######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0006397 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي (المتوفى: 505هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 505 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: قواعد العقائد #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: العقيدة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0006397 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-6397 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/6397 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: موسى محمد علي #META# 041.EdNUMBER :: الثانية، 1405هـ - 1985م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: عالم الكتب - لبنان #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | مقدمة # الحمد لله المبديء المعيد الفعال لما يريد ذي العرش المجيد والبطش الشديد ~~الهادي صفوة العبيد إلى المنهج الرشيد والمسلك السديد # PageV01P049 # المنعم عليهم بعد شهادة التوحيد بحراسة عقائدهم عن ظلمات التشكيك ~~والترديد السالك بهم إلى اتباع رسوله المصطفى واقتفاء آثار صحبه الأكرمين ~~المكرمين بالتأييد والتسديد المتجلي لهم في ذاته وأفعاله بمحاسن أوصافه ~~التي لا يدركها إلا من ألقى السمع وهو شهيد المعرف إياهم أنه في ذاته واحد ~~لا شريك له فرد لا مثيل له صمد لا ضد له منفرد لا ند له وأنه واحد قديم لا ~~أول له أزلي لا بداية له مستمر الوجود لا آخر له أبدي لا نهاية له قيوم لا ~~انقطاع # PageV01P050 # له دائم لا انصرام له لم يزل موصوفا بنعوت الجلال لا يقضى عليه بالانقضاء ~~والانفصال بتصرم الآباد وانقراض الآجال بل هو الأول والآخر والظاهر والباطن ~~وهو بكل شيء عليم ### | التنزيه # وأنه ليس بجسم مصور ولا جوهر محدود مقدر وأنه لا يماثل الأجسام لا في ~~التقدير ولا في قبول الانقسام وأنه ليس بجوهر ولا تحله الجواهر ولا بعرض ~~ولا تحله الأعراض بل لا يماثل موجودا ولا يماثله # PageV01P051 # موجود ليس كمثله شيء ولا هو مثل شيء وأنه لا يحده المقدار ولا تحويه ~~الأقطار ولا تحيط به الجهات ولا تكتنفه الأرضون ولا السموات وأنه مستوي على ~~العرش على الوجه الذي قاله وبالمعنى الذي أراده استواء منزها عن المماسة ~~والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال لا يحمله العرش بل العرش وحملته ~~محمولون بلطف قدرته ومقهورون في قبضته وهو فوق العرش والسماء وفوق كل شيء ~~إلى تخوم الثرى فوقية لا تزيده قربا إلى العرش والسماء كما لا تزيده بعدا ~~عن الأرض والثرى بل هو رفيع الدرجات عن العرش والسماء كما أنه رفيع الدرجات ~~عن الأرض والثرى وهو مع ذلك قريب # PageV01P052 # من كل موجود وهو أقرب إلى العبد من حبل الوريد وهو على كل شيء شهيد إذا ~~لا يماثل قربه قرب الأجسام كما لا تماثل ذاته ذات الأجسام وأنه لا يحل في ~~شيء ولا ms01 يحل فيه شيء تعالى عن أن يحويه مكان كما تقدس عن أن يحده زمان بل ~~كان قبل أن خلق الزمان والمكان وهو الآن على ما عليه كان وأنه بائن عن خلقه ~~بصفاته ليس في ذاته سواه ولا في سواه ذاته وأنه مقدس عن التغيير والانتقال ~~لا تحله الحوادث ولا تعتريه العوارض بل لا يزال في نعوت جلاله منزها عن ~~الزوال وفي صفات كماله مستغنيا عن زيادة الاستكمال وأنه في ذاته معلوم ~~الوجود بالعقول مرئي الذات بالأبصار # PageV01P053 # نعمة منه ولطفا بالأبرار في دار القرار وإتماما منه للنعيم بالنظر إلى ~~وجهه الكريم ### | الحياة والقدرة # وأنه تعالى حي قادر جبار قاهر لا يعتريه قصور ولا عجز ولا تأخذه سنة ولا ~~نوم ولا يعارضه فناء ولا موت وأنه ذو الملك والملكوت والعزة والجبروت له ~~السلطان والقهر والخلق والأمر والسموات مطويات بيمينه والخلائق مقهورون في ~~قبضته وأنه المنفرد بالخلق والاختراع المتوحد # PageV01P054 # بالإيجاد والإبداع خلق الخلق وأعمالهم وقدر أرزاقهم وآجالهم لا يشذ عن ~~قبضته مقدور ولا يعزب عن قدرته تصاريف الأمور لا تحصى مقدوراته ولا تتناهى ~~معلوماته ### | العلم # وأنه عالم بجميع المعلومات محيط بما يجري من تخوم الأرضين إلى أعلى ~~السموات وأنه عالم لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء بل # PageV01P055 # يعلم دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء ويدرك ~~حركة الذر في جو الهواء ويعلم السر وأخفى ويطلع على هواجس الضمائر وحركات ~~الخواطر وخفيات السرائر بعلم قديم أزلي لم يزل موصوفا به في أزل الآزال لا ~~بعلم متجدد حاصل في ذاته بالحلول والانتقال ### | الإرداة # وأنه تعالى مريد للكائنات مدبر للحادثات فلا يجري في الملك والملكوت قليل ~~أو كثير صغير أو كبير خير أو شر نفع أو ضر إيمان أو كفر عرفان أو نكر فوز ~~أو خسران زيادة أو نقصان طاعة أو عصيان إلا بقضائه وقدره وحكمته ومشيئته ~~فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن لا يخرج عن # PageV01P056 # مشيئته لفتة ناظر ولا فلتة خاطر بل هو المبديء المعيد الفعال ms02 لما يريد لا ~~راد لأمره ولا معقب لقضائه ولا مهرب لعبد عن معصيته إلا بتوفيقه ورحمته ولا ~~قوة له على طاعته إلا بمشيئته وإرادته فلو اجتمع الإنس والجن والملائكة ~~والشياطين على أن يحركوا في العالم ذرة أو يسكنوها دون إرادته ومشيئته ~~لعجزوا عن ذلك وأن إرادته قائمة بذاته في جملة صفاته لم يزل كذلك موصوفا ~~بها مريدا في أزله لوجود الأشياء في أوقاتها التي قدرها فوجدت في أوقاتها ~~كما أراده في أزله من غير تقدم ولا تأخر بل وقعت على وفق علمه وإرادته من ~~غير تبدل ولا تغير دبر الأمور لا بترتيب أفكار ولا تربص زمان فلذلك لم ~~يشغله شأن عن شأن # PageV01P057 ### | السمع والبصر # وأنه تعالى سميع بصير يسمع ويرى لا يعزب عن سمعه مسموع وإن خفي ولا يغيب ~~عن رؤيته مرئي وإن دق ولا يحجب سمعه بعد ولا يدفع رؤيته ظلام يرى من غير ~~حدقة وأجفان ويسمع من غير أصمخة وآذان كما يعلم بغير قلب ويبطش بغير جارحة ~~ويخلق بغير آلة إذ لا تشبه صفاته صفات الخلق كما لا تشبه ذاته ذوات الخلق ### | الكلام # وأنه تعالى متكلم آمر ناه واعد متوعد بكلام أزلي قديم قائم بذاته # PageV01P058 # لا يشبه كلام الخلق فليس بصوت يحدث من انسلال هواء أو اصطكاك أجرام ولا ~~بحرف ينقطع بإطباق شفة أو تحريك لسان وأن القرآن والتوراة والإنجيل والزبور ~~كتبه المنزلة على رسله عليهم السلام وأن القرآن مقروء بالألسنة مكتوب في ~~المصاحف محفوظ في القلوب وأنه مع ذلك قديم قائم بذات الله تعالى لا يقبل ~~الانفصال والافتراق بالانتقال إلى القلوب والأوراق وأن موسى صلى الله عليه ~~وسلم سمع كلام الله بغير صوت ولا حرف كما يرى الأبرار ذات الله تعالى في ~~الآخرة من غير جوهر ولا عرض وإذا كانت له هذه الصفات كان حيا عالما قادرا ~~مريدا سميعا بصيرا متكلما بالحياة والقدرة والعلم والإرادة والسمع والبصر ~~والكلام لا بمجرد الذات # PageV01P059 ### | الأفعال # وأنه سبحانه وتعالى لا موجود سواه إلا هو حادث بفعله وفائض من عدله على ~~أحسن ms03 الوجوه وأكملها وأتمها وأعدلها وأنه حكيم في أفعاله عادل في أقضيته لا ~~يقاس عدله بعدل العباد إذ العبد يتصور منه الظلم بتصرفه في ملك غيره ولا ~~يتصور الظلم من الله تعالى فإنه لا يصادف لغيره ملكا حتى يكون تصرفه فيه ~~ظلما فكل ما سواه من إنس وجن وملك وشيطان وسماء وأرض وحيوان ونبات وجماد ~~وجوهر وعرض ومدرك ومحسوس حادث اخترعه بقدرته بعد العدم اختراعا وأنشأه ~~إنشاء بعد أن لم يكن شيئا إذ كان في الأزل موجودا وحده ولم يكن معه غيره ~~فأحدث الخلق بعد ذلك إظهارا لقدرته وتحقيقا لما سبق من إرادته ولما حق في ~~الأزل من كلمته لا # PageV01P060 # لافتقاره إليه وحاجته وأنه متفضل بالخلق والاختراع والتكليف لا عن وجوب ~~ومتطول بالإنعام والإصلاح لا عن لزوم فله الفضل والإحسان والنعمة والامتنان ~~إذ كان قادرا على أن يصب على عباده أنواع العذاب ويبتليهم بضروب الآلام ~~والأوصاب ولو فعل ذلك لكان منه عدلا ولم يكن منه قبيحا ولا ظلما وأنه عز ~~وجل يثيب عباده المؤمنين على الطاعات بحكم الكرم والوعد لا بحكم الاستحقاق ~~واللزوم له إذ لا يجب عليه لأحد فعل ولا يتصور منه ظلم ولا يجب عليه حق وأن ~~حقه في الطاعات وجب على الخلق بإيجابه على ألسنة أنبيائه عليهم السلام لا ~~بمجرد العقل ولكنه بعث الرسل # PageV01P061 # وأظهر صدقهم بالمعجزات الظاهرة فبلغوا أمره ونهيه ووعده ووعيده فوجب على ~~الخلق تصديقهم فيما جاءوا به ### | معنى الكلمة الثانية وهي الشهادة للرسول بالرسالة # وأنه بعث النبي الأمي القرشي محمدا صلى الله عليه وسلم برسالته إلى كافة ~~العرب والعجم والجن والإنس فنسخ بشريعته الشرائع إلا ما قرره منها وفضله ~~على # PageV01P062 # سائر الأنبياء وجعله سيد البشر ومنع كمال الإيمان بشهادة التوحيد وهو قول ~~لا إله إلا الله ما لم تقترن بها شهادة الرسول وهو قولك محمد رسول الله ~~وألزم الخلق تصديقه في جميع ما أخبر عنه من أمور الدنيا والآخر وأنه لا ~~يتقبل إيمان عبد حتى يؤمن بما أخبر به بعد الموت وأوله سؤال منكر # PageV01P063 # ونكير ms04 وهما شخصان مهيبان هائلان يقعدان العبد في قبره سويا ذا روح وجسد ~~فيسألانه عن التوحيد والرسالة ويقولان له من ربك وما دينك ومن نبيك وهما ~~فتانا القبر وسؤالهما أو فتنة بعد الموت # PageV01P064 # وأن يؤمن بعذاب القبر وأنه حق وحكمه عدل على الجسم والروح على ما يشاء ~~وأن يؤمن بالميزان ذي الكفتين واللسان وصفته في العظم أنه مثل طبقات ~~السموات والأرض توزن فيه الأعمال بقدرة الله تعالى والصنج يومئذ مثاقيل ~~الذر والخردل تحقيقا لتمام العدل وتوضح صحائف الحسنات في صورة حسنة في كفة ~~النور فيثقل بها الميزان على قدر درجاتها عند الله # PageV01P065 # بفضل الله وتطرح صحائف السيئات في صورة قبيحة في كفة الظلمة فيخف بها ~~الميزان بعدل الله # وأن يؤمن بأن الصراط حق وهو جسر ممدود على متن جهنم أحد من السيف وأدق من ~~الشعرة تزل عليه أقدام الكافرين بحكم الله سبحانه فتهوي بهم إلى النار ~~وتثبت عليه أقدام المؤمنين بفضل الله فيساقون إلى دار القرار # PageV01P066 # وأن يؤمن بالحوض المورود حوض محمد صلى الله عليه وسلم يشرب منه المؤمنين ~~قبل دخول الجنة وبعد جواز الصراط من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا عرضه ~~مسيرة شهر ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل حوله أباريق عددها بعدد ~~نجوم السماء فيه ميزابان يصبان فيه من الكوثر # وأن يؤمن بالحساب تفاوت الناس فيه إلى مناقش في الحساب وإلى مسامح فيه ~~وإلى من يدخل الجنة بغير حساب وهم المقربون فيسأل # PageV01P067 # الله تعالى من يشاء من الأنبياء عن تبليغ الرسالة ومن شاء من الكفار عن ~~تكذيب المرسلين ويسأل المبتدعة عن السنة ويسأل المسلمين عن الأعمال # وأن يؤمن بإخراج الموحدين من النار بعد الانتقام حتى لا يبقى في جهنم ~~موحد بفضل الله تعالى فلا يخلد في النار موحد # PageV01P068 # وأن يؤمن بشفاعة الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء ثم سائر المؤمنين على ~~حسب جاهه ومنزلته عند الله تعالى ومن بقي من المؤمنين ولم يكن له شفيع أخرج ~~بفضل الله عز وجل فلا يخلد في النار مؤمن بل ms05 يخرج منها من كان في # PageV01P069 # قلبه مثقال ذرة من الإيمان وأن يعتقد فضل الصحابة رضي الله عنهم وترتيبهم ~~وأن أفضل الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم ~~علي رضي الله عنهم وأن يحسن الظن بجميع الصحابة ويثني عليهم كما أثنى الله ~~عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين # PageV01P070 # فكل ذلك مما وردت به الأخبار وشهدت به الآثار فمن اعتقد جميع ذلك موقنا ~~به كان من أهل الحق وعصابة السنة وفارق رهط الضلال وحزب البدعة # فنسأل الله كمال اليقين وحسن الثبات في الدين لنا ولكافة المسلمين برحمته ~~إنه أرحم الراحمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى كل عبد مصطفى # PageV01P071 ### | الفصل الثاني في وجه التدريج إلى الإرشاد وترتيب درجات الإعتقاد # PageV01P073 # أعلم أن ما ذكرناه في ترجمة العقيدة ينبغي أن يقدم إلى الصبي في أول نشوه ~~ليحفظه حفظا ثم لا يزال ينكشف له معناه في كبره شيئا فشيئا فابتداؤه الحفظ ~~ثم الفهم ثم الإعتقاد والإيقان والتصديق به وذلك مما يحصل في الصبي بغير ~~برهان فمن فضل الله سبحانه على قلب الإنسان أن شرحه في أول نشوة للإيمان من ~~غير حاجة إلى حجة وبرهان وكيف ينكر ذلك # PageV01P075 # وجميع عقائد العوام مباديها التلقين المجرد والتقليد المحض نعم يكون ~~الإعتقاد الحاصل بمجرد التقليد غير خال عن نوع من الضعف في الإبتداء على ~~معنى أنه يقبل الإزالة بنقيضه لو ألقى إليه فلا بد من تقويته وإثباته في ~~نفس الصبي والعامي حتى يترشح ولا يتزلزل وليس الطريق في تقويته وإثباته أن ~~يعلم صنعة الجدل والكلام بل يشتغل بتلاوة القرآن وتفسيره وقراءة الحديث ~~ومعانيه ويشتغل بوظائف العبادات فلا يزال إعتقاده يزداد رسوخا بما يقرع ~~سمعه من أدلة القرآن وحججه وبما يرد عليه من شواهد الأحاديث # PageV01P076 # وفوائدها وبما يسطع عليه من أنوار العبادات ووظائفها وبما يسري إليه من ~~مشاهدة الصالحين ومجالستهم وسيماهم وسماعهم وهيآتهم في الخضوع لله عز وجل ~~والخوف منه والإستكانة له فيكون أول التلقين كإلقاء بذر في الصدر وتكون ms06 هذه ~~الأسباب كالسقي والتربية له حتى ينمو ذلك البذر ويقوى ويرتفع شجرة طيبة ~~راسخة أصلها ثابت وفرعها في السماء # وينبغي أن يحرس سمعه من الجدل والكلام غاية الحراسة فإن ما يشوشه الجدل ~~أكثر مما يمهده وما يفسده أكثر مما يصلحه بل تقويته بالجدل تضاهي ضرب ~~الشجرة بالمدقة من الحديد رجاء تقويتها بأن تكثر أجزاؤها وربما يفتتها ذلك ~~ويفسدها وهو الأغلب والمشاهدة تكفيك في هذا بيانا فناهيك بالعيان برهانا # PageV01P077 # فقس عقيدة أهل الصلاح والتقى من عوام الناس بعقيدة المتكلمين والمجادلين ~~فترى إعتقاد العامي في الثبات كالطود الشامخ لا تحركه الدواهي والصواعق ~~وعقيدة المتلكم الحارس إعتقاده بتقسيمات الجدل كخيط مرسل في الهواء تفيئه ~~الرياح مرة هكذا ومرة هكذا إلا من سمع منهم دليل الإعتقاد فتلقفه تقليدا ~~كما تلقف نفس الإعتقاد تقليدا إذ لا فرق في التقلد بين تعلم الدليل أو تعلم ~~المدلول فتلقين الدليل شيء والإستدلال بالنظر شيء آخر بعيد عنه # ثم الصبي إذا وقع نشوه على هذه العقيدة إن اشتغل بكسب الدنيا # PageV01P078 # لم ينفتح له غيرها ولكنه يسلم في الآخرة بإعتقاد أهل الحق إذا لم يكلف ~~الشرع أجلاف العرب أكثر من التصديق الجازم بظاهر هذه العقائد فأما البحث ~~والتفتيش وتكلف نظم الأدلة فلم يكلفوه أصلا وإن أراد أن يكون من # PageV01P079 # سالكي طريق الآخرة وساعده التوفيق حتى اشتغل بالعمل ولازم التقوى ونهى ~~النفس عن الهوى واشتغل بالرياضة والمجاهدة انفتحت له أبواب من الهداية تكشف ~~عن حقائق هذه العقيدة بنور آلهي يقذف في قلبه بسبب المجاهدة تحقيقا لوعده ~~عز وجل إذ قال {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين} # وهو الجوهر النفيس الذي هو غاية إيمان الصديقين والمقربين وإليه الإشارة ~~بالسر الذي وقر في صدر أبي بكر الصديق رضي الله عنه حيث فضل به الخلق # PageV01P080 # وانكشاف ذلك السر بل تلك الأسرار له درجات بحسب درجات المجاهدة ودرجات ~~الباطن في النظافة والطهارة عما سوى الله تعالى وفي الإستضاءة بنور اليقين ~~وذلك كتفاوت الخلق في أسرار الطب والفقه وسائر العلوم إذ يختلف ذلك ms07 بإختلاف ~~الإجتهاد وإختلاف الفطرة في الذكاء والفطنة وكما لا تنحصر تلك الدرجات ~~فكذلك هذه # PageV01P081 ### | مسألة # فإن قلت تعلم الجدل والكلام مذموم كتعلم النجوم أو هو مباح أو مندوب إليه # فاعلم أن للناس في هذا غلوا وإسرافا في أطراف فمن قائل إنه بدعة وحرام ~~وأن العبد إن لقي الله عز وجل بكل ذنب سوى الشرك خير له من أن يلقاه ~~بالكلام # ومن قائل أنه واجب وفرض إما على الكفاية أو على الأعيان وأنه أفضل ~~الأعمال وأعلى القربات فإنه تحقيق لعلم التوحيد ونضال عن دين الله تعالى # PageV01P082 # وإلى التحريم ذهب الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل وسفيان وجميع أهل الحديث ~~من السلف # قال ابن عبد الأعلى رحمه الله سمعت الشافعي رضي الله عنه يوم ناظر حفصا ~~الفرد وكان من متكلمي المعتزلة يقول لأن يلقى الله عز وجل العبد بكل ذنب ما ~~خلا الشرك بالله خير له من أن يلقاه بشيء من علم الكلام # PageV01P083 # ولقد سمعت من حفص كلاما لا أقدر أن أحكيه # وقال أيضا قد أطلعت من أهل الكلام على شيء ما ظننته قط ولأن يبتلى العبد ~~بكل ما نهى الله عنه ما عدا الشرك خير له من أن ينظر في الكلام # وحكى الكرابيسي أن الشافعي رضي الله عنه سئل عن شيء من الكلام فغضب وقال ~~سل عن هذا حفصا الفرد وأصحابه أخزاهم الله # ولما مرض الشافعي رضي الله عنه دخل عليه حفص الفرد فقال له من أنا # فقال حفص الفرد لا حفظك الله ولا رعاك حتى تتوب مما أنت فيه # PageV01P084 # وقال أيضا لو علم الناس ما في الكلام من الأهواء لفروا منه فرارهم من ~~الأسد # وقال أيضا إذا سمعت الرجل يقول الإسم هو المسمى أو غير المسمى فاشهد بأنه ~~من أهل الكلام ولا دين له # قال الزعفراني قال الشافعي حكمى في أصحاب الكلام أن يضربوا بالجريد ويطاف ~~بهم في القبائل والبشائر ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأخذ في ~~الكلام # PageV01P085 # وقال أحمد بن حنبل # لا يفلح صاحب الكلام أبدا ولا تكاد ms08 ترى أحدا نظر في الكلام إلا وفي قلبه ~~دغل # وبالغ في ذمه حتى هجر الحارث المحاسبي مع زهده وورعه بسبب تصنيفه كتابا ~~في الرد على المبتدعة وقال له ويحك ألست تحكي بدعتهم أولا ثم ترد عليهم ~~ألست تحمل الناس بتصنيفك على مطالعة البدعة والتفكر # PageV01P086 # في تلك الشبهات فيدعوهم ذلك إلى الرأي والبحث # وقال أحمد رحمه الله علماء الكلام زنادقة # وقال مالك رحمه الله أرأيت إن جاءه من هو أجدل منه أيدع دينه كل يوم لدين ~~جديد يعني أن أقوال المتجادلين تتفاوت # وقال مالك رحمه الله أيضا # لا تجوز شهادة أهل البدع والأهواء فقال بعض أصحابه في تأويله # PageV01P087 # إنه أراد بأهل الأهواء أهل الكلام على أي مذهب كانوا # وقال أبو سيف من طلب العلم بالكلام تزندق # وقال الحسن لا تجادلوا أهل الأهواء ولا تجالسوهم ولا تسمعوا منهم وقد ~~اتفق أهل الحديث من السلف على هذا ولا ينحصر ما نقل عنهم من التشديدات فيه ~~وقالوا ما سكت عنه الصحابة مع أنهم أعرف بالحقائق وأفصح بترتيب الألفاظ من ~~غيرهم إلا لعلمهم بما يتولد منه الشر # ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم # PageV01P088 # هلك المتنطعون هلك المتنطعون هلك المتنطعون أي المتعمقون في البحث ~~والإستقصاء # واحتجوا أيضا بأن ذلك لو كان من الدين لكان ذلك أهم ما يأمر به رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ويعلم طريقه ويثني عليه وعلى أربابه # فقد علمهم الإستنجاء وندبهم إلى علم الفرائض وأثنى عليهم # PageV01P089 # ونهاهم عن الكلام في القدر وقال أمسكوا عن القدر وعلى هذا إستمر الصحابة ~~رضي الله عنهم فالزيادة على الأستاذ طغيان وظلم وهم الأستاذون والقدوة ونحن ~~الأتباع والتلامذة # وأما الفرقة الأخرى فاحتجوا بأن قالوا # إن المحذور من الكلام إن كان هو لفظ الجوهر والعرض وهذه الإصطلاحات ~~الغربية التي لم تعهدها الصحابة رضي الله عنهم فالأمر فيه قريب إذ ما من ~~علم إلا وقد أحدث فيه إصطلاحات لأجل التفهيم كالحديث والتفسير والفقه ولو ~~عرض عليهم عبارة النقض والكسر والتركيب والتعدية وفساد الوضع إلى جميع ~~الأسئلة التي تورد ms09 على القياس لما كانوا يفقهونه فاحداث عبارة للدلالة بها ~~على مقصود صحيح كاحداث آنية على هيئة جديدة لإستعمالها في مباح # PageV01P090 # وإن كان المحذور هو المعنى فنحن لا نعني به إلا معرفة الدليل على حدوث ~~العالم ووحدانية الخالق وصفاته كما جاء في الشرع فمن أين تحرم معرفة الله ~~تعالى بالدليل # وإن كان المحذور هو التشغب والتعصب والعداوة والبغضاء وما يفضي إليه ~~الكلام فذلك محرم ويجب الإحتراز عنه كما أن الكبر والعجب والرياء وطلب ~~الرياسة مما يفضي إليه علم الحديث والتفسير والفقه وهو محرم يجب الإحتراز ~~عنه ولكن لا يمنع من العلم لأجل آدئه إليه وكيف يكون ذكر الحجة والمطالبة ~~بها والبحث عنها محظورا وقد قال الله تعالى {قل هاتوا برهانكم} # وقال عز وجل {ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة} # وقال تعالى {إن عندكم من سلطان بهذا} أي حجة وبرهان # PageV01P091 # وقال تعالى {قل فلله الحجة البالغة} # وقال تعالى {ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه} إلى قوله {فبهت الذي ~~كفر} # إذ ذكر سبحانه إحتاج إبراهيم ومجادلته وإفحامه خصمه في معرض الثناء عليه # PageV01P092 # وقال عزوجل {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه} # وقال تعالى {قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا} # وقال تعالى في قصة فرعون {وما رب العالمين} إلى قوله {أولو جئتك بشيء ~~مبين} # وعلى الجملة فالقرآن من أوله إلى آخره محاجة مع الكفار # PageV01P093 # فعمدة أدلة المتكلمين في التوحيد قوله تعالى {لو كان فيهما آلهة إلا الله ~~لفسدتا} # وفي النبوة {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله} # وفي البعث {قل يحييها الذي أنشأها أول مرة} إلى غير ذلك من الآيات ~~والأدلة # PageV01P094 # ولم تزل الرسل صلوات الله عليهم يحاجون المنكرين ويجادلونهم قال تعالى ~~{وجادلهم بالتي هي أحسن} # فالصحابة رضي الله عنهم أيضا كانوا يحاجون المنكرين ويجادلون ولكن عند ~~الحاجة وكانت الحاجة إليه قليلة في زمانهم # وأول من سن دعوة المبتدعة بالمجادلة إلى الحق علي بن أبي علي طالب رضي ~~الله # PageV01P095 # عنه إذ بعث ابن ms10 عباس رضي الله عنهما إلى الخوارج فكلمهم فقال ما تنقمون ~~على إمامكم # قالوا قاتل ولم يسب ولم يغنم # فقال ذلك في قتال الكفار أرأيتم لو سبيت عائشة رضي الله عنها في يوم ~~الجمل فوقعت عائشة رضي الله عنها في سهم أحدكم أكنتم تستحلون منها ما ~~تستحلون من ملككم وهي أمكم في نص الكتاب فقالوا لا فرجع منهم إلى الطاعة ~~بمجدلته الفان # وروى أن الحسن ناظر قدريا فرجع عن القدر # وناظر علي بن أبي طالب كرم الله وجهه رجلا من القدرية # PageV01P096 # وناظر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يزيد بن عميرة في الإيمان فقال عبد ~~الله لو قلت إني مؤمن لقلت إني في الجنة فقال له يزيد بن عميرة يا صاحب ~~رسول الله هذه زلة منك وهل الإيمان إلا أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ~~والبعث والميزان وتقيم الصلاة والصوم والزكاة ولنا ذنوب لو نعلم أنها تغفر ~~لنا لعلمنا أننا من أهل الجنة فمن أجل ذلك نقول إنا مؤمنون ولا نقول إنا من ~~أهل الجنة فقال ابن مسعود صدقت والله إنها مني زلة # فينبغي أن يقال كان خوضهم فيه قليلا لا كثيرا وقصيرا لا طويلا وعند ~~الحاجة لا بطريق التنصيف والتدريس وإتخاذه صناعة فيقال أما قلة خوضهم فيه ~~فإنه كان لقلة الحاجة إذ لم تكن البدعة تظهر في ذلك الزمان # وأما القصر فقد كان الغاية إفحام الخصم واعترافه وإنكشاف الحق وإزالة ~~الشبهة فلو طال إشكال الخصم أو لحاجة لطال لا محالة إلزامهم وما كانوا # PageV01P097 # يقدرون قدر الحاجة بميزان ولا مكيال بعد الشروع فيها # وأما عدم تصديهم للتدريس والتصنيف فيه فهكذا كان دأبهم في الفقه والتفسير ~~والحديث أيضا فإن جاز تصنيف الفقه ووضع الصور النادرة التي لا تتفق إلا على ~~الندور أما إدخارا ليوم وقوعها وإن كان نادرا أو تشحيذا للخواطر فنحن أيضا ~~نرتب طرق المجادلة لتوقع وقوع الحاجة بثوان شبهة أو هيجان مبتدع أو لتشحيذ ~~الخاطر أو لإدخار الحجة حتى لا يعجز عنها عند الحاجة على البديهة والإرتجال ~~كمن يعد ms11 السلام قبل القتال ليوم القتال فهذا ما يمكن أن يذكر للفريقين ~~التحقيق في حكم الجدل # فإن قلت فما المختار عندك فيه فأعلم أن الحق فيه أن إطلاق القول بذمه في ~~كل حال أو بحمده في كل حال خطأ بل لا بد فيه من تفصيل # PageV01P098 # فاعلم أولا أن الشيء قد يحرم لذاته كالخمر والميتة وأعني بقولي لذاته أن ~~علة تحريمه وصف في ذاته وهو الإسكار والموت وهذا إذا سئلنا عنه أطقلنا ~~القول بأنه حرام ولا يلتفت إلى إباحة الميتة عند الإضطرار وإباحة تجرع ~~الخمر إذا غص الإنسان بلقمة ولم يجد ما يسيغها سوى الخمر وإلى ما يحرم ~~لغيره كالبيع على بيع أخيك المسلم في وقت الخيار والبيع وقت النداء وكأكل ~~الطين فإنه يحرم لما فيه من الأضرار # وهذا ينقسم إلى ما يضر قليله وكثيره فيطلق القول عليه بأنه حرام كالسم ~~الذي يقتل قليله وكثيره وإلى ما يضر عند الكثرة فيطلق القول عليه بالإباحة ~~كالعسل فإن كثيرة يضر بالمحرور وكأكل الطين وكان إطلاق التحريم على الطين ~~والخمر والتحليل على العسل التفات إلى أغلب الأحوال # فإن تصدى شيء تقابلت فيه الأحوال فالأولى والأبعد عن والإلتباس أن يفصل ~~فنعود إلى علم الكلام ونقول إن فيه منفعة وفي مضرة فهو بإعتبار منفعته في ~~وقت الإنتفاع حلال أو مندوب إليه أو واجب كما يقتضيه الحال وهو بإعتبار ~~مضرته في وقت الإستضرار ومحله حرام # أما مضرته فإثارة الشبهات وتحريك العقائد وإزالتها عن الجزم # PageV01P099 # والتصميم فذلك مما يحصل في الإبتداء ورجوعها بالدليل مشكوك فيه ويختلف ~~فيه الأشخاص فهذا ضرره في الاعتقاد الحق # وله ضرر آخر في تأكيد إعتقاد المبتدعة للبدعة وتثبيته في صدورهم بحيث ~~تنبعث دواعيهم ويشتد حرصهم على الإصرار عليه ولكن هذا الضرر بواسطة التعصب ~~الذي يثور من الجدل ولذلك ترى المبتدع العامي يمكن أن يزول إعتقاده باللطف ~~في أسرع زمان إلا إذا كان نشؤه في بلد يظهر فيها الجدل والتعصب فإنه لو ~~اجتمع عليه الأولون والآخرون لم يقدروا على نزع البدعة من صدره بل الهوى ~~والتعصب ms12 وبغض خصوم المجادلين وفرقة المخالفين يستولي على قلبه ويمنعه من ~~إدراك الحق حتى لو قيل له هل تريد أن يكشف الله تعالى لك الغطاء ويعرفك ~~بالعيان أن الحق مع خصمك لكره ذلك خيفة من أن يفرح به خصمه وهذا هو الداء ~~العضال الذي استطار في البلاد والعباد وهو نوع فساد أثاره المجادلون ~~بالتعصب # فهذا ضرره # PageV01P100 # وأما منفعته فقد يظن أن فائدته كشف الحقائق ومعرفتها على ما هي عليه ~~وهيهات فليس في الكلام وفاء بهذا المطلب الشريف ولعل التخبيط والتضليل فيه ~~أكثر من الكشف والتعريف وهذا إذا سمعته من محدث أو حشوى ربما خطر ببالك أن ~~الناس أعداء ما جهلوا فأسمع هذا ممن خبر الكلام ثم قلاة بعد حقيقة الخبرة ~~وبعد التغلل فيه إلى منتهى درجة المتكلمين وجاوز ذلك إلى التعمق في علوم ~~أخر تناسب نوع الكلام وتحقق أن الطريق إلى حقائق المعرفة من هذا الوجه ~~مسدود # PageV01P101 # ولعمري لا ينفك الكلام عن كشف وتعريف وإيضاح لبعض الأمور ولكن على الندور ~~في أمور جلية تكاد تفهم قبل التعمق في صنعة الكلام بل منفعته شيء واحد وهو ~~حراسة العقيدة التي ترجمناها على العوام وحفظها عن تشويشات المبتدعة بأنواع ~~الجدل فإن العامي ضعيف يستفزه جدل المبتدع وإن كان فاسدا ومعارضة الفاسد ~~بالفاسد تدفعه والناس متعبدون بهذه العقيدة التي قدمناها إذ ورد الشرع بها ~~لما فيها من صلاح دينهم ودنياهم وأجمع السلف الصالح عليها والعلماء يتعبدون ~~بحفظها على العوام من تلبيسات المبتدعة كما تعبد السلاطين بحفظ أموالهم عن ~~تهجمات الظلمة والغصاب # PageV01P102 # وإذا وقعت الإحاطة بضرره ومنفعته فينبغي أن يكون كالطبيب الحاذق في ~~إستعمال الدواء الخطر إذ لا يضعه إلا في موضعه وذلك في وقت الحاجة وعلى قدر ~~الحاجة # وتفصيله أن العوام المشتغلين بالحرف والصناعات يجب أن يتركوا على سلامة ~~عقائدهم التي اعتقدوها مهما تلقنوا الإعتقاد الحق الذي ذكرناه فإن تعليمهم ~~الكلام ضرر محض في حقهم إذ ربما يثير لهم شكا ويزلزل عليهم الإعتقاد ولا ~~يمكن القيام بعد ذلك بالإصلاح # وأما العامي المعتقد للبدعة فينبغي أن ms13 يدعي إلى الحق بالتلطف لا بالتعصب ~~وبالكلام اللطيف المقنع للنفس المؤثر في القلب القريب من سياق أدلة القرآن ~~والحديث الممزوج بفن من الوعظ والتحذير فإن ذلك أنفع من الجدل الموضوع على ~~شرط المتكلمين إذ العامي إذا سمع ذلك إعتقد أنه نوع صنعة من الجدل تعلمها ~~المتكلم ليستدرج الناس إلى إعتقاده # PageV01P103 # فإن عجز عن الجواب قدر أن المجادلين من أهل مذهبه أيضا يقدرون على دفعه # فالجدل مع هذا ومع الأول حرام وكذا من وقع في شك إذ يجب إزالته باللطف ~~والوعظ والأدلة القريبة المقبولة البعيدة عن تعمق الكلام # وإستقصاء الجدل إنما ينفع في موضع واحد وهو أن يفرض عامي إعتقد البدعة ~~بنوع جدل سمعه فيقابل ذلك الجدل بمثله فيعود إلى إعتقاد الحق وذلك فيمن ظهر ~~له من الأنس بالمجادلة ما يمنعه عن القناعة بالمواعظ والتحذيرات العامية ~~فقد انتهى هذا إلى حالة لا يشفيه منها إلا دواء الجدل # فجاز أن يلقى إليه # وأما في بلاد تقل فيها البدعة ولا تختلف فيها المذاهب فيقتصر فيها على ~~ترجمة الإعتقاد الذي ذكرناه ولا يتعرض للأدلة ويتربص وقوع شبهة فإن وقعت ~~ذكر بقدر الحاجة # PageV01P104 # فإن كانت البدعة شائعة وكان يخاف على الصبيان أن يخدعوا فلا بأس أن ~~يعلموا القدر الذي أودعناه كتاب الرسالة القدسية ليكون ذلك سببا لدفع تأثير ~~مجادلات المبتدعة إن وقعت إليهم # وهذا مقدار مختصر وقد أودعناه هذا الكتاب لإختصاره # فإن كان فيه ذكاء وتنبه بذكائه لموضع سؤال أو ثارت في نفسه شبهة فقد بدت ~~العلة المحذورة وظهر الداء فلا بأس أن يرقى منه إلى القدر الذي ذكرناه في ~~كتاب الاقتصاد في الاعتقاد وهو قدر خمسين ورقة وليس فيه خروج عن النظر في ~~قواعد العقائد إلى غير ذلك من مباحث المتكلمين # فإن أقنعه ذلك كف عنه وإن لم يقنعه ذلك فقد صارت العلة مزمنة والداء ~~غالبا والمرض ساريا فليتلطف به الطبيب بقدر إمكانه وينتظر قضاء الله # PageV01P105 # تعالى فيه إلى أن ينكشف له الحق بتنبيه من الله سبحانه أو يستمر على الشك ~~والشبهة إلى ما ms14 قدر له # فالقدر الذي يحويه ذلك الكتاب وجنسه من المصنفات هو الذي يرجى نفعه # فأما الخارج منه فقسمان # أحدهما بحث عن غير قواعد العقائد كالبحث عن الإعتمادات وعن الأكوان وعن ~~الإدراكات وعن الخوض في الرؤية هل لها ضد يسمى المنع أو # PageV01P106 # العمى وإن كان فذلك واحد هو منع عن جميع ما لا يرى أو ثبت لكل مرئي يمكن ~~رؤيته منع بحسب عدده إلى غير ذلك من الترهات المضلات # والقسم الثاني زيادة تقرير لتلك الأدلة في غير تلك القواعد وزيادة أسئلة ~~وأجوبة وذلك أيضا إستقصاء لا يزيد إلا ضلالا وجهلا في حق من لم يقنعه ذلك ~~القدر فرب كلام يزيده الأطناب والتقرير غموضا # ولو قال قائل البحث عن حكم الإدراكات والإعتمادات فيه فائدة تشحيذ ~~الخواطر والخاطر آلة الدين كالسيف آلة الجهاد فلا بأس بتشيحذه كان كقوله ~~لعب الشطرنج يشحذ الخاطر فهو من الدين أيضا وذلك هوس فإن # PageV01P107 # الخاطر يتشحذ بسائر علوم الشرع ولا يخاف فيها مضرة فقد عرفت بهذا القدر ~~المذموم والقدر المحمود من الكلام والحال التي يذم فيها والحال التي يحمد ~~فيها والشخص الذي ينتفع به والشخص الذي لا ينتفع به # فإن قلت مهما اعترفت بالحاجة إليه في دفع المبتدعة والآن قد ثارت البدع ~~وعمت البلوى وأرهقت الحاجة فلا بد أن يصير القيام بهذا العلم من فروض ~~الكفايات كالقيام بحراسة الأموال وسائر الحقوق كالقضاء والولاية وغيرهما ~~وما لم يشتغل العلماء بنشر ذلك والتدريس فيه والبحث عنه لا يدوم ولو ترك ~~بالكلية لا ندرس وليس في مجرد الطباع كفاية لحل شبه المبتدعة ما لم يتعلم ~~فينبغي أن يكون التدريس فيه والبحث عنه أيضا من فروض الكفايات بخلاف زمن ~~الصحابة رضي الله عنهم فإن الحاجة ما كانت ماسة إليه # فاعلم أن الحق أنه لا بد في كل بلد من قائم بهذا العلم مستقل بدفع شبه ~~المبتدعة التي ثارت في تلك البلدة وذلك يدوم بالتعليم ولكن ليس من الصواب ~~تدريسه على العموم كتدريس الفقه والتفسير فإن هذا مثل الدواء والفقه مثل # PageV01P108 # الغذاء وضرر ms15 الغذاء لا يحذر وضرر الدواء محذور لما ذكرنا فيه من أنواع ~~الضرر # فالعالم ينبغي أن يخصص بتعليم هذا العلم من فيه ثلاث خصال # إحداها التجرد للعلم والحرص عليه فإن المحترف يمنعه الشغل عن الإستتمام ~~وإزالة الشكوك إذا عرضت # الثانية الذكاء والفطنة والفصاحة فإن البليد لا ينتفع بفهمه والقدم لا ~~ينتفع بحلجاجه فيخاف عليه من ضرر الكلام ولا يرجى فيه نفعه # الثالثة أن يكون في طبعه الصلاح والديانة والتقوى ولا تكون الشهوات غالبة ~~عليه فإن الفاسق بأدنى شبهة ينخلع عن الدين فإن ذلك يحل عنه الحجر ويرفع ~~السد الذي بينه وبين الملاذ فلا يحرص على إزالة الشبه بل يغتنمها ليتخلص # PageV01P109 # من أعباء التكليف فيكون ما يفسده مثل هذا المتعلم أكثر مما يصلحه # وإذا عرفت هذه الإنقسامات إتضح لك أن هذه الحجة المحمودة في الكلام إنما ~~هي من جنس حجج القرآن من الكلمات اللطيفة المؤثرة في القلوب المقنعة للنفوس ~~دون التغلغل في التقسيمات والتدقيقات التي لا يفهمها أكثر الناس وإذا ~~فهموها إعتقدوا أنها شعوذة وصناعة تعلمها صاحبها للتلبيس # فإذا قابله مثله في الصنعة قاومه وعرفت أن الشافعي وكافة السلف إنما ~~منعوا عن الخوض فيه # PageV01P110 # والتجرد له لما فيه من الضرر الذي نبهنا عليه وأن ما نقل عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما من مناظرة الخوارج وما نقل عن علي رضي الله عنه من المناظرة في ~~القدر وغيره كان من الكلام الجلي الظاهر وفي محل الحاجة وذلك محمود في كل ~~حال # نعم قد تختلف الأعصار في كثرة الحاجة وقلتها فلا يبعد أن يختلف الحكم ~~لذلك # فهذا حكم العقيدة التي تعبد الخلق بها وحكم طريق النضال عنها وحفظها # فأما إزالة الشبهة وكشف الحقائق ومعرفة الأشياء على ما هي عليه وإدراك ~~الأسرار التي يترجمها ظاهر ألفاظ هذه العقيدة فلا مفتاح له إلا المجاهد ~~وقمع الشهوات والإقبال بالكلية على الله تعالى وملازمة الفكر الصافي عن ~~شوائب المجادلات وهي رحمة من الله عز وجل تفيض على من يتعرض لنفحاتها بقدر # PageV01P111 # الرزق وبحسب التعرض وبحسب قبول المحل وطهارة ms16 القلب وذلك البحر الذي لا ~~يدرك غوره ولا يبلغ ساحله ### | ### | مسألة # الحقيقة والشريعة # فإن قلت هذا الكلام يشير إلى أن هذه العلوم لها ظواهر وأسرار وبعضها جلي ~~يبدو أولا وبعضها خفي يتضح بالمجاهدة والرياضة والطلب الحثيث والفكر الصافي ~~والسر الخالي عن كل شيء من أشغال الدنيا سوى المطلوب وهذا يكاد يكون مخالفا ~~للشرع إذ ليس للشرع ظاهر وباطن وسر وعلن بل الظاهر والباطن والسر والعلن ~~واحد فيه # فاعلم أن إنقسام هذه العلوم إلى خفية وجلية لا ينكرها ذو بصيرة وإنما ~~ينكرها القاصرون الذين تلقفوا في أوائل الصبا شيئا وجمدوا عليه فلم يكن لهم ~~ترق إلى شأو العلا ومقامات العلماء والأولياء وذلك ظاهر من أدلة الشرع # PageV01P112 # قال صلى الله عليه وسلم إن للقرآن ظاهرا وباطنا وحدا ومطلعا # وقال علي رضي الله عنه وأشار إلى صدره إن ها هنا علوما جمة لو وجدت لها ~~حملة # وقال صلى الله عليه وسلم نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر ~~عقولهم # وقال صلى الله عليه وسلم ما حدث أحد قوما بحديث لم تبلغه عقولهم إلا كان ~~فتنة عليهم # PageV01P113 # وقال الله تعالى {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون} # وقال صلى الله عليه وسلم إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا ~~العالمون بالله تعالى الحديث إلى آخره كما أوردناه في كتاب العلم # وقال صلى الله عليه وسلم لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا # PageV01P114 # فليت شعري أن لم يكن ذلك سرا منع من إفشائه لقصور الأفهام عن إدراكه أو ~~لمعنى آخر فلم لم يذكره لهم ولا شك أنهم كانوا يصدقونه لو ذكره لهم # وقال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله عز وجل {الله الذي خلق سبع سماوات ~~ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن} # لو ذكرت تفسيره لرجمتموني وفي لفظ آخر لقلتم إنه كافر # PageV01P115 # وقال أبو هريرة رضي الله عنه حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وعاءين أما أحدهما فبثثته وأما الآخر لو بثثته لقطع هذا الحلقوم # وقال صلى ms17 الله عليه وسلم ما فضلكم أبو بكر بكثرة صيام ولا صلاة ولكن بسر ~~وقر في صدره رضي الله عنه # ولا شك في أن ذلك السر كان متعلقا بقواعد الدين غير خارج منها وما كان من ~~قواعد الدين لم يكن خافيا بظواهره على غيره # وقال سهل التستري رضي الله عنه للعالم ثلاثة علوم علم ظاهر يبذله لأهل ~~الظاهر وعلم باطن لا يسعه أظهاره إلا لأهله وعلم هو بينه وبين الله تعالى ~~لا يظهره لأحد # وقال بعض العارفين إفشاء سر الربوبية كفر # وقال بعضهم للربوبية سر لو أظهر لبطلت النبوة وللنبوة سر لو كشف لبطل # PageV01P116 # العلم وللعلماء بالله سر لو أظهروه لبطلت الأحكام وهذا القائل إن لم يرد ~~بذلك بطلان النبوة في حق الضعفاء لقصور فهمهم فما ذكره ليس بحق بل الصحيح ~~أنه لا تناقض فيه وأن الكامل من لا يطفىء نور معرفته نور ورعه وملاك الورع ~~النبوة ### | مسألة # فإن قلت هذه الآيات والأخبار يتطرق إليها تأويلات فبين لنا كيفية إختلاف ~~الظاهر والباطن فإن الباطن إن كان مناقضا للظاهر ففيه إبطال الشرع وهو قول ~~من قال إن الحقيقة خلاف الشريعة وهو كفر لأن الشريعة عبارة عن الظاهر ~~والحقيقة عبارة عن الباطن وإن كان لا يناقضه ولا يخالفه فهو هو # PageV01P117 # فيزول به الإنقسام ولا يكون للشرع سر لا يفشى بل يكون الخفي والجلي واحدا # فاعلم أن هذا السؤال يحرك خطبا عظيما وينجر إلى علوم المكاشفة ويخرج عن ~~مقصود علم المعاملة وهو غرض هذه الكتب فإن العقائد التي ذكرناها من أعمال ~~القلوب وقد تعبدنا بتلقينها بالقلوب والتصديق بعقد القلب عليها لا بأن ~~يتوصل إلى أن ينكشف لنا حقائقها فإن ذلك لم يكلف به كافة الخلق ولولا أنه ~~من الأعمال لما أوردناه في هذا الكتاب ولولا أنه عمل ظاهر القلب لا عمل ~~باطنه لما أوردناه في الشطر الأول من الكتاب # وإنما الكشف الحقيقي هو صفة سر القلب وباطنه ولكن إذا بحر الكلام إلى ~~تحريك خيال في مناقضة الظاهر للباطن فلا بد من كلام وجيز في ms18 حله # فمن قال إن الحقيقة تخالف الشريعة أو الباطن يناقض الظاهر فهو إلى الكفر ~~أقرب منه إلى الإيمان بل الأسرار التي يختص بها المقربون يدركها ولا ~~يشاركهم الأكثرون في عملها ويمتنعون عن إفشائها إليهم ترجع إلى خمسة أقسام # PageV01P118 # القسم الأول أن يكون الشيء في نفسه دقيقا تكل أكثر الأفهام عن دركه فيختص ~~بدركه الخواص وعليهم أن لا يفشوه إلى غير أهله فيصير ذلك فتنة عليهم حيث ~~تقصر أفهامهم عن الدرك وإخفاء سر الروح # وكف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيانه من هذا القسم فإن حقيقته مما ~~تكل الأفهام عن دركه وتقصر الأوهام عن تصور كنهه # ولا تظنن أن ذلك لم يكن مكشوفا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإن من لم ~~يعرف الروح فكأنه لم يعرف نفسه ومن لم يعرف نفسه فكيف يعرف ربه سبحانه # ولا يبعد أن يكون ذلك مكشوفا لبعض الأولياء والعلماء وإن لم يكونوا ~~أنبياء ولكنهم يتأدبون بآداب الشرع فيسكتون عما سكت عنه بل في صفات الله # PageV01P119 # عز وجل من الخفايا ما تقصر أفهام الجماهير عن دركه ولم يذكر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم منها إلا الظواهر للأفهام من العلم والقدرة وغيرهما حتى ~~فهمها الخلق بنوع مناسبة توهموها إلى علمهم وقدرتهم إذ كان لهم من الأوصاف ~~ما يسمى علما وقدرة فيتوهمون ذلك بنوع مقايسة ولو ذكر من صفاته ما ليس ~~للخلق مما يناسبه بعض المناسبة شيء لم يفهموه بل لذة الجماع إذا ذكرت للصبي ~~أو العنين لم يفهمها إلا بمناسبة إلى لذة المطعوم الذي يدركه ولا يكون ذلك ~~فهما على التحقيق والمخالفة بين علم الله تعالى وقدرته وعلم الخلق وقدرتهم ~~أكثر من المخالفة بين لذة الجماع والأكل # PageV01P120 # وبالجملة فلا يدرك الإنسان إلا نفسه وصفات نفسه مما هي حاضرة له في الحال ~~أو مما كانت له من قبل ثم بالمقايسة إليه يفهم ذلك لغيره ثم قد يصدق بأن ~~بينهما تفاوتا في الشرف والكمال فليس في قوة البشر إلا أن يثبت لله تعالى ~~ما هو ثابت ms19 لنفسه من الفعل والعلم والقدرة وغيرها من الصفات مع التصديق بأن ~~ذلك أكمل وأشرف فيكون معظم تحويمه على صفات نفسه لا على ما اختص الرب تعالى ~~به من الجلال ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لا أحصي ثناء عليك أنت كما ~~أثنيت على نفسك # PageV01P121 # وليس المعنى أني أعجز عن التعبير عما أدركته بل هو اعتراف بالقصور عن ~~إدراك جلاله ولذلك قال بعضهم ما عرف الله بالحقيقة سوى الله عز وجل # وقال الصديق رضي الله عنه الحمد لله الذي لم يجعل للخلق سبيلا إلى معرفته ~~إلا بالعجز عن معرفته # ولنقيض عنان الكلام عن هذا النمط ولنرجع إلى الغرض وهو أن أحد الأقسام ما ~~تكل الأفهام عن إدراكه ومن جملته الروح ومن جملته بعض صفات الله تعالى # ولعل الإشارة إلى مثله في قوله صلى الله عليه وسلم # إن لله سبحانه سبعين حجابا من نور لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل من ~~أدركه بصره # PageV01P122 # القسم الثاني من الخفيات التي تمتنع الأنبياء والصديقون عن ذكرها ما هو ~~مفهوم في نفسه لا يكل الفهم عنه ولكن ذكره يضر بأكثر المستمعين ولا يضر ~~بالأنبياء والصديقين # وسر القدر الذي منع أهل العلم من إفشائه من هذا القسم فلا يبعد أن يكون ~~ذكر بعض الحقائق مضرا ببعض الخلق كما يضر نور الشمس بأبصار الخفافيش وكما ~~تضر رياح الورد بالجعل وكيف يبعد هذا وقولنا أن الكفر والزنا والمعاصي ~~والشرور كله بقضاء الله تعالى وإرادته ومشيئته حق في نفسه وقد أضر # PageV01P123 # سماعه بقوم إذ أوهم ذلك عندهم أنه دلالة على السفه ونقيض الحكمة والرضا ~~بالقبيح والظلم # وقد ألحد ابن الراوندي وطائفة من المخذولين بمثل ذلك وكذلك سر القدر ولو ~~أفشى لأوهم عند أكثر الخلق عجزا إذا تقصر أفهامهم عن إدراك ما يزيل ذلك ~~الوهم عنهم # ولو قال قائل إن القيامة لو ذكر ميقاتها وأنها بعد ألف سنة أو أكثر أو ~~أقل لكان مفهوما ولكن لم يذكر لمصلحة العباد وخوفا من الضرر فلعل المدة ~~إليها بعيدة فيطول الأمد وإذا استبطأت النفوس ms20 وقت العقاب قل إكتراثها ~~ولعلها # PageV01P124 # كانت قريبة في علم الله سبحانه ولو ذكرت لعظم الخوف وأعرض الناس عن ~~الأعمال وخربت الدنيا # فهذا المعنى لو اتجه وصح فيكون مثالا لهذا القسم # القسم الثالث أن يكون الشيء بحيث لو ذكر صريحا لفهم ولم يكن فيه ضرر ولكن ~~يكنى عنه على سبيل الإستعارة والرمز ليكون وقعه في قلب المستمع أغلب وله ~~مصلحة في أن يعظم وقع ذلك الأمر في قلبه كما لو قال قائل رأيت فلانا يقلد ~~الدر في أعناق الخنازير فكنى به عن إفشاء العلم وبث الحكمة إلى غير أهلها ~~فالمستمع قد يسبق إلى فهمه ظاهر للفظ والمحقق إذا نظر وعلم أن ذلك الإنسان ~~لم يكن معه در ولا كان في موضعه خنزير تفطن لدرك السر والباطن فيتفاوت ~~الناس في ذلك ومن هذا قال الشاعر # (رجلان خياط وآخر حائك ... متقابلان على السماك الأعزل) # (لا زال ينسج ذاك خرقة مدبر ... ويخيط صاحبه ثياب المقبل) # PageV01P125 # فإنه عبر عن سبب سماوي في الإقبال والإدبار برجلين صانعين وهذا النوع ~~يرجع إلى التعبير عن المعنى بالصورة التي تتضمن عين المعنى أو مثله ومنه ~~قوله صلى الله عليه وسلم # إن المسجد لينزوي من النخامة كما تنزوي الجلدة على النار وأنت ترى أن ~~ساحة المسجد لا تنقبض بالنخامة # ومعناه أن روح المسجد كونه معظما ورمي النخامة فيه تحقير له فيضاد معنى ~~المسجدية مضادة النار لإتصال أجزاء الجلدة # وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم # أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار # PageV01P126 # وذلك من حيث الصور لم يكن قط ولا يكون ولكن من حيث المعنى هو كائن إذ رأس ~~الحمار لم يكن بحقيقته لكونه وشكله بل بخاصيته وهي البلادة والحمق # ومن رفع رأسه قبل الإمام فقد صار رأسه حمار في معنى البلادة والحمق وهو ~~المقصود دون الشكل الذي هو قالب المعنى إذ من غاية الحمق أن يجمع بين ~~الإقتداء وبين التقدم فإنهما متناقضان # وإنما يعرف أن هذا السر على خلاف الظاهر إما بدليل عقلي أو ms21 شرعي # أما العقلي فأن يكون حمله على الظاهر غير ممكن كقوله صلى الله عليه وسلم # قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن # إذ لو فتشنا عن قلوب المؤمنين فلم نجد فيها أصابع فعلم أنها كناية عن # PageV01P127 # القدرة التى هي سر الأصابع وروحها الخفي وكنى بالأصابع عن القدرة لأن ذلك ~~أعظم وقعا في تفهم تمام الإقتدار ومن هذا القبيل في كنايته عن الإقتدار ~~قوله تعالى {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} # فإن ظاهره ممتنع إذ قوله كن إن كان خطابا للشيء قبل وجوده فهو محال إذ ~~المعدوم لا يفهم الخطاب حتى يمتثل وإن كان بعد الوجود فهو مستغن عن التكوين ~~ولكن لما كانت هذه الكتابة أوقع في النفوس في تفهيم غاية الإقتدار عدل ~~إليها # وأما المدرك بالشرع فهو أن يكون إجراؤه على الظاهر ممكنا ولكنه يروى أنه ~~أريد به غير الظاهر كما ورد في تفسير قوله تعالى {أنزل من السماء ماء فسالت ~~أودية بقدرها} الآية وإن معنى الماء ها # PageV01P128 # هنا هو القرآن ومعنى الأودية هي القلوب وأن بعضها احتملت شيئا كثيرا ~~وبعضها قليلا وبعضها لم يحتمل والزبد مثل الكفر والنفاق فإنه وإن ظهر وطفا ~~على رأس الماء فإنه لا يثبت والهداية التي تنفع الناس تمكث وفي هذا القسم ~~تعمق جماعة فأولوا ما ورد في الآخرة من الميزان والصراط وغيرهما وهو بدعة ~~إذ لم ينقل ذلك بطريق الرواية وإجراؤه على الظاهر غير محال # PageV01P129 # فيجب إجراؤه على الظاهر # القسم الرابع أن يدرك الإنسان الشيء جملة ثم يدركه تفصيلا بالتحقيق ~~والذوق بأن يصير حالا ملابسا له فيتفاوت العلمان ويكون الأول كالقشر ~~والثاني كاللباب والأول كالظاهر # والثاني كالباطن وذلك كما يتمثل للإنسان في عينه شخص في الظلمة أو على ~~البعد فيحصل له نوع علم فإذا رآه بالقرب أو بعد زوال الظلام أدرك تفرقه ~~بينهما ولا يكون الأخير الأول بل هو إستكمال له # فكذلك العلم والإيمان والتصديق إذ قد يصدق الإنسان بوجود العشق والمرض ~~والموت قبل وقوعه ولكن تحققه به عند الوقوع ms22 أكمل من تحققه قبل الوقوع بل ~~للإنسان في الشهوة والعشق وسائر الأحوال ثلاثة أحوال متفاوتة وإدراكات ~~متباينة # الأول تصديقه بوجوده قبل وقوعه # والثاني عند وقوعه # والثالث بعد تصرمه فإن تحققك بالجوع بعد زواله يخالف التحقق به قبل ~~الزوال # وكذلك من علوم الدين ما يصير ذوقا فيكمل فيكون ذلك كالباطن # PageV01P130 # بالإضافة إلى ما قبل ذلك ففرق بين علم المريض بالصحة وبين علم الصحيح بها # ففي هذه الأقسام الأربعة تتفاوت الخلق وليس في شيء منها باطن يناقض ~~الظاهر بل يتممه ويكمله كما يتمم اللب القشر # والسلام # القسم الخامس أن يعبر بلسان المقال عن لسان الحال فالقاصر الفهم يقف على ~~الظاهر ويعتقده نطقا والبصير بالحقائق يدرك السر فيه # وهذا كقول القائل قال الجدال للوتد لم تشقني # قال سل من يدقني فلم يتركني ورائي الحجر الذي ورائي # فهذا تعبير عن لسان الحال بلسان المقال # ومن هذا قوله تعالى {ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها} # PageV01P131 # وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا طائعين) # فالبليد يفتقر في فهمه إلى أن يقدر لهما حياة وعقلا وفهما للخطاب وخطابا ~~هو صوت وحرف تسمعه السماء والأرض فتجيبان بحرف وصوت وتقولان أتينا طائعين ~~والبصير يعلم أن ذلك لسان الحال وأنه أنباء عن كونهما مسخرتين بالضرورة ~~ومضطرتين إلى التسخير # ومن هذا قوله تعالى {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} # فالبليد يفتقر فيه إلى أن يقدر للجمادات حياة وعقلا ونطقا بصوت وحرف حتى ~~يقول سبحان الله ليتحقق تسبيحه والبصير يعلم أنه ما أريد به نطق اللسان بل ~~كونه مسبحا بوجوده ومقدسا بذاته وشاهدا بوحدانية الله سبحانه كما يقال # وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه الواحد # وكما يقال هذه الصنعة المحكمة تشهد لصانعها بحسن التدبير وكمال العلم لا ~~بمعنى أنها تقول أشهد بالقول ولكن بالذات والحال # وكذلك ما من شيء إلا # PageV01P132 # وهو محتاج في نفسه إلى موجد يوجده # ويبقيه ويديم أوصافه ويردده في أطواره # فهو بحاجته يشهد لخالقه بالتقديس يدرك شهادته ذوو البصائر دون الجامدين ~~على الظواهر وذلك قال ms23 تعالى {ولكن لا تفقهون تسبيحهم} # وأما القاصرون فلا يفقهون أصلا # وأما المقربون والعلماء الراسخون فلا يفقهون كنهه وكماله إذ لكل شيء ~~شهادات شتى على تقديس الله سبحانه وتسبيحه ويدرك كل واحد بقدر عقله وبصيرته ~~وتعداد تلك الشهادات لا يليق بعلم المعاملة # فهذا الفن أيضا مما يتفاوت أرباب الظواهر وأرباب البصائر في علمه وتظهر ~~به مفارقة الباطن للظاهر # PageV01P133 # وفي هذا المقام لأرباب المقامات إسراف وإقتصاد فمن مسرف في رفع الظواهر ~~إنتهى إلى تغيير جميع الظواهر والبراهين أو أكثرها حتى حملوا قوله تعالى ~~{وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم} # وقوله تعالى {وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق ~~كل شيء} # وكذلك المخاطبات التي تجري من منكر ونكير وفي الميزان والصراط والحساب ~~ومناظرات أهل النار وأهل الجنة في قولهم # {أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله} # زعموا أن ذلك كله بلسان الحال وغلا آخرون في حسم الباب منهم أحمد بن حنبل ~~رضي الله عنه حتى منع تأويل قوله {كن فيكون} وزعموا أن ذلك خطاب بحرف وصوت ~~يوجد من الله تعالى في كل لحظة بعدد كون كل مكون # PageV01P134 # حتى سمعت بعض أصحابه يقول إنه حسم باب التأويل إلا لثلاثة ألفاظ قوله صلى ~~الله عليه وسلم # الحجر الأسود يمين الله في أرضه # وقوله صلى الله عليه وسلم # قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن # وقوله صلى الله عليه وسلم إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن # PageV01P135 # ومال إلى حسم الباب أرباب الظواهر # والظن بأحمد بن حنبل رضي الله عنه أنه علم أن الإستواء ليس هو الإستقرار ~~والنزول ليس هو الإنتقال ولكنه منع من التأويل حسما للباب ورعاية لصلاح ~~الخلق فإنه إذا فتح الباب اتسع الخرق وخرج الأمر عن الضبط وجاوز حد ~~الإقتصاد إذ حد ما جاوز الإقتصاد لا ينضبط فلا بأس بهذا الزجر # ويشهد له سيرة السلف فإنهم كانوا يقولون أمروها كما جاءت حتى قال مالك ~~رحمه الله لما سئل عن الإستواء الإستواء معلوم والكيفية مجهولة # PageV01P136 # والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة # وذهبت ms24 طائفة إلى الإقتصاد وفتحوا باب التأويل في بعض ما يتعلق بصفات الله ~~سبحانه وتركوا ما يتعلق بالآخرة على ظواهرها ومنعوا التأويل فيه وهم ~~الأشعرية # وزاد المعتزلة عليهم حتى أولوا من صفاته تعالى الرؤية وأولوا كونه سميعا ~~بصيرا وأولوا المعراج وزعموا أنه لم يكن بالجسد وأولوا عذاب القبر والميزان ~~والصراط وجملة من أحكام الآخرة ولكن أقروا بحشر الأجساد وبالجنة واشتمالها ~~على المأكولات والمشمومات والمنكوحات والملاذ المحسوسة # PageV01P137 # وبالنار واشتمالها على جسم محسوس محرق يحرق الجلود ويذيب الشحوم ومن ~~ترقيهم إلى هذا الحد زاد الفلاسفة فأولوا كل ما ورد في الآخرة وردوه إلى ~~الام عقلية وروحانية ولذات عقلية وأنكروا حشر الأجساد وقالوا ببقاء النفوس ~~وأنها تكون إما معذبة وإما منعمة بعذاب ونعيم لا يدرك بالحس # وهؤلاء هم المسرفون # وحد الإقتصاد بين هذا الإنحلال كله وبين جمود الحنابلة دقيق غامض لا يطلع ~~عليه إلا الموفقون الذين يدركون الأمور بنور إلهي لا بالسماع # ثم إذا إنكشفت لهم أسرار الأمور على ما هي عليه نظروا إلى السمع والألفاظ ~~الواردة فما وافق ما شاهدوه بنور اليقين قررو وما خالف أولوه # فأما من يأخذ معرفة هذه الأمور من السمع المجرد فلا يستقر له فيها قدم ~~ولا يتعين له موقف والأليق بالمقتصر على السمع المجرد مقام أحمد بن حنبل ~~رحمه الله # PageV01P138 # والآن فكشف الغطاء عن حد الإقتصاد في هذه الأمور داخل في علم المكاشفة ~~والقول فيه يطول فلا نخوض فيه والغرض بيان موافقة الباطن الظاهر وأنه غير ~~مخالف له فقد إنكشفت بهذه الأقسام الخمسة أمور كثيرة # وإذا رأينا أن نقتصر بكافة العوام على ترجمة العقيدة التي حررناها وأنهم ~~لا يكلفون غير ذلك في الدرجة الأولى إلا إذا كان خوف تشويش لشيوع البدعة ~~فيرقى في الدرجة الثانية إلى عقيدة فيها لوامع من الأدلة المختصرة من غير ~~تعمق فلنورد في هذا الكتاب تلك اللوامع ولنقتصر فيها على ما حررناه لأهل ~~القدس وسميناه الرسالة القدسية في قواعد العقائد وهي مودعة في هذا الفصل ~~الثالث من هذا الكتاب # PageV01P139 ### | الفصل الثالث ### | من كتاب قواعد ms25 العقائد في لوامع الأدلة للعقيدة التي ترجمناها بالقدس # PageV01P141 # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي ميز عصابة السنة بأنوار اليقين وآثر رهط الحق بالهداية ~~إلى دعائم الدين وجنبهم زيغ الزائغين # PageV01P143 # وضلال الملحدين ووفقهم للاقتداء بسيد المرسلين وسددهم للتأسي بصحبه ~~الأكرمين ويسر لهم اقتفاء آثار السلف الصالحين حتى اعتصموا من مقتضيات ~~العقول بالحبل المتين ومن سير الأولين وعقائدهم بالمنهج المبين فجمعوا ~~بالقبول بين نتائج العقول وقضايا الشرع المنقول وتحققوا أن النطق بما ~~تعبدوا به من قول لا إله إلا الله محمد رسول الله ليس له طائل ولا محصول إن ~~لم تتحقق الإحاطة بما تدور عليه هذه الشهادة من الأقطاب والأصول وعرفوا أن ~~كلمتي الشهادة على إيجازها تتضمن إثبات ذات الإله وإثبات صفاته وإثبات ~~أفعاله وإثبات # PageV01P144 # صدق الرسول وعلموا أن بناء الإيمان على هذه الأركان وهي أربعة ويدور كل ~~ركن منها على عشرة أصول # الركن الأول في معرفة ذات الله تعالى ومداره على عشرة أصول وهي العلم ~~بوجود الله تعالى وقدمه وبقائه وأنه ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض وأنه سبحانه ~~ليس مختصا بجهة ولا مستقرا على مكان وأنه يرى وأنه واحد # الركن الثاني في صفاته ويشتمل على عشرة أصول وهو العلم بكونه حيا عالما ~~قادرا مريدا سميعا بصيرا متكلما منزها عن حلول الحوادث وأنه قديم الكلام ~~والعلم والإرادة # الركن الثالث في أفعاله تعالى ومداره على عشرة أصول وهي أن أفعال العباد ~~مخلوقة لله تعالى وأنها مكتسبة للعباد وأنها مرادة لله تعالى وأنها مكتسبة # PageV01P145 # للعباد وأنها مرادة لله تعالى وأنه متفضل بالخلق والاختراع وأن له تعالى ~~تكليف ما لا يطاق وأن له إيلام البريء ولا يجب عليه رعاية الأصلح وأنه لا ~~واجب إلا بالشرع وأن بعثه الأنبياء جائز وأن نبوة نبينا محمد صلى الله عليه ~~وسلم ثابتة مؤيدة بالمعجزات # الركن الرابع في السمعيات ومداره على عشرة أصول وهي إثبات الحشر والنشر ~~وسؤال منكر ونكير وعذاب القبر والميزان والصراط وخلق الجنة والنار وأحكام ~~الإمامة وأن فضل الصحابة على حسب ترتيبهم وشروط الإمامة # PageV01P146 ### | الركن ms26 الأول في معرفة ذات الله تعالى ومداره على عشرة أصول # PageV01P147 # فأما الركن الأول من أركان الإيمان في معرفة ذات الله سبحانه وتعالى وأن ~~الله تعالى واحد ومداره على عشرة أصول ### | الأصل الأول العلم بوجوده تعالى ومعرفة وجوده تعالى # وأول ما يستضاء به من الأنوار ويسلك من طريق الاعتبار ما أرشد إليه # PageV01P149 # القرآن فليس بعد بيان الله سبحانه بيان وقد قال تعالى {ألم نجعل الأرض ~~مهادا والجبال أوتادا وخلقناكم أزواجا وجعلنا نومكم سباتا وجعلنا الليل ~~لباسا وجعلنا النهار معاشا وبنينا فوقكم سبعا شدادا وجعلنا سراجا وهاجا ~~وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا لنخرج به حبا ونباتا وجنات ألفافا} # وقال تعالى {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك ~~التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا ~~به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين ~~السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون} # PageV01P150 # وقال تعالى {ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا وجعل القمر فيهن ~~نورا وجعل الشمس سراجا والله أنبتكم من الأرض نباتا ثم يعيدكم فيها ويخرجكم ~~إخراجا} # وقال تعالى {أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون} إلى قوله ~~{للمقوين} # فليس يخفى على من معه أدنى مسكة من عقل إذا تأمل بأدنى فكرة مضمون هذه ~~الآيات وأدار نظره على عجائب خلق الله في الأرض والسماوات وبدائع فطرة ~~الحيوان والنبات أن هذا الأمر العجيب والترتيب المحكم لا يستغني عن صانع ~~يدبره وفاعل يحكمه ويقدره بل تكاد فطرة النفوس تشهد بكونها # PageV01P151 # مقهورة تحت تسخيره ومصرفة بمقتضى تدبيره ولذلك قال الله تعالى # {أفي الله شك فاطر السماوات والأرض} # ولهذا بعث الأنبياء صلوات الله عليهم لدعوة الخلق إلى التوحيد ليقولوا لا ~~إله إلا الله وما أمروا أن يقولوا لنا إله وللعالم إله فإن ذلك كان مجبولا ~~في فطرة عقولهم من مبدأ نشوهم وفي عنفوان شبابهم ولذلك قال عز وجل # {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله} # وقال تعالى {فأقم وجهك للدين حنيفا ms27 فطرة الله التي فطر الناس عليها لا ~~تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم} # PageV01P152 # فإذا في فطرة الإنسان وشواهد القرآن ما يغني عن إقامة البرهان ولكنا على ~~سبيل الاستظهار والإقتداء بالعلماء النظار نقول من بديهة العقول أن الحادث ~~لا يستغني في حدوثه عن سبب يحدثه والعالم حادث فإذا لا يستغني في حدوثه عن ~~سبب # أما قولنا أن الحادث لا يستغني في حدوثه عن سبب فجلى فإن كل حادث مختص ~~بوقت يجوز في العقل تقدير تقديمه وتأخيره فاختصاصه بوقته دون ما قبله وما ~~بعده يفتقر بالضرورة إلى المخصص # وأما قولنا العالم حادث فبرهانه أن أجسام العالم لا تخلو عن الحركة # PageV01P153 # والسكون وهما حادثان وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث ففي هذا البرهان ~~ثلاث دعاوى الأولى قولنا إن الأجسام لا تخلو عن الحركة والسكون وهذه مدركة ~~بالبديهة والاضطرار فلا يحتاج فيها إلى تأمل وافتكار فإن من عقل جسما لا ~~ساكنا ولا متحركا كان لمتن الجهل راكبا وعن نهج العقل ناكبا # الثانية قولنا إنهما حادثان ويدل على ذلك تعاقبهما ووجود البعض منهما بعد ~~البعض وذلك مشاهد في جميع الأجسام ما شوهد منها وما لم يشاهد فما من ساكن ~~إلا والعقل قاض بجواز حركته وما من متحرك إلا والعقل قاض بجواز حركته وما ~~من متحرك إلا والعقل قاض بجواز سكونه فالطاريء منهما حادث لطريانه والسابق ~~حادث لعدمه لأنه لو ثبت قدمه لاستحال عدمه على ما سيأتي بيانه وبرهانه في ~~إثبات بقاء الصانع تعالى وتقدس # PageV01P154 # الثالثة قولنا ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث وبرهانه أنه لو لم يكن ~~كذلك لكان قبل كل حادث حوادث لا أول لها ولو لم تنقض تلك الحوادث بجملتها ~~لا تنتهي النوبة إلى وجود الحادث الحاضر في الحال وانقضاء ما لا نهاية له ~~محال ولأنه لو كان للفلك دورات لا نهاية لها لكان يخلو عددها عن أن تكون ~~شفعا أو وترا أو شفعا ووترا جميعا أو لا شفعا ولا وترا ومحال أن تكون شفعا ~~ووترا جميعا أو لا شفعا ولا ms28 وترا فإن ذلك جمع بين النفي والإثبات إذ في ~~إثبات أحدهما نفي الآخر وفي نفي أحدهما إثبات الآخر ومحال أن يكون شفعا لأن ~~الشفع يصير وترا بزيادة واحد وكيف يعوز ما لا نهاية له واحد # ومحال أن يكون وترا إذ الوتر يصير شفعا بواحد فكيف يعوزها واحد مع أنه لا ~~نهاية لأعدادها ومحال أن يكون لا شفعا ولا وترا إذ له نهاية فتحصل من هذا ~~أن العالم لا يخلو عن الحوادث وما لا يخلو من الحوادث فهو إذا حادث وإذا ~~ثبت حدوثه كان افتقاره إلى المحدث من المدركات بالضرورة # PageV01P155 ### | الأصل الثاني القدم # العلم بأن الله تعالى قديم لم يزل أزلي ليس لوجوده أول بل أول كل شيء ~~وقبل كل ميت وحي # وبرهانه أنه لو كان حادثا ولم يكن قديما لافتقر هو أيضا إلى محدث وافتقر ~~محدثه إلى محدث وتسلسل ذلك إلى ما لا نهاية وما تسلسل لم يتحصل أو # PageV01P156 # ينتهي إلى محدث قديم هو الأول وذلك هو المطلوب الذي سميناه صانع العالم ~~ومبدئه وبارئه ومحدثه ومبدعه ### | الأصل الثالث البقاء # العلم بأنه تعالى مع كونه أزليا أبديا ليس لوجوده آخر فهو الأول والآخر ~~والظاهر والباطن لأن ما ثبت قدمه استحال عدمه # وبرهانه أنه لو انعدم لكان لا يخلو إما أن ينعدم بنفسه أو بمعدم يضاده ~~ولو جاز أن ينعدم شيء يتصور دوامه بنفسه لجاز أن يوجد شيء يتصور عدمه بنفسه ~~فكما يحتاج طريان الوجود إلى سبب فكذلك يحتاج طريان العدم إلى سبب وباطل أن ~~ينعدم بمعدم يضاده لأن ذلك المعدم لو كان قديما لما تصور # PageV01P157 # الوجود معه وقد ظهر بالأصلين السابقين وجوده وقدمه فكيف كان وجوده في ~~القدم ومعه ضده فإن كان الضد المعدم حادثا كان محالا إذ ليس الحادث في ~~مضادته للقديم حتى يقطع وجوده بأولى من القديم في مضادته للحادث حتى يدفع ~~وجوده بل الدفع أهون من القطع والقديم أقوى وأولى من الحادث ### | الأصل الرابع التنزه عن كونه جوهرا # العلم بأنه تعالى ليس بجوهر يتحيز بل يتعالى وبتقدس عن ms29 مناسبة الحيز # وبرهانه أن كل جوهر متحيز فهو مختص بحيزه ولا يخلو من أن يكون ساكنا فيه ~~أو متحركا عنه فلا يخلو عن الحركة أو السكون وهما حادثان وما # PageV01P158 # يخلو عن الحوادث فهو حادث ولو تصور جوهر متحيز قديم لكان يعقل قدم جواهر ~~العالم فإن سماه مسم جوهرا ولم يرد به المتحيز كان مخطئا من حيث اللفظ لا ~~من حيث المعنى ### | الأصل الخامس التنزه عن الجسمية # العلم بأن تعالى ليس بجسم مؤلف من جواهر إذ الجسم عبارة عن المؤلف من ~~الجواهر وإذ بطل كونه جوهرا مخصوصا بحيز بطل كونه جسما لأن كل جسم مختص ~~بحيز ومركب من جوهر فالجوهر يستحيل خلوه عن الافتراق والاجتماع والحركة ~~والسكون والهئية والمقدار # PageV01P159 # وهذه سمات الحدوث ولو جاز أن يعتقد أن صانع العالم جسم لجاز أن يعتقد ~~الإلهية للشمس والقمر أو لشيء آخر من أقسام الأجسام فإن تجاسر متجاسر على ~~تسميته تعالى جسما من غير إرادة التأليف من الجواهر كان ذلك غلطا في الاسم ~~مع الإصابة في نفي معنى الجسم ### | الأصل السادس التنزه عن كونه عرضا # العلم بأنه تعالى ليس بعرض قائم بجسم أو حال في محل لأن العرض ما يحل في ~~الجسم فكل جسم فهو حادث لا محالة ويكون محدثه موجودا قبله فكيف يكون حالا ~~في الجسم وقد كان موجودا في الأزل وحده وما معه # PageV01P160 # غيره ثم أحدث الأجسام والأعراض بعده # ولأنه عالم قادر مريد خالق وهذه الأوصاف تستحيل على الأعراض بل لا تعقل ~~إلا لموجود قائم بنفسه مستقل بذاته وقد تحصل من هذه الأصول أنه موجود قائم ~~بنفسه ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض وأن العالم كله جواهر وأعراض وأجسام فإذا ~~لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء بل الحي القيوم الذي ليس كمثله شيء وأنى يشبه ~~المخلوق خالقه والمقدور # PageV01P161 # مقدره والمصور مصوره والأجسام والأعراض كلها من خلقه وصنعه فاستحال ~~القضاء عليها بمماثلته ومشابهته ### | الأصل السابع العلم بأن الله تعالى منزه الذات عن الاختصاص بالجهات # فإن الجهة إما فوق وإما أسفل وأما يمين وإما ms30 شمال أو قدام أو خلف وهذه ~~الجهات هو الذي خلقها وأحدثها بواسطة خلق الإنسان إذ خلق له طرفين أحدهما ~~يعتمد على الأرض ويسمى رجلا والآخر يقابله ويسمى رأسا فحدث اسم الفوق لما ~~يلي جهة الرأس واسم السفل لما يلي # PageV01P162 # جهة الرجل حتى إن النملة التي تدب منكسة تحت السقف تنقلب جهة الفوق في ~~حقها تحتا وإن كان في حقنا فوقا وخلق للإنسان اليدين وإحداهما أقوى من ~~الأخرى في الغالب فحدث اسم اليمين للأقوى واسم الشمال لما يقابله وتسمى ~~الجهة التي تلي اليمين يمينا والأخرى شمالا وخلق له جانبين يبصر من أحدهما ~~ويتحرك إليه فحدث اسم القدام للجهة التي يتقدم إليها بالحركة واسم الخلف ~~لما يقابلها فالجهات حادثة بحدوث الإنسان ولو لم يخلق الإنسان بهذه الخلقة ~~بل خلق مستديرا كالكرة لم يكن لهذه الجهات وجود ألبته فكيف كان في الأزل ~~مختصا بجهة والجهة حادثة أو كيف صار مختصا بجهة بعد أن لم يكن له أبأن خلق ~~العالم فوقه وتعالى عن أن يكون له فوق إذ تعالى أن يكون له رأس والفوق ~~عبارة عما يكون جهة الرأس أو خلق العالم تحته فتعالى عن أن يكون له تحت إذ ~~تعالى عن أن يكون له رجل والتحت عبارة عما يلي الرجل وكل ذلك مما يستحيل في ~~العقل ولأن المعقول من # PageV01P163 # كونه مختصا بجهة أن مختص بحيز اختصاص الجواهر أو مختص بالجواهر اختصاص ~~العرض وقد ظهر استحالة كونه جوهرا أو عرضا فاستحال كونه مختصا بالجهة وإن ~~أريد بالجهة غير هذين المعنيين كان غلطا في الاسم مع المساعدة على المعنى ~~ولأنه لو كان فوق العالم لكان محاذيا له وكل محاذ لجسم فإما أن يكون مثله ~~أو أصغر أو أكبر وكل ذلك تقدير محوج بالضرورة إلى مقدر ويتعالى عنه الخالق ~~الواحد المدبر # PageV01P164 # فأما رفع الأيدي عند السؤال إلى جهة السماء فهو لأنها قبلة الدعاء وفيه ~~أيضا إشارة إلى ما هو وصف للمدعو من الجلال والكبرياء وتنبيها بقصد جهة ~~العلو على صفة المجد والعلاء فإنه تعالى فوق كل ms31 موجود بالقهر والاستيلاء ### | الأصل الثامن الإستواء # العلم بأنه تعالى مستو على عرشه بالمعنى الذي أراد الله تعالى بالاستواء # PageV01P165 # وهو الذي لا ينافي وصف الكبرياء ولا يتطرق إليه سمات الحدوث والفناء وهو ~~الذي أريد بالاستواء إلى السماء حيث قال في القرآن # {ثم استوى إلى السماء وهي دخان} وليس ذلك إلا بطريق القهر # PageV01P166 # والاستيلاء كما قال الشاعر # قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق # واضطر أهل الحق إلى هذا التأويل كما اضطر أهل الباطل إلى تأويل # قوله تعالى {?} {وهو} معكم أينما كنتم إذ حمل ذلك بالاتفاق على الإحاطة ~~والعلم وحمل قوله صلى الله عليه وسلم # قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن على القدرة # PageV01P167 # والقهر وحمل قوله صلى الله عليه وسلم الحجر الأسود يمين الله في أرضه على ~~التشريف والإكرام لأنه لو ترك على ظاهره للزم منه المحال فكذا الاستواء لو ~~ترك على الاستقرار والتمكن لزم منه كون المتمكن جسما مماسا للعرض إما مثله ~~أو أكبر منه أو أصغر وذلك محال وما يؤدي إلى المحال فهو محال # PageV01P168 ### | الأصل التاسع الرؤية # العلم بأنه تعالى مع كونه منزها عن الصورة والمقدار مقدسا عن الجهات ~~والأقطار مرئي بالأعين والأبصار في الدار الآخرة دار القرار لقوله تعالى ~~{وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} # ولا يرى في الدنيا تصديقا لقوله عز وجل {لا تدركه الأبصار وهو يدرك ~~الأبصار} # PageV01P169 # ولقوله تعالى في خطاب موسى عليه السلام {لن تراني} # وليت شعري كيف عرف المعتزلي من صفات رب الأرباب ما جهله موسى عليه السلام # وكيف سأل موسى عليه السلام الرؤية مع كونها محالا # ولعل الجهل يذوي البدع والأهواء من الجهلة الأغبياء أولى من الجهل ~~بالأنبياء صلوات الله عليهم # PageV01P170 # وأما وجه إجراء آية الرؤية على الظاهر فهو أنه غير مؤد إلى المحال فإن ~~الرؤية نوع كشف وعلم إلا أنه أتم وأوضح من العلم فإذا جاز تعلق العلم به ~~وليس في جهة جاز تعلق الرؤية به وليس بجهة # PageV01P171 # وكما يجوز أن يرى الله تعالى الخلق وليس في مقابلتهم جاز ms32 أن يراه الخلق ~~من غير مقابلة وكما جاز أن يعلم من غير كيفية وصورة جاز أن يرى كذلك ### | الأصل العاشر الوحدانية # العلم بأن الله عز وجل واحد لا شريك له فرد لا ند له الفرد بالخلق ~~والإبداع واستبد بالإيجاد والاختراع لا مثل له يساهمه ويساويه ولا # PageV01P172 # ضد له فينازعه ويناويه وبرهانه قوله تعالى {لو كان فيهما آلهة إلا الله ~~لفسدتا} # وبيانه أنه لو كان اثنين وأراد أحدهما أمرا فالثاني إن كان مضطرا إلى ~~مساعدته كان هذا الثاني مقهورا عاجزا ولم يكن إلها قادرا وإن كان قادرا على ~~مخالفته ومدافعته كان الثاني قويا قاهرا والأول ضعيفا قاصرا ولم يكن إلها ~~قادرا ### | ### | الركن الثاني العلم بصفات الله تعالى ومداره على عشرة أصول # # PageV01P173 ### | الركن الثاني العلم بصفات الله تعالى ومداره على عشرة أصول # PageV01P175 ### | الأصل الأول القدرة # العلم بأن صانع العالم قادر وأنه تعالى في قوله # {وهو على كل شيء قدير} صادق لأن العالم محكم في صنعته مرتب في خلقته ومن ~~رأى ثوبا من ديباج حسن النسج والتأليف متناسب # PageV01P177 # التطريز والتطريف ثم توهم صدور نسجه عن ميت لا استطاعة له أو عن إنسان لا ~~قدرة له كان منخلعا عن غريزة العقل ومنخرطا في سلك أهل الغباوة والجهل ### | الأصل الثاني العلم # العلم بأنه تعالى عالم بجميع الموجودات ومحيط بكل المخلوقات لا يعزب عن ~~علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء صادق في قوله # {وهو بكل شيء عليم} ومرشد إلى صدقه بقوله تعالى {ألا يعلم من خلق وهو ~~اللطيف الخبير} # أرشدك إلى الاستدلال بالخلق على العلم بأنك لا تستريب في دلالة الخلق # PageV01P178 # اللطيف والصنع المزين بالترتيب ولو في الشيء الحقير الضعيف على علم ~~الصانع بكيفية الترتيب والترصيف فما ذكره الله سبحانه وهو المنتهى في ~~الهداية والتعريف ### | الأصل الثالث الحياة # العلم بكونه عز وجل حيا فإن من ثبت علمه وقدرته بالضرورة حياته ولو تصور ~~قادر وعالم فاعل مدبر دون أن يكون حيا لجاز أن يشك في حياة الحيوانات عند ~~ترددها في الحركات والسكنات بل في ms33 حياة أرباب الحرف والصناعات وذلك انغماس ~~في غمرة الجهالات والضلالات ### | الأصل الرابع الإرادة # العلم بكونه تعالى مريدا لأفعاله فلا موجود إلا وهو مستند إلى مشيئته ~~وصادر عن إرادته فهو المبدىء المعيد والفعال لما يريد وكيف لا يكون مريدا ~~وكل فعل صدر منه أمكن أن يصدر منه ضده وما لا ضد له أمكن أن # PageV01P179 # يصدر منه ذلك بعينه قبله أو بعده والقدرة تناسب الضدين والوقتين مناسبة ~~واحدة فلا بد من إرادة صارفة للقدرة إلى أحد المقدورين ولو أغنى العلم عن ~~الإرادة في تخصيص المعلوم حتى يقال إنما وجد في الوقت الذي سبق العلم ~~بوجوده لجاز أن يغني عن القدرة حتى يقال وجد بغير قدرة لأنه سبق العلم ~~بوجوده فيه ### | الأصل الخامس السمع والبصر # العلم بأنه تعالى سميع بصير لا يعزب عن رؤيته هواجس الضمير وخفايا الوهم ~~والتفكير ولا يشذ عن سمعه صوت دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على ~~الصخرة الصماء وكيف لا يكون سميعا بصيرا والسمع والبصر # PageV01P180 # كمال لا محالة وليس بنقص # فكيف يكون المخلوق أكمل من الخالق والمصنوع أسنى وأتم من الصانع # وكيف تعتدل القسمة مهما وقع النقص في جهته والكمال في خلقه وصنعته أو كيف ~~تستقيم حجة إبراهيم صلى الله عليه وسلم على أبيه إذ كان يعبد الأصنام جهلا ~~وغيا فقال له {لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا} # ولو انقلب ذلك عليه في معبوده لأضحت حجته داحضة ودلالته ساقطة ولم يصدق ~~قوله تعالى # PageV01P181 # {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه} # وكما عقل كونه فاعلا بلا جارحة وعالما بلا قلب ودماغ فليعقل كونه بصيرا ~~بلا حدقة وسميعا بلا أذن إذ لا فرق بينهما ### | الأصل السادس الكلام # أنه سبحانه وتعالى متكلم بكلام وهو وصف قائم بذاته ليس بصوت ولا حرف بل ~~لا يشبه كلامه كلام غيره كما لا يشبه وجوده وجود غيره والكلام بالحقيقة ~~كلام النفس وإنما الأصوات قطعت حروفا للدلالات # PageV01P182 # كما يدل عليها تارة بالحركات والإشارات وكيف التبس هذا على طائفة من ~~الأغبياء ولم يلتبس ms34 على جهلة الشعراء حيث قال قائلهم # إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا # ومن لم يعقله عقله ولا نهاه نهاه عن أن يقول # لساني حادث ولكن ما يحدث فيه بقدرتي الحادثة قديم فاقطع عن عقله طمعك وكف ~~عن خطابه لسانك # ومن لم يفهم أن القديم عبارة عما ليس قبله شيء وأن الباء قبل السين في ~~قولك بسم الله فلا يكون السين المتأخر عن الباء قديما فنزه عن الالتفات ~~إليه قبلك فلله سبحانه سر في إبعاد بعض العباد ومن يضلل الله فما له من # PageV01P183 # هاد ومن استبعد أن يسمع موسى عليه السلام في الدنيا كلاما ليس بصوت ولا ~~حرف فليستنكر أن يرى في الآخرة موجودا ليس بجسم ولا لون وإن عقل أن يرى ما ~~ليس بلون ولا جسم ولا قدر ولا كمية وهو إلى الآن لم ير غيره فليعقل في حاسة ~~السمع ما عقله في حاسة البصر # وإن عقل أن يكون له علم واحد هو علم بجميع الموجودات فليعقل صفة واحدة ~~للذات هو كلام بجميع ما دل عليه بالعبارات وإن عقل كون السماوات السبع وكون ~~الجنة والنار مكتوبة في ورقة صغيرة ومحفوظة في مقدار ذرة من القلب وأن كل ~~ذلك مرئي في مقدار عدسة من الحدقة من غير أن تحل ذات السماوات والأرض ~~والجنة والنار في الحدقة والقلب والورقة فليعقل كون الكلام مقروءا بالألسنة ~~محفوظا في القلوب مكتوبا في المصاحف من غير حلول ذات الكلام فيها إذ لو حلت ~~بكتاب الله ذات الكلام في الورق لحل # PageV01P184 # ذات الله تعالى بكتابة اسمه في الورق وحلت ذات النار بكتابة اسمها في ~~الورق ولا حترق ### | الأصل السابع قدم الكلام والصفات والتنزه عن حلول الحوادث # أعلم أن الكلام القائم بنفسه قديم وكذا جميع صفاته إذ يستحيل أن يكون ~~محلا للحوادث داخلا تحت التغير بل يجب للصفات من نعوت القدم ما يجب للذات ~~فلا تعتريه التغيرات ولا تحله الحادثات بل لم يزل في قدمه موصوفا بمحامد ~~الصفات ولا يزال في أبده كذلك منزها ms35 عن تغير الحالات # PageV01P185 # لأن ما كان محل الحوادث لا يخلو عنها وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث ~~وإنما ثبت نعت الحدوث للأجسام من حيث تعرضها للتغير وتقلب الأوصاف فكيف ~~يكون خالقها مشاركا لها في قبول التغير وينبني على هذا أن كلامه قائم بذاته ~~وإنما الحادث هي الأصوات الدالة عليه # وكما عقل قيام طلب التعلم وإرادته بذات الوالد للولد قبل أن يخلق ولده ~~حتى إذا خلق ولده وعقل وخلق الله له علما متعلقا بما في قلب أبيه من الطلب ~~صار مأمورا بذلك الطلب الذي قام بذات أبيه ودام وجوده إلى وقت معرفة ولده ~~له فليعقل قيام الطلب الذي دل عليه قوله عز وجل {فاخلع نعليك} بذات الله ~~ومصير موسى عليه السلام مخاطبا به بعد وجوده إذ خلقت له معرفة بذلك الطلب ~~وسمع لذلك الكلام القديم # PageV01P186 ### | الأصل الثامن قدم العلم # أن علمه قديم فلم يزل عالما بذاته وصفاته وما يحدثه من مخلوقاته ومهما ~~حدثت المخلوقات لم يحدث له علم بها بل حصلت مكشوفة له بالعلم الأزلي إذ لو ~~خلق لنا علم بقدوم زيد عند طلوع الشمس ودام ذلك علم تقديرا حتى طلعت الشمس ~~لكان قدوم زيد عند طلوع الشمس معلوما لنا بذلك من غير تجدد علم آخر # فهكذا ينبغي أن يفهم قدم علم الله تعالى ### | الأصل التاسع # أن إرادته قديمة وهي في القدم تعلقت بإحداث الحوادث في أوقاتها اللائقة ~~بها على وفق سبق العلم الأزلي إذ لو كانت حادثة لصار محل الحوادث ولو حدثت ~~في # PageV01P187 # غير ذاته لم يكن هو مريدا لها كما لا تكون أنت متحركا بحركة ليست في ذاتك ~~وكيفما قدرت فيفتقر حدوثها إلى إرادة أخرى وكذلك الإرادة الأخرى تفتقر إلى ~~أخرى ويتسلسل الأمر إلى غير نهاية # ولو جاز أن يحدث إرادة بغير إرادة لجاز أن يحدث لغير إرادة ### | الأصل العاشر # أن الله تعالى عالم بعلم حي بحياة قادر بقدرة ومريد بإرادة ومتكلم بكلام ~~وسميع بسمع وبصير ببصر وله هذه الأوصاف من هذه الصفات القديمة # PageV01P188 # وقول القائل عالم بلا ms36 علم كقوله غني بلا مال وعلم بلا عالم وعالم بلا ~~معلوم فإن العلم والمعلوم والعالم متلازمة كالقتل والمقتول والقاتل # وكما لا يتصور قاتل بلا قتل ولا قتيل ولا يتصور قتيل بلا قاتل ولا قتل ~~فكذلك لا يتصور عالم بلا علم ولا علم بلا معلوم ولا معلوم بلا عالم # بل هذه الثلاثة متلازمة في العقل لا ينفك بعض منها عن البعض فمن جوز ~~انفكاك العالم عن العلم فليجوز انفكاكه عن المعلوم وانفكاك العلم عن العالم ~~إذ لا فرق بين هذه الأوصاف ### | ### | الركن الثالث العلم بأفعال الله تعالى ومداره على عشرة أصول # # PageV01P189 ### | الركن الثالث العلم بأفعال الله تعالى ومداره على عشرة أصول # PageV01P191 ### | الأصل الأول # العلم بأن كل حادث في العالم فهو فعله وخلقه واختراعه لا خالق له سواه ~~ولا محدث له إلا إياه خلق الخلق وصنعهم وأوجد قدرتهم وحركتهم فجميع أفعال ~~عباده مخلوقة له ومتعلقة بقدرته تصديقا له في قوله تعالى {الله خالق كل ~~شيء} # PageV01P193 # وفي قوله تعالى {والله خلقكم وما تعملون} # وفي قوله تعالى {وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ألا ~~يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} # أمر العباد بالتحرز في أقوالهم وأفعالهم وإسرارهم وإضمارهم لعلمه بموارد ~~أفعالهم واستدل على العلم بالخلق وكيف لا يكون خالقا لفعل العبد وقدرته ~~تامة لا قصور فيها وهي متعلقة بحركة أبدان العباد والحركات متماثلة وتعلق ~~القدرة بها لذاتها # PageV01P194 # فما الذي يقصر تعلقها عن بعض الحركات دون البعض مع تماثلها # أو كيف يكون الحيوان مستبدا بالاختراع ويصدر من العنكبوت والنحل وسائر ~~الحيوانات من لطائف الصناعات ما يتحير فيه عقول ذوي الألباب # فكيف انفردت هي باختراعها دون رب الأرباب وهي غير عالمة بتفصيل ما يصدر ~~منها من الاكتساب # هيهات هيهات ذلت المخلوقات وتفرد بالملك والملكوت جبار الأرض والسماوات ### | الأصل الثاني # أن انفراد الله سبحانه باختراع حركات العباد لا يخرجها عن كونها مقدورة ~~للعباد على سبيل الاكتساب بل الله تعالى خلق القدرة والمقدور جميعا وخلق ~~الاختيار والمختار جميعا # فأما القدرة فوصف للعبد وخلق للرب ms37 سبحانه وليس بكسب له # PageV01P195 # وأما الحركة فخلق للرب تعالى ووصف للعبد وكسب له فإنها خلقت مقدورة بقدرة ~~هي وصفه وكانت للحركة نسبة إلى صفة أخرى تسمى قدرة بإعتبارها تلك النسبة ~~كسبا # وكيف تكون جبرا محضا وهو بالضرورة يدرك التفرقة بين الحركة المقدورة ~~والرعدة الضرورية # أو كيف يكون خلقا للعبد وهو لا يحيط علما بتفاصيل أجزاء الحركات المكتسبة ~~وأعدادها وإذا بطل الطرفان لم يبق إلا الاقتصاد في الاعتقاد وهو أنها ~~مقدورة بقدرة الله تعالى اختراعا وبقدرة العبد على وجه آخر من التعلق يعبر ~~عنه بإكتساب وليس من ضرورة تعلق القدرة بالمقدور أن يكون بالاختراع فقط إذ ~~قدرة الله تعالى في الأزل قد كانت متعلقة بالعالم ولم يكن الاختراع حاصلا ~~بها وهي # PageV01P196 # عند الاختراع متعلقة به نوعا آخر من التعلق فيه يظهر أن تعلق القدرة ليس ~~مخصوصا بحصول المقدور بها ### | الأصل الثالث # أن فعل العبد وإن كان كسبا للعبد فلا يخرج عن كونه مرادا لله سبحانه فلا ~~يجري في الملك والملكوت طرفة عين ولا لفتة خاطر ولا فلتة ناظر إلا بقضاء ~~الله وقدرته وبإرادته ومشيئته ومنه الشر والخير والنفع والضر والإسلام # PageV01P197 # والكفر والعرفان والنكر والفوز والخسران والغواية والرشد والطاعة ~~والعصيان والشرك والإيمان # لا رادة لقضائه ولا معقب لحكمه # يضل من يشاء ويهدي من يشاء # {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} # ويدل عليه من النقل قول الأمة قاطبة # ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن # وقول الله عز وجل {أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا} # وقوله تعالى {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها} # ويدل عليه من جهة العقل أن المعاصي والجرائم إن كان الله يكرهها ولا # PageV01P198 # يريدها وإنما هي جارية على وفق إرادة العدو إبليس لعنه الله مع أنه عدو ~~الله سبحانه والجاري على وفق إرادة العدو وأكثر من الجاري على وفق إرادته ~~تعالى # فليت شعري كيف يستجيز المسلم أن يرد مالك الجبار ذي الجلال # PageV01P199 # والإكرام إلى رتبة لوردت إليها رياسة زعيم ضيعة لاستنكف منها # إذ لو كان ما يستمر لعدو ms38 الزعيم في القرية أكثر مما يستقيم له لاستنكف من ~~زعامته وتبرأ عن ولايته والمعصية هي الغالبة على الخلق وكل ذلك جار عند ~~المبتدعة على خلاف إرادة الحق تعالى وهذا غاية الضعف والعجز تعالى رب ~~الأرباب عن قول الظالمين علوا كبيرا # ثم مهما ظهر أن أفعال العباد مخلوقة لله صح أنها مرادة له # فإن قيل فكيف ينهى عما يريد ويأمر بما لا يريد # قلنا الأمر غير الإرادة ولذلك إذا ضرب السيد عبده فعاتبه السلطان عليه ~~فاعتذر بتمرد عبده عليه فكذبه السلطان فأراد إظهار حجته بأن يأمر العبد ~~بفعل ويخالفه بين يديه فقال له # أسرج هذه الدابة بمشهد من السلطان فهو يأمره بما لا يريد امتثاله ولو لم ~~يكن # PageV01P200 # آمرا لما كان عذره عند السلطان ممهدا ولو كان مريدا لامتثاله لكان مريدا ~~لهلاك نفسه وهو محال ### | الأصل الرابع # أن الله تعالى متفضل بالخلق والاختراع ومتطول بتكليف العباد ولم يكن ~~الخلق والتكليف واجبا عليه # وقالت المعتزلة # وجب عليه ذلك لما فيه من مصلحة العباد وهو محال إذ هو الموجب والآمر # PageV01P201 # والناهي وكيف يتهدف لإيجاب أو يتعرض للزوم وخطاب # والمراد بالواجب أحد أمرين إما الفعل الذي في تركه ضرر إما آجل كما يقال ~~يجب على العبد أن يطيع الله حتى لا يعذبه في الآخرة بالنار # أو ضرر عاجل كما يقال يجب على العطشان أن يشرب حتى لا يموت # وإما أن يراد به الذي يؤدي عدمه إلى محال كما يقال # وجود المعلوم واجب إذ عدمه يؤدي إلى محال وهو أن يصير العلم جهلا # فإن أراد الخصم بأن الخلق واجب على الله بالمعنى الأول فقد عرضه للضرر ~~وإن أراد به المعنى الثاني فهو مسلم إذ بعد سبق العلم لا بد من وجود ~~المعلوم وإن أراد به معنى ثالثا فهو غير مفهوم # PageV01P202 # وقوله يجب لمصلحة عباده كلام فاسد فإنه إذا لم يتضرر بترك مصلحة العباد ~~لم يكن للوجوب في حقه معنى # ثم إن مصلحة العباد في أن يخلقهم في الجنة فأما أن يخلقهم في دار البلايا ~~ويعرضهم ms39 للخطايا ثم يهدنهم لخطر العقاب وهو العرض والحساب فما في ذلك غبطة ~~عند ذوي الألباب ### | الأصل الخامس # أنه يجوز على الله سبحانه أن يكلف الخلق ما لا يطيقونه خلافا للمعتزلة ~~ولو يجز ذلك لاستحال سؤال دفعه وقد سألوا ذلك فقالوا # {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} # PageV01P203 # ولأن الله تعالى أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم بأن أبا جهل لا يصدقه ثم ~~أمره بأن يأمره بأن يصدقه في جميع أقواله وكان من جملة أقواله أنه لا يصدقه ~~فكيف في أنه لا يصدقه # وهل هذا إلا محال وجوده ### | الأصل السادس # أن لله عز وجل إيلام الخلق وتعذيبهم من غير جرم سابق ومن غير ثواب لاحق ~~خلافا للمعتزلة لأنه متصرف في ملكه ولا يتصور أن يعدو تصرفه ملكه والظلم هو ~~عبارة عن التصرف في ملك الغير بغير إذنه وهو محال على الله تعالى فإنه لا ~~يصادف لغيره ملكا حتى يكون تصرفه فيه ظلما # PageV01P204 # ويدل على ذلك وجوده فإن ذبح البهائم إيلام لها وما صب عليها من أنواع ~~العذاب من جهة الآدميين لم يتقدمها جريمة # فإن قيل إن الله تعالى يحشرها ويجازيها على قدر ما قاسته من الآلام ويجب ~~ذلك على الله سبحانه # فنقول من زعم أنه يجب على الله إحياء كل نملة وطئت وكل بقة عركت حتى ~~يثيبها على آلامها فقد خرج عن الشرع والعقل إذ يقال # وصف الثواب والحشر بكونه واجبا عليه إن كان المراد به إنه يتضرر بتركه ~~فهو محال وإن أريد به غيره فقد سبق أنه غير مفهوم إذا خرج عن المعاني ~~المذكورة للواجب ### | الأصل السابع # أنه تعالى يفعل بعباده ما يشاء فلا يجب عليه رعاية الأصلح لعباده لما # PageV01P205 # ذكرناه من أنه لا يجب عليه سبحانه شيء بل لا يعقل في حقه الوجوب فإنه لا ~~يسئل عما يفعل وهم يسئلون # وليت شعري بما يجيب المعتزلي في قوله # إن الأصلح واجب عليه في مسألة نعرضها عليه وهو أن يفرض مناظرة في الآخرة ~~بين صبي وبين بالغ ماتا مسلمين فإن ms40 الله سبحانه يزيد في درجات البالغ ~~ويفضله عن الصبي لأنه تعب بالإيمان والطاعات بعد البلوغ ويجب عليه ذلك عند ~~المعتزلي فلو قال الصبي يا رب لم رفعت منزلته علي فيقول لأنه بلغ واجتهد في ~~الطاعات ويقول الصبي # أنت أمتني في الصبا فكان يجب عليك أن تديم حياتي حتى أبلغ فأجتهد فقد ~~عدلت عن العدل في التفضيل عليه بطول العمر له دوني فلم فضلته # PageV01P206 # فيقول الله تعالى لأني علمت أنك لو بلغت لأشركت أو عصيت فكان لأصلح لك ~~الموت في الصبا # هذا عذر المعتزلي عن الله عز وجل وعند هذا ينادي الكفار من دركات لظى ~~ويقولون يا رب أما علمت أننا إذا بلغنا أشركنا فهلا أمتنا في الصبا فإنا ~~رضينا بما دون منزلة الصبي المسلم فبماذا يجاب عن ذلك وهل يجب عند هذا إلا ~~القطع بأن الأمور الإلهية تتعالى بحكم الجلال عن أن توازن بميزان الاعتزال # فإن قيل مهما قدر على رعاية الأصلح للعباد ثم سلط عليهم أسباب العذاب كان ~~ذلك قبيحا لا يليق بالحكمة # قلنا القبيح ما لا يوافق الغرض حتى إنه قد يكون الشيء قبيحا عند # PageV01P207 # شخص حسنا عند غيره إذا وافق غرض أحدهما دون الآخر حتى يستقبح قتل الشخص ~~أولياؤه ويستحسنه أعداؤه # فإن أريد بالقبيح ما لا يوافق غرض الباري سبحانه فهو محال إذ لا غرض له ~~فلا يتصور منه قبيح كما لا يتصور منه ظلم إذ لا يتصور منه التصرف في ملك ~~الغير # وإن أريد بالقبيح ما لا يوافق غرض الغير فلم قلتم إن ذلك عليه محال # وهل هذا إلا مجرد تشتهي يشهد بخلافه ما قد فرضناه من مخاصمة أهل النار # ثم الحكيم معنا العالم بحقائق الأشياء القادر على فعلها على وفق إرادته ~~وهذا من أين يوجب رعاية الأصلح وأما الحكيم منا يراعي الأصلح نظرا # PageV01P208 # لنفسه ليستفيد به في الدنيا ثناء وفي الآخرة ثوابا أو يدفع به عن نفسه ~~آفة وكل ذلك على الله سبحانه وتعالى محال ### | الأصل الثامن # أن معرفة الله سبحانه وطاعته واجبة بإيجاب الله ms41 تعالى وشرعه لا بالعقل # خلافا للمعتزلة لأن العقل وإن أوجب الطاعة فلا يخلو # إما أن يوجبها لغير فائدة وهو محال فإن العقل لا يوجب العبث # وإما أن يوجبها لفائدة وغرض وذلك لا يخلو إما أن يرجع إلى المعبود وذلك ~~محال في حقه تعالى فإنه يتقدس عن الأغراض والفوائد بل الكفر والإيمان ~~والطاعة والعصيان في حقه تعالى سيان وإما أن يرجع ذلك إلى غرض العبد وهو ~~أيضا محال لأنه لا غرض له في الحال بل يتعب به وينصرف عن الشهوات بسببه ~~وليس في المآل إلا الثواب والعقاب # ومن أين يعلم أن الله تعالى يثيب على المعصية والطاعة ولا يعاقب عليهما # PageV01P209 # مع أن الطاعة والمعصية في حقه يتساويان إذ ليس له إلى أحدهما ميل ولا به ~~لأحدهما اختصاص وإنما عرف تمييز ذلك بالشرع # ولقد ذل من أخذ هذا من المقايسة بين الخالق والمخلوق حيث يغرق بين الشكر ~~والكفران لما له من الارتياح والاهتزاز والتلذذ بأحدهما دون الآخر # فإن قيل لم يجب النظر والمعرفة إلا بالشرع والشرع لا يستقر ما لم ينظر ~~المكلف فيه فإذا قال المكلف للنبي إن العقل ليس بوجب على النظر والشرع لا ~~يثبت عندي إلا بالنظر ولست أقدم على النظر أدى ذلك إلى إفحام الرسول صلى ~~الله عليه وسلم # قلنا هذا يضاهي قول القائل للواقف في موضع من المواضع # إن وراءك # PageV01P210 # سبعا ضاريا فإن لم تبرح عن المكان قتلك وإن التفت وراءك ونظرت عرفت صدقي ~~فيقول الواقف # لا يثبت صدقك ما لم ألتفت ورائي ولا ألتفت ورائي ولا أنظر ما لم يثبت ~~صدقك # فيدل هذا على حماقة هذا القائل وتهدفه للهلاك ولا ضرر فيه على الهادي ~~المرشد فكذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول # إن وراءكم الموت ودونه السباع الضارية والنيران المحرقة إن لم تأخذوا ~~منها حذركم وتعرفوا لي صدقي بالالتفات إلى معجزتي وإلا هلكتم فمن التفت عرف ~~واحترز ونجا ومن لم يلتفت وأصر هلك وتردى ولا ضرر على إن هلك الناس كلهم ~~أجمعون وإنما علي البلاغ المبين # فالشرع ms42 يعرف وجود السباع الضاري بعد الموت والعقل يفيد فهم الكلام # PageV01P211 # والإحاطة بإمكان ما يقوله في المستقبل والطبع يستحث على الحذر من الضرر ~~ومعنى كون الشيء واجبا في تركه ضررا # ومعنى كون الشرع موجبا أنه معرف للضرر المتوقع فإن العقل لا يهدي إلى ~~التهدف للضرر بعد الموت عند اتباع الشهوات # فهذا معنى الشرع والعقل وتأثيرهما في تقدير الواجب ولولا خوف العقاب على ~~ترك ما أمر به مميكن الوجوب ثابتا إذ لا معنى للواجب إلا ما يرتبط بتركه ~~ضرر في الآخرة ### | الأصل التاسع # أنه ليس يستحيل بعثه الأنبياء عليهم السلام خلافا للبراهمة حيث قالوا # PageV01P212 # لا فائدة في بعثتهم إذ في العقل مندوحة عنهم لأن العقل لا يهدي إلى ~~الأفعال المنجية في الآخرة كما لا يهدي إلى الأدوية المفيدة للصحة حاجة ~~الخلق إلى الأنبياء كحاجتهم إلى الأطباء ولكن يعرف صدق الطبيب بالتجربة ~~ويعرف صدق النبي بالمعجزة ### | الأصل العاشر # أن الله سبحانه قد أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم خاتما للنبيين وناسخا ~~لما قبله من # PageV01P213 # شرائع اليهود والنصارى والصابئين وأيده بالمعجزات الظاهرة والآيات ~~الباهرة كانشقاق القمر وتسبيح الحصى وإنطاق العجماء وما تفجر من بين أصابعه ~~من الماء # ومن آياته الظاهرة التي تحدى بها مع كافة العرب القرآن العظيم فإنهم مع ~~تميزهم بالفصاحة والبلاغة تهدفوا لسلبه ونهبه وقتله وإخراجه كما أخبر الله ~~عزوجل عنهم ولم يقدروا على معارضته بمثل القرآن إذ لم يكن في قدرة البشر ~~الجمع بين # PageV01P214 # جزالة القرآن ونظمه هذا مع ما فيه من أخبار الأولين مع كونه أميا غير ~~ممارس للكتب والإنباء عن الغيب في أمور تحقق صدقه فيها في الاستقبال كقوله ~~تعالى # {لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين} # وكقوله تعالى {الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في ~~بضع سنين} # ووجه دلالة المعجزة على صدق الرسل أن كل ما عجز عنه البشر لم يكن إلا ~~فعلا لله تعالى فمهما كان مقرونا بتحدي النبي صلى الله عليه وسلم ينزل ~~منزلة قوله صدقت وذلك مثل ms43 القائم بين أيدي الملك المدعى على رعيته أنه رسول ~~الملك إليهم # PageV01P215 # فإنه مهما قال للملك إن كنت صادقا فقم على سريرك ثلاثا واقعد على خلاف ~~عادتك ففعل الملك ذلك حصل للحاضرين علم ضروري بأن ذلك نازل منزلة قوله صدقت ### | ### | الركن الرابع في السمعيات وتصديقه صلى الله عليه وسلم فيما أخبر عنه ومداره على عشرة أصول # # PageV01P216 ### | الركن الرابع في السمعيات وتصديقه صلى الله عليه وسلم فيما أخبر عنه ومداره على عشرة أصول # PageV01P217 ### | الأصل الأول الحشر والنش # وقد ورد بهما الشرع وهو حق والتصديق بهما واجب لأنه في العقل ممكن ومعناه ~~الإعادة بعد الإفناء وذلك مقدور لله تعالى كابتداء # PageV01P219 # الإنشاء قال الله تعالى {قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي ~~أنشأها أول مرة} # فاستدل بالابتداء على الإعادة # وقال عز وجل {ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة} # والإعادة ابتداء ثان فهو ممكن كالإبتداء الأول ### | الأصل الثاني سؤال منكر ونكير # وقد وردت به الأخبار فيجب التصديق به لأنه ممكن إذ ليس يستدعي إلا إعادة ~~الحياة إلى جزء من الأجزاء الذي به فهم الخطاب وذلك ممكن في نفسه ولا يدفع ~~ذلك ما يشاهد من سكون أجزاء الميت وعدم سماعنا للسؤال # PageV01P220 # له فإن النائم ساكن بظاهره ويدرك بباطنه من الآلام واللذات ما يحس ~~بتأثيره عند التنبيه وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم # يسمع كلام جبريل عليه السلام ويشاهده ومن حوله لا يسمعونه ولا يرونه ولا ~~يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء # فإذا لم يخلق لهم السمع والرؤية لم يدركوه ### | الأصل الثالث عذاب القبر # وقد ورد الشرع به قال الله تعالى # {النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد ~~العذاب} # واشتهر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح الاستعاذة من عذاب ~~القبر # PageV01P221 # وهو ممكن فيجب التصديق به تفرق أجزاء الميت في بطون السباع وحواصل الطيور ~~فإن المدرك لألم العذاب من الحيوان أجزاء مخصوصة بقدر الله تعالى على إعادة ~~الإدراك إليها ### | الأصل الرابع الميزان # وهو ms44 حق قال الله تعالى {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة} # PageV01P222 # وقال تعالى {فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه} # ووجهه أن الله تعالى يحدث في صحائف الأعمال وزنا بحسب درجات الأعمال عند ~~الله تعالى فتصير مقادير أعمال العباد معلومة للعباد حتى يظهر لهم العدل في ~~العقاب أو الفضل في العفو وتضعيف الثواب ### | الأصل الخامس الصراط # وهو جسر ممدود على متن جهنم أرق من الشعرة وأحد من السيف # PageV01P223 # قال الله تعالى # {فاهدوهم إلى صراط الجحيم وقفوهم إنهم مسؤولون} # وهذا ممكن فيجب التصديق به فإن القادر على أن يطير الطير في الهواء قادر ~~على أن يسير الإنسان على الصراط ### | الأصل السادس أن الجنة والنار مخلوقتان # قال الله تعالى {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض ~~أعدت للمتقين} # PageV01P224 # فقوله تعالى {أعدت} دليل وعلى أنها مخلوقة فيجب إجراؤه على الظاهر إذ لا ~~استحالة فيه وولا يقال لا فائدة في خلقهما قبل يوم الجزاء لأن الله تعالى # {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} ### | الأصل السابع # أن الإمام الحق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ثم ~~عثمان ثم علي # PageV01P225 # رضي الله عنهم ولم يكن نص رسول الله صلى الله عليه وسلم على إمام أصلا إذ ~~لو كان لكان أولى بالظهور من نصبه آحاد الولاة والأمراء على الجنود في ~~البلاد ولم يخف ذلك فكيف خفي هذا وإن ظهر فكيف اندرس حتى لم ينتقل إلينا ~~فلم يكن أبو بكر إماما إلا بالاختيار والبيعة # وأما تقدير النص على غيره فهو نسبه للصحابة كلهم إلى مخالفة رسول الله # PageV01P226 # صلى الله عليه وسلم وخرق الإجماع وذلك مما لا يستجريء على اختراعه إلا ~~الروابض # وإعتقاد أهل السنة تزكية جميع الصحابة والثناء عليهم كما أثنى الله ~~سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم عليهم # وما جرى بين معاوية وعلي رضي الله عنهما كان مبنيا على الاجتهاد لا ~~منازعة من معاوية في الإمامة إذ ظن علي رضي الله عنه أن تسليم قتلة عثمان ~~مع كثرة # PageV01P227 # عشائرهم ms45 واختلاطهم بالعسكر يؤدي إلى اضطراب أمر الإمامة في بدايتها فرأى ~~التأخير أصوب وظن معاوية أن تأخير أمرهم مع عظم جنايتهم يوجب الإعزاء ~~بالأئمة ويعرض الدماء للسفك وقد قال أفاضل العلماء # كل مجتهد مصيب وقال قائلون المصيب واحد ولم يذهب إلى تخطئة على ذو تحصيل ~~أصلا ### | الأصل الثامن # أن فضل الصحابة رضي الله عنهم على حسب ترتيبهم في الخلافة إذ حقيقة الفضل ~~ما هو فضل عند الله عز وجل وذلك لا يطلع عليه إلا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # وقد ورد في الثناء على جميعهم آيات وأخبار كثيرة وإنما يدرك دقائق الفضل # PageV01P228 # والترتيب فيه المشاهدون للوحي والتنزيل بقرائن الأحوال ودقائق التفصيل # فلولا فهمهم ذلك لما رتبوا الأمر كذلك إذ كانوا لا تأخذهم في الله لومة ~~لائم ولا يصرفهم عن الحق صارف ### | الأصل التاسع # أن شرائط الإمامة بعد الإسلام والتكليف خمسة # PageV01P229 # الذكورة والورع والعلم والكفاية ونسبة قريش لقوله صلى الله عليه وسلم # الأئمة من قريش # وإذا اجتمع عدد من الموصوفين بهذه الصفات فالإمام من انعقدت له البيعة من ~~أكثر الخلق والمخالف للأكثر باغ يجب رده إلى الانقياد إلى الحق ### | الأصل العاشر # أنه لو تعذر وجود الورع والعلم فيمن يتصدى للإمامة وكان في صرفه # PageV01P230 # إثارة فتنة لا تطاق حكمنا بانعقاد إمامته لأنا بين أن نحرك فتنة ~~الإستبدال فما يلقى المسلمون فيه من الضرر يزيد على ما يفوتهم من نقصان هذه ~~الشروط التي أثبتت لمزية المصلحة فلا يهدم أصل المصلحة شغفا بمزاياها كالذي ~~يبني قصرا ويهدم مصرا وبين أن نحكم بخلو البلاد عن الإمام وبفساد الأقضية ~~وذلك محال ونحن نقضي بنفوذ قضاء أهل البغي في بلاد لمسيس حاجتهم فكيف لا ~~نقضي بصحة الإمامة عند الحاجة والضرورة # فهذه الأركان الأربعة الحاوية للأصول الأربعين هي قواعد العقائد # فمن اعتقدها كان مواقفا لأهل السنة ومباينا لرهط البدعة فالله تعالى ~~يسددنا بتوفيقه ويهدينا إلى الحق وتحقيقه بمنه وسعة جوده وفضله صلى الله ~~عليه وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وكل عبد مصطفى ### | الفصل الرابع من قواعد العقائد ms46 في الإيمان والإسلام وما بينهما من الاتصال والإنفصال وما يتطرق إليه من الزيادة والنقصان ووجه استثناء السلف وفيه ثلاثة مسائل ### | ### | مسألة # # اختلفوا في أن الإسلام هو الإيمان أو غيره وإن كان غيره فهل هو منفصل عنه ~~يوجد دونه أو مرتبط به يلازمه # فقيل إنهما شيء واحد # وقيل إنهما شيآن لا يتواصلان # وقيل إنهما شيآن ولكن يرتبط أحدهما بالآخر # وقد أورد أبو طالب المكي في هذا كلاما شديد الاضطراب كثير التطويل فلنهجم ~~الآن على التصريح بالحق من غير تعريج على نقل ما لا تحصيل له فنقول في هذا ~~ثلاثة مباحث # بحث عن موجب اللفظين في اللغة # PageV01P231 ### | مسألة # اختلفوا في أن الإسلام هو الإيمان أو غيره وإن كان غيره فهل هو منفصل عنه ~~يوجد دونه أو مرتبط به يلازمه # فقيل إنهما شيء واحد # وقيل إنهما شيآن لا يتواصلان # وقيل إنهما شيآن ولكن يرتبط أحدهما بالآخر # وقد أورد أبو طالب المكي في هذا كلاما شديد الاضطراب كثير التطويل فلنهجم ~~الآن على التصريح بالحق من غير تعريج على نقل ما لا تحصيل له فنقول # في هذا ثلاثة مباحث # بحث عن موجب اللفظين في اللغة # PageV01P235 # وبحث عن حكمها في الدنيا والآخرة # والبحث الأول لغوي والثاني تفسيري والثالث # فقهي شرعي ### | البحث الأول في موجب اللغة # والحق فيه أن الإيمان عبارة عن التصديق قال الله تعالى {وما أنت بمؤمن ~~لنا} أي بمصدق # والإسلام عبارة عن التسليم والاستسلام بالإذعان والانقياد وترك التمرد ~~والإباء لعناد # وللتصديق محل خاص وهو القلب واللسان ترجمانه # PageV01P236 # وأما التسليم فإنه عام في القلب واللسان والجوارح فإن كل تصديق بالقلب ~~فهو تسليم وترك الإباء والجحود وكذلك الاعتراف باللسان وكذلك الطاعة ~~والانقياد بالجوارح # فموجب اللغة إن الإسلام أعم والإيمان أخص فكان الإيمان عبارة عن أشرف ~~أجزاء الإسلام فإذن كل تصديق تسليم وليس كل تسليم تصديقا ### | البحث الثاني عن إطلاق الشرع # والحق فيه أن الشرع قد ورد بإستعمالهما على سبيل الترادف والتوارد وورد ~~على سبيل الاختلاف وورد على سبيل التداخل # PageV01P237 # أما الترادف ففي قوله تعالى # {فأخرجنا ms47 من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين} ~~ولم يكن بالاتفاق إلا بيت واحد # وقال تعالى # {يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين} # وقال صلى الله عليه وسلم بني الإسلام على خمس # وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة عن الإيمان فأجاب بهذه الخمس # وأما الاختلاف فقوله تعالى # PageV01P238 # {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} # ومعناه استسلمنا في الظاهر فأراد الإيمان هاهنا التصديق فقط # وبالإسلام الاستسلام ظاهرا باللسان والجوارح # وفي حديث جبرائيل عليه السلام لما سأله عن الإيمان فقال # أن نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالبعث بعد الموت ~~وبالحساب وبالقدر خيره وشره فقال فما الإسلام فأجاب بذكر الخصال الخمس فعبر ~~بالإسلام عن تسليم الظاهر بالقول والعمل # PageV01P239 # وفي الحديث عن سعد أنه صلى الله عليه وسلم أعطى رجلا عطاء ولم يعط الآخر ~~فقال له سعد يا رسول الله تركت فلانا لم تعطه وهو مؤمن فقال صلى الله عليه ~~وسلم # أو مسلم فأعاد عليه فأعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم # وأما التداخل فما ورى أيضا أنه سئل فقيل أي الأعمال أفضل # فقال صلى الله عليه وسلم الإسلام فقال أي الإسلام أفضل # فقال صلى الله عليه وسلم الإيمان # وهذا دليل على الاختلاف وعلى التداخل وهو أوفق الاستعمالات في # PageV01P240 # اللغة لأن الإيمان عمل من الأعمال وهو أفضلها والإسلام هو تسليم إما ~~بالقلب وأما باللسان وإما بالجوارح وأفضلها الذي بالقلب وهو التصديق الذي ~~يسمى إيمانا # والإستعمال لهما على سبيل الاختلاف وعلى سبيل التداخل وعلى سبيل الترادف ~~كله غير خارج عن طريق التجوز في اللغة # أما الاختلاف فهو أن يجعل الإيمان عبارة عن التصديق بالقلب فقط وهو موافق ~~للغة # والإسلام عبارة عن التسليم ظاهرا وهو أيضا موافق للغة فإن التسليم ببعض ~~محال التسليم ينطلق عليه اسم التسليم فليس من شرط حصول الاسم عموم المعنى ~~لكل محمل يمكن أن يوجد المعنى فيه فإن من لمس غيره بدنه يسمى لامسا وإن لم ~~يستعرق جميع ms48 بدنه # فإطلاق اسم الإسلام على التسليم الطاهر عند عدم تسليم الباطن مطابق للسان ~~وعلى هذا الوجه جرى قوله تعالى # {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} # PageV01P241 # وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث سعد أو مسلم لأنه فضل أحدهما على الآخر ~~ويريد بالاختلاف تفاضل المسميين # وأما التدخل فموافق أيضا للغة في خصوص الإيمان وهو أن يجعل الإسلام عبارة ~~عن التسليم بالقلب والقول والعمل جميعا والإيمان عبارة عن بعض ما دخل في ~~الإسلام وهو التصديق بالقلب وهو الذي عنيناه بالتداخل وهو موافق للغة في ~~خصوص الإيمان وعموم الإسلام للكل وعلى هذا خرج قوله الإيمان في جواب قول ~~السائل أي الإسلام أفضل لأنه جعل الإيمان خصوصا من الإسلام فأدخله فيه # وأما استعماله فيه على سبيل الترادف بأن يجعل الإسلام عبارة على التسليم ~~بالقلب والظاهر جميعا فإن كل ذلك تسليم وكذا الإيمان ويكون التصرف في ~~الإيمان على الخصوص بتعميمه وإدخال الظاهر في معناه وهو جائز لأن تسليم ~~الظاهر بالقول والعمل ثمرة تصديق الباطن ونتيجته # PageV01P242 # وقد يطلق اسم الشجر ويراد به الشجر مع ثمره على سبيل التسامح فيصير بهذا ~~القدر من التعميم مرادفا لاسم الإسلام ومطابقا له فلا يزيد عليه ولا ينقص ~~وعليه خرج قوله {فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين} ### | البحث الثالث عن الحكم الشرعي # وللإسلام والإيمان حكمان أخروي ودنيوي # أما الأخروي فهو الإخراج من النار ومنع التخليد إذ قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # ويخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان # وقد اختلفوا في هذا الحكم على ماذا يترتب وعبروا عنه بأن الإيمان ماذا هو # PageV01P243 # فمن قائل إنه مجرد العقد # ومن قائل يقول إنه عقد بالقلب وشهادة اللسان # ومن قائل يزيد ثالثا وهو العمل بالأركان # ونحن نكشف الغطاء عنه ونقول # PageV01P244 # من جمع بين هذه الثلاثة فلا خلاف في أن مستقره الجنة وهذه درجة # والدرجة الثانية أن يوجد اثنان وبعض الثالث وهو القول والعقد وبعض ~~الأعمال ولكن ارتكب صاحبه كبيرة أو بعض الكبائر فعند هذا ms49 قالت للمعتزلة # خرج بهذا عن الإيمان ولم يدخل في الفكر بل اسمه فاسق وهو على منزلة بين ~~المنزلتين وهو مخلد في النار وهذا باطل كما سنذكره # الدرجة الثالثة أن يوجد التصديق بالقلب والشهادة باللسان دون الأعمال ~~بالجوارح # وقد اختلفوا في حكمه فقال أبو طالب المكي # PageV01P245 # العمل بالجوارح من الإيمان ولا يتم دونه وادعى الإجماع فيه واستدل بأدلة ~~تشعر بنقيض غرضه كقوله تعالى # {الذين آمنوا وعملوا الصالحات} إذ هذا يدل على أن العمل وراء الإيمان لا ~~من نفس الإيمان وإلا فيكون العمل في حكم المعاد والعجب أنه ادعى الإجماع في ~~هذا وهو مع ذلك ينقل قوله صلى الله عليه وسلم # PageV01P246 # لا يكفر إلا بعد جحوده لما أقربه وينكر على المعتزلة قولهم بالتخليد في ~~النار بسبب الكبائر والقائل بهذا قائل بنفس مذهب المعتزلة إذ يقال له # من صدق بقلبه وشهد بلسانه ومات في الحال فهل هو في الجنة # فلا بد أن يقول نعم # وفيه حكم بوجود الإيمان دون العمل فنزيد ونقول لو بقي حيا حتى دخل عليه ~~وقت صلاة واحدة فتركها ثم مات أو زنى ثم مات فهل يخلد في النار # فإن قال نعم فهو مراد المعتزلة وإن قال لا فهو تصريح بأن العمل ليس ركنا ~~من نفس الإيمان ولا شرطا في وجوده ولا في استحقاق الجنة به # وإن قال أردت أن يعيش مدة طويلة ولا يصلى ولا يقدم على شيء من الأعمال ~~الشرعية فنقول فما ضبط تلك المدة وما عدد تلك الطاعات التي بتركها # PageV01P247 # يبطل الإيمان وما عدد الكبائر التي بارتكابها يبطل الإيمان وهذا لا يمكن ~~التحكم بتقديره ولم يصر إليه صائر أصلا # الدرجة الرابعة أن يوجد التصديق بالقلب قبل أن ينطق باللسان أو يشتغل ~~بالأعمال ومات فهو نقول مات مؤمنا بينه وبين الله تعالى وهذا مما اختلف فيه # ومن شرط القول لتمام الإيمان يقول هذا مات قبل الإيمان وهو فاسد إذ قال ~~صلى الله عليه وسلم # يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان # وهذا قلبه طافح ms50 الإيمان فكيف يخلد في النار ولم يشترط في حديث جبريل عليه ~~السلام للإيمان إلا بالتصديق بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم ~~الآخر كما سبق # الدرجة الخامسة أن يصدق بالقلب ويساعده من العمر مهلة النطق # PageV01P248 # بكلمتي الشهادة وعلم وجوبها ولكنه لم ينطق بها فيحتمل أن يجعل امتناعه عن ~~النطق كامتناعه عن الصلاة ونقول # هو مؤمن غير مخلد في النار والإيمان هو التصديق المحض واللسان ترجمان ~~الإيمان فلا بد أن يكون الإيمان موجودا بتمامه قبل اللسان حتى يترجمه ~~اللسان وهذا هو الأظهر إذ لا مستند إلا اتباع موجب الألفاظ ووضع اللسان أن ~~الإيمان هو عبارة عن التصديق بالقلب وقد قال صلى الله عليه وسلم # يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة # ولا ينعدم الإيمان من القلب بالسكوت عن النطق الواجب كما لا ينعدم ~~بالسكوت عن الفعل الواجب وقال قائلون # القول ركن إذ ليس كلمتا الشهادة إخبارا عن القلب بل هو إنشاء عقد آخر ~~وابتداء شهادة والتزام والأول أظهر وقد غلا في هذا طائفة المرجئة فقالوا # PageV01P249 # هذا لا يدخل النار أصلا # وقالوا إن المؤمن وإن عصى فلا يدخل النار وسنبطل ذلك عليهم # الدرجة السادسة أن يقول بلسانه لا إله إلا الله محمد رسول الله ولكن لم ~~يصدق بقلبه فلا نشك في أن هذا في حكم الآخرة من الكفار وأنه مخلد في النار # ولا نشك في أنه في حكم الدنيا الذي يتعلق بالأئمة والولاة من المسلمين ~~لأن قلبه لا يطلع عليه وعلينا أن نظن به أنه ما قاله بلسانه إلا وهو منطو ~~عليه في قلبه وإنما نشك في أمر ثالث وهو الحكم الدنيوي فيما بينه وبين الله ~~تعالى وذلك بأن يموت له في الحال مسلم ثم يصدق بعد ذلك بقلبه ثم يستفتي ~~ويقول # كنت غير مصدق بالقلب حالة الموت والميراث الآن في يدي فهل يحل لي بيني ~~وبين الله تعالى أو نكح مسلمة ثم صدق بقلبه هل تلزمه إعادة النكاح هذا محل ~~نظر فيحتمل أن يقال # PageV01P250 # أحكام الدنيا منوطة بالقول الظاهر ظاهرا ms51 وباطنا ويحتمل أن يقال تناط ~~بالظاهر في حق غيره لأن باطنه غير ظاهر لغيره وباطنه ظاهر له في نفسه بينه ~~وبين الله تعالى # والأظهر والعلم عند الله تعالى أنه لا يحل له ذلك الميراث ويلزمه إعادة ~~النكاح ولذلك كان حذيفة رضي الله عنه لا يحضر جنازة من يموت من المنافقين ~~وعمر رضي الله عنه كان يراعي ذلك منه فلا يحضر إذا لم يحضر حذيفة رضي الله ~~عنه والصلاة فعل ظاهر في الدنيا وإن كان من العبادات والتوقي عن الحرام ~~أيضا من جملة ما يجب لله كالصلاة لقوله صلى الله عليه وسلم # طلب الحلال فريضة بعد الفريضة وليس هذا مناقضا لقولنا إن الإرث # PageV01P251 # حكم الإسلام وهو الاستسلام بل الاستسلام التام هو ما يشمل الظاهر والباطن ~~وهذه مباحث فقهية ظنية تبنى على ظواهر الألفاظ والعمومات والأقيسة فلا ~~ينبغي أن يظن القاصر في العلوم أن المطلوب فيه القطع من حيث جرت العادة ~~بإيراده في فن الكلام الذي يطلب فيه القطع فما أفلح من نطر إلى العادات ~~والمراسم في العلوم # فإن قلت فما شبهة المعتزلة والمرجئة وما حجة بطلان قولهم فأقول شبهتهم ~~عمومات القرآن أما المرجئة فقالوا # لا يدخل المؤمن النار وإن أتى بكل المعاصي لقوله عز وجل # PageV01P252 # {فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا} ولقوله عز وجل {والذين آمنوا ~~بالله ورسله أولئك هم الصديقون} # ولقوله تعالى {كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها} إلى قوله {فكذبنا وقلنا ~~ما نزل الله من شيء} # فقوله كلما ألقي فيها فوج عام فينبغي أن يكون من ألقي في النار مكذبا # ولقوله تعالى {لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى} # وهذا حصر وإثبات ونفي # ولقوله تعالى {من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون} ~~فالإيمان رأس الحسنات # PageV01P253 # ولقوله تعالى {والله يحب المحسنين} # وقال تعالى {إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا} # ولا حجة لهم في ذلك فإنه حيث ذكر الإيمان في هذه الآيات أريد به الإيمان ~~مع العمل إذ بينا أن الإيمان قد يطلق ويراد ms52 به الإسلام وهو الموافقة بالقلب ~~والقول والعمل ودليل هذا التأويل أخبار كثيرة في معاقبة العاصين ومقادير ~~العقاب وقوله صلى الله عليه وسلم # يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان # فكيف يخرج إذا لم يدخل # ومن القرآن قوله تعالى # {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} # PageV01P254 # والاستثناء بالمشيئة يدل على الانقسام وقوله تعالى {ومن يعص الله ورسوله ~~فإن له نار جهنم خالدين فيها} # وتخصيصه بالكفر تحكم # وقوله تعالى {ألا إن الظالمين في عذاب مقيم} # وقال تعالى {ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار} # فهذه العمومات في معارضة عموماتهم ولا بد من تسليط التخصيص والتأويل على ~~الجانبين لأن الأخبار مصرحة بأن العصاة يعذبون بل قوله تعالى {وإن منكم إلا ~~واردها} كالصريح في أن ذلك لا بد منه للكل إذ لا يخلو مؤمن عن ذنب يرتكبه # PageV01P255 # وقوله تعالى {لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى} أراد به من جماعة ~~مخصوصين أو أراد بالأشقى شخصا معينا أيضا # وقوله تعالى {كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها} أي فوج من الكفار وتخصيص ~~العمومات قريب # ومن هذه الآية وقع للأشعري وطائفة من المتكلمين إنكار صيغ العموم وأن هذه ~~الألفاظ يتوقف فيها إلى ظهور قرينة تدل على معناها # وأما المعتزلة فشبهتهم قوله تعالى # {وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى} # وقوله تعالى {والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات} # وقوله تعالى {وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا} # PageV01P256 # ثم قال {ثم ننجي الذين اتقوا} # وقوله تعالى {ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم} # وكل آية ذكر الله عز وجل العمل الصالح فيها مقرونا بالإيمان # وقوله تعالى {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها} # وهذه العمومات أيضا مخصوصة بدليل قوله تعالى {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} # فينبغي أن تبقى له مشيئة في مغفرة ما سوى الشرك وكذلك قوله صلى الله عليه ~~وسلم يخرج من النار من كان في قلبه ms53 مثقال ذرة من إيمان # PageV01P257 # وقوله تعالى {إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا} # وقوله تعالى {إن الله لا يضيع أجر المحسنين} فكيف يضيع أجر أصل الإيمان ~~وجميع الطاعات بمعصية واحدة # وقوله تعالى {ومن يقتل مؤمنا متعمدا} أي لإيمانه وقد ورد على مثل هذا ~~السبب # فإن قلت فقد مال الاختيار إلى أن الإيمان حاصل دون العمل وقد اشتهر عن ~~السلف قولهم الإيمان عقد وقول وعمل فما معناه # قلنا لا يبعد أن يعد العمل من الإيمان لأنه مكمل له ومتمم كما يقال # PageV01P258 # الرأس واليدان من الإنسان ومعلوم أنه يخرج عن كونه إنسانا بعدم الرأس ولا ~~يخرج عنه بكونه مقطوع اليد # وكذلك يقال للتسبيحات والتكبيرات من الصلاة وإن كانت لا تبطل بفقدها # فالتصديق بالقلب من الإيمان كالرأس من وجود الإنسان إذ ينعدم بعدمه وبقية ~~الطاعات كالأطراف بعضها أعلى من بعض وقد قال صلى الله عليه وسلم # لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن # والصحابة رضي الله عنهم ما اعتقدوا مذهب المعتزلة في الخروج عن الإيمان ~~بالزنا ولكن معناه غير مؤمن حقا إيمانا تاما كاملا كما يقال للعاجز المقطوع ~~الأطراف هذا ليس بإنسان أي ليس له الكمال الذي هو وراء حقيقة الإنسانية # PageV01P259 ### | مسألة # فإن قلت فقد اتفق السلف على أن الإيمان يزيد وينقص يزيد بالطاعة وينقص ~~بالمعصية فإذا كان التصديق هو الإيمان فلا يتصور فيه زيادة ولا نقصان # فأقول السلف هم الشهود العدول وما لأحد عن قولهم عدول فما ذكروه حق وإنما ~~الشأن في فهمه وفيه دليل على أن العمل ليس من أجزاء الإيمان وأركان وجوده ~~بل هو مزيد عليه يزيد به والزائد موجود والناقص موجود والشيء لا يزيد بذاته ~~فلا يجوز أن يقال الإنسان يزيد برأسه بل يقال يزيد بلحيته وسمته ولا يجوز ~~أن يقال الصلاة تزيد # PageV01P260 # بالركوع والسجود بل تزيد بالآداب والسنن فهذا تصريح بأن الإيمان له وجود ~~ثم بعد الوجود يختلف حاله بالزيادة والنقصان # فإن قلت فالإشكال قائم في أن التصديق كيف يزيد وينقص وهو خصلة واحدة # فأقول إذا تركنا المداهنة ms54 ولم نكترت بتشغيب من تشغب وكشفنا الغطاء ارتفع ~~الإشكال # فنقول الإيمان اسم مشترك يطلق من ثلاثة أوجه # الأول أنه يطلق للتصديق بالقلب على سبيل الاعتقاد والتقليد من غير كشف ~~وانشراح صدر وهو إيمان العوام # بل إيمان الخلق كلهم إلا الخواص # PageV01P261 # وهذا الاعتقاد عقدة على القلب تارة تشتد وتقوى وتارة تضعف وتسترخي ~~كالعقدة على الخيط مثلا ولا تستبعد هذا واعتبره باليهودي وصلابته في عقيدته ~~التي لا يمكن نزوعه عنها بتخويف وتحذير ولا بتخييل ووعظ ولا بتحقيق وبرهان # وكذلك النصراني والمبتدعة وفيهم من يمكن تشكيكه بأدنى كلام ويمكن ~~استنزاله عن اعتقاده بأدنى استمالة أو تخويف مع أنه غير شاك في عقده كالأول ~~ولكنهما متفاوتان في شدة التصميم وهذا موجود في الاعتقاد الحق أيضا والعمل ~~يؤثر في نماء هذا التصميم وزيادته كما يؤثر سقي الماء في ثمار الأشجار ~~ولذلك قال تعالى # {فزادتهم إيمانا} # وقال تعالى {ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم} # PageV01P262 # وقال صلى الله عليه وسلم فيما يروي في بعض الأخبار الإيمان يزيد وينقص ~~وذلك بتأثير الطاعات في القلب وهذا لا يدركه إلا من راقب أحوال نفسه في ~~أوقات المواظبة على العبادة والتجرد لها بحضور القلب مع أوقات الفتور ~~وإدراك التفاوت في السكون إلى عقائد الإيمان في هذه الأحوال حتى يزيد عقده ~~استعصاء على من يريد حله بالتشكيك بل من يعتقد في اليتيم معنى الرحمة إذا ~~عمل بموجب اعتقاده فمسح رأسه وتلطف به أدرك من باطنه تأكيد الرحمة وتضاعفها ~~بسبب العمل # وكذلك معتقد التواضع إذا عمل بموجبه عملا مقبلا أو ساجدا لغيره أحس من ~~قلبه بالتواضع عند إقدامه على الخدمة وهكذا جميع صفات القلب تصدر منها ~~أعمال الجوارح ثم يعود دائر الأعمال عليها فيؤكدها ويزيدها وسيأتي هذا في ~~ربع المنجيات والمهلكات عند بيان وجه تعلق الباطن بالظاهر والأعمال ~~بالعقائد والقلوب فإن ذلك من جنس تعلق الملك بالملكوت وأعني بالملك # PageV01P263 # عالم الشهادة المدرك بالحواس وبالملكوت عالم الغيب المدرك بنور البصيرة ~~والقلب من عالم الملكوت والأعضاء وأعمالها من عالم الملك ولطف الارتباط ~~ودقته بين العالمين انتهى إلى ms55 حد ظن بعض الناس إتحاد أحدهما بالآخر وظن ~~آخرون أنه لا عالم إلا عالم الشهادة وهو هذه الأجسام المحسوسة ومن أدرك ~~الأمرين وأدرك تعددهما ثم ارتباطهما عبر عنه فقال # رق الزجاج وراقت الخمر ... وتشابها فتشاكل الأمر # فكأنما خمر ولا قدح ... وكأنما قدح ولا خمر # PageV01P264 # ولنرجع إلى المقصود فإن هذا العالم خارج عن علم المعاملة ولكن بين ~~العالمين أيضا اتصال وارتباط فلذلك ترى علوم المكاشفة تتسلق كل ساعة على ~~علوم المعاملة إلى أن تنكشف عنها بالتكليف فهذا وجه زيادة الإيمان بالطاعة ~~بموجب هذا الإطلاق ولهذا قال علي كرم الله وجهه إن الإيمان ليبدو لمعة يضاء ~~فإذا عمل العبد الصالحات نمت فزادت حتى يبيض القلب كله وإن النفاق ليبدو ~~نكتة سوداء فإذا انتهك الحرمات نمت وزادت حتى يسود القلب كله فيطبع عليه ~~فلذلك هو الختم وتلا قوله تعالى {كلا بل ران على قلوبهم} ### | الإطلاق الثاني # أن يراد به التصديق والعمل جميعا كما قال صلى الله عليه وسلم الإيمان بضع ~~وسبعون بابا وكما قال صلى الله عليه وسلم # PageV01P265 # لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن وإذا دخل العمل في مقتضى الإيمان لم ~~تخف زيادته ونقصانه وهل يؤثر ذلك في زيادة الإيمان الذي هو مجرد التصديق ~~هذا فيه نظر وقد أشرنا إلى أنه يؤثر فيه ### | الإطلاق الثالث # أن يراد به التصديق اليقيني على سبيل الكشف وانشراح الصدر والمشاهدة بنور ~~البصيرة # وهذا أبعد الأقسام عن قبول الزيادة ولكني أقول الأمر اليقيني الذي لا شك ~~فيه تختلف طمأنينة النفس إليه فليس طمأنينة النفس إلى أن الاثنين أكثر من ~~الواحد كطمأنينتها إلى أن العالم مصنوع حادث وإن كان لا شك في واحد منهما ~~فإن اليقينيات تختلف في درجات الإيضاح ودرجات طمأنينة النفس إليها # وقد عرضنا لهذه في فضل اليقين من كتاب العلم في باب علماء الآخرة فلا ~~حاجة إلى الإعادة # وقد ظهر في جميع الإطلاقات أن ما قالوه من زيادة # PageV01P266 # الإيمان ونقصانه حق وكيف لا وفي الأخبار أن يخرج من النار من كان في قلبه ~~مثقال ذرة ms56 من إيمان وفي بعض المواضع في خبر آخر # مثقال دينار فأي معنى لاختلاف مقاديره إن كان ما في القلب لا يتفاوت ### | مسألة # فإن قلت # ما وجه قول السلف أنا مؤمن إن شاء الله والاستثناء # PageV01P267 # شك والشك في الإيمان كفر وقد كانوا يمتنعون عن جزم الجواب بالإيمان ~~ويحترزون عنه فقال سفيان الثوري رحمه الله # من قال أنا مؤمن عند الله فهو من الكاذبين # ومن قال أنا مؤمن حقا فهو بدعة فكيف يكون كاذبا وهو يعلم أنه مؤمن في ~~نفسه # ومن كان مؤمنا في نفسه كان مؤمنا عند الله كما أن من كان طويلا وسخيا في ~~نفسه وعلم ذلك كان كذلك عند الله وكذا من مسرورا أو حزينا أو سميعا أو ~~بصيرا # ولو قيل للإنسان هل أنت حيوان لم يحسن أن يقول أنا حيوان إن شاء الله ~~ولما قال سفيان ذلك قيل له فماذا نقول قال # {قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا} # PageV01P268 # وأي فرق بين أن يقول {آمنا بالله وما أنزل إلينا} وبين أن يقول أنا مؤمن ~~وقيل للحسن أمؤمن أنت فقال إن شاء الله فقيل له لم تستثني يا أبا سعيد في ~~الإيمان فقال # أخاف أن أقول نعم فيقول الله سبحانه كذبت يا حسن فتحق علي الكلمة وكان ~~يقول ما يؤمنني أن يكون الله سبحانه قد اطلع علي في بعض ما يكره فمقتني ~~وقال اذهب لا قبلت لك عملا فأنا أعمل في غير معمل # وقال إبراهيم بن أدهم إذا قيل لك أمؤمن أنت فقل لا إله إلا الله # وقال مرة قل أنا لا أشك في الإيمان وسؤالك إياي بدعة # وقيل لعلقمة أمؤمن أنت قال أرجو إن شاء الله # وقال الثوري نحن مؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله وما ندري ما # PageV01P269 # نحن عند الله تعالى فما معنى هذه الاستثناءات # فالجواب أن هذا الاستثناء صحيح وله أربعة أوجه وجهان مستندان إلى الشك لا ~~في أصل الإيمان ولكن في خاتمته أو كماله ووجهان لا يستندان إلى الشك # الوجه الأول الذي لا يستند إلى معارضة الشك ms57 الاحتراز من الجزم خيفة ما ~~فيه من تزكية النفس قال الله تعالى {فلا تزكوا أنفسكم} # وقال {ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم} # وقال تعالى {انظر كيف يفترون على الله الكذب} # PageV01P270 # وقيل لحكيم ما الصدق القبيح فقال ثناء المرء على نفسه # والإيمان من أعلى صفات المجد والجزم به تزكية مطلقة وصيغة الإستثناء ~~كأنها نقل من عرف التزكية كما يقال للإنسان أنت طبيب أو فقيه أو مفسر فيقول ~~نعم إن شاء الله تفي معرض التشكيك ولكن لإخراج نفسه عن تزكية نفسه # فالصيغة صيغة الترديد والتضعيف لنفس الخبر ومعناه التضعيف للازم من لوازم ~~الخبر وهو التزكية وبهذا التأويل لو سئل عن وصف ذم لم يحسن الاستثناء # الوجه الثاني التأديب بذكر الله تعالى في كل حال وإحالة الأمور كلها إلى ~~مشئية الله سبحانه فقد أدب الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم فقال تعالى # {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله} ثم لم # PageV01P271 # يقتصر على ذلك فيما لا يشك فيه بل قال تعالى # {لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين} # وكان الله سبحانه عالما بأنهم يدخلون لا محالة وأنه شاءه ولكن المقصود ~~تعليمه ذلك فتأدب رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل ما كان يخبر عنه ~~معلوما كان أو مشكوكا حتى قال صلى الله عليه وسلم لما دخل المقابر # السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله تعالى بكم لاحقون) # واللحوق بهم غير مشكوك فيه ولكن مقتضى الأدب ذكر الله تعالى وربط الأمور ~~به وهذه الصيغة دالة عليه حتى صار يعرف الاستعمال عبارة عن إظهار الرغبة ~~والتمني فإذا قيل لك إن فلانا يموت سريعا فنقول إن شاء الله فيفهم منه ~~رغبتك لا تشكك وإذا قيل لك فلان سيزول مرضه ويصح فتقول إن شاء الله بمعنى ~~الرغبة فقد صارت الكلمة معدولة عن معنى التشكيك إلى معنى الرغبة وكذلك ~~العدول إلى معنى # PageV01P272 # التأدب لذكر الله تعالى كيف كان الأمر # الوجه الثالث # مستنده الشك ومعناه أنا مؤمن حقا ms58 إن شاء الله إذ قال الله تعالى لقوم ~~مخصوصين بأعيانهم {أولئك هم المؤمنون حقا} # فانقسموا إلى قسمين ويرجع هذا إلى الشك في كمال الإيمان لا في أصله وكل ~~إنسان شاك في كمال إيمانه وذلك ليس بكفر والشك في كمال الإيمان حق من وجهين # PageV01P273 # أحدهما من حيث إن النفاق يزيل كمال الإيمان وهو خفي لا تتحقق البراءة منه # والثاني أنه يكمل بأعمال الطاعات ولا يدري وجودها على الكمال أما العمل ~~فقد قال الله تعالى {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ~~وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} # فيكون الشك في هذا الصدق # وكذلك قال الله تعالى {ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة ~~والكتاب والنبيين} # فشرط عشرين وصفا كالوفاء بالعهد والصبر على الشدائد ثم قال تعالى {أولئك ~~الذين صدقوا} وقد قال تعالى # PageV01P274 # {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} # وقال تعالى {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل} # وقد قال تعالى {هم درجات عند الله} # وقال صلى الله عليه وسلم الإيمان عريان ولباسه التقوى الحديث # وقال صلى الله عليه وسلم الإيمان بضع وسبعون بابا أدناها إماطة الأذى عن ~~الطريق # PageV01P275 # فهذا ما يدل على ارتباط كمال الإيمان بالأعمال # وأما ارتباطه بالبراءة عن النفاق والشرك الخفي فقوله صلى الله عليه وسلم ~~أربع من كن فيه فهو منافق خالص وإن صام وصلى وزعم أنه مؤمن # من إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان وإذا خاصم فجر # وفي بعض الروايات وإذا عاهد غدر # وفي حديث أبي سعيد الخدري # القلوب أربعة قلب أجرد وفيه سراج يزهر فذلك قلب المؤمن وقلب مصفح فيه ~~إيمان ونفاق فمثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء العذب ومثل النفاق ~~فيه كمثل القرحة يمدها القيح والصديد فأي المادتين غلب عليه حكم له بها # وفي لفظ آخر غلبت عليه ذهبت به # PageV01P276 # وقال عليه السلام أكثر منافقي هذه الأمة قراؤها # وفي حديث الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل على الصفا # وقال ms59 حذيفة رضي الله عنه # وكان الرجل يتكلم بالكلمة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصير بها ~~منافقا إلى أن يموت وإني لأسمعها من أحدكم في اليوم عشر مرات # وقال بعض العلماء أقرب الناس من النفاق من يرى أنه بريء من النفاق # وقال حذيفة المنافقون اليوم أكثر منهم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ~~فكانوا إذ ذاك يخفونه وهم اليوم يظهرونه وهذا النفاق يضاد صدق الإيمان ~~وكماله وهو # PageV01P277 # خفي وأبعد الناس منه من يتخوفه وأقربهم منه من يرى أنه بريء # فقد قيل للحسن البصري يقولون أن النفاق اليوم فقال يا أخي لو هلك ~~المنافقون لاستوحشتم في وقال هو أو غيره لو نبت للمنافقين أذناب ما قدرنا ~~أن نطأ على الأرض بأقدامنا # وسمع ابن عمر رضي الله عنه رجلا يتعرض للحجاج فقال # أرأيت لو كان حاضرا يسمع أكنت تتكلم فيه فقال لا فقال كنا نعد هذا نفاقا ~~على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم # وقال صلى الله عليه وسلم من كان ذا لسانين في الدنيا جعله الله ذا لسانين ~~في الآخرة # وقال أيضا صلى الله عليه وسلم شر الناس ذو الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه ~~ويأتي هؤلاء بوجه # PageV01P278 # وقيل للحسن إن قوما يقولون إنا لا نخاف النفاق فقال والله لأن أكون أعلم ~~أني بريء من النفاق أحب إلي من طلاع الأرض ذهبا # وقال الحسن إن من النفاق اختلاف اللسان والقلب والسر والعلانية والمدخل ~~والمخرج # وقال رجل لحذيفة رضي الله عنه إني أخاف أن أكون منافقا فقال لو كنت ~~منافقا ما خفت النفاق إن المنافق قد أمن من النفاق # وقال ابن أبي مليكة أدركت ثلاثين ومائة # وفي رواية خمسين ومائة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخافون ~~النفاق # PageV01P279 # وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم # كان جالسا في جماعة من أصحابه فذكروا رجلا وأكثروا الثناء عليه فبيناهم ~~كذلك إذ طلع عليهم الرجل ووجهه يقطر ماء من أثر الوضوء وقد علق نعله بيده ~~وبين عينيه أثر السجود ms60 فقالوا يا رسول الله هو هذا الرجل الذي وصفناه فقال ~~صلى الله عليه وسلم أرى على وجهه سفعة من الشيطان فجاء الرجل حتى سلم وجلس ~~مع القوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم نشدتك الله هل حدثت نفسك حين أشرفت ~~على القوم أنه ليس فيهم خير منك فقال اللهم نعم # وقال صلى الله عليه وسلم في دعائه # اللهم إني أستغفرك لما علمت ولما لم أعلم فقيل له أتخاف يا رسول الله ~~فقال وما يؤمنني والقلب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء وقد ~~قال سبحانه # {وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون} # PageV01P280 # قيل في التفسير عملوا أعمالا ظنوا أنها حسنات فكانت في كفة السيئات # وقال سري السقطي لو أن إنسانا دخل بستانا فيه من جميع الأشجار عليها من ~~جميع الطيور فخاطبه كل طير منها بلغة فقال السلام عليك يا ولي الله فسكنت ~~نفسه إلى ذلك كان أسير في يديها # فهذه الأخبار والآثار تعرفك خطر الأمر بسبب دقائق النفاق والشرك الخفي ~~وأنه لا يؤمن منه حتى كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يسأل حذيفة عن نفسه ~~وأنه هل ذكر في المنافقين # وقال أبو سليمان الداراني سمعت من بعض الأمراء شيئا فأردت أن أنكره فخفت ~~أن يؤمر بقتلى ولم أخف من الموت ولكن خشيت أن يعرض لقلبي التزين للخلق عند ~~خروج روحي فكففت وهذا من النفاق الذي يضاد حقيقة الإيمان وصدقه وكماله ~~وصفاءه لا أصله # PageV01P281 # فالنفاق نفاقان # أحدهما يخرج من الدين ويلحق بالكافرين ويسلك في زمرة المخلدين في النار # والثاني يفضي بصاحبه إلى النار مدة أو ينقص من درجات عليين ويحط من رتبة ~~الصديقين وذلك مشكوك فيه ولذلك حسن الاستثناء فيه # وأصل هذا النفاق تفاوت بين السر والعلانية وإلا من من مكر الله والعجب ~~وأمور أخر لا يخلو عنها إلا الصديقون ### | الوجه الرابع # وهو أيضا مستند إلى الشك وذلك من خوف الخاتمة فإنه لا يدري أيسلم له ~~الإيمان عند الموت أم لا فإن ختم له بالكفر حبط عمله السابق ms61 لأنه موقوف على # PageV01P282 # سلامة الآخر ولو سئل الصائم ضحوة النهار عن صحة صومه فقال أنا صائم قطعا ~~فلو أفطر في أثناء نهاره بعد ذلك لتبين كذبه إذ كانت الصحة موقوفة على ~~التمام إلى غروب الشمس من آخر النهار وكما أن النهار ميقات تمام الصوم ~~فالعمر ميقات تمام صحة الإيمان ووصفه بالصحة قبل آخره بناء على الاستصحاب ~~وهو مشكوك فيه والعاقبة مخوفة ولأجلها كان بكاء أكثر الخائفين لأجل أيها ~~ثمرة القضية السابقة والمشيئة الأزلية التي لا تظهر المقضى به ولا مطلع ~~عليه لأحد من البشر فخوف الخاتمة كخوف السابقة وربما يظهر في الحال ما سبقت ~~الكلمة بنقيضه فمن الذي يدري أنه من الذين سبقت لهم من الله الحسنى # وقيل في معنى قوله تعالى {وجاءت سكرة الموت بالحق} أي بالسابقة يعني ~~أطهرتها # وقال بعض السلف إنما يوزن من الأعمال خواتيمها وكان أبو الدرداء # PageV01P283 # رضي الله عنه يحلف بالله ما من أحد يأمن أن يسلب إيمانه إلا سلبه # وقيل من الذنوب ذنوب عقوبتها سوء الخاتمة نعوذ بالله من ذلك وقيل هي ~~عقوبات دعوى الولاية والكرامة بالافتراء # وقال بعض العارفين لو عرضت علي الشهادة عند باب الدار والموت على التوحيد ~~عند باب الحجرة لاخترعت الموت على التوحيد عند باب الحجرة لأني لا أدري ما ~~يعرض لقلبي من التغيير عن التوحيد إلى باب الدار # وقال بعضهم لو عرفت واحدا بالتوحيد خمسين سنة ثم حال بيني وبينه سارية ~~ومات لم أحكم أنه مات على التوحيد # وفي الحديث من قال أنا مؤمن فهو كافر ومن قال أنا عالم فهو جاهل وقيل في ~~قوله تعالى {وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا} صدقا لمن مات على الإيمان وعدلا لمن ~~مات على الشرك # وقد قال تعالى {ولله عاقبة الأمور} # PageV01P284 # فهما كان الشك بهذه المثابة كان الاستثناء واجبا لأن الإيمان عبارة عما ~~يفيد الجنة # كما أن الصوم عبارة عما يبريء الذمة وما فسد قبل الغروب لا يبريء الذمة ~~فيخرج عن كونه صوما فكذلك الإيمان بل لا يبعد أن يسأل عن الصوم الماضي ms62 الذي ~~لا يشك فيه بعد الفراغ منه فيقال أصمت بالأمس فيقول نعم إن شاء الله تعالى # إذ الصوم الحقيقي هو المقبول والمقبول غائب عنه لا يطلع عليه إلا الله ~~تعالى # فمن هذا حسن الاستثناء في جميع أعمال البر ويكون ذلك شكا في القبول إذ ~~يمنع من القبول بعد جريان ظاهر شروط الصحة أسباب خفية لا يطلع عليها إلا رب ~~الأرباب جل جلاله فيحسن الشك فيه # فهذه وجوه حسن الاستثناء في الجواب عن الإيمان وهي آخر ما تختم به كتاب ~~قواعد العقائد # تم الكتاب بحمد الله تعالى وصلى الله على سيدنا محمد وعلى كل عبد مصطفى ~~PageV01P285 ms63