادس: الخبر الحاظر لا يرجح على المبيح ~~PageV00P378 # على ما ظنه قوم، لأنهما حكمان شرعيان صدق الراوي فيهما على وتيرة واحدة. # الباب الثاني في ترجيح العلل ومجامع ما يرجع إليه ترجيح العلل خمسة ~~الأول: ما يرجع إلى قوة الأصل الذي منه الانتزاع فإن قوة الأصل تؤكد العلة. # الثاني: ما يرجع إلى تقوية نفس العلة في ذاتها. الثالث: ما يرجع إلى قوة ~~طريق إثبات العلة من نص أو إجماع أو أمارة. لرابع: ما يقوي حكم العلة ~~الثابت بها. الخامس: أن تتقوى بشهادة الأصول وموافقتها لها. # القسم الأول: ما يرجع إلى قوة الأصل وهي عشرة: الأول: أن تكونا إحدى ~~العلتين منتزعة من أصل معلوم استقراره في الشرع ضرورة، والاخرى من أصل ~~معلوم، لكن بنظر ودليل فإنهما وإنا كانا معلومين فجاحد الضروري يكفر، وجاحد ~~النظري لا يكفر، فذلك أقوى. فإن قيل: أليس قد قدمتم أنه لا يقدم معلوم على ~~معلوم؟ قلنا: العلتان مظنونتان، وإنما المعلوم أصلاهما، والترجيح للعلة ~~المظنونة. الثاني: أن يكون أحد الأصلين محتملا للنسخ أو ذهب بعض العلماء ~~إلى نسخه، فما سلم عن الاختلاف والاحتمال أولى وأقوى. الثالث: أن يثبت أصل ~~إحدى العلتين بخبر الواحد، والآخر بخبر متواتر وأمر مقطوع به، فإن العمل ~~بخبر الواحد وإن كان واجبا قطعا فهو حق بالإضافة إلى من ظن صدق الراوي، ~~والآخر حق في نفسه مطلقا لا بالإضافة. الرابع: أن يكون أحد الأصلين ثابتا ~~بروايات كثيرة، والآخر برواية واحدة، فإنه ms595 يرجح الأول عند من يرجح بكثرة ~~الرواة، ولا يرجح عند من لا يرى ذلك. الخامس: أن يكون أحد الأصلين ثابتا ~~بعموم لم يدخله التخصيص فيقدم على ما ثبت بعموم دخله التخصيص لضعفه. ~~السادس: أن يكون أحد الأصلين ثابتا بصريح النص، والآخر ثبت بتقدير إضمار أو ~~حذف دقيق، فالنص الصريح أولى. السابع: أن يكون أحد الأصلين أصلا بنفسه، ~~والآخر فرعا لأصل آخر، فالفرع ضعيف عند من جوز القياس عليه والأظهر، منع ~~القياس عليه، وكذلك أصل ثبت بخبر الواحد أقوى من أصل ثبت بالقياس على خبر ~~الواحد. الثامن: أن يكون أحد الأصلين مما اتفق القائسون على تعليله والآخر ~~اختلفوا فيه، فالمتفق على تعليله من القائسين، وإن لم يكونوا كل الأمة أقرب ~~إلى كونه معلوما من المختلف فيه. التاسع: أن يكون دليل أحد الأصلين مكشوفا ~~معينا، والآخر أجمعوا على أنه ثابت بدليل، فإن لم يكن معينا فيقدم المكشوف، ~~لأنه يمكن معرفة رتبته وتقديمه على غيره، والمجهول لا يدري ما رتبته وما ~~وجه معارضته لغيره ومساواته له. العاشر: أن يكون أحد الأصلين مغيرا للنفي ~~الأصلي والآخر مقررا، فالمغير أولى، لأنه حكم شرعي وأصل سمعي، والآخر نفي ~~للحكم على الحقيقة. # القسم الثاني: ما لا يرجع إلى الأصل ونرجع إلى بقية الأقسام الأربعة ~~نوردها من غير تفصيل لتعلق بعضها بالعض، ويرجع ذلك إلى قريب من عشرين وجها: ~~الأول: أن تثبت إحدى العلتين بنص قاطع، وهذا قد أورد في الترجيح، وهو ضعيف، ~~لان الظن ينمحي في مقابلة القاطع، فلا يبقى معه حتى يحتاج إلى ترجيح، إذ لو ~~بقي معه لتطرق شكنا إليه، ويخرج عن PageV00P379 # كونه معلوما، وقد بينا أنه لا ترجيح لمعلوم على معلوم ولا لمظنون على ~~مظنون. الثاني: # أن تعتضد إحدى العلتين بموافقة قول صحابي انتشر وسكت عنه الآخرون، وهذا ~~يصح على مذهب من لا يرى ذلك إجماعا، أما من اعتقده إجماعا صار عنده قاطعا، ~~ويسقط الظن في مقابلته. الثالث: أن تعتضد بقول صحابي وحده ولم ينتشر، فقد ~~قال قوم: قوله حجة، فإن لم يكن حجة ms596 فلا يبعد أن يقوى القياس به في ظن ~~مجتهد، إذ يقول إن كان ما قاله عن توقيف فهو أولى، وإن كان قال ما قاله عن ~~ظن وقياس فهو أولى بفهم مقاصد الشرع منا ويجوز أن لا يترجح عند مجتهد. ~~الرابع: أن يترجح بموافقته بخبر مرسل أو بخبر مردود عنده، لكن قال به بعض ~~العلماء، فهذا مرجح بشرط أن لا يكون قاطعا ببطلان مذهب القائلين به، بل يرى ~~ذلك في محل الاجتهاد. الخامس: أن تشهد الأصول بمثل حكم إحدى العلتين، أعني ~~لجنسها لا لعينها، فإنه إن شهدت لعينها كان قاطعا رافعا للظنون إلى النيات، ~~وشهادة الكفارات لاستواء البدل والمبدل في النية، فهذا أيضا يصلح للترجيح ~~عند من غلب على ظنه ذلك. السادس : أن يكون نفس وجود العلة ضروريا في أحدهما ~~نظريا في الآخر، فإن كانا معلومين أو كان أحدهما متيقنا والآخر مظنونا فإن ~~من أوصاف العلة ما يتيقن، ككون البر قوتا وكون الخمر مسكرا ومنه ما يظن، ~~ككون الكلب نجسا، إذا عللنا منع بيعه بنجاسته وككون التراب مبطلا رائحة ~~النجاسة إذا ألقي في الماء الكثير المتغير لا ساترا، وكذلك علة مركبة من ~~وصفين أحدهما ضروري، والآخر نظري، أو أحدهما معلوم والآخر مظنون، إذا ~~عارضها ما هو ضروري الوصفين أو معلوم الوصفين، لان ما علم مجموع وصفيه أولى ~~مما تطرق الشك أو الظن إلى أحد وصفيه، لان الحكم لا محالة يتبع وجود نفس ~~العلة، فما قوى العلم أو الظن بوجود العلة قوى الظن بحكم العلة. السابع: ~~الترجيح بما يعود، إلى التعلق بالعلم بالعلة، فإذا كان إحدى العلتين حكما ~~ككونه حراما أو نجسا والاخرى حسيا ككونه قوتا ومسكرا زعموا أن رد الحكم إلى ~~الحكم أولى، حتى أن تعليل الحكم بالحرية والرق أولى من تعليله بالتمييز ~~والعقل، وتعليله بالتكليف أولى من تعليله ب الانسانية، وهذا من الترجيحات ~~الضعيفة. الثامن: أن تكون إحدى العلتين سببا أو سببا للسبب كما لو جعل ~~الزنا والسرقة علة للحد والقطع كان أولى من جعل أخذ مال الغير على سبيل ms597 ~~الخفية علة، ومن جعل إيلاج الفرج في الفرج علة حتى يتعدى إلى النباش ~~واللائط، لان تلك العلة استندت إلى الاسم الذي ظهر الحكم به، هذا إذا تساوت ~~العلتان من كل وجه، أما إذا دل الدليل على أن الحكم غير منوط بالسبب الظاهر ~~بل بمعنى تضمنه فالدليل متبع فيه، كما أن القاضي لا يقضي في حالة الغضب لا ~~للغضب، ولكن لكونه ممنوعا من استيفاء الفكر فيجري في الحاقن والجائع، وهو ~~أولى من التعليل بالغضب الذي ينسب الحكم إليه. التاسع: الترجيح بشدة ~~التأثير، ولا نعني بشدة التأثير قيام الدليل على كونه علة، لان الدليل يقوم ~~على المعنى الكائن في نفسه دون الدليل فليكن لكون العلة مؤثرة معنى، ثم إذا ~~تحقق ذلك في نفسه وفي علم الله تعالى ربما PageV00P380 # نصب الله عليه دليلا معرفا أو أمارة معلنة، وربما لم ينصب دليلا فإذا قوة ~~الدليل المعرف بكونها علة ليس من شدة التأثير في شئ بل فسروا شدة التأثير ~~بوجوه أولها انعكاس العلة مع اطرادها، فهي أولى من التي لا تنعكس عند قوم، ~~إذ دوران الحكم مع عدمها ووجودها نفيا وإثباتا يدل على شدة تأثيرها، كشدة ~~الخمر إذ يزول الحكم بزوالها. الثاني: أن تكون العلة مع كونها علة داعية ~~إلى فعل ما هي علة تحريمه كالشدة فإنها محرمة، وهي داعية إلى الشرب المحرم ~~لما فيها من الاطراب والسرور فهي مع تأثيرها في الحكم أثرت في تحصيل محل ~~الحكم وهو الشرب. الثالث: أن تكون علة ذات وصف واحد، وعارضها علة ذات ~~أوصاف، فقال قوم: الوصف الواحد أولى لان الحكم الثابت به المخالف للنفي ~~الأصلي أكثر فكان تأثيره أكثر فروعا فهي أكثر تأثيرا، وقال قوم: ذات أوصاف ~~أولى، لان الشريعة حنيفية، فالباقي على النفي الأصلي أكثر، ولا يبعد أن ~~يغلب على ظن المجتهد شئ من ذلك. # الرابع: أن تكون إحداهما أكثر وقوعا، فهي أكثر تأثيرا، فتكون أولى، وهذا ~~بعيد، لان تأثيرا العلة إنما يكون في محل وجودها أما حيث وجود لها كيف يطلب ~~تأثيرها. الخامس: علة يشهد ms598 لها أصلان أولى مما يشهد لها أصل واحد عند قوم، ~~وهذا يظهر إن كان طريق الاستنباط مختلفا، وإن كان متساويا فهو ضعيف ولا ~~يبعد أن يقوي ظن مجتهد به، وتكون كثرة الأصول ككثرة الرواة للخبر، مثاله ~~أنا إذا تنازعنا في أن يد السوم لم توجب الضمان، فقال الشافعي رحمه الله: ~~علته أنه أخذ لغرض نفسه من غير استحقاق، وعداه إلى المستعير، وقال الخصم: # بل علته أنه أخذ ليتملك فيشهد للشافعي في علته رحمه الله يد الغاصب ويد ~~المستعير من الغاصب، ولا يشهد لأبي حنيفة رحمه الله إلا يد الرهن، فلا يبعد ~~أن يغلب رجحان علة الشافعي عند مجتهد ويكون كل أصل كأنه شاهد آخر، وكذلك ~~الربا إذا علل بالطعم بشهد له الملح أيضا، وإن علل بالقوت لم يشهد له، فلا ~~يبعد أن يكون ذلك من الترجيحات. العاشر من الترجيحات العلة المثبتة للعموم ~~الذي منه الاستنباط، فهي أولى من المخصصة، قال الله تعالى: * (أو لامستم ~~النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا) * (النساء: 34، المائدة: 6) ~~فبرزت علة تقتضي إخراج المحرم والصغيرة من العموم، وبرزت علة أخرى توافق ~~العموم، فالذي ينفي العموم لمجرده حجة فلا أقل من الترجيح به. وقال قوم: ~~المخصصة أولى، لأنها عرفت ما لم يعرف العموم فأفادت، والعلة المقررة للعموم ~~لم تفد مزيدا فكانت أولى، كالمتعدية فإنها أولى من القاصرة عند قوم، وهذا ~~ضعيف، لان المتعدية قررت الملفوظ وألحق به المسكوت وأفادت، والقاصرة لم تفد ~~شيئا حتى قال قائلون: هي فاسدة فتخيل قوم لذلك ترجيح المتعدية، وليس ذلك ~~بصحيح أيضا. وأما المخصصة فخالفت موجب العموم، فكانت أضعف من التي لم ~~تخالف. الحادي عشر: ترجيح العلة بكثرة شبهها بأصلها على التي هي أقل شبها ~~بأصلها، وهذا ضعيف عند من لا يرى مجرد الشبه في الوصف الذي لا يتعلق الحكم ~~به موجبا للحكم، ومن رأى ذلك موجبا فغايته أن تكون كعلة أخرى، ولا يجب ~~ترجيح علتين على علة واحدة، لان الشئ يترجح بقوته لا بانضمام مثله إليه، ~~كما لا يترجح الحكم الثابت ms599 بالكتاب والسنة والاجماع على الثابت بأحد هذه ~~الأصول، ويقرب من هذا قولهم: رد الشئ إلى PageV00P381 # جنسه أولى من رده إلى غير جنسه، حتى يكون قياس الصلاة على الصلاة أولى من ~~قياسها على الصوم والحج، لأنه أقرب شبها به. وهذا ليس ببعيد، لان اختلاف ~~الأصول يناسب اختلاف الاحكام، فإذا كان جنس المظنون واحدا كان التفاوت أغلب ~~على الظن، وعن هذا جعل مجرد الشبه حجة عند قوم. الثاني عشر: علة أوجبت حكما ~~وزيادة مرجحة على ما لا يوجب الزيادة عند قوم، لان العلة تراد لحكمها، فما ~~كانت فائدتها أكثر فهي أولى حتى قالوا: ما أوجب الجلد والتغريب أولى مما لا ~~يوجب إلا الجلد، وعلى مسافة قالوا: علة تقتضي الوجوب أولى مما تقتضي الندب. ~~وما تقتضي الندب أولى مما تقتضي الإباحة، لان في الواجب معنى الندب وزيادة. ~~الثالث عشر: ترجيح المتعدية على القاصرة وهو ضعيف عند من لا يفسد القاصرة، ~~لان كثرة الفروع بل وجود أصل الفروع لا تبين قوة في ذات العلة، بل ينقدح أن ~~يقال: القاصرة أوفق للنص فهي أولى. الرابع عشر: ترجيح الناقلة عن حكم العقل ~~على المقررة، لا الناقلة أثبتت حكما شرعيا، والمقررة ما أثبتت شيئا، وقال ~~قوم: بل المقررة أولى، لأنها معتضدة بحكم العقل الذي يستقل بالنفي لولا هذه ~~العلة، ومثاله علة تقتضي الزكاة في الخضراوات، وأخرى تنفي الزكاة، وعلة ~~توجب الربا في الأرز، وأخرى تنفي فإن قيل: فلم صحت العلة المبقية على حكم ~~الأصل ولم تفد شيئا، لأنها لو لم تكن علة لكنا نبقي الحكم أيضا، قلنا: إن ~~كان الامر كذلك فلا يصح، كمن علل ليدل على أن هبوب الرياح لا يوجب الصوم ~~والوضوء، بل ينبغي أن يقتضي تفصيلا؟ لا يقتضيه العقل، أو تقتضي زيادة شرط ~~أو إطلاقا لا يقتضيه العقل. كما لو نصب علة لجواز بيع غير القوت، فإن تخصيص ~~غير القوت عن القوت مما لا يقتضيه العقل. الخامس عشر: تقديم العلة المثبتة ~~على النافية، قال به قوم، وهو غير صحيح، لأن النفي الذي لا يثبت ms600 إلا شرعا ~~كالاثبات، وإن كان نفيا أصليا يرجع إلى ما قدمناه من الناقلة والمقررة، وقد ~~قال الكرخي: العلة الدارئة للحد أولى من الموجبة، وهذا يصح بعد ثبوت قوله ~~عليه السلام: ادرؤوا الحدود بالشبهات ولا يجري في العبادات والكفارات وما ~~لا يسقط بالشبهات، بل إذا كان للوجوب وجه وللسقوط وجه وتعارض الوجهان كان ~~المحل محل شبهة فيسقط لعموم الخبر لا لترجيح الدارئة على الموجبة. السادس ~~عشر: # ترجيح علة هي بطريق الأولى على ما هي مثل، كتعليل قبول شهادة التائب ~~وقياسه على ما قبل إقامة حد القذف، وتعليل وجوب كفارة العمد وقياسه على ~~الخطأ وتعليل صحة النكاح عند فساد التسمية قياسا على ترك التسمية، وإن كان ~~ذلك بطريق الأولى فهو أقوى. السابع عشر: رجح قوم العلة الملازمة على التي ~~تفارق في بعض الأحوال، وهو ضعيف إذ رب لازم لا يكون علة، كحمرة الخمر، بل ~~كوجود الخمر والبر. الثامن عشر: رجح قوم علة انتزعت من أصل سلم من المعارضة ~~على علة انتزعت من أصل لم يسلم من المعارضة بمثلها. # التاسع عشر: رجح قوم علة توجب حكما أخف، لان الشريعة حنيفية سمحة، ورجح ~~آخرون بالضد، لان التكليف شاق ثقيل، فهذه ترجيحات ضعيفة. العشرون: ترجيح ~~علة توجب في الفرع مثل حكمها على علة توجب في الفرع خلاف حكمها، كتعليل ~~الشافعي رحمه الله في مسألة جنين الأمة يوجب حكما مساويا للأصل في التسوية ~~بين الذكر والأنثى، وتعليل أبي PageV00P382 # حنيفة رضي الله عنه يوجب الفرق بين الذكر والأنثى في الفرع، إذ أوجب في ~~الأنثى من الأمة عشر قيمتها، وفي الذكر نصف. عشر قيمته، والأصل هو جنين ~~الحرة، وفي الذكر والأنثى منه خمس من الإبل، والعلة التي تقطع النظر عن ~~الأنوثة والذكورة أولى، لأنها أوفق للأصل، فهذه وجوه الترجيحات، وبعضها ~~ضعيف يفيد الظن لبعض المجتهدين دون بعض، ويمكن أن يكون وراء هذه الجملة ~~ترجيحات من جنسها، وفيما ذكرناه تنبيه عليها إن شاء الله تعالى. # هذا تمام القول في القطب الرابع وبه وقع الفراغ من الأقطاب الأربعة التي ~~عليها ms601 مدار أصول الفقه، وبالله التوفيق. والحمد لله وحده، وصلى الله عليه ~~محمد وعلى آله وسلم تسليما. # تم# PageV00P383 #####ENDNOTES# ms602