######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0011055 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي (المتوفى: 505هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 505 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: تهافت الفلاسفة #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: علوم أخرى #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0011055 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-11055 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/11055 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: الدكتور سليمان دنيا #META# 041.EdNUMBER :: السادسة #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار المعارف، القاهرة - مصر #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | مسألة في إبطال قولهم بقدم العالم ### | مذهب الفلاسفة # تفصيل المذهب: اختلفت الفلاسفة في قدم العالم. فالذي استقر عليه رأي ~~جماهيرهم المتقدمين والمتأخرين القول بقدمه وأنه لم يزل موجودا مع الله ~~تعالى ومعلولا له ومسوقا له غير متأخر عنه بالزمان مساوقة المعلول للعلة ~~ومساوقة النور للشمس، وأن تقدم الباري عليه كتقدم العلة على المعلول، وهو ~~تقدم بالذات والرتبة لا بالزمان. وحكي عن أفلاطن أنه قال: العالم مكون ~~ومحدث. ثم منهم من أول كلامه وأبى أن يكون حدث العالم معتقدا له. وذهب ~~جالينوس في آخر عمره في الكتاب الذي سماه "ما يعتقده جالينوس رأيا" إلى ~~التوقف في هذه المسألة. وأنه لا يدري العالم قديم أو محدث. وربما # PageV01P088 # دل على أنه لا يمكن أن يعرف وأن ذلك ليس لقصور فيه بل لاستعصاء هذه ~~المسألة في نفسها على العقول، ولكن هذا كالشاذ في مذهبهم وإنما مذهب جميعهم ~~أنه قديم وأنه بالجملة لا يتصور أن يصدر حادث من قديم بغير واسطة أصلا. ### | اختيار أشد أدلتهم وقعا في النفس # إيراد أدلتهم. لو ذهبت أصف ما نقل عنهم في معرض الأدلة وذكر في الاعتراض ~~عليه لسودت في هذه المسألة أوراقا، ولكن لا خير في التطويل. فلنحذف من ~~أدلتهم ما يجري مجرى التحكم أو التخيل الضعيف الذي يهون على كل ناظر حله. ~~ولنقتصر على إيراد ما له وقع في النفس، مما لا يجوز أن ينهض مشككا لفحول ~~النظار، فإن تشكيك الضعفاء بأدنى خبال ممكن. # وهذا الفن من الأدلة ثلاثة: # PageV01P089 # الأول يستحيل حدوث حادث من قديم مطلقا قولهم يستحيل صدور حادث من قديم ~~مطلقا، لأنا إذا فرضنا القديم ولم يصدر منه العالم مثلا فإنما لم يصدر لأنه ~~لم يكن للوجود مرجح بل كان وجود العالم ممكنا إمكانا صرفا، فإذا حدث بعد ~~ذلك لم يخل إما أن تجدد مرجح أو لم يتجدد، فإن لم يتجدد مرجح بقي العالم ~~على الإمكان الصرف كما قبل ذلك، وإن تجدد مرجح فمن محدث ذلك المرجح؟ ولم ~~حدث الآن ولم يحدث من قبل؟ والسؤال في ms001 حدوث المرجح قائم. وبالجملة فأحوال ~~القديم إذا كانت متشابهة فإما أن لا يوجد عنه شيء قط وإما أن يوجد على ~~الدوام، فأما أن يتميز حال الترك عن حال الشروع فهو محال. ### $ لم لم يحدث العالم قبل حدوثه؟ ... # وتحقيقه أن يقال: لم لم يحدث العالم قبل حدوثه؟ لا يمكن أن يحال على عجزه ~~عن الأحداث ولا على استحالة الحدوث، فإن ذلك يؤدي إلى أن ينقلب القديم من ~~العجز إلى القدرة والعالم من الاستحالة إلى الإمكان، وكلاهما محالان. ولا ~~أمكن أن يقال: لم يكن قبله غرض ثم تجدد غرض، ولا أمكن أن يحال على فقد آلة ~~ثم على وجودها، بل أقرب ما يتخيل أن يقال: لم يرد وجوده قبل ذلك. فيلزم أن ~~يقال: حصل وجوده لأنه صار مريدا لوجوده # PageV01P090 # بعد أن لم يكن مريدا، فيكون قد حدثت الإرادة. ### | أو قبل حدوث الإرادة؟ # وحدوثه في ذاته محال لأنه ليس محل الحوادث، وحدوثه لا في ذاته لا يجعله ~~مريدا. # ولنترك النظر في محل حدوثه. أليس الإشكال قائما في أصل حدوثه! وأنه من ~~أين حدث؟ ولم حدث الآن ولم يحدث قبله؟ أحدث الآن لا من جهة الله؟ فإن جاز ~~حادث من غير محدث فليكن العالم حادثا لا صانع له، وإلا فأي فرق بين حادث ~~وحادث؟ وإن حدث بإحداث الله فلم حدث الآن ولم يحدث من قبل؟ ألعدم آلة أو ~~قدرة أو غرض أو طبيعة؟ فلما أن تبدل ذلك بالوجود وحدث عاد الإشكال بعينه. ~~أو لعدم الإرادة؟ فتفتقر الإرادة إلى إرادة وكذى الإرادة الأولى، ويتسلسل ~~إلى غير نهاية. ### $ يستحيل حدوث حادث من غير تغير ... # فإذن قد تحقق بالقول المطلق أن صدور الحادث من القديم من غير تغير أمر من ~~القديم في قدرة أو آلة أو وقت أو غرض أو طبع محال، وتقدير تغير حال محال، ~~لأن الكلام في ذلك التغير الحادث كالكلام في غيره # PageV01P091 # والكل محال، ومهما كان العالم موجودا واستحال حدثه ثبت قدمه لا محالة. # PageV01P092 ### | وهذا أقوى أدلتهم # فهذا أخبل أدلتهم. وبالجملة كلامهم في سائر ms002 مسائل الإلهيات أرك من كلامهم ~~في هذه المسألة، إذ يقدرون هاهنا على فنون من التخييل لا يتمكنون منه في ~~غيرها. فلذلك قدمنا هذه المسألة وقدمنا أقوى أدلتهم. ### | لماذا يستحيل حدوث حادث بإرادة قديمة؟ # الاعتراض من وجهين: # أحدهما أن يقال: بم تنكرون على من يقول: إن العالم حدث بإرادة قديمة ~~اقتضت وجوده في الوقت الذي وجد فيه، وأن يستمر العدم إلى الغاية التي استمر ~~إليها، وأن يبتدئ الوجود من حيث ابتدأ، وأن الوجود قبله لم يكن مرادا فلم ~~يحدث لذلك، وأنه في وقته الذي حدث فيه مراد بالإرادة القديمة فحدث لذلك، ~~فما المانع لهذا الاعتقاد وما المحيل له؟ ### $ قولهم لكل حادث سبب ... # فإن قيل: هذا محال بين الإحالة لأن الحادث موجب ومسبب. وكما يستحيل حادث ~~بغير سبب وموجب، يستحيل وجود موجب قد تم بشرائط إيجابه وأركانه وأسبابه حتى ~~لم يبق شيء منتظر البتة ثم يتأخر الموجب، بل وجود الموجب عند تحقق الموجب ~~بتمام شروطه ضروري وتأخره محال حسب استحالة وجود الحادث الموجب بلا موجب. ~~فقبل وجود العالم كان المريد موجودا والإرادة موجودة ونسبتها إلى المراد ~~موجودة ولم يتجدد مريد ولم يتجدد إرادة ولا تجدد للإرادة نسبة لم تكن، فإن ~~كل ذلك تغير فكيف تجدد المراد وما المانع من التجدد قبل ذلك؟ وحال التجدد ~~لم يتميز عن الحال السابق في شيء من الأشياء وأمر من الأمور وحال من ~~الأحوال ونسبة من النسب، بل الأمور كما كانت بعينها. ثم لم يكن يوجد ~~المراد، وبقيت بعينها كما كانت، فوجد المراد ما هذا إلا غاية الإحالة. # وذلك في الأمور الوضعية أيضا، في الطلاق مثلا وليس استحالة هذا الجنس في ~~الموجب والموجب الضروري الذاتي بل وفي العرفي والوضعي، فإن الرجل لو تلفظ ~~بطلاق زوجته ولم تحصل البينونة في الحال لم يتصور أن تحصل بعده لأنه جعل ~~اللفظ علة للحكم بالوضع # PageV01P096 # والاصطلاح، فلم يعقل تأخر المعلول إلا أن يعلق الطلاق بمجيء الغد أو ~~بدخول الدار، فلا يقع في الحال ولكن يقع عند مجيء الغد وعند دخول الدار، ms003 ~~فإنه جعله علة بالإضافة إلى شيء منتظر. فلما لم يكن حاضرا في الوقت، وهو ~~الغد والدخول، توقف حصول الموجب على حضور ما ليس بحاضر، فما حصل الموجب إلا ~~وقد تجدد أمر وهو الدخول وحضور الغد، حتى لو أراد أن يؤخر الموجب عن اللفظ ~~غير منوط بحصول ما ليس بحاصل، لم يعقل، مع أنه الواضع وأنه المختار في ~~تفصيل الوضع. فإذا لم يمكننا وضع هذا بشهوتنا ولم نعقله فكيف نعقله في ~~الإيجابات الذاتية العقلية الضرورية؟ ### | المقصود فعله لا يتأخر إلا بمانع # وأما في العادات فما يحصل بقصدنا لا يتأخر عن القصد، مع وجود القصد إليه، ~~إلا بمانع، فإن تحقيق القصد والقدرة وارتفعت الموانع لم يعقل تأخر المقصود، ~~وإنما يتصور ذلك في العزم لأن العزم غير كاف في وجود الفعل، بل العزم على ~~الكتابة لا يوقع الكتابة ما لم يتجدد قصد هو انبعاث في الإنسان متجدد حال ~~الفعل، فإن كانت الإرادة القديمة في حكم قصدنا إلى الفعل فلا يتصور تأخر ~~المقصود إلا بمانع، ولا يتصور تقدم القصد، فلا يعقل قصد في اليوم # PageV01P097 # إلى قيام في الغد إلا بطريق العزم. وإن كانت الإرادة القديمة في حكم ~~عزمنا فليس ذلك كافيا في وقوع المعزوم عليه، بل لا بد من تجدد انبعاث قصدي ~~عند الإيجاد، وفيه قول بتغير القديم. ### | لماذا يحدث القصد؟ # ثم يبقى عين الإشكال في أن ذلك الانبعاث أو القصد أو الإرادة أو ما شئت ~~سمه لم حدث الآن ولم يحدث قبل ذلك؟ فإما أن يبقى حادث بلا سبب أو يتسلسل ~~إلى غير نهاية. ورجع حاصل الكلام إلى أنه وجد الموجب بتمام شروطه ولم يبق ~~أمر منتظر، ومع ذلك تأخر الموجب ولم يوجد في مدة لا يرتقي الوهم إلى أولها ~~بل آلاف سنين لا تنقص شيئا منها، ثم انقلب الموجب بغتة من غير أمر تجدد ~~وشرط تحقق، وهو محال في نفسه. ### $ قولنا من أين تعرفون الأمر؟ ... # والجواب أن يقال: استحالة إرادة قديمة متعلقة بإحداث شيء أي شيء كان، ~~تعرفونه بضرورة العقل أو نظره؟ ms004 وعلى لغتكم في المنطق تعرفون الالتقاء بين ~~هذين الحدين بحد أوسط أو من غير حد أوسط. فإن ادعيتم حدا أوسط وهو الطريق ~~النظري فلا بد من إظهاره، وإن ادعيتم معرفة ذلك ضرورة فكيف لم يشارككم في ~~معرفته مخالفوكم والفرقة المعتقدة بحدث العالم بإرادة قديمة لا يحصرها بلد ~~ولا يحصيها عدد؟ ولا شك في أنهم لا يكابرون العقول عنادا مع المعرفة، فلا ~~بد من إقامة برهان على شرط المنطق يدل على استحالة ذلك، إذ ليس في جميع ما ~~ذكرتموه إلا الاستبعاد والتمثيل بعزمنا وإرادتنا وهو فاسد، فلا تضاهي ~~الإرادة القديمة القصود الحادثة، وأما الاستبعاد المجرد فلا يكفي من غير ~~برهان. # ... ### | من ضرورة العقل # فإن قيل: نحن بضرورة العقل نعلم أنه لا يتصور موجب بتمام شروطه من غير ~~موجب، ومجوز ذلك مكابر لضرورة العقل. ### | خصومكم يقولون القول نفسه في علم الله # قلنا: وما الفصل بينكم وبين خصومكم إذا قالوا لكم: إنا بالضرورة نعلم # PageV01P098 # إحالة قول من يقول: إن ذاتا واحدا عالم بجميع الكليات من غير أن يوجب ذلك ~~كثرة ومن غير أن يكون العلم زيادة على الذات ومن غير أن يتعدد العلم مع ~~تعدد المعلوم، وهذا مذهبكم في حق الله، وهو بالنسبة إلينا وإلى علومنا في ~~غاية الإحالة، ولكن تقولون: لا يقاس العلم القديم بالحادث. وطائفة منكم ~~استشعروا حالة هذا فقالوا: إن الله لا يعلم إلا نفسه، فهو العاقل وهو العقل ~~وهو المعقول والكل واحد. فلو قال قائل: اتحاد العقل والعاقل والمعقول معلوم ~~الاستحالة بالضرورة، إذ تقدير صانع للعالم لا يعلم صنعه محال بالضرورة، ~~والقديم إذا لم يعلم إلا نفسه - تعالى عن قولكم وعن قول جميع الزائغين علوا ~~كبيرا - لم يكن يعلم صنعه البتة. بل لا نتجاوز إلزامات هذه المسألة. ### | دورات الفلك إن كان لا نهاية لأعدادها، لا يكون لها أقسام # فنقول: بم تنكرون على خصومكم إذ قالوا: قدم العالم محال لأنه يؤدي إلى ~~إثبات دورات للفلك لا نهاية لأعدادها ولا حصر لآحادها، مع أن لها سدسا ~~وربعا ونصفا، فإن فلك الشمس ms005 يدور في سنة وفلك زحل في ثلاثين سنة، فتكون ~~أدوار زحل ثلث عشر أدوار الشمس، وأدوار المشتري نصف سدس أدوار الشمس، فإنه ~~يدور في اثني عشر سنة. ثم كما أنه لا نهاية لأعداد دورات زحل لا نهاية ~~لأعداد دورات الشمس مع أنه ثلث عشره، بل لا نهاية لأدوار فلك الكواكب الذي ~~يدور في ستة وثلاثين ألف سنة مرة واحدة، كما لا نهاية للحركة المشرقية التي ~~للشمس في اليوم والليلة مرة. فلو قال قائل: هذا مما يعلم استحالته ضرورة، ~~فبماذا تنفصلون عن قوله؟ بل لو قال قائل: أعداد هذه الدورات شفع أو وتر، أو ~~شفع ووتر جميعا، أو لا شفع ولا وتر. # ولا تكون شفع أو وتر فإن قلتم: شفع ووتر جميعا، أو لا شفع ولا وتر، فيعلم ~~بطلانه ضرورة. وإن قلتم: شفع، فالشفع يصير وترا بواحد، فكيف أعوز ما ~~لانهاية له واحد؟ وإن قلتم: وتر، فالوتر يصير بواحد شفعا، فكيف أعوز ذلك ~~الواحد الذي به يصير شفعا؟ فيلزمكم القول بأنه ليس بشفع ولا وتر. # PageV01P099 ### | قولهم المتناهي وحده يوصف بالشفع والوتر # فإن قيل: إنما يوصف بالشفع والوتر المتناهي، وما لا يتناهى لا يوصف به. ### | قولنا تكون هناك جملة آحاد # قلنا: فجملة مركبة من آحاد لها سدس وعشر كما سبق ثم لا توصف بشفع ولا وتر ~~يعلم بطلانه ضرورة من غير نظر، فبماذا تنفصلون عن هذا؟ ### | قولهم ليست هنالك جملة آحاد # فإن قيل: محل الغلط في قولكم أنه جملة مركبة من آحاد، فإن هذه الدورات ~~معدومة. أما الماضي فقد انقرض وأما المستقبل فلم يوجد، والجملة إشارة إلى ~~موجودات حاضرة، ولا موجود هاهنا!. ### | قولنا لا بأس # قلنا: العدد ينقسم إلى الشفع والوتر ويستحيل أن يخرج عنه سواء كان ~~المعدود موجودا باقيا أو فانيا. فإذا فرضنا عددا من الأفراس لزمنا أن نعتقد ~~أنه لا يخلو من كونه شفعا أو وترا، سواء قدرناها موجودة أو معدمة. فإن ~~انعدمت بعد الوجود لم تتغير هذه القضية. ### | أمر نفس الإنسان # على أنا نقول لهم: لا يستحيل على أصلكم ms006 موجودات حاضرة هي آحاد متغايرة ~~بالوصف ولا # نهاية لها وهي نفوس الآدميين المفارقة للأبدان بالموت، فهي موجودات لا ~~توصف بالشفع والوتر، فبم تنكرون على من يقول: بطلان هذا يعرف ضرورة، وهذا ~~الرأي في النفوس هو الذي اختاره ابن سينا ولعله مذهب رسطاليس. ### | قولهم النفس واحدة # فإن قيل: فالصحيح رأي أفلاطن، وهو أن النفس قديمة وهي واحدة وإنما تنقسم ~~في الأبدان، فإذا فارقتها عادت إلى أصلها واتحدت. ### $ قولنا هذا مما يخالف ضرورة العقل ... # قلنا: فهذا أقبح وأشنع وأولى بأن يعتقد مخالفا لضرورة العقل. فإنا نقول: ~~نفس زيد عين نفس عمرو أو غيره، فإن كان عينه فهو باطل بالضرورة، فإن كل ~~واحد يشعر بنفسه ويعلم أنه ليس هو نفس غيره. ولو كان هو عينه لتساويا في ~~العلوم التي هي صفات ذاتية للنفوس داخلة مع النفوس في كل إضافة. وإن قلتم: ~~إنه غيره وإنما انقسم بالتعلق بالأبدان، قلنا: وانقسام الواحد الذي ليس له ~~عظم في الحجم وكمية مقدارية محال بضرورة العقل، فكيف يصير الواحد اثنين بل ~~ألفا ثم يعود ويصير واحدا؟ بل هذا يعقل فيما له عظم وكمية # PageV01P100 # كماء البحر ينقسم بالجداول والأنهار ثم يعود إلى البحر. فأما ما لا كمية ~~له فكيف ينقسم؟ ولذا هم مفحمون والمقصود من هذا كله أن نبين أنهم لم يعجزوا ~~خصومهم عن معتقدهم في تعلق الإرادة القديمة بالأحداث إلا بدعوى الضرورة ~~وأنهم لا ينفصلون عمن يدعي الضرورة عليهم في هذه الأمور على خلاف معتقدهم، ~~وهذا لا مخرج عنه. ### $ قولهم إن الله قبل خلق العالم ... # فإن قيل: هذا ينقلب عليكم في أن الله قبل خلق العالم كان قادرا على الخلق ~~بقدر سنة أو سنتين - ولا نهاية لقدرته - فكأنه صبر ولم يخلق ثم خلق، ومدة ~~الترك متناه أو غير متناه. فإن قلتم: متناه، صار وجود الباري متناهي الأول، ~~وإن قلتم: غير متناه، فقد انقضى مدة فيها إمكانات لا نهاية لأعدادها. # راجع الدليل الثاني قلنا: المدة والزمان مخلوق عندنا. وسنبين حقيقة ~~الجواب عن هذا في الانفصال عن دليلهم الثاني. ### $ قولهم ms007 ما الذي ميز وقتا معينا عما قبله وعما بعده؟ ... # فإن قيل: فبم تنكرون على من يترك دعوى الضرورة ويدل عليه من وجه آخر وهو ~~أن الأوقات متساوية في جواز تعلق الإرادة بها؟ فما الذي ميز وقتا معينا عما ~~قبله وعما بعده وليس محالا أن يكون التقدم والتأخر مرادا؟ بل في البياض ~~والسواد والحركة والسكون فإنكم تقولون: يحدث البياض بالإرادة القديمة ~~والمحل قابل للسواد قبوله للبياض، فلم تعلقت الإرادة القديمة بالبياض دون ~~السواد؟ وما الذي ميز أحد الممكنين عن الآخر في تعلق الإرادة به؟ ونحن ~~بالضرورة نعلم أن الشيء لا يتميز عن مثله إلا بمخصص، ولو جاز ذلك لجاز أن ~~يحدث العالم وهو ممكن الوجود كما أنه ممكن العدم، ويتخصص # PageV01P101 # جانب الوجود المماثل لجانب العدم في الإمكان بغير مخصص. ### | . وما الذي خصص الإرادة؟ # وإن قلتم: إن الإرادة خصصت، فالسؤال عن اختصاص الإرادة وأنها لم اختصت. ~~فإن قلتم: القديم لا يقال له، لم؟ فليكن العالم قديما ولا يطلب صانعه ~~وسببه، لأن القديم لا يقال فيه: لم. فإن جاز تخصص القديم بالاتفاق بأحد ~~الممكنين فغاية المستبعد أن يقال: العالم مخصوص بهيئات مخصوصة كان يجوز أن ~~يكون على هيئات أخرى بدلا عنها. فيقال: وقع كذلك اتفاقا كما قلتم: اختصت ~~الإرادة بوقت دون وقت وهيئة دون هيئة اتفاقا. وإن قلتم: إن هذا السؤال غير ~~لازم لأنه وارد على كل ما يريده وعائد على كل ما يقدره، فنقول: لا، بل هذا ~~السؤال لازم لأنه عائد في كل وقت وملازم لمن خالفنا على كل تقدير. ### | قولنا الإرادة تميز الشيء عن مثله # قلنا: إنما وجد العالم حيث وجد وعلى الوصف الذي وجد وفي المكان الذي وجد ~~بالإرادة، والإرادة صفة من شأنها تمييز الشيء عن مثله، ولولا أن هذا شأنها ~~لوقع الاكتفاء بالقدرة. ولكن لما تساوى نسبة القدرة إلى الضدين ولم يكن بد ~~من مخصص يخصص الشيء عن مثله فقيل: للقديم وراء القدرة صفة من شأنها تخصيص ~~الشيء عن مثله، فقول القائل: لم اختصت الإرادة بأحد المثلين، كقول القائل: ms008 ~~لم اقتضى العلم الإحاطة بالمعلوم على ما هو به؟ فيقال: لأن العلم عبارة عن ~~صفة هذا شأنها، فكذى الإرادة عبارة عن صفة هذا شأنها، بل ذاتها تمييز الشيء ~~عن مثله. # PageV01P102 ### | في الأمرين تناقض # فإن قيل: إثبات صفة شأنها تمييز الشيء عن مثله غير معقول بل هو متناقض، ~~فإن كونه مثلا معناه أنه لا تميز له، وكونه مميزا معناه أنه ليس مثلا، ولا ~~ينبغي أن يظن أن السوادين في محلين متماثلان من كل وجه لأن هذا في محل وذاك ~~في محل آخر، وهذا يوجب التميز. # ولا السوادان في وقتين في محل واحد متماثلان مطلقا لأن هذا فارق ذلك في ~~الوقت، فكيف يساويه من كل وجه. وإذا قلنا: السوادان مثلان، عنينا به في ~~السوادية مضافا إليه على الخصوص لا على الإطلاق، وإلا فلو اتحد المحل ~~والزمان ولم يبق تغاير لم يعقل سوادان ولا عقلت الإثنينية أصلا. ### | العطشان # إذا كان بين يديه قدحان متساويان لا يمكن أن يأخذ أحدهما بدون تمييز يحقق ~~هذا أن لفظ الإرادة مستعارة من إرادتنا ولا يتصور منا أن نميز بالإرادة ~~الشيء عن مثله، بل لو كان بين يدي العطشان قدحان من الماء يتساويان من كل ~~وجه بالإضافة إلى غرضه، لم يمكن أن يأخذ أحدهما، بل إنما يأخذ ما يراه أحسن ~~أو أخف أو أقرب إلى جانب يمينه، إن كان عادته تحريك اليمين أو سبب من هذه ~~الأسباب إما خفي وإما جلي، وإلا فلا يتصور تمييز الشيء عن مثله بحال. ### $ إنكار الأمر في حق الله ... # والاعتراض من وجهين: الأول أن قولكم: إن هذا لا يتصور، عرفتموه ضرورة أو ~~نظرا؟ ولا يمكن دعوى واحد منهما، وتمثيلكم بإرادتنا مقايسة فاسدة تضاهي ~~المقايسة في العلم، وعلم الله يفارق علمنا في أمور قررناها، فلم تبعد ~~المفارقة في الإرادة بل هو كقول القائل: ذات موجودة لا خارج العالم ولا ~~داخله ولا متصلا ولا منفصلا لا يعقل لأنا لا نعقله في حقنا. قيل: هذا عمل ~~توهمك، وأما دليل العقل فقد ساق العقلاء إلى التصديق بذلك، ms009 فبم تنكرون على ~~من يقول: دليل العقل ساق إلى إثبات صفة لله تعالى من شأنها تمييز الشيء عن ~~مثله؟ فإن لم يطابقها اسم الإرادة فلتسم باسم آخر، فلا مشاحة في الأسماء. ~~وإنما أطلقناها نحن بإذن الشرع، وإلا فالإرادة موضوعة في اللغة لتعيين ما ~~فيه غرض، # PageV01P103 # ولا غرض في حق الله، وإنما المقصود المعنى دون اللفظ. ### | . وفي حق الإنسان، # فإنه إذا كانت بين يديه تمرتين متساويتين، يأخذ إحداهما. # على أنه في حقنا لا نسلم أن ذلك غير متصور، فإنا نفرض تمرتين متساويتين ~~بين يدي المتشوف إليهما العاجز عن تناولهما جميعا، فإنه يأخذ إحداهما لا ~~محالة بصفة شأنها تخصيص الشيء عن مثله. وكل ما ذكرتموه من المخصصات من ~~الحسن أو القرب أو تيسر الأخذ فإنا نقدر على فرض انتفائه، ويبقى إمكان ~~الأخذ. فأنتم بين أمرين: إما إن قلتم: إنه لا يتصور التساوي بالإضافة إلى ~~أغراضه فقط، وهو حماقة وفرضه ممكن، وإما إن قلتم: التساوي إذا فرض بقي ~~الرجل المتشوف أبدا متحيرا ينظر إليهما فلا يأخذ إحداهما بمجرد الإرادة ~~والاختيار المنفك عن الغرض، وهو أيضا محال يعلم بطلانه ضرورة. فإذن لابد ~~لكل ناظر شاهدا أو غائبا في تحقيق الفعل الاختياري من إثبات صفة شأنها ~~تخصيص الشيء عن مثله. ### $ لماذا اختص العالم ببعض الوجوه؟ ... # الوجه الثاني في الاعتراض هو أنا نقول: أنتم في مذهبكم ما استغنيتم عن ~~تخصيص الشيء عن مثله، فإن العالم وجد من سببه الموجب له على هيئات مخصوصة ~~تماثل نقائضها، فلم اختص ببعض الوجوه؟ واستحالة تميز الشيء عن مثله في ~~الفعل أو في اللزوم بالطبع أو بالضرورة لا تختلف. ### | . قولهم بضرورة النظام الكلي # فإن قلتم: إن النظام الكلي للعالم لا يمكن إلا على الوجه الذي وجد، وإن ~~العالم لو كان أصغر أو أكبر مما هو الآن عليه لكان لا يتم هذا النظام، وكذا ~~القول في عدد الأفلاك وعدد الكواكب. وزعمتم أن الكبير يخالف الصغير والكثير ~~يفارق القليل في ما يراد منه فليست متماثلة بل هي مختلفة، إلا أن القوة ~~البشرية تضعف ms010 عن درك وجوه الحكمة في مقاديرها وتفاصيلها وإنما تدرك الحكمة ~~في بعضها كالحكمة في ميل فلك البروج عن معدل النهار والحكمة في الأوج ~~والفلك الخارج المركز، والأكثر لا يدرك السر فيها ولكن يعرف اختلافها، ولا ~~بعد في أن يتميز الشيء عن خلافه لتعلق نظام الأمر به. وأما الأوقات # PageV01P104 # فمتشابهة قطعا بالنسبة إلى الإمكان وإلى النظام، ولا يمكن أن يدعي أنه لو ~~خلق بعد ما خلق أو قبله بلحظة لما تصور النظام، فإن تماثل الأحوال يعلم ~~بالضرورة. ### $ قولنا لا. مثلان ... # فنقول: نحن وإن كنا نقدر على معارضتكم بمثله في الأحوال إذ قال قائلون: ~~خلقه في الوقت الذي كان الأصلح الخلق فيه، لكنا لا نقتصر على هذه المقابلة ~~بل نفرض على أصلكم تخصصا في موضعين لا يمكن أن يقدر فيه اختلاف: أحدهما ~~اختلاف جهة الحركة والآخر تعين موضع القطب في الحركة عن المنطقة. # ... ### | مثل القطب الشمالي والقطب الجنوبي # أما القطب فبيانه أن السماء كرة متحركة على قطبين كأنهما ثابتان، وكرة ~~السماء متشابهة الأجزاء فإنها بسيطة، لا سيما الفلك الأعلى الذي هو التاسع ~~فإنه غير مكوكب أصلا، وهما متحركان على قطبين شمالي وجنوبي. فنقول: ما من ~~نقطتين متقابلتين من النقط التي لا نهاية لها عندهم إلا ويتصور أن يكون هو ~~القطب. فلم تعينت نقطتا الشمال والجنوب للقطبية والثبات؟ ولم لم يكن خط ~~المنطقة مارا بالنقطتين حتى يعود القطب إلى نقطتين متقابلتين على المنطقة؟ ~~فإن كان في مقدار كبر السماء وشكله حكمة فما الذي ميز محل القطب عن غيره ~~حتى تعين لكونه قطبا دون سائر الأجزاء والنقط، وجميع النقط متماثلة وجميع ~~أجزاء الكرة متساوية؟ وهذا لا مخرج عنه؟ ### | قولهم لعل ذلك الموضع يفارق غيره بخاصية # فإن قيل لعل الموضع الذي عليه نقطة القطب يفارق غيره بخاصية تناسب كونه ~~محلا للقطب حتى يثبت، فكأنه لا يفارق مكانه وحيزه ووضعه أو ما يفرض إطلاقه ~~عليه من الأسامي، وسائر مواضع الفلك يتبدل بالدور وضعها من الأرض ومن ~~الأفلاك والقطب ثابت الوضع، فلعل ذلك الموضع كان أولى بأن ms011 يكون ثابت الوضع ~~من غيره. ### $ تقولون بتشابه السماء ... # قلنا: ففي هذا تصريح بتفاوت أجزاء الكرة الأولى في الطبيعة وأنها ليست ~~متشابهة الأجزاء، وهو على خلاف أصلكم، إذ أحد ما استدللتم به على لزوم # PageV01P105 # كون السماء كرى الشكل أنه بسيط الطبيعة متشابه لا يتفاوت، وأبسط الأشكال ~~الكرة، فإن التربيع والتسديس وغيرهما يقتضي خروج زوايا وتفاوتها، وذلك لا ~~يكون إلا بأمر زائد على الطبع البسيط. # ... ### | ومن أين تلك الخاصية؟ # ولكنه وإن خالف مذهبكم فليس يندفع الإلزام به، فإن السؤال في تلك الخاصية ~~قائم، إذ سائر الأجزاء هل كان قابلا تلك الخاصية أم لا؟ فإن قالوا نعم، فلم ~~اختصت الخاصية من بين المتشابهات ببعضها؟ وإن قالوا: لم يكن ذلك إلا في ذلك ~~الموضع وسائر الأجزاء لا تقبلها، فنقول: سائر الأجزاء من حيث أنها جسم قابل ~~للصور متشابه بالضرورة، وتلك الخاصية التي يستحقها ذلك الموضع بمجرد كونه ~~جسما ولا بمجرد كونه سماء، فإن هذا المعنى يشاركه فيه سائر أجزاء السماء، ~~فلا بد وأن يكون تخصيصه به بتحكم أو بصفة من شأنها تخصيص الشيء عن مثله، ~~وإلا فكما يستقيم لهم قولهم: إن الأحوال في قبول وقوع العالم فيها متساوية، ~~يستقيم لخصومهم أن أجزاء السماء في قبول المعنى الذي لأجله صار ثبوت الوضع ~~أولى به من تبدل الوضع متساوية، وهذا لا مخرج منه. ### | ما سبب تباين حركات السماء؟ # الإلزام الثاني تعين جهة حركة الأفلاك بعضها من المشرق إلى المغرب وبعضها ~~بالعكس، مع تساوي الجهات، ما سببها وتساوي الجهات كتساوي الأوقات من غير ~~فرق؟ ### | قولهم تلك المناسبات مبدأ الحوادث في العالم # فإن قيل: لو كان الكل يدور من جهة واحدة لما تباينت أوضاعها ولم تحدث ~~مناسبات الكواكب بالتثليث والتسديس والمقارنة وغيرها ولكان الكل على وضع ~~واحد لا يختلف قط، وهذه المناسبات مبدأ الحوادث في العالم. ### | قولنا ولم العكس بالعكس؟ # قلنا: لسنا نلزم اختلاف جهة الحركة بل نقول: الفلك الأعلى # PageV01P106 # يتحرك من المشرق إلى المغرب والذي تحته بالعكس، وكل ما يمكن تحصيله بهذا ~~يمكن تحصيله بعكسه وهو أن ms012 يتحرك الأعلى من المغرب إلى المشرق وما تحته في ~~مقابلته فيحصل التفاوت، وجهات الحركة بعد كونها دورية وبعد كونها متقابلة ~~متساوية فلم تميزت جهة عن جهة تماثلها؟ ### | قولهم الجهتان متضادتان # فإن قالوا: الجهتان متقابلتان متضادتان فكيف يتساويان؟ ### | قولنا والأوقات! # قلنا: هذا كقول القائل: التقدم والتأخر في وجود العالم يتضادان فكيف يدعي ~~تشابههما؟ ولكن زعموا أنه يعلم تشابه الأوقات بالنسبة إلى إمكان الوجود ~~وإلى كل مصلحة يتصور فرضه في الوجود. فكذلك يعلم تساوي الأحياز والأوضاع ~~والأماكن والجهات بالنسبة إلى قبول الحركة وكل مصلحة تتعلق بها. فإن ساغ ~~لهم دعوى الاختلاف مع هذا التشابه كان لخصومهم دعوى الاختلاف في الأحوال ~~والهيئات أيضا. ### | الاعتراض الثاني صدور حادث من قديم # الاعتراض الثاني على أصل دليلهم أن يقال: استبعدتم حدوث حادث من قديم، ~~ولا بد لكم من الاعتراف به فإن في العالم حوادث ولها أسباب. فإن استندت ~~الحوادث إلى الحوادث إلى غير نهاية فهو محال، وليس ذلك معتقد عاقل. ولو كان ~~ذلك ممكنا لاستغنيتم عن الاعتراف بالصانع وإثبات واجب وجود هو مستند ~~الممكنات. وإذا كانت الحوادث لها طرف ينتهي إليه تسلسلها فيكون ذلك الطرف ~~هو القديم، فلا بد إذن على أصلهم من تجويز صدور حادث من قديم. ### | قولهم في حصول الاستعداد وحضور الوقت # فإن قيل: نحن لا نبعد صدور حادث من قديم أي حادث كان، بل نبعد صدور حادث ~~هو أول الحوادث من القديم، إذ لا يفارق حال الحدوث ما قبله في ترجح جهة ~~الوجود، لا من حيث حضور وقت ولا آلة ولا شرط ولا طبيعة ولا غرض ولا سبب من ~~الأسباب. فأما إذا لم يكن هو الحادث الأول # PageV01P107 # جاز أن يصدر منه عند حدوث شيء آخر من استعداد المحل القابل وحضور الوقت ~~الموافق أو ما يجري هذا المجرى. ### | قولنا ومن أين ذلك؟ # قلنا: فالسؤال في حصول الاستعداد وحضور الوقت وكل ما يتجدد قائم، فإما أن ~~يتسلسل إلى غير نهاية أو ينتهي إلى قديم يكون أول حادث منه. ### $ قولهم وجود الحركة الدورية ... # فإن قيل: المواد ms013 القابلة للصور والأعراض والكيفيات ليس شيء منها حادثا ~~والكيفيات الحادثة هي حركة الأفلاك، أعني الحركة الدورية وما يتجدد من ~~الأوصاف الإضافية لها من التثليث والتسديس والتربيع، وهي نسبة بعض أجزاء ~~الفلك والكواكب إلى بعض وبعضها نسبة إلى الأرض، كما يحصل من الطلوع والشروق ~~والزوال عن منتهى الارتفاع والبعد عن الأرض بكون الكوكب في الأوج، والقرب ~~بكونه في الحضيض والميل عن بعض الأقطار بكونه في الشمال والجنوب، وهذه ~~الإضافة لازمة للحركة الدورية بالضرورة فموجبها الحركة الدورية. ### $ وهي سبب الحوادث في العناصر ... # وأما الحوادث فيما يحويه مقعر فلك القمر، وهو العناصر بما يعرض فيها من ~~كون وفساد وامتزاج وافتراق واستحالة من صفة إلى صفة، فكل ذلك حوادث مستند ~~بعضها إلى بعض في تفصيل طويل، وبالآخرة تنتهي مبادئ أسبابها إلى الحركة ~~السماوية الدورية ونسب الكواكب بعضها إلى بعض أو نسبتها إلى الأرض. # ... ### $ وهي قديمة ... # فيخرج من مجموع ذلك أن الحركة الدورية الدائمة الأبدية مستند الحوادث ~~كلها ومحرك السماء حركتها الدورية نفوس السموات، فإنها حية نازلة منزلة ~~نفوسنا بالنسبة إلى أبداننا، ونفوسها قديمة، فلا جرم الحركة الدورية التي ~~هي موجبها أيضا قديمة. ولما تشابه أحوال النفس لكونها قديمة تشابه أحوال ~~الحركات أي كانت دائرة أبدا. ### | ولها أجزاء حادثة # فإذن لا يتصور أن يصدر الحادث من قديم إلا بواسطة حركة دورية أبدية تشبه ~~القديم من وجه فإنه دائم أبدا، وتشبه الحادث من وجه فإن كل جزء يفرض منه ~~كان حادثا بعد أن لم يكن، فهو من حيث أنه # PageV01P108 # حادث بأجزائه وإضافاته مبدأ الحوادث، ومن حيث أنه أبدي متشابه الأحوال ~~صادر عن نفس أزلية. فإن كان في العالم حوادث فلا بد من حركة دورية، وفي ~~العالم حوادث، فالحركة الدورية الأبدية ثابتة. ### | قولنا هذا كلام باطل! إذ لا بد من سبب آخر # قلنا: هذا التطويل لا يغنيكم، فإن الحركة الدورية التي هي المستند حادث ~~أم قديم؟ فإن كان قديما فكيف صار مبدأ لأول الحوادث؟ وإن كان حادثا افتقر ~~إلى حادث آخر وتسلسل. وقولكم: إنه من وجه يشبه ms014 القديم ومن وجه يشبه الحادث، ~~فإنه ثابت متجدد أي هو ثابت التجدد متجدد الثبوت. فنقول: أهو مبدأ الحوادث ~~من حيث أنه ثابت أو من حيث أنه متجدد؟ فإن كان من حيث أنه ثابت فكيف صدر من ~~ثابت متشابه الأحوال شيء في بعض الأوقات دون بعض؟ وإن كان من حيث أنه متجدد ~~فما سبب تجدده في نفسه؟ فيحتاج إلى سبب آخر ويتسلسل، فهذا غاية تقرير ~~الإلزام. # سيأتي الكلام عن ذلك ولهم في الخروج عن هذا الإلزام نوع احتيال سنورده في ~~بعض المسائل بعد هذه كيلا يطول كلام هذه المسألة بانشعاب شجون الكلام ~~وفنونه. على أنا سنبين أن الحركة الدورية لا يصلح أن تكون مبدأ الحوادث وأن ~~جميع الحوادث مخترعة لله ابتداء، ونبطل ما قالوه من كون السماء حيوانا ~~متحركا بالاختيار حركة نفسية كحركاتنا. # PageV01P109 # الثاني ### $ قولنا ليس الله متقدما بالذات فقط ... # زعموا أن القائل بأن العالم متأخر عن الله والله متقدم عليه ليس يخلو إما ~~أن يريد به أنه متقدم بالذات لا بالزمان كتقدم الواحد على الاثنين، فإنه ~~بالطبع، مع أنه يجوز أن يكون معه في الوجود الزماني، وكتقدم العلة على ~~المعلول مثل تقدم حركة الشخص على حركة الظل التابع له وحركة اليد مع حركة ~~الخاتم وحركة اليد في الماء مع حركة الماء، فإنها متساوية في الزمان وبعضها ~~علة وبعضها معلول، إذ يقال: تحرك الظل لحركة الشخص وتحرك الماء لحركة اليد ~~في الماء، ولا يقال تحرك الشخص لحركة الظل وتحرك اليد لحركة الماء، وإن ~~كانت متساوية. فإن أريد بتقدم الباري على العالم هذا لزم أن يكونا حادثين ~~أو قديمين واستحال أن يكون أحدهما قديما والآخر حادثا. # ... ### | ولا بالزمان # وإن أريد به أن الباري متقدم على العالم والزمان لا بالذات بل بالزمان، ~~فإذن قبل وجود العالم والزمان زمان كان العالم فيه معدوما، إذ كان العدم ~~سابقا على الوجود وكان الله سابقا بمدة مديدة لها طرف من جهة الآخر ولا طرف ~~لها من جهة الأول. فإذن قبل الزمان زمان لا نهاية له وهو متناقض، ms015 ولأجله ~~يستحيل القول بحدوث الزمان. وإذا وجب قدم الزمان، وهو عبارة عن قدر الحركة، ~~وجب قدم الحركة ووجب قدم المتحرك الذي يدوم الزمان بدوام حركته. ### | اعتراض # ليس قبل الخليقة زمان: القول بأن "كان الله ولا عالم" لا يدل إلا على ~~أمرين ... # الاعتراض هو أن يقال: الزمان حادث ومخلوق وليس قبله زمان أصلا، ونعني ~~بقولنا إن الله متقدم على العالم والزمان إنه كان ولا عالم ثم كان ومعه ~~عالم. ومفهوم قولنا: كان ولا عالم، وجود ذات الباري وعدم ذات العالم فقط، ~~ومفهوم قولنا: كان ومعه عالم، وجود الذاتين فقط. فنعني بالتقدم انفراده ~~بالوجود فقط، والعالم كشخص واحد. ولو قلنا: كان الله ولا عيسى مثلا ثم كان ~~وعيسى معه لم يتضمن اللفظ إلا وجود ذات وعدم ذات ثم # PageV01P110 # وجود ذاتين، وليس من ضرورة ذلك تقدير شيء ثالث، وإن كان الوهم لا يسكن عن ~~تقدير ثالث فلا التفات إلى أغاليط الأوهام. # ... ### | قولهم لا، بل على أمر ثالث # فإن قيل لقولنا: كان الله ولا عالم، مفهوم ثالث سوى وجود الذات وعدم ~~العالم، بدليل أنا لو قدرنا عدم العالم في المستقبل كان وجود ذات وعدم ذات ~~حاصلا ولم يصح أن نقول: كان الله ولا عالم، بل الصحيح أن نقول: يكون الله ~~ولا عالم. ونقول للماضي: كان الله ولا عالم. فبين قولنا "كان" و "يكون" ~~فرق، إذ ليس ينوب أحدهما مناب الآخر. فلنبحث عن ما يرجع إليه الفرق: ولا شك ~~في أنهما لا يفترقان في وجود الذات ولا في عدم العالم بل في معنى ثالث، ~~فإنا إذا قلنا لعدم العالم في المستقبل: كان الله ولا عالم، قيل لنا: هذا ~~خطأ فإن "كان" إنما يقال على ماض، فدل أن تحت لفظ "كان" مفهوما ثالثا وهو ~~الماضي، والماضي بذاته هو الزمان، والماضي بغيره هو الحركة فإنها تمضي بمضي ~~الزمان. فبالضرورة يلزم أن يكون قبل العالم زمان قد انقضى حتى انتهى إلى ~~وجود العالم. ### | قولنا ليس هو إلا نسبة إلينا # قلنا: المفهوم الأصلي من اللفظين وجود ذات وعدم ذات. ms016 والأمر الثالث الذي ~~فيه افتراق اللفظين نسبة لازمة بالإضافة إلينا، بدليل أنا لو قدرنا عدم ~~العالم في المستقبل ثم قدرنا لنا بعد ذلك وجودا ثانيا لكنا عند ذلك نقول: ~~كان الله ولا عالم. ويصح قولنا، سواء أردنا به العدم الأول أو العدم الثاني ~~الذي هو بعد الوجود، وآية أن هذه نسبة، أن المستقبل بعينه يجوز أن يصير ~~ماضيا فيعبر عنه بلفظ الماضي. ### $ قبل المبتدأ نتوهم "قبلا" ... # وهذا كله لعجز الوهم عن فهم وجود مبتدأ إلا مع تقدير "قبل" له، وذلك ~~"القبل" الذي لا ينفك الوهم عنه يظن أنه شيء محقق موجود هو الزمان. # ... ### | كما نتوهم وراء العالم "فوقا" # وهو كعجز الوهم عن أن يقدر تناهي الجسم في جانب الرأس مثلا إلا على سطح ~~له فوق، فيتوهم أن وراء العالم مكانا إما ملاء وإما خلاء. وإذا قيل: ليس ~~فوق سطح العالم فوق ولا بعد أبعد منه، كاع الوهم عن # PageV01P111 # الإذعان لقبوله، كما إذا قيل: ليس قبل وجود العالم "قبل" هو وجود محقق، ~~نفر عن قبوله، وكما جاز أن يكذب الوهم في تقديره فوق العالم خلاء هو بعد لا ~~نهاية له، بأن يقال له: الخلاء ليس مفهوما في نفسه، وأما البعد فهو تابع ~~للجسم الذي تتباعد أقطاره، فإذا كان الجسم متناهيا كان البعد الذي هو تابع ~~له متناهيا، وانقطع الملاء والخلاء غير مفهوم فثبت أنه ليس وراء العالم لا ~~خلاء ولا ملاء، وإن كان الوهم لا يذعن لقبوله. ### | ولكن ذلك وهم # فكذلك يقال: كما أن البعد المكاني تابع للجسم فالبعد الزماني تابع ~~للحركة، فإنه امتداد الحركة كما أن ذلك امتداد أقطار الجسم وكما أن قيام ~~الدليل على تناهي أقطار الجسم منع من إثبات بعد مكاني وراءه. فقيام الدليل ~~على تناهي الحركة من طرفيه يمنع من تقدير بعد زماني وراءه، وإن كان الوهم ~~متشبثا بخياله وتقديره ولا يرعوى عنه. ولا فرق بين البعد الزماني الذي ~~تنقسم العبارة عنه عند الإضافة إلى "قبل" و "بعد" وبين البعد المكاني الذي ~~تنقسم العبارة عنه عند الإضافة ms017 إلى فوق وتحت. فإن جاز إثبات "فوق" لا "فوق" ~~فوقه جاز إثبات "قبل" ليس قبله "قبل" محقق، إلا خيال وهمي كما في الفوق. ~~وهذا لازم فليتأمل، فإنهم اتفقوا على أنه ليس وراء العالم لا خلاء ولا ~~ملاء. ### | قولهم ليس هناك موازنة # فالعالم ليس له "فوق" إلا بالاسم الإضافي المتبدل ... # فإن قيل: هذه الموازنة معوجة لأن العالم ليس له "فوق" ولا "تحت" بل هو ~~كري، وليس للكرة "فوق" و "تحت"، بل إن سميت جهة "فوقا" من حيث أنه يلي رأسك ~~والآخر "تحتا" من حيث أنه يلي رجلك، فهو اسم تجدد له بالإضافة إليك، والجهة ~~التي هي "تحت" بالإضافة إليك "فوق" بالإضافة إلى غيرك، إذا قدرت على الجانب ~~الآخر من كر ة الأرض واقفا يحاذي أخمص قدمه أخمص قدميك، بل الجهة التي ~~تقدرها فوقك من أجزاء السماء نهارا هو بعينه تحت الأرض ليلا، وما هو تحت ~~الأرض يعود إلى فوق الأرض في الدور. وأما الأول لوجود العالم لا يتصور أن ~~ينقلب آخرا. # ... ### | كما في مثل الخشبة # وهو كما لو قدرنا خشبة أحد طرفيها غليظ والآخر دقيق واصطلحنا على أن نسمي ~~الجهة التي # PageV01P112 # تلي الدقيق فوقا إلى حيث ينتهي والجانب الآخر تحتا، لم يظهر بهذا اختلاف ~~ذاتي في أجزاء العالم بل هي أسامي مختلفة قيامها بهيئة هذه الخشبة، حتى لو ~~عكس وضعها انعكس الاسم والعالم لم يتبدل. فالفوق والتحت نسبة محضة إليك لا ~~تختلف أجزاء العالم وسطوحه فيه. وأما العدم المتقدم على العالم والنهاية ~~الأولى لوجوده ذاتي لا يتصور أن يتبدل فيصير آخرا، ولا العدم المقدر عند ~~إفناء العالم الذي هو عدم لاحق يتصور أن يصير سابقا. فطرفا نهاية وجود ~~العالم الذي أحدهما أول والثاني آخر طرفان ذاتيان ثابتان لا يتصور التبدل ~~فيه بتبدل الإضافات البتة بخلاف الفوق والتحت. ### | ولكن لوجود العالم "قبل" # فإذن أمكننا أن نقول: ليس للعالم فوق ولا تحت ولا يمكنكم أن تقولوا: ليس ~~لوجود العالم "قبل" ولا "بعد". وإذا ثبت القبل والبعد فلا معنى للزمان سوى ~~ما يعبر عنه ms018 بالقبل والبعد. ### | قولنا كما أن العالم ليس له "خارج"، كذلك ليس له قبل # قلنا: لا فرق فإنه لا غرض في تعيين لفظ الفوق والتحت، بل نعدل إلى لفظ ~~الوراء والخارج ونقول: للعالم داخل وخارج، فهل خارج العالم شيء من ملاء أو ~~خلاء؟ فسيقولون: ليس وراء العالم لا خلاء ولا ملاء. وإن عنيتم بالخارج سطحه ~~الأعلى فله خارج، وإن عينتم غيره فلا خارج له. فكذلك إذا قيل لنا: هل لوجود ~~العالم "قبل"؟ قلنا: إن عني به: هل لوجود العالم بداية أي طرف منه ابتدأ، ~~فله "قبل" على هذا كما للعالم خارج على تأويل أنه الطرف المكشوف والمنقطع ~~السطحي. وإن عنيتم بقبل شيئا آخر، فلا "قبل" للعالم، كما أنه إذا عني بخارج ~~العالم شيء سوى السطح قيل: لا خارج للعالم. فإن قلتم: لا يعقل مبتدأ وجود ~~لا "قبل" له، فيقال: ولا يعقل متناهى وجود من الجسم لا خارج له. فإن قلت: ~~خارجه سطح الذي هو منقطعه لا غير، قلنا: قبله بداية وجوده الذي هو طرفه لا ~~غير. ### $ نسبة ذلك للمكان والزمان من عمل الوهم ... # بقي أنا نقول: لله وجود ولا عالم معه. وهذا القدر أيضا لا يوجب إثبات شيء ~~آخر، والذي يدل على أن هذا عمل الوهم أنه مخصوص بالزمان والمكان. فإن ~~الخصم، وإن اعتقد قدم الجسم، يذعن وهمه لتقدير حدوثه. ونحن، وإن اعتقدنا # PageV01P113 # حدوثه، ربما أذعن وهمنا لتقدير قدمه. هذا في الجسم. فإذا رجعنا إلى ~~الزمان، لم يقدر الخصم على تقدير حدوث زمان لا "قبل" له، وخلاف المعتقد ~~يمكن وضعه في الوهم تقديرا وفرضا. وهذا مما لا يمكن وضعه في الوهم كما في ~~المكان، فإن من يعتقد تناهي الجسم ومن لا يعتقد كل واحد يعجز عن تقدير جسم ~~ليس وراءه لا خلاء ولا ملاء، بل لا يذعن وهمه لقبول ذلك. ### | وهذا هو سبب الغلط # ولكن قيل: صريح العقل إذا لم يمنع وجود جسم متناه بحكم الدليل لا يلتفت ~~إلى الوهم. فكذلك صريح العقل لا يمنع وجودا مفتتحا ليس قبله شيء. وإن ms019 قصر ~~الوهم عنه فلا يلتفت إليه، لأن الوهم، لما لم يألف جسما متناهيا إلا وبجنبه ~~جسم آخر أو هواء تخيله خلاء، لم يتمكن من ذلك في الغائب. فكذلك لم يألف ~~الوهم حادثا إلا بعد شيء آخر، فكاع عن تقدير حادث ليس له "قبل" هو شيء ~~موجود قد انقضى. فهذا هو سبب الغلط، والمقاومة حاصلة بهذه المعارضة. # PageV01P114 ### $ صيغة ثانية لهم في إلزام قدم الزمان # قولهم كان الله قادرا على أن يخلق العالم # قبل أن خلقه بقدر سنين ... # قالوا: لا شك في أن الله عندكم كان قادرا على أن يخلق العالم قبل أن خلقه ~~بقدر سنة ومائة سنة وألف سنة، وإن هذه التقديرات متفاوتة في المقدار ~~والكمية، فلا بد من إثبات شيء قبل وجود العالم ممتد مقدر بعضه أمد وأطول من ~~البعض. # ... ### | أو أن يخلق قبله عالما ثانيا مثله # بحيث ينتهي إلى زماننا هذا بقدر عدد أكثر من الدورات وإن قلتم: لا يمكن ~~إطلاق لفظ سنين إلا بعد حدوث الفلك ودوره فلنترك لفظ سنين ولنورد صيغة أخرى ~~فنقول: إذا قدرنا أن العالم من أول وجوده قد دار فلكه إلى الآن بألف دورة ~~مثلا، فهل كان الله قادرا على أن يخلق قبله عالما ثانيا مثله بحيث ينتهي ~~إلى زماننا هذا بألف ومائة دورة؟ فإن قلتم: لا، فكأنه انقلب القديم من ~~العجز إلى القدرة أو العالم من الاستحالة إلى الإمكان. وإن قلتم: نعم، ولا ~~بد منه، فهل كان يقدر على أن يخلق عالما ثالثا بحيث ينتهي إلى زماننا بألف ~~ومائتي دورة؟ ولا بد من نعم. ### $ قولنا فهناك مقدار معلوم ... # فنقول: هذا العالم الذي سميناه بحسب ترتيبنا في التقدير ثالثا، وإن كان ~~هو الأسبق، فهل أمكن خلقه مع العالم الذي سميناه ثانيا وكان ينتهي إلينا ~~بألف ومائتي دورة والآخر بألف ومائة دورة وهما متساويان في مسافة الحركة ~~وسرعتها؟ فإن قلتم: نعم، فهو محال إذ يستحيل أن يتساوى حركتان في السرعة ~~والبطء ثم تنتهيان إلى وقت واحد، والأعداد متفاوتة. وإن قلتم: إن العالم ~~الثالث الذي ينتهي ms020 إلينا بألف ومائتي دورة لا يمكن أن يخلق مع العالم ~~الثاني الذي ينتهي إلينا بألف ومائة دورة، بل لا بد وأن يخلقه قبله بمقدار ~~يساوي المقدار الذي تقدم العالم الثاني على العالم الأول، وسمينا الأول ما ~~هو أقرب إلى وهمنا، إذ ارتقينا من وقتنا # PageV01P115 # إليه بالتقدير، فيكون قدر إمكان هو ضعف إمكان آخر، ولا بد من إمكان آخر ~~هو ضعف الكل. # ... ### | فهناك زمان # فهذا الإمكان المقدر المكمم الذي بعضه أطول من البعض بمقدار معلوم لا ~~حقيقة له إلا الزمان، فليست هذه الكميات المقدرة صفة ذات الباري تعالى عن ~~التقدير ولا صفة عدم العالم، إذ العدم ليس شيئا حتى يتقدر بمقادير مختلفة، ~~والكمية صفة فتستدعى ذا كمية، وليس ذلك إلا الحركة، والكمية إلا الزمان ~~الذي هو قدر الحركة. فإذن قبل العالم عندكم شيء ذو كمية متفاوتة وهو ~~الزمان. فقبل العالم عندكم زمان. ### $ اعتراض وكذلك، فوراء العالم خلاء أو ملاء ... # الاعتراض أن كل هذا من عمل الوهم، وأقرب طريق في دفعه المقابلة للزمان ~~بالمكان. فإنا نقول: هل كان في قدرة الله أن يخلق الفلك الأعلى في سمكه ~~أكبر مما خلقه بذراع؟ فإن قالوا: لا، فهو تعجيز. وإن قالوا: نعم، فبذراعين ~~وثلاثة أذرع، وكذلك يرتقي إلى غير نهاية. ونقول: في هذا إثبات "بعد" وراء ~~العالم له مقدار وكمية، إذ الأكبر بذراعين ما كان يشغل ما يشغله الأكبر ~~بذراع، فوراء العالم بحكم هذا كمية فتستدعي ذاكم وهو الجسم أو الخلاء. ~~فوراء العالم خلاء أو ملاء، فما الجواب عنه؟ # ... ### | فيكون الخلاء مقدارا # وكذلك هل كان الله قادرا على أن يخلق كرة العالم أصغر مما خلقه بذراع ثم ~~بذراعين؟ وهل بين التقديرين تفاوت فيما ينتفي من الملاء والشغل للأحياز؟ إذ ~~الملاء المنتفي عند نقصان ذراعين أكثر مما ينتفي عند نقصان ذراع، فيكون ~~الخلاء مقدرا، والخلاء ليس بشيء، فكيف يكون مقدرا؟ وجوابنا في تخييل الوهم ~~تقدير الإمكانات الزمانية قبل وجود العالم كجوابكم في تخييل الوهم تقدير ~~الإمكانات المكانية وراء وجود العالم، ولا فرق. ### | قولهم كون العالم أكبر ms021 أو أصغر مما هو عليه ليس بممكن # فإن قيل: نحن لا نقول: إن ما ليس بممكن فهو مقدور، وكون العالم أكبر مما ~~هو عليه ولا أصغر منه ليس بممكن فلا يكون مقدورا. # PageV01P116 ### | ولماذا؟ # وهذا العذر باطل من ثلاثة أوجه: أحدها أن هذا مكابرة العقل، فإن العقل في ~~تقدير العالم أكبر أو أصغر مما عليه بذراع ليس هو كتقديره الجمع بين السواد ~~والبياض والوجود والعدم، والممتنع هو الجمع بين النفي والإثبات، وإليه ترجع ~~المحالات كلها فهو تحكم بارد فاسد. ### | وجود العالم يكون واجبا! # الثاني أنه إذا كان العالم على ما هو عليه لا يمكن أن يكون أكبر منه ولا ~~أصغر. فوجوده على ما هو عليه واجب لا ممكن، والواجب مستغن عن علة. فقولوا ~~بما قاله الدهريون من نفي الصانع ونفي سبب هو مسبب الأسباب، وليس هذا ~~مذهبكم. ### | ووجوده قبل الوجود غير ممكن! # الثالث هو أن هذا الفاسد لا يعجز الخصم عن مقابلته بمثله. فنقول: إنه لم ~~يكن وجود العالم قبل وجوده ممكنا بل وافق الوجود الإمكان من غير زيادة ولا ~~نقصان. فإن قلتم: فقد انتقل القديم من القدرة إلى العجز، قلنا: لا، لأن ~~الوجود لم يكن ممكنا فلم يكن مقدورا، وامتناع حصول ما ليس بممكن لا يدل على ~~العجز. وإن قلتم: إنه كيف كان ممتنعا فصار ممكنا؟ قلنا: ولم يستحيل أن يكون ~~ممتنعا في حال، ممكنا في حال؟ فإن قلتم: الأحوال متساوية، قيل لكم: ~~والمقادير متساوية، فكيف يكون مقدار ممكنا وأكبر منه أو أصغر بمقدار ظفر ~~ممتنعا؟ فإن لم يستحل ذلك لم يستحل هذا. فهذا طريقة المقاومة. ### | إن الله إذا أراد فعل # والتحقيق في الجواب أن ما ذكروه من تقدر الإمكانات لا معنى لها، وإنما ~~المسلم أن الله قديم قادر لا يمتنع عليه الفعل أبدا لو أراد، وليس في هذا ~~القدر ما يوجب إثبات زمان ممتد إلا أن يضيف الوهم بتلبيسه إليه شيئا آخر. # PageV01P117 # الثالث ### | قولهم إمكان العالم كان موجودا، فالعالم أيضا كان موجودا # تمسكوا بأن قالوا: وجود العالم ممكن قبل ms022 وجوده، إذ يستحيل أن يكون ممتنعا ~~ثم يصير ممكنا، وهذا الإمكان لا أول له، أي لم يزل ثابتا ولم يزل العالم ~~ممكنا وجوده، إذ لا حال من الأحوال يمكن أن يوصف العالم فيه بأنه ممتنع ~~الوجود. فإذا كان الإمكان لم يزل فالممكن على وفق الإمكان أيضا لم يزل، فإن ~~معنى قولنا أنه ممكن وجوده أنه ليس محالا وجوده. فإذا كان ممكنا وجوده أبدا ~~لم يكن محالا وجوده أبدا، وإلا فإن كان محالا وجوده أبدا بطل قولنا إنه ~~ممكن وجوده أبدا، وإن بطل قولنا إنه ممكن وجوده أبدا بطل قولنا إن الإمكان ~~لم يزل، وإن بطل قولنا إن الإمكان لم يزل صح قولنا إن الإمكان له أول، وإذا ~~صح أن له أولا كان قبل ذلك غير ممكن، فيؤدي إلى إثبات حال لم يكن العالم ~~ممكنا ولا كان الله عليه قادرا. ### | اعتراض العالم لم يزل ممكن الحدوث # الاعتراض أن يقال: العالم لم يزل ممكن الحدوث، فلا جرم ما من وقت إلا ~~ويتصور أحداثه فيه، وإذا قدر موجودا أبدا لم يكن حادثا فلم يكن الواقع على ~~وفق الإمكان بل خلافه. وهذا كقولهم في المكان وهو أن تقدير العالم أكبر مما ~~هو، أو خلق جسم فوق العالم ممكن، وكذى آخر فوق ذلك الآخر، وهكذا إلى غير ~~نهاية. فلا نهاية لإمكان الزيادة ومع ذلك فوجود ملاء مطلق لا نهاية له غير ~~ممكن. فكذلك وجود لا ينتهي طرفه غير ممكن، بل كما يقال الممكن جسم متناهي ~~السطح ولكن لا تتعين مقاديره في الكبر والصغر، فكذلك الممكن الحدوث ومبادئ ~~الوجود لا تتعين في التقدم والتأخر وأصل كونه حادثا متعين فإنه الممكن لا ~~غير. # PageV01P118 # الرابع ### $ قولهم كل حادث تسبقه مادة ... # وهو أنهم قالوا: كل حادث فالمادة التي فيه تسبقه، إذ لا يستغني الحادث عن ~~مادة، فلا تكون المادة حادثة وإنما الحادث الصور والأعراض والكيفيات على ~~المواد. # ... ### | ممكنة له # وبيانه أن كل حادث فهو قبل حدوثه لا يخلوا إما أن يكون ممكن الوجود أو ~~ممتنع الوجود أو واجب الوجود، ms023 ومحال أن يكون ممتنعا لأن الممتنع في ذاته لا ~~يوجد قط، ومحال أن يكون واجب الوجود لذاته فإن الواجب لذاته لا يعدم قط، ~~فدل أنه ممكن الوجود بذاته. فإذن إمكان الوجود حاصل له قبل وجوده، وإمكان ~~الوجود وصف إضافي لا قوام له بنفسه، فلا بد له من محل يضاف إليه، ولا محل ~~إلا المادة فيضاف إليها كما نقول: هذه المادة قابلة للحرارة والبرودة أو ~~السواد والبياض أو الحركة والسكون، أي ممكن لها حدوث هذه الكيفيات وطريان ~~هذه التغيرات، فيكون الإمكان وصفا للمادة. والمادة لا يكون لها مادة، فلا ~~يمكن أن تحدث، إذ لو حدثت لكان إمكان وجودها سابقا على وجودها وكان الإمكان ~~قائما بنفسه غير مضاف إلى شيء، مع أنه وصف إضافي لا يعقل قائما بنفسه. ### $ معنى الإمكان لا يرجع إلى كونه مقدورا ... # ولا يمكن أن يقال إن معنى الإمكان يرجع إلى كونه مقدورا وكون القديم ~~قادرا عليه، لأنا لا نعرف كون الشيء مقدورا إلا بكونه ممكنا. فنقول: هو ~~مقدور لأنه ممكن، وليس بمقدور لأنه ليس بممكن. فإن كان قولنا: هو ممكن، ~~يرجع إلى أنه مقدور، فكأنا قلنا: هو مقدور لأنه مقدور وليس بمقدور لأنه ليس ~~بمقدور، وهو تعريف الشيء بنفسه. فدل أن كونه ممكنا قضية أخرى في العقل ~~ظاهرة بها تعرف القضية الثانية وهو كونه مقدورا. # ... ### | ولا إلى كونه معلوما # ويستحيل أن يرجع ذلك إلى علم القديم بكونه ممكنا، فإن العلم يستدعي ~~معلوما. فالإمكان المعلوم غير العلم # PageV01P119 # لا محالة، ثم هو وصف إضافي فلا بد من ذات يضاف إليه، وليس إلا المادة. ~~فكل حادث فقد سبقه مادة، فلم تكن المادة الأولى حادثة بحال. ### $ اعتراض الإمكان هو قضاء العقل وهو يستدعي شيئا موجودا ... # الاعتراض أن يقال: الإمكان الذي ذكروه يرجع إلى قضاء العقل. فكل ما قدر ~~العقل وجوده فلم يمتنع عليه تقديره سميناه ممكنا، وإن امتنع سميناه ~~مستحيلا، وإن لم يقدر على تقدير عدمه سميناه واجبا. فهذه قضايا عقلية لا ~~تحتاج إلى موجود حتى تجعل وصفا له. بدليل ثلاثة أمور: ms024 # ... ### | كذلك الامتناع # أحدها أن الإمكان لو استدعى شيئا موجودا يضاف إليه ويقال إنه إمكانه ~~لاستدعى الامتناع شيئا موجودا يقال إنه امتناعه، وليس للممتنع وجود في ذاته ~~ولا مادة يطرى عليها المحال حتى يضاف الامتناع إلى المادة. ### | إمكان السواد # والثاني أن السواد والبياض يقضي العقل فيهما قبل وجودهما بكونهما ممكنين. ~~فإن كان هذا الإمكان مضافا إلى الجسم الذي يطريان عليه، حتى يقال معناه إن ~~هذا الجسم يمكن أن يسود وأن يبيض، فإذن ليس البياض في نفسه ممكنا ولا له ~~نعت الإمكان، وإنما الممكن الجسم والإمكان مضاف إليه. فنقول: ما حكم نفس ~~السواد في ذاته أو هو ممكن أو واجب أو ممتنع، ولا بد من القول بأنه ممكن، ~~فدل أن العقل في القضية بالإمكان لا يفتقر إلى وضع ذات موجود يضيف إليه ~~الإمكان. ### | إمكان النفوس # والثالث أن نفوس الآدميين عندهم جواهر قائمة بأنفسها ليس بجسم ومادة ولا ~~منطبع في مادة. وهي حادثة على ما اختاره ابن سينا والمحققون منهم، ولها ~~إمكان قبل حدوثها وليس لها ذات ولا مادة. فإمكانها وصف إضافي ولا يرجع إلى ~~قدرة القادر وإلى الفاعل، فإلى ماذا يرجع؟ فينقلب عليهم هذا الإشكال. ### | قولهم الإمكان ليس بقضاء العقل # فإذا قدر عدم القضاء، لم يزل الإمكان # فإن قيل: رد الإمكان إلى قضاء العقل محال، إذ لا معنى لقضاء العقل # PageV01P120 # إلا العلم بالإمكان. فالإمكان معلوم وهو غير العلم، بل العلم يحيط به ~~ويتبعه ويتعلق به على ما هو، والعلم لو قدر عدمه لم ينعدم المعلوم. ~~والمعلوم إذا قدر انتفاؤه انتفى العلم. فالعلم والمعلوم أمران اثنان أحدهما ~~تابع والآخر متبوع. ولو قدرنا إعراض العقلاء عن تقدير الإمكان وغفلتهم عنه ~~لكنا نقول: لا يرتفع الإمكان بل الممكنات في أنفسها، ولكن العقول غفلت عنها ~~أو عدمت العقول والعقلاء. فيبقى الإمكان لا محالة. ### $ للامتناع موضوع ... # وأما الأمور الثلاثة فلا حجة فيها، فإن الامتناع أيضا وصف إضافي يستدعي ~~موجودا يضاف إليه. ومعنى الممتنع الجمع بين الضدين، فإذا كان المحل أبيض ~~كان ممتنعا عليه أن يسود مع وجود ms025 البياض، فلا بد من موضوع يشار إليه موصوف ~~بصفة. فعند ذلك يقال: ضده ممتنع عليه، فيكون الامتناع وصفا إضافيا قائما ~~بموضوع مضافا إليه. وأما الوجوب فلا يخفى أنه مضاف إلى الوجود الواجب. ### | ولإمكان السواد موضوع # وأما الثاني، وهو كون السواد في نفسه ممكنا، فغلط. فإنه إن أخذ مجردا دون ~~محل يحله كان ممتنعا لا ممكنا، وإنما يصير ممكنا إذا قدر هيئة في جسم. ~~فالجسم مهيأ لتبدل هيئة، والتبدل ممكن على الجسم، وإلا فليس للسواد نفس ~~مفردة حتى يوصف بإمكان. ### | ولإمكان النفوس موضوع # وأما الثالث، وهو النفس، فهي قديمة عند فريق ولكن ممكن لها التعلق ~~بالأبدان، فلا يلزم على هذا. ومن سلم حدوثه فقد اعتقد فريق منهم أنه منطبع ~~في المادة تابع للمزاج، على ما دل عليه كلام جالينوس في بعض المواضع، فتكون ~~في مادة وإمكانها مضاف إلى مادتها. وعلى مذهب من سلم أنها حادثة وليست ~~منطبعة، فمعناه أن المادة ممكن لها أن يدبرها نفس ناطقة، فيكون الإمكان ~~السابق على الحدوث مضافا إلى المادة، فإنها وإن لم تنطبع فيها فلها علاقة ~~معها إذ هي المدبرة والمستعملة لها، فيكون الإمكان راجعا إليها بهذا ~~الطريق. ### | الجواب # الإمكان هو قضاء العقل، كما يصرح بأن الكليات موجودة # والجواب أن رد الإمكان والوجوب والامتناع إلى قضايا عقلية صحيح، وما ذكر ~~بأن معنى قضاء العقل علم والعلم يستدعي معلوما. فنقول له: # PageV01P121 # معلوم كما أن اللونية والحيوانية وسائر قضايا الكلية ثابتة في العقل ~~عندهم، وهي علوم لا يقال لا معلوم لها، ولكن لا وجود لمعلوماتها في ~~الأعيان، حتى صرح الفلاسفة بأن الكليات موجودة في الأذهان لا في الأعيان. ~~وإنما الموجود في الأعيان جزئيات شخصية وهي محسوسة غير معقولة، ولكنها سبب ~~لأن ينتزع العقل منها قضية مجردة عن المادة عقلية. فإذن اللونية قضية مفردة ~~في العقل سوى السوادية والبياضية، ولا يتصور في الوجود لون ليس بسواد ولا ~~بياض ولا غيره من الألوان، ويثبت في العقل صورة اللونية من غير تفصيل، ~~ويقال: هي صورة وجودها في الأذهان لا في الأعيان. ms026 فإن لم يمتنع هذا لم ~~يمتنع ما ذكرناه. ### $ لو قدر عدم العاقل ... # وأما قولهم: لو قدر عدم العقلاء أو غفلتهم ما كان الإمكان ينعدم، فنقول: ~~ولو قدر عدمهم هل كانت القضايا الكلية وهي الأجناس والأنواع تنعدم؟ فإذا ~~قالوا: نعم، إذ لا معنى لها إلا قضية في العقول، فكذلك قولنا في الإمكان، ~~ولا فرق بين البابين. وإن زعموا أنها تكون باقية في علم الله فكذى القول في ~~الإمكان. فالإلزام واقع والمقصود إظهار تناقض كلامهم. ### | امتناع وجود شريك لله # وأما العذر عن الامتناع بأنه مضاف إلى المادة الموصوفة بالشيء إذ يمتنع ~~عليه ضده، فليس كل محال كذلك فإن وجود شريك لله محال، وليس ثم مادة يضاف ~~إليها الامتناع. فإن زعموا أن معنى استحالة الشريك أن انفراد الله تعالى ~~بذاته وتوحده واجب والانفراد مضاف إليه، فنقول: ليس واجب، فإن العالم موجود ~~معه فليس منفردا. فإن زعموا أن انفراده عن النظير واجب ونقيض الواجب ممتنع، ~~وهو إضافة إليه، قلنا: نعني أن انفراد الله عنها ليس كانفراده عن النظير، ~~فإن انفراده عن النظير واجب وانفراده عن المخلوقات الممكنة غير واجب، ~~فنتكلف إضافة الإمكان إليه بهذه الحيلة كما تكلفوه في رد الامتناع إلى ذاته ~~بقلب عبارة الامتناع إلى الوجوب ثم بإضافة الانفراد إليه بنعت الوجوب. ### | السواد هو في العقل # وأما العذر عن السواد والبياض بأنه لا نفس له ولا ذات منفردا، إن عني # PageV01P122 # بذلك في الوجود فنعم، وإن عني بذلك في العقل فلا، فإن العقل يعقل السواد ~~الكلي ويحكم عليه بالإمكان في ذاته. ### | وهو في الحق يضاف إلى الفاعل وإلى المادة # ثم العذر باطل بالنفوس الحادثة فإن لها ذواتا مفردة وإمكانا سابقا على ~~الحدوث، وليس ثم ما يضاف إليه. وقولهم: إن المادة ممكن لها أن يدبرها ~~النفس، فهذه إضافة بعيدة. فإن اكتفيتم بهذا فلا يبعد أن يقال: معنى إمكان ~~الحادث أن القادر عليها يمكن في حقه أن يحدثها، فيكون إضافة إلى الفاعل، مع ~~أنه ليس منطبعا فيه، كما أنه إضافة إلى البدن المنفعل، مع أنه لا ms027 ينطبع ~~فيه. ولا فرق بين النسبة إلى الفاعل والنسبة إلى المنفعل إذا لم يكن انطباع ~~في الموضعين. ### | قولهم قابلتم الإشكالات بالإشكالات # فإن قيل: فقد عولتم في جميع الاعتراضات على مقابلة الإشكالات بالإشكالات ~~ولم تحلوا ما أوردوه من الإشكال، ### | قولنا المعارضة تبين فساد الكلام # قلنا: المعارضة تبين فساد الكلام لا محالة، وينحل وجه الإشكال في تقدير ~~المعارضة والمطالبة. ونحن لم نلتزم في هذا الكتاب إلا تكدير مذهبهم ~~والتغبير في وجوه أدلتهم بما نبين تهافتهم. ولم نتطرق الذب عن مذهب معين ~~فلم نخرج لذلك عن مقصود الكتاب، ولا نستقصي القول في الأدلة الدالة على ~~الحدث إذ غرضنا إبطال دعواهم معرفة القدم. ### | إثبات المذهب الحق يكون في كتاب قواعد العقائد # وأما إثبات المذهب الحق فسنصنف فيه كتابا بعد الفراغ من هذا إن ساعد ~~التوفيق إن شاء الله ونسميه قواعد العقائد، ونعتني فيه بالإثبات كما ~~اعتنينا في هذا الكتاب بالهدم، والله أعلم. # PageV01P123 ### | مسألة في إبطال قولهم في أبدية العالم والزمان والحركة ### $ هذه المسألة فرع الأولى ... # ليعلم أن هذه المسألة فرع الأولى، فإن العالم عندهم كما أنه أزلي لا ~~بداية لوجوده فهو أبدي لا نهاية لآخره، ولا يتصور فساده وفناؤه بل لم يزل ~~كذلك ولا يزال أيضا كذلك. ### | والأدلة الأربعة التي ذكرت لا تزال جارية # وأدلتهم الأربعة التي ذكرناها في الأزلية جارية في الأبدية، والاعتراض ~~كالاعتراض من غير فرق. فإنهم يقولون: إن العالم معلول علته أزلية أبدية، ~~فكان المعلول مع العلة. ويقولون: إذا لم تتغير العلة لم يتغير المعلول. ~~وعليه بنوا منع الحدوث، وهو بعينه جار في الانقطاع. وهذا مسلكهم الأول. ### | الدليل الأول والمسلك الثاني # ومسلكهم الثاني أن العالم إذا عدم فيكون عدمه بعد وجوده، فيكون له بعد ~~ففيه إثبات الزمان. ### | الدليل الأول والمسلك الثالث # وهو فاسد لأنه لا يستحيل بقاء العالم أبدا: ويعرف الواقع من الشرع # ومسلكهم الثالث إن إمكان الوجود لا ينقطع. فكذلك الوجود الممكن يجوز أن ~~يكون على وفق الإمكان. إلا أن هذا الدليل لا يقوى، فإنا نحيل أن يكون أزليا ~~ولا ms028 نحيل أن يكون أبديا لو أبقاه الله تعالى أبد، إذا ليس من ضرورة الحادث ~~أن يكون له آخر، ومن ضرورة الفعل أن يكون حادثا وأن يكون له أول. ولم يوجب ~~أن يكون للعالم لا محالة آخر إلا أبو الهذيل العلاف، فإنه قال: كما يستحيل ~~في الماضي دورات لا نهاية لها فكذلك في المستقبل، وهو فاسد لأن كل المستقبل ~~قط لا يدخل في الوجود لا متلاحقا ولا متساوقا، والماضي قد دخل كله في ~~الوجود متلاحقا وإن لم يكن متساوقا. وإذا تبين أنا لا نبعد بقاء العالم ~~أبدا من حيث العقل بل نجوز بقاءه وإفناءه، فإنما يعرف الواقع من قسمي ~~الممكن بالشرع فلا يتعلق النظر فيه بالمعقول. # PageV01P124 ### | الدليل الأول والمسلك الرابع # وأما مسلكهم الرابع فهو جار، لأنهم يقولون: إذا عدم العالم بقي إمكان ~~وجوده، إذ الممكن لا ينقلب مستحيلا، وهو وصف إضافي. فيفتقر كل حادث بزعمهم ~~إلى مادة سابقة، وكل منعدم فيفتقر إلى مادة ينعدم عنها. فالمواد والأصول لا ~~تنعدم وإنما تنعدم الصور والأعراض الحالة فيها. ### | الجواب ما سبق، ويضاف إليه دليلان آخران # والجواب عن الكل ما سبق. # وإنما أفردنا هذه المسألة لأن لهم فيها دليلين آخرين: # PageV01P125 ### | الأول دليل جالينوس لا يظهر أن الشمس لا تقبل الانعدام # ما تمسك به جالينوس إذ قال: لو كان الشمس مثلا تقبل الانعدام لظهر فيها ~~ذبول في مدة مديدة، والأرصاد الدالة على مقدارها منذ آلاف سنين لا تدل إلا ~~على هذا المقدار، فلما لم تذبل في هذه الآماد الطويلة دل أنها لا تفسد. # الاعتراض من الوجه الأول لعلها تفسد بغير طريق الذبول كما في حال البغتة ~~الاعتراض عليه من وجوه: الأول إن شكل هذا الدليل أن يقال: إن كان الشمس ~~تفسد فلا بد وأن يلحقها ذبول، لكن التالي محال فالمقدم محال، وهو قياس يسمى ~~عندهم الشرطي المتصل، وهذه النتيجة غير لازمة لأن المقدم غير صحيح ما لم ~~يضف إليه شرط آخر وهو قوله: إن كان تفسد فلا بد وأن تذبل، فهذا التالي لا ~~يلزم هذا المقدم ms029 إلا بزيادة شرط وهو أن نقول: إن كان تفسد فسادا ذبوليا فلا ~~بد وأن تذبل في طول المدة. أو يبين أنه لا فساد بطريق الذبول حتى يلزم ~~التالي للمقدم. ولا نسلم أنه لا يفسد الشيء إلا بالذبول، بل الذبول أحد ~~وجوه الفساد. ولا يبعد أن يفسد الشيء بغتة وهو على حال كماله. # الاعتراض من الوجه الثاني الفساد لا يظهر للحس الثاني أنه لو سلم له هذا ~~وأنه لا فساد إلا بالذبول، فمن أين عرف أنه ليس يعتريها الذبول؟ وأما ~~التفاته إلى الأرصاد فمحال لأنها لا تعرف مقاديرها إلا بالتقريب. والشمس ~~التي يقال إنها كالأرض مائة وسبعين مرة أو ما يقرب منه لو نقص منها مقدار ~~جبال مثلا لكان لا يبين للحس، فلعلها # PageV01P126 # في الذبول، وإلى الآن قد نقص مقدار جبال وأكثر. والحس لا يقدر على أن ~~يدرك ذلك لأن تقديره في علم المناظر لم يعرف إلا بالتقريب وهذا كما أن ~~الياقوت والذهب مركبان من العناصر عندهم وهي قابلة للفساد، ثم لو وضع ~~ياقوته مائة سنة لم يكن نقصانه محسوسا، فلعل نسبة ما ينقص من الشمس في مدة ~~تاريخ الأرصاد كنسبة ما ينقص من الياقوت في مائة سنة. وذلك لا يظهر للحس ~~فدل أن دليله في غاية الفساد. ### | وباقي الأدلة ليست أكثر قوة # وقد أعرضنا عن إيراد أدلة كثيرة من هذا الجنس يستركها العقلاء وأوردنا ~~هذا الواحد ليكون عبرة ومثالا لما تركناه واقتصرنا على الأدلة الأربعة التي ~~يحتاج إلى تكلف في حل شبهها كما سبق. # PageV01P127 # الثاني الدليل الثاني لا يعقل سبب معدم ... لهم في استحالة عدم العالم أن ~~قالوا: العالم لا تنعدم جواهره لأنه لا يعقل سبب معدم له، وما لم يكن ~~منعدما ثم انعدم فلا بد وأن يكون بسبب، وذلك السبب لا يخلوا إما من أن يكون ~~إرادة القديم، وهو محال لأنه إذا لم يكن مريدا لعدمه ثم صار مريدا فقد ~~تغير، أو يؤدي إلى أن يكون القديم وإرادته على نعت واحد في جميع الأحوال، ~~والمراد يتغير من العدم إلى ms030 الوجود ثم من الوجود إلى العدم. وما ذكرناه من ~~استحالة وجود حادث بإرادة قديمة يدل على استحالة العدم. ### | ولا فعله فإن الأقوال بهذا الأمر باطلة # ويزيد هاهنا إشكال آخر أقوى من ذلك، وهو أن المراد فعل المريد لا محالة، ~~وكل من لم يكن فاعلا ثم صار فاعلا فإن لم يتغير هو في نفسه فلا بد وأن يصير ~~فعله موجودا بعد أن لم يكن موجودا. فإنه لو بقي كما كان إذ لم يكن له فعل، ~~والآن أيضا لا فعل له، فإذن لم يفعل شيئا. والعدم ليس بشيء فكيف يكون فعلا؟ ~~وإذا أعدم العالم وتجدد له فعل لم يكن، فما ذلك الفعل؟ أهو وجود العالم؟ ~~وهو محال إذا انقطع الوجود، أو فعله عدم العالم؟ وعدم العالم ليس بشيء حتى ~~يكون فعلا، فإن أقل درجات الفعل أن يكون موجودا وعدم العالم ليس شيئا ~~موجودا حتى يقال: هو الذي فعله # PageV01P128 # الفاعل وأوجده الموجد. # ولإشكال هذا زعموا: افترق المتكلمون في التقصي عن هذا أربع فرق وكل فرقة ~~اقتحمت محالا. ### $ قول المعتزلة بخلق الفناء ... # أما المعتزلة فإنهم قالوا: فعله الصادر منه موجود وهو الفناء، يخلقه لا ~~في محل فينعدم كل العالم دفعة واحدة، وينعدم الفناء المخلوق بنفسه حتى لا ~~يحتاج إلى فناء آخر، فيتسلسل إلى غير نهاية. وهو فاسد من وجوده أحدها أن ~~الفناء ليس موجودا معقولا حتى يقدر خلقه، ثم إن كان موجودا فلم ينعدم بنفسه ~~من غير معدم، ثم لم يعدم العالم فإنه إن خلق في ذات العالم وحل فيه فهو ~~محال لأن الحال يلاقي المحلول، فيجتمعان ولو في لحظة، فإذا جاز اجتماعهما ~~لم يكن ضدا فلم يفنه. وإن خلقه لا في العالم ولا في محل فمن أين يضاد وجوده ~~وجود العالم؟ ثم في هذا المذهب شناعة أخرى وهو أن الله لا يقدر على إعدام ~~بعض جواهر العالم دون بعض، بل لا يقدر إلا على إحداث فناء يعدم العالم كله، ~~لأنها إذا لم تكن في محل كان نسبتها إلى الكل على وتيرة. ### $ وقول الكرامية ms031 بإحداث الإعدام في الذات ... # الفرقة الثانية الكرامية حيث قالوا: إن فعله الإعدام، والإعدام عبارة عن ~~موجود يحدثه في ذاته تعالى عن قولهم فيصير العالم به معدوما. وكذلك الوجود ~~عندهم بإيجاد يحدثه في ذاته فيصير الموجود به موجودا. وهذا أيضا فاسد إذ ~~فيه كون القديم محل الحوادث، ثم خروج عن المعقول إذ لا يعقل من الإيجاد إلا ~~وجود منسوب إلى إرادة وقدرة. فإثبات شيء آخر سوى الإرادة والقدرة ووجود ~~المقدور وهو العالم لا يعقل، وكذى الإعدام. # PageV01P129 ### $ وقول الأشعرية بعدم خلق البقاء ... # الفرقة الثالثة الأشعرية إذ قالوا: أما الأعراض فإنها تفنى بأنفسها ولا ~~يتصور بقاءها، لأنه لو تصور بقاءها لما تصور فناؤها لهذا المعنى. وأما ~~الجواهر فليست باقية بأنفسها ولكنها باقية ببقاء زائد على وجودها، فإذا لم ~~يخلق الله البقاء انعدم لعدم المبقى. وهو أيضا فاسد لما فيه من مناكرة ~~المحسوس في أن السواد لا يبقى والبياض كذلك وأنه متجدد الوجود، والعقل ~~ينبوا عن هذا كما ينبوا عن قول القائل: إن الجسم متجدد الوجود في كل حالة، ~~والعقل القاضي بأن الشعر الذي على رأس الإنسان في يوم هو الشعر الذي كان ~~بالأمس لا مثله يقضي أيضا به في سواد الشعر. ثم فيه إشكال آخر وهو أن ~~الباقي إذا بقي ببقاء فيلزم أن تبقى صفات الله ببقاء. وذلك البقاء يكون ~~باقيا فيحتاج إلى بقاء آخر، ويتسلسل إلى غير نهاية. ### | وقول الفرقة الرابعة بعدم خلق الحركة أو السكون # والفرقة الرابعة طائفة أخرى من الأشعرية إذ قالوا: إن الأعراض تفنى ~~بأنفسها، وأما الجواهر فإنها تفنى بأن لا يخلق الله فيها حركة ولا سكونا ~~ولا اجتماعا ولا افتراقا، فيستحيل أن يبقى جسم ليس بساكن ولا متحرك فينعدم. ~~وكأن فرقتي الأشعرية مالوا إلى أن الإعدام ليس بفعل، إنما هو كف عن الفعل، ~~لما لم يعقلوا كون العدم فعلا. # وإذا بطلت هذه الطرق لم يبق وجه للقول بجواز إعدام العالم. ### $ وقولهم باستحالة انعدام النفس الحادثة ... # هذا لو قيل بأن العالم حادث، فإنهم مع تسليمهم حدوث النفس الإنسانية ~~يدعون ms032 استحالة انعدامها بطريق يقرب مما ذكرناه. ### | وباستحالة انعدام كل قائم بنفسه # وبالجملة عندهم كل قائم بنفسه لا في محل لا يتصور انعدامه بعد # PageV01P130 # وجوده، سواء كان قديما أو حادثا. وإذا قيل لهم: مهما أغلي النار تحت ~~الماء انعدم الماء، قالوا لم ينعدم ولكن انقلب بخارا ثم ماء. فالمادة وهي ~~الهيولى باقية في الهواء وهي المادة التي كانت لصورة الماء، وإنما خلعت، ~~الهيولى صورة المائية ولبست صورة الهوائية. وإذا أصاب الهواء برد كثف ~~وانقلب ماء، لا من مادة تجددت بل المواد مشتركة بين العناصر، وإنما يتبدل ~~عليها صورها. ### | الجواب الإعدام بإرادة الله الذي أجد العدم # والجواب: أن ما ذكرتموه من الأقسام وإن أمكن أن نذب عن كل واحد ونبين أن ~~إبطاله على أصلكم لا يستقيم لاشتمال أصولكم على ما هو من جنسه، ولكنا لا ~~نطول به ونقتصر على قسم واحد ونقول: بم تنكرون على من يقول: الإيجاد ~~والإعدام بإرادة القادر؟ فإذا أراد الله أوجد وإذا أراد أعدم، وهذا معنى ~~كونه قادرا على الكمال، وهو في جملة ذلك لا يتغير في نفسه وإنما يتغير ~~الفعل. وأما قولكم: إن الفاعل لا بد وأن يصدر منه فعل، فما الصادر منه؟ ~~قلنا: الصادر منه ما تجدد وهو العدم، إذ لم يكن عدم ثم تجدد العدم، فهو ~~الصادر عنه. ### | قولهم العدم ليس بشيء # فإن قلتم: إنه ليس بشيء فكيف صدر منه؟ ### $ قولنا هو واقع فهو معقول ... # قلنا: وهو ليس بشيء فكيف وقع؟ وليس معنى صدوره منه إلا أن ما وقع مضاف ~~إلى قدرته، فإذا عقل وقوعه لم لا تعقل إضافته إلى القدرة؟ وما الفرق بينهم ~~وبين من ينكر طريان العدم أصلا على الأعراض والصور ويقول: العدم ليس بشيء ~~فكيف يطرى وكيف يوصف بالطريان والتجدد؟ ولا نشك في أن العدم يتصور طريانه ~~على الأعراض، فالموصوف بالطريان معقول وقوعه سمى شيئا أو لم يسم، فإضافة ~~ذلك الواقع المعقول إلى قدرة القادر أيضا معقول. ### | لا يقع العدم، بل أضداد الطريان # فإن قيل: هذا إنما يلزم على مذهب من يجوز ms033 عدم الشيء بعد وجوده، فيقال له: ~~ما الذي طرى؟ وعندنا لا ينعدم الشيء الموجود، وإنما معنى انعدام # PageV01P131 # الأعراض طريان أضدادها التي هي موجودات لا طريان العدم المجرد الذي ليس ~~بشيء، فإن ما ليس بشيء كيف يوصف بالطريان؟ فإذا ابيض الشعر فالطاري هو ~~البياض فقط وهو موجود، ولا نقول الطاري هو عدم السواد. ### | قولنا يقع العدم # وهذا فاسد من وجهين: أحدهما أن طريان البياض هل تضمن عدم السواد أم لا؟ ~~فإن قالوا: لا، فقد كابروا المعقول. وإن قالوا: نعم، فالمتضمن غير المتضمن ~~أم عينه؟ فإن قالوا: هو عينه، كان متناقضا إذ الشيء لا يتضمن نفسه. وإن ~~قالوا غيره، فذلك الغير معقول أم لا؟ فإن قالوا: لا، قلنا: فبم عرفتم أنه ~~متضمن؟ والحكم عليه بكونه متضمنا اعتراف بكونه معقولا. وإن قالوا: نعم، ~~فذلك المتضمن المعقول وهو عدم السواد قديم أو حادث. فإن قالوا: قديم، فهو ~~محال. وإن قالوا: حادث، فالموصوف بالحدوث كيف لا يكون معقولا؟ وإن قالوا: ~~لا قديم ولا حادث، فهو محال لأنه قبل طريان البياض لو قيل: السواد معدوم، ~~كان كذبا، وبعده إذا قيل: إنه معدوم، كان صدقا فهو طار لا محالة. فهذا ~~الطاري معقول فيجوز أن يكون منسوبا إلى قدرة قادر. ### | الحركة وما إليها تنعدم دون وقوع أضدادها # الوجه الثاني أن من الأعراض ما ينعدم عندهم، لا بضده فإن الحركة لا ضد ~~لها، وإنما التقابل بينهما وبين السكون عندهم تقابل الملكة والعدم، أي ~~تقابل الوجود والعدم، ومعنى السكون عدم الحركة. فإذا عدمت الحركة لم يطر ~~سكون هو ضده بل هو عدم محض، وكذلك الصفات التي هي من قبيل الاستكمال ~~كانطباع أشباح المحسوسات في الرطوبة الجليدية من العين، بل انطباع صور ~~المعقولات في النفس فإنها ترجع إلى استفتاح وجود من غير زوال # PageV01P132 # ضده، وإذا عدم كان معناها زوال الوجود من غير استعقاب ضده. فزوالها عبارة ~~عن عدم محض قد طرى، فعقل وقوع العدم الطاري وما عقل وقوعه بنفسه، وإن لم ~~يكن شيئا عقل أن ينسب إلى قدرة القادر. ### | قدرة القادر ms034 في إمكانها أن تحدث العدم كما تحدث الوجود. # فتبين بهذا أنه مهما تصور وقوع حادث بإرادة قديمة لم يفترق الحال بين أن ~~يكون الواقع عدما أو وجودا. # PageV01P133 ### | مسألة في بيان تلبيسهم بقولهم إن الله فاعل العالم وصانعه # وأن العالم صنعه وفعله وبيان أن ذلك مجاز عندهم وليس بحقيقته ### | قولنا لا يتصور على مساق أصلهم أن يكون العالم من صنع الله # وقد اتفقت الفلاسفة سوى الدهرية على أن للعالم صانعا وأن الله هو صانع ~~العالم وفاعله وأن العالم فعله وصنعه، وهذا تلبيس على أصلهم. بل لا يتصور ~~على مساق أصلهم أن يكون العالم من صنع الله، من ثلاثة أوجه: وجه في الفاعل ~~ووجه في الفعل ووجه في نسبة مشتركة بين الفعل والفاعل. ### | خبالهم من ثلاثة وجوه # أما الذي في الفاعل فهو أنه لا بد وأن يكون مريدا مختارا عالما بما ~~يريده، حتى يكون فاعلا لما يريده. والله تعالى عندهم ليس مريدا بل لا صفة ~~له أصلا، وما يصدر عنه فيلزم منه لزوما ضروريا. والثاني أن العالم قديم ~~والفعل هو الحادث. والثالث أن الله واحد عندهم من كل وجه، والواحد لا يصدر ~~منه عندهم إلا واحد من كل وجه، والعالم مركب من مختلفات، فكيف يصدر عنه؟ في ~~الفاعل: تقولون أن العالم من الله باللزوم ... # ولنحقق وجه كل واحد من هذه الوجوه الثلاثة مع خبالهم في دفعه. # PageV01P134 # الأول فنقول: الفاعل عبارة عمن يصدر منه الفعل، مع الإرادة للفعل على ~~سبيل الاختيار ومع العلم بالمراد. وعندكم أن العالم من الله كالمعلول من ~~العلة يلزم لزوما ضروريا، لا يتصور من الله دفعه، لزوم الظل من الشخص ~~والنور من الشمس، وليس هذا من الفعل في شيء. ### | ولا يقال الفاعل فاعلا إلا على وجه الإرادة والاختيار # بل من قال إن السراج يفعل الضوء والشخص يفعل الظل فقد جازف وتوسع في ~~التجوز توسعا خارجا من الحد واستعار اللفظ اكتفاء بوقوع المشاركة بين ~~المستعار له والمستعار عنه في وصف واحد، وهو أن الفاعل سبب على الجملة ~~والسراج سبب الضوء ms035 والشمس سبب النور. ولكن الفاعل لم يسم فاعلا صانعا بمجرد ~~كونه سببا بل بكونه سببا على وجه مخصوص، وهو على وجه الإرادة والاختيار، ~~حتى لو قال القائل: الجدار ليس بفاعل والحجر ليس بفاعل والجماد ليس بفاعل ~~وإنما الفعل للحيوان، لم ينكر ذلك ولم يكن قوله كاذبا. وللحجر فعل عندهم ~~وهو الهوى والثقل والميل إلى المركز، كما أن للنار فعلا وهو التسخين، ~~وللحائط فعل وهو الميل إلى المركز ووقوع الظل، فإن كل ذلك صادر منه، وهذا ~~محال. ### $ قولهم الفعل جنسان ... # فإن قيل: كل موجود ليس واجب الوجود بذاته بل هو موجود بغيره، فإنا نسمي ~~ذلك الشيء مفعولا ونسمي سببه فاعلا ولا نبالي كان السبب فاعلا بالطبع أو ~~بالإرادة، كما أنكم لا تبالون أنه كان فاعلا بآلة أو بغير آلة. بل الفعل ~~جنس وينقسم إلى ما يقع بآلة وإلى ما يقع بغير آلة، فكذلك هو جنس وينقسم إلى ~~ما يقع بالطبع وإلى ما يقع بالاختيار. ### | ويقال "فعل" بالطبع والاختيار # بدليل أنا إذا قلنا "فعل" بالطبع لم يكن قولنا "بالطبع" ضدا لقولنا ~~"فعل"، ولا دفعا ونقضا له بل كان بيانا لنوع الفعل كما إذا قلنا "فعل" ~~مباشرة بغير آلة لم يكن نقضا بل كان تنويعا وبيانا. وإذا قلنا "فعل" ~~بالاختيار لم يكن # PageV01P135 # تكرارا مثل قولنا: حيوان إنسان، بل كان بيانا لنوع الفعل كقولنا "فعل" ~~بآلة. ولو كان قولنا "فعل" يتضمن الإرادة وكانت الإرادة ذاتية للفعل من حيث ~~أنه فعل لكان قولنا "فعل" بالطبع متناقضا كقولنا فعل وما فعل. ### $ قولنا الجماد لا فعل له ... # قلنا: هذه التسمية فاسدة ولا يجوز أن يسمى كل سبب بأي وجه كان فاعلا ولا ~~كل مسبب مفعولا. ولو كان كذلك لما صح أن يقال الجماد لا فعل له وإنما الفعل ~~للحيوان، وهذه من الكلمات المشهورة الصادقة. ### | إلا بالاستعادة # فإن سمى الجماد فاعلا فبالاستعارة كما قد يسمى طالبا مريدا على سبيل ~~المجاز، إذ يقال الحجر يهوى لأنه يريد المركز ويطلبه، والطلب والإرادة ~~حقيقية لا يتصور إلا مع العلم بالمراد المطلوب، ms036 ولا يتصور إلا من الحيوان. ### | فالفعل يتضمن الإرادة # وأما قولكم: إن قولنا "فعل" عام وينقسم إلى ما هو بالطبع وإلى ما هو ~~بالإرادة، غير مسلم وهو كقول القائل: قولنا "أراد" عام وينقسم إلى من يريد ~~مع العلم بالمراد وإلى من يريد ولا يعلم ما يريد، وهو فاسد، إذ الإرادة ~~تتضمن العلم بالضرورة، فكذلك الفعل يتضمن الإرادة بالضرورة. ### | "الفعل بالطبع" استعارة # وأما قولكم: إن قولنا "فعل" بالطبع ليس بنقض للأول، فليس كذلك فإنه نقض ~~له من حيث الحقيقة، ولكن لا يسبق إلى الفهم التناقض ولا يشتد نفور الطبع ~~عنه لأنه يبقى مجازا، فإنه لما أن كان سببا بوجه ما والفاعل أيضا سبب سمي ~~فعلا مجازا. ### | الفعل بالاختيار حقيقة هو فعل حقيقي # وإذا قال "فعل" بالاختيار فهو تكرير على التحقيق كقوله "أراد" وهو عالم ~~بما أراده. إلا أنه لما تصور أن يقال "فعل" وهو مجاز ويقال "فعل" وهو حقيقة ~~لم تنفر النفس عن قوله "فعل" بالاختيار وكان معناه فعل فعلا حقيقيا لا ~~مجازيا كقول القائل: تكلم بلسانه ونظر بعينه فإنه لما جاز أن يستعمل النظر ~~في القلب مجازا والكلام في تحريك الرأس واليد حتى يقال قال برأسه أي نعم، ~~لم يستقبح أن يقال: قال بلسانه # PageV01P136 # ونظر بعينه، ويكون معناه نفي احتمال المجاز. فهذا مزلة القدم، فليتنبه ~~لمحل انخداع هؤلاء الأغبياء. ### | قولهم يقال النار تحرق # فإن قيل: تسمية الفاعل فاعلا إنما يعرف من اللغة، وإلا فقد ظهر في العقل ~~أن ما يكون سببا للشيء ينقسم إلى ما يكون مريدا وإلى ما لا يكون. ووقع ~~النزاع في أن اسم الفعل على كلى القسمين حقيقة أم لا؟ ولا سبيل إلى إنكاره، ~~إذ العرب تقول: النار تحرق والسيف يقطع والثلج يبرد والسقمونيا تسهل والخبز ~~يشبع والماء يروي. وقولنا "يضرب" معناه يفعل الضرب، وقولنا "تحرق" معناه ~~تفعل الاحتراق، وقولنا "يقطع" معناه يفعل القطع. فإن قلتم: إن كل ذلك مجاز ~~كنتم متحكمين فيه من غير مستند. ### $ قولنا من ألقى إنسانا في نار فمات هو القاتل دون النار ... # والجواب ms037 أن كل ذلك بطريق المجاز وإنما الفعل الحقيقي ما يكون بالإرادة. ~~والدليل عليه أنا لو فرضنا حادثا توقف في حصوله على أمرين أحدهما إرادي ~~والآخر غير إرادي، أضاف العقل الفعل إلى الإرادي. وكذى اللغة فإن من ألقى ~~إنسانا في نار فمات يقال: هو القاتل دون النار، حتى إذا قيل: ما قتله إلا ~~فلان، صدق قائله. ### | لأنه مختار # فإن كان اسم الفاعل على المريد وغير المريد على وجه واحد لا بطريق كون ~~أحدهما أصلا وكون الآخر مستعارا منه، فلم يضاف القتل إلى المريد لغة وعرفا ~~وعقلا؟ مع أن النار هي العلة القريبة في القتل، وكأن الملقى لم يتعاط إلا ~~الجمع بينه وبين النار. ولكن لما أن كان الجمع بالإرادة وتأثير النار بغير ~~إرادة سمي قاتلا ولم تسم النار قاتلا إلا بنوع من الاستعارة. فدل أن الفاعل ~~من صدر الفعل عن إرادته، وإذا لم يكن الله مريدا عندهم ولا مختارا لفعل لم ~~يكن صانعا ولا فاعلا إلا مجازا. ### | قولهم نعني بكون الله فاعلا أن العالم قوامه به # فإن قيل: نحن نعني بكون الله فاعلا أنه سبب لوجود كل موجود سواه وأن ~~العالم قوامه به، ولولا وجود البارئ لما تصور وجود العالم، ولو قدر عدم ~~البارئ لانعدم العالم، كما لو قدر عدم الشمس لانعدم # PageV01P137 # الضوء. فهذا ما نعنيه بكونه فاعلا، فإن كان الخصم يأبى أن يسمي هذا ~~المعنى فعلا فلا مشاحة في الأسامي بعد ظهور المعنى. ### | قولنا لا تقولوا إن الله "صانع" العالم # قلنا: غرضنا أن نبين أن هذا المعنى لا يسمى فعلا وصنعا، وإنما المعنى ~~بالفعل والصنع ما يصدر عن الإرادة حقيقية. وقد نفيتم حقيقة معنى الفعل ~~ونطقتم بلفظه تجملا بالإسلاميين، ولا يتم الدين بإطلاق الألفاظ الفارغة عن ~~المعاني. فصرحوا بأن الله لا فعل له، حتى يتضح أن معتقدكم مخالف لدين ~~المسلمين. ولا تلبسوا بأن الله صانع العالم وأن العالم صنعه فإن هذه لفظة ~~أطلقتموها ونفيتم حقيقتها، ومقصود هذه المسألة الكشف عن هذا التلبيس فقط. # PageV01P138 # الثاني ### | إن كان العالم موجودا فلا يمكن ms038 إيجاده # في إبطال كون العالم فعلا لله على أصلهم بشرط في الفعل، وهو أن الفعل ~~عبارة عن الأحداث، والعالم عندهم قديم وليس بحادث، ومعنى الفعل إخراج الشيء ~~من العدم إلى الوجود بإحداثه. وذلك لا يتصور في القديم إذ الموجود لا يمكن ~~إيجاده. فإذن شرط الفعل أن يكون حادثا، والعالم قديم عندهم، فكيف يكون فعلا ~~لله؟ ### $ قولهم الوجود متعلق بالفاعل ... # فإن قيل: معنى الحادث موجود بعد عدم، فلنبحث أن الفاعل إذا أحدث كان ~~الصادر منه المتعلق به الوجود المجرد أو العدم المجرد أو كلاهما. وباطل أن ~~يقال: إن المتعلق به العدم السابق إذ لا تأثير للفاعل في العدم، وباطل أن ~~يقال: كلاهما إذ بان أن العدم لا يتعلق به أصلا، وأن العدم في كونه عدما لا ~~يحتاج إلى فاعل البتة، فبقي أنه متعلق به من حيث أنه موجود، وأن الصادر منه ~~مجرد الوجود، وأنه لا نسبة إليه إلا الوجود. فإن فرض الوجود دائما فرضت ~~النسبة دائمة، وإذا دامت هذه النسبة كان المنسوب إليه أفعل وأدوم تأثيرا ~~لأنه لم يتعلق العدم بالفاعل بحال. ### | لا سبق العدم، وإن كان مشترطا به # فبقي أن يقال: إنه متعلق به من حيث أنه حادث، ولا معنى لكونه حادثا إلا ~~أنه وجود بعد عدم، والعدم لم يتعلق به، فإن جعل سبق العدم وصف الوجود وقيل: ~~المتعلق به وجود مخصوص لا كل وجود وهو وجود مسبوق بالعدم، فيقال: كونه ~~مسبوقا بالعدم ليس من فعل فاعل وصنع صانع، فإن هذا الوجود لا يتصور صدوره ~~من فاعله إلا والعدم سابق عليه، وسبق العدم ليس # PageV01P139 # بفعل الفاعل. فكونه مسبوق العدم ليس بفعل الفاعل فلا تعلق له به. ~~فاشتراطه في كونه فعلا اشتراط ما لا تأثير للفاعل فيه بحال. وأما قولكم: إن ~~الموجود لا يمكن إيجاده، إن عنيتم به أنه لا يستأنف له وجود بعد عدم فصحيح. ### | لا إيجاد إلا لموجود # وإن عنيتم به أنه في حال كونه موجودا لا يكون موجدا، فقد بينا أنه يكون ~~موجدا في حال كونه موجودا لا ms039 في حال كونه معدوما. فإنه إنما يكون الشيء ~~موجدا إذا كان الفاعل موجدا، ولا يكون الفاعل موجدا في حال العدم بل في حال ~~وجود الشيء منه. والإيجاد مقارن لكون الفاعل موجدا وكون المفعول موجدا لأته ~~عبارة عن نسبة الموجد إلى الموجد، وكل ذلك مع الوجود لا قبله. فإذن لا ~~إيجاد إلا لموجود إن كان المراد بالإيجاد النسبة التي بها يكون الفاعل ~~موجدا والمفعول موجدا. ### | العالم فعل الله أزلا وأبدا # قالوا: ولهذا قضينا بأن العالم فعل الله أزلا وأبدا، وما من حال إلا وهو ~~فاعل له لأن المرتبط بالفاعل الوجود، فإن دام الارتباط دام الوجود، وإن ~~انقطع انقطع لا كما تخيلتموه من أن البارئ لو قدر عدمه لبقى العالم، إذ ~~ظننتم أنه كالبناء مع البناء، فإنه ينعدم ويبقى البناء، فإن بقاء البناء ~~ليس بالباني بل هو باليبوسة الممسكة لتركيبه، إذ لو لم يكن فيه قوة ماسكة ~~كالماء مثلا لم يتصور بقاء الشكل الحادث بفعل الفاعل فيه. ### $ قولنا الفعل يتعلق بالفاعل من حيث حدوثه ... ? # والجواب: إن الفعل يتعلق بالفاعل من حيث حدوثه لا من حيث عدمه السابق ولا ~~من حيث كونه موجودا فقط، فإنه لا يتعلق به في ثاني حال الحدوث عندنا وهو ~~موجود، بل يتعلق به في حال حدوثه من حيث أنه حدوث وخروج من العدم إلى ~~الوجود، فإن نفى منه معنى الحدوث لم يعقل كونه فعلا ولا تعلقه بالفاعل. ### | ولا يتعلق به سبق العدم # وقولكم: إن كونه حادثا يرجع إلى كونه مسبوقا بالعدم وكونه مسبوقا بالعدم، ~~ليس من فعل الفاعل وجعل الجاعل فهو كذلك، لكنه شرط في كون الوجود فعل ~~الفاعل، أعني كونه مسبوقا # PageV01P140 # بالعدم. فالوجود الذي ليس مسبوقا بعدم بل هو دائم لا يصلح لأن يكون فعل ~~الفاعل، وليس كل ما يشترط في كون الفعل فعلا ينبغي أن يكون بفعل الفاعل، ~~فإن ذات الفاعل وقدرته وإرادته وعلمه شرط في كونه وليس ذلك من أثر الفعل ~~ولكن لا يعقل فعل إلا من موجود، فكان وجود الفاعل شرطا وإرادته وقدرته ~~وعلمه ms040 ليكون فاعلا وإن لم يكن من أثر الفاعل. ### | الفعل مع الفاعل كالماء مع اليد في تحريك الماء # فإن قيل: إن اعترفتم بجواز كون الفعل مع الفاعل غير متأخر عنه، فيلزم أن ~~يكون الفعل حادثا إن كان الفاعل حادثا، وقديما إن كان قديما. وإن شرطتم أن ~~يتأخر الفعل عن الفاعل بالزمان، فهذا محال إذ من حرك اليد في قدح ماء تحرك ~~الماء مع حركة اليد لا قبله ولا بعده، إذ لو تحرك بعده لكان اليد مع الماء ~~قبل تنحيه في حيز واحد، ولو، تحرك قبله لانفصل الماء عن اليد، وهو مع كونه ~~معه معلوله وفعل من جهته. فإن فرضنا اليد قديمة في الماء متحركة كانت حركة ~~الماء أيضا دائمة وهي مع دوامها معلولة ومفعولة. ولا يمتنع ذلك بفرض ~~الدوام، فكذلك نسبة العالم إلى الله. ### | قولنا يكون الفعل حادثا?! وليس الكلام عن المعلول # قلنا: لا نحيل أن يكون الفعل مع الفاعل بعد كون الفعل حادثا، كحركة الماء ~~فإنها حادثة عن عدم، فجاز أن يكون فعلا ثم سواء كان متأخرا عن ذات الفاعل ~~أو مقارنا له. وإنما نحيل الفعل القديم فإن ما ليس حادثا عن عدم فتسميته ~~فعلا مجاز مجرد لا حقيقة له. وأما المعلول مع العلة فيجوز أن يكونا حادثين ~~وأن يكونا قديمين، كما يقال: إن العلم القديم علة لكون القديم عالما، ولا ~~كلام فيه وإنما الكلام فيما يسمى فعلا، ومعلول العلة لا يسمى فعل العلة إلا ~~مجازا، بل ما يسمى فعلا فشرطه أن يكون حادثا عن عدم، فإن تجوز متجوز بتسمية ~~القديم الدائم الوجود فعلا لغيره كان متجوزا في الاستعارة. ### | الحركة دائمة الحدوث # وقولكم: لو قدرنا حركة الإصبع مع الإصبع قديما دائما لم يخرج حركة الماء ~~عن كونه فعلا، تلبيس، لأن الإصبع لا فعل له وإنما الفاعل ذو الإصبع وهو ~~المريد، ولو قدر قديما لكانت حركة الإصبع فعلا له من حيث أن كل جزء من ~~الحركة فحادث عن عدم، فبهذا # PageV01P141 # الاعتبار كان فعلا وأما حركة الماء فقد لا نقول أنه من ms041 فعله بل هو من فعل ~~الله. وعلى أي وجه كان فكونه فعلا من حيث أنه حادث، إلا أنه دائم الحدوث ~~وهو فعل من حيث أنه حادث. ### | قولهم لا تسمي هذا فعلا بل معلولا # فإن قيل: فإذا اعترفتم بأن نسبة الفعل إلى الفاعل من حيث أنه موجود كنسبة ~~المعلول إلى العلة ثم سلمتم تصور الدوام في نسبة العلة، فنحن لا نعني بكون ~~العالم فعلا إلا كونه معلولا دائم النسبة إلى الله تعالى فإن لم تسموا هذا ~~فعلا فلا مضايقة في التسميات بعد ظهور المعاني. ### | قولنا استعمالكم لفظة "فعل" مجاز # قلنا: ولا غرض من هذه المسألة إلا بيان أنكم تتجملون بهذه الأسماء من غير ~~تحقيق وأن الله عندكم ليس فاعلا تحقيقا ولا العالم فعله تحقيقا وأن إطلاق ~~هذا الاسم مجاز منكم لا تحقيق له، وقد ظهر هذا. # PageV01P142 # الثالث لا يكون العالم فعل الله إذا لا يصور من الواحد إلا شيء واحد في ~~استحالة كون العالم فعلا لله على أصلهم بشرط مشترك بين الفاعل والفعل، وهو ~~أنهم قالوا: لا يصدر من الواحد إلا شيء واحد، والمبدأ واحد من كل وجه ~~والعالم مركب من مختلفات، فلا يتصور أن يكون فعلا لله بموجب أصلهم. ### $ قولهم بطريق التوسط ... # فإن قيل: العالم بجملته ليس صادرا من الله بغير واسطة، بل الصادر منه ~~موجود واحد هو أول المخلوقات وهو عقل مجرد، أي هو جوهر قائم بنفسه غير ~~متحيز يعرف نفسه ويعرف مبدأه ويعبر عنه في لسان الشرع بالملك، ثم يصدر منه ~~الثالث ومن الثالث رابع وتكثر الموجودات بالتوسط. ### | عن أسباب الكثرة # فإن اختلاف الفعل وكثرته إما أن يكون لاختلاف القوى الفاعلة كما أنا نفعل ~~بقوة الشهوة خلاف ما نفعل بقوة الغضب، وإما أن يكون لاختلاف المواد كما أن ~~الشمس تبيض الثوب المغسول وتسود وجه الإنسان وتذيب بعض الجواهر وتصلب ~~بعضها، وإما لاختلاف الآلات كالنجار الواحد ينشر بالمنشار وينحت بالقدوم ~~ويثقب بالمثقب، وإما أن تكون كثرة الفعل بالتوسط بأن يفعل فعلا واحدا ثم ~~ذلك الفعل يفعل غيره فيكثر الفعل. ms042 # والتوسط وحده ممكن وهذه الأقسام كلها محال في المبدأ الأول إذ ليس في ~~ذاته اختلاف واثنينية وكثرة، كما سيأتي في أدلة التوحيد، ولا ثم اختلاف ~~مواد فإن الكلام في المعلول الأول والذي هي المادة الأولى مثلا، ولا ثم ~~اختلاف # PageV01P143 # آلة إذ لا موجود مع الله في رتبته. فالكلام في حدوث الآلة الأولى، فلم ~~يبق إلا أن تكون الكثرة في العالم صادرة من الله بطريق التوسط كما سبق. ### | قولنا في العالم مركبات # قلنا: فيلزم من هذا أن لا يكون في العالم شيء واحد مركب من أفراد، بل ~~تكون الموجودات كلها آحادا وكل واحد معلول لواحد آخر فوقه وعلة لآخر تحته ~~إلى أن ينتهي إلى معلول لا معلول له كما انتهى في جهة التصاعد إلى علة لا ~~علة له. وليس كذلك فإن الجسم عندهم مركب من صورة وهيولى وقد صار باجتماعهما ~~شيئا واحدا. والإنسان مركب من جسم ونفس ليس وجود أحدهما من الآخر بل ~~وجودهما جميعا بعلة أخرى. والفلك عندهم كذلك فإنه جرم ذو نفس، لم تحدث ~~النفس بالجرم ولا الجرم بالنفس بل كلاهما صدرا من علة سواهما. # حيث يقع التقاء الواحد والمركب يبطل القول بأن الواحد لا يصدر منه إلا ~~واحد فكيف وجدت هذه المركبات؟ أمن علة واحدة؟ فيبطل قولهم: لا يصدر من ~~الواحد إلا واحد، أو من علة مركبة؟ فيتوجه السؤال في تركيب العلة إلى أن ~~يلتقي بالضرورة مركب ببسيط. فإن المبدأ بسيط وفي الأواخر تركيب ولا يتصور ~~ذلك إلا بالتقاء، وحيث يقع التقاء يبطل قولهم إن الواحد لا يصدر منه إلا ~~واحد. ### $ قولهم مذهبنا في انقسام الموجودات ... # فإن قيل: إذا عرف مذهبنا اندفع الإشكال، فإن الموجودات تنقسم إلى ما هي ~~في محال كالأعراض والصور وإلى ما ليست في محال، وهذا ينقسم إلى ما هي محال ~~لغيرها كالأجسام وإلى ما ليست بمحال كالموجودات التي هي جواهر قائمة ~~بأنفسها، وهي تنقسم إلى ما يؤثر في الأجسام ونسميها نفوسا وإلى ما لا يؤثر ~~في الأجسام بل في النفوس ونسميها عقولا مجردة. أما ms043 الموجودات التي تحل في ~~المحال كالأعراض فهي حادثة ولها علل حادثة وتنتهي إلى مبدأ هو حادث من وجه ~~دائم من وجه، وهي الحركة الدورية وليس الكلام فيها. ### | القائمة بأنفسها # وإنما الكلام في الأصول القائمة بأنفسها لا في محال وهي ثلاثة: أجسام وهي ~~أخسها، وعقول مجردة وهي التي لا تتعلق بالأجسام # PageV01P144 # لا بالعلاقة الفعلية ولا بالانطباع فيها وهي أشرفها، ونفوس وهي أوسطها ~~فإنها تتعلق بالأجسام نوعا من التعلق وهو التأثير والفعل فيها، فهي متوسطة ~~في الشرف فإنها تتأثر من العقول وتؤثر في الأجسام. ثم الأجسام عشرة تسع ~~سموات والعاشر المادة التي هي حشو مقعر فلك القمر، والسموات التسع حيوانات ~~لها أجرام ونفوس ولها ترتيب في الوجود كما نذكره. ### $ ترتيب الصدور ... # وهو أن المبدأ الأول فاض من وجوده العقل الأول، وهو موجود قائم بنفسه ليس ~~بجسم ولا منطبع في جسم، يعرف نفسه ويعرف مبدأه، وقد سميناه العقل الأول ولا ~~مشاحة في الأسامي سمي ملكا أو عقلا أو ما أريد. ويلزم عن وجوده ثلاثة أمور: ~~عقل ونفس الفلك الأقصى وهي السماء التاسعة وجرم الفلك الأقصى. ثم لزم من ~~العقل الثاني عقل ثالث ونفس فلك الكواكب وجرمه، ثم لزم من العقل الثالث عقل ~~رابع ونفس فلك زحل وجرمه، ولزم من العقل الرابع عقل خامس ونفس فلك المشتري ~~وجرمه، وهكذى حتى انتهى إلى العقل الذي لزم منه عقل ونفس فلك القمر وجرمه. ### | وأخيرا العقل الفعال والمادة الخ. # والعقل الأخير هو الذي يسمى العقل الفعال، ولزم حشو فلك القمر وهي المادة ~~القابلة للكون والفساد من العقل الفعال وطبائع الأفلاك. # ثم إن المواد تمتزج بسبب حركات الكواكب امتزاجات مختلفة يحصل منها ~~المعادن والنبات والحيوان، ولا يلزم أن يلزم من كل عقل عقل إلى غير نهاية، ~~لأن هذه العقول مختلفة الأنواع، فما ثبت لواحد لا يلزم للآخر. ### | في المعلول الأول ثلاثة أشياء # فخرج منه أن العقول بعد المبدأ الأول عشرة والأفلاك تسعة ومجموع هذه ~~المبادئ الشريفة بعد الأول تسعة عشر، وحصل منه أن تحت كل عقل من العقول ms044 ~~الأول ثلاثة أشياء: عقل ونفس فلك وجرمه، فلا بد وأن يكون في مبدئه تثليث لا ~~محالة، ولا يتصور كثرة في المعلول الأول إلا # PageV01P145 # من وجه واحد وهو أنه يعقل مبدأه ويعقل نفسه، وهو باعتبار ذاته ممكن ~~الوجود لأن وجوب وجوده بغيره لا بنفسه، وهذه معان ثلاثة مختلفة. والأشرف من ~~المعلولات الثلاثة ينبغي أن ينسب إلى الأشرف من هذه المعاني فيصدر منه ~~العقل من حيث أنه يعقل مبدأه، ويصدر نفس الفلك من حيث أنه يعقل نفسه، ويصدر ~~جرم الفلك من حيث أنه ممكن الوجود بذاته. ### | لا يصدر من المبدأ الأول لزوما إلا واحد # فيبقى أن يقال: هذا التثليث من أين حصل في المعلول الأول ومبدؤه واحد؟ ~~فنقول: لم يصدر من المبدأ الأول إلا واحد وهو ذات هذا العقل الذي به يعقل ~~نفسه، ولزمه ضرورة لا من جهة المبدأ إن عقل المبدأ، وهو في ذاته ممكن ~~الوجود وليس له الإمكان من المبدأ الأول بل هو لذاته. ونحن لا نبعد أن يوجد ~~من الواحد واحد يلزم ذلك المعلول، لا من جهة المبدأ، أمور ضرورية إضافية أو ~~غير إضافية، فيحصل بسبه كثرة ويصير بذلك مبدأ لوجود الكثرة. فعلى هذا الوجه ~~يمكن أن يلتقي المركب بالبسيط إذ لا بد من الالتقاء، ولا يمكن إلا كذلك فهو ~~الذي يجب الحكم به. فهذا هو القول في تفهيم مذهبهم. # قولنا إنها ترهات! والاعتراضات لا تنحصر، وإليكم بعضها قلنا: ما ذكرتموه ~~تحكمات وهي على التحقيق ظلمات فوق ظلمات، لو حكاه الإنسان عن منام رآه ~~لاستدل به على سوء مزاجه، أو أورد جنسه في الفقهيات التي قصارى المطلب فيها ~~تخمينات لقيل أنها ترهات لا تفيد غلبات الظنون. # ومداخل الاعتراض على مثله لا تنحصر ولكنا نورد وجوها معدودة. # إن جاز صدور الكثرة عن إمكان الوجود، جاز صدورها عن وجوب الوجود الأول هو ~~أنا نقول: ادعيتم أن أحد معاني الكثرة في المعلول الأول أنه ممكن الوجود، ~~فنقول: كونه ممكن الوجود عين وجوده أو غيره، فإن كان عينه فلا ينشأ منه ~~كثرة، وإن ms045 كان غيره فهلا قلتم: في المبدأ الأول # PageV01P146 # كثرة، لأنه موجود وهو مع ذلك واجب الوجود، فوجوب الوجود غير نفس الوجود، ~~فليجز صدور المختلفات منه لهذه الكثرة. وإن قيل: لا معنى لوجوب الوجود إلا ~~الوجود، فلا معنى لإمكان الوجود إلا الوجود. فإن قلتم: يمكن أن يعرف كونه ~~موجودا ولا يعرف كونه ممكنا فهو غيره، فكذا واجب الوجود يمكن أن يعرف وجوده ~~ولا يعرف وجوبه إلا بعد دليل آخر فليكن غيره. وبالجملة الوجود أمر عام ~~ينقسم إلى واجب وإلى ممكن، فإن كان فصل أحد القسمين زائدا على العام فكذى ~~الفصل الثاني ولا فرق. # قولهم إمكان الوجود غير الوجود فإن قيل: إمكان الوجود له من ذاته ووجوده ~~من غيره، فكيف يكون ما له من ذاته وما له من غيره واحدا؟ ### | قولنا كذلك وجوب الوجود # قلنا: وكيف يكون وجوب الوجود عين الوجود ويمكن أن ينفى وجوب الوجود ويثبت ~~الوجود؟ والواحد الحق من كل وجه هو الذي لا يتسع للنفي والإثبات إذ لا يمكن ~~أن يقال: موجود وليس بموجود أو واجب الوجود وليس بواجب الوجود، ويمكن أن ~~يقال: موجود وليس بواجب الوجود كما يمكن أن يقال: موجود وليس بممكن الوجود. ~~وإنما يعرف الوحدة بهذا فلا يستقيم تقدير ذلك في الأول إن صح ما ذكروه من ~~أن إمكان الوجود غير الوجود الممكن. ### | إن جاز صدور الكثرة عن قوة العقل، جاز صدورها عن المبدأ الأول # الاعتراض الثاني هو أن نقول: عقله مبدأه عين وجوده وعين عقله نفسه أم ~~غيره؟ فإن كان عينه فلا كثرة في ذاته إلا في العبارة عن ذاته، وإن كان غيره ~~فهذه الكثرة موجودة في الأول فإنه يعقل ذاته ويعقل غيره. فإن زعموا أن عقله ~~ذاته عين ذاته ولا يعقل ذاته ما لم يعقل أنه مبدأ لغيره، فإن العقل يطابق ~~المعقول فيكون راجعا إلى ذاته. فنقول: والمعلول عقله ذاته عين ذاته فإنه ~~عقل بجوهره فيعقل نفسه، والعقل والعاقل والمعقول منه أيضا واحد. ثم إذا كان ~~عقله ذاته عين ذاته فليعقل ذاته معلولا لعلة فإنه ms046 كذلك، والعقل يطابق ~~المعقول فيرجع الكل إلى ذاته فلا كثرة إذن. وإن # PageV01P147 # كانت هذه كثرة فهي موجودة في الأول، فليصدر منه المختلفات. ولنترك دعوى ~~وحدانيته من كل وجه إن كانت الوحدانية تزول بهذا النوع من الكثرة. # قولهم الأول لا يعقل إلا ذاته فإن قيل: الأول لا يعقل إلا ذاته وعقله ~~ذاته هو عين ذاته، فالعقل والعاقل والمعقول واحد ولا يعقل غيره. ### | قولنا لا # والجواب من وجهين: # أحدهما أن هذا المذهب لشناعته هجره ابن سينا وسائر المحققين وزعموا أن ~~الأول يعلم نفسه مبدأ لفيضان ما يفيض منه ويعقل الموجودات كلها بأنواعها ~~عقلا كليا لا جزئيا، إذ استقبحوا قول القائل: المبدأ الأول لا يصدر منه إلا ~~عقل واحد ثم لا يعقل ما يصدر منه، ومعلوله عقل ويفيض منه عقل ونفس فلك وجرم ~~فلك ويعقل نفسه ومعلولاته الثلاث وعلته ومبدأه، فيكون المعلول أشرف من ~~العلة من حيث أن العلة ما فاض منها إلا واحد. وقد فاض من هذا ثلاثة أمور، ~~والأول ما عقل إلا نفسه، وهذا عقل نفسه ونفس المبدأ ونفس المعلولات. ومن ~~قنع أن يكون قوله في الله راجعا إلى هذه الرتبة فقد جعله أحقر من كل موجود ~~يعقل نفسه ويعقله، فإن ما يعقله ويعقل نفسه أشرف منه إذا كان هو لا يعقل ~~إلا نفسه. ### | أنزلوا الله منزلة الجاهل! هكذا يعامل الله المتكبرين # فقد انتهى منهم التعمق في التعظيم إلى أن أبطلوا كل ما يفهم من العظمة ~~وقربوا حاله من حال الميت الذي لا خبر له مما يجري في العالم، إلا أنه فارق ~~الميت في شعوره بنفسه فقط. وهكذى يفعل الله بالزائغين عن سبيله والناكبين ~~لطريق الهدى المنكرين لقوله: "ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق ~~أنفسهم"، "الظانين بالله ظن السوء"، المعتقدين أن الأمور الربوبية يستولي ~~على كنهها القوى البشرية، المغرورين بعقولهم زاعمين أن فيها مندوحة عن ~~تقليد الرسل وأتباعهم. # PageV01P148 # فلا جرم اضطروا إلى الاعتراف بأن لباب معقولا رجعت إلى ما لو حكي في منام ~~لتعجب منه. ### | ولا يعقل المعلول الأول غيره ms047 # الجواب الثاني هو أن من ذهب إلى أن الأول لا يعقل إلا نفسه إنما حاذر من ~~لزوم الكثرة، إذ لو قال به للزم أن يقال: عقله غيره غير عقله نفسه. وهذا ~~لازم في المعلول الأول فينبغي أن لا يعقل إلا نفسه، لأنه لو عقل الأول أو ~~غيره لكان ذلك غير ذاته ولافتقر إلى علة غير علة ذاته، ولا علة إلا علة ~~ذاته وهو المبدأ الأول، فينبغي أن لا يعلم إلا ذاته، وتبطل الكثرة التي ~~نشأت من هذا الوجه. # قولهم يعقل المبدأ فإن قيل: لما وجد وعقل ذاته لزمه أن يعقل المبدأ. ### | قولنا لا يلزمه ذلك بعلة وجوده # قلنا: لزمه ذلك بعلة أو بغير علة؟ فإن كان بعلة فلا علة إلا المبدأ الأول ~~وهو واحد، ولا يتصور أن يصدر منه إلا واحد وقد صدر وهو ذات المعلول، ~~فالثاني كيف يصدر منه؟ وإن لزم بغير علة فليلزم وجود الأول موجودات بلا علة ~~كثيرة وليلزم منها الكثرة. فإن لم يعقل هذا من حيث أن واجب الوجود لا يكون ~~إلا واحدا والزائد على الواحد ممكن والممكن يفتقر إلى علة، فهذا اللازم في ~~حق المعلول. إن كان واجب الوجود بذاته فقد بطل قولهم: واجب الوجود واحد، ~~وإن كان ممكنا فلا بد له من علة ولا علة له فلا يعقل وجوده. ### | ولا بعلة إمكان وجوده # وليس هو من ضرورة المعلول الأول لكونه ممكن الوجود فإن إمكان الوجود ~~ضروري في كل معلول. أما كون المعلول عالما بالعلة ليس ضروريا في وجود ذاته ~~كما أن كون العلة عالما بالمعلول ليس ضروريا في وجود ذاته. بل لزوم العلم ~~بالمعلول أظهر من لزوم العلم بالعلة، فبان أن الكثرة الحاصلة من علمه ~~بالمبدأ محال فإنه لا مبدأ له وليس هو من ضرورة وجود ذات المعلول، وهذا ~~أيضا لا مخرج منه. ### | في المعلول الأول أكثر من التثليث # الاعتراض الثالث هو أن عقل المعلول الأول ذات نفسه عين ذاته أو غيره. فإن ~~كان عينه فهو محال لأن العلم غير المعلوم، وإن كان غيره ms048 # PageV01P149 # فليكن كذلك في المبدأ الأول فيلزم منه كثرة ويلزم فيه تربيع لا تثليث ~~بزعمهم، فإنه ذاته وعقله مبدأه وإنه ممكن الوجود بذاته. ويمكن أن يزاد أنه ~~واجب الوجود بغيره فيظهر تخميس، وبهذا يتعرف تعمق هؤلاء في الهوس. # التثيلث لا يكفي في جرم السماء الأول الاعتراض الرابع أن نقول: التثليث ~~لا يكفي في المعلول الأول فإن جرم السماء الأول لزم عندهم من معنى واحد من ~~ذات المبدأ وفيه تركيب من ثلاثة أوجه: لا بد له من صورة وهيولى أحدها أنه ~~مركب من صورة وهيولى وهكذى كل جسم عندهم. فلا بد لكل واحد من مبدأ إذ ~~الصورة تخالف الهيولى. وليست كل واحدة على مذهبهم علة مستقلة للأخرى حتى ~~يكون أحدهما بواسطة الآخر من غير علة أخرى زائدة عليه. # ومقدار ... # الثاني أن الجرم الأقصى على حد مخصوص في الكبر. فاختصاصه بذلك القدر من ~~بين سائر المقادير زائد على وجود ذاته إذ كان ذاته ممكنا أصغر منه وأكبر ~~فلا بد له من مخصص بذلك المقدار زائد على المعنى البسيط الموجب لوجوده، لا ~~كوجود العقل فإنه وجود محض لا يختص بمقدار مقابل لسائر المقادير. فيجوز أن ~~يقال: لا يحتاج إلا إلى علة بسيطة. # قولهم لا غنى عنه في تحصيل النظام فإن قيل: سببه أنه لو كان أكبر منه ~~لكان مستغنى عنه في تحصيل النظام الكلي، ولو كان أصغر منه لم يصلح للنظام ~~المقصود. ### | قولنا النظام ليس هو كاف # فنقول: وتعين جهة النظام هل هو كاف في وجود ما به النظام أم يفتقر إلى ~~علة موجدة؟ فإن كان كافيا فقد استغنيتم عن وضع العلل، فاحكموا بأن كون ~~النظام في هذه الموجودات اقتضى هذه الموجودات بلا علة زائدة، وإن كان ذلك ~~لا يكفي بل افتقر إلى علة فذلك أيضا لا يكفي للاختصاص بالمقادير بل يحتاج ~~أيضا إلى علة التركيب. # PageV01P150 # خواص القطب الثالث أن الفلك الأقصى انقسم إلى نقطتين هما القطبان وهما ~~ثابتا الوضع لا يفارقان وضعهما. وأجزاء المنطقة يختلف وضعها فلا يخلوا أما ~~إن كان جميع أجزاء ms049 الفلك الأقصى متشابها، فلم لزم تعين نقطتين من بين سائر ~~النقط لكونهما قطبين؟ أو أجزاؤها مختلفة ففي بعضها خواص ليست في البعض، فما ~~مبدأ تلك الاختلافات؟ والجرم الأقصى لم يصدر إلا من معنى واحد بسيط، ~~والبسيط لا يوجب إلا بسيطا في الشكل وهو الكرى ومتشابها في المعنى وهو ~~الخلو عن الخواص المميزة، وهذا أيضا لا مخرج منه. # قولهم لعل في المبدأ أنواعا من الكثرة لازمة لا من جهة المبدأ فإن قيل: ~~لعل في المبدأ أنواعا من الكثرة لازمة لا من جهة المبدأ، وإنما ظهر لنا ~~ثلاثة أو أربعة والباقي لم نطلع عليه، وعدم عثورنا على عينه لا يشككنا في ~~أن مبدأ الكثرة كثرة وأن الواحد لا يصدر منه كثير. ### $ قولنا الموجودات كلها تكون صادرة عن المعلول الأول ... # قلنا: فإذا جوزتم هذا فقولوا: إن الموجودات كلها على كثرتها وقد بلغت ~~آلافا صدرت من المعلول الأول، فلا يحتاج أن يقتصر على جرم الفلك الأقصى ~~ونفسه، بل يجوز أن يكون قد صدر منه جميع النفوس الفلكية والإنسانية وجميع ~~الأجسام الأرضية والسماوية، بأنواع كثرة لازمة فيها لم يطلعوا عليها فيقع ~~الاستغناء بالمعلول الأول. ### | لا بل عن العلة الأولى # ثم يلزم منه الاستغناء بالعلة الأولى، فإنه إذا جاز تولد كثرة يقال إنها ~~لازمة لا بعلة مع أنها ليست ضرورية في وجود المعلول الأول، جاز أن يقدر ذلك ~~مع العلة الأولى ويكون وجودها لا بعلة ويقال: إنها لزمت ولا يدرى عددها، ~~وكلما تخيل وجودها بلا علة مع الأول تخيل ذلك بلا علة مع الثاني، بل لا ~~معنى لقولنا: مع الأول والثاني، إذ ليس بينهما مفارقة في زمان ولا مكان. ~~فما لا يفارقهما في مكان وزمان ويجوز أن يكون موجودا بلا علة لم يختص ~~أحدهما بالإضافة إليه. # قولهم يبعد أن يبلغ الألف في المعلول الأول فإن قيل: لقد كثرت الأشياء ~~حتى زادت على ألف، ويبعد أن تبلغ الكثرة # PageV01P151 # في المعلول إلى هذا الحد، فلذلك أكثرنا الوسائط. ### | قولنا ولماذا؟ # قلنا: قول القائل: "يبعد" هذا رجم ظن لا يحكم ms050 به في المعقولات إلا أن ~~يقول: إنه يستحيل. فنقول: لم يستحيل؟ وما المرد والفيصل مهما جاوزنا الواحد ~~واعتقدنا أنه يجوز أن يلزم المعلول الأول، لا من جهة العلة، لازم واثنان ~~وثلث؟ فما المحيل لأربع وخمس وهكذى إلى الألف؟ وإلا فمن يتحكم بمقدار دون ~~مقدار؟ فليس بعد مجاوزة مرد، الواحد، وهذا أيضا قاطع. ### $ عن تلك الكواكب صدر المعلول الثاني ... # ثم نقول: هذا باطل بالمعلول الثاني فإنه صدر منه فلك الكواكب وفيه ألف ~~ونيف ومئتا كوكب، وهي مختلفة العظم والشكل والوضع واللون والتأثير والنحوسة ~~والسعادة، فبعضها على صورة الحمل والثور والأسد وبعضها على صورة الإنسان، ~~ويختلف تأثيرها في محل واحد من العالم السفلي في التبريد والتسخين والسعادة ~~والنحوس، وتختلف مقاديرها في ذاتها. ### | ففيه أنواع من العلل # فلا يمكن أن يقال: الكل نوع واحد مع هذا الاختلاف، ولو جاز هذا أن يقال: ~~كل أجسام العالم نوع واحد في الجسمية فيكفيها علة واحدة. فإن كان اختلاف ~~صفاتها وجواهرها وطبائعها دل على اختلافها فكذى الكواكب مختلفة لا محالة، ~~ويفتقر كل واحد إلى علة لصورته وعلة لهيولاه وعلة لاختصاصه بطبيعته المسخنة ~~أو المبردة أو المسعدة أو المنحسة ولاختصاصه بموضعه ثم لاختصاص جملها ~~بأشكال البهائم المختلفة. وهذه الكثرة إن تصور أن تعقل في المعلول الثاني ~~تصور في الأول ووقع الاستغناء. ### | إن بيان العلل التي ذكرتموها لمما يضحك منها # الاعتراض الخامس هو أنا نقول: سلمنا هذه الأوضاع الباردة والتحكمات ~~الفاسدة ولكن كيف لا تستحيون من قولكم: إن كون المعلول الأول ممكن الوجود ~~اقتضى وجود جرم الفلك الأقصى منه، وعقله نفسه اقتضى وجود نفس الفلك منه، ~~وعقله الأول يقتضي وجود عقل منه؟ وما الفصل بين هذا وبين قائل عرف وجود ~~إنسان غائب وأنه ممكن الوجود وأنه يعقل نفسه وصانعه فقال: يلزم من كونه ~~ممكن الوجود وجود # PageV01P152 # فلك؟ فيقال: وأي مناسبة بين كونه ممكن الوجود وبين وجود فلك منه؟ وكذلك ~~يلزم من كونه عاقلا لنفسه ولصانعه شيئان آخران. وهذا إذا قيل في إنسان ضحك ~~منه، فكذى في موجود آخر إذ ms051 إمكان الوجود قضية لا تختلف باختلاف ذات الممكن ~~إنسانا كان أو ملكا أو فلكا. فلست أدري كيف يقنع المجنون في نفسه بمثل هذه ~~الأوضاع فضلا من العقلاء الذين يشقون الشعر بزعمهم في المعقولات. ### | اعتراض فماذا تقولون أنتم؟ # فإن قال قائل: فإذا أبطلتم مذهبهم فماذى تقولون أنتم؟ أتزعمون أنه يصدر ~~من الشيء الواحد من كل وجه شيئان مختلفان، فتكابرون المعقول؟ أو تقولون: ~~المبدأ الأول فيه كثرة، فتتركون التوحيد؟ أو تقولون لا كثرة في العالم، ~~فتنكرون الحس؟ أو تقولون: لزمت بالوسائط، فتضطرون إلى الاعتراف بما قالوه؟ ### | قولنا ليس من غير المعقول أن يصدر اثنان من واحد # وهذا ما ورد به الأنبياء # قلنا: نحن لم نخض في هذا الكتاب خوض ممهد، وإنما غرضنا أن نشوش دعاويهم ~~وقد حصل. على أنا نقول: ومن زعم أن المصير إلى صدور اثنين من واحد مكابرة ~~المعقول أو اتصاف المبدأ بصفات قديمة أزلية مناقض للتوحيد، فهاتان دعوتان ~~باطلتان لا برهان لهم عليهما، فإنه ليس يعرف استحالة صدور الاثنين من واحد ~~كما يعرف استحالة كون الشخص الواحد في مكانين، وعلى الجملة لا يعرف ~~بالضرورة ولا بالنظر. وما المانع من أن يقال: المبدأ الأول عالم قادر مريد ~~يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد يخلق المختلفات والمتجانسات كما يريد وعلى ما ~~يريد؟ فاستحالة هذا لا يعرف بضرورة ولا نظر، وقد ورد به الأنبياء المؤيدون ~~بالمعجزات فيجب قبوله. # البحث عن الكيفية من الفضول وأما البحث عن كيفية صدور الفعل من الله ~~بالإرادة ففضول وطمع في غير مطمع. والذين طمعوا في طلب المناسبة ومعرفته ~~رجع حاصل نظرهم # PageV01P153 # إلى أن المعلول الأول من حيث أنه ممكن الوجود صدر منه فلك، ومن حيث أنه ~~يعقل نفسه صدر منه نفس الفلك، وهذه حماقة لا إظهار مناسبة. # فلتتقبل مبادئ هذه الأمور من الأنبياء! فلتتقبل مبادئ هذه الأمور من ~~الأنبياء وليصدقوا فيها إذ العقل لا يحيلها، وليترك البحث عن الكيفية ~~والكمية والماهية. فليس ذلك يتسع له القوى البشرية، ولذلك قال صاحب الشرع: ~~تفكروا في خلق الله ولا تتفكروا ms052 في ذات الله. # PageV01P154 ### | مسألة في بيان عجزهم عن الاستدلال على وجود الصانع للعالم ### | قولنا يقولون إن صانع العالم قديم # فنقول: الناس فرقتان: فرقة أهل الحق وقد رأوا أن العالم حادث وعلموا ~~ضرورة أن الحادث لا يوجد بنفسه فافتقر إلى صانع، فيعقل مذهبهم في القول ~~بالصانع، وفرقة أخرى هم الدهرية وقد رأوا العالم قديما كما هو عليه ولم ~~يثبتوا له صانعا، ومعتقدهم مفهوم وإن كان الدليل يدل على بطلانه. وأما ~~الفلاسفة فقد رأوا أن العالم قديم ثم أثبتوا له مع ذلك صانعا، وهذا المذهب ~~بوضعه متناقض لا يحتاج فيه إلى إبطال. ### | قولهم هو المبدأ الأول # فإن قيل: نحن إذا قلنا: للعالم صانع، لم نرد به فاعلا مختارا يفعل بعد أن ~~لم يفعل كما نشاهد في أصناف الفاعلين من الخياط والنساج والبناء، بل نعني ~~به علة العالم ونسميه المبدأ الأول على معنى أنه لا علة لوجوده وهو علة ~~لوجود غيره، فإن سميناه صانعا فبهذا التأويل. ### | لأنه من المحال أن تتسلسل العلل إلى غير نهاية. # وثبوت موجود لا علة لوجوده يقوم عليه البرهان القطعي على قرب، فإنا نقول: ~~العالم وموجوداته إما أن يكون له علة أو لا علة له. فإن كان له علة فتلك ~~العلة لها علة أم لا علة لها؟ وكذى القول في علة العلة: فإما أن يتسلسل إلى ~~غير نهاية وهو محال، وإما أن ينتهي إلى طرف فالأخير علة أولى لا علة ~~لوجودها، فنسميه المبدأ الأول. وإن كان العالم موجودا بنفسه لا علة له فقد ~~ظهر المبدأ الأول، فإنا لم نعن به إلا موجودا لا علة له، وهو ثابت ~~بالضرورة. ### | الخلاف في الصفات مسألة غير هذه # نعم لا يجوز أن يكون المبدأ الأول هي السموات لأنها عدد، ودليل # PageV01P155 # التوحيد يمنعه فيعرف بطلانه بنظر في صفة المبدأ، ولا يجوز أن يقال إنه ~~سماء واحد أو جسم واحد أو شمس أو غيره لأنه جسم والجسم مركب من الصورة ~~والهيولى، والمبدأ الأول لا يجوز أن يكون مركبا، وذلك يعرف بنظر ثان. ~~والمقصود أن موجودا ms053 لا علة لوجوده ثابت بالضرورة والاتفاق. وإنما الخلاف في ~~الصفات وهو الذي نعنيه بالمبدأ الأول. ### | قولنا الأجسام تكون لا علة لها # والجواب من وجهين: أحدهما أنه يلزم على مساق مذهبكم أن تكون أجسام العالم ~~قديمة، كذلك لا علة لها. وقولكم: إن بطلان ذلك يعلم بنظر ثان فسيبطل ذلك ~~عليكم في مسألة التوحيد وفي نفي الصفات بعد هذه المسألة. ### | تلك العلل تكون إلى غير نهاية # الثاني وهو الخاص بهذه المسألة هو أن يقال: ثبت تقديرا أن هذه الموجودات ~~لها علة ولكن لعلتها علة ولعلة العلة علة، كذلك وهكذى إلى غير نهاية. ### | وتقولون إنها حوادث هكذا # وقولكم: إنه يستحيل إثبات علل لا نهاية لها، لا يستقيم منكم، فإنا نقول: ~~عرفتم ذلك ضرورة بغير وسط أو عرفتموه بوسط، ولا سبيل إلى دعوى الضرورة. وكل ~~مسلك ذكرتموه في النظر بطل عليكم بتجويز حوادث لا أول لها. وإذا جاز أن ~~يدخل في الوجود ما لا نهاية له فلم يبعد أن يكون بعضها علة للبعض، وينتهي ~~من الطرف الأخير إلى معلول لا معلول له، ولا ينتهي من الجانب الآخر إلى علة ~~لا علة لها، كما أن الزمان السابق له آخر وهو الآن الراهن ولا أول له. ### | حتى الموجودة معا، كالنفوس البشرية # فإن زعمتم أن الحوادث الماضية ليست موجودة معا في الحال ولا في بعض ~~الأحوال والمعدوم لا يوصف بالتناهي وعدم التناهي، فيلزمكم النفوس البشرية ~~المفارقة للأبدان فإنها لا تفنى عندكم، والموجود المفارق للبدن من النفوس ~~لا نهاية لأعدادها، إذ لم تزل نطفة من إنسان وإنسان من # PageV01P156 # نطفة إلى غير نهاية. ثم كل إنسان مات فقد بقي نفسه وهو بالعدد غير نفس من ~~مات قبله ومعه وبعده، وإن مكان الكل بالنوع واحدا فعندكم في الوجود في كل ~~حال نفوس لا نهاية لأعدادها. ### | قولهم لا ترتيب لها # فإن قيل: النفوس ليس لبعضها ارتباط بالبعض ولا ترتيب لها لا بالطبع ولا ~~بالوضع، وإنما نحيل نحن موجودات لا نهاية لها إذا كان لها ترتيب بالوضع ~~كالأجسام فإنها مرتبة بعضها فوق ms054 البعض، أو كان لها ترتيب بالطبع كالعلل ~~والمعلولات، وأما النفوس فليست كذلك. ### | قولنا الترتيب بالزمان يكفي # قلنا: وهذا الحكم في الوضع ليس طرده بأولى من عكسه، فلم أحلتم أحد ~~القسمين دون الآخر؟ وما البرهان المفرق؟ وبم تنكرون على من يقول: إن هذه ~~النفوس التي لا نهاية لها لا تخلوا عن ترتيب إذ وجود بعضها قبل البعض؟ فإن ~~الأيام والليالي الماضية لا نهاية لها. وإذا قدرنا وجود نفس واحد في كل يوم ~~وليلة كان الحاصل في الوجود الآن خارجا عن النهاية واقعا على ترتيب في ~~الوجود أي بعضها بعد البعض. والعلة غايتها أن يقال: إنها قبل المعلول ~~بالطبع كما يقال إنها فوق المعلول بالذات لا بالمكان. فإذا لم يستحل ذلك في ~~القبل الحقيقي الزماني فينبغي أن لا يستحيل في القبل الذاتي الطبعي. وما ~~بالهم لم يجوزوا أجساما بعضها فوق البعض بالمكان إلى غير نهاية وجوزوا ~~موجودات بعضها قبل البعض بالزمان إلى غير نهاية؟ وهل هذا إلا تحكم بارد لا ~~أصل له؟ ### | قولهم إن العلل، إن كانت ممكنة، افتقرت إلى علة زائدة. # فإن قيل: البرهان القاطع على استحالة علل إلى غير نهاية أن يقال: كل واحد ~~من آحاد العلل ممكنة في نفسها أو واجبة. فإن كانت واجبة فلم تفتقر إلى علة، ~~وإن كانت ممكنة فالكل موصوف بالإمكان، وكل ممكن فيفتقر إلى علة زائدة على ~~ذاته، فيفتقر الكل إلى علة خارجة عنها. ### | قولنا كل واحد ممكن، والكل ليس بممكن. # قلنا: لفظ الممكن والواجب لفظ مبهم، إلا أن يراد بالواجب ما لا علة ~~لوجوده ويراد بالممكن ما لوجوده علة. وإن كان المراد هذا فلنرجع إلى هذه ~~اللفظة فنقول: كل واحد ممكن على معنى أن له علة # PageV01P157 # زائدة على ذاته، والكل ليس بممكن على معنى أنه ليس له علة زائدة على ذاته ~~خارجة منه. وإن أريد بلفظ الممكن غير ما أردناه فهو ليس بمفهوم. ### | قولهم فهذا يؤدي إلى أن يتقوم واجب الوجود # بممكنات الوجود وهو محال # فإن قيل: فهذا يؤدي إلى أن يتقوم واجب الوجود ms055 بممكنات الوجود وهو محال. ### | قولنا كما يتقوم القديم بالأوائل # قلنا: إن أردتم بالواجب والممكن ما ذكرناه فهو نفس المطلوب. فلا نسلم أنه ~~محال وهو كقول القائل: يستحيل أن يتقوم القديم بالحوادث، والزمان عندهم ~~قديم، وآحاد الدورات حادثة وهي ذوات أوائل، والمجموع لا أول له. فقد تقوم ~~ما لا أول له بذوات أوائل وصدق ذوات الأوائل على الآحاد ولم يصدق على ~~المجموع. فكذلك يقال على كل واحد: إن له علة، ولا يقال: للمجموع علة وليس ~~كل ما صدق على الآحاد يلزم أن يصدق على المجموع، إذ يصدق على كل واحد أنه ~~واحد وأنه بعض وأنه جزء ولا يصدق على المجموع. وكل موضوع عيناه من الأرض ~~فإنه قد استضاء بالشمس في النهار وأظلم بالليل. وكل واحد حادث بعد أن لم ~~يكن أي له أول. والمجموع عندهم ما له أول. # فلا سبيل لهم إلى الوصول إلى إثبات المبدأ الأول فتبين أن من يجوز حوادث ~~لا أول لها، وهي صور العناصر الأربعة والمتغيرات، فلا يتمكن من إنكار علل ~~لا نهاية لها. ويخرج من هذا أنه لا سبيل لهم إلى الوصول إلى إثبات المبدأ ~~الأول لهذا الإشكال، ويرجع فرقهم إلى التحكم المحض. ### | قولهم إنما الكلام في الموجود في الأعيان # فإن قيل: الدورات ليست موجودة في الحال ولا صور العناصر وإنما الموجود ~~منها صورة واحدة بالفعل، وما لا وجود له لا يوصف بالتناهي وعدم التناهي إلا ~~إذا قدر في الوهم وجودها، ولا يبعد ما يقدر في الوهم وإن # PageV01P158 # كانت المقدرات أيضا بعضها عللا لبعض فالإنسان قد يفرض ذلك في وهمه، وإنما ~~الكلام في الموجود في الأعيان لا في الأذهان. ### | نفوس الأموات لا يكون فيها عدد # لا يبقي إلا نفوس الأموات. وقد ذهب بعض الفلاسفة إلى أنها كانت واحدة ~~أزلية قبل التعلق بالأبدان وعند مفارقة الأبدان تتحد فلا يكون فيه عدد، ~~فضلا من أن توصف بأنه لا نهاية لها. وقال آخرون: النفس تابع للمزاج وإنما ~~معنى الموت عدمها ولا قوام لها بجوهرها دون الجسم. فإذن لا وجود ms056 في النفوس ~~إلا في حق الأحياء، والأحياء الموجودون محصورون ولا تنتفي النهاية عنهم، ~~والمعدمون لا يوصفون أصلا لا بوجود النهاية ولا بعدمها، إلا في الوهم إذا ~~فرضوا موجودين. # قولنا هذا ما أوردناه على ابن سينا والفارابي الخ. # والجواب: إن هذا الإشكال في النفوس أوردناه على ابن سينا والفارابي ~~والمحققين منهم إذ حكموا بأن النفس جوهر قائم بنفسه وهو اختيار أرسطاليس ~~والمعتبرين من الأوائل. # ونقول لغيرهم عوض النفس قدروا أي حادث لا ينقضي. ومن عدل عن هذا المسلك ~~فنقول له: هل يتصور أن يحدث شيء يبقى أم لا؟ فإن قالوا: لا، فهو محال، وإن ~~قالوا: نعم، قلنا: فإذا قدرنا كل يوم حدوث شيء وبقاءه اجتمع إلى الآن لا ~~محالة موجودات لا نهاية لها. فالدورة وإن كانت منقضية فحصول موجود فيها ~~يبقي ولا ينقضى غير مستحيل. وبهذا التقدير يتقرر الإشكال. ولا غرض في أن ~~يكون ذلك الباقي نفس آدمي أو جني أو شيطان أو ملك أو ما شئت من الموجودات. ~~وهو لازم على كل مذهب لهم، إذ أثبتوا دورات لانهاية لها. # PageV01P159 ### | مسألة في بيان عجزهم عن إقامة الدليل على أن الله واحد # وأنه لا يجوز فرض اثنين واجبي الوجود كل واحد منهما لا علة له ### | قولهم وجوب وجود الله إما لذاته وإما لعلة. # المسلك الأول قولهم: إنهما لو كانا اثنين لكان نوع وجوب الوجود مقولا على ~~كل واحد منهما. وما قيل عليه أنه واجب الوجود فلا يخلوا إما أن يكون وجوب ~~وجوده لذاته فلا يتصور أن يكون لغيره، أو وجوب الوجود له لعلة فيكون ذات ~~واجب الوجود معلولا، وقد اقتضت علة له وجوب الوجود. ونحن لا نريد بواجب ~~الوجود إلا ما لا ارتباط لوجوده بعلة بجهة من الجهات. ### | زيد هو معلول لأنه ليس وحده إنسانا # وزعموا أن نوع الإنسان مقول على زيد وعلى عمرو. وليس زيد إنسانا لذاته إذ ~~لو كان إنسانا لذاته لما كان عمرو إنسانا، بل لعلة جعله إنسانا. وقد جعل ~~عمرا أيضا إنسانا فتكثرت الإنسانية بتكثر المادة الحاملة لها. ms057 وتعلقها ~~بالمادة معلول ليس لذات الإنسانية. فكذلك ثبوت وجوب الوجود لواجب الوجود إن ~~كان لذاته فلا يكون إلا له، وإن كان لعلة فهو إذن معلول وليس بواجب الوجود، ~~وقد ظهر بهذا أن واجب الوجود لا بد وأن يكون واحدا. # قولنا هذا التقسيم لا يطبق على الذي لا علة له ... قلنا: قولكم: نوع وجوب ~~الوجود لواجب الوجود لذاته أو لعلة تقسيم خطأ في وضعه، فإنا قد بينا أن لفظ ~~وجوب الوجود فيه إجمال، إلا أن يراد به نفي العلة فلتستعمل هذه العبارة. ~~فنقول: لم يستحيل ثبوت موجودين لا علة لهما وليس أحدهما علة للآخر؟ فقولكم: ~~إن الذي لا علة له لا علة له لذاته أو لسبب تقسيم الخطأ، لأن نفي العلة ~~واستغناء الوجود عن العلة لا يطلب # PageV01P160 # له علة. فأي معنى لقول القائل: إن ما لا علة له لا علة له لذاته أو لعلة؟ ~~إذ قولنا: لا علة له، سلب محض، والسلب المحض لا يكون له سبب. ولا يقال فيه: ~~إنه لذاته أو لا لذاته. ### | وعلى واجب الوجود # وإن عنيتم بوجوب الوجود وصفا ثابتا لواجب الوجود سوى أنه موجود لا علة ~~لوجوده، فهو غير مفهوم في نفسه. والذي ينسبك من لفظه نفى العلة لوجوده، وهو ~~سلب محض لا يقال فيه: إنه لذاته أو لعلة، حتى يبنى على وضع هذا التقسيم ~~غرض، فدل أن هذا برهان من خرف لا أصل له. بل نقول: معنى أنه واجب الوجود ~~أنه لا علة لوجوده ولا علة لكونه بلا علة، وليس كونه بلا علة معللا أيضا ~~بذاته بل لا علة لوجوده ولا لكونه بلا علة أصلا. ### | ولا يطبق على الأسود فهل اللونية لذاتها أم لعلة؟ # كيف وهذا التقسيم لا يتطرق إلى بعض صفات الإثبات فضلا عما يرجع إلى ~~السلب، إذ لو قال قائل: السواد لون لذاته أو لعلة: فإن كان لذاته فينبغي أن ~~لا تكون الحمرة لونا وأن لا يكون هذا النوع أعني اللونية إلا لذات السواد، ~~وإن كان السواد لونا لعلة جعلته لونا فينبغي أن ms058 يعقل سواد ليس بلون أي لم ~~تجعله العلة لونا. فإن ما يثبت للذات زائدا على الذات بعلة يمكن تقدير عدمه ~~في الوهم، وإن لم يتحقق في الوجود. ولكن يقال: هذا التقسيم خطأ في الوضع، ~~فلا يقال للسواد: إنه لون لذاته، قولا يمنع أن يكون ذلك لغير ذاته. وكذلك ~~لا يقال: إن هذا الموجود واجب لذاته أو لا علة له لذاته، قولا يمنع أن يكون ~~ذلك لغير ذاته بحال. # قولهم: لو فرضنا واجبي الوجود فإن كانا متماثلين من كل وجه يبطل تعددهما ~~... # مسلكهم الثاني أن قالوا: لو فرضنا واجبي الوجود لكانا متماثلين من كل وجه ~~أو مختلفين. فإن كانا متماثلين من كل وجه فلا يعقل التعدد والاثنينية إذ ~~السوادان هما اثنان إذا كانا في محلين أو في محل واحد، ولكن # PageV01P161 # في وقتين إذ السواد والحركة في محل واحد في وقت واحد هما اثنان لاختلاف ~~ذاتيهما. أما إذا لم يختلف الذاتان كالسوادين ثم اتحد الزمان والمكان، لم ~~يعقل التعدد ولو جاز أن يقال: في وقت واحد في محل واحد: سوادان، لجاز أن ~~يقال في حق كل شخص: إنه شخصان، ولكن ليس يبين بينهما مغايرة. ### $ وإن كانا مختلفين، يكونا متركبين ... # وإذا استحال التماثل من كل وجه، ولا بد من الاختلاف، ولم يمكن بالزمان ~~ولا بالمكان، فلا يبقى إلا الاختلاف في الذات. ومهما اختلفا في شيء فلا ~~يخلوا إما أن اشتركا في شيء أو لم يشتركا في شيء. فإن لم يشتركا في شيء فهو ~~محال إذ يلزم أن لا يشتركا في الوجود ولا في وجوب الوجود ولا في كون كل ~~واحد قائما بنفسه لا في موضوع. وإذا اشتركا في شيء واختلفا في شيء كان ما ~~فيه الاشتراك غير ما فيه الاختلاف فيكون ثم تركيب وانقسام بالقول. # ... ### | ومن المحال أن يكون واجب الوجود مركبا # وواجب الوجود لا تركيب فيه، وكما لا ينقسم بالكمية فلا ينقسم أيضا بالقول ~~الشارح إذ لا يتركب ذاته من أمور يدل القول الشارح على تعدده كدلالة ~~الحيوان والناطق على ما تقوم ms059 به ماهية الإنسان فإنه حيوان وناطق. ومدلول ~~لفظ الحيوان من الإنسان غير مدلول لفظ الناطق، فيكون الإنسان متركبا من ~~أجزاء تنتظم في الحد بألفاظ تدل على تلك الأجزاء ويكون اسم الإنسان ~~لمجموعه. وهذا لا يتصور، ودون هذا لا تتصور التثنية. # قولنا هذا النوع من التركيب ليس من المحال في المبدأ الأول والجواب أنه ~~مسلم أنه لا تتصور التثنية إلا بالمغايرة في شيء ما وأن المتماثلين من كل ~~وجه لا يتصور تغايرهما. ولكن قولكم: إن هذا النوع من التركيب محال في ~~المبدأ الأول، تحكم محض. فما البرهان عليه؟ ### | في وحدانية الله # ولنرسم هذه المسألة على حيالها فإن من كلامهم المشهور أن المبدأ الأول لا ~~ينقسم بالقول الشارح كما لا ينقسم بالكمية، وعليه ينبنى إثبات وحدانية الله ~~عندهم. # قولهم الوحدة في الله تنفي الكثرة بل زعموا أن التوحيد لا يتم إلا بإثبات ~~الوحدة لذات الباري # PageV01P162 # من كل وجه وإثبات الوحدة بنفي الكثرة من كل وجه، والكثرة تتطرق إلى ~~الذوات من خمسة أوجه: ### $ كثرة الأجزاء ... # الأول بقبول الانقسام فعلا أو وهما. فلذلك لم يكن الجسم الواحد واحدا ~~مطلقا، فإنه واحد بالاتصال القائم القابل للزوال فهو منقسم في الوهم ~~بالكمية. وهذا محال في المبدأ الأول. # ... ### | والهيولى والصورة # الثاني أن ينقسم الشيء في العقل إلى معنيين مختلفين. لا بطريق الكمية ~~كانقسام الجسم إلى الهيولى والصورة فإن كل واحد من الهيولى والصورة، وإن ~~كان لا يتصور أن يقوم بنفسه دون الآخر، فهما شيئان مختلفان بالحد والحقيقة، ~~يحصل بمجموعهما شيء واحد هو الجسم. وهذا أيضا منفي عن الله فلا يجوز أن ~~يكون الباري صورة في جسم ولا مادة في هيولى لجسم ولا مجموعهما. أما ~~مجموعهما فلعلتين إحديهما أنه منقسم بالكمية عند التجزئة فعلا أو وهما، ~~والثانية أنه منقسم بالمعنى إلى الصورة والهيولى، ولا يكون مادة لأنها ~~تحتاج إلى الصورة، وواجب الوجود مستغن من كل وجه فلا يجوز أن يرتبط وجوده ~~بشرط آخر سواه، ولا يكون صورة لأنها تحتاج إلى مادة. # ... ### $ وتنفي أيضا الكثرة بالصفات ... # الثالث الكثرة بالصفات ms060 بتقدير العلم والقدرة والإرادة. فإن هذه الصفات إن ~~كانت واجبة الوجود كان وجوب الوجود مشتركا بين الذات ويبن هذه الصفات ولزمت ~~كثرة في واجب الوجود وانتفت الوحدة. # ... ### $ وبالجنس والنوع ... # الرابع كثرة عقلية تحصل بتركيب الجنس والنوع. فإن السواد سواد ولون ~~والسوادية غير اللونية في حق العقل، بل اللونية جنس والسوادية فصل فهو مركب ~~من جنس وفصل، والحيوانية غير الإنسانية في العقل فإن الإنسان حيوان وناطق ~~والحيوان جنس والناطق فصل وهو مركب من الجنس والفصل، وهذا نوع كثرة. فزعموا ~~أن هذا أيضا منفي عن المبدأ الأول. # PageV01P163 ### | .. وبالماهية والوجود # والخامس كثرة تلزم من جهة تقدير ماهية وتقدير وجود لتلك الماهية. فإن ~~للإنسان ماهية قبل الوجود، والوجود يرد عليها ويضاف إليها. وكذى المثلث ~~مثلا له ماهية وهو أنه شكل يحيط به ثلاثة أضلاع، وليس الوجود جزءا من ذات ~~هذه الماهية مقوما لها، ولذلك يجوز أن يدرك العاقل ماهية الإنسان وماهية ~~المثلث، وليس يدري أن لهما وجودا في الأعيان أم لا. ولو كان الوجود مقوما ~~لماهيته لما تصور ثبوت ماهيته في العقل قبل وجوده. فالوجود مضاف إلى ~~الماهية سواء كان لازما بحيث لا تكون تلك الماهية إلا موجودة كالسماء، أو ~~عارضا بعد ما لم يكن كماهية الإنسانية من زيد وعمرو وماهية الأعراض الصور ~~الحادثة. فزعموا أن هذه الكثرة أيضا يجب أن تنفى عن الأول. ### | الواجب الوجود كالماهية # فيقال: ليس له ماهية الوجود مضاف إليها، بل الوجود الواجب له كالماهية ~~لغيره. فالوجود الواجب ماهية وحقيقة كلية وطبيعة حقيقية كما أن الإنسانية ~~والشجرية والسمائية ماهية، إذ لو ثبت ماهية لكان الوجود الواجب لازما لتلك ~~الماهية غير مقوم لها، واللازم تابع ومعلول فيكون الوجود الواجب معلولا وهو ~~مناقض لكونه واجبا. ### $ ومع هذا يقولون إن الله مبدأ وأول موجود ... # ومع هذا فإنهم يقولون للباري: إنه مبدأ وأول وموجود وجوهر وواحد وقديم ~~وباق وعالم وعقل وعاقل ومعقول وفاعل وخالق ومريد وقادر وحي وعاشق ومعشوق ~~لذيذ وملتذ وجواد وخير محض. وزعموا أن كل ذلك عبارة عن معنى واحد لا كثرة ms061 ~~فيه، وهذا من العجائب. فينبغي أن نحقق مذهبهم للتفهيم أولا ثم نشتغل ~~بالاعتراض، فإن الاعتراض على المذاهب قبل تمام التفهيم رمي في عماية. # ... ### | ويردون هذه الأمور إلى السلب والإضافة # والعمدة في فهم مذهبهم أنهم يقولون: ذات المبدأ واحد وإنما تكثر الأسامي ~~بإضافة شيء إليه أو إضافته إلى شيء أو سلب شيء عنه، والسلب لا يوجب كثرة في ~~ذات المسلوب عنه، ولا الإضافة توجب كثرة، # PageV01P164 # فلا ينكرون إذا كثرة السلوب وكثرة الإضافات، ولكن الشأن في رد هذه الأمور ~~كلها إلى السلب والإضافة. ### $ الأول والمبدأ والموجود والجوهر ... # فقالوا: إذا قيل له: أول، فهو إضافة إلى الموجودات بعده. وإذا قيل: مبدأ، ~~فهو إشارة إلى أن وجود غيره منه وهو سبب له، فهو إضافة إلى معلولاته. وإذا ~~قيل: موجود، فمعناه معلوم. وإذا قيل: جوهر، فمعناه الوجود مسلوبا عنه ~~الحلول في موضوع، وهذا سلب. وإذا قيل: # ... ### $ والقديم والباقي ... # قديم، فمعناه سلب العدم عنه أولا. وإذا قيل: باق، فمعناه سلب العدم عنه ~~آخرا، ويرجع حاصل القديم والباقي إلى وجود ليس مسبوقا بعدم ولا ملحوقا ~~بعدم. # ... ### | وواجب الوجود # وإذا قيل: واجب الوجود، فمعناه أنه موجود لا علة له وهو علة لغيره، فيكون ~~جمعا بين السلب والإضافة إذ نفي علة له سلب وجعله علة لغيره إضافة. # ... ### $ والعقل ... # وإذا قيل: عقل، فمعناه أنه موجود بريء عن المادة، وكل موجود هذا صفته فهو ~~عقل أي يعقل ذاته ويشعر به ويعقل غيره، وذات الله هذا صفته أي هو بريء عن ~~المادة، فإذن هو عقل وهما عبارتان عن معبر واحد. # ... ### $ والعاقل والمعقول ... # وإذا قيل: عاقل، فمعناه أن ذاته الذي هو عقل، فله معقول هو ذاته فإنه ~~يشعر بنفسه ويعقل نفسه، فذاته معقول وذاته عاقل وذاته عقل والكل واحد، إذ ~~هو معقول من حيث أنه ماهية مجردة عن المادة غير مستورة عن ذاته الذي هو ~~عقل، بمعنى أنه ماهية مجردة عن المادة لا يكون شيء مستورا عنه. ولما عقل ~~نفسه كان عاقلا، ولما كان نفسه معقولا لنفسه كان معقولا، ولما كان عقله ~~بذاته ms062 لا بزائد على ذاته كان عقلا، ولا يبعد أن يتحد العاقل والمعقول فإن ~~العاقل إذا عقل كونه عاقلا عقله بكونه عاقلا، فيكون العاقل والمعقول واحدا ~~بوجه ما، وإن كان ذلك يفارق عقل الأول فإن ما للأول بالفعل أبدا وما لنا ~~يكون # PageV01P165 # بالقوة تارة وبالفعل أخرى. ### | والخالق والفاعل والبارئ الذي عنه يفيض كل شيء # لزوما بعلم منه لا غفلة # وإذا قيل: خالق وفاعل وبارئ وسائر صفات الفعل، فمعناه أن وجوده وجود شريف ~~يفيض عنه وجود الكل فيضانا لازما، وإن وجود غيره حاصل منه وتابع لوجوده كما ~~يتبع النور الشمس والإسخان النار. ولا تشبه نسبة العالم إليه نسبة النور ~~إلى الشمس إلا في كونه معلولا فقط، وإلا فليس هو كذلك فإن الشمس لا تشعر ~~بفيضان النور عنها ولا النار بفيضان الإسخان فهو طبع محض، بل الأول عالم ~~بذاته وأن ذاته مبدأ لوجود غيره، ففيضان ما يفيض عنه معلوم له فليس به غفلة ~~عما يصدر منه. ولا هو أيضا كالواحد منا إذا وقف بين مريض وبين الشمس فاندفع ~~حر الشمس عن المريض بسببه لا باختياره ولكنه عالم به وهو غير كاره أيضا له، ~~فإن المظل الفاعل للظل شخصه وجسمه والعالم الراضي بوقوع الظل نفسه لا جسمه، ~~وفي حق الأول ليس كذلك فإن الفاعل منه هو العالم وهو الراضي أي أنه غير ~~كاره وأنه عالم بأن كماله في أن يفيض منه غيره. ### | فيكون علمه علة فيضان كل شيء # بل لو أمكن أن يفرض كون الجسم المظل بعينه هو العالم بعينه بوقوع الظل ~~وهو الراضي، لم يكن أيضا مساويا للأول فإن الأول هو العالم وهو الفاعل ~~وعلمه هو مبدأ فعله، فإن علمه بنفسه في كونه مبدأ للكل علة فيضان الكل، فإن ~~النظام الموجود تبع للنظام المعقول بمعنى أنه واقع به، فكونه فاعلا غير ~~زائد على كونه عالما بالكل إذ علمه بالكل علة فيضان الكل عنه، وكونه عالما ~~بالكل لا يزيد على علمه بذاته فإنه لا يعلم ذاته ما لم يعلم أنه مبدأ للكل، ~~فيكون المعلوم ms063 بالقصد الأول ذاته ويكون الكل معلوما عنده بالقصد الثاني، ~~فهذا معنى كونه فاعلا. # ... ### $ والقادر ... # وإذا قيل: قادر، لم نعن به إلا كونه فاعلا على الوجه الذي قررناه وهو أن ~~وجوده وجود يفيض عنه المقدورات التي بفيضانها ينتظم الترتيب في الكل على ~~أبلغ وجوه الإمكان في الكمال والحسن. # ... ### $ والمريد والعالم ... # وإذا قيل: مريد، لم نعن به إلا أن ما يفيض عنه # PageV01P166 # ليس هو غافلا عنه وليس كارها له، بل هو عالم بأن كماله في فيضان الكل ~~عنه. فيجوز بهذا المعنى أن يقال: هو راض، وجاز أن يقال للراضي: إنه مريد. ~~فلا تكون الإرادة إلا عين القدرة ولا القدرة إلا عين العلم ولا العلم إلا ~~عين الذات، فالكل إذن يرجع إلى عين الذات. # ... ### $ علم العلة، لا علم المعلول ... # وهذا لأن علمه بالأشياء ليس مأخوذا من الأشياء، وإلا لكان مستفيدا وصفا ~~أو كمالا من غيره وهو محال في واجب الوجود. ولكن علمنا على قسمين: علم شيء ~~حصل من صورة ذلك الشيء كعلمنا بصورة السماء والأرض، وعلم اخترعناه كشيء لم ~~نشاهد صورته ولكن صورناه في أنفسنا ثم أحدثناه. فيكون وجود الصورة مستفادا ~~من العلم، لا العلم من الوجود، وعلم الأول بحسب القسم الثاني، فإن تمثل ~~النظام في ذاته سبب لفيضان النظام عن ذاته. # ... ### | وليس هذا شأننا فإننا نحتاج مع العلم إلى القدرة # نعم لو كان مجرد حضور صورة نقش أو كتابة خط في نفوسنا كافيا في حدوث تلك ~~الصورة، لكان العلم بعينه منا هو القدرة بعينها والإرادة بعينها. ولكنا ~~لقصورنا فليس يكفي تصورنا لإيجاد الصورة، بل نحتاج مع ذلك إلى إرادة متجددة ~~تنبعث من قوة شوقية ليتحرك منهما معا القوة المحركة للعضل والأعصاب الآلية. ~~فيتحرك بحركة العضل والأعصاب اليد أو غيره، ويتحرك بحركته القلم أو آلة ~~أخرى خارجة، وتتحرك المادة بحركة القلم كالمادة أو غيره ثم تحصل الصورة ~~المتصورة في نفوسنا. فلذلك لم يكن نفس وجود هذه الصورة في نفوسنا قدرة ولا ~~إرادة بل كانت القدرة فينا عند المبدأ المحرك للعضل، وهذه الصورة محركة ms064 ~~لذلك المحرك الذي هو مبدأ القدرة، وليس كذلك في واجب الوجود فإنه ليس مركبا ~~من أجسام تنبث القوى في أطرافه، فكانت القدرة والإرادة والعلم والذات منه ~~واحدا. # ... ### $ والحي ... # وإذا قيل له: حي، لم يرد به إلا أنه عالم عليما يفيض عنه الموجود الذي ~~يسمى فعلا له، فإن الحي هو الفعال الدراك، فيكون المراد به ذاته مع إضافة ~~إلى الأفعال على الوجه الذي ذكرناه، لا كحياتنا فإنها لا تتم إلا بقوتين ~~مختلفتين ينبعث عنهما الإدراك والفعل، # PageV01P167 # فحياته عين ذاته أيضا. # ... ### | والجواد، الذي لا يكتسب بجوده شيئا # وإذا قيل له: جواد، أريد به أن يفيض عنه الكل لا لغرض يرجع إليه. والجود ~~يتم بشيئين: أحدهما أن يكون للمنعم فائدة فيما وهب منه، فلعل من يهب شيئا ~~ممن هو مستغن عنه لا يوصف بالجود. والثاني أن لا يحتاج الجواد إلى الجود ~~فيكون إقدامه على الجود لحاجة نفسه. وكل من يجود ليمدح أو يثنى عليه أو ~~يتخلص من مذمة فهو مستعيض وليس بجواد، وإنما الجود الحقيقي لله فإنه ليس ~~يبغي به خلاصا عن ذم ولا كمالا مستفادا بمدح. فيكون الجواد اسما منبئا عن ~~وجوده مع إضافة إلى الفعل وسلب للغرض، فلا يؤدي إلى الكثرة في ذاته. # ... ### $ والخير المحض ... # وإذا قيل: خير محض، فإما أن يراد به وجوده بريئا عن النقص وإمكان العدم، ~~فإن الشر لا ذات له بل يرجع إلى عدم جوهر أو عدم صلاح حال الجوهر، وإلا ~~فالوجود من حيث أنه وجود خير فيرجع هذا الاسم إلى السلب لإمكان النقص ~~والشر. وقد يقال: خير، لما هو سبب لنظام الأشياء، والأول مبدأ لنظام كل ~~شيء، فهو خير، ويكون الاسم دالا على الوجود مع نوع إضافة. # ... ### | وواجب الوجود # وإذا قيل: واجب الوجود، فمعناه هذا الوجود مع سلب علة لوجوده وإحالة علة ~~لعدمه أولا وآخرا. # ... ### | والعاشق والمعشوق واللذيذ والملتذ # وإذا قيل: عاشق ومعشوق ولذيذ وملتذ، فمعناه هو أن كل جمال وبهاء وكمال ~~فهو محبوب ومعشوق لذي الكمال ولا معنى للذة إلا إدراك الكمال الملائم. ومن ~~عرف ms065 كمال نفسه في إحاطته بالمعلومات لو أحاط بها، وفي جمال صورته وفي كمال ~~قدرته وقوة أعضائه وبالجملة إدراكه لحضور كل كمال هو ممكن له، لو أمكن أن ~~يتصور ذلك في إنسان واحد، لكان محبا لكماله وملتذا به، وإنما تنتقص لذته ~~بتقدير العدم والنقصان فإن السرور لا يتم بما يزول أو يخشى زواله، والأول ~~له البهاء الأكمل والجمال الأتم إذ كل كمال هو ممكن له فهو حاضر له. وهو ~~مدرك لذلك الكمال مع الأمن من إمكان النقصان والزوال. والكمال # PageV01P168 # الحاصل له فوق كل كمال فإحبابه وعشقه لذلك الكمال فوق كل إحباب والتذاذه ~~به فوق كل التذاذ، بل لا نسبة لذاتنا إليها البتة، بل هي أجل من أن يعبر ~~عنها باللذة والسرور والطيبة. ### | عدم وجود العبارات الخاصة # إلا أن تلك المعاني ليس لها عبارات عندنا، فلا بد من الإبعاد في ~~الاستعارة كما نستعير له لفظ المريد والمختار والفاعل منا مع القطع ببعد ~~إرادته عن إرادتنا وبعد قدرته وعلمه عن قدرتنا وعلمنا، ولا بعد في أن ~~يستبشع عبارة اللذة فيستعمل غيره. ### | الله مغبوط وهو الخير المحض # والمقصود أن حالته أشرف من أحوال الملائكة وأحرى بأن يكون مغبوطا، وحالة ~~الملائكة أشرف من أحوالنا، ولو لم تكن لذة إلا في شهوة البطن والفرج لكان ~~حال الحمار والخنزير أشرف من حال الملائكة وليس لها لذة، أي للمبادئ من ~~الملائكة المجردة عن المادة، إلا السرور بالشعور بما خص بها من الكمال ~~والجمال الذي لا يخشى زواله. ولكن الذي للأول فوق الذي للملائكة، فإن وجود ~~الملائكة التي هي العقول المجردة وجود ممكن في ذاته واجب الوجود بغيره، ~~وإمكان العدم نوع شر ونقص، فليس شيء بريئا عن كل شر مطلقا سوى الأول فهو ~~الخير المحض وله البهاء والجمال الأكمل. ثم هو معشوق عشقه غيره أو لم يعشقه ~~كما أنه عاقل ومعقول عقله غيره أو لم يعقله. وكل هذه المعاني راجعة إلى ~~ذاته وإلى إدراكه لذاته وعقله له، وعقله لذاته هو عين ذاته فإنه عقل مجرد، ~~فيرجع الكل إلى معنى ms066 واحد. # قولنا سنبين بذلك ما لا يصح على أصلهم وما هو فاسد فهذا طريق تفهيم ~~مذهبهم، # PageV01P169 # وهذه الأمور منقسمة إلى ما يجوز اعتقاده فنبين أنه لا يصح على أصلهم، ~~وإلى ما لا يصح اعتقاده فنبين فساده. # PageV01P170 # ولنعد إلى المراتب الخمسة في أقسام الكثرة ودعواهم نفيها، ولنبين عجزهم ~~عن إقامة الدليل، ولنرسم كل واحد مسألة على حيالها. # PageV01P171 ### | مسألة الفلاسفة أجمعوا على نفي الصفات # اتفقت الفلاسفة على استحالة إثبات العلم والقدرة والإرادة للمبدأ الأول، ~~كما اتفقت المعتزلة عليه وزعموا أن هذه الأسامي وردت شرعا، ويجوز إطلاقها ~~لغة ولكن ترجع إلى ذات واحدة كما سبق، ولا يجوز إثبات صفات زائدة على ذاته، ~~كما يجوز في حقنا أن يكون علمنا وقدرتنا وصفا لنا زائدا على ذاتنا. # ... ### | لأنها توجب الكثرة في الله # وزعموا أن ذلك يوجب كثرة، لأن هذه الصفات لو طرت علينا لكنا نعلم أنها ~~زائدة على الذات إذ تجددت، ولو قدر مقارنا لوجودنا من غير تأخر لما خرج عن ~~كونه زائدا على الذات بالمقارنة. فكل شيئين إذا طرى أحدهما على الآخر وعلم ~~أن هذا ليس ذاك وذاك ليس هذا، فلو اقترنا أيضا عقل كونهما شيئين، فإذن لا ~~تخرج هذه الصفات بأن تكون مقارنة لذات الأول عن أن تكون أشياء سوى الذات، ~~فيوجب ذلك كثرة في واجب الوجود وهو محال. فلهذا أجمعوا على نفي الصفات. ### | قولنا ما المانع أن تكون الصفات مقارنة للذات؟ # فيقال لهم: وبم عرفتم استحالة الكثرة من هذا الوجه، وأنتم مخالفون من ~~كافة المسلمين سوى المعتزلة، فما البرهان عليه؟ فإن قول القائل: الكثرة ~~محال في واجب الوجود مع كون الذات الموصوفة واحدة، يرجع إلى أنه يستحيل ~~كثرة الصفات، وفيه النزاع. وليس استحالته معلومة بالضرورة، فلا بد من ~~البرهان. ### | قولهم إما أن يستغني كل واحد من الصفة والموصو # عن الآخ أو يفتقر كل واحد إلى الآخر أو يستغني واحد عن الآخ # ويحتاج الآخر: وكل ذلك محال ولهم مسلكان: الأول قولهم: البرهان عليه أن ~~كل واحد من الصفة والموصوف، إذا لم يكن هذا ms067 ذاك ولا ذاك هذا، فإما أن ~~يستغني كل واحد عن الآخر في وجوده، أو يفتقر كل واحد إلى الآخر، أو يستغني ~~واحد عن الآخر # PageV01P172 # ويحتاج الآخر. فإن فرض كل واحد مستغنيا فهما واجبا وجود وهو التثنية ~~المطلقة وهو محال. وإما أن يحتاج كل واحد منهما إلى الآخر فلا يكون واحد ~~منهما واجب الوجود، إذ معنى واجب الوجود ما قوامه بذاته وهو مستغن من كل ~~وجه عن غيره، فما احتاج إلى غيره فذك الغير علته، إذ لو رفع ذلك الغير ~~لامتنع وجوده فلا يكون وجوده من ذاته بل من غيره. وإن قيل: أحدهما يحتاج ~~دون الآخر، فالذي يحتاج معلول والواجب الوجود هو الآخر، ومهما كان معلولا ~~افتقر إلى سبب، فيؤدي إلى أن ترتبط ذات واجب الوجود بسبب. ### | قولنا المختار من هذه الأقسام # هو القسم الأخير هذا وإنكم لا تنفون القسم الأول # والاعتراض على هذا أن يقال: المختار من هذه الأقسام هو القسم الأخير. ~~ولكن إبطالكم القسم الأول وهو التثنية المطلقة قد بينا أنه لا برهان لكم ~~عليها في المسألة التي قبل هذه وأنها لا تتم إلا بالبناء على نفي الكثرة في ~~هذه المسألة وما بعدها. فما هو فرع هذه المسألة؟ كيف تنبنى هذه المسألة ~~عليه؟ ولكن المختار أن يقال: الذات في قوامه غير محتاج إلى الصفات، والصفة ~~محتاجة إلى الموصوف كما في حقنا. ### | قولهم المحتاج إلى غيره لا يكون واجب الوجود # فيبقى قولهم: إن المحتاج إلى غيره لا يكون واجب الوجود. ### | قولنا الصفة قديمة لا فاعل لها # فيقال: إن أردت بواجب الوجود أنه ليس له علة فاعلية، فلم قلت ذلك؟ ولم ~~استحال أن يقال: كما أن ذات واجب الوجود قديم لا فاعل له فكذلك صفته قديمة ~~معه ولا فاعل لها؟ وإن أردت بواجب الوجود # PageV01P173 # أن لا يكون له علة قابلية، فهو ليس بواجب الوجود على هذا التأويل ولكنه ~~مع هذا قديم لا فاعل له. فما المحيل لذلك؟ ### | قولهم هي معلولة # فإن قيل: واجب الوجود المطلق هو الذي ليس له علة فاعلية ms068 ولا قابلية. فإذا ~~سلم أن له علة قابلية فقد سلم كونه معلولا. ### | قولنا قطع تسلل العلل ممكن بواحد له صفات # قلنا: تسمية الذات القابلة علة قابلية من اصطلاحكم، والدليل لم يدل على ~~ثبوت واجب وجود بحكم اصطلاحكم وإنما دل على إثبات طرف ينقطع به تسلسل العلل ~~والمعلولات ولم يدل إلا على هذا القدر، وقطع التسلسل ممكن بواحد له صفات ~~قديمة لا فاعل لها كما لا فاعل لذاته ولكنها تكون متقررة في ذاته. فليطرح ~~لفظ واجب الوجود فإنه ممكن التلبس فيه، فإن البرهان لم يدل إلا على قطع ~~التسلسل ولم يدل على غيره البتة. فدعوى غيره تحكم. ### | قولهم لا في العلل القابلية # فإن قيل: كما يجب قطع التسلسل في العلة الفاعلية يجب قطعها في القابلية، ~~إذ لو افتقر كل موجود إلى محل يقوم فيه وافتقر المحل أيضا للزم التسلسل كما ~~لو افتقر كل موجود إلى علة وافتقرت العلة أيضا إلى علة. ### | قولنا يكفي أن ينقطع التسلسل بالذات # قلنا: صدقتم، فلا جرم قطعنا هذا التسلسل أيضا وقلنا: إن الصفة في ذاته ~~وليس ذاته قائما بغيره، كما أن علمنا في ذاتنا وذاتنا محل له وليس ذاتنا في ~~محل. فالصفة انقطع تسلسل علتها الفاعلية مع الذات إذ لا فاعل لها كما لا ~~فاعل للذات، بل لم تزل الذات بهذه الصفة موجودة بلا علة له ولا لصفته. وأما ~~العلة القابلية لم ينقطع تسلسلها إلا على الذات. ومن أين يلزم أن ينتفي ~~المحل حتى تنتفي العلة؟ والبرهان ليس يضطر إلا إلى قطع التسلسل. فكل طريق ~~أمكن قطع التسلسل به فهو وفاء بقضية البرهان الداعي إلى واجب الوجود. # PageV01P174 # واجب الوجود ما ليس له علة فاعلية وإن أريد بواجب الوجود شيء سوى موجود ~~ليس له علة فاعلية حتى ينقطع به التسلسل، فلا نسلم أن ذلك واجب أصلا. ومهما ~~اتسع العقل لقبول موجود قديم لا علة لوجوده، اتسع لقبول قديم موصوف لا علة ~~لوجوده في ذاته وفي صفاته جميعا. ### | قولهم تكون الذات علة العلم # المسلك الثاني قولهم: إن العلم ms069 والقدرة فينا ليس داخلا في ماهية ذاتنا بل ~~هو عارض. وإذا أثبت هذه الصفات للأول لم يكن أيضا داخلا في ماهية ذاته بل ~~كان عارضا بالإضافة إليه وإن كان دائما له. ورب عارض لا يفارق أو يكون ~~لازما لماهية ولا يصير بذلك مقوما لذاته. وإذا كان عارضا كان تابعا للذات ~~وكان الذات سببا فيه فكان معلولا، فكيف يكون واجب الوجود؟ ### | قولنا لا تكون علة، بل محلا # وهذا هو الأول مع تغيير عبارة. # فنقول: إن عنيتم بكونه تابعا للذات وكون الذات سببا له أن الذات علة ~~فاعلية له وأنه مفعول للذات فليس كذلك، فإن ذلك ليس يلزم في علمنا بالإضافة ~~إلى ذاتنا إذ ذواتنا ليست بعلة فاعلة لعلمنا. وإن عنيتم أن الذات محل وأن ~~الصفة لا تقوم بنفسها في غير محل، فهذا مسلم فلم يمتنع هذا. فبأن يعبر عنه ~~بالتابع أو العارض أو المعلول أو ما أراده المعبر لم يتغير المعنى إذا لم ~~يكن المعنى سوى أنه قائم بالذات قيام الصفات بالموصوفات، ولم يستحيل أن ~~يكون قائما في ذات وهو مع ذلك قديم ولا فاعل له. # فإن أريد هذا المعنى، فليعبر عنه بغير عبارة فكل أدلتهم تهويل بتقبيح ~~العبارة بتسميته ممكنا وجائزا وتابعا ولازما ومعلولا، وإن ذلك مستنكر. ~~فيقال: إن أريد بذلك أن له فاعلا فليس كذلك. وإن لم يرد به إلا أنه لا فاعل ~~له ولكن له محل هو قائم فيه فليعبر عن هذا المعنى بأي عبارة أريد فلا ~~استحالة فيه. ### | قولهم هذا يؤدي إلى أن يكون الأول محتاجا إلى الصفات # وربما هولوا بتقبيح العبارة من وجه آخر فقالوا: هذا يؤدي إلى أن يكون # PageV01P175 # الأول محتاجا إلى هذه الصفات فلا يكون غنيا مطلقا إذ الغني المطلق من لا ~~يحتاج إلى غير ذاته. ### | قولنا بها يتم له الكمال! # وهذا كلام وعظي في غاية الركاكة، فإن صفات الكمال لا تباين ذات الكامل ~~حتى يقال: إنه محتاج إلى غيره. فإذا لم يزل ولا يزال كاملا بالعلم والقدرة ~~والحياة فكيف يكون محتاجا؟ أو كيف ms070 يجوز أن يعبر عن ملازمة الكمال بالحاجة ~~وهو كقول القائل: الكامل من لا يحتاج إلى كمال؟ فالمحتاج إلى وجود صفات ~~الكمال لذاته ناقص فيقال: لا معنى لكونه كاملا إلا وجود الكمال لذاته. ~~فكذلك لا معنى لكونه غنيا إلا وجود الصفات المنافية للحاجات لذاته. فكيف ~~تنكر صفات الكمال التي بها تتم الإلهية بمثل هذه التخييلات اللفظية؟ ### | قولهم فيحتاج إلى مركب فليس هو جسما # فإن قيل: إذا أثبتم ذاتا وصفة وحلولا للصفة بالذات فهو تركيب، وكل تركيب ~~يحتاج إلى مركب، ولذلك لم يجز أن يكون الأول جسما لأنه مركب. ### | قولنا كله قديم الجسم حادث # قلنا: قول القائل: كل تركيب يحتاج إلى مركب، كقوله: كل موجود يحتاج إلى ~~موجد، فيقال له: الأول موجود قديم لا علة له ولا موجد. فكذلك يقال: هو ~~موصوف قديم ولا علة لذاته ولا لصفته ولا لقيام صفته بذاته بل الكل قديم بلا ~~علة. وأما الجسم فإنما لم يجز أن يكون هو الأول لأنه حادث من حيث أنه لا ~~يخلوا عن الحوادث، ومن لم يثبت له حدوث الجسم يلزمه أن يجوز أن تكون العلة ~~الأولى جسما كما سنلزمه عليكم من بعد. # فالأدلة باطلة وكل مسالكهم في هذه المسألة تخييلات. # لا يقدرون رد الجميع إلى نفس الذات # ثم إنهم لا يقدرون على رد جميع ما يثبتونه إلى نفس الذات. فإنهم أثبتوا ~~كونه عالما ويلزمهم أن يكون ذلك زائدا على مجرد الوجود فيقال لهم: أتسلمون ~~أن الأول يعلم غير ذاته؟ ومنهم من يسلم ذلك ومنهم من قال: لا يعلم إلا ~~ذاته. # PageV01P176 # علمه بالكليات ... فأما الأول فهو الذي اختاره ابن سينا. فإنه زعم أنه ~~يعلم الأشياء كلها بنوع كلي لا يدخل تحت الزمان، ولا يعلم الجزئيات التي ~~يوجب تجدد الإحاطة بها تغيرا في ذات العالم. فنقول: علم الأول بوجود كل ~~الأنواع والأجناس التي لا نهاية لها عين علمه بنفسه أو غيره. فإن قلتم: إنه ~~غيره، فقد أثبتم كثرة ونقضتم القاعدة. وإن قلتم: إنه عينه، لم تتميزوا عن ~~من يدعي أن علم الإنسان ms071 بغيره عين علمه بنفسه وعين ذاته، ومن قال ذلك سفه ~~في عقله. # ... غير علمه بذاته وقيل: حد الشيء الواحد أن يستحيل في الوهم الجمع فيه ~~بين النفي والإثبات. فالعلم بالشيء الواحد لما كان شيئا واحدا استحال أن ~~يتوهم في حالة واحدة موجودا ومعدوما، ولما لم يستحل في الوهم أن يقدر علم ~~الإنسان بنفسه دون علمه بغيره قيل: إن علمه بغيره غير علمه بنفسه، إذ لو ~~كان هو هو لكان نفيه نفيا له وإثباته إثباتا له، إذ يستحيل أن يكون زيد ~~موجودا وزيد معدوما، أعني هو بعينه في حالة واحدة، ولا يستحيل مثل ذلك في ~~العلم بالغير مع العلم بنفسه. وكذى في علم الأول بذاته مع علمه بغيره إذ ~~يمكن أن يتوهم وجود أحدهما دون الآخر، فهما إذن شيئان. ولا يمكن أن يتوهم ~~وجود ذاته دون وجود ذاته. فلو كان الكل كذلك لكان هذا التوهم محالا. فكل من ~~اعترف من الفلاسفة بأن الأول يعرف غير ذاته فقد أثبت كثرة لا محالة. ### | قولهم كونه يعلم ذاته مبدأ للكل # يؤدي إلى أن يعلم الأشياء بالقصد الثاني # فإن قيل: هو لا يعلم الغير بالقصد الأول بل يعلم ذاته مبدأ للكل، فيلزمه ~~العلم بالكل بالقصد الثاني إذ لا يمكن أن يعلم ذاته إلا مبدأ فإنه حقيقة ~~ذاته، ولا يمكن أن يعلم ذاته مبدأ لغيره إلا ويدخل الغير في علمه بطريق ~~التضمن واللزوم، ولا يبعد أن يكون لذاته لوازم. وذلك لا يوجب كثرة في ماهية ~~الذات وإنما يمتنع أن يكون في نفس الذات كثرة. # PageV01P177 ### | قولنا علمه بوجود ذاته غير علمه بكونه مبدأ للكل # والجواب من وجوه: الأول أن قولكم: إنه يعلم ذاته مبدأ، تحكم، بل ينبغي أن ~~يعلم وجود ذاته فقط. فأما العلم بكونه مبدأ يزيد على العلم بالوجود لأن ~~المبدئية إضافة للذات ويجوز أن يعلم الذات ولا يعلم إضافته، ولو لم تكن ~~المبدئية إضافة لتكثر ذاته وكان له وجود ومبدئية وهما شيئان. وكما يجوز أن ~~يعرف الإنسان ذاته ولا يعلم كونه معلولا إلى أن يعلم، ms072 لأن كونه معلولا ~~إضافة له إلى علته، فكذلك كونه علة إضافة له إلى معلوله. فالإلزام قائم في ~~مجرد قولهم: إنه يعلم كونه مبدأ إذ فيه علم بالذات وبالمبدئية، وهو الإضافة ~~والإضافة غير الذات، فالعلم بالإضافة غير العلم بالذات بالدليل الذي ذكرناه ~~وهو أنه يمكن أن يتوهم العلم بالذات دون العلم بالمبدئية ولا يمكن أن يتوهم ~~العلم بالذات دون العلم بالذات لأن الذات واحدة. # هناك معلومان، فهناك علمان الوجه الثاني هو أن قولهم: إن الكل معلوم له ~~بالقصد الثاني، كلام غير معقول فإنه مهما كان علمه محيطا بغيره كما يحيط ~~بذاته كان له معلومان متغايران وكان له علم بهما، وتعدد المعلوم وتغايره ~~يوجب تعدد العلم إذ يقبل أحد المعلومين الفصل عن الآخر في الوهم، فلا يكون ~~العلم بأحدهما عين العلم بالآخر إذ لو كان لتعذر تقدير وجود أحدهما دون ~~الآخر، وليس ثم آخر مهما كان الكل واحدا. فهذا لا يختلف بأن يعبر عنه ~~بالقصد الثاني. # الكليات لا تتناهى! ثم ليت شعري كيف يقدم على نفي الكثرة من يقول: إنه لا ~~يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض إلا أنه يعرف الكل بنوع ~~كلي، والكليات المعلومة له لا تتناهى، فيكون العلم المتعلق بها مع كثرتها ~~وتغايرها واحدا من كل وجه. # فابن سينا لا يحترز من لزوم "الكثرة" # وقد خالف ابن سينا في هذا غيره من الفلاسفة الذين ذهبوا إلى أنه لا يعلم ~~إلا نفسه احترازا من لزوم الكثرة. فكيف شاركهم في نفي الكثرة # PageV01P178 # ثم باينهم في إثبات العلم بالغير؟ ولما استحيا أن يقال: إن الله لا يعلم ~~شيئا أصلا في الدنيا والآخرة وإنما يعلم نفسه فقط وأما غيره فيعرفه ويعرف ~~أيضا نفسه وغيره فيكون غيره أشرف منه في العلم. # فترك هذا حياء من هذا المذهب واستنكافا منه، ثم لم يستحي من الإصرار على ~~نفي الكثرة من كل وجه وزعم أن علمه بنفسه وبغيره بل وبجميع الأشياء هو ذاته ~~من غير مزيد، وهو عين التناقض الذي استحيا منه سائر الفلاسفة ms073 لظهور التناقض ~~فيه في أول النظر. فإذن ليس ينفك فريق منهم عن خزي في مذهب، وهكذى يفعل ~~الله بمن ضل عن سبيله وظن أن الأمور الإلهية يستولي على كنهها بنظره ~~وتخييله. ### $ قولهم العلم يكون بمعرفة واحدة علم الأب والابن ... # فإن قيل: إذا ثبت أنه يعرف نفسه مبدأ على سبيل الإضافة فالعلم بالمضاف ~~واحد، إذ من عرف الابن عرفه بمعرفة واحدة وفيه العلم بالأب وبالأبوة ~~والبنوة ضمنا، فيكثر المعلوم ويتحد العلم. فكذلك هو يعلم ذاته مبدأ لغيره، ~~فيتحد العلم وإن تعدد المعلوم. ثم إذا عقل هذا في معلول واحد وإضافته إليه ~~ولم يوجب ذلك كثرة، فالزيادة فيما لا يوجب جنسه كثرة لا توجب كثرة. # العلم يكون بعلم الشيء وبعلم العلم بالشيء وكذلك من يعلم الشيء ويعلم ~~علمه بالشيء فإنه يعلمه بذلك العلم. فكل علم هو علم بنفسه وبمعلومه فيتعدد ~~المعلوم ويتحد العلم. # تقولون إن معلومات الله لا نهاية لها وعلمه واحد ويدل عليه أيضا أنكم ~~ترون أن معلومات الله لا نهاية لها وعلمه واحد ولا تصفونه بعلوم لا نهاية ~~لأعدادها. فإن كان تعدد المعلوم يوجب تعدد ذات العلم فليكن في ذات الله ~~علوم لا نهاية لأعدادها وهذا محال. ### | قولنا يقتضي ذلك كثرة أكثر مما إذا أضيف وجود إلى ماهية # قلنا: مهما كان العلم واحدا من كل وجه لم يتصور تعلقه بمعلومين، بل يقتضي ~~ذلك كثرة ما على ما هو وضع الفلاسفة واصطلاحهم في تقدير الكثرة، حتى بالغوا ~~فقالوا: لو كان للأول ماهية موصوفة بالوجود لكان لذلك كثرة. فلم يعقلوا ~~شيئا واحدا له حقيقية ثم يوصف بالوجود، بل زعموا # PageV01P179 # أن الوجود مضاف إلى الحقيقة وهو غريه فيقتضي كثرة. فعلى هذا الوجه لا ~~يمكن تقدير علم يتعلق بمعلومات كثيرة إلا ويلزم فيه نوع كثرة أجلى وأبلغ من ~~اللازم في تقدير وجود مضاف إلى ماهية. # القول الأول باطل ... وأما العلم بالابن وكذى سائر المضافات ففيه كثرة، ~~إذ لا بد من العلم بذات الابن وذات الأب وهما علمان. وعلم ثالث وهو ~~الإضافة. نعم هذا الثالث ms074 مضمن بالعلمين السابقين إذ هما من شرطه وضرورته ~~وإلا فما لم يعلم المضاف أولا لا تعلم الإضافة. فهي علوم متعددة بعضها ~~مشروطة في البعض. فكذلك إذا علم الأول ذاته مضافا إلى سائر الأجناس ~~والأنواع بكونه مبدأ لها افتقر إلى أن يعلم ذاته وآحاد الأجناس وأن يعلم ~~إضافة نفسه بالمبدئية إليها، وإلا لم يعقل كون الإضافة معلومة له. # ... والثاني أيضا ... وأما قولهم: إن من علم شيئا علم كونه عالما بذلك ~~العلم بعينه فيكون المعلوم متعددا والعلم واحدا، فليس كذلك بل يعلم كونه ~~عالما بعلم آخر وينتهي إلى علم يغفل عنه ولا يعلمه. ولا نقول: يتسلسل إلى ~~غير نهاية، بل ينقطع على علم متعلق بمعلومه وهو غافل عن وجود العلم لا عن ~~وجود المعلوم، كالذي يعلم السواد وهو في حال علمه مستغرق النفس بمعلومه ~~الذي هو سواد وغافل عن علمه بالسواد وليس ملتفتا إليه، فإن التفت إليه ~~افتقر إلى علم آخر إلى أن ينقطع التفاته. # ... وأما الثالث، فعليكم البرهان وأما قولهم: إن هذا ينقلب عليكم في ~~معلومات الله فإنها غير متناهية والعلم عندكم واحد، فنقول: نحن لم نخض في ~~هذا الكتاب خوض الممهدين بل خوض الهادمين المعترضين ولذلك سمينا الكتاب: ~~تهافت الفلاسفة، لا تمهيد الحق. فليس يلزمنا هذا الجواب. ### | قولهم في الأمر إشكال على جميع الفرق # فإن قيل: إنا لا نلزمكم مذهب فرقة معينة من الفرق. فأما ما ينقلب على ~~كافة الخلق وتستوي الأقدام في إشكاله فلا يجوز لكم إيراده، وهذا الإشكال ~~منقلب عليكم ولا محيص لأحد من الفرق عنه. ### | قولنا المقصود تشكيككم في دعاويكم # قلنا: لا، بل المقصود تعجيزكم عن دعواكم معرفة حقائق الأمور بالبراهين # PageV01P180 # القطعية وتشكيككم في دعاويكم. # أنتم تعترضون على المؤمنين بالرسول ... وإذا ظهر عجزكم ففي الناس من يذهب ~~إلى أن حقائق الأمور الإلهية لا تنال بنظر العقل، بل ليس في قوة البشر ~~الإطلاع عليه. ولذلك قال صاحب الشرع: تفكروا في خلق الله ولا تتفكروا في ~~ذات الله. فما إنكاركم على هذه الفرقة المعتقدة صدق الرسول بدليل المعجزة ~~المقتصرة ms075 من قضية العقل على إثبات ذات المرسل المحترزة عن النظر في الصفات ~~بنظر العقل المتبعة صاحب الشرع فيما أتى به من صفات الله المقتفية أثره في ~~إطلاق العالم والمريد والقادر والحي المنتهية عن إطلاق ما لم يؤذن فيه ~~المعترفة بالعجز عن درك العقل. # ... ونحن نعترض عليكم! وإنما إنكاركم عليهم بنسبتهم إلى الجهل بمسالك ~~البراهين ووجه ترتيب المقدمات على أشكال المقاييس ودعواكم أنا قد عرفنا ذلك ~~بمسالك عقلية. وقد بان عجزكم وتهافت مسالككم وافتضاحكم في دعوى معرفتكم وهو ~~المقصود من هذا البيان. فأين من يدعي أن براهين الإلهيات قاطعة كبراهين ~~الهندسيات؟ ### | قولهم الأول لم يعلم إلا نفسه # فإن قيل: هذا الإشكال إنما لزم على ابن سينا حيث زعم أن الأول يعلم غيره. ~~فأما المحققون من الفلاسفة قد اتفقوا على أنه لا يعلم إلا نفسه، فيندفع هذا ~~الإشكال. ### | قولنا كل واحد من العقلاء يعلم أشياء كثيرة! # فنقول: ناهيكم خزيا بهذا المذهب، ولولا أنه في غاية الركاكة لما استنكف ~~المتأخرون عن نصرته. ونحن ننبه على وجه الخزي فيه، فإن فيه تفضيل معلولاته ~~عليه، إذ الملك والإنسان وكل واحد من العقلاء يعرف نفسه ومبدأه ويعرف غيره، ~~والأول لا يعرف إلا نفسه فهو ناقص بالإضافة إلى آحاد الناس فضلا عن ~~الملائكة، بل البهيمة مع شعورها بنفسها تعرف أمورا أخر سواها. ولا شك في أن ~~العلم شرف وان عدمه نقصان. فأين قولهم: إنه عاشق ومعشوق لأن له البهاء ~~الأكمل والجمال الأتم؟ وأي جمال لوجود بسيط لا ماهية له ولا حقيقة ولا خبر ~~له مما يجري في العالم ولا مما يلزم # PageV01P181 # ذاته ويصدر منه؟ وأي نقصان في عالم الله يزيد على هذا؟ بلغ الفلاسفة هذا ~~المبلغ! وليتعجب العاقل من طائفة يتعمقون في المعقولات بزعمهم ثم ينتهي آخر ~~نظرهم إلى أن رب الأرباب ومسبب الأسباب لا علم له أصلا بما يجري في العالم. ~~وأي فرق بينه وبين الميت إلا في علمه بنفسه؟ وأي كمال في علمه بنفسه مع ~~جهله بغيره؟ وهذا مذهب تغني صورته في الافتضاح عن الإطناب ms076 والإيضاح. # الذات غير العلم بالذات، كما في الإنسان ثم يقال لهؤلاء: لم تتخلصوا عن ~~الكثرة مع اقتحام هذه المخازي أيضا، فإنا نقول: علمه بذاته عين ذاته أو غير ~~ذاته. فإن قلتم: إنه غيره، فقد جاءت الكثرة، وإن قلتم: إنه عينه، فما الفصل ~~بينكم وبين قائل: إن علم الإنسان بذاته عين ذاته؟ وهو حماقة إذ يعقل وجود ~~ذاته في حالة هو فيها غافل عن ذاته ثم تزول غفلته ويتنبه لذاته فيكون شعوره ~~بذاته غير ذاته لا محالة. ### | قولهم الإنسان قد يطرى عليه العلم فيكون غيره # فإن قلتم: إن الإنسان قد يخلوا عن العلم بذاته فيطرى عليه فيكون غيره لا ~~محالة. ### | قولنا يقدر طريان الذات # فنقول: الغيرية لا تعرف بالطريان والمقارنة فإن عين الشيء لا يجوز أن ~~يطرى على الشيء، وغير الشيء إذا قارن الشيء لم يصر هو هو ولم يخرج عن كونه ~~غيرا. فبأن كان الأول لم يزل عالما بذاته لا يدل على أن علمه بذاته عين ~~ذاته، ويتسع الوهم لتقدير الذات ثم طريان الشعور. ولو كان هو الذات بعينه ~~لما تصور هذا التوهم. ### $ قولهم ذاته عقل وعلم ... # فإن قيل: ذاته عقل وعلم فليس له ذات ثم علم قائم به. ### $ قولنا يردون الله إلى حقائق الأغراض! ... # قلنا: الحماقة ظاهرة في هذا الكلام، فإن العلم صفة وعرض يستدعي موصوفا، ~~وقول القائل: هو في ذاته عقل وعلم، كقوله: هو قدرة وإرادة وهو قائم بنفسه. ~~ولو قيل: به، فهو كقول القائل في سواد وبياض: إنه قائم بنفسه، وفي كمية ~~وتربيع وتثليث: إنه قائم بنفسه. وكذى في كل الأعراض. وبالطريق الذي يستحيل ~~أن تقوم صفات الأجسام بنفسها دون جسم هو غير الصفات، # PageV01P182 # بعين ذلك الطريق يعلم أن صفات الأحياء من العلم والحياة والقدرة والإرادة ~~أيضا لا تقوم بنفسها وإنما تقوم بذات. فالحياة تقوم بالذات فيكون حياته ~~بها، وكذلك سائر الصفات. فإذن لم يقنعوا بسلب الأول سائر الصفات ولا بسلبه ~~الحقيقة والماهية حتى سلبوه أيضا القيام بنفسه وردوه إلى حقائق الأعراض ~~والصفات التي لا قوام لها ms077 بنفسها. # PageV01P183 # .. ولا يقيمون الدليل على كونه عالما ... وسنبين ذلك على أنا سنبين بعد ~~هذا عجزهم عن إقامة الدليل على كونه عالما بنفسه وبغيره في مسألة مفردة. ### | مسألة في إبطال قولهم أن الأول لا يجوز أن يشارك غيره في جنس # ويفارقه بفصل وأنه لا يتطرق إليه انقسام في حق العقل بالجنس والفصل ### | رأيهم # وقد اتفقوا على هذا وبنوا عليه أنه إذا لم يشارك غيره بمعنى جنسي لم ~~ينفصل عنه بمعنى فصلي، فلم يكن له حد إذ الحد ينتظم من الجنس والفصل، وما ~~لا تركيب فيه فلا حد له. وهذا نوع من التركيب. وزعموا أن قول القائل: أنه ~~يساوي المعلول الأول في كونه موجودا وجوهرا وعلة لغيره ويباينه بشيء آخر لا ~~محالة، فليس هذا مشاركة ### | في الجنس # بل هو مشاركة في لازم عام. # في الجنس # وفرق بين الجنس واللازم في الحقيقة وإن لم يفترقا في العموم على ما عرف ~~في المنطق، فإن الجنس الذاتي هو العام المقول في جواب ما هو ويدخل في ماهية ~~الشيء المحدود ويكون مقوما لذاته. فكون الإنسان حيا داخل في ماهية الإنسان ~~أعني الحيوانية فكان جنسا. وكونه مولودا ومخلوقا لازم له لا يفارقه قط ~~ولكنه ليس داخلا في الماهية. # وإن كان لازما عاما، ويعرف ذلك في المنطق معرفة لا يتمارى فيها. ### $ قولهم إن الوجود لا يدخل في ماهية الأشياء ... # وزعموا أن الوجود لا يدخل قط في ماهية الأشياء بل هو مضاف إلى الماهية: ~~إما لازما لا يفارق كالسماء، أو واردا بعد أن لم يكن كالأشياء الحادثة، ~~فالمشاركة في الوجود ليس مشاركة في الجنس. # ... ولا يدخل فيها "كونه علة" ... وأما مشاركته في كونه علة لغيره كسائر ~~العلل فهو مشاركة في إضافة لازمة لا تدخل أيضا في الماهية، فإن المبدئية ~~والوجود لا يقوم واحد منهما الذات بل يلزمان الذات بعد تقوم الذات بأجزاء ~~ماهيته. فليس المشاركة فيه إلا مشاركة في لازم عام يتبع الذات لزومه لا في ~~جنس. ولذلك لا تحد الأشياء إلا بالمقومات، فإن حدث باللوازم كان ذلك رسما ms078 ~~للتمييز لا لتصوير حقيقة الشيء. فلا يقال في حد المثلث إنه الذي تساوي # PageV01P184 # زواياه القائمتين، وإن كان ذلك لازما عاما لكل مثلث، بل يقال إنه شكل ~~يحيط به ثلاثة أضلاع. # ... ولا يدخل فيها كونه جوهرا ... وكذلك المشاركة في كونه جوهرا، فإن ~~معنى كونه جوهرا أنه موجود لا في موضوع، والموجود ليس بجنس. فبأن يضاف إليه ~~أمر سلبي وهو أنه لا في موضوع فلا يصير جنسا مقوما، بل لو أضيف إليه إيجابه ~~وقيل موجود في موضوع لم يصر جنسا في العرض، وهذا لأن من عرف الجوهر بحده ~~الذي هو كالرسم له وهو أنه موجود لا في موضوع فليس يعرف كونه موجودا، فضلا ~~أن يعرف أنه في موضوع أو لا في موضوع، بل معنى قولنا في رسم الجوهر أنه ~~الموجود لا في موضوع أي أنه حقيقة ما إذا وجد وجد لا في موضوع. ولسنا نعني ~~به أنه موجود بالفعل حالة التحديد فليس المشاركة فيه مشاركة في جنس. # ... بل الوجود الواجب هو للأول لا لغيره بل المشاركة في مقومات الماهية ~~هي المشاركة في الجنس المحوج إلى المباينة بعده بالفصل وليس للأول ماهية ~~سوى الوجود الواجب. فالوجود الواجب طبيعة حقيقية وماهية في نفسه هو له لا ~~لغيره. وإذا لم يكن وجوب الوجود إلا له لم يشارك غيره فلم ينفصل عنه بفصل ~~نوعي، فلم يكن له حد. ### | قولنا المطالبة # فهذا تفهيم مذهبهم. والكلام عليه من وجهين: مطالبة وإبطال. أما المطالبة ~~فهو أن يقال: هذا حكاية المذهب، فبم عرفتم استحالة ذلك في حق الأول حتى ~~بنيتم عليه نفي التثنية؟ إذ قلتم: إن الثاني ينبغي أن يشاركه في شيء ~~ويباينه في شيء والذي فيه ما يشارك به وما يباين به فهو مركب والمركب محال. # أبطلنا إمكان التركيب في الأول فنقول: هذا النوع من التركيب من أين عرفتم ~~استحالته؟ ولا دليل عليه # PageV01P185 # إلا قولكم المحكي عنكم في نفي الصفات وهو أن المركب من الجنس والفصل ~~مجتمع من أجزاء، فإن كان يصح لواحد من الأجزاء أو الجملة وجود دون ms079 الآخر ~~فهو واجب الوجود دون ما عداه، وإن كان لا يصح للأجزاء وجود دون المجتمع ولا ~~للمجتمع وجود دون الأجزاء فالكل معلول محتاج. وقد تكلمنا عليه في الصفات ~~وبينا أن ذلك ليس بمحال في قطع تسلسل العلل، والبرهان لم يدل على قطع ~~التسلسل. # البرهان لا يدل إلا على قطع التسلسل فقط فأما العظائم التي اخترعوها في ~~لزوم اتصاف واجب الوجود به فلم يدل عليه دليل. فإن كان واجب الوجود ما ~~وصفوه به وهو أنه لا يكون فيه كثرة فلا يحتاج في قوامه إلى غيره، فلا دليل ~~إذن على إثبات واجب الوجود وإنما الدليل دل على قطع التسلسل فقط، وهذا قد ~~فرغنا منه في الصفات. # ليس بين الجنس والفصل مباينة تامة وهو في هذا النوع أظهر فإن انقسام ~~الشيء إلى الجنس والفصل ليس كانقسام الموصوف إلى ذات وصفة، فإن الصفة غير ~~الذات والذات غير الصفة والنوع ليس غير الجنس من كل وجه، فمهما ذكرنا النوع ~~فقد ذكرنا الجنس وزيادة. وإذا ذكرنا الإنسان فلم نذكر إلا الحيوان مع زيادة ~~نطق. فقول القائل: إن الإنسانية هل تستغني عن الحيوانية؟ كقوله: إن ~~الإنسانية هل تستغني عن نفسها إذا انضم إليها شيء آخر؟ فهذا أبعد عن الكثرة ~~من الصفة والموصوف. # إن لم تكن المباينة في الفصل ... ومن أي وجه يستحيل أن تنقطع سلسلة ~~المعلولات على علتين إحديهما علة السموات والأخرى علة العناصر أو أحدهما ~~علة العقول والآخر علة الأجسام كلها ويكون بينهما مباينة ومفارقة في المعنى ~~كما بين الحمرة والحرارة في محل واحد؟ فإنهما يتباينان بالمعنى من غير أن ~~نفرض في الحمرة تركيبا جنسيا وفصليا بحيث يقبل الانفصال، بل إن كان فيه ~~كثرة فهو نوع كثرة لا يقدح في وحدة الذات. # PageV01P186 # فمن أي وجه يستحيل هذا في العلل؟ وبهذا يتبين عجزهم عن نفي إلهين صانعين. # إما أن يكون هذا شرطا في وجوب الوجود وإما أن لا يكون، ولا يصح في ~~الحالين فإن قيل: إنما يستحيل هذا من حيث أن ما به من المباينة بين الذاتين ms080 ~~إن كان شرطا في وجوب الوجود فينبغي أن يوجد لكل واجب وجود فلا يتباينان، ~~وإن لم يكن هذا شرطا ولا الآخر شرطا فكل ما لا يشترط في وجوب الوجود فوجوده ~~مستغنى عنه ويتم وجوب الوجود بغيره. ### | قولنا يجب الكلام عن الموجود الذي لا علة له # قلنا: هذا عين ما ذكرتموه في الصفات وقد تكلمنا عليه. ومنشأ التلبيس في ~~جميع ذلك في لفظ واجب الوجود، فليطرح فإنا لا نسلم أن الدليل يدل على واجب ~~الوجود إن لم يكن المراد به موجود لا فاعل له قديم، وإن كان المراد هذا ~~فليترك لفظ واجب الوجود وليبين أن موجودا لا علة له ولا فاعل يستحيل فيه ~~التعدد والتباين ولا يقوم عليه دليل. # بعض التباين هو شرط في "كون" اللون لونا فيبقى قولهم: إن ذلك هل هو شرط ~~في أن لا يكون له علة؟ فهو هوس فإن ما لا علة له قد بينا أنه لا يعلل كونه ~~لا علة له حتى يطلب شرطه، أو هو كقول القائل: إن السوادية هل هي شرط في كون ~~اللون لونا؟ فإن كان شرطا فلم كان الحمرة لونا؟ فيقال: أما في حقيقته فلا ~~يشترط واحد منهما، أعني ثبوت حقيقة اللونية في العقل، وأما في وجوده فالشرط ~~أحدهما لا بعينه، أي لا يمكن جنس في الوجود إلا وله فصل. # PageV01P187 # فكذلك من يثبت علتين ويقطع التسلسل بهما فيقول: يتباينان بفصل، وأحد ~~الفصول شرط الوجود لا محالة ولكن لا على التعين. ### | قولهم وجوب الوجود كوجود اللونية لا كماهيته # فإن قيل: هذا يجوز في اللون فإن له وجودا مضافا إلى الماهية زائدا على ~~الماهية، ولا يجوز في واجب الوجود إذ ليس له إلا وجوب الوجود، وليس ثم ~~ماهية يضاف الوجود إليها. وكما أن فصل السواد وفصل الحمرة لا يشترط للونية ~~في كونها لونية إنما يشترط في وجودها الحاصل بعلة، فكذلك ينبغي أن لا يشترط ~~في الوجود الواجب فإن الوجود الواجب للأول كاللونية للون لا كالوجود المضاف ~~إلى اللونية. ### | قولنا كلا، وسيأتي الكلام عن الأمر ms081 # قلنا: لا نسلم، بل له حقيقة موصوفة بالوجود على ما سنبينه في المسألة ~~التي بعده. وقولهم: إنه وجود بلا ماهية، خارج عن المعقول. ورجع حاصل الكلام ~~إلى انهم بنوا نفي التثنية على نفي التركيب الجنسي والفصلي ثم بنوا ذاك على ~~نفي الماهية وراء الوجود، فمهما أبطلنا الأخير الوجود، فمهما أبطلنا الأخير ~~الذي هو أساس الأساس بطل عليهم الكل، وهو بنيان ضعيف الثبوت قريب من بيوت ~~العنكبوت. # العقلية مشتركة بين الأول والمعلول الأول المسلك الثاني الإلزام وهو أنا ~~نقول: إن لم يكن الوجود والجوهرية والمبدئية جنسا لأنه ليس مقولا في جواب ~~ما هو فالأول عندكم عقل مجرد، كما أن سائر العقول التي هي المبادئ للوجود ~~المسمى بالملائكة عندهم التي هي معلومات الأول عقول مجردة عن المواد، فهذه ~~الحقيقة تشمل الأول ومعلوله الأول فإن المعلول الأول أيضا بسيط لا تركيب في ~~ذاته إلا من حيث لوازمه وهما مشتركان في أن كل واحد عقل مجرد عن المادة ~~وهذه حقيقة جنسية. فليس العقلية المجردة للذات من اللوازم بل هي الماهية ~~وهذه الماهية مشتركة بين الأول وسائر العقول. فإن لم يباينها بشيء آخر فقد ~~عقلتم اثنينية من غير مباينة، وإن باينها فما به المباينة غير ما به ~~المشاركة # PageV01P188 # والعقلية. # وهذه المشاركة هي في ذات كليهما والمشاركة فيها مشاركة في الحقيقية فإن ~~الأول عقل نفسه وعقل غيره عند من يرى ذلك من حيث أنه في ذاته عقل مجرد عن ~~المادة، وكذى المعلول الأول وهو العقل الأول الذي أبدعه الله من غير واسطة ~~مشارك في هذا المعنى، والدليل عليه أن العقول التي هي معلولات أنواع مختلفة ~~وإنما اشتراكها في العقلية وافتراقها بفصول سوى ذلك، وكذلك الأول شارك ~~جميعها في العقلية فهم فيه بين نقض القاعدة أو المصير إلى أن العقلية ليست ~~مقومة للذات، وكلاهما محالان عندهم. # PageV01P189 ### | مسألة في إبطال قولهم إن وجود الأول بسيط # أي هو وجود محض ولا ماهية ولا حقيقة يضاف الوجود إليها بل الوجود الواجب ~~له كالماهية لغيره ### | المطالبة بالدليل # والكلام عليه من وجهين: ms082 الأول المطالبة بالدليل فيقال: بم عرفتم ذلك؟ ~~أبضرورة أو نظر؟ وليس بضروري فلا بد من ذكر طريق النظر. ### | قولهم يكون الوجود الواجب معلولا وهو محال # فإن قيل: لأنه لو كان له ماهية لكان الوجود مضافا إليها وتابعا لها ~~ولازما لها والتابع معلول فيكون الوجود الواجب معلولا وهو متناقض. ### | قولنا هو محال إذا لم يكن له علة فاعلية # فنقول: هذا رجوع إلى منبع التلبيس في إطلاق لفظ الوجود الواجب، فإنا ~~نقول: له حقيقة وماهية وتلك الحقيقة موجودة أي ليست معدومة منفية ووجودها ~~مضاف إليها، وإن أحبوا أن يسموه تابعا ولازما فلا مشاحة في الأسامي بعد أن ~~يعرف أنه لا فاعل للوجود بل لم يزل هذا الوجود قديما من غير علة فاعلية. ~~فإن عنوا بالتابع والمعلول أن له علة فاعلية فليس كذلك، وإن عنوا غيره فهو ~~مسلم ولا استحالة فيه إذ الدليل لم يدل إلا على قطع تسلسل العلل، وقطعه ~~بحقيقة موجودة وماهية ثابتة ممكن فليس يحتاج فيه إلى سلب الماهية. ### | قولهم تكون الماهية سببا فاعلا # فإن قيل: فتكون الماهية سببا للوجود الذي هو تابع له فيكون الوجود معلولا ~~ومفعولا. ### | قولنا أي أنه لا يستغنى عنه # قلنا: الماهية في الأشياء الحادثة لا تكون سببا للوجود فكيف في القديم؟ ~~إن عنوا بالسبب الفاعل له وإن عنوا به وجها آخر وهو أنه لا يستغنى # PageV01P190 # عنه فليكن كذلك فلا استحالة فيه، إنما الإستحالة في تسلسل العلل فإذا ~~انقطع فقد اندفعت الإستحالة، وما عدى ذلك لم تعرف استحالته فلا بد من برهان ~~على استحالته. وكل براهينهم تحكمات مبناها على أخذ لفظ واجب الوجود بمعنى ~~له لوازم وتسلم أن الدليل قد دل على واجب الوجود بالنعت الذي وصفوه وليس ~~كذلك كما سبق. # من الضلال أن يقال إن كل ماهية موجودة فمتكثرة وعلى الجملة دليلهم في هذا ~~يرجع إلى دليل نفي الصفات ونفي الإنقسام الجنسي والفصلي، إلا أنه أغمض ~~وأضعف لأن هذه الكثرة لا ترجع إلا إلى مجرد اللفظ وإلا فالعقل يتسع لتقدير ~~ماهية واحدة موجودة وهو يقولون: ms083 كل ماهية موجودة فمتكثرة إذ فيه ماهية ~~ووجود. وهذا غاية الضلال فإن الموجود الواحد معقول بكل حال ولا موجود إلا ~~وله حقيقة ووجود الحقيقة لا ينفي الوحدة. # وجود بلا ماهية ولا حقيقة غير معقول المسلك الثاني هو أن نقول: وجود بلا ~~ماهية ولا حقيقة غير معقول، وكما لا نعقل عدما مرسلا إلا بالإضافة إلى ~~موجود يقدر عدمه فلا نعقل وجود مرسلا إلا بالإضافة إلى حقيقة معينة، لا ~~سيما إذا تبين ذاتا واحدة، فكيف يتعين واحدا متميزا عن غيره بالمعنى ولا ~~حقيقة له؟ فإن نفي الماهية نفي للحقيقة وإذا نفى حقيقة الموجود لم يعقل ~~الوجود، فكأنهم قالوا: وجود ولا موجود، وهو متناقض. # لا يعقل في المعلول نفي الماهية من الوجود ويدل عليه أنه لو كان هذا ~~معقولا لجاز أن يكون في المعلولات وجود لا حقيقة له يشارك الأول في كونه لا ~~حقيقة ولا ماهية له ويباينه في أن له علة، والأول لا علة له، فلم لا يتصور ~~هذا في المعلولات؟ وهل له سبب إلا أنه غير معقول في نفسه؟ وما لا يعقل في ~~نفسه فبأن ينفي علته لا يصير معقولا، وما يعقل فبأن يقدر له علة لا يخرج عن ~~كونه معقولا. والتناهي إلى هذا الحد غاية ظلماتهم فقد ظنوا أنهم # PageV01P191 # ينزهون فيما يقولون فانتهى كلامهم إلى النفي المجرد، فإن نفي الماهية نفي ~~للحقيقة ولا يبقى مع نفي الحقيقة إلا لفظ الوجود ولا مسمى له أصلا إذا لم ~~يضف إلى ماهية. ### | قولهم ماهيته هي أنه واجب # فإن قيل: حقيقته أنه واجب وهو الماهية. ### | قولنا الوجود غير المعلول لا يستغني عن الماهية # قلنا: ولا معنى للواجب إلا نفي العلة وهو سلب لا يتقوم به حقيقة ذات، ~~ونفي العلة عن الحقيقة لازم الحقيقة، فلتكن الحقيقة معقولة حتى توصف بأنه ~~لا علة لها ولا يتصور عدمها إذ لا معنى للوجوب إلا هذا. على أن الوجوب إن ~~زاد على الوجود فقد جاءت الكثرة، وإن لم يزد فكيف يكون هو الماهية والوجود ~~ليس بماهية؟ فكذى ما لا ms084 يزيد عليه. # PageV01P192 ### | مسألة في تعجيزهم عن إقامة الدليل # على أن الأول ليس بجسم ### | قولنا وما الأمر إذا كان الأول جسما قديما؟ # فنقول: هذا إنما يستقيم لمن يرى أن الجسم حادث من حيث أنه لا يخلوا عن ~~الحوادث، وكل حادث فيفتقر إلى محدث. فأما أنتم إذا عقلتم جسما قديما لا أول ~~لوجوده مع أنه لا يخلوا عن الحوادث فلم يمتنع أن يكون الأول جسما إما الشمس ~~وإما الفلك الأقصى وإما غيره؟ ### | قولهم الأول لا يقبل القسمة والجسم لا يكون إلا مركبا # فإن قيل: لأن الجسم لا يكون إلا مركبا منقسما إلى جزئين بالكمية وإلى ~~الهيولى والصورة بالقسمة المعنوية وإلى أوصاف يختص بها لا محالة حتى يباين ~~سائر الأجسام، وإلا فالأجسام متساوية في أنها أجسام وواجب الوجود واحد لا ~~يقبل القسمة بهذه الوجوه. ### | قولنا أبطلنا هذا فيما سبق # قلنا: وقد أبطلنا هذا عليكم وبينا أنه لا دليل لكم عليه سوى أن المجتمع ~~إذا افتقر بعض أجزائه إلى البعض كان معلولا. وقد تكلمنا عليه وبينا أنه إذا ~~لم يبعد تقدير موجود لا موجد له لم يبعد تقدير مركب لا مركب له وتقدير ~~موجودات لا موجد لها، إذ نفي العدد والتثنية بنيتموه على نفي التركيب ونفي ~~التركيب على نفي الماهية سوى الوجود وما هو الأساس الأخير فقد استأصلناه ~~وبينا تحكمكم فيه. ### | قولهم الجسم بلا نفس لا يكون فاعلا ### | وإن كان له نفس فنفسه علة له # فإن قيل: الجسم إن لم يكن له نفس لا يكون فاعلا وإن كان له نفس فنفسه علة ~~له فلا يكون الجسم أولا. ### | قولنا كلا # قلنا: نفسنا ليس علة لوجود جسمنا ولا نفس الفلك بمجردها علة # PageV01P193 # لوجود جسمه عندكم بل هما يوجدان بعلة سواهما فإذا جاز وجودهما قديما جاز ~~أن لا يكون لهما علة. ### | قولهم كيف اتفق اجتماعهما؟ # فإن قيل: كيف اتفق اجتماع النفس والجسم؟ ### | قولنا وما المانع إذا كانا قديمين؟ # قلنا: هو كقول القائل: كيف اتفق وجود الأول؟ فيقال: هذا سؤال عن حادث ~~فأما ما لم يزل موجودا فلا ms085 يقال كيف اتفق. فكذلك الجسم ونفسه إذا لم يزل كل ~~واحد موجودا لم يبعد أن يكون صانعا؟ ### | قولهم لأن الجسم لا يخلق غيره ### | والنفس لا تخلق إلا بواسطة الجسم # فإن قيل: لأن الجسم من حيث أنه جسم لا يخلق غيره والنفس المتعلقة بالجسم ~~لا تفعل إلا بواسطة الجسم ولا يكون الجسم واسطة للنفس في خلق الأجسام ولا ~~في إبداع النفوس وأشياء لا تناسب الأجسام. ### | قولنا هذا أمر لا يدل عليه برهان # قلنا: ولم لا يجوز أن يكون في النفوس نفس تختص بخاصية تتهيأ بها لأن توجد ~~الأجسام وغير الأجسام منها؟ فاستحالة ذلك لا يعرف ضرورة ولا برهان يدل ~~عليه، إلا أنه لم نشاهد من هذه الأجسام المشاهدة وعدم المشاهدة لا يدل على ~~الاستحالة فقد أضافوا إلى الموجود الأول بما لا يضاف إلى موجود أصلا، ولم ~~نشاهد من غيره وعدم المشاهدة من غيره لا يدل على استحالته منه فكذى في نفس ~~الجسم والجسم. ### | قولهم الجسم يقدر بمقدار # فإن قيل: الجسم الأقصى أو الشمس أو ما قدر من الأجسام فهو متقدر بمقدار ~~يجوز أن يزيد عليه وينقص منه فيفتقر اختصاصه بذلك المقدار الجائز إلى مخصص ~~فلا يكون أولا. ### | قولنا وهذا المقدار يكون على حسب نظام الكل # قلنا: بم تنكرون على من يقول: إن ذلك الجسم يكون على مقدار يجب أن يكون ~~عليه لنظام الكل ولو كان أصغر منه أو أكبر لم يجز؟ كما أنكم قلتم: إن ~~المعلول الأول يفيض الجرم الأقصى منه متقدرا بمقدار وسائر المقادير بالنسبة ~~إلى ذات المعلول الأول متساوية ولكن تعين بعض # PageV01P194 # المقادير لكون النظام متعلقا به، فوجب المقدار الذي وقع ولم يجز خلافه، ~~فكذى إذا قدر غير معلول. ### | قولنا إذا أثبتم مبدأ للتخصيص ### | اضطررتم إلى تجويز التخصيص بغير علة # بل لو أثبتوا في المعلول الأول الذي هو علة الجرم الأقصى عندهم مبدأ ~~للتخصيص مثل إرادة مثلا لم ينقطع السؤال إذ يقال: ولم أراد هذا المقدار دون ~~غيره؟ كما ألزموه على المسلمين في إضافتهم الأشياء إلى الإرادة القديمة، ~~وقد ms086 قلبنا عليهم ذلك في تعين جهة حركة السماء وفي تعين نقطتي القطبين. ### | فليطلق ذلك على غير المعلول أيضا # فإذا بان أنهم مضطرون إلى تجويز تميز الشيء عن مثله في الوقوع بعلة ~~فتجويزه بغير علة كتجويزه بعلة إذ لا فرق بين أن يتوجه السؤال في نفس الشيء ~~فيقال: لم اختص بهذا القدر؟ وبين أن يتوجه في العلة فيقال: ولم خصصه بهذا ~~القدر عن مثله؟ فإن أمكن دفع السؤال عن العلة بأن هذا المقدار ليس مثل غيره ~~إذ النظام مرتبط به دون غيره أمكن دفع السؤال عن نفس الشيء ولم يفتقر إلى ~~علة، وهذا لا مخرج عنه فإن هذا المقدار المعين الواقع إن كان مثل الذي لم ~~يقع فالسؤال متوجه أنه كيف ميز الشيء عن مثله، خصوصا على أصلهم وهم ينكرون ~~الإرادة المميزة، وإن لم يكن مثلا له فلا يثبت الجواز بل يقال: وقع كذلك ~~قديما كما وقعت العلة القديمة بزعمهم. ### | راجع ما سبق # وليستمد الناظر في هذا الكلام مما أوردناه لهم من توجيه السؤال في ~~الإرادة القديمة وقلبنا ذلك عليهم في نقطة القطب وجهة حركة الفلك. ### | الخاتمة # وتبين بهذا أن من لا يصدق بحدوث الأجسام فلا يقدر على إقامة دليل على أن ~~الأول ليس بجسم أصلا. # PageV01P195 ### | مسألة في تعجيزهم عن إقامة الدليل على أن للعالم صانعا وعلة ### | قولنا ما المانع أن يقال عن الجسم القديم أنه بغير علة؟ # فنقول: من ذهب إلى أن كل جسم فهو حادث لأنه لا يخلوا عن الحوادث عقل ~~مذهبهم في قولهم: إنه يفتقر إلى صانع وعلة. وأما أنتم فما الذي يمنعكم من ~~مذهب الدهرية وهو أن العالم قديم؟ كذلك ولا علة له ولا صانع وإنما العلة ~~للحوادث وليس يحدث في العالم جسم ولا ينعدم جسم وإنما تحدث الصور والأعراض، ~~فإن الأجسام هي السموات وهي قديمة والعناصر الأربعة التي هي حشو فلك القمر ~~وأجسامها وموادها قديمة وإنما تتبدل عليها الصور بالامتزاجات والاستحالات ~~وتحدث النفوس الإنسانية والنباتية، وهذه الحوادث تنتهي عللها إلى الحركة ~~الدورية والحركة الدورية قديمة ومصدرها ms087 نفس قديمة للفلك، فإذن لا علة ~~للعالم ولا صانع لأجسامه بل هو كما هو عليه لم يزل قديما كذلك بلا علة أعني ~~الأجسام. فما معنى قولهم إن هذه الأجسام وجودها بعلة وهي قديمة؟ ### | قولهم لا يكون واجب الوجود وهو محال # فإن قيل: كل ما لا علة له فهو واجب الوجود وقد ذكرنا من صفات واجب الوجود ~~ما تبين به أن الجسم لا يكون واجب الوجود. ### | قولنا بل ينقطع تسلسل العلل # قلنا: وقد بينا فساد ما ادعيتموه من صفات واجب الوجود وأن البرهان لا يدل ~~إلا على قطع السلسلة، وقد انقطع عند الدهري في أول الأمر إذ يقول: لا علة ~~للأجسام وأما الصور والأعراض فبعضها علة للبعض إلى أن تنتهي إلى الحركة ~~الدورية وهي بعضها سبب للبعض، كما هو مذهب # PageV01P196 # الفلاسفة، وينقطع تسلسلها بها. ومن تأمل ما ذكرناه علم عجز كل من يعتقد ~~قدم الأجسام عن دعوى علة لها ولزمه الدهر والإلحاد كما صرح به فريق فهم ~~الذين وفوا بمقتضى نظر هؤلاء. ### | قولهم الأجسام غير واجبة الوجود فهي ممكنة # فإن قيل: الدليل عليه أن هذه الأجسام إما أن كانت واجبة الوجود وهو محال، ~~وإما أن كانت ممكنة وكل ممكن يفتقر إلى علة. ### | قولنا ولم لا تكون بغير علة؟ # قلنا: لا يفهم لفظ واجب الوجود وممكن الوجود، فكل تلبيساتهم مغباة في ~~هاتين اللفظتين. فلنعدل إلى المفهوم وهو نفي العلة وإثباته، فكأنهم يقولون: ~~هذه الأجسام لها علة أم لا علة لها، فيقول الدهري: لا علة لها، فما ~~المستنكر؟ وإذا عني بالإمكان هذا فنقول: إنه واجب وليس بممكن. وقولهم: ~~الجسم لا يمكن أن يكون واجبا، تحكم لا أصل له. ### | قولهم إن الأجزاء تكون سابقة في الذات على الجملة # فإن قيل: لا ينكر أن الجسم له أجزاء وأن الجملة إنما تتقوم بالأجزاء وأن ~~الأجزاء تكون سابقة في الذات على الجملة. ### | قولنا لا يمكنكم الرد على إبطال الكثرة # قلنا: ليكن كذلك فالجملة تقومت بالأجزاء واجتماعها ولا علة للأجزاء ولا ~~لاجتماعها بل هي قديمة كذلك بلا علة ms088 فاعلية. فلا يمكنهم رد هذا إلا بما ~~ذكروه من لزوم نفي الكثرة عن الموجود الأول وقد أبطلناه عليهم ولا سبيل لهم ~~سواه. ### | الخاتمة # فبان أن من لا يعتقد حدوث الأجسام فلا أصل لاعتقاده في الصانع أصلا. # PageV01P197 ### | مسألة في تعجيز من يرى منهم أن الأول يعلم غيره # ويعلم الأنواع والأجناس بنوع كلي ### $ قولنا دليل المسلمين دليل صحيح ... # فنقول: أما المسلمون، لما انحصر عندهم الوجود في حادث وفي قديم ولم يكن ~~عندهم قديم إلا الله وصفاته وكان. ما عداه حادثا من جهته بإرادته، حصل ~~عندهم مقدمة ضرورية في علمه، فإن المراد بالضرورة لا بد وأن يكون معلوما ~~للمريد، فبنوا عليه أن الكل معلوم له لأن الكل مراد له وحادث بإرادته، فلا ~~كائن إلا وهو حادث بإرادته ولم يبق إلا ذاته، ومهما ثبت أنه مريد عالم بما ~~أراده فهو حي بالضرورة وكل حي يعرف غيره، فهو بأن يعرف ذاته أولى، فصار ~~الكل عندهم معلوما لله وعرفوه بهذا الطريق بعد أن بان لهم أنه مريد لإحداث ~~العالم. ### | وأما أنتم، فما هو دليلكم؟ # فأما أنتم فإذا زعمتم أن العالم قديم لم يحدث بإرادته فمن أين عرفتم أنه ~~يعرف غير ذاته؟ فلا بد من الدليل عليه. ### | قولهم الموجود لا في مادة يعقل جميع المعقولات # وحاصل ما ذكره ابن سينا في تحقيق ذلك في إدراج كلامه يرجع إلى فنين: # الفن الأول: أن الأول موجود لا في مادة، وكل موجود لا في مادة فهو عقل ~~محض، وكل ما هو عقل محض فجميع المعقولات مكشوفة له فإنه المانع عن درك ~~الأشياء كلها التعلق بالمادة والاشتغال بها، ونفس الآدمي مشغول بتدبير ~~المادة أي البدن وإذا انقطع شغله بالموت ولم يكن قد # PageV01P198 # تدنس بالشهوات البدنية والصفات الرذيلة المتعدية إليه من الأمور الطبيعية ~~انكشف له حقائق المعقولات كلها. ولذلك قضى بأن الملائكة كلهم يعرفون جميع ~~المعقولات ولا يشذ عنهم شيء لأنهم أيضا عقول مجردة لا في مادة. ### | قولنا النتيجة تحتاج إلى برهان # فنقول: قولكم: الأول موجود لا في مادة، إن كان المعنى ms089 به أنه ليس بجسم ~~ولا هو منطبع في جسم بل هو قائم بنفسه من غير تحيز واختصاص بجهة فهو مسلم. ~~فيبقى قولكم: وما هذا صفته فهو عقل مجرد، فماذا تعني بالعقل إن عنيت ما ~~يعقل سائر الأشياء؟ فهذا نفس المطلوب وموضع النزاع فكيف أخذته في مقدمات ~~قياس المطلوب؟ وإن عنيت به غيره وهو أنه يعقل نفسه فربما يسلم لك إخوانك من ~~الفلاسفة ذلك ولكن يرجع حاصله إلى أن ما يعقل نفسه يعقل غيره فيقال: ولم ~~ادعيت هذا؟ وليس ذلك بضروري وقد انفرد به ابن سينا عن سائر الفلاسفة فكيف ~~تدعيه ضروريا وإن كان نظريا فما البرهان عليه؟ ### | قولهم المادة مانع من درك الأشياء # فإن قيل: لأن المانع من درك الأشياء المادة ولا مادة. ### | قولنا المانع والمادة لا يتفقان # فنقول: نسلم أنه مانع ولا نسلم أنه المانع فقط. وينتظم قياسهم على شكل ~~القياس الشرطي وهو أن يقال: إن كان هذا في المادة فهو لا يعقل الأشياء ~~ولكنه ليس في المادة فإذن يعقل الأشياء. فهذا استثناء نقيض المقدم واستثناء ~~نقيض المقدم غير منتج بالاتفاق وهو كقول القائل: إن كان هذا إنسانا فهو ~~حيوان لكنه ليس بإنسان فإذن ليس بحيوان. فهذا لا يلزم إذ ربما لا يكون ~~إنسانا ويكون فرسا فيكون حيوانا. نعم استثناء نقيض المقدم ينتج نقيض التالي ~~على ما ذكر في المنطق بشرط وهو ثبوت انعكاس التالي على المقدم وذلك بالحصر ~~وهو كقولهم: إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود لكن الشمس ليست طالعة # PageV01P199 # فالنهار غير موجود لأن وجود النهار لا سبب له سوى طلوع الشمس فكان أحدهما ~~منعكسا على الآخر. وبيان هذه الأوضاع والألفاظ يفهم في كتاب مدارك العقول ~~الذي صنفناه مضموما إلى هذا الكتاب. ### | قولهم يتفقان # فإن قيل: فنحن ندعي التعاكس وهو أن المانع محصور في المادة فلا مانع ~~سواه. ### | قولنا فما الدليل عليه؟ # قلنا: وهذا تحكم فما الدليل عليه؟ ### | قولهم الكل من فعل الأول # الفن الثاني قوله: إنا وإن لم نقل: إن الأول مريد الأحداث ولا إن الكل ~~حادث ms090 حدوثا زمانيا، فإنا نقول: إنه فعله وقد وجد منه إلا أنه لم يزل بصفة ~~الفاعلين فلم يزل فاعلا فلا نفارق غيرنا إلا في هذا القدر، وأما في أصل ~~الفعل فلا، وإذا وجب الفاعل عالما بالاتفاق فعله فالكل عندنا من فعله. ### | قولنا ففعله لازم # والجواب من وجهين: أحدهما أن الفعل قسمان: إرادي كفعل الحيوان والإنسان، ~~وطبيعي كفعل الشمس في الإضاءة والنار في التسخين والماء في التبريد. وإنما ~~يلزم العلم بالفعل في الفعل الإرادي كما في الصناعات البشرية، وأما الفعل ~~الطبيعي فلا. وعندكم إن الله فعل العالم بطريق اللزوم عن ذاته بالطبع ~~والاضطرار لا بطريق الإرادة والاختيار، بل لزم الكل ذاته كما يلزم النور ~~الشمس، وكما لا قدرة للشمس على كف النور ولا للنار على كف التسخين # PageV01P200 # فلا قدرة للأول على الكف عن أفعاله تعالى عن قولهم علوا كبيرا وهذا النمط ~~وإن تجوز بتسميته فعلا فلا يقتضي علما للفاعل أصلا. ### | قولهم النظام الكلي صادر عن العلم # فإن قيل: بين الأمرين فرق وهو إن صدر الكل عن ذاته بسبب علمه بالكل فتمثل ~~النظام الكلي هو سبب فيضان الكل ولا مبدأ له سوى العلم بالكل والعلم بالكل ~~عين ذاته فلو لم يكن له علم بالكل لما وجد منه الكل بخلاف النور من الشمس. ### | قولنا إذا نفيت الإرادة، فما المانع أن يحال هذا المذهب؟ # قلنا: وفي هذا خالفك إخوانك فإنهم قالوا: ذاته ذات يلزم منه وجود الكل ~~على ترتيبه بالطبع والاضطرار لا من حيث أنه عالم بها، فما المحيل لهذا ~~المذهب مهما وافقتهم على نفي الإرادة؟ ولما لم يشترط علم الشمس بالنور ~~للزوم النور بل يتبعه النور ضرورة؟ فليقدر ذلك في الأول ولا مانع منه. ### | يقتصر علم الأول على علم المعلول الأول وهو محال # الوجه الثاني هو أنه إن سلم أن صدور الشيء من الفاعل يقتضي العلم أيضا ~~بالصادر فعندهم فعل الله واحد وهو المعلول الأول الذي هو عقل بسيط فينبغي ~~أن لا يكون عالما إلا به، والمعلول الأول يكون عالما أيضا بما صدر منه ms091 فقط ~~فإن الكل لم يوجد من الله دفعة بل بالوساطة والتولد واللزوم، فالذي يصدر ~~مما يصدر منه لم ينبغي أن يكون معلوما له ولم يصدر منه إلا شيء واحد؟ بل ~~هذا لا يلزم في الفعل الإرادي فكيف في الطبيعي؟ فإن حركة الحجر من فوق جبل ~~قد يكون بتحريك إرادي يوجب العلم بأصل الحركة ولا يوجب العلم بما يتولد منه ~~بوساطته من مصادمته وكسره غيره. فهذا أيضا لا جواب له عنه. ### | قولهم إن كان الأول لا يعرف إلا نفسه أمست المعلولات فوقه شرفا # فإن قيل: لو قضينا بأنه لا يعرف إلا نفسه لكان ذلك في غاية الشناعة فإن ~~غيره يعرف نفسه ويعرفه ويعرف غيره فيكون في الشرف فوقه كيف يكون المعلول ~~أشرف من العلة؟ ### $ قولنا هذا أمر لازم! ... # قلنا: فهذه الشناعة لازمة من مقاد الفلسفة في نفي الإرادة ونفي # PageV01P201 # حدث العالم فيجب ارتكابها كما ارتكب سائر الفلاسفة أو لا بد من ترك ~~الفلسفة والاعتراف بأن العالم حادث بالإرادة. ### | أو لا بد من إبطاله # ثم يقال: بم تنكر على من قال من الفلاسفة إن ذلك ليس بزيادة شرف؟ فإن ~~العلم إنما احتاج إليه غيره ليستفيد به كمالا فإنه في ذاته قاصر والإنسان ~~شرف بالمعقولات إما ليطلع على مصلحته في العواقب في الدنيا والآخرة وإما ~~لتكمل ذاته المظلمة الناقصة، وكذى سائر المخلوقات. وأما ذات الله فمستغنية ~~عن التكميل، بل لو قدر له علم يكمل به لكان ذاته من حيث ذاته ناقصا. ### | فكما أن علمه بالخواص من النقصان، كذلك علمه بالكليات # وهذا كما قلت في السمع والبصر وفي العلم بالجزئيات الداخلة تحت الزمان ~~فإنك وافقت سائر الفلاسفة بأن الله منزه عنه وأن المتغيرات الداخلة في ~~الزمان المنقسمة إلى ما كان ويكون لا يعرفه الأول لأن ذلك يوجب تغيرا في ~~ذاته وتأثرا، ولم يكن في سلب ذلك عنه نقصان بل هو كمال وإنما النقصان في ~~الحواس والحاجة إليها، ولولا نقصان الآدمي لما احتاج إلى حواس لتحرسه عما ~~يتعرض للتغير به. # وكذلك العلم بالحوادث الجزئية زعمتم ms092 أنه نقصان. فإذا كنا نعرف الحوادث ~~كلها وندرك المحسوسات كلها والأول لا يعرف شيئا من الجزئيات ولا يدرك شيئا ~~من المحسوسات ولا يكون ذلك نقصانا، فالعلم بالكليات العقلية أيضا يجوز أن ~~يثبت لغيره ولا يثبت له ولا يكون فيه نقصان أيضا، وهذا لا مخرج عنه. # PageV01P202 ### | مسألة في تعجيزهم عن إقامة الدليل على أنه يعرف ذاته أيضا ### | قولنا المسلمون عندهم برهان # فنقول: المسلمون لما عرفوا حدوث العالم بإرادته استدلوا بالإرادة على ~~العلم ثم بالإرادة والعلم جميعا على الحياة ثم بالحياة على أن كل حي يشعر ~~بنفسه وهو حي فيعرف ذاته فكان هذا منهجا معقولا في غاية المتانة. ### | وأما أنتم فلا # فأما أنتم فإذا نفيتم الإرادة والإحداث وزعمتم أن ما يصدر منه يصدر بلزوم ~~على سبيل الضرورة والطبع، فأي بعد أن تكون ذاته ذاتا من شأنها أن يوجد منه ~~المعلول الأول فقط ثم يلزم المعلول الأول المعلول الثاني إلى تمام ترتيب ~~الموجودات؟ ولكنه مع ذلك لا يشعر بذاته كالنار يلزم منها السخونة والشمس ~~يلزم منها النور، ولا يعرف واحد منهما ذاته كما لا يعرف غيره بل ما يعرف ~~ذاته يعرف ما يصدر منه فيعرف غيره. وقد بينا من مذهبهم أنه لا يعرف غيره ~~وألزمنا من خالفهم في ذلك موافقتهم بحكم وضعهم، وإذا لم يعرف غيره لم يبعد ~~أن لا يعرف نفسه. ### | قولهم يكون الأول ميتا! # فإن قيل: كل من لا يعرف نفسه فهو ميت فكيف يكون الأول ميتا؟ ### | قولنا إن نفيت الصفات من الأول، فما حاجته إلى معرفة نفسه؟ # قلنا: فقد لزمكم ذلك على مساق مذهبكم إذ لا فصل بينكم وبين من قال: كل من ~~لا يفعل بإرادة وقدرة واختيار ولا يسمع ولا يبصر فهو ميت ومن لا يعرف غيره ~~فهو ميت. فإن جاز أن يكون الأول خاليا عن هذه الصفات كلها فأي حاجة به إلى ~~أن يعرف ذاته؟ فإن عادوا إلى أن # PageV01P203 # كل بريء عن المادة عقل بذاته فيعقل نفسه فقد بينا أن ذلك تحكم لا برهان ~~عليه. ### | قولهم الحي أشرف ms093 من الميت # فإن قيل: البرهان عليه أن الموجود ينقسم إلى حي وإلى ميت، والحي أقدم ~~وأشرف من الميت والأول أقدم واشرف، فليكن حيا وكل حي يشعر بذاته إذ يستحيل ~~أن يكون في معلولاته الحي هو لا يكون حيا. ### | قولنا لم يستحيل كون المعلول أشرف من العلة؟ # قلنا: هذه تحكمات فإنا نقول: لم يستحيل أن يلزم مما لا يعرف نفسه ما يعرف ~~نفسه بالوسائط الكثيرة أو بغير واسطة؟ فإن كان المحيل لذلك كون المعلول ~~أشرف من العلة فلم يستحيل أن يكون المعلول أشرف من العلة وليس هذا بديهيا؟ ### | فيكون شرفه لا في معرفة الذات بل في كونه مبدأ لذوات المعرفة # ثم بم تنكرون أن شرفه في أن وجود الكل تابع لذاته لا في علمه؟ الدليل ~~عليه أن غيره ربما عرف أشياء سوى ذاته ويرى ويسمع وهو لا يرى ولا يسمع. ولو ~~قال قائل: الموجود ينقسم إلى البصير والأعمى والعالم والجاهل، فليكن البصير ~~أقدم وليكن الأول بصيرا وعالما بالأشياء. لكنكم تنكرون ذلك وتقولون: ليس ~~الشرف في البصر والعلم بالأشياء بل في الاستغناء عن البصر والعلم وكون ~~الذات بحيث يوجد منه الكل فيه العلماء وذوو الأبصار. فكذلك لا شرف في معرفة ~~الذات بل في كونه مبدأ لذوات المعرفة وهذا شرف مخصوص به. ### | الخاتمة ليس هناك دليل على تلك الأمور إن لم تؤخذ إلا من نظر العقل # فبالضرورة يضطرون إلى نفي علمه أيضا بذاته إذ لا يدل على شيء من ذلك سوى ~~الإرادة ولا يدل على الإرادة سوى حدث العالم. وبفساد ذلك يفسد هذا كله على ~~من يأخذ هذه الأمور من نظر العقل. فجميع # PageV01P204 # ما ذكروه من صفات الأول أو نفوه لا حجة لهم عليها إلا تخمينات وظنون ~~تستنكف الفقهاء منها في الظنيات. ولا غرو لو حار العقل في الصفات الإلهية ~~ولا عجب، إنما العجب من عجبهم بأنفسهم وبأدلتهم ومن اعتقادهم أنهم عرفوا ~~هذه الأمور معرفة يقينية مع ما فيها من الخبط الخبال. # PageV01P205 ### | مسألة في إبطال قولهم إن الله تعالى عن قولهم لا يعرف ms094 # الجزئيات المنقسمة بانقسام الزمان إلى الكائن وما كان وما يكون ### | اتفاقهم على هذه المسألة # وقد اتفقوا على ذلك فإن من ذهب منهم إلى أنه لا يعلم إلا نفسه فلا يخفى ~~هذا عن مذهبه، ومن ذهب إلى أنه يعلم غيره وهو الذي اختاره ابن سينا فقد زعم ~~أنه يعلم الأشياء علما كليا لا يدخل تحت الزمان ولا يختلف بالماضي ~~والمستقبل والآن ومع ذلك زعم أنه لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات ولا ~~في الأرض، إلا أنه يعلم الجزئيات بنوع كلي. ولا بد أولا من فهم مذهبهم ثم ~~الاشتغال بالاعتراض. ### | قولهم إن كسوف الشمس في المستقبل والحاضر والماضي نعلمه بعلوم ثلاثة # ونبين هذا بمثال وهو أن الشمس مثلا ينكسف بعد أن لم يكن منكسفا ثم يتجلى ~~فيحصل له ثلثة أحوال أعني الكسوف حالة هو فيها معدوم منتظر الوجود أي سيكون ~~وحال هو فيها موجود أي هو كائن وحالة ثالثة هو فيها معدوم ولكنه كان من ~~قبل. ولنا بإزاء الأحوال الثلثة ثلثة علوم مختلفة فإنا نعلم أولا أن الكسوف ~~معدوم وسيكون وثانيا أنه كائن وثالثا أنه كان وليس كائنا الآن، وهذه العلوم ~~الثلثة متعددة ومختلفة وتعاقبها على المحل يوجب تغير الذات العالمة فإنه لو ~~علم بعد الانجلاء أن الكسوف موجود الآن كان جهلا لا علما ولو علم عند وجوده ~~أنه معدوم كان جهلا فبعض هذه لا يقوم مقام بعض. # إن الله لا يعلم لأنه لا يتغير ... فزعموا أن الله لا يختلف حاله في هذه ~~الأحوال الثلثة فإنه يؤدي إلى التغير، وما لم يختلف حاله لم يتصور أن يعلم ~~هذه الأمور الثلثة فإن العلم يتبع المعلوم فإذا تغير المعلوم تغير العلم ~~وإذا تغير العلم فقد تغير العالم لا محالة، والتغير على الله محال. # ... إلا بعلم لا يختلف # ومع هذا زعم أنه يعلم الكسوف وجميع صفاته وعوارضه ولكن علما هو يتصف به ~~في الأزل ولا يختلف مثل أن يعلم مثلا أن الشمس موجود وأن القمر موجود ~~فإنهما حصلا منه بواسطة الملائكة التي سموها ms095 باصطلاحهم عقولا مجردة، ويعلم ~~أنها تتحرك حركات دورية، ويعلم أن بين فلكيهما تقاطع على نقطتين هما الرأس ~~والذنب وأنهما يجتمعان في بعض الأحوال في العقدتين فينكسف الشمس أي يحول ~~جرم القمر بينهما وبين أعين الناظرين فيستتر الشمس عن الأعين، وأنه إذا ~~جاوز العقدة مثلا بمقدار كذى وهو سنة مثلا فإنه ينكسف مرة أخرى وأن ذلك ~~الإنكساف يكون في جميعه أو ثلثه أو نصفه وأنه يمكث ساعة أو ساعتين، وهكذى ~~إلى جميع أحوال الكسوف وعوارضه، فلا يعزب عن علمه شيء ولكن علمه بهذا قبل ~~الكسوف وحالة الكسوف وبعد الانجلاء على وتيرة واحدة لا يختلف ولا يوجب ~~تغيرا في ذاته. # فجميع الحوادث مكشوفة له انكشافا واحدا لا يؤثر فيه الزمان وكذى علمه ~~بجميع الحوادث فإنها إنما تحدث بأسباب وتلك الأسباب لها أسباب أخر إلى أن ~~تنتهي إلى الحركة الدورية السماوية وسبب الحركة نفس السموات وسبب تحريك ~~النفس الشوق إلى التشبه بالله والملائكة المقربين. فالكل معلوم له أي هو ~~منكشف له انكشافا واحدا متناسبا لا يؤثر فيه الزمان، ومع هذا فحالة الكسوف ~~لا يقال: إنه يعلم أن الكسوف # PageV01P206 # موجود الآن ولا يعلم بعده أنه انجلى الآن وكل ما يجب في تعريفه الإضافة ~~إلى الزمان فلا يتصور أن يعلمه لأنه يوجب التغير هذا فيما ينقسم بالزمان. # فهو يعلم الخواص ولا يعلم عوارضها ... وكذى مذهبهم فيما ينقسم بالمادة ~~والمكان كأشخاص الناس والحيوانات فإنهم يقولون: لا يعلم عوارض زيد وعمرو ~~وخالد وإنما يعلم الإنسان المطلق بعلم كلي ويعلم عوارضه وخواصه، وأنه ينبغي ~~أن يكون بدنه مركبا من أعضاء بعضها للبطش وبعضها للمشي وبعضها للإدراك ~~وبعضها زوج وبعضها فرد، وأن قواه ينبغي أن تكون مبثوثة في أجزائه، وهلم جرا ~~إلى كل صفة في داخل الآدمي وباطنه وكل ما هو من لواحقه وصفاته ولوازمه حتى ~~لا يعزب عن علمه شيء ويعلمه كليا. # ... وأما العوارض فلا يميزها إلا الحس فأما شخص زيد فإنما يتميز عن شخص ~~عمرو للحس لا للعقل فإن عماد التمييز إليه الإشارة إلى جهة معينة، والعقل ms096 ~~يعقل الجهة المطلقة الكلية والمكان الكلي، فأما قولنا هذا وهذا فهو إشارة ~~إلى نسبة حاصلة لذلك المحسوس إلى الحاس بكونه منه على قرب أو بعد أو جهة ~~معينة وذلك يستحيل في حقه. ### | قولنا وبذلك يستأصلون الأديان # وهذه قاعدة اعتقدوها واستأصلوا بها الشرائع بالكلية إذ مضمونها # PageV01P207 # أن زيد مثلا لو أطاع الله أو عصاه لم يكن الله عالما بما يتجدد من أحواله ~~لأنه لا يعرف زيدا بعينه فإنه شخص وأفعاله حادثة بعد أن لم تكن، وإذا لم ~~يعرف الشخص لم يعرف أحواله وأفعاله بل لا يعلم كفر زيد ولا إسلامه وإنما ~~يعلم كفر الإنسان وإسلامه مطلقا كليا لا مخصوصا بالأشخاص، بل يلزم أن يقال: ~~تحدى محمد صلى الله عليه وسلم بالنبوة وهو لم يعرف في تلك الحالة أنه تحدى ~~بها، وكذلك الحال مع كل نبي معين وإنه إنما يعلم أن من الناس من يتحدى ~~بالنبوة وأن صفة أولئك كذى وكذى فأما النبي المعين بشخصه فلا يعرفه فإن ذلك ~~يعرف بالحس والأحوال الصادرة # PageV01P210 # منه لا يعرفها لأنها أحوال تنقسم بانقسام الزمان من شخص معين ويوجب ~~إدراكها على اختلافها تغيرا. # فهذا ما أردنا أن نذكره من نقل مذهبهم أولا ثم تفهيمه ثانيا ثم من ~~القبايح اللازمة عليه ثالثا. فلنذكر الآن خبالهم ووجه بطلانه. ### | قولهم من علم علما مختلفا متعاقبا تغير # وخبالهم أن هذه أحوال ثلثة مختلفة والمختلفات إذا تعاقبت على محل واحد ~~أوجبت فيه تغيرا لا محالة. فإن كان حالة الكسوف عالما بأنه سيكون كما كان ~~قبله # PageV01P211 # فهو جاهل لا عالم، وإن كان عالما بأنه كائن وقبل ذلك كان عالما بأنه ليس ~~بكائن وأنه سيكون فقد اختلف علمه واختلف حاله فلزم التغير إذ لا معنى ~~للتغير إلا اختلاف العالم فإن من لم يعلم شيئا ثم علمه فقد تغير ولم يكن له ~~علم بأنه كائن ثم حصل حالة الوجود فقد تغير. # في الإضافة # وحققوا هذا بأن الأحوال ثلثة حالة هي إضافة محضة، ككونك يمينا وشمالا فإن ~~هذا لا يرجع إلى وصف ذاتي بل هو ms097 إضافة محضة، فإن تحول الشيء الذي كان على ~~يمينك إلى شمالك تغيرت إضافتك ولم تتغير ذاتك بحال، وهذا تبدل إضافة على ~~الذات وليس بتبدل الذات. ومن هذا القبيل إذا كنت قادرا على تحريك أجسام ~~حاضرة بين يديك فانعدمت الأجسام أو انعدم بعضها لم تتغير قوتك الغريزية ولا ~~قدرتك لأن القدرة قدرة على تحريك الجسم المطلق أولا ثم على المعين ثانيا من ~~حيث أنه جسم، فلم تكن إضافة القدرة إلى الجسم المعين وصفا ذاتيا بل إضافة ~~محضة، فعدمها يوجب زوال إضافة لا تغيرا في حال القادر. والثالث تغير في ~~الذات وهو أن لا يكون عالما فيعلم أو لا يكون قادرا فيقدر فهذا تغير. # PageV01P212 # تغير المعلوم يوجب تغير علم العالم وهي الإضافة وتغير المعلوم يوجب تغير ~~العلم فإن حقيقة ذات العلم تدخل فيه الإضافة إلى المعلوم الخاص إذ حقيقة ~~العلم المعين تعلقه بذلك المعلوم المعين على ما هو عليه، فتعلقه به على وجه ~~آخر علم آخر بالضرورة فتعاقبه يوجب اختلاف حال العالم. ولا يمكن أن يقال: ~~إن للذات علم واحد فيصير علما بالكون بعد كونه علما بأنه سيكون ثم هو يصير ~~علما بأنه كان بعد أن كان علما بأنه كائن، فالعلم واحد متشابه الأحوال وقد ~~تبدلت عليه الإضافة لأن الإضافة في العلم حقيقة ذات العلم فتبدلها يوجب ~~تبدل ذات العلم فيلزم منه التغير وهو محال على الله. ### | قولنا ما المانع أن يكون لله علم واحد # مع تغير ما ينزل منزلة الإضافة المحضة؟ # والاعتراض من وجهين: أحدهما أن يقال: بم تنكرون على من يقول: إن الله ~~تعالى له علم واحد بوجود الكسوف مثلا في وقت معين وذلك العلم قبل وجوده علم ~~بأنه سيكون وهو بعينه عند الوجود علم بالكون وهو بعينه بعد الانجلاء علم ~~بالانقضاء وإن هذه الاختلافات ترجع إلى إضافات لا توجب تبدلا في ذات العلم ~~فلا توجب تغيرا في ذات العالم وأن ذلك ينزل منزلة الإضافة المحضة فإن الشخص ~~الواحد يكون على يمينك ثم يرجع إلى قدامك ثم إلى شمالك فتتعاقب ms098 عليك ~~الإضافات والمتغير ذلك الشخص المنتقل دونك؟ وهكذى ينبغي أن بفهم الحال في ~~علم الله فإنا نسلم أنه يعلم الأشياء بعلم واحد في الأزل والأبد والحال لا ~~يتغير وغرضهم نفي التغير وهو متفق عليه. # PageV01P213 # في إمكان الله أن يخلق لنا مثل هذا العلم وقولهم: من ضرورة إثبات العلم ~~بالكون الآن والانقضاء بعده تغير، فليس بمسلم فمن أين عرفوا ذلك؟ بل لو خلق ~~الله لنا علما بقدوم زيد غدا عند طلوع الشمس وأدام هذا العلم ولم يخلق لنا ~~علما آخر ولا غفلة عن هذا العلم لكنا عند طلوع الشمس عالمين بمجرد العلم ~~السابق بقدومه الآن وبعده بأنه قدم من قبل وكان ذلك العلم الواحد الباقي ~~كافيا في الإحاطة بهذه الأحوال الثلثة. # اعتراضهم فيبقى قولهم: إن الإضافة إلى المعلوم المعين داخلة في حقيقته ~~ومهما اختلفت الإضافة اختلف الشيء الذي الإضافة ذاتية له ومهما حصل ~~الاختلاف والتعاقب فقد حصل التغير. # تقولون بأن الله لا يعلم "الإنسان المطلق" الخ فنقول: إن صح هذا فاسلكوا ~~مسلك إخوانكم من الفلاسفة حيث قالوا: إنه لا يعلم إلا نفسه وإن علمه بذاته ~~عين ذاته لأنه لو علم الإنسان المطلق والحيوان المطلق والجماد المطلق وهذه ~~مختلفات لا محالة فالإضافات إليها تختلف لا محالة، فلا يصلح العلم الواحد ~~لأن يكون علما بالمختلفات لأن المضاف مختلف والإضافة مختلفة والإضافة إلى ~~المعلوم ذاتية للعلم فيوجب ذلك تعددا واختلافا لا تعددا فقط مع التماثل، إذ ~~المتماثلات ما يسد بعضها مسد البعض والعلم بالحيوان لا يسد مسد العلم ~~بالجماد ولا العلم بالبياض يسد مسد العلم بالسواد فهما مختلفان. # ... فكم بالأحرى بهذا الأمر؟ # ثم هذه الأنواع والأجناس والعوارض الكلية لا نهاية لها وهي مختلفة. ~~فالعلوم المختلفة كيف تنطوي تحت علم واحد ثم ذلك العلم هو ذات العالم من ~~غير مزيد عليه؟ وليت شعري كيف يستجير العاقل من نفسه أن يحيل الاتحاد في ~~العلم بالشيء الواحد المنقسم أحواله إلى الماضي والمستقبل والآن وهو لا ~~يحيل الاتحاد في العلم المتعلق بجميع الأجناس والأنواع المختلفة، والاختلاف ~~والتباعد بين ms099 الأجناس والأنواع المتباعدة أشد من الاختلاف الواقع بين # PageV01P214 # أحوال الشيء الواحد المنقسم بانقسام الزمان؟ وإذا لم يوجب ذلك تعددا ~~واختلافا كيف يوجب هذا تعددا واختلافا؟ ومهما ثبت بالبرهان أن اختلاف ~~الأزمان دون اختلاف الأجناس والأنواع وأن ذلك لم يوجب التعدد والاختلاف ~~فهذا أيضا لا يوجب الاختلاف، وإذا لم يوجب الاختلاف جاز الإحاطة بالكل بعلم ~~واحد دائم في الأزل والأبد ولا يوجب ذلك تغيرا في ذات العالم. # هلا تعقلون قديما متغيرا؟ الإعتراض الثاني هو أن يقال: وما المانع على ~~أصلكم من أن يعلم هذه الأمور الجزئية وإن كان يتغير؟ وهلا اعتقدتم أن هذا ~~النوع من التغير لا يستحيل عليه؟ كما ذهب جهم من المعتزلة إلى أن علومه ~~بالحوادث حادثة وكما اعتقد الكرامية من عند آخرهم أنه محل الحوادث ولم ينكر ~~جماهير أهل الحق عليهم إلا من حيث أن المتغير لا يخلوا عن التغير، وما لا ~~يخلوا عن التغير والحوادث فهو حادث وليس بقديم. وأما أنتم فمذهبكم أن ~~العالم قديم وأنه لا يخلوا عن التغير. فإذا عقلتم قديما متغيرا فلا مانع ~~لكم من هذا الإعتقاد. ### | قولهم يكون العلم حادثا إما من جهته أو من جهة غيره # والحال أنه محال في الحالين # فإن قيل: إنما أحلنا ذلك لأن العلم الحادث في ذاته لا يخلوا إما أن يحدث ~~من جهته أو من جهة غيره، وباطل أن يحدث منه فإنا بينا أن القديم لا يصدر ~~منه حادث ولا يصير فاعلا بعد أن لم يكن فاعلا فإنه يوجب تغيرا وقد قررناه ~~في مسألة حدث العالم، وإن حصل ذلك في ذاته من جهة غيره فكيف يكون غيره ~~مؤثرا فيه ومغيرا له حتى تتغير أحواله على سبيل التسخر والاضطرار من جهة ~~غيره؟ # PageV01P215 ### $ قولنا عليكم ألا ترفضوا الحال الأول ... # قلنا: كل واحد من القسمين غير محال على أصلكم. # أما قولكم: إنه يستحيل أن يصدر من القديم حادث، قفد أبطلناه في تلك ~~المسألة. كيف وعندكم يستحيل أن يصدر من القديم حادث هو أول الحوادث؟ فشرط ~~استحالته كونه أولا، وإلا فهذه ms100 الحوادث ليست لها أسباب حادثة إلى غير نهاية ~~بل تنتهي بواسطة الحركة الدورية إلى شيء قديم هو نفس الفلك وحياته. فالنفس ~~الفلكية قديمة والحركة الدورية تحدث منها وكل جزء من أجزاء الحركة يحدث ~~وينقضي وما بعده متجدد لا محالة. فإذن الحوادث صادرة من القديم عندكم ولكن ~~إذ تشابه أحوال القديم تشابه فيضان الحوادث منه على الدوام كما يتشابه ~~أحوال الحركة لما أن كانت تصدر من قديم متشابه الأحوال. فاستبان أن كل فريق ~~منهم معترف بأنه يجوز صدور حادث من قديم إذا كانت تصدر على التناسب ~~والدوام، فلتكن العلوم الحادثة من هذا القبيل. # ... ولا الحال الثاني وذلك لا للزوم التغير ... وأما القسم الثاني وهو ~~صدور هذا العلم فيه من غيره فنقول: ولم يستحيل ذلك عندكم؟ وليس فيه إلا ~~ثلثة أمور: أحدها التغير وقد بينا لزومه على أصلكم. # ... ولا لحدوث التغير من جهة غيره ... # والثاني كون الغير سببا لتغير الغير وهو غير محال عندكم فليكن حدوث الشيء ~~سببا لحدوث العلم به كما أنكم تقولون: تمثل الشخص المتلون بإزاء الحدقة ~~الباصرة سبب لانطباع مثال الشخص في الطبقة الجليدية من الحدقة عند توسط ~~الهواء المشف بين الحدقة والمبصر. فإذا جاز أن يكون جماد سببا لانطباع ~~الصورة في الحدقة وهو معنى الإبصار فلم يستحيل أن يكون حدوث الحوادث سببا ~~لحصول علم الأول بها؟ فإن القوة الباصرة كما أنها مستعدة للإدراك ويكون ~~حصول الشخص # PageV01P216 # المتلون مع ارتفاع الحواجز سببا لحصول الإدراك فليكن ذات المبدأ الأول ~~عندكم مستعدا لقبول العلم ويخرج من القوة إلى الفعل بوجود ذلك الحادث. فإن ~~كان فيه تغير القديم فالقديم المتغير عندكم غير مستحيل، وإن زعمتم أن ذلك ~~يستحيل في واجب الوجود فليس لكم على إثبات واجب الوجود دليل إلا قطع سلسلة ~~العلل والمعلولات كما سبق. وقد بينا أن قطع التسلسل ممكن بقديم متغير. # ... ولا "لتسخر" القديم والأمر الثالث الذي يتضمنه هذا هو كون القديم ~~متغيرا بغيره وإن ذلك يشبه التسخر واستيلاء الغير عليه فيقال: ولم يستحيل ~~عندكم هذا وهو أن يكون هو ms101 سببا لحدوث الحوادث بوسائط ثم يكون حدوث الحوادث ~~سببا لحصول العلم له بها فكأنه هو السبب في تحصيل العلم لنفسه ولكن ~~بالوسائط؟. # تقولون إن ما يصدر من الله يصور على سبيل اللزوم والطبع وقولكم إن ذلك ~~يشبه التسخر، فليكن كذلك فإنه لائق بأصلكم إذ زعمتم أن ما يصدر من الله ~~يصدر على سبيل اللزوم والطبع ولا قدرة له على أن لا يفعل. وهذا أيضا يشبه ~~نوعا من التسخر ويشير إلى أنه كالمضطر في ما يصدر منه. ### | قولهم كماله في أن يكون مصدر الكل # فإن قيل: إن ذلك ليس باضطرار لأن كماله في أن يكون مصدرا لجميع الأشياء. # قولنا ... وفي أن يعلم الكل # فهذا ليس بتسخر فإن كماله في أن يعلم جميع الأشياء ولو حصل لنا علم مقارن ~~لكل حادث لكان ذلك كمالا لنا لا نقصانا وتسخرا. فليكن كذلك في حقه. # PageV01P217 ### | مسألة في تعجيزهم عن إقامة الدليل على أن السماء حيوان # مطيع لله تعالى بحركته الدورية ### | قولهم وقد قالوا إن السماء حيوان # وإن له نفسا نسبته إلى بدن السماء كنسبة نفوسنا إلى أبداننا، وكما أن ~~أبداننا تتحرك بالإرادة نحو أغراضها بتحريك النفس فكذى السموات، وإن غرض ~~السموات بحركتها الذاتية عبادة رب العالمين على وجه سنذكره. ### | لا ينكر إمكانه # ومذهبهم في هذه المسألة مما لا ينكر إمكانه ولا يدعى استحالته فإن الله ~~قادر على أن يخلق الحياة في كل جسم فلا كبر الجسم يمنع من كونه حيا ولا ~~كونه مستديرا فإن الشكل المخصوص ليس شرطا للحياة إذ الحيوانات مع اختلاف ~~أشكالها مشتركة في قبول الحياة. ### | ولكن لا يعرف بدليل العقل # ولكنا ندعى عجزهم عن معرفة ذلك بدليل العقل وإن هذا إن كان صحيحا فلا ~~يطلع عليه إلا الأنبياء بإلهام من الله أو وحي وقياس العقل ليس يدل عليه. ~~نعم لا يبعد أن يتعرف مثل ذلك بدليل إن وجد الدليل وساعد، ولكنا نقول ما ~~أوردوه دليلا لا يصلح إلا لإفادة ظن، فأما أن يفيد قطعا فلا. ### | الضلال في قولهم بأن السماء متحرك # وخبالهم ms102 فيه أن قالوا: السماء متحرك وهذه مقدمة حسية. وكل جسم متحرك فله ~~محرك وهذه مقدمة عقلية إذ لو كان الجسم يتحرك لكونه جسما لكان كل جسم ~~متحركا. ### | كل متحرك إما أن يكون قسريا أو طبيعيا أو إراديا # وكل محرك فإما أن يكون منبعثا عن ذات المتحرك كالطبيعة في # PageV01P218 # حركة الحجر إلى أسفل والإرادة في حركة الحيوان مع القدرة، وإما أن يكون ~~المحرك خارجا ولكن يحرك على طريق القسر كدفع الحجر إلى فوق. وكل ما يتحرك ~~بمعنى في ذاته فإما أن لا يشعر ذلك الشيء بالحركة ونحن نسميه طبيعة كحركة ~~الحجر إلى أسفل، وإما أن يشعر به ونحن نسميه إراديا ونفسانيا فصارت الحركة ~~بهذه التقسيمات الحاصرة الدائرة بين النفي والإثبات إما قسرية طبيعية وإما ~~طبيعية وإما إرادية، وإذا بطل قسمان تعين الثالث. ### | ولا يمكن أن يكون قسريا # ولا يمكن أن يكون قسريا لأن المحرك القاسر إما جسم آخر يتحرك بالإرادة أو ~~بالقسر وينتهي لا محالة إلى إرادة، ومهما أثبت في أجسام السموات متحرك ~~بالإرادة فقد حصل الغرض، فأي فائدة في وضع حركات قسرية وبالآخرة لا بد من ~~الرجوع إلى الإرادة، وإما أن يقال: إنه يتحرك بالقسر والله هو المحرك بغير ~~واسطة وهو محال، لأنه لو تحرك به من حيث أنه جسم وأنه خالقه للزم أن يتحرك ~~كل جسم فلا بد وأن تختص الحركة بصفة به يتميز عن غيره من الأجسام وتلك ~~الصفة هي المحرك القريب إما بالإرادة أو الطبع. ولا يمكن أن يقال إن الله ~~يحركه بالإرادة لأن إرادته تناسب الأجسام نسبة واحدة، فلم استعد هذا الجسم ~~على الخصوص لأن يراد تحريكه دون غيره؟ ولا يمكن أن يكون ذلك جزافا فإن ذلك ~~محال كما سبق في مسألة حدث العالم وإذا ثبت أن هذا الجسم ينبغي أن يكون فيه ~~صفة هو مبدأ الحركة بطل القسم الأول وهو تقدير الحركة القسرية. ### | ولا أن يكون طبيعيا لأنه يعود إلى المكان المهروب عنه. فهو إذا إراديا # فيبقى أن يقال: هي طبيعية وهو غير ممكن لأن ms103 الطبيعة بمجردها قط لا تكون ~~سببا للحركة لأن معنى الحركة هرب من مكان وطلب لمكان آخر، فالمكان الذي فيه ~~الجسم إن كان ملائما له فلا يتحرك عنه ولهذا لا يتحرك زق مملوء من الهواء ~~على وجه الماء، وإذا غمس في الماء تحرك إلى وجه الماء فإنه وجد المكان ~~الملائم فسكن والطبيعة # PageV01P219 # قائمة، ولكن إن نقل إلى مكان لا يلائمه هرب منه إلى الملائم كما هرب من ~~وسط الماء إلى حيز الهواء. والحركة الدورية لا يتصور أن تكون طبيعية لأن كل ~~وضع وأين يفرض الهرب منه فهو عائد إليه، والمهروب عنه بالطبع لا يكون ~~مطلوبا بالطبع ولذلك لا ينصرف زق الهواء إلى باطن الماء ولا الحجر ينصرف ~~بعد الاستقرار على الأرض فيعود إلى الهوى. فلم يبق إلا القسم الثالث وهي ~~الحركة الإرادية. ### | الاعتراض هناك ثلاث احتمالات أخرى # أن تكون حركة السماء بجسم غير سماوي الاعتراض هو أنا نقول: نحن نقرر ثلث ~~احتمالات سوى مذهبكم لا برهان على بطلانها. # الأول أن يقدر حركة السماء قهرا لجسم آخر مريد لحركتها يديرها على الدوام ~~وذلك الجسم المحرك لا يكون كرة ولا يكون محيطا فلا يكون سماء، فيبطل قولهم ~~إن حركة السماء إرادية وإن السماء حيوان. وهذا الذي ذكرناه ممكن وليس في ~~دفعه إلا مجرد استبعاد. # أو تكون بإرادة الله الثاني هو أن يقال الحركة قسرية ومبدؤها إرادة الله، ~~فإنا نقول: حركة الحجر إلى أسفل أيضا قسري يحدث بخلق الله الحركة فيه، وكذى ~~القول في سائر حركات الأجسام التي ليست حيوانية. ### | والاعتراض على الإرادة قد أبطلناه # فيبقى استبعادهم أن الإرادة لم اختصت به وسائر الأجسام تشاركها في ~~الجسمية فقد بينا أن الإرادة القديمة من شأنها تخصيص الشيء عن مثله وأنهم ~~مضطرون إلى إثبات صفة هذا شأنها في تعيين جهة الحركة الدورية وفي تعيين ~~موضع القطب والنقطة فلا نعيده والقول الوجيز إن ما استبعدوه في اختصاص ~~الجسم بتعلق الإرادة به من غير تميز بصفة ينقلب عليهم في تميزه بتلك الصفة، ~~فإنا نقول: ولم # PageV01P220 # تميز جسم السماء ms104 بتلك الصفة التي بها فارق غيره من الأجسام، وسائر ~~الأجسام أيضا أجسام؟ فلم حصل فيه ما لم يحصل في غيره؟ فإن علل ذلك بصفة ~~أخرى توجه السؤال في الصفة الأخرى، وهكذى يتسلسل إلى غير نهاية فيضطرون ~~بالآخرة إلى التحكم في الإرادة وأن في المبادئ ما يميز الشيء عن مثله ~~ويخصصه بصفة عن أمثاله. # أو تكون بالطبع وبدون أن تشعر لا لطلب المكان ولا للهرب منه الثالث هو أن ~~يسلم أن السماء اختص بصفة تلك الصفة مبدأ الحركة كما اعتقدوه في هوى الحجر ~~إلى أسفل إلا أنه لا يشعر به كالحجر. وقولهم: إن المطلوب بالطبع لا يكون ~~مهروبا عنه بالطبع، فتلبيس لأنه ليس ثم أماكن متفاصلة بالعدد عندهم بل ~~الجسم واحد والحركة الدورية واحدة فلا للجسم جزء بالفعل ولا للحركة جزء ~~بالفعل وإنما يتجزى بالوهم، فليست تلك الحركة لطلب المكان ولا للهرب من ~~المكان. فيمكن أن يخلق جسم وفي ذاته معنى يقتضي حركة دورية وتكون الحركة ~~نفسها مقتضى ذلك المعنى لا أن مقتضى المعنى طلب المكان، ثم تكون حركة ~~للوصول إليه. ### | الحركة نفس المقتضى لا لطلب مكان # وقولكم: إن كل حركة فهو لطلب مكان أو هرب منه إذا كان ضروريا، فكأنكم ~~جعلتم طلب المكان مقتضى الطبع وجعلتم الحركة غير مقصودة في نفسها بل وسيلة ~~إليه ونحن نقول: لا يبعد أن تكون الحركة نفس المقتضى لا لطلب مكان، فما ~~الذي يحيل ذلك؟ ### | الخلاصة # فاستبان أن ما ذكروه إن ظن أنه أغلب من احتمال آخر فلا يتيقن قطعا انتفاء ~~غيره. فالحكم على السماء بأنه حيوان تحكم محض لا مستند له. # PageV01P221 ### | مسألة في إبطال ما ذكروه من الغرض المحرك للسماء ### | قولهم إن السماء متقرب إلى الله # وقد قالوا: إن السماء مطيع لله بحركته ومتقرب إليه لأن كل حركة بالإرادة ~~فهو لغرض إذ لا يتصور أن يصدر الفعل والحركة من حيوان إلا إذا كان الفعل ~~أولى به من الترك وإلا فلو استوى الفعل والترك لما تصور الفعل. ### | في الكمال # ثم التقرب إلى الله ليس معناه ms105 طلب الرضا والحذر من السخط فإن الله يتقدس ~~عن السخط والرضا وإن أطلق هذه الألفاظ فعلى سبيل المجاز يكني بها عن إرادة ~~العقاب وإرادة الثواب، ولا يجوز أن يكون التقرب بطلب القرب منه في المكان ~~فإنه محال فلا يبقى إلا طلب القرب في الصفات، فإن الوجود الأكمل وجوده وكل ~~وجود فبالإضافة إلى وجوده ناقص وللنقصان درجات وتفاوت فالملك أقرب إليه صفة ~~لا مكانا، وهو المراد بالملائكة المقربين أي الجواهر العقلية التي لا تتغير ~~ولا تفنى ولا تستحيل وتعلم الأشياء على ما هي عليه، والإنسان كلما ازداد ~~قربا من الملك في الصفات ازداد قربا من الله، ومنتهى طبقة الآدميين التشبه ~~بالملائكة. ### | الملائكة المقربون كمالهم لا يزداد # وإذا ثبت أن هذا معنى التقرب إلى الله وأنه يرجع إلى طلب القرب منه في ~~الصفات وذلك للآدمي بأن يعلم حقائق الأشياء وبأن يبقى بقاء مؤبدا على أكمل ~~أحواله الممكن له، فإن البقاء على الكمال الأقصى هو الله. والملائكة ~~المقربون كل ما يمكن لهم من الكمال فهو حاضر معهم في الوجود إذ ليس فيهم ~~شيء بالقوة حتى يخرج إلى الفعل، فإذن كمالهم في الغاية القصوى بالإضافة إلى ~~ما سوى الله. # PageV01P222 ### | والملائكة السماوية يزداد كمالهم بتحريك السماء ويتشبهون بالله # والملائكة السماوية هي عبارة عن النفوس المحركة للسموات وفيها ما بالقوة، ~~وكمالاتها منقسمة إلى ما هو بالفعل كالشكل الكري والهيئة وذلك حاضر وإلى ما ~~هو بالقوة وهو الهيئة في الوضع والأين. وما من وضع معين إلا وهو ممكن له ~~ولكن ليست له سائر الأوضاع بالفعل فإن الجمع بين جميعها غير ممكن، فلما لم ~~يمكنها استيفاء آحاد الأوضاع على الدوام قصد استيفاءها بالنوع فلا يزال ~~يطلب وضعا بعد وضع وأينا بعد أين ولا ينقطع قط هذا الإمكان فلا تنقطع هذه ~~الحركات وإنما قصده التشبه بالمبدأ الأول في نيل الكمال الأقصى على حسب ~~الإمكان في حقه وهو معنى طاعة الملائكة السماوية لله. ### | فإنهم يستوفون كل وضع ممكن، فيفيض منه الخير # وقد حصل لها التشبه من وجهين: أحدهما استيفاء كل ms106 وضع ممكن له بالنوع وهو ~~المقصود بالقصد الأول. والثاني ما يترتب على حركته من اختلاف النسب في ~~التثليث والتربيع والمقارنة والمقابلة واختلاف الطوالع بالنسبة إلى الأرض ~~فيفيض منه الخير على ما تحت فلك القمر ويحصل منه هذه الحوادث كلها، فهذا ~~وجه استكمال النفس السماوية. وكل نفس عاقلة فمتشوقة إلى الاستكمال بذاتها. ### | الاعتراض الانتقال من مكان إلى مكان ليس كمالا # والاعتراض على هذا هو أن في مقدمات هذا الكلام ما يمكن النزاع فيه، ولكنا ~~لا نطول به ونعود إلى الغرض الذي عنيتموه آخرا ونبطله من وجهين. # أحدهما أن طلب الاستكمال بالكون في كل أين يمكن أن يكون له حماقة لا ~~طاعة، وما هذا إلا كإنسان لم يكن له شغل وقد كفي المؤونة في شهواته وحاجاته ~~فقام وهو يدور في بلد أو بيت ويزعم أنه يتقرب # PageV01P223 # إلى الله فإنه يستكمل بأن يحصل لنفسه الكون في كل مكان أمكن، وزعم أن ~~الكون في الأماكن ممكن لي ولست أقدر على الجمع بينها بالعدد فأستوفيه ~~بالنوع فإن فيه استكمالا وتقربا، فيسفه عقله فيه ويحمل على الحماقة ويقال: ~~الانتقال من حيز إلى حيز ومن مكان إلى مكان ليس كمالا يعتد به أو يتشوف ~~إليه، ولا فرق بين ما ذكروه وبين هذا. ### | لماذا لا تختلف الحركة؟ # والثاني هو أنا نقول: ما ذكرتموه من الغرض حاصل بالحركة المغربية فلم ~~كانت الحركة الأولى مشرقية وهلا كانت حركات الكل إلى جهة واحدة؟ فإن كان في ~~اختلافها غرض فهلا اختلفت بالعكس فكانت التي هي مشرقية مغربية والتي هي ~~مغربية مشرقية؟ فإن كل ما ذكروه من حصول الحوادث باختلاف الحركات من ~~التثليثات والتسديسات وغيرها يحصل بعكسه. وكذى ما ذكروه من استيفاء الأوضاع ~~والأيون كيف ومن الممكن لها الحركة إلى الجهة الأخرى فما بالها لا تتحرك ~~مرة من جانب ومرة من جانب استيفاء لما يمكن لها إن كان في استيفاء كل ممكن ~~كمال؟ ### | هذه الأمور يطلع عليها على سبيل الإلهام # لا على سبيل الاستدلال # فدل أن هذه خيالات لا حاصل لها وأن أسرار ms107 ملكوت السموات لا يطلع عليه ~~بأمثال هذه الخيالات وإنما يطلع الله عليه أنبياءه وأولياءه على سبيل ~~الإلهام لا على سبيل الاستدلال ولذلك عجز الفلاسفة من عند آخرهم عن بيان ~~السبب في جهة الحركة واختيارها. ### | الاستكمال بالحركة - وبهذه الحركة إفاضة الخير # وقال بعضهم: لما كان استكمالها يحصل بالحركة من أي جهة كانت وكان انتظام ~~الحوادث الأرضية يستدعي اختلاف حركات وتعين جهات، كان الداعي لها إلى أصل ~~الحركة التقرب إلى الله والداعي إلى جهة الحركة إفاضة الخير على العالم ~~السفلي. ### | قولنا قد يكون بالسكون # وهذا باطل من وجهين. أحدهما أن ذلك إن أمكن أن يتخيل فليقض بأن مقتضى ~~طبعه السكون احترازا عن الحركة والتغير وهو التشبه بالله على التحقيق فإنه ~~مقدس عن التغير والحركة تغير، ولكنه اختار الحركة لإفاضة الخير فإنه كان ~~ينتفع به غيره وليس يثقل عليه الحركة وليس تتعبه، فما المانع من هذا ~~الخيال؟ ### | أو باختلاف الحركات # والثاني أن الحوادث تنبنى على اختلاف النسب المتولدة من اختلاف جهات ~~الحركات، فلتكن الحركة الأولى مغربية وما عداها مشرقية وقد حصل به الاختلاف ~~ويحصل به تفاوت النسب. فلم تعينت جهة واحدة، وهذه الاختلافات لا تستدعي إلا ~~أصل الاختلاف، فأما جهة بعينها فليس بأولى من نقيضها في هذا الغرض. ### | مسألة في إبطال قولهم إن نفوس السموات مطلعة # على جميع الجزئيات الحادثة في هذا العالم # وإن المراد باللوح المحفوظ نفوس السموات وإن انتقاش جزئيات العالم فيها ~~يضاهي انتقاش المحفوظات في القوة الحافظة المودعة في دماغ الإنسان، لا أنه ~~جسم صلب عريض مكتوب عليه الأشياء كما يكتبه الصبيان على اللوح لأن تلك ~~الكتابة يستدعي كثرتها اتساع المكتوب عليه. # وإذا لم يكن للمكتوب نهاية لم يكن للمكتوب عليه نهاية، ولا يتصور جسم لا ~~نهاية له ولا يمكن خطوط لا نهاية لها على جسم ولا يمكن تعريف أشياء لا ~~نهاية لها بخطوط معدودة. ### | مذهبهم # وقد زعموا أن الملائكة السماوية هي نفوس السموات وأن الملائكة الكرويين ~~المقربين هي العقول المجردة التي هي جواهر قائمة بأنفسها لا تتحيز ولا ~~تتصرف ms108 في الأجسام وأن هذه الصور الجزئية تفيض على النفوس السماوية منها وهي ~~أشرف من الملائكة السماوية لأنها مفيدة وهي مستفيدة والمفيد أشرف من ~~المستفيد، ولذلك عبر عن الأشرف بالقلم فقال تعالى: علم بالقلم، لأنه ~~كالنقاش المفيد مثل المعلم وشبه المستفيد باللوح. هذا مذهبهم. ### | هو محال، فنطالبهم بالدليل عليه # والنزاع في هذه المسألة يخالف النزاع فيما قبلها فإن ما ذكروه من قبل ليس ~~محالا إذ منتهاه كون السماء حيوانا متحركا لغرض وهو ممكن. أما هذه فترجع ~~إلى إثبات علم لمخلوق بالجزئيات التي لا نهاية لها وهذا ربما يعتقد # PageV01P224 # استحالته فنطالبهم بالدليل عليه فإنه تحكم في نفسه. ### | استدلالهم إرادة الحركة بإرادة دورية جزئية # استدلوا فيه بأن قالوا: ثبت أن الحركة الدورية إرادية والإرادة تتبع ~~المراد والمراد الكلي لا يتوجه إليه إلا إرادة كلية والإرادة الكلية لا ~~يصدر منها شيء فإن كل موجود بالفعل معين جزئي والإرادة الكلية نسبتها إلى ~~آحاد الجزئيات على وتيرة واحدة فلا يصدر عنها شيء جزئي بل لا بد من إرادة ~~جزئية للحركة المعينة. ### | فهي تدرك الجزئيات بإدراك جزئي # فللفلك بكل حركة جزئية معينة من نقطة إلى نقطة معينة إرادة جزئية لتلك ~~الحركة فله لا محالة تصور لتلك الحركات الجزئية بقوة جسمانية إذ الجزئيات ~~لا تدرك إلا بالقوى الجسمانية، فإن كل إرادة فمن ضرورتها تصور لذلك المراد ~~أي علم به سواء كان جزئيا أو كليا. ### | وبالتالي تدرك لوازمها # ومهما كان للفلك تصور لجزئيات الحركات وإحاطة بها أحاط لا محالة بما يلزم ~~منها من اختلاف النسب مع الأرض من كون بعض أجزائه طالعة وبعضها غاربة ~~وبعضها في وسط سماء قوم وتحت قدم قوم، وكذلك يعلم ما يلزم من اختلاف النسب ~~التي تتجدد بالحركة من التثليث والتسديس والمقابلة والمقارنة إلى غير ذلك ~~من الحوادث السماوية إما بغير واسطة وإما بواسطة واحدة وإما بوسائط كثيرة. ~~وعلى الجملة فكل حادث فله سبب حادث إلى أن ينقطع التسلسل بالارتقاء إلى ~~الحركة السماوية الأبدية التي بعضها سبب للبعض. فإذن الأسباب والمسببات في ~~سلسلتها تنتهي إلى ms109 الحركات الجزئية السماوية فالمتصور للحركات متصور ~~للوازمها ولوازم لوازمها إلى آخر السلسلة. ### | وبالتالي تدرك كل ما سيحدث # فبهذا يطلع على ما يحدث فإن كل ما سيحدث فحدوثه واجب عن علته مهما تحققت ~~العلة. # PageV01P225 # ونحن إنما لا نعلم ما يقع في المستقبل لأنا لا نعلم جميع أسبابها ولو ~~علمنا جميع الأسباب لعلمنا المسببات، فإنا مهما علمنا أن النار سيلتقي ~~بالقطن مثلا في وقت معين فنعلم احتراق القطن ومهما علمنا أن شخصا سيأكل ~~فنعلم أنه سيشبع، وإذا علمنا أن شخصا سيتخطى الموضع الفلاني الذي فيه كنز ~~مغطى بشيء خفيف إذا مشى عليه الماشي تعثر رجله بالكنز وعرفه فنعلم أنه ~~سيستغني بوجود الكنز. ولكن هذه الأسباب لا نعلمها وربما نعلم بعضها فيقع ~~لنا حدس بوقوع المسبب فإن عرفنا أغلبها وأكثرها حصل لنا ظن ظاهر بالوقوع. ~~فلو حصل لنا العلم بجميع الأسباب لحصل بجميع المسببات، إلا أن السماويات ~~كثيرة ثم لها اختلاط بالحوادث الأرضية وليس في القوة البشرية الاطلاع عليه، ~~ونفوس السموات مطلعة عليها لاطلاعها على السبب الأول ولوازمها ولوازم ~~لوازمها إلى آخر السلسلة. ### | قولهم يرى النائم ما يكون في المستقبل # وذلك باتصاله باللوح المحفوظ، أي بنفس الفلك ولهذا زعموا: يرى النائم في ~~نومه ما يكون في المستقبل وذلك باتصاله باللوح المحفوظ ومطالعته، ومهما ~~اطلع على الشيء ربما بقي ذلك بعينه في حفظه وربما تسارعت القوة المتخيلة ~~إلى محاكاتها فإن من غريزتها محاكاتها الأشياء بأمثلة تناسبها بعض المناسبة ~~أو الانتقال منها إلى أضدادها فينمحى المدرك الحقيقي عن الحفظ ويبقى مثال ~~الخيال في الحفظ فيحتاج إلى تعبير ما يمثل الخيال الرجل بشجر والزوجة بخف ~~والخادم ببعض أواني الدار وحافظ مال البر والصدقات بزيت البذر فإن البذر ~~سبب للسراج الذي هو سبب الضياء، وعلم التعبير يتشعب عن هذا الأصل. ### | وهذا الاتصال مشغولون عنه في يقظتنا بما تورده الحواس # وزعموا أن الاتصال بتلك النفوس مبذول إذ ليس ثم حجاب ولكنا في يقظتنا ~~مشغولون بما تورده الحواس والشهوات علينا، فاشتغالنا بهذه الأمور الحسية ~~صرفنا عنه، وإذا سقط عنا ms110 في النوم بعض اشتغال الحواس ظهر به استعداد ما ~~للاتصال. # PageV01P226 ### | والنبي يرى في اليقظة # وزعموا أن النبي مطلع على الغيب بهذا الطريق أيضا. إلا أن القوة النفسية ~~النبوية قد تقوى قوة لا تستغرقها الحواس الظاهرة، فلا جرم يرى هو في اليقظة ~~ما يراه غيره في المنام. ثم القوة الخيالية تمثل له ما رآه، وربما يبقى ~~الشيء بعينه في ذكره وربما يبقى مثاله، فيفتقر مثل هذا الوحي إلى التأويل ~~كما يفتقر مثل ذلك المنام إلى التعبير. ولولا أن جميع الكائنات ثابتة في ~~اللوح المحفوظ لما عرف الأنبياء الغيب في يقظة ولا منام، لكن جف القلم بما ~~هو كائن إلى يوم القيامة ومعناه هذا الذي ذكرناه. فهذا ما أردنا أن نورده ~~لتفهيم مذهبهم. ### | جوابنا لا دليل لكم في هذا عن النبي # والجواب أن نقول: بم تنكرون على من يقول إن النبي يعرف الغيب بتعريف الله ~~على سبيل الابتداء؟ وكذى من يرى في المنام فإنما يعرفه بتعريف أو بتعريف ~~ملك من الملائكة فلا يحتاج إلى شيء مما ذكرتموه، فلا دليل في هذا ولا دليل ~~لكم في ورود الشرع باللوح والقلم فإن أهل الشرع لم يفهموا من اللوح والقلم ~~هذا المعنى قطعا، فلا متمسك في الشرعيات يبقي التمسك بمسالك العقول. وما ~~ذكرتموه وإن اعترف بإمكانه مهما لم يشترط نفي النهاية عن هذه المعلومات فلا ~~يعرف وجوده ولا يتحقق كونه، وإنما السبيل فيه أن يتعرف من الشرع لا من ~~العقل. ### | ننازع في ثلاث من المقدمات # وأما ما ذكرتموه من الدليل العقلي أولا فمبني على مقدمات كثيرة لسنا نطول ~~بإبطالها ولكننا ننازع في ثلث مقدمات منها: ### | تكلمنا عن حركة الفلك الإرادية # المقدمة الأولى قولكم إن حركة السماء إرادية. وقد فرغنا من هذه المسألة ~~وإبطال دعواكم فيها. # PageV01P227 ### | لا نسلم افتقار الإدراك إلى إرادة جزئية # الثانية أنه إن سلم ذلك مسامحة به فقولكم إنه يفتقر إلى تصور جزئي ~~للحركات الجزئية فغير مسلم، بل ليس ثم جزء عندكم في الجسم فإنه شيء واحد ~~وإنما يتجزا بالوهم ولا في الحركة ms111 فإنها واحدة بالاتصال فيكفي تشوقها إلى ~~استيفاء الأيون الممكنة لها كما ذكروه ويكفيها التصور الكلي والإرادة ~~الكلية. ### | نسلم هذا في شأن المتوجه إلى مكان # ولنمثل للإرادة الكلية والجزئية مثالا لتفهيم غرضهم. فإذا كان للإنسان ~~غرض كلي في أن يحج بيت الله مثلا فهذه الإرادة الكلية لا يصدر منها الحركة ~~لا الحركة تقع جزئية في جهة مخصوصة بمقدار مخصوص بل لا يزال يتجدد للإنسان ~~في توجهه إلى البيت تصور بعد تصور للمكان الذي يتخطاه والجهة التي يسلكها، ~~ويتبع كل تصور جزئي إرادة جزئية للحركة عن المحل الموصول إليه بالحركة. ~~فهذا ما أرادوه بالإرادة الجزئية التابعة للتصور الجزئي وهو مسلم لأن ~~الجهات متعددة في التوجه إلى مكة والمسافة غير متعينة، فيفتقر تعين مكان عن ~~مكان وجهة عن جهة إلى إرادة أخرى جزئية. ### | لا في شأن الفلك # وأما الحركة السماوية فلها وجه واحد فإن الكرة إنما تتحرك على نفسها وفي ~~حيزها لا تجاوزها، والحركة مرادة وليس ثم إلا وجه واحد وجسم واحد وصوب ~~واحد، فهو كهوى الحجر إلى أسفل فإنه يطلب الأرض في أقرب طريق، وأقرب الطرق ~~الخط المستقيم، فتعين الخط المستقيم فلو يفتقر فيه إلى تجدد سبب حادث سوى ~~الطبيعة الكلية الطالبة للمركز مع تجدد القرب والبعد والوصول إلى حد ~~والصدور عنه، فكذلك يكفي في تلك الحركة الإرادة الكلية للحركة ولا يفتقر ~~إلى مزيد. # PageV01P228 # فهذه مقدمة تحكموا بوضعها. ### | نبطل معرفة لوازم الحركة # المقدمة الثالثة وهي التحكم البعيد جدا قولهم إنه إذا تصور الحركات ~~الجزئية تصور أيضا توابعها ولوازمها، وهذا هوس محض كقول القائل إن الإنسان ~~إذا تحرك وعرف حركته ينبغي أن يعرف ما يلزم من حركته من موازاة ومجاوزة، ~~وهو نسبته إلى الأجسام التي فوقه وتحته ومن جوانبه، وأنه إذا مشى في شمس ~~ينبغي أن يعلم المواضع التي عليها ظله والمواضع التي لا يقع وما يحصل من ~~ظله من البرودة بقطع الشعاع في تلك المواضع وما يحصل من الإنضغاط لأجزاء ~~الأرض تحت قدمه وما يحصل من التفرق فيها وما يحصل في أخلاطه ms112 في الباطن من ~~الاستحالة بسبب الحركة إلى الحرارة وما يستحيل من أجزائه إلى العرق وهلم ~~جرا إلى جميع الحوادث في بدنه وفي غيره من بدنه مما الحركة علة فيه أو شرط ~~أو مهيء ومعد، وهو هوس لا يتخيله عاقل ولا يغتر به إلا جاهل، وإلى هذا يرجع ~~هذا التحكم. ### | الجزئيات المعلولة لنفس الفلك قد لا تكون الموجودة في الحال فقط. # على أنا نقول: هذه الجزئيات المفصلة المعلومة لنفس الفلك هي الموجودة في ~~الحال أو ينضاف إليها ما يتوقع كونها في الاستقبال. فإن قصرتموه على ~~الموجود في الحال بطل إطلاعه على الغيب وإطلاع الأنبياء في اليقظة وسائر ~~الخلق في النوم على ما سيكون في الاستقبال بواسطة، ثم بطل مقتضى الدليل ~~فإنه تحكم بأن من عرف الشيء عرف لوازمه وتوابعه، حتى لو عرفنا جميع أسباب ~~الأشياء لعرفنا جميع الحوادث المستقبلة، وأسباب جميع الحوادث حاضرة في ~~الحال فإنها هي الحركة السماوية ولكن تقتضي المسبب إما بواسطة أو بوسائط ~~كثيرة. ### | ولا في الاستقبال إلى غير نهاية. # وإذا تعدى إلى المستقبل لم يكن له آخر فكيف يعرف تفصيل # PageV01P229 # الجزئيات في الاستقبال إلى غير نهاية وكيف يجتمع في نفس مخلوق في حالة ~~واحدة من غير تعاقب علوم جزئية مفصلة لا نهاية لأعدادها ولا غاية لآحادها؟ ~~ومن لا يشهد له عقله باستحالة ذلك فلييأس من عقله. ### | نفس الفلك أشبه بنفس الإنسان # فإن قلبوا هذا علينا في علم الله فليس تعلق علم الله بالاتفاق بمعلوماته ~~على نحو تعلق العلوم التي هي للمخلوقات، بل مهما دار نفس الفلك دورة نفس ~~الإنسان كان من قبيل نفس الإنسان فإنه شاركه في كونه مدركا للجزئيات ~~بواسطة، فإن لم يلتحق به قطعا كان الغالب على الظن أنه من قبيله، فإن لم ~~يكن غالبا على الظن فهو ممكن، والإمكان يبطل دعواهم القطع بما قطعوا به. ### | قولهم إن نفس الإنسان تدرك جميع الأشياء لولا انشغالها # فإن قيل: حق النفس الإنسانية في جوهرها أن تدرك أيضا جميع الأشياء ولكن ~~اشتغالها بنتائج الشهوة والغضب والحرص والحقد والحسد ms113 والجوع والألم ~~وبالجملة عوارض البدن وما يورده الحواس عليه، حتى إذا أقبلت النفس ~~الإنسانية على شيء واحد شغلها عن غيره. وأما النفوس الفلكية فبرية عن هذه ~~الصفات لا يعتريها شاغل ولا يستغرقها هم وألم وإحساس فعرفت جميع الأشياء. ### | قولنا لعل نفس الفلك تنشغل # قلنا: وبم عرفتم أنه لا شاغل لها؟ وهلا كانت عبادتها واشتياقها إلى الأول ~~مستغرقا لها وشاغلا لها عن تصور الجزئيات المفصلة؟ أو ما الذي يحيل تقدير ~~مانع آخر سوى الغضب والشهوة وهذه الموانع المحسوسة؟ ومن أين عرف انحصار ~~المانع في القدر الذي شاهدناه من أنفسنا، وفي العقلاء شواغل من علو الهمة ~~وطلب الرئاسة ما يستحيل تصوره عند الأطفال ولا يعتقدونها شاغلا ومانعا، فمن ~~أين يعرف استحالة # PageV01P230 # ما يقوم مقامها في النفوس الفلكية؟ ### | فهذا ما أردنا أن نذكره في "العلوم الإلهية" # هذا ما أردنا أن نذكره في العلوم الملقبة عندهم بالإلهية. # PageV01P231 ### | أما الملقب بالطبيعيات وهي علوم كثيرة # وصفها # نذكر أقسامها ليعرف أن الشرع ليس يقتضي المنازعة فيها ولا إنكارها إلا في ~~مواضع ذكرناها. وهي منقسمة إلى أصول وفروع. # و ### | أصولها ثمانية # أقسام: # أصولها ثمانية # الأول يذكر فيه ما يلحق الجسم من حيث أنه جسم من الانقسام والحركة ~~والتغير، وما يلحق الحركة ويتبعه من الزمان والمكان والخلاء، ويشتمل عليه ~~كتاب سمع الكيان. الثاني يعرف أحوال أقسام أركان العالم التي هي السموات ~~وما في مقعر فلك القمر من العناصر الأربعة وطبائعها وعلة استحقاق كل واحد ~~منها موضعا متعينا، ويشتمل عليه كتاب السماء والعالم. الثالث يعرف فيه ~~أحوال الكون والفساد والتولد والتوالد والنشوء والبلى والاستحالات وكيفية ~~استبقاء الأنواع على فساد الأشخاص بالحركتين السماويتين الشرقية والغربية، ~~ويشتمل عليه كتاب الكون والفساد. الرابع في الأحوال التي تعرض للعناصر ~~الأربعة من الإمتزاجات التي منها تحدث الآثار العلوية من الغيوم والأمطار ~~والرعد والبرق والهالة وقوس قزح والصواعق والرياح والزلازل. الخامس في ~~الجواهر المعدنية. السادس في أحكام النبات. # PageV01P232 # السابع في الحيوانات وفيه كتاب طبائع الحيوانات. الثامن في النفس ~~الحيوانية والقوى الدراكة وأن نفس الإنسان لا يموت ms114 بموت البدن وأنه جوهر ~~روحاني يستحيل عليه الفناء. ### | وفروعها سبعة # أما فروعها فسبعة: # الأول الطب ومقصوده معرفة مبادئ بدن الإنسان وأحواله من الصحة والمرض ~~وأسبابها ودلائلها ليدفع المرض ويحفظ الصحة. الثاني في أحكام النجوم وهو ~~تخمين في الاستدلال من أشكال الكواكب وامتزاجاتها على ما يكون من أحوال ~~العالم والملك والمواليد والسنين. الثالث علم الفراسة وهو استدلال من الخلق ~~على الأخلاق. الرابع التعبير وهو استدلال من المتخيلات الحلمية على ما ~~شاهدته النفس من عالم الغيب فخيلته القوة المتخيلة بمثال غيره. الخامس علم ~~الطلسمات وهو تأليف للقوى السماوية بقوى بعض الأجرام الأرضية ليأتلف من ذلك ~~قوة تفعل فعلا غريبا في العالم الأرضي. السادس علم النيرنجات وهو مزج قوى ~~الجواهر الأرضية ليحدث منه أمور غريبة. السابع علم الكيمياء ومقصوده تبديل ~~خواص الجواهر المعدنية ليتوصل إلى تحصيل الذهب والفضة بنوع من الحيل. ### | لا نخالفهم شرعا في شيء منها # وليس يلزم مخالفتهم شرعا في شيء من هذه العلوم وإنما نخالفهم من جملة هذه ~~العلوم في أربعة مسائل: ### | نخالفهم في أربعة مسائل # الأولى حكمهم بأن هذا الاقتران المشاهد في الوجود بين الأسباب # PageV01P233 # والمسببات اقتران تلازم بالضرورة، فليس في المقدور ولا في الإمكان إيجاد ~~السبب دون المسبب ولا وجود المسبب دون السبب. # الثانية قولهم إن النفوس الإنسانية جواهر قائمة بأنفسها ليست منطبعة في ~~الجسم وإن معنى الموت انقطاع علاقتها عن البدن بانقطاع التدبير وإلا فهو ~~قائم بنفسه في كل حال. وزعموا أن ذلك عرف بالبرهان العقلي. # الثالثة قولهم إن هذه النفوس يستحيل عليها العدم بل هي إذا وجدت فهي ~~أبدية سرمدية لا يتصور فناؤها. # والرابعة قولهم: يستحيل رد هذه النفوس إلى الأجساد. # المسألة الأولى: لإثبات المعجزات فقط وإنما يلزم النزاع في الأولى من حيث ~~أنه ينبنى عليها إثبات المعجزات الخارقة للعادة من قلب العصا ثعبانا وإحياء ~~الموتى وشق القمر. ومن جعل مجاري العادات لازمة لزوما ضروريا أحال جميع ~~ذلك. وأولوا ما في القرآن من إحياء الموتى وقالوا: أراد به إزالة موت الجهل ~~بحياة العلم. وأولوا تلقف العصا ms115 سحر السحرة على إبطال الحجة الإلهية ~~الظاهرة على يد موسى شبهات المنكرين، وأما شق القمر فربما أنكروا وجوده ~~وزعموا أنه لو يتواتر. ### | قولهم لا تكون المعجزات إلا في القوة المتخيلة # ولم يثبت الفلاسفة من المعجزات الخارقة للعادات إلا في ثلثة أمور: أحدها ~~في القوة المتخيلة، فإنهم زعموا أنها إذا استولت وقويت ولم يستغرقها الحواس ~~والاشتغال اطلعت على اللوح المحفوظ وانطبع فيها صور الجزئيات الكائنة في ~~المستقبل وذلك في اليقظة للأنبياء ولسائر الناس في النوم، فهذه خاصية ~~النبوة للقوة المتخيلة. ### | وفي القوة العقلية، لأن البعض ينتبهون في أسرع الأوقات وأقربها # الثانية خاصية في القوة العقلية النظرية وهو راجع إلى قوة الحدس وهو سرعة ~~الانتقال من معلوم إلى معلوم. فرب ذكي إذا ذكر له المدلول تنبه للدليل # PageV01P234 # وإذا ذكر له الدليل تنبه للمدلول من نفسه وبالجملة إذا خطر له الحد ~~الأوسط تنبه للنتيجة وإذا حضر في ذهنه حدا النتيجة خطر بباله الحد الأوسط ~~الجامع بين طرفي النتيجة. والناس في هذا منقسمون فمنهم من يتنبه بنفسه ~~ومنهم من يتنبه بأدنى تنبيه ومنهم من لا يدرك مع التنبيه إلا بتعب كثير. ~~وإذا جاز أن ينتهي طرف النقصان إلى من لا حدس له أصلا حتى لا يتهيأ لفهم ~~المعقولات مع التنبيه جاز أن ينتهي طرف القوة والزيادة إلى أن ينتبه لكل ~~المعقولات أو لأكثرها وفي أسرع الأوقات وأقربها. ### | ولا سيما النبي # ويختلف ذلك بالكمية في جميع المطالب أو بعضها وفي الكيفية حتى يتفاوت في ~~السرعة والقرب. فرب نفس مقدسة صافية يستمر حدسها في جميع المعقولات وفي ~~أسرع الأوقات. فهو النبي الذي له معجزة من القوة النظرية فلا يحتاج في ~~المعقولات إلى تعلم بل كأنه يتعلم من نفسه، وهو الذي وصف بأنه يكاد زيتها ~~يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور. ### | وفي القوة النفسية العملية وهي تنفعل بها أعضاء البدن # الثالث القوة النفسية العملية، وقد تنتهي إلى حد تتأثر بها الطبيعيات ~~وتتسخر. ومثاله أن النفس منا إذا توهم شيئا خدمته الأعضاء والقوى التي فيها ~~فحركت ms116 إلى الجهة المتخيلة المطلوبة، حتى إذا توهم شيئا طيب المذاق تحلبت ~~أشداقه وانتهضت القوة الملعبة فياضة باللعاب من معادنها، وإذا تصور الوقاع ~~انتهضت القوة فنشرت الآلة، بل إذا مشى على جذع ممدود على فضاء طرفاه على ~~حائطين اشتد توهمه للسقوط فانفعل الجسم بتوهمه وسقط، ولو كان ذلك على الأرض ~~لمشى عليه ولم يسقط، وذلك لأن الأجسام والقوى الجسمانية خلقت خادمة مسخرة ~~للنفوس، ويختلف ذلك باختلاف صفاء النفوس وقوتها. ### | وقد يكون الانفعال حتى في غير البدن # فلا يبعد أن تبلغ قوة النفس إلى حد تخدمه القوة الطبيعية في غير بدنه لأن ~~نفسه ليست منطبعة في بدنه إلا أن له نوع ونزوع وشوق إلى تدبيره خلق ذلك في ~~جبلته فإذا جاز # PageV01P235 # أن تطيعه أجسام بدنه لم يمتنع أن يطيعه غيره، فيتطلع نفسه إلى هبوب ريح ~~أو نزول مطر أو هجوم صاعقة أو تزلزل أرض لتخسف بقوم، وذلك موقوف حصوله على ~~حدوث برودة أو سخونة أو حركة في الهواء، فيحدث في نفسه تلك السخونة ~~والبرودة ويتولد منه هذه الأمور من غير حضور سبب طبيعي ظاهر، ويكون ذلك ~~معجزة للنبي ولكنه إنما يحصل ذلك في هواء مستعد للقبول ولا ينتهي إلى أن ~~ينقلب الخشب حيوانا وينفلق القمر الذي لا يقبل الإنخراق. ### | قولنا هذا لا ننكره، ولكنا نثبت معجزات غيرها يستثنونها # فهذا مذهبهم في المعجزات ونحن لا ننكر شيئا مما ذكروه وأن ذلك مما يكون ~~للأنبياء وإنما ننكر اقتصارهم عليه ومنعهم قلب العصا ثعبانا وإحياء الموتى ~~وغيره فلزم الخوض في هذه المسألة لإثبات المعجزات ولأمر آخر وهو نصرة ما ~~أطبق عليه المسلمون من أن الله قادر على كل شيء. فلنخض في المقصود. # PageV01P236 ### | مسألة الاقتران بين ما يعتقد في العادة # سببا وما يعتقد مسببا ليس ضروريا # الاقتران بين ما يعتقد في العادة سببا وما يعتقد مسببا ليس ضروريا عندنا ~~بل كل شيئين ليس هذا ذاك ولا ذاك هذا، ولا إثبات أحدهما متضمن لإثبات الآخر ~~ولا نفيه متضمن لنفي الآخر، فليس من ضرورة وجود أحدهما وجود الآخر ms117 ولا من ~~ضرورة عدم أحدهما عدم الآخر مثل الري والشرب والشبع والأكل والاحتراق ولقاء ~~النار والنور وطلوع الشمس والموت وجز الرقبة والشفاء وشرب الدواء وإسهال ~~البطن واستعمال المسهل وهلم جرا إلى كل المشاهدات من المقترنات في الطب ~~والنجوم والصناعات والحرف، وإن اقترانها لما سبق من تقدير الله سبحانه ~~يخلقها على التساوق لا لكونه ضروريا في نفسه غير قابل للفرق بل في المقدور ~~خلق الشبع دون الأكل وخلق الموت دون جز الرقبة وإدامة الحيوة مع جز الرقبة ~~وهلم جرا إلى جميع المقترنات، وأنكر الفلاسفة إمكانه وادعوا استحالته. ### | مثلا النار والقطن # والنظر في هذه الأمور الخارجة عن الحصر يطول، فلنعين مثالا واحدا وهو ~~الاحتراق في القطن مثلا مع ملاقاة النار، فإنا نجوز وقوع الملاقاة بينهما ~~دون الاحتراق ونجوز حدوث انقلاب القطن رمادا محترقا دون ملاقاة النار وهم ~~ينكرون جوازه. ### | قول الخصم فاعل الاحتراق هو النار فقط وهو فاعل بالطبع # وللكلام في المسألة ثلثة مقامات: المقام الأول أن يدعي الخصم أن فاعل ~~الاحتراق هو النار فقط # PageV01P237 # وهو فاعل بالطبع لا بالاختيار فلا يمكنه الكف عما هو طبعه بعد ملاقاته ~~لمحل قابل له. ### | قولنا فاعل الاحتراق ليس هو النار بل الله # وهذا مما ننكره بل نقول: فاعل الاحتراق بخلق السواد في القطن والتفرق في ~~أجزائه وجعله حراقا أو رمادا هو الله إما بواسطة الملائكة أو بغير واسطة، ~~فأما النار وهي جماد فلا فعل لها. ### | وهذا يكون بالحصول عنده لا بالحصول به # فما الدليل على أنها الفاعل وليس له دليل إلا مشاهدة حصول الاحتراق عند ~~ملاقاة النار؟ والمشاهدة تدل على الحصول عنده ولا تدل على الحصول به وأنه ~~لا علة سواه، إذ لا خلاف في أن انسلاك الروح # PageV01P238 # والقوى المدركة والمحركة في نطفة الحيوانات ليس يتولد عن الطبائع ~~المحصورة في الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ولا أن الأب فاعل ابنه ~~بإيداع النطفة في الرحم ولا هو فاعل حيوته وبصره وسمعه وسائر المعاني التي ~~هي فيه، ومعلوم أنها موجودة عنده، ولم نقل أنها موجودة به بل وجودها ms118 من جهة ~~الأول إما بغير واسطة وإما بواسطة الملائكة الموكلين بهذه الأمور الحادثة، ~~وهذا مما يقطع به الفلاسفة القائلون بالصانع والكلام معهم فقد تبين أن ~~الوجود عند الشيء لا يدل على أنه موجود به. # فالأكمه إذا بصر فجأة ورأى الألوان لا يعلم أن نور الشمس هو السبب في ~~انطباعها في بصره بل نبين هذا بمثال وهو أن الأكمه لو كان في عينه غشاوة ~~ولم يسمع من الناس الفرق بين الليل والنهار لو انكشفت الغشاوة عن عينه ~~نهارا وفتح أجفانه فرأى الألوان ظن أن الإدراك الحاصل في عينه لصور الألوان ~~فاعله فتح البصر وأنه مهما كان بصره سليما ومفتوحا والحجاب # PageV01P239 # مرتفعا والشخص المقابل متلونا فيلزم لا محالة أن يبصر، ولا يعقل أن لا ~~يبصر حتى إذا غربت الشمس وأظلم الهواء علم أن نور الشمس هو السبب في انطباع ~~الألوان في بصره. فمن أين يأمن الخصم أن يكون في المبادئ للوجود علل وأسباب ~~يفيض منها الحوادث عند حصول ملاقاة بينها؟ إلا أنها ثابتة ليست تنعدم ولا ~~هي أجسام متحركة فتغيب، ولو انعدمت أو غابت لأدركنا التفرقة وفهمنا أن ثم ~~سببا وراء ما شاهدناه، وهذا لا مخرج منه على قياس أصلهم. ### $ وواهب الصور ... ! # ولهذا اتفق محققوهم على أن هذه الأعراض والحوادث التي تحصل عند وقوع ~~الملاقاة بين الأجسام وعلى الجملة عند اختلاف نسبها إنما تفيض من عند واهب ~~الصور وهو ملك أو ملائكة، حتى قالوا: انطباع صورة الألوان في العين يحصل من ~~جهة واهب الصور وإنما طلوع الشمس والحدقة السليمة والجسم المتلون معدات ~~ومهيئات لقبول المحل هذه الصورة، وطردوا هذا في كل حادث، وبهذا يبطل دعوى ~~من يدعي أن النار هي الفاعلة للاحتراق والخبز هو الفاعل للشبع والدواء هو ~~الفاعل للصحة إلى غير ذلك من الأسباب. ### | قولهم الحوادث تفيض من المبادئ باللزوم والطبع # ولكن الاستعداد لقبول الصور يحصل بهذه الأسباب # المقام الثاني مع من يسلم أن هذه الحوادث تفيض من مبادئ الحوادث ولكن ~~الاستعداد لقبول الصور يحصل بهذه الأسباب المشاهدة الحاضرة، إلا أن ms119 تيك ~~المبادئ أيضا تصدر الأشياء عنها باللزوم والطبع لا على سبيل التروي ~~والاختيار صدور النور من الشمس، وإنما افترقت المحال في القبول لاختلاف ~~استعدادها فإن الجسم الصقيل يقبل شعاع الشمس ويرده حتى يستضيء به موضع آخر ~~والمدر لا يقبل والهواء لا يمنع نفوذ نوره والحجر يمنع وبعض الأشياء يلين ~~بالشمس وبعضها يتصلب وبعضها يبيض كثوب القصار وبعضها يسود كوجهه، والمبدأ ~~واحد والآثار مختلفة لاختلاف الاستعدادات في المحل، # PageV01P240 # فكذى مبادئ الوجود فياضة بما هو صادر منها لا منع عندها ولا بخل وإنما ~~التقصير من القوابل. ### | فلا يمكن لإبراهيم ألا يكون قد احترق # وإذا كان كذلك فمهما فرضنا النار بصفتها وفرضنا قطنتين متماثلتين لاقتا ~~النار على وتيرة واحدة فكيف يتصور أن تحترق إحديهما دون الأخرى وليس ثم ~~اختيار؟ وعن هذا المعنى أنكروا وقوع إبراهيم في النار مع عدم الاحتراق ~~وبقاء النار نارا وزعموا أن ذلك لا يمكن إلا بسلب الحرارة من النار وذلك ~~يخرجه عن كونه نارا أو بقلب ذات إبراهيم وبدنه حجرا أو شيئا لا يؤثر فيه ~~النار، ولا هذا ممكن ولا ذاك ممكن. ### | جوابنا إن الله يفعل بالإرادة # والجواب له مسلكان: الأول أن نقول: لا نسلم أن المبادي ليست تفعل ~~بالاختيار وأن الله لا يفعل بالإرادة، وقد فرغنا عن إبطال دعواهم في ذلك في ~~مسألة حدث العالم. وإذا ثبت أن الفاعل يخلق الاحتراق بإرادته عند ملاقاة ~~القطنة النار أمكن في العقل أن لا يخلق مع وجود الملاقاة. ### | قولهم أفلا أرى بين يدي سباعا ضارية؟ # فإن قيل: فهذا يجر إلى ارتكاب محالات شنيعة، فإنه إذا أنكرت لزوم ~~المسببات عن أسبابها وأضيف إلى إرادة مخترعها ولم يكن للإرادة أيضا منهج ~~مخصوص متعين بل أمكن تفننه وتنوعه فليجوز كل واحد منا أن يكون بين يديه ~~سباع ضارية ونيران مشتعلة وجبال راسية وأعداء مستعدة بالأسلحة وهو لا يراها ~~لأن الله تعالى ليس يخلق الرؤية له. ### | إذا وضعت كتابا في بيتي أفلا أعلم أنه انقلب غلاما؟ # ومن وضع كتابا في بيته فليجوز أن يكون قد ms120 انقلب عند رجوعه إلى بيته غلاما ~~أمرد عاقلا متصرفا أو انقلب حيوانا، أو ترك غلاما في بيته فليجوز انقلابه ~~كلبا أو ترك الرماد فليجوز # PageV01P241 # انقلابه مسكا وانقلاب الحجر ذهبا والذهب حجرا. وإذا سئل عن شيء من هذا ~~فينبغي أن يقول: لا أدري ما في البيت الآن وإنما القدر الذي أعلمه أني تركت ~~في البيت كتابا ولعله الآن فرس وقد لطخ بيت الكتب ببوله وروثه، وإني تركت ~~في البيت جرة من الماء ولعلها انقلبت شجرة تفاح، فإن الله قادر على كل شيء ~~وليس من ضرورة الفرس أن يخلق من النطفة ولا من ضرورة الشجرة أن تخلق من ~~البذر بل ليس من ضرورته أن يخلق شيء فلعله خلق أشياء لم يكن لها وجود من ~~قبل، بل إذا نظر إلى إنسان لم يره إلا الآن وقيل له: هل هذا مولود:؟ ~~فليتردد وليقل يحتمل أن يكون بعض الفواكه في السوق قد انقلب إنسانا وهو ذلك ~~الإنسان فإن الله قادر على كل شيء ممكن وهذا ممكن فلا بد من التردد فيه، ~~وهذا فن يتسع المجال في تصويره وهذا القدر كاف فيه. ### | قولنا إن الله يخلق لنا علما بأن هذه الممكنات لم يعلمها # والجواب أن نقول: إن ثبت أن الممكن كونه لا يجوز أن يخلق # PageV01P244 # للإنسان علم بعدم كونه لزم هذه المحالات. ونحن لا نشك في هذه الصور التي ~~أوردتموها فإن الله خلق لنا علما بأن هذه الممكنات لم يفعلها، ولم ندع أن ~~هذه الأمور واجبة بل هي ممكنة يجوز أن تقع ويجوز أن لا تقع، واستمرار ~~العادة بها مرة بعد أخرى يرسخ في أذهاننا جريانها على وفق العادة الماضية ~~ترسخا لا تنفك عنه. ### | العلم بحدوث الممكن يجوز للنبي لا للعامي # بل يجوز أن يعلم نبي من الأنبياء بالطرق التي ذكرتموها أن فلانا لا يقدم ~~من سفره غدا، وقدومه ممكن ولكن يعلم عدم وقوع ذلك الممكن، بل كما ينظر إلى ~~العامي فيعلم أنه ليس يعلم الغيب في أمر من الأمور ولا يدرك المعقولات من ~~غير تعلم، ms121 ومع ذلك فلا ينكر أن تتقوى نفسه وحدسه بحيث يدرك ما يدركه ~~الأنبياء على ما اعترفوا بإمكانه، ولكن يعلمون أن ذلك لم يقع، فإن خرق الله ~~العادة بإيقاعها في زمان خرق العادات فيها انسلت هذه العلوم عن القلوب ولم ~~يخلقها. فلا مانع إذن من أن يكون الشيء ممكنا في مقدورات الله ويكون قد جرى ~~في سابق علمه أنه لا يفعله مع إمكانه في بعض الأوقات ويخلق # PageV01P245 # لنا العلم بأنه ليس يفعله في ذلك الوقت، فليس في هذا الكلام إلا تشنيع ~~محض. ### | إن الله يغير صفة النار أو صفة إبراهيم # المسلك الثاني وفيه الخلاص من هذه التشنيعات وهو أن نسلم أن النار خلقت ~~خلقة إذا لاقاها قطنتان متماثلتان أحرقتهما ولم تفرق بينهما إذا تماثلتا من ~~كل وجه، ولكنا مع هذا نجوز أن يلقى نبي في النار فلا يحترق إما بتغيير صفة ~~النار أو بتغيير صفة النبي فيحدث من الله أو من الملائكة صفة في النار يقصر ~~سخونتها على جسمها بحيث لا تتعداه فيبقى معها سخونتها وتكون على صورة النار ~~وحقيقتها ولكن لا تتعدى سخونتها وأثرها أو يحدث في بدن الشخص صفة ولا يخرجه ~~عن كونه لحما وعظما فيدفع أثر النار. ### | من يطلي نفسه بالطلق لا يتأثر بالنار # فإنا نرى من يطلي نفسه بالطلق ثم يقعد في تنور موقدة ولا يتأثر به. والذي ~~لم يشاهد ذلك ينكره. فإنكار الخصم اشتمال القدرة على إثبات صفة من الصفات ~~في النار أو في البدن يمنع الاحتراق كإنكار من لم يشاهد الطلق وأثره. وفي ~~مقدورات الله غرائب وعجائب ونحن لم نشاهد جميعها، فلم ينبغي أن ننكر ~~إمكانها ونحكم باستحالتها؟ ### | إن الله يغير الأشياء في وقت أقرب مما عهد فيه # وكذلك إحياء الميت وقلب العصا ثعبانا يمكن بهذا الطريق وهو أن المادة ~~قابلة لكل شيء فالتراب وسائر العناصر يستحيل نباتا ثم النبات يستحيل عند ~~أكل الحيوان دما ثم الدم يستحيل منيا ثم المني ينصب في الرحم فيتخلق ~~حيوانا، وهذا بحكم العادة واقع في زمان متطاول فلم يحيل ms122 الخصم أن يكون في ~~مقدور الله أن يدير المادة في هذه الأطوار في وقت أقرب مما عهد فيه، وإذا ~~جاز في وقت أقرب فلا ضبط للأقل فتستعجل هذه القوى في عملها ويحصل به ما هو ~~معجزة النبي. # PageV01P246 ### | اعتراض أيصدر هنا من نفس النبي أم من مبدأ آخر؟ # فإن قيل: وهذا يصدر من نفس النبي أو من مبدأ آخر من المبادئ عند اقتراح ~~النبي. ### | قولنا من الله لإثبات النبوة # قلنا: وما سلمتموه من جواز نزول الأمطار والصواعق وتزلزل الأرض بقوة نفس ~~النبي يحصل منه أو من مبدأ آخر. فقولنا في هذا كقولكم في ذاك والأولى بنا ~~وبكم إضافة ذلك إلى الله إما بغير واسطة أو بواسطة الملائكة. ولكن وقت ~~استحقاق حصولها انصراف همة النبي إليه وتعين نظام الخير في ظهوره لاستمرار ~~نظام الشرع فيكون ذلك مرجحا جهة الوجود ويكون الشيء في نفسه ممكنا والمبدأ ~~به سمحا جوادا، ولكن لا يفيض منه إلا إذا ترجحت الحاجة إلى وجوده وصار ~~الخير، متعينا فيه، ولا يصير الخير متعينا فيه إلا إذا احتاج نبي في إثبات ~~نبوته إليه لإفاضة الخير. ### | هذا لائق بمساق كلامهم ولازم لهم # فهذا كله لائق بمساق كلامهم ولازم لهم مهما فتحوا باب الاختصاص للنبي ~~بخاصية تخالف عادة الناس، فإن مقادير ذلك الاختصاص لا ينضبط في العقل ~~إمكانه فلم يجب معه التكذيب لما تواتر نقله وورد الشرع بتصديقه. ### | تقبل الصور مختلفة بسبب اختلاف الاستعداد # وعلى الجملة لما كان لا يقبل صورة الحيوان إلا النطفة وإنما تفيض القوى ~~الحيوانية عليها من الملائكة التي هي مبادي الموجودات عندهم ولم يتخلق قط ~~من نطفة الإنسان إلا إنسان ومن نطفة الفرس إلا فرس من حيث أن حصوله من ~~الفرس أوجب ترجيحا لمناسبة صورة الفرس على سائر الصور فلم يقبل إلا الصورة ~~المترجحة بهذا الطريق، ولذلك لم ينبت قط من الشعير حنطة ولا من بذر الكمثرى ~~تفاح. ثم رأينا أجناسا من الحيوانات تتولد من التراب ولا تتوالد قط ~~كالديدان ومنها ما يتولد ويتوالد جميعا كالفار والحية والعقرب ms123 وكان تولدها ~~من التراب ويختلف استعدادها لقبول الصور بأمور غابت عنا ولم يكن في القوة ~~البشرية الإطلاع عليها، إذ ليس تفيض الصور عندهم من الملائكة بالتشهي ولا ~~جزافا بل لا يفيض # PageV01P247 # على كل محل إلا ما تعين قبوله له بكونه مستعدا في نفسه، والاستعدادات ~~مختلفة ومبادئها عندهم امتزاجات الكواكب واختلاف نسب الأجرام العلوية في ~~حركاتها. ### | مبادىء الاستعدادات فيها غرائب وعجائب # فقد انفتح من هذا أن مبادىء الاستعدادات فيها غرائب وعجائب حتى توصل ~~أرباب الطلسمات من علم خواص الجواهر المعدنية وعلم النجوم إلى مزج القوى ~~السماوية بالخواص المعدنية فاتخذوا أشكالا من هذه الأرضية وطلبوا لها طالعا ~~مخصوصا من الطوالع وأحدثوا بها أمورا غريبة في العالم فربما دفعوا الحية ~~والعقرب عن بلد والبق عن بلد إلى غير ذلك من أمور تعرف من علم الطلسمات. ### | لماذا لا يحصل هذا في أقرب زمان فتكون معجزة؟ # فإذا خرجت عن الضبط مبادىء الاستعدادات ولم نقف على كنهها ولم يكن لنا ~~سبيل إلى حصرها فمن أين نعلم استحالة حصول الاستعداد في بعض الأجسام ~~للاستحالة في الأطوار في أقرب زمان حتى يستعد لقبول صورة ما كان يستعد لها ~~من قبل وينتهض ذلك معجزة؟ ما إنكار هذا إلا لضيق الحوصلة والأنس بالموجودات ~~العالية والذهول عن أسرار الله سبحانه في الخلقة والفطرة، ومن استقرأ عجائب ~~العلوم لم يستبعد من قدرة الله ما يحكى من معجزات الأنبياء بحال من ~~الأحوال. ### | اعتراض إذا حددتم المحال هكذا # فإن قيل: فنحن نساعدكم على أن كل ممكن مقدور لله وأنتم تساعدون على أن كل ~~محال فليس بمقدور، ومن الأشياء ما يعرف استحالتها ومنها ما يعرف إمكانها ~~ومنها ما يقف العقل فلا يقضي فيه باستحالة ولا إمكان. فالآن ما حد المحال ~~عندكم؟ فإن رجع إلى الجمع بين النفي والإثبات في شيء واحد فقولوا إن كل ~~شيئين ليس هذا ذاك ولا ذاك هذا فلا # PageV01P248 # يستدعي وجود أحدهما وجود الآخر. ### | فالله قادر على خلق المحال # وقولوا إن الله يقدر على خلق إرادة من غير علم بالمراد وخلق علم ms124 من غير ~~حيوة ويقدر على أن يحرك يد ميت ويقعده ويكتب بيد مجلدات ويتعاطى صناعات وهو ~~مفتوح العين محدق بصره نحوه ولكنه لا يرى ولا حيوة فيه ولا قدرة له عليه، ~~وإنما هذه الأفعال المنظومة يخلقها الله تعالى مع تحريك يده والحركة من جهة ~~الله، وبتجويز هذا يبطل الفرق بين الحركة الاختيارية وبين الرعدة فلا يدل ~~الفعل المحكم على العلم ولا على قدرة الفاعل. ### | وعلى قلب الأجناس # وينبغي أن يقدر على قلب الأجناس فيقلب الجوهر عرضا ويقلب العلم قدرة ~~والسواد بياضا والصوت رائحة كما اقتدر على قلب الجماد حيوانا والحجر ذهبا، ~~ويلزم عليه أيضا من المحالات ما لا حصر له. ### | جوابنا لا # والجواب أن المحال غير مقدور عليه والمحال إثبات الشيء مع نفيه أو إثبات ~~الأخص مع نفي الأعم أو إثبات الاثنين مع نفي الواحد، وما لا يرجع إلى هذا ~~فليس بمحال وما ليس بمحال فهو مقدور. # المحال أن يجمع بين السواد والبياض # وأن يكون الشخص في مكانين ... الخ # أما الجمع بين السواد والبياض فمحال لأنا لا نفهم من إثبات صورة السواد ~~في المحل نفي هيئة البياض ووجود السواد فإذا صار نفي البياض مفهوما من ~~إثبات السواد كان إثبات البياض مع نفيه محالا. وإنما لا يجوز كون الشخص في ~~مكانين لأنا نفهم من كونه في البيت عدم كونه في غير البيت فلا يمكن تقديره ~~في غير البيت مع كونه في البيت المفهم لنفيه عن غير البيت. # PageV01P249 # وكذلك نفهم من الإرادة طلب معلوم فإن فرض طلب ولا علم لم تكن إرادة فكان ~~فيه نفي ما فهمناه. والجماد يستحيل أن يخلق فيه العلم لأنا نفهم من الجماد ~~ما لا يدرك فإن خلق فيه إدراك فتسميته جمادا بالمعنى الذي فهمناه محال وإن ~~لم يدرك فتسميته الحادث علما ولا يدرك به محله شيئا محال فهذا وجه ~~استحالته. ### | إن الله لا يقدر على قلب الأجناس، لعدم وجود مادة مشتركة # وأما قلب الأجناس فقد قال بعض المتكلمين أنه مقدور لله فنقول: مصير الشيء ~~شيئا آخر غير ms125 معقول لأن السواد إذا انقلب قدرة مثلا فالسواد باق أم لا، فإن ~~كان معدوما فلم ينقلب بل عدم ذاك ووجد غيره وإن كان موجودا مع القدرة فلم ~~ينقلب ولكن انضاف إليه غيره وإن بقي السواد والقدرة معدومة فلم ينقلب بل ~~بقي على ما هو عليه. وإذا قلنا: انقلب الدم منيا أردنا به أن تلك المادة ~~بعينها خلعت صورة ولبست صورة أخرى فرجع الحاصل إلى أن صورة عدمت وصورة حدثت ~~وثم مادة قائمة تعاقب عليها الصورتان. وإذا قلنا: انقلب الماء هواء ~~بالتسخين أردنا به أن المادة القابلة لصورة المائية خلعت هذه الصورة وقبلت ~~صورة أخرى فالمادة مشتركة والصفة متغيرة. وكذلك إذا قلنا: انقلب العصا ~~ثعبانا والتراب حيوانا وليس بين العرض والجوهر مادة مشتركة ولا بين السواد ~~والقدرة ولا بين سائر الأجناس مادة مشتركة فكان هذا محالا من هذا الوجه. # PageV01P250 ### | إن الميت إذا حرك الله يده يكتب # وأما تحريك الله يد ميت ونصبه على صورة حي يقعد ويكتب حتى يحدث من حركة ~~يده الكتابة المنظومة فليس بمستحيل في نفسه مهما أحلنا الحوادث إلى إرادة ~~مختار وإنما هو مستنكر لاطراد العادة بخلافه. ### | لكن الدليل في علم الفاعل. # وقولكم: تبطل به دلالة أحكام الفعل على علم الفاعل، فليس كذلك فإن الفاعل ~~الآن هو الله وهو المحكم وهو فاعل به. ### | يفرق بين الحركة المختارة والرعشة في أنفسنا وفي غيرنا # وأما قولكم إنه لا يبقى فرق بين الرعشة والحركة المختارة فنقول: إنما ~~أدركنا ذلك من أنفسنا لأنا شاهدنا من أنفسنا تفرقة بين الحالتين فعبرنا عن ~~ذلك الفارق بالقدرة فعرفنا أن الواقع من القسمين الممكنين أحدهما في حالة ~~والآخر في حالة، وهو إيجاد الحركة مع القدرة عليها في حالة وإيجاد الحركة ~~دون القدرة في حالة أخرى. وأما إذا نظرنا إلى غيرنا ورأينا حركات كثيرة ~~منظومة حصل لنا علم بقدرتها، فهذه علوم يخلقها الله تعالى بمجاري العادات ~~يعرف بها وجود أحد قسمي الإمكان ولا يتبين به استحالة القسم الثاني كما ~~سبق. # PageV01P251 ### | مسألة في تعجيزهم عن إقامة البرهان العقلي ms126 # على أن النفس الإنساني جوهر روحاني قائم بنفسه لا يتحيز وليس بجسم ولا ~~منطبع في # الجسم ولا هو متصل بالبدن ولا هو منفصل عنه كما أن الله ليس خارج العالم ~~ولا داخل العالم وكذى الملائكة عندهم ### | مذهبهم في القوى وأقسامها القوى المدركة هي باطنة # والخوض في هذا يستدعي شرح مذهبهم في القوى الحيوانية والإنسانية. # والقوى الحيوائية تنقسم عندهم إلى قسمين: محركة ومدركة. # والمدركة قسمان: ظاهرة وباطنة. # والظاهرة هي الحواس الخمسة وهي معان منطبعة في الأجسام، أعني هذه القوى. # وأما الباطنة فثلثة: ### | والباطنة تنقسم إلى خيالية # إحديها القوة الخيالية في مقدمة الدماغ وراء القوة الباصرة، وفيه تبقى ~~صور الأشياء المرئية بعد تغميض العين، بل ينطبع فيها ما تورده الحواس الخمس ~~فيجتمع فيه، ويسمى الحس المشترك لذلك. ولولاه لكان من رأى العسل الأبيض ولم ~~يدرك حلاوته إلا بالذوق فإذا رآه ثانيا لا يدرك حلاوته ما لم يذق كالمرة ~~الأولى، ولكن فيه معنى يحكم بأن هذا الأبيض هو الحلو، فلا بد وأن يكون عنده ~~حاكم قد اجتمع عنده الأمر أعني اللون # PageV01P252 # والحلاوة حتى قضى عند وجود أحدهما بوجود الآخر. ### | ووهمية # والثانية القوة الوهمية وهي التي تدرك المعاني، وكان القوة الأولى تدرك ~~الصور. والمراد بالصور ما لا بد لوجوده من مادة أي جسم، والمراد بالمعاني ~~ما لا يستدعي وجوده جسما ولكن قد يعرض له أن يكون جسم كالعداوة والموافقة، ~~فإن الشاة تدرك من الذب لونه وشكله وهيئته، وذلك لا يكون إلا في جسم، وتدرك ~~أيضا كونه مخالفا لها. وتدرك السخلة شكل الأم ولونه ثم تدرك موافقته ~~وملايمته ولذلك تهرب من الذئب وتعدو خلف الأم. والمخالفة والموافقة ليس من ~~ضرورتها أن تكون في الأجسام لا كاللون والشكل ولكن قد يعرض لها أن تكون في ~~الأجسام أيضا فكانت هذه القوة مباينة للقوة الثانية وهذا محله التجويف ~~الأخير من الدماغ. ### | ومتخيلة-مفكرة # أما الثالثة فهي القوة التي تسمى في الحيوانات متخيلة وفي الإنسان مفكرة ~~وشأنها أن تركب الصور المحسوسة بعضها مع بعض وتركب المعاني على الصور، وهي ~~في ms127 التجويف الأوسط بين حافظ الصور وحافظ المعاني. ولذلك يقدر الإنسان على ~~أن يتخيل فرسا يطير وشخصا رأسه رأس إنسان وبدنه بدن فرس إلى غير ذلك من ~~التركيبات وإن لم يشاهد مثل ذلك، والأولى أن تلحق هذه القوة بالقوى المحركة ~~كما سيأتي لا بالقوى المدركة، وإنما عرفت مواضع هذه القوى بصناعة الطب فإن ~~الآفة إذا نزلت بهذه التجويفات اختلت هذه الأمور. ### | وإليها تضم القوة الحافظة والقوة الذاكرة # ثم زعموا أن القوة التي تنطبع فيها صور المحسوسات بالحواس الخمس تحفظ تلك ~~الصور حتى تبقى بعد القبول، والشيء يحفظ الشيء لا بالقوة التي بها يقبل، ~~فإن الماء يقبل ولا يحفظ والشمع يقبل برطوبته ويحفظ بيبوسته # PageV01P253 # بخلاف الماء، فكانت الحافظة بهذا الاعتبار غير القابلة فتسمى هذه قوة ~~حافظة. وكذى المعاني تنطبع في الوهمية وتحفظها قوة تسمى ذاكرة فتصير ~~الإدراكات الباطنة بهذا الاعتبار إذا ضم إليها المتخيلة خمسة كما كانت ~~الظاهرة خمسة. ### | والقوى المتحركة تنقسم إلى باعثة شهوانية وغضبية # وأما القوى المحركة فتنقسم إلى محركة على معنى أنها باعثة على الحركة ~~وإلى محركة على معنى أنها مباشرة للحركة فاعلة. # والمحركة على أنها باعثة هي القوة النزوعية الشوقية وهي التي إذا ارتسم ~~في القوة الخيالية التي ذكرناها صورة مطلوب أو مهروب عنه بعثت القوة ~~المحركة الفاعلة على التحريك. ولها شعبتان شعبة تسمى قوة شهوانية وهي قوة ~~تبعث على تحريك يقرب به من الأشياء المتخيلة ضرورية أو نافعة طلبا للذة، ~~وشعبة تسمى قوة غضبية وهي قوة تبعث على تحريك يدفع به الشيء المتخيل ضارا ~~أو مفسدا طلبا للغلبة. وبهذه القوة يتم الإجماع التام على الفعل المسمى ~~إرادة. ### | وفاعلة # وأما القوة المحركة على أنها فاعلة هي قوة تنبعث في الأعصاب والعضلات من ~~شأنها أن تشنج العضلات فتجذب الأوتار والرباطات المتصلة بالأعضاء # PageV01P254 # إلى جهة الموضع الذي فيه القوة أو ترخيها وتمددها طولا فتصير الأوتار ~~والرباطات إلى خلاف الجهة. فهذه قوى النفس الحيوانية على طريق الإجمال وترك ~~التفصيل. ### | للنفس العاقلة قوتان عملية ونظرية # فأما النفس العاقلة الإنسانية المسماة الناطقة عندهم، ms128 والمراد بالناطقة ~~العاقلة لأن النطق أخص ثمرات العقل في الظاهر، فنسبت إليه فلها قوتان: قوة ~~عالمة وقوة عاملة، وقد يسمى كل واحدة عقلا ولكن باشتراك الاسم. فالعاملة ~~قوة هي مبدأ محرك لبدن الإنسان إلى الصناعات المرتبة الإنسانية المستنبط ~~ترتيبها بالروية الخاصة بالإنسان. وأما العالمة فهي التي تسمى النظرية وهي ~~قوة من شأنها أن تدرك حقائق المعقولات المجردة عن المادة والمكان والجهات، ~~وهي القضايا الكلية التي يسميها المتكلمون أحوالا مرة ووجودها أخرى وتسميها ~~الفلاسفة الكليات المجردة. ### | ### | الأول # ى تنقاد للبدن، والثانية مأخوذة من الملائكة # فإذن للنفس قوتان بالقياس إلى جنبتين: القوة النظرية بالقياس إلى جنبة ~~الملائكة إذ بها تأخذ من الملائكة العلوم الحقيقية، وينبغي أن تكون هذه ~~القوة دائمة القبول من جهة فوق. والقوة العملية لها بالنسبة إلى أسفل وهي ~~جهة البدن وتدبيره وإصلاح الأخلاق، وهذه القوة ينبغي أن تتسلط على سائر ~~القوى البدنية وأن تكون سائر القوى متأدبة بتأديبها مقهورة دونها حتى لا ~~تنفعل ولا تتأثر هي عنها بل تنفعل تلك القوى عنها لئلا يحدث في النفس من ~~الصفات البدنية # PageV01P255 # هيآت انقيادية تسمى رذائل بل تكون هي الغالبة ليحصل للنفس بسببها هيآت ~~تسمى فضائل. ### | هذه كلها لا تنكر # فهذا إيجاز ما فصلوه من القوى الحيوانية والإنسانية وطولوا بذكرها مع ~~الإعراض عن ذكر القوى النباتية إذ لا حاجة إلى ذكرها في غرضنا. وليس شيء ~~مما ذكروه مما يجب إنكاره في الشرع فإنها أمور مشاهدة أجرى الله العادة ~~بها. ### | اعتراضنا عليهم لأنهم يقصدون الدلالة # وإنما نريد أن نعترض الآن على دعواهم معرفة كون النفس جوهرا قائما بنفسه ~~ببراهين العقل. ولسنا نعترض اعتراض من يبعد ذلك من قدرة الله أو يرى أن ~~الشرع جاء بنقيضه بل ربما نبين في تفصيل الحشر والنشر أن الشرع مصدق له، ~~ولكنا ننكر دعواهم دلالة مجرد العقل عليه والاستغناء عن الشرع فيه. # فلنطالبهم بالأدلة ولهم فيه براهين كثيرة بزعمهم. # الأول ### | دليلهم الأول أن محل العلم لا ينقسم، فهو ليس جسما # قولهم إن العلوم العقلية تحل محل النفس الإنساني ms129 وهي محصورة وفيها آحاد ~~لا تنقسم فلا بد وأن يكون محله أيضا لا ينقسم، وكل جسم فمنقسم فدل أن محله ~~شيء لا ينقسم. ويمكن إيراد هذا على شرط المنطق بأشكاله ولكن أقربه أن يقال ~~إن كان محل العلم جسما منقسما فالعلم الحال أيضا منقسم لكن العلم الحال غير ~~منقسم فالمحل ليس جسما. وهذا هو قياس شرطي استثنى فيه نقيض التالي # PageV01P256 # فينتج نقيض المقدم بالاتفاق فلا نظر في صحة شكل القياس ولا أيضا في ~~المقدمتين فإن الأول قولنا إن كل حال في منقسم ينقسم لا محالة بفرض القسمة ~~في محله وهو أولي لا يمكن التشكك فيه، والثاني قولنا إن العلم الواحد يحل ~~في الآدمي وهو لا ينقسم لأنه لو انقسم إلى غير نهاية كان محالا وإن كان له ~~نهاية فيشتمل على آحاد لا محالة لا تنقسم. وعلى الجملة نحن نعلم أشياء ولا ~~نقدر أن نفرض زوال بعضها وبقاء بعض من حيث أنه لا بعض لها. ### | اعتراضنا لماذا لا يكون محل العلم جوهرا فردا؟ # والاعتراض على مقامين: المقام الأول أن يقال: بم تنكرون على من يقول. محل ~~العلم جوهر فرد متحيز لا ينقسم، وقد عرف هذا من مذهب المتكلمين. ولا يبقى ~~بعده إلا استبعاد وهو أنه كيف تحل العلوم كلها في جوهر فرد وتكون جميع ~~الجواهر المطيفة بها معطلة مجاورة. والاستبعاد لا خير فيه إذ يتوجه على ~~مذهبهم أيضا أنه كيف تكون النفس شيئا واحدا لا يتحيز ولا يشار إليه ولا ~~يكون داخل البدن ولا خارجه ولا متصلا بالجسم ولا منفصلا عنه. ### | لكن هذه المسألة يطول حلها # إلا أنا لا نؤثر هذا المقام فإن القول في مسألة الجزء الذي لا يتجزى طويل ~~ولهم فيه أدلة هندسية يطول الكلام عليها ومن جملتها قولهم: جوهر فرد بين ~~جوهرين، هل يلاقي أحد الطرفين منه عين ما يلاقيه الآخر أو غيره؟ فإن كان ~~عينه فهو محال إذ يلزم منه تلاقي الطرفين فإن ملاقي الملاقي ملاق، وإن كان ~~ما يلاقيه غيره ففيه إثبات التعدد والانقسام، وهذه شبهة ms130 يطول حلها وبنا ~~غنية عن الخوض فيها، فلنعدل إلى مقام آخر. # PageV01P257 ### | إن الشاة تدرك عداوة الذئب وهي لا تنقسم # المقام الثاني أن نقول: ما ذكرتموه من أن كل حال في جسم فينبغي أن ينقسم ~~باطل عليكم بما تدركه القوة من الشاة من عداوة الذئب فإنها في حكم شيء وحد ~~لا يتصور تقسيمه إذ ليس للعداوة بعض حتى يقدر إدراك بعضه وزوال بعضه، وقد ~~حصل إدراكها في قوة جسمانية عندكم فإن نفس البهائم منطبعة في الأجسام لا ~~تبقى بعد الموت. وقد اتفقوا عليه فإن أمكنهم أن يتكلفوا تقدير الانقسام في ~~المدركات بالحواس الخمس وبالحس المشترك وبالقوة الحافظة للصور فلا يمكنهم ~~تقدير الانقسام في هذه المعاني التي ليس من شرطها أن تكون في مادة. ### | قد يقال ليس الكلام عن العداوة المجردة # فإن قيل: الشاة لا تدرك العداوة المطلقة المجردة عن المادة بل تدرك عداوة ~~الذئب المعين المشخص مقرونا بشخصه وهيكله. والقوة العاقلة تدرك الحقائق ~~مجردة عن المواد والأشخاص. ### | الإدراك لا ينقسم # قلنا: الشاة قد أدركت لون الذئب وشكله ثم عداوته، فإن كان اللون ينطبع في ~~القوة الباصرة وكذى الشكل وينقسم بانقسام محل البصر فالعداوة بماذى تدركها؟ ~~فإن أدرك بجسم فلينقسم وليت شعري ما حال ذلك الإدراك إذا قسم، وكيف يكون ~~بعضه؟ أهو إدراك لبعض العداوة فكيف يكون لها بعض؟ أو كل قسم إدراك لكل ~~العداوة فتكون العداوة معلومة مرارا بثبوت إدراكها في كل قسم من أقسام ~~المحل. فإذن هذه شبهة مشكلة لهم في برهانهم فلا بد من الحل. ### | قد يقال لا شك في المقدمتين # فإن قيل: هذه مناقضة في المعقولات والمعقولات لا تنقض فإنكم مهما لم ~~تقدروا على الشك في المقدمتين، وهو أن العلم الواحد لا ينقسم وأن ما لا ~~ينقسم لا يقوم بجسم منقسم، لم يمكنكم الشك في النتيجة. ### | جوابنا بينا أن أقوالهم تتناقض # والجواب أن هذا الكتاب ما صنفناه إلا لبيان التهافت والتناقض في كلام ~~الفلاسفة، وقد حصل إذ انتقض به أحد الأمرين: إما ما ذكروه في النفس الناطقة ~~أو ms131 ما ذكروه في القوة الوهمية. # PageV01P258 ### | ليس العلم كاللون # ثم نقول: هذه المناقضة تبين أنهم غفلوا عن موضع تلبيس في القياس ولعل ~~موضع الالتباس قولهم إن العلم منطبع في الجسم انطباع اللون في المتلون، ~~وينقسم اللون بانقسام المتلون فينقسم العلم بانقسام محله. والخلل في لفظ ~~الانطباع إذ يمكن أن لا تكون نسبة العلم إلى محله كنسبة اللون إلى المتلون ~~حتى يقال إنه منبسط عليه ومنطبع فيه ومنتشر في جوانبه فينقسم بانقسامه. ~~فلعل نسبة العلم إلى محله على وجه آخر وذلك الوجه لا يجوز فيه الانقسام عند ~~انقسام المحل بل نسبته إليه كنسبة إدراك العداوة إلى الجسم. ووجوه نسبة ~~الأوصاف إلى محلها ليست محصورة في فن واحد ولا هي معلومة التفاصيل لنا علما ~~نثق به، فالحكم عليه دون الإحاطة بتفصيل النسبة حكم غير موثوق به. ### | لا دليل لهم # وعلى الجملة لا ينكر أن ما ذكروه مما يقوي الظن ويغلبه وإنما ينكر كونه ~~معلوما يقينا علما لا يجوز الغلط فيه ولا يتطرق إليه الشك وهذا القدر مشكك ~~فيه. ### | دليل ثان # دليلهم الثاني للعلم نسبة إلى العالم # قالوا: إن كان العلم بالمعلوم الواحد العقلي وهو المعلوم المجرد عن ~~المواد منطبعا في المادة انطباع الأعراض في الجوهر الجسمانية لزم انقسامه ~~بالضرورة بانقسام الجسم كما سبق، وإن لم يكن منطبعا فيه ولا منبسطا عليه ~~واستكره لفظ الانطباع فنعدل إلى عبارة أخرى ونقول: هل للعلم نسبة إلى ~~العالم أم لا؟ ومحال قطع النسبة فإنه إن قطعت النسبة عنه فكونه عالما به لم ~~صار أولى من كون غيره عالما؟ ### | وهذه النسبة تكون من ثلاثة أقسام # إما إلى الكل أو إلى البعض أو لا تكون، وثلاثتها باطلة # وإن كان له نسبة فلا يخلوا من ثلثة أقسام: إما أن تكون النسبة لكل جزء من ~~أجزاء المحل # PageV01P259 # أو تكون لبعض أجزاء المحل دون البعض أو لا يكون لواحد من الأجزاء نسبة ~~إليه. وباطل أن يقال: لا نسبة لواحد من الأجزاء، فإنه إذا لم يكن للآحاد ~~نسبة لم يكن للمجموع نسبة فإن ms132 المجتمع من المباينات مباين. وباطل أن يقال: ~~النسبة للبعض، فإن الذي لا نسبة له ليس هو من معناه في شيء وليس كلامنا ~~عنه. وباطل أن يقال: لكل جزء مفروض نسبة إلى الذات، لأنه إن كانت النسبة ~~إلى ذات العلم بأسره فمعلوم كل واحد من الأجزاء ليس هو جزءا من المعلوم كما ~~هو فيكون معقولا مرات لا نهاية لها بالفعل، وإن كان كل جزء له نسبة أخرى ~~غير النسبة التي للجزء الآخر إلى ذات العلم فذات العلم إذن منقسمة في ~~المعنى، وقد بينا أن العلم بالمعلوم الواحد من كل وجه لا ينقسم في المعنى، ~~وإن كان نسبة كل واحد إلى شيء من ذات العلم غير ما إليه نسبة الآخر فانقسام ~~ذات العلم بهذا أظهر وهو محال. ### | في الحس أقسام # ومن هذا يتبين أن المحسوسات المنطبعة في الحواس الخمس لا تكون إلا أمثلة ~~لصور جزئية منقسمة، فإن الإدراك معناه حصول مثال المدرك في نفس المدرك، ~~ويكون لكل جزء من مثال المحسوس نسبة إلى جزء من الآلة الجسمانية. ### | اعتراضنا وهذا شأن عداوة الذئب # والاعتراض على هذا ما سبق فإن تبديل لفظ الانطباع بلفظ النسبة لا يدرأ ~~الشبهة فيما ينطبع في القوة الوهمية للشاة من عداوة الذئب كما ذكروه فإنه ~~إدراك لا محالة وله نسبة إليه، ويلزم في تلك النسبة ما ذكرتموه # PageV01P260 # فإن العداوة ليس أمرا مقدرا له كمية مقدارية حتى ينطبع مثالها في جسم ~~مقدر وتنتسب أجزاؤها إلى أجزائه، وكون شكل الذئب مقدرا لا يكفي فإن الشاة ~~أدركت شيئا سوى شكله وهو المخالفة والمضادة والعداوة، والزيادة على الشكل ~~من العداوة ليس لها مقدار وقد أدركته بجسم مقدر. فهذه الصور مشككة في هذا ~~البرهان كما في الأول. ### | قد يقال هلا تعترضون على الجوهر الفرد؟ # فإن قال قائل: هلا دفعتم هذه البراهين بأن العلم يحل من الجسم في جوهر ~~متحيز لا يتجزى وهو الجزء الفرد. ### | جوابنا هذا البحث طويل لا فائدة فيه # قلنا: لأن الكلام في الجوهر الفرد يتعلق بأمور هندسية يطول القول في ~~حلها. ms133 ثم ليس فيه ما يدفع الإشكال فإنه يلزم أن تكون القدرة والإرادة أيضا ~~في ذلك الجزء فإن للإنسان فعلا ولا يتصور ذلك إلا بقدرة وإرادة ولا يتصور ~~الإرادة إلا بعلم وقدرة الكتابة في اليد والأصابع، والعلم بها ليس في اليد ~~إذ لا يزول بقطع اليد ولا إرادتها في اليد فإنه قد يريدها بعد شلل اليد ~~وتتعذر لا لعدم الإرادة بل لعدم القدرة. ### | دليل ثالث # دليلهم الثالث الإنسان دون الجزء هو العالم # قولهم: العلم لو كان في جزء من الجسم لكان العالم ذلك الجزء دون سائر ~~أجزاء الإنسان، والإنسان يقال له عالم والعالمية صفة له على الجملة من غير ~~نسبة إلى محل مخصوص ### | جوابنا وهو المبصر! # وهذا هوس فإنه يسمى مبصرا وسامعا وذائقا، وكذى البهيمة توصف به وذلك لا ~~يدل على أن إدراك المحسوسات ليس بالجسم بل هو نوع من التجوز كما يقال فلان ~~في بغداذ وإن كان هو في جزء من جملة بغداذ لا في جملتها ولكن يضاف إلى ~~الجملة. # PageV01P261 ### | دليل رابع ### | دليلهم الرابع قد يكون العلم والجهل في المحل الواحد # إن كان العلم يحل جزءا من القلب أو الدماغ مثلا فالجهل ضده فينبغي أن ~~يجوز قيامه بجزء آخر من القلب أو الدماغ ويكون الإنسان في حالة واحدة عالما ~~وجاهلا بشيء واحد، فلما استحال ذلك تبين أن محل الجهل هو محل العلم وأن ذلك ~~المحل واحد يستحيل اجتماع الضدين فيه فإنه لو كان منقسما لما استحال قيام ~~الجهل ببعضه والعلم ببعضه لأن الشيء في محل لا يضاده ضده في محل آخر، كما ~~تجتمع البلقة في الفرس الواحد والسواد والبياض في العين الواحدة ولكن في ~~محلين. ### | الحواس لا ضد لإدراكاتها # ولا يلزم هذا في الحواس فإنه لا ضد لإدراكاتها ولكنه قد يدرك وقد لا يدرك ~~فليس بينهما إلا تقابل الوجود والعدم. فلا جرم نقول: يدرك ببعض أجزائه ~~كالعين والأذن ولا يدرك بسائر بدنه، وليس فيه تناقض. ### | في المحل الواحد بغير المجاز # ولا يغني عن هذا قولكم إن العالمية مضادة للجاهلية، والحكم ms134 عام لجميع ~~البدن إذ يستحيل أن يكون الحكم في غير محل العلة فالعالم هو المحل الذي قام ~~العلم به، فإن أطلق الاسم على الجملة فبالمجاز، كما يقال: هو في بغداذ وإن ~~كان هو في بعضها، وكما يقال: مبصر، وإن كنا بالضرورة نعلم أن حكم الإبصار ~~لا يثبت للرجل واليد بل يختص بالعين، وتضاد الأحكام كتضاد العلل فإن ~~الأحكام تقتصر على محل العلل. ### | في المحل المهيأ لكل من العلم والجهل # ولا يخلص من هذا قول القائل إن المحل المهيأ لقبول العلم والجهل من ~~الإنسان واحد فيتضادان عليه، فإن عندكم أن كل جسم فيه حيوة فهو قابل للعلم ~~والجهل ولم تشترطوا سوى الحيوة شريطة أخرى، وسائر أجزاء البدن # PageV01P262 # عندكم في قبول العلم على وتيرة واحدة. ### | اعتراضنا ولا تكون الشهوة والنفرة في المحل الواحد # الاعتراض أن هذا ينقلب عليكم في الشهوة والشوق والإرادة فإن هذه الأمور ~~تثبت للبهائم والإنسان، وهي معان تنطبع في الجسم، ثم يستحيل أن ينفر عما ~~يشتاق إليه فيجتمع فيه النفرة والميل إلى شيء واحد بوجود الشوق في محل ~~والنفرة في محل آخر، وذلك لا يدل على أنها لا تحل الأجسام وذلك لأن هذه ~~القوى وإن كانت كثيرة ومتوزعة على آلات مختلفة فلها رابطة واحدة وهي النفس، ~~وذلك للبهيمة والإنسان جميعا، وإذا اتحدت الرابطة استحالت الإضافات ~~المتناقضة بالنسبة إليه، وهذا لا يدل على كون النفس غير منطبع في الجسم كما ~~في البهائم. ### | دليل خامس # دليلهم الخامس لولا ذلك لما عقل العقل نفسه # قولهم: إن كان العقل يدرك المعقول بآلة جسمانية فهو لا يعقل نفسه والتالي ~~محال فإنه يعقل نفسه فالمقدم محال. ### | جوابنا ما الدليل عليه؟ # قلنا: مسلم أن استثناء نقيض التالي ينتج نقيض المقدم ولكن إذا ثبت اللزوم ~~بين التالي والمقدم،، بل نقول: ما يسلم لزوم التالي وما الدليل عليه؟ ### | قد يقال الإبصار لا يبصر # فإن قيل: الدليل عليه أن الإبصار لما كان بجسم فالإبصار لا يتعلق ~~بالأبصار فالرؤية لا ترى والسمع لا يسمع وكذى سائر الحواس. فإن كان العقل ms135 ~~أيضا لا يدرك إلا بجسم فلم يدرك نفسه، والعقل كما يعقل غيره يعقل نفسه فإن ~~الواحد منا كما يعقل غيره يعقل نفسه ويعقل أنه عقل غيره وأنه عقل نفسه. ### | جوابنا هذا يجوز بخرق العادات # قلنا: ما ذكرتموه فاسد من وجهين: # PageV01P263 # أحدهما أن الإبصار عندنا يجوز أن يتعلق بنفسه فيكون إبصارا لغيره ولنفسه ~~كما يكون العلم الواحد علما بغيره وعلما بنفسه. ولكن العادة جارية بخلاف ~~ذلك وخرق العادات عندنا جائز. ### | فيكون حاسة منفردة # والثاني وهو أقوى أنا سلمنا هذا في الحواس ولكن لم إذا امتنع ذلك في بعض ~~الحواس يمتنع في بعض؟ وأي بعد في أن يفترق حكم الحواس في وجه الإدراك مع ~~اشتراكها في أنها جسمانية،؟ كما اختلف البصر واللمس في أن اللمس لا يفيد ~~الإدراك إلا باتصال الملموس بالآلة اللامسة، وكذى الذوق ويخالفه البصر فإنه ~~يشترط فيه الانفصال حتى لو أطبق أجفانه لم ير لون الجفن لأنه لم يبعد عنه، ~~وهذا الاختلاف لا يوجب الاختلاف في الحاجة إلى الجسم فلا يبعد أن يكون في ~~الحواس الجسمانية ما يسمى عقلا ويخالف سائرها في أنها تدرك نفسها. ### | دليل سادس # دليلهم السادس لولا ذلك لما أدرك العقل القلب # قالوا: لو كان العقل يدرك بآلة جسمانية كالأبصار لما أدرك آلته كسائر ~~الحواس ولكنه يدرك الدماغ والقلب وما يدعى آلته، فدل أنه ليس آلة له ولا ~~محلا وإلا لما أدركه. ### | اعتراضنا كما سبق # والاعتراض على هذا كالاعتراض على الذي قبله. فإنا نقول: لا يبعد أن يدرك ~~الإبصار محله ولكنه حوالة على العادة. أو نقول: لم يستحيل أن تفترق الحواس ~~في هذا المعنى وإن اشتركت في الانطباع في الأجسام كما سبق؟ ولم قلتم أن ما ~~هو قائم في جسم # PageV01P264 # يستحيل أن يدرك الجسم الذي هو محله ولم يلزم أن يحكم من جزئي معين على ~~كلي مرسل؟ ### | لا يحكم ببعض الحواس على جميعها # ومما عرف بالاتفاق بطلانه وذكر في المنطق أن يحكم بسبب جزئي أو جزئيات ~~كثيرة على كلي حتى مثلوه بما إذا قال الإنسان إن ms136 كل حيوان فإنه يحرك عند ~~المضغ فكه الأسفل لأنا استقرأنا الحيوانات كلها فرأيناها كذلك، فيكون ذلك ~~لغفلته عن التمساح فإنه يحرك فكه الأعلى وهؤلاء لم يستقرئوا إلا الحواس ~~الخمس، فوجدوها على وجه معلوم فحكموا على الكل به. فلعل العقل حاسة أخرى ~~تجري من سائر الحواس مجرى التمساح من سائر الحيوانات، فتكون إذن الحواس مع ~~كونها جسمانية منقسمة إلى ما يدرك محلها وإلى ما لا يدرك كما انقسمت إلى ما ~~يدرك مدركه من غير مماسة كالبصر وإلى ما لا يدرك إلا باتصال كالذوق واللمس. ~~فما ذكروه أيضا إن أورث ظنا فلا يورث يقينا موثوقا به. ### | قد يقال على العقل أن يدرك القلب دائما إما ألا يدركه أبدا # فإن قيل: لسنا نعول على مجرد الاستقراء للحواس بل نعول على البرهان ~~ونقول: لو كان القلب أو الدماغ هو نفس الإنسان لكان لا يعزب عنه إدراكهما ~~حتى لا يخلوا عن أن يعقلهما جميعا كما أنه لا يخلوا عن إدراك نفسه، فإن ~~أحدا لا يعزب ذاته عن ذاته بل يكون مثبتا لنفسه في نفسه أبدا، والإنسان ما ~~لم يسمع حديث القلب والدماغ أو لم يشاهد بالتشريح من إنسان آخر لا يدركهما ~~ولا يعتقد وجودهما. فإن كان العقل حالا في جسم فينبغي أن يعقل ذلك الجسم ~~أبدا أو لا يدركه أبدا وليس واحد من الأمرين بصحيح بل يعقل حالة ولا يعقل ~~حالة. # PageV01P265 ### | فهناك نسبة واحدة # وهذا التحقيق وهو أن الإدراك الحال في محل إنما يدرك المحل لنسبة له إلى ~~المحل، ولا يتصور أن يكون له نسبة إليه سوى الحلول فيه فليدركه أبدا، وإن ~~كان هذه النسبة لا تكفي فينبغي أن لا يدرك أبدا إذ لا يمكن أن يكون له نسبة ~~أخرى إليه كما أنه لما أن كان يعقل نفسه عقل نفسه أبدا ولم يغفل عنه بحال. ### | جوابنا الإنسان يشعر بجسده # قلنا: الإنسان ما دام يشعر بنفسه ولا يغفل عنه فإنه يشعر بجسده وجسمه. ~~نعم لا يتعين له اسم القلب وصورته وشكله ولكنه يثبت نفسه جسما حتى ms137 يثبت ~~نفسه في ثيابه وفي بيته، والنفس الذي ذكروه لا يناسب البيت والثوب. ### | دائما وإن على وجه غير معين # فإثباته لأصل الجسم ملازم له وغفلته عن شكله واسمه كغفلته عن محل الشم ~~وإنهما زائدتان في مقدم الدماغ شبيهتين بحلمتي الثدي، فإن كل إنسان يعلم ~~أنه يدرك الرائحة بجسمه ولكن محل الإدراك لا يتشكل له ولا يتعين وإن كان ~~يدرك أنه إلى الرأس أقرب منه إلى العقب ومن جملة الرأس إلى داخل الأنف أقرب ~~منه إلى داخل الأذن. فكذلك يشعر الإنسان بنفسه ويعلم أن هويته التي بها ~~قوامه إلى قلبه وصدره أقرب منه إلى رجله فإنه يقدر نفسه باقيا مع عدم الرجل ~~ولا يقدر على تقدير نفسه باقيا مع عدم القلب، فما ذكروه من أنه يغفل عن ~~الجسم تارة وتارة لا يغفل عنه ليس كذلك. ### | دليل سابع # دليلهم السابع أن القوى الآلية يعرض لها من المواظبة على العمل كلال # قالوا القوى الدراكة بالآلات الجسمانية يعرض لها من المواظبة على العمل ~~بإدامة الإدراك كلال لأن إدامة الحركة تفسد مزاج الأجسام فتكلها، وكذلك ~~الأمور القوية الجلية الإدراك توهنها وربما تفسدها حتى لا تدرك عقيبها ~~الأخفى الأضعف كالصوت العظيم للسمع والنور العظيم # PageV01P266 # للبصر فإنه ربما يفسد أو يمنع عقيبه من إدراك الصوت الخفي والمرئيات ~~الدقيقة، بل من ذاق الحلاوة الشديدة لا يحس بعده بحلاوة دونه. ### | والأمر في القوة العقلية بالعكس # والأمر القوة العقلية بالعكس فإن إدامتها للنظر إلى المعقولات لا يتعبها ~~ودرك الضروريات الجلية يقويها على درك النظريات الخفية ولا يضعفها، وإن عرض ~~لها في بعض الأوقات كلال فذلك لاستعمالها القوة الخيالية واستعانتها بها ~~فتضعف آلة القوة الخيالية فلا تخدم العقل. ### | قولنا الحواس تختلف بعضها عن بعض # وهذا من الطراز السابق فإنا نقول: لا يبعد أن تختلف الحواس الجسمانية في ~~هذه الأمور فليس ما يثبت منها للبعض يجب أن يثبت للآخر، بل لا يبعد أن ~~تتفاوت الأجسام فيكون منها ما يضعفها نوع من الحركة ومنها ما يقويها نوع من ~~الحركة ولا يوهنها وإن كان ms138 يؤثر فيها فيكون ثم سبب يجدد قوتها بحيث لا تحس ~~بالأثر فيها. فكل هذا ممكن إذا الحكم الثابت لبعض الأشياء ليس يلزم أن يثبت ~~لكله. ### | دليل ثامن # دليلهم الثامن العقل لا تعتريه الشيخوخة # قالوا: أجزاء البدن كلها تضعف قواها بعد منتهى النشو والوقوف عند ~~الأربعين سنة فما بعدها فيضعف البصر والسمع وسائر القوى والقوة العقلية في ~~أكثر الأمر إنما تقوى بعد ذلك. ### | يعوقه المرض # ولا يلزم على هذا تعذر النظر في المعقولات عند حلول المرض في البدن وعند ~~الخرف بسبب الشيخوخة، فإنه مهما بان أنه يتقوى مع ضعف البدن في بعض الأحوال ~~فقد بان قوامه بنفسه، فتعطله عند تعطل البدن لا يوجب # PageV01P267 # كونه قائما بالبدن فإن استثناء عين التالي لا ينتج فإنا نقول: إن كانت ~~القوة العقلية قائمة بالبدن فيضعفها ضعف البدن بكل حال والتالي محال ~~فالمقدم محال. وإذا قلنا: التالي موجود في بعض الأحوال، فلا يلزم أن يكون ~~المقدم موجودا. ### | ولهذا الأمر مدلول # ثم السبب فيه أن النفس لها فعل بذاتها إذا لم يعق عائق ولم يشغلها شاغل، ~~فإن للنفس فعلين: فعل بالقياس إلى البدن وهو السياسة له وتدبيره وفعل ~~بالقياس إلى مبادئه وإلى ذاته وهو إدراك المعقولات، وهما متمانعان متعاندان ~~فمهما اشتغل بأحدهما انصرف عن الآخر وتعذر عليه الجمع بين الأمرين. وشواغله ~~من جهة البدن الإحساس والتخيل والشهوات والغضب والخوف والغم والوجع، فإذا ~~أخذت تفكر في معقول تعطل عليك كل هذه الأشياء الأخر. بل مجرد الحس قد يمنع ~~من إدراك العقل ونظره من غير أن يصيب آلة العقل شيء أو يصيب ذاتها آفة، ~~والسبب في كل ذلك اشتغال النفس بفعل عن فعل ولذلك يتعطل نظر العقل عند ~~الوجع والمرض والخوف فإنه أيضا مرض في الدماغ. وكيف يستبعد التمانع في ~~اختلاف جهتي فعل النفس؟ وتعدد الجهة الواحدة قد يوجب التمانع فإن الفرق ~~يذهل عن الوجع والشهوة عن الغضب والنظر في معقول عن معقول آخر. ### | إذا عاد المريض صحيحا عاد العلم من غير استئناف تعلم # وآية أن المرض الحال في ms139 البدن ليس يتعرض لمحل العلوم، أنه إذا عاد صحيحا ~~لم يفتقر إلى تعلم العلوم من رأس بل تعود هيئة نفسه كما كانت وتعود تلك ~~العلوم بعينها من غير استئناف تعلم. # PageV01P268 ### | اعتراضنا هناك أسباب كثيرة لزيادة بعض الحواس # والاعتراض أن نقول: نقصان القوى وزيادتها لها أسباب كثيرة لا تنحصر، فقد ~~يقوى بعض القوى في ابتداء العمر وبعضها في الوسط وبعضها في الآخر وأمر ~~العقل أيضا كذلك. فلا يبقى إلا أن يدعى الغالب. ### | مثل الشم # ولا بعد في أن يختلف الشم والبصر في أن الشم يقوى بعد الأربعين والبصر ~~يضعف وإن تساويا في كونهما حالين في الجسم، كما تتفاوت هذه القوى في ~~الحيوانات فيقوى الشم من بعضها والسمع من بعضها والبصر من بعضها لاختلاف في ~~أمزجتها لا يمكن الوقوف على ضبطه، فلا يبعد أن يكون مزاج الآلات أيضا يختلف ~~في حق الأشخاص وفي حق الأحوال. ### | والعقل # ويكون أحد الأسباب في سبق الضعف إلى البصر دون العقل أن البصر أقدم فإنه ~~مبصر في أول فطرته ولا يتم عقله إلا بعد خمسة عشر سنة أو زيادة على ما ~~يشاهد اختلاف الناس فيه، حتى قيل إن الشيب إلى شعر الرأس أسبق منه إلى شعر ~~اللحية لأن شعر الرأس أقدم. فهذه الأسباب إن خاض الخائض فيها ولم يرد هذه ~~الأمور إلى مجاري العادات فلا يمكن أن ينبنى عليها علم موثوق به لأن جهات ~~الاحتمال فيما تزيد بها القوى أو تضعف لا تنحصر فلا يورث شيء من ذلك يقينا. ### | دليل تاسع # دليلهم التاسع مهما تبدل الجسم فالإنسان يبقى بعينه ومعه علوم # قالوا: كيف يكون الإنسان عبارة عن الجسم مع عوارضه؟ وهذه الأجسام لا تزال ~~تنحل والغذاء يسد مسد ما ينحل، حتى إذا رأينا صبيا انفصل من الجنين فيمرض ~~مرارا ويذبل ثم يسمن وينموا فيمكننا أن نقول: لم يبق فيه بعد الأربعين شيء ~~من الأجزاء التي كانت موجودة عند الانفصال بل كان أول وجوده من أجزاء المني ~~فقط ولم يبق فيه شيء من أجزاء المني بل انحل كل ms140 ذلك وتبدل بغيره. فيكون هذا ~~الجسم غير ذلك الجسم. ونقول: # PageV01P269 # هذا الإنسان هو ذلك الإنسان بعينه وحتى أنه يبقى معه علوم من أول صباه ~~ويكون قد تبدل جميع أجسامه. فدل أن للنفس وجودا سوى البدن وأن البدن آلته. ### | وكلك الشجرة # الاعتراض أن هذا ينتقض بالبهيمة والشجرة إذا قيست حالة كبرهما بحالة ~~الصغر فإنه يقال إن هذا ذاك بعينه، كما يقال في الإنسان، وليس يدل ذلك على ~~أن له وجودا غير الجسم. ### | وتبقى الصور المتخيلة # وما ذكر في العلم يبطل بحفظ الصور المتخيلة فإنه يبقى في الصبي إلى الكبر ~~وإن تبدل سائر أجزاء الدماغ فإن زعموا أنه لم يتبدل سائر أجزاء الدماغ فكذى ~~سائر أجزاء القلب وهما من البدن فكيف يتصور أن يتبدل الجميع؟ ### | والإنسان يبقى منه شيء # بل نقول: الإنسان وإن عاش مائة سنة مثلا فلا بد وأن يكون قد بقي فيه ~~أجزاء من النطفة فأما أن تنمحى عنه فلا فهو ذلك الإنسان باعتبار ما بقي، كم ~~أنه يقال: هذا ذاك الشجر وهذا ذاك الفرس، ويكون بقاء المني مع كثرة التحلل ~~والتبدل. ### | مثل الماء الذي تصب عليه وتأخذ منه # مثاله ما إذا صب في موضع رطل من الماء ثم صب عليه رطل آخر حتى اختلط به ~~ثم أخذ منه رطل ثم صب عليه رطل آخر ثم أخذ منه رطل # PageV01P270 # ثم لا يزال يفعل كذلك ألف مرة فنحن في المرة الأخيرة نحكم بأن شيئا من ~~الماء الأول باق وأنه ما من رطل يؤخذ منه إلا وفيه شيء من ذلك الماء لأنه ~~كان موجودا في الكرة الثانية، والثالثة قريبة من الثانية والرابعة من ~~الثالثة وهكذى إلى الآخر. وهذا على أصلهم ألزم حيث جوزوا انقسام الأجسام ~~إلى غير نهاية، فانصباب الغذاء في البدن وانحلال أجزاء البدن يضاهي صب ~~الماء في هذا الإناء واغترافه عنه. ### | دليل عاشر ### | دليلهم العاشر في العقل كليات عامة # قالوا: القوة العقلية تدرك الكليات العامة العقلية التي يسميها المتكلمون ~~أحوالا فتدرك الإنسان المطلق عند مشاهدة الحس لشخص إنسان معين وهو ms141 غير ~~الشخص المشاهد فإن المشاهد في مكان مخصوص ولون مخصوص ومقدار مخصوص ووضع ~~مخصوص، والإنسان المعقول المطلق مجرد عن هذه الأمور بل يدخل فيه كل ما ~~ينطلق عليه اسم الإنسان وإن لم يكن على لون المشاهد وقدره ووضعه ومكانه، بل ~~الذي يمكن وجوده في المستقبل يدخل فيه، بل لو عدم الإنسان يبقى حقيقة ~~الإنسان في العقل مجردا عن هذه الخواص، وهكذى كل شيء شاهده الحس مشخصا ~~فيحصل منه للعقل حقيقة ذلك الشخص كليا مجردا عن المواد والأوضاع حتى تنقسم ~~أوصافه إلى ما هو ذاتي كالجسمية للشجر والحيوان والحيوانية للإنسان وإلى ما ~~هو عرضي له كالبياض والطول للإنسان والشجر، ويحكم بكونه ذاتيا وعرضيا على ~~جنس الإنسان والشجر وكل ما يدرك لا على الشخص المشاهد، # PageV01P271 # فدل أن الكلي المجرد عن القرائن المحسوسة معقولة عنده وثابتة في عقله. ### | تجردها عن القرائن المحسوسة تتعلق بالنفس المجردة # وذلك الكلي المعقول لا إشارة إليه ولا وضع له ولا مقدار، فإما أن يكون ~~تجرده عن الوضع والمادة بالإضافة إلى المأخوذ منه وهو محال فإن المأخوذ منه ~~ذو وضع وأين ومقدار، وإما أن يكون بالإضافة إلى الآخذ وهو النفس العاقلة ~~فينبغي أن لا يكون للنفس وضع ولا إليه إشارة ولا له مقدار، وإلا لو ثبت ذلك ~~لثبت للذي حل فيه. ### | اعتراضنا ما يحل في الحس يحل في العقل، ولكن مفصلا # والاعتراض أن المعنى الكلي الذي وضعتموه حالا في العقل غير مسلم بل لا ~~يحل في العقل إلا ما يحل في الحس ولكن يحل في الحس مجموعا ولا يقدر الحس ~~على تفصيله والعقل يقدر على تفصيله. ### | في العقل النسبة إلى جميع المفردات نسبة واحدة # ثم إذا فصل كان المفصل المفرد عن القرائن في العقل في كونه جزئيا ~~كالمقرون بقرائنه، إلا أن الثابت في العقل يناسب المعقول وأمثاله مناسبة ~~واحدة فيقال إنه كلي على هذا المعنى وهو أن في العقل صورة المعقول المفرد ~~الذي أدركه الحس أولا، ونسبة تلك الصورة إلى سائر آحاد ذلك الجنس نسبة ~~واحدة فإنه لو رأى ms142 إنسانا آخر لم يحدث له هيئة أخرى كما إذا رأى فرسا بعد ~~إنسان فإنه يحدث فيه صورتان مختلفتان. ### | ومثل هذا في الحس # ومثل هذا قد يعرض في مجرد الحس فإن من رأى الماء حصل في خياله صورة، فلو ~~رأى الدم بعده حصلت صورة أخرى، فلو رأى ماء آخر لم تحدث صورة أخرى بل ~~الصورة التي انطبعت في خياله من الماء مثال لكل # PageV01P272 # واحد من آحاد المياه فقد يظن أنه كلي بهذا المعنى. فكذلك إذا رأى اليد ~~مثلا حصل في الخيال وفي العقل وضع أجزائه بعضها مع بعض وهو انبساط الكف ~~وانقسام الأصابع عليه وانتهاء الأصابع على الأظفار، ويحصل مع ذلك صغره ~~وكبره ولونه. فإن رأى يدا أخرى تماثله في كل شيء لم يتجدد له صورة أخرى بل ~~لا تؤثر المشاهدة الثانية في إحداث شيء جديد في الخيال، كما إذا رأى الماء ~~بعد الماء في إناء واحد على قدر واحد وقد يرى يدا أخرى تخالفه في اللون ~~والقدر فيحدث له لون آخر وقدر آخر ولا يحدث له صورة جديدة لليد، فإن اليد ~~الصغير الأسود يشارك اليد الكبير الأبيض في وضع الأجزاء ويخالفه في اللون ~~والقدر، فما يساوي فيه الأول لا تتجدد صورته إذ تلك الصورة هي هذه الصورة ~~بعينها وما يخالفه يتجدد صورته. ### | وهذا لا يؤذن بثبوت كلي في العقل لا وضع له أصلا # فهذا معنى الكلي في العقل والحس جميعا فإن العقل إذا أدرك صورة الجسم من ~~الحيوان فلا يستفيد من الشجر صورة جديدة في الجسمية كما في الخيال بإدراك ~~صورة الماءين في وقتين، وكذى في كل متشابهين وهذا لا يؤذن بثبوت كلي لا وضع ~~له أصلا. على أن العقل قد يحكم بثبوت شيء لا إشارة إليه ولا وضع كحكمه ~~بوجود صانع العالم، ولكن من أين أن ذلك لا يتصور قيامه بجسم؟ وفي هذا القسم ~~يكون المنتزع عن المادة هو المعقول في نفسه دون العقل والعاقل. فأما ~~المأخوذ من المواد فوجهه ما ذكرناه. # PageV01P273 ### | مسألة في إبطال قولهم إن النفوس الإنسانية ms143 يستحيل عليها العدم # بعد وجودها وأنها سرمدية لا يتصور فناؤها # فيطالبون بالدليل عليه. ولهم دليلان: ### | دليلهم الأول لا يكون بموت البدن # أحدهما قولهم إن عدمها لا يخلوا إما أن يكون بموت البدن أو بضد يطرى ~~عليها أو بقدرة القادر. وباطل أن تنعدم بموت البدن فإن البدن ليس محلا لها ~~بل هو آلة تستعملها النفس بواسطة القوى التي في البدن، وفساد الآلة لا يوجب ~~فساد مستعمل الآلة إلا أن يكون حالا فيها منطبعا كالنفوس البهيمية والقوى ~~الجسمانية، ولأن النفس فعلا بغير مشاركة الآلة وفعلا بمشاركتها فالفعل الذي ~~لها بمشاركة الآلة التخيل والإحساس والشهوة والغضب فلا جرم يفسد بفساد ~~البدن ويفوت بفواته، وفعلها بذاتها دون مشاركة البدن إدراك المعقولات ~~المجردة عن المواد ولا حاجة في كونه مدركا للمعقولات إلى البدن بل الاشتغال ~~بالبدن يعوقها عن المعقولات، ومهما كان لها فعل دون البدن ووجود دون البدن ~~لم تفتقر في قوامها إلى البدن. ### | ولا بالضد # وباطل أن يقال إنها تنعدم بالضد إذ الجواهر لا ضد لها، ولذلك # PageV01P274 # لا ينعدم في العالم إلا الأعراض والصور المتعاقبة على الأشياء إذ تنعدم ~~صورة المائية بضدها وهو صورة الهوائية، والمادة التي هي المحل لا تنعدم قط ~~وكل جوهر ليس في محل فلا يتصور عدمه بالضد إذ لا ضد لما ليس في محل فإن ~~الأضداد هي المتعاقبة على محل واحد. ### | ولا بالقدرة # وباطل أن يقال: تفنى بالقدرة، إذ العدم ليس شيئا حتى يتصور وقوعه بالقدرة ~~وهذا عين ما ذكروه في مسألة أبدية العالم وقد قررناه وتكلمنا عليه. ### | اعتراضنا الأول راجع ما سبق # والاعتراض عليه من وجوه: الأول أنه بناء على أن النفس لا يموت بموت البدن ~~لأنه ليس حالا في جسم، وهو بناء على المسألة الأولى فقد لا نسلم ذلك: ### | اعتراضنا الثاني حدوث النفس لا يكون إلا بحدوث البدن # الثاني هو أنه لا يحل البدن عندهم فله علاقة بالبدن حتى لم يحدث إلا ~~بحدوث البدن. هذا ما اختاره ابن سينا والمحققون وأنكروا على أفلاطن أن ~~النفس قديمة ويعرض لها ms144 الاشتغال بالأبدان بمسلك برهاني محقق. ### | كما تحقق الأمر # وهو أن النفوس قبل الأبدان، إن كانت واحدة فكيف انقسمت وما لا عظم له ولا ~~مقدار لا يعقل انقسامه. وإن زعم أنه لم ينقسم فهو محال إذ يعلم ضرورة أن ~~نفس زيد غير نفس عمرو ولو كانت واحدة لكانت معلومات زيد معلومة لعمرو فإن ~~العلم من صفات ذات النفس وصفات الذات تدخل مع الذات في كل إضافة، وإن كانت ~~النفوس متكثرة فماذى تكثرت؟ ولم تتكثر بالمواد ولا بالأماكن ولا بالأزمنة ~~ولا بالصفات إذ ليس فيها ما يوجب اختلاف الصفة بخلاف النفوس بعد # PageV01P275 # موت البدن فإنها تتكثر باختلاف الصفات عند من يرى بقاءها لأنها استفادت ~~من الأبدان هيئات مختلفة لا تتماثل نفسان منها، فإن هيئاتها تحصل من ~~الأخلاق والأخلاق قط لا تتماثل نفسان منها، فإن هيئاتها تحصل من الأخلاق ~~والأخلاق قط لا تتماثل كما أن الخلق الظاهر قط لا يتماثل، ولو تماثلت ~~لاشتبه علينا زيد بعمرو. ### | والنفس تتعلق بالبدن المخصوص ببعض الوسائط # ومهما ثبت بحكم هذا البرهان حدوثه عند حدوث النطفة في الرحم واستعداد ~~مزاجها لقبول النفس المدبرة ثم قبلت النفس لا لأنها نفس فقط، إذ قد تستعد ~~في رحم واحد نطفتان لتوأمين في حالة واحدة للقبول فيتعلق بهما نفسان يحدثان ~~من المبدأ الأول بواسطة أو بغير واسطة ولا يكون نفس هذا مدبرا لجسم ذاك ولا ~~نفس ذاك مدبرا لجسم هذا فليس الإختصاص إلا لعلاقة خاصة بين النفس المخصوص ~~وبين ذلك البدن المخصوص، وإلا فلا يكون بدن أحد التوأمين بقبول هذه النفس ~~أولى من الآخر، وإلا فقد حدثت نفسان معا واستعدت نطفتان لقبول التدبير معا. ### | فإذا بطل البدن انعدمت النفس # فما المخصص؟ فإن كان ذلك المخصص هو الانطباع فيه فيبطل ببطلان البدن، وإن ~~كان ثم وجه آخر به العلاقة بين هذه النفس على الخصوص وبين هذا البدن على ~~الخصوص حتى كانت تلك العلاقة شرطا في حدوثه فأي بعد في أن تكون شرطا في ~~بقاءه؟ فإذا انقطعت العلاقة انعدمت النفس ثم لا يعود وجودها ms145 إلا بإعادة ~~الله سبحانه وتعالى على سبيل البعث والنشور كما ورد به الشرع في المعاد. # PageV01P276 ### | قد يقال ليست هذه العلاقة، إلا بطريق الشوق # فإن قيل: أما العلاقة بين النفس والبدن فليس إلا بطريق نزاع طبيعي وشوق ~~جبلي خلق فيها إلى هذا البدن خاصة يشغلها ذلك الشوق بها عن غيره من الأبدان ~~ولا يخليها في لحظة فتبقى مقيدة بذلك الشوق الجبلي بالبدن المعين مصروفا عن ~~غيره. # PageV01P277 # وذلك لا يوجب فساده بفساد البدن الذي هو مشتاق بالجبلة إلى تدبيره. نعم ~~قد يبقى ذلك الشوق بعد مفارقة البدن إن استحكم في الحيوة اشتغالها بالبدن ~~وإعراضها عن كسر الشهوات وطلب المعقولات فيتأذى بذلك الشوق مع فوات الآلة ~~التي الشوق إلى مقتضاها. ### | وبمناسبة تخفى علينا # وأما تعين نفس زيد لشخص زيد في أول الحدوث فلسبب ومناسبة بين البدن ~~والنفس لا محالة حتى يكون هذا البدن مثلا أصلح لهذه النفس من الآخر لمزيد ~~مناسبة بينهما فترجح اختصاصه، وليس في القوة البشرية إدراك خصوص تلك ~~المناسبات، وعدم اطلاعنا على تفصيله لا يشككنا في أصل الحاجة إلى مخصص ولا ~~يضرنا أيضا في قولنا إن النفس لا تفنى بفناء البدن. ### | جوابنا قد تكون على وجه يحوج النفس في بقائها # قلنا: مهما غابت المناسبة عنا وهي المقتضية للاختصاص فلا يبعد أن تكون ~~تلك المناسبة المجهولة على وجه يحوج النفس في بقائها إلى بقاء البدن # PageV01P278 # حتى إذا فسد فسدت، فإن المجهول لا يمكن الحكم عليه بأنه يقتضي التلازم أم ~~لا، فلعل تلك النسبة ضرورية في وجود النفس فإن انعدمت انعدمت، فلا ثقة ~~بالدليل الذي ذكروه. ### | اعتراضنا الثالث تنعدم بقدرة الله # الاعتراض الثالث هو أنه لا يبعد أن يقال: تنعدم بقدرة الله تعالى، كما ~~قررناه في مسألة سرمدية العالم. ### | اعتراضنا الرابع لعل هناك طرق غيرها # الاعتراض الرابع هو أن يقال: ذكرتم أن هذه الطرق الثلث في العدم تنحسم، ~~فهو مسلم. فما الدليل على أن عدم الشيء لا يتصور إلا بطريق من هذه الطرق ~~الثلث؟ فإن التقسيم إذا لم يكن دائرا بين النفي ms146 والإثبات فلا يبعد أن يزيد ~~على الثلث والأربع، فلعل للعدم طريقا رابعا وخامسا سوى ما ذكرتموه، فحصر ~~الطرق في هذه الثلث غير معلوم بالبرهان. ### | دليلهم الثاني كل جوهر يستحيل عليه العدم # دليل ثان وعليه تعويلهم أن قالوا: كل جوهر ليس في محل فيستحيل عليه ~~العدم، بل البسائط لا تنعدم قط. وهذا الدليل يثبت فيه أولا أن موت البدن لا ~~يوجب انعدامه لما سبق. ### | ما ينعدم ففيه قوة الفساد وحامله يبقى # فبعد ذلك يقال: يستحيل أن ينعدم بسبب آخر بسبب آخر لأن كل ما ينعدم بسبب ~~ما أي سبب كان ففيه قوة الفساد، أي إمكان العدم سابق على الانعدام، كما أن ~~ما يطرى وجوده من الحوادث فيكون إمكان الوجود سابقا على الوجود ويسمى إمكان ~~الوجود قوة الوجود وإمكان العدم قوة الفساد. وكما أن إمكان الوجود وصف ~~إضافي لا يقوم إلا بشيء حتى يكون إمكانا بالإضافة إليه فكذلك إمكان العدم، ~~ولذلك قيل إن كل حادث فيفتقر إلى مادة سابقة يكون فيها إمكان وجود الحادث ~~وقوته، كما سبق في مسألة قدم العالم، فالمادة التي فيها قوة الوجود قابلة ~~للوجود الطاري والقابل غير المقبول فيكون القابل موجودا مع المقبول عند ~~طريانه وهو غيره. فكذلك قابل العدم ينبغي أن يكون موجودا عند طريان العدم ~~حتى يعدم منه شيء كما وجد فيه شيء ويكون ما عدم غير ما بقي ويكون ما بقي هو ~~الذي فيه قوة العدم وقبوله وإمكانه # PageV01P279 # كما أن ما بقي عند طريان الوجود يكون غير ما طرى وقد كان ما فيه قوة قبول ~~الطاري. ### | وهو كالمادة # فيلزم أن يكون الشيء الذي طرى عليه العدم مركبا من شيء انعدم ومن قابل ~~للعدم بقي مع طريان العدم وقد كان هو حامل قوة العدم قبل طريان العدم ويكون ~~حامل القوة كالمادة والمنعدم منها كالصورة. ### | لكن النفس غير مركبة # ولكن النفس بسيطة وهي صورة مجردة عن المادة لا تركيب فيها، فإن فرض فيها ~~تركيب من صورة ومادة فنحن ننقل البيان إلى المادة التي هي السنخ والأصل ~~الأول، ms147 إذ لا بد وأن ينتهي إلى أصل فنحيل العدم على ذلك الأصل وهو المسمى ~~نفسا، كما نحيل العدم على مادة الأجسام فإنها أزلية أبدية، إنما تحدث عليها ~~الصور وتنعدم منها الصور وفيها قوة طريان الصور عليها وقوة انعدام الصور ~~منها فإنها قابلة للضدين على السواء وقد ظهر من هذا الوجود أن كل موجود ~~أحدى الذات يستحيل عليه العدم. ### | إن قوة الوجود للشيء يكون لغير ذلك الشيء # ويمكن تفهيم هذا بصيغة أخرى وهو أن قوة الوجود للشيء يكون قبل وجود الشيء ~~فيكون لغير ذلك الشيء ولا يكون نفس قوة الوجود. بيانه أن الصحيح البصر يقال ~~أنه بصير بالقوة أي فيه قوة الإبصار، ومعناه أن الصفة التي لا بد منها في ~~العين ليصح الإبصار موجودة، فإن تأخر الإبصار فلتأخر شرط آخر فيكون قوة ~~الإبصار للسواد مثلا موجودا للعين قبل إبصار السواد بالفعل، فإن حصل إبصار ~~السواد بالفعل لم يكن قوة إبصار ذلك السواد موجودا عند وجود ذلك الإبصار إذ ~~لا يمكن أن يقال: مهما حصل الإبصار فهو مع كونه موجودا بالفعل موجود ~~بالقوة، بل قوة الوجود لا يضام حقيقة الوجود الحاصل بالفعل أبدا. ### | لو انعدم الشيء البسيط # لاجتمع في الشيء الواحد قوة الوجود مع حصول الوجود # وإذا ثبتت هذه المقدمة فنقول: لو انعدم الشيء البسيط لكان إمكان # PageV01P280 # العدم قبل العدم حاصلا لذلك الشيء وهو المراد بالقوة، فيكون إمكان الوجود ~~أيضا حاصلا فإن ما أمكن عدمه فليس واجب الوجود فهو ممكن الوجود، ولا نعني ~~بقوة الوجود إلا إمكان الوجود فيؤدي إلى أن يجتمع في الشيء الواحد قوة وجود ~~نفسه مع حصول وجوده بالفعل ويكون وجوده بالفعل هو عين قوة الوجود وقد بينا ~~أن قوة الإبصار تكون في العين التي هي غير الإبصار ولا تكون في نفس الإبصار ~~إذ يؤدي إلى أن يكون الشيء بالقوة والفعل وهما متناقضان، بل مهما كان الشيء ~~بالقوة لم يكن بالفعل ومهما كان بالفعل لم يكن بالقوة، وفي إثبات قوة العدم ~~للبسيط قبل العدم إثبات لقوة الوجود في حالة ms148 الوجود وهو محال. ### | راجع ما سبق في مسألة أزلية العالم # وهذا بعينه هو الذي قررناه لهم في مصيرهم إلى استحالة حدوث المادة ~~والعناصر واستحالة عدمها في مسألة أزلية العالم وأبديته ومنشأ التلبيس ~~وضعهم الإمكان وصفا مستدعيا محلا يقوم به. وقد تكمنا عليه بما فيه مقنع فلا ~~نعيد فإن المسألة هي المسألة فلا فرق بين أن يكون المتكلم فيه جوهر مادة أو ~~جوهر نفس. # PageV01P281 ### | مسألة في إبطال إنكارهم لبعث الأجساد ورد الأرواح # إلى الأبدان ووجود النار الجسمانية ووجود الجنة والحور العين وسائر ما ~~وعد به الناس # وقولهم إن كل ذلك أمثلة ضربت لعوام الخلق لتفهيم ثواب وعقاب روحانيين هما ~~أعلى رتبة من الجسمانية وهو مخالف لاعتقاد المسلمين كافة. فلنقدم تفهيم ~~معتقدهم في الأمور الأخروية ثم لنعترض على ما يخالف الإسلام من جملته. ### | قولهم اللذة السرمدية لا تكون إلا بالعلم والعمل # وقد قالوا إن النفس تبقى بعد الموت بقاء سرمديا إما في لذة لا يحيط الوصف ~~بها لعظمها وإما في ألم لا يحيط الوصف به لعظمه، ثم قد يكون ذلك الألم ~~مخلدا وقد ينمحى على طول الزمان. ثم تتفاوت طبقات الناس في درجات الألم ~~واللذة تفاوتا غير محصور كما يتفاوتون في المراتب الدنيوية ولذاتها تفاوتا ~~غير محصور، واللذة السرمدية للنفوس الكاملة الزكية والألم السرمدي للنفوس ~~الناقصة الملطخة والألم المنقضي للنفوس الكاملة الملطخة، فلا تنال السعادة ~~المطلقة إلا بالكمال والتزكية والطهارة والكمال بالعلم والزكاء بالعمل. ### | تلتذ بهما القوة العقلية # ووجه الحاجة إلى العلم أن القوة العقلية غذاؤها ولذتها في درك المعقولات ~~كما أن القوة الشهوانية لذتها في نيل المشتهى والقوة البصرية لذتها في ~~النظر إلى الصور الجميلة وكذلك سائر القوى. وإنما يمنعها من الاطلاع على ~~المعقولات البدن وشواغله وحواسه وشهواته. # PageV01P282 # والنفس الجاهلة في الحيوة الدنيا حقها أن تتألم بفوات لذة النفس ولكن ~~الاشتغال بالبدن ينسيه نفسه ويلهيه عن ألمه كالخائف لا يحس بالألم وكالخدر ~~لا يحس بالنار، فإذا بقيت ناقصة حتى انحط عنه شغل البدن كان في صورة الخدر، ~~إذا عرض على النار ms149 فلا يحس بالألم فإذا زال الخدر شعر بالبلا العظيم دفعة ~~واحدة هجوما. ### | والبدن يشغل عنها # والنفوس المدركة للمعقولات قد تلتذ بها التذاذا خفيا قاصرا عما يقتضيه ~~طباعه وذلك أيضا لشواغل البدن وأنس النفس بشهواتها. ومثاله مثال المريض ~~الذي في فيه مرارة يستبشع الشيء الطيب الحلو ويستهجن الغذاء الذي هو أتم ~~أسباب اللذة في حقه فلا يتلذذ به لما عرض من المرض. ### | فإذا انحط عنها أعباء البدن، أدركت اللذة دفعة # فالنفوس الكاملة بالعلوم إذا انحط عنها أعباء البدن وشواغله بالموت كان ~~مثاله مثال من عرض للطعم الألذ والذوق الأطيب وكان به عارض مرض يمنعه من ~~الإدراك فزال العارض فأدرك اللذة العظيمة دفعة. أو مثال من اشتد عشقه في حق ~~شخص فضاجعه ذلك الشخص وهو نائم أو مغمى عليه أو سكران فلا يحس به فتنبه ~~فجأة فيشعر بلذة الوصال بعد طول الانتظار دفعة واحدة. ### | اللذات الروحانية تفهم بالجسمانية # وهذه اللذات حقيرة بالإضافة إلى اللذات الروحانية العقلية إلا أنه لا ~~يمكن تفهيمه إلا بأمثلة مما شاهدها الناس في هذه الحيوة، وهذا كما أنا لو ~~أردنا أن نفهم الصبي أو العنين لذة الجماع لم نقدر عليه إلا بأن نمثله في ~~حق الصبي باللعب الذي هو ألذ الأشياء عنده وفي حق العنين بلذة الأكل الطيب ~~مع شدة الجوع ليصدق بأصل وجود اللذة ثم يعلم أن ما فهمه بالمثال ليس يحقق ~~عنده لذة الجماع وأن ذلك لا يدرك إلا بالذوق. ### | وهذه أحط من الأولى لعدم وجودها في الملائكة # والدليل على أن اللذات العقلية أشرف من اللذات الجسمانية أمران: أحدهما ~~أن حال الملائكة أشرف من حال السباع والخنازير من البهائم # PageV01P283 # وليس لها اللذات الحسية من الجماع والأكل وإنما لها لذة الشعور بكمالها ~~وجمالها الذي خص بها في نفسها في اطلاعها على حقائق الأشياء وقربها من ربي ~~العالمين في الصفات لا في المكان وفي رتبة الوجود، فإن الموجودات حصلت من ~~الله على ترتيب وبوسائط فالذي يقرب من الوسائط رتبته لا محالة أعلى. ### | ولكن الإنسان يفضلها على غيرها # والثاني ms150 أن الإنسان أيضا قد يؤثر اللذات العقلية على الحسية، فإن من ~~يتمكن من غلبة عدو والشماتة به يهجر في تحصيله ملاذ الأنكحة والأطعمة بل قد ~~يهجر الأكل طول النهار في لذة غلبة الشطرنج والنرد مع خسة الأمر فيه ولا ~~يحس بألم الجوع. وكذلك المتشوف إلى الحشمة والرئاسة يتردد بين انخرام حشمته ~~بقضاء الوطر من عشيقته مثلا بحيث يعرفه غيره وينتشر عنه فيصون الحشمة ويترك ~~قضاء الوطر ويستحقر ذلك محافظة على ماء الوجه فيكون ذلك لا محالة ألذ عنده، ~~بل ربما يهجم الشجاع على جم غفير من الشجعان مستحقرا خطر الموت شغفا بما ~~يتوهمه بعد الموت من لذة الثناء والإطراء عليه. ### | فالأفضلية هي للذات العقلية الأخروية # فإذن اللذات العقلية الأخروية أفضل من اللذات الحسية الدنيوية ولولا ذلك ~~لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين ~~رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وقال تعالى: "لا تعلم نفس ما أخفي ~~لهم من قرة أعين" فهذا وجه الحاجة إلى العلم. ### | بعض العلوم نافعة # والنافع من جملته العلوم العقلية المحضة وهي العلم بالله وصفاته وملائكته ~~وكتبه وكيفية وجود الأشياء منه وما وراء ذلك إن كان وسيلة إليه، فهو نافع ~~لأجله وإن لم يكن وسيلة إليه كالنحو واللغة والشعر # PageV01P284 # وأنواع العلوم المفترقة فهي صناعات وحرف كسائر الصناعات. ### | النفس المواظبة على الشهوات تنال الأذى # وأما الحاجة إلى العمل والعبادة فلزكاء النفس، فإن النفس في هذا البدن ~~مصدود عن درك حقائق الأشياء لا لكونه منطبعا في البدن بل لاشتغاله ونزوعه ~~إلى شهواته وشوقه إلى مقتضياته، وهذا النزوع والشوق هيئة للنفس تترسخ فيها ~~وتتمكن منها بطول المواظبة على اتباع الشهوات والمثابرة على الأنس ~~بالمحسوسات المستلذة، فإذا تمكنت من النفس فمات البدن كانت هذه الصفات ~~متمكنه من النفس ومؤذية من وجهين. ### | فتكون عاجزة عن الاتصال بالملائكة # أحدهما أنها تمنعها عن لذتها الخاصة بها وهو الاتصال بالملائكة والإطلاع ~~على الأمور الجميلة الإلهية ولا يكون معه البدن الشاغل فيلهيه عن التألم ~~كما قبل ms151 الموت. ### | وعن اللذة الجسمانية # والثاني أنه يبقى معه الحرص والميل إلى الدنيا وأسبابها ولذاتها وقد ~~استلب منه الآلة فإن البدن هو الآلة للوصول إلى تلك اللذات فيكون حاله حال ~~من عشق امرأة وألف رئاسة واستأنس بأولاد واستروح إلى مال وابتهج بحشمة فقتل ~~معشوقه وعزل عن رئاسته وسبي أولاده ونساؤه وأخذ أمواله أعداؤه وأسقط ~~بالكلية حشمته فيقاسي من الألم ما لا يخفى، وهو في هذه الحيوة غير منقطع ~~الأمل عن عود أمثال هذه الأمور فإن الدنيا غاد ورائح فكيف إذا انقطع الأمل ~~بفقدان البدن بسبب الموت. ### | فالأولى أن يعرض عن الدنيا # ولا ينجي عن التضمخ بهذه الهيئات إلا كف النفس عن الهوى والإعراض عن ~~الدنيا والإقبال بكنه الجد على العلم والتقوى حتى تنقطع علائقه عن الأمور ~~الدنيوية وهو في الدنيا وتستحكم علاقته مع الأمور الأخروية، فإذا مات كان ~~كالمتخلص عن سجن فالواصل إلى جميع مطالبه فهو جنته. # PageV01P285 ### | لكن الضرورات البدنية جاذبة إليها # ولا يمكن سلب جميع هذه الصفات عن النفس ومحوها بالكلية فإن الضرورات ~~البدنية جاذبة إليها، إلا أنه يمكن تضعيف تلك العلاقة ولذلك قال تعالى: ~~"وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا". إلا أنه إذا ضعفت العلاقة ~~لم تشتد نكاية فراقها وعظم الالتذاذ بما اطلع عليه عند الموت من الأمور ~~الإلهية فأماط أثر مفارقة الدنيا والنزوع إليها على قرب، كمن يستنهض من ~~وطنه إلى منصب عظيم وملك مرتفع فقد ترق نفسه حالة الفراق على أهله ووطنه ~~فيتأذى أذى ما ولكن ينمحى بما يستأنفه من لذة الابتهاج بالملك والرئاسة. ### | ولذلك ورد الشرع بالتوسط في الأخلاق # وإذا لم يكن سلب هذه الصفات ورد الشرع في الأخلاق بالتوسط بين كل طرفين ~~متقابلين لأن الماء الفاتر لا حار ولا بارد فكأنه بعيد عن الصفتين فلا ~~ينبغي أن يبالغ في إمساك المال فيستحكم فيه حرص المال ولا في الإنفاق فيكون ~~مبذرا ولا أن يكون ممتنعا عن كل الأمور فيكون جبانا ولا منهمكا في كل أمر ~~فيكون متهورا، بل يطلب الجود فإنه الوسط بين ms152 البخل والتبذير والشجاعة فإنها ~~الوسط بين الجبن والتهور وكذلك في جميع الأخلاق، وعلم الأخلاق طويل ~~والشريعة بالغت في تفصيلها ولا سبيل في تهذيب الأخلاق إلا بمراعاة قانون ~~الشرع في العمل حتى لا يتبع الإنسان هواه فيكون قد اتخذ إلهه هواه بل يقلد ~~الشرع فيقدم ويحجم بإشارته لا باختياره فتتهذب به أخلاقه. ### | فمنهم من يكونون تعساء ومنهم سعداء # على وجه كامل أو غير كامل # ومن عدم هذه الفضيلة في الخلق والعلم جميعا فهو الهالك ولذلك قال تعالى: ~~"قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها". ومن جمع الفضيلتين العلمية والعملية ~~فهو العارف العابد وهو السعيد المطلق # PageV01P286 # ومن له الفضيلة العلمية دون العملية فهو العالم الفاسق ويتعذب مدة ولكن ~~لا يدوم لأن نفسه قد كمل بالعلم ولكن العوارض البدنية لطخته تلطيخا عارضا ~~على خلاف جوهر النفس، وليس تتجدد الأسباب المجددة فينمحى على طول الزمان، ~~ومن له الفضيلة العملية دون العلمية فيسلم وينجو عن الألم ولا يحظى ~~بالسعادة الكاملة. وزعموا أن من مات فقد قامت قيامته. ### | في الشرع صور # وأما ما ورد في الشرع من الصور فالقصد ضرب الأمثال لقصور الأفهام عن درك ~~هذه اللذات فمثل لهم ما يفهمون ثم ذكر لهم أن تلك اللذات فوق ما وصف لهم. ~~فهذا مذهبهم. ### | جوابنا أكثر الأمور صحيحة ولكن لا تعرف إلا بالشرع # ونحن نقول: أكثر هذه الأمور ليس على مخالفة الشرع فإنا لا ننكر أن في ~~الآخرة أنواع من اللذات أعظم من المحسوسات ولا ننكر بقاء النفس عند مفارقة ~~البدن ولكنا عرفنا ذلك بالشرع إذ ورد بالمعاد ولا يفهم المعاد إلا ببقاء ~~النفس، وإنما أنكرنا عليهم من قبل دعواهم معرفة ذلك بمجرد العقل. ### | فالشرع يعلمنا حشر الأجساد # ولكن المخالف للشرع منها إنكار حشر الأجساد وإنكار اللذات الجسمانية في ~~الجنة والآلام الجسمانية في النار وإنكار وجود جنة ونار كما وصف في القرآن. # PageV01P287 # فما المانع من تحقيق الجمع بين السعادتين الروحانية والجسمانية وكذى ~~الشقاوة، # PageV01P288 # وقوله: لا تعلم نفس ما أخفي لهم، أي لا يعلم جميع ذلك. # PageV01P289 # وقوله: ms153 أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت فكذلك وجود تلك الأمور ~~الشريفة لا يدل على نفي غيرها بل الجمع بين الأمرين أكمل والموعود أكمل ~~الأمور وهو ممكن فيجب التصديق به على وفق الشرع. # PageV01P290 ### | قد يقال هذه أمثال # فإن قيل: ما ورد فيه أمثال ضربت على حد أفهام الخلق كما أن الوارد من ~~آيات، التشبيه وإخباره أمثال على حد فهم الخلق والصفات الإلهية مقدسة عما ~~يخيله عامة الناس. # PageV01P291 ### | قولنا لا محل للتأويل # والجواب أن التسوية بينهما تحكم بل هما يفترقان من وجهين: أحدهما أن ~~الألفاظ الواردة في التشبيه تحتمل التأويل على عادة العرب في الاستعارة وما ~~ورد في وصف الجنة والنار وتفصيل تلك الأحوال بلغ مبلغا لا يحتمل التأويل ~~فلا يبقى إلا خمل الكلام على التلبيس بتخييل نقيض الحق لمصلحة الخلق وذلك ~~مما يتقدس عنه منصب النبوة. # PageV01P292 ### | ولا للاستحالة # والثاني أن أدلة العقول دلت على استحالة المكان والجهة والصورة ويد ~~الجارحة وعين الجارحة وإمكان الانتقال والاستقرار على الله سبحانه فوجب ~~التأويل بأدلة العقول وما وعد من الأمور الآخرة ليس محالا في قدرة الله ~~تعالى، فيجب الجري على ظاهر الكلام بل على فحواه الذي هو صريح فيه. # PageV01P293 ### | قولهم هناك أمور محالة # فإن قيل: وقد دل الدليل العقلي على استحالة بعث الأجساد كما دل على ~~استحالة تلك الصفات على الله تعالى. # فنطالبهم بإظهاره. # ولهم فيه مسالك # PageV01P294 ### | مسلكهم الأول إما أن يعاد البدن والحياة # المسلك الأول قولهم: تقدير العود إلى الأبدان لا يعدوا ثلثة أقسام. إما ~~أن يقال: الإنسان عبارة عن البدن والحيوة التي هي عرض قائم به، كما ذهب ~~إليه بعض المتكلمين، وأن النفس التي هي قائم بنفسه ومدبر للجسم فلا وجود ~~له، ومعنى الموت انقطاع الحيوة أي امتناع الخالق عن خلقها فتنعدم والبدن ~~أيضا ينعدم، ومعنى المعاد إعادة الله للبدن الذي انعدم ورده إلى الوجود ~~وإعادة الحيوة التي انعدمت أو يقال: مادة البدن تبقى ترابا ومعنى المعاد أن ~~يجمع ويركب على شكل آدمي ويخلق فيه الحيوة ابتداء، فهذا قسم. ### | إما أن ترد ms154 النفس إلى البدن # وإما أن يقال: النفس موجود ويبقى بعد الموت ولكن يرد البدن الأول بجمع ~~تلك الأجزاء بعينها، # PageV01P295 # وهذا قسم. ### | إما أن ترد النفس إلى بدن أيا كان # وإما أن يقال: يرد النفس إلى بدن سواء كان من تلك الأجزاء أو من غيرها ~~ويكون العائد ذلك الإنسان من حيث أن النفس تلك النفس، فأما المادة فلا ~~التفات إليها إذ الإنسان ليس إنسانا بها بل بالنفس. # وهذه الأقسام الثلثة باطلة. ### | وهذه الثلاثة باطلة # ففي الأول إيجاد لمثل ما كان لا إعادة عين ما كان # أما الأول فظاهر البطلان لأنه مهما انعدمت الحيوة والبدن فاستئناف خلقها ~~إيجاد لمثل ما كان لا لعين ما كان، بل العود المفهوم هو الذي يفرض فيه بقاء ~~شيء وتجد شيء، كما يقال: فلان عاد إلى الإنعام أي أن المنعم باق، وترك ~~الإنعام ثم عاد إليه أي عاد إلى ما هو الأول بالجنس ولكنه غيره بالعدد ~~فيكون عودا بالحقيقة إلى مثله لا إليه. ويقال: فلان عاد إلى البلد أي بقي ~~موجودا خارجا وقد كان له كون في البلد فعاد إلى مثل ذلك فإن لم يكن شيء باق ~~وشيئان متعددان متماثلان يتخللهما زمان لم يتم اسم العود، إلا أن يسلك مذهب ~~المعتزلة فيقال: المعدوم شيء ثابت والوجود حال يعرض له مرة وينقطع تارة ~~ويعود أخرى فيتحقق معنى العود باعتبار بقاء الذات ولكنه رفع للعدم المطلق ~~الذي هو النفي المحض وهو إثبات للذات مستمرة الثبات إلى أن يعود إليه ~~الوجود وهو محال. ### | فلا يعود الإنسان بعينه # وإن احتال ناصر هذا القسم بأن قال: تراب البدن لا يفنى فيكون باقيا فتعود ~~إليه الحيوة. فنقول عند ذلك يستقيم أن يقال: عاد التراب حيا بعد أن انقطعت ~~الحيوة عنه مرة، ولا يكون ذلك عودا للإنسان ولا رجوع ذلك الإنسان بعينه لأن ~~الإنسان إنسان لا بمادته والتراب الذي فيه إذ يتبدل عليه سائر الأجزاء أو ~~أكثرها بالغذاء وهو ذاك الأول بعينه، فهو باعتبار روحه أو نفسه # PageV01P296 # فإذا عدمت الحيوة أو الروح فما عدم ms155 لا يعقل عوده وإنما يستأنف مثله، ~~ومهما خلق الله حيوة إنسانية في تراب يحصل من بدن شجر أو فرس أو نبات كان ~~ذلك ابتداء خلق الإنسان، فالمعدوم قط لا يعقل عوده والعائد هو الموجود أي ~~عاد إلى حالة كانت له من قبل أي إلى مثل تلك الحالة، فالعائد هو التراب إلى ~~صفة الحيوة. ### | وليس الإنسان قائما ببدنه # وليس الإنسان ببدنه إذ قد يصير بدن الفرس غذاء الإنسان فيتخلق منه نطفة ~~يحصل منها إنسان فلا يقال: الفرس انقلب إنسانا بل الفرس فرس بصورته لا ~~بمادته وقد انعدمت الصورة وما بقي إلا المادة. ### | وأما الثاني فلا يمكن أن يرد البدن الفاسد # وأما القسم الثاني وهو تقدير بقاء النفس ورده إلى ذلك البدن بعينه فهو لو ~~تصور لكان معادا أي عودا إلى تدبير البدن بعد مفارقته ولكن محال إذ بدن ~~الميت ينحل ترابا أو تأكله الديدان والطيور ويستحيل دما وبخارا وهواء ~~ويمتزج بهواء العالم وبخاره ومائه امتزاجا يبعد انتزاعه واستخلاصه. ### | يستقبح جمع أجزاء الميت وحدها # ولكن إن فرض ذلك اتكالا على قدرة الله فلا يخلوا إما أن يجمع الأجزاء ~~التي مات عليها فقط فينبغي أن يكون معاد الأقطع ومجذوع الأنف والأذن وناقص ~~الأعضاء كما كان، وهذا مستقبح لا سيما في أهل الجنة وهم الذين خلقوا ناقصين ~~في ابتداء الفترة فإعادتهم إلى ما كانوا عليه من الهزال عند الموت في غاية ~~النكال. هذا إن اقتصر على جمع الأجزاء الموجودة عند الموت. ### | ولا يمكن جمع جميع الأجزاء التي كانت في طول عمره # وإن جمع جميع أجزائه التي كانت موجودة في جميع عمره فيه فهو محال من ~~وجهين: أحدهما أن الإنسان إذا تغذى بلحم إنسان، وقد جرت العادة به في بعض ~~البلاد ويكثر وقوعه في أوقات القحط، فيتعذر حشرهما جميعا لأن # PageV01P297 # مادة واحدة كانت بدنا للمأكول وصارت بالغذاء بدنا للآكل ولا يمكن رد ~~نفسين إلى بدن واحد. والثاني أنه يجب أن يعاد جزء واحد كبدا وقلبا ويدا ~~ورجلا فإنه ثبت بالصناعة الطبية أن الأجزاء العضوية يغتذي ms156 بعضها بفضلة غذاء ~~البعض فيتغذى الكبد بأجزاء القلب وكذلك سائر الأعضاء. فنفرض أجزاء معينة قد ~~كانت مادة لجملة من الأعضاء فإلى أي عضو تعاد؟ بل لا يحتاج في تقرير ~~الاستحالة الأولى إلى أكل الناس الناس فإنك إذا تأملت ظاهر التربة المعمورة ~~علمت بعد طول الزمان أن ترابها جثث الموتى قد تتربت وزرع فيها وغرس وصار ~~حبا وفاكهة وتناولها الدواب فصارت لحما وتناولناها فعادت بدنا لنا، فما من ~~مادة يشار إليها إلا وقد كانت بدنا لأناس كثيرة فاستحالت وصارت ترابا ثم ~~نباتا ثم لحما ثم حيوانا. بل يلزم منه محال ثالث وهو أن النفوس المفارقة ~~للأبدان غير متناهية والأبدان أجسام متناهية فلا تفي المواد التي كانت مواد ~~الإنسان بأنفس الناس كلهم بل تضيق عنهم. ### | وأما الثالث فهو محال، فالأنفس هي متناهية # وأما القسم الثالث وهو رد النفس إلى بدن إنساني من أي مادة كانت وأي تراب ~~اتفق فهذا محال من وجهين: أحدهما أن المواد القابلة للكون والفساد محصورة ~~في مقعر فلك القمر لا يمكن عليها مزيد وهي متناهية والأنفس المفارقة ~~للأبدان غير متناهية فلا تفي بها. ### | فليس هناك طرق مقبولة # والثاني أن التراب لا يقبل تدبير النفس ما بقي ترابا بل لا بد وأن تمتزج ~~العناصر امتزاجا يضاهي امتزاج النطفة، بل الخشب والحديد لا يقبل # PageV01P298 # هذا التدبير ولا يمكن إعادة الإنسان وبدنه من خشب أو حديد بل لا يكون ~~إنسانا إلا إذا انقسم أعضاء بدنه إلى اللحم والعظم والأخلاط، ومهما استعد ~~البدن والمزاج لقبول نفس استحق من المبادئ الواهبة للنفوس حدوث نفس فيتوارد ~~على البدن الواحد نفسان. ### | ولا يسلم بالتناسخ # وبهذا بطل مذهب التناسخ وهذا المذهب هو عين التناسخ فإنه رجع إلى اشتغال ~~النفس بعد خلاصها من البدن بتدبير بدن آخر غير البدن الأول. فالمسلك الذي ~~يدل على بطلان التناسخ يدل على بطلان هذا المسلك. ### | اعتراضنا أن نختار القسم الثالث وهو لا يخالف الشرع # والاعتراض هو أن يقال: بم تنكرون على من يختار القسم الأخير ويرى أن ~~النفس باقية بعد الموت؟ ms157 وهو جوهر قائم بنفسه وأن ذلك لا يخالف الشرع بل دل ~~عليه الشرع في قوله: "ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء ~~عند ربهم" وبقوله عليه السلام: أرواح الصالحين في حواصل طير خضر معلقة تحت ~~العرش، وبما ورد من الأخبار بشعور الأرواح بالصدقات والخيرات وسؤال منكر ~~ونكير وعذاب القبر وغيره وكل ذلك يدل على البقاء. ### | وفيه عود محقق # نعم قد دل مع ذلك على البعث والنشور بعده هو بعث البدن. وذلك ممكن بردها ~~إلى بدن أي بدن كان سواء كان من مادة البدن الأول أو من غيره أو من مادة ~~استؤنف خلقها، فإنه هو بنفسه لا ببدنه إذ يتبدل عليه أجزاء البدن من الصغر ~~إلى الكبر بالهزال والسمن وتبدل الغذاء ويختلف مزاجه مع ذلك وهو ذلك ~~الإنسان بعينه فهذا مقدور لله ويكون ذلك عودا لذلك النفس فإنه كان قد تعذر ~~عليه أن يحظى بالآلام واللذات الجسمانية بفقد الآلة وقد أعيدت إليه آلة مثل ~~الأولى فكان ذلك عودا محققا. # PageV01P299 ### | النفوس ليست غير متناهية # وما ذكرتموه من استحالة هذا بكون النفوس غير متناهية وكون المواد متناهية ~~محال لا أصل له فإنه بناء على قدم العالم وتعاقب الأدوار على الدوام ومن لا ~~يعتقد قدم العالم فالنفوس المفارقة للأبدان عنده متناهية وليست أكثر من ~~المواد الموجودة، وإن سلم أنها أكثر فالله تعالى قادر على الخلق واستئناف ~~الاختراع وإنكاره إنكار لقدرة الله على الأحداث. وقد سبق إبطاله في مسألة ~~حدث العالم. ### | أما التناسخ فلا مشاحة في الأسماء # وأما إحالتكم الثانية بأن هذا تناسخ فلا مشاحة في الأسماء فما ورد الشرع ~~به يجب تصديقه فليكن تناسخا وإنما نحن ننكر التناسخ في هذا العالم. فأما ~~البعث فلا ننكره سمي تناسخا أو لم يسم. ### | والله قادر على تدبير الأمر # وقولكم إن كل مزاج استعد لقبول نفس استحق حدوث نفس من المبادئ رجوع إلى ~~أن حدوث النفس بالطبع لا بالإرادة وقد أبطل ذلك في مسألة حدث العالم. كيف ~~ولا يبعد على مساق مذهبكم أيضا أن يقال: ms158 إنما يستحق حدوث نفس إذا لم يكن ثم ~~نفس موجودة فتستأنف نفس؟ فيبقى أن يقال: فلم لم تتعلق بالأمزجة المستعدة في ~~الأرحام قبل البعث والنشور بل في عالمنا هذا؟ فيقال: لعل الأنفس المفارقة ~~تستدعي نوعا آخر من الاستعداد ولا يتم سببها إلا في ذلك الوقت. ولا بعد في ~~أن يفارق الاستعداد المشروط للنفس الكاملة المفارقة الاستعداد المشروط ~~للنفس الحادثة ابتداء التي لم تستفد كمالا بتدبير البدن مدة، والله تعالى ~~أعرف بتلك الشروط وبأسبابها وأوقات حضورها وقد ورد الشرع به وهو ممكن فيجب ~~التصديق به. ### | مسلكهم الثاني كما أن قلب الحديد ثوبا ### | يقتضي تعدد الاستحالات # المسلك الثاني أن قالوا: ليس في المقدور أن يقلب الحديد ثوبا منسوجا بحيث ~~يتعمم به إلا بأن تحلل أجزاء الحديد إلى العناصر # PageV01P300 # بأسباب تستولي على الحديد فتحلله إلى بسائط العناصر ثم تجمع العناصر ~~وتدار في أطوار في الخلقة إلى أن تكتسب صورة القطن ثم يكتسب القطن صورة ~~الغزل ثم الغزل يكتسب الانتظام المعلوم الذي هو النسج على هيئة معلومة. ولو ~~قيل إن قلب الحديد عمامة قطنية ممكن من غير الاستحالة في هذه الأطوار على ~~سبيل الترتيب كان محالا. نعم يجوز أن يخطر للإنسان أن هذه الاستحالات يجوز ~~أن تحصل كلها في زمان متقارب لا يحس الإنسان بطولها فيظن أنه وقع فجأة دفعة ~~واحدة. ### | هذا ما يقتضيه أيضا تجدد بدن الإنسان لترد النفس إليه # وإذا عقل هذا فالإنسان المبعوث المحشور لو كان بدنه من حجر أو ياقوت أو ~~در أو تراب محض لم يكن إنسانا بل لا يتصور أن يكون إنسانا، إلا أن يكون ~~متشكلا بالشكل المخصوص مركبا من العظام والعروق واللحوم والغضاريف ~~والأخلاط، والأجزاء المفردة تتقدم على المركبة فلا يكون البدن ما لم تكن ~~الأعضاء ولا تكون الأعضاء المركبة ما لم تكن العظام واللحوم والعروق ولا ~~تكون هذه المفردات ما لم تكن الأخلاط ولا تكون الأربعة ما لم تكن موادها من ~~الغذاء ولا يكون الغذاء ما يكن حيوان أو نبات وهو اللحم والحبوب ولا يكون ~~حيوان ms159 ونبات ما لم تكن العناصر الأربعة جميعا ممتزجة بشرائط مخصوصة طويلة ~~أكثر مما فصلنا جملتها. فإذن لا يمكن أن يتجدد بدن إنسان لترد النفس إليه ~~إلا بهذه الأمور. ### | وهذا محال من جميع الوجوه # ولها أسباب كثيرة: أفينقلب التراب إنسانا بأن يقال له كن؟ أو بأن تمهد ~~أسباب انقلابه في هذه الأدوار وأسبابه هي إلقاء النطفة المستخرجة من لباب ~~بدن الإنسان في رحم حتى يسمد من دم الطمث ومن الغذاء مدة حتى يتخلق مضغة ثم ~~علقة ثم جنينا ثم طفلا ثم شابا ثم كهلا. # PageV01P301 # فقول القائل: يقال له كن فيكون، غير معقول إذ التراب لا يخاطب وانقلابه ~~إنسانا دون التردد في هذه الأطوار محال. وتردده في هذه الأطوار دون جريان ~~هذه الأسباب محال فيكون البعث محالا. ### | اعتراضنا هذا لا بد منه ولو في زمان طويل # والاعتراض أنا نسلم أن الترقي في هذه الأطوار لا بد منه حتى يصير بدن ~~الإنسان كما لا بد منه حتى يصير الحديد عمامة فإنه لو بقي حديدا لما كان ~~ثوبا بل لا بد وأن يصير قطنا مغزولا ثم منسوجا. ولكن ذلك في لحظة أو في مدة ~~ممكن ولم يبن لنا أن البعث يكون في أوحى ما يقدر إذ يكون جمع العظام وإنشاز ~~اللحم وإنباته في زمان طويل وليس المناقشة فيه. ### | وهذا يحصل بقدرة الله إما من غير واسطة # وإنما النظر في أن الترقي في هذه الأطوار يحصل بمجرد القدرة من غير واسطة ~~أو بسبب من الأسباب، وكلاهما ممكنان عندنا كما ذكرناه في المسألة الأولى من ~~الطبيعيات عند الكلام على إجراء العادات، وإن المقترنات في الوجود اقترانها ~~ليس على طريق التلازم بل العادات يجوز خرقها فيحصل بقدرة الله تعالى هذه ~~الأمور دون وجود أسبابها. ### | أو بواسطات غريبة # وأما الثاني فهو أن نقول: ذلك يكون بأسباب ولكن ليس من شرط أن يكون السبب ~~هو المعهود بل في خزانة المقدورات عجائب وغرائب لم يطلع عليها ينكرها من ~~يظن أن لا وجود إلا لما شاهده، كما ينكر طائفة السحر والنارنجات ms160 والطلسمات ~~والمعجزات والكرامات وهي ثابتة بالاتفاق بأسباب غريبة لا يطلع عليها. # PageV01P302 ### | من استنكر قوة المغناطيس ثم شاهدها # تعجب منها فهكذا يتعجبون # بل لو لم ير إنسان المغناطيس وجذبه للحديد وحكي له ذلك لاستنكره وقال: لا ~~يتصور جذب للحديد إلا بخيط يشد عليه ويجذب فإنه المشاهد في الجذب، حتى إذا ~~شاهده تعجب منه وعلم أن علمه قاصر عن الإحاطة بعجائب القدرة. وكذلك الملحدة ~~المنكرة للبعث والنشور إذا بعثوا ورأوا عجائب صنع الله فيه ندموا ندامة لا ~~تنفعهم ويتحسرون على جحودهم تحسرا لا يغنيهم ويقال لهم: "هذا الذي كنتم به ~~تكذبون" كالذي يكذب بالخواص والأشياء الغريبة. ### | إن الإنسان لو خلق عاقلا لأنكر خلق الإنسان من النطفة # بل لو خلق إنسان عاقلا ابتداء وقيل له إن هذه النطفة القذرة المتشابهة ~~الأجزاء تنقسم أجزاؤها المتشابهة في رحم آدمية إلى أعضاء مختلفة لحمية ~~وعصبية وعظمية وعرقية وغضروفية وشحمية فيكون منه العين على سبع طبقات ~~مختلفة في المزاج واللسان والأسنان على تفاوتهما في الرخاوة والصلابة مع ~~تجاورهما وهلم جرا إلى البدائع التي في الفطرة لكان إنكاره أشد من إنكار ~~الملحدة حيث قالوا: أئذا كنا عظاما نخرة الآية. ### | فيجب عدم إنكار ما لم يشاهد # فليس يتفكر المنكر للبعث أنه من أين عرف انحصار أسباب الوجود فيما شاهد ~~ولم يبعد أن يكون في إحياء الأبدان منهاج غير ما شاهده. وقد ورد في بعض ~~الأخبار أنه يعم الأرض في وقت البعث مطر قطراتها تشبه النطف وتختلط بالتراب ~~فأي بعد في أن يكون في الأسباب الإلهية أمر يشبه ذلك ونحن لا نطلع عليه ~~ويقتضي ذلك انبعاث الأجساد واستعدادها لقبول النفوس المحشورة، وهل لهذا ~~الإنكار مستند إلا الاستبعاد المجرد؟ # PageV01P303 ### | قد يقال إن الفعل الإلهي لا يتغير وهو دوري # فإن قيل: الفعل الإلهي له مجرى واحد مضروب لا يتغير ولذلك قال تعالى: ~~"وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر" وقال: "ولن تجد لسنة الله تبديلا" وهذه ~~الأسباب التي أوهمتهم إمكانها إن كانت فينبغي أن تطرد أيضا وتتكرر إلى غير ~~غاية وأن يبقى هذا ms161 النظام الموجود في العالم من التولد والتوالد إلى غير ~~غاية. وبعد الاعتراف بالتكرر والدور فلا يبعد أن يختلف منهاج الأمور في كل ~~ألف ألف سنة مثلا ولكن يكون ذلك التبدل أيضا دائما أبديا على سنن واحد فإن ~~سنة الله لا تبديل فيها. ### | ويصدر عن الإرادة وهي غير متعينة # وهذا لمكان أن الفعل الإلهي يصدر عن المشيئة الإلهية والمشيئة الإلهية ~~ليست متعينة الجهة حتى يختلف نظامها باختلاف جهاتها فيكون الصادر منها كيف ~~ما كان منتظما انتظاما يجمع الأول والآخر على نسق واحد كما نراه في سائر ~~الأسباب والمسببات. ### | وستكون الآخرة والقيامة # فإن جوزتم استمرار التوالد والتناسل بالطريق المشاهد الآن أو عود هذا ~~المنهاج ولو بعد زمان طويل على سبيل التكرر والدور فقد رفعتم القيامة ~~والآخرة وما دل عليه ظواهر الشرع إذ يلزم عليه أن يكون قد تقدم على وجودنا ~~هذا البعث كرات وسيعود كرات وهكذى على الترتيب. ### | ولا يمكن انقسام الحالات إلى ثلاثة # وإن قلتم إن السنة الإلهية بالكلية تتبدل إلى جنس آخر ولا تعود قط هذه ~~السنة وتنقسم مدة الإمكان إلى ثلاثة أقسام: قسم قبل خلق العالم إذ كان الله ~~ولا عالم وقسم بعد خلقه على هذا الوجه وقسم به الاختتام وهو المنهاج ~~البعثي، بطل الاتساق والانتظام وحصل التبديل لسنة الله وهو محال فإن # PageV01P304 # هذا إنما يمكن بمشيئة مختلفة باختلاف الأحوال أما المشيئة الأزلية فلها ~~مجرى واحد مضروب لا تتبدل عنه لأن الفعل مضاه للمشيئة والمشيئة على سنن ~~واحد لا تختلف بالإضافة إلى الأزمان؟ ### | وهذا لا يناقض القول بأن الله "قادر على كل شيء" # وزعموا أن هذا لا يناقض قولنا إن الله قادر على كل شيء فإنا نقول إن الله ~~قادر على البعث والنشور وجميع الأمور الممكنة على معنى أنه لو شاء لفعل، ~~وليس من شرط صدق قولنا هذا أن يشاء ولا أن يفعل. وهذا كما أنا نقول إن ~~فلانا قادر على أن يجز رقبة نفسه ويبعج بطن نفسه ويصدق ذلك على معنى أنه لو ~~شاء لفعل ولكنا نعلم أنه ms162 لا يشاء ولا يفعل. ### | ولا يناقضه أنه "لا يشاء ولا يفعل" # وقولنا: لا يشاء ولا يفعل لا يناقض قولنا إنه قادر بمعنى أنه لو شاء لفعل ~~فإن الحمليات لا تناقض الشرطيات كما ذكر في المنطق إذ قولنا: لو شاء لفعل، ~~شرطي موجب وقولنا: ما شاء وما فعل، حملتان سالبتان والسالبة الحملية لا ~~تناقض الموجبة الشرطية. فإذن الدليل الذي دلنا على أن مشيئة أزلية وليست ~~متفننة يدلنا على أن مجرى الأمر الإلهي لا يكون إلا على انتظام وإن اختلفت ~~في آحاد الأوقات فيكون اختلافها أيضا على انتظام واتساق بالتكرر والعود ~~وأما غير هذا فلا يمكن. ### | جوابنا يمكن انقسام الحالات إلى ثلاثة # والجواب أن هذا استمداد من مسألة قدم العالم وأن المشيئة قديمة فليكن ~~العالم قديما وقد أبطلنا ذلك وبينا أنه لا يبعد في العقل وضع ثلثة أقسام ~~وهو # PageV01P305 # أن يكون الله موجودا ولا عالم ثم يخلق العالم على النظم المشاهد ثم ~~يستأنف نظما ثانيا وهو الموعود في الجنة ثم يعدم الكل حتى لا يبقى إلا الله ~~وهو ممكن لولا أن الشرع قد ورد بأن الثواب والعقاب والجنة والنار لا آخر ~~لهما. ### | المسألة تنبنى على المسألتين الأولى والسابعة عشرة # وهذه المسألة كيف ما رددت تنبنى على مسئلتين إحديهما حدث العالم وجواز ~~حصول حادث من قديم الثانية خرق العادات بخلق المسببات دون الأسباب أو إحداث ~~أسباب على منهج آخر غير معتاد، وقد فرغنا عن المسئلتين جميعا. # PageV01P306 ### | خاتمة الكتاب ### | هل هم كافرون؟ # فإن قال قائل: قد فصلتم مذاهب هؤلاء أفتقطعون القول بكفرهم ووجوب القتل ~~لمن يعتقد اعتقادهم؟ ### | تكفيرهم لا بد منه # في المسائل الأولى والثالثة عشرة والسابعة عشرة # قلنا: تكفيرهم لا بد منه في ثلث مسائل إحديها مسألة قدم العالم وقولهم إن ~~الجواهر كلها قديمة # PageV01P307 # والثانية قولهم إن الله لا يحيط علما بالجزئيات الحادثة من الأشخاص ~~والثالثة في إنكارهم بعث الأجساد وحشرها، فهذه المسائل الثلث لا تلائم ~~الإسلام بوجه ومعتقدها معتقد كذب # PageV01P308 # الأنبياء. وإنهم ذكروا ما ذكروه على سبيل المصلحة تمثيلا لجماهير الخلق ~~وتفهيما ms163 وهذا هو الكفر الصراح الذي لم يعتقده أحد من فرق المسلمين. ### | وفي غيرها من المسائل # فمذهبهم قريب من مذاهب الفرق الإسلامية # فأما ما عدا هذه المسائل الثلث من تصرفهم في الصفات الإلهية واعتقاد ~~التوحيد فيها فمذهبهم قريب من مذاهب المعتزلة ومذهبهم في تلازم الأسباب ~~الطبيعية هو الذي صرح المعتزلة به في التولد، وكذلك جميع ما نقلناه عنهم قد ~~نطق به فريق من فرق الإسلام إلا هذه الأصول الثلث. فمن يرى تكفير أهل البدع ~~من فرق الإسلام يكفرهم أيضا به ومن يتوقف عن التكفير يقتصر على تكفيرهم ~~بهذه المسائل. ### | المسائل التي لا يحسن الخوض فيها # وأما نحن فلسنا نؤثر الآن الخوض في تكفير أهل البدع وما يصح # PageV01P309 # منه وما لا يصح كيلا يخرج الكلام عن مقصود هذا الكتاب والله تعالى الموفق ~~للصواب. PageV01P310 ms164