######OpenITI# #META# ad: 505 #META# auth: أبو حامد الغزالي #META# تحقيق وتعليق: أبو عبد الله السلفي - الداني آل زهوي #META# عدد الأجزاء: 1 #META# bk: الرد الجميل لإلهية عيسى بصريح الإنجيل - ط العصرية #META# bkord: 8110 #META# cat: العقيدة #META# bkid: 33896 #META# المؤلف: أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي (المتوفى: 505 ه) #META# max: 98 #META# الطبعة: الأولى/ 1420 ه #META# idx: 1 #META# archive: 6 #META# authinf: الغزالي (450 - 505 ه = 1058 - 1111 م) ¶ محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي، أبو حامد، حجة الإسلام: ¶ • فيلسوف، متصوف، له نحو مئتي مصنف. ¶ • مولده ووفاته في الطابران (قصبة طوس، بخراسان) رحل إلى نيسابور ثم إلى بغداد فالحجاز فبلاد الشام فمصر، وعاد إلى بلدته. ¶ • نسبته إلى صناعة الغزل (عند من يقوله بتشديد الزاي) أو إلى غزالة، من قرى طوس (لمن قال بالتخفيف). ¶ من كتبه: ¶ • (إحياء علوم الدين - ط) أربع مجلدات ¶ • (تهافت الفلاسفة - ط) ¶ • (الاقتصاد في الاعتقاد - ط) ¶ • (محك النظر - ط) ¶ • (معارج القدس في أحوال النفس - خ) [ثم طبع] ¶ • (الفرق بين الصالح وغير الصالح - خ) ¶ • (مقاصد الفلاسفة - ط) ¶ • (المضنون به على غير أهله - ط) وفي نسبته إليه كلام ¶ • (الوقف والابتداء - خ) في التفسير ¶ • (البسيط - خ) في الفقه ¶ • (المعارف العقلية - خ) ¶ • (المنقذ من الضلال - ط) ¶ • (بداية الهداية - ط) ¶ • (جواهر القرآن - ط) ¶ • (فضائح الباطنية - ط) قسم منه، ويعرف بالمستظهري، وبفضائح المعتزلة. ¶ • (التبر المسبوك في نصيحة الملوك - ط) كتبه بالفارسية، وترجم إلى العربية ¶ • (الولدية - ط) رسالة أكثر فيها من قوله: أيها الولد ¶ • (منهاج العابدين - ط) قيل: هو آخر تآليفه ¶ • (إلجام العوام عن علم الكلام - ط) ¶ • (الطير - ط) رسالة ¶ • (الدرة الفاخرة في كشف علوم الآخرة - ط) ¶ • (شفاء العليل - خ) [ثم طبع] في أصول الفقه ¶ • (المستصفى من علم الأصول - ط) مجلدان ¶ • (المنخول من علم الأصول - خ) [ثم طبع] ¶ • (الوجيز - ط) في فروع الشافعية ¶ • (ياقوت التأويل في تفسير التنزيل) كبير، قيل: في نحو أربعين مجلدا ¶ • (أسرار الحج - ط) ¶ • (الإملاء عن إشكالات الإحياء - ط) ¶ • (فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة - ط) ¶ • (عقيدة أهل السنة - ط) ¶ • (ميزان العمل - ط) ¶ • (المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى - ط) ¶ • وله كتب بالفارسية. ¶ • ولطه عبد الباقي سرور كتاب (الغزالي - ط) في سيرته ¶ • ومثله ليوحنا قمير ¶ • ولجميل صليبا وكامل عياد، ولمحمد رضا ولزكي مبارك (الأخلاق عند الغزالي - ط) ¶ • ولأحمد فريد الرفاعي (الغزالي - ط) ¶ • ولمحمد رضا (أبو حامد الغزالي: حياته ومصنفاته - ط) ¶ • ولأبي بكر عبد الرازق (في صحبة الغزالي - ط) ¶ • ولسليمان دنيا (الحقيقة في نظر الغزالي - ط) ¶ • وللشيخ محمد الخضري رسالة في (ترجمته وتعاليمه وآرائه) نشرت في المجلد 34 من مجلة المقتطف. ¶ • وبالتركية (إمام غزالي - ط) في تاريخه وفلسفته، لرضاء الدين بن فخر الدين ¶ • ولحسن عبد اللطيف عزام الفيومي، رسالة في (ما للغزالي وما عليه - ط) ¶ نقلا عن: «الأعلام» للزركلي [بزيادات بين معكوفات] #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: الرد الجميل لإلهية عيسى بصريح الإنجيل ¶ المؤلف: أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي (المتوفى: 505 ه) ¶ تحقيق وتعليق: أبو عبد الله السلفي - الداني آل زهوي ¶ عدد الأجزاء: 1 ¶ الناشر: المكتبة العصرية - بيروت ¶ الطبعة: الأولى/ 1420 ه ¶ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي] ¶ أعده للشاملة: //محمود الجيزي - عفا الله عنه// ¶ ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# ndata: الكتاب: 521EBD52ويات 101 #META# الناشر: المكتبة العصرية - بيروت #META# digitization_comments: [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي] #META# iso: الرد الجميل لالهيه عيسي بصريح الانجيل ط العصريه #META# Lng: أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي #META# الكتاب: الرد الجميل لإلهية عيسى بصريح الإنجيل #META# comp: 1 #META# higrid: 505 #META# ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# authno: 619 #META# أعده للشاملة: //محمود الجيزي - عفا الله عنه// #META# DownloadSource: Abū Yaʿqūb's Shamela database #META# DownloadDate: 2017? #META# ConversionDate: 2020-10-01 #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم- وبه ثقتي: # أما بعد حمد الله، والصلاة على محمد خير خلقه وآله، فإني رأيت مباحث ~~النصارى «1» المتعلقة بعقائدهم؛ ضعيفة المباني، واهية القوى، وعرة المسالك، ~~يقضي المتأمل من عقول جنحت إليها غاية عجبه، ولا يقف من تعقيدها على اليسير ~~من إربه، لا يعولون فيها إلا على التقليد المحض، عاضين [بالنواجذ] على ~~ظواهر أطلقها الأولون، ولم ينهض بإيضاح مشكلها- لقصورهم- الآخرون، ظانين ~~بأن ذلك هو الشرع الذي شرعه لهم عيسى عليه السلام، معتذرين عن اعتقادها/ ~~بما ورد من نصوص يعتقدون أنها قاهرة للكفر، غير قابلة للتأويل «2»، وأن ~~صرفها عن ظواهرها عسيرة «3». وهم في ذلك طائفتان: # - طائفة- وهم الأكثر- لم يمارسوا شيئا من العلوم التي يقف بها الناظر على ~~استحالة المستحيل، فيجزم باستحالة وجوده، وإيجاب الواجب، فينفي عدم وقوعه ~~وإمكان الممكن، فلا محالا لازما لطرفي وجوده وعدمه، بل PageV01P025 ~~ارتسمت في أذهانهم صور منذ صغرهم، واستمرت بهم الغباوة «1» إلى أن صار ذلك ~~فيهم ملكة. # فهذه الطائفة برؤها من دائها عسير/. # وطائفة لهم أدنى معقول، وقد ألموا بيسير من العلوم، فتجدهم ناكصين عن هذا ~~المعتقد، لا يسامحون أفكارهم بمقاربته، يعولون تارة على تقليد الفيلسوف «2» ~~في مسألة الاتحاد لإعظامهم ما يؤدي إليه من هدم قواعد تظافر على ثبوتها ~~صرائح العقول، فارين من هذه المعضلة إلى التقليد المحض، معتقدين أن ~~الفيلسوف قد حاول العلوم الخفية، فأبانها جلية مبرهنة. ظانين بأن من هذا ~~شأنه جدير بأن يعول على أقواله، وتقلد «3» في المعتقدات! فلذلك ينفصلون عن ~~مسألة الاتحاد «4» بردها إلى مسألة تعلق النفس بالجسد/. # ولو راجع هؤلاء المساكين عقولهم وتركوا الهوى والتعصب، لعلموا أنهم قد ~~نكبوا عن محجة الصواب، وأخطئوا سبيل الحق لوجوه: # أحدها: أنهم إن جعلوا ذلك من قبيل القياس، فغلط، لأن القياس «5»: # «رد فرع إلى أصل بعلة جامعة هي مناط الحكم». PageV01P026 # وأي علة عقلها هذا القائل مقتضية لحقيقة التعلق الذي يقول به الفيلسوف، ثم ~~بعد ذلك يعديها إلى ذات الباري «1» ليصح له القياس. # وإن جعل ذلك من قبيل التشبيه والتمثيل «2» فغلط أيضا، لأن المشبه به لا ~~بد أن ms01 يكون/ معلوما متصورا حتى يكون العلم به مقتضيا للعلم بالمشابهة. # والقائل منهم «3» بهذه المقالة لو بذل جهده على أن يأتي بأدنى شبهة تقفه ~~على حقيقة النفس، وحقيقة التعلق، القائل بهما الفيلسوف، لأقر بالعجز عن ~~إدراك ذلك، فكيف يصح له القياس والحقائق غير معلومة له؟! # ثم إن مثل هذا القياس لا يسامح الفروعي نفسه في استعماله، بل هو من ~~الأقيسة [المهجورة] «4»، المسمى بقياس التعقيد، وهو أن يحاول إثبات حكم ~~خفي، فيثبته بما هو أخفى منه، أو بما يحتاج في إثباته إلى إعمال الفكر ~~واستخراجه/ بالأدلة الغامضة، كالنفس، القائل بها الفيلسوف، التي لا يتخيل ~~وجودها إلا بتعقيدات وغموض في المأخذ، وإذا كان هذا «5» مهجورا في الفروع ~~المبنية على أيسر ظن، فكيف يعول عليه في الأصول المتعلقة PageV01P027 ~~بذات واجب الوجود «1»؟! وكيف يتم ادعاء ذلك، ومناط الحكم لو عثر عليه، ~~لاقتضى أن لا يكون للإله تعلق بذات أحد من البشر على حد تعلق النفس بالبدن، ~~لأنهم يقولون: إن كل نفس تعلقت ببدن فشرط تعلقها به أن يكون بينها وبينه ~~مناسبة وملاءمة، لأجلها كان التعلق. # والإله- جل اسمه- منزه عن مثل ذلك/. ثم لو سلم لهم ذلك، وأن التعلق الذي ~~حاولوه متصور على وفق الآراء الفلسفية، لم يحصل لهم به غناء ولم ينهض ذلك ~~بمقصودهم في إثباتهم الإلهية لعيسى عليه السلام. # لأن الفيلسوف يقول: إن للنفس بالبدن تعلقا تدبيريا، وأن اللذة والألم ~~يحصلان لهما بواسطة تعلقها به، إذا انفعلت القوة الحساسة بالملائم ~~والمنافي، ومحال أن يراد هذا التعلق بجملته مع ما ذكر، لأن حصول اللذات ~~لذات الباري محال. # بقي أن تؤخذ هذه النسبة التدبيرية مجردة عن حصول اللذات، وهذا أيضا غير ~~مجد، لأن الخالق مدبر/ لكل فرد من أفراد العالم، وله إلى كل مخلوق نسبة ~~تدبيرية. # فإن قيل: المراد نسبة ظهر أثرها في خرق العوائد؛ كإحياء الميت وغير ذلك، ~~فيدل إذ ذاك على المقصود. # فالجواب: أن مثل هذه النسبة التي يتمكن المتصف بها من الإتيان بخرق ~~العوائد، ثابتة لغير عيسى عليه السلام، فإنهم معترفون بأن موسى عليه ms02 السلام ~~قلب العصا ثعبانا. # وهل إحياء الميت إلا عبارة عن اتصاف الجماد بالحيوانية؟ # بل هذا أدل على المعجز «2»، لأن جعل ما لم يتصف بالحياة قط حيا؛ PageV01P028 ~~أدل على القدرة من إعادة الشيء إلى حالته الأولى/. ثم انشقاق البحر وجعل كل ~~فرق كالطود العظيم، من غرائب المعجزات. # وقد شهدت التوراة التي يصدقونها بأن موسى عليه السلام أخرج يده برصاء ~~كالثلج، ثم أعادها إلى لون جسده. # وفي أسفار الملوك والقضاة، وهو من جملة كتبهم العتيقة التي تقرأ في ~~كنائسهم، أن إيليا واليشع تلميذه أقاما الميت، وإحياء إيليا لابن الأرملة ~~عندهم غير منكور، ووقوف الشمس أيضا ليوشع إلى أن أخذ المدينة- أريحا- من ~~بدائع المعجزات. # ثم لما من الأنبياء؛ أنبياء لم ترسل «1»، فما المانع أن تكون هذه النسبة ~~ثابتة/ لكل واحد منهم، لكنها لم تظهر لعدم الرسالة المحوجة إلى البراهين ~~الصادرة عنها؟! # دقيقة يجب التنبيه عليها: # لفظ الكتاب العزيز: واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء «2»، ولفظ ~~التوراة: «وهنا يا ذو مصورا عث كالشولغ». # وتفسير هذا اللفظ العبراني بالعربية: «وهذه يدك برصاء كالثلج». # صرحت التوراة «3» بالبرص، وصريح الكتاب العزيز بأن بياضها من غير PageV01P029 ~~سوء، وفي القلب حسيكة «1» من ذلك في بادئ الرأي، لكن الجمع على الممارس ~~الفهم غير عسير. # وبيانه: أن البرص/ عبارة عن عرض ينشأ عن سوء مزاج يحصل بسببه تلزج بلغم ~~تضعف القوة المغيرة عن إحالته إلى لون الجسد. # ومعلوم أن بياض يد موسى عليه السلام ما نشأ عن سوء مزاج، لأن كل أحد إذا ~~ساء مزاجه على نهج ما وصفناه، حصل له ذلك، وإذا قويت القوة المغيرة إحالته، ~~فحينئذ تذهب خصوصية الإعجاز. بل بياضها كان من قبيل المعجز الخارق. # وشأن المعجز الخارق أن يكون مخالفا للمعهود المألوف، وإلى هذا المعنى ~~إشارة الكتاب العزيز بقوله: من غير سوء. أي أن الله أقدر موسى على أن/ يجعل ~~يده برصاء من غير سوء، وأن يردها إلى لون جسده، من غير قوة مغيرة، ليحصل له ~~بذلك خصوصية بإجراء المعجز الخارق المخالف للمعهود على يده. ms03 # وإنما يكون معجزا مخالفا للمعهود؛ إذا أتى بالمسبب منفكا عن سببه العادي، ~~الذي لا ينشأ إلا عنه، ثم عبر عنه بالبياض الذي هو من لوازمه، هذا جمع واضح. # ومما يوهي معتقداتهم في هذه المسألة؛ أن قاعدة الفيلسوف في النفس ~~وتعلقها، إن كانوا جازمين بثبوتها، ومستند جزمهم حسن الظن بالقائلين بها، ~~وهم غير قادرين على الإتيان/ ببراهينها، ظنا منهم أن القائلين بها قد ~~اخترعوا من العلوم الخفية، ما يرجع الفكر ناكصا عن إدراكها، لخفاء مأخذها ~~وصعوبة مبانيها. # وأن من هذا شأنه تكون أقواله مبرأة من الخطأ، فيجب على هذا القائل أن ~~يقلد الفيلسوف في أن النبوات مكتسبة، وأن العالم قديم لا يقبل الكون ~~والفساد، وأن الباري لا يعلم الجزئيات، وأن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد، ~~وأن إله الخلق وجود مجرد، لم يقم بذاته علم ولا حياة ولا قدرة، إلى غير PageV01P030 ~~ذلك مما نقضوا به قواعد المتشرعين وصرحوا فيه بإكذاب الأنبياء «1» / ~~المرسلين. # ومن العجب تقليدهم قوما يمنعون تصور ما يثبت به خصوصية صاحب شرعهم لنصهم ~~على استحالة انعقاد الولد من محض مني أمه من غير مشاركة مني رجل، إما عاقد ~~على رأي كبيرهم، أو مشارك له في الجزئية على رأي جالينوس «2». # فإن حمل قائلا تعصبه وهواه المحرضان له على عدم تركه ما ألفه؛ قائلا: إن ~~ما ذكر قامت البراهين على خطئهم فيه، فتبقى فيما وراءه على مقتضى ظننا بهم. # فالجواب: أن من ظهر تارة خطؤه، وتارة صوابه، كانت أقواله ممكنة الخطإ/ ~~والصواب، ولا يصار إلى تقليد من هذا شأنه مع عدم الوقوف على مستند أقواله، ~~ونبذ أقوال المتشرعين وراء ظهره، وعدم التفاته إلى التعويل على ظواهر كتابه ~~الدالة على إنسانية صاحب شريعته إلا لنصوص أبت التأويل «3» دالة على ما ~~يدعونه من الإلهية، مستعصية على العقول استعصاء بينا. كيف وفي الإنجيل «4» ~~نصوص مصرحة PageV01P031 ~~بإنسانية عيسى عليه السلام «1» المحضة، ونصوص شاهدة بأن إطلاق الإلهية ~~عليه، على ما يدعون محال. # وهذه النصوص في أصح الأناجيل/ عندهم؛ إنجيل يوحنا بن زبدا «2». # وها أنا أذكر نصا، ms04 نصا، مبينا فصولها المسطرة فيه حذرا من المناكرة، لأن ~~كتبهم غير محفوظة في صدورهم. # وقبل الشروع في ذكرها؛ فلا بد من تقديم أصلين متفق عليهما بين أهل العلم؛ ~~أحدهما: أن النصوص إذا وردت؛ فإن وافقت المعقول؛ تركت ظواهرها، وإن خالفت ~~صريح المعقول؛ وجب تأويلها واعتقاد أن حقائقها ليست مرادة، فيجب إذ ذاك ~~ردها إلى المجاز «3». PageV01P032 # الثاني: أن الدلائل إذا تعارضت فدل بعضها على إثبات حكم وبعضها PageV01P033 ~~على نفيه، فلا نتركها/ متعارضة إلا وقد أحسسنا من أنفسنا العجز باستحالة PageV01P034 ~~إمكان الجمع، وامتناع جعلها متظافرة على معنى واحد. PageV01P035 # وإذا تقرر ذلك، فلنشرع الآن في ذكر النصوص الدالة على التجوز في إطلاقه ما ~~يوهم الإلهية على نفسه. PageV01P036 # والنصوص الدالة على التجوز في مسألة الاتحاد «1»؛ كقوله: PageV01P037 # «أنا والأب واحد، ومن رآني فقد رأى الأب، وأنا في الأب، والأب في» «1». # ثم نتبع ذلك بذكر النصوص الدالة على إنسانيته المحضة، ونجمع بينها وبين ~~النصوص المثيرة لهم شبها نكصت أفهامهم لقصورها عن تأويلها، فعموا وضلوا. # بالغين/ في إيضاحها، وكشف الغطاء عن مشكلاتها مبلغا يرجع معه الحق باهر ~~الرواء، ظاهر في السناء. ### | AUTO النص الأول: # ذكره يوحنا في إنجيله في الفصل الرابع والعشرين: # «أنا والأب واحد، فتناول اليهود حجارة ليرجموه، فأجابهم قائلا: # أريتكم أعمالا كثيرة حسنة من عند أبي، من أجل أي الأعمال ترجموني؟ # فأجابه اليهود قائلين: ليس من أجل الأعمال الحسنة نرجمك، ولكن لأجل ~~التجديف، وإذ أنت إنسان تجعل نفسك إلها. # فأجابهم يسوع: أليس مكتوبا في ناموسكم أني قلت إنكم آلهة، فإن كان قد ~~قال/ لأولئك آلهة لأن الكلمة صارت إليهم، وليس يمكن أن ينتقص المكتوب فيكم ~~بالحرا الذي قدسه وأرسله إلى العالم» «2». # هذا آخر كلامه. # فنقول: هذا النص بالغ في تحصيل غرضنا الذي نحاوله في مسألة الاتحاد، ~~وبيانه: أن اليهود لما أنكروا عليه قوله: «أنا والأب واحد». وهذه هي مسألة ~~الاتحاد نفسها. ظانين بأنه أراد بقوله: «أنا والأب واحد»؛ مفهومه الظاهر، ~~فيكون إلها حقيقة، انفصل عليه السلام عن إنكارهم، مصرحا بأن ذلك من قبيل ~~المجاز، ثم ms05 أبان لهم جهة التجوز بضربه لهم المثل/ فقال: «قد أطلق عليكم في ~~ناموسكم أنكم آلهة، ولستم آلهة حقيقة» وإنما أطلق عليكم هذا اللفظ لمعنى، ~~وهو: صيرورة الكلمة إليكم، وأنا قد شاركتكم في ذلك. PageV01P038 # وقد ورد مثل ذلك في شريعتنا، قال سيد المسلمين صلى الله عليه وسلم حاكيا عن ~~الحق جل اسمه: «ولن يتقرب إلي المتقربون بأفضل من أداء ما افترضت عليهم، ثم ~~لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته، كنت سمعه الذي ~~يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي ينطق به، ويده الذي يبطش بها» «1». # ومحال أن يكون الخالق حالا/ في كل جارحة من هذه الجوارح، أو يكون عبارة عنها. # لكن لما بذل العبد جهده في طاعة الله، كان له من الله قدرة ومعونة، بهما ~~يقدر على النطق باللسان، والبطش باليد، إلى غير ذلك من الأعمال المقربة «2». # ولذلك يقول من أقدر شخصا على أن يضرب بالسيف؛ ولو لاه لما قدر على ذلك: ~~أنا يدك التي ضربت بها. # فهذا ضرب من المجاز، استعماله حسن شائع غير منكور، وقد صرح عيسى- عليه ~~السلام- في هذا النص بجهة المجاز، بقوله: «لأن الكلمة صارت إليهم». ومحال ~~أن يريد بالكلمة لفظا ذا حروف، وإنما يريد/ بالكلمة؛ سرا منه يهبه لمن يشاء ~~من عباده، يحصل لهم به التوفيق إلى ما يصيرهم غير مباينين لله عز وجل، بل ~~يصيرهم لا يحبون إلا ما يحبه، ولا PageV01P039 ~~يبغضون إلا ما يبغضه، ولا يكرهون إلا ما يكرهه، ولا يريدون إلا ما يريده من ~~الأقوال والأعمال اللائقة بجلاله. # فإذا أصارهم التوفيق إلى هذه الحالة، حصل لهم المعنى المصحح للتجوز. ويدل ~~على صحة هذا التأويل الصارف إلى المجاز المذكور، أنه عليه السلام، احترز عن ~~إرادة ظاهر هذا النص الدال على الاتحاد، بقوله: # «فيكم بالحرا الذي قدسه وأرسله». فصرح بأنه رسول متبرئا من الإلهية/ التي ~~تخيل اليهود أنه ادعاها مثبتا لنفسه خصوصية الأنبياء، وعلو درجاتهم على ~~غيرهم ممن ليسوا أنبياء، بقوله: «فيكم الحر الذي قدسه وأرسله»، أي قد ~~شاركتكم في السبب ms06 المصحح للتجوز، وفضلتكم بمراتب النبوة والرسالة. # ولو لم يكن ما ضربه لهم من التمثيل جوابا قاطعا لما تخيلوه من إرادة ظاهر ~~اللفظ، لكان ذلك مغالطة منه وغشا في المعتقدات المفضي الجهل بها إلى سخط ~~الإله، وهذا لا يليق بالأنبياء المرسلين الهادين إلى الحق. لأن تأخير ~~البيان عن وقت الحاجة/، غير جائز للأنبياء، كيف وفي كتبهم أنه أرسل لخلاص ~~العالم، مبينا ما يجب لله وما يستحيل عليه؟! # وإنما يكون مخلصا للعالم إذا بين لهم الإله المعبود، فإن كان هو الإله ~~الذي يجب أن يعبد، وقد صرفهم عن اعتقاد ذلك بضربه لهم المثل، فيكون قد ~~أمرهم بعبادة غيره، وصرفهم عن عبادته، والتقدير أنه هو الإله الذي يجب أن ~~يعبد، وذلك غش وضلالة، لا يليق بمن يدعى فيه أنه أتى لخلاص العالم، بل لا ~~يليق بمن انتصب للإرشاد والهداية من آحاد الأمم، فضلا عمن صرح بأنه رسول ~~هاد/ مرشد. # فإن قيل: إنما ضرب لم المثل؛ مغالطة ليدفع عن نفسه ما يحذره من شرهم. # قلنا: الخوف من اليهود لا يليق بمن يدعى فيه أنه إله العالم، وموجد ~~الكائنات!! # فليت شعري، ما ذا يقول المعاند بعد أن لاحت له هذه الحقائق أوضح من فرق ~~الصبح؟ وكيف يتقاعد عن تأويل هذا النص وتأويل أمثاله، ويخبط خبط عشواء، ~~وصاحب شريعته قد أوله نفسه «1»؟! PageV01P040 ### | AUTO النص الثاني: # نص عليه يوحنا المذكور في إنجيله، وفي الفصل السابع والثلاثين: # «أيها الأب القدوس احفظهم/ باسمك الذي أعطيتني، ليكونوا معك واحدا، كما ~~نحن» «1». # هذا النص كالنص الذي قبله سواء، مؤكدا «2» في صرفه عن الحقيقة إلى المجاز ~~المذكور، وبيانه: أنه عليه السلام، دعا الله عز وجل لتلامذته أن يكون حافظا ~~لهم باسمه حفظا مثل حفظه له، ليحصل لهم بذلك الحفظ وحدة بالله، ثم أتى بحرف ~~التشبيه، فقال: «كما نحن»؛ أي: تكون تلك الوحدة كوحدتي معك، فإن تكن وحدته ~~مع الإله موجبة له استحقاق الإلهية، فيلزم أن يكون داعيا لتلامذته/ أن ~~يكونوا آلهة. # وخطور ذلك ببال من خلع ربقة العقل، قبيح، فضلا عن من ms07 يكون له أدنى خيال ~~صحيح، بل هذا محمول على المجاز المذكور، وهو أنه عليه السلام سأل الله أن ~~يفيض عليهم من آلائه وعنايته وتوفيقه إلى ما يرشدهم إلى مراده اللائق ~~بجلاله، بحيث لا يريدون إلا ما يريده، ولا يحبون إلا ما يحبه، ولا يبغضون ~~إلا ما يبغضه، ولا يكرهون إلا ما يكرهه، ولا يأتون من الأقوال والأعمال إلا ~~ما هو راض به، مؤثر لوقوعه، فإذا حصلت لهم/ هذه الحالة حسن التجوز. ويدل ~~على صحة ذلك، أن إنسانا لو كان له صديق موافق غرضه ومراده بحيث يكون محبا ~~لما يحبه، مبغضا لما يبغضه، كارها لما يكرهه، حسن أن يقول: أنا وصديقي واحد. # وقد بين عليه السلام أيضا في النص أن وحدته معه مجاز، وأنه ليس إلها ~~حقيقة بقوله: «ليكونوا معك واحدا كما نحن» يريد: إذا حصل لهم منك توفيق، ~~صيرهم لا يريدون إلا ما تريده، كانت وحدتهم معك كوحدتي معك، إذ هذه حالتي ~~معك لأنني لا أريد إلا ما تريده/، ولا أحب إلا ما تحبه. وبقوله أيضا: «أيها ~~الأب القدوس احفظهم باسمك». داعيا لهم الإله PageV01P041 ~~الذي بيده النفع والضر، ولو كان نفسه إلها، لكان قادرا على حفظهم من غير أن ~~يتضرع لغيره ويسأله الحفظ. # فاعجب لهذه الإشارات التي نبه بها على إرادة المجاز، وصرف الكلام عن ظاهره. # وقد صرح بولص «1» في رسالته التي سيرها إلى قورنتية «2»؛ بمثل ذلك، لما ~~فهم المراد من هذه النصوص، فقال: «فمن اعتصم بربنا فإنه يكون معه روحا ~~واحدا» «3». وهذا التصريح منه يدل على أنه فهم عين ما فهمناه «4» /، وفهم ~~أن هذه النصوص، ليست ظواهرها مرادة. ### | AUTO النص الثالث: # نص عليه يوحنا المذكور، في إنجيله في الفصل السابع والثلاثين أيضا: ~~«قدسهم بحقك، فإن كلمتك خاصة هي الحق، كما أرسلتني إلى العالم، أرسلتهم ~~أيضا إلى العالم، ولأجلهم أقدس ذاتي، ليكونوا هم مقدسين بالحق. وليس أسأل ~~في هؤلاء فقط، بل وفي الذين يؤمنون بي، ليكونوا بأجمعهم واحدا، كما أنك يا ~~أبة حال في وأنا فيك، ليكونوا أيضا فينا واحدا، ms08 ليؤمن العالم أنك أرسلتني، ~~وأنا أعطيتهم المجد الذي أعطيتني، ليكونوا واحدا،/ كما نحن واحد» «5». # هذا النص واضح جدا، مؤكد لما قلناه، وبيانه: أنه عليه السلام، PageV01P042 ~~كشف غطاء الشبهة مبينا جهة المجاز، بقوله: «وأنا قد أعطيتهم المجد الذي ~~أعطيتني، ليكونوا واحدا». # أي: إن ذلك المجد ينظم شملهم، فيقع أفعالهم جمع متظافرة على طاعتك، ومحبة ~~ما تحبه، وبغض ما تبغضه، وإرادة ما تريده، فيصيرون كرجل واحد، لعدم تباين ~~آرائهم وأعمالهم ومعتقداتهم، «كما نحن واحد»، أي كما أنا معك واحد، لأن ~~مجدك الذي أعطيتني، جعلني لا أحب إلا ما تحبه، ولا أريد إلا ما تريده، ولا ~~أبغض/ إلا ما تبغضه، ولا أكره إلا ما تكرهه، ولا يصدر مني عمل ولا قول إلا ~~وأنت راض به. # وإذا ثبت أن هذه حالته مع الإله، دل على أن من أطاعه، فقد أطاع الإله جل ~~اسمه، ومن أطاع الإله فقد أطاعه، وهذا شأن الأنبياء والمرسلين. # ثم بالغ في إيضاح جهة المجاز بقوله: «كما أنك يا أبة حال في، وأنا فيك، ~~ليكونوا أيضا فينا واحد». # يريد: أن أقوالهم وأعمالهم إذا تظافرت واقعة على وفق مرادك، ومرادك هو ~~مرادي، كنا جميعا كذات واحدة، لعدم تباين الإرادات، ثم إنه عليه السلام، لم ~~يقتنع بذلك/ حذرا من تعلق الخيال الضعيف بظواهر هذه النصوص، فصرح بأنه رسول ~~فقال: «ليؤمن العالم أنك أرسلتني». ثم بالغ في البيان، فقال: «وليس أسأل ~~هؤلاء فقط، بل وفي الذين يؤمنون بي، ليكونوا بأجمعهم واحدا كما نحن واحد». # يريد: أن وحدته معه ليست مقتضية لإلهيته، وإلا لزم أن تكون وحدتهم مع ~~الإله الذي سأله أن يكونوا معه واحدا، كذلك. # فانظر كم من حسن اشتمل عليه هذا النص، من صرائح قد صرح بعدم إرادة ~~ظواهرها، [وتجوزات اقترنت بها معان أبت لها أن تحمل] «1» على حقائقها، ~~ومحاسن يمرون/ عليها وهم عنها معرضون. # ولله در القائل: # وكم من عائب قولا صحيحا ... وآفته من الفهم السقيم PageV01P043 ~~ولكن تأخذ الأذان «1» منه ... على قدر القرائح والعلوم # «2» وقد صرح في إنجيل يوحنا أيضا، في الفصل ms09 الخامس والخمسين بما يدل على ~~أن هذا التأويل الذي ذكر هو المراد، فقال: «من يؤمن بي، فليس يؤمن بي فقط، ~~بل وبالذي أرسلني، ومن رآني فقد رأى الذي أرسلني» «3». # لما جعل طاعته نفس طاعة الإله لزم أن يكون مخبرا عن الإله، فقال: # «ومن رآني فقد رأى الذي أرسلني». أي أنا أخبر/ عنه حقيقة، فأمري أمره، ~~ونهيي نهيه، وجميع أحكامي عنه صادرة. وهذا شأن الأنبياء الصادقين. # ومن أوضح ما يستدل به على أن حقائق هذه النصوص ليست مرادة، وأنها محمولة ~~على المجاز السالف ذكره، أن يوحنا بن زبدى الإنجيلي، المنقولة هذه النصوص ~~من إنجيله، وهو عندهم من أجل تلامذته، حتى إنهم يغلون فيه فيسمونه: حبيب ~~الرب، لما فهم هذه المعاني المذكورة، وعلم أن هذه النصوص مصروفة عن حقائقها ~~إلى المجاز المذكور. # قال في رسالته الأولى المذكورة في كتاب الرسائل: # «الله لم يره أحد قط/. فإن أحب بعضنا بعضا، فالله حال فينا، ومحبته كاملة ~~فينا، وبهذا نعلم أنا حالون فيه وهو أيضا حال فينا، لأنه قد أعطانا من ~~روحه، ونحن رأينا ونشهد أن الأب أرسل ابنه لخلاص العالم» «4». # وذكر فيها أيضا: «من يعترف أن يسوع ابن الله، فالله حال فيه، وهو أيضا ~~حال في الله» «5». PageV01P044 # أطلق هذا التلميذ الجليل- عندهم-، هذه الكلمات مصرحا فيها بالحلول، بقوله: ~~«وبهذا نعلم أنا حالون فيه وهو أيضا حال فينا». # فإن يكن هذا التلميذ الجليل- عندهم- فهم أن الحلول الذي أطلقه عيسى عليه/ ~~السلام في النصوص المذكورة، مقتض للإلهية، فيكون مثبتا لنفسه ولغيره ~~الإلهية، بقوله: «وبهذا نعلم أنا حالون فيه، وهو أيضا حال فينا». # وهم لا يعتقدون فيه ذلك، ولا في أحد من سائر تلامذة عيسى عليه السلام ~~وأتباعه، فتعين أنه فهم من النصوص ما أشرنا إليه من المجاز السالف ذكره. # ويدل على ذلك أنه أومأ إلى جهة المجاز بقوله: «لأنه قد أعطانا من روحه». ### | AUTO يريد: أنه أفاض علينا سرا وعناية، علمنا بهما ما يليق بجلاله، ~~ثم وفقنا إلى العمل بمقتضاه، فلا نريد إلا ما يريده، ولا نحب إلا ms10 ما يحبه، ~~فحينئذ/ تعود الحالة جذعة «1» في إرادة المجاز المذكور. # [دقائق من المباحث في النص الثالث] «2» # لكن بقي في النص الثالث، دقائق من المباحث، لا تستخرج إلا بفكرة وقادة، ~~وهو أنه عليه السلام قال: «وقد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني». # وظاهر هذا اللفظ يدل على العموم، لأنه عليه السلام أومأ إلى المجد ~~[المعهود، ثم وصفه بقوله: «الذي أعطيتني»، وهذا ظاهر في إرادة جميع الأفراد ~~التي تناولها المجد] «3»، وبيانه: أن القائل إذا قال: أعطيت فلانا الدراهم ~~التي أعطيتني، والهدية التي أرسلت إلي، كان ذلك ظاهرا في العموم. لكنا إذا ~~أنصفنا، علمنا أن الحقيقة ليست مرادة، لأن/ من جملة المجد الذي أعطي له؛ ~~النبوة والرسالة وما يترتب عليهما من الدرجات، والصعود إلى السماء، وإقداره ~~على الإتيان بخوارق المعجزات، فهذه حقائق PageV01P045 ~~ليست مرادة بالإعطاء. فلا بد من حمل اللفظ بعد ذلك على معنى، وإلا لزم ~~تعطيله، فلم يبق إلا أن يريد بالإعطاء؛ إعلامهم بما يليق بجلال الله عز ~~وجل، ثم سأل لهم التوفيق إلى العمل بمقتضاه من الإله القادر على ذلك، فقال: ~~«قدسهم بحقك». # أي: أنا قد أعلمتهم ما يليق بجلالك- وهذه وظيفة الأنبياء المرسلين- ~~فأرشدهم أنت ووفقهم إلى العمل بمقتضاه فإن هذه درجة/ الإله القادر على خلق ~~الأعمال. # فإن قيل لم لا يجوز أن يكون من جملة المجد الذي أعطي له؛ الاتحاد الذي ~~استحق أن يكون به إلها، وقد دل الدليل على عدم إرادته، وأنه ليس معطا «1»، ~~فيكون غير مراد، وإن كان مندرجا تحت لفظ العموم؟ # قلنا: هيهات، هاهنا تسكب العبرات. # وهل الإلهية يمكن إعطاؤها؟! # هذا مما أجمع العقلاء على استحالته. وهل هذه إلا مصادرة على المطلوب من ~~غير إتيان بتيت «2» يعول عليه إلا ظواهر؟ وقد حللناها من أيديهم، وأولها ~~صاحب شرعهم معتذرا/ إطلاقها ومحترزا عن إرادة حقائقها!. ومثل هذه المعضلة ~~لا تثبت بمجرد الاحتمال، ما لم تبرهن بالبراهين اليقينية، لا سيما في شخص ~~وضحت إنسانيته، ثابتة لوازمها وملزوماتها وذاتياتها، من الحيوانية، والنطق، ~~والإعياء، والجوع، والعطش، والنوم، والاجتنان في الرحم، والتألم- في رأيهم- ~~في الصلب، حيث قال: ms11 # «إلهي إلهي لم تركتني» «3». PageV01P046 # فهذه كلها منافية للإلهية. # وكيف ينكر ذلك؟ وفي إنجيل مرقص: «وفي الغد خرجوا من بيت عنيا «1»، فجاع ~~ونظر إلى تينة من بعيد، وعليها ورق، فجاء إليها ليطلب فيها/ ثمرة، فلما ~~جاءها لم يجد عليها شيئا إلا ورقا فقط، لأنه لم يكن في زمن التين» «2». # صرح في هذا النص بإحساسه بالجوع، وظنه الشيء على خلاف ما هو عليه، لأنه ~~ظن أن عليها ثمرة، فأخلف ظنه، وظن أن الزمن زمن التين، أو ظن أنها تثمر في ~~غير زمن التين، وكلاهما ظن غير مطابق. # فإن قيل: فأي فائدة في تعطيل الشجرة؟ # قلنا: إنما فعل ذلك ليثبت تلامذته على إيمانهم، وليرغبهم في الازدياد من ~~الأعمال التي يكون مثل هذا الفعل من بعض نتائجها، لأن الأنبياء والأولياء ~~حين/ وعدوا بالجنة، إنما وعدوا بها محفوفة بالمكاره «3»، ومكابدة الجوع، ~~والرضى به؛ من المكاره الشديدة. # ومكابدة المكاره ربما يقل معها عصام التقوى من العارفين، وتغلب PageV01P047 ~~كثرة من الرعاع، فإذا أرادهم مثل هذا الفعل الذي هو من نتائج الأعمال ~~الصالحة، رغبهم في الاستكثار من أسبابه، وحقر في نفوسهم مصائب الدنيا ~~وآلامها. وليبين بذلك أن امتحان الأنبياء بالجوع والآلام ليس من قبيل ~~الهوان بهم، ولا بمراتبهم، بل من قبيل الامتحان والابتلاء، فمن صبر شاكرا/ ~~راضيا، قدر على الإتيان بمثل ذلك. # ويدل على صحة هذا التأويل، قوله لبطرس «1» في بقية هذا النص. # وقال قال له: «يا معلم! هذه التينة التي لعنتها قد يبست. إن كان لكم ~~إيمان بالله الحق، أقول لكم: إن من قال لهذا الجبل انتقل واسقط في البحر، ~~ولا يشك في قلبه، بل يصدق أن الذي يقوله يكون فيكون له» «2». # كل ذلك دليل على أن يبسها إنما كان من باب كرامات الأنبياء، لأنه قد ثبت ~~لهم بالولاية؛ نقل الجبل وسقوطه في البحر، وذلك أبلغ من يبسها. وقد أتى ~~بمثل ذلك أيضا/ في الإنجيل مصرحا به، فقال: # «الحق أقول لكم؛ إن من يحفظ وصاياي، يعمل الأعمال التي أعمل وأفضل منها ~~يصنع» «3». # ويؤكد ذلك تصريح الإنجيل في ms12 هذا النص، بالجوع وتصريحه بطلب الثمرة فيها. ~~وهذا أيضا يبطل قول من يقول: إنما فعل ذلك إعلاما لهم أنه قادر على إماتة ~~الأحياء، لأنه يلزم أن يكون واضع هذا النص في الإنجيل كاذبا في قوله: ~~«فجاع»، وفي قوله: «فجاء ليطلب فيها ثمرة»، جعل ذلك علة مجيئه إليها. # وهل يكون ما ذهبوا [إليه إلا كقول القائل: جعت، فنظرت شجرة فجئت] «4» ~~إليها لأطلب فيها ثمرة فلم أجد شيئا فدعوت/ عليها بالجفاف، ليستدل بذلك على ~~أني إله قادر على إماتة الأحياء. هذا «5» من جنس كلام المغفلين. تعالى الله ~~عن ذلك. PageV01P048 ### | AUTO النص الرابع: # ذكره مرقص في إنجيله في الفصل الرابع والأربعين: «فأما ذلك اليوم وتلك ~~الساعة، فلا يعرفها أحد، ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن، إلا الأب ~~وحده» «1». # صرح في هذا النص بالإنسانية المحضة نافيا عنه العلم المختص بالإله، فهذا ~~«2» من أوضح الأدلة على إنسانيته المحضة. # ومن هذيانهم؛ حملهم هذا النص على أن الملائكة والابن، كل منهما معطوف/ ~~على ضمير الساعة، ويكون تقدير الهذيان: أما ذلك اليوم وتلك الساعة، فلا ~~يعرفها ولا الملائكة ولا الابن أحد إلا الأب وحده! # فاعجب من هذه العقول كيف فاتها أن صفات الإله إذا لم تثبت بالبراهين ~~اليقينية، فلا أقل من كونها ظاهرة الدلالة. # وانظر كم من بعد في هذا التأويل الذي ينبو عنه السمع، وكم خولف فيه من ~~ظاهر. ثم إن قائله لما ضاق عليه المجال، وقيل له: أي لفظ في هذا النص يفهم ~~منه السؤال عن الملائكة والابن، ليقع الجواب مطابقا؟ /. جنح إلى الكذب ~~قائلا: إنه علم أنهم يسألونه عن الملائكة والابن، فأجابهم دفعة. # ثم إن مؤوله «3» إنما أوله بما ذكر، فرارا من نفي العلم المختص بالإله ~~إثباته. وذلك بعينه موجود فيما ذكره من التأويل، بل الجهالة [فيه] «4» أعظم. # وبيانه: أنه إذا جعل الابن والملائكة معطوفين على ضمير الساعة؛ كان ~~معناه: أما معرفة عين الساعة ومعرفة حقيقة الابن وحقيقة الملائكة، فلا يعرف ~~ذلك إلا الأب وحده. وهو عليه السلام إذا أطلق الابن أراد نفسه، وإذا ms13 أطلق ~~الأب أراد الإله/ جل اسمه، فيعود عين ما فروا منه، وزيادة في الجهالة، لأنه ~~في ظاهر النص المذكور نفى عن نفسه معرفة عين الساعة فقط. PageV01P049 # وفي هذا التأويل يكون قد نفي عن نفسه معرفة عين الساعة، ومعرفة حقيقة نفسه، ~~ومعرفة حقيقة الملائكة. # فاعجب من عقول يجب على العاقل أن يحمد الله أن حماه من اختلالها، ساخرا ~~ممن حاول أن ينفي جهالة دنيا، فأثبت جهالة عليا، فقد وضح أن مخالفة ظاهر ~~هذا النص بما ذكر، هذيان يقبح على العاقل أن يضيع الزمان في الاشتغال به/. ### | AUTO النص الخامس: # ذكره يوحنا المذكور، في إنجيله في الفصل السابع والثلاثين: «تكلم يسوع ~~بهذا، ثم رفع عينيه إلى السماء وقال: يا أبة، حضرت الساعة، فمجد ابنك ~~ليمجدك ابنك، كما أعطيته السلطان على كل جسد، ليعطي كل «1» من أعطيته حياة ~~الأبد، وهذه حياة الأبد، أن يعرفوك أنك الإله الحق وحدك، والذي أرسلته يسوع ~~المسيح» «2». # صرح بالرسالة للمسيح، ولا يمكن عود ذلك إلى الناسوت، لأن المسيح اسم ~~عندهم بمجموع حقيقة مركبة من لاهوت/ وناسوت. # فإن ادعى مدع؛ أن ذلك محمول على المجاز لم يسد كلامه، وكذب بامتناع إطلاق ~~مثل ذلك في العرف، إذ قول القائل: رأيت حبرا، وهو يريد الزاج من حيث هو ~~زاج، منفكا عن الحبرية، ليس من السداد في شيء. هذا كله بعد أن يلجأ إلى ~~بيان أن لغة الإنجيل من أحكامها؛ إطلاق الكل وإرادة البعض. فإن نهض بذلك، ~~[فما أشرنا إليه جواب كاف لمساواتها اللغة العربية، وإن لم ينهض بذلك] «3»، ~~فالاعتراض ساقط، ولا حاجة إلى ما ذكر من الجواب، ثم أكد ذلك/ بقوله: «ليعطى ~~كل من أعطيته حياة الأبد». ثم فسر حياة الأبد، فقال: «وهذه حياة الأبد أن ~~يعرفوك أنك الإله الحق وحدك، والذي أرسلته يسوع المسيح». فصرح للإله ~~بالإلهية والوحدانية، وصرح لنفسه بالرسالة. PageV01P050 # ويصرح أيضا بولص الرسول في حقه حين وصف القيامة، فقال: «فحينئذ يخضع الابن ~~للذي أخضع له كل شيء». وصفه بالخضوع لله في القيامة. وهذا شأن العبيد ~~الخاضعين لعظمة الله، ms14 ووصف الإله بالقدرة على إخضاع كل شيء لعظمته. وهذا ~~شأن/ الإله القادر. # وذكر أيضا في رسالته التي سيرها إلى أقسس «1»: «ولست أفتر من الشكر عنكم ~~والذكر لكم في صلواتي، أن يكون إله سيدنا يسوع المسيح، الأب المجيد، أن ~~يعطيكم روح الحكمة والبيان» «2». فصرح بطلب الإعطاء من إله يسوع المسيح، ~~ووصف الإله بأنه الأب المجيد، وجعله إلها للمسيح؛ الذي هو اسم عندهم ~~للحقيقة الثالثة. # وصرح أيضا في كتاب الرسائل، فقال: «الله الواحد هو، والوسيط بين الله ~~والناس، الإنسان يسوع المسيح». # وصرح الإنجيل أيضا: «ولا تدعوا/ لكم معلما على الأرض، فإن معلمكم [واحد] ~~«3» هو المسيح، ولا تدعوا لكم أبا على الأرض، فإن أباكم واحد هو الذي في ~~السماء» «4». # دليل على التغاير، لأنه وصف نفسه بوحدة التعليم في الأرض، ووصف الإله ~~بوحدة الأبوة، وهو إذا أطلق الأب أراد الإله. # فيكون قد وصفه بوحدة الإلهية، ثم أشار إلى جهة العلو بقوله: «فإن أباكم ~~واحد، هو الذي في السماء». وهذا النص ذكره متى في إنجيله في الفصل السادس ~~والسبعين. # ثم من العجب إنكارهم خضوعه المنافي للإلهية/ وهو القائل عند قيام عازر، ~~وقد رفع عينيه إلى السماء: «يأبت أشكرك لأنك تسمع لي، وأنا أعلم PageV01P051 ~~أنك تسمع لي في كل حين، لكن لأجل هذا الجمع الحاضر، ليؤمنوا أنك أرسلتني». ~~صرح بذلك يوحنا في إنجيله «1». والقائل أيضا ليلة الصلب على رأيهم: «إن كان ~~يستطاع فلتعبر عني هذه الكأس» «2». متضرعا للإله. # وقوله عند ما صلب على رأيهم: «ألوي ألوي، ليما صافحتاني» وهذه كلمات ~~عبرانية معناها: «إلهي إلهي، لم تركتني» «3». # وأي إله هذا شأنه شك/ في استطاعة عبور الكأس، ورفع صوته مستفهما من إلهه، ~~لم تركه؟!. # ثم غاير بين إرادته وإرادة إلهه بقوله: «وليس كإرادتي، لكن كإرادتك» «4». ~~[هذه الألفاظ مصرح بها في إنجيل متى] «5». # ثم غاير أيضا بينه وبين إلهه بقوله: «لا تضطرب قلوبكم، آمنوا بالله ~~وآمنوا بي» «6». هذه الكلمات مصرح بها في إنجيل يوحنا في الفصل الثاني ~~والثلاثين. # ثم أوضح المغايرة، فقال في الفصل السابع من هذا الإنجيل: # «إن ms15 من سمع كلامي وآمن بمن أرسلني وجبت له الحياة الدائمة» «7». # فصرح/ بأن له مرسلا. ومعلوم أن المرسل غير المرسل. # ثم جعل الحياة الدائمة مشروطة بالإيمان بمرسله، وسماع كلامه المخبر به عن ~~الله، وهذا تصريح بأحوال الأنبياء المرسلين. [لقط ظهرت فلا تخفى على أحد ~~إلا على أكمه لا يبصر القمرا] «8». PageV01P052 ### | AUTO النص السادس: # ذكره أيضا يوحنا في إنجيله، في الفصل الحادي والعشرين: # «قال لهم يسوع: لو كنتم بني إبراهيم، كنتم تعملون أعمال إبراهيم، لكنكم ~~الآن تريدون قتلي، إنسان كلمتكم بالحق الذي سمعته من الله» «1». # وفي الفصل أيضا: «فإن لي كلاما كثيرا أقوله فيكم وأحكم به، ولكن الذي ~~أرسلني/ حق، والذي سمعته منه به أتكلم في العالم» «2». وفي الفصل أيضا: # «لأني لم أتكلم بها من نفسي، لأن الأب الذي أرسلني هو أعطاني الوصية بما ~~ذا أقول، وبما ذا أنطق، وأعلم أن وصيته حياة الأبد، والذي أقوله أنا كما ~~أمرني الأب، كذلك أتكلم» «3». صرح في هذا النص بالإنسانية بقوله: «إنسان ~~كلمتكم بالحق»، أي: أنا إنسان. وصرح بالرسالة، وأنه لا يفعل إلا ما أقر به، ~~بقوله: «كلمتكم بالحق الذي سمعته من الله». وبقوله: «كما أمرني الأب، كذلك ~~أتكلم». # وقد صرح بولص/ الرسول برسالته المحضة في رسالته التي كتبها للعبرانيين، ~~فقال: «انظروا إلى هذا الرسول، عظيم أحبار إيماننا، يسوع المسيح المؤتمن ~~عند مرسله، وهو مثل موسى «4» في جميع بيته» «5». [صرح PageV01P053 ~~بأنه من جملة أحبارهم، وصرح بأن له مرسلا، وأنه مؤتمن عنده، ثم جعله مثل ~~موسى في جميع بيته] «1». # الطوائف الذين أرسل إليهم، يدل على ذلك قوله في بقية الكلام في وصف عيسى ~~عليه السلام: «وإنما بيته نحن معاشر المؤمنين» «2». # وإذا ثبت أن المراد بجميع بيته أمته، كان معنى الكلام: «وهو مثل موسى في ~~أمته». وهذا تصريح بالرسالة المحضة. # وقد صرح في هذه الرسالة بما يوضح ذلك، فقال/: «فإن لكل بيت إنسانا يبنيه، ~~والذي يبني الكل هو الله» «3». # يريد بذلك أن كل واحد من هذين الرسولين هديت به أمته، والذي هدى الكل في ~~الحقيقة إنما هو ms16 الله. # وعاضد هذا التأويل مصرح في الإنجيل وهو: «أنا كرمة الحق، وأبي هو الغارس ~~كل غصن في» «4». صرح بهذا النص يوحنا في فصل الفارقليط «5»، وفي اللغة التي ~~ترجمت منها هذه الرسالة: المؤتمن عند من خلقه. # بقي هنا بحث، وهو: أن مثل هذا المجاز السالف وهو إطلاق لفظ الحلول، ~~وإطلاق «أنا والأب واحد» لم/ يؤذن لصاحب شريعتنا «6»، ولا لأحد من أمته ~~باستعماله البتة. # لكن عيسى صاحب شريعة، وكل شريعة اختصت بأحكام، وحيث أطلق هذه النصوص، ~~واعتذر عن توهم إرادة ظواهرها بضربه لهم المثل، دل على أنه أذن له ~~بإطلاقها، واستعمال المجاز المذكور، وكذلك إطلاق الأبوة PageV01P054 ~~والبنوة، وسنذكر المعنى الحامل له على إطلاقهما «1». # فليت شعري بأي عذر يعتذر المعاند بعد تصريحه بالإنسانية والرسالة، وتقيده ~~في أحكامه بما يؤمر به، وتأويله نفسه ما تقدم/ من ظواهر النصوص الدالة على ~~الاتحاد، معتذرا عن بعضها بضربه المثل المذكور لليهود «2»، ومصرحا في بعضها ~~بالرسالة، ووقوفه في بعضها سائلا داعيا لله عز وجل، موقف العبد الخاضع، ~~مستمطرا إحسان الإله لتلامذته، بقوله: «احفظهم باسمك الذي أعطيتني». ~~وبقوله: «قدسهم بحقك». # ثم تجده إذا ألجأته المضايق أبا براقش إن وجد ما يدل على إنسانيته أعاد ~~ذلك على ناسوته، وإن وجد ظاهرا عجز عن تأويله رد ذلك إلى لاهوته. فانظر كيف ~~أعمى الله بصيرة من/ يجعل إلهه تارة إنسانا وتارة إلها، تعالى الله عما ~~يقولون علوا كبيرا. ### | AUTO [حقيقة الاتحاد] «3» # ثم لا بد من إبطال ذلك، غير مقصرين عن الشناعة والاستبعاد، فنقول: هم ~~يعتقدون أن الإله خلق ناسوت عيسى عليه السلام، ثم ظهر فيه متحدا، ويعنون ~~بالاتحاد: أنه صار له به تعلق على حد تعلق النفس بالبدن، ثم مع هذا التعلق ~~حدثت حقيقة ثالثة مغايرة لكل واحدة من الحقيقتين، مركبة من لاهوت وناسوت، ~~موصوفة بجميع ما يجب لكل واحد منهما، من حيث هو إله وإنسان «4». PageV01P055 # وقد ارتكبوا في إثبات هذه الحقيقة فظائع/، كان الأخلق بهم سترها- والأخرق ~~إذا لم يستح قال ما شاء-. # لأنهم أثبتوا لها جميع ذاتيات الإنسان، ولوازمه، وملزوماته، وصفاته، ms17 ~~وجميع ما يجب للإله وما يستحيل عليه، من حيث هو إله، وقضوا بأنها مغايرة ~~لكل واحد منهما مع الاشتراك في جميع ما ذكر. # هذه مقالة من لا عقل له! # وهذه الحقيقة، هي المعبر عنها عندهم بالمسيح «1». وهذا خبط عظيم، وعدول ~~عن الحق الواضح. # وهل هم في هذه المقالة إلا كما قيل:/ # طلب الأبلق العقوق، فلما لم ينله أراد بيض الأنوق «2». # لأنهم حاولوا أن يثبتوا تعلقا بين ذات الإله وذات عيسى عليه السلام، PageV01P056 ~~على حد تعلق النفس بالبدن، فلم يقدروا على تحقيق ذلك، بل ادعوا إثباته ~~بمجرد الإمكان «1»، من غير إتيان بحجة محركة للظن، فكيف يدعون إثبات ما هو ~~مستحيل الإمكان، معتذر «2» الوجود؟! # وبيان تعذر ذلك؛ أن وجود كل حقيقة مركبة، موقوف على وجود أجزائها ~~وتركيبها تركيبا خاصا، فحينئذ تكون مفقرة في وجودها إلى وجود أجزائها، ~~ويكون/ كل جزء من أجزائها مفتقرا في جزئيته، أي فيما يصير به جزءا محصلا له ~~صفة الجزئية وتركيبه الخاص إلى انضمام غيره. # والتقدير: أن أحد جزأي «3» هذه الحقيقة؛ اللاهوت، وجزؤها الآخر؛ الإنسان ~~وهو المحصل للاهوت، صفة الجزئية، وتركيبه الخاص بانضمامه إليه جزءا، إذ ~~بذلك حصل مجموع مجموع ما ذكر، فيكون اللاهوت مفتقرا إلى الإنسان، وذلك محال ~~بين بطلانه. هذا إذا لم يرد بالتركيب، تركيب امتزاج واتحاد، أو مجاورة، فإن ~~أريد به شيء من ذلك كان الخطب أعظم في الفساد، وربما/ نقل عن بعض المغفلين ~~منهم أن هذا التركيب لا تعلم حقيقته! # وجوابهم: أن مخالفة صرائح العقول، والركون إلى أمر غير معقول، حماقة ~~وسخافة في العقل، ثم نقول أيضا: # من الرأس «4»؛ أن الإله إذا كان خالقا للناسوت ثم ظهر فيه متحدا به، فقد ~~حدثت له صفة بعد خلقه، وهو اتحاده به، وظهوره فيه. # فنقول: إذا هذه الصفة إن كانت واجبة الوجود، استحال اتصافها بالحدوث، وإن ~~كانت ممكنة الوجود، استحال اتصاف الباري بها، لأن صفات الباري كلها واجبة/ ~~الوجود، لأن كل ما لزم من عدم وجوده، محال. # فهو واجب الوجود، وصفات الإله يلزم من عدم وجودها محال ms18 بين. # فإن قيل: إن كان هذا لازما، استحال خلق العالم، بل استحال خلق مخلوق ~~واحد، لأن الله عز وجل إذا خلق مخلوقا واحدا حدثت له صفة، وهو اتصافه ~~بخلقه، فيلزم المحال المذكور! PageV01P057 # فالجواب: أن هذا غير لازم البتة، لأن المعنى من كون الله خالقا: # تقديره الخلق في الأزل، وهذه الصفة ثابتة له أزلا. # فإذا خلق مخلوقا؛ فعلمه بوجوده في زمن خلقه/، والقدرة على إيجاده في ذلك ~~الزمن أيضا، كلاهما ثابت أزلا. # فلم يبق حادث سوى وجوده، ووجوده ليس صفة قائمة بذات الإله جل اسمه، بل ~~بذات المخلوق، وأما نسبة الوجود إلى تأثير القدرة فيه زمن إيجاده، فذلك من ~~باب النسب والإضافات. # والنسب والإضافات ليست أمرا وجوديا، كالفوقية والتحتية، والأبوة والبنوة ~~«1» وهذا معنى بين الظهور، بخلاف ما تقدم، فإنه إذا اتحد بالناسوت، كان ~~اتحاده به صفة قائمة بذاته، تعالى الله عن ذلك، ثم لو فرض/ وجود هذه ~~الحقيقة، فالقول بأنها حقيقة ثالثة مغايرة لكل واحد من اللاهوت والناسوت، ~~موصوفة بكل ما يجب لكل واحد منهما، من لوازم الإنسان وملزوماته، وصفاته، من ~~حيث هو إنسان، وما يجب للإله ويستحيل عليه من الصفات الثابتة له من حيث هو ~~إله، كلام متهافت. لا مطمع لأحد في تحقيقه. # وبيانه: أن الشيء إنما يوصف بصفة إذا كان وصفه بها ممكنا، وإذا ثبت ذلك ~~امتنع أن تجري على هذه الحقيقة أحكام اللاهوت وأحكام الناسوت، لأن جميع ما ~~يجب/ للاهوت من الصفات وغيرها المختصة به، من حيث هو لاهوت، المميزة له عن ~~غيره، إن كانت ثابتة للحقيقة الثالثة، لزم أن يكون عين اللاهوت، وكذلك ~~القول في الناسوت، لاشتراكهما معهما في جميع لوازم كل واحد منهما، وجميع ~~ملزوماته وصفاته الثابتة له من حيث هو إله، ومن حيث هو إنسان، على حد ما ~~ذكر. إذ لو ثبتت المغايرة، والحالة هذه، للزم أن نثبت لشيء جميع ذاتيات ~~الإنسان المقومة لحقيقته، وجميع عوارضه اللازمة والمفارقة، ونفرض مع ذلك/ ~~حقيقة مغايرة لحقيقة الإنسان. هذا من المحال البين. # لأن جميع ذاتيات الإنسان المقومة له، ms19 وجميع عوارضه الثابتة له من PageV01P058 ~~حيث هو إنسان، متى وجدت في شيء، أوجبت لذلك الشيء حقيقة الإنسانية، ونفت ~~عنه صدق ما يغايرها، وإلا لم تكن ثابتة له من حيث هو إنسان، وقد فرضناها ~~كذلك، هذا خلف! # ثم لو كانت إلها «1» كاملا، لثبت لها أوصاف الإله الكامل، ومن أوصاف ~~الإله الكامل أن لا يكون مركبا منه ومن الإنسان، لأنه يلزم أن/ تكون ذات ~~الإله محتاجة إلى الإنسان في الوجود، ومسبوقة به، وبنفسها أيضا. # إن طائفة لم تتفطن لمثل هذا الخطأ الواضح، فصوابهم عنقاء مغرب «2». # فإن قيل: إنما يلزم ذلك، إذا جعلناها موصوفة بجميع ما يجب للإله من ~~الصفات وغيرها، وكذلك القول في الناسوت، من حيث هو حقيقة. # أما إذا أجرينا على كل من اللاهوت والناسوت جميع أحكامه وصفاته التي كانت ~~ثابتة له قبل التركيب، فلم قلتم: إن ذلك ممتنع؟ # فالجواب/: أن اعتبار أحكام جميع ما يجب لكل واحد منهما من حيث هو إله ~~وإنسان إن اعتبرت، لا بقيد التركيب أن يكون للحقيقة الثالثة اعتباران، إذ ~~يكون ذلك حكما على المفرد، بقيد كونه مفردا. # وإن اعتبرت بقيد التركيب، استحال بقاء جميعها بعد التركيب، إذ لو بقي ~~جميع ما يجب لكل واحد من المفردين، من حيث هو كذلك بعد التركيب، ثابتا ~~لهما؛ للزم أن يكون ثابتا للحقيقة المفردة، وحينئذ يلزم المحال المذكور؛ ~~وهو أن تكون الحقيقة الثالثة نفس/ اللاهوت، ونفس الناسوت، لاشتراكها معهما ~~في جميع ما يجب لكل واحد منهما بقيد «3» التركيب أو منفكا عنه. هذه مباحثة ~~من دقيق النظر، فلنتفهم. # وجاهلهم المركب يعتقد أن الخلاص من هذه الفادحة هين، فيظن أنه ينجو من ~~هذه المضايق بأمثلة/ لا تفيده عين المسألة، فيقول: قد ثبت وصف PageV01P059 ~~الإنسان بالجسمية والإحساس والنحو والتغير والفناء، وأنه ذو حيز، وثبت أيضا ~~اتصافه بالنطق، وإدراك الكليات والجزئيات والفهم، وغير ذلك مما يجب رده إلى النفس. # وهذه الأحكام إنما يتم اعتقادها إذا نظر إلى الجسم الحيواني من حيث هو ~~كذلك، وإلى النفس أيضا من حيث هي كذلك، وهذا الهذيان [متقاعد ms20 عما نحن ~~بصدده] «1» تقاعدا بينا لأنهم يعتقدون في الحقيقة الثالثة أنها إنسان كامل ~~وإله كامل، وأن جميع/ ما هو ثابت للإنسان، ثابت لها. # وكذلك القول في الإله، فلا بد من مثال يفيد عين هذا الاعتقاد، وإنما يتم ~~ذلك إذا ثبت أن الإنسان يصدق عليه أنه مجرد ليس بجسم، ولا حال في جسم، ولا ~~متحيز، وأنه باق غير فان، لأنهم فلاسفة في هذه المسألة، فيثبتون له ما هو ~~ثابت للنفس، من حيث هي نفس، ثم يصفونه أيضا بنقيض ذلك، مما هو ثابت للجسم ~~الحيواني، من حيث هو جسم، فيقال: # إنه جنس طبيعي يوجد مثله في أشخاص مختلفة بالحد والحقيقة، وأنه حصة من/ الجنس. # وظني أن من تواقح وأثبت للحقيقة الثالثة ما أثبته من المحال، غير بعيد ~~منه أن يجحد الضرورة، ويلتزم عين ما ذكر، وإلا فأي فرق؟! # والعجب «2» من الغفلة عن مثل هذه الأمور الواضحة، وإن اعتقدت مع العلم ~~بفسادها؛ فأعظم في الجهالة. # فإن قيل: إنما يلزم ذلك كله إذا كان التركيب الذي نقول به بتركيب امتزاج ~~واختلاط، ونحن لا نقول بذلك. وإنما نعني بتركيب هذه الحقيقة، تركيبا معنويا ~~يرجع حاصله إلى تعلق معنوي بين اللاهوت والناسوت؟ # فالجواب:/ أن هذا التعلق قد سلف منا بيان عدم جدواه فيما يحاولونه، سواء ~~كانت النسبة عامة، أو مقيدة. # هذا القول السالف في الحقيقة الثالثة منسوب إلى رأي «اليعقوبي» «3». PageV01P060 # وأما «الملكي» «1»؛ فله مقالة شر من ذلك، وستحكم عند سماعك إياها، بأن آراء ~~هذا الطوائف ضحكة العقلاء، وأن الله جل اسمه، أضل بها قوما أراد إضلالهم، ~~فلذلك طبع على قلوبهم وبصائرهم. # فنقول: هم يعتقدون بأنه حقيقة إنسانية عيسى عليه السلام، وذات الإله، ~~حقيقتان متميزتان، ليس بينهما اختلاط/ ولا امتزاج، بل كل حقيقة باقية على ~~جميع أوصافها الثابتة لها من حيث هي كذلك، وأن المسيح أقنوم «2» لحقيقة الإله PageV01P061 ~~فقط، وهي حقيقة غير مركبة، أخذت من الحقيقتين المذكورتين، ولها اتحاد ~~بالإنسان الكلي. # فانظر إلى عوار هذا الكلام، وعدم انتظامه، وكيف أخطره الله ببال من أراد ~~أن يغويهم ويصدهم ms21 عن سبيل الحق الواضح. كيف جعلوا حقيقة الإله مأخوذة من ~~حقيقة الإنسان وحقيقة نفسه، ثم أثبتوا لها اتحادا بالإنسان الكلي، والإنسان ~~الكلي لا وجود له في الخارج/ فتكون حينئذ متحدة بما لا وجود له، إلا في ~~الذهن! ويلزم على هذا الرأي السخيف أن يكون المصلوب هو الإله، تعالى الله ~~عن ذلك. # ولننظم من هذا الرأي المقول قياسا منطقيا، فنقول: # المسيح صلب، ولا شيء مما صلب بإله، فلا شيء من المسيح بإله «1». # وهؤلاء لا يقدرون على منع الكبرى، لأن حقيقة المسيح، لا يقولون بتركيبها، ~~والمتحد به لا وجود له في الخارج، فيرجع إذا حاصل هذا الرأي إلى أن للمسيح ~~المصلوب نسبة إلى الإنسان الكلي الموجود في الذهن، وهذا لا يدفع ما ألزموا ~~به لأن النسب/ قد سلف منا بيان عدم كونها من الأمور الوجودية، ثم ولو حكمنا ~~عليها بالوجود؛ لم يحصل لهم بذلك نجاة، لأن النسب والإنسان الكلي كل منهما ~~لا يوصف بصلب ولا ألم. # فإن قيل: إن النوع الكلي الطبيعي موجود في الخارج. # قلنا: إن أريد ذلك، لزم أن يكون للإله اتحاد بكل فرد من أفراد الإسلام «2». PageV01P062 # فإن قيل: المراد خصوصية حصة عيسى عليه السلام، مع قطع النظر عن مشخصاته ~~المميزة له عن غيره. # قلنا: هذا اعتبار ذهني لا وجود له في الخارج، بل وجود هذه الحصة، ملزوم ~~لوجود/ مشخصاته، فيرجع حاصل هذا إلى الاتحاد بإنسان جزئي. # وسنبطل هذا الرأي عن قريب. # ثم لو تصور أن تكون حقيقة الإله مأخوذة من حقيقة الإنسان وحقيقة نفسه، ~~للزم أن يكون ما حصل به الوجود لحقيقة الإله، على الصفات الثابتة لها، إذ ~~ذاك من الحقيقتين سابقا على وجود الإله موصوفة بما ذكر. # وحينئذ يكون وجود حقيقة الإله الموصوفة بذلك، مسبوقا بوجود حقيقة ~~الإنسان، ومسبوقا أيضا بوجود حقيقة نفسه وصفات الإله يجب/ أن تكون واجبة ~~الوجود، ثابتة أزلا لذاته، وإحدى الحقيقتين التي هي شرط لوجود حقيقة الإله ~~موصوفة بما ذكر، هي حقيقة الإنسان، وحدوثها مقطوع به، فكيف تكون شرطا لما ~~هو ثابت أزلا؟! # هذا ms22 كله إذا عني بالأخذ؛ أن ذات الإله حدثت لها صفة عند خلق الناسوت، فإن ~~أريد بذلك أن الحقيقتين شرط في أصل وجود ذات الإله جل اسمه، فهذا كلام من ~~لا عقل له. هذا «1» رأي القدماء منهم. # وأما المتأخرون فبمثل مقالة هؤلاء يقولون، من غير فرقان إلا في/ الاتحاد، ~~فإنهم يقولون أن للمسيح اتحادا بإنسان جزئي والمسيح عند الفريقين أقنوم ~~لحقيقة الإله فقط. PageV01P063 # وهي عند الفريقين أيضا حقيقة غير مركبة، أخذت من الحقيقتين. # يعنون بالحقيقتين: حقيقة الإله جل اسمه، وإنسانية عيسى عليه السلام. # ثم وقع الاتفاق منهما على أن كل حقيقة باقية على جميع أوصافها من غير ~~اختلاط ولا امتزاج، بل كل منهما حافظة ذاتها من حيث هي كذلك. # والمسيح الذي هو «1» أقنوم لحقيقة الإله فقط، فقط صرحوا بصلبه، فيلزم ~~أيضا للفريق الثاني/ ما لزم الأول. # أما الأول: فقد مضى القول فيه مبينا. # وأما الثاني: فلأنهم مصرحون بأن المسيح عليه السلام أقنوم لحقيقة الإله ~~فقط، ومعتقدون بأن حقيقته غير مركبة، ليس بينها وبين حقيقة الإنسان اختلاط ~~ولا امتزاج، وقد حكموا مع ذلك بصلبه، فيلزم أن يكون المصلوب هو الإله. # فإن قيل: إن الفرقين كل منهما قائل بالاتحاد، فلم لا يعود الصلب إلى «2» ~~المتحد به؟ # فنقول: هذه الدعوى لا يقدرون على تحقيقها البتة. # أما القدماء، فلأن المتحد به لا وجود له إلا في الذهن ولأن/ حقيقة المسيح ~~عندهم غير مركبة. # وأما المتأخرون، فبمثل هذا المقالة أيضا يقولون، وأما الاتحاد عندهم ~~بإنسان جزئي، فحاصله يرجع إلى نسبة. # والعجب من إطلاقهم الصلب على المسيح الذي هو أقنوم لحقيقة الإله فقط، ثم ~~يعترفون بأن الاتحاد غير معقول الحقيقة. # وكيف يستجيز العاقل أن يطلق الصلب على المسيح الذي هو أقنوم لحقيقة الإله ~~فقط، ويصرح بجهله بحقيقة الاتحاد الذي ينبني على العلم به رد الألم إلى ~~الإنسان وصرفه عن الإله جل اسمه؟! # وأعجب من ذلك ركونه/ إلى ما لا يعلم حقيقته، وله عن هذه الجهالة مندوحة ~~«3» ظاهرة! PageV01P064 # وأي عذر لمن يعتقد أن الحامل له على ذلك؛ ما ms23 ورد من ظواهر النصوص الدالة ~~على الاتحاد، وما ظهر على يد المسيح عليه السلام من الخوارق؟! # وهذه اعتراف بالجهل الصاد عن الحق. ومن لم يدر أوضاع العلوم، ولم يكن له ~~منها هاد يزغه «1» الجهالة، هان عليه أن يقول مثل ذلك. # أما الاتحاد، فقد ذكرنا إطلاقه على غير عيسى عليه السلام، وبيناه أحسن بيان. # وأما ظهور الخوارق على يده بالسؤال والطلب، فذلك ثابت لغيره من الأنبياء. ~~وكيف/ ينكر ذلك، وهو المتضرع السائل عند إقامته عاذر وقد رفع عينيه إلى ~~السماء، وقال: «يا أبة «2»، أشكرك لأنك تسمع لي، وأنا أعلم أنك سميع لي في ~~كل حين، ولكن لأجل هذا الجمع الحاضر ليؤمنوا أنك أرسلتني» «3». والطالب ~~لتلامذته التقديس والحفظ من الإله القادر على ذلك، بقوله: «قدسهم بحقك» «4». # وبقوله: «احفظهم باسمك الذي أعطيتني» «5». # الداعي متضرعا، والمتردد في إمكان النجاة من الصلب، بقوله: «إن كان ~~يستطاع، فلتعبر عني هذه الكأس، وليس كإرادتي، لكن/ كإرادتك». # والمستفهم من الإله؛ لم تركه، بقوله: «إلهي، إلهي، لم تركتني»؟! # والنافي عنه العلم المختص بالإله إثباته، بقوله: «أما ذلك اليوم، وتلك ~~الساعة» إلى قوله: «ولا الابن إلا الأب وحده». # والمصرح بالإنسانية والرسالة، بقوله: «إنسان كلمتكم بالحق الذي سمعته من ~~الله» «6». # والمقيد أحكامه بما يؤمر به: «كما أمرني الأب، كذلك أتكلم» «7». PageV01P065 # والمشهود له على لسان من أثنى عليه من عظماء تلامذته، بأن الخوارق مصنوعة ~~لله على يده، بقوله: «إن يسوع النصارى؛ رجل ظهر بينكم بالقوى والآيات التي ~~فعلها/ الله على يده» «1». # وإذا كانت هذه حالته عليه السلام، فكيف يركن العاقل إلى ما لا يعلم ~~حقيقته، مع إمكان علمه، وينبذ المعقول والمنقول حجرة؟! # وأما النسطوري «2»، فيقول: إن الاتحاد وقع في المشيئة. # وهذا كلام مثبج يجب تحريره. # فإن عنوا بذلك، أن مشيئة عيسى عليه السلام تابعة لمشيئة الإله في الأحكام ~~الخمسة، لا تباينها في واجب، ولا محظور، ولا مندوب، ولا مكروه، ولا مباح، ~~فهذا ثابت لجميع الأنبياء، بل وللأولياء «3» أيضا، الذين PageV01P066 ~~ليسوا في درجة الأنبياء، وإن أرادوا بذلك أن جميع ما تعلقت به مشيئة ms24 الإله ~~من/ الكائنات هو بعينه متعلق بمشيئة المسيح عليه السلام، فهذا عين الخطأ. # ولا يجمل بعاقل أن يخطره بباله فضلا عن أن يعتقده مذهبا. # وكيف يمكن ادعاء ذلك، وقد تعلقت عندهم مشيئة الإله بصلب المسيح عليه ~~السلام، ولم يكن الصلب مرادا له، ولا تعلقت مشيئته به. يدل على ذلك تضرعه ~~للإله سائلا رفعه «1»، بقوله: # «إن كان يستطاع فلتعبر عني هذه الكأس، وليس كإرادتي لكن كإرادتك». فصرح ~~بتغاير الإرادتين. # وتبرمه أيضا مصلوبا سائلا عن السبب بقوله: «إلهي، إلهي، لم تركتني»؟ يدل ~~«2» على عدم شعوره بالسبب/. # ومن لم يكن شاعرا بحقيقة الواقع، كيف تتعلق مشيئته بوقوعه؟ # ومن المعلوم أن مشيئة المسيح عليه كانت متعلقة بمتابعة جميع بني إسرائيل ~~له، وجمعهم على الهدى؛ هذا شأن الأنبياء الهادين. # وما تعلقت مشيئة الإله بذلك، بل تعلقت بعدمه، لأن الواقع عدمه. # وكذلك الساعة؛ تعلقت مشيئة الإله بوقوعها في زمن مخصوص، والمسيح غير عالم ~~بتعيين ذلك الزمن، فكيف تتعلق مشيئته بتعيينه؟! ### | AUTO ثم قصد شجرة التين؛ تعلقت مشيئة الإله بأن يقصدها وهي غير ~~مثمرة، والمسيح عليه السلام/ قصدها غير عالم بحقيقة هذا التعلق، وهذا كثير ~~وجوده، فليطلب من مواضعه. وإنما عدلنا عن الإطالة لأنه سهل التعرف. # [إطلاق النسطورية لفظ الإله على عيسى عليه السلام] # «3» وهذه الطائفة قد علم من حالها أنهم يطلقون لفظ الإله على المسيح عليه ~~السلام، وليت شعري؛ هل المراد بهذا الإطلاق تعظيمه، لأن الإله PageV01P067 ~~يطلق على كل عظيم «1»، أم يريدون بذلك إلهيته؟ # فإن كان هذا الثاني هو المراد، فجهل هذه الطائفة أعظم من جهل جميع ~~الطوائف، والذي أوقعهم في هذه المضايق؛ تعلقهم بظواهر أوجبت صرائح العقول ~~القطع بعدم إرادتها، وإلا/ فكم ورد في كل شريعة من ظاهر مصادم لصريح العقل، ~~وأوله علماء تلك الشريعة. # وقد وقع في مثل ذلك جماعة من الأكابر «2»، فبعضهم قال: سبحاني، وقال ~~الآخر: ما أعظم شأني «3». # وقال الحلاج «4»: أنا الله، وما في الجبة إلا الله «5»!! PageV01P068 # وحمل ذلك منهم على أحوال الأولياء الشاغلة عن التحفظ في المقال، حتى قال ~~بعضهم: هؤلاء ms25 سكارى، ومجالس السكر تطوى ولا تحكى «1»!! # كل ذلك لقضاء صريح العقل باستحالة كون هذه الظواهر مرادة. ثم تجدهم كأنهم ~~تواصوا على السلوك في أضيق الطرق، حتى صاروا هزأة/ للساخرين. ### | AUTO ولم ينبض لأحد منهم عرق العصبية ولهم مخرج ومندوحة عما ورطوا ~~أنفسهم فيه. وكيف يصادم المعقول من كان متمكنا من حمل الكلام على محامله ~~السديدة؟ أما «2» إطلاق الحلول «3»، فقد سلف منا بيانه. # [لفظ الرب والإله يطلقان على الله وعلى غير الله] # «4» وأما الرب فيطلق بالاشتراك على الله جل اسمه، وعلى المالك، فيقال: # رب المنزل، ورب المتاع. PageV01P069 # وأما الإله فيطلق عندهم بالاشتراك على كل عظيم، وقد قال في الإنجيل: «قد ~~أطلق عليكم في ناموسكم أنكم آلهة» «1» يخاطب «2» اليهود. # وفي المزامير: «وآلهة قلت لكم، وبنو العلي كلكم». # وقال في التوراة/ لموسى: «قد جعلتك إلها لفرعون، وأخاك هارون رسولك» «3». # ويطلق الإله على كل من عبد، سواء كانت العبادة حقا أو باطلة «4». # وإذا وجد السالك في المضيق عنه مندوحة فتماديه على غيه عماية. # وبمجموع هذا البيان، صرح بولص في رسالته الثانية في الفصل التاسع من ~~رسائله؛ تصريحا لم يبق معه علقة إلا لمن فقد هادييه: عقله وعلمه، فقال: ~~«وأنه لا إله غير الله وحده، وإن كانت أشياء مما في السماء والأرض يسمى ~~آلهة، وكما قد توجد آلهة كثيرة، وأرباب كثيرة، فإن لنا نحن إلها واحدا هو ~~الله/ الأب؛ الذي منه كل شيء، ونحن به، وربا واحدا هو يسوع المسيح؛ الذي كل ~~شيء بيده، ونحن أيضا في قبضته» «5». # فانظر إلى حسن هذا البيان؛ صرح بأن الإله والرب يطلقان على الله عز وجل، ~~وعلى غيره ممن لا يستحق أن يكون معبودا. ثم أثبت للإله المعبود صفة الخالق ~~المستحق للعبادة، فجعل إيجاد كل شيء صادر منه، بقوله: # «الذي منه كل شيء، ونحن به». # ثم صرح بأن ذلك هو الله، وأثنى عليه بالوحدانية، بقوله: «فإن لنا نحن «6» ~~إلها واحدا هو الله». ثم نفى استحقاق إلهية/ غيره، بقوله: «وأنه لا إله PageV01P070 ~~غير الله وحده». ثم أشار إلى المسيح إذا ms26 أطلق عليه الرب الذي صرح باشتراكه، ~~كان ذلك بمعنى المالك، يدل على ذلك أنه لم يثبت له شيئا من صفات الإله ~~المذكورة، وإنما أثبت له يد الملك، التي من شأنها أن تثبت للمالك. # فانظر إلى حسن هذه الإشارات الذي «1» لا تتقاعد ذو الفهم عن تلقيها ~~بالقبول. فليت شعري من أية «2» الجهات بني هذا الشرع على هذا الخزي ~~الفاضح؟! # وقد أجرهم الجهل رسن «3» الجرأة على الله وعلى أنبيائه الهادين، وأوليائه ~~المقربين، إلى أن أخطروا ببالهم أباطيل تناقلوها صاغرا/ عن صاغر. # فلذلك أجمعوا أمرهم على أن بني آدم أخذوا بسبب عصيان أبيهم آدم «4»، وأن ~~جميع الأنبياء والأولياء ألقوا في الجحيم، ثم إن الإله وعدهم أن يفديهم، ~~ففداهم فداء الكريم، والكريم إذا بالغ في الفداء، فدا «5» بنفسه، وذاته ~~مجردة لا ينالها ضيم ولا أذى. فاتحد بناسوت عيسى عليه السلام، ثم إن ~~الناسوت الذي اتحد به صلب، فكان صلبه سببا لخلاص الأنبياء والأولياء ~~وإخراجهم من الجحيم! لا أقال الله لهذه العصابة النوكى «6» عثارا. PageV01P071 ### | AUTO [شبهة إطلاق لفظ الأبوة على الله، ولفظ البنوة على عيسى] «1» # أما ما تعلقوا به من إطلاق الأبوة على الله عز/ وجل، والبنوة على نفسه، ~~ظانين بأن ذلك محصل غرضا، أو مثبت خصوصية؛ يقع بها الامتياز، فليس الأمر ~~كذلك «2». # وبيانه: أنه قد جاء في التوراة التي يقولون بصدق ما فيها من النصوص «ابني ~~بكري بني إسرائيل» «3». وقال أيضا في التوراة: «قل لفرعون إن لم PageV01P072 ~~ترسل ابني بكري ليعبدني في البرية، وإلا قتلت ابنك بكرك. يريد بابني: بني ~~إسرائيل. وكان عدتهم إذ ذاك ستمائة ألف سوى النساء والصبيان». هذا لفظ ~~التوراة «1». # وفي مزامير داود، وهو عندهم لا ينطق في مزاميره إلا عن الوحي؛ «وبنو/ ~~العلي كلكم». # وأطلق عيسى ذلك عليه وعليهم، فقال: «أنا صاعد إلى أبي وأبيكم، وإلهي ~~وإلهكم» «2». # إن من يعتقد فيمن هذه كلماته أنه إله، لمدفوع عن الصواب الواضح. # وأطلق أيضا ذلك عليهم فقط، فقال في إنجيل لوقا: # «ولا تقطعوا رجاء أحد، فيكون أجركم كثيرا، وتكونوا بني العلي، لأنه رحيم ms27 ~~على غير المنعمين الأشرار، وكونوا رحماء مثل أبيكم» «3». وأطلق ذلك أيضا ~~تلميذه يوحنا بن زبدى لما فهم المجاز الذي سنذكره، فقال في رسالته: «من ~~يعترف بأن يسوع هو المسيح؛ فهو من الله مولود» «4». وإنما/ حمله على أن ~~تجوز بمثل ذلك، مع القطع بأن الحقيقة غير مرادة، لأن الأب جبل على أن يكون ~~شديد الحنان والرأفة والرحمة والشفقة لولده، حريصا على أن يجلب إليه «5» ~~جميع الخيور، ويدفع عنه جميع الشرور، مجتهدا على أن يوضح له طرق الخير، ~~ويأمره بالمبادرة إليها، مسارعا إلى تحذيره مما يفضي به إلى عقوبة أو لوم ~~أو ضرر دائم، أو جهالة ساترة لما يراد به في المستقبل. هذا وضع الأب فيما ~~نشاهده. # وأما الابن فوضعه؛ أن يكون موقرا لأبيه معظما له، شديد الحياء منه، ~~ممتثلا/ أوامره، ملاقيا لها بالإجلال والتعظيم وعدم المخالفة، واقفا عند ما ~~يأمره «6» به وينهاه عنه. PageV01P073 # والله عز وجل إذا قيس إحسانه إلى كل شيء «1» ورحمته له، وشفقته عليه، وما ~~جبله عليه من الخير، وما دفعه عنه من الشر، وما بينه له مما هو لائق ~~بجلاله، ثم وفقه للعمل بمقتضاه؛ كان ما يصنعه الوالد بالنسبة إلى هذا تافها حقيرا. # ثم توقير الأنبياء أيضا لله، وحياؤهم منه، وانقيادهم لأوامره، ووقوفهم ~~عند مناهيه، وإجلالهم له أعظم من صنيع الأنبياء «2» مع آبائهم. فهو لهم ~~أرحم أب، وهم له أبر ولد. # فهذا سر التجوز/ في إطلاق [مثل ذلك، فإذا تجوز في إطلاق] «3» الأب على ~~الله؛ كان معناه: أنه راحم له، عطوف عليه. # وإذا تجوز بإطلاق البنوة على نفسه، كان معناه أنه موقر لله، معظم له. # وهذا معنى قول عيسى عليه السلام محرضا على عدم قطع الرجاء، أي؛ أطعتموه ~~في ذلك، صنع معكم ما يصنع الوالد مع ولده. وهذا أيضا معنى قول تلميذه: «فهو ~~من الله مولود». # فانظر إلى سر «4» ما وقف عليه الأنبياء، ثم أذن لهم في إطلاقه، معولين ~~على فهم من له تحصيل يصرفه عن الخيالات الفاسدة. # وها هم الآن أنفسهم مقيمون على إطلاق ذلك، فإذا رأوا ms28 راهبا أو قسيسا/ ~~قالوا له: يا أبانا، وليس هو أباهم حقيقة، ولكن مرادهم بالإطلاق؛ ما أشرنا ~~إليه وهو أنه ينزلونه في الشفقة منزلة الأب، وينزلون أنفسهم في توقيره ~~منزلة الأبناء. # وقد صرح داود عليه السلام بما أشرنا إليه في مزاميره، فقال: «كما يترأف ~~الأب على بنيه، كذلك يترأف الرب على خائفيه». # فقد ثبت بما ذكرناه أن إطلاق البنوة عليه، غير مثبت خصوصية يقع بها تميز. PageV01P074 # وصريح الإنجيل ناطق بصحة هذا التأويل، وهو قوله: «فأعطاهم سلطانا أن يصيروا ~~بني الله». أي/ أعطاهم ما يتمكون به من تحصيل ما ذكر من المعاني المستفادة ~~من الأبوة على حد ما أول [] «1». # هي من أعظم معضلاتهم التي يعولون عليها مثبتين بها إلهية عيسى عليه ~~السلام. جعلها يوحنا فاتحة إنجيله، وهي: «في البدء كان الكلمة، والكلمة كان ~~عند الله، وإله هو الكلمة، كان هذا قديما عند الله، كل به كان، وبغيره لم ~~يكن شيء مما كان- إلى آخره- وهو قوله: والكلمة صار جسدا، وحل فينا، ورأينا مجده». # أما أول هذا الفصل فلا تعلق له بثبوت/ الإلهية لعيسى عليه السلام بوجه، ~~لأنهم يعتقدون أن ذات الباري واحدة في الموضوع، ولها اعتبارات: # فإن اعتبرت مقيدة بصفة لا يتقدم «2» وجودها على تقدم وجود صفة قبلها؛ ~~كالوجود. فذلك المسمى عندهم بأقنوم الأب. # وإن اعتبرت موصوفة بصفة يتوقف وجودها على تقدم وجود صفة قبلها؛ كالعلم، ~~فإن الذات يتوقف اتصافها بالعلم على اتصافها بالوجود، فذلك المسمى عندهم؛ ~~بأقنوم الابن والكلمة. # وإن اعتبرت بقيد كون ذاتها معقولة لها فذلك المسمى/ عندهم؛ بأقنوم روح القدس. # فيقوم إذا من الأب معنى الموجود، ومن الكلمة والابن معنى العالم، ومن روح ~~القدس كون ذات الباري معقولة. # هذا حاصل هذا الاصطلاح، فتكون ذات الإله واحدة في الموضوع، موصوفة بكل ~~أقنوم من هذه الأقانيم. # ومنهم من يقول: إن الذات إن اعتبرت من حيث هي ذات، لا باعتبار صفة البتة، ~~فهذا الاعتبار عندهم عبارة عن العقل المجرد وهو المسمى؛ بأقنوم الأب. PageV01P075 # وإن اعتبرت من حيث هي عاقلة لذاتها، فهذا الاعتبار عندهم عبارة ms29 عن معنى ~~العاقل/ وهو المسمى؛ بأقنوم الابن والكلمة. # وإن اعتبرت بقيد كون ذاتها معقولة لها، فهذا الاعتبار عندهم هو المسمى؛ ~~بأقنوم معنى المعقول وروح القدس. # فعلى هذا الاصطلاح يكون العقل عبارة عن ذات الإله فقط، والأب مرادفا له، ~~والعاقل عبارة عن ذاته، بقيد كونها عاقلة لذاتها، والابن والكلمة مرادفين ~~له، والمعقولية عبارة عن الإله الذي ذاته معقولة له، وروح القدس مرادفا له، ~~فقد ثبت بهذين الاصطلاحين؛ أن الكلمة عبارة عن الذات الموصوفة بالعلم/ ~~والعقل، وكذلك الابن. فإذا كل منهما أقنوم مدلوله: # العالم أو العاقل. # فقوله: «في البدء كان الكلمة»؛ يريد: في البدء كان العالم. # وقوله: «والكلمة كان عند الله» معناه: والعالم لم يزل موصوفا به الإله، ~~يريد: إن هذا الوصف لم يزل ثابتا للإله. وكان هاهنا [يريد: إن هذا الوصف لم ~~يزل ثابتا للإله، وكان هاهنا] «1» بمعنى لم يزل. # وقوله: «وإله هو الكلمة»، معناه: وهذه الكلمة التي مدلولها العالم، ذلك ~~العالم هو الإله. # وقوله: «كان هذا قديما عند الله»، معناه: لم يزل مدلول هذا الاعتبار/ وهو ~~العالم الذي هو مدلول الكلمة موصوفا به الإله، وهو إله لأنه أخبر عنه بذلك ~~بقوله: «وإله هو الكلمة»، ليقطع بذلك وهم من يعتقد أن العالم الذي هو مدلول ~~الكلمة، غير الإله. # هذا اعتقادهم في هذه الأقانيم «2». وكلام شارح إنجيلهم في أول هذا الفصل، ~~وإذا صحت المعاني فلا مشاحة في الألفاظ، ولا فيما يصطلح عليه المصطلحون، ~~فقد وضح بما شرحوه أن أول هذا الفصل لا دلالة فيه على الإلهية لعيسى عليه ~~السلام البتة. # بقي في الفصل شبهتان فيهما مزل القدم: PageV01P076 # الأولى:/ قوله: «كان إنسان أرسل من الله، اسمه يوحنا، هذا جاء للشهادة ~~ليشهد النور، ليؤمن الكل به، ولم يكن هو النور، بل ليشهد للنور الذي هو نور ~~الحق الذي يضيء لكل إنسان آت إلى العالم، في العالم كان، والعالم به كون، ~~والعالم لم يعرفه» «1». # فنقول: الموصوف في هذه الكلمات بأنه لم يزل في العالم، وأن العالم كون ~~به، إما أن يكون هو الناسوت منفكا عن ms30 تعلقه باللاهوت «2»، أو باعتبار تعلقه ~~به. وإما أن يكون هو اللاهوت من حيث هو لاهوت، أو باعتبار تعلقه بالناسوت، ~~وهو/ ظهوره فيه. وإما أن يكون هو الحقيقة الثالثة. والكل باطل، إلا اللاهوت ~~من حيث هو لاهوت. # وأما بطلان الناسوت فضروري، سواء قلنا إنه منفك عن تعلقه باللاهوت، أو ~~باعتبار تعلقه به، أما مع الانفكاك فظاهر، وكذلك مع التعلق، لأن تعلقه ~~باللاهوت حادث، لأن التعلق ما حصل له إلا بعد خلقه، فكيف يوصف بتكوين ~~العالم، وأنه لم يزل فيه؟! # وكذلك أيضا؛ الحقيقة الثالثة، لأن الحقيقة الثالثة أحد جزئها «3» ~~الناسوت، وهو حادث، فيلزم أن تكون معدومة قبل خلقه، ويستحيل/ وصفها إذا بما ذكر. # وكذلك اللاهوت باعتبار ظهوره في الناسوت، لأن ظهوره فيه إنما حدث عند ~~خلقه للناسوت. فإذا حكمنا على اللاهوت بما ذكر باعتبار هذا التعلق الحادث ~~استحال وصفه بما ذكر. # فلم يبق إلا أن تكون هذه الأوصاف عائدة إلى الإله جل اسمه، من حيث هو ~~إله، لا باعتبار انضمامه إلى الناسوت، ولا باعتبار انضمام الناسوت PageV01P077 ~~إليه. فحينئذ يجب صرف هذا الكلام إلى الله عز وجل، ويكون تقدير الكلام: «بل ~~ليشهد للنور الذي هو نور الحق، الذي يضيء به الحق/ على كل إنسان لأن الحق ~~جل اسمه هو الذي يهدي كل أحد بنور معرفته إلى المعارف الحقيقية، ويقفه ~~بإضاءته، على دقائق مصنوعاته التي لا تهتدي «1» إليها العقول إلا بنور ~~هدايته». هذا معنى واضح غني عن الإطالة. # وقد أطلق النور في الإنجيل والمراد به الهداية، وهو قوله عليه السلام: # «ما دمت في العالم، فأنا نور العالم» «2». # صرح بذلك يوحنا في الفصل الثاني والعشرين، وقوله أيضا: «إنما جئت نور ~~العالم» «3». صرح أيضا بذلك يوحنا في الفصل الخامس والعشرين. # وهذا التصريح يؤكد ما ذهبنا إليه من/ التأويل في حمل النور على الهداية. # الشبهة الثانية: قوله في آخر الفصل: «والكلمة صار جسدا وحل فينا ورأينا مجده». # لا بد من حكاية وضع هذا اللفظ كيف كان في القبطي، ليعلم بذلك زللهم ~~وعدولهم عن مقتضى وضعه، وصرفهم وضعه ms31 عن مفهومه الموافق إلى مفهوم مصادم ~~لبديهة العقل. # وضع هذا اللفظ: «وه بيصاجي أفأر أو صركيس». # مفهوم هذه الكلمات في القبطي: والكلمة صنع جسدا، لأن «أفأر» مفهومها في ~~القبطي: صنع. # وعلى/ هذا الوضع لم يبق إشكال البتة، بل يكون اللفظ صريحا بأن العالم قام ~~من أقنوم الكلمة، الذي عبر عنه بأنه إله، بقوله: «وإله هو الكلمة صنع جسدا ~~وحل فينا ورأينا مجده». # أي ذلك الجسد الذي صنعه الإله هو عيسى عليه السلام، وهو الذي ظهر ورؤي ~~«4» مجده. PageV01P078 # وقد اعتذروا عن العدول عن هذا المفهوم الظاهر أن «1» قالوا: هذه الكلمة ~~وضعت بالاشتراك بين صنع وصار، وهذا الاعتبار يطلب اعتذارا، بل هو من ~~المضحكات. لأن لفظ «2» المشترك يتعين حمله على أحد مفهوماته/ بأيسر قرينة ~~مشعرة بأن المراد منه هذا المفهوم، فما شأنك بحاكم العقل الموجب حمله على ~~ما أشرنا إليه. # ثم إن مترجم هذه اللفظة إذا سلم له كونها وضعت بالاشتراك؛ يكون قد ارتكب ~~فيها عكس القضية في المشترك، لأن المشترك إذا تردد بين مفهوماته عينته ~~القرائن، وهو في هذه الكلمة قضى بصرف اللفظ عما هو واجب الإرادة، وحمله على ~~ما يقضي صريح العقل بعدم إرادته ليحصل له بذلك؛ أن الإله العالم صار جسدا!! # لا أعرف أحدا اجترأ على الله كجرأة هذه الطائفة عليه/ لا ها الله ذا «3» ~~لا يوجد خزي أفحش من خزي قوم يعتقدون أن إله العالم قبر!! وقد شينوا «4» ~~بذكر ذلك، قائلين: بل يجب أن يصام في ذلك السبت وحده، لأن صانع البرية كان ~~فيه مقبورا. صرح بذلك في قوانينهم المدونة عن أكابرهم ورسلهم. ومن يضلل فلن ~~تجد له وليا مرشدا «5». # فإن قيل: إنما حمل على هذا المفهوم لقرائن رجحت حمله عليه. # فالجواب «6»: إن كل مرجح كان مصادما للمعقول، رد غير معول عليه مع أن ~~تسمية ما هذا شأنه مرجحا؛ جهل، والقائل به ليس له هاد علمي يقفه على نهج ~~الحق. ثم إن اقتصرنا/ على بيان هذا الأمر الواضح الذي ارتكبوا فيه التحريف ~~إلى أن صيروه شبهة. كفانا ذلك ms32 في دفع هذه الشبهة. # وإن أردنا قطع النزاع، مسلمين أن هذه الكلمة وضعت بالاشتراك، وقد PageV01P079 ~~احتفت بها قرائن رجحت حملها على صار دون صنع. # فالجواب أيضا عن الشبهة واضح، وبيانه: # أن اللفظ على هذا التقدير لا يعرض لعاقل وقفة في صرفه عن ظاهره. # وبيان ذلك: أن الكلمة التي ذكرت في أول الفصل صرح بأنها إله، بقوله: ~~«وإله هو الكلمة» فكيف يحكم على الإله بأنه صار/ جسدا؟ # وتصحيح هذا الكلام؛ أن الكلمة عندهم عبارة عن الذات، باعتبار صفة العلم، ~~أو النطق، كما تقدم في أول الفصل. فحينئذ تكون دالة على الذات الموصوفة ~~بالعلم، أو النطق، وهذا الإطلاق [ليس] «1» مختصا بالإله، لأن اللفظ المشكل ~~كيف ما تردد يستعمل في كل فرد من أفراده حقيقة، فحينئذ تكون الكلمة موضوعة ~~للذات بقيد العلم أو النطق، مع قطع النظر عن كون الذات موصوفة بالجسمية أو ~~منفكة عن هذا الوصف، ففي أول الفصل، أطلقت الكلمة/ على العالم المنفك عن ~~الجسمية حقيقة؛ الذي هو إله. وفي آخر الفصل، أطلقت على العالم أو الناطق ~~الموصوف بالجسمية حقيقة؛ الذي هو رسول أيضا. # فيكون إذا معنى قوله: «والكلمة صار جسدا» أي: أن ذلك الإله العالم الذي ~~كان مدلول الكلمة، كان منفكا عن الجسمية. وقد صار مدلولها الآن؛ عالما ~~موصوفا بالجسمية؛ وهو الرسول. لأنها إذا وضعت للذات بقيد العلم، قام منها ~~معنى العالم لا محالة. هذا كله بعد تسليم أن الكلمة موضوعة للذات بقيد ~~الصفة/، من حيث أنها ذات. # فإن ادعي أن ذلك مختص بذات الإله، كان إطلاقها على عيسى عليه السلام، ~~بطريق المجاز. لأن المشاركة في مفهومها ثابتة، وهي من أعظم مصححات المجاز. ~~ولا يرد هذا التأويل [بقول القائل: إنه على خلاف الظاهر، لأنه لا معنى ~~للتأويل] «2» إلا صرف الكلام [عن] «3» ظاهره، لدليل يأبى إبقاءه على ~~حقيقته. PageV01P080 # فإن قيل: إنما يكون هذا التأويل مقبولا إذا كان الكلام متعلقا بعضه ببعض، ~~لا سيما كلام الإله جل اسمه. # فالجواب: أن المعقول «1» إذا حكم باستحالة بقاء اللفظ على ظاهره؛ وجب ~~تأويله. # فالتأويل إذا: ms33 صرف اللفظ [عن] «2» ظاهره «3» - كما ذكر- وحمله/ على ما هو ~~جائز الإرادة. فحينئذ لا يبقى للمتعلق بظاهره حجة، لمخالفة المعقول وإمكان ~~التأويل. # ونحن الآن نبين عدم تباين كلمات هذا النص، وحملها على ما هو سائغ ~~الإرادة، على حكم ما أولناه، فنقول: # قد ثبت أن الحق- جل اسمه- هو الذي يضيء بنوره على كل إنسان آت، ويكشف له ~~به غطاء كل خفية، وذلك مصرح به في هذا النص، بقوله: # «ليشهد للنور الذي هو نور الحق الذي يضيء لكل إنسان». # قوله: «في العالم كان» هذا يصلح أن يكون وصفا للنور، ويصلح أن يكون وصفا ~~للحق- جل اسمه- لأن هداية/ الله تعالى وإيضاحه لكل خفي، وكشفه الغطاء عن كل ~~شبهة، لم يزل ذلك ثابتا في العالم. # قوله: «والعالم به كون» هذا وصف للحق «4» - جل اسمه- وقد صرح في أول ~~الفصل بقوله: «كل به كان». # فليت شعري؛ أي عذر لمن يحمل هذا على عيسى عليه السلام مع هذا التصريح، ~~وهو قوله في أول الفصل: «وبغيره لم يكن شيء مما كان». # قوله: «إلى خاصيته جاء» أي: إلى خاصية الحق ظهر نوره الذي هو عبارة عن ~~هدايته وإرشاده، إذ بنوره يهتدي كل مهتد، والمراد/ بمجيء النور هاهنا: ~~ظهوره، لأن وصف المعاني بالمجيء محمول على ظهورها. # قوله: «وخاصته لم تقبله». المراد بالخاصة: من دعي للهداية. أي: PageV01P081 # وخاصته الذين دعوا لهدايته، لم يقبلوا هدايته. # قوله: «فأما الذين قبلوا» أي: فأما الذين قبلوا هدايته، وهم غير الذين لم ~~يقبلوا، يدل على ذلك إيراد الكلام بأما التي هي للتفصيل، فأعطاهم سلطانا أن ~~يصيروا بني الله. # كان الأخصر أن يقول: أن يصيروا بنيه، وإنما عدل عن ذلك ليصرح بذكر الاسم ~~المعظم «1»؛ وهو الله، لأجل شرف النسبة، ليعظم وقع ذلك/ في النفوس. # ثم قال: «الذين يؤمنون باسمه، الذين ليس هم من دم ولا من هواء لحم، ولا ~~مشيئة رجل، لكن ولدوا من الله». # يريد: أن هذه البنوة التي حصل لهم بها شرف النسبة، ليست من قبيل البنوات ~~التي من شأنها أن تحصل عن مشيئات الرجال وإلمامهم بالنساء، وتكون ms34 اللحوم ~~والدماء. # بل المراد بذلك: الإفراط في القرب والرأفة بهم، على حكم ما سلف. ثم عطف ~~على أول الفصل مبينا أن من أحكام الكلمة التي قام منها معنى العالم، أن ~~تطلق على العالم سواء كان منفكا عن الجسمية، كذات الباري، أو غير/ منفك، ~~كذات «2» الرسول. # وقد سلكوا في تأويل الأقانيم مسلكا لزمهم القول بوجود ثلاثة آلهة، في ~~الذهن والخارج متباينة ذواتها وحقائقها، أو نفي ذات الإله- جل اسمه- وذلك ~~أنهم جعلوا الأب عبارة عن الذات بقيد الأبوة، والابن عبارة عن الذات بقيد ~~البنوة، وروح القدس عبارة عن الذات بقيد الانبثاق. # ثم يقولون: «إله واحد» فإذا ضويقوا في ذلك، وتبينوا أن ذات الأب مختصة ~~بصفة الأبوة، غير قابلة لوصفها بالبنوة. وكذلك القول في الابن وروح القدس، ~~وليست من الذوات/ المتضايقة؛ فتقدر: أبا لشخص وابنا لغيره. # قالوا: إن الذات واحدة، ووصفها بجميع هذه الصفات ممكن، لكنا إذا PageV01P082 ~~وصفناها بصفة قدرنا نفي ما يباينها. وهذا مكان الجهل والغفلة؛ لأنهم يقولون ~~بقدم هذه الذوات أزلا، وبقدم صفاتها. # فإذا هي ملزومات لصفاتها، وصفاتها لازمة لها، ومتى وجد الملزوم، وجد ~~اللازم، ومتى انتفى اللازم انتفى الملزوم. # فإذا قدر نفي الصفة اللازمة للذات؛ قدر نفي الذات، وإلى هذا المعنى إشارة ~~الكتاب العزيز، بقوله: لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة «1» /. # المعضلة الثانية: ذكرها يوحنا في الفصل الخامس والعشرين: # «إبراهيم أبوكم اشتهى أن يرى يومي، فرأى وفرح، فقال له اليهود: لم يأت لك ~~بعد خمسون سنة، وقد رأيت إبراهيم. فقال لهم يسوع: الحق أقول لكم؛ إني قبل ~~أن يكون إبراهيم» «2» هذا آخر كلامه. # فنقول: إذا هذا الكلام ناطق بالمجاز، لأن إبراهيم عليه السلام لم ير يوم ~~ولادته، ولا يوم إرساله، ولا يوم حصول الحقيقة الثالثة له، كما يزعمون، لأن ~~هذه كلها حدثت بعد إبراهيم. # بل المراد من ذلك أن الأنبياء/ يحبون دوام طاعة الله، ودوام إظهار شرائعه ~~المتكفلة بمصالح العباد. فلما أعلم إبراهيم عليه السلام برسالة عيسى ~~وهدايته للعالم، وما يظهر على يده من مصالح العباد، على ما اقتضته ms35 شريعته. ~~سر بذلك. # فالرؤية هاهنا محمولة على البصيرة؛ التي هي العلم، لا على البصر. # وقد صرح بولص في رسالته التي سيرها إلى قورنيته «3» بأبلغ «4» من ذلك، ~~وهذا يدل على أنه أراد عين ما أردناه، فقال: «ولكننا ننطق بحكمة الله PageV01P083 ~~الخفية، بالسر الذي لم يزل مستترا، وكان الله تقدم فقررها قبل العالمين» «1». # يريد أن/ هذه الأحكام مقررة في علم الله، فليست إذا تقولا وافتراء، وهذا ~~عين ما أولناه. # وقد صرح في قصص الرسل، في الفصل الثالث، بمثل ذلك عظيم تلامذته بطرس بن ~~«2» يونا المعروف بشمعون الصفا، قائلا: # «يا بني إسرائيل اسمعوا هذا الكلام؛ إن يسوع الناصري رجل ظهر عندكم من ~~الله بالقوى والآيات التي فعلها الله على يديه بينكم كما تعلمون أنتم، فهذا ~~الذي كان مقررا لهذا من سابق علم الله ومشيئته» «3». # صرح هذان العظيمان عندهم بعين ما أولناه، وزاد ابن يونا زيادة/، فصرح ~~بأنه رجل، وصرح بأن القوى والآيات التي ظهرت على يديه ليست واقعة بفعله؛ بل ~~صرح بأن «4» فاعلها إنما هو الله، بقوله: «رجل ظهر عندكم بالقوى والآيات ~~التي فعلها الله على يديه». وهذا التلميذ المصرح [بجميع] «5» ما ذكر، لا ~~يسع أحدا منهم أن يحظر بباله مخالفته. وصريح الإنجيل ناطق عموما وخصوصا ~~بوجوب متابعته، والوقوف عند أقواله. # أما عموما، فقوله لتلامذته: «الحق أقول لكم إن كلما ربطتموه على الأرض، ~~يكون مربوطا في السموات، وما حللتموه على الأرض يكون/ محلولا في السموات» «6». # وأما خصوصا؛ فقوله مخاطبا له: «أنت الصخرة وعلى هذه الصخرة أبني بيعتي» ~~ثم قال له: «وما ربطته على الأرض يكون مربوطا في السموات وما حللته على ~~الأرض يكون محلولا في السموات». # صرح بمجموع ذلك كله، أعني؛ الخصوص والعموم، متى في إنجيله. PageV01P084 # وقوله له أيضا: «ارع خرافي، ارع كباشي، ارع نعاجي» «1». # يريد بذلك طوائف أمته. صرح بهذه الكلمات يوحنا في آخر إنجيله. # ويدل على صحة هذا التأويل أيضا قوله: «إني قبل إبراهيم». القبلية هاهنا ~~محال أن تكون/ مضافة إلى ناسوته، لا باعتبار انفكاكه عن اللاهوت، ولا ~~باعتبار تعلقه به، ms36 ومحال أن تكون أيضا مضافة للحقيقة الثالثة، لما تبين، إذ ~~هذه كلها حوادث لم تكن موجودة عند وجود إبراهيم عليه السلام، بل المراد ~~بالقبلية علمه بتقدير الإرسال وما يترتب عليه من الإرشاد، هذا هو المعنى ~~الذي حمله على السرور. # فإن قيل: فأي خصوصية له في ذلك، إذ هذا المحمل مشترك بينه وبين سائر ~~الأنبياء، بل وبين كل موجود «2»؟ # فالجواب: أنه لم يذكر ذلك في معرض الخصوصية، وإنما/ ذكره قاطعا به ~~استبعاد اليهود لسرور إبراهيم وفرحه بيومه، وتصحيحا لصدقه فيما أخبر، لأن ~~الأنبياء إذا صدر منهم مثل ذلك، إنما يصدر في معرض التكذيب لأقوالهم، وإنما ~~يدعونه من الرسالة، ليس ثابتا في نفس الأمر، فيكون ذلك ردا على المكذب ~~وإعلاما له بأن هذه الدعوى ثابتة في نفس الأمر، مقررة في علم الله قديما. ~~ويدل على صحة هذا التأويل أن عيسى عليه السلام إنما ورد منه ذلك حين أعظم ~~اليهود قوله، قائلين: «لم يأت لك بعد خمسون سنة» /. # فذكر حينئذ الجهة المصححة لسرور إبراهيم، فيحصل لهم بذلك استمالة مكذبيهم ~~إلى صدقهم فيما يدعونه من النبوة والرسالة، وتقوية ظنون مصدقيهم، الذين لم ~~يصلوا إلى درجة العلم. # وقد ورد مثل ذلك في ألفاظ سيد المرسلين، حيث قال: # «كنت نبيا، وآدم بين الماء والطين» «3». PageV01P085 # ويجوز أن يكون عيسى عليه السلام ذكر ذلك في معرض الخصوصية؛ وهو إعلام ~~إبراهيم بمجموع رسالته وما يترتب عليها من الهداية وإظهار ما ظهر على يده ~~من المعجزات المختصة/ به، دون من عداه من الأنبياء السالفة قبله. هذا معنى ~~حسن الإرادة، فكيف تثبت «1» إلهية إنسان بدليل هذا شأنه؟! # الشبهة الثالثة: نص عليها ابن زبدى في الفصل الأول من فصول الفارقليط ~~«2»؛ «قال له فيلبس يا سيد أرنا الأب وحسبنا، فقال له يسوع: أنا معكم كل ~~هذا الزمن، ولم تعرفني يا فيلب «3»، من رآني فقد رأى الأب. فكيف تقول أنت ~~أنا «4» الأب؟ أما تؤمن أني في الأب، والأب هو في، وهذا الكلام الذي أتكلم ~~به ليس هو من عندي، بل أبي «5» الذي هو حال ms37 في؛ هو يفعل هذه الأفعال./ # آمنوا بي أني أنا في الأب والأب هو في، وإلا فآمنوا من أجل الأعمال. # الحق الحق أقول لكم؛ إن من يؤمن بي، يعمل الأعمال التي أعمل، PageV01P086 ~~وأفضل منها يصنع، لأني ماض إلى الأب» هذا آخر كلامه «1». # فأقول: هذا النص كالنص الذي أنكر اليهود إطلاقه، واعتذر عنه ضاربا لهم ~~المثل، وقد مضى القول فيه مبينا، وزاده هاهنا بيانا، وصنع «2» فيه ما عادته ~~أن يصنعه؛ وهو أنه- صلوات الله عليه- لم يأت قط بلبسة إلا وأتبعها كاشفا ~~يظهر خفاءها، وبيان ذلك: # أنه حين سئل «3» أن يريهم الإله، وكان ذلك/ مما لا يمكن إسعافهم به، عدل ~~عن مسئولهم، قائلا: «من رآني فقد رأى الأب». يريد أن الإله، لما كانت رؤيته ~~غير ممكنة للعباد «4»، أقام للأنبياء في تبليغهم أحكامه مقام نفسه، وهذا ~~شأن الملوك المحتجبين، فبأمره يأمرون، وبنهيه ينهون، وبأحكامه يحكمون. # ثم صرح بعدم إرادة ظاهر هذا اللفظ، فقال: «وهذا الكلام الذي أتكلم، ليس ~~هو من عندي» ثم بالغ في البيان، فقال: «بل أبي الذي هو حال في يفعل هذه ~~الأفعال». # يريد أن أقواله/ ليست للإله؛ بقيد كونها مفردة، بل وأفعاله. # أي: وكل كلام صدر مني متضمنا حكما؛ فهو من الله، لأني عنه أخبر، وكل ما ~~ترونه من الأفعال الباهرة للعقول، الناطقة بخوارق الأنبياء؛ فذلك فعله، ~~لأنه واقع بقدرته. # وقد سلف منا تصريح بولص الرسول بما يعضد هذا التأويل، وذكرنا PageV01P087 ~~لفظه، وهو: «الله الواحد هو الوسيط بين الله والناس، واحد هو الإنسان يسوع ~~المسيح». # ثم أتى بعد ذلك بما لا يتصور معه إرادة ظاهر هذا اللفظ الدال على أنه هو ~~الإله، فقال مصرحا/ بعدم إرادة ظاهره، ومرغبا لهم في تعاطي الأسباب التي ~~وصل بها إلى مثل ذلك: «الحق أقول لكم، أن من يؤمن بي؛ يعمل الأعمال التي ~~أعمل، وأفضل منها يصنع». صرح بجهة المجاز، إذ لا يتصور لأحد من البشر أن ~~تكون أفعاله أفضل من أفعال الإله بوجه. ثم أكد البيان، بقوله: «لأني ماض ~~إلى الأب». ولو كان هو الأب حقيقة ms38 لما قال: «لأني ماض إلى الأب» إذ لا ~~يتصور لأحد أن يقول: أنا ماض إلى زيد، ويكون هو عين زيد. # وقوله: «إن «1» تؤمن أني في الأب، والأب هو في» «2». # يريد/ بذلك: عدم التباين في الأحكام والإرادات، على حد ما أسلفناه في ~~إطلاقه الحلول. # ويدل على ذلك؛ أنه أتبعه بقوله: «وهذا الكلام الذي أتكلم به ليس هو من عندي». # فليتأمل المتأمل هذا النص، كم اشتمل على تصريح، وتضمن من قرينة تدل على ~~أنه غير الإله، فكيف يجعل نفس الإله؟! # بل لو كان هذا النص كله لبسة، لما جاز معاندة المعقول، واعتقاد ذلك، فكيف ~~والحالة هذه؟ الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لو لا أن هدانا ~~الله «3». # ويحتمل هذا النص وجها/ آخر، يعضده ما ورد مصرحا في إنجيل متى، وهو قوله: ~~«وليس أحد يعرف الابن إلا الأب، ولا أحد يعرف الأب إلا الابن». # صرح بأن أحدا لا يعرفه إلا الإله، فحينئذ يكون منكرا على السائل PageV01P088 ~~الطالب رؤية الإله، بقوله: «لي معكم كل هذا الزمن ولم تعرفني وأنا إنسان». ### | AUTO مع أن معرفة الإنسان ممكنة، فكيف تتصور أن تعرف الإله الذي لا ~~تتصور معرفته بحاسة البصر، ولا يتبين كنه حقيقته بالأجناس والفصول، ثم عدل ~~عن ذلك مبينا أن الإله إنما تطلب معرفته ليكون المكلف واثقا/ بأن هذه ~~الأحكام صادرة منه، فقال: «من رآني فقد رأى الأب». أي أنا عنه أخبر، ثم ~~أوضح ذلك بقوله: «وهذا الكلام الذي أتكلم به، ليس هو من عندي». ثم لم يقتصر ~~على نسبة الكلام إلى الله عز وجل، فقال: «بل أبي الذي هو حال في يفعل هذه ~~الأفعال». ثم ساق نفسه بالكلام على حد ما أول. # [شبهة لفظية] «1» # بقيت لهم شبهة لفظية، وقعت لبعضهم ظنا منه أن الكلمة حيث ما أطلقت يجب أن ~~يكون المراد منها عين ما اصطلحوا عليه في أقانيمهم لتصحيح ما يتعذر عليهم ~~إرادة ظاهرة المتعدد/ بالذات. وهذا وهم عظيم، وعماية خيلت له أن هذا ~~الاصطلاح الذي حملهم ما أشرنا إليه من الضرورة ms39 على أن ما قالوا به يجب أن ~~يكون مرادا لأهل كل شريعة. # فلذلك استدل على إلهية عيسى عليه السلام، بما ورد في الكتاب العزيز، وهو ~~قوله جل من قائل: يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا ~~الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ~~فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم «2». PageV01P089 # فأحببت أن أكشف غطاء هذه/ الشبهة، ليكون الناظر في هذا النص آمنا من ~~الشبهات المضلة. فأقول: المولود إنما يتكون مسببا عن سببين: # أحدهما: في الأنثيين، وهو أحد نوعي القوة المولودة، وهي القوة التي يصير ~~الدم فيها بحال يكون بها مستعدا لقبول قوة الحياة من واهب الصور. # والثاني: القوة الموجودة في المني إذا انتقل إلى الرحم وانضمت إليه سائر ~~الشرائط، بأن يكون ماء دافقا صحيحا قويا، لا فساد فيه ولا ضعف، ويكون الرحم ~~صحيحا لا علة به، ولم يحصل للمرأة عقيب الجماع حركة/ مزعجة عنيفة، يحصل بها ~~زلق المني من الرحم، فحينئذ يستعد لقبول القوة المصورة من واهب الصور. فإذا ~~صار عنها تشكيلات الأعضاء، كان ذلك كونا للصورة العضوية، وفسادا للصورة ~~المنوية، فيستعد حينئذ لقبوله الروح من واهبها. # هذا هو السبب العادي في تكوين كل مولود. فإذا ثبت ذلك، فنقول: # إن كل شيء له سبب قريب وسبب بعيد، فالأكثر إضافته إلى سببه القريب، فيقال ~~عند رؤية الرياض الخضر: # انظر إلى صنع المطر. والله هو/ الصانع الحقيقي. # ولو رؤي «1» نبات نضر على صلد، والشمس في الأسد، لقيل: انظر PageV01P090 ~~إلى صنع الإله. فيصرح بالسبب الحقيقي، لفوات السبب العادي. # وإذا وضح هذان الأصلان، نقول: # السبب القريب في حق عيسى عليه السلام، لما دل الدليل على عدم وقوعه؛ أضيف ~~تكوينه إلى السبب البعيد، وهو الكلمة، لأن كل أحد مخلوق بكلمة الله القائل ~~بها لكل مخلوق: «لكن» فإذا هو كائن. فلهذا السبب صرح في حقه بذلك، إشارة ~~إلى انتفاء السبب القريب العادي، وأنه إنما كون الكلمة/ التي هي: «لكن»، من ~~غير مني. ms40 يمكن إضافة التكوين إليه على ما شرح. # ثم أوضح ذلك بقوله: «ألقاها إلى مريم». يريد: أن الولد إنما يتكون من ~~إلقاء المني إلى أمه. وهذا المولود لم يخلق إلا بإلقاء الكلمة إلى أمه، ~~التي هي عبارة عن الأمر بالتكوين، فإذا الإلقاء مجازي. # وقد ورد مثل ذلك في حق آدم، لما اشتركا في عدم التكوين عن الأسباب ~~العادية، حيث قال جل من قائل: ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي «1». والله عز ~~وجل لا يد له، وإنما المراد: خلقته بقدرتي «2»، إشارة PageV01P091 ~~إلى أنه لم يكون من مني، وإنما كون/ بقدرته. يشير بذلك إلى فوات السبب ~~العادي، وإذا فات السبب العادي، أضيف إلى السبب البعيد المشبه بالحقيقي؛ ~~وهو: كلمة الله عز وجل، وقد أتى بالمماثلة صريحا، فقال: # إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون «1». # وكذلك أيضا، قوله: وروح منه «2» أي: وهو روح، تكوينها صادر عنه، منفكا عن ~~الأسباب العادية التي يضاف إليها المسبب عادة. فالصلة؛ في مكان الصفة ~~للروح. فإن قيل: تمام هذه الحجة فرع لكون الكلمة سببا، وسببها/ فرع لردها ~~لقاعدة الشرط وما يترتب عليه من الجواب، وذلك ممتنع لما يلزم من عدم ~~المغايرة بين المسبب وسببه. # قال الفارسي «3»: لو جاز أن يكون مثل ذلك جوابا لكان قوله تعالى: PageV01P092 # كن فيكون منزلا منزلة قول القائل: اذهب فيذهب. # وممتنع ذلك إذ يصير تقدير الكلام [فيما وقع الاحتجاج به من الآية ~~السالفة] «1» بالرد إلى قاعدة الشرط؛ إن تكن، تكن. وإن تذهب، تذهب. # فيكون حينئذ السبب عين المسبب. # ولذلك أجمع القراء على الرفع، ولم يتابع الكسائي «2» ابن عامر «3» إلا ~~فيما أمكن/ أن يكون انتصابه، لا من جهة الجواب بل من جهة العطف. # وتلك المتابعة محصورة في آيتين: # الأولى: قوله جل من قائل: إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون «4». # والثانية: قوله تعالى: إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون «5». PageV01P093 # وإذا كان الجواب ممتنعا فيما قرئ منصوبا ومرفوعا، سقط الاحتجاج بالآية، ms41 ~~وامتنع كون الكلمة سببا، فأقول والله الموفق: # إن هذه المباحثة عربية، وأهل العربية يجرون/ الأجوبة تارة على الألفاظ ~~باعتبار معانيها، وتارة على صور الألفاظ المجردة عن معانيها، مثل ذلك قوله ~~تعالى: أفلم يسيروا في الأرض فينظروا «1». وقع الجواب مرتبا على صورة لفظ ~~الاستفهام مجردا عن معناه. # معنى الكلام: أنهم ساروا فنظروا. وذلك خبر محض ليس من الاستفهام في شيء. # فإن ظن أن الفاء عاطفة؛ لصلاحيتها، مع حذف النون للعطف والجواب، فكيف ~~تجعل للجواب مع هذا الاحتمال؟ # دفع ذلك مما لا لبسة في كونه جوابا/، وهو قوله جل من قائل: أفلم يسيروا ~~في الأرض فتكون لهم قلوب «2». # وإذا وضح ذلك؛ ردت مسألتنا إلى هذه القاعدة، وكان الجواب جاريا على صيغة ~~الأمر فقط، من غير تعرض لمعناه. # قال سيبويه «3» شبه «4» ترتب المأمور على صيغة لفظ الأمر في العرف، بترتب ~~«5» المقدور على تأثير القدرة فيه، إذ أهل العرف يقضون على أن من أمر شخصا ~~بالقيام، فأوجده عند أمره؛ أن قيامه مسبب عن صيغة الأمر، وأن لفظ الأمر سبب ~~لقيامه، وهو في الحقيقة مسبب/ عن الإرادة التي دلت صيغة PageV01P094 ~~الأمر عليها. يدل على ذلك: أن السيد إذا أمر عبده أن يفعل فعلا، وعلم العبد ~~أن السيد لا يريد منه فعل ما أمره به، فإذا فعله العبد عد مخالفا للسيد ~~ملوما من جهته. فإذا للمأمور سببان: # أحدهما: حقيقي؛ وهو الإرادة، وهو السبب البعيد. # والثاني: صيغة الأمر في العرف الدالة على الإرادة. # فتعود حينئذ القاعدة نفسها في إحالة الحكم على السبب القريب، فقد ثبت ~~حينئذ بما ذكرناه؛ أن أهل/ العرف يعدون الكلمة المأمور بها سببا، ويحيلون ~~الحكم عليها، ويجعلون ما يقع بعدها مسببا عنها، وإن كان له أسباب حقيقية ~~أبعد منها، وذلك عين ما بيناه أولا. # وإنما تعلق مورد هذا الإشكال بصناعة عربية، وقد أمكن رد ذلك إلى قواعدها، ~~فحينئذ يسقط الإشكال يقينا، ويسقط خيال من ظن أن قراءة ابن عامر فيما تتمحص ~~الفاء فيه جوابا، عسرة الرد إلى الأصول العربية وقواعدها، كقوله عز وجل ~~سبحانه: ms42 وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون «1». # ونظائر ذلك مما انفرد بقراءته/ منصوبا، بل القراء محجوجون من جهته، ~~بقوله: أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب «2». ولا وجه لإجماعهم على ~~النصب، وجعل الفاء جوابا إلا إحالة على وجود صيغة الاستفهام فقط، من غير ~~نظر إلى معناها، كما تقدم. وبهذا التقدير والإلزام لا يتجه على ابن عامر ~~إشكال البتة. فليتأمل الناظر حسن هذا الإعراب والإغراب، معظما هذه الشريعة ~~المحمدية المؤيدة بأفصح الأنبياء لهجة، وأصدقهم حجة. # إذا نطقت جاءت بكل غريب ... وإن سكتت/ جاءت بكل غريب # وليعجب من طائفة تتمسك بمثل هذا النص الواضح فهمه وتأويله! # هذا آخر ما أردناه، ووعدنا به في بيان عدم دلالة النصوص على PageV01P095 ~~إلهيته، وعدم حملها على ما يرده صريح العقل، والجمع بين ما يعتقدون ~~مباينته، قاصدين بذلك وجه الله. # جعلنا الله ممن اهتدى بنور هدايته، وعصم من الخطإ في القول والعمل، ~~بتوفيقه وعنايته. وصلواته على خير خلقه محمد وآله وصحابته. # نجز الكتاب بكماله PageV01P096 ms43